image_print

الهدي النبوي في مقاومة تهديدات الهوية الإسلامية

في أوساط القرن الخامس الهجري، ألقى أبو حامد الغزالي ملاحظة مهمة بعد تعامله مع شريحة من المنبهرين بالفلسفة اليونانيّة في عصره، أدى بهم هذا الانبهار إلى مناقضة الشريعة، ولاحظ أن هذه الشريحة غير مدركة لحقائق الأفكار الفلسفية، وإنما غاية الأمر أنهم مندهشون من أسماء الفلاسفة الرنانة، فيتلبّسون بهذه الأفكار لكي يكتسبوا هُوية مستمدة منهم، فيقول في كتابه [تهافت الفلاسفة، 41]: “فإني قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميّز عن الأتراب، قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات، وإنَّما مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة، كسقراط وبقراط، وأفلاطون، وأرسطوطاليس، وإطناب طوائف من متبعيهم في وصف عقولهم ودقة علومهم، وأنهم مع رزانة عقلهم منكرون للشرائع، فلمّا قرع ذلك سمعهم تجمّلوا باعتقاد الكفر، فأية رتبة في عالم الله أخس من رتبة من يتجمّل بترك الحق تقليدًا”

وفي القرن السابع/ الثامن الهجري قدَّم ابن تيميّة ملاحظات كثيرة حول ظاهرة الانبهار بالفلسفة اليونانيّة، وتأويل نصوص العقيدة لتوافقها، ويشير في ثنايا دراسته إلى الأسلوب غير النزيه الذي تسبب في تصدعات عقدية في الداخل المسلم: “فيأخذ هؤلاء العبارات الإسلاميّة ويودعونها معاني هؤلاء، وتلك العبارات مقبولة عند المسلمين، فإذا سمعوها قبلوها، ثم إذا عرفوا المعاني التي قصدها هؤلاء ضل بها من لم يكن يعرف حقيقة دين الإسلام”، [مجموع الفتاوى، 17/333]

وفي القرن الثامن/ التاسع دوّن ابن خلدون ملاحظات حول تغالب الثقافات، من مستوى التصرفات والمواقف الفردية، إلى مستوى الروح المجتمعية العامة، وعقد لذلك فصلاً خاصًا كرسه لتحليل هذه الظاهرة، قال فيه:
“الفصل الثالث والعشرون: في أن المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب؛ في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسبب في ذلك: أن النفس أبدًا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلبٍ طبيعي، إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك، واتصل لها اعتقادًا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به، حتى أنه إذا كانت أمة تجاور أخرى، ولها الغلب عليها؛ فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير”، [المقدمة، 1/283].

واستمرت عملية الرصد لهذهِ التيارات المنكسرة لسلطة الثقافة الغربية، ويمكن لنا أن ننتقي نموذجًا متأخرًا في السبعينيات الميلادية، وهو القانوني الدكتور فتحي عبد الكريم حيث يقول: “دفعهم حماستهم للإسلام إلى أن يثبتوا فيه، بغير دراسة معمقة، كل ما يرونه قد راج في أسواق العالم المتحضر؛ متوهمين أن في ذلك خدمة جليلة للإسلام، فكأن الإسلام في أعينهم طفلٌ يتيم ذليل لا يعيش إلا إذا جعل تحت رعاية رجل ذي قوة ونفوذ، أو هم يخافون أن لا تكون لهم عزة من حيث كونهم مسلمين؛ إذا أخرجوا للناس مبادئ من دينهم مثل مبادئ النظم الاجتماعية السائدة في عصرهم، فإذا راجت الديمقراطية كان الإسلام ديمقراطيًا، وإذا راجت الاشتراكية كان الإسلام اشتراكيًا، وإذا راجت نظرية سيادة الأمة كانت هذه النظرية من نظريات الإسلام”، [الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي، 81]

التعامل النبوي مع الحضارات المختلفة

بُعث النبي محمَّد ﷺ في الناس وفي عصره أربع إمبراطوريات اقتسمت العالم، الرومانيّة والفارسيّة والهنديّة والصينيّة، فالأولى امتدت لأوروبا، والثانية حاضرة في الشرق الأدنى، والأخريان شبه معزولتين، وكان المخزون الحضاري متراكمًا من الحضارة المصريّة والإغريقيّة.

وكان العالم قُبيل مبعثه ﷺ حافلاً بالمعارف والعلوم في دقائق المعقولات، كما أرخ الأمريكي ديفيد ليندبرغ ذلك في موسوعة the cambridge history of science، فعُرف قانون الهُوية والتناقض والثالث المرفوع، ونظرية الدولة، وتقسيم أشكال إسناد السلطة، ودقائق الهندسة، وتعيين بعض القيم الرياضية، وفنون العمارة، والمسرح والشعر والأدب، وأصول الطب، وقياس المسافات الفلكيّة وتحديد مواعيد الكسوف واختراع البوصلة، والرافعات، وغيرها كثير.

ورغم ذلك كلّه، فإن الله سبحانه وتعالى أخبر نبيه محمَّد عن القيمة المنحطَّة لكل تلك المدنيات، ووصفها القرآن بالضلال بكل ما تضمنته قوتهم وعلومهم وفنونهم ومدنيتهم، في قوله سبحانه: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164]

وقد أخبرنا سبحانه وتعالى أنه يبغضهم ويمقتهم ويكرههم جل جلاله، سواء كانوا أدباء العرب أم فلاسفة أثينا، أم أطباء الصين، أم حكماء الهند، أم غيرهم، كما رُوي عن رسول الله أنه قال مرَّةً في خطبته: (وإنَّ اللَّهَ نَظَرَ إلى أَهْلِ الأرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إلَّا بَقَايَا مِن أَهْلِ الكِتَابِ) [صحيح مسلم] كل ما كان متوفرًا آنذاك من العلوم المدنية والفلاسفة والأدباء؛ بلا وزن في ميزان الله سواءٌ في ذلك عربهم وعجمهم، ولم يستثنِ -سبحانه- إلا طائفة قليلة من الناس هم أهل الكِتاب (اليهود والنصارى) بسبب ما كان لديهم من بقايا النبوات.

وحكم الله على البشرية كافّة أنها في الظلمات قبل البعثة، وبيّن سبحانه أن التنوير الحقيقي الذي تحتاجه هو نور الوحي، وسيبقى من أعرض عن هذا الوحي مرتكسًا في الظلام والضلال مهما أُوتي من العلوم، وهذا الانتقاص والاستعلاء الشرعي على المنجزات الحضاريّة والفنيّة ليس ذمًّا لتلك المنجزات لذاتها، وإنَّما لأن أصحابها لم يتزكوا ويتنوروا بالوحي والعلوم الإلهية.

والمنهج الذي يُحبَّه الله ويريده من المسلم إزاء الحضارات الأخرى هو الانتفاع بما لديها ممَّا يعزز الغاية، كما انتفع النبي وأصحابه في الخندق، ومشروعية الغيلة، والتبادل التجاري، وافتدى الأسير الكافر بتعليم المسلمين، دون أن يقع المرء في تعظيمها والانبهار بها مع ضلالها عن الإسلام، بل يعي تخلفها وانحطاطها وظلاميتها، كما وعى ذلك النبي وأصحابه، وحاجتها للتنوير الحقيقي الذي لا يكون إلا بالإسلام.

ديفيد ليندبرغ

البناء النبوي للهوية الإسلاميّة في نفوس الأمة

حرص النبي ﷺ على تميُّز المسلمين عن غيرهم حتَّى في المظهر العامّ، سواءٌ على مستوى الفرد أو المجتمع ككُلٍّ، إذ وردت أدلَّة كثيرة حول مسألة النهي عن التشبُّه بالكُفَّار ومسايرتهم، فهذا التشبُّه الظَّاهري له أثَرُه الذي قد يمتدُّ إلى موافقتهم فيما هو أشدُّ من اعتقاداتٍ وتشريعاتٍ، لأجل ذلك، أكثر النبي تنبيه أصحابه إلى التنوير الحقيقي وهو نور الوحي، وربَّى أصحابه على أن تلك المجتمعات المتمدنة المحيطة بهم يحتاجونكم أضعاف ما تحتاجونهم، فهم إنما يملكون الوسائل، وأنتم تعرفون الغايات، وشتّان بين منزلة الغاية والوسيلة.

وكان ﷺ يستثمر الأحداث والمواقف ليوضّح ويُبيِّن ويكشف عن هويّة الإسلام الخالصة المتفردة، التي لا يمكن لها أن تُستَمَد من حضارة أخرى، أو تستعير منها المنطلقات والغايات.

وكان أظهر ما ثبّته الني في الصدور: متاعيّة الدُّنيا ومركزيّة الآخرة، فحين بكى عمر من بساطة بيت رسول الله بالنسبة إلى قصور الحضارات الأخرى، ربَّاه النبي بحزم على هذا المعنى، حيث رُوي عن عمر بن الخطاب أنه قال: (دخلتُ على رسولِ اللهِ ﷺ وهو على حصيرٍ قال: فجلستُ، فإذا عليه إزارُه، وليس عليه غيرُه، وإذا الحصيرُ قد أثَّر في جنبِه، فابتدرت عيناي، فقال: ما يُبكيك يا بنَ الخطَّابِ؟ فقال: يا نبيَّ اللهِ وما لي لا أبكي! وهذا الحصيرُ قد أثَّر في جنبِك وهذه خِزانتُك لا أرَى فيها إلَّا ما أرَى، وذاك كسرَى وقيصرُ في الثِّمارِ والأنهارِ، وأنت نبيُّ اللهِ وصفوتُه وهذه خِزانتُك. قال: يا بنَ الخطَّابِ أما ترضَى أن تكونَ لنا الآخرةُ ولهم الدُّنيا!). [صحيح مسلم]

هذا الحوار العظيم بين النبي ﷺ وعمر من أدق المشاهد على ثبات مركزيّة الآخرة في الهويّة الإسلاميّة، فحين عبَّر عمر عن تألمه وهو يقارن المظاهر الدنيويّة في الحضارة الفارسيّة والروميّة بمحدودية المجتمع الإسلامي، أعاد ﷺ تذكيره بمركزية الآخرة، فقال له: (أما ترضى أن تكون لهم الدُّنيا ولنا الآخرة)، وفي رواية أخرى في الصحيحين أن النبي قال له: (أفي شك أنت يا بن الخطاب، أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا).

وحين أُهدي إلى النبي هدية أعاد ذات الدرس عليهم، فعن البراء بن عازب، قال: أُهديَ إلى النبي ﷺ سَرَقةٌ من حرير، فجعلَ النَّاس يتداولونها بينهم ويعجبُونَ من حُسنها ولينها، فقال رسول اللَّه ﷺ: أتعجَبُونَ منها؟ قالوا: نعم يا رسول اللَّه، قال: والذي نفسِي بيده، لمناديل سعد في الجنَّة خيرٌ منها. [صحيح البخاري]

واشتدَّ ﷺ في مخالفة الكفار والمشركين في كل مجال براءةً منهم، وإبرازًا للهويّة الإسلاميّة المتفردة، ومثال ذلك أنَّ رسول الله لمَّا خرج إلى خيبر، مرَّ بشجرة للمشركين يُقالُ لها: ذاتُ أَنْواطٍ، يُعلِّقونَ عليها أسلحتَهم، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي: سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138].

وكذلك لمّا اهتم النبي بشأن الصلاة، فأخذ يشاور أصحابه في كيفيّة إعلام الناس بدخول وقت الصلاة، وقد كان الناس في أولِ أمر الصلاة يتَّجهون إلى المسجد إذا جاء وقتها بلا أَذان ولا نداء، فقيل له انصُب رايةً عند حضور الصلاةِ فإذا رأوها آذنَ بعضُهم بعضًا، فلم يعجبْه ذلك، وذكروا له القُنْعَ (يعنى البوقَ)، فلم يعجبه وقال هو من أمرِ اليهودِ، فذُكر له الناقوسُ فقال هو من أمرِ النصارى. [فتح الباري لابن حجر، إسناده صحيح]

يقول ابن تيميّة في كتابه [اقتضاء الطريق المستقيم،1/356]: “هذا يقتضي كراهة هذا النَّوع من الأصوات مطلَقًا في غير الصَّلاة أيضًا؛ لأنَّه من أمر اليهود والنَّصارى؛ فإنَّ النَّصارى يضربون بالنَّواقيس في أوقات متعدّدة، غير أوقات عباداتهم، وإنَّما شعار الدِّين الحنيف الأذانُ المتضمّن للإعلان بذكر الله، الذي به تُفتَح أبواب السَّماء، فتهرُب الشَّياطين، وتَنزِل الرَّحمة”.

وأخبر النبي أصحابه عن المكانة جوهريّة المفهوم الحبِّ بالله والبغض فيه والموالاة والمعاداة لأجله، فعن عبد الله ابن عباس أنه ﷺ قال: (أوثقُ عُرَى الإيمانِ: الموالاةُ في الله، والمُعاداةُ في الله، والحبُّ في الله، والبُغضُ في اللهِ عزَّ وجلَّ) [صحيح الجامع]، فشعور المسلم وموقفه من الآخر مبنيٌ على الهويّة الدينيّة، لا يتجاوزها، وذلك يناقض الخِطاب الإنساني الغربي، الذي يدعو إلى رفع قيمة الإنسان وحبِّه ونصرته بصرف النظر عن دينه أو ميوله وإلقاء كامل المعجم المفاهيمي للبراء في ذمة التاريخ، وهذا تناقض داخلي؛ فإنَّ أي تبنٍّ للحب في الله يلزم منه البغض بالله، ولا يمكن فصلهما.

وقد شرح هذا التلازم بينهما أبو حامد الغزالي بعبارة بديعة، حيث يقول: “اعلم: أن كل من يحب في الله، لا بدَّ أن يبغض في الله؛ فإنك إن أحببت إنسانًا لأنه مطيع لله، فإن عصاه؛ فلا بدَّ أن تبغضه؛ لأنه عاص لله، ومن أحبب بسبب، فبالضرورة يبغض لضده، وهذان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر.” [إحياء علوم الدين: 2/253].

