مقالات

التعددية الزوجية في الغرب

ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة بالحديث والتعليق على ما يسمى بــ”قضية الاغتصاب الزوجي” حيث يقضي الرجل حاجته الجنسية مع زوجته وهي غير راغبة لهذا الفعل، أو مكرَهة عليه.

بالعودة إلى الفقه الإسلامي فقد أوضح العلماء أن المرأة لها أن تمتنع عن زوجها إذا امتلكت العذر الشرعي، سواءً كان العادة الشهرية أو التعب أو المرض أو الحزن القاهر، وإذا ما تحقّق ذلك، فإنها لا تكون آثمة، أما إن لم يكن شيء من هذه الأعذار فإنها آثمة.

أما مصطلح الاغتصاب الزوجي، فقد وضعته النسويات ليبقى الأمر مناطاً برغبة الأنثى وإرضائها وسعادتها ومزاجها، فإن حصل وأن مارس الزوج علاقته معها وهي كارهة أو لم تكن في تمام الرغبة، فإن هذا “اغتصاب” بحسب ادّعاء النسوية!

نشر أحد المشايخ ردّاً حاسماً سرعان ما حذفه بأن الامتناع هو من النشوز وتُضرب عليه المرأة ضرباً غير مبرح، لتعود لجادة الصواب!

وعلى كل حال، فإن هذا التعامل -وإن حُذف هذا الكلام وتراجع عنه- مع الأسف واقع تعيشه الكثير من النساء في مجتمعات مختلفة من بلادنا الإسلامية، وهنا نتساءل: أي رغبة تلك التي ستعود للمرأة بالضرب -إلا في الحالات المرضية التي تتلذذ به- وأي بيتٍ سليمٍ هذا الذي تُعاش اللحظات السابقة للعلاقة الحميمية بالضرب، ومن سيقرر كونه مبرحاً أم لا؟

اقترح باحثون وكتّابٌ آخرون أن يعمد الرجال إلى “التعدد”، إلا أن الأمر لم يسلم من النقاش العقيم للنسويات اللاتي يَعُدن في كل حوار إلى مسلّمةِ تأليه المرأة، وجعل الكون يدور حول مزاجها ورضاها.

وهنا تركت عالمنا التواصل الاجتماعي الافتراضي العربي الذي لا يكاد ينتهي الجدل فيه، -عسى أن يكون هذا الصخب فيه نفعٌ للناس ولو بعد حين- وذهبت أختلس النظر وأتصفّح آراء الغرب في التعدد.

الزواج الأُحاديّ

في مقال لمايكل كاسلمان Michael Castleman على موقع Psychology Today   عنون له بـ: Why is infidelity so common لماذا تنتشر الخيانة بكثرة؟ أشار إلى أن ممارسة الزنا بعد الزواج –وهو ما يسمّى بـ الخيانة الزوجية- ظاهرة متفشّية بشكل كبير في الولايات المتحدة، بالرغم من أن معظم الأمريكيين يطالبون بالاكتفاء بشريك واحد ويدّعون المحافظة على الوفاء والإخلاص في علاقة الزواج الأحادية Monogamy، ويعتبر مخالفة هذا الشرط أشبه بالكارثة الأخلاقية والاجتماعية، وترسخ هذه الصورة النمطية لفداحة التعدّد، كلٌّ من وسائل الإعلام والأفلام والقصص والروايات…إلخ، كما أنه يؤدي غالباً إلى الانفصال والطلاق أو الاستمرار -على الأقل- في علاقةٍ أصيبت بشرخ كبير.

يتساءل الكاتب إن كان الإنسان بطبيعته وفطرته يميل إلى الزواج الأحادي “المنوغومي” طيلة حياته؟ هنا يجيب الكاتب في المقال بأنه: في الوقت الذي يصر فيه العديد على أنّ زواج “المونوغومي” هو الطبيعي، يُلاحظ أن ٩% من عموم الثدييات تميل إلى هذا النمط من الحياة الزوجية، كما يؤكد أن انتشار ما يسمى بـ”الخيانة الزوجية” بين البشر يطمس كل الادعاءات بأن التفرد الجنسي أمرٌ فطري.

في هذا الإطار يستدلّ ببضع براهين من نصوص الإنجيل والتاريخ، حيث يذكر الإنجيل وجود تعدّد لزوجات الأنبياء مثل يعقوب الذي كان له زوجتان: ليا وراشيل، وجاريتان: بيلها وزيلفا، كما أن الوصايا العشرة تدرج الزنا في ثناياها، وتؤكد على أنها من الخطايا الكبرى، بل تنص عليها ضمن أنحاء متعددة فيجب البعد عن جريمة الزنا عمومًا، وألا يشتهي الإنسان زوجة جاره، وألّا يفعل ذلك أو يفكر فيه حتى، وعلى الفور ينتقل الكاتب للخطوة المنطقية التالية، -ولنتساءل معًا- لو كان القدماء مكتفين بزوجة واحدة، أكان من الممكن والطبيعي مراعاة هذه الوصايا؟.

يشير الكاتب إلى أن المسيحيين المورمون كانوا من معدّدي الزوجات بشكل علني حتى عام ١٨٩٠، وما زال بعضهم كذلك، أما اليوم وفي نفس البقعة الجغرافية التي تقدّس المونوغومية أو الزواج الأحادي، فإنه ليس من الغريب أن توجد الكثير من المدن والأرياف التي تتفاخر بعدد نوادي الجنس المحرّم بأشكاله المختلفة –الطبيعية والشاذة والجماعيّة- المتاحة للمتزوجين وغيرهم.

يستفيض الكاتب في شرح آثار تطبيق هذه المثالية على المجتمع، وأنه قد حاور الآلاف من الناس على مدار ٤٦ عامًا حول آرائهم عن الحياة الجنسية، وأصدر العديد من الكتب، وكتب أكثر من ٢٠٠٠ مقال لعشرات المجلات والصحف والمواقع الالكترونية بما فيهم Psychology Today و مجلة New York Times وغيرها، ليخلُص إلى أنه من حقّ الجميع المطالبة بأحاديّة الزواج، ورفع شعار الشريك الواحد الوفي المخلص، مع التأكيد على أن تطبيق الأمر في واقع الحال ليس بنفس التصور الوردي والرومنسي الحالم للناس.

لكن، أليس هناك العديد من الأزواج غير المعدّدين وهم سعداء بحياتهم مع شريكهم؟

يجيبنا الكاتب بأنه عرف العديد من الأزواج السعداء الذين اكتفوا بشريك واحد رسميٍّ على مر العقود، إلا أنهم كانوا يمارسون رذيلة الزنا أو ما يسمى بـ “الخيانة الزوجية”، والعجيب أن كثيرًا من هذه الحالات كانت بقبول وموافقة من الطرف الآخر، الزوج أو الزوجة، وذلك بشكل دوري خلال المناسبات المتكررة، مثل أعياد الميلاد السنوية، أو في فترة سفر العمل، أو حتى في عطلات نهاية الأسبوع، ويستكمل عرض إحصاءات عن نسبة الخيانات بين الأزواج، إلى جانب سردِ حجج تصب كلها في حقيقة استحالة الاكتفاء بشريك واحد في معظم الحالات.

يذكر في مثال صادمٍ أن إحدى الزوجات تعلن مرارًا أنها تحب زوجها منذ أزيَدَ من ٣٠ سنة، إلا أنها مقتنعةٌ بأنه من “الصحي” لكليهما أن ينفّسا عن رغباتهما الجنسية “باللعب” في الخارج بين الفينة والأخرى، بدعوى أن ذلك يحافظ على حياتهم الزوجية ويُديم فيها روح المتعة والمرح.

من الملفت –بحسب الكاتب- أن الإنسان المليء بالعيوب والنقائص التي لا يؤاخذه عليها المجتمع، إلا أنه عندما يتحول الحديث عن الزواج، فإنه يُفرَض عليه –وهو الخطّاء المليء بالعيوب- أن يحيا على مبدأ “المونوغومية” التي تشبه حالة قصوى من الكمال الذي يعجز عنها الإنسان، ولو افترضنا أنه يصبر عليها فإنها لا تدوم.

قولٌ على قول

من نافل القول التأكيد على أن مقال مايكل مليءٌ بالأفكار التي لا نقبلها، ففيه تلميح واضح لحق النساء أيضًا بالتعدد، وهذا مما يناقض شرعنا وشرع من سبقنا من الأنبياء، ويخالف نموذج الحياة البشرية الفطرية المستقرة، إلا أنه –بقراءة ثانية- حجةٌ على نمط الحياة الغربي المنفصم التابع بامتياز لأهواء البشر وفردانيتهم الذاتية والرافع لشعارات وهمية براقة يبيعونها للقاصي والداني ولكل من هو راغبٌ بالعيش على نمط الحياة الغربية أو “التأمرك”، وها هم أنفسهم يعلنون أنها لا تُطبّق عندهم.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الخيانة في الغرب تثار بشكل خاص في سياق الحديث عن ممارسة الجنس، أما مشاهدة الأفلام الإباحية والجلسات والسهرات واتخاذ الصديقات والمحادثات الخاصة، فإن هذا كله ضمن دائرة الحرية الشخصية التي تتغاضى عنها الزوجة، وتعتبره من طيش الرجال.

إن مفهوم الزنا في ديننا واسع، وقد حرم الإسلام مقدماته حرصًا على روح الإنسان من الكدر، وتأكيدًا على شموليّة مقاصده الروحية والحياتية، فأمر بغض البصر وسمّى نقيضه بـ “زنا البصر” وكذا “زنا السمع” وحتى “زنا الأنف” كما في حديث الخارجة (بعطرها على الملأ) [أخرجه الإمام أحمد في المسنَد] وأشار الوحي في عدة مواضع إلى الأمر باجتناب كل ما قد يؤدي أو يوفّر أجواء الخلوة التي لا يسلم من السقوط بعدها حتى أشدّ الرجال ورعًا، في المقابل نجد منظومة الزواج مفصّلةً منضبطة تحفظ لكلّ حقه والأهم من ذلك أنها تراعي حاجات الإنسان وغرائزه بشكل آدمي يرفعه عن البهيمية التي بات الغرب يروّج لها جهاراً.

إنّ نظام الأسرة في الإسلام، بقواعده الشرعية والأخلاقية، هو العمدة في بناء المجتمع الفاضل والمواطن الصالح، بل إن الأسرة المسلمة الناشئة على مقاصد الدين وأحكام الشريعة هي الآن خط الدفاع الأول في وجه الاستهداف، ويتزيى بالشعارات البراقة، فما أحرانا أن نزيد روابط الأسر توثيقاً، وأن نشد بنيانها، ونعلي أركانها على المنهاج القويم الذي يبلغنا سعادة الحياة الدنيا وصلاح العقبى، والله المستعان.

