مقالات

الفردوس الأرضي

قد يمتلك الإنسان الكثير من النِعَم؛ الوظيفة الجيّدة، والحياة الغنية المرفهة، فينظر إليه الناس ظانّين بأنّه قد امتلك السعادة كلها، كما جرى على لسان قوم قارون حينما قالوا: {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [القصص: ٧٩] وهكذا يبدأون في السعي بحثاً عن هذه السعادة المزعومة، وربما حصروها في مالٍ، أو ولد، أو غنىً فاحش، أو أهداف دنيوية يجعلون فيها الدنيا غايةً لا وسيلة أو طريقاً إلى الآخرة.

وحينما يبدأ الإنسان السيرَ في هذه الطريق، يظنُ بأنّ لها نهايةً ما ونقطة تنتهي عندها الحكاية فيحصل على سعادة إلى آخر يومٍ في حياته، وهنا تحديداً وبعد أن يمتلك ما أراد، يدرك بأنّه لا سعادة مطلقة في الدنيا؛ فتلك التي رأت أنَّ أقصى أحلامها ومنتهى سعادتها هو الولد، ستدرك بأنّ هذه اللذة مصحوبةٌ بألم الفقد أو الخوف منه، فتروادها الأفكار المنغصة مراراً، كذا الغِنى والجاه؛ فتجد الحاكم لا يشبع، وصاحب الشهرة لا يتوقف عن طلبها مهما بلغت شُهرته، وكذا من أحبَّ امرأةً فاجتمع بها، علمَ بعد تراخي حبال الشهوة أنّها لم تمنحه جنةّ على الأرض كما كان يظن .

“وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ”
ليتَ الناس يدركون ما تحمله هذه الكلمة، يُدركون حقيقتها ويعملون بها، فيضعون نُصب أعينهم الجنة والنار ويتوقفون عن البحث عن هذا الفردوس المزعوم، فالسعادة قد يمتلكها فاقد البصر إن أدركَ أنّه وفّر على نفسه إثماً كبيراً مما جمعه المبصرون وأنّه موعودٌ بالجنة بفقدهما، وتلك التي تنظر للشاشة متمنيّةً حياة إحدى المشاهير ستُدركُ بأنّهُم متعبون من ركضهم المستمر خلف أزرار اللايك، وبأنّهم يرتدونَ أقنعةً ليستمروا في هذا العالم الوهمي.

وقد يمتلك السعادة الفقير حينما يدرك بأنّه لن يُسأل عن ماله، والمريضُ مهما بلغَ اشتدادُ ألمه إن قرأ “ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِن نَصَبٍ ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ ولَا حُزْنٍ ولَا أذًى ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ” [صحيح البخاري: ٥٦٤١]،.

(مع عدم نفي تحصيل الأسباب، لكن محاولة تحصيل الرِضا واعتبار حقيقة الدنيا والآخرة)، هنا سيتوقف الناس عن البحث عن النواقص التي في حياتهم، سيبصرون ما بين أيديهم كافّين أعينهم عمّا في أيدي الناس، مطمئنين كعابرِ سبيلٍ يدرك بأنّه سيحين وقت السفر قريباً.

عِش يَومَك
يقولون” البعض يقضي حياته بانتظار أن يبدأها” يتجاوزون مراحل حياتهم واحدةً تلو الأخرى دون أن يشعروا بها، متأملين أنّ ما بعدها أجمل، طامعين في الحصول على لذةٍ وراحةٍ دون توقُّف، لكن من سُنّة الله في خَلقه أنّهُ خلق أجسادنا دنيويةً تحتمل اللذات إلى حدٍّ ما ثمّ تنقلب هذه اللذات إلى أسقام وهموم وربما أمراض قلوب؛ فجمعُ المال دون توقف يؤدي للسرف أو البخل، والركض المستمر خلف الشهرة قد يُصيبه بالكِبَر أو ربما يرى نفسه محورَ الكون، وإدمان المشاهد والعلاقات المُحرّمة قد يوصله لاشتهاء ما ينافي الفطرة السويّة فيميلُ إلى أبناء جِنسه {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [الأعراف ٨٢] يأتي هنا الدين ليضع حدًّا، ويُذكرّك بأنّك في دار البلاء، لتأخذ من هذه اللذّات بقدر حاجتك، يأمرك بأن تعيش يوماً بيوم، وألّا تكون حريصاً على الدنيا” من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة”. [الصحيح المسند للوادعي ٣٥٨]، وأن تجعلها في يدك لا في قلبك مهما امتلكت منها.

لا تذهَل عن السعادة الصغيرة اليوميّة، عن لذّة الطعام في فمك، عن استشعارِ جلدكَ للهواء، عن أهلِك، وعن جرحٍ صغير أصاب يدك فرممه الله لك خلال أيام دون أن تشعر، عن قلبك الذي يضخ الدم وعن أعضائك التي تعمل بنظامٍ دقيق، عن نملةٍ تحملُ فوقَها ما يفوقُ وزنها بأضعاف ، جرّب دهشة الأطفال بهذه التفاصيل، فالتفكُر إنَّما أُمِرَ به لتأخُذَ شيئاً من نعيم الآخرة، لأنّ النِعمَ تَدُلُ على المُنعِم، ولأننا لا نُدركُ ذاتَ الله وإنّما نُدركُ آياته، فتوقفَ قليلاً من ركضك خلف السعادة المزعومة وعِش سعادةً صغيرةً يوماً بيوم، فـ “ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها”[من شعر طانيوس عبده]، والحلقة الأخيرة لا تكون إلا بعد الحِساب.

يقول الدكتور عبد الكريم بكّار في محاضرة [الحياة الطيبة]: “إنَّكَ لو تأملتَ في حياةِ مُعظمِ الناس لَوجدتَ أنَّ القِسمَ الأوّل من الحياة ينقضي في اشتهاء القسم الثاني، وما يُخبّئُ هذا القسم الثاني من مفاجآتٍ سارّة، أمّا القسم الثاني فَإنّهُ يَنقضي في التَأسُّفِ على القسمِ الأوّل كما يتأسّفُ الشيوخُ على الشباب

ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً       لأُخبرهُ بما فعل المشيبُ

كيفَ السبيلُ إلى السعادةِ والرِضا وأنا لم أبلغ شيئاً إلا تطلّعتُ إلى شيءٍ آخرَ أبعدَ منهُ منالاً، ولم أُحقِق أملاً لنفسي أو للناس إلا اندفعت إلى أملٍ هو أشقُّ منه وأصعبَ تحقيقا، فإذا كان الأمل الذي لا حدَّ له، والعمل الذي لا راحة منه ، إذا كانَ هذا في نظركُم سعادة، فأنا السعيدُ الموفور الحظ ما في ذلك شك، أمّا إذا كانت السعادة هي الرضا الذي لا يشوبه سُخط والراحة التي لا يشوبها تعب والنعيمَ الذي لا يَعرضُ له بؤس، فإنّي لم أذُق هذه السعادةَ بعد، وما أرى أنّي سأذوقُها إلّا أن يأذنَ الله لي في ما بعد هذه الحياة بشيءٍ منها.

{فمن زُحزحَ عن النّارِ وأُدخِلَ الجنّةَ فقد فاز وما الحياةُ الدُنيا إلّا متاعُ الغُرور}[آل عمران: ١٨٥].

فـكُلُّ مافي الدنيا”محنةٌ ومنحة وألمٌ وأمل وصبرٌ وشُكر”.

و أخيراً، يقول صلى الله عليه وسلّم:”لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب”[رواه أحمد والشيخان]. 

منهج الدعوة وأخلاق الداعية

قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]

إن الدعوة من أول ما أمر به الله -عز وجل- رسوله صلى الله عليه وسلم، ولما كانت الدعوة فريضة على المسلمين؛ نزل القرآن مبينًا منهجها وآدابها، وهو ما أحاول استنباطه من آيات القرآن الكريم في هذا المقال.

البدء بشرح العقيدة
قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]

لم يبعث الله رسولًا إلا وبدأ بالتوحيد، وقد قص الله تعالى عن نوح وهود وصالح وغيرهم أن كلًا منهم جاء قومه فقال {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59-65 وغيرها]، فعلى الدعاة إلى الله أن يبدؤوا بالأهم فالمهم، فطوال فترة حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثلاث عشرة سنة بمكة بعد البعثة لم تنزل في القرآن أحكام من صيام أو زكاة أو تحريم خمر إلا أن الصلاة فرضت في السنة العاشرة للبعثة، إنما نزلت الأحكام في المدينة بعدما هاجر الرسول وقوي الإسلام.

الإقناع العقلي والدعوة للتدبر والتفكر
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20]
قوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ} يقول تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للمنكرين للبعث بعد الممات، الجاحدين الثواب والعقاب: {سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ} الله الأشياء وكيف أنشأها وأحدثها؛ وكما أوجدها وأحدثها ابتداءً، فلم يتعذّر عليه إحداثها مُبدئًا، فكذلك لا يتعذّر عليه إنشاءها معيدًا {ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ} يقول: ثم الله يبدئ تلك البدأة الآخرة بعد الفناء.[1]

إن الإسلام -بخلاف الأديان الباطلة- يدعو إلى التأمل والتدبر، فالعلم حجة للإسلام لا عليه، والقرآن يستعمل العلم حجة على صحة الإسلام، فمن منهج الدعوة التذكير بنعمة العقل الذي يميز الإنسان عن غيره، والتذكير بقبح عدم استخدام هذا العقل في معرفة الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه.

قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]

ونرى خطاب إبراهيم العقلي لقومه، قال الله تعالى: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [سورة الشعراء: 72-73]

اللين والرحمة في الدعوة
قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل : 125]

هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين. وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة.[2]

على الداعية أن يكون لينًا رفيقًا في دعوته؛ حتى يستميل قلوب من يدعوهم، وألا يكون فظًا ينفر الناس منه كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران : 158].

نزلت هذه الآية بعد غزوة أحد في موقف الرسول مع من فر من المسلمين يوم أحد، وتبرز أهمية اللين والعفو عن الزلات وإظهار الحب للمدعويين، وأهمية اجتناب الفظاظة والغلظة، فتأويل الكلام: فبرحمة الله، يا محمد، ورأفته بك وبمن آمن بك من أصحابك “لنت لهم”، لأتبَّاعك وأصحابك، فسهلت لهم خلائقك، وحسنت لهم أخلاقك، حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت عن ذي الجرم منهم جرمَه، وأغضيت عن كثير ممن لو جفوت به وأغلظت عليه لتركك ففارقك ولم يتَّبعك ولا ما بُعثت به من الرحمة، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم، فبرحمة من الله لنت لهم.[3]

العدل والثبات على المبادئ
إن العدل من أهم صفات الدعاة، ونرى قول الله على لسان نوح – عليه السلام – لقومه لما طلبوا منه طرد الفقراء الذين آمنوا من قومه {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} [هود : 29]، وكان نوح قال ذلك لقومه، لأن قومه قالوا له كما حدثنا عن ابن جريج، قوله: (وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم)، قال: قالوا له: يا نوح، إن أحببت أن نتبعك فاطردهم، وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء. فقال: {ما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم}، فيسألهم عن أعمالهم.[4]

فنرى كيف لم تغرِ نوحًا -عليه السلام- عروض كفار قومه، ونرى ثباته على الحق والعدل ورفض ظلم الضعفاء المؤمنين، فعلى الداعي إلى الله ألا يقدم التنازلات على حساب الحق والعدل، ولو حسب أن ذلك سينفعه.

الصبر على الدعوة
الصبر صفة الأنبياء وصفة أولي العزم من الرسل، قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ } [الأحقاف : 35]، والداعية سيواجه كثيرًا من التحديات والصعوبات أثاء دعوته؛ فعليه أن يصبرعلى ذلك؛ فالصبر صفة ملازمة للدعوة لا تتم بدونها، ونرى قول الله تعالى على لسان لقمان وهو ينصح ابنه {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور} [لقمان:17]، وقد أقرن لقمان الصبر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يدل على ارتباطهما الوثيق، وقد قال الله أيضًا في خاتمة آل عمران {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]

وقد ذكر الله تعالى في القرآن قصة نوح -عليه السلام- وقد مكث في قومه خمسين وتسعمائة سنة لم يمل من دعوة قومه، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت : 14]، ولم ييئس منهم حتى نزل عليه الوحي، قال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [هود : 36]

وفي تفسير الآية من سورة العنكبوت يقول ابن كثير: هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه، يخبره عن نوح عليه السلام: أنه مكث في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فرارًا عن الحق، وإعراضًا عنه وتكذيبًا له، وما آمن معه منهم إلا قليل، فأنت – يا محمد – لا تأسف على من كفر بك من قومك، ولا تحزن عليهم؛ فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وبيده الأمر وإليه ترجع الأمور.[5]

إخلاص النية وعدم طلب الأجر
كلما جاء نبي قومه قال لهم {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء : 109،127،145،164،180]، فمن يدعو إلى الله لا ينتظر أجرًا، فالمقصد والمبتغى من الدعوة يجب أن يكون رضا الله.

وقد حذر الله من الرياء إذ قال {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47]، وكان الرياء من شيم الكفار،وقد قيل في تفسيرالآية: هذا تقدُّمٌ من الله – جل ثناؤه – إلى المؤمنين به وبرسوله، ألا يعملوا عملًا إلا لله خاصة، وطلب ما عنده، لا رئاء الناس، كما فعل القوم من المشركين في مسيرهم إلى بدر طلبَ رئاء الناس.[6]

القدوة الصالحة
على الداعي أن يكون قدوة صالحة لمن يدعوهم؛ قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، وكما قال الشاعر أبو الأسود الدؤلي:

                   لا تنهَ عن خلُقٍ وتأتيَ مثلَه         عارٌ عليك إذا فعلت عظيم[7]

وقد قال شعيب -عليه السلام- لقومه {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] يقول: وما أريد أن أنهاكم عن أمر ثم أفعلُ خلافه، بل لا أفعل إلا ما آمركم به، ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه.[8]

التوكل على الله
وأختم المقال بالتوكل على الله؛ وهو خلق بدونه لا يوفق الداعية أبدًا، وقد تكرر التوكل كثيرًا في العديد من الآيات، منها قول الله تعالى على لسان إبراهيم – عليه السلام -: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4]

وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3]

 وتفسير الآية: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} أي: في أمر دينه ودنياه، بأن يعتمد على الله في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ويثق به في تسهيل ذلك {فَهُوَ حَسْبُهُ} أي: كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي [العزيز] الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخيره إلى الوقت المناسب له؛ فلهذا قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} أي: لا بد من نفوذ قضائه وقدره، ولكنه {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} أي: وقتًا ومقدارًا، لا يتعداه ولا يقصر عنه.[9]


الهوامش

[1]  تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura29-aya20.html

[2] تفسير القرطبي https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/qortobi/sura16-aya125.html#qortobi

[3] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura3-aya159.html

[4] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura11-aya29.html

[5] تفسير ابن كثير http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/katheer/sura29-aya14.html

[6] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura8-aya47.html

[7] الديوان » العصر الاموي » أبو الأسود الدؤلي » حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه https://www.aldiwan.net/poem50221.html

[8] تفسير الطبري http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura11-aya88.html

[9] تفسير السعدي https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/saadi/sura65-aya3.html#saadi

عندما يتطرّف اللُّطف

بعد أن طغت الثقافة الليبرالية العلمانية وصار الناس يحتكمون إلى قيم الحداثة والمدنية ويحاكمون الدّين وفقاً لمبادئها صار من الطبيعي أن نسمع كلَّ يوم صيحاتٍ في شتى مجالات العلم والفكر والحياة تنادي بأفكار جديدة وتطلع بفُهومٍ مبتكرة لم يكن لمن قبلنا قدرة على الوصول إليها وأنّى لهم وهم المحتكمون لشرع الله والمنقادون لثقافةٍ يحكمها الإله؟!!

واستدراكاً على ما سبق لا يُفهم من كلامنا أنّا نقدّس القديم ونستنكر الحديث فمعيارنا في أي حكم هو ما يقودنا إليه العقل السليم المستنير بالوحي والمسترشد بالتجارب والمتّكل على أصول المنطق الصحيح.

وليس المجال التربوي ببعيدٍ عن تلك الفُهوم المبتدعة بل لعلّه أكثر مجال قال فيه من لا يعرف وهرف فيه مقدّماً تجاربه وظنونه وتخميناته أو متعته. ولست ها هنا من المختصين ولا أدّعي، لكنّ مسألةً استطارت فيها التربية الحديثة تطرّفاً في اللطف المقابل للعنف الممنوع عن الأطفال؛ إذ وصلت إلى عقيدة الإيمان بالله ففصّلتها على مقاس الطفل كما يدّعون استحثّت في عقلي الناقد أسئلةً شتّى أضعها بين أيديكم لعلها تجد صدى في قلوب مؤمنة بالله وعقول غيورة على دينه.

الله محبة
يرى أبناء الاتجاه الحديث في التربية أن القيمة العليا التي ينبغي أن تزرع في قلب الطفل تجاه الله هي “الحب” فأن يحب الله الطفل متوسلاً بنعمائه التي طالما غمرنا بها وبرحمته التي تشملنا وبفضله الذي يسعنا يعني أن يتعلق قلبه بالله فيمضي في الحياة على سبيل الله.. ولا نماري في صحة هذا الكلام جزئياً؛ لكنّ تحول هذه الفكرة إلى معيارٍ مقدس تحتكم إليه كلُّ فكرة أخرى تُقدّم للطفل عن الله؛ إذ صار كثيرٌ من التربويين ينصحون بتغييب فكرة النار عن الطفل كي لا يخاف وينفر من الإله (الكيوت) الذي يريدون صنعه لأطفالهم إذ لا يمكن للإله المحبوب أن يعذب أحدا في النار بل لديه جنة تسع المخلوقات جميعاً! هذا التحوّل هو الدافع إلى هذه المقاربة التي تريد انتقاد الفكرة التي وصلت بأصحابها إلى القول بعدم تحفيظ الطفل أياً من آيات الله التي تصف عذابه أو ناره.

تناقضاتٌ صادمة:
تقدم هذه الفكرة سلسلة تناقضات قد تنفر الطفل من الله بدل أن تحببه إليه وذلك من خلال أنها:

* ترسم في ذهن الطفل صورة الإله (الكيوت) فإذا كبر أو اطلع بطريقة أو بأخرى على فكرة النار والعقاب والحساب وقع في صدمة أهم دعائمها تردد الأم وخوفها من اطلاع طفلها على هذه الحقيقة التي تجعله ينفر مما تخجل أمه ربما من إظهاره له!

* تقدم للطفل صورة الإله الضعيف إذ إننا لا نعيش في عالم تسوده العدالة ويحكمه السلام بل نعيش في عالم يسوده الظلم ويحكمه الطغيان، وبدل أن نقنع الطفل بالعدالة الإلهية التي تقتص من الظالم في الآخرة، إذا هي لم تفعل ذلك في الدنيا، فإن علينا كما يقول اللطف المتطرف أن نقدم له تلك الصورة الناقصة عن الله؛ فهو الذي خلق هذا الشر المستطير وترك كل هذا الظلم يطغى، ثم لم يقدم ميزانه كفة الحساب والعقاب لتستوي قيمة العدالة في الكون تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

كيف يمكن أن نخفي حقيقة العدالة الإلهية عن طفل لا يجد أبرد على قلبه من لجوئه إلى جبار السموات والأرض كي يقتص ممن هدم دياره وشرد أهله وقتل أباه أو أمه أو كل عائلته؟ كيف نخبئ حقيقة القدرة الإلهية عن طفل لا يجد أقوى من سهام المظلوم يرسلها دعوات على من سرق سعادته وشتت شمل نفسه؟! كيف يمكن للطفل أن يحب إلهاً لا يقيم العدالة ويعطي كل ذي حق حقه؟!

* تغفل هذه النظرة أهمية الخوف من الله الذي يمثّل رادعاً قوياً للنفس الإنسانية عن ارتكاب المعاصي ولولاه لوقع ابن آدم في بحر لجيٍّ من الخطايا.. ولأجل إخفاء هذه العقيدة يعمد أصحاب هذه الفكرة إلى كتم آيات العذاب ظناً منهم أنهم بذلك يجمّلون صورة الله في عيون أطفالهم، وينسى هؤلاء أن أجيالاً من الرعيل الأول كانوا يُستحفظون القرآن الكريم كاملاً بترغيبه وترهيبه، وكثيرٌ منهم يُتمُّ ذلك في السابعة أو الثامنة من عمره فلا تزداد قلوبهم المؤمنة إلا إيماناً، ولا تزداد نفوسهم المصدّقة إلا تعظيماً، فهل الهدف غرس العقيدة أو تضييعها؟

 كما يغفلون عن أن ميزان الترغيب والترهيب في القرآن الكريم دقيق يأخذ النفس الإنسانية بالتربية السليمة حتى تبلغ التسليم الذي بلغه الأنبياء الذين لم يكتفوا بالحب بل كانوا كما قال سبحانه: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [سورة الأنبياء: 90].

ويربكني أن أفكر أننا قد نربي جيلاً كاملاً بدون عقيدة الخوف من الله فنُصدم بقلوبٍ متمرّدة لا تعظّم الإله ولا تخشاه، وتتطرّف في اللطف ميوعةً أو في الضلال استهتاراً.

أجل، ليس من الصحيح ترهيب الطفل من الله وتخويفه من الاحتراق بالنار على كل صغيرة وكبيرة، لكنّ إلغاء هذه العقيدة وكتم آياتها في المقابل ليس صحيحاً، بل إنّه لا يليق في تعريف الطفل على جبار السموات والأرض.

فليعرف أبناءنا الله يحبّونه كما أحبّهم واختارهم مسلمين، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ولنغرس في قلوبهم الرغبة والرهبة فلا يميلوا إلى أي طرف حائرين، وليرَ أبناؤنا في عيوننا تعظيم الله ومحبته، وفي سلوكنا الخوف من الله وتجنب محارمه، فيكسبوا هذه العقيدة الصحيحة التي جاء بها الأنبياء جميعاً؛ ملّة أبينا إبراهيم هوسمّانا مسلمين.

نداء الفطرة

إن الحيرة التي تضطرم في خلدك، والشتات الذي يعيث في عقلك، والتيه الذي تتيه فيه ويتيه فيك، والدوامة النفسية التي تقتات عليك، ما هي إلا رغبتك في المعرفة والوصول ولمس الحقيقة.

“رغبتك” تلك التي تجتاحك رغماً عن إرادتك، تقيمك من مقعدك، تزعج مرقدك، تحركك وتدفعك اتجاه بوصلة المعرفة لئلا تهوي إلى الهاوية فتُسحق وتهلك وتدوسك الدنيا ثم ترميك في غياهب الغياهب، فتتيه فوق تيهك، وتختنق وتغرق في لجة الظلام، ولجّة التيه، وتعجز عن لمس خيط من خيوط النور لأنك ستكون غائب في الغياهب منسي، لأنك لن تكون شيئاً يُذكر ولا يُرى، “رغبتك” في الوصول لإيمان كلّي لا تشوبه الشوائب، ولا تزعزعه النوائب، إيمان محفوف بالتسليم واليقين! 

“رغبتك” تلك ماهي إلا فطرتك التي فطرك الله عليها، فطرة أنك مخلوقٌ ضعيف تبحث دائماً عن إله يرحم ضعفك، يرمم تآكلك، يسد فقر وخواء روحك، تعبده وتعود إليه في وهنك، وهذا دأب البشر منذ أول الخليقة “تلبية نداء الفطرة”.

معنى الفطرة
الفطرة هي الخِلقة والهيئة السليمة المستقيمة التي لا عيب فيها وهي الجبلّة التي جُبل الناس عليها، أي أن الإنسان مجبول على التوحيد والعبادة ومهيأ نفسياً، أو بمعني آخر هي الوجدان الحي والغريزة الربانية التي تسير منطق العقل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهوّدانه أو يُنصرّانه أو يُمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل ترى فيها من جدعاء) [رواه البخاري ومسلم في الصحيحين].

فلا يوجد بشري بخِلقة وفطرة غير سليمة أو معوجّة، ولو تجرد الإنسان من الهوى والكبر والعناد لاتبع سبيل فطرته السليمة ففي الحديث: (إني خلقت عبادي حنفاء، وإن أتتهم الشياطين فاجتاتهم عن دينهم) [صحيح مسلم].

ولقد تناول موضوع الفطرة المفكرين والفلاسفة بكثرة، فيقول جان جاك روسو على لسان قس الجبل لتلميذه “عش طويلاً… لا تصغي إلا لنداء البراءة، تذكر أن الوقاية من الطبيعة تضر المرء أكثر من معاكستها” [نداء الفطرة، ص 24].

فلو عاكست فطرتك وكبت مركب هواك فلن تجد له شاطئ ولا مرفأ ولعمري إنك ستغرق في غيك وتتيه في التيه أكثر ويقول أيضاً “كنت في حال من الحيرة والشك تلك التي يراها ديكارت ملازمة لكل باحث عن الحقيقة، وهي حالة نادراً ما تطول لما يصاحبها من قلق وعناء نفساني فلا يمكث فيها إلا من ساءت أخلاقه وخارت نفسه..” [نداء الفطرة، ص 26].

إليك خليل الله إبراهيم عليه السلام لمّا نادته فطرته فراح يلبيها ويتفكر ويبحث عن إلهه، فطرته التي جعلته يستنكر عبادة الأحجار والكواكب وغيره مستشعراً أن له رب واحد وإله عظيم لا يأفل ولا يغيب.. وها هو قد وصل، وإليك نبينا محمّد عليه الصلاة والسلام لمّا اعتكف في غاره يتفكر تأبى نفسه السجود لصنم..  وقد وصل.

يقول الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون} (الروم: 30) 

يقول سيد طنطاوي في الوسيط: أي: إذا كان الأمر كما ذكرت لك _ أيها الرسول الكريم _ من بطلان الشرك فاثبت على ما أنت عليه من إخلاص العبادة لله تعالى وحده، وأقبل على هذا الدين الذي أوحاه الله إليه بدون التفات عنه أو ميل إلى ما سواه.

قال صاحب الكشاف: قوله: فأقم وجهك للدين حنيفاً أي فقومه وعدله غير ملتفت عنه يميناً أو شمالاً وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته عليه وثباته واهتمامه بأسبابه فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه وسدد إليه نظره وقوّم له وجهه مقبلاً عليه.

والمراد بالفطرة الملّة أي ملّة الإسلام والتوحيد أو المراد بها قابلية الدين الحق والتهيؤ النفسي لإدراكه…. أي اثبت أيها الرسول الكريم على هذا الدين الحق والزموا أيها الناس فطرة الله وهي ملة الحق التي فطر الناس عليها وخلقهم قابلين لها.

يقول ابن القيم رحمه الله “والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه وفطرة عملية وهي هذه الخصال، حديث عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحى والسواك واستنشاق الماء وقص الأظافر وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء، قال الراوي ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة (رواه مسلم)، فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب والثانية تطهر البدن.

فكما أنك مفطور على تلبية حاجات بدنك وعلى حب الخير وعلى فضائل الأخلاق كالصدق والبرّ والتقوى والوفاء والتعاون. فإنك مفطور على الرجوع لله تعالى وتوحيده متبتلاً إليه مصغياً للنور الذي في قلبك.

هلمّ نلبي النداء
لعمري إنك لمؤمن ومصدق لكنك كما قلنا تائه تحسب مرة أنك قد وصلت وعرفت وأخرى تساورك الشكوك فتقف متحيراً تنظر وتتفكر وتقرأ الكون بكل جوارحك تركض هنا تهرول هناك…. تتعثر، تقوم، تعرج، تلهث، تصرخ، تكاد تلمس الحقيقة وهنا.. ههنا الامتحان ولا تجزع فهذا دأب الناس والأنبياء الذين تنزلت عليهم الرسالة حتى، فإبراهيم الخليل عليه السلام سأل ربه ليطمئن قلبه وموسى عليه السلام كذلك.

وكل إنسان يفتر ويبتعد ثم يبتعد أكثر يذوب وينصهر في بهرجة الدنيا وخداعها يتعب ويذوي لكنه يحتاج أن يعود إلى الله تعالى فطرته تحثه أن يعود فيعود بقلب أشعث، أغبر، كدر، خجلاً من هيأته كثيراً فيحوم ويحوم كي لا يعود رغم رغبته الجامحة في العودة والتعبد، لكن أين؟ لا بد لك أن تعود وتلبي نداء فطرتك كي تسكن وتستكين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ربّ أشعث أغبر ذي طمرين مدفوعٌ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره صحيح رواه الترمذي.

فتقف آنذاك بأكدارك وأوزارك، بأسقامك وآلامك، مطأطئ الرأس، جافي النفس، رافعاً يديك خجلاً وأملاً، خجلاّ من نفسك أملاّ برحمته، فتقول وتشرح وتدعو، تتندى عيناك، تنهمر، فتغسل روحك، عمق روحك، فلا تقوم إلا منتشٍ، رافع الرأس، خفيف الحمل، مضاء البصيرة، مرتاح السريرة.. هذا والله أول الوصول للسبيل فما بالك بآخره!!

يامن يرى مدّ البعوض جناحها            في ظلمة الليل البهم الأليلِ

ويرى نياط عروقها في جسمها            والمخ في تلك العظام النحّلِ 

أغفر لعبدٍ تاب من زلاته                  ما كان منه في الزمان الأولِ

وهنا أقول يالهنائي وهناؤك إن تتبعنا النور الذي في دواخلنا ووصلنا السبيل حيث لذة الوصول ونيل المنال، الوصول للحق والحقيقة لحظة أنك تستشعرها في قرارة نفسك وكلك يقينٌ مطلق، لحظة أنك ستصل معها إلى نفسك وتجدها فتعرف أنك عبداً لربٍ عظيمٍ تشعر بحضوره في حركاتك وسكناتك وأي كرمٍ وإحسانٍ ذاك!

يقول الشيخ علي الطنطاوي: “سيظل الناس تحت أثقال العزلة المخيفة حتى يتصلوا بالله ويفكروا دائماً في أنه معهم وأنه يراهم ويسمعهم هنالك تصير الآلام في الله لذة والجوع بالله شبعاً والمرض صحة والموت هو الحياة السرمدية الخالدة، هنالك لا يبالي الإنسان أن لا يكون معه أحد لأنه بكون مع الله” [من حديث النفس، ص149].

يا بنيّ اركب معنا.. أبٌ كريم وابن كافر

أمواج عاتية صاخبة تضرب بقاع الأرض، رعبٌ ووجلٌ يزلزلان القلوب، وسفينة نجاة واحدة تشق وجه الماء. هناك كان الأب العطوف على ظهر المركب يدعو الله وحده ويوجه المسير لما رأى فلذة كبده في الماء يبحث عن أيّة بارقة أمل يتعلق بها. ناداه مشفقاً ملهوفاً ليركب معهم ولا يصيبه ما أصاب الكافرين فيهلك معهم في الدنيا والآخرة، فكان رد الصبي الغافل أن سيلجأ لجبل يحميه، رد الأب سريعاً راجياً لابنه النجاة. لكن قضاء الله أسكت الولد العاق وغيبه الموج القاتل إلى غير رجعةٍ أبدا.

قصةٌ مهولة تدور أحداثها أمامنا في سورة هود كأننا نشاهدها صوتاً وصورة [1]. كلنا قرأ القصة وتأثر بها، لكنني لم ألمس العواطف العميقة فيها حقاً إلا بعدما رزقني الله نعمة الأمومة وأحسست بالمسؤولية العظيمة الملقاة على كاهلي ممزوجة بمشاعر الحب والشفقة والرأفة التي يودعها الله تبارك وتعالى فينا. فهمت لوعة نوح عليه السلام لما علم أن ابنه هلك مع الكافرين واختار لنفسه سبيلهم إلى آخر لحظة.

نوح، أحد أولي العزم من الرسل الذي مكث يدعو قومه تسعمئة وخمسين سنة لا يكل ولا يمل ولا يدع درباً للدعوة إلا سلكه، يفجع بابنه لا يؤمن به ولا يوقن بالله حتى وهو يرى عذابه الموعود بعينيه،{قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43].

كيف يمكن ذلك؟ هل يعقل أن يكفر ابن النبي الذي اصطفاه الله لرسالته وأيده بوحيه؟ في القصة دروس عظيمة وعبر للتأمل قد تشق على النفس لأول وهلة، لكنها سرعان ما تولد سكينة وطمأنينة تنسجم مع حقيقة الإيمان والعبودية لله جلَّ وعلا.

إنهم أبناؤنا
تعلمنا قصة نوح عليه السلام مبدأً أساسياً ومهماً في التربية وهو انفصال الابن عن والديه عملاً وتوجهاً، وتحمله لمسؤولية اختياراته ونفسه أمام ربه سبحانه وتعالى، فكُفر ابن نوح عليه السلام لا يعكس بأي حال نقصاً في تدين نوح أو التزامه بما أمره مولاه تعالى، إنما هو كافرٌ اختار لنفسه درباً لم يملك أبوه إنقاذه منه.

طفل صغير محاط بملابس والدته كناية عن التربية الوقائيةكثيراً ما يدخل الآباء والأمهات دون إدراك منهم متاهة اجتماعية مرسومةً لهم تنتهي بتوطين نفوسهم على خدعة أن أبناءهم ملكٌ شخصي لهم لا يحق لهم الانفصال عنهم أبداً. ولهذا شواهد كثيرة، تبدأ منذ الطفولة لما تجبر الأم صغارها على ارتداء ما يعجبها من الثياب، وتصرّ على مساعدتهم في كل صغيرةٍ وكبيرة من شؤونهم. وكذلك يستمر الحال ويتفاقم حتى تصير مسؤوليات الأبناء كلها ملقاة على عاتق الأم ويغيب حق نفسها عليها. قد تواسي نفسها بأنها مثال للتفاني وبأن أبناءها سيردوا لها الجميل لاحقاً، لكن عظم هذه الأخطاء يظهر بعد سنين حين تتحول هذه الأم التي كانت المشفقة الحنون إلى أم زوجٍ أو زوجة شديدة الغيرة لا تستطيع أن ترى سعادة لأبنائها بعيداً عنها، كأن زواجهم صدمها بحقيقة أنهم ليسوا جزءاً منها!

لا أقول هنا أن كل الأمهات كذلك، لكن غياب معاني الإيمان وإعطاء النفس حقها وتجديد النية لله في العمل  والتجرد له يؤدي لهذه العاقبة مع الأسف. فمهمات التربية عظيمة ومجهدةٌ فعلاً، وقد ترى الأم نتيجتها في حياتها وقد لا تراها، فهي في ذلك تعمل وتجدُّ مبتغية وجه الله والدار الآخرة، لا منتظرة من أبنائها حمداً ولا شكوراً. فهم في نظرها أمانة من الله عندها وفرصة لتستكثر من الخير لآخرتها عند من لا يضيع عنده مثقال ذرة.

إضافة إلى ذلك، فإن إمساك النفس عن التدخل في مهمات الأبناء وتصويبهم على الدوام قد يكون أصعب من العمل نفسه، خصوصاً مع ما عوّدنا عليه مجتمعنا وما صدرته لنا وسائل الإعلام من صور نمطية وتوقعات خيالية سواء عن دورنا التربوي أو عن حقوقنا على أبنائنا. فكثير من الآباء والأمهات يستثقلون ترك الابن يدرس بمفرده ويجد نتيجة عمله في الامتحان ويفضلون الإشراف بنفسهم على تدريسه ليكون الأول بين زملائه.

ومن المؤكد أن الأم ليست وحدها من تقع في هذا الخطأ، فكم من آباء عاقبوا أبناءهم بـ”الغضب” والطرد لما رفضوا دخول التخصص الذي أرادوا أو الزواج ممن اختاروا.

وأشبِّه هذا الخطأ التربوي بالمتاهة الاجتماعية لأن دخولها سهل لا يتطلب جهداً، إنما مجرد اتباع التيار، لكن النجاة منها تحتاج تحليلاً لما يدور فينا من أفكار وما تسبب في تكوينها على مر السنين إلى أن صرنا على ما نحن عليه اليوم. فكم من رسائل وصور تراكمت فينا حتى رسخت مبادئ وتوقعات مغلوطة صارت جزءاً من فكرنا وسلوكنا دون أن ندرك. وفي هذا المعنى يقول د. عبد الرحمن ذاكر الهاشمي أنه ينبغي أن نعي ما يردنا من مدخلات، ومن الضروري أن لا نترك مفاتيحنا في يد أهل الإعلام أو الإنترنت أو المجالس اليومية أو غيرهم، وذلك بتدريب النفس على مهارة التوقف والتفكير والعقل والتدبر [2].

ابن ضال لوالدين مستقيمين
قال تبارك وتعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6].

أب وابنه يتبادلان أطراف الحديث وقت الغروبفرغم أهمية ما ذكرت من إعطاء النفس حقها وإمساكها في بعض المواضع عن تقويم خيارات الأبناء لتتدرب على انفصالهم عنها وتنمي استقلاليتهم وتحملهم لمسؤولية خياراتهم، فإن ذلك لا يعني أن على الأبوين أن ينسحبا من حياة أبنائهم ويتركا لهم الحرية المطلقة في كل الأمور، بل المراد تحقيق التوازن بين الإشراف والانسحاب. ومن المهم كذلك تأصيل المرجعية الحق في نفوس الأبناء ليعلموا ما العمل الذي يرضي الله وفيه سعةٌ للاختيار مما لا يرضيه تبارك وتعالى. يقول د. ابراهيم الخليفي أن علينا تعليم أبنائنا أنهم في كل لحظة مخيرين ليتعلموا مقارنة البدائل و تمييز الحق واختيار الفاضل ولو كان مراً على المفضول ولو كان حلواً [3].

ولذلك خطوات تبدأ بوعي الأبناء بحقيقة الوجود فهم ولدوا ليخلدوا بين انتقالات من ذر لرحم لدنيا لبرزخ لآخرة، وأن أمامهم في هذا الخلود السرمدي فرصةً قصيرةً ذهبية للعمل يتبعها الجزاء. والعدة للعمل هي معرفة ما يرضي الله سبحانه وتعالى وبناء الخيارات عليه [3].

والمهمة تختلف بحسب المرحلة العمرية للابن، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كخ كخ، ارم بها، أما علمتَ أنَّا لا نأكل الصدقة” [متفق عليه]، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الحسن بن علي بنفسه ويصوب له سلوكه برفق ولين وهو بعد طفلٌ صغير.

أما إن كان الأبوان قائمين بما عليهما تجاه نفسهما وأبناءهما ثم كتب الله لأحد هؤلاء الأبناء الضلال فهذا لا يطعن في الوالدين البتة. ولعل ذلك من أهم الدروس المستفادة من قصة نوح عليه السلام مع ابنه الكافر، فضلال الولد لا يدل على تقصير والده. وللدكتور إياد القنيبي كلمة طيبة في هذا المعنى يقول فيها إن الشيطان قد يأتينا من باب الصدق ومحاسبة النفس في حال النوازل حتى يجرنا إلى الإحباط واليأس [4].

إن انحرف ابنك أو ابنتك فلتحاسب نفسك ولتراجع سلوكك وتربيتك له ولتدارك الأمر ولتصلح فيما تبقى، لكن لا تشعر بالفشل أو القلق فتصير غير قادر على التعامل بحكمة مع هذا الابن أو إخوته. ورغم صعوبة تقبل فكرة أن ابناً لك قد يكون ممن لم يشأ الله أن يهديهم, تذكر{إِنَّكَ لَا تَهدِي مَن أَحبَبت} [القصص:56]، فاخضع لإرادة الله واقبل أن له سبحانه قدراً نافذاً قدّره قبل خلق الخلائق [4].

كلهم آتيه يوم القيامة فرداً
شخص يقف وحيدًاورغم ثقل وصعوبة حقيقة الأمر على الآباء والأمهات الحريصين على نفع أبنائهم، إلا أنها تبعث في النفس راحة وطمأنينة إلى عدل المولى سبحانه ورحمته بنا. فكلنا محاسبٌ عن نفسه مسؤول عن ذاته فقط، والله يملك هدايتنا وحسابنا جميعاً، فإن أدى المرء ما عليه أمام مولاه، كان أجره على العمل لا على نتيجته. يقول تبارك وتعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105] فأعمالنا ستعرض عليه تبارك وتعالى، وعلى الرسول، وعلى المؤمنين، وهذا كائن لا محالة يوم القيامة [5]، ولم تذكر الآية نتيجة العمل أو ثمرته. فالمجاهد يثاب بخوضه غمار المعركة لوجه الله انتصر على العدو أم لم ينتصر، وقد قال سيد قطب رحمه الله: “الدعاة إلى الله أجراء عند الله أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا عملوا وقبضوا الأجر المعلوم، وليس عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير فذلك شأن صاحب الأمر ولا شأن الأجير” [6]. وسبحان الله كم يبعث الاستسلام له من راحة في النفس فهو سبحانه المتحكم بالخلق مالك نواصيهم، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، و{مَن عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفسِهِ وَمَن أَسَاءَ فَعَلَيهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلعَبِيدِ} [فصلت: 41].

ولذا كان رد نوح عليه السلام استسلاماً لإرادة مولاه سبحانه وانقياداً لقضائه لما علم حقيقة الأمر فقال: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47]. فيعلم العبد بذلك حده ومنتهى قدرته.

فلله الحمد كم في كتابه الكريم من عبر وفوائد، نسأل الله أن نكون ممن يعيها وينتفع بها. جعلنا الله أن نكون من أهل القرآن العالمين بمعانيه العاملين بما فيه، إنه قريب مجيب، بيده الخير وإليه يرجع الأمر كله سبحانه رب العالمين.


المصادر:

[1] سيد قطب، في ظلال القرآن

[2] د. عبد الرحمن ذاكر الهاشمي، مقالة بعنوان: ألف باء العلوم – الحلقة الثانية: موجز فقه التفكير والعقل / الجزء الأول. موقع مركز مكاني.

https://makany.world/

[3] د. ابراهيم الخليفي، مادة مرئية بعنوان: موسوعة الأسرة – كيف نعلم أبناءنا تحمل المسئولية https://www.youtube.com/watch?v=Wv6LOzJqneU

[4] د. إياد القنيبي، مادة مرئية بعنوان: ابني الضال مشروع حياتي. https://www.youtube.com/watch?v=PKMvQc-LUeU

[5] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم

[6] سيد قطب، معالم في الطريق

قسوة القلب.. داء الروح الذي كشفه الوباء

لا يختلف اثنان اليوم على كون فيروس كورونا المستجد من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، فحتى منتصف مايو 2020، لقي أكثر من 290 ألف شخص حول العالم مصرعهم بالوباء.

وبينما قيادات العالم في توجس وترقب مما قد تجلبه الأيام القادمة؛ تجد كثيراً من شبابنا غارقين في لهو وسخرية وغفلة أمام هذا الابتلاء الربّاني، فلا هم يشعرون بعظم الامتحان و قرب الموت، ولا هم يفرّون إلى الله ليكشف الغمة. فما توصيف هذه الحال؟ وما الذي أدى بنا إليها؟

الوباء يمتحننا فهل ننجح؟
أخبرنا الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم كثيراً من أحوال الأمم السابقة لنتعظ بحالهم ونتجنب أخطائهم. ومن تلك الأحوال أنه سبحانه أرسل إلى أقوامٍ غابرةٍ ابتعدت عن سبيل الرشد أنواعاً من الابتلاء، من ضيق عيشٍ وفقرٍ وأمراضٍ، لعلهم تحت وطأة الشدة يفيقوا من غفلتهم ويتضرعوا إلى الله مولاهم، ويتذللوا له ويدعوه وحده أن يرفع عنهم البلاء بقلوبٍ مخلصة فيكون البلاء منحةٍ لهم إن ردهم لدينهم [1,2]. قال تعالى:{ولقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42]

لكنّ هؤلاء الأقوام لم ينتفعوا بهذه الفرص كما ينبغي. لم يلجؤوا إلى الله ولم يرجعوا عن عنادهم، ولم ترد الشدة إليهم وعيهم ولم تفتح بصيرتهم، ولم تلين قلوبهم وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم مايقعون فيه. ذلك لأن قلوبهم تحجرت فلم تعد الشدة تردها إلى الله ، وماتت فلم تعد الشدة تثير فيها الإحساس [1,2]. قال سبحانه: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الأنعام: 43]

فالقرآن يخبرنا أنّ من لا يدفعه البلاء للفرار إلى الله إنما هو مريضٌ بقسوة القلب، وأن هذا المرض خطرٌ عظيم أشدّ من البلاء نفسه بكثير، إذ أنه يهدد الروح الباقية لا الجسد الفاني. ففي الآية التالية تظهر عاقبة من لم يعتبر بالمحنة:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: [44-45] إنه الاستدراج الذي يتبعه أخذٌ قوي شديد من الله سبحانه على حين غرة ولهو، أعاذنا الله وإياكم.

فالآيات السابقة ترشدنا أن نتعامل مع البلاء باعتباره تذكرة ودفعةً تردّنا لدرب الحق، لا أن نتجاهل آيات الله فيه ونواجهه بالسخرية والغفلة. وفيروس كورونا المستجد هو نوعٌ من المحن التي أرسلها الله لنا كما أرسل إلى من قبلنا من عجيب الآيات ليعتبروا ويتذكروا. قال تعالى: {ولَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف:130] لكن آل فرعون لم يتعظوا كما نعلم، فخسروا بذلك دنياهم وآخرتهم.

فهذا الذي يسميه الغرب عدواً هو في حقيقته آية من آيات الله أرسلها على عباده، وسيكشفها إذا شاء بأمره، ولكن المهم هو حالنا نحن أمامها. هل ستردنا إلى الله أم ستظهر حقيقة مرضٍ في قلوبنا؟

إن مواجهة البلاء والأزمات بالنكات والتذمر واللهو لا تدل على صلاح القلب، فهذه الأساليب وإن بدت في ظاهرها طرقاً بريئة لتنفيس مشاعر سلبية متعلقة بالحجر، فهي في حقيقتها حيلٌ من الشيطان ليمنعنا عن التأمل في حقيقة الامتحان، فهو يقنعنا أننا نتسلى عن الهموم بينما تنبت الغفلة في قلوبنا وتورثنا تهاوناً بآيات الله سبحانه. ومن حيل الشيطان التي لحظتها في كثير ممن أحسبهم على خير أنه أوهمهم أن إيمانهم بالله وتوكلهم عليه تجاوز بهم الخوف من الموت فصار الوباء بالنسبة لهم أمراً عادياً، وهذه خدعةٌ خطيرة في ذاتها، فالمؤمن كلما زاد قرباً من الله ازداد خشية منه سبحانه، ولا تناقض بين الرجاء والخوف [3]. ولما كان كيد الشيطان ضعيفاً عاد سبب نجاحه في حيله إلى قسوة في قلوبنا التي لم تعد الشدة تدفعها لصدق اللجوء لمولاها.

ولذا أدعوكم ونفسي للتأمل في حقيقة القسوة لنصل إلى مسبباتها وطرق علاجها.

قسوة القلب وخطورتها
قال القرطبي: القسوة هي الصلابة والشدة واليبس والقلب القاسي هو الذي لا يعي الخير ولا يفعله [4]، وقيل: القسوة في القلب ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه [5]، أوتصلبه ونبوته عن اتباع الحق [6]. وروي عن مالك بن دينار قوله: “ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب “[4].

وقد تتبعتُ مفردة القسوة في القرآن الكريم فوجدت التحذير والتخويف والذمّ مرتبطين بها دوماً. من ذلك قوله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نورٍ من ربه فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلالٍ مبين} [ الزمر: 22] فالله عزّ وجل يتوعد بالعذاب الشديد لأصحاب القلوب المتصلبة التي لا تلين بالذكرى [1]. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من قلبٍ لا يخشع ومن عين لا تدمع [صححه الألباني].

وقسوة القلب سبب لفساد النفس وخسرانها، إذ أن القلب للأعضاء كالملك المتصرف في الجنود التي تصدر كلها عن أمره ويستعملها فيما شاء فكلها تحت سلطانه وقهره تكتسب منه الاستقامة والزيغ وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله. فهو ملكها وهي المنفذة لأمره، ولا يستقيم لها شيءٌ من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته [7]. ولذا كانت العناية بحال القلب من ضرورات الدين، وقد قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله: إن أشرف ما في الإنسان قلبه فهو العالم بالله العامل له الساعي إليه. ومن عرف قلبه عرف ربه، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، فمعرفة القلب وصفاته أصل الدين وأساس طريق السالكين [8]. وفي رواية النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أَلَا وَإِنَّ في الجسد مضغةٌ إذا صلحت صلح الجسد كله، وَإِذَا فسدت فسد الجسد كله، أَلَا وهي القلب” [متفق عليه].
والقلب هو الذي ينظر الله إليه من العبد، فقد قال صلى الله عليه وسلم:  “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” [صحيح مسلم].

و حبذا لو وجدنا في البلاء الذي نمر به فرصةً لنتبصر في أنفسنا ونقيّم قلوبنا، أقاسيةٌ هي أم لينة؟ هل تدفعها المحن إلى اللجوء إلى الله؟ أم أنها تهرب من الموعظة نحو الملهيات والمشتتات؟ هل تضحك أمام الآية أم تخشع؟ فالأوان لتصحيح المسار لم يفت، وباب التوبة مفتوحٌ طالما في العمر بقية.

الأسباب والعلاج
معرفة أسباب قسوة القلب طريقٌ لمعالجتها وإغلاق أبوابها، وقد وصف علماء الأمة أسباباً عديدة للقسوة: أهمها الشرك بالله بكافة صوره وأشكاله كاعتقاد النفع والضرر في غيره سبحانه، والرياء والتحاكم إلى غير شريعته، وابتغاء غير وجهه بالعمل. ومنها كثرة المعاصي والذنوب بجملتها، فإن تراكمها يولد غطاءً على القلب يفسده ويقسيه [4]، قال سبحانه وتعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14].

وفي هذا المعنى قال ابن المبارك:

رأيت الذنوب تميت القلوب    ويورثك الذلَّ إدمانُها

وترك الذنوب حياة القلوب     وخيرٌ لنفسك عصيانها

ومن أسباب قسوة القلب نقض العهود والمواثيق [4]، كما قال سبحانه: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية} [المائدة:13]

ومنها كثرة الكلام بغير ذكر الله وكثرة الضحك وكثرة الأكل و كثرة النوم فإنه يميت القلب، ويثقل البدن، ويضيع الوقت، ويورث كثرة الغفلة والكسل [4, 9].

وآخرها كثرة الخلطة، وفي ذلك قال ابن القيم رحمه الله: أما ما تؤثره كثرة الخلطة: فتملأ القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود، وتوجب له تشتتا وتفرقا وهما وغما، وضعفا، وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء، وإضاعة مصالحه، والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم. فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟ [9]

ومن أبرز ما نلاحظ في هذه الأسباب كون معظمها من المباحات، كالطعام والنوم والخلطة بالناس، لكن المبالغة فيها تفسد القلب وتقسيه وتشغله عن ذكر الله والتقرب إليه. فالأكل باعتدال يقوي الجسد على طاعة الله، أما الإسراف فيه فيضعف الروح ويثقل الجسد عما خلق له ويورث كثيراً من الأسقام.

أما عن معالجة قسوة القلب فهي تبدأ بصدق الالتجاء إلى الله وطلب الهداية منه وإعانته على الخشوع والتذلل إليه والانتفاع بآياته، فذلك كله لا يكون إلا بتوفيق الله عزّ وجلّ وفضلِه، ومن ثمّ بمراقبة النفس وإبعادها عن أسباب القسوة السابق ذكرها. ولا شكّ أن ذلك يتطلب جهداً وإخلاصاً لله تعالى في القول والفعل.

ومن سبل تليين القلب كثرة ذكر الله وتلاوة القرآن وتدبر معانيه [4]، قال تبارك وتعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23]

ومنها كذلك كثرة ذكر الموت وزيارة القبور والإحسان لليتامى والمساكين، فعن أب هريرة رضي عن أَبِي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال له: “إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم” [أخرجه أحمد وصححه الألباني].

هذا غيضٌ من فيض في معاني إصلاح القلب ومعالجته. أدعوكم لمراجعة المصادر أدناه للاستزادة، أعاننا الله وإياكم على الانتفاع بما علمنا، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

والحمد لله رب العالمين.


المصادر

  • ابن كثير. تفسير القرآن العظيم
  • سيد قطب. في ظلال القرآن
  • ابن الجوزي. تلبيس اإبليس
  • ابن رجب الحنبلي. ذم قسوة القلب
  • ابن منظور. لسان العرب
  • العز بن عبد السلام. شجرة المعارف
  • ابن القيم. إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان
  • ابن قدامة المقدسي. مختصر منهاج القاصدين
  • ابن القيم. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

القوامة وظلم الزوجة

العلاقة الزوجية جملة متبادلة من الحقوق والواجبات، وهي قائمة على مبدأ الأخذ والعطاء {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} (البقرة: 228)، وهذه الدرجة (القوامة) ليست لقعود جنس النساء عن جنس الرجال، بل تفضيل متناسب مع ما أودعه الله في الرجل من استعدادات فطرية تلائم مهمته وتتناسب مع إنفاقه على الأسرة وبناء الحياة خارجها. وقوامة الرجل على المرأة والأسرة لا تعني تفرده بالقرار، فالنبي أكمل الرجال وسيدهم يستشير أم سلمة في مسألة تتعلق بالأمة، لا بالأسرة فحسب، ففي إرضاع الأولاد قال تعالى {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور} (البقرة:233)، وفي حجة الوداع وأمام جموع الصحابة وقف النبي فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» (1).

وأمر النبي بحسن العشرة للنساء والصبر على ما يصدر منهن من أذى اللسان، فإن المرأة بحسب جبلتها تأخذ حقها بلسانها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا» (2).

 ولما كانت الأسرة كسائر المؤسسات المجتمعية والاقتصادية تحتاج إلى قائد يقودها؛ فإن القرآن جعل القوامة في الأسرة للرجل دون المرأة {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} (النساء: 34)، فالآية تحدد صاحب المسؤولية الأولى في الأسرة، وهو الرجل، إذ أي مجتمع إنساني لا يخلو من قيم مسؤول يقود من تحت ولايته بما يمتاز به عن الآخرين، ككبر سنه أو امتلاكه حصة أكبر في الأسهم أو خبرة وأقدمية في العمل، لكن على كل حال لابد من وجود مدير أو مسؤول أول أو قائد لهذه المؤسسة.

وفي حالتنا هذه نحن أمام أحد خيارين: إما أن تكون المسؤولية الأولى للمرأة، أو أن تكون للرجل.

إن نظرة بسيطة تتفحص عالمنا الذي ما فتئ ينادي ويصرخ بالمساواة العمياء بين الرجل والمرأة لتكشف لنا عن حقيقة تميز الرجل عنها في مختلف بلدان الداعين إلى المساواة، لذلك أسأل القارئ الكريم: كم نسبة الوزيرات إلى الوزراء في دول العالم الذي ينادي بالمساواة بين الجنسين؟ وكم نسبة الملوك والرؤساء من النساء في تلك البلاد؟ وكم نسبة نساء الدولة والبرلمان وقادة الأحزاب إلى الرجال في هذه الدول؟!

لا ريب أننا جميعا متفقون على تقدم الرجل في كل هذا على المرأة وبفارق كبير، فكيف وقع هذا عند من يدعون المساواة؟ إن الدول الإسكندنافية حققت أعلى الأرقام العالمية في تولية المرأة مناصب قيادية، لكنها لم تتجاوز نسبة الـ30 %، لماذا؟ القرآن يجيبنا: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} (النساء: 34)، نعم لقد خلق الله الرجال لغاية، وأعطاهم من الملكات والإمكانات ما يعينهم عليها، ومن ذلك مسؤولية القيادة في الأسرة والمجتمع، لأنه مسؤول عن رعاية البيت ونفقته، فالزوجة مصانة، ليس واجبا عليها ولا مطلوبا منها أن تكدح وتشقى بالعمل لتضمن مكانا لها في بيت الزوجية، فهذا ليس من واجباتها، ولا هو متناسب مع أنوثتها وطبيعتها الحانية العاطفية التي فطرها الله عليها لتناسب مهمتها السامية في إدارة بيتها

وتربية أبنائها وإعطائهم حقهم من الحنو والرعاية «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته .. والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها» (3).

والمرأة مكفولة النفقة، أما كانت أو زوجة، أختا كانت أو ابنة «يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك» (4)، فواجب الرجل الإنفاق على الأسرة عموما، وعلى الزوجة خصوصا، ولو كانت ذات مال ووظيفة، فقد أمر النبي بذلك: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (5).

فالقوامة في الإسلام تعني حق الطاعة الواجبة على الزوجة تجاه زوجها، وهي طاعة عطاء وبذل متبادل بلا منافسة ولا شحناء، فالرجل هو القائد والمرأة مركز القيادة، دون إخلال بإنسانيتها أو كرامتها، بل إن هدف القائد رفعة المرأة سواء كانت كزوجة أو ابنة أو أم، فعليه حق العناء ولها حق الرفاهية والإعزاز، فإدارة دفة الحياة لا تصلح بقائدين متساويين، والرجل في قيادته ليس له حق الاستبداد والاستعلاء، ولكن عليه مشاورة المرأة فيما يخص الأسرة من قرارات.

وحق القوامة في الإسلام فيه كامل حماية المرأة مما يواجهها من أخطار تمس الشرف أو الكرامة أو الكبرياء، فهي جوهرة مصونة لا يعبث بها أي طامح أو طامع، فإن احتاجت التقويم والإرشاد فهناك ضمانات لعدم إهانتها أو مس كبريائها، وإن شهدت كان لها حق شهادة مع مراعاة طبيعتها كامرأة بلا نقصان في أهليتها، وإن وليت أمرا فلا بد أن يكون في حدود إمكانياتها وطاقاتها وطبيعتها حتى تفلح فيه، ولها حرية امتلاك الأموال والتصرف فيها، وحرية مفارقة الزوج إن رغبت في ذلك بالخلع فإرادتها في الإسلام كاملة، وكرامتها مصونة وهي المشاركة للرجل في شتى مناحي الحياة، وهي السكن والمودة والرحمة.

اليوم يريدون للمرأة حرية أكبر ولا طاعة للزوج ولا قوامة، ولايريدون أن يتحكّم الزوج بخروجها ودخولها وأن تعيش بصلاحيات المرأة الغربية، لكن وبنفس الوقت يريدون من الزوج أن يكون شرقيا معها، يحميها ويعطيها الحنان والأمان والمال، وأن يفني عمره عليها وعلى أولادها وألا يكون متطلّبا حين يأوي لبيته.

إن شواهد الحياة كلها تدل-عند التحقق-على أنه قد لا يسعد المرأة سعادة حقيقية أن تتساوى بالرجل في كل شيء، بل إن سعادتها الحقيقية تكمن في أن تراعي وجوه اختلافها عن الرجل سيكولوجيا، وبيولوجيا، وفسيولوجيا، ولا تكمن في أي خروج على هذه الأوجه، أو تجاهل لها. وأشير إشارات سريعة – لأسباب معروفة- إلى ما هو مشاهد ثابت من غلبة الاكتئاب المرضي، والرغبة في الانتحار -بل الإقدام عليه أحيانا- وغلبة الشقاء النفسي، والفشل في الحياة الخاصة على كثير من المتزعمات لما يطلق عليه حركات المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، في مقابل السعادة الحقيقية التي تجنيها المرأة المتوافقة في حياتها مع طبيعة الأنثى بكل صفاتها، وأبرزها ما تختلف فيه مع الرجل من تكوين نفسي، وعضوي.

يبقي أن نسأل ما هو الموجود في كتب الأخرين حول موضوع القيّم على الأسرة: وما رأيكم في قول بولس: “الرجل ليس من المرأة، بل المرأة من الرجل، ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة، بل المرأة من أجل الرجل” (كورنثوس (1) 11/ 8 – 9)، وهذا النص وأمثاله يفيد قوامة الرجل، ويفيد أيضا ما لا نقبله، ونراه إزراء بالمرأة التي لم تخلق للرجل، فهي ليست كسائر ما سخره الله لنا من متاع، بل هي كالرجل مخلوقة لعبادة الله وعمارة الأرض بمنهجه تبارك وتعالى.

لقد آمنت التوراة بضرورة قوامة الرجل على المرأة حيث فشلت المرأة في أن تكون المعين والمساعد للرجل في الجنة، فتسببت في إخراجه منها، ولذلك فله حق القيادة والرئاسة والإدارة في الدنيا والتي وصفت بلفظ ثقيل المعنى والمفهوم وهو التسلط، أي الرياسة بضغط وإكراه، وكان من حق الوالد على ابنته أن يبيعها لسداد ديونه… ومن حق الزوج على زوجته اللواط معها بدون رغبتها ومن حق الأب تزويج ابنته بدون أخذ رأى أمها… وكان من آثار هذا التسلط: عدم احتفاظ المرأة باسم عائلتها إذا تزوجت من عائلة أخرى. وعدم الحق في مباشرة إدارة الأموال إلا بوصاية زوجها.

وتؤمن المسيحية بأن العدل هو خضوع المرأة للرجل؛ لأن المساواة في الكرامة تجلب الصراع، والمرأة لا تستحقها، لأنها أساءت استخدام السلطة في الجنة فخرجت منها هي وزوجها، وعبر بولس عن خضوع المرأة للرجل وجعله كالعبادة تماما حيث قال: 22 أيها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب، 23 لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضا رأس الكنيسة. (أفسس 5: 22، 23).

كما يقول: رأس المرأة هو الرجل. (كورنثوس 11: 3).

ونتج عن هذا التسلط عدة أحكام مجحفة بالمرأة منها:

أ – لا ينبغي أن تكون المرأة معلمة للرجل.

ب – الصمت في الكنيسة وعدم الكلام نهائيا.

جـ – تحريم عملها كداعية دينية أو العمل الكهنوتي بالكنيسة.

د – عدم حقها في الاستقلال بذمتها المالية ومزاولة أعمال التجارة والتصرفات المالية.


الهوامش

(1) أخرجه الترمذي ح (1163)، وابن ماجه ح (1851).

(2) أخرجه البخاري ح (3331)، ومسلم ح (1468).

(3) أخرجه البخاري ح (893)، ومسلم ح (1829).

(4) أخرجه النسائي ح (2532)، وأحمد ح (7065).

(5) أخرجه مسلم ح (1218).

لا قيمة للحضارة بدون أخلاق

إذا أردت أن تعرف ما لمجتمعٍ من المكارم والعلو والعظمة فانظر إلى موقع الأخلاق في تشريعه وفي قلوب أفراده، فإن كان قوام تشريعه لا يولي أية قيمة للأخلاق ولا يحث على حسنها ولا ينهى عن سيئها فتلك أمة قد غرقت في المادية حتى خمرت، أما إن كان قرين تشريعه المنظومة الأخلاقية، فلا ينظر إلى عمل أحدهم حتى يكون سليم القلب طاهر الصدر لا يحمل حقداً ولا حسداً ولا عجباً ولا كبراً فتلك الأمة التي قد سمت وارتقت حتى بلغ أهلها المكرمات جميعها.

وإذا أردت أن تصل إلى درجة اليقين فيما نقول، فيكفي أن ننظر إلى أمة قد أمر أتباعها بأن يريحوا الذبيحة حين الذبح بأن تكون أداة الذبح حادةً بما يكفي كي لا تتألم قبل أن تموت! ثم لتقف لحظةً: ما الموضوع؟ إنه الذبح، وما الأمر؟ أن تكون أداة الذبح حادة، وما الغرض؟ أن تراح الذبيحة! ثم الأمر الآخر بألا يكون الذبح أمام باقي المراد ذبحهم! فهي تشعر كما نشعر فينبغي علينا أن نراعي شعورها، هذا كله وأنت تذبح فما بالك إذا جئت إلى تلك الأوامر التي توصي بألا تحمّل المواشي فوق طاقتها وأن تطعمها وتسقيها وألا تفجع أما بولدها وأن تنظر لها بعين الرحمة لا بعين القسوة.

ثم قارن مع أمةٍ أخرى قد صارت قلوب أتباعها كالحجارة أو أشد قسوة، وقد أصبحوا يلهثون وراء أهوائهم وشهواتهم دون أن يعودوا إلى ضمائرهم، فيفعلون ما يشتهون وإن ألحق فعلهم ضرراً بالغاً بما خلق الله، فلا مانع لديهم من أن يضعوا السمك الحي في الزيت المغلي ويتركونه وهو يتعذب ويتمزق قبل أن يموت أثناء مضغهم إياه، كل ذلك فقط لأنه يكون طازجاً لذيذاً إذا تم قليه وهو على قيد الحياة! ثم لا يمانعون أن يمزقوا أجساد الماعز ويقلعون صوفها بأمشاطٍ معدنية حادةٍ قاسيةٍ تاركين هذه الحيوانات بجراحٍ مفتوحة دون أدنى رعاية طبية أو رحمة إنسانية، وأحياناً يسكب على جراحها الكحول الحارق، وأحياناً يضرب العمال رؤوسها بالمطارق الحديدية لكي تُصرع، وأحياناً أخرى تجر الماعز إلى المسالخ من رجلٍ واحدةٍ قبل أن تشق حناجرها أمام بقية الحيوانات، كل ذلك لأجل بيعها بأسعارٍ باهظةٍ، وهذا ما كشفته منظمة “بيتا” المدافعة عن الحيوانات مؤخراً وما خفي أعظم!

هذه مقارنة سريعة عن الطريقة التي تعامل بها الحيوانات بين أمة تولي للأخلاق أهمية بل تعطي كل الأهمية للأخلاق وبين أمة لا يهمها سوى المادية والربح والأهواء.

ولننتقل إلى عالمنا ولنمدك بمقارناتٍ أخرى، فهذان أبوان صار ولداهما بعمر الخامسة عشر فلم يجدوا في أنفسهم حرجاً من أن يقطعوا عنهم مصروفهم آمرين إياهم بالذهاب إلى العمل، أي عمل! لكي يحصلوا على النقود ويصرفوا على أنفسهم فوالديهم لم يعودا يعترفان عليهم! بينما هذان أبوان آخران يصرفان على ولديهما ويحاولان أن يؤمنا لهما احتياجاتهما ولو على حساب أنفسهما فهم يعلمان أن ذلك هو حق ولديهما عليهما وليس تفضلاً من عند أنفسهم!

وعلى الصعيد المقابل، فهذان ابنان قد وصل الأمر بهما إلى المحاكم لتحكم بينهما ولتفض خلافهما، وما خلافهما إلا بادعاء كل واحدٍ منهما بأحقيته بأن يرعى أمه في بيته! في الوقت الذي تلقى فيه أمهات أقوام أخرين على قارعة الطريق.

والحديث في المقارنات يطول ويتسع وكي لا ينحرف المقال عن الهدف الذي وضع له سنقتصر على ما ذكر، ونأتي الآن إلى حديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أخبره الله عز وجل أن الغرض من الخلق هو العبادة {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] ولكنه مع ذلك لم يعطي الأفضلية للأكثر عبادةً أو للصائم نهاره القائم ليله، أو لذاك الذي لا تفوته دقيقة إلا ويكون ذاكراً لله فيها، بل أعطاها للذي يكون رحيماً ودوداً ليناً مع الخلق متمنياً لهم الخير والبركة لا يحمل في صدره شيء على أحد صانعاً للمعروف أينما حل أو ارتحل، فأعلنها ميزاناً لمن أراد أن يزن أعماله ويعلم مدى قربه من الله إذ قال: “إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً” [رواه الشيخان]

ولأن هذا الحديث يحمل أصلاً عظيماً من أصول الدين فسنعقبه بما قال فيه العلماء، بدءاً من الإمام النووي: “فيه الحث على حسن الخلق، وبيان فضيلة صاحبه، وهو صفة أنبياء الله وأوليائه”.

وقال الحسن البصري واصفاً جوهر الخلق الحسن: “حقيقة حسن الخلق بذل المعروف، وكف الأذى، وطلاقة الوجه”

أما القاضي عياض فشرح الخلق الحسن قائلاً: “هو مخالطة الناس بالجميل والبِشر، والتودد لهم، والإشفاق عليهم، واحتمالهم، والحلم عنهم، والصبر عليهم في المكاره، وترك الكبر والاستطالة عليهم، ومجانبة الغلظ والغضب والمؤاخذة”.

وإليك قصة تبين لك مكانة الخلق الحسن في قلوب المسلمين: “عن أم الدرداء قالت: قام أبو الدرداء ليلة يصلي، فجعل يبكي ويقول: اللهم! أحسنت خَلقي فحسن خُلقي، حتى أصبح.

فقلت: يا أبا الدرداء! ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق.

فقال: يا أم الدرداء! إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن خلقه الجنة، ويسيء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار، والعبد المسلم يغفر له وهو نائم.

قلت: يا أبا الدرداء! كيف يغفر له وهو نائم؟

قال: يقوم أخوه من الليل فيجتهد فيدعو الله عز وجل، فيستجيب له، ويدعو لأخيه فيستجيب له فيه” [الأدب المفرد: 82].

وهذا الفرق بين أمة قد قال الله في اتباعها: {كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110].

وبين أمم قد قال الله في اتباعهم موجهاً خطابه لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علمٍ، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون؟} [الجاثية: 23].

الولاء والبراء.. جوهر قيام الأمم واستمرارها

لا بدّ للتجمّعات البشرية من رابطٍ يحوّلها إلى شعوب، رابطٍ يخلق بين الأفراد لحُمةً، وينزع شوكة الأثرة الفردانية؛ فيقوم الكل مقام الواحد، ويقوم الواحد مقام الكل في علاقةٍ يعكس عمقها مدى الترابط الذي يصنع من الشعب أمةً قادرةً على إقامة حضارة.

 كان ذلك الرابط هاجس ابن خلدون في محاولته الكشف عن مقومات الدولة السياسية، فذهب إلى أنّ “العصبيّة” جوهريّةٌ في العمق الأساسي لها، ولعلّها الرابط الذي يضمن انتظام الكتلة البشرية في بنيانٍ يصحُّ تسميته “دولة” حيث يلتحم الفرد بالجماعة، وتجري عليه أحكامهم وأحوالهم.[1] 

ذلك أنّ الحضارة كما أكد دارسو الحضارات “لا تقوم إلا على الحسّ الجماعيّ لا على الفردية بأية حال”، وأنّ الفكرة الحضاريّة “لا تكون إلا مُعصِّبة”[2].

رسم لمكة يعود إلى عام 1790

ولأنّ الإسلام يحمل بين جنبيه مشروع حضارةٍ آتت أُكُلها دهراً واسعاً من الزمان، فقد قدّم لمعتنقيه هذا الرابط الذي أسّس للأمّة القادرة على صناعة الحضارة الإسلامية، عبر مفهوم “الولاء والبراء” في توازنٍ يحفظ “العدالة” و”المواطنة”، واعتدالٍ يضمن للأمة هويتها وإنسانيّتها، فالمسلمون “أمة من دون الناس” لكنّهم أمةٌ تتعايش مع الأخوة في الوطن تعايشاً قائماً على ثنائية الحق والواجب التي تقيم العدالة، كما أنّهم “يتعارفون” على الأمم والشعوب الأخرى وفق مبدأ جوهره أن “لا عدوان إلا على الظالمين”.

بدأ بناءُ الدولة الإسلاميّة في المرحلة المدنيّة، وكانت الوثيقة التي أنشأها رسول الله صلّى الله عليه وسلم أولَ دستورٍ تشريعيّ احتُكم إليه في التاريخ الإسلامي، ونصّ البند الأول في الوثيقة على وحدة الأمة الإسلامية مرتقياً بالولاء من الأسرة والقبيلة إلى الدولة الجديدة؛ فـــ”المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس”[3]، ولأنّ الحاجة ماسّةٌ للولاء مادّيّاً ومعنويّاً، فقد جعل الإسلام آنذاك التوريث بين المسلمين بعضهم بعضا من دون مراعاة الرحم، وهو حكمٌ نسخته الآية {وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ فِيْ كِتَابِ الله إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ..” (الأنفال/75) حيث انتهت الحاجةُ المادّية لولاء الميراث ليبقى الجوهر المعنويّ الذي تأسس المجتمع المسلم عليه.

 كان ذلك عندما وُضِعَت اللبنة الأولى للمجتمع المسلم واقتضت المصلحة العليا للأمة أن يصبح المهاجرون والأنصار إخواناً، فينفكّوا عن العصبية للأهل والأقربين ويتحوّلوا إلى الولاء للأمة، {إِنَّ الَّذِين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} (الأنفال/72)، واشتد الامتحان بالمؤمنين ليشدّد على الولاء للأمة الناشئة، في مقابل البراء من المخالفين في العقيدة ولو كانوا أولي قربى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. (التوبة/23).

وضع الإسلام بذلك الأساس المتين للمجتمع، وضمن الولاء الذي يُعصّب جماعة المسلمين، الولاء الذي هو الخطوة الأولى في حفر أساسات الحضارة،  ذلك أنّ الضامن الحقيقيّ لقيام الحضارة هو الولاء الجماعي الولاء القائم على عقيدة مركزية واحدة، تُمثّلها نخبةٌ رشيدة، وتمتدُّ في عمق الجماعة، وتتحد بالمصلحة لتقيم نظاماً اجتماعيّاً متماسكاً[4] والذي يلخّصه الحديث الشريف: “مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى” (البخاري)، بهذا الولاء تحوّلت الطبقة الأولى من المسلمين إلى عصبةٍ واحدة يجمعها هدفٌ واحد، ويضمّها نظامٌ اجتماعيٌّ موحّد، وتؤسّس لها عقيدةّ واحدةٌ، ولتعميق ذلك في المجتمع المسلم فُرِضَت فرائض ذات طابعٍ جماعيٍ بعضها اقتصادي مثّلته الزكاة والتي تضمن حقّ الفقراء في أموال الأغنياء للحفاظ على التوازن الاقتصادي، إضافةً إلى كونها مظهر ولاءٍ معنويّ مبنيّ على التراحم الذي يبدو في حده الأدنى فريضةً وفي حدوده العليا مندوباً كما في الصدقات، وفرائض ذات طابعٍ جماعيٍّ معنويّ مثّلتها الصلاة الجامعة في يوم الجمعة والتي هي الحد الأدنى من الاجتماع الذي يجدد فيه المسلمون ولاءهم الجماعيّ في المسجد الذي عرف بالجامع إبرازاً لوظيفته الجوهريّة، إذ ليست تختار اللغةُ مسمّياتها عبثاً، ومن ثم شجع الإسلام على الجماعة في الصلوات الخمس، ووعد المصلّي مع الجماعة بأضعاف ثواب الصلاة المفردة تأكيداً على الولاء الجماعي، وحثّ الإسلام على الجماعة في الأمور كلّها، كما بثّ في المجتمع أخلاق التعاون، والإيثار والتسامح وحسن الجوار والتناصح..

وتلوح عقيدة الولاء واضحة في الأحاديث الداعية إلى تلك الأخلاق، فالنصيحة “لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم” (البخاري)، و”من غشنا فليس منا” (مسلم)، و”المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” (البخاري)، و”كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه” (مسلم)، و”عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال:  “بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم” (متفق عليه).

فبالرغم من تأكيد الإسلام على العدل والإحسان في التعامل مع غير المسلمين إلا أنّ التركيز المباشر كان على العلاقة بين المسلمين أنفسهم، ما يؤكد أنها أخلاق يُراد لها أن تحكم المجتمع المسلم الذي توليه الخلاقيّة الإسلامية اهتمامها لإقامة الأمة المبتغاة، بل إن حديثاً مثل “لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي” (أحمد وأبو داوود) يشير إلى تدخّل المندوبات الأخلاقية في عمق الخصوصية الفردية وتوجيهها وجهة مجتمعيّة قائمة على الولاء، فاختيار الصديق المؤمن واختيار الضيف التقي يشي بانحيازٍ عصبيّ للأمة، ولا يخفى ما للصديق من أثر على صديقه، لكن مع عدم تحريم أو منع مصاحبة غير المسلمين، تُحبِّذ المنظومة الأخلاقيّة المسلمة، إذن، أن يختار المسلم صاحبه من خيرة المسلمين انحيازاً للأمة، وتعميقاً لعلاقاتها الداخلية.

لم يقامر الإسلام ببنية الأمة الإسلامية في علاقاتها الداخلية ولا الخارجية، بل عُني بكل تفاصيلها معمّقاً الولاء الذي يعصّب أفراد الأمة الإسلامية، والذي يبرز في مواقف جوهريّة نستطيع أن نلخّصها في ثلاث نقاط مهمة:

1- الحب: في الحديث: “من أحبّ لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان” (أبو داود)، وهو حديثٌ يوجّه قلب المؤمن فيجعل محبته وبغضه وفعله كله من وراء سور الإيمان بالله، بل إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ربط الإيمان بمحبته عليه السلام فقال: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين” (البخاري ومسلم)، وفي السياق نفسه يأتي حديث: ” ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار.” (البخاري ومسلم).

ومع أنّ الأحاديث السابقة تظل في إطار كمال الإيمان فإنّ القرآن نصّ صراحة على أنّ حب الله ورسوله والجهاد في سبيل الله ينبغي أن يكون في قلب المؤمن فوق حبه لأهله ولدنياه، في لهجة تحذير لمن يخالف ذلك، يقول سبحانه: {قُلْ إِنْ كَاْنَ آبَاؤكُمُ وَأَبْنَاؤكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيْرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوْهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ وَجِهَادٍ فِيْ سَبِيْلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِي اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِيْ القَوْمَ الفَاسِقِيْنَ} (التوبة/24)، يفهم من الآية أنّ حكم الفسق ينطبق على أولئك الذين لا يجدون في قلوبهم شعور الحب لله ولرسوله وللجهاد حباً يفوق حب الأهل والمال والولد.

2- النصرة: جاء في وثيقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة: “أن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (كبيرة) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن..” بهذا الميثاق ابتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية وفق قاعدة اليد الواحدة، التي تحمي الجسد الواحد، وتردُّ عنه العدوان أياً كان، فالمؤمن لا ينصر كافراً على مؤمن حتى ولو كان ذلك الكافر ولده أي أقرب الناس إليه من رحمه، ولأنّ مسلمي المدينة كانوا قد انشقوا بإسلامهم عن عصبيّتهم القبليّة  مخلّفين وراءهم أهلا وإخواناً  كان لزاماً عليهم أن يُعلنوا ولاءهم الكامل لأمّتهم مؤكدين أنّ نصرهم لأبناء أمتهم قائمٌ ولو كان العدو في ذلك أحد أهلهم، وقد فرض القرآن التناصر بين المسلمين بل أكد على إسلاميّة أصله، قال سبحانه {وَإِنْ اسْتَنْصَرُوْكُمْ فِيْ الدِّيْنِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} فبرغم أنّ الآية خاصّةٌ في مَن بقي في خارج المدينة من المسلمين ممّن لم يهاجروا فلم يدخلوا في حلف الدولة الجديدة إلا أنّها صريحةٌ في أنّ الدين رباطٌ يجمع الأمة في ولاءٍ أولي، لكنّ تمام الآية يوضح إقرار الإسلام ما يُعرف اليوم بمفهوم “المواطنة”، فالمؤمنون من المهاجرين والأنصار الذين أقاموا دولة الإسلام في المدينة المنورة أمة، لكنّهم كما نصّت الوثيقة النبويّة يتعايشون مع سواهم من المقيمين في المدينة وهم اليهود آنذاك، ولكلّ دينه الذي يقيمه، كما أنّ لكل فريق حقوقه وواجباته التي أوضحتها الوثيقة، والمسلمون ينصرون إخوانهم ممّن لا يشاركونهم المواطنة إذ لهم عليهم حق الدين، وولاء الأمة الواسعة، لكنّ هؤلاء لا يدخلون ضمن دولتهم كما هوا واضحٌ في الآية، ونصّها الكامل: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.(الأنفال/72)

3- البراء من غير المسلمين: يستطيع المتتبع للنصوص الواردة في الولاء أن يطمئن إلى أن البراء لا يخرج عن كونه أحد مظاهر الولاء، وليس شطراً موازياً فولاء المسلم للمسلمين يقتضي منه ضرورةً البراء من سواهم، وهو براءٌ قوامه عنصرين جوهريين هما عدم الحب وعدم النصرة، فالمسلم لا يعلّق قلبه بغير المسلمين إعجاباً وارتباطاً ولا ينصرهم على إخوانه.

والنصوص صريحةٌ في بيان ذلك: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(المجادلة/22).

وجاء في صحيفة رسول الله أن المؤمن “لا ينصر كافراً على مؤمن”، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمَاً غَضِبَ اللهُ عَلِيْهِمْ} (الممتحنة/13).

قدّم الإسلام بفريضة “البراء” صيانة الحدود الخارجية للأمة، فالبراء هو الثغر الذي يحفظ للأمة هويتها ويحميها من انحرافاتٍ تودي إلى الميوعة الفكريّة أو الذوبان والتلاشي بله الانبهار المؤدي إلى غياب الثقة بالنفس في مقابل الآخر، بيد أنه حفظ للآخر حقوقاً مؤدّاة في ذمة المسلمين سواءٌ أكان هذا الآخر داخليّاً يعيش مع المسلمين في وطنٍ واحد كيهود المدينة الذين نصّت صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم على “أنّ بينهم وبين المسلمين النصر على من حارب أهل الصحيفة، وأنّ بينهم النصح والبر دون الإثم.. وأنّ النصر للمظلوم”. أو كان ذلك الآخر من أصحاب العهد والميثاق فقد أوجب الإسلام حفظ العهود والمواثيق مع الشعوب الأخرى فنصّ القرآن صراحةً على أنّ المسلمين ينصرون إخوتهم في الدين ممّن لا يشاركونهم الوطن مستثنياً من ذلك أصحاب الميثاق{إِلَّا عَلَىْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيْثَاقٌ..}.

وليس يقدح في البراء أن يتزوج مسلمٌ كتابيّةً، أو أن يتعايش المسلمون مع شركائهم في الوطن، فيبيعون ويشترون منهم، ويعدلون ولا يظلمونهم،  ويجاورونهم فيتهادون ويتزاورون على أن يبقى الأمر كلّه لله وهو ما حفظته وثيقة الرسول صلى الله عليه وسلّم: “وأنّه ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإنّ مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله”.

ولعلّ لنا بعد هذه الإلمامة أن نختم بقول مصطفى صادق الرافعي: “لو سُئلتُ ما الإسلام في معناه الاجتماعي؟ لسألتُ: كم عدد المسلمين؟ فإن قيل: ثلاثمئة مليون، قلت: فالإسلام هو الفكرة التي يجب أن يكون لها ثلاثمئة مليون قوة”.

_______________________________________

الهوامش

[1] عبد الرحمن بن خلدون: تاريخ ابن خلدون- المقدمة، تح: خليل شحادة، دار الفكر بيروت 2001، ج2 ص427.

[2] بتول جندية: على عتبات الحضارة، بحث في السنن وعوامل التخلق والانهيار ص 43

[3] إسماعيل بن عمر بن كثير: السيرة النبوية، مكتبة المعارف، بيروت، د.ت

[4] ينظر في بيان ذلك: على عتبات الحضارة ص43

تهافت مروجي الإلحاد على مواقع التواصل

في كل زمان ومكان لا يكتفي أهل الباطل بما هم عليه من انحراف عن جادة الصواب، بل يعملون ليلا نهارا لنشر باطلهم وتزينيه في عيون الناس علّهم يلتحقون بركب الباطل وأهله، قال تعالى {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}، ولا يختلف أهل الإلحاد العرب عن باقي إخوانهم من أهل الباطل في كل مكان، فهم أيضاً لا يكتفون بإلحادهم بل يتجهون لنشره بين الناس والعمل على محاربة الأديان بأي طريقة يستطيعونها.

الملاحظ في حالة الملاحدة العرب أنهم ينقسمون إلى قسمين رئيسيين في عرض أفكارهم: القسم الأول هم السذج وبسطاء التفكير ممن ألحدوا ولا يدرون شيئا عن الإلحاد أو عن الأديان الأخرى، فهم ركبوا موجة الإلحاد المنتشرة ويريدون دعوة غيرهم للإلحاد، ويبدو هذا من أحاديثهم وتصرفاتهم الغريبة في الفيديوهات، وهؤلاء لا يستحقون التوقف عندهم كثيراً. أما القسم الثاني فهم أذكى نوعاً ما ويعيدون اجترار شبهات المستشرقين ضد الإسلام أو حجج مشاهير الملاحدة مثل دوكينز وهاريس، ويعرضونها إما في حوارات مطولة يديرونها بين بعضهم أو من خلال فيديوهات مركزة ومكثفة جدا مع صور أو موسيقى تصويرية أو مقاطع من مسلسلات وأفلام، بالإضافة للسخرية والفكاهة المصطنعة على طريقة مشاهير اليوتيوبرز.

كل هذا أشبه ما يكون بالصدمات المتتالية لمحاولة إحداث أكبر خرق ممكن في عقل المتلقي، وخاصة إذا لم يكن يمتلك خلفية عقديّة قوية ليخرج من هذه الفيديوهات متسائلاً: هل هذا ديني حقاً؟ ما كل هذه الشبهات والتناقضات؟ فهم على طريقة من يلقي القنابل الضوئية والصوتية ثم يهرب وينتظر إحداث الضرر بعد حين!

وسأعرض فيما يلي بعض صفات وأقوال مروجي الإلحاد العرب لمعرفة طريقة تفكير هؤلاء ليسهل علينا الحد من خطرهم، فاليوم أصبح من السهل أن ينشر أهل الباطل ما يريدونه وأن يجدوا آذاناً صاغية تستمع إليهم ممن لا يملك العلم الكافي وأدوات النقد والتفكير الصحيح، فكل شيء أصبح متاحاً بنقرة زر واحدة:

1- ادعاؤهم أن الدين ينتقل بالوراثة فلولا أنهم ولدوا في عائلات تعتنق الإسلام لما كانوا مسلمين، والقرآن يرد على هذا الأمر بعدة مواضع ويذم التقليد الأعمى، وأكتفي هنا بآية من سورة البقرة تؤكد هذا المعنى، قال تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}.

2- أغلب هؤلاء الملاحدة تحدثوا عما يمكن تسميته “طفولتهم الخارقة”، فهم منذ سنواتهم الأولى يطرحون الأسئلة الفلسفية العميقة عن الوجود والإله والجنة والنار والأنبياء ولا يجدون إجابات مقنعة عليها!

3- أغلبهم يحمل فكراً استئصالياً خطيراً لمخالفيهم، فهم يعيبون على أوروبا استقبالها للاجئين المسلمين ويصفونهم بالقنابل الموقوتة التي ستدمر أوربا وحرياتها في المستقبل، ولهذا فهم يدعون أوروبا لاستقبال اللاجئين من الملاحدة والمرتدين والشواذ فقط؛ يعني هم ملكيون أكثر من الملك. وهذا يوضح بعض جوانب الفكر الإلحادي بشكل عام، فهو فكر إقصائي واستئصالي، إذ لا يحمل مرجعاً ولا قيماً ومرجعيته الداروينية والبقاء للأقوى.

4- حديثهم عن أن الدين أمر ممل ومكرر، وأن خطب الجمعة والمواعظ والدروس الدينية تعيد نفس الكلام وتكرر نفس الآيات والأحاديث. والطريف أني سمعت من أحدهم يقول إنه لا يوجد في الدين تحديث update على عكس العلم الذي يقدم لنا دائماً اكتشافات وأشياء جديدة! وهؤلاء الملاحدة مثال واضح على عقلية القردة أو monkey brains التي أصابت إنسان ما بعد الحداثة والتي تبحث عن القفز السريع من أمر إلى آخر والتجديد المستمر حتى على حساب أية قيم أو مبادئ.

5-معظم هؤلاء الملاحدة يركزون هجومهم على الإسلام والمسلمين دون غيره من الأديان، وهذا يعود لسببين: الأول أن غالبيتهم نشأ في عوائل إسلامية، والثاني أن الإسلام هو الدين الحيوي الوحيد القادر على التفاعل مع حياة الناس في الحيز العام على عكس بقية الأديان التي أصابتها العالمانية بمقتل وأصبحت مجرد طقوس وعادات ومظاهر ثقافية مكانها دور العبادة والأعياد الموسمية.

6-وصف عموم المسلمين بالجهل العام بتاريخهم ودينهم وعدم قراءة كتب تراثهم وعقيدتهم، ومن يستمع لهذا الكلام يظن هؤلاء الملحدين وكأنهم تعمقوا في القرآن وقرأوا في كتب التفاسير فأدركوا معاني القرآن ثم عرجوا على كتب الحديث فدرسوا علومه ثم طافوا على كتب أصول الفقه والفقه المقارن والتشريع والتاريخ الإسلامي، ثم استنتجوا أن المسلمين لا يقرأون تراثهم وأنهم لو قرأوه لألحدوا! والحقيقة أن هؤلاء الملحدين معظمهم لا يدري شيئاً عن التراث الإسلامي ومعظم معلوماتهم نسخ وقص ولصق من غوغل يشكلون بها معظم بضاعتهم المزجاة التي يعرضونها على عوام الناس.

7- ربما لا يوجد مقطع فيديو لهؤلاء الملاحدة إلا وهو مليء بالسباب والشتائم والسفه، والمفارقة أن هؤلاء الملاحدة دائماً يتغنون بالعقلانية واحترام آراء المخالفين، وهذه ادعاءات فارغة تكذبها شتائمهم القبيحة وإسفافهم المتواصل في هذه المقاطع، هذا عدا تدخين التبغ والحشيش والخمور أثناء تقديم حلقاتهم، وهذا يكشف الكثير عن نفسيات وعقليات هؤلاء القوم.

8- تحدي الله تعالى بمنطق طفولي سخيف، فالعديد منهم برر إلحاده بأنه تحدى الله تعالى بأن يحرقه أو يميته إذا كفر بالله أو مزق ورقات من المصحف أو شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله تعالى لم ينتقم منهم! وبعضهم الآخر تحدث أنه دعا الله تعالى ولكن لم يستجب له. وهذه دلائل على عدم وجود الله تعالى على حسب ادعاءاتهم! وكأنهم يعتقدون أنه لو شتم طفلٌ صغير أباه في السوق فأجّل الوالد عقاب ابنه حتى عودتهما إلى المنزل فالأب غير موجود!

9- اتهام المؤمنين بالببغائية وتكرار الأقوال الجاهزة، ولكن هؤلاء الملحدين لا يحدثوننا عن ببغائيتهم وتكرارهم لحجج المستشرقين التي يلوكونها.

10- كلامهم مليء بادعاءات المظلومية والاضطهاد، فهم يلعبون على هذا الوتر الذي يوافق ويعجب العقلية الغربية التي تقف مع الأقليات في أي مكان وتعمل على دعمها بالباطل أو بالحق بأي طريقة، ولكن الواقع في بلادنا العربية يثبت أنهم يفعلون ويقولون ما يشاؤون دون أي حسيب أو رقيب، بينما الدعاة والمصلحون من المسلمين معظمهم في السجون أو مطاردون أو مضيق عليهم!

11- ترديد المغالطات المنطقية بشكل كبير وتوسيع قياسها بأكثر مما تحتمل، فكل رأي يخالفهم يعتبرونه مغالطة منطقية، ولو أخذنا بهذا الكلام على عمومه لأصبح كل العلم قائما على المغالطات المنطقية، فمثلا هناك قاعدة علمية تقول أن المعادن تتمدد بالحرارة ولو وسعنا مفاهيم المغالطات المنطقية كما يفعل ملاحدة اليوتيوب فسوف نقول عن هذه القاعدة إنها مغالطة التعميم لأننا لم نستقرئ جميع المعادن في الأرض وهذا مستحيل. وفي النقاشات المنطقية عملية الاستقراء الناقص لا تفيد اليقين.

في الختام يبقى الإلحاد المنتشر اليوم بين بعض الشباب العرب أشبه ما يكون بالموضة الفكرية، وهو غير قائم على أسس فكرية قوية بل ربما تأثيره لا يقارب تأثير الجانب الإلحادي للشيوعية في القرن الماضي والذي كان يستند إلى بعض المقومات والأسس الفكرية؛ وعلى هذا فإن الإلحاد اليوم قائم بشكل رئيسي على الضجة الإعلامية التي يحاول إحداثها، وهذا أمر مشاهد في مؤتمرات دعاة الإلحاد الجدد في الغرب وعلى خطاهم يحاول الملاحدة العرب الترويج لبضاعتهم الإلحادية بنسخة مكررة ورديئة.