image_print

رواية “قواعد العشق الأربعون”.. كيف أصبح الكفر حلوا؟!

انتشرت في السنوات الأخيرة رواية “قواعد العشق الأربعون”، وهي رواية مترجمة كتبتها الروائية التركية إليف شافاق، وضمّنتها الكثير من الأفكار الصوفية المغالية التي وجدت طريقها إلى قلوب الشباب عن طريق الأدب.

ولدت المؤلفة في ستراسبورغ 1971، ولها 11 مؤلفاً، منها 8 روايات، وهي معروفة بطرح مواضيع حساسة وصادمة لمجتمعها، وخصوصاً ما له علاقة بالنساء والتدين والتقاليد والأقليات، مما تسبب في الحكم عليها بالسجن في تركيا بسبب رواية تحدثت فيها عن اضطهاد الأرمن في تركيا في مطلع القرن العشرين مع أحداث الحرب العالمية الأولى.

أما كتاب “قواعد العشق الأربعون” فتمت ترجمته من قبل خالد الجبيلي، وهو يحمل ليسانس أدب إنكليزي من جامعة حلب ويعمل حالياً مترجماً لدى الأمم المتحدة.

لمحة عن الرواية
القصة تدور حول إمرأة أمريكية اسمها إيلا، تعمل كناقدة أدبية، وقعت يدها على قصة اسمها ” الكفر الحلو”، كتبها رجل صوفي تركي اسمه “عزيز زهار”، يتحدث فيها عن القصة التاريخية الشهيرة لعلاقة جلال الرومي وشمس التبريزي.

تعجب إيلا بالرواية، خاصة وأنها تلامس جوانب روحية وعاطفية عندها، في الوقت الذي تمر فيه بمنعطف حرج في حياتها العائلية، فما يكون منها إلا أن تتواصل مع عزيز ثم تقع في حبه، وتسافر معه في ترحاله الصوفي الروحي.

فالرواية عبارة عن قصتين في زمنين مختلفين قصة إيلا وعزيز، وقصة شمس التبريزي وجلال الدين الرومي في رواية الكفر الحلو التي من خلالها يضع شمس لتابعه جلال قواعد العشق من خلال حوار وأحداث تمر بها هاتين الشخصيتين.

نقد الرواية
رغم أن عنوان الرواية هو “رواية عن جلال الدين الرومي” إلا أنها في الحقيقة لا تتطرق كثيراً للرومي وكتاباته وأشعاره بقدر ما تسهب في الحديث عن شمس التبريزي وأفكاره، وكأن الكاتبة أرادت عنواناً مشوقاً للقارئ، فالكثيرون في العالم يعرفون الرومي وقلة من سمع بشمس التبريزي، الذي تراه من خلال أحداث الرواية يلقي قواعد العشق ويقحمها أثناء حواره مع مختلف الشخصيات، ولوجاءت أحياناً بشكل غير مترابط أو متين.

وقد أجادت الكاتبة في وصف شخصياتها وصورتهم بطريقة فنية جميلة، حتى يخيل إليك أنهم أمامك يتحدثون إليك، وكذلك بمعرض وصفها للطبيعة في عدة مواضع كالشجرة التي تتصدق بأوراقها المتساقطة على وعاء  حسن المتسول وكذلك نقلت صورة فنية فريدة وهي تصف رقصة السما “المولوية” للرومي وشمس التبريزي في أكناف الطبيعة الساحرة، كما أنها أبدعت برسم مشهد البغي وهي تُضرب من قبل الحارس بيبرس ضرباً جعلها تشارف على الموت.

لكن الحبكة لا تخلو من أخطاء وهفوات كحديثها عن الخضراوات وحصاد القمح في فصل الشتاء، كما ولغت الكاتبة أحياناً بإباحية جنسية فجة لا تتناسب مع أعراف وتقاليد مجتمعاتنا الشرقية، أما بالنسبة للأفكار والعقائد المطروحة في القصة بين قواعدها وحديث شخصياتها فيمكن تلخيصها بما يلي:

عقيدة الحلول والاتحاد

لوحة تعود إلى القرن السابع عشر الميلادي تمثل حالة الاتحاد والانجذاب الصوفي

وهي عقيدة صوفية متطرفة، دعى لها غلاة الصوفية وزنادقتهم، تتلخص بأن الله تعالى -حاشاه- قد حل في كل مخلوقاته، فهي تقدس لذلك كل المخلوقات، وقد بدا ذلك في الرواية عند تعظيمها لشخصية أبويزيد البسطامي الذي تنقل عنه أنه قال: “الله داخل عباءتي”، وقول الكاتبة على لسان إحدى شخصياتها: “عندما يذكر المرء الله بسوء فإنه يسيء التكلم عن نفسه”، وقولها: “الله يقبع بداخل كل منا فهو لا يتخلى عنا فكيف له أن يتخلى عن نفسه”، وقولها “أربعون درجة تفصل بين الإنسان والله”، وقولها “هل توجد جنة أفضل من النعمة التي تهبط على الإنسان في تلك اللحظات النادرة عندما تفتح بها مزاليج الكون ويشعر بأنه يمتلك كل أسرار الخلود ويتحد مع الله اتحاداً تاماً”، وقولها على لسان شمس عندما أهدى المرآة للشحاذ المجذوم “إنها ستذكرك أنك تحمل الله في داخلك”، وقولها على لسان الرومي في حديثه داخل الخمارة “حتى إذا كانت علاقتنا جيدة بمدرستنا المحلية أو مسجدنا وتقف عائقاً في طريق اتحادنا مع الله فإنه يتعين علينا حينئذ أن نحطم هذه الارتباطات”.

الدعوة لعدم اتباع النصوص الشرعية أوالتقليل من أهميتها
كنقلها حوار شمس مع قاضي القضاة في بغداد قوله “الشريعة كالشمعة لا يجب التركيز عليها”، وكالقصة المزعومة بين الراعي وموسى عليه السلام وعتاب الله “حاشاه” لموسى عليه السلام لتعليمه الراعي طقوس العبادة وما فيها من تكلف بدل بساطته وجهله، فيقول لموسى عليه السلام “لا تحكم على الطريقة التي يتواصل بها الناس مع الله فلكل امرئ طريقته وصلاته، ليست مناسكنا أوطقوسنا هي ما يجعلنا مؤمنين”.

وكذكر الكاتبة لصلاة عزيز من أجل إيلا وتوجهه إلى شجرة الأماني المعظمة عند شعب موموستينانغو في غواتيمالا.

وكتساؤل الكاتبة على لسان شخصية السكير سليمان :”لماذا حرم الله الخمر في هذه الدنيا ووعد بها في الجنة”.

وكقولها على لسان شمس: “لا يعنيني الحلال والحرام فأنا أفضل أن أطفئ نار جهنم وأن أحرق الجنة حتى يحب الناس الله من أجل الحب الخالص”.

وكقولها أيضاً عن شرب الخمر: “ليشرب من أراد وليمتنع عن الشرب من أرد فلا يحق لنا أن نفرض أساليبنا على الآخرين ولا إكراه في الدين”.

وكقولها على لسان شمس “إن المبادئ والقيود الدينية مهمة لكنها يجب أن لا تتحول إلى محرمات، بهذا الفهم أجرع الخمر التي تعطيني إياها اليوم مؤمناً من كل قلبي بأنه توجد رجاحة عقل ورزانة بعد ثمالة الحب”.

وكقولها: “لا تحاول أن تعظ من بلغوا مرحلة التنوير فهم ليسوا بحاجة إلى توجيه أوإرشاد من شيخ”.

وكقولها: “إنه الصراع بين رجل الدين والصوفي، بين العقل والقلب”.

وكقولها: “مؤمن مضطرب! إذا صام المرء شهر رمضان كله باسم الله، وقدم خروفاً أو عنزة كل عيد ليغفر الله له ذنوبه، وإذا جاهد المرء طوال حياته ليحج إلى بيت الله الحرام في مكة، وإذا سجد خمس مرات كل يوم على سجادة صلاة وليس في قلبه مكان للمحبة فما الفائدة من كل هذا العناء”.

الدعوة لوحدة الأديان
ويظهر ذلك في معرض قولها : “المسيحيين العاديين والمسلمين العاديين يشتركون في أمور أكثر مما يشترك رجال دينهم”، وفي معرض حديثها عن قصة التاجر اليوناني والعربي والفارسي والتركي، كل يصف العنب بلغته  تقول: “فالمسيحيون واليهود والمسلمون يشبهون هؤلاء المسافرين، فبينما يتشاجرون حول الشكل الخارجي فإن الصوفي يبحث عن الجوهر”، وقولها على لسان الرومي: “لست مسيحياً ولا يهودياً ولا مسلماً، لست بوذياً ولا هندوسياً ولا صوفياً ولا من أتباع زن ولا أتبع أي دين أونظام ثقافي، لست من الشرق ولا من الغرب، إن مكاني هو اللامكان أثر اللاأثر”.

التشكيك بأمور الغيب أوالتقليل من أهميتها
كقولها: “لا يكفون عن التفكير أن البشر جميعاً يسرعون على السير يوم القيامة على الصراط الأرفع من الشعرة الأحد من السيف وعندها يسقط المذنبون، أما الذين عاشوا حياة تقية فسيتمكنون من عبور الصراط وسيكافؤون بفاكهة لذيذة ومياه عذبة وحوريات، إن جهنم تقبع هنا، والآن، وكذلك الجنة، لماذا كل هذا القلق مما سيحدث بعد الحياة، مستقبل متخيل”.

تفسيرات غريبة للقرآن
في معرض الكلام عن النساء فسرت قوله تعالى: “واضربوهن” بقولها: وضاجعوهن. وكقولها عن قصة امرأة العزيز وسيدنا يوسف “من يلوم زليخا على شدة رغبتها بيوسف”، وكقولها : “إن الذين يحبون أن يسبحوا بالقرب من سطح الماء يقنعون بالمعنى الظاهري للقرآن وكثيرون ينتمون إلى هذه الفئة”، وهذا يوحي أنها تؤمن بمعنى باطني للقرآن وهذا أمر معروف لدى معظم الطوائف الباطنية، أوغلاة الصوفية.

 إساءة الأدب عند الحديث عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم
كقولها على لسان شمس: “هذا لعب بالله فليس من مهمتنا أن يحكم أحدنا على إيمان الآخر”، وكقولها أيضاً على لسان شمس: “من هو الأعظم برأيك النبي محمد أم الصوفي أبويزيد البسطامي”.

وكقولها: “هل يظن هؤلاء الله بقالاً يزن حسناتنا وسيئاتنا في ميزانين منفصلين هل يظنون أنه يسجل ذنوبنا في دفتر حساباته بدقة حتى نسدد له ما علينا ذات يوم أهذه فكرتهم عن الوحدانية”.

خاتمة
وفي الختام تعتبر هذه القصة دعوة سافرة لوحدة الأديان، وتبشير بوحدة الوجود، وادعاء مذهب الحب كأساس يحكم علاقات الناس بلا استثناء، ونداء للتقليل من أهمية الشرائع والإستهانة بها أو بمن التزم بها “وأظنها هذه الرواية ومثيلاتها مما يروج له ضمن مخطط العولمة الجديد”، وتشكيك بالغيب الذي أخبرنا به الله ورسوله، وتحقير للمؤمنين به.

ورغم أني أتفق مع الكاتبة في أهمية الحب بين العبد وربه وأن الرحمة والتسامح مع الخلق والشفقة عليهم هي مزاج ديننا الحنيف، وأننا غير مكلفين بالجزم للناس بمصيرهم إلى الجنة أم النار، إلا أنني أختلف معها بضرورة انضباط الحب باتباع منهج وفكر وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم”، وأرى أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، فالحب المطلق شر مطلق، فكيف يمكن أن تحب مجرماُ عدواً لله ورسوله وأوليائه الصالحين،  وأرى أن الدين واضح لا باطنية فيه ولا غموض، ولا رموز أو طلاسم، وكل من ولج في معان باطنية خفية غريبة خرج بمذهب باطني منحرف، كما حدث بالفعل على مدار التاريخ الإسلامي،  فالدين جاء سمحاً هيناً ليناً نور فكره ومنهجه وتعاليمه لا تحتاج إلى كثير تعقيد أوتأويل.

أختلف معها بأن شرائع الأديان جاءت لتنظم حياة البشر ولتختبر عبوديتهم لله والتزامهم بأوامره، فما معنى العبودية دون وجود تكاليف، أما هذا الدين الجديد الذي تبشر بها إليف وأمثالها فهو دعوة للتحرر من أي تكاليف شرعية، وما يرافق ذلك من إباحية مطلقة وفساد وقطع للأرحام، ونشر للرذيلة،  مع ادعاء حب الله في القلوب، كذبوا والله لو أحبوه لأطاعوه.

 وأتوقع للأسف رواج هذا الفكر في عصرنا الحاضر، وإمكانية اتساع رقعة أتباعه في المستقبل، بسبب كثرة القتل والعنف والطيش والظلم  بشكل غير مسبوق وخاصة ممن يدعون التزامهم بالأديان السماوية، وكردة فعل لهذا الجنون الدموي ستجد هذه الدعوة الضالة المنحرفة طريقها لكثير من الشباب الحائر المكلوم، وعلى الدعاة المؤمنين المتقين الملتزمين بشرع الله أن ينفضوا هذه الشبهات ويربطوا المسلمين وشبابهم بتعاليم دينهم الحنيف وبروح الدين الإسلامي القائم على الرحمة مع التسليم التام لكل أوامر الله ونواهيه.

* د. فراس الرباط

هل كان العثمانيون محتلين لبلادنا العربية؟

محمد عدنان شيط


عندما كنت صغيراً كانت مادة التاريخ التي تُدرس في بلدي سوريا تحدثنا عن الاحتلال التركي الذي دام 400 عام وعن لواء إسكندرون الذي كان يسمى في هذه الكتب “اللواء السليب” والذي أعطته فرنسا لتركيا في صفقة بينهما وحرمت سوريا منه.

كبرت قليلاً بعد ذلك لأتابع عدداً من المسلسلات السورية التي تتحدث عن ما كانت تسميه “الاحتلال العثماني” وتُصور الأتراك كوحوش بشرية تسرق أقوات الناس وتمتص دماءهم وتجرهم إلى الحروب. ومن تلك المسلسلات كان مسلسل اسمه “إخوة التراب”، ومن شاهده ربما لا ينسى مشهد الإعدامات بأبشع الطرق للهاربين من الجيش العثماني والمنضمين لما سمي بعدها بقوات الثورة العربية الكبرى.

ومنذ مدة أثناء خطبة الجمعة كان الخطيب يتحدث عن العثمانيين، وفي سياق حديثه أشار إلى أنهم لم يكونوا محتلين لبلادنا لتقوم مجموعة من الناس حولي بالرد على الخطيب في منتصف الخطبة وتقول: لا بل كانوا محتلين! وتفاجأت حينها من ردة فعل هؤلاء وتعجبت كثيراً إلى أي حد وصل تفكير بعض المسلمين. ولكن هكذا عملت حكومات ما بعد الاحتلال الأجنبي على تشويه صورة العثمانيين من خلال المناهج الدراسية وكتب التاريخ والمسلسلات، فلم تترك نقيصة أو نقطة سوداء في التاريخ العثماني إلا وسلطت عليها الضوء وأغفلت في المقابل عشرات المحاسن والصفحات البيضاء في تاريخ بني عثمان وسكتت عنها بتجاهل تام ومتعمد لهذا الأمر.

أتاتورك في مكتبه

ما الباعث على تشويه التاريخ العثماني؟
بعد سقوط الخلافة العثمانية على يد مصطفى كمال (أتاتورك)عام 1924، عملت القوى الكبرى على تقسيم تركة “الرجل المريض” حينها بما يرضي أطماعها؛ فأنشأت هذه الدول على أنقاض الخلافة العثمانية مجموعة من الدول العربية قسّمتها على مزاجها ليسهل السيطرة عليها، وعلى إثرها تولى أمر هذه الدول حكومات ذات نزعات قومية عملت على قطع صلة المسلمين بتاريخهم من خلال ربطهم بالفكرة القومية وشجعتهم على الانتماء للأرض وللحدود التي قسمتها الدول الأجنبية على حساب فكرة الانتماء للدين وللرابطة الإسلامية التي كانت ممثلة بالخلافة العثمانية.

ولهذا فأفضل طريقة لإنجاح هذا الأمر هو تشويه التاريخ العثماني بمجمله من خلال بث الأخبار الكاذبة وأخذ المرويات التاريخية الضعيفة والملفقة وحشو كتب التاريخ والمناهج الدراسية بها أو في أحسن الأحوال تسليط الضوء على جوانب معينة في التاريخ العثماني مع التغاضي المتعمد عن الجوانب الأخرى، ولهذا هبت بتشجيع من الحكومات جوقة من الكتّاب العلمانيين والقوميين هاجموا الدولة العثمانية وطعنوا فيها بكل السبل وهدفوا من وراء ذلك أن ينشأ جيل يكره العثمانيين ويصف فترة حكمهم في بلادنا بالاحتلال.


هل التاريخ العثماني ناصع البياض؟

بالطبع لا ولا يقول بهذا عاقل، فكل الدول لها ما لها وعليها ما عليها، وتاريخ دولة بني عثمان كتاريخ أي دولة إسلامية حكمت منطقتنا أو أي منطقة أخرى بعد الخلافة الراشدة لا يخلو من تجاوزات وأخطاء ونقط سوداء وهذه حالة مفهومة في السياق الإنساني.

وخاصة أنه مع طول فترة الابتعاد عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة فإن زاوية الانحراف تأخذ بالاتساع أكثر، كما يشير لهذا كثيراً المؤرخ محمود شاكر عند استعراضه للدول الإسلامية.

ولكن لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نطلق على فترة حكم العثمانيين بالاحتلال العثماني، والحقيقة أننا عندما ننتقد بعض الجوانب في الخلافة العثمانية فنحن ننتقدها من جانب شرعي وليس من جانب التعصب للعروبة أو للطعن في الخلافة الإسلامية بشكل عام، فالعثمانيون لديهم سلبياتهم التي لا نستطيع التفصيل فيها في هذا العجالة، ولكن نمر على أهمها بسرعة مثل عدم الاهتمام باللغة العربية وعدم الاتجاه لتعريب الدولة بشكل عام، وإكثار بعض السلاطين من الزواج من الأجنبيات، وقتل بعض السلاطين لإخوانهم، وعدم التركيز على دعوة أهل البلاد المفتوحة دعوة صحيحة للإسلام مثل بلاد اليونان وشرق أوروبا بالمجمل، والاستمرار بالحكم الوراثي بدلاً من إتباع الشورى التي يدعو لها الإسلام بالإضافة إلى تغليب الجانب العسكري على الجوانب الحضارية، وبعض السلبيات الأخرى، ولكن المنطلق لهذا الحديث عن بعض سلبيات العثمانيين هو منطلق ديني بحت وليس حقداً على الخلافة الإسلامية العثمانية أو رغبة في الطعن فيها تعصباً للعروبة كما بينت.

السلطان العثماني وحيد الدين في لحظة الوداع قبل أن يعين عبد المجيد الثاني في منصب خليفة شكليا ليشهد انهيار الخلافة

صفحات مشرقة في تاريخ العثمانيين
1-وقف العثمانيون سداً منيعاً في وجه غزوات الإسبان والبرتغاليين الاستئصالية على البلاد العربية وخاصة في شبه الجزيرة العربية وشمالي إفريقيا، ودافعوا عن هذه المناطق بكل شجاعة وبسالة.

2-أخّر الحكم العثماني للدول العربية سقوط معظم دولها بإيادي المستعمرين من الإنكليز والفرنسيين والهولنديين وغيرهم، والذين سيطروا في أوقات مبكرة على دول أخرى كالهند وإندونيسيا وماليزيا.

3-فتح العثمانيون القسطنطينية عام 1453 على يد محمد الفاتح -رحمه الله- محققين بذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أورده الإمام أحمد في مسنده “لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش”، وتوسعوا في الفتوحات في شرق أوروبا وطرقوا أبواب فيينا.

4-وقفت الدولة العثمانية سداً منيعاً أمام الدولة الصفوية في الشرق والتي عملت على نشر التشيع في الدول العربية وعدّت الخلافة العثمانية نفسها حامية أهل السنة، فخاضت الحروب العديدة مع الصفويين ودافعت عن العرب السنة وحمت مذهبهم.

5-رغم ضعف الدولة العثمانية في أيامها الأخيرة إلا أنها لم ترضى أن تفرط بأرض فلسطين، وسجل التاريخ بأسطر من ذهب موقف الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني برفضه بيع أي شبر من أرض فلسطين رغم الضعف الداخلي والمغريات المالية الكبيرة التي عُرضت عليه، بينما رأينا بعدها الحكام الرافعين لشعارات القومية والعروبة وما فعلوه من جنايات بحق فلسطين سبقت نكبة 1948 ولم تنته بعدها.

6-وحّدت الدولة العثمانية شعث الدول العربية بعد الهجمات التترية والحملات الصليبية والتي جعلت الدول العربية مستنزفة إلى أقصى حد ومعرضة لكل الأخطار، وشكلت دولة ممتدة الأطراف يهابها الشرق والغرب على عكس ما حدث بعد الخلافة العثمانية من تفرق وتقسيم لكل الدول العربية.

 في النهاية، يبقى الحكم الأخير على الخلافة العثمانية وفترة حكمها للبلاد العربية مرتبطاً بمرجعية من يقوم بهذه العملية. فأصحاب المرجعية الإسلامية يعدّون الخلافة العثمانية امتدادا للخلافة الإٍسلامية، ويجدون في هذه الفترة الكثير من الصفحات المشرقة، ويرون في هذه الخلافة حتى في آخر فتراتها -رغم الضعف- عاملاً يمكن أن يكون موحداً وجامعاً للمسلمين ورادعاً لأعدائهم. بينما أصحاب الاتجاهات القومية والعلمانية فينظرون إلى تاريخ الخلافة العثمانية وحكمها للبلاد العربية بمناظير سايكس بيكو ونشوء الدولة الحديثة، ولهذا يعدّون هذه الخلافة احتلالاً للبلاد العربية وهذا ما حاولوا أن يروجوه ويزرعوه بين الناس.

لكن المنصف أقل الإنصاف يعلم أنه لا مجال للمقارنة أصلاً بين الاحتلالات الأجنبية للبلاد العربية وما فعلته من إجرام وإبادات وقتل ونهب للثروات بما لا تتسع صفحات مئات الكتب من تدوينه، وبين الخلافة العثمانية وفترة حكمها للبلدان العربية التي تحدثنا بعجالة عن بعض صفحاتها المشرقة وأقلها حماية بلاد العرب.

ومن يدري ربما لولا نشوء الخلافة العثمانية وتوحيدها للبلاد العربية تحت رايتها -كسبب رئيسي- لحدث لبعض سكان هذه البلاد العربية ما حدث للهنود الحمر، وهذا الكلام لا مبالغة فيه لأنه في نفس الوقت الذي كان يباد فيه الهنود الحمر وسكان أمريكا الوسطى والجنوبية كانت الخلافة العثمانية تشكل قوة عظمى في وجه تلك الهجمة الأوربية لاحتلال ما تصل إليه من أراض وتبيد على إثرها سكانها. فهل بعد هذا نتنكر لحقائق التاريخ فنظلم العثمانيين ونسميهم احتلالاً؟


مصادر

أحمد آق كوندز وسعيد أوزتورك، الدولة العثمانية المجهولة 303 سؤال وجواب توضح حقائق غائبة عن الدولة العثمانية.

محمود شاكر، التاريخ الإسلامي، المجلد الثامن، العهد العثماني.

عماد الدين خليل، مدخل إلى التاريخ الإسلامي.

 

 

مارتن لوثر الإسلام

حسام شاكر


مَن سيكون “مارتن لوثر الإسلام” يا ترى؟ هو سؤال تنشغل به خطابات توحي بأنّ “لوثرية الإسلام” حتمية تاريخية قادمة لا محالة. تبلغ الحماسة ببعضهم حد تحديد اسم ذلك المسلم الموعود، الذي سيخوض معركة الإصلاح الديني وسيربحها أيضاً، فيجعلون ممن يستوقفهم أو يروق لهم من “الناقدين” أو “الإصلاحيين” المسلمين؛ حامل لقب لوثري محتملاً، على طريقة الألماني مارتن لوثر، الذي يقع هذه الأيام الاحتفال بانطلاق إصلاحاته قبل نصف ألفية.

لوثرية الإسلام
تشي مقولة “لوثرية الإسلام” بنزعة مركزية أوروبية فاقعة، فهي تتخذ من التجربة التاريخية الأوروبية نموذجاً للسياق الإسلامي الذي يقع تجريده من توقّع القدرة الذاتية على التجديد المتلاحق، وفق حتمية لوثرية لا فكاك منها تقريباً في تلك الخطابات، دون أن يوحي القوم باعتراضات على هذا المنحى التعسفي.

وفيرة هي العناوين الصحفية والتعليقات الإعلامية والمقالات والكتب في أوروبا التي استشرفت الآتي ومنحت ذاتها حق اقتراح اسم هذا الذي سيحظى بلقب “مارتن لوثر الإسلام”. تزايَد التلويح بهذا الوصف في مواقف وتعليقات وأعمال أوروبية متكاثرة منذ منعطف الحادي عشر من (سبتمبر/أيلول) 2001، عندما تفاقم النظر إلى الدين الإسلامي في أوساط أوروبية وغربية على أنه خطر وتهديد، أو مشكلة بشكل أو بآخر. لم تتواضع بعض الوجوه المسلمة التي تم خلع اللقب عليها من أحدهم في أوروبا، بل طارت به وتحدّثت به بفخر على الملأ، واعتبرته شهادة استحقاق وجدارة من “أوروبا والغرب”. ومن المفهوم أن يمنح البريق اللوثري حافزاً لعدد أوفر ممن يخوضون “مراجعات تجديدية” و”مقاربات إصلاحية” ضمن النطاقات المسلمة. وإن استبعد أولئك مسألة “المهدي المنتظر” فإنهم بمقولة “مارتن لوثر الإسلام” يضعون “المهدوية” في عباءة “اللوثرية” تقريباً.

من القسط القول إنّ السمات الإنسانية العامة حاضرة في التجربة اللوثرية، فهي تتجلى مثلاً بميلاد الأفكار الإصلاحية وكيفيات استقبالها ومقاومتها وتفاعلاتها ومآلاتها وعواقب تطبيقاتها المتعددة. لكنّ ذلك على قيمته المُلهِمة وعظاته الوفيرة لا يقضي بإغفال أنّ “اللوثرية” هي تجربة أوروبية أساساً، بل ألمانية ابتداء على وجه التحديد، وأنها ابنة العصر الوسيط المتأخر والتجربة الكنسية، وأنّ مقاربتها الدينية موجهة ضد السلطة الاستغلالية في الأساس متمثلة بكهنوت روما، فهي من هذا الوجه ثورة ضد سلطة مهيمنة وليست مجرد مراجعات دينية في الأروقة أو تنظير على المنابر. وإن تجاهلت نزعة البحث عن “مارتن لوثر الإسلام” هذه الحقيقة فإنها تقود بالتالي إلى استنتاجات مضللة للغاية بالمنظور المنهجي.

فالإسلام لا يقوم على نظام كهنوتي في الأصل، وإن لم تغب عن واقع المسلمين حالات سلطوية غير مرئية تحاكي الكهنوت وقد تباشر تنصيبه رسمياً تحت ستار مقولات مثل ولاية الفقيه أو ولاية الأمر، أو بالمبالغة في تعظيم العلماء والشطط في النزعة المشيخية، علاوة على سطوة تقاليد وتأويلات غير سوية على النص الديني المرجعي.

يبدو واضحاً أنّ كهنوت روما في زمن لوثر وفي السياق الألماني بوضوح، استعمل سلطة الحكم وهيْمن عليها، بينما يشهد واقع العالم الإسلامي اليوم علاقة معاكسة تقريباً في كثير من أرجائه المركزية، فسلطة النظام تستعمل الدين بطرق فظة ولو من وراء ستار، ولا تتوانى عن التحكم الشامل بالمرجعيات العلمية والمشيخية وبمواقع الفتوى والإرشاد وباحتواء الفضاء الديني ورموزه عموماً. ويُضاف إلى ذلك تضافر قدرات التحكم الأوروبية والأمريكية بالوجهة الدينية في العالم الإسلامي، كما يتجلى بوضوح منذ عهد بوش الابن وحتى عهد ترامب علاوة على الجهود الأوروبية المتعددة في هذا السياق. والحديث في هذا الصدد يدور حول “حرب أفكار” تتسارع عواصفها وتتلاطم أمواجها تحت مقولات مثل “مكافحة الإرهاب والتطرف” و”تجديد الخطاب الديني” و”المراجعات”، و”تصحيح الفهم”، وإن لم تشمل جميع ما يأتي تحت هذه العناوين بالطبع.

وللتقمص اللوثري مفارقاته التي تبلغ مبلغها لدى حالمين بانتزاع لقب “مارتن لوثر الإسلام” في عاجل الأمر أو آجله، إذ يرتمي بعضهم في أحضان سلطات مهيمنة ويأكلون على موائد الاستبداد المتخمة ويظهرون على شاشاته الملونة، دون الكف عن إطلاق مقولات إصلاح الدين وتجديده “بشجاعة” وخوض المراجعات “الجريئة” بلا تردد. ثم يتضعضع هؤلاء ويظهرون للعيان في منتهى الجبن والخوار والمداهنة إزاء سلطة النظام؛ الذي يمضي في اكتساح المجال الديني على طريقة لا تبتعد في روحها عن نهج البابا ليو وطغمة الاستبداد الديني التي تصدى لها لوثر قبل خمسمائة سنة.

سطوة المركزية الأوروبية
لا يُبصِر الباحثون في أوروبا عن “مارتن لوثر الإسلام” مخزون التجديد الكامن في هذا الدين، ولا يطيب لهم الاعتراف بحقيقة تحرّر النص الإسلامي المرجعي من الهياكل السلطوية؛ وإن تَضافَر حوله تحريفُ الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

عكف لوثر على تمكين الجمهور من قراءة النص عبر الترجمة عن لغة الكنيسة الرسمية، لكنّ المسلمين المتجاوزين في الأصل للوسيط الكهنوتي تحرروا ابتداء من هذا العائق إلى درجة يستسهل بها بعضهم الإقدام على التأويل وحتى الفتوى بلا ضوابط منهجية، وهي حالة يَصعُب تصوّرها حتى في البروتستانتية التي بعثها لوثر.

وما يجري في أوروبا منذ مطلع القرن الحادي والعشرين مع الملف الديني الإسلامي يسير في الواقع باتجاه محاولة إنتاج حالة من التقنين والمأسسة والهيكلة، التي تسعى لتجاوز ما تُعتَبر “مشكلة” عدم وجود كنيسة في الإسلام. وتتصاعد الشكاوى في الأقاليم الأوروبية من أنّ مواقع الإمامة والخطابة والإرشاد الديني الإسلامي منعتقة من ضوابط واشتراطات يفرضها الانخراط في السلك الديني الرسمي كما عليه الحال في الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية ومعظم البروتستانتية. فما الذي ستقدمه التجربة اللوثرية في هذا السياق الإسلامي المنعتق أساساً من البابوية والكهنوتية والتراتبية اللاهوتية؟

وإن منح لوثر جمهوره ألوان الحياة وروح السعادة وفتح باب الزواج للمنخرطين في السلك الديني؛ فما بوسعه أن يمنح المسلمين من هذا المتحقق لديهم ابتداء؟ إنه غيض من فيض التساؤلات التي يجدر إثارتها إزاء مقولة “لوثرية الإسلام” التي تجنح إلى إسقاط الماضي الكنسي الأوروبي على المستقبل الإسلامي، وقد يُفهَم ضمناً من بعض الخطابات أنّ التجربة الغربية بلغت بالتاريخ نهايته وأنها مستغنية اليوم عن المقاربات الإصلاحية الجوهرية، رغم الاختلالات الجسيمة التي تنتصب في حقول شتى في واقع التطبيق البشري المتمحور حول التجارب الأوروبية – الغربية.

وإذ يخلب البريق اللوثري الأنظار؛ فإنّ منحى التقمص لا تستوقفه تساؤلات مشروعة؛ مثلاً عن ضراوة المخاضات التي ستترافق مع “اللوثرية الإسلامية” إياها، وهل يُرجى لهذا الإصلاح أن يُنعش نهضة مجتمعية واقتصادية وسياسية تحاكي تجربة أوروبا الاستعمارية وتزاحمها في التوسع الاقتصادي والصناعي والإنتاجي والسياسي والاستراتيجي ضمن عالم الحاضر والمستقبل؟ أم أنّ غاية المطلوب لدى بعضهم لا تتعدى تفكيك الإسلام ببريق الشعار اللوثري وإخضاعه لقراءات أوروبية يقع إسقاطها عليه دون أن يقوى على المنافسة في عالم متنوع؟ وهل يأمل القوم حقاً من مقولة “اللوثرية الإسلامية” أن يُتاح التوسع في نشر المصاحف الشريفة حول العالم بألسن الأمم جميعاً لتناهز “الكتاب المقدس” الذي هو أوسع الكتب طباعة ونشراً وتوزيعاً بفضل اللوثرية أساساً؟

السياقات اللوثرية ومآلاتها
يبقى الانشداد إلى تجربة مارتن لوثر (1483 – 1546) مفهوماً، خاصة في الذكرى مرور خمسمائة سنة على عريضته التي غيّرت وجه أوروبا وتركت تفاعلاتها وتأثيراتها وبصماتها حاضرة في العالم. تقول الرواية إنّ اللاهوتي الألماني الشاب عمد يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 1517 إلى تثبيت وثيقة من 95 بنداً بالمطرقة على باب كنيسة القصر في فيتنبرغ الألمانية، فأوجعت طرقاته روما الرازحة تحت غطرسة البابا ليو، الذي أعماه الجشع المادي عن تعاليم المسيح عليه السلام.

لكنّ فهم الرواج الذي تحقق لحركة الإصلاح هذه لن يتحقق دون إدراك سياقاتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولا يصح النظر إلى شجاعة لوثر بمعزل عن حفاوة الجمهور المحلي بأفكاره المركزة التي صبّها في عريضته ورسائله.

قاد لوثر ثورة عارمة بقوة الأفكار التي لامست حاجات قائمة أساساً في مجتمعات أوروبا التي أخضعها الاتجار البشع بالدين، وأثقلتها الطقوس الجوفاء، واستغرقت في التبرّك شبه الوثني بعظام القديسين على حساب روح الإيمان والتعاليم. ظهر لوثر في مجتمعات شاحبة تستعذب الفقر والفاقة والحرمان وتدفع بعصارة قوتها إلى كهنوت روما المنشغلة بمراكمة الثروة وتشييد البنيان الشكلية من بيع صكوك الغفران ونشر ثقافة التعاويذ.

سدّد لوثر ضربات موجعة للكنيسة، حتى خلال محاكمته المشهودة التي خرج منها منتصراً، وأنجز نقلة جوهرية بتحرير الوعي الديني من ربقة الكنيسة إلى نص “الكتاب المقدس” مباشرة، رغم أنّ ترجمته الخاطفة للنص ليس بوسعها أن تبرأ من التحيزات التي هي سلطة ضمنية، وإن حرَم الكهنوتَ الكاثوليكي بذلك احتكار سلطة تأويله. أقدم لوثر على خطوة جسورة لتمكين الجماهير من فهم “النص المقدس” بأن أنجز ترجمة “العهدين القديم والجديد” من اليونانية إلى الألمانية، وتجنّدت المطبعة المبتكرة آنذاك في خندق لوثر وأسعفته في ��لذيوع الجماهيري.

تقوم النزعة اللوثرية لدى بعضهم على تقمّص أجوف لتجربة مارتن لوثر، مع منظور سطحي لها غالباً يتجاهل سياقاتها وملابساتها ويغفل عن أوجه قصورها المحتملة أيضاً

تحدّى لوثر الكنيسة وجها لوجه، لكنه أتاح للدين فرصة البقاء ضمن حضور متجدد مؤهل للعبور إلى العصر الحديث والتعايش مع الحداثة أو حتى تهيئة الأجواء لبعض شروطها، مثل الحرية والديمقراطية ومقولة الامتثال للضمير التي ألحّ عليها، علاوة على تأثيراته المتعددة في الكاثوليكية ذاتها وإن لم يقع الاعتراف بها.

لم يكن ذلك إصلاحاً في النطاق اللاهوتي وحده، بل هي بالأحرى ثورة مجتمعية واقتصادية وسياسية تحققت لأوروبا التي انعطفت إلى زمن جديد بفعل جملة من العوامل والمتغيرات التي لم تقتصر على اللوثرية. وقد اتسع تأثير هذه الحركة الإصلاحية حتى تجاوز أتباع كنائسها المتعددة اليوم نصف مليار إنسان، لكنّ انتشارها العالمي لم يأتِ فقط بقوة الأفكار والتعاليم بل تحقق عبر تفاعلات الواقع وملابساته، بما فيها التوسع الاستعماري مثلاً. ومن الإنصاف القول إنّ مارتن لوثر قدح شرارة الإصلاح تلك، لكنّ الافتتان بتجربته يصرف النظر عادة عن ثغراتها ومآلاتها التي لم تكن وردية تماماً، ويجوز الافتراض بأنه إصلاح لم يكتمل إذ بقي وفياً للإطار العام للتقليد الكنسي في كثير من سماته.

دشّن لوثر مسيرته الإصلاحية بتعليق عريضته الشهيرة المشتملة على 95 نقطة موجزة، ولو جاءت في زماننا لما تردد في إطلاقها عبر حزمة تغريدات في “تويتر”، وستحظى على الأرجح بوفرة من الإعجابات وإعادة التغريد أسوة بشغف الجماهير حول كنيسة فيتنبرغ بالبنود الثورية التي علّقها.

لكنّ عريضة لوثر ينبغي عليها اليوم قبل أن تقارع سلطة الكهنوت أن تقود حركة إصلاح في منظومة الحداثة التي وقع تحنيط قيمها ومقولاتها واستغلال قدراتها المتراكمة بأساليب ذات وقع مدمر على الإنسان والعالم. سيكون على مارتن خوض نضال جديد للتبرؤ من مسالك وتقاليد وممارسات تذرعت بالبروتستانتية أيضاً خلال ضلوعها في التمدد الاستعماري والمشروع الصهيوني والتفرقة العنصرية والحمى النازية والجشع الرأسمالي وصور متعددة من الشرور، التي لا تنفي الوجوه الإيجابية التي دفعت بها أيضاً وإن لم تكن مكتملة.

تقوم النزعة اللوثرية لدى بعضهم على تقمّص أجوف لتجربة مارتن لوثر، مع منظور سطحي لها غالباً يتجاهل سياقاتها وملابساتها ويغفل عن أوجه قصورها المحتملة أيضاً. إنها نزعة تستدرج أصحابها إلى الوقوع في قبضة المحاكاة الرمزية لتجربة تنتمي في الواقع إلى ذيول العصر الأوروبي الوسيط، وإن ظلت دروسها وعظاتها شاخصة للمتأملين حتى اليوم، ضمن رصيد التجارب البشرية التي ما زالت تتراكم وتتفاعل.