المصادر:

https://www.psychologytoday.com/us/blog/all-about-sex/202102/why-is-infidelity-so-common?fbclid=IwAR1V6jj6nUiwcxVvAoR2UFkqGvu1cei5d8SJj8VN8ZGF9VhjXqo5gRFvPlc

سيرًا على الأقدام .. من الأندلس إلى بغداد!

بحثتُ في برنامج الخرائط في شبكة الإنترنت عن المسافة بين إسبانيا والعراق، كانت النتيجة أن المسافة تزيد عن 5140 كيلومتر، فتساءلتُ، كم ستكون مدة المسير فيما لو أراد الإنسان قطعها ماشيًا بلا انقطاع، فكان تقدير برنامج الخرائط هو قرابة ست وثلاثين يومًا، يمرّ المرء فيها على عدد من البلدان.

تساءلت في نفسي والموقع يعرض لي المرور عبر القارة الأوروبيّة -وقد تماثلت لذهني صورة العلماء الرحّالة في طلب الحديث- تُرى هل مر بَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ الأندلسيّ بنفس المسار الذي أظهره البرنامج أم اختار بلدان شمال إفريقيا حتى يصل إلى غايته؟

يا لها من غاية جليلة تلك التي دفعَته ليواجه مخاطر السفر كل هذه المسافة ويتحمل المشقة والتعب يَحُثُّ الخُطى مواصِلًا السير مُصِرّا على الوصول إلى العراق مهما لاقى في رحلته ما لاقى!

ما قصة ذلك الأندلُسي العصامي، وما الكنز الذي سافر إلى العراق بهدف الوصول إليه، ومن أين أتى بذلك العزم، وتلك الشجاعة، وذلك الصبر؟  ولماذا لم يُؤْثِر الراحة بركوب راحِلة تُبلغه مرامَه كالحصان أو الجمل؟ كان ذلك سيفي بالغرض بكل تأكيد لقطع هذه المسافات الشاسعة؟

الرحلة إلى لقاء العلماء

عشرات الأسئلة الأخرى جاءت لذهني، إلا أن أكثرها إلحاحًا كان لماذا المشي بالذات، بمَ كان يحدث نفسه كلما قطع خطوة؟ وكيف كانت السعادة تغمره كلما اقترب من مراده الذي تهون المتاعب في سبيله؟

تلك التضحيات النبيلة والصبر العظيم كان في سبيل لقاء العلماء، فتمشي لأجل ذلك الأقدام آلاف الخطوات ولا تبالي، للقاء الإمام أحمد بن حنبل سافر بَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ الأندلسيّ من الأندلس إلى العراق ماشيًا على قدميه لهدف واحد، ألا وهو “طلب العلم”.

فرق شاسع بين حالٍ مضى كان يرحَل فيه آلاف الأميال للسماع على عالم جليل، وبين واقع اليوم في عام ألفين وواحد وعشرين، حيث يتوفّر مسند الإمام أحمد بنقرة واحدة على لوحة المفاتيح وفي أقل من ومضة!

يحدّثنا بقيٌّ عن نفسه ومعاناته في أسفاره، فليس له عيش إلا “ورق الكرنب الذي يرمى”، إلا أنه بالرغم من ذلك كله يقول: “سمعتُ مِن كُل مَن سمعت منه في البلدان ماشيًا إليهم على قدمي”، وقد صدَق -رحمه الله- فقد قيل عنه: إنه “لَمْ يُرَ راكِبا دابةً قَط”. (1)

لقد قطع بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ تلك المسافات كلها ليسمع من إمام السُّنَّة حديثَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وحُقّ له ذاك! فما أدراك من هو أحمد، وهل أتاك حديث المحنة والفتنة التي وقف فيها شامخًا صابرًا راسخًا؟

هل أتاك صوت السوط حين يهوي على ذلك العالِم الجليل جَلدًا وظلمًا وتعذيبًا إلا أنه آثر تذوّق العذاب على أن يريح نفسه من ألمه وإن كان المقابل كلمة عابرة تعبّر عن غير ما يقتنع به.

الهمم الجليلة

لعلكم سمعتم أو قرأتم عن كثيرٍ من الأئمة الأجلاء من سلف الأمة، كسفيان الثوري، ويحيى بن معين، وشعبة بن الحجاج، ووكيع بن الجراح.

لا شك أنك –أيها القارئ- سمعت شيئًا عن الإمام البخاري وصحيحه، لكن أَوَقفتَ يومًا على تفاصيل حياته ومحنته وصبره وتعبّده وزهده؟

يعرفُ طلبة العلم كتاب “سِيَر أعلام النبلاء” الذي يترجِم ويشرح ويسردُ الكثير عن شخصيات من العلماء والمحدثين والرواة في تاريخ المسلمين، لقد كان الهدف الأسمى لهذا العلم –أي التراجم- أن نميّز بين “النبلاء” الذين حفظ الله بهم هذه السُّنَّة المُشَرّفة، فتركوا الراحة وهاجروا من بلادهم ورحلوا في شتى أنحاء الأرض للوصول إلى الغاية الكبيرة في الاطمئنان عندما يقال: هذا “حديث صحيح”.

بالتأكيد فإنك قد رأيت هذه الكلمات مكتوبة ذات مرة تحت حديث ما، سواء في تويتر أو فيسبوك أو أي مكان آخر.. لقد كان ثمن هذه الكلمة الكثير الكثير، كالرحلة الجليلة لبَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ من الأندلس إلى بغداد..

صورة كتاب "سير أعلام النبلاء" وفيه سيرة بَقِيّ بنُ مَخْلَدٍ الأندلسيّ

همّة منذ الصغر

قد لا يكون الحضور الشبابي في أروقة التراث أمرًا عجبًا، فمع بدايات سنّ العاشرة –تقريبًا- بزغت أنجم علماء كثيرة، كالإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، ومحمد بن إدريس الشافعي، والإمام سعد الدين التفتازاني وغيرهم الكثير من مفكري الإسلام وعلمائه، مما يفسّر عظمة العطاءات العلمية والمشروعات الفكرية التي قدمها الكثير من العلماء الأوائل؛ فقد كانت أعمارهم كلها تقريبا -إلا بضع سنين للنشأة الأولى- مبذولة للمحبرة والدواة.

جاء في “ترتيب المدارك” للقاضي عياض أن الإمام مالك جلس لتعليم الناس والفتيا وهو ابن سبع عشرة سنة، وعُرفت له الإمامة منذ ذاك (2).

لا يضرّهم من خذلهم

لقد بلغ من همم العلماء أنهم إذا أرادوا أن يحكموا على حديث ما بالصحة أو الضعف أن يتحروا ويبحثوا عن رواة هذا الحديث ويسافرون من بلد إلى بلد للسؤال عن حقيقتهم مهما كلفهم ذلك من مشقة وعناء! ثم يأتيكَ اليوم من يطعن في صحيح البخاري!

أنت يا من يرمي هذا الجبل بسيّئ الكلمات، سل عنه دواوين الخلود، فإن “كل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأيًا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فإن الكتاب عدّتهم، والسنة حجتهم، والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم، هم حفظة الدين وخَزَنته، وأوعية العلم وحملته، [..] لا يَضرُّهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم، والمحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وإن الله على نصرهم لقدير” (3) ثم بعد كل هذا أتُراهُ أمرًا سهلًا أن أكتب عن علماء الحديث!

إن اللغة لترتبك في مخابئها حين أتحدث عن هذه الهمم، تحذرني من إخراجها بأسلوب ضعيف، بل إن القلم ليتقدّم خطوة ثم يتراجع عشرًا خوفًا من التقصير في الوصف، وهيبة من استخدام اللغة بمستوى لا يليق بتلك النفوس العظيمة، واستحياء من التقصير في حمل الأمانة، إنه حياء التلميذة من إهمالها علوم شيوخها وآبائها.


الإحالات

  1. سير أعلام النبلاء، الإمام الذهبي، ج13، ص: 291.
  2. ترتيب المدارك، القاضي عياض، ج1، ص58.
  3. شرف أصحاب الحديث، الخطيب البغددي، ص: 28.

هل يرتدي إبليس قرنيه دائماً؟

ثمة شيء أصعب من مواجهة العدو، إنّه توقّع زمن ومكان ظهوره، و إن كان الحديث عن أعدى أعدائنا –أي إبليس- فالصعوبة تكمن في التيقّن من وجوده أصلاً، فتخيّل معي حجم الخداع حين تكون ملقىً في شباكه تسيّرك وساوسه -أي في ميدان حربه عليك- لكن دون أن تعلم.

كما أنَّ للإنس لثاماً يتغطّون به فلا يعرفهم أحد، فإنّ للشيطان أشكالَ تنكّرٍ أخفى وأعظم، بعضها قد يصل في التمويه حدَّ الملائكية، وفي القرب منك حدَّ دواخل نفسك ونواياك، وصولاً إلى الدخول في أعماق قلبك.

لإبليس أبواب متفرقة، يدخل منها سويّاً أو بالتناوب، لحاجاتٍ نعلمها وأخرى قد لا نفهمها، أيّاً كانت تفاصيل أهدافه بالتحديد، فغايته المجملة العامّة واضحةٌ صريحة؛ (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [ص:82] وإنّا السّاعونَ لأن نكون ممّن أكّد ربّ السماء على ثباتهم قائلاً (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا) [الإسراء:65].

استُلهِم هذا المقال من تجارب اجتماعية وإنسانية حدّثني أصحابها بها أخيرًا، لافتين انتباهي إلى ذاتي وتجاربي أنا أيضاً، وإلى مرور أنفسنا الآدميّة بذات أشكال الخداع والمكر المتكررة، فكم يتلوّن ذاك الملعون بشتّى الهيئات والأشكال، حتى إننا لا نكاد نعلم أنّه هو إبليس عدوّ أبينا آدم الأول والأخير!

سنكشف في السطور اللاحقة بعضًا من وجوهه المختلفة متلبّساً بجرمه، وسنحاول تحليل بعض أشكال تحايلاته علّنا ألّا نسقط في وحلها مرةً أخرى.