وبيَّن النبي لأصحابه ميزان الله المختلف حتمًا عن الموازين عند الناس في تقييم الأفراد والمجتمعات، وذلك لمّا “مرَّ رجلٌ من أغنياء المسلمين على رسول اللَّه، فقال لأصحابه: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إن خَطبَ أن يُنكَح، وإن شَفعَ أن يُشفَّع، وإن قال أن يُستمَع، فسكت رسول الله، حتَّى مرَّ رجلٌ من فقراء المسلمين، فأعاد النبي على أصحابه السؤال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إن خَطبَ أن لا يُنكحَ، وإن شَفعَ أن لا يُشفَّع، وإن قال أن لا يُسْتمَع، فقال رسول اللَّه: هذا خيرٌ من ملءِ الأرض مثل هذا.” [صحيح البخاري]
فكان معيار القياس الأول موازين الدُّنيا من الجاه والمال والسُّلطان، بينما الميزان عند الله فهو بقرب العبد إليه وبتقواه، كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، وإطلاقه ﷺ التفضيل على الغنيِّ المذكور لا يلزم منه تفضيل كلِّ فقير على كُلِّ غنيٍّ؛ فالمعيار في التفاضُلِ الدِّين والتقوى، وليس الغِنى والفَقرَ.

خُلُق نغرسه في قلوبنا

تشرَّب أصحاب النبي هذهِ المعاني حتَّى أصبحت جزءًا من كينونتهم الإنسانيّة، وارتسمت في قلوبهم وعقولهم هويّة واضحة مستمدة من المرجعية الإلهيّة، تُبيّن لهم حقيقة الأشياء، ومسمياتها التي تحتملها حقًا، تبيّن كذلك طبيعة الطريق، وغاية السعي، وجزاء الحركة، يتعرّف المسلم من خلالها إلى نواميس الكون، وسنن الحياة وطاقات الأرض، وفي الوقت ذاته يعيش موصول الروح بالله.

وأظهر الأمثلة على ذلك عبارة ربعي بن عامر (رسول جيش المسلمين) إلى رستم قائد الفرس، وهو يسأله ما الذي جاء بكم؟، فأجابه بكلمات قلائل تصوّر طبيعة هذهِ العقيدة، وطبيعة الحركة الإسلاميّة التي انبثقت منها، حيث قال: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”

يُفسِّر المُفكَّر الجزائري مالك بن نبي هذهِ الحالة، في كتابه [دور المسلم/ 49]: “لماذا استطاع ذلك هؤلاء الأعراب الفقراء في عهد محمد ﷺ؟ لماذا قام أولئك الأعراب الفقراء الأميون بإنقاذ الإنسانية وشعروا أنهم جاؤوا من أجل إنقاذها، فقد كانوا يعلنون هذا في أقوالهم ومخاطبتهم للآخرين، سواء من أهل الفرس أو من أهل روما، كانوا يقولون لهم: لقد أتينا لننقذكم، إنهم لم يشعروا بـ “مركب النقص”، لماذا لم يشعروا بـ”مركب النقص”؟! لأن الإمكانيات الحضارية المتكدسة أمامهم في فارس أو في بيزنطة أو في روما لم تفرض عليهم النقص، وبعبارة أخرى لم تبهرهم”

الإسلام إذ يحررنا من المؤثرات الدنيوية القاهرة!

يستيقظ الشاب صباحًا فيمسك بهاتفه فما يلبس حتى يظهر له إعلان لمنتج ملابس كان قد تحدث مع أصحابه عنه أمس، فإذا نزل الشارع رأى لافتة تغريه بإحدى الوجبات الجديدة في المطعم المجاور له، ثم في طريقه للعمل يبصر “لوحةً ترويجية” لفتاة فاتنة على جدران إحدى المستشفيات تستعمل منتجًا طبِّيًّا معيَّنًا، حتى إذا رجع لمنزله وفتح التلفاز رأى خبرًا يتناول خسارة أحد رجال الأعمال لمليارات الدولارات من ثروته وآخر اشترى سيارة بكذا من نوع كذا، حتى إذا أراد الترفيه عن نفسه فتح اليوتيوب وشاهد أحد صانعي المحتوى وهو يطلب كميات كبيرة من الطعام ليقدّمها في مشهد عبثي وهكذا…

استعراض موجز جدا لما نشاهده خلال يومنا العادي من مؤثرات ومدخلات أنتجها الانفتاح العالمي، تتحكم ولو بشكل ما على قراراتنا وشهواتنا وأفكارنا، فهل هذا الانفتاح أمر جديد، وما رؤية الإسلام الشامل وتعامله مع هذا الانفتاح؟

خوف النبي ﷺ علينا

ركّز النبي ﷺ مع أصحابه في بداية الدعوة على السرية؛ مراعاةً لحال الرسالة ومحافظةً على عدد الحاملين لها وتحقيقًا للبداية الطبيعية لأي دعوة جديدة، فلما هاجر النبي ﷺ وبدأ التماس مع مجتمعات جديدة وثقافات مختلفة وعادات متباينة ومع الفتوحات المجيدة ورؤية أصحابها لنعم الله على أصحاب هذه البلاد، بدأ المربي ﷺ في التعامل مع هذا الانفتاح وتصحيح المفاهيم فقال عندما اجتمع الأنصار لما علموا بأن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قادم من البحرين بمال: (فَوَاللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنِّي أخْشَى أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ). [البخاري، 4015] فانظر أين وقع خوف النبي ﷺ! لا من الفقر كما هو الحال المشهور وإنما خاف عليهم من فتنة الدنيا والتنافس عليها، “فإن الوالد المشفق إذا حضره الموت كان اهتمامه بحال ولده في المال فأعلَمَ -ﷺ- أصحابه أنه وإن كان لهم في الشفقة عليهم كالأب لكن حاله في أمر المال يخالف حال الوالد وأنه لا يخشى عليهم الفقر كما يخشاه الوالد، ولكن يخشى عليهم من الغنى الذي هو مطلوب الوالد لولده”. [1]

ومن هذا الباب أيضًا تحاوره مع أصحابه فيما سيكون تصرفهم عند انفتاح الدنيا عليهم، فقال لهم: (إذا فُتِحَتْ علَيْكُم فارِسُ والرُّومُ، أيُّ قَوْمٍ أنتُمْ؟ قالَ عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ: نَقُولُ كما أمَرَنا اللَّهُ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: أوْ غيرَ ذلكَ، تَتَنافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدابَرُونَ، ثُمَّ تَتَباغَضُونَ، أوْ نَحْوَ ذلكَ، ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ في مَساكِينِ المُهاجِرِينَ، فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ علَى رِقابِ بَعْضٍ). [صحيح مسلم، 2962]

فهنا تبصير بأن انفتاح الدنيا فيه فتنة كبيرة وأن بدايتها يكون بالتنافس عليها وينتهي بالفرقة والتباغض، قارن بين هذا وبين النظام العالمي الآن الذي يعلي من المنافسة مطلقا دون حدود وما يفتح ذلك من الفرقة بين المسلمين، ومنه أيضًا قوله: (إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها). [صحيح مسلم، 1052] “وزهرة الدنيا يعني: بهجة الدنيا، وقيل لها زهرة؛ لأنها كالزهرة تستهوي من نظر إليها، وتجذبه وتعجبه، وهي كالزهرة أيضاً في سرعة ذبولها وتحولها وتغيرها، ولكنّ الكثيرين ينظرون إلى ما فيها من الحسن والجمال والبهجة فتأسرهم أسراً وتشدهم إليها شدًّا فيقعون في وثاقها، ثم بعد ذلك يغفلون ويلهيهم ذلك عن ذكر الله وطاعته والتقرب إليه. وإذا حصل هذا التنافس حصل التسارع إلى عرضها الزائل، وحصل بسبب ذلك أيضاً قسوة القلوب، وما يضاف إلى ذلك من الوحشة في قلوب أهل الإيمان والعداوة والبغضاء”. [2]

الاستمتاع بالدنيا وحال التشبه

عدّ الإمام ابن تيمية الاستمتاع بالشهوات دون ضابط من جملة التشبه بالكفار فألحقه بقول الحق {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ۚ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [التوبة: 69]، فقال: “وأما قوله {َفاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} ففي تفسير عبد الرزاق عن معمر عن الحسن في قوله {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} قال: بدينهم ويروى عن ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه. وروي عن ابن عباس: بنصيبهم من الآخرة في الدنيا. وقال آخرون: بنصيبهم من الدنيا” [3]، ثم بين وجه المشابهة بين الآية واتباع الشهوات: “فقوله سبحانه {فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} إشارة إلى اتباع الشهوات وهو داء العصاة. ثم قوله {فَاسْتَمْتَعْتُم} و {وَخُضْتُمْ} خبر عن وقوع ذلك في الماضي وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة” [4]، وهذا الاستدلال على ذم اتباع الشهوات من عبقريته رحمه الله، كما أنه ذَكر في هذا الموضع كثيرا من الأحاديث -منها ما تقدم ذكره– عن نهي النبي ﷺ أمته عن الاستمتاع بالخلاق.

في البحث عن الحلول..

ما قولك في غض البصر؟ إن العين لما كانت بوابة المؤثرات الخارجية ومبدأ المحركات الداخلية، فمنها تعرج المؤثرات للقلب فإما تأثير يحيي القلب ويرققه وإما تأثير يقسّي القلب ويميته، كان الأمر واضحا من الله تعالى لرسوله ﷺ وللمسلمين من بعده بتقصير البصر عن رؤية متاع الله سبحانه لغيرهم {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ} [طه: 131] قال الطنطاوي في تفسيره: “وبعد هذا الأمر بالتسبيح، جاء النهى عن الإعجاب بالدنيا وزينتها فقال – تعالى: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الحياة الدنيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ…}. أي: أكثر -أيها الرسول الكريم- من الاتجاه إلى ربك، ومن تسبيحه وتنزيهه ومن المداومة على الصلاة ولا تطل نظر عينيك بقصد الرغبة والميل {إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ}. أي: إلى ما متعنا به أصنافا من هؤلاء المشركين، بأن منحناهم الجاه والمال والولد. وما جعلناه لهم في هذه الدنيا بمثابة الزهرة التي سرعان ما تلمع ثم تذبل وتزول…

وقوله: {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} بيان للحكمة من هذا التمتيع والعطاء أي متعنا هؤلاء الكافرين بالأموال والأولاد… لنعاملهم معاملة من يبتليهم ويختبرهم بهذا المتاع، فإذا آمنوا وشكروا زدناهم من خيرنا، وإذا استمروا في طغيانهم وجحودهم وكفرهم، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر. فالجملة الكريمة تنفر العقلاء من التطلع إلى ما بين أيدي الكفار من متاع، لأن هذا المتاع سيء العاقبة، إذا لم يستعمل في طاعة الله تعالى…

والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد رسمت للمؤمن أفضل الطرق وأحكمها، لكي يحيا حياة فاضلة طيبة، حياة يعتز فيها صاحبها بالمعاني الشريفة الباقية، ويعرض عن المظاهر والزخارف الزائلة”.

حث الأهل على الصبر والصلاة

لقد أعقب الحق سبحانه هذه الآية بالأمر بحض الأهل على الصلاة والصبر على ذلك {وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ} [طه: 132] وقد وضّح ابن كثير العلاقة بين النهي عن مد العين لمتع الدنيا في الآية الأولى وبين الآية الثانية بأثر عن ابن أبي حاتم فقال: “قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه؛ أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا، فرأى من دنياهم طرفًا فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدار قرأ: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} إلى قوله : {نَحْنُ نَرْزُقُكَ} ثم يقول: الصلاة الصلاة، رحمكم الله”.

فهذا رأى طرفا فقط فوقع في قلبه موقع التمني والتشهي فسارع لمحو ذلك بالصلاة، فكيف بمن يطلق بصره لزخرف الدنيا ويتعمد التلذذ برؤية زينتها؟ فيَعْلق قلبه وتذل قدمه ويتخبط فكره وتكتئب نفسيته ويحسد غيره ولا يرى نعم الله عليه فضلا على شكرها والرضا بها.

الصبر مع الفئة المؤمنة

ومما أمر الله به نبيه ﷺ أن يصبر مع الفئة المؤمنة ولا يجاوز نظره عنهم {وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا} [الكهف: 28]

قال ابن كثير في معنى الصبر: “أي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه، ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه، ويسألونه بكرة وعشيًا من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء”.

وقال صاحب الظلال في تفسيره في معنى لا تعد عيناك: “ولا يتحول اهتمامك عنهم إلى مظاهر الحياة التي يستمتع بها أصحاب الزينة . فهذه زينة الحياة (الدنيا) لا ترتفع إلى ذلك الأفق العالي الذي يتطلع إليه من يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه”.

فتأمل خطورة العين وما تزينه، فلو أن الإنسان أطلق بصره متجاوزًا للفئة المؤمنة الذاكرة، رأى هذا يأكل ويشرب ويتمتع وذاك يلعب ويلهو وآخر جميل فتان وهكذا فتُحدّثه نفسه بهذه الزينة وإن كانت نفسه لم ترد هذا الأمر منذ قليل لكنها النظرة تتحول لشهوة، فإن استطاع الظفر بها فعلها إرضاء لشهواته وإن كانت غير مستطاعة فالحزن والاكتئاب والشعور بالنقص.

بهرج الدنيا ليس لنا

من أكثر ما أكده القرآن والسنة أن الحياة الدنيا ما هي إلا دار فناء وأن الآخرة هي دار القرار والشواهد في هذا كثيرة ولعلنا نذكر حديثا واضح الدلالة شديد اللهجة في هذا، وهو الحديث المشهور في حادثة اعتزال النبي ﷺ نساءه وفيه وصف سيدنا عمر لحجرة النبي فقال: (وإنَّه لَعَلَى حَصِيرٍ ما بيْنَهُ وبيْنَهُ شَيءٌ، وتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِن أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وإنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا، وعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأَيْتُ أثَرَ الحَصِيرِ في جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ، فَقالَ: ما يُبْكِيكَ؟ فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ كِسْرَى وقَيْصَرَ فِيما هُما فِيهِ، وأَنْتَ رَسولُ اللَّهِ! فَقالَ: أَمَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ لهمُ الدُّنْيَا ولَنَا الآخِرَةُ). [صحيح البخاري، 4913]

يا الله!! أي صراحة تلك؟! لا تورية فيها ولا تجميل “لهم الدنيا ولنا الآخرة”، وقليلا ما نجد هذه الصراحة لدى الدعاة اليوم تحت غطاء خطاب التمكين والنصر وغيرها مع تناسي لهذا أو تجميل له.

