image_print

المسلمون والتغيرات العالمية

يَشهد عالمنا اليوم تغيرات كُبرى مُتسارعة على المُستوى الدولي، ومؤخرًا الصراع العسكري الذي نُتابعه جميعًا بين روسيا وأوكرانيا، وكذلك نُلاحظ صراعات أخرى حول مصادر الطاقة وتأمينها، واللجوء لجريمة التطبيع مع الكيان الصهيوني من أجل ذلك كما فعلت مؤخرا عدة دول بهدف الوصول لاتفاق حول حقول الغاز في المُتوسط. ونحن المُسلمين يجب علينا التوقف على هذه الأحداث الكُبرى وتحليلها برؤية عميقة حتى نتعرف على المخاطر المُستقبلية والتحديات التي سوف نواجهها، ومن أجل ذلك وجب علينا العودة لعلم الجيوبولتيك الذي يُبرز لنا الدوافع والغايات وراء ما يَحدُث اليوم.

 والتعريف المُبسط لهذا العلم هو التحديد الجغرافي والمدى المكاني للدول والحضارات فبه يتم وضع الاستراتيجيات من قِبَل السلطة للتوسع الجغرافي للأمم وبسط نفوذها السياسية. وقد بين لنا أُسس هذا العلم الألماني فريدريك راتسيل المُلقب ب”أب الجيوبولتيك” فقال:” تتشكل الدولة مثل كائن حي مرتبط بجزء مُحدد من سطح الأرض وتتطور سماتها طبقا لسمات الشعب والتربة. أما السمات الأهم فهي الأبعاد ومكان التوضع والحدود”(1)، فنظرية راتسيل قائمة على أن الدولة كائن حي وتوسعها الجغرافي عملية طبيعة شبيهة بنمو الكائنات الحية. وما يحدث اليوم من صراعات إقليمية هو امتداد لهذه النظرية وما حرب روسيا وأوكرانيا إلا تجسيدًا لها وإيقاظ لنا من سُباتنا وجمودنا المُتواصل.

حُلم الإمبراطورية العالمية

بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب العالمية الثانية قامت الولايات المُتحدة الأمريكية بتأسيس حلف أطلسي جديد بالشراكة مع أوروبا الغربية مُكونًا الغرب الأطلسي، يهدف لبسط نفوذه والتوسع وضمان المصالح المُشتركة، ومن أجل نجاح هذا الحلف واستمراره كان لابد من ضمان عدم وجود قوات استراتيجية تُهدد مصالحه وبالتالي وجب اتخاذ بعض الخطوات حماية له حيث يقول هنتينغتون، مدير معهد جون أولين للدراسات الاستراتيجية لجامعة هارفارد: “على الغرب ضمان قيام التعاون الأكثر اتثاقًا وتوحدًا في إطار الحضارة الذاتية وبخاصة بين جزئيها الأوروبي والأمريكي الشمالي، أن تتكامل في الحضارة الغربية تلك المُجتمعات القائمة في أوروبا الشرقية و في أمريكا اللاتينية، والتي تتقارب ثقافتها مع الثقافة الغربية […] الحد من التطور العسكري للدول الكونفوشيوسية والإسلامية، وقف انكماش القوة الحربية الغربية وضمان التفوق العسكري في الشرق الأقصى وفي جنوب غرب آسيا، استغلال المصاعب والنزعات في العلاقات المتبادلة بين الدول الإسلامية والكونفوشيوسية، ودعم المؤسسات العالمية التي تعكس المصالح الغربية وتُضفي عليها الشرعية وتحقيق اجتذاب الدول غير غربية إلى هذه المؤسسات”(2).

خريطة تقسيم العالم بعد الحرب العالمية الثانية

خريطة تقسيم العالم بعد الحرب العالمية الثانية

وما حدث مؤخرًا من محاولة ضم أوكرانيا المنتمية لأروبا الشرقية للحلف الأطلسي الغربي الأمريكي ليس إلا امتدادًا للعمل بهذه الاستراتيجية، للتوسع والسلطة والحد من الخطر الروسي المُهدد لمصالحهم وما كانت هذه الحرب إلا ردة فعل قامت بها روسيا أيضًا حماية لأهدافها الجيوبولتيكية وتحقيقًا لها.

فهدف الولايات المُتحدة والغرب هو إقامة حكومة عالمية يقومون هم بإدارتها ويُخضعون باقي المُجتمعات للقيم العالمية التي يرونها هم حسب نظرتهم هي الأنسب حيث يقول  المحلل الاستراتيجي ألكسندر دوغين: “إن الخط الأساسي لكافة مُخططات العولمة يتمثل في الانتقال إلى النظام العولمي الواحد تحت السيطرة الاستراتيجية الغربية والقيم (التقدمية والإنسانية والديموقراطية)”(3)، وفي المُقابل نجد روسيا التي تهدف بدورها بإعادة بناء امبراطورية عالمية خليفة للاتحاد السوفييتي سابقًا ذات خصائص ثقافية مُختلفة ومُحاولة تعميمها، وتأكيدًا على هذا يقول دوغين:”فروسيا شيء ثالث مُستقل وخاص لا هي الشرق ولا هي الغرب، وعلى هذا فإن المصلحة العُليا لروسيا تتمثل في الحفاظ بأي ثمن على فرادتها، الدفاع عن خصوصيتها أمام تحدي الغرب وتقاليد الشرق، وأحد المطالب الجيوبولتيكية الأكثر إلحاحا لروسيا هو تجميع الإمبراطورية، فإذا ما اختارت روسيا طريقا آخر غير طريق تجميع الإمبراطورية فإن دولاً أخرى أو تحالفات دول ستتبنى رسالة الHeartland القارية. وفي هذه الحالة تغدو الآماد الروسية هدفًا استراتيجيا أساسيا لتلك القوى، فإما أن تقوم الصين بقفزة يائسة باتجاه الشمال نحو كازاخستان وسيبيريا الشرقية، أو تتحرك أروبا الوسطى باتجاه الأراضي الروسية الغربية نحو أوكرانيا وبيلاروسيا وروسيا الكُبرى الغربية، أو يقوم المعسكر الإسلامي بمحاولة التكامل مع آسيا الوُسطى، منطقة الفولجا والأورال بالإضافة إلى مناطق روسيا الجنوبية.”(4)، فما تقوم به روسيا اليوم في حربها على أوكرانيا لا يعدو أن يكون امتدادًا لهذا الحُلم وما قامت به في سوريا أيضًا ينتمي لهذا الهدف حيث تسعى روسيا للسيطرة على الدول ذات الشريط الساحلي الاستراتيجي وسوريا ساحلها يطل على المتوسط المُتنازع عليه والغني بالغاز ولم تضيع روسيا الفُرصة لتخوض هذه الحرب كما فعل الاتحاد السوفياتي في حربه مع أفغانستان سابقًا.

فالعامل المُشترك بين الغرب وأمريكا وروسيا هو بناء حكومة عالمية مُوسعة وتحقيق السيطرة العالمية كل يُحاول من خلالها بسط سُلطته ونشر ثقافته وقيمه التي يراها الأنسب في نظره، ومن هذا المُنطلق نُشاهد هذه الحروب والصراعات المُتتالية في عالمنا.

حُلم الدولة اليهودية الكُبرى

تُعتبر دولة الكيان الصهيوني في بدايتها امتدادًا للاستعمار الغربي الذي أراد الحفاظ على مصالحه من خلال توطين اليهود في الشرق عندما اختارت الحركة الصهيونية بقيادة تيودور هرتزل فلسطين كموطن لها فقامت برعايتها بريطانيا وفرنسا ومن ثم أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي الداعم الرسمي لها بهدف أيضا الدفاع عن المصالح الأمريكية في الشرق وتواصلا لامتداد النفوذ الأمريكي والسيطرة العالمية لها. ولكن كان حلم الحركة الصهيونية أكبر من ذلك فهي لن تكتفي فقط باحتلال فلسطين والاستيطان فيها بل هدفها هو إنشاء دولة يهودية كبرى تمتد من نهر مصر إلى الفرات قادرة على احتواء مختلف اليهود في العالم بل منهم من يضع حدود لا نهائية لدولتهم الكبرى على حسب هجرة اليهود في العالم إليها وتأكيدًا على هذا المعنى يقول الحاخام فيشمان عضو الوكالة اليهودية: “الأرض الموعودة تمتد من نهر النيل حتى الفرات، وتشمل أجزاء من سوريا ولبنان”(5)، ومن أجل الوصول إلى الحلم اليهودي فلا بد لدولة الكيان الصهيوني من تفتيت الشرق الأوسط وإضعافه في مختلف الميادين وإخضاعه لها وما موجة التطبيع إلا جزء من هذه الاستراتيجية، فما تقوم به دولة الاحتلال من قصف عسكري في سوريا وتدخلاتها في سيناء تحت مسمى صفقة القرن وفي العراق ما هو إلا مرحلة من مراحل إقامة إسرائيل الكبرى بل هنالك من يرى أن ما تقوم به السعودية اليوم في الشمال الغربي تحت تسمية مشروع نيوم، الذي يتوافق مع حدود دولة الاحتلال الكبرى كما تشير إليه الخريطة، عن طريق إخلاء المنطقة وتهيئتها هو مواصلة للهيمنة اليهودية وتحضير هذه الأرض لها، ولا ننسى أيضا البحث عن مصادر الطاقة وتقوية دولة الاحتلال اقتصاديا في المتوسط من خلال الاتفاق مع تركيا والتحكم في توريد الغاز لبسط نفوذها أكثر في العالم.

خريطة دولة اليهود الكبرى أصدرتها منظمة (Young Judaea) في نيويورك عام 1917

إن هدف دولة الاحتلال التوسع والسيطرة في الشرق الأوسط عن طريق تفتيت الدول العربية وتقسيمها وبسط النفوذ داخلها، وفي ظل هذه التغيرات العالمية من الحرب الروسية الأكرانية والحلم ببناء امبراطورية عالمية روسية وغربية وأمريكية، والحلم اليهودي بإنشاء دولة كبرى، فلنا أن نتساءل أين نحن المسلمون من هذا كله وما هو موقفنا منه؟!

المسلمون.. إلى أين؟

في ظل هذه الصراعات العالمية، مازلنا نحن كمُسلمين نعيش في التبعية من مؤيد للغرب أو لروسيا أو لأمريكا، ومنا من يلتزم بخيار الهروب والحياد السلبي ويكون فقط مُشاهدًا كأن الأمر لايعنيه، بدون أن تكون لنا نظرة عميقة لما يحدث، فكل الأطراف تسعى لفرض السيطرة العالمية وجعل قيمهم وثقافتهم هي السائدة وباقي العالم في نظرهم هو عدو  وجب إخضاعه لأنظمتهم وفكرهم وجعله تبعًا لهم، فليس من الغريب اليوم أن نرى مُرتزقة من سوريا وجيش الشيشان يُحاربون في أوكرانيا إلى جانب روسيا، وليس من الغريب اليوم أن نرى انتشار الرذائل من زنا المحارم والشذوذ والربا والفساد في العالم باعتبارها -وفق نظرتهم- هي القيم الأنسب للعالم في ظل طموحاتهم التوسعية.

الروس يؤمنون بتفوقهم العرقي وفرادتهم وتميزهم الثقافي الذي يُخول لهم أن يحكموا العالم، والغرب وأمريكا يؤمنون بسيادة الرجل الأبيض وحقه في السلطة العليا وباقي البشر عبيد لهم، والصهاينة يؤمنون بأن اليهود هم شعب الله المُختار والأجدر بالسلطة العالمية وباقي الأمم خدم لهم! فما بالك أنت أيها المُسلم يعتبرونك عقبة في طريقهم يجب إزاحته، ما زلت تخجل من دينك وقيمك وتُظهر الضعف في التمسك به وتطبيقه وتشعر بالنقص بانتمائك لهذه الأمة المُسلمة والعربية؟! فإلى متى سوف تبقى في الذل ترضي بالعبودية والتبعية لمن يكيدون لنا وتخضع لهم؟! ألم يأن لك وأنت في شهر القرآن أن تستعيد عزك ومجدك وقوتك المُرتبطين بمدى التزامك بشريعة الإسلام وتطبيقها؟! فمن الأجدر اليوم بالسيادة العالمية هل الذين يتبعون أهوائهم وشياطينهم من الجن والإنس فيظلمون البشرية من أجل مصالحهم وينشرون الفساد أم الذين يملكون شريعة ربانية لا تُحابي أحد ولا تخدم مصلحة فئة على حساب الأخرى بل هدفها نشر العدل والمساواة ونشر دين الله في الأرض الذي فيه الخير الكثير للبشرية جمعاء؟!

فهم يُبيحون اليوم قانون التوسع الجغرافي للدول وحقها في السيادة العالمية وفق علم الجيوبولتيكا، وفي المُقابل غرسوا فينا على امتداد سنوات عدة فكرة الخوف من الجهاد والشريعة وجعلونا نشعر بالخزي منها حتي أصبحنا ننكر تطبيقها العملي في مُختلف ميادين الحياة وكل من دعا لها أصبح مُتهمًا بالإرهاب والتحريض عليه والانتماء إلى جماعات مُتطرفة التي هي في حقيقة الأمر أبعدُ ما تكون عن رسالة الإسلام ومبادئه بل أغلبيتها لا تخدم إلا مصالح القوى العُظمى ولا تُساهم إلا في تدمير أوطاننا، ونحن نُقبل في شهر رمضان على القرآن الكريم فإننا سنقرأ حتْمًا قوله تعالى: {الذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشيْطَانِ إِن كَيْدَ الشيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76.]، وسنقرأ أيضًا قوله تعالى: {فَقَٰاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللهِ لَا تُكَلفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللهُ أَن يَكُف بَأْسَ ٱلذِينَ كَفَرُواْ ۚوَٱللهُ أَشَد بَأْسًا وَأَشَد تَنكِيلً} [النساء: 84.]، وسنقرأ أيضًا: {يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَد عَن سَبِيلِ ٱللهِ وَكُفْرٌۢ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتىٰ يَرُدوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَٰعُواْ} [البقرة: 217]، والآيات في هذا السياق كثيرة وفيها دعوة للجهاد والقتال ونُصرة للحق في ظل ما نعيشه اليوم من صراعات هدفها طمس الآخر واستعباده، فليس لنا بعد اليوم أن نبحث عن مُبررات لهذه الآيات كأنها تُهمة لنا، فالخطر مُحدق بنا وهم يعلمون جيدًا أن قوة العالم الإسلامي في تمسكه بدينه ولن يُخضعونا لهم إلا بإبعادنا عن تعاليمه، فبالعودة إلى الجهاد كما أمرنا به الله في كتابه سنُحافظ على كِياننا  وسنسترد فلسطين المُحتلة وسنُدافع عن إخواننا المُسلمين المُضطهدين في كل مكان وسنُحارب الفساد والفُسوق والفُجور وسننشر مكانه قيم العدل والطهر والعفاف وسنُعيد للإنسان فطرته السليمة النقية التي شوهتها المذاهب المادية، فهم يؤمنون بالحروب والإبادة وسفك دماء الأبرياء بغير حق من أجل فرض سيطرتهم العالمية وتوسعهم الجُغرافي ونحن نؤمن بالجهاد العادل كما شرعه الله من أجل إعادة بناء حضارة قائمة على شريعة الإسلام يستعيد بها الإنسان إنسانيته ويعرف غايته من الوجود.

ولكننا لن نصل إلى ذلك إلا إذا بدأنا أولاً بإصلاح أنفُسنا وعرضها على القرآن وأن تكون منه نقطة البداية للتغيير.. وأن نؤسس عليه رؤية مُستقبلية جديدة، فإذا عاد أفراد المُجتمع إلى دينهم وبدأوا بتطبيقه في أنفسهم وداخل أُسرهم والتزموا به فإنهم لن يرضوا بحكمٍ مُستبد ظالم وراثي، ولن يرضوا بالذل والضعف والجهل والجمود، بل سيكون أكبر همهم الإصلاح والبناء والعلم والصناعة والاستقلال الاقتصادي والسياسي والتقدم والريادة في مُختلف المجالات ونشر الحق بين الناس، فنقطة البداية في الحفاظ على وجودنا في ظل هذه الصراعات العالمية وفي تحقيق وظيفة الإنسان الأولى الخلافة في الأرض ونشر رسالة الإسلام للبشرية جمعاء تكون بالعودة إلى شريعة الإسلام وأخذها عن علم ووعي من منابعها الصافية.

الهوامش:

(1):كتاب أسس الجيوبولتيك مستقبل روسيا الجيوبولتيكي لألكسندر دوغين، ترجمة الدكتور عماد حاتم، دار الكتاب الجديد المتحدة، سنة 2004، ص 77.

(2): نفس المصدر السابق، ص161.

(3): نفس المصدر السابق، ص 166.

(4): نفس المصدر السابق، ص 207- 212 – 214.

(5): كتاب الأيديولوجية الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري ، سلسلة عالم المعرفة، ديسمبر 1982، ص137.

المرأة المربّية .. كلمة السرّ في الريادة الحضارية

لعلّ نظرة فاحصة معمّقة عبر سجلات التاريخ الحافلة بالأحداث وذكريات العطاء والمجد المشرق، ستوصلنا إلى أن للمرأة دورًا مؤثرا وعظيمًا في مجريات تلك الأحداث، فقد حقّقت المرأة المسلمة عبر هذه النافذة منجزات كبيرة، فكانت نموذجا مشرقا ومجدا من نور في جميع الأدوار المناطة بها داخل وخارج الأسرة، فهي المربية الماهرة، العالمة، الفقيهة، المرشدة، المعلمة، الشاعرة، الأديبة، والطبيبة التي تخيط الجراحات النازفة المرئية وغير المرئية، وصانعة أجيال أزهرت وأثمرت غراسا وأنضجت حضارة مشرقة في العديد من المراحل والعصور.

ورغم التحديات كافة، فإن المتفانيات من النساء المسلمات ما زلن يسطّرن عظيم الإنجازات وأعظم معاني التضحية في المجتمع، نراهنّ ليل ونهار يكدحن ويكددن بكل طاقة يمتلكنها في رعاية البيت وأفراد الأسرة.

المرأة بكل اختصار رمز لا يغيب ولا يتجزأ من الحياة، فهي الأم، القلبُ النابض حياة في كل طريق نسلكه، وهي الزوجة الصابرة، والأخت الحانية، والقريبة المشاركة، والأستاذة المعلمة، والعنصر المربّي الفاعل حياةً في المجتمع، مما يجعل الدور الذي تقوم به المرأة في بناء المجتمع لا يمكن إغفاله أو تقليل من قيمته وخطورته.

المرأة الصالحة .. أساس البنيان

لقد توقَّفْتُ كثيراً عند اختيار عنوانٍ يعطي للمرأة المسلمة مكانتها الحقيقة وحقها المأمول، ويكاد من الصعب على فنّان محترف مبدع أن يستطيع نقش مدى الصبر والعطاء والجمال اللامتناهي لعظيم دور المرأة المتفانية وتضحياتها، ولو أضفنا إلى ذلك الصبرَ الشامخ للمرأة في ظل التحديات التي تعصف بالأمة العربية والإسلامية لوجدنا أنفسنا أمام زهرة تنمية المجتمع، أيقونة العطاء، ميدان الحب والعطاء، روح المشاركة، أساس البنيان وقطاف الثمار، فالمرأة الصالحة في مجتمعاتنا هي الصورة الحقيقية الكلية للمجتمع الذي نسعى له، وهي المقياس الحقيقي للنظر إلى  مدى التقدم والنهضة في المجتمع، فعند النظر إلى الرسالة المقدسة التي تؤدى من قبل هذه المرأة بكل معاني الصبر والأمل برغم عظيم الألم ومواجهة جميع التحديات وصولا لتأدية المهام الكبرى المتمثلة برسالة البناء والعطاء، من هنا نستطيع أن نقطف ثمرة بناء الأمة والمجتمع بشكل حقيقي تنموي، وبذلك يتكون الجيل الصاعد الجديد، وينشأ نشأة سليمة، فالمرأة التي تدرك حقيقة وعظيم دورها، وتلتزم بواجباتها على الوجه الأمثل، تؤثر في حركة الحياة في محيطها ووطنها تأثيراً بالغاً، يدفع به إلى فضاء التقدم والرقي والريادة الحضارية النشطة.

ضرورة الاهتمام بدور المرأة الصالحة

إن المرأة الصالحة هي الركيزة الأساسية داخل الأسرة والمجتمع، ومن دون تعظيم دور المرأة والاهتمام بها  لا يمكن حدوث التنمية الفاعلة في المجتمعات، ومجمل التحديات التي تواجه المرأة العربية كالعنف والظروف الاقتصادية وغيرها، يتوجب أن يتم العمل من منظور تنموي وبتعاون كامل من كافة الجهات القيادية وصناع القرار ومؤسسات المجتمع  لمعالجة تلك التحديات كافة، وتوسيع الدور التنموي للمرأة داخل المجتمع.

وعليه فإنه بإمكان المرأة النهوض بشكل أكثر فاعلية وتأثيراً إذا ما أُعِدَّت بصورة صحيحة للقيام بدورها المناط بها، لأجل المساهمة في بناء المجتمع بشكل قوي قادرٍ على التعامل مع متغيرات وظروف الحياة بشكل يحقق التنمية والمساهمة بكفاءة في عملية الإعداد والبناء، ومن هنا جاء سبق الإسلام في التركيز على بناء شخصية المرأة بشكل أصيل متكامل.

 إن بروز المرأة في العديد من المنابر الأكاديمية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك يُعَدّ في حقيقة الأمر تتويجًا للجهد المستمر المتواصل في عملية تطوير وبناء المجتمع والمشاركة الفاعلة الحقيقية في عملية التنمية الشاملة، من خلال وجود المرأة ركيزةً فعالة في المجتمع تسطر يوماً بعد يوماً بتربيتها لأبنائها، وتزكية أخلاقهم، وتدريبهم على مواجهة أعباء الحياة، والنهوض بالأمة، فتبدو لنا ملامح الأفق الجميل، والمجد العظيم، بدءًا من محيطها الأقرب أسرتها الصغيرة ومروراً بمجتمعها الخارجي ووصولًا إلى العالم أجمع، لتشكل بصمات واضحة في الإبداع والتفوق والريادة في كافة المجالات المجتمعية الثقافية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية.

وعيُ المرأة المتكامل مقياسٌ للنهوض

لا بد من التأكيد أن تعميق الاهتمام حول قضايا المرأة في البحث العلمي يعتبَر مقياسًا حقيقيًّا ومركزيًّا لقياس نهوض المجتمع من عدمه، فحدود تقدُّم مجتمعاتنا العربية والإسلامية مرهون بتقدم دور المرأة فيه، فلا يمكن تصور تقدم مجتمعاتنا وقد تركت خلفها مفصلاً مهمًّا في عملية النهوض وقد استغرقه التخلف والضياع والتهميش.

 لقد أثبتت التجارب الواقعية ما قدمته المرأة في التاريخ من تضحيات عظيمة، وإنجازات كبيرة في العديد من الميادين برغم كل العقبات والتحديات وضعف الإمكانيات، وكم تحملت وصبرت وكافحت، فشاركت بذلك في صناعة حضارة مجتمعية مشرقة  وتصنع جيل واعي يعزز ويقدر ويحترم المرأة ودورها العظيم في كل مرحلة من مراحل البناء والنهوض، ويمكنني القول بأن المرأة العربية هي الصورة المشرقة الكاملة عند النظر للمجتمع، ظروفها وأحوالها وخصائصها تنعكس فيها القيم الأساسية التي تحكم حركة المجتمع وتسير أموره، إنها خط الدفاع الأول، وكلمة السر في البناء والعطاء، ومفتاح الأمان والدفء ومنظومة التربية، وكفى بالأمهات كنموذج أصيل، يتحمّلن كل شيء، مدركاتٍ أن الحزن والشدائد لا مفر منها، مستعدّاتٍ أن يغصن فيها ليعبروا إلى الشاطئ الآخر بكل صبر وطمأنينة.

المعارك الفكرية.. من صفحات الصحف الجادة إلى مقاهي الإنترنت!

في القرن الماضي، كانت رحى المعارك الفكرية تدور على صفحات الصحف، وكان أقطابها هم أعلام الفكر والثقافة من كل التيارات، أما الجمهور فكان محصورًا بمن يملك المال والوقت والاهتمام لشراء الصحيفة، أو استعارتها، ثم الانكباب على قراءتها. فالصراع محصور بالنخب، ومتابعته مقتصرة على المهتمين فقط.

وفي السنوات العشرين الأخيرة فقط تغير كل شيء، ففي العقد الأول من القرن الحالي انتقل الصراع إلى المدونات والمنتديات على الإنترنت، واحتفظت بعض المنتديات بميزة النخبوية من خلال قدرة مدرائها على التحكم في صلاحيات النشر والتعليق، لكن ميزة الانفتاح ساهمت في توسيع دائرة الاطلاع، بالرغم من عدم قدرة جميع شرائح المجتمع على الاتصال بالإنترنت وفي كل وقت.

تغيّرات على واقع الأفكار

في العقد التالي، ازدادت رقعة الانفتاح، فأصبح الإنترنت متاحا للجميع تقريبا، وابتلعت منصات التواصل الاجتماعي وسائل النشر الأخرى حتى كادت تقضي عليها. هنا تلاشت الحدود بين منتجي الأفكار ومستهلكيها، فصار الجميع قادرين على إنتاج “المحتوى”، وأصبحت المنافسة على جودة الإنتاج وجاذبيته، وخسر المثقفون المعركة أمام طوفان المحتوى التافه الأكثر قدرة على لفت الأنظار وإشباع الغرائز.

المعارك الفكرية تغيرت جذريا أيضا، فعندما يتعارك طرفان مثقفان على هذه الساحة فعليهما أن يخضعا لشروطها الاستثنائية. لم يعد الجمهور اليوم هو ذاك الذي كان يشتري الصحف ويكتفي بالقراءة، فالساحة اليوم مفتوحة للجميع، والجمهور المتنوع قادر على الاطلاع بالتساوي بين كل الشرائح والأعمار، وهو يملك أيضا خاصية المشاركة بدلا من الاكتفاء بالاطلاع، وقد تغريه سهولة التعليق عن بعد ومن وراء حجاب على الجنوح نحو الشتم والافتراء والتكفير، بل يملك مع كل ذلك سلطة الحشد والتهييج والمشاغبة، بما يسمح له باغتيال شخصية أي مثقف مضاد، وقد ينجح هذا الحشد في حملات إضافية للتبليغ والشكوى لدى إدارات مواقع التواصل، فيتمكّنُ أيضًا من إغلاقُ المنابر في وجه المثقّف وإسكاته بعد تشويه سمعته، وهذه السلطات الهائلة لم تكن متاحة إلا للمتنفذين والحكومات قبل عشرين سنة، وكان بالإمكان اللجوء للقضاء في مواجهتها، أما اليوم فأصبحت بعض الحكومات ضحية لهذه الأسلحة المعولمة.

أبعاد التردّي .. كيف ولماذا؟

بالنتيجة، لم يعد المنتصر في المعارك الفكرية هو الطرف الأقوى منطقيا، ولا الأكثر قدرة على الإقناع والمحاججة، بل هو حرفيا الأكثر مشاغبة، وإليك ثلاثة أسباب رئيسة:

أولا، لأن المثقفين العقلاء ليسوا متفرغين أصلا لهذه الساحة، فهم أكثر اهتماما بعالم النشر والوسط الأكاديمي، وإذا رغبوا في النقاش فهم أكثر حذرا وتحفظا من ولوج مواقع التواصل، والكثير من المؤلفين والأكاديميين وكبار المفكرين لا يملكون صفحات وحسابات في هذا الوسط، أو يقتصر وجودهم فيها على أدنى درجات المشاركة والتفاعل. وفي المقابل، لم يشتهر المثقفون المزيفون إلا في هذا الوسط أصلا، فهم على الأرجح ليسوا مؤلفين ولا كتّابا ولا محاضرين إلا نادرا، وإن كان لهم نتاج متنوع فلا يمكن مقارنته كمّيا بما يطرحونه على مواقع التواصل.

ثانيا، جمهور العقلاء هم الأقل وجودا وتفاعلا أيضا، فمواقع التواصل وُجدت أساسا للترفيه، وهي مساحات مجانية وسهلة الوصول، مقارنة بحال الصحف التي كانت ساحة للمعارك في الماضي القريب. وإذا كان المهتمون بالثقافة الجادة أقل عددا في المجتمع من العوام أصلا، فهم أقل تفرغا أيضا للمتابعة، وأقل اهتماما بقضاء أوقاتهم على مواقع التواصل ممن هم أقل سنا وأدنى ثقافة. وعندما يتعلق الأمر بمعركة فكرية، فمن البدهي أن يجد المثقف المزيف جمهورا أكبر في هذا الوسط، وأن تترجح كفته من التفاعل والتشجيع والانتشار، وهذا يزيده انتفاخا وغرورا فيحسب حقا أنه انتصر لأنه أقرب إلى الحق من خصمه.

ثالثا، جمهور العقلاء أكثر سلبية، فبينما ينتصر السفهاء للمثقف المزيف ويشاغبون لتأييده، يتقاعس مؤيدو المثقف العاقل عن التفاعل غالبا، إذ لا يجدون من الفراغ والهمة ما يدفعهم للنزول إلى مستوى الجدل والصراع، والأسوأ من ذلك شيوع مغالطة “انتصار الحق الذاتي” فيما بينهم، وهذا من سوء فهمهم لنصوص من قبيل {وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد:۱۷}، فيسودُ الاعتقاد بأن الحق لا يحتاج إلى تأييد أمام جلاء الحق الذي يرونه، مع أن الباطل هو الأكثر انتشارا في كل العصور كما تقول الآية {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]، والعجيب أن يشتكي عمر بن الخطاب رضي الله عنه من هذه السلبية وهو في خير القرون، فروي عنه قوله “اللهم إني أشكو إليك جلَد الفاجر وعجز الثقة”، كما روي من شكوى علي رضي الله عنه من تقاعس معسكره في مقابل حماس معسكر معاوية ما هو أكثر إيلاما وأسى، فما بالنا إذن بما نحن فيه؟!

زد على ذلك جنوح السلبية لدى بعضهم إلى التثبيط، فهو لا يكتفي بدور المتفرج على مشاغبة السفهاء، بل يوجّه نقده للمثقف العاقل بدلا من المزيف، مستنكرا عليه اهتمامه بالدفاع عن نفسه إذا تعرض للافتراء، ومطالبا إياه بالانشغال ببيان الحق فقط، والترفع عن مدافعة الباطل وعن رد سهام الأذى التي تمس سمعته وعرضه، وهذا انحطاط أخلاقي وليس مجرد تقاعس، وهو أشد ظلما من أذى السفهاء نفسه، ولن تجد شيئا منه لدى جمهور المثقف المزيف، بل هم دائما متحفزون للدفاع والهجوم!

نماذج لواقع السقوط الفكريّ

من أجل ذلك كله، تترجح غالبا في هذا الوسط كفَّةُ الفكر الشعبوي والمتطرف والتكفيري والمتهافت والمليء بالمغالطات المنطقية، وتروج قصص المؤامرات الحمقاء، وتتكاثر الشائعات بشكل فيروسي.

على سبيل المثال، لاحظتُ كثيرا أن أي منشور يُنشر على صفحة عامة في فيسبوك (لديها ملايين المتابعين) عن خبر يتعلق بالفضاء والفلك، سرعان ما يتلقى مئات أو آلاف التفاعلات المؤيدة (الإعجابات)، مقابل عدد أقل بكثير من التفاعلات الساخرة (الضحك)، أما التعليقات فتكتسحها المشاغبات ممن يجزمون بأن الأرض مسطحة، وأن كل ما يتعلق بالفضاء والفلك ليس سوى مؤامرة.

ولو تنبّه المتابع إلى المقارنة لوجد أن عدد المعلقين الساخرين أقل بكثير من عدد الذين اكتفوا بالنقر على زر الإعجاب، لكن النظرة العابرة غير الفاحصة ستعطي انطباعا محبطا بأن غالبية المجتمع باتت تؤمن بأننا نعيش على أرض مسطحة، وأن كل ما تعلمناه عن الكون ليس سوى كذبة هائلة. وكل ما في الأمر أن الشرائح الأصغر سنا والأقل ثقافة هي الأكثر اهتماما بالمتابعة والتعليق والمشاغبة والهجوم، لذا تبدو أكثر وضوحا، وعندما تصبح هذه هي سمة مواقع التواصل فمن الطبيعي أن ينسحب العقلاء من المواجهة، وألا يكترثوا للتعليق والرد وخوض المعارك الخاسرة.

وفي مثال آخر، قارن بين من يطرح مقالات جادة في الجدل العقدي (الكلامي) وبين من يخوض المعارك لتحقير وتكفير مخالفيه، فربما لا تجد للأول أمثلة تتجاوز عدد أصابع يديك، وإن وُجد عاقل كهذا فلن يكون مشغولا بطرح أفكاره الهادئة في هذا الوسط، ولن يجد من المتابعين إلا القلة. أما الآخر فهو الأكثر حضورا ونشرا وتفاعلا وجماهيرية، ولديه من المتابعين جيش لا يتورع عن توزيع اتهامات التبديع والتكفير والتهديد بالقتل ضد كل من لا يروق لهم، حتى لو لم يفكر –هذا الخصم- بخوض المعارك معهم أصلا.

ما العمل؟

هل نترك الساحة لهم؟ هذا هو السؤال المطروح دائما، وسيظل مثيرا للجدل. وإذا كان القارئ ينتظر مني جوابا مختصرا فأرى أن المطلوب هو البقاء في هذا الميدان مع محاولة تخفيف أضراره.

تقييد إمكانية التعليق أمر ضروري، ولو كان مؤقتا ومحددا في بعض الحالات، وتجنب خوض المعارك الفكرية في هذا الوسط يجب أن يكون من المبادئ الثابتة، فالمعارك الخاسرة تستنزف طاقة المثقف المهموم بإيصال رسالته للناس، ويكفي أنها تشوه صورته وسمعته وتعرقل مهمته.

باربي: غرسة خبيثة في نفوسٍ طيبة

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، من غزوةِ تبوكٍ – أو خيبر – وفي سهوتِها سترٌ، فهَبَّتْ ريحٌ فكَشَفَتْ ناحيةَ السِّتْرِ عن بناتٍ أي -لُعَب- لعائشةَ فقال: ما هذا يا عائشةُ؟ قالت: بناتي! ورأى بينَهُنَّ فرسًا له جَناحانٍ مِن رِقاعٍ، فقال: ما هذا الذي أرى وَسَطَهُنَّ؟ قالت: فَرَسٌ. قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جَناحان. قال: فرسٌ له جَناحانِ؟ قالت: أما سَمِعْتَ أنّ لسليمانَ خيلًا لها أجنحةً؟ قالت: فضَحِكَ حتى رَأَيْتُ نواجذَه.[رواه أبو داود في السنن] لنُعِد قراءة الحديث ونحن نتخيل أن الرسول الكريم رأى عند السيدة عائشة باربي بدل عرائسها، تُرى كيف كان سيتغير الموقف؟ هل كان ليضحك؟ أم أن وجهه كان سيحمر غضباً وهو يشيح عنها عليه الصلاة والسلام؟

في اجتماعٍ لي مع صديقاتي لاحظت أن الفتيات يقضين وقتهنّ في تزيين لعب باربي والتنافس على إلباسهنّ أجمل الثياب الصغيرة، وفي طريقي إلى المنزل دارت أسئلةٌ كثيرةٌ في نفسي: ما مقدار قسوة القلب التي تسربت إلى قلوب فتياتنا بسبب التنافس على من يلبس قطعة البلاستيك هذه لتبدو بقشرة ظاهريّة أجمل؟ ما الأفكار التي تدور في رؤوس بناتنا وهنّ يلعبن بها؟ ماذا لو كانت باربي الصغيرة أكثر من مجرد لعبة؟ كيف يمكن للمربّين أن يحموا بناتهم من عواقبها؟ وما الذي يقوله الوحي والعلم الموثوق عن هذا النوع من الدمى؟

باربي أرقام ومخاطر!

في هذا العالم المتسارع، يصعب على المربين أن يتوقفوا ويتفكّروا في لعبة مثل باربي، تماماً كالسمكة إن سألتها كيف حال الماء اليوم؟ سترد مستغربه: أي ماء[1]؟ ولذا نحتاج لبذل الجهد في الغوص في أصول هذه اللعبة، فباربي لم تكن دوماً لعبة أطفال، إنما بدأت كنسخةٍ عن دميةٍ ألمانيةٍ تسمى (ليلي) كانت تباع للرجال البالغين في محلات الدخان والخمارات، وفي عام ١٩٥٠سافرت روث هاندلر -واحدة من  مؤسسي شركة ماتيل الأمريكية المصنعة للألعاب- إلى أوربا واشترت مجموعة من هذه اللعب، ورأت أنها مكونٌ ضروري الوجود بين دمى الفتيات اللواتي يحلمن دوماً باليوم الذي سيكبرن فيه على حد قول روث!

في مقابلةٍ لزوج روث هاندلر قال: “عندما طُرِحت فكرة خروج باربي إلى الأسواق، لم أعتقد أن أحداً سيشتريها لطفلته الصغيرة”، إلا أنه في التاسع من آذار عام ١٩٥٨ بيع 300 ألف دمية من النسخة الأولى[2]، أما في الولايات المتحدة فقد بيع في كل دقيقة ما يقارب 100 دمية منها، أي بمعدل ٥٨ مليون لعبة بالسنة [3]، وبحسب موقع Statistic فأرباح هذه الشركة بلغت  1.35 بليون دولار بين عامي ٢٠١٢ و ٢٠٢٠.[4]

باربي

إن من المشاكل المرتبطة باللعب بهذه اللعبة انخفاض تقدير النفس -الثقة بالنفس- وعدم الرضا عن شكل الجسم، وفي أيلول عام  2016 نشرت مجلة  (body image) دراسة أجريت على١١١٢  فتاة تتراوح أعمارهنّ بين السابعة والثامنة، وكان مفادها أن البنات اللاتي  لعبن بباربي أبدين استياءً من أشكال أجسادهنّ مقارنة بالفتيات اللواتي لعبن بلُعب أشكال أجسامهنّ أكثر واقعية منها[5]. وكذلك نشر موقع Pubmed دراسة أجريت على فتيات بين عمري الخامسة والثامنة تم تعريضهنّ إما لصور باربي أو لصور لعب ذات ملامح واقعية، فكان تقدير الفتيات اللواتي تعرضن لصور باربي لأنفسهن منخفضاً مقارنة بالأخريات اللواتي لم يتعرّضن لها، كما أن المجموعة الأولى كانت غير راضية عن صورة جسدها وتملك رغبة أكبر بفقدان الوزن.[6] فالقلق الذي تتعرض له هؤلاء الفتيات بسبب خوفهن من زيادة الوزن لا يسببه مجرّد التعرض لأجهزة الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والتقاليد والأعراف التي تركز على شكل الفتاة، بل أيضاً نوع الدمى التي يلعبن بها.

إضافةً لما سبق، فمن المحتمل أن اللعب بباربي قد يسبب عدداً من اضطرابات تناول الطعام، ففي نفس الدراسة التي نشرت في مجلة Body Image قالت الدكتورة كاثلين كلير المتخصصة في علم التغذية في جامعة بنسلفانيا أن البنات في الدراسة كن يرغبنّ في الحصول على أجسام تشبه اللعب التي يلعب بها، وأنّ التعارض بين جسدهنّ والشكل الذي يردن أن يكنّ عليه قد يكون سبباً في اضطرابات تناول الطعام في المستقبل[7].

وأقرت مستشفى جولسينو للأطفال أن ٩٠٪ من اضطرابات الطعام والأمراض تأتي للإناث اللواتي تتراوح أعمارهن بين الخامسة عشر والعشرين[8]، كما نشرت مجلة نيويورك تايمز دراسة مفادها أن 42% من الفتيات بين الصف الأول والثالث يتمنين لو كنّ أكثر نحولة، بينما نصف الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن  بين التاسعة والعاشرة يشعرن أنهن أفضل أثناء خضوعهنّ لحمية خاصة لإنقاص الوزن[9].

ورغم أننا لا نستطيع أن نقول أن باربي هي السبب الأساسي لهذه الظاهرة لكن لها دوراً كبيراً في إشاعتها بكل تأكيد، تحديداً حين نعلم أن هناك إصداراً من باربي يأتي مع كتاب صغير بعنوان “كيف تنقصين وزنك؟” ويحتوي جملة “لا تأكلي” فقط[10].

باربي ونزعة الاستهلاك

أما آخر المشاكل التي أريد أن ألقي الضوء عليها فهي قضية الاستهلاك المتمثّل بكثرة الشراء لتلبية متطلبات باربي، فقد كتب المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه ‫الثقافة والمنهج أن “باربي، اللعبة البلاستيكية ذات الصفات الجسدية الجنسية الجذابة، ليست فقط لعبة، بل هي مؤامرة ضد أطفال العالم بهدف أن يكونوا مستهلكين منزوعي البراءة و عديمي الهوية”[11]، ولقد سمعته مرة في محاضرة مسجّلة يقول إنه قرأ دراسة مفادها أنه لو جمعنا عدد أحذية باربي التي قام الأطفال بشرائها فإنها ستلف  الكرة الأرض خمس مرات! وتأكيداً لكلام الدكتور المسيري فإن شركة ماتيل للألعاب أعلنت أن ٩٠٪ من الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين ٣-١٠ يملكن بمعدل ١٢ لعبة باربي[12]، هذا بصرف النظر عن دمى باربي التي يمتلكها الصبيان، فحديثاً وسّعت شركة ماتيل سوقها ليشمل الجنسين.

وفي هذه الأيام بات لدينا باربي ببيت أحلام ذي صفات خيالية كأنها تعطي الفتيات فكرة أنكنّ إذا أردتنّ أن تعتنوا بذواتكنّ فاشتروا المزيد والمزيد فقط، وكونوا عبيداً للمادة والأشياء والمزيد من منتجات البلاستيك، ولنقارن هذه النماذج بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذ قال: نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه، قلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وِطاءً؟ فقال: ما لي وللدنيا؟، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها [أخرجه الترمذي في السنن وقال: حسن صحيح]. فالزمن الذي سنقضيه في هذه الدنيا مقارنة بالآخرة كمسافر استظل تحت شجرة، لكننا وكما يقول الدكتور عبد الرحمن ذاكر سكنا الشجرة، لقد نسينا أن الدنيا ممرٌ وليست بمستقر، ولنذكر هنا قول الألبيري رحمه الله لابنه: “لم تخلق لتعمرها ولكن لتعبرها فجد لما خُلِقتَ”[الألبيري، القصيدة التائية، البيت رقم٥٢]

ماذا علينا أن نفعل؟

بعد هذا العرض للمشاكل التي تسببها باربي، فالسؤال المهم ما الذي يمكننا فعله؟  في البداية دعونا ندعو الله أن يرزقنا السداد في تربيتنا لأنفسنا وأولادنا، ويمنحنا القوة في الحق والثبات عليه. وبعد هذا فإن أول ما يمكن فعله هو أن نرمي هذه القطعة البلاستيكية في قمامة إعادة التدوير، -مع التنبيه على ألا نتبرع بها لأحد فنتسبب له بما نخشى على بناتنا منه-، ورغم أن الخطوة تبدو صعبةً ومؤلمة، إلا أنني أقول مما رأيت وخبرت أن بناتنا أقوى مما نتصوّر وأكثر مناعةً نفسياً مما نظن، تحديداً ونحن نتحدث عن أطفال مرنين سنشرح لهم الأسباب وسنقوم بتلك الخطوة في إطار المحبة والإرشاد والعطف، وقد علمت أن اثنتين من صديقاتي قامتا بتلك الخطوة بسلاسة أكبر مما توقعتا.

من المفيد كذلك أن ننتبه لئلا نكون مدخلات سالبة لبناتنا، فنظرة عيوننا وملامح وجوهنا وكلماتنا كلها مدخلات متكررة لأولادنا، ونظرات الإعجاب والتقدير التي نعطيها لجميلات الشكل تُقرأ من قبل أولادنا وإن لم نقل أي كلمة، وكذلك تسخيرنا الأوقات الطويلة للعناية بشكلنا الخارجي وتمركز الكثير من أحاديثنا مع العائلة والأصدقاء حول اللباس ومساحيق التجميل والموضة والجمال. كل ذلك يعطي رسائل لأبنائنا مفادها أن أشكالنا وتقييمها مركزية الأهمية، مما يقف عائقاً عن فهم أن الشكل فتنة وامتحان لصاحبها -شكر أم تكبر- وللآخرين حسدوا أم رضوا-، واستحضار معاني الحديث الشريف الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلی صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) [رواه مسلم].

وهذا بالطبع لا يعني الامتناع عن الثناء على أشكال أولادنا، إلا أن التوسط هو المطلوب، فلنثن على جهود الأبناء وإنجازاتهم، ولندعهم يكتشفوا بأنفسهم أنهم أغلى من المظهر الخارجي بأن نملأ جدولهم اليومي بأعمال مفيدة كالسباحة، وتعلم المهن المنتجة كالخياطة، وأعمال الصوف، والخروج في مخيمات الطبيعة لكسر رتابة العادة، وأن يتعلموا أن يكونوا نظيفين ومرتبي الشكل دائما، إلى جانب تنمية التطوع لديهم كالعمل في المزارع، وحضور الدورات التعليمية، والفروسية،…الخ وبذلك نوسع أفق اهتماماتهم ولا نتركهم فريسة للفراغ.

تقول warhaft-Nadler المستشارة الرياضية والنفسية متحدثةً عن نفسها: عندما كنت أعاني من فقدان الشهية العصبي كنت أقول لنفسي: أنا لست ذكية كفاية ولا مرحة كفاية ولا أفعل أي شيء مميز وكافٍ ولست جميلة كما يجب، لذلك قررت أنه من الممكن أن أكون نحيلة كما ينبغي[13].

من المفيد أيضاً أن نحيط بناتنا بصحبة صالحة سعيدة ذات تصور صحي معتدل مدرك لحقيقة الإنسان المكون من جسد وروح، وكذلك القراءة الفردية أو الجماعية في كتب تعطي الشكل الخارجي مكانه الصحيح، ولله الحمد أن السنة النبوية مليئة بهذه النماذج، كقصة الرسول الكريم عندما أوقف الصحابة عليهم رضوان الله عن الضحك على ساقي ابن مسعود النحيلتين رضي الله عنه موجّهاً تفكيرهم لما هو أكثر أهمية، حيث أشار إلى أن هاتين الساقين أثقل من جبل أحد في ميزان الله، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يجتني سواكاً من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مم تضحكون؟  قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال: (والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحُد ) [أخرجه أحمد]. فتوجيه أولادنا لأن الميزان المهم هو عند الله وليس في أعين الناس وتعليق قلوبهم بذلك أساسيّ ومهم.

إضافةً لما مضى، نحتاج لتدريب أبنائنا على أن يفكروا بشكلٍ ناقدٍ بما يشترون ليلاحظوا أن شركات الألعاب لا تكترث مراحلهم العمرية وما يلزمهم في كل سن، فنقول لهم على سبيل المثال: لا تتخيلوا أن صانعي الألعاب وبائعيها يهتمون بنموكم النفسي، ما يهمهم هو أن تمتلئ جيوبهم بالمال، وإن كان على حساب صحتكم النفسية ونموكم العاطفي. ونعلمهم قول سيدنا عمر )أو كلما اشتهيت اشتريت)، كما أن هناك أيضاً برامج وكتب تتحدث عن الرأسمالية والمادية توضح للأطفال الخداع الموجود في الإعلانات بأساليب مبسطة.

وهنا ينبغي أن أنوه إلى أنه من المهم جداً حظر الإعلانات عن كل الأجهزة الإلكترونية لأنها تخلق لدى الكبار والصغار رغبات لم يفكروا فيها من قبل وتشعرهم مع التكرار أنها حاجات وضرورات، وأخيراً أدعو القراء ونفسي إلى التقليل من زيارات الأسواق وتذكّر أنها أبغض البلاد إلى الله.

في الختام وبعد إلقاء الضوء على التأثيرات السالبة لهذه الدمية، أرى أن نعمم ما مر في هذا المقال على كل منتجات الأميرات وأفلام ديزني وكل ماله أن يؤثر سلبياً على تقدير بناتنا لنفوسهنّ وصورتهن الذاتية، قال ابن القيم رحمه الله في كتابه تحفة المولود: “وكم ممن أشقى ولده وفَلَذَةِ كَبِدِهِ في الدنيا والآخرة بإهماله، وترك تأديبه، وإعانتِه له على شهواته، ويزعم أنه يكرِمه وقد أهانه، وأنَّه يرحمه وقد ظلمه وحرَمَه، ففاته انتفاعُه بولده، وفوَّت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرْتَ الفساد في الأولاد، رأيتَ عامَّته من قِبَل الآباء [14]“لنبدأ كمربين بأنفسنا بأن نعرفها ونقدرها ونعلم أننا أعظم من مجرد قشرة خارجية.

وفي طريق العودة إلى المنزل كانت آية من سورة التكوير تتردد في قلبي {وإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ} [التكوير:٨] فسألت نفسي هل نحن ندفن بناتنا بحسن نية؟ هل نحيطهنّ بمدخلات من ألعاب وقصص ومسلسلات وأغاني تركز على قشرتهنّ الخارجية فندفن بذلك أرواحهن الطيبة ومواهبهنّ وقدراتهنّ؟

 أخافتني هذه التساؤلات ولذلك قمت بكتابة هذه المقالة سائلةً ربنا الكريم أن تكون غرسة طيبة في نفوس طيبة.


المصادر:

  1. Age Differences in Body Size Stereotyping in a Sample of Preschool Girls. (n.d.). Taylor & Francis. Retrieved June 12, 2021, from https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/10640266.2014.964610
  2. Anorexia Nervosa – Child and Adolescent Eating Disorder Program – Adolescent Medicine – Golisano Children’s Hospital – University of Rochester Medical Center. (n.d.). Golisano Children’s Hospital. Retrieved June 12, 2021, from https://www.urmc.rochester.edu/childrens-hospital/adolescent/eating-disorders/teens/anorexia-nervosa.aspx
  3. Barbie’s Secret Sister Was a Sexy German Novelty Doll. (n.d.). HISTORY. Retrieved June 12, 2021, from https://www.history.com/news/barbie-inspiration-bild-lilli
  4. Collins, E. M. (1991, March 1). Body figure perceptions and preferences among preadolescent children. Wiley Online Library. https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1002/1098-108X(199103)10:2%3C199::AID-EAT2260100209%3E3.0.CO;2-D
  5. Dying to be Barbie | Eating Disorders in Pursuit of the Impossible. (n.d.). Com. from https://www.rehabs.com/explore/dying-to-be-barbie/
  6. Elisabeth Eaves. (n.d.). Why Does The Barbie Obsession Live On? Https://Www.Forbes.Com/2009/01/29/Barbie-Handler-Doll-Opinions-Columnists_0130_elisabeth_eaves.Html?Sh=22e6a21216bc.
  7. Hains, R. (2014). The Princess Problem: Guiding Our Girls through the Princess-Obsessed Years.
  8. Hanes, S. (2011, September 24). Little girls or little women? The Disney princess effect. The Christian Science Monitor. https://www.csmonitor.com/USA/Society/2011/0924/Little-girls-or-little-women-The-Disney-princess-effect
  9. Holland,Brynn,2006 .Barbie Through the Ages, https://www.history.com/news/barbie-through-the-ages .
  10. Jellinek, Myers, Keller. (September 2016).The impact of doll style of dress and familiarity on body dissatisfaction in 6- to 8-year-old girls. https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S174014451630208X
  11. Orenstein, P. (2011). Cinderella Ate My daughter: Dispatches from the Front Lines of the New Girlie-Girl Culture (1ST ed.). Harper.
  12. (2021, March 5). Revenue of Mattel’s Barbie brand worldwide from 2012 to 2020. https://www.statista.com/statistics/370361/gross-sales-of-mattel-s-barbie-brand/
  13. Dittmar,Halliwel,Ive, (2006,April).Does Barbie Make Girls Want to Be Thin? The Effect of Experimental Exposure to Images of Dolls on the Body Image of 5- to 8-Year-Old Girls. https://www.researchgate.net/publication/7210496_Does_Barbie_Make_Girls_Want_to_Be_Thin_The_Effect_of_Experimental_Exposure_to_Images_of_Dolls_on_the_Body_Image_of_5-_to_8-Year-Old_Girls
  14. Al-Masieri,2008, Culture and the approach.
  15. الشمس الدين محمد بن قيم الجوزية – تحفة المولود- دمشق – دار البيان -١٩٧١- الصفحه ٣٥١.
  16. 16. الألبيري، إبراهيم، القصيدة التائية. “تفت فؤادك الأيام فتا” .صيد الفوائد. http://www.saaid.net/wahat/q7.htm

[1]( Orenstein,2011)

[2] (Forbes,2009)

[3] (Holland،2006)

[4] (Statista،2021)

[5] (Jellinek, Myers, Keller،2016)

[6] (Dittmar 1,Halliwell,ive,2006)

[7] (Jellinek, Myers, Keller،2016)

[8] (Anorexia Nervosa,Golisano children hospital).

[9] (Kelley ،2004)

[10] (dying to be barbie)

[11] (المسيري،٢٠٠٩)

[12](Barbi fast fact,2009,2019)

[13] ( Hains،٢٠١٤)

[14]  (​​ابن القيم،١٩٧١)

إرهاب الفكر الباطني الحديث

يمكن تعريف الإرهاب على انه استخدام أساليب التخويف والترهيب تجاه شخص أو مجموعة، وهو ما يؤثر على الشخص بأضرار نفسية أو جسدية.

تعتبر الأنساق الفكرية من أهم الأسس التي يبنى عليها وجود وعقل الإنسان وحياته، بل إن الفكر هو الجوهر لكل شيء مدرَك، ويضع له المعنى المتصل بالروح والجسد والحياة والموت، إذ إن فكرة الوجود والحياة محل غموض وحيرة للإنسان، وهنا يحاول العقل أن يجيب عن هذه الحيرة التي يمكن أن نسيمها (حيرة الأسباب)، أي السبب في الحياة والموت والخير والشر والمرض والصحة..إلخ، فالإنسان في رحلة بحث عن معنى وأمل في الحياة.

إن الدين من أهم المنظومات الفكرية التي تنظم حياة الإنسان وتضع منهجية واضحة لفهمه وإدراكه للموجودات، كما أن قوة الحضارة أو الأمة تقاس بقوة عقيدتها سواء كانت دينية أو غيره، ونرى هذا في صفحات التاريخ في نهوض الدول قوة العقيدة وتمسك الناس بها، وسقوطها في بعد الناس عن العقيدة.

فالفكر يعطي المعنى والرؤية للإنسان ليس فقط للحياة ولكن لفهم نفسه كإنسان يتكون من روح وجسد وأعضاء ومشاعر وتاريخ وانتماء، وهذه المكونات تجتمع لتشكل هوية الإنسان، وكلما تطور فكر الإنسان ارتقى في داخله وازداد تقديره لنفسه، وينعكس هذا على فهم المحيط والبيئة ودوره ورسالته في الحياة.

 خوف الإنسان

لكل فكر أو دين أو عقيدة أو أيديولوجية مجموعة من المحرمات التي يعتبر فعلها شنيعًا ويجازى فاعلها ويعاقب عليه حسب تشريعِ كُلٍّ وطرق عقابه، وتعتبر الخطيئة هي السلوك الذي يخرج الإنسان عن الأعراف التي يجب أن يتبعها المجتمع في إطارات محددة في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية والزواج وغير ذلك.

ويعتبر الخوف من الأساليب التي تكون إيجابية في هذه الحالة، حيث إن الخوف من العقاب يشكل حاجزًا وعامل ردع نفسي للإنسان، فلا يسعى للخروج عن الإطار الفكري ويتقصد الحفاظ على الرابط الاجتماعي، وهذا الرادع النفسي –أي الضمير- يعتبر جهاز إنذار يبعد الإنسان عن ارتكاب الأخطاء، وإذا استخدم الإنسان الخوف خارج هذا الإطار، فإنه سيتحول إلى أداة ابتزاز أو جريمة في حق الإنسان، خاصة إذا كان هذا الابتزاز عاطفيًّا وتستغل فيه أساليب التسويق بشكل واسع، وذلك على غرار الأشخاص الذين يدعون أنهم أخصائيون في علوم الطاقة والروحانيات، وأنهم يشكلون أساليب جديدة في معالجة الوعي البشري ومواجهة هموم الإنسان.

ويجب الإشارة هنا إلى أننا نتحدث عن نوع محدد من الدجالين، وهم الذين يدعون أنهم يمارسون قدرات التأثير في الطاقة وأنهم متخصصون في علومها، من خلال المجاهدات الروحانية، وهم بطبيعة الحال ليسوا متخصصين علماء كالأخصائيين النفسيين أو الفيزيائيين.

يدّعي هذا النوع الجديد من الحركات الباطنية أنه يسعى لرفع وعي الناس وإخراجهم من عالم الظلمات إلى عالم النور والوعي من خلال الممارسات الروحانية مثل اليوغا وتنظيف الجسد الأثيري والعديد من المسميات التي تختلف من شخص إلى آخر، إلا أنها جميعها في النهاية تتقابل في بوتقة واحدة، وهي الغنوصيّة الباطنية بشكل معاصر.

زرع الخوف من خلال ممارسة الوعي الروحاني

تحدث الأستاذ أحمد دعدوش في حلقتين في قناة السبيل على اليوتيوب بعنوان الروحانيات الباطنية الجديدة وحركة العصر الجديد والتنمية البشرية وحركة العصر الجديد، المدربون العرب حيث شرح هذا الفكر من المنظور الديني الإسلامي وخطورته على العقيدة الإسلامية، -ولذا أنصح بالرجوع لحلقات الأستاذ أحمد دعدوش- لفهم تاريخ الفكر وجذوره اختصارًا للعديد من النقاط.

وبدوري سأحاول شرح هذا الموضوع من منظور نفسي واجتماعي أكثر لكي يكون لدينا زوايا مختلفة لفهم إيجابيات وسلبيات هذا الفكر الباطني الحديث، ولا شك أن من أهم احتياجات الإنسان هو الغذاء الروحي الذي يجعله في سكينه وطمأنينة، فالروح لها غذاء كما للجسد غذاء من طعام وللعقل غذاء من معرفة وعلم، وإذا اختلف أحد هذه المكونات الرئيسية اختل توازن الإنسان.

بعد ضعف التأثير الديني في العالم العلماني والمادي، أصبح العالم يبحث عن العلوم الروحانية وعلم الطاقة والباطنية والترويج لها في كتب أو معلمين روحانيين أو ممارسين..الخ، مما فتح مجالًا أوسع للدجل والاحتيال على عقول الناس بشكل عصري.

لننظر إلى الأمر من ناحية أخرى، إن زيارة قبور أولياء الله وأصحاب الكرامات والاستغاثة بهم شخصيًّا فيه جهل وابتعاد عن شرع الله، فيجب –بكل تأكيد- النظر إلى هؤلاء المدربين على أنهم دجالون يرتدون ربطات العنق العصرية، بل لعل أحدهم أكثر إقناعًا من شيوخ التصوف، والفرق بين صاحب الكرامة في الصوفية والمدرب الروحاني هو اختلاف الطبقة أو المظهر الاجتماعي، فالأول يتبعه –في الغالب- البسطاء من الناس أما الثاني فيستهدف الأثرياء والمقتدرين.

في أغلب المجتمعات الفقيرة التي ينتشر فيها الجهل نجد سيطرة مفاهيم معينة كقوة العين والسحر والشعوذة، فيحاول الإنسان حماية نفسه بالطلب ممن يرى فيه الكرامة والولاية، ونحن هنا لا ننكر وجود قوة العين والسحر كما أشير إلى ذلك في القرآن والسنة، وإنما ننتقد تضخيم الموضوع وجعله مدخلاً للدجاجلة ليسيطروا على عدد كبير من المساكين، فيشرح لكلٍّ نوع السحر أو العين التي أصابته، ويبين له مدى صعوبته، ويكثر عليه الطلبات التي يحتاجها ليفكّ عنه ذلك الأثر، ادعاءً منه أنه الوسيط بين الشخص والله.

وهنا يتكرر السيناريو ذاته عند المعلمين الروحانيين بطريقتهم الحديثة، فمنصات التواصل مليئة بمثل هؤلاء، حيث يبدأ (الروحاني) بأسئلة بديهية بأسلوب يشعرك أنك حالة نادرة أو عويصة، وبعد ذلك يقنعك بأن عدة مخاوف وأنواع من الصدمات زرعت من الطفولة ومشاعر مرتبطة في الجسد المشاعري ويجب أن يزيلها، وبالطبع فإن كل هذا يحتاج لمبالغ مالية لا تقل عن ١٥٠ دولار كبداية، ومن هنا ندرك كيف يزرع الخوف في داخل الإنسان ويضخمه بطريقة تقنع الشخص أنه يريد حماية المتحدث إليه.

وعندما نغوص في المجتمع العربي والإسلامي نجد أن الموضوع متطور وأكثر تعقيدًا من ذلك، بل إن مثل هذا الشخص يرى نفسه أنه قد صار وسيطًا بين الإنسان والله، فهو يعرف كيف يخرج الذنوب العالقة التي تؤثر على ما يسمونه “كارمة” الإنسان حسب زعمهم وعلاقته بربه، وهذا شيء خطير، فكيف تتسلل هذه الأمور داخل الفكر الإسلامي؟.

إن الملفت للنظر أن هذا الفكر الباطني ليس بحديث البتّة، بل هو عبارة عن انتقال أفكار معينة من حضارات لأخرى، ولكن بشكل مختلف، فينتقل من الهندوسية الهندية، إلى بعض فرق الصوفية والإسماعيلية وغيرها، وهي كذلك الآن تحاول الانتشار في أي مجوعة سواء صغيرة أو كبيرة، ونلاحظ أن الجوهر واحد ولكن الهيكل الخارجي مختلف.

هذه الأفكار هي في جوهرها نافذة جديدة لفهم النفس والروح والحياة في العصر الحديث عند الكثير من الناس في العالم، وقد أصبح هؤلاء المدربين فقهاء وفلاسفة هذا الفكر الباطني، وهذا ما يجعل الأمر أكثر خطورة، فهل الإنسان العصري سيرى رحلة حياته من منظور الوسيلة والغاية والقضاء والقدر أم سيراها في ارتقاء الوعي الباطني والانفصال عن الواقع.

الترويج للفكر الباطني

انتشرت في الآونة الأخيرة مقاطع كثيرة لهؤلاء المدربين على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف ترويج أفكارهم وانتساب أكبر عدد ممكن للدورات التي يقيمونها، ومما يلفت النظر كيفية شرح المواضيع المتعلقة بصورة الإنسان لذاته، فالإنسان لديهم يتكون من عدة أجساد كالجسد الأثيري والمشاعري وغيره، وأن الذنوب تلتصق بجسد محدد وهذه الجلسات التي يروج لها بعضهم تزيل الذنوب بينك وبين الله، وهناك العديد من الأفكار المتشابهة من شخص لآخر، فبعضهم يحسن علاقتك مع الله وبعضهم يفتح لك مسارات كونية تجلب لك الرزق والصحة … الخ.

بكل اختصار فإن هؤلاء المدربين لا يعطون الدواء، لكنهم يجيدون فن الاستفادة من السامع وخداعه، وبالطبع فإنهم سيطلبون الكثير، وكل واحد منهم يريدك أن تتمسك به أكبر فترة ممكنة لكي يستفيد ماليًّا إلى أقصى درجة، بدءًا من ادعاء تخلية المشاعر السلبية وتنظيف الكارما من الذنوب وجلسات إزالة الصدمات وزيادة جذب الرزق وغير ذلك من الأمور الخرافية ولكن بشكل حديث ومنمق، والمغزى من كل ذلك البحث عن المال والشهرة والسلطة.

يمكن اعتبار هذه الخرافات طريقًا لزيادة اضطراب الإنسان العصري وجدانيًّا وعاطفيًّا، وقد قابلت العديد من الحالات التي جعلتني أتأمل أحوالهم، حيث كان أغلب هؤلاء الأشخاص يرددون كلامًا غير مفهوم وكأنه عبارة عن شريط مسجل، إلى جانب أنهم في حالة قلق دائمة رغم أنهم يقنعون أنفسهم بأنهم على ما يرام وهم عكس ذلك، وهذا المشهد يذكرني بمشهد من نوع آخر وهم بعض الغلاة من طرق التصوف الذين يبالغون في العبادات والاذكار بهدف الوصول لحالة معينة من الاتحاد أو النشوة، وهم في هذا يتشابهون مع تعاليم اليوغا التي تريد إيصال الإنسان إلى حالة معينة من الانفصال عن الوجود الحقيقي.

وإذا لاحظنا أماكن انتشار هذه الأفكار الروحانية الحديثة فإنها غالبا ما تكون داخل المجتمعات المتمدنة التي لا تعيش المعاناة الحقيقة وتقتصر على الطبقات المقتدرة والغنية، مثل الدول التي تعاني من إبادات وحروب  فهم يعتقدون أن حدود العالم هي المدينة التي يعيشون فيها.

لا يمكن إنكار أن الإنسان يحاول الوصول للسكينة الداخلية وتنمية الجانب الإيجابي منه روحانيًّا، وهذا شيء مهم جدا، خاصة من خلال الالتزام بالعبادات والفرائض والتعاليم الدينية، ولكن الانغماس في التأملات والانفصال عن الواقع يزيد في إيهام النفس بما لا يتوافق مع الحقيقة.

الوعي الحقيقي

إن بداية الوعي الحقيقي الداخلي تطلق من فهم الإنسان لعيوبه وتصحيحها، وفهم الإنسان لمخاوفه ومحاولة تجاوزها، وفهم الإنسان لمشاعره وأفكاره، ومن أهم مراحل الوعي الخارجي إدراك الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفهم التاريخ والثقافة والمخاطر الخارجية وتجنبها.

كل هذه الأمور بدورها توجه الإنسان نحو هدفه في الدنيا ومحاولة البحث عن سبل، فالحقيقة أن هذه الحياة تحتاج العمل الدؤوب لا الركون إلى التعاليم الوثنية والتأملات المؤثر سلبًا في درجات الوعي.

ولنضرب مثالاً بسيطًا، فلو أنني أردت بناء بيت ما، فلن يفيدني جميع أصحاب علوم الطاقة والوعي الروحاني بقدر ما سيفيدني المهندسون والعمال المتمرسون في البناء،

في مجتمعنا العربي والإسلامي نرى تقصيرًا كبيرًا من بعض المشايخ الذين ينفصلون عن الواقع ويقصرون مجال نشاطهم بعيدًا عن فهم التغيرات الجارية في الدنيا، إلى جانب فئات أخرى كالأدباء والشعراء والفنانين الذين يركزون على جوانب لا تفيد حياتنا المعاصرة، وإذا أردنا أمة قوية فلا يمكن لمجموعة من العشاق والمكتئبين والمتبتلين أن يقودوها، بل يجب أن تقودها نخبة ممتلئة بالإيمان والتقدم التقني والحضاري وحب الإنجاز.

إن إرهاب الفكر الباطني الحديث يبدأ بطغيان هذه المفاهيم على نظرة الإنسان لذاته ودينه وواقعه وبالتالي ستغير توجهه في الحياة وإدراكه لغايته منها، والإنسان هو الكنز الأهم في الوجود، فهو الذي تبدأ منه الأسرة والأمة والحضارة.

لدينا العديد من المشكلات في الحياة ومتطلبات الحياة في تزايد سواء على المستوى الشخصي أو المجتمعي أو العالمي، ودور الأبطال هنا المبادرة في حل هذه الإشكاليات وليس التبتل والجلوس للوصول لحالة من السكينة والانفصال عن الواقع، رغم أنه لا يمكننا إنكار الجانب العلاجي النفسي والإرشاد النفسي بل هو جانب مهم جدًّا خاصة في عصر المادة ولكن من قبل المختصين وليس صانعي الوهم.

القيادة المثالية الأنموذج الأكمل من وحي العلاقات الإنسانية

يقدّم لنا التصور الإسلامي رسول الله صلّى الله عليه وسلم معيارًا أمثل ونموذجًا أكمل للقدوة، فهو الفرد الكامل الذي لا يتقدم عليه أي أنموذج آخر في كلّ مجالات وأنشطة الحياة، وعندما نتحدث عن نموذج القيادة المثالية نجد أنفسنا أمام ممارس القيادة الأنموذج والمثال، يعمل بالشورى، ويؤسس للبناء والنهضة، ويعمق مبدأ الحوار مع أصحابه الكرام، ويتلقى منهم الأمور بنفس طيبة، فيستمع إلى نصحهم ووجهات نظرهم.

لا ريب أن مفهوم القيادة نال العديد من الاهتمام وأجريت العديد من الدراسات والأبحاث في مختلف السنوات، وعلى مختلف الأصعدة في مجالات السياسة والإدارة والتربية وغيرهما داخل المؤسسات والمنظمات مهما تنوعت أهدافها وطبيعة عملها واستراتيجية التفكير وأساليب التخطيط.

تأثير القيادة

إن المتتبع لمسار القيادة عبر تاريخ الإنسانية يلاحظ أنه انتقل من المحورية الذاتية المطلقة في هيئة شخصية تصبح كاريزمية توكل إليها السلطة بشكل مطلق، ومع تطور الفكر الإنساني توصلت كافة الدراسات والأبحاث والتجارب إلى أن هذا النمط -مع تطاول الزمن- يؤدي إلى ترسيخ الديكتاتورية المطلقة؛ وقد استمرت الجهود المتعاقبة إلى أن بزغ نموذج يتأسس على قيم المشاركة والتعاون في العصر الحديث.

 وهنا يجب التأكيد على أنه لا يمكن أن تتطور عمليات التغيير الكبيرة بالمؤسسات من تلقاء ذاتها، فهي تستوجب تنسيقا فاعلا وجهدا مؤثرا لعدد من الفاعلين يعملون بكفاءة وفاعلية من أجل توجيه الأشياء نحو وجهة محددة، مهما كانت هناك عوامل مضادة لمواجهة عمليات التغيير، وبهذا المعنى نتحدث عن القيادة المثالية كتأثير منتظم يمارسه شخص على قرارات وأعمال مجموعة من الأفراد، وأحيانا على مجموعة أوسع، مثل منظمة أو مجتمع كامل، كما يتم بدقة ووعي متكامل من قبل هذه القيادة إلى تحديد متى يستحب القيام بالتغيير ومتى يفضل الإبقاء على الأوضاع كما هي، وفي هذا المجال الذي تمّ تحديده نجد أن مفهوم القيادة في المنظور الإسلامي لا يقوم على المفهوم الكاريزمي الفردي، بل هو مفهوم جماعي مؤطر ومؤسس على قاعدة الشورى والعمل الجماعي المشترك.

إن التأمل المعمق والنظرة فاحصة في أحداث وفصول السيرة النبوية الشريفة تمنحنا ملاحظة –بيسر- مدى بسط قيمة الشورى والعمل الجماعي المشترك وتماشيها مع موقع القيادة المثالية، فقد كان نبي الرحمة صلّى الله عليه وسلّم أنموذجًا نابضًا بالقيادة المثالية، فقد أفسح المجال لأصحابه لإبداء آرائهم وبسط وجهات نظرهم ما دامت المواضيع والأفكار غير محسومة بوحي إلهي، والأمثلة والنماذج في السيرة النبوية كثيرة وتفيض بالمعاني والدلالات والعبر العظيمة.

ولعلنا نذكر موقف الصحابي الحباب بن المنذر في غزوة بدر الكبرى، وموقف الصحابي الجليل سعد بن معاذ في غزوة الأحزاب، وعبر دراسة فاحصة لما حدث في هذه الأحداث وغيرها نجد قيادة النبي صلى الله عليه وسلم من نوع خاص، تجعل الشورى ركنًا ركينًا في كلّ ما تزاوله من أعمال أو ما تخطط له من مشروعات وبرامج، ومعنى ذلك أن القيادة المثالية في المنظور والتصور الإسلامي قائمة على ركيزة الشورى التي يُسمح بموجبها لكلّ فرد في المجتمع بأن يُسهم بالرأي والمشورة التي يمكن أن تخدم الصالح العام، كما أن التعاون والعمل بروح الفريق الواحد هما السبيل الناجع لبقاء الجماعة وتماسكها وتحقيق ما تصبو إليه من سعادة ورفاهية.

تأهيل القيادة

إن النموذج الإسلامي يعزز ويدعم بروز المواهب والمهارات القيادية في الأفراد، باعتبار أن المجتمع المسلم هو المستفيد من تلك النماذج الإنسانية القيادية الناجحة، وتنبع أهمية القيادة المثالية داخل المؤسسات أو المجتمعات من كونها أمراً ضرورياً لتحقيق التآلف بين الأفراد لبث التعاون فيما بينهم وبين القيادة إلى جانب بث روح التعاون فيما بينهم، حتى يصبح العمل أكثر تنظيماً وأكثر تحقيقاً للأهداف المرجو تحقيقها.

يعد هذا أمراً ضروري تحتمه التفاعلات بين الأفراد والجماعات، فالقائد رقيب ومنظم وموجه للأفراد في سلوكياتهم ومواقفهم نحو أهداف مشتركة يهدفون إلى تحقيقها دون إخلال بالنظام العام أو القانون أو العرف أو العادات والتقاليد وغاية ذلك كله الوصول بالجماعة إلى تحقيق ما تصبو إليه دون العبث بالنظام أو إخلال بأمن الآخرين.

إن القيادة المثالية تتكون بالفطرة أو من خلال التأهيل، والسعي للقيادة السامية أهمية كبيرة؛ نظراً لأنها تطلب النتائج وتسعى إلى الحصول على كفاءة عالية من جميع الأفراد، فكل من يعمل مع هذا النمط يعلم أن العمل ليس سهلاً، فالقائد يطلب أفضل ما يمكن أن يقدمه الأفراد من عمل، كما أنها تؤكد على الذكاء واللجوء إلى التحليل المنطقي فيعمل على حل المشكلات بهدوء، وينظر إلى كل واحد من الأفراد على اعتباره شخصية فريدة، وبناء عليه يضع قاعدة للتفاعل معه.

القيادة المسؤولة

إن أفضل نموذج حديث للقيادة بعد دراسات وتجارب وجهود كبيرة يرى النموذج الأكمل والأمثل في القيادة المثالية، فالنموذج الحديث للقيادة؛ يكون القادة والأتباع شركاء بعمل القيادة؛ فهم معًا يشكلون علاقة قيادية، ومعًا يهدفون إلى التغيير الحقيقي الذي يعكس أغراضهم المتبادلة، كما أنهم يطورون علاقة تأثيرية، بحيث يؤثر كل منهم في الآخر، كما هو الحال في المنظمة والمجتمع، هم لا يعلمون الأشياء ذاتها، لكنهم معًا يصنعون القيادة، فتوجه الموارد كافةً نحو تحقيق الأهداف المرسومة للمنظمة أو المجتمع، من خلال المهارات والكفايات القيادية التي تمكن من تفعيل ومشاركة الأفراد؛ بما يوفر فرص الإبداع والتطوير وتحقيق الأهداف على الوجه الأمثل.

تؤكد الاتجاهات الحديثة –في إطار القيادة المثالية- ضرورة الاهتمام برأس المال الفكري، من خلال الكشف عن القدرات والإمكانات التي يمتلكها العنصر البشري، وتوظيفها التوظيف المناسب، واستثمارها الاستثمار الأمثل، وتحقيق الأهداف المنشودة بأعلى كفاءة وفاعلية، وذلك من خلال وسائل عدة، تُشعره بالمسؤولية، وتُحفزه للعطاء؛ ويعد هذا المدخل من أبرز عوامل نجاح القيادة.

إن نجاح المجموعة أو المؤسسة أو المنظومة في تحقيق أهدافها يرتكز على ترابطها ضمن خطة متكاملة من العمل الإبداعي وتنمية الابتكار وتحقيق التعاون ومواجهة الأزمات وإطلاق القدرات والطاقات الكامنة، وتتجلى في أروع صورها في نموذج النبي صلى الله عليه وسلم وعلاقته بأمته ودولته التي قادها.

عندما تتحول التربية إلى تجارة

“درّب طفلك كالكلاب” “train your baby like a dog” هذه البداية المؤلمة كانت عنوانًا مزعجًا لبرنامج عرض منذ سنوات على قناة بريطانية، إلا أن عرضه قد توقف بسبب الانتقادات الشديدة الموجّهة له، وقد أعادت قناة ألمانية رسمية شراءه وبدأت عرضه في عام 2021.

هذا العنوان ليس لجذب المشاهد فقط وإنما يصف محتواه بدقة، حيث تقوم مدربة البرنامج والتي هي مدربة كلاب في الواقع، بتحسين سلوك الأطفال باستخدام طرق تدريب الكلاب معتمدة مبدأ “لوحة مفاتيح” يُضغط عليه من قِبلها بعد كل فعل جيد يقوم به الطفل ثم تتم مكافأته بقطعة من الحلوى، وعندما سئلت عن كفائتها لممارسة هكذا عمل، أجابت بأنها حصلت شهادة في تدريب الكلاب سلوكيًّا، حيث إنها –أي الكلاب- تشبه في دماغها دماغ الطفل الإنسان إلى حد ما، إلى جانب قراءتها العديد من الكتب في التربية وتأليف كتب خاصة بالأطفال.

إن الأغرب من هذا كله هو وجود أهلٍ خاضوا هذه التجربة إلى جانب طبيب مختص بالعلاج النفسي يساعد المدربة من خلف شاشة الكترونية، حيث يُقيّم النتائج بحسب ما يُنقل له، ليُقرّ في النهاية بنجاح هذه الطريقة، في خطوة لا يمكن وصفها بأقل من أنها تخلٍّ عن الأمانة المهنيّة.

تحكّم الشبكات والإعلام

في مثل هكذا وضع علينا أن لا نستغرب من رؤية هكذا برامج على شاشاتنا بعد مدة، فالإعلام الفاسد لا يهمه سوى ملء جيوبه بالأموال، ويبدأ الأمر عند وجود قبول لانتشار آراء وأفكار غير المختصين، وتدخلهم في أمور التربية مع غياب المساءلة والمحاسبة بل مع تمجيد الجمهور والإعلام لهم، حيث يصلون لجمهورهم باعتمادهم أسهل وأسرع طريق هو المنصات والشبكات الالكترونية.

تقوم هذه البرامج في جزء كبير منها على الإيهام، سواء بجمال الصورة والكلام أو بأنهم غيّروا حياة كثير من الناس من خلال مشروعهم التجاري، الذي بدأ بعرض تجربة شخصية في التربية ثم ما لبث أن تحول إلى مشروع رائد، هو الذي أوجد ثورة في عالم التربية وأنقذ الطفل من براثن جهل الوالدين والأسلاف.

يستمدون شرعيتهم كلما خَفَت ضوئهم قليلا عن طريق استقطاب المختصين، الذين تفطّن بعد ذلك بعض منهم لخداع هذه المنصات فتخلى عنها بل وحذر منها، وبعضٌ آخر ممن ساندوها وسَحَرهم بريق الشهرة والمال، أو اندفعوا إليها عن حسن نية، فساهموا في تضليل الناس وكانوا تقريبا كالطبيب السابق ذكره المُصفّق لمدربة الكلاب.

ما مؤهلات مُربّي الفضاء الافتراضي؟

من الأفضل أن نسأل أنفسنا هذا السؤال عند التعرض لكل من يقدم نفسه بأي لقب يخص التربية ويعرض منصة لها، ولا مشكلة في عرض التجارب الشخصية، أو أن يساهم غير المختص بأفكار في التربية من واقع تجربته وخبرته، ولكن أن تبقى الأمور ضمن هذا النطاق لا أن تتحول لمشروع يتكلّم في كل ما يخص الطفل من صحة جسدية ونفسية وسلوكية، بل ويسعى لتنميط حلول معينة لمشاكل الطفل المعقدة التي تحتاج لأطباء متخصصين.

ينطلق هؤلاء المربون الافتراضيون من إطلاق ألقاب على أنفسهم، ثم الترويج لمشاريعهم التي لا تعتمد على خلفية علمية أو دراسية وإنما على ازدياد أعداد المتابعين كما يوضّح لنا هذا الفيديو (أم بنكهة الفاشينيستا) الذي يلخص الكثير مما يمكن أن يقال في حقهم.

سأحاول الحديث عن المفاهيم التي يحاولون تصديرها إلينا والتي تؤدي لخلل في سوية النشء والأطفال، فلا أرى مشاريعهم أقل خطرًا عن أي خطر يهدد الأمة، فأبناء اليوم هم حاضرها ومستقبلها، خاصة عندما بدأت بعض نتائج اتّباعهم أفكارهم وأساليبهم تظهر للعلَن، وبدأت الأمهات يشتكين من التشوه الذي طرأ على شخصية أطفالهم.

نظام مونتيسوري .. صنم جديدٌ في عالم التربية!

ثمة مدارس عديدة في التربية يُسوّق لها، ولكن لنتحدث أولا باختصار عن المبدأ الغالب اعتماده من قبل المنصات التربوية لجذب المشاهدين، إنه النظام الذي أسسته “ماريا مونتيسوري” وبات شهيرًا على مختلف الأصعدة في العالم، فما هو؟

يعتمد نظام ماريا مونتيسوري على الاستقلالية والحرية التامة للطفل في اختيار ما يتعلم بعيدا عن ممارسة الضغوطات التقليدية في التعليم، فالطفل والإنسان بحسب ماريا يخضع لأربع مراحل تطورية تبدأ من شهوره الأولى حتى سن الرابعة والعشرين، فإن تُرك لحريته وفطرته في حب التعلم أن يختار ما يريد فإن أفكاره ستتطور خاصة مع وجود البيئة المناسبة الداعمة له، والتي ستحقق أفضل النتائج في بناء إنسان متميز.

بالرغم من وجود أفكار مميزة في هذا النظام يستحق النظر فيها والاستفادة منها، إلا أنه قد استغِلّ من قبل كثيرين من مروجي البرامج التربوية غير المتخصصين، إلى جانب أنّ هذا النظام نفسه لا يخلو من السلبيات، ونتائج اتباعه لا تختلف كثيرًا عن نتائج اتباع الطريقة التقليدية في التعليم، كما أنه نظام لا يناسب جميع الأطفال، فبعض الأطفال يميلون لاتباع القوانين والقواعد المحددة، علاوة على أن بعض أطفال منهج “مونيتسوري” يجدون صعوبة في الانخراط بالمجتمع والالتزام بجو العمل التقليدي لاعتيادهم على الحرية التامة التي تلقّوها في صفوفهم الدرسيّة.

إلى جانب ذلك فإن مواده التعليمية ورياض الأطفال والمدارس المعنية باتباع هذا المنهج مرتفعة الثمن مقارنة برسوم المدارس التقليدية، وأهم من هذا أنها لا تتطرق لتعزيز الجانب الديني في حياة الطفل البتّة، ومن ثمّ فإنه ليس من الإنصاف وصفه بأنه النظام الأمثل في التربية، والحض على بذل الأموال لتعلّم مبادئه واتباع منهجه، طبعًا هذا إن كان ما يُطبّق حقًّا هو نظام المونتيسوري!

صورة تعبر عن أسلوب مونتيسوري في التربية

دسّ السمّ في العسل!

لنعد لبعض المفاهيم المحيّرة التي تعرضها برامج الفضاء الافتراضي في التربية، مثل: “الحب غير المشروط” و”تقبّل الطفل كما هو”، وهنا يجب التأكيد على أن هذا المفهوم عامّ يحتاج لتفصيل، فإن كان المقصود ألا نشترط الحب للطفل بتحقيقه أمورًا دنيوية، كأن يقال له “أحبك إذا حصّلت أعلى الدرجات الدراسية” وأن نتقبله كما هو بما فيه من ضعف ومرض ونقص لا يد له فيه، فهذا من الصواب، أما ما يرمون إليه من حب الولد وتقبُّله على شتى أحواله وإن ألحد وارتكب الكبائر والمعاصي، وتَركه في ضلاله لأنه حر في اختيار طريقه، فهذا أمر غير ممكن التحقق.

لا يمكن للمرء أن يكره فلذة كبده إلا أنه من الطبيعي أن يكره أفعالهم السيئة، فالولد العاصي أو الكافر أو العاق يجعل والديه من أشقى الناس، وحريٌّ بالوالدين نصح أبنائهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن، والدعاء لهم بالهداية والصلاح، فإن أصروا على الباطل وجب نهيهم وزجرهم بحسب الفعل وشدته.

لنا في قصص القرآن عبر لا تنتهي، فعندما أصرّ وَلدُ نوح عليه السلام على بقائه مع القوم الكافرين رغم دعوة أبيه له ليرافقهم في رحلة النجاة، إلا أن إصراره قاده إلى أن يبتلعه الطوفان، عندها لجأ الوالد المكلوم لربه فكان سؤالا واعتذارًا يملأه التأدب مع الله والتسليم له، يسوق الله تعالى الموقف في القرآن: }وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ *قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ *قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ{ ]هود:45-47[ لقد كان جواب الله تعالى حاسمًا، “إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ” والسبب معصيته الواضحة لأبيه وربّه.

هناك معنى مشابه لهذا نلتمسه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا) [أخرجه الشيخان[، فرغم أن حب الرسول صلى الله عليه وسلم لفاطمة ابنته كان كبيرا، حتى قال فيها: (إن فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما أذاها).] أخرجه البخاري في صحيحه[ إلا أنه أعلمنا بحديثه أن حب الوالد للولد لا يعني السكوت عن الحق وقبول الخطأ والكفر والعصيان منه بل إن محاولة تصحيح أخطائه ومحاسبته مما يصبّ في مصلحته.

وإذا ما أتينا إلى أهم المبادئ التي ينادي بها مربّو الفضائيات وبرامجها الافتراضية، فإنها تتلخص بفصل الدين عن التربية بحجة صعوبة تعلم الدين والقرآن منذ الصغر، إلا أننا لا نرى منهم موقفًا من تعلم اللغات والجغرافيا والعلوم المختلفة في سنوات الطفل الأولى، بل إن هذا –بحسب تسويغاتهم- مما ينمي مداركه، وهذا لسان حالهم: دع طفلك يستمتع بطفولته وسيتعلم الصلاة عندما يكبر، ودع الفتاة ترتدي ما تشاء من الملابس الكاشفة بعمر صغير وستقرر مستقبلاً -إن أرادت- ارتداء الحجاب، والأمثلة على ذلك كثيرة.

ولكن هل يعقل أن يأتي الطفل من نفسه عندما يكبر ويبدأ بالصلاة؟ فالإنسان بطبعه يعتاد ما ألفه وتربّى عليه في الصغر، ومن الصعب تغييره عند الكبر إلا أن يشاء الله، ولن يلتزم بأوامر ربه من نفسه إلا إن تشرب حب الله وعرفه منذ نعومة أظفاره وألف سماع القرآن والحشمة والآداب الإسلامية واعتاد عليها حتى أصبحت من طبعه.

إلى جانب هذا المبدأ فإنهم ينادون بمنح الأولاد الحرية المطلقة بمعناها الفاسد، فتشمل حرية الدين والمعتقد والملبس والتصرف في الجسد، وقول: إن أبناءنا أحرار فهذا يعني أن لهم أن يختاروا من أمور الدنيا ما يريدون مالم يتعارض مع الدين، وليس لنا إجبارهم على ما لا يطيقون، إلا أن الحريات الأخرى يَخُطُّ ملامحها الدين، فتشمل العبودية لله وحده واتباع شريعته، وأما الجسد والروح ملك له تعالى ماهي إلا أمانة لدينا فحرّم الله قتل النفس، والجسد جعل الله له حقًّا بحفظه وستره ولو كان لنا حرية التصرف فيهما لكانت هذه الأفعال مباحة، وهذا واجب الأهل بتبليغ أبنائهم رسالة ربهم ثم الهدى يكون من الله، وليس إعطاء الحرية المطلقة من دون تبليغ وتعريف بعظمة خالقهم وجلاله تعريفا كاملاً.

لا تنتظر مقابلًا من أطفالك

هذا مبدأ آخر من أهم المبادئ التي يغرسونها في عقول الأطفال والمشاهدين، ما عليك إلا أن تقوم –أيها الأبوين- بواجبكم تجاه الأولاد، ثم دعوهم لحياتهم الخاصة!.

هل من الصواب أن نعلم الطفل ألا يهتم بوالديه، وأن يهتم بنفسه فقط؟ وهل يوجد مقابل سيكفي حق الوالدين مع ما لاقوه من مشقة في التربية؟ وأين حقهم من أبنائهم الذي شرعه الله لهم؟ ألم يذكر الله فضل الوالدين في القرآن وفي أكثر من موضع وكرمهم ونبيه بأحاديثه حتى كان فضل البقاء معهما أولى من الجهاد:}فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا{ ]الإسراء:23،24[.

إن طاعة الوالدين واجبة فيما لا معصية فيه للخالق، وعلى الأولاد بِرّهم، بل إن عقوقهم من أكبر الكبائر، ويجب عليهم مساعدة والديهم بالخدمة والمال إن لم يكونوا قادرين على هذا بأنفسهم، أو أن يستأجروا من يقوم على خدمتهم، والولد الصالح كالصدقة الجارية التي لا ينقطع أجرها بعد الموت.

إن كل تلك المفاهيم توصلنا للمفهوم الأخير وهو “تنميط التربية”، فنرى التركيز الغالب على قشور التربية، لكن مبادئها الحقيقية تغيب، وهي التي تركز على بناء إنسان صالح قوي وسوي لا ينصب تركيزه على نفسه فقط، وبعيدًا عن الضعف والهشاشة النفسية أمام كل عارض يطرأ عليه، بل يعلم أنه جزء من منظومة ومجتمع فيه اختلافات كثيرة له ما له وعليه ما عليه.

هذه التربية المهمّة مغيبة عن برامج التلفاز والفضاء الافتراضي، تلك التربية التي لا تحتاج إلى أموال وقصور وطعام باهظ، التي جعلت من خرج من رحم المعاناة والحروب بطلًا، ومن مريض الجسد عبقريًّا ملهِمًا مبدِعًا، وكم من معلم ومربٍ كان تأثيره بالأجيال من خلال كلامه وعلمه فقط.

إنّ من أخطر المصائب أن تتحول التربية إلى تجارة تتغير مبادئها بحسب السوق وما يطلبه الجمهور، فيُهتم ببيعها وتسويقها لجمال صورتها وكلماتها كما هو الحال مع البضاعة، إما من أجل الشهرة والإعجابات، أو من أجل المال بعيدًا عن محتواها التي تُفرغ منه، فالأولى النظر لهذه المشاريع بعين ناقدة ممحّصة ومحلّلة، وأن نتبع التحليل والنقد بالإصرار على تربية أبنائنا بما يجعلهم مليئين بالعلم والإيمان والأخلاق من الداخل والخارج، ولتكن أفضل مدرسة تربوية نتبعها تلك التي يكون أساسها شريعة ربنا وهدي نبيه.


مصادر للاستزادة:

<a href=”https://www.freepik.com/vectors/background”>Background vector created by vectorpouch – http://www.freepik.com</a&gt;

أبناؤنا في المهجر.. إلى أين ينتمون؟

إن كان لأحد دور في إنشاء الإنسان سويًّا منذ صغره، فإن هذا الأمر منوط بالدرجة الأولى بالأب والأم والأسرة، فللأسرة الدّور الأكبر في إنشاء الطفل السويّ، بعيداً عن القسوة والإهانة والتّعنيف، وبالاهتمام بصحّته الجسديّة والنفسيّة، وبتعليمه ووقايته من كل مصابٍ، والوقوف إلى جانبه عندما تعترضه مشكلة ما.

إنّ كثيراً من الأسر المهاجرة أصابها القلق من أن يتأثّر أبناؤهم بالثّقافة الجديدة، فتعصّبوا لوطنيّتهم وتقاليدهم، مع أنّ كثيراً منها ليس من الإسلام في شيء، فأحاطوا أنفسهم خوفاً عليها بأسوارٍ تعزلهم عن المجتمع الجديد، لدرجة ألّا يتعلّموا لغة المهجر الذي لجأوا إليه رغم أنها باتت لغة أطفالهم أيضاً، ونسوا أنّ أبناءهم يقضون أكثر أوقاتهم خارج هذه الأسوار، فهم لم يحاولوا فهم ثقافة تلك البلاد ليفسّروا لابنهم طبيعة الاختلافات التي بينهم، ولم يتعلّموا مالهم من حقوق ليدافعوا عنها ويستردّوها إن تعرّض أحدٌ منهم لظلم، فاستحالت هذه الأسوار مع الأيام إلى حاجز بينهم وبين أطفالهم، فالطّفل قد صار أجنبيّ اللّغة والملبس والثّقافة، بينما أهله مازالوا على لغتهم وثقافتهم، وكأنّهم حفروا خندقاً حول السّور ليبقى ولدهم حبيساً فيه متخبّطّاً لا يعرف كيف يخرج من أزمته، ولا إلى أيّ طرفٍ يجب أن يذهب.

ما الوطن؟

فكرة الوطن نابعة من حاجة الإنسان للمكان وارتباطه به، وهو أمرٌ فطريّ، كما يمكن للأوطان أن تتبدّل وتتغيّر، وأن يكون للإنسان وطنان، فيهاجر إلى وطن آخر ويَحيى فيه عمره ومن الممكن أن يموت فيه، وتدور معاني الكلمة في معاجم اللّغة حول المكان الّذي يقيم فيه الإنسان، وُلد به أم لم يولد.

أعطى الله في القرآن للإنسان الحقّ أن يدافع عن أرضه ودياره ليستردّها، ووصف الإخراج من الديار كخروج الروح من البدن، فقال: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [النساء:66].

إن حبَّ الإنسان للوطن والانتماء، لا يتعارض مع الانتماء للإسلام، الذي هو انتماء أكبر وأعمق من الانتماء إلى الأرض أو المكان، فالانتماء إلى الوطن قَدريٌّ وجَبريّ لا اختيار للإنسان فيه، ولكن الانتماء الآخر الذي هو لله ولرسوله وللأمة التي تشاركه هذه العقيدة نابع عن اختيار الإنسان وحريته؛ إذ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، ولعله لا يخفى مدى غلوّ النزعة الوطنية الحديثة والمعاصرة، التي جعلت المسلم يفكِّر في وطنه قبل عقيدته، وفي شعبه قبل أمَّته، ويعتبر المسلم من غير بلده أجنبياً.

إن الدين مقدَّم على الوطن في حال التعارض، إذ للمكان أو الوطن بديل، بينما لا بديل للدين، والإنسان مأمور بمغادرة وطنه إذا مُنِع من تأدية شعائر الإسلام فيه، حيث بيَّن القرآن الكريم في مفاصلة واضحة وحاسمة: أنّ دين المسلم أعزُّ عليه، وأحبُّ إليه من كلِّ شيء سواه، مما يعتزُّ به الناس ويحرصون عليه، وذلك في قوله تعالى في سورة التوبة: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24].

الانتماء للدين هويّة الأنبياء والرُّسل

كلّما بدأ الإنسان بالتَّفكّر في خلقه وأصله، توجَّه بنظره إلى السّماء والأُفق باحثاً عن خالقه وربّه، ليَأتيه جواب الله في قرآنه: }إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه:14[، وبأنّه خالقنا وإليه مَرجِعنا فقد قال: }خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ*{ [التغابن: 3].

ولنقف عند وصيّة لقمان عليه السّلام الأولى لابنه، حيث أمره أن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا. }وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{ ]لقمان:13. [

كل هذا يوجب علينا القول: إن أوّل ما يُلقّن الطّفل الصّغير هو اسم الله، ليُسلِمَ له بالفطرة الّتي أودَعها سبحانه فيه، فيَعرف من خَلقه وإلى أين ومن ينتمي وأين سينتهي، أمّا الأوطان المكانية والهويّات القوميّة فما هي إلّا جزءٌ من صنع الإنسان، حيث يُصنّف نفسه في جماعات لا تحدِّدُ انتماءه وأصله النهائي إلّا بمقدار ما يراد له أو يثبتُ وجوده المادي، فهي بمثابة وثائق، يُجبَر عليها لتُثبت دائماً أصله.

يصنعُ الإيمان بالله دِرع حماية للإنسان والطفل، تَقيه من كلّ ضياع وتخبّط، فإن رُفض الطّفل ممّن حوله لسبب ليس له ذنبٌ فيه، فإن قلبه وعقله يخبرانه أنّ الله سيقبله كما هو بلونه وعرقه وشكله وحتّى مع ذنوبه ومعاصيه مالم يُشرك به، فهناك قوّة تولج في القلب والجسد تُعزّزها جذور الإيمان القويّة وحبّ الله ورسوله، تشبه تلك القوّة التي جعلت بلال الحبشيّ رضي الله عنه يَصرخ من تحت الصّخرة الطّاحنةِ أحشائه، ولاتُزال إلّا بكُفره بالله: أَحدٌ، أَحد.

كيف تعزز انتماء الطفل للإسلام؟

لتَنمو جذور هذا الإيمان وتمتد، فإنها بحاجة إلى سقاية ورعاية من الأهل وتشذيبٍ مستمرٍّ وعناية فائقة، لتتحوّل إلى شجرة باسقةٍ لا تَهتزّ بإعصار، فيتعلّم الطفل والشاب والفتاة استحضار الخوف من الله وتَعظيم شعائره التي أهمّها الصّلاة، والحرص على علوم الشّرع والتفقّه بالدين ومعرفة الحلال والحرام، فيكون الدّين مَنارتهم في هذه الحياة.

ومما يُساعد أيضاً في تعزيز الهويّة الإسلاميّة، تَعلّم اللّغة العربيّة الفصيحة ليفهموا كلام الله والتزام الجاليات الإسلاميّة وبيوتِ الله، ومن المهمّ أيضاً تعلّم أساليب المجادلة والإقناع بالحجّة ليَردّ عنه كل مستهزئٍ ويُبعد الشكوك عن قلبه وعقله، فهو يعيش في مجتمع محاطٍ بالفِتن والشّبهات، كما أنّ من الجميل الاحتفال بأعياد المسلمين وإشعار الطفل بالفرح في تلك المناسبات وترسيخها بالذكريات الطيبة وإن كان من خلال إقامة احتفالات بسيطة، والحِرص على إيجاد الصُّحبة الصَّالحة، وإبعاد الأبناء قدر الإمكان عن الفراغ واللّهو فيما يُضيّع الأوقات، ودفعهم في الانخراط ببعض النشاطات المناسبة للأطفال والشبان والفتيات التي تخلو من المحرّمات، وذلك بهدف فَهم المجتمع الذي يعيشون فيه أكثر.

دلني على الطريق

كلّ ما ذُكر آنفًا، ليس بسهل التّطبيق بكل تأكيدٍ، فمحضُ الالتزام بالتّعاليم الإسلاميّة في بلدٍ لا يؤمن به أو يحاربه هو جهاد، كما أن بعض المدن تخلو من المدارس الإسلاميّة مع ضَعف وجود وأثر الجالية الإسلاميّة فيها، إضافة إلى أن مشاقّ الحياة ومصاعبها على الأهل التي تتضاعف في المَهجر مع عدم وجود معينٍ وضيق الوقت تصعّب المهمّة أكثر، وهذا يزيد من ثقل المهمّة على عاتق الوالدين ويجعلها على عواتقهم بشكل شبه كامل.

هذه المهمة على صعوبتها، ليست بالمهمّة المستحيلة إن أَخلص العبد النيّة ودعا الله وتوكّل عليه، فلا بد أنه تعالى سيكون مُعين المرء وهاديه وناصره، إلى جانب أن محاولة التّخطيط وتنظيم الوقت وتعليم الأطفال حتى لو بالقليل كلّ يوم، واستغلال العُطل والإجازات ستؤتي أكلها بنتائج مُرضية بإذن الله.

من الجيّد عند المقدرة، محاولةُ تقليل عدد السّاعات التي يقضيها الطّفل في دور الرّعاية خارج منزل الأهل عند عدم الحاجة لذلك، وهنا نؤكد على أهميّة تعليم الطفل العلوم الشرعية التي تمكّنه من امتلاك مفاتيح فهم الدين، فبحمد الله بات من السهل في عصر الثّورة الرقميّة طلب العلوم الشرعيّة وتعلّم كلّ ما هو مفيد من اللّغة العربية وقراءة القرآن عن بعد على يدِ علماءِ متخصصين.

إن حَرص الإنسان على ما يَقيه من نار جهنَّم وغضب الله، وما يُفيده في دينه ودنياه واهتمّ بما سيُسأل عنه يوم القيامة، فَاز فوزاً عظيماً، وكلّ ما يُترك مرضاةً لله يُعوّضُ الله بخير منه، ولايكلّف الله نفساً إلّا وسعها.

ختامًا، لا بد من القول: يجب أن نجابه الخوف في المهجر، لئلا يكون سبباً للانعزال، إلى جانب أن رفض الأوروبيين أو الغربيين لنا، ليس مسوّغًا لتمييع ديننا والابتعاد عنه ليَرضوا عنّا فإنهم (لن يَرضوا)، ونحن الأقوياء ما دمنا ثابتين على الحق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير). [أخرجه مسلم في صحيحه]