التذكير.. بالضعف والتقصير

يدبُّ فينا العزم أحياناً كثيرةً على فعل بعض الأعمال الصالحة، والقربات النافعة، أو على تزكية أنفسنا وإصلاح أحوالنا، وإذ نحن كذلك يدهمنا هاجس أسود يسابق تلك الأفكار قائلاً: هل نسيت ما فعلت؟ كيف تحفظ القرآن وأنت تفعل ذنبَ كذا، وكيف ستصلّي وأنت ما زلت على هذه الحال؟

وسوسة إبليس

وما هي إلا ثوانٍ فتشتعل في العقل والقلب أفكارٌ ضالّة، وافتراضات فاسدة، توهم الإنسان بأنَّ مثل هذه القربات لا يفعلها إلا الصالحون الذين لا يشابه حالهم حاله، فتُيئسه تلك الهواجس من التوبة والأمل في الصلاح، وتجعل التقرّب إلى الله في فكره كجبلٍ عالٍ لا يبلغه إلّا كاملٌ لا يخطئ ولا يزلّ..

فلنقف ههنا، عند هذا الخاطر الخفي، لنواجهه بأن التوبة إنما شُرعت للعاصين والمقصّرين، فقد ورد في الحديث الصحيح؛ أن (الَلَّه أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِن أَحَدِكُمْ كانَ علَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ منه وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فأيِسَ منها، فأتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قدْ أَيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبيْنَا هو كَذلكَ إِذَا هو بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فأخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ) [أخرجه الإمام مسلم في الصحيح برقم 2747].

كما أنَّ الطاعات والفضائل إنّما تُبدأ بالصبر على المحاولات المتكررة والمجاهدة، ولا ريب أن على هذه المحاولات أجرٌ يساوي أجر الإتقان أو يزيد عليه أضعافاً، فما كان الماهر في القرآن ماهراً إلّا بعد تعتعةٍ وجهاد ومقام تعلّم وضعف بلّغه ما بلغ، وفي هذا ورد عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قولُه (الماهِرُ بالقرآنِ مع السفرَةِ الكرامِ البرَرَةِ، والذي يقرؤُهُ ويتَعْتَعُ فيهِ وهو عليه شاقٌّ لَهُ أجرانِ) [أخرجه الإمام البخاري في الصحيح برقم 4937] ومن هنا، فلنخاطب أنفسنا، أليس لنا في كلِّ طاعةٍ تعتعة، ومحاولاتٌ نسعى فيها للمستوى الأفضل وللوجه الذي يليق به سبحانه!

فإن أيقنت ذلك، واستوثقت من خداع هذا الوسواس، فاثبت لئلا لا تنطلي عليك حيله، ولا تكن ضحية التقليل من قدر سعيك أو التذكير بتقصيرك وذنبك فإنما ذاك من عمل إبليس ونفثه.

تكسير الثبات وزعزعة التوبة

تعهّد إبليس بكل استكبارٍ بتحقيق وعده الذي وجّهه لله تعالى مع سبق الإصرار والترصّد، ومن ثمّ فإنّه ليس ذاك العدوّ الذي تثنيه الخسارة أو تتعبه الانتكاسة، أنسيتَ وعده حين قال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف:16].

إنَّ توبة أحدنا لا توقف إبليس، بل تزيده غيظاً وحقداً، وتزيدُ من همته في ردّنا على أعقابنا، فتجده يحيط بك من كل جانب، ويحاول الظهور من كل ثغرةٍ وباب، يريد سحبك لعهدك السابق، وذنبك الذي هجرت، فإذ به يكفّ عن تزيين الذنب مستبدلاً ذلك بتشويه هجرانه، بإيقاع العيوب والخطوب في توبتك، ويزيّن ذلك كلّه بهيئة ملائكيّةٍ جداً، على شكل وخزات ضميرٍ تُريك ذنبك من زاوية أخرى لا تتعرض للذّته وشهوتك إليه، فقد بات الوقت متأخراً الآن على هذه الحيل إن كانت التوبة صادقةً حقيقيّة!

إلا أنّ باب الضمير هذا يبدو مقنعاً أكثر فيجعلك تبدأ بالتساؤل، ما حال رفقة السوء الآن، ألن يؤثر فيهم هجراني المفاجئ لهم؟ ماذا عن تلك الفتاة ألن يَكسِر قلبها إغلاقي لمنافذ الحديث معها؟ ألم أكن شريكاً في الذنب؟ ..إلخ.

سيندفع إبليس ليجعلك تنسى عواقب الاستمرار في الذنب، وسيعظّم صعوبة تركه في نظرك بشتّى الطرق، وسيستطيع تبرير عودتك للذنب أو استمرارك مراراً وتكراراً…

سيسوّغ إبليس السرقة بحالك المعدم، وسيهوّن نهب المال العام بفساد الحكومات، ولا ننسى تلك الحيلة التي تجدي نفعاً مع كلِّ الذنوب؛ “انظر كيف يفعل الجميع ذلك”، وكأنه ينسى أنّ الله في عليائه يقول: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103].

الطعن في نواياك

يعلم الماكر حرص المؤمن المستمر على الإخلاص، ويعلم دور النيّة كعاملٍ أساس في قبول العمل، لذلك فإنّ النيّة هدفٌ مهمٌّ له. ومن ثمّ قد يغرقك في جمال عملك الصالح حدّاً تلزم فيه الوسيلة وتنسى المتوسّل إليه.

إن أصعب الخسارات أن تضيّع عملك هباءً وتنثر جهاد الطريق في الهواء بسبب نيّةٍ متفلّتة، كعمل خيرٍ كان في بادئ الأمر لوجه الله ثم أصبح في نهايته ينتظر ثناء من قَرَأَ، وشُكرَ من استفاد، وصورة الناسك الصالح وحسن الذكر والمدائح، فألزِمنا اللهم مقعد صدقٍ وإخلاص لا نغادره حتى نلقاك.

في باب النيّة له أسلوبٌ -ينبغي ذكره- يعاكس الأسلوب الأوّل كلياً، ولعلّه أكثر ما يستخدمه مع المخلصين حقّاً والذين قد ينفعون الآخرين ويأخذون بأيديهم إلى الخير والهدى؛ إذ إنه يعلم حرصهم الشديد على الصدق وتثبيت نظرهم على الآخرة، فتجده يسدّ عن الناس باب نفعٍ من هؤلاء الصالحين حين يوسوس لهم بالنفاق والرياء، فتجدهم يمتنعون عن نصح الناس بترك ذنبٍ معين مخافة أن يكونوا قد فعلوه يوماً، أو بإمساك علمهم عن الآخرين مخافة أن يكون رياءً وكم دبّت هذه المخاوف في قلوب الكثيرين أحياناً وأحيانًا.

لا تكفّنّ عن تذكير نفسك بكيده الطويل المستمر، بإصراره على إضلالك وبمصلحته في ذلك، لا تخدعنّك أساليبه، إن أدركتَ الذنب فاعزم على هجره عزماً صادقاً، وإن هجرته فالزم موقفك، وارقد على بساط الآيات والذكر الحكيم فإن فيه شفاءً للصدور المتعبة السقيمة بأمراض الأبدان والقلوب، لا تلتفت فيدخل لك من ألف بابٍ وباب، ثبّت نظرك على من لأجله هجرتَ الذنب رغم لذّته، ومن لأجله سلكتَ طريقاً طويلاً، مهاجراً إليه، راجياً أن تبقى هجرتك إلى ما هاجرتَ إليه.

لا يرتدي إبليس قرنيه دائماً.. هذا ما يجب فهمه وقوله، إنه متلاعبٌ شرّير..  فاحذر كلّ الحذر يا عدوّه الأول والأخير.

في كل محنة بشرى خير ومنحة

قد يَنظر الإنسانُ إلى الظواهر ويَترك البواطن، فينظر إلى آلام المخاض ويَنسى فرحة الميلاد، فما الفائدة التي يجنيها إن لم يقبل التضحية الآنيّة للوصول إلى فرحة مستدامة، إن الذهب حينما يُستخرَج مادة خامًا لا بد أن يُوضع في النار حتى يُنقَّى مِن الشوائب، فيَصبح بذلك ذا قيمة غالية، فهل يجدي أن نتركه بين التراب أو في أعماق المجهول لئلا يتعرض للنار كذلك تَفعل المحَنُ بالمسلم، تنطوي على القهر والألم، إلا أنه يعقبها التمحيص والخير، قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141]. فكل شيء في هذه الحياة يحدث لحكمة ولله الحكمة البالغة.

أين مكمن الخير؟

لا يعلم الإنسان من أي مكان أو سبب قد يأتيه الخير، ترى نفسك في كل يوم ساعيًا في شؤون تعتقد أنك ستجني من ورائها شيئا يهدّئ نفسك التي بين جنبيك، إلا أنك قد لا تحصّل شيئًا مما ترغب أو تسعى إليه.

إن الأمر الذي يكاد يتفق عليه معظم ذوي الخبرة من البشر هو أن الخير غالبًا يأتينا من حيث لا نحتسب، وبطرق ما كانت لتخطر لنا على بال، وعلى أيدي أناس ما توقّعنا يوما أنه سيأتينا من جهتهم خير، وأن الشر أحيانا يأتينا من تلك الطرق التي نسلكها بأنفسنا ظانّين أنه سيأتينا من ورائها خير وسعادة، أو قد يأتينا من أولئك الذين قصدناهم بخطى واثقة معتقدين أن خلاصنا مما نعاني سيكون على أيديهم.

لعل طريقة نظرنا للأمور خاطئة منذ البداية، وربما اعتراها البطلان، وما بني على باطل فهو باطل، وما كان للقاعدة أن تكون قوية ما دام أساسها مهترئًا، أو لعل الطريقة نفسها صحيحة، إلا أن وقت تنفيذها غير مناسب فأثَّر خطأ اختيار الوقت في صحة الطريقة، مما أنتج عنها سوء الفهم والحاصل.

تجربتي مع مرض السرطان .. ابحث عن ضعفك!

إن ضعف الإنسان وعجلته التي جبل عليها وحرصه على تهدئة نفسه وإرضائها، أمور تدفعه للوقوع في الكثير من الأخطاء التي يعض أصابعه ندمًا على مجرد تفكيره فيها لأول وهلة، ومن ثمّ فإن على المرء إعادة التفكير في نظرته إلى الحياة ووزنه للأمور.

على المرء -ما دام مؤمنا بالله- وضع الحسابات الأخروية نصب عينيه؛ حيث إن الغفلة عن هذه الحسابات سبب خساراته التي لا يجد لها تفسيرًا واضحًا.