فلعلك أخي تبصر موضع قدميك من هذه المؤثرات فتحاول حفظ قلبك وعقلك من الافتنان بها مع تذكير نفسك بأن ترضى بما قسمه الله لك وتضع عينيك على الآخرة.


المصادر:

[1] الحافظ ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، 249

[2] الدكتور خالد السبت، شرح رياض الصالحين، موقع الدكتور على الشبكة

https://cutt.us/z0jDB

[3] ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، دار إشبيليا، 115

[4] المصدر السابق، 121

شوقًا إلى رسول الله.. خطوات عمليّة في الاقتداء به

مع تلاحق الأحداث وتتابعها، وتكدُّس النوازل التي تطعن في الأمة وأبنائها، ومع الشعور بقلة الحيلة الذي ينتابنا بين الفينة والأخرى إزاء العديد من القضايا، تتفجّر بداخلي أمنيةٌ عزيزة، وتُلِّحُّ عليّ بشدة، فأتفاعل معها وأسيح فيها وأُعايشها، ويطير معها وجداني، وبينما أحلِّق في أعاليها، إذا بي فجأة أستفيق من هذا الحلم الجميل لأجدني لا زلت في هذا الواقع، وما بين الحلم واليقظة تدفّقت كلمات هذا المقال، والتي لم تُكتب بمِداد القلم كما المعتاد، وإنما بمِداد القلب أو بشجونه إن شئتم.

حُلُمٌ غالٍ..

هذا الحلم العزيز أن أكون من ثلة المؤمنين في عهد النبي ﷺ، أعيش في كنفه، أستقبل الوحي غضًّا طريًّا، أسمعُ التوجيهات المحمدية المُشَرَّفة عند كل أمرٍ ونازلة، فلا يبقى في نفسي ألمٌ أو حيرة.

ورغم صعوبة العيش التي كان فيها المجتمع، والابتلاءات التي كانت في عهده صلوات ربي وسلامه عليه التي وصفها المقداد بن الأسود رضي الله عنه إذ قال: (لَقَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَشَدِّ حَالٍ بُعِثَ عَلَيْهَا نَبِيٌّ قَطُّ، فِي فَتْرَةٍ وَجَاهِلِيَّةٍ، مَا يَرَوْنَ أَنَّ دِينًا أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَجَاءَ بِفُرْقَانٍ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَرَى وَالِدَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ أَخَاهُ كَافِرًا، وَقَدْ فَتْحَ اللَّهُ قُفْلَ قَلْبِهِ بِالْإِيمَانِ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ هَلَكَ دَخَلَ النَّارَ، فَلَا تَقَرُّ عَيْنُهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ حَبِيبَهُ فِي النَّارِ)، وَأنَّهَا للَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان: 74] [البخاري في الأدب المفرَد]، إلا أنّ وجوده ﷺ كان كافيًا لمحو القروح والنوازل، وكيف لا وهو من أضاء به كل شيء في المدينة لما دخلها، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه (لمّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ الْمَدِينَةَ، أضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ وَمَا نَفَضْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الأَيْدِي حَتَّى أنْكَرْنَا قُلُوبَنَا) [أخرجه الترمذي في السنن وأحمد في المسند].

نعم، هذا النور النبويّ الذي كانت تسري به السكينة في نفوس الناس، ولما ذهب بموته؛ كل شيء أصابه الأفول، فقد انقطع الوحي وتقطّع الحبل الواصل بين السماء والأرض، وهذا المعنى أجهش نفوس الصحابة، واستفز المقل ليفيض منها الدمع بسخاء، فها هما العمران رضي الله عنهما يدخلان على أم أيمن بعد وفاة النبي ﷺ يتفقدانها، فوجداها تبكي، فقال لها أبو بكر: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله، قالت: والله ما أبكي ألّا أكون أعلم ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكي أنّ الوحي انقطع من السماء، فهيَّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان.

إنّ مجرد ذكر اليوم الذي اشتد فيه وجع النبي ﷺ كان كافيًا لاستحضار حجم الفقد وعِظَم المصيبة، فـ (كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا حدّث عن موت النبي ﷺ يقول: يوم الخميس، وما يوم الخميس! ثم يبكي حتى يبلّ دمعه الحصى، فقيل له: يا ابن عباس، ما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه) [مسلم في الصحيح].

وإنني أرى خفوت هذا الحلم يزداد من فحوى السياق كلما تقدمت فيه وأمعنته، وإنّ هذا المصاب سيظل من النوازل الأليمة لهذه الأمة، وكما قال الشاعر

فإذا أتتك مصيبة تُشجى بها ** فاذكر مصـابك بالنبي محمد

بشائر نبوية

بعدما يفيق المرء من هذا الحلم الجميل على تلك الحقيقة القاسية، فإنه سجيةً يبحث عن بريق أملٍ تتلألأ فيه البشريات المحمدية، ومن عظيم الرحمة الإلهية ومقتضى علمه المحيط بالبريّة، علم سبحانه وتعالى أنّ ثمة عبادًا مؤمنين يأتون بعد موت صفيه، تتوق قلوبهم شوقًا لنبيه، فأوحى إليه بمبشّراتٍ لهم لتكون قوتًا لتلك القلوب التقية، فكانت مكافأة من آمن به دون رؤيته، هي حيازة محبته، والشهادة لهم بالخيرية، فقد روى الإمام أحمد من حديث أبي جمعة – رضي الله عنه – قال: (تغدّينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول الله، أحد منا خير منا؟ أسلمنا وجاهدنا معك، قال: نعم، قوم يكونون من بعدكم، يؤمنون بي ولم يروني [أخرجه أحمد في المسند]

بل أعلمه ربه هيئة أحسن اتباعه، التي سيعرفهم بها عند لقياهم على الحوض، وكذا صفة من بدّلوا بعده وخاضوا في كل خوض، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا، فقالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ قال بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض، فقالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرًّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليُذادَنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، ألا هلم، ألا هلم. فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا).

دلائل النبوة لا تنضب!

بالرغم من أنّ العلماء رصدوا مئات الأدلة الدامغة التي تثبت النبوة المحمدية وصدق الرسالة الربانية، إلا أننا نجد دليلًا وجدانيًا آخر لا تفسير له سوى أنّ هذا الرجل حقًا مرسلٌ من عند الله ومؤَيَّد، فعندما نتصفح التاريخ الإنساني، نجده ممتلئًا بعظماء وعباقرة حازوا على إعجاب خَلَفهم، ونجد أنّ بعضهم كُتِبَ فيه قصائد المدح وقصص البطولة، لكنّ هذا الإعجاب الكبير يظل في سياج العقل، أو بالكاد يتعدّاه فيحرِّك الوجدان، لكن ما نراه حيال حَرَارة الشوق لنبينا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه يتجاوز ذلك كله، إذ إنه يصل إلى الجوارح ويحركها باتباعه والعمل بمقتضى سنته والذود عنه ولو بالنفس بمنتهى الرضا والجسارة، وإنّ هذا الفداء لا يحصل في سياق النفوس البشرية إلا عند الوصول إلى مرحلة عليا من اليقين، ذاك اليقين الذي ترسخ في سويداء القلب مطمئنًا بالله، ثم امتدّ إلى نبيه ورسالته ليجد ذات الرسوخ تجاهه دون رؤيته، ويعمل بمقتضاه طمعًا في جنة عرضها السماوات والأرض، وهذه الحالة الإنسانية لا يمكن أنْ يحظى بها إنسان عند جمعٍ غفير من الناس إلا إذا كان هذا الإنسان له حبلٌ مع مالك القلوب وبارئ النفوس سبحانه وتعالى.

واجبنا نحو رسول الله ﷺ

إنّ أوجب الواجبات تجاهه صلوات الله وسلامه عليه هي حسن اتباعه وتمام محبته، فيكون أحب إلينا من أهلنا ووالدينا والناس أجمعين، يقول بن حجر رحمه الله في فتح الباري “وليس ذلك محصورًا في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته والذب عن شريعته وقمع مخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” فإن المحبة الحقيقية تتجلى عند العمل بمقتضاها في مواطن النصرة، فلا تكون محض شعارات رنانة تختفي وتذوب عند عتبة أول اختبار لصدق المحبة والنصرة.

وكذلك نحفظ له ولصحابته رضوان الله عليهم أجمعين عظيم فضلهم في حفظ هذا الدين ونقله لنا وجهاد من ساموهم سوء العذاب لأجلنا، فنشأنا مسلمين ولله الحمد دون الذب عن الدين بالأرواح أو تحت صليل السيوف، فكما قال المقداد بن الأسود رضي الله عنه (تَحْمَدُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ أَخْرَجَكُمْ لَا تَعْرِفُونَ إِلَّا رَبَّكُمْ، فَتُصَدِّقُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ ﷺ، قَدْ كُفِيتُمُ الْبَلَاءَ بِغَيْرِكُمْ) [البخاري في الأدب المفرد].

الواجبات الناشئة عن وجودنا في هذا الزمان

إنّ تواجدنا في هذه الحقبة الزمنية المليئة بالفتن والصعوبات والبلايا يقتضي منا مزيد عملٍ وبذل في ميادين متعددة، وبالرغم من أنها محنةٌ عظيمة حقًّا، إلا أننا يمكننا تحويلها إلى منحة رائعة، إذ إنّ أزمنة النصرة والتمكين تندر فيها مواطن البذل والصبر والجهاد، وتقل فيها الثغور التي يمكن أن يقوم عليها المسلم، ويكون الرخاء فيها نذير شؤم لسقوطٍ جديد، وهنا تتبلور المنحة الحقيقية، وهي الفرص الهائلة المتاحة للعمل والجهاد، والأوقات السانحة لنري الله منّا خيرًا وبذلًا، واثقين من قدوم النصرة والتمكين سواء قضينا نحبنا قبله أو انتظرناه وعاينّاه، فقد قال الله عز وجل {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[النور: ٥٥] وهذا والله خيرٌ عظيم كفيلٌ لإحياء الهمم والعزائم لتلحق بموسم الأجر والصبر والمثوبة والجهاد، وهذا هو الميدان الأول.

أما الميدان الثاني فإنه يتمثل في التعاطي مع الواقع الحالي الذي يختلف تمامًا عن واقع الصحابة الكرام، ونجده يتجلى في سياقات متعددة منها:

السياق التربوي

إنّ الذين لا يبذلون جهدًا في البناء التربوي لهم ولأبنائهم في هذا الزمان، ولا يشيّدون بناءً فكريًا راسخًا يستطيعون به تحصين أنفسهم من نوازل هذا العصر، ونقل هذه الحصانة لذريتهم، مُعللين ذلك بأنّ الناس في عصر النبوة لم يكونوا على علمٍ بهذه النُسُق التربوية، ولا تلك القريحة الفكرية، وخرج منهم رواد الأمة وعظمائها.

والحق أنّ من يردد هذا الكلام في عصرنا واقعٌ في وهمٍ كبير ناتجٌ عن قصور في تصور الواقع، أو كسل وتقاعس عن العمل بمقتضى العلم، إذ إنّ المسلمين في عصر النبوة لم يكونوا في حاجة إلى تعلُّم تلك المهارات لأنهم كانوا أناسًا يمتلكون فطرة سليمة ونفوسًا سوية، ويعيشون في حاضنة مجتمعية سمتها الأبرز التسليم لله ولرسوله وطاعتهم، فنشأت الأجيال بشكلٍ طبيعي على ذات المنوال، فلم يحتج الآباء بذل جهد إضافي للحفاظ على أبنائهم أو القيام بمقاومة الوسط الخارجي لفساده.

أما نحن فلا يخفى على ناظرٍ إلى الواقع أنّ كل هذه المقومات التي تمتع بها جيل الصحابة وجعلت من مهمة التربية شيئًا يسيرًا تلقائيًا، تكاد تكون منعدمة في زمننا هذا، لذا وجب علينا للحفاظ على المحجة البيضاء التي بُذلت لها الأرواح لتصل إلينا، الاجتهاد لتكوين وابتكار تلك المقومات من جديد ولو في الدوائر الصغيرة حتى نوفر بيئة للأبناء تسمح لهم بالنمو بشكلٍ سوي فيها.

السياق الفكري

إنّ تكوين مَلَكة فكرية ناقدة لم يعُد أمرًا اختياريًّا أو تكميليًّا في هذا الزمان، بل هو من واجبات الوقت التي لا يمكن تفويتها، إذ إنّ الغزو الفكري الذي اجتاح المجتمعات الإسلامية في العقود الأخيرة ولم يترك موطن إلا دنّسه، فرض على أبناء الأمة في هذا الزمان التسلّح بالحد الأدنى من الأدوات الفكرية التي تحميهم من هذا الغزو البغيض، وتوجب عليهم مزيد علمٍ بالشريعة وتمسك بها ورؤية العالم بعين القرآن ليميز المرء الخبيث من الطيب.

فهذا التحدّي لم يكن في عهد النبوة، إذ إنّ النبع الصافي موجود بتلاوة آيات الله ووجود رسوله، وحتى شبهات اليهود والمنافقين كانت تُدحَض بآياتٍ كالصواعق تُنبئهم بما في قلوبهم وتحذر الصحابة منهم.

السياق الدعوي

رغم تنوع الملل والنِحل في عهد النبوة، وعظيم البلاء الذي تعرض له سيّد الخلق في سياق الدعوة طوال حياته، إلا أنّ المدعوّين كانوا على قدر كبير من الوضوح والمنطقية، فنادرًا ما تجد سفسطة أو إنكارًا للمبادئ العقلية الضرورية، وقليلٌ من يتحدث متسلقًا على مقاماتٍ أعلى من مقامه، وكان هناك قدرٌ من المروءة عند الناس تجعل الكثير من السياقات الدعوية فيها ملأى بالرقيّ الحواري.

أما الآن فيصعُب جدًا تحديد السياقات الدعوية في مسارات محددة لكثرة الأنواع البشرية المحتاجة للدعوة، وكثرة التحدّيات التي تواجه الداعية سواء الفكرية أو الحوارية أو غيرها، وغير ذلك الكثير من التحديات.

والسياقات الأخرى الواردة في هذا الباب كثيرة جدًا، ويمكن استخراجها من خلال فهم وإدراك الواقع الحالي، مع استيعاب مقتضيات ذات القضية في عصر النبوة.

ختامًا..

إنّ الحديث عن الحبيب المصطفى ﷺ أمرٌ مهيب وعزيز، وهو حديثٌ لا ينضب، وينبوع لا يجف، كيف لا وهو عن سيد الخلق والمرسلين الذي كان خُلُقه القرآن، الذي أُرسل رحمة للعالمين، فمن حقّه علينا أن نلقاه على الحوض ونحن على المحجة البيضاء، ثابتين على هذا الدين مدافعين عنه، معتزّين به، فإن لم يُكتب لنا شرف لقياه في الدنيا والعيش في كنف النبوة، ففرصة كتابة شرف نصرته والعمل بمقتضى محبته قائم، فلنُرِ الله منّا خيرًا.

بحثًا عن الحكمة.. وقفة مع النفس البشرية!

إن المؤمن القابض على دينه في زماننا هذا؛ قد يعيش معزولًا عن الواقع المجتمعي الحالي، غير قادر على التأثير فيه؛ فالمجتمع قد انتشر فيه مرض انفصام الشخصية المجتمعية فأصبح لا يقبله؛ ولأنّ الخلايا السليمة لا يمكنها أن تلتئم مع خلايا المجتمع المصابة تلك؛ فالواقع المعيش يذكّر بالأنيميا المنجلية -وهو مرض ينتج فيه الجسم خلايا دم حمراء غير طبيعية الشكل مثل الهلال أو المنجل- حيث تصبح هذه الخلايا جامدة ولزجة وغير منتظمة الشكل -خلاف الخلايا السليمة- فتتخثر بالأوعية الدموية الصغيرة؛ التي يمكن من شأنها أن تبطئ أو تمنع تدفق الدم والأكسجين إلى أجزاء الجسم، وبالتالي قد تؤدي إلى السكتة الدماغية، أو متلازمة الصدر الحادة، أو إلى تلف الأعضاء الداخلية بما في ذلك الكبد والكلى والطحال وغيرها من الأمراض -عافانا والله وإياكم-.

استوقفني هنا قوله عز وجل {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21] وكأن الذي يحدث داخل أجسامنا إنما هو انعكاس لما يحدث من حولنا؛ وكأن في داخلنا خارطة تمكننا من فهم واستيعاب اﻷمور، ومن ثم كان لزامًا علينا أن نتدبر ونتفكر ونبصر أنفسنا.

بين السليم والسقيم..

إذا ما قسنا أحوالنا الخلقية والداخلية بواقع المجتمع حين تختلط فيه ما يشبه الخلايا المنجلية المنحرفة عن الدين والمجتمع، وخلايا سليمة، فإن ذلك قد يؤدي به إلى خلل في القيم والأخلاق، وأعظمها فتكًا إصابتها بخلل الاعتقاد؛ ولهذا السبب نجد أن العلاج الرباني يدور على التمييز بين الخلايا السليمة هذه والمصابة تلك، ونجد ذلك بنصوص واضحة الدلالة بالقرآن والسنة، وكيف ميّز بالعقوبة الحَدِّيّة جريمتي الحرابة والزنا، من خلال إقامة العقوبة ثم نفيهم من المجتمع السليم.

نجد كذلك أن الله ميّز بين الكافر والمسلم من قبل الولادة وإلى الممات؛ إذ إن المسلم لا يجوز له الزواج من غير المسلمة إلا إن كانت كتابية، والمسلمة لا تتزوج من غير المسلم، والكافر حين يموت لا يُقبَر بمقابر المسلمين، وما بين الحياة والموت هنالك أكثر من ١٣٠ حكم شرعي، تتميز فيه الخلايا السليمة هذه عن المصابة تلك.

هنا قد يقول قائل بأن اليهود قد عاشوا في المدينة بعهد رسول الله وأن دول الإسلام المتعاقبة كان فيها نصارى يقطنون شتى البقاع الإسلامية؛ والجواب عن ذلك أن المسلمين عندما أقاموا دولتهم، فإنهم لم يقيموها ليبقى الباطل كما هو، وإنما ليسلكوا في وجهه مسلك الدعوة والحكمة والموعظة؛ بتغيير الباطل إلى حق، والظلام إلى نور، والانحراف إلى استقامة، والبدعة إلى سنة؛ ومن هنا نجد قول ربنا تبارك وتعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} [الحج: 41].

خلايا الدم الحمراء المنجلية

ضرورة التمييز بين السليم والخبيث

إن اﻵيات التي تحثنا على التمييز بين الخلايا السليمة والمصابة بالقرآن الكريم كثيرة؛ ولكننا سنكتفي بذكر آيات سورة اﻷنفال، حيث ميز الله المجتمع إلى ثلاثة أقسام:

القسم اﻷول في قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 72] والمقصود المسلمون القاطنون في المجتمع المسلم، حيث يوالي بعضهم بعضًا.

أما القسم الثاني، ففي ذات الآية يقول الله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72] أي المسلمون الموجودون في دار الكفر، فأولئك ليسوا بولاية الدولة اﻹسلامية حتى يهاجروا إليها.

في حين وصف القسم الثالث بقوله {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} أي الكفار القاطنين بديارهم فبعضهم أولياء بعض ولا شأن لنا بتلك العلاقة فيما بينهم، ومن ثم يتبع قوله بعد هذا التقسيم: {إلا تفعلوه تكن فتنة في اﻷرض وفساد كبير} أي إن لم تفعلوا هذا التمييز تكن في اﻷرض فتنة وفساد وكبير.

 إن المجتمع عندما يكون فيه المسلم، والمسيحي، واليهودي، والبوذي، والمجوسي، والأقوام المستحدَثون المناقضون للفطرة، والنسويات، فلن يكون سليمًا أصلا سواءً من الناحية النفسية أو الاجتماعية، أو العقلية، أو من الناحية العقائدية.

وهنا أذكر قصة واقعية وقعت في منطقتنا، قصّها علينا معلّمي أثناء إلقائه محاضرة في التخطيط الاجتماعي وكنا نتناول معوقات التخطيط فقال: تمّ إغلاق جامعة كذا -من دون ذكر اسم الجامعة- بسبب طالب مسيحي طالب بإنشاء كنيسة له؛ ليتعبّد فيها ربه مثلما نحن لدينا مساجد نتعبد فيها!

وهنا وقفت عند نفسي، تساءلت متعجبةً: بسبب هذا الطالب المسيحي أغلِقت مؤسسة تعليمية كاملة، وشلّت حركة الوعي والتعليم.

أجر عظيم.. لمن استمسك بدينه القويم..

شاهدنا في الفترة القريبة الماضية كيف توفّي الطفل الفلسطيني “ريان” ذعرًا إثر اقتحام قوات الاحتلال لمنزلهم، ومن قبل في العراق قصة “عبير” التي ترك حادث الاعتداء عليها في نفوسنا شرخًا ما كان للزمان أن يكون كفيلًا بمحوه.

انقلوا أبصاركم أيضًا إلى التاريخ واستذكروا رعاكم الله حال المسلمين الأوائل بمكة قبل الهجرة، حين كانوا يعانون ويصبرون، وقفوا عند قوله ﷺ: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) [متفق عليه] لضمان سلامتنا العقلية والنفسية والاجتماعية لا العقائدية فقط؛ فندرك عظمة هذا الدين وشموله وتكامله من كل النواحي والجوانب؛ ولهذا السبب -بحسب فهمي البسيط المتواضع- كان أجر القابض على دينه في زماننا هذا كهجرة معه ﷺ، أو كأجر خمسين صحابي.

دور التنشئة في مواجهة أمراض المجتمع الطارئة

بالنظر إلى أسباب وعوامل اﻹصابة بمرض الخلايا المنجلية فإننا سنراه ينتقل عن طريق الوراثة، وبالنظر إلى كلام الله تعالى سبحانه، فإننا سنراه يخبرنا كثيرًا في القرآن عن أولئك المترفين المعادين للرسل واﻷنبياء -المنحرفين عن الدين والمجتمع- فجميعهم قد ورثوا دينهم عن آبائهم وأجدادهم وأسلافهم.

وهنا لا بدّ من الإشارة والتنبيه إلى دور عملية التنشئة وأهميتها في مواجهة التطبيع الاجتماعي مع الانحرافات والأمراض الطارئة، -وسوف نتحدث عنه بمقالات لاحقة إن شاء الله-.

لنتمعن ببعض اﻵيات التي تخبرنا بذلك، وتوضّح لنا حقيقة الحال:

{وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} [البقرة: 170]، وفي قوله تعالى {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} [المائدة: ١٠٤]، وقوله {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 28]، {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين* إذ قال ﻷبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون* قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} [اﻷنبياء: 51- 53] وقوله سبحانه: {قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين* إن هذا إلا خلق اﻷولين* وما نحن بمعذبين} [الشعراء: ١٣٦-١٣٨].

وقوله سبحانه: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون* وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون* قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون} [الزخرف: ٢٢-٢٤]

إن سبب رفض هؤلاء ومقاومتهم ومعاداتهم للرسل واﻷنبياء؛ مرتبط بتمسكهم بالعادات والتقاليد التي توارثوها وأصروا على العيش بها ما بقوا من حياتهم، شأنهم في ذلك كشأن اﻷنيميا المنجلية تمامًا، ولعلنا نكشف بمقال لاحق إن شاء الله عن بقية اﻷسباب التي تجعل الطغاة يرفضون اﻹسلام.

إن اﻷعجب من ذلك كله؛ هو أن فترة عيش هذه الخلايا المنجلية يتراوح بين ١٠_٢٠ يومًا، والسليمة من الخلايا تصل إلى غاية ١٢٠ يومًا؛ ونلاحظ في القرآن الكريم أن الله يعجل بهلاك المفسدين ويمد بعمر المصلحين إلى أمد بعيد، وهذه قاعدة ربانية بأن اﻷرض يرثها عباده الصالحون مهما علا فيها الباطل واستعمرها من مشرقها إلى مغربها؛ ولذلك كان قوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد} [آل عمران: 196] ويقول أيضا: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد} [غافر: ٤]

ختام القول

إن المجتمع كاﻹنسان، له كيان ونظام شبيه بأجسامنا؛ فما يصيب الفرد في داخله، يصيب المجتمع من داخله؛ ولذلك كان قوله ﷺ عن النعمان بن البشير- رضي الله عنهما: (مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [متفق عليه].

والتغيير الاجتماعي شيء حتمي لا مناص منه أبدًا، وتغيير المجتمع يبدأ من داخل الفرد، وقف إن شئت عند قوله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11]، وإذا ما أبصرنا بأنفسنا أدركنا حقيقة التغيير، ولذلك كان قوله تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: ٢١].

اللهم عجّل بالشفاء لمرضى اﻷنيميا المنجلية ولجميع مرضى وجرحى المسلمين.

فاطمة الزهراء سيدة نساء الجنة.. القدوة المُغيَّبة

القدوة المنسيَّة والنموذج الغائب، نموذج الصحابيّة الصالحة التقيّة المُربِّية والحَيِيَّة، التي نكاد لا نجد مكانًا لذكرها في خضمِّ المنازعات النسويّة الذكوريّة عن مكان المرأة المناسب بين المطبخ والوظيفة، حيث يتجاذبها قطبا الخضوع للزوج أو لرب العمل، وكأنّ التطرّق لهذه النماذج ترفٌ كلاميٌّ وتكلّفٌ في غير وقته.

إن الخطابات النسائية الحديثة تحمل شعورًا ملازمًا بضرورة تجاوز هذا النموذج إلى ما هو أكثر مناسبة لواقع حاليٍّ متعطّش لسَوق نماذج الصحابيات المجاهدات والمتاجرات والعاملات. بَيد أنّ ما يجعل الصحابيات رضي الله عنهن قدوة للمسلمات في المقام الأول هو اتباعهنّ لشرع الله سبحانه ولهدي نَبيِّه، وبامتيازهنّ بالورع والحياء والخوف من الله، وصبرهنّ في سبيل الحق، وحفاظهنّ على أداء الواجب دون التخلي عنه في سبيل المباح أو المستحب.

ومع إغفال تلك الأركان الأساسيّة السالفة الذكر من سِير الصحابيات، تظهر سِيَرهنَّ كالأساطير، منقوصةً فارغةً من عبرتها ومضمونها، ويظهر الخطاب بدوره فاقداً لواقعيّته وتوازنه المنشود.

بين هَرَمُ الأولويات وسيدة نساء العالمين

لمَّا كان خير الهدي هدي نَبيِّنا، وخير قدوة للمسلمات من بعده هنَّ أمهات المؤمنين وآل بيت النبي من النساء والصحابيات، فلا جَرَمَ أنّ الاقتداء بهنّ في الواجب يكون سابقًا للاتباع في المباح والمستحبّ، ومن يقفز فوق الواجب متجاوزاً له، متجاهلاً لما هو أصلح وأحفظ للدِّين، فقد خاض مع الخائضين وترك المحكم إلى المتشابه[1].

ومن السِّيَر الشّبه غائبة عن الأوساط المعاصرة سيرة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأرضاها، سيدة نساء عالمها والعالمين من بعدها[2]، ابنة إمام المُرسلين محمد ﷺ من زوجته خديجة أم المؤمنين، وزوجة عليٍّ رضي الله عنه، وأمّ رَيحانَتَي رسول الله الحسن والحسين.

عن فضلها روى أحمد في المسند: (خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ، قَالَ: تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ) [أخرجه أحمد في المسند]

وقد يعود سبب التغيِيب -المتعمّد ربما- إلى ما تَحمِله هذه السيرة المباركة من قِيَمٍ تتفوّق على قيم العصر اللّاهثة خلف تحرير المرأة، وعلى الرغم من تفوّقها عليهم إلَّا أنّها سيرة قريبة من حَيَوات غالب النساء، واقعيّة تشابِهُهم، عندما تُبحر في جمالها لا بدَّ وأن تَجد فيها أيّ فتاة السَّلوَى مهما تعدَّدت الظروف وتفرّقت الأحوال، السَّلوَى لكل فتاة يتيمة الأمِّ، ترى أباها يؤذى ويحارب في سبيل الحق، ولمن تجاهد في سبيل الالتزام بدين الله مع كل الفتن المحيطة بها، ولكل فتاة فارقت بيت والدها إلى بيت الزوجيّة متجهّزة لحياة صعبة تفيض بالمسؤوليات، وللزوجة والأم المنهكة من الخدمة في منزلها ولا معين لها إلّا الله، ولكل امرأة زرعوا فيها وهمًا أنَّ رعاية الأسرة وطاعة الزوج في المعروف وتربية الأبناء مع الصبر والاحتساب يجعلها أدنى قيمةً، وهي عند الله عظيمةٌ في الدنيا والآخرة بإذنه تعالى.

وبحسب ما ورد لم تروِ فاطمة رضي الله عنها من الأحاديث الكثير فنقلت عن رسول الله خمسة عشر حديثًا، واحد منهم متَّفق عليه[3]، لم تكن صاحبة تجارة ومال، وعرف عنها وعن زوجها الفقر الشديد، لم تعمل في حسبةٍ ولا في قضاء ولم تحمل بيدها سيفًا واكتفت بالتطبيب وغيره مما يستعان عليه بالنساء في المعارك عند الحاجة، فما الذي جعلها سيدة النساء في الدنيا والآخرة؟ وخيرُ قدوةٍ لهن؟

قال رسول الله ﷺ: (حسبُكَ مِن نساءِ العالَمينَ مَريمُ بِنتُ عِمرانَ، وخَديجةُ بِنتُ خوَيْلدٍ، وفاطمةُ بِنتُ محمَّدٍ، وآسيةُ امرأةُ فِرعَونَ) [أخرجه الترمذي في المسند وهو صحيح]، “أي: يَكْفيك من النِّساءِ الواصلةِ إلى مَراتبِ الكمالِ في الاقتِداءِ بهنَّ، وذكْرِ مَحاسِنِهنَّ ومَناقبِهنَّ، وزُهدِهنَّ في الدُّنيا وإقبالِهنَّ على العُقبى، فتَكْفيك مَعرِفَتُك بفضْلِهنَّ عن مَعرفةِ سائرِ النِّساءِ”[4].

لا يغني النسب

ارتباط نسبها بدخولها الجنة مَنفِيٌّ، وإن زادها النسب شرفاً ورِفعةً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. [أخرجه البخاري في الصحيح]، لأنّ “المعيار الحقيقي هو اتباع ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة قولاً وعملا واعتقادا، أما الأنساب فإنها لا تنفع ولا تجدي، كما قال ﷺ: (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، وهكذا قال لعمه العباس وعمته صفية وابنته فاطمة، ولو كان النسب ينفع أحدا لنفع هؤلاء”.[من مجموع فتاوى ابن باز بتصرف (3/98)].

وهنا نسأل: ماذا كان صنيعها حتى استحقّت هذا الشرف والفضل؟

بِرُّها برسول الله أباً ونبياً

كانت تساند أباها في دعوته الشاقة وترعاه وتُخفِّف عنه ما يلقاه من أذى المشركين، وقد أوتيت من العزّة والشجاعة في سِنٍّ صغيرة ما جعلها تقف في وجه ثُلَّةٍ من المشركين تنهرهم وتشتمهم على استهزائهم برسول الله وهي تزيل أحشاء الإبل من على كتف أبيها بعد أن رماها أشقى المشركين عليه أثناء صلاته أذية له.

وكانت أقرب بناته إليه وأكثرهنّ شبهاً به، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيتُ أحدًا كانَ أشبَه سمتًا وَهديًا ودلًّا برسولِ اللَّهِ ﷺ من فاطمةَ كانت إذا دخلت عليهِ قامَ إليها فأخذَ بيدِها وقبَّلَها وأجلسَها في مجلسِه وَكانَ إذا دخلَ عليها قامت فأخذت بيدِه فقبَّلتهُ وأجلستهُ في مجلسِها. [سنن أبي داود]

وهي أول أهله لحوقا به بعد وفاته، عن عبد الله بن الحارث، قال: [مكَثت فاطمة بعد النبي ﷺ ستة أشهر وهي تذوب][5]، حزناً على فراقه ﷺ.

العفة والحياء

لازمت صفة الحياء فاطمة وعرفت عنها، وكيف لا ووالدها كان أشدَّ حياءً من العذراء في خِدرها، فقد روى البزار عن علي رضي الله عنه أنه كان عند رسول الله ﷺ فقال: أي شيء خير للمرأة فسكتوا، فلما رجعت قلت لفاطمة: أي شيء خير للنساء؟ قالت: لا يراهن الرجال، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: إن فاطمة بضعة مني[6].

وعن ابن عبد البر: فاطمة رضي الله عنها أول من غطى نعشها في الإسلام”[7]، فقد استقبحت ما يُفعل بالنساء بعد الموت حيث يُطرح عليها الثوب فيَصِف جسدها، فطلبت من أسماء بنت عميس أن تُغطِّيها بعد موتها بطريقةٍ عرضتها عليها أسماء قد سبق أن تعلّمتها في الحبشة[8]، فقد بلغ الورع والحياء بها مبلغاً جعلها تهتمّ بستر جسدها بعد الموت، فأين نحن من هذا وفينا أقوامٌ يحلِّلون فعل المكروه والمنكرات ما يعجز اللسان عن وصفه لأجل ما يسمى ليلة العمر.

صبرها على التقشف والفقر

“وهكذا كانت حياتهم في غاية البساطة بعيدة عن التعقيد، وهي إلى شَظَف العيش أقرب منها إلى رغده”[9]، فقد كانت بداية حياة عليّ وفاطمة الزوجيّة رضي الله عنهما، بصداق زهيدٍ وزَفّة متواضعة وبيت صغير بسرير و وسادة وإناء و وعاء وحصير[10]، ولو أنّ أباً في هذا الزمان زوج ابنته كتلك الزِّيجة لقال قائل قد فرَّط الأب بابنته – حاشى لله ورسوله – ولكنه ﷺ أحبّ لابنته رجلاً يحبه من آل بيته ذو فضل وحكمة وقوة، وامتثالاً لأمر الله بتزويجهما[11]، وما كان من فاطمة إلّا الرضى بأمر الله على علمها بفقر زوجها، فقد قاست الجوع الشديد وتَمَلَّك منها التعب، تعمل في بيتها وتطحن الحبَّ بتدوير الحجر الثقيل فوقه لتصنع منه خبزاً لعائلتها، حتى أُنهكت وتَورّمت يداها، ولم يكن زوجها أفضل حالاً منها.

ولما بلغ الجهد منهما مبلغاً شديداً، ذهبت فاطمة إلى أبيها تطلب على استحياءٍ خادماً لها ولزوجها من الأسرى، فقوبِل الطلب بالرفض مع رؤية النبيّ لحالِ ابنته وهو أشدّ الناس اشفاقاً عليها، وذلك لأنّ الحكمة والعدل يقتضيان دفع الضرر عن الأُمة بما هو أولى من إطعام بطون الجياع من أهل الصُّفّة، وبقي لهما ﷺ الأب الحاني المعلم يعلّمهما الذّكر والصّبر ويدعو لهما ويذكّرهما بالآخرة، وقسّم بينهما العمل، فاطمة في الأعمال الداخلية وعليّ في الخارجية فرضيت رضي الله عنها بحكمه ولم تكثر عليه لئلّا تستعطف أو تستجدي قلب الأب العطوف.[12]

التأدّب مع الزوج وحسن المعشر

لقد عاشت مع زوجها عليٍّ صابرة محتسبة، لا تُكثر الشكوى والتذمر، وفي قصّة الميراث الشهيرة بين أبي بكر وفاطمة رضي الله عنهما لطيفةٌ صغيرة تدلّنا على حسن تعامل فاطمة مع زوجها، روى البيهقي بسند عن الشعبي أنه قال لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق، فاستأذن عليها، فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر الصديق يستأذن عليك؟ فقالت أتحب أن آذن له، قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضاها… ثم ترضاها حتى رضيت][13]، قال الذهبي معلقاً: عملت السنة رضي الله عنها فلم تأذن في بيت زوجها إلا بأمره[14]. وما ذاك إلا إحسان وزيادةٌ في الأدب لتستأذن زوجها في أمر يخصّها وقد سبق وعرضه عليها، فكيف بأمورٍ أسرية تشاركيّة أكثر خصوصية؟.

ولفاطمة من المناقب الكثير وما تقدم من القول إلا غيض من فيض، فقد كانت تقية صِدّيقة، عن رواية الحاكم بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا ذكرت فاطمة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحدًا كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي وَلَدها.[15]

وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء “وقد كان النبي يحبها ويكرمها ويسر إليها. ومناقبها غزيرة. وكانت صابرة دينة خيرة صينة قانعة شاكرة لله” فما أفضلها من قدوة وما أحسنها من سيرة ترتاح القلوب لذكرها وتطمئن، فحَرِيٌّ بنا ألّا يفارقنا شذى عطر سيرتها المباركة.


مراجع للاستزادة:

– الثغور الباسمة في مناقب السيدة فاطمة، للإمام جلال الدين السيوطي، تحقيق ودراسة د.عبد الحكيم الأنيس، دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري دبي، إدارة البحوث.

– صور من سير الصحابيات للسحيباني.

– رجال ونساء حول الرسول، تقديم الشيخ حسن أيوب

– سيرة ابن هشام

– مقالات متفرقة على موقع الألوكة وإسلام ويب وإسلام سؤال وجواب، ومحاضرات في اليوتيوب للشيخ نبيل العوضي وعبد الرحمن العريفي.

[1] لتوضيح هرم الأولويات في اتباع الصحابيات أحيل إلى منشور لمركز باحثات:https://t.me/bahethat1/2600.

[2] سيرأعلام النبلاء-الذهبي-(2\123).

[3] المصدر السابق- ص 134، وربما يعود قلة روايتها لوفاتها شابة.

[4] الموسوعة الحديثية الالكترونية: الدرر السنيّة.

[5] الذهبي.(2\128).

[6] سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد. (11\45). الباب التاسع في بعض مناقب السيدة فاطمة.المؤلف:محمد بن يوسف الصالحي الشامي، تحقيق وتعليق:الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض الناشر:دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان. الطبعة: الأولى. وينظر في حلية الأولياء لأبي النعيم (2\40).

[7] خامس الخلفاء الراشدين. د.علي الصلابي. ص44.

[8] الذهبي.(2\128-129).

[9] السيرة النبوية للصلابي.(2\56).

[10] الطبقات الكبرى لابن سعد (8\19).

[11] يرجع إلى الباب الثاني تزويجها بعلي..، ص:33-53، اتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب والفضائل، للعلامة محمد رؤوف بن علي بن زين العابدين المناوي، دراسة وتحقيق وتعليق: عبد اللطيف عاشور، مكتبة القرآن، القاهرة.

[12] وصية النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة وعلي.

[13] خامس الخلفاء الراشدين.ص 42.

[14] الذهبي ص.121.

[15] خامس الخلفاء الراشدين، ص.41.

أمام النظم القرآني.. شبهات في وجه الإعجاز!

يتركز النظر في النظم القرآني على دقة ترتيب الآيات بينها وتناسبها بين بعضها البعض على مستوى وحدة المعنى، أي أن ترتَّب الآيات في السورة الواحدة أو في السور المتتالية بناء على وحدة موضوع الآيات حتى لا يصاب القارئ بالتشتت بين معاني كثيرة لا صلة بينها.

وعلى الرغم من أن المسألة هي محل بحث وتأليف من علماء التفسير على مدار الزمان، إلا أنها أصبحت مثار شبهة عند غير المتخصّصين أو المبطلين من غير المسلمين، ويعود جذر هذه الشبهة -برأيي- إلى مقارنة الأسلوب القرآني في سرد المواضيع بالطرق التقليدية المتعارف عليها بين الناس في الكتابة والسرد، حيث إن تنقّل القرآن بين المواضيع والمعاني مغاير للأساليب البشرية من استخدام علامات الترقيم وفصل الفقرات في المقالة الواحدة وكثرة استخدام العناوين بين الفصول المختلفة، ومن هنا فقد اعتقد البعض أن التأليف البشري أدق نظامًا من الوحي الإلهي!

زيادة على ذلك، فإن الشبهة تنبع من عدم الإلمام بمقاصد السورة الواحدة، وتمام الغفلة يتجلى في عدم معرفة أن لكل سورة شخصية مستقلة تهدف إلى ترسيخ معنى بعينه مهما تغايرت المواضيع والمعاني. وبسبب ذلك تعمى الأعين عن ملاحظة الوحدة القرآنية بسبب الحكم المسبق بأنه كتاب لا وحدة موضوعية فيه.

جهود المفسرين بين الماضي والعصر الحديث

على الرغم من أن الوحدة القرآنية كانت محل بحث بدءاً من عصور السلف إلا أن أغلب المفسرين أسهبوا في التأليف حول علاقة خواتيم السورة بما بعدها، وعلاقة أسامي السور ببعض، ونذكر على سبيل المثال عمل السيوطي في كتابه (أسرار ترتيب القرآن) في أن سورة الفرقان جاءت في الترتيب التوقيفي للمصحف بعد سورة النور، لأن الفرقان بين الحق والباطل لا يكون إلا بعد نورٍ يكشف ما في الظلمة.

صحيح أنّ ما اهتم به السلف لم يخرج عن محاولة استكشاف ما للقرآن من وحدة موضوعية، ولكن أغلب جهودهم كانت حول وحدة مواضيع وأسامي السور بعضها ببعض، ولم يتطرق أحد إلى الوحدة في السورة الواحدة بين الآيات، أما في العصر الحديث – بدءا من القرن الماضي- بدأ بعض العلماء في التأليف في المسألة. ولعل أول من كتب فيها كان الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (النبأ العظيم) حيث أسهب في كتابه لإثبات أن سورة البقرة على كبر حجمها وكثرة مواضيعها بها نظام موضوعي بين الآيات بشكل واضح جدًّا لمن يتفكر ويتدبر.

سعيد حوى (على اليمين)،عبد السلام المجيدي (في الوسط)، محمد عبد الله دراز (على اليسار)

بعد مدة من الزمن ألف الشيخ سعيد حوى كتابه (الرسول) وذكر في فصل “المعجزة القرآنية” وجود الوحدة الموضوعية في القرآن بشكل مختصر، ثم ألّف بحثاً طويلاً -بعد ذلك- في المسألة من ستة مجلدات باسم (الأساس في التفسير) أثبت فيه أن كل سورة مقسمة إلى عدة مقاطع وفقرات تخدم المعنى الرئيس والمقصد الأعلى للسورة، وأن لكل سورة وحدة في موضوعها مهما تفرعت في مواضيع جانبية، وأنه ما ذُكِر موضوع إلا لخدمة المعنى الأساسي المراد ترسيخه. وأثبت في بحثه أن القرآن كله عبارة عن جسد واحد من الوحدة الموضوعية وأنه كله ما هو إلا مزيد تفصيل وبيان لما جاء في سورة البقرة. أي أن سورة البقرة تلخّص المركزيات الكبرى للدين من تقرير العقائد الكبرى وتفصيل التشريعات وتبيان مواقف الناس المغايرة من الدين. أما في العصر الراهن فهناك عدة مشاريع بحثية في المسألة مثل مشروع الشيخ الدكتور عبد السلام المجيدي الذي انطلق في مشروع فكري وتفسيري للقرآن من حوالي ثلاث سنوات فأنهى بمنهجه المتميز تدبره لبعض السور وهي الفاتحة والبقرة وآل عمران والنساء.

 في ظلال من أمثلة القرآن

على الرغم من أن نظم القرآن أوسع من أن يُلخَّص أو يختَصَر في بحث واحد، وأعظم من أن يحيط بكل ما فيه أحد ما، إلا أن جهود العلماء تركت لنا مئات الأمثلة من وجود الوحدة الموضوعية في القرآن، وقد كثر مؤخرًا التأليف تحت هذا المصطلح، ونمثل لذلك ما كتبه المفكر محمد الغزالي للتفريق بين تفسير النص بشكل حرفي وتفسير السورة ككل بشكل إيجازي في كتابه (التفسير الموضعي والموضوعي للقرآن الكريم). ولو كانت الشبهة تثار أكثر في السور الطويلة لكثرة تنوع المواضيع، فإن تبيان أمثلة من تلك السور يثبت وجود الإعجاز ويقوي موقف القرآن أكثر أمام معارضيه.

لقد أفرد عبد القاهر الجرجاني كتابه العظيم “دلائل الإعجاز” للبرهنة على ما في النظم القرآني من وجوه الإعجاز. ولنأخذ مثالاً واحدًا من الآيات القرآنية التي أوردها عبد القاهر الجرجاني مبينًا بعض جوانب الإعجاز فيها، وذلك قول الله تعالى في شأن اليهود: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة: 96]. يقول عبد القاهر:

“إذا أنت راجعت نفسك، وأذكيت حسَّك، وجدت لهذا التنكير، وأنه قيل: {عَلَى حَيَاةٍ} ولم يقل: “على الحياة” حسنًا وروعة ولطف موقع لا يُقْدَرُ قَدْرُه، وتجدك تَعْدَم ذلك مع التعريف وتخرج من الأريحية والأنس إلى خلافهما. والسبب في ذلك أن المعنى على الازدياد من الحياة، لا الحياة من أصلها.. فكأنما قيل: ولتجدنهم أحرص الناس ـ ولو عاشوا ما عاشوا ـ على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضي الوقت وراهنه حياة في الذي يستقبل”.

وإليك مثالًا من سورة البقرة، أقتبسه من كتاب (النبأ العظيم):

“يقول تعالى: {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِين} [البقرة: 237- 238] فقد يحسبها الناظر اقتضاباً، وما هي باقتضاب إلا في النظر السطحي العابر، أما من يتابع معنا سير قافلة المعاني منذ بدايتها ويقطع معنا ثلثي الطريق الذي رسمته آية البر من الوفاء بالعهود والصبر في البأساء والضراء وحين البأس فإنه لا ريب سوف يستشرف معنا إلى ثلثه الباقي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وبذل المال على حبه في سبيل الله وسوف يرى أن هذه الحلقة الثالثة قد جاءت هنا في رتبتها وفي موضعها المقدر لها وفق ترتيبها في الآية الجامعة.

سيقول قائل: نعم لقد جاءت في موضعها ورُتْبتها، ولكن الانتقال إليها قد تم دون إعداد نفسي ولا تمهيد بياني. نقول: بل كان هذا الإعداد والتمهيد في الآية الكريمة التي ختمت بها الحلقة السابقة {وأن تعفو أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير} فهذه لو تدبرت معبرة ذهبية وضعت في وقت الحاجة إليها بعد أن استطال الحديث في تفصيل الحقوق والواجبات المنزلية، معبرة جيء بها لتنقلنا من ضوضاء المحاسبة والمخاصمة إلى سكون المسامحة والمكارمة فكانت معراجا وسطا صعد بنا إلى أفق أعلى تمهيدا للعروج بنا فيما يلي إلى الأفق الأعلى. ألا تسمع إلى هذه الكلمات {ولا تنسوا الفضل بينكم} فإن كل حرف في هذه الكلمات ينادي بأنها كلمات حبيب مودع كان قد أقام بيننا فترة ما ليفصل في شؤوننا ثم أخذ الآن يطوي صحيفة أحكامه ليتحول بنا عنها إلى ما هو أهم منها، فقال لنا -وهو يطويها-: دعوا المشادّة في هذه الشؤون الجزئية الصغرى، سوّوها فيما بينكم بقانون البر والفضل الذي هو أسمى من قانون الحق والعدل، وحوّلوا أبصاركم معي إلى الشؤون الكلية الكبرى التي هي أحق بأن يتوفر عليها العزم والقصد، وأحرى أن يشتغل بها العقل والقلب، نعم نعم لقد كفاكم هذا حديثًا عن حقوق الزوج والولد، فاستمعوا الآن إلى الحديث عن حقوق الله والوطن حافظوا على الصلاة، وأنفقوا في سبيل الله، وجاهدوا في سبيل الله”

خلاصة القول

لقد استقرّ عند علماء التفسير وعلوم القُرآن أن النظْم القرآني وجه من وجوه إعجاز القُرآن، وهو طريقة الكلام وأسلوبه، وارتباط آي القُرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، متسقة المباني؛ فإن السورة مهما تعددت قضاياها، فهي كلامٌ واحد، يتعلق آخره بأوله وأوله بآخره، ويترامى بجملته إلى غرض واحد، وارتباط الجمل بعضها ببعض في القضية الواحدة، بل والسور القُرْآنية أيضًا كذلك، فهو مقابل للشعر، والسجع عند العرب، والقُرْآن معجز بنظمه؛ أي: بخروجه عن أصناف كلامهم وأساليب خطابهم، فهو خارج عن عادتهم، ومعجِز بهذه الخصوصية التي ترجع إلى جملة القُرْآن، وتحصل في جميعه.

فيتبعون ما تشابه منه

على الرغم من أن الدين كله بُنية واحدة من حيث وحدة المصدر ومقاصده الرئيسة، إلا أن نصوص الدين تتفاوت في درجة وضوحها ومعانيها بين نصوص محكمات -أي واضحة الدلالة- ونصوص أخرى لا يحيط بمعانيها إلا أولو العلم من المتخصصين -أي أنها من المتشابهات-، ولا بد من التأكيد على أن هذا التفاوت لا يكون في مقاصد الدين الكبرى، فأصول العقيدة وأساسيات الشريعة كلها تندرج تحت المحكمات الواضحات التي لا يمكن الاختلاف حولها، وإنما يقع خلاف العلماء دائمًا في تفصيليات الاعتقاد أو الشرائع مما لا يؤدي إلى فُرقة أو تشتت.

بين المحكم والمتشابَه

يقول تعالى في مطلع سورة آل عمران: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]

يقول الشيخ زَرّوق في كتابه (قواعد التصوف): “وقوع الموهم والمبهم، والمشكل في النصوص الشرعية ميزان العقول والأذهان والعقود”. فالحكمة من وجود المتشابهات أن النصوص التي تثير الشك أو عدم الفهم أو الإشكال، أنه يُظهِر تفريق الناس بين مستقيم ينزعج من سوء الفهم ولكن يصبر حتى يتعلم ويُجاب فتزال الشبهة عنه، وبين المتبع للهوى العجول الذي لا يصبر على الشبهة فيبدأ بالشك أو يتعصب لرأيه ويتسرع في الحكم على الدين كله.

وكما أن النص المتشابه يفرق الناس على مستوى القلوب، فأيضا وجود المتشابه يفرق بين الناس على مستوى العلم، وبالمتشابهات يميز الله الخبيث من الطيب ممن رسخت أقدامهم في العلم وصبروا عليه حتى أوتوه درجات وبين متعالمين يسطحون المسائل العميقة بجهل وتسرع. فالمتشابهات هي حجة الله على الناس أن هذا الدين علم، وأنه لا تفسير لنص مستشكل بلا علم ولا إزالة لشبهة ولا وصول ليقين.

عصر الهوس بالمتشابه

في كل مرة أدخل في حوار مع شخص متشكك يكون له ميل للشك لأنه يعتقد أن اللادينيين أكثر علماً بالدين من عامة المسلمين. وهذا الوهم سببه أن اللاديني لا يُسمِعك ما لا قبل لك به لأنه أعلم منك بالدين، بل لأنه لا يبالي بالمحكم ويبتع المتشابه. وبناء عليه يتخذ اللاديني المعاصر دور المهرج الذي لا يبالي غير بالمشاغبة، أو لاعب الخفة والساحر الذي يفاجئ الجمهور بكل ما هو غريب وجديد عليهم! وهذا في الحقيقة تتبُّعٌ للمتشابهات {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7].

أما عن ابتغاء الفتنة فهو تشكيك الناس في دينهم وصرفهم عنه، وأما عن ابتغاء تأويله فهو تفسير القرآن بالرأي والظن لا بالعلم والمنهجية. فمن يتخذ الدين لهوًا ولعبًا، أو وسيلة لإبراز عبقريته الفذة وتفوقه على الأغلبية من المؤمنين، فإنه لا يبالي بالمحكم لأنه لا يبالي بالهداية، وجودها من عدمها لديه سواء، بل كل ما يحلم به هو إثارة الفتن والمشاغبة. فأزمته الحقيقية هي رفض الدين من باب التكبر أو اتباع الهوى أو الحقد على أهله أو حب الدنيا أو غيره.

وبناء على تلك النية العليلة يكون عزمه للطعن والتشكيك والسخرية، ولكن لا يخرج مضمون كلامه عن الرقص حول المتشابهات مع تمام الغفلة عن المحكمات. وبناء عليه، عندما أدخل في حوار مع شخص متشكك يبدأ كلامه بطرح شبهات كثيرة في مواضيع شتى أرفض استكمال الحوار بهذه العبثية، لأن العقيدة درجات من المحكمات الأساسية أولا تبنى عليه بنيان الدين ككل. ومن السخف أن يبدأ الحوار حول ما استشكل فهمه من الدين دون إثبات الألوهية لله وحده، وصحة وجود الغيب، وصحة النبوات، وسائر أمهات العقائد. إذ إن الدخول للدين من باب المتشابه ما هو إلا لهو ومشاغبة، فالهداية في الأسئلة الوجودية الكبرى كلها هي من المحكمات الواضحات.

من العجيب في هذا الزمان أن الدخول للدين من بوابة النص المتشابه ليس دأب اللادينية فقط، بل للأسف الكثير ممن يُعلِمون الناس الدين ينطلقون مع طالب العلم المبتدئ بالنصوص المتشابهات التي كثر الاختلاف حولها على مدار التاريخ. وزيادة عليه، تتحول نية طلب العلم من المنفعة الشخصية إلى وسيلة للجدل والمراء والتصارع مع المخالفين بشكل يصل أحياناً إلى الهمجية وقلة الأدب.

ربنا لا تزغ قلوبنا

وسواء كان من يتبع المتشابه إنسانًا متشككًا أو مسلمًا لا منهجية له في طلب العلم وتعليمه، فإن سبب المشكلة واحد ألا وهو (مرض القلب)! فالإنسان الذي يريد الهداية يجد في المحكَم ما يكفيه، فيبدأ به ليتعلم أصول الدين، ومن يريد أن يستبين سبيل المؤمنين يجد في الشريعة كيفية التعبد على النحو الذي يقربه من ربه. أما اتباع المتشابه فلا يكون إلا للإنسان ذي القلب الزائغ، فلا يبالي بهداية أو استقامة أو انحراف، ولذلك قُرن تتبع المتشابه بمرض القلب، لأنه تفسير للنص ابتغاء الفتنة لا ابتغاء الهداية.

لقد جاء في الحديث الحسن عن الرسول ﷺ: (إذا رأيتُمُ الَّذينَ يتَّبعونَ ما تشابَهَ منهُ فأولئِكَ الَّذينَ سمَّاهمُ اللَّهُ فاحذَروهم) [سنن الترمذي]، فإذا ما تيقن الإنسان في درجات المحكمات الرئيسية من العقيدة سهُل عليه التعامل مع الفرعيات من الشبهات والإشكالات. ولأن هذا اليقين لا يحدث إلا بعد صدق في طلب الهداية بقلب مستقيم لا زائغ، ختمت الآيات بدعاء سلامة القلب حتى يكون المتشابه من الدين هو محل بحث وتعلم، لا محل شك وتكذيب: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً}. اللهم آمين..

“الإسلام” والأسئلة الوجودية

في نهاية القرن 19 ميلادي ظهرت في الدول الغربية عدة مذاهب فلسفية معاصرة تروم البحث في الأسئلة الوجودية، على نحو من خلق الكون؟ ما الوجود؟ ما الإنسان؟ من أين أتى -الإنسان- وإلى أين هو ذاهب؟ هل هناك بعث وجنة ونار؟ ما حقيقة ومحددات الخير والشر؟ ما معنى الحياة؟ وعلى شاكلتها من الأسئلة التي حاول كل تيار من هذه التيارات الفلسفية من قبيل –الماركسية، الداروينية، البراجماتية أو الفلسفة العملية”، العلموية، الليبرالية– أن تجيب عن هذه الأسئلة وفق مبادئ تستمدها من أصول فلسفتها.

الجواب عن السؤال.. ما الذي جرى؟

بالنظر إلى الفلسفات الغربية التي قطعت صلتها بالسماء واعتمدت على تحليل وتفسير الكون وظواهره الاجتماعية تفسيرا حسيا ماديا، نجد أنها قد أفسدت الإنسانية والإنسان الذي ينضوي تحتها إلى حد تعطيل فكره وعقله، وأبعدته عن أصل نشأته وعن الحكمة من خلقه وحقيقة عبوديته لله، ونرى ذلك في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات]، إلا أنّ الإنسان أصبح مادِّيًّا شهوانيًّا لا يفكر سوى في اشباع رغباته الجنسية والجسدية.

في حين نجد أن الدين الإسلامي الذي بعث به محمد ﷺ قد وضع للإنسان ضوابط يقصُر العقل البشري عن رؤية أو تصوّر ما بعدها -من الغيب- وأجاب عن بعض هذه الضوابط الغيبية الوجودية التي انحرف غيرنا وهو يحاول الإجابة عنها.

الأسئلة الوجودية في القرآن الكريم

لنبدأ مع السؤال الأول: مَن خلق الكون؟

يقول لنا الله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً للسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ” {فصلت: 5-9].

هذه التفاصيل الدقيقة أجاب عنها القرآن الكريم قبل أن تظهر هذه الفلسفات وبشكل يصعب على العلم اليوم أن يدركها كلها، ففي الآيات الكريمة أشارت إلى عدة حقائق كونية، منها خالق الكون، وأصل تكوينه ومما يتكون.

أما السؤال الذي يبحث عن الإنسان، فإن الله يوضح لنا ويجيبنا في القرآن الكريم، فنجد أن الله سبحانه وتعالى يقول في سورة ص: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 72] وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون، 12 – 14]. وقوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترائب} [الطارق: 5-7]

فهذه الآيات الكريم تؤكد حقيقة خلق الإنسان وتدحض قول الدارونية التي تقول بتطور الإنسان، وههنا نص صريح عن أطوار خلقه سبحانه وتعالى لهذا الإنسان وعن أصل المادة التي كون منها، مما لا يعطي مجالا لشك.

الإنسان وسؤال المصير!

إن كان الله قد أوضح جواب سؤال من أين أتى الإنسان؟، فما الذي يوضحه لنا القرآن في السؤال عن أين هو ذاهب؟

يقول تعالى: {وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 155 -156] يقول القرطبي في تفسيره: “جعل الله هذه الكلمات وهي قوله- تعالى: (إنا لله وإنا إليه راجعون) ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين، لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله {إنا لله} توحيد وإقرار بالعبودية والملك وقوله (وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له”

فحقيقة الإنسان توضّحها هذه الآية التي تبين أنّه مخلوق وعبد لله، أوجده من عدم فأمره بأن يعبده ويقيم شرعه على أرضه ويحفظ أمانته، لقد خلقه ليعبده وإليه صائر يوم القيامة.

وهذا السؤال، لا بد لتوضيحه من الوقوف عند مسائل أخرى، كالبعث والجزاء والحساب، فما الذي يقدمه لنا الله إجابات عن هذا؟ يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ} [الحـج:5-6]، وقوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً} [النساء: 123 -124].

هذه التفاصيل الربانية عن يوم البعث من قيام الأجساد والأرواح من مرقدها بعد موتها حينما يأذن ربها، كلها تفاصيل غيبية لا يدركها العلم وقد حددها لنا الله سبحانه وتعالى وأخبرنا عنها في محكم تنزيله.

الإنسان ومعنى الحياة في القرآن

يفيض علينا الله في بيان معنى الحياة والغاية من خلق الإنسان، فيقول تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20]

وفي الجواب عن السؤال المركزي (لماذا خلق الإنسان؟) الذي يدور حوله البحث المعرفي، وبه يتحدد دور الإنسان في هذه الحياة، يقدم الله لنا الإجابة بأن الإنسان لم يوجد ليأكل ويشرب ويرضي رغباته الشهوانية، بل إنه خُلق لشيء أكبر من ذلك؟

يقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فحقيقة خلق الإنسان هي إعمار الأرض وعبادة الله سبحانه وتعالى.

هل قيَّد الإسلام حرية العقل؟

بالنظر إلى التعاليم والضوابط التي جاء بها الإسلام، نجد أنفسنا أمام منظومة متكاملة الأركان خالية من كل عيب منفردة بكمالها عن غيرها، كيف ذلك؟ الدين الإسلامي نظام بديع يتميز منهجه بمسائل وقضايا غيبية توقيفية أمرها إلى الله هو الذي تكفل بها وأمر عباده بها، وهناك مسائل وأمور اجتهادية ترك للإنسان البشري مجال البحث فيها.

فالمسلم في العقائد التوقيفية يعتقد بأن الإسلام ينبني على خمسة أصول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، إقام الصلاة (وهي خمس صلوات في اليوم والليلة)، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت (من استطاع إليه سبيلا)، أي للقادرين على ذلك.

كما يحدد له الإسلام أركان الإيمان التي يعقد قلبه عليها، فهو يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقضاء خيره وشره.

وعلى الجملة هناك أمور توقيفية من الله سبحانه وتعالى ضبط بها الله سبحانه وتعالى علاقة العبد بربه وعلاقته مع غيره من البشر فأمر بالصدق وحذّر من عاقبة الكذب، وأمر بحفظ الأمانة ونهى عن تضييعها وعلى نحو ذلك.

وبعد أن وضع الإسلام للمسلمين الضوابط في ثنايا الكتاب “القرآن الكريم” والسنة النبوية، ترك المجال مفتوحا للعلماء المسلمين للاجتهاد والإبداع، ولهذا وُجِد الاختلاف وتعددت الأقوال في الفقه وغيره من العلوم، وعلى هذا تميزت الحضارة الإسلامية عن غيرها من الحضارات، مما أخرج لنا علماء أبدعوا في مجالاتهم، فابن الهيثم مثلا أبدع في مجال البصريات، وعباس بن فرناس ساهم في مجال الطيران، وأبو القاسم الزهراوي كان له الكثير من الفضل في علم الجراحة، وغيرهم كثير قدموا للإنسانية علوما تنعم بفضلها اليوم، بينما كانت أمم كثيرة في أوروبا تقبع في الظلام الدامس.

وهذا التقسيم الثنائي الذي نجده في الإسلام يساهم في الحد من هذه الموجات الإلحادية في العالم الغربي، إذ أن غياب الأصول الثابتة وفتح المجال للعقل على مصراعيه دون وضع ضوابط معينة له يقود الإنسان إلى العبثية والتخبط في ظلمات الإلحاد والمذاهب المادية الهدامة، والحرية إن أطلقتها من قيودها وجعلتها تسبح من غير قيد أو ضابط، تؤدي إلى الفوضى التي تقضي على المعاني الجمالية في الحياة الإنسانية، ومن حسنات الإسلام وفضائله على الإنسانية إجابته لهم عن الأسئلة الوجودية الغيبية التي تشغل مجالات تفكيرهم العقلي بنص آيات كتابه الكريم، وفتح لهم بالتوازي مع ذلك مجالا واسعًا للإبداع تحت رايته.

الطيّب من القول

في ظل حياةٍ متسارعةٍ، مليئةٍ بالضغوطات، وغيابٍ للأخلاق والقيم الدينية، وضياعٍ للمودة والرحمة وتزايد لحالات الاكتئاب والانتحار بين شبابنا، وقلة الإيمان وضعف التعلق بالله والتوكل عليه سبحانه، بكلماتٍ بسيطة نابعةٍ من القلب تستطيع إعادة بناء نفس قاربت على الهلاك والضياع، أو فقدت كل إحساس بالحياة وتمنت الموت لإنهاء كل مرير، أو نفس بحاجةٍ إلى من يقويها ويساندها للوقوف من جديد، أو نفس ضعيفة لا تعرف التصرف في مواجهة المواقف والمصاعب أو نفسٍ حزينة لا تكاد تنفك عن حزنها المستمر.

الكلمة الطيبة

قال تعالى: {ألم ترَ كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كلّ حينٍ بإذن ربها} [إبراهيم: ٢٤، ٢٥]، وقال ﷺ: (الكلمة الطيبة صدقة) [رواه البخاري ومسلم]

كلمةٌ طيبة تخرج بحب ومودة، تبني ولا تهدم، تفتح باباً جديداً لمن ظنّ أن الأبواب جميعها سُدّت في وجهه، وأفقاً واسعاً لمن رأى أن الأفق أصبح سقفاً هابطاً يكاد يخنقه…

إن الكلام له وقعٌ وأثرٌ عجيب، فلا غنى للفرد عن أُناسٍ يُسمعونه من الكلام أطيبه ومن الحديث ما يسُرّ قلبه ويجبر خاطره.. فكم ممن دخلوا في حالةٍ نفسية صعبة واحتاجوا لوقت طويل للتعافي لأنهم لم يجدوا بجانبهم من يحتويهم ويقف معهم ويتكلم معهم بحبّ وودّ ويسمعهم ما يصبّرهم ويثبتهم في وقت المحن والابتلاء.

 

كلامك قوة لك وللآخرين

تكلم مع من أمامك بشعورٍ نابعٍ من حب الخير لأخيك كما تحبه لنفسك، فكل شعور يخرج من القلب مغلف بالحرص والحب يجد صدىً كبيراً في النفس، وما أجمل وأنبل من أن تنطق بهذه الكلمات وأنت في أشد الحاجة لسماعها فقولك لها لشد أزر من أمامك تشد من أزرك وتقويك.

كلمةُ تخفيف وتثبيت لمن وقع عليه ظلم من قريب أو بعيد حتى لا يدخل في دوامة تجرّه من يأسٍ إلى إحباطٍ إلى حقدٍ على الناس، تشعره وتطمئنه أن هناك أناساً طيبين ما زالوا يريدون له الخير ويقفون بجانبه.. وتذكّره بقدوته صلى الله عليه وسلم في الصبر على ظلم وأذى من حوله هو وصحابته الكرام.

كلمةُ أمل وتفاؤل لمبتلى بامتحانٍ طال أمده، حدّثه فيها أن المحن لا تدوم وأن مع كل عسرٍ يسرين وأن البلاء مهما طال فإنك تزداد أجراً ويكبر عوضك من الله في الدنيا وترفع درجاتك في الآخرة، إذا استشعرت قيمة الصبر، فالصابرون كما وعدنا الحق سبحانه يوفَّون أجورهم بغير حساب..

كلمةُ ترحّمٍ ودعاء لمن فقد عزيزاً أو قريباً، تشعره أنك معه وحزين لمصابه وأنك تدعو الله لفقيده، كلمة تحثّه فيها أن عليه العمل والسعي للقائه في الجنة التي سيمكث معه فيها إلى ما لا نهاية وليست أياماً وسنوات معدودة كالدنيا، حتى يخرج من حزن عذاب الفقد إلى سعادة شوق اللقاء.

كلمةُ أسفٍ واعتذار لمن شعرت أنك أسأت إليه دون انتباهٍ منك -خاصةً لأهلك وأحبابك- تحميهِ فيها من أن تَرِدَ إلى رأسه عشرات التساؤلات لمَ فعل هذا وقال ذاك تُوقِف بها الظن السيء وتحفظ الود..

كلمةُ تَفَقُّد لصديق أو قريب اعتدت أن يراسلك ويحادثك ثم غاب عنك وانقطع، لعلّه في محنة أو ضيق تستطيع إخراجه منها..

كلمةُ تَذْكِرةٍ بنعم الله المغدقة على إنسان كَثر سخطه وفقد إحساسه بالنعم وتمادى بحسده للآخرين وحقده عليهم لما لديهم من نعم ظاهرة، ينتبه فيها ويرى ما لديه من نعم ليست لدى غيره..

كلمةُ إصلاح وتوفيق بين نفسين تحجّرت قلوبهما وتقطعت أوصال المحبة بينهما تعيد بها سبل السلام بينهما..

كلمةٌ ترقي فيها مريضاً بآيات الشفاء والأدعية النبوية لينهض من ألمه وتحتضنه العافية لإحساسه أن هناك من يعاني لألمه ويدعو له بالشفاء ويحتاج له سليماً معافىً يقف معه من جديد.

كلمة مدح لملتزم بدينه ويمتلك الأخلاق الكريمة وأدب التعامل لتعينه على التمسك بدينه وخلقه وأدبه في ظل الفساد المنتشر وغياب الأخلاق.. كلمةُ شكرٍ وامتنانٍ لمن قدم لك مساعدة حتى يشعر بالتقدير ويستمر بمساعدة الآخرين.. كلمةُ تشجيع وتحفيز ودعم لمن تفوّق وأنجز ليسعَد بنفسه وانجازه ويحافظ على تفوقه في كل مراحله.. كلمةُ تنبيه بأسلوب جميل على خطأ أو تصرف تكرر من شخص يهمك عسى أن يتنبه ويبتعد عن الأخطاء ويكون لك أجر الإصلاح..

ابتسامةٌ بوجهٍ بشوشٍ في وجهِ إنسانٍ عبوسٍ تواسيه بها، فالابتسامة معدية.. ولا تبخل في نهاية كل كلمة عن اسماعه دعوةً جميلة تطرب لها أذنه وتطمئن بها نفسه بما يحب ويتمنى..

سبحان الله اللطيف

ومن التقديرات الإلهية اللطيفة التي تراها عندما يكتب الله لك لقاءً عابراً سريعاً بشخص لم تره منذ زمن قدّره الله لك ليزرع فيك الأمل والسعادة من جديد بكلمة جميلة يمدحك بها أو ثناء حسن بموقف قديم بينك وبينه، أو لفتِ نظرك لشيءٍ جميلٍ لديك كنت قد نسيته، فتشعر في هذه اللحظة أن الله اللطيف بعثه لك خصيصاً في هذا الوقت ليجبر كسراً فيك، أو ليقويك ويثبتك ويرد لك ما قلته من كلام ثبّتَّ به غيرك عندما كنت بأمسّ الحاجة إلى التثبيت، ما أجمل لقاء هؤلاء الأشخاص وما أعذب كلماتهم العابرة.

اللهم يسر لنا في حياتنا من الطيبين الذين يختارون أطايب الكلمات، ووفقنا لأن نكون من أصحاب القول الطيب الحسن اللطيف الخفيف الذي يثمر في النفوس.

واجعلنا ممن قلت فيهم {وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراطِ الحميد} [ الحج : ٢٤] .

بأحد العمرين

دعونا نفتتح هذا المقال تاركين لخيالنا العنان في تصوُّر هذا المشهد المهيب، هناك حيث رمضاء مكة التي تفوح بحقد المشركين وكيدهم للمسلمين، وبينما شبح الخوف والقهر يتبختر في كل مكان، فإذا بسيفين في يدي فارسين عظيمين يُشهران لنحر هذا الشبح، وإعلان حتفه ونهاية عهده، إنهما سيفا عمر وحمزة رضي الله عنهما وأرضاهما.

استجابة الدعوة النبوية

لمّا رأى رسول الله ﷺ حال المسلمين وما كانوا عليه من ضعف واضطهاد، توجّه إلى ربه عز وجل يدعوه بأن يرزق الأمة بصاحب مَنعة، فتقوى به شوكة الإسلام، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ (اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ بأحبِّ هذين الرجُلين إليك بأبي جهلٍ أو بعمرَ بنِ الخطابِ) يقول ابن عمر: فكان أحبُّهما إلى اللهِ عمرَ بنَ الخطابِ [أخرجه الترمذي]، ولأن المناقب العمريّة كانت تروي قلبه حتى في جاهليته، فكان هو المختار المُكرَم بوقوع الاستجابة عليه، وببزوغ الفرقان على يديه، فقد كان المسلمون قبل إسلام عمر وحمزة يخفون إيمانهم خوفًا من تعرضهم للأذى، لقلة حيلتهم وعدم وجود من يدافع عنهم، أما بعد إسلامهما فأصبح للمسلمين من يدافع عنهم ويحميهم، لا سيما أنهما كانا من أشد الرجال في قريش وأمنعهم، وكان عمر يجاهر بالإسلام ولا يخشى أحدًا، فلم يرضَ مثلًا عن أداء المسلمين للصلاة في شعاب مكة بعيدين عن أذى قريش، بل فضل مواجهة القوم بكل عزم، فقام وقال للنبي: “يا رسول الله ألسنا على الحق؟”، فأجابه: “نعم”، قال عمر: “أليسوا على الباطل؟”، فأجابه: “نعم”، فقال عمر بن الخطاب: “ففيمَ الخفية؟”، قال النبي: “فما ترى يا عمر؟”، قال عمر: “نخرج فنطوف بالكعبة”، فقال له النبي: “نعم يا عمر”، فخرج المسلمون لأول مرة يكبرون ويهللون في صفين، صف على رأسه عمر بن الخطاب وصف على رأسه حمزة بن عبد المطلب وبينهما النبي محمد، حتى دخلوا وصلّوا عند الكعبة. ومن بعيدٍ نظرت قريش إلى عمر وإلى حمزة وهما يتقدمان المسلمين، فَعَلتْ وجوهَهُم كآبة شديدة، يقول عمر “فسماني رسول الله ﷺ الفاروق يومئذٍ”. [ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء، وذكر ما يسانده ابن سعد في الطبقات، وكلاهما ضعيف]

ويُلاحظ فرحة المسلمين بإسلام عمر في عدّة أقوال منسوبة إلى عدد من الصحابة، منها ما قاله صهيب الرومي “لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودُعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به”، وما قاله عبد الله بن مسعود “ما كنا نقدر أن نصلّي عند الكعبة حتى أسلم عمر”، و “ما زلنا أعِزَّة منذ أسلم عمر”، وغير ذلك من المرويات الكثيرة [سيرة حضرة عمر الفاروق – إلياس عادل].

رجلٌ ذو همة .. يُحيي أمة

إنّ من كرامات الدعاء المحمدي الذي بثه لربه ليظهر الدين، أنها لم تُحبس في حيز “بأحد العمرين”، بل اخترقت حاجز الزمان والمكان لتنعم الأمة ببركة هذه الدعوة إلى يوم الحساب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ {إنّ الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها} [رواه أبو داوود وصححه الألباني]، وبهذه البشارة النبوية نتيقن أنّه ثمة عهدًا إلهيًّا يضمن استمرار هذه الدعوة، ويبشر الأمة أنّ دين الله سيحيى بإذنه مهما خَفَت وضعف حضوره في قلوب الناس، وأنه مهما بلغ الفساد في الأمة سيظل فيها من الخير الذي يُخرج لها من يبعثها ويجددها، وهذا يؤكد على أهمية وجود وصناعة حملة الدين ورايته، إذ إنّ الحق لا يعلو إلا بهم، هذه سنة الله في خلقه، وهذا ما فهمه وأدركه الملهَم المحدَث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فعندما كان في دار من دور المدينة المباركة جلس عمر إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا. فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهباً أنفقه في سبيل الله. ثم قال عمر: تمنوا، فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجوهراً أنفقه في سبيل الله وأتصدق به. ثم قال: تمنوا، فقالوا: ما ندرى ما نقول يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: ولكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله.

عمريُّون

لو حلّقنا عاليًا فوق تاريخ الأمة الإسلامية، سنجد سُرُجًا وضّاءة مبثوثة في حلقات التاريخ، إنهم أولئك المجددون الذين اصطُفوا كما اصطُفي عمر، وقد تنوع نفوذ البشارة النبوية بين صحابيٍ وتابعيٍ وأميرٍ وقائد، بين من جدد في محاريب العلم، ومن فرض شروطه في ميادين الحسم بين صليل السيوف، بل نجد أنّ منهم العربي والأعجمي، والأبيض والأسود، والغني والفقير، والكهل والشاب.

وإنّ ثمة حكمة إلهية عظيمة تفيض من هذا التنوع، حيث أراد الله تعالى ألا يفقد أيٌ من أبناء الأمة جمعاء أملَ التجديد والبعث في أنفسهم ومن حولهم، وأنّ إحياء الأمة ليس محصورًا في بقعة ما أو شريحة ما، وإنما أي مكانٍ وزمانٍ فيه مسلمون، فهو أهلٌ لتنطلق منه بعثة التجديد، ورغم ما يحمله هذا الأمر من تشريف للأمة التي لا تفضل عربيًا على أعجميٍ، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى، وأن الجميع كأسنان المشط، إلا أنه يحمل في طياته تكليفًا عظيمًا، لأنّ هذا يعني أنّ كل أبناء الأمة مكلَّفون بالتنقيب عن مهد هذه البعثة وتهيئة الأجواء لانطلاقها.

جاء دورك .. ابحث عن “عمر” بداخلك!

إنّ من أكثر الرسائل التي يعمل الإعلام على ترسيخها في عقول الأمة عامة، وشبابها خاصة، تتمثل في تمرير قبول هذا الوضع، ونشر روح التثبيط واستحالة القيام، وأنّ مجرد التفكير في الوصول إلى الريادة الأممية دربٌ من الأوهام والعبث والشطط، وليس لنا سوى تناول المسكنات بالعيش في أمجاد الماضي، أو إلهاء النفس في سفاهات الحاضر.

وعلى الرغم من أن الأمة حقًا تمر بنكبة على كافة الأصعدة لم تعهدها في سابقتها التاريخية، وأن الثغور التي شُقَّت كنِتاج لإرهاصات العصر كثيرة جدًا سواء في ذاتها أو في مآلاتها، إلا أنّ العمل الصادق من أبناء الأمة لو سار على النسق الصحيح، بأن يقوم كلٌ منا حقًا ليتخذ له ثغرًا ويقوم عليه ويسده، والثغور التي تحتاج لحماية وقيام عليها لا تُحصى في هذا الزمان، فوالله لو قمت على ثغر نفسك بأنك أصلحتها تربويًا وفكريًا وزكيتها فانعكس ذلك في حسن خلقٍ مع من حولك، فنعم الثغر هو، بل هذه هي البداية لنا جميعًا بلا استثناء، ثم تنطلق بعدها إلى الثغر المناسب لك ولقدراتك ولبيئتك وكذا أدواتك المعرفية، وعيناك على الغاية العظمى، فأنت تسد وتفرح أيما فرح برؤيتك الثغور الأخرى وهي تُسَد، لأنك لا تريد أن تكون “الوحيد” بل تريد أن تتحقق غاية “التوحيد”، فتظل تعمل وعينيك هنالك محلقة، تنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي يكتمل فيه البناء وتُسد فيه كل الثغور، فعهدٌ مني أدركه تمامًا أن جوهر الأمة سيتغير تمامًا في سنوات معدودات، بل سيتغير تغَيُّرًا يفوق ظنون المصلحين أنفسهم، وهذا دأب العقيدة الصحيحة إذا تمكنت من أصحابها، ولنا في قدوتنا ﷺ خير أسوة في صناعة الإنسان الذي على أكتافه تُبنى الأمم، في ثلاثة عشر عامًا بمنتهى الصبر والحكمة بنى أصحابه وزكاهم وعلمهم كيف يحملون أعباء الرسالة بحق، وكيف يضحون في سبيلها، وكيف ينطلقون ويعملون في رحابها، ليتحولوا جذريًا من حفاة رعاة، عبدَ كثيرٌ منهم الأصنام، إلى قوّاد الدنيا وأسيادها وأسياد خلق كثير إلى يوم القيامة.

فحالنا الآن لم يبلغ حالهم قبل بزوغ نور الدعوة المحمدية، لأن أصل التوحيد فينا، وجذور الفطرة ضاربة في أعماقنا، مهما ذبلت بعض أوراقها أو عطبت بعض ثمارها لِمَا لقت من البيئة حولها، فالصلاح والعودة أقرب وأسهل بكثير مما نظنه نحن عن أنفسنا، ومما تصوره عنّا الترسانة الإعلامية التي تجاهد أيما جهاد لتأخير تلك اللحظة الحتمية.

هو ذاك..

إصلاح الأسس والجوهر، وكلٌ على قدره وحسب وسعه، ولا تحقرن من المعروف شيئًا، المهم أن تبدأ بنفسك وتشعر بالمسئولية الفردية تجاه دينك وأمتك، ولا تتواكل على غيرك بل وتزيد على كاهله اللوم والنقد، انظر حولك فحتمًا ستجد بدل الثغر عشرات تناديك بشوقٍ أن تسدها فقد أعياها الشق.

فهيا قم إليها، وانفض عنك عفرة العجز، وافعل ما في وسعك، فالدنيا فانية وكلنا إلى التراب، فأن تذهب وأنت في ذودٍ عن هذه الأمة وجهاد لها مهما كانت درجته، خير ألف مرة من أن تذهب وأنت منتمي إلى هذه الأمة اسمًا ورسمًا لا قلبًا وهُوية.

فلتذهب وأنت تقول بصدق “لا أبالي على أي جنبٍ في الله مصرعي”.

فلئن عَرف التاريخُ أوسًا وخزرجًا *** فلله أوسٌ قادمون وخزرجُ

وإنّ كنوز الغيب تخفي طلائعًا *** صابرة رغم المكائد تخرُجُ

إياك أن يكون آخر جهدك لحظات التحفيز!

لعل الكثير منكم الآن بعدما شارف على نهاية المقال وقد سرت رسالة الأمة وحلم البعث في قلبه واختلطت بعقله وضميره، إلا أنه بمجرد الوصول لنهايته لن يلبث إلا أن يعود إلى حاله الأول، دون أن يحمل قضية الأمة بين جنبيه، ولعل السبب هو الخلط بين التحفيز الذي يكون {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39]، وبين التحفيز الذي يحمل في طياته قضية الحق الأعظم، تلك القضية التي لأجلها خلق الله السماوات والأرض، ذلك الدين الذي فدته أعناق الرجال، ذلك الدين الذي كتابه لا ريب فيه هدىً للمتقين، فلا أريد أن تنتهي من المقال وتكمل ما كنت تفعله، بل تبحث بجدٍ وصدق عن “عمر” بداخلك، أن تحضر ورقًا وقلمًا وتكتب ما يمكن أن تقدمه للأمة، أن تسأل نفسك بصدق: هل علمت ما لا يسعك جهله في الدين؟ هل تحتسب ما تفعل لله؟ هل تقيم الدين في نفسك وحياتك؟

ثم بعد الإجابة، ابحث عن ثغرك، لعلك تكون أنت عمر.


مصادر للاستزادة.

١- الفطرية بعثة التجديد المقبلة – د. فريد الأنصاري رحمه الله.

٢- رسالة في الطريق إلى ثقافتنا- أ. محمود شاكر رحمه الله.

٣- عمر بن الخطاب / ar wikipedia org / wiki

٤-https://www.al-qaradawi.net/node/2893

٥- https://nabulsi.com/web/article/9306

٦- محاضرة التجديد الفكري- الأستاذ أحمد يوسف السيد

٧- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ- أ. جهاد التُرباني.