مقالات

أمسكْ عليك لسانك

إن الأمور التي تثير عجب الإنسان في هذه الدنيا كثيرة، ولكن أعجب العجب هو كيف لقطعة لحم صغيرة لا يتجاوز طولها بضع سنتمترات قليلة، تتحرك حركاتٍ محدودة، قد تفرق بين المرء وزوجه، وتطرد مُعيلاً من عمله، وتفسد على الإخوة علاقتهما، وعلى الأصدقاء ودّهم، ولا تقتصر في خطورتها على ذلك، بل تتعداها إلى أن تكسر خاطراً وتدمر مستقبلاً.

هذه النتائج الكارثية كلها لم تكن بسبب سلاح نووي قد انفجر، أو كيماوي قد انتشر، بل بفعل لسان لم يكن في قلب صاحبه رادعٌ يمنعه من أن يخوض فيما لا علاقة له به، ولا طائل له من ورائه.

مخاطر اللسان
رغم أن اللسان لا يملك قدرات اليد والرجل في البطش، إلا أن جزءًا عظيمًا من كبائر الذنوب مرتبط به، بدءاً من الكذب الذي يخدع به الإنسان غيره بعد أن كان مصدقا له واثقاً به، فيضلله ويبعده عن الصواب، وقد يؤدي ذلك لأن يفقد الذي كُذب عليه الثقة في جميع من حوله.

وكذلك من كوارث اللسان شهادة الزور، تلك الشهادة التي تقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، وتجعل أناساً ينامون باكين، وقد ظُلموا ونزعت حقوقهم من بين أيديهم، وآخرين ينامون وقد أكلوا حقاً سيوردهم المهالك يوم القيامة.

وإليك كارثة أخرى، وهي الغيبة التي يمحو بها المغتاب صوراً جميلة منطبعة في قلوبنا لأناس لم نتعامل معهم، ذاكراً لنا نقائصهم وعثراتهم، وقد طُبِعنا جميعاً على النقائص والعيوب، فإن فشت الغيبة بيننا فلن يصافح أحد أحداً، إذ يصبح حينها في قلب كل واحد منا شيء على صاحبه، وما وقر في القلب يصعب محوه.

أمسك اللسان عن الغيبة

كلّ ذلك ولم نذكر هادمة العلاقات وممزقة الروابط، التي ما إن تقع في قلوبنا حتى تقلب صفاءها كدراً، وتصيّر نقاءها قذراً، ألا وهي النميمة التي تنثر البغض والكره في المجتمع نثراً، فلا تقتصر على أفراد هنا وهناك بل تتعداهم إلى الأسرة ولا تقف عندها بل تتوسع وتتغلغل في المجتمع ملقيةً بظلالها عليه، إذ لا يسمع اللسان كلمةً قد قالها أخ عن أخيه ساعة حزن أو غضب أو مزاح حتى يوصلها ذاك النمّام، مُوقِعاً خلافاً بل وربما قطيعةً بين أخوين أو صاحبين، ما كان لها أن تحدث لو أنه سمع تلك الكلمة فوقفت عنده.

وأقول يسمع اللسان لا الأذن لأصف لكم حال ذاك النمام الذي لا يكاد يسمع الكلمة حتى يجريها على لسانه فكأنه إنما سمعها بلسانه لا بأذنه! وقد جاء هذا التعبير في القرآن الكريم عندما قال الله عز وجل: {إذ تلقونه بألسنتكم} مبيناً حال المنافقين الذين ما إن سمعوا طعناً بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها زوجة الرسول عليه الصلاة والسلام حتى نشروا ذاك الخبر في كل مجلس.

ونبدأ من حيث انتهينا، فذلك الفعل الوضيع الذي من شأنه أن يشوه سمعة تلك الفتاة الطاهرة العفيفة، ويجعلها باكيةً ليلها ونهارها لا يجف لها دمع ولا يهدأ لها بال، كل ذلك بسبب مريض حاقد قد أخذ على عاتقه ألا يوفر مجلساً إلا ويقعد فيه طاعناً بتلك الفتاة، فذلك هو قذف المحصنات، والذي لا يحزن ويضر تلك الشريفة وحدها بل يصيب أبويها وأخوتها بهمٍّ وغمٍّ لا يعلم بقدرهما إلا الله، وإن كانت قد تعرضت أم المؤمنين لهذه المحنة أياماً وليالٍ فعانت خلالها ما عانت، فنزل الوحي معلناً براءتها قاطعاً ألسنة الذين طعنوا بها، فمن يبرئ اليوم فتياتٍ طاهراتٍ قد وقع ذئاب في أعراضهن وقد ولى زمن الوحي وانقطع.

تظاهر اللسان بغير واقع الحال
إليك حالةً قد كثرت وانتشرت في يومنا هذا، ألا وهي ذاك الذي لا يعرف شروط الصلاة من أركانها، ولا يحفظ من القرآن إلا السور القصار القلائل، ويمر على السور الطوال فلا يفهم منها إلا القليل النادر، فيجهل من الدين أكثر مما يعلم، ومع ذلك فيريد هذا الناشئ أن يعطي رأيه في هذا العالِم وأن يبين للناس مدى نفاقه! وأن يفسر هذا الحديث على هواه وتلك الآية وفق “بصيرته”! وأن يأخذ بهذا الحديث ويضرب بذاك الحديث عرض الحائط، وأن يأخذ طرفاً من هذا الدين ويلقي بطرف آخر، ولو أنه كف لسانه، وجلس فتعلم قبل أن يتكلم، وأنصت قبل أن يعظ، وفقه قبل أن يهذي بما لا يعقل، لكان خيراً له من أن يسلك طريقاً آخره جهنم إن لم يدركهٍ الله برحمته.

قد نعيش عمراً طويلاً، يصل إلى الثمانين أو التسعين عاماً، فننسى ما يشاء الله لنا أن ننسى، إذ تضيق مساحة التذكر وتتسع مساحة النسيان، ومع ذلك فإنه ثمة كلمة قد قالها غريب وعبر، لكنها ما تزال محفورةً في ذاكرتنا لا تغادرها إلا حين نصبح تحت الثرى، وقد تكون كلمةً لطيفةً قد أنعشت بنا آمالاً وأحلاماً وقتها أو تكون كلمةً قبيحةً قد فتحت في قلوبنا جراحاً وأماتت بنا أحلاماً، وقد نكون سامحناه عليها إلا أنها لم تشأ الفكاك عن عقولنا.

ذلك أثر الكلمة على الإنسان، الكلمة التي لا يتطلّب النطق بها من الوقت إلا بضع ثوانٍ، فتخرج صوتاً ما إن يسمعه أحدهم حتى تحييه أو تميته، فإن أحيت أحداً فهنيئاً له ذاك المعروف، وإن أماتت أحداً، فسوف يلقى قائلها الله، وعند ملك الملوك تجتمع الخصوم، ولكان خيراً له حينها أن يكون أبكماً لا يقدر على النطق من أن يؤذي غيره أذىً لا شفاء منه، ولكان أجدر به وبكل من وقعوا في ذنوب اللسان لو سمعوا نصيحة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام التي ليست بطول الجرائد والمعلقات بل لا تتجاوز ثلاث كلمات ألا وهي: “…أمسِك عليك لسانك” [أخرجه الترمذي في السنن]

 

اسلُك طريقًا تلتمس فيه علمًا

يتّضح للقاصي والداني عظمة الدين الإسلامي ورفعته وأنه دين الحق كما أنه دين الخلق جميعاً، بأن يفرغ ذاك الباحث عن الحق قلبه من ميوله السابق وأن يكون موضوعياً صادقاً مع نفسه أولاً ثم مع الآخرين ثانياً، ثم يقبل على نصوص الله عز وجل وأحاديث رسوله عليه الصلاة والسلام دارساً لها، مقارناً ومقارباً بينها، هادفاً إلى معرفة صلاحيتها لأن تنهض بالبشر وتقومهم وتخرجهم من الظلمات إلى النور.

ولا يكون الباحث عن الحق صادقاً في بحثه إن أخذ عن الإسلام حكماً مسبقاً بأنه دين الجهل أو دين العنف أو دين التخلف أو ما شابه، لأن حكمه المسبق هذا سيؤدي به إلى أن يحرّف أو يؤول الأحاديث النبوية والآيات القرآنية على هواه وإن كان هواه يقتضي تأويلاً لا يعقل أن تؤول به!

الحق في البحث عن الحق
زعم بعض الباحثون أنهم يريدون الحق ولا شيء سواه، ثم شقوا طريقهم في دراسة الإسلام وعلومه، فأخذوا ببعض الأحاديث الشريفة ثم رموا بعضها الآخر وراء ظهورهم! ولا يصلح ذلك ولا تتحقق هداية به، إذ إنما تدرس أحاديث الباب الواحد دراسةً شاملة، ولا يؤخذ إلا بها جميعا ثم يجمع الباحث بينها ليصدر حكمه على أساس ذلك.

وقد زعم باحثون آخرون بحثهم عن الحق، ولكنهم لم يريدوا على وجه الواقع سوى البحث عن العثرات وعن النقائص وعن الشبه المتوهم وجودها في هذا الدين، ليثيروها فيشككوا المسلمين في دينهم، ظانين أنهم قادرون على أن يواجهوا ديناً وقفت في وجهه مختلَف التيارات والاتجاهات الفكرية الرافضة لتعاليمه، فذهبت أدراج الرياح وبقي قرآن الله كما نزل، وما ذلك إلا لأن الله عز وجل تعهد بحمايته من الأفكار الضالة أن تدخله وذلك بحفظ كتابه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.

فكان منهج هؤلاء الباحثين عن الشبه ليثيروها، أن ينشروا أحاديثاً مدّعين أنها من الدين وما هي من الدين بشيء، كتلك الموضوعة أو المكذوبة، أو أن ينشروا بأحسن الأحوال أحاديثاً صحيحةً ولكنهم يفسرونها تفسيراً لم يفسره أحد من الصحابة أو التابعين أو العلماء وإنما هو تفسير قد أملاه عليهم هواهم.

طلب العلم والسؤال
إن الإسلام دين العلم والمعرفة لا دين الجهل والتخلف، إذ يحث أتباعه وغيرهم على البحث والنظر والتفكر لا أن يعطلوا عقولهم وقلوبهم، ففي الوقت الذي يخبرنا الله عز وجل في كتابه عن نفسه وعن حقيقة الدنيا والآخرة، وعن حقيقة الجنة والنار، وعن هذا الدين وأحكامه، فإنه لا يشغله ذلك عن أن يثير بينها أسئلةً داعياً الباحثين عن الحق إلى التفكر بها قائلاً:

{أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون؟} [الطور: 35]

وهذا مثالٌ عن سؤالٍ أثاره القرآن الكريم، ورغم عدد كلماته القليلة إلا أن الله عز وجل قد قدّم من خلاله سؤالاً جوهرياً يفضي جوابه إلى معرفة أن الله هو الخالق القاهر فوق عباده، فهل يعقل أن الإنسان بتعقيدات جسده قد خلق من غير شيء؟ إننا لا نصدق أحداً قد قال لنا أن كرسياً من الخشب قد صنع من غير صانع، أفيعقل أن نقبل على أنفسنا تصديق وجودنا من غير خالق؟! أم يعقل أن الإنسان الذي لا يقدر على أن يخلق ذبابةً أن يدّعي أنه هو الخالق؟!

طلب العلم طريق الجنة
لقد حثنا الله عز وجل في كتابه على التفكر في خلق السموات والأرض، وأمرنا بأن نطلب العلم، إذ لا يمكن أن يعقل الإنسان ويفهم إلا بالعلم، لا أن يصم أذنيه ويعمي بصره وقلبه عن الحق الذي يكاد يحاط به من كل جانب إن لم يصرف هو نفسه عنه، وقد انتهجت السنة النبوية نهج القرآن ذاته، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة) [متفق عليه]

والعلم المقصود بالحديث هو العلم المراد به وجه الله، إذ إنّما الأعمال بالنيات وإن لكل امرئ ما نوى، وكذلك هو العلم الذي جرّد الباحث عنه نفسه من جميع أهوائها وميولها طالباً الحق وحده ولا شيء سواه، فكان أن ثمن ذلك الجنة! وما أعظمه من ثمن، وما أعظمه من دين!

طريق علم

إنه ليهون على الإنسان كل شيء في هذه الدنيا عندما يعرف أن المقابل الجنة، وأن يُكافئ الإنسان بالجنة لسلوكه طريق العلم فإن ذلك شأن عظيم، إذ بينما يدرس ذاك الطالب ويتعب ويكد ويسهر فإن الحسنات تنزل عليه، ويرضى الله عنه لما يقوم به من جهد وصبر، وإن من شعر بذلك وآمن به فإن مشقات العلم والبحث والدراسة كلها لتصبح هينةً على قلبه إذ إنما عقبى ذلك الجنة!

الجنة التي يدفع أقوام في سبيلها أرواحهم، فيهجرون أهلهم وأوطانهم، حاملين معهم كل ما جمعوا من أموالٍ ليضعوها وأنفسهم في سبيل الذب والدفاع عن الإسلام دين الحق، فيجاهدون أقواماً قد ضلوا وأضلوا كثيراً من الخلق، فلا يرجعون من ذلك إلا بإحدى الحسنين: الشهادة أو النصر.

كما دفعت الجنة أقوامًا آخرون -وهم من الذين قصدهم الحديث الشريف- في أن يسعوا في ليلهم ونهارهم على تعلم لغة القرآن الكريم، فيحثوا ألسنتهم على إتقان اللغة العربية والنطق بها نطقاً صحيحاً من مخارج حروفها السليمة، فيتعثرون حيناً وينجحون حيناً آخراً، ولا يدفعهم إلى تعلمها سوى رغبتهم في أن يصبحوا من أهل القرآن وخاصته، راجين أن يكونوا من الذين قد سلكوا طريق العلم فكانت عاقبتهم الجنة يوم القيامة.

دعاوى كبيرة في قوالب جاهزة

ليس ثمة شيء أصعب من أن تعاني عمرك كله في عقدة نقصٍ تذكَر كلما ذُكِرتَ! هذا ما يمكن الإشارة إليه بشكل عابر، إلا أن المراد من ذلك التعريج على العقدة التي تلازم عامة المسلمين حتى أصبحوا يعانون ممّا يسمّى “عقدة الإسلام”، فصار لزامًا عليهم أن يعملوا على تلميع صورتهم في كل محفل ولقاء.

هذا التشكيك الذي نعيش حملاته علينا داخليًّا وخارجيًّا دفع كثيرًا من المسلمين لأن يغفلوا عن كمال الشريعة التي جاء بها الإسلام، واندفعوا يشككون بجدوى الدعوة له أو التديّن به، لقد ابتعدوا عن أن يكون أعزة بدين الله.

الطريق للتخلص من القوالب الجاهزة
لن يكون غريبًا أن نسمع بشكل شبه يومي قواعد تردُ على ألسنة الناس وقنوات الإعلام وصفحات التواصل، تختزل الدين وتعاليمه ضمن مسمّيات منفّرة، فأضحت الشرائع التي تهدف إلى حماية المرأة –مثلاً- ضغطاً وتحكماً، وكذلك صار قول الحق أو حكم الشرع بشيء معين تطرفًا أو عنفًا وشرًّا وقسرًا على شيء ما.

في حقيقة الإمر فإننا بحاجة ماسة إلى النظر في ديننا بعيون مختلفة وربما استخدام عدسات مناسبة تعزز الرؤية وتقلّص التشويش الحاصل، وكما أخبرنا رسولنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم، فإنّ الحلال بيّن والحرام بيّن، وإننا مطالبون أمام الله سبحانه بتحرّي الدقة والصواب عند كل تصرّف ومع رفّة كلّ جفن، فنحاكم الأمور بما يناسب أمر الله، ونسأل أنفسنا: أهذا يرضي الله أم يغضبه؟

هذا يقودنا إلى ضرورة سؤال أهل الذكر وحتمية الحاجة إليهم في كل عصر، والطريق لذلك يكون بأن نتحرى أقوال الفقهاء وإجماعهم في المسائل وألّا نتخَطَّف الشاذ منها لمصلحة أو هدف، وألا نخشى إلا الله ربنا في ذلك، فنرمي حملنا عليهم ونتوكل على الله ونفوض إليه أمورنا كلها، فيكون أي ذنب اقترفوه أو تسبّبوا لنا فيه أوزاراً يحملونها يوم القيامة، لكننا على الأقل نحافظُ على وحدة أمرنا ونتجنب شتات الحال.

فهم الإسلام طريقٌ للدفاع عنه
علينا أن نكون على يقين بأنه لا وجود للتناقض بين واجبات المسلمين وبين التعايش مع بقية الناس فوق أرض واحدة، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب أصيل في كل وقت ومكان مهما اختلفت العصور، إلى أن نلقى الله وأحدنا قابض على دينه كالقابض على جمرة حين يكثر اللغط والخبث والفساد وتصبح معرفة الحق منوطة بصاحب الفراسة والبصيرة.

سنجد دوماً أشخاصاً –بالأمس واليوم وغداً وفي المستقبل- يفكرون بطريقة مختلفة منبثقة من حيث لا ندري، وستتسبّب أفكارهم بتشكيكنا حتى بأنفسنا ومبادئنا وتمسكنا بشريعة ربنا، وسنصل إلى وقت يكون فيه أكثر أهل الأرض متبعين لأهوائهم وأمزجتهم.

بالنسبة لي –على الأقل- فالحل السحري هو في جلسة تصالح مع نفسي، بصحبة ورقة أكتب فيها، ترى لماذا أشعر بالحرج من النقطة الفلانية أو أتجنب الاستماع إلى الشيخ الفلاني.

اتبع ذلك، ستجد بكل بساطة أنك تعاني من سيطرة فكرتين أو ثلاث على عقلك، بحيث يجعلونك في موقف عداء وتوتر مع دينك كلما ذكرت تلك النقاط، والحل في أن تتحرى كل قضية تسبب لك توتُّرًا بصدق، وأن تبحث عن الحق لتعرفه وتقف عنده، وأن تسأل وتستفتي العلماء والفقهاء للوصول إلى الحق، وأن تعاهد نفسك على قبول نتائج بحثك كما هي دون أن تسمح لنفسك بالخلط بين تقصير الدولة مثلاً أو القضاء، وبين تشريعات الله العادلة.

قد نقول مما يشتهر على اللسان بين الأوساط العامة “يضيع حق المرأة إذا طُلِّقَت أو مات زوجها”، والسبب ليس له علاقة بالدين وإنما أشياء أخرى كقصور القوانين القضائية أو تلاعب القضاة والرِّشَى.

لكن تعاليم ديننا توضّح أن المرأة تتربّع على هرم المجتمع والأسرة وهي حجر أساس في كل مشاريع الحياة، فالشريعة الربانية تحوي خلاصة قِيَم العدل؛ إلا أن فكر كثير من الناس –للأسف- قد تلوّث وتأثر بمشوشات خارجية لا حصر لها، فبتنا اذا سألنا أحدهم “ما هو مفهومك عن الحكم بالشريعة؟” ستجده يتصبب عرقاً خائفاً أو ملتهباً من شدة الغضب، وهو يصف الفكرة بأشنع الألفاظ ويصف السائل بالتخلف والرجعية!

أين الخلل والحلّ؟
مردُّ هذا التعصّب هو تبعية الفكر وقصوره، فقد أصبح مصطلح الشريعة في ذهنه مرتبطاً بالعنف واللحى الطويلة والنساء المحجبات بالإكراه فقط، وهو فكر ارتضاه له الإعلام ومكّنه فيه.

إنّ الشرع الرباني على العكس من ذلك تماماً، فهو توظيف للعدل الإلهي والوحي السامي في حياتنا اليومية.

انظروا لأوامر الله في مثل قوله {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 19] فكم نحتاجها اليوم ونحن نرى أشنع التصرفات التي تعاكس هذا الهدي من فتيات وفتيانٍ يفترَض بهم أنهم مسلمون، ولننظر إلى آية الدَين، إنها أطول آيات القرآن، كونها آية شاملة جامعة تحفظ الحقوق منذ 1400 سنة.

القرآن هو الحل لمشكلة القوالب الجاهزة

أيعقَل أننا ابتلينا بالعمى، فيمتدح أكثرنا جملة من التشريعات الغربية مرفقة بعبارة مهترئة مفادها أنهم رائعون حقا، فهم “مسلمون بدون إسلام” حسنٌ، ما دمنا معجبين “بإسلامهم” فلماذا نخاف وننفر ونشعر بالضيق إذا ما سمعنا أحدهم يقول: لنجرب تطبيق التشريعات العادلة الإسلامية كما كانت يوماً؟

لماذا ينفر كثير الناس بسرعة من مقولة: الشريعة هي الحل؟

هذا المستنكر لتلك العبارات هو نفسه المعجب منذ دقائق فقط بنفس التشريع لكن بنكهة غربية فقط، فلم يشعر بالغثيان؛ إذ لم يطلَق على تلك الممارسات اسم “شريعة” لا أكثر.

يحضرني ههنا مثال ذكره أحد الدعاة يقول فيه: إن ربنا الحكيم خلقنا وخلق “كتالوجنا” معنا، فلو أنك اشتريت جهازاً جديداً فلا بد أنك ستحوطه بعنايتك وتخاف عليه من الهلاك، ومن أجل ذلك ستقرأ كل تفصيلة مذكورة في كتيب الاستخدام، وعليه فما بالك بنفسك، حيث خلقك رب عظيم فأحسن خلقك، وأرسل لك كتيب الاستخدام والصيانة ورسلاً تأخذ بيدك إلى بر الامان بأقل الأضرار، ولكن كان الإنسان أكثر شيء جدلاً.

جور الحكام لا مفر منه في كل زمان مهما اختلف، كما أنه سيكون لعلماء الدين أو حملة همّ الدعوة بعض الأخطاء من شخص لآخر بين الحين والآخر، وسيفتح باب التشكيك المجالَ لكل شيء يمكن أن يلوث نظرتنا للدين الحق ولروائع التشريع.

الحل أمامنا، أن نصبر ونتابع مجاهدة النفس بالتوازي مع الغوص في القرآن العظيم دستور الحياة الذي لطالما كان وسيكون حياة لقلوبنا قبل أجسادنا.

منارات العارفين ومتاهات الغافلين

تختلف سلوكيات الناس عبر الأزمنة والعصور، كما أن معتقدات البشر تتمحور وتتغير وتتشكل من مجتمع لآخر، يعود ذلك لعدة أسباب أهمها تعامل بعض الناس مع من حوله وفق مبادئ واعتقادات معينة كانوا قد نشأوا عليها فتأصّلت في عقولهم وتجذّرت في قرارة أنفسهم، وأفضلهم أولئك الذين امتزجت أعمالهم بالحق من معتقداتهم، أما من خلط السلوك بالكفر فقد حق فيه قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103- 104] وعلى سبيل المثال فإن من يجمع ثروته بطرقٍ غير مشروعة ومن يكون مصدر رزقه مشوبًا بالأشواك فإنهم بأساليبهم الملتوية والمبهمة في التعامل اليومي مع الناس يشبهون -إلى حدٍّ كبير- تلك المتاهات أو الدهاليز المتعرجة أو الوديان الوعرة التي يهوي السائر فيها نهاية المطاف واقعًا فيما لا يحمد  عُقباه، وعلى ضفةٍ أخرى نرى أناسًا آخرين يسلكون مسلكًا مستقيمًا، أنارته أضواء التقوى فضمائرهم يقظةٌ لا تغريها الرشوة أو المال الحرام فهؤلاء كالشعلة التي تنير الطريق المظلم.

التمييز بين العارفين والغافلين
لا عجب أن تختلط في وقتنا الحالي الأمور على كثير من الناس، فعوامل التحريف لا تعدُّ ولا تحصى، ولكن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أنه سيأتي زمان يُخوّن فيه الأمين ويؤمّن فيه الخائن ويُكذّب فيه الصادق ويصدّق فيه الكاذب.

في عهدنا هذا نرى موت الضمائر يكاد ينهي مَن تبقى مِن المخلصين، ونلحَظ انتشار عمى الجشع في عيون الحاقدين، وتباين الناس في الأصول والنهايات، وصار القوي يأكل حق الضعيف، الذي بدوره يجنح للسلم والدعة فيتنازل عن حقه للقوي. لا تكاد تنتهي مظاهر الغفلة عند هذا القدر، فالظلم يكاد يغطّي أوجه عصرنا، والظالمون يستحوذون على ما ليس لهم، والمظلوم توقفوا أو كادوا عن المطالبة بحقوقهم

هل ثمة كذبة بيضاء؟
نختلط يومياً في مسيرة حياتنا العلمية والعملية بأجناس وجنسيات مختلفة في فترة الدراسة بدءًا من مراحل الدراسة الأولى ثم المتوسطة فالثانوية فالجامعية ثم في بيئة العمل، قد نطمئن لسلوك بعضهم وبالتأكيد فإننا نتعجب لسلوكيات وتصرفات آخرين غير السوية.

هذا بمجمله داخل في نطاق الأحوال الطبيعية في المجتمع البشري، إلا أن ما يزيد عن ذلك الحدّ أن تنتقل من الاعتراف بالخطأ إلى التسويغ، فتتصاعد في المجتمع دعايات المسوغين، فيكون الخطأ الخارج عن هدي الصراط البيّن ذكاءً وفهلوة، مثل أن يلطَّف الكذب المستمر فيصبحَ كذبة بيضاء، فيصغر شأن الكذب في عيون الناس.

وهنا نرى أن حالة الاستقامة والبعد عن الطريق مدارهما مراقبة الله في الأقوال والأفعال، فمن يتهيب جلال الله واطلاعه يثبت على الحق ويتحرى الصدق ليقينه أنه حبل النجاة في الدنيا والآخرة أو في الآخرة على الأقل، أما من ابتعد عن المراقبة وهان أمر الله في نفسه، فإنه سيغوص في المعاصي والكذب حتى يسلب ثقته من نفسه ومن كل من حوله.

عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) [أخرجه الشيخان].

هناك من يبرر السرقة والاختلاس أو الغش والتدليس بأن جميع الناس يسلكون هذا المسلك في جمع المال، أو لعله هو نفسه قد نشأ في أسرةٍ تعيش هذه السلوكيات المنحرفة، فلم يجد لنفسه رادعًا في الدين إذ لم يعش معانيه ويقترب من أوامره، كما أنه لم يحكّم ضميره لأنّ نفسه سوّلت له الفسوق وزيّنته أمام عينيه للوصول لمبتغاه فتمثل ذلك المبدأ القائل “الغاية تبرر الوسيلة”.

لكن الله تعالى وضع لنا معايير أخرى، فقال لنا: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7] وقال {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 14]

ومن هنا كان العارفون أولئك الذين وضعوا نصب أعينهم مراقبة الله والخوف من عقابه والبحث عن قبوله، فكانت كل خطوة يخطونها على خط الحساب بوزن الأقوال والأفعال، فيتقربون إلى الخالق بعمل الخير، فنرى أحدهم يعين المحتاج أو يغيث المسكين، أو يساعد في إيواء يتيم أو أرملة أو يسخّر ماله لبناء مؤسسة خيرية أو مستشفى أو مدرسة أو مسجد وغير ذلك من أبواب الخير التي يعود نفعها على المحسن والمحتاج معاً، ويبقى الأثر الطيب على صاحبه يريح القلب ويدخل عليه السعادة والفرح، على عكس  العاصي والفاجر الذي لا يفتأ يعيش في القلق.

لما كان العارفون بأمور دينهم ودنياهم وما يتعلق بالحلال والحرام كانوا كالمنارات تضيء الطرقات المظلمة، ولما كان الغافلون يجهلون الحلال والحرام ضلوا في متاهات الضلال يتخبطون كالذي يتخبطه الشيطان من المس.

العدل نقيضُ الظلم
تتفق أقوال العلماء في أن استمرارية الدول والمجتمعات تحكمها نواميس الكون التي فرضها الله عز وجل من العدل وتحريم الظلم، فقد حرم الله عز وجل الظلم على نفسه على العباد، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته عن الحسبة أن الله قد ينصر الدولة الكافرة إن عدلت ويمحق الدولة المسلمة إن ظلمت، ويمكن أن نستدل على ذلك بقول الله تعالى {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]

وفي الحديث القدسي عن أبي ذر رضي اللَّه عنه، عن النبي صلى اللَّه عليه وسلّم فيما يروي عن ربه عز وجلَّ أنّه قال: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا)

في الختام لا بدّ من التأكيد على أن الحياة لا تخلو من الخير والشر، كما أن الأمور والأشياء قد تعرف بضدها، فبعض الناس لا يميز بين الأضداد إلا بالمقارنة فتراه لا يعرف فضل الناس الذين يتمتعون بالخلق الحميد والفضيلة الباذخة، إلا بالمعاناة مع آخرين من ذوي الخلق السيئ، ولا يملك معرفة خير الفضيلة إلا بالانغماس في بؤس الرذيلة.

وهكذا يتنوع البشر في أخلاقهم فتترجم إلى سلوك يظهر في مجمل تصرفاتهم ما بين صدق وكذب، عدل وظلم، أمانة وغش، إخلاص وخيانة، حلم وغضب، لين وقسوة، تواضع وتكبر، كرم وبخل، طيبة ومكر، إيثار وأنانية …إلخ، فتتجلّى القيم والخلق الحميدة لتتوّج مجتمعة في مكارم الأخلاق لنميّز بين الخير والشر والحق والباطل، ولتبقى هذه المعالم الأخلاقية خالدة عبر العصور تتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل.

الدين بين الضرورة والوراثة (2)

عندما ندرك الحدّ الذي وصلت إليه البشرية في الظمأ إلى هذا الدين ونُقارنه بتأثيراتنا السلبية التي تحول دون انتشار الإسلام في أرجاء المعمورة بالسرعة التي كان عليها الانتشار في عصور الازدهار حينها نلمس أهمية التفريق بين الإيمان الضروري والتقليدي.

لاشكّ أنّ هناك الكثير من الوقائع السلبية والأفكار التي لا تلائم الإسلام في تاريخنا، لكننا عندما نتأمّل هذه الأسباب نجد أن جُلّها منغرس في عمق التوارث الجامد فتنتقل هذه السلبيات والأفكار المنحرفة بانتقال التدين ذاته من الآباء إلى الأبناء دون وعي أو بحث عن حقيقة الدين وروحه.

إن كثيرًا من الناس مسلمون بالهوية، أو هم كذلك لأنهم ولدوا لأبوين مسلمين، وهؤلاء وأولئك لا يدركون -في الحقيقة- معنى انتمائهم للإسلام، ولا يعرفون مستلزمات هذا الانتماء، ولذا فإنهم في وادٍ والإسلام في وادٍ غيره[1].

سلبيات توارث الدين
الوارث لدينه لا يصمد ذاتيًّا أمام التيارات المتصارعة في العالم، بما أن الأساس الذي بنى عليه حياته هشٌّ فلا يمكن له من ثمّ مواصلة الطريق والوصول إلى برّ الأمان بسلامة واطمئنان، وهكذا تمرّ فترات عصيبة جدا في حياة الوارثين لدينهم فمنهم من يُكابد المخاطر ويُجرّب الكثير من الطرق إلى أن يعود إلى دينه من جديد بعزيمة أشدّ وباقتناع أرسخ أنّه هو الحق المبين ويتحوّل إلى خادم وحامٍ له بكل ما أوتي من عزم وقوة، والأمثلة على ذلك كثيرة يمكن أن نكتشفها فيمن حولنا وحتى عندما نقرأ السير الفكرية لعلمائنا، إلا أن أسوأ ما في الأمر: هو أنّ بعض الوارثين أيضًا لا يصمدون أمام سهام الشبهات وزعزعة الأفكار فيرتدون عن الدين إلى غير رجعة، وهنا تكمن خطورة الموضوع.

إن الإسلام ليس علامةً تجاريّة مباحة يمنح اسمه مجاناً لكل الناس، فكما أنّ أيّ حزب لا يقبل الأفراد في عداده دون أن يعملوا بمبادئه ويروجوا لأفكاره، فكذلك الإسلام لا يصح إطلاقه على شخص لا تظهر أعماله مطابقة لتعاليمه[2]، “فكم من حضارة في العالم ماتت لأنّها تحولت إلى مراسم ورياء، وكم من ديانة انتهى أمدها وقضى الله بانقضاء أجلها لأنها تجاوزت القلوب وأضحت بين أصحابها تزويرا وانتفاعا رخيصا وأثرة ومروقا عن أمر الله”[3]، وهذا ما يوجب علينا أن نحيي الدين في قلوبنا في كل وقت وحين.

من مظاهر الوراثة السلبية للدين أيضاً: عدم تكليف النفس عناء البحث عن المعلومات بدقة من قبل المسلم، وبالتالي فإن فريضة إيصال رسالة الإسلام إلى غير المسلمين تكون مشوهة وذا تأثيرٍ باهتٍ أحيانًا ومضلّلاً لهم في كثير من الأحيان، لذلك فـإنه “لاشك أن توثيق المصادر قد يستغرق جهدا إضافيا لدى المسلم ولكنه أساسي إذا كان المرء يريد أن يُقدّم صورة دقيقة محكمة عن الإسلام، كما أنّ ذلك من شأنه أن يساعد المستمعين في أن يبقوا فوق الشبهات وفوق مستوى المواضيع الثانوية التي قد تكون مثيرة للجدل من جهة، ومن جهة أخرى يتيح لهم اكتساب فهم أفضل وأشمل لرسالة الإسلام”[4] فهذه التصرفات وغيرها ليست مضرة فقط على المسلم نفسه بعدم الاستفادة من روح الإسلام الحقيقي بل تتعدّى ذلك إلى كونها عالة ومعوّقا كبيرا في مسار دعوة غير المسلمين إلى الإسلام.

لنختر الإسلام عن علم وباقتناع
“إنّ العقيدة الدينية فطرة في النفس الإنسانية، وهي الملاذ الوحيد الذي يعتصم به في الملمات، هذه العقيدة جديرة بأن تأخذ حظًّا وافيًا من البحث والدراسة وأن تكون مبنية على الاقتناع في هدي من العقل الباحث المتحرر”[5]

فلا يمكن أن نتصوّر لأيّ دين أن يُمثّله أتباعه أحسنَ تمثيل إذا لم يفقهوه، بل يمكن في كثير من الأحيان أن يكونوا عالة عليه ومصدر صدّ للناس عنه بسبب تصرفاتهم المناقضة له، ولهذا فإنه ليكون المرء مسلما بحق فإن أوّلا وقبل كل شيء: أن يتشبّع عقله بمعاني الإسلام السامية ومقاصده العليا وأهدافه النبيلة، وأن يتحرّى الصدق ويتبعه ليكون دليلا عليه، وأن يكون أبعد ما يكون عن براثن الشك والظن في العقيدة.

إن العمل يأتي بعد اليقين الذي يعكس صورة الإيمان في القلب والذي يُعتبر رسالة أبلغ من الكلمات فـ”الإسلام معرفة بالحقيقة الواحدة وقيام بحقوقها، وإنّما ترجح كفة المسلم بالإيمان والعمل جميعا، ولا بدّ –لكي تُشفى الأمة الإسلامية من هذا الطيش- أن يتعلّم كل مسلم دينه على الوجه الصحيح، فيعلم أنّ الإيمان لا ينفك عن العمل وأنّ الظفر بخير الله في الدنيا والآخرة لا يأتي جُزافا، بل هو وفق ذلك الناموس الخالد: “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره”[6].

إن على المسلم أن يضيء كل بقعة من الأرض حلّ بها بما يمتلكه بين جنبيه من نور الله، وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة. حيث إنه لا يكفي أن يكون المسلم مسلماً وحده دونما اهتمام بمن حوله، ذلك لأن من الآثار التي يبعثها الإسلام ويسكبها في النفس البشرية –إن هي آمنت وأحسنت– الاهتمام بالآخرين ودعوتهم والنصح لهم والغيرة عليهم”[7]

الابتعاد عن توارث الدين بين الضرورة والواقع
نؤمن أنّ قيام الجيل المسلم الحالي بهذه العملية يُعتبر عملًا شاقا لكنّه ضروري وواجب على كلّ فرد أراد أن يكون تجسيدا لتعاليم الإسلام. وهذا هو المخرج الأهم من التديّن التقليدي الوراثي، فعلينا أن نُحسّ بمسؤولية كوننا مسلمين نحمل هذا الدين واسمه.

إننا إن تهاونّا بالقيام بهذا الواجب وكنّا نُسَخا طبق الأصل لآبائنا وأجدادنا نُردد كلمات ونقوم بحركات لا نفقه كُنهها فإنّ ذلك يُوشك أن يكون خطرا علينا: فمن جهة نكون أكثر عرضة للشك في معتقداتنا لأدنى تغيّر نراه وبذلك نكون في بداية الطريق نحو الخروج عن هذا الدين ومن جهة أخرى نكون بسلوكنا التقليدي وأجوبتنا الأقل جدوى ندعو غيرنا لترك الإسلام والتخلي عنه[8].

 إن الأفكار التي لا تجد مجالا لتطبيقها على صاحبها؛ لا تجد حسن القبول المطلوب لدى الناس مهما كانت جاذبة وضرورية للحياة، إذ إنّ الكلمات إن لم تنطلق من وُجدان القائل فمن المحال طلب استقرار فِكر لم يستقر بعد في وُجدان صاحبه، وفي هذا يقول سيد قطب رحمه الله: “إنّ هذا القرآن ينبغي وأن يُقرأ وأن يُتلقى من أجيال الأمّة المسلمة بوعي. وينبغي أن يُتدبّر على أنّه توجيهات حية تتنزل اليوم لتُعالج مسائل اليوم، ولتنير الطريق إلى المستقبل، لا على أنّه مُجرّد كلام جميل يُرتّل أو على أنّه سِجلّ لحقيقة مضت ولن تعود. ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه لنلتمس عنده توجيهات حياتنا الواقعة في يومنا وفي غدنا، كما كانت الجماعة الإسلامية الأولى تتلقاه”[9].

مراد هوفمان

مراد هوفمان

ويقول مراد هوفمان في هذا الصدد أيضاً: “أعتقد أن التجديد يأتي بأن تعيد الأجيال الجديدة قراءة القرآن باستمرار وتسعى دائما لتطبيقه على ما يستجد من أمور، وأعتقد أن كل جيل جديد يأتي بعد الجيل الذي سبقه يجب أن يعيد اعتناقه للإسلام.. وهو ما يعني إعادة فهمه للإسلام ويعيد قراءته وللشاعر الألماني المعروف “جوته” حكمة يقول فيها: إنه يجب عليك الحصول على إرثك حتى تمتلكه، يعني لا يكفي أنك ترث الإسلام بل عليك أن تمتلكه وتكتسبه بجدارة”[10].

ختامًا، فإننا نأمل أن يُحدث هذا التناول المتواضع للموضوع: اهتزازًا في ضمير الإنسان المسلم يُؤدي به إلى الشعور بمسؤولية أفعاله المناقضة لدينه والتي تعوق مسار دعوة البشرية إلى الإسلام. وأن ينتج عن هذا خطوة إلى الأمام تتجاوز الآراء النمطية والسلبيّة حول الإسلام وتتجاوز الصراعات المميتة بين المسلمين وفتح أعينهم وعقولهم لإدراك أنّ هذا الواقع لابد له أن يتغيّر، وأن لا نسخّر طاقاتنا المهدرة في تلك الخصومات، بل التفكير بجدية في أمر البشرية، تفكيرًا يعود بالنفع على المسلمين أنفسهم وعلى غيرهم بالتَّبَع، وأن يؤدي هذا إلى تفكير جدي من قبل علمائنا المحترمين وتوجيه طاقاتهم وجهودهم إلى ما ينفع المسلمين كافة والقيام بتنقية موضوعية، بكل روح مخلصة، لما شاب فهم الإسلام من أغلال، فإذا تحقق هذا بتوفيق من الله وبعزم وحزم من طرفنا، حينها سنكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح وتسلّمنا مشعل الحضارة من جديد بإذن الله وما ذلك على الله بعزيز.


الهوامش:

[1]  فتحي يكن: “ماذا يعني انتمائي للإسلام” ص2.(نسخة الكترونية)

[2]  عفيف طبارة: “روح الدين الإسلامي” ط7/ 1966. ص15.

[3]  محمد الغزالي، “الإسلام والطاقات المعطلة”، دار الزيتونة، الجزائر، 1987، ص124.

[4]  جيفري لانغ، “حتى الملائكة تسأل”، تر: منذر العبسي، دار الفكر، سوريا ط2/ 2006، ص 319.

[5]  عفيف طبارة: مرجع سابق، ص 14.

[6]  محمد الغزالي: مرجع سابق، ص125.

[7]  فتحي يكن: مرجع سابق، ص15.

[8]  للتوسع في هذه القضية أكثر، ينظر كتاب د. جيفري لانغ: “ضياع ديني، صرخة المسلمين في الغرب.”

[9]  سيد قطب: “في ظلال القرآن” ج1 ص261.

[10]  “مراد هوفمان: تجديد الإسلام سيأتي من الغرب” http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-ArtCulture%2FACALayout&cid=1179664545974

مرجعية الأخلاق بين الفردانيّة والدين

من البدهيّ أن يكون للإنسان مرجعيّة يستمدّ منها مفاهيمه ويَبني من خلالها تصوّراته التّي تنبثق منها سُلوكيّاته، وبها يُصدر أحكامًا ومواقف حول الأحداث التّي تعترضُه، ومن الطبيعي أن اختلاف المرجعيّات يُنتج مفاهيم مُتباينة ومُتناقضة، وسينعكس ذلك على سُلُوكيّاتنا داخل مُجتمعاتنا.

في ظلّ واقعنا الذّي يَشْهد موجةً مُتسارعة للتّحديث الهادف لطمس الهويّة الإسلاميّة واجتثاثها من نُفوس المُنتمين إليها، فإنّنا نُلاحظ تكوّن تيّارٍ اجتماعيّ يجعلُ الغرب مرجعيّته في الحياة، ممّا إنعكس ذلك على مُختلف جوانب حياتنا اليوميّة. ولعلّ من أبرز هذه الانعكاسات هو التغيّرات التي طرأت على مفهوم الأخلاق، ومن هنا أصبح هنالك تساؤل جديد فيما بيننا حول مرجعيّة الأخلاق: هل هي الدّين وفق المنهج الإسلامي أم هي العقل وفق منهج الفردانيّة والتمركز حول الذات؟

مرجعية الأخلاق، بحثٌ عن الجواب
يُجيبنا عن هذا التّساؤل الدّكتور عبد الوهّاب المسيري فيقول:” كيف يُمكن للعقل في إطار العقلانيّة الماديّة أن يفرّق بين ما هو أخلاقي وبين ما هو غير أخلاقي؟ فالعقل إذا كانت مرجعيّته النهائية الطبيعة، أي المادة، وهو قادر على اكتشاف مبدأ السببيّة العامّة في الأشياء والدوافع الغريزيّة في الإنسان، التّي تؤكّد الحتميّات الماديّة الخارجيّة، وتنكر ضمنًا استقلاليّة الإنسان وحركته، علمًا بأنّ العقل المادي المحض يوجد داخل حيّز الماديّة فحسب، وقد وصفه أحد المُفكّرين بأنّه لا يشع نورًا، وإنّما هو موصل جيّد للنور أو الظّلام”(1) فإن العقل المادّي ههنا سيبقى وحده عاجزًا عن أن يصل للمفهوم الصّحيح للأخلاق، بل قد يجعل من الباطل والظُلم خُلُقًا يُدافع عنه!

ولنضرب مثالاً قريبًا على ذلك، فعندما بلغ انتشار فيروس كورونا ذروته وتدَهور الوضع الاقتصادي العالمي، قرّرت الحكومة الأمريكيّة -استنادًا إلى العقل الاقتصادي- التخلّي عن الكبار في السنّ وذوي الاحتياجات الخاصّة لأنّهم لا يُمثّلون قوّة إنتاجيّة في المجتمع وفي المُقابل منح الأوليّة في الرّعاية الصحيّة لباقي أفراد المُجتمع بسبب التّكلفة الباهظة للمُعدّات الصّحيّة، إذ إن العقل المادي المُحايد لا يُحابي أحدًا، فهو لا يرى إلاّ مصلحته الآنية الضيّقة المُستندة على الأرقام والإحصائيّات ولو كان ذلك على حساب المصلحة العامّة.

إن الخلاصة من هذا كلّه أنّ الدّفع بالأخلاق عن كلّ مرجعيّة دينيّة هو دفعٌ بها نحو أخلاق الجاهليّة العمياء.

 ولنا أن نتساءل هنا: كيف وصل الغرب إلى مفهوم “الأخلاقي” وما هي مرجعيّته في ذلك؟ وكيف انعكس هذا المفهوم على مُجتمعاتنا المُسلمة وما هي حقيقة نظرة الإسلام للأخلاق؟

فلسفة الأخلاق في الغرب
كان مصدر الأخلاق في أوروبا هو الدّين المتمثّل في الدّيانة المسيحيّة التّي تعرضت لتحريف حقائقها فكانت النّتيجة الحتميّة الابتعاد عن المفهوم الصّحيح للأخلاق لأنّها قرينة للعقيدة ومُنبثقة منها، وعندما احتكّ الغرب فترة الحروب الصّليبيّة بالمُسلمين ودخلوا بُلدانًا إسلاميّة ومكثوا فيها، استفادوا من الأخلاق الإسلاميّة فقد لاحظوا سلوكيات أخلاقية متعددة لديهم كالأمانة عندما يترك التجّار دكاكينهم للصّلاة مفتوحة ثمّ يعودون إليها ولم ينقص منها شيء، ولاحظوا أخلاق الأخوّة والتّعاون والمحبّة والرّحمة بين أفراد المُجتمع الواحد، إضافة إلى إتقان ونشاط واجتهاد العامل المُسلم في عمله، وتعلّموا أيضًا معنى الوفاء بالعهد خاصّة في تعامُلهم مع صلاح الدّين الأيّوبي، و لنضف إلى ذلك كلّه الرّوح الرّومانيّة القديمة التي كانت تتميّز بالنّشاط و النّظام و التّحسين في عالم المادة و الإنتاج، و من هذا المُنطلق الدّيني و الرّوماني تكوّنت مجموعة من الفضائل والأخلاق الكريمة في الغرب بقيت مُنتشرة بينهم لأنّهم لاحظوا منفعتها داخل مُجتمعاتهم ومدى أهمّيتها في تنظيم حياتهم. ولا ننسى أيضًا تأثير الفلسفة اليونانيّة على حصيلة الأخلاق الأروبيّة حيث أصبحت قائمة على التّفرقة بين النّظريّة والتّطبيق، فتحوّلت الأخلاق إلى نظريّة في عالم المُثل وبقي الالتزام بها وتطبيقها مُرتبطًا بالظّروف و محكومًا بالضّرورات.

ففي السياسة أصبحت القاعدة العامّة “الوسيلة تُبرّرُ الغاية” وأصبح هنالك نوع من المكر والخداع واستغلال النّفوذ من أجل تحقيق مصالح حزبيّة أو شخصيّة ضيّقة، وتحوّلت السياسة الخارجيّة إلى فكر استعماري هدفه السيطرة على الدّول الأخرى واستنزاف خيراتها عن طريق الحروب المُدمّرة ومُساندة المُستبدّين والظّالمين حفاظًا على مصالحهم. فعلى سبيل المثال تمّ عقد اتّفاقيّة سريّة سنة 1916 بين فرنسا و بريطانيا و روسيا عُرفت باسم اتّفاقيّة “سايكس بيكو” هدفها إقتسام الدّول العربيّة الواقعة شرقي المتوسّط، و تمّ الاتّفاق على أن تقوم فرنسا بالاستلاء على غرب سوريا و لبنان و ولاية أضنة، و أن تقوم بريطانيا بالاستيلاء على منطقة جنوب و أواسط العراق بما فيها مدينة بغداد و كذلك ميناء عكا و حيفا في فلسطين، و أمّا روسيا فمن حقّها الدّفاع عن مصالح الأرثوذكس بالأماكن المُقدّسة بفلسطين. و من الأمثلة أيضًا السياسة الخارجيّة التّي تنتهجها الإدارة الأمريكيّة في تعاملها مع عالمنا العربي الإسلامي، حيث أصدر “مركز القرن الأمريكي الجديد” بحثًا جديدًا بعنوان “التّكيّف الإستراتيجي” وردت فيه التوصيّات التّالية التّي تعتمدها أمريكا: أ- حماية أمن حلفاء أمريكا و رعاية السّلام العربي الإسرائيلي، ب- نشر القيم الأمريكيّة و أسلوب الحياة الأمريكية، ت-محاربة الإرهاب، ث- الوصول الآمن للنّفط، ج-دعم الأنظمة العربيّة المُستقرّة و لو كانت ديكتاتوريّة، ح- التّمييز بين الأفراد و الحركات المعادية للقيم الأمريكيّة و بين من يقبلونها (2).

سيغموند فرويد

وفي الاقتصاد قامت الرّأسماليّة على الرّبا والاستئثار بالثّروات وعلى الجشع والأنانيّة ونهب المواد الخام من الشّرق من أجل الرّبح المادي مع الحرص على  إغراق أصحاب هذه المواد في الفقر والتخلّف والجهل  مع تصدير لهم المفاسد والملذّات وأدوات الزّينة والملابس من أجل تحقيق الرّبح المادّي، وفي الجنس أصبح هنالك انفصال عن الأخلاق أساسه التّفسير الحيواني للإنسان ولا غرابة من أن نجد الفيلسوف فرويد يقول:” إنّ الإنسان لا يُحقّق ذاته بغير الإشباع الجنسي وكلّ قيد من دين أو أخلاق أو مُجتمع أو تقاليد هو قيد باطل ومدمّر لطاقة الإنسان وهو كبت غير مشروع”(3).

وبذلك أصبح الجنس عمليّة بيولوجيّة لا علاقة لها بالأخلاق، ولا ننسى أيضًا المثليّة الجنسيّة حيث أصبحنا نشاهد في الغرب مراسيم زواج بين طرفين من نفس الجنس باسم الحرّية الزّائفة. وقد وقع هذا التحوّل الأخلاقي تدريجيًّا ولم يبق من الأخلاق إلاّ فضائل محدودة في التّعامُلات اليوميّة، والسؤال المطروح هنا كيف انعكس ذلك على مُجتمعاتنا المُسلمة؟!

الأخلاق الغربية، انعكاسات وآثار
بسبب انبهار المسلمين بالتقدّم العلمي والمادي في الغرب، وظن كثيرٍ من المؤثرين فيهم بأن سبيلنا للنّهوض هو التّقليد الأعمى للغرب، فقد صار المسلمون يقلّدونهم في كلّ شيء، إلاّ في تطبيق شروط التقدّم والتّطوير العلمي! فقد أصبحنا نشهد انفصالاً بين الإسلام والواقع، ففي السّياسة أصبحت الفكرة السّائدة إذا أردت مُمارسة السّياسة فعليك ترك القيم والمبادئ الأخلاقيّة واستبدالها بالنّفاق والكذب والخداع والغشّ، وأصبح الحُكم عندنا غاية هدفُها تلبية غريزة السّلطة في نُفوسنا وتحوّلت السّياسة إلى سبيل لخدمة المصالح الذّاتيّة وبيع الذّمَم كالقبول بالذلّ وخدمة المصالح الغربيّة وبيع الوطن من أجل البقاء في الحكم، وفي الاقتصاد أصبح همّنا الرّبح المادّي وتحقيق الثّراء الفاحش حتّى عن طريق السّرقة من المال العام والظّلم والسّلب والاحتيال والرّشوة والتّعامُل بالرّبا ولم يعُد هنالك وزنٌ لكلمة “المال الحرام”، وفي الجنس انتشرت بيننا الميوعة، وبات يُطلق اليوم على الزّنا “علاقة حبّ” وأصبحت الزّانيات يُطلق عليهنّ ” الأمّهات العازبات” وأصبح التعرّي دليل على الرّقيّ والثقافة وأصبح الشّذوذ حريّة وجب القبول بها. ورغم هذا الفساد الأخلاقي مازال منّا من يقول أنّ للغرب فضائل مثل الصدق والأمانة والعدل والإتقان والجودة في العمل ولو التزمنا بها سنُصبح مثلهم، ولكنّنا تناسينا أنّ هذه الفضائل نفسها لا يخلوا منها مُجتمع، حتّى في الجاهليّة حيث كان العرب يتّسمون بالشجاعة والصّدق والكرم، وفي المُقابل كان الظلم والفساد والكُفر مُنتشراً بينهم، وما حافظ الغرب على هذه الفضائل إلاّ في حدود القوميّة والمنفعة من أجل استقرار مُجتمعاتهم وحُسن تنظيمها، وأمّا خارجها وعند تعارض المصلحة فلن تكون لهذه الأخلاق قيمة وخير مثال على ذلك الإساءة التّي حصلت لرسول الله صلى الله عليه وسلّم في فرنسا، فمن الأخلاق احترام الآخرين وخاصّة الأنبياء، وعدم السّخرية منهم وترويج الأكاذيب حولهم، ولكنّهم في المُقابل يُعاقبون من يسخر من مسؤول حكومي عندهم لأنّه قد يتسبّب ذلك في عدم الاستقرار وتفقد حكومتهم هيبتها داخل مُجتمعهم!

علم قوس قزح لتأييد حقوق المثليين والشواذ

 

مفهوم الأخلاق في الإسلام
إنّ المُسلم الذي يلتزم بالأخلاق الفاضلة إنما يطيع الله ويسعى لنشرها في واقع النّاس وتطبيقها، وسعيُه هذا عبوديّة لله، فالأصل أنه لا وجود لانفصال بين الإسلام والواقع عملاً بقوله تعالى:” قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ”(4).

ففي السياسة نرى أن كلّ مسؤول مُطالب بتحقيق العدل والإصلاح ومُحاربة الفساد مُلتزمًا في ذلك بالمنهج الإسلامي عملاً بالقاعدة التّي أرساها الخليفة عمر بن عبد العزيز حيث قال له والي خراسان إنّ شعبها لن يُصلحه إلاّ السيف والسّوط، فكان جواب عمر له: ” كذبت، بل يُصلحهم العدل والحقّ فابسط ذلك فيهم واعلم أن الله لا يُصلح عمل المُفسدين”(5).

وفي الاقتصاد نرى أن كلّ مُسلم مُطالب بمُقاطعة المال الحرام والالتزام بالصّدق والأمانة وحُسن الأداء عملاً بقوله صلّي الله عليه وسلّم:” التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ”(6)، وفي العلاقة بين الجنسين فإننا مُطالبون بالعفّة ونقاوة السّريرة وبغضّ البصر والسّتر والحياء في القول والفعل وفي اللّباس عملاً بقوله تعالى:” قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ” (7).

إن أخلاق الإسلام واضحة وعلينا أن نكون مُخلصين فيها لله وحده وما تشهده مُجتمعاتنا من أزمة القيم والمبادئ هو بسبب تخلُّفنا نحن عن ديننا وبداية الإصلاح تكون بتصحيح المفاهيم وبمُجاهدة النّفس على الالتزام بمنهج الإسلام.


الهوامش:

(1): حوار حول التّراث والحداثة، د. نعمان عبد الرزاق السامرائي، سلسلة كتاب الأمة، الطبعة الأولى، 2015، ص: 80.

(2): المسلمون و الحضارة الغربية، د. سفر عبد الرحمن الحوالى، الطبعة التمهديّة،2018، ص: 38.

(3): جاهليّة القرن العشرين، محمد قطب، دار الشروق للنشر، 1993، ص: 175.

(4): سورة الأنعام، الآية 162-163.

(5): الدولة في الإسلام، خالد محمد خالد، دار ثابت للنشر، الطبعة الأولى، 1981، ص: 109.

(6): تحفة الأحوذي، كتاب البيوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في التجار وتسمية النبي صلى الله عليه وسلم إياهم، الحديث رقم: 1209، ج4- ص” 335.

(7): سورة النور الآية 30-31.

 

  

  

مبادئ من عَبَق أم مبادئ من ورق؟

تعتبر الحياة المكونة من توازن القيم والمبادئ والأخلاق والعمران الأساس للنهضة وبناء الحضارة المستمرة، فلا يمكن أن تقوم النهضة الحقيقية دون أساس أخلاقي ينصف الفقير والمظلوم والضعيف، كما أنه لا يمكن أن تتقدّم الحياة في ظل الاضطراب والحقد الداخلي المتبادَل، ولذا فإن المجتمع يسمو بمواطنيه وأخلاقهم وقيمهم ومبادئهم وما يقدمونه من إسهامات فاعلة لتحقيق الاستقرار، لذلك يجب التمسّك بالمبادئ والقيم والصفات النبيلة والإنسانية والاخلاق الحسنة والعمل على نشرها بين الناس حتى تترسخ هذه المبادئ وتمنع من انتشار القيم المفسدة له.

إنّ روح الإنسان كشجرةٍ وارفة الظلال ومبادئها الجذور، وإنّ من الجذور لممتدّة في الأرض عمراً من نور، وإنّ من الجذور جذورًا أصابها الضعف فاستقرت في الأرض لا تظهر، وإنّ المبدأ ميزان حرارة الإيمان، وعلى كل مؤمن أن يظهر الخير من نفسه، ولا يجعل روحه ضائعة في الخذلان والندم، وشتّان بين نقيّ المبادئ وبين مشوبها.

التثبيتُ منّةٌ من الله
لنحملَ بيدنا مقاييس نورانيّة علّها تعطي كلّ واحد منّا إجابة: هل أنا من يُثبت دوماً في أرض الصلاح القدم؟

إنّ التمسّك بالمبادئ يحتاج إلى تثبيت من الله تعالى، وهو مصداق قول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء: 74]، والتثبيت بحدّ ذاته يتطلّب صلة راسخة مع الله، تسقي فسيلة الروح حتى تغدو شجراً يبثّ نقي الأوكسجين في بيئة القضيّة، ويمتصّ كلَّ غاز سامٍّ يُنفثُ ممن اختاروا أن يكونوا للفساد رعيّة.

ولذلك كان رسول الله ﷺ يُكثر من دعاء: (يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك) وقد ذكرته زوجه أم سلمة رضي الله عنها عندما سألها شهر بن حوشب يا أمَّ المؤمنينَ ما كانَ أَكْثرُ دعاءِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا كانَ عندَكِ؟ قالَت: كانَ أَكْثرُ دعائِهِ: يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ قالَت: فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ما أكثرُ دعاءكَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ؟ قالَ: ((يا أمَّ سلمةَ إنَّهُ لَيسَ آدميٌّ إلَّا وقلبُهُ بينَ أصبُعَيْنِ من أصابعِ اللَّهِ، فمَن شاءَ أقامَ، ومن شاءَ أزاغَ.)) فتلا معاذٌ {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [الإسراء: 74]. [حديث صحيح، رواه الترمذي]

كيفَ تُنحَت المبادئ
إن مقياس المبدأ ينطلق من الشريعة الغرّاء لا من موافقتها للأهواء، وبما أن الشريعة ليست ثوباً يُفصّل، ولا مصفوفة يُقرّب فيها ما نحبّ وما لا يعجبنا يُقصى ويُؤجّل، فإن الإقرار بعلوّها والتسليم لها والتمسّك بتعاليمها بداية الطريق للثباتِ على المبادئ التي أقرتها.

إن المبدأ هويّة الإنسان، ولذا نرى كثيرًا من الناس يسقطون عند العاصفة الأولى ويتغير منهم الحال، بينما نرى آخرين راسين ثابتين كالجبال.

قد نرى أحدهم في حال اليسر ينافح عن تحريم الربا إلا أنه حين اهتزّ مركب تجارته لجأ للاقتراض بفوائد عالية!!

إنه يحدّث مفاهيمه بحسب الواقع المحيط به. وقد وصف الله تعالى الناس الذين تموج بهم الفتنة منذ الصدمة الأولى فقال عنهم {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ} [الحج:11]

كما أن آيات القرآن رسمت لنا الخطوط الدقيقة للدنيا، ووضعت الطريق الذي يأخذنا إلى الحقيقة.. فالدنيا بوصف القرآن مساحة ممتلئة بالفتن التي يكسوها البريق، {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد:20] ولا بد لنا أن نعرف حقيقتها أولاً لنقيس مبادئنا عليها.

وهنا يأتي دورنا في الالتجاء إلى الله وطلب الثبات منه، إذ الثبات على المبدأ ليس جهداً شخصياً وإنّما هو مدد ربّاني{يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم:27]، ولذلك فإن لزوم القرآن والسنة هو الطريق الآمن للحفاظ على الرصيد الإيماني.

تحديد نقطة الضّعف ورحلة العلاج
نقطة الضعف هي بوابة الدّخول للنهاية، فإن لم تُعالَج منذ البداية، فإن الإنسان سيستمر في الغوص بالخطأ والبعد عن المراد الإلهي، ومن ثمّ فإن الأولى أن يبدأ الإنسان بتحديد نقاط قوّته ونقاط ضعفه وتحديد مساره والنّظر في الدّافع والغاية.

عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)) [حديث صحيح، رواه البخاري]

لقد بشّر رسول الله ﷺ المتمسّكين بالإسلام ومبادئه، فقال مخاطباً الصحابة الكرام عمّا سيعتري الناس في الأزمان التالية لزمنهم: ((إِنَّ مِنْ ورائِكُم زمانُ صبرٍ، لِلْمُتَمَسِّكِ فيه أجرُ خمسينَ شهيدًا منكم)) [حديث صحيح، صحيح الجامع].

قد يختلفُ الزمان والمكان، إلا أنّ استهداف الإسلام ومبادئه لا يكون إلا بالنفوذ إلى الحلقات الضعيفة في أنفسنا وقلوبنا، ومن ثم فإنه حريٌّ بنا أن نقوّي صلتنا بالله وأن لا نكون سببًا في ضعف الإسلام وقيمه في قلوب الناس وعيونهم ،فشتّان بين من تختار روحه التصحّر وبين من تختار روحه أن تكون غيثًا تنشر الخير لمن اختار السعادة

الفردوس الأرضي

قد يمتلك الإنسان الكثير من النِعَم؛ الوظيفة الجيّدة، والحياة الغنية المرفهة، فينظر إليه الناس ظانّين بأنّه قد امتلك السعادة كلها، كما جرى على لسان قوم قارون حينما قالوا: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: ٧٩] وهكذا يبدأون في السعي بحثاً عن هذه السعادة المزعومة، وربما حصروها في مالٍ، أو ولد، أو غنىً فاحش، أو أهداف دنيوية يجعلون فيها الدنيا غايةً لا وسيلة أو طريقاً إلى الآخرة.

وحينما يبدأ الإنسان السيرَ في هذه الطريق، يظنُ بأنّ لها نهايةً ما ونقطة تنتهي عندها الحكاية فيحصل على سعادة إلى آخر يومٍ في حياته، وهنا تحديداً وبعد أن يمتلك ما أراد، يدرك بأنّه لا سعادة مطلقة في الدنيا؛ فتلك التي رأت أنَّ أقصى أحلامها ومنتهى سعادتها هو الولد، ستدرك بأنّ هذه اللذة مصحوبةٌ بألم الفقد أو الخوف منه، فتروادها الأفكار المنغصة مراراً، كذا الغِنى والجاه؛ فتجد الحاكم لا يشبع، وصاحب الشهرة لا يتوقف عن طلبها مهما بلغت شُهرته، وكذا من أحبَّ امرأةً فاجتمع بها، علمَ بعد تراخي حبال الشهوة أنّها لم تمنحه جنةّ على الأرض كما كان يظن .

“وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ”
ليتَ الناس يدركون ما تحمله هذه الكلمة، يُدركون حقيقتها ويعملون بها، فيضعون نُصب أعينهم الجنة والنار ويتوقفون عن البحث عن هذا الفردوس المزعوم، فالسعادة قد يمتلكها فاقد البصر إن أدركَ أنّه وفّر على نفسه إثماً كبيراً مما جمعه المبصرون وأنّه موعودٌ بالجنة بفقدهما، وتلك التي تنظر للشاشة متمنيّةً حياة إحدى المشاهير ستُدركُ بأنّهُم متعبون من ركضهم المستمر خلف أزرار اللايك، وبأنّهم يرتدونَ أقنعةً ليستمروا في هذا العالم الوهمي.

وقد يمتلك السعادة الفقير حينما يدرك بأنّه لن يُسأل عن ماله، والمريضُ مهما بلغَ اشتدادُ ألمه إن قرأ “ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِن نَصَبٍ ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ ولَا حُزْنٍ ولَا أذًى ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ” [صحيح البخاري: ٥٦٤١]،.

(مع عدم نفي تحصيل الأسباب، لكن محاولة تحصيل الرِضا واعتبار حقيقة الدنيا والآخرة)، هنا سيتوقف الناس عن البحث عن النواقص التي في حياتهم، سيبصرون ما بين أيديهم كافّين أعينهم عمّا في أيدي الناس، مطمئنين كعابرِ سبيلٍ يدرك بأنّه سيحين وقت السفر قريباً.

عِش يَومَك
يقولون” البعض يقضي حياته بانتظار أن يبدأها” يتجاوزون مراحل حياتهم واحدةً تلو الأخرى دون أن يشعروا بها، متأملين أنّ ما بعدها أجمل، طامعين في الحصول على لذةٍ وراحةٍ دون توقُّف، لكن من سُنّة الله في خَلقه أنّهُ خلق أجسادنا دنيويةً تحتمل اللذات إلى حدٍّ ما ثمّ تنقلب هذه اللذات إلى أسقام وهموم وربما أمراض قلوب؛ فجمعُ المال دون توقف يؤدي للسرف أو البخل، والركض المستمر خلف الشهرة قد يُصيبه بالكِبَر أو ربما يرى نفسه محورَ الكون، وإدمان المشاهد والعلاقات المُحرّمة قد يوصله لاشتهاء ما ينافي الفطرة السويّة فيميلُ إلى أبناء جِنسه {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [الأعراف ٨٢] يأتي هنا الدين ليضع حدًّا، ويُذكرّك بأنّك في دار البلاء، لتأخذ من هذه اللذّات بقدر حاجتك، يأمرك بأن تعيش يوماً بيوم، وألّا تكون حريصاً على الدنيا” من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة”. [الصحيح المسند للوادعي ٣٥٨]، وأن تجعلها في يدك لا في قلبك مهما امتلكت منها.

لا تذهَل عن السعادة الصغيرة اليوميّة، عن لذّة الطعام في فمك، عن استشعارِ جلدكَ للهواء، عن أهلِك، وعن جرحٍ صغير أصاب يدك فرممه الله لك خلال أيام دون أن تشعر، عن قلبك الذي يضخ الدم وعن أعضائك التي تعمل بنظامٍ دقيق، عن نملةٍ تحملُ فوقَها ما يفوقُ وزنها بأضعاف ، جرّب دهشة الأطفال بهذه التفاصيل، فالتفكُر إنَّما أُمِرَ به لتأخُذَ شيئاً من نعيم الآخرة، لأنّ النِعمَ تَدُلُ على المُنعِم، ولأننا لا نُدركُ ذاتَ الله وإنّما نُدركُ آياته، فتوقفَ قليلاً من ركضك خلف السعادة المزعومة وعِش سعادةً صغيرةً يوماً بيوم، فـ “ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها”[من شعر طانيوس عبده]، والحلقة الأخيرة لا تكون إلا بعد الحِساب.

يقول الدكتور عبد الكريم بكّار في محاضرة [الحياة الطيبة]: “إنَّكَ لو تأملتَ في حياةِ مُعظمِ الناس لَوجدتَ أنَّ القِسمَ الأوّل من الحياة ينقضي في اشتهاء القسم الثاني، وما يُخبّئُ هذا القسم الثاني من مفاجآتٍ سارّة، أمّا القسم الثاني فَإنّهُ يَنقضي في التَأسُّفِ على القسمِ الأوّل كما يتأسّفُ الشيوخُ على الشباب

ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً       لأُخبرهُ بما فعل المشيبُ

كيفَ السبيلُ إلى السعادةِ والرِضا وأنا لم أبلغ شيئاً إلا تطلّعتُ إلى شيءٍ آخرَ أبعدَ منهُ منالاً، ولم أُحقِق أملاً لنفسي أو للناس إلا اندفعت إلى أملٍ هو أشقُّ منه وأصعبَ تحقيقا، فإذا كان الأمل الذي لا حدَّ له، والعمل الذي لا راحة منه ، إذا كانَ هذا في نظركُم سعادة، فأنا السعيدُ الموفور الحظ ما في ذلك شك، أمّا إذا كانت السعادة هي الرضا الذي لا يشوبه سُخط والراحة التي لا يشوبها تعب والنعيمَ الذي لا يَعرضُ له بؤس، فإنّي لم أذُق هذه السعادةَ بعد، وما أرى أنّي سأذوقُها إلّا أن يأذنَ الله لي في ما بعد هذه الحياة بشيءٍ منها.

{فمن زُحزحَ عن النّارِ وأُدخِلَ الجنّةَ فقد فاز وما الحياةُ الدُنيا إلّا متاعُ الغُرور}[آل عمران: ١٨٥].

فـكُلُّ مافي الدنيا”محنةٌ ومنحة وألمٌ وأمل وصبرٌ وشُكر”.

و أخيراً، يقول صلى الله عليه وسلّم:”لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب”[رواه أحمد والشيخان]. 

منهج الدعوة وأخلاق الداعية

قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]

إن الدعوة من أول ما أمر به الله -عز وجل- رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما كانت الدعوة فريضة على المسلمين؛ نزل القرآن مبينًا منهجها وآدابها، وهو ما أحاول استنباطه من آيات القرآن الكريم في هذا المقال.

البدء بشرح العقيدة
قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]

لم يبعث الله رسولًا إلا وبدأ بالتوحيد، وقد قص الله تعالى عن نوح وهود وصالح وغيرهم أن كلًا منهم جاء قومه فقال {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59-65 وغيرها]، فعلى الدعاة إلى الله أن يبدؤوا بالأهم فالمهم، فطوال فترة حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثلاث عشرة سنة بمكة بعد البعثة لم تنزل في القرآن أحكام من صيام أو زكاة أو تحريم خمر إلا أن الصلاة فرضت في السنة العاشرة للبعثة، إنما نزلت الأحكام في المدينة بعدما هاجر الرسول وقوي الإسلام.

الإقناع العقلي والدعوة للتدبر والتفكر
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20]
قوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ} يقول تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للمنكرين للبعث بعد الممات، الجاحدين الثواب والعقاب: {سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ} الله الأشياء وكيف أنشأها وأحدثها؛ وكما أوجدها وأحدثها ابتداءً، فلم يتعذّر عليه إحداثها مُبدئًا، فكذلك لا يتعذّر عليه إنشاءها معيدًا {ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ} يقول: ثم الله يبدئ تلك البدأة الآخرة بعد الفناء.[1]

إن الإسلام -بخلاف الأديان الباطلة- يدعو إلى التأمل والتدبر، فالعلم حجة للإسلام لا عليه، والقرآن يستعمل العلم حجة على صحة الإسلام، فمن منهج الدعوة التذكير بنعمة العقل الذي يميز الإنسان عن غيره، والتذكير بقبح عدم استخدام هذا العقل في معرفة الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه.

قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]

ونرى خطاب إبراهيم العقلي لقومه، قال الله تعالى: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [سورة الشعراء: 72-73]

اللين والرحمة في الدعوة
قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل : 125]

هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين. وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة.[2]

على الداعية أن يكون لينًا رفيقًا في دعوته؛ حتى يستميل قلوب من يدعوهم، وألا يكون فظًا ينفر الناس منه كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران : 158].

نزلت هذه الآية بعد غزوة أحد في موقف الرسول مع من فر من المسلمين يوم أحد، وتبرز أهمية اللين والعفو عن الزلات وإظهار الحب للمدعويين، وأهمية اجتناب الفظاظة والغلظة، فتأويل الكلام: فبرحمة الله، يا محمد، ورأفته بك وبمن آمن بك من أصحابك “لنت لهم”، لأتبَّاعك وأصحابك، فسهلت لهم خلائقك، وحسنت لهم أخلاقك، حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت عن ذي الجرم منهم جرمَه، وأغضيت عن كثير ممن لو جفوت به وأغلظت عليه لتركك ففارقك ولم يتَّبعك ولا ما بُعثت به من الرحمة، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم، فبرحمة من الله لنت لهم.[3]

العدل والثبات على المبادئ
إن العدل من أهم صفات الدعاة، ونرى قول الله على لسان نوح – عليه السلام – لقومه لما طلبوا منه طرد الفقراء الذين آمنوا من قومه {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} [هود : 29]، وكان نوح قال ذلك لقومه، لأن قومه قالوا له كما حدثنا عن ابن جريج، قوله: (وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم)، قال: قالوا له: يا نوح، إن أحببت أن نتبعك فاطردهم، وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء. فقال: {ما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم}، فيسألهم عن أعمالهم.[4]

فنرى كيف لم تغرِ نوحًا -عليه السلام- عروض كفار قومه، ونرى ثباته على الحق والعدل ورفض ظلم الضعفاء المؤمنين، فعلى الداعي إلى الله ألا يقدم التنازلات على حساب الحق والعدل، ولو حسب أن ذلك سينفعه.

الصبر على الدعوة
الصبر صفة الأنبياء وصفة أولي العزم من الرسل، قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ } [الأحقاف : 35]، والداعية سيواجه كثيرًا من التحديات والصعوبات أثاء دعوته؛ فعليه أن يصبرعلى ذلك؛ فالصبر صفة ملازمة للدعوة لا تتم بدونها، ونرى قول الله تعالى على لسان لقمان وهو ينصح ابنه {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور} [لقمان:17]، وقد أقرن لقمان الصبر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يدل على ارتباطهما الوثيق، وقد قال الله أيضًا في خاتمة آل عمران {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]

وقد ذكر الله تعالى في القرآن قصة نوح -عليه السلام- وقد مكث في قومه خمسين وتسعمائة سنة لم يمل من دعوة قومه، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت : 14]، ولم ييئس منهم حتى نزل عليه الوحي، قال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [هود : 36]

وفي تفسير الآية من سورة العنكبوت يقول ابن كثير: هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه، يخبره عن نوح عليه السلام: أنه مكث في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فرارًا عن الحق، وإعراضًا عنه وتكذيبًا له، وما آمن معه منهم إلا قليل، فأنت – يا محمد – لا تأسف على من كفر بك من قومك، ولا تحزن عليهم؛ فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وبيده الأمر وإليه ترجع الأمور.[5]

إخلاص النية وعدم طلب الأجر
كلما جاء نبي قومه قال لهم {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء : 109،127،145،164،180]، فمن يدعو إلى الله لا ينتظر أجرًا، فالمقصد والمبتغى من الدعوة يجب أن يكون رضا الله.

وقد حذر الله من الرياء إذ قال {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47]، وكان الرياء من شيم الكفار،وقد قيل في تفسيرالآية: هذا تقدُّمٌ من الله – جل ثناؤه – إلى المؤمنين به وبرسوله، ألا يعملوا عملًا إلا لله خاصة، وطلب ما عنده، لا رئاء الناس، كما فعل القوم من المشركين في مسيرهم إلى بدر طلبَ رئاء الناس.[6]

القدوة الصالحة
على الداعي أن يكون قدوة صالحة لمن يدعوهم؛ قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وكما قال الشاعر أبو الأسود الدؤلي:

                   لا تنهَ عن خلُقٍ وتأتيَ مثلَه         عارٌ عليك إذا فعلت عظيم[7]

وقد قال شعيب -عليه السلام- لقومه {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] يقول: وما أريد أن أنهاكم عن أمر ثم أفعلُ خلافه، بل لا أفعل إلا ما آمركم به، ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه.[8]

التوكل على الله
وأختم المقال بالتوكل على الله؛ وهو خلق بدونه لا يوفق الداعية أبدًا، وقد تكرر التوكل كثيرًا في العديد من الآيات، منها قول الله تعالى على لسان إبراهيم – عليه السلام -: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4]

وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3]

 وتفسير الآية: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} أي: في أمر دينه ودنياه، بأن يعتمد على الله في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ويثق به في تسهيل ذلك {فَهُوَ حَسْبُهُ} أي: كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي [العزيز] الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخيره إلى الوقت المناسب له؛ فلهذا قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} أي: لا بد من نفوذ قضائه وقدره، ولكنه {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} أي: وقتًا ومقدارًا، لا يتعداه ولا يقصر عنه.[9]


الهوامش

[1]  تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura29-aya20.html

[2] تفسير القرطبي https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/qortobi/sura16-aya125.html#qortobi

[3] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura3-aya159.html

[4] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura11-aya29.html

[5] تفسير ابن كثير http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/katheer/sura29-aya14.html

[6] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura8-aya47.html

[7] الديوان » العصر الاموي » أبو الأسود الدؤلي » حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه https://www.aldiwan.net/poem50221.html

[8] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura11-aya88.html

[9] تفسير السعدي https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/saadi/sura65-aya3.html#saadi

عندما يتطرّف اللُّطف

بعد أن طغت الثقافة الليبرالية العلمانية وصار الناس يحتكمون إلى قيم الحداثة والمدنية ويحاكمون الدّين وفقاً لمبادئها صار من الطبيعي أن نسمع كلَّ يوم صيحاتٍ في شتى مجالات العلم والفكر والحياة تنادي بأفكار جديدة وتطلع بفُهومٍ مبتكرة لم يكن لمن قبلنا قدرة على الوصول إليها وأنّى لهم وهم المحتكمون لشرع الله والمنقادون لثقافةٍ يحكمها الإله؟!!

واستدراكاً على ما سبق لا يُفهم من كلامنا أنّا نقدّس القديم ونستنكر الحديث فمعيارنا في أي حكم هو ما يقودنا إليه العقل السليم المستنير بالوحي والمسترشد بالتجارب والمتّكل على أصول المنطق الصحيح.

وليس المجال التربوي ببعيدٍ عن تلك الفُهوم المبتدعة بل لعلّه أكثر مجال قال فيه من لا يعرف وهرف فيه مقدّماً تجاربه وظنونه وتخميناته أو متعته. ولست ها هنا من المختصين ولا أدّعي، لكنّ مسألةً استطارت فيها التربية الحديثة تطرّفاً في اللطف المقابل للعنف الممنوع عن الأطفال؛ إذ وصلت إلى عقيدة الإيمان بالله ففصّلتها على مقاس الطفل كما يدّعون استحثّت في عقلي الناقد أسئلةً شتّى أضعها بين أيديكم لعلها تجد صدى في قلوب مؤمنة بالله وعقول غيورة على دينه.

الله محبة
يرى أبناء الاتجاه الحديث في التربية أن القيمة العليا التي ينبغي أن تزرع في قلب الطفل تجاه الله هي “الحب” فأن يحب الله الطفل متوسلاً بنعمائه التي طالما غمرنا بها وبرحمته التي تشملنا وبفضله الذي يسعنا يعني أن يتعلق قلبه بالله فيمضي في الحياة على سبيل الله.. ولا نماري في صحة هذا الكلام جزئياً؛ لكنّ تحول هذه الفكرة إلى معيارٍ مقدس تحتكم إليه كلُّ فكرة أخرى تُقدّم للطفل عن الله؛ إذ صار كثيرٌ من التربويين ينصحون بتغييب فكرة النار عن الطفل كي لا يخاف وينفر من الإله (الكيوت) الذي يريدون صنعه لأطفالهم إذ لا يمكن للإله المحبوب أن يعذب أحدا في النار بل لديه جنة تسع المخلوقات جميعاً! هذا التحوّل هو الدافع إلى هذه المقاربة التي تريد انتقاد الفكرة التي وصلت بأصحابها إلى القول بعدم تحفيظ الطفل أياً من آيات الله التي تصف عذابه أو ناره.

تناقضاتٌ صادمة:
تقدم هذه الفكرة سلسلة تناقضات قد تنفر الطفل من الله بدل أن تحببه إليه وذلك من خلال أنها:

* ترسم في ذهن الطفل صورة الإله (الكيوت) فإذا كبر أو اطلع بطريقة أو بأخرى على فكرة النار والعقاب والحساب وقع في صدمة أهم دعائمها تردد الأم وخوفها من اطلاع طفلها على هذه الحقيقة التي تجعله ينفر مما تخجل أمه ربما من إظهاره له!

* تقدم للطفل صورة الإله الضعيف إذ إننا لا نعيش في عالم تسوده العدالة ويحكمه السلام بل نعيش في عالم يسوده الظلم ويحكمه الطغيان، وبدل أن نقنع الطفل بالعدالة الإلهية التي تقتص من الظالم في الآخرة، إذا هي لم تفعل ذلك في الدنيا، فإن علينا كما يقول اللطف المتطرف أن نقدم له تلك الصورة الناقصة عن الله؛ فهو الذي خلق هذا الشر المستطير وترك كل هذا الظلم يطغى، ثم لم يقدم ميزانه كفة الحساب والعقاب لتستوي قيمة العدالة في الكون تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

كيف يمكن أن نخفي حقيقة العدالة الإلهية عن طفل لا يجد أبرد على قلبه من لجوئه إلى جبار السموات والأرض كي يقتص ممن هدم دياره وشرد أهله وقتل أباه أو أمه أو كل عائلته؟ كيف نخبئ حقيقة القدرة الإلهية عن طفل لا يجد أقوى من سهام المظلوم يرسلها دعوات على من سرق سعادته وشتت شمل نفسه؟! كيف يمكن للطفل أن يحب إلهاً لا يقيم العدالة ويعطي كل ذي حق حقه؟!

* تغفل هذه النظرة أهمية الخوف من الله الذي يمثّل رادعاً قوياً للنفس الإنسانية عن ارتكاب المعاصي ولولاه لوقع ابن آدم في بحر لجيٍّ من الخطايا.. ولأجل إخفاء هذه العقيدة يعمد أصحاب هذه الفكرة إلى كتم آيات العذاب ظناً منهم أنهم بذلك يجمّلون صورة الله في عيون أطفالهم، وينسى هؤلاء أن أجيالاً من الرعيل الأول كانوا يُستحفظون القرآن الكريم كاملاً بترغيبه وترهيبه، وكثيرٌ منهم يُتمُّ ذلك في السابعة أو الثامنة من عمره فلا تزداد قلوبهم المؤمنة إلا إيماناً، ولا تزداد نفوسهم المصدّقة إلا تعظيماً، فهل الهدف غرس العقيدة أو تضييعها؟

 كما يغفلون عن أن ميزان الترغيب والترهيب في القرآن الكريم دقيق يأخذ النفس الإنسانية بالتربية السليمة حتى تبلغ التسليم الذي بلغه الأنبياء الذين لم يكتفوا بالحب بل كانوا كما قال سبحانه: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [سورة الأنبياء: 90].

ويربكني أن أفكر أننا قد نربي جيلاً كاملاً بدون عقيدة الخوف من الله فنُصدم بقلوبٍ متمرّدة لا تعظّم الإله ولا تخشاه، وتتطرّف في اللطف ميوعةً أو في الضلال استهتاراً.

أجل، ليس من الصحيح ترهيب الطفل من الله وتخويفه من الاحتراق بالنار على كل صغيرة وكبيرة، لكنّ إلغاء هذه العقيدة وكتم آياتها في المقابل ليس صحيحاً، بل إنّه لا يليق في تعريف الطفل على جبار السموات والأرض.

فليعرف أبناءنا الله يحبّونه كما أحبّهم واختارهم مسلمين، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ولنغرس في قلوبهم الرغبة والرهبة فلا يميلوا إلى أي طرف حائرين، وليرَ أبناؤنا في عيوننا تعظيم الله ومحبته، وفي سلوكنا الخوف من الله وتجنب محارمه، فيكسبوا هذه العقيدة الصحيحة التي جاء بها الأنبياء جميعاً؛ ملّة أبينا إبراهيم هوسمّانا مسلمين.