عندما أرغب في الحديث عن الجانب المشرق من مرض السرطان، وأحاول التعبير عن الخفايا الوجدانية في الخلايا السرطانية أجد صعوبة في ترتيب الأفكار وصعوبة في إخراجها بأسلوب يليق بها، فلو لم يكن في السرطان من فائدة سوى أنه يكشف لك أيها الإنسان حجم ضعفك، وكم أنك محتاج لربك فقير إليه! لكفى بها فائدة عظيمة تغنيك طيلة عمرك عن الدنيا وما فيها، وتجعلك عزيزًا بحب الله فخورًا بدينك، مشتاقًا لوجه الكريم المتعال، ومن دون هذه الحقيقة لن يقرّ لك في الأرض قرارٌ، وستعيش فيها ضيِّقًا حرجًا متكدرًا مغمومًا ضائعًا حائرًا لا تعرف لك وجهة مأمونة ولا سبيلًا مستقيمًا.

إن حقيقةً جليّةً تثبت أنك ضعيف أيها الإنسان لهي هزةٌ عميقة، إذ بإمكان خلية عابرة لا ترى بالعين المجردة إخراجك من قصرك رغم أنفك ورميك على سرير في مستشفى تتلقّفك أيدي الأطباء والممرضين وأنت مستسلم لهم لا حول لك ولا قوة..

إنها الحقيقة التي تؤكّد أنك عبد للقوي العزيز، الله الذي رفع السماوات ومهد الأرض وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الخافض الرافع المعز المذل، إنها الحقيقة التي تؤكد أن الطبيب ودواءه لن يشفياك إلا بإذن الله، ولو اجتمع أطباء الأرض وأدويتهم على علاجك فإنك لن تشفى إلا بإذن الله وأمره..

لهذا كله، لم أعتمد الأطباء بشكل كلي، بل علّقت القلب بالله رضًا بما اختار لي، وكنت أتتبع نصائحهم أخذًا بالأسباب وفي قلبي يقين راسخ بأن الله الذي خلقني هو يهدين، وإذا مرضت فهو يشفين، فهذه الخلايا السرطانية من خلق الله، وكما ظهرت بأمر الله فإنها ستزول بأمر الله رفعت الأقلام وجفت الصحف.

تمهّل .. لستَ الوحيد الممتحَن

من الخبايا الإيمانية في هذا المرض وغيره من الابتلاءات، أنه يذكرك بمِحَن الأنبياء خاصة مرض أيوب عليه السلام الذي تلقّى ابتلاء ربه صابرًا راضيًا بقضائه وقدره، يدعوه ويتضرع إليه، ويذكرك بدعائه وتردده قائلا: {رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} [الأنبياء: 83]، فتحس للحظات أنك تشارك نبيًّا من أنبياء الله في بلائه وألمه، وتقتدي به في توكّله على الله عز وجل، فتجد لذة في المناجاة ولذة في الصلاة.

تلك الركعات والسجدات التي تؤديها وأنت متعَب ضعيف لا تقوى على الوقوف، تُشعِرك بالصدق في دعائك، وبأنك تصلي لله بخشوع وبنفس متجردة من كل شواغل الحياة الدنيا، حينها ستسأل الله الشفاء وإن بلغ بك اليقين مبلغًا رفيعًا ستنسى نفسك ومرضك ومعاناتك وألمك، وستسأل الله أن يغفر لك ويرضى عنك ويجعل آلامك مكفرات لذنوبك، وسترى حقيقة الحياة الدنيا، وستتذكر تقصيرك وخطاياك ودينك الذي فرطت فيه، وسترى الصحة تاجًا على رؤوس الأصحاء خاصة حينما تحتاجها لتعبد الله وتخدم نفسك بنفسك وتستغني عن منن الخلق مهما أبدوا سرورهم بمساعدتك، لأن شعورًا بأنك عالة عليهم سيلازمك طيلة أيام عجزك، فتتمنى العافية لتتخلص من ذلك الشعور البغيض، ذلك أن الحاجة للناس تورث ألمًا نفسيا لا يطاق.

سوف تشعر بذوي الاحتياجات الخاصة وأنت نائم على السرير لا تتحرك إلا بجهد وعناء، ستشعر بآلامهم وتفهم إحساسهم تمامًا، وستكره نظرات الشفقة وتفهم لماذا يكرهونها، وستحاول أن تبدو بخير وسعيدًا وراضيًا وستفهم لماذا يبدون كذلك، وستحترمهم أكثر عندما تجرب شيئا من أحوالهم وأنت تعلم أنه مؤقت بالنسبة لك، ستتمنى لو أنك تمتلك عصًا سحرية كتلك التي في الرسوم المتحركة ما أن توجهها لمُقعد حتى يقوم ماشيا على قدميه، ولأنك لا تملك من أمرك ولا من أمرهم شيئًا ستكتفي لنفسك ولهم بالدعاء، حينها ستكون أكثر إنسانية ورحمة.

ما هي عوامل النهضة المنشودة؟

يدعو الإسلام إلى إقامة مجتمع فاضل تسوده الأخلاق الحسنة والمعاملات الطيبة، ويسهم المؤمن في بنائه بما يتصف به من أخلاق حميدة، وبما يؤثره مع غيره في نفوس أبنائه وأسرته، وذلك نابع من وعي الإنسان المؤمن بدوره في الحياة.

في حالة المسلمين المعاصرة، فإن المسلم الواعي مسكونٌ بهمّ النهوض الحضاريّ بمجتمعه وأمته من جديد، وتوحيد صفوف الناس من حوله للعمل بمبادئ الإسلام والاصطفاف حول شريعته، فالمجتمع عبارة عن تجمّع بشري يمتلك أفكاره ومبادئه الخاصة، وله صفاته وشخصيته التي تُمثله وتُحدد معالمه، وقد نَجد مجتمعات كثيرة زاخرة بأفرادها والمنتسبين إليها، إلا أنها فقدت الشخصية والتعاليم التي كانت سببًا في تطوره، وهذا عائد لانحلال أفكاره في ثقافة المجتمعات الغالبة.

الانفصال عن الهوية الإسلامية

هذا بكل اختصار ما نعيشه اليوم في مواجهة زحف الثقافة الغربية علينا وتقليدنا الأعمى لها، فقد أصبح الواحد منا يعيش في انفصال بين هويته الإسلامية التي يؤمن بها وبين نمط العيش الغربي الوافد عليه، بين نظام الحياة القائم المتصف بالعلمانية ونبذ الدين من مختلف القوانين المنظمة لحياة الأفراد، وبين تشريعات الدين الرباني، وهنا يَصْدق الوصف الإلهي الجلي على واقعنا حين يقول الله عز وجل: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29].

ولو أجلنا النظر في هذا المثل الكريم لوجدنا أطرافًا منه في حياتنا، فالمبادئ والقيم الوافدة علينا المزيّنة بعناوين الحرية وقبول الآخر، مشاكسة للقيم الإسلامية التي تبيّن الحق والباطل والحلال والحرام وما يتوافق مع الفطرة ويرفضها.

كثير من المسلمين يجدون أنفسهم مشتتين بين مختلف الدعوات والقوانين الغربية، لا يدرون ماذا يأخذون منها وماذا يتركون، ضائعون بين نمط العيش الذي يتحوّل يومًا بعد يوم إلى باطل محضٍ، وفساد مكين في مختلف القطاعات، فغدا الحرام بشتى صوره في حياتنا حرية شخصية يجب احترامها، بل وعدم نقد تعلق الآخر واتصافه بها، وكأن الانتماء للإسلام بات صورة شكلية لا أثر عملي له في واقع الحياة.

يعلم الفرد المسلم في داخله حرمة الكثير من الكبائر كالربا والزنا والخمر والميسر والغش بمختلف أشكاله كالرشوة والتزوير والسرقة بمختلف أنواعها والخيانة والظلم في الأعراض والأموال والدماء إلخ.. إلا أن كثيرًا من المسلمين رغم ذلك يُقْبلون على مختلف هذه الحرمات مدفوعين بانبهارهم بالحداثة والحياة العصرية وتقليد المجتمعات الغربية وثقافتها الغالبة، ويبحثون لها عن التفاسير والتعليلات مُحاولين إقناع غيرهم بها.

وأما المثل الثاني في نفس الآية فهو يُمثل الفرد المخلص لربه والمُتمسك بمبادئ دينه فله رُؤية واضحة في الحياة وله مصدر واحد يستمد منه قوانين الحياة فلا يزيغ عنه ويُصبح كل تركيزه في أداء رسالته التي وُكل بها ويَشعر في داخله بسلام وراحة لوضوح معالم الطريق الذي يَسلكه، وبمثل هؤلاء الأفراد يستطيع المجتمع الحفاظ على كيانه وشخصيته من الطمس والضياع، ولو هلك جيل من أجيال هذا المجتمع فإنه سيُحافظ على مبادئه ومعالمه وسيحافظ على رسالته ودوره، وسيكون الجيل الجديد ملتزمًا بتعاليم الآباء والأجداد متمسكًا بثوابته.

وسائل النهضة

أشرنا في مقالٍ سابق إلى عاملي القدوة والقرآن في بناء المجتمع، وهنا نؤكد على أن التكامل مع هذين العاملين يبتدئ بالوسائل المناسبة لذلك، بدءًا من الإعلام، الذي يزيد قوة الكلمة وتأثيرها، بل إنه صار الوسيلة المُتاحة الأهم للسيطرة على العقول وصياغة أفكارها، فما إن يجلس أحد ما أمام التلفاز إلا وتوجّه له الرسائل إما بهدف تفريغه من القناعات المسبقة أو تعزيز بعضها أو إنشاء قناعات أخرى جديدة.

جميعنا يعلم أن الإعلام سلاح ذو حدّيْن، فعندما يستغله أهل الباطل فإنهم سيَسعون لنشر أفكارهم داخل المُجتمع وفرض نفوذهم مُحاولين طمس هوية المُجتمع وتغييرها وفق أهوائهم، وإشغال أفراده بتوافه الأمور وتغييبهم عن أهم قضاياهم ومشاكلهم ومنعهم من النهوض أو مُحاولة كسر قيود الجمود والجهل والتخلف.

وفي ظل انكماش أهل الحق وانعزالهم في مزاحمة أهل الباطل إعلاميا، فإنه لن يكون لهم تأثير في واقع الحياة، ولن يستطيعوا نشر الوعي واليقظة داخل المُجتمع، ولن يقدروا على تقويم سلوك الأفراد وتغييرها، فنحن نحتاج اليوم إلى صناعة الكلمة القوية والمؤثرة على أن تكون مُستمدة من روح القرآن ومبادئه، لإظهار الحق ونشر ثقافة القرآن داخل المجتمع، ومن أجل ذلك يجب توحيد الجهود المادية والعلمية حتى نتمكّن من صناعة مادة علميّة مُؤثّرة تجذب المُستمع والمشاهد لها وتُغيّر من نفسه.

و من الوسائل المُهمة أيضًا مُحاولة إقامة مجالس قرآنية داخل كل بيت، فعلى الأب والأم تأسيس حلقات تعليمية لدراسة القرآن وتدبّره، وحتى لو ظنّا أنهما بعيدين عن تعاليمه وجاهلين بعلومه فيُمكنهما اعتماد أحد كُتب التفسير المُتاحة والإقبال على كتاب الله مع أبنائهم والسعي لتلاوة الآيات آية آية، ومُحاولة فهم المُراد منها وكيفية تطبيقها، وفي هذا حفظ للأسرة وتوطيد للعلاقات داخلها وضمان تربية قرآنية سليمة للأبناء وطَبعهم على قيمه وأخلاقياته، ولا ننسى أيضًا أهمّيّة المجالس القرآنية المنظّمة داخل المساجد أو خارجها مع الحرص على فهم الآيات التي تُتلى فليس الهدف من القرآن حفظه بلا فهم ودراية وعمل والتزام بمبادئه أو تبيين المنهج العملي لمُختلف أحكامه.

ومن الوسائل أيضًا الحرص على تكوين المُسلم القائد والمؤثر من خلال الاستعانة بخبراء ومُختصين في مجال علم النفس والاجتماع وغيرها من العلوم المُهتمة بتكوين شخصية الإنسان وتربيته على المبادئ المُثلى، ويُمكن للجمعيات الناشطة داخل المجتمع التكثيف من الدورات المجانية في هذا المجال، وفتحها للعموم وإيصالها للجميع، بهدف بناء الإنسان المُسلم القادر على تحمل المسؤوليات والمُبادر بالتغيير والمُستعد لخدمة رسالته في الحياة.

المجتمع ودوره في النهضة

إذا ما توفرت عوامل القدوة وتدبر القرآن والوسيلة الملائمة، فإننا بحاجة إلى عامل أخير، إنه العلاقات الاجتماعية، فقيمة كل مُجتمع مُرتبطة بأفكاره ومبادئه وأهدافه التي يحملُها ويُؤمن بها، فما نعيشه نحن اليوم هو توفر الفكرة والمبادئ المُتمثلة في الإسلام وشريعته، ولكن هل يُوجد في مُجتمعاتنا من يأخذها بقوة ويُقيمها في واقع الحياة؟ أم أننا أصبحنا مُجتمعًا يعيش على هامش الحياة يأخذ قيمه وتصوراته في الحياة من مصادر مُتناقضة؟

إن المعادلة الناجحة لنا هي الإسلام وشريعته مع وجود فئة مؤمنة به وعاملة بأركانه ومٌلتزمة به كمنهج للحياة مع إرادة الأفراد في النهوض وتطوير مُجتمعهم مع الانسجام والتوافق والتعاون بينهم والاستعداد لبذل أقصى الجهد من أجل تحقيق هذه الغاية، وأن تكون روح الأخوة جامعة بينهم لحمل أمانة الرسالة وتحقيق مبادئها، وهذا ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام عند بناء المجتمع بالمدينة بالمؤاخاة بين الأنصار والمُهاجرين فكانت علاقتهم متماسكة متينة، وبالتالي كان المجتمع على قلب رجل واحد من ناحية، وذو تصور واضح ومنهج واحد في الحياة من ناحية أخرى.

من جملة مُشكلاتنا اليوم انتشار الاحتقان الاجتماعي النابع عن التعصب، فكل فريق يُريد فرض رأيه على الآخر، وكلٌّ يرى نفسه الأحق بالاتباع وعلى الآخرين السماع له وتنفيذ أمره، وهذا المُجتمع المنقسم لن يكون قادرًا على تغيير مجرى التاريخ وصناعة مُستقبله، ونحن بأمس الحاجة اليوم لأن نعيش مفهوم الأخوة الإسلامية، وأن يكون هدفنا واحدًا نتشارك فيه جميعًا، وأن نكون مُنسجمين ساعين للتطور والعمل والتغيير وعلينا نبذ الدعاوي العصبية العمياء القائمة على الجنس والعرق والانتماءات الحزبية والطبقية، وألّا نقع في فخاخ أعداء الأمة الساعية لتفريقنا وتشتيتنا وإدخالنا في صراعات لا تزيدنا إلا هلاكًا وتخلّفًا، فنحن مُجتمع مُسلم ولن ننهض من جديد إلا بالعودة إلى الإسلام كمنهج كامل للحياة.

ولا ننسى أيضًا كيد أعداء الأمة الناهبين لثرواتنا والذين يتمنون استمرار حالة الركود والجمود عندنا، فهم يتبعون سياسة “فرق تسد”، فأعداؤنا يدرسون مُجتمعاتنا ويضعون الخطط اللازمة لتفتيتها، وأما نحن فما زلنا عاجزين عن التحرك للحفاظ على وحدتنا أو الدفاع عن المجتمع في وجه الانقسام والانحلال على الأقل، كما أننا مُطالبون بدراسة مُجتمعنا بطريقة علمية ووضع الاستراتيجيات المُناسبة للنهوض به وإخراجه من سجن التخلّف الذي يُلاحقنا منذ قرون.

خلاصة القول

وما نستخلصه هنا أن المجتمع يَحتوى في داخله على صفاته الذاتية التي يُمثلها أفراده الذين يقومون بتحديد شخصيته، ولا يكون ميلاد مجتمع ما إلا تلبية لنداء الفكرة التي يؤمن بها أفراده الذين اجتمعوا من أجل تحقيقها وجعلوا علة وجود مجتمعهم وغايته واستمراره قائمة على القيم والمبادئ التي اجتمعوا حولها وأنشأوا من أجلها مجتمعهم، وعندما يفقد الأفراد داخل المجتمع هذه المبادئ وتتشتت الأفكار والمفاهيم فإنهم سيدخلون مرحلة الجمود والخمول، وهذا إعلان واضح بزوال هذا المجتمع وانحلاله.

وإذا حاول أفراد المجتمع النهوض من جديد والدخول في حركة الحضارة وصناعة تاريخهم فعليهم الأخذ بعلة البقاء المُتمثلة في تحدي الواقع وتغييره ومواجهة مختلف الصعوبات المُنتظرة وتَحمّل المسؤولية وعدم الفرار منها لإعادة بناء شخصية مجتمعهم وترسيخ مبادئه، فلو كانت رغبة هذا التحدي ذات فاعلية قوية داخل نفوس الأفراد فستكون استجابتهم للتغيير والعمل والنهوض إيجابية، وفي المقابل إذا كانت القُوى التحفيزية ذات تأثير ضعيف داخل نفوس الأفراد فلن يكون هنالك تأثير على واقعهم.

القدوة والقرآن .. وأثرهما في نهضة المجتمع

اتصف المجتمع العربي قبل الإسلام بالجمود والبعد عن التقدم الحضاري المحيط به، ولم يسعَ أفراده للتغيير وتطويره، فأصبح مُجتمعًا بعيدًا عن روح الحضارة، لا يمتلك هدفًا واضحًا لوجوده، إلا أن النقلة العملية والروحية والفكرية لهذا المجتمع كانت عن طريق رسالة الإسلام التي أنتجت ميلادًا جديدًا له، فعلَّمَ العالم المعنى الحقيقي للحضارة، وأنار العقل الإنساني بمفاهيم ومبادئ جديدة أخرجته من ظلمات الجهل والظلم.

لنا أن نتساءل هنا: لماذا حقق المسلمون الأوائل هذه النقلة الناجحة داخل مُجتمعهم بينما يعايش المسلمون منذ قرون عدة التقهقر والتراجع الحضاري بالرغم من أننا نملك -مثل السابقين- الرسالة ذاتها ومفرداتها من القرآن والسنة النبوية، فما سر هذا التغيير الذي جرى على أيديهم ونرجو أن نراه واقعًا في حياتنا نُعايشه ونكون جزءًا منه؟!

حين يُشعِل الإيمان الشرارة!

إن طبيعة رسالة الإسلام هي التي تُقدم لنا الإجابة الواضحة عن هذا التساؤل، ومبدأ الرسالة الإسلاميّة هو الإيمان الذي يحيي الضمير الإنساني ويقذف فيه البصيرة لمعرفة الحق واتباعه والالتزام به، وقد كان هذا دور رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، حيث نجح في إزالة غشاوة الجاهلية عن ضمائر العرب الذين آمنوا به وحرر نفوسهم من النزعات الضالة التي سيطرت عليهم، وعندما سرى نور الإيمان في كيانهم تغيّرت نظرتهم للحياة، وأصبحوا يعون دورهم والأمانة التي كلفوا بها لتحقيق الاستخلاف الإلهي في الأرض وحمل الرسالة للناس جميعًا، وهذا هو سر النقلة التي حدثت في حياة العرب ما بعد الإسلام.

حينما يفقد الإنسان يقظة الضمير والقوى النفسية التي تجعله يرتقي بنفسه وبمجتمعه، فإنه سيلجأ لإرضاء الباطل، وسيتقبله نظامًا لحياته وتتغلب عليه شهواته، وبذلك يرى نفسه ضعيفًا أمام مختلف تحديات الحياة، وبالتالي لن يقدر على حمل أعباء الرسالة، ولن يقدر من تغيير سلوكياته أو يكون مؤهّلًا لتغيير واقعه والنهوض به، ولنصل لهذه اليقظة في ضمائرنا فإن علينا تفعيل أدوات بناء المجتمع والنهوض الجديد.

القدوة الصالحة وغرسُ القيم في النفوس

عاش رسول الله صلى الله عليه سلم بالقرآن ومن أجل تحقيق مبادئه في واقع الحياة، وقد كان صلى الله عليه وسلم قدوة للصحابة في كل شيء، فكانت أخلاقه القرآن، يمشي بين الناس يلتزم بأحكامه ويأتمر بأمره وينتهي بنهيه مُلتزمًا بتعاليمه، ثابتًا على الحق راسخًا به، ولا أدلّ على ذلك شيء أكثر مما قاله رسول الله عليه الصلاة والسلام عندما حاولت قريش مُداهنته وإيقافه عن دعوته والضغط عليه عن طريق طلب ذلك من عمه الذي يَكفله: (يَا عَم ، وَاَللهِ لَوْ وَضَعُوا الشمْسَ فِي يَمِينِي ، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتى يُظْهِرَهُ اللهُ ، أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ ، مَا تَرَكْتُهُ) [السيرة النبوية (ابن هشام)، (ج1/  266). ] إنها قوة الثبات على الحق والتضحية من أجله مهما حاولت الأطراف الأخرى تهوينه عن طريق تهديد أصحابه الداعين له ومُحاولة قمعهم وإغرائهم وتشويههم والكيد لهم ومُداهنتهم.

لقد كان صلى الله عليه وسلم وما زال وسيبقى إلى نهاية الحياة النموذج الذي يُقتدى به في فهم القرآن ومُختلف شؤون الحياة، وهذا عين ما نحتاجه اليوم في مُجتمعاتنا، أي أن يكون الدعاة والعلماء والمُصلحون عاملين ومُجتهدين قُدوة حقيقية للمجتمع المسلم، فيؤثرون في حياة الناس ويُظهرون لهم أخلاق الإسلام ومبادئه في سلوكياتهم وأقوالهم وقراراتهم، ولا يخافون في الله لومة لائم، ولا يُداهنون الظالمين والمُستبدين والمُفسدين من حكام ومسؤولين في مُختلف المجالات، بل يكون هدفهم نصرة الحق والالتزام به ودعوة الناس له وتبيينه لهم مع مُعادات الفساد والباطل ومُقاومته.

من الواضح أن من أشدّ ما نعانيه في زماننا هذا هو غياب القدوة الحقّة من ناحية، وارتكاس كثير ممن تصدر للدعوة والتعليم الشرعي من ناحية أخرى، بل ربما يحق لنا القول: إن ما نعيشه اليوم هو فرع عن أزمة القُدوة، حيث أصبح عامة المُسلمين لا يثقون في مُفكريهم وعلمائهم ودُعاتهم، بل كيف يكون ذلك وأغلبهم يقف مع مصالح الطغاة، يفتون بما يوافق أهواءهم ويُنسي الناس جرائمهم، ويسكتون عن ظُلمهم وغيهم ويُحلون ما حرم الله ويُحرمون ما أحله الله، حتى أصبحنا نرى منهم من يُبارك للتطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين المسلمة، ويراه تحقيقًا للمصالح الاقتصادية وسبيلاً إلى السلام والتسامح الذي يأمر به الإسلام!!

ومن هنا ابتعد عامة المُسلمين عنهم، لا يسمعون لهم ولا يتبعون أوامرهم ولا يثقون فيهم، حتى أصبح الفرد منا يشعر بأن الدين أصبح تجارة دنيوية يتخذها البعض من أجل الشهرة وكسب المال زنيل الترف وتحقيق المصالح الدنيوية، ومع غياب الإخلاص والصدق في العمل وإصلاح مُجتمعاتنا، ترك ذلك كله أثرًا سلبيّا في حياة الأفراد الذين فقدوا الأمل في التغيير واستسلموا لواقعهم ورضوا به ولم يجدوا من يُوقظ ضمائرهم من جديد ويُعيد إشعال نور الإيمان المُنطفئ داخلهم.

إننا نحتاج اليوم إلى أفراد يأخذون بزمام المُبادرة ويقتحمون مُعترك الحياة وهم واثقون بدينهم ومُلتزمين به ويُقدمون الحلول البديلة لمشاكل مُجتمعاتهم على أن يكونوا هم البادئين بالعمل وبالالتزام بما يقترحونه من أفكار وبدائل وأن يكون هدفهم إيقاظ الهمم وإحياء الضمائر وإزالة غبار الجهل والجمود والتخلف عن نفوس باقي أفراد المُجتمع وليُحافظوا في ذلك على صدقهم وإخلاصهم لربهم ولدينهم، وإذا لم تنهض فئة منا من أجل إحداث تجديد داخل المُجتمع بالعودة لنبع الإسلام الصافي وإيجاد القدوة الصالحة فسنبقى في سُباتنا ونومنا ولن يتغير واقعنا.

من هو القدوة؟

من مشاكلنا اليوم أننا نعيش انفصالاً بين ما نؤمن به من مبادئ وقيم وبين ممارساتنا اليومية، فتجد الواحد منا ملتزمًا بصلاته داخل المسجد مُحافظًا على أوراده من الأذكار والقرآن وقد تراه خاشعًا لربه ولكن ما إن يغادر المسجد حتى يبدأ بأذية الناس بكلامه وبأفعاله، ويُبيح لنفسه المال الحرام، ويمتنع عن بذل المال في أوجه الخير رغم قدرته على ذلك، فمثل هؤلاء الأشخاص سيتركون أثرًا سلبيا داخل المجتمع، ويجعلون الآخرين يظنون أن المشكل في الإسلام لا في المسلمين الذين لا يطبقونه، فلا بد لنا من العمل على تصحيح أعمالنا وأن نُقيم حياتنا كما يُحبها الله أن تكون عن طريق مراجعة النفس وتزكيتها وتربيتها على الالتزام بدينها أينما كانت.

ليس بالضرورة أن تكون القدوة المُؤثرة من العلماء والدعاة بل يُمكن أن يُمثلها كل فرد مؤمن صادق يجعل نفسه قدوة لغيره ولمن حوله من أهله ومن أصدقائه ومن يتعامل معه عن طريق إظهار أخلاق الإسلام في حياته اليومية، فيكون صادقًا في كلامه، مُخلصًا في عمله، مُوفيًا بوعوده، مُلتزمًا بآداب دينه، فلا يسرق ولا يغش، ولا يخدع ولا يخون أحدًا، وبالتالي يستطيع كل واحد منا أن يُصبح مُؤثرًا في بيئته التي يعيش فيها كل حسب قُدرته واجتهاده.

إن السياسي الصادق والمُتمسك بدينه والمخلص له مع حرصه المُتواصل في تحقيق مصالح مُجتمعه ومُحاربة الفساد داخله سيكون قدوة لغيره من الساسة ومن أبناء مُجتمعه، وكذلك المُوظف النزيه المُجتهد والمُتقن لعمله الرافض لكل مظاهر الفساد في مؤسسته سيكون قدوة لزُملائه في العمل، والمُعلم الذي يبذل أقصى جهده والمُستشعر لقيمة الأمانة في تربية الناشئة وصقل مواهبهم وتطوير معارفهم العلمية سيكون قُدوة لمن حوله ولتلاميذه، والأب والأم المتمسكين بتطبيق تعاليم دينهم والباذلين لأقصى جهدهم في تعلم فنون التربية من أجل إنشاء جيل صالح سيكونون قُدوة لأبنائهم ولمن حولهم من الآباء والأمهات، وهكذا، فكل مسؤول أو راعٍ يجب أن يكون قدوة لمن يليه من الناس.

دور القرآن الكريم في حياتنا

بالقرآن نهتدي ونبدأ بناء طريقنا في النهضة، هذا ما يمكن البدء به في التعرّف لدور القرآن في حياتنا، إذ إننا لا يُمكن لنا إيجاد القدوات وبناء الإنسان المُصلح والمُؤثر داخل مُجتمعاتنا إلا عن طريق العامل الذي ينشئه والمُتمثل في القرآن الكريم، ومن ثمّ فإنه بجب علينا الانشغال به وفهم آياته وتدبرها والعمل بها، وهنا يظهر سر التغيير الذي أحدثه القرآن في المسلمين الأوائل من الصحابة والتابعين، فقد تأثروا به وغيّروا به من أنفسهم ونهضوا به وغيروا مجرى التاريخ به وبنوا حضارتهم به، فلماذا لم ننجح نحن مع أن القرآن هو هو ذاته، محفوظ من التحريف والتبديل؟

السر هنا يكمن في كيفية التعامل مع كتاب ربنا، ومن ثم فإن علينا أن نتعرف إلى حقيقة علاقتنا بالقرآن، لنرى إن كنا نُعطي أولوية له في أوقاتنا وساعات يومنا، فنخصص له وقتًا يوميا لمراجعته وتدبر آياته وفهمها؟ وهل نَحْتَكم إلى قوانينه ومبادئه وقيمه في تعاملاتنا اليومية؟

إن الإجابة واضحة للغاية، فقد أهملنا فقه العمل بكتاب الله، وضعفت علاقتنا به، فكانت النتيجة عموم الفوضى وتصاعد التخلف والضياع، وقد ذكرنا رسول الله عليه الصلاة والسلام بضرورة التمسك بالكتاب والعمل به وجعله منهاج حياتنا حتى نُحافظ على كيان مُجتمعاتنا وبقائها في الريادة، فَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِي قَالَ : (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ فَقَالَ : أَبْشِرُوا أَبْشِرُوا أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لَا إلَهَ إلا اللهُ وَأَني رَسُولُ اللهِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : فَإِن هَذَا الْقُرْآنَ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللهِ وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسكُوا بِهِ ، فَإِنكُمْ لَنْ تَضِلوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا) [صحيح ابن حبان]

إن أول ما نحتاجه في منهج التعامل مع القرآن أن نستشعر به كأنه نزل علينا لتوّه، فهو كلام الله الموجه لنا، وأن نوقن بأن رب العالمين يُخاطبنا به ويُوجهنا به في مُعترك الحياة ويرسم لنا من خلاله طريق النجاح والتفوق، فيجب علينا إذًا أن نقبل على آياته آية آية مُحاولين تدبرها وفهم المُراد منها ومُجاهدة النفس بالإلتزام بتعاليمه ومُحاولة تربيتها على قيمه.

بالقرآن يُمكننا اكتشاف بواطن نفوسنا عن طريق عرضها على آياته وإصلاح عيوبها والانشغال بتزكيتها وتطهيرها من مختلف أسقام التخلف والكسل والجمود التي أصابتنا، وبالقرآن نتعرف على دورنا في الحياة وما علينا فعله من أجل تحقيق الخلافة في الأرض وإقامة العدل والمساواة فيها، وبالقرآن نتعرف على طبيعة علاقاتنا بمن حولنا وكيفية التعامل معهم من مسلمين وغير مسلمين ومن مُسالمين ومن مُحاربين لنا، وبالقرآن نتعرف عل ربنا ونتعلم مبدأ الطاعة المطلقة له وكيفية إقامة حياتنا كما يُحبها سُبحانه وتعالى أن تكون، وبالقرآن نتعرف على حقوقنا وواجباتنا في الحياة وكيفية الموازنة بينها ونتعرف أيضًا على حرياتنا وحدودها، فالقرآن منهج حياة كامل تنهض به الأمة جميعها إذا أقبلت عليه بصدق وأخلصت لربها في تعاملها معه.

إن الواجب علينا هو البدء بتدبر القرآن وألّا نُبرر سوء علاقتنا به بسبب قلة زادنا العلمي، فلنا الاستعانة بكتب التفسير المُتاحة للجميع، وأن نبحث في صفحاتها لفهم آيات كتاب ربنا وتعلّمها، ومن ثم يُصبح كل واحد فينا –رويدًا رويدًا- على علم ودراية بكلام الله وآياته، وبذلك تتطبّع النفس على فهمه والالتزام بقيمه، ومن ثم سنرى أثر التغيير في حياتنا اليومية، فالقرآن الكريم ليس لغزًا.. وما علينا إلا أن نقبل عليه وننهل من علومه وحِكمه ونستجيب لمبادئه.

 

 

كيف تكونين أنثى قوية؟ وما القوة التي تحتاجها المسلمة؟

بينما ما يزال غزو الأيديولوجيا النسوية مستمراً وواضح الأثر في مجتمعاتنا، نجد اليوم على النقيض من الذين تبنّوا النسوية وسعَوا للانطواء تحت جناحها الخبيث، فريقًا آخر من الفتيات بتن يخشين التشبّه بأي صفة تضمّنتها دعاوى النسوية خوفاً من محض الاقتراب منها أو تقليدها، والإشكال في ذلك يكمن في أنّ النسوية نادت بشعارات مبهمةٍ وعامة كثيرة لا يتوجّب على المسلمات تجنّب جلّها والخوف منها لمحض أنّ النسوية رفعتها خداعاً للنساء واستدراجاً لهنّ إلى صفوفها.

في هذا المقال أتحدث عن صفة القوة التي ينبغي أن تمتلكها المسلمة؛ إذ رغم رفضنا للنسوية، إلا أن رفعها لفكرة القوة وتصويرها للمرأة المثالية على أنها “strong independent woman”؛ لا ينبغي أن يرهبنا نحن المسلمين من القوة، إذ هو مفهوم نحتاجه في نساء ورجال أمتنا، كما يجدر أن ننادي بامتلاك القوة المنضبطة التي يحبها الله سبحانه؛ إذ إن (المؤمن القويّ خيرٌ وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير) [أخرجه مسلم]. ولتكون القوة التي نتحدث عنها هي تلك التي يرضى الله عنها، وبالتالي يجب أن تنضبط وفق مراده سبحانه، فلا نقبل منها ولا نرفض إلا ما ذُكر في ضوء وحيه، ولا نسعى للاتصاف بها إلا تقرباً إليه وسعياً لنيل محبته.

من أنتِ في ميزان الوحي؟

قبل الحديث عن القوة المطلوبة في الأنثى وسُبُل تحصيلها، لنعد خطوة إلى الوراء باحثين عن هويّة الفتاة المسلمة وتعريفها في ضوء الوحي المنزّه الشريف. فنحن إماءٌ لله أولاً، خلقنا تبارك وتعالى والذكورَ من نفس واحدة لتكون خليفةً في أرضه، وهي تلك النفس المخلوقة من طينٍ لازبٍ، حيث نُفِخت الروح فيها بغير اختيار منها، ثم إن الله استرعاها في الأرض وابتلاها وكلّفها، ووعدها بعد كلِّ ذلك رجوعاً إليه ومحاسبةً على ما كان وأجراً بحسب ما أمَر وما عملت في هذه المدة التي حدد لها على وجه الأرض. قال تعالى: {يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1].

ولتلك النفس البشرية صفات عامةٌ يشترك فيها الذكور والإناث كما ورد في كتاب الله وعلى لسان نبيه، وكما يقتضيه كونها مخلوقةٌ مملوكةٌ لمولاها، لا تملك ذاتها ولا نشأتها ولا مماتها، ومن ذاك النقص والحاجة والضعف والفقر، وكذلك النسيان والعجلة والهلع وحب الشهوات وكثرة الجدل، ومع وجود هذه الصفات الأصيلة في النفس فإن تزكيتها بتطهيرها من الكفر والمعاصي وإصلاحها بما يرضي الله، وتنقيتها من الذنوب ورفعها بالعلم هي طرق النجاة ومفاتحه، كما بيّن سبحانه إذ قال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9].[1]

أما فيما تختص به المرأة المسلمة عن الرجل بعد كونها شقيقةً له مكلّفةً ومسؤولةً مثله، فإنَّ ذلك يتضمّن بعض الصفات المتعلقة بالأنوثة، والاختلافات التي لديها نفسياً وفيزيولوجيًّا عن الرجل ليكونَ كلٌّ منهما مكمّلًا للآخر ومتممًا له، بلا تقابل أو تنافر، ولتكون الحاجة الفطرية الطبيعية ممكنة بينهما، كما خلق الله الخلق جميعاً وفق هذه الثنائية {ومن كلِّ شيءٍ خلقنا زَوجين} [الذاريات: 49][2]، ولله في ذلك حكم كثيرةٌ يظهر بعضها في حدوث السكن والمودة والرحمة بين الزوجين وكذلك الرغبة في دوام الالتقاء وضمان استمرار الحياة.

ومع وجود الاختلافات، إلا أنّ الخطاب القرآني للمرأة انطلق من مبدأ الخطاب الكلي للإنسان منذ كان خطاب الوجود الأول للنفس الإنسانية، فكان التكليف الكوني العجيب بالأمانة التي حملها الإنسان بعد أن أشفقت منها السماوات والأرض والجبال، فتصدّر الإنسان، وخوطب باعتباره عاملاً سواء كان رجلاً أو أنثى لا فرق بينهما في المسؤولية الوجودية من حمل الأمانة الكبرى {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بعضكُم مِّن بَعْضٍ} [آل عمران: 195].[3] ومن هنا كانت القوة التي يحبّ الله المؤمن المتصف فيها مطلوبة في الذكر وفي الأنثى طالما أنها منضبطة بميزان الشريعة وتسعى لرضوان المولى وحده.

لا يليق بالمسلمة الانهزام!

إن الحديث عن القوة النفسيّة للمرأة ينطلق من كونها فرداً في المجتمع المسلم لا ينفكّ أو ينعزل عنه؛ إذ تحمل في ذاتها صفات المؤمن الراسخ، لا تهزّه نسمة ريحٍ ولا تؤثر فيه كلمة أو شبهة عارضة، فلا يليق بالمؤمنة مثلاً أن تجهل الأحكام المتعلقة بالنساء والتي تحتاجها في حياتها اليومية، ولا يناسبها أن تحمل شبهات لا تعرف ردها ولا تعي خطرها، كما لا يستوي أن تعرف أخبار الموضة وفنون الطبخ وترتيب البيت والعناية بالجمال، وتجهل إجابات الأسئلة التي تتردد في ذهنها كل حينٍ عن مكانتها في شرع الله وخطابه سبحانه لها، وتغفل عن معنى الآيات والأحاديث المركزية في هذا السياق.

مع انفتاح مصادر كثيرةٍ للشكوك والشبهات على النفوس في هذه الأيام، فإن الحاجة لتلك القوة باتت أكبر وأكثر إلحاحاً، خصوصاً والأنثى غالباً ما تكون عرضةً لكثير من التيّارات الفكرية والشبهات العقدية التي تستغل نفسيتها وعواطفها، فهذا يشعرها بالفشل لأنها اختارت عدم العمل خارج بيتها، وذاك ينتقص منها باستخدام حديثٍ لا يفهمه، وذاك يتهمها بالنسوية لأنها بفطرتها الطبيعية لا تحب أن يكون لزوجها زوجة أخرى، والقائمة تطول مما قد يرد على المرأة خلال دقائق معدودةٍ من الإمساك بهاتفها المحمول.

ولما كان الجهل يولّد الخوف، والخوف بدوره ينتج شخصيةً ضعيفةً مهزوزة ومنهزمة[4]، كان طلب العلم أول وأهم طرق الوصول إلى القوة المطلوبة، فالمسلمة التي أكرم الله وتفضل عليها بالإيمان ينبغي أن تعبده سبحانه على علمٍ وفهمٍ وثبات كشجرة عميقة الجذور في تربة الإيمان، ثمرها طيبٌ في كل كلمة تصدر منها وكل فعل، تعرف قدرها في دين الله ولا تثنيها تقلبات الزمان وتغيرات الأحوال عن غايتها والدرب الذي تسلك، فلا تأخذ دور الضحية أمام أمواج الشبهات الهائجة، ولا تقف تنتظر رأي الآخرين بها وتقويمهم لها، إنما هدفها مسدَّد، وعينها مثبَّتة عليه على الدوام، كما وصفها د. فريد الأنصاري: “إنما الفتاة المؤمنة هي التي ترفع راية الإسلام بلباسها الشرعي وخلقها الاجتماعي، فلا تفتنها الأضواء الفاضحة، ولا الدعايات الكاشفة، بل تجاهد في الله من أجل بناء قيم الإسلام في المجتمع من جديد وتسعى لطلب العلم بدينها وتعلّم شرائع ربها، للعمل بها في نفسها أولاً ثم تعليمها لغيرها؛ فكانت مثال الصلاح والتقوى والعفاف، ومنار الهداية لجيلها وللجيل الذي يتربى على يدها”[5].

وقد كان الحرص على العلم ونشره حاضراً جلياً في سيرة أمهات المؤمنين والصحابيات رضوان الله عليهن ومن تبعهن بإحسانٍ كذلك، وقد رَوَت أم سلمة رضي الله عنها: (كُنت أسمع الناس يذكرون الحوض ولم أسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان يوماً من ذلك والجارية تمشُطني فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيُّها الناس. فقلت للجارية: استأخري عني. قالت: إنَّما دعا الرجال ولم يدعُ النساء. فقلت: إنِّي من الناس). [أخرجه مسلم].

كيف نصل للقوة المطلوبة؟

إضافةً لطلب العلم، فإن من المهم معرفة النفس وتقديرها، وفهم مواطن القوة والضعف فيها، انطلاقاً من الوحي أولاً، ثم من التبصّر بها ومراقبتها ودراسة احوالها وتقلباتها، وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يحاسبون نفوسهم ويزنون أعمالهم، حتى إن أحدهم يلحظ من ذاته أدنى بعدٍ أو تغيّرٍ أو حاجةٍ للتزكية، وما أجمل ما قام به عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه لما لحظ من نفسه ما يريبه، فدعا الناس أن الصلاة جامعة، ثم قال بعد حمد الله والصلاة على نبيه: يا أيها الناس، لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم، فيقبضن لي قبضة من التمر أو الزبيب، فأظل يومي، وأي يوم؟ ثم نزل عن المنبر، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن قمّأت نفسك [يعني عبتها]، فقال: ويحك يا ابن عوف! إني خلوت فحدثتني نفسي، قالت: أنت أمير المؤمنين، فمن ذا أفضل منك؟ فأردت أن أعرفها نفسها[6].

ومن نتائج معرفة النفس تجنب مقارنتها بالآخرين وتقييمها بحسب مكانها بينهم، خصوصاً إن كانت المقارنة دنيوية أو في أمور لا يعلم بواطنها إلا الله، ومع مشاركة الناس كثيراً من خصوصياتهم على مواقع التواصل اليوم، وقدرة أي منا على الاطلاع على أخبار وقصص الملايين ببضع نقرات، فإن ذلك صار أكثر إتعاباً للنفس وأدعى لأن تغلق تلك البوابات عن ذاتها، فرغم أن المرء قد ينشط بالاطلاع على اجتهاد أقرانه، إلا أن جلد الذات بسبب قصورها عن بلوغ ما يفعل غيرها ليس بسبيلٍ صحيح، فالسائرون إلى الله مختلفون فيما يوفّقون له من أعمال، وطاقات كلّ منهم والمسافة التي قطعها في طريقه متفاوتة كذلك، فينبغي توجيه النظرة نحو الاستزادة مما يحب الله من الأعمال، مع اعتبار محدودية النفس وخصوصياتها ليتحول الجلد جرداً.

وإن كان ذاك مما يضبط مقارنة العبادات، فما بالك بمن يتعب نفسه بالنظر لما لدى غيره من متع الدنيا وقد نهى الله صراحةً عن مد العين إلى ما تمتع به غيرنا في هذه الدنيا الفانية؟

ومع التبصّر والامتناع عن المقارنات تتمرّن النفس تدريجيًّا على التركيز على رضا الله وعدم التعلّق أو الانشغال بالخلق، فيكون توجّهها مطلقاً لله، وتصير منافستها مع ذاتها أولاً لتتجاوز عيوبها وشهواتها وأهوائها، فتنضبط معاييرها بما يرضي الله، ولا تتأثر بقول الناس عنها أو رأيهم بسعيها بعد ذلك، لأنها لم تسعَ لنيل رضاهم أساساً، فتتمكن بالتالي من السؤال والتعبير والإبانة عن حاجاتها والقيام بما أمر مولاها بغض النظر عن محيطها.

ختاماً، أقول لكلّ فتاةٍ تقرأ هذه الكلمات، لا نريدكِ نسويّة مبغضةً لنفسها ومحدوديتها، ولا متمردة على خالقها تعيسةً في دنياها، وساعيةً لكسر كل ما هو نمطيٌّ بغض النظر عن ماهيته وواضعه، بل إننا نريدك مؤمنة قويّة صلبة حازمة ثابتة غير جاهلة ولا مهزوزة، تعلمين ما لكِ وما عليكِ، وتنضبطين بشرع الله القويم وتنعتقين من الجاهليات قديمها وحديثها في سبيل التقرب إلى الله ونيل محبته ورضاه.[7]


[1] تفسير السعدي وتفسير الطبري.

[2] أ. د. محمود بن أحمد بن صالح الدوسري، التمايز العادل بين الرجل والمرأة في الإسلام، دار ابن الجوزي. ص29

[3] د. فريد الأنصاري، سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة. ص35-36

[4] د. عبد الرحمن ذاكر الهاشمي، دورة فقه النفس، اقرأ.

[5] د. فريد الأنصاري، سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة. ص 15

[6] المتقي الهندي، كنز العمال، 12/655

[7] استفدت في بعض معاني العامة المقالة من سلسلة محاضرات للشيخ أحمد السيد بعنوان “سوية المؤمن” https://www.youtube.com/playlist?list=PLZmiPrHYOIsS5j5KXnB8xMbSjy_7KYbCq

ومن محاضرة للدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي بعنوان ” القوة النفسية: ما هي؟ وكيف أصل إليها؟ | عبد الرحمن ذاكر الهاشمي” https://www.youtube.com/watch?v=DFLgHrdwYdM&t=101s

بين تهمة النسوية ومخاوف الالتزام.. أين تذهب الفتاة المسلمة؟

بعد عدد لا بأس به من الشبهات التي وردتني، والقصص التي اطلعت عليها من صديقاتي ومَن حولي، وجدت إشكالاً متكرراً لدى الفتيات اليوم، فشريحةٌ كبيرةٌ منهنّ واقعةٌ بين تصوّر مغلوط عن الالتزام تخشى الاقتراب منه، وبين تهمة النسوية التي تتجنب أن توصف بها، فتكون الفتاة في مكانٍ ترى فيه المتديّنات متشددات يعِشْن في عالم آخر، والنسويّات منفلتات يدعين إلى الفاحشة والرذيلة، بينما هي ذاتها تحمل أسئلة وشبهات تخشى الإفصاح عنها أمام أحدٍ لئلا يسحبها أيّ من الفريقين إليه.

ولذا رأيت أن أوجّه لهؤلاء الفتيات اللواتي يرفضن الفكر النسوي، ويردن الله ورسوله والدار الآخرة ولا يعرفن كيف السبيل إلى مبتغاهن هذه المقالة، وعسى الله ينير دربنا جميعاً ويتقبل منا.

اعلمي أولاً يا عزيزتي أن مطلبك ليس بالبسيط ولا بالقليل، أنتِ تريدين رضا مولاكِ العليِّ القدير، وجنته التي عرضها السماوات والأرض التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، تريدين في هذه الدنيا حياةً مطمئنة وفي الموت تثبيتاً وفي البعث أمناً وفي النهاية شربة من حوض المصطفى وجواراً له في دار النعيم حيث لأهلها ما يشاؤون والمزيد. فمطلبك إذاً يستحق الجهد والعمل، وتهون لأجله المشقة والألم، فضعي هذا نصب عينيك، ثم امضِ رعاك الله.

أما وقد وضعنا الهدف المرجوّ أمامنا فلنتحدث عن الخيارين الذين تتجنبين الوقوع فيهما.

تصورات مغلوطة عن الالتزام

حين يتخيل كثيرٌ من الناس صورة الشاب المتدين فإنه لا يرى إلا رجلاً متجهماً في ثوبٍ ذي طراز معيّن مع غطاء رأس، لا يبدأ كلامه إلا بـ “يا أخي” أو “يا أختي”، ولا يتحدث إلا بالفصحى المتقعرة، ولا يقضي يومه إلا في المساجد والحلقات، لا يجيد تكوين العلاقات الاجتماعية، ولا هو طيب المعشر ولا يبتسم لغيره ولا يعرف كيف يعيش الحياة الواقعية كإنسانٍ متوازن وسوي. وكثيرٌ من تلك التصورات تنطبق بشكل تلقائي على ما هو شائع في الأذهان عن الفتاة الملتزمة التي اعتزلت الناس واختلفت عنهم بكل شيءٍ ثم لم تعد قادرة على التعامل معهم حتى.

وإن كان التدين والالتزام يدعونا لنبذ العادات والتقاليد الجاهلية، وإعادة التفكير بكثيرٍ من الموروثات الاجتماعية، فإنه من المهم معرفة مصادر ما نحمله من تصورات عن الإنسان الملتزم، فعلى مرِّ عقودٍ من التعرض لضخّ منتجات الإعلام العربي العلماني المؤدلج رُبِط التدين والالتزام بصور نمطية سلبية كثيرة تغلغلت في أذهان الناس، حتى بات من الصعب عليهم الانفكاك عنها أو تخيل الواقع بخلافها، رغم أنها بعيدةٌ عن الحال الحقيقية التي نعيشه ونراها، فكم من طالب علمٍ ملتحٍ بشوشٍ يوزع الحلويات على أطفال حيه كل أسبوع، وكم من فتاة ملتزمة بحجابها الشرعي وحضور حلقات العلم تمكنت من التأثير بأسرتها ومحيطها الضيق وتحبيب كتاب الله وسنة رسوله لهم، وكم من طالب علمٍ يجتهد ليوازن بين مسعاه وبين الارتباط بالواقع ورحمة غيره والاقتداء بخلق نبيه الذي قال: (المؤمن يأْلَف ويُؤْلَف، ولا خير فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف) [رواه أحمد وصححه الألباني]، وقال: (المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) [رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه].

وإن كان في المجتمع قلةٌ ممن يشبهون صور الالتزام النمطية ببعض الجوانب، فما ذاك إلا لنقصٍ عندهم، وضعفٍ لديهم يحتاجون للاجتهاد على تجاوزه وسدّه، لأنهم بشرٌ ككل الناس، يخطئون ويصيبون، لم يبلغوا بوصف الالتزام مرتبة الأنبياء ولا تحولوا بها إلا ممثلين عن الدين الحنيف في كل حركاتهم وسكناتهم، لكن اجتهادهم ذاك يظل محموداً لأنه في سبيل الله وسعياً للتقرب إليه، ودربُ إصلاح النفس والمجتمع سواء سمّيناه التزاماً أم طلب علمٍ أم بحثاً عن السنة أو اقتداءً بالصالحين هو الذي نحتاج جميعاً لسلوكه لنكون مؤمنين بالله على علمٍ وداعين إلى دينه في كل مجالات حياتنا كما يحب سبحانه ويرضى.

التجنب المبالغ به لتهمة النسوية

رغم وجود الإشكالات الكبيرة التي سببها الفكر النسوي، وتسرب آثار وانعكاسات هذه الحركات إلى عقول ومشاعر فتياتنا، فإن كثيراً منهنّ لم تعِ من هذا الفكر إلا الخوف من تهمته في أي فعلٍ أو فكرةٍ تحملها، فصارت تخشى الإفصاح عمّا لديها من أسئلة وإشكالات أو التعبير عن التناقض الذي يعتصر دواخلها؛ وذلك لئلا توصَم بتهمة النسوية، أو لئلا تصنّف ضمن زمرة لا تحبها ولا ترضاها.

ولذلك أود هنا تقديم تعريف مختصر للنسوية لأوضح لأي فتاة ذات أسئلة، وفي حاجة للتعبير والإبانة عنها أن ذاك أمرٌ ضروري ولازم ولا علاقة له بالنسوية بغض النظر عما قد يقال أو ينسب للفتاة بسببها.

بدأ ظهور أول موجات النسوية في أواخر القرن التاسع عشر باعتبارها رد فعلٍ نفسي وعمليٍ طبيعي على تهميش النساء وظلمهن في المجتمع الغربي، حيث كنّ يُمنَعْنَ من التملك والانتخاب والتعليم وأيّ مشاركة غير أنثوية في المجتمع، ثمّ تحولت الحركة مع الرفض الذي واجهته والاستغلال الذي تعرّضت له من حركة حقوقية إلى تيارٍ مناهض للسلطوية الذكورية والتحكّم الرجالي، فصارت حركة متعصبة ضد الرجل بجنسه، وتحولت إلى المطالبة بالتسوية والتساوي، والمناداة بالتمرد على الطبيعة الذكورية وخصائصها وأدوارها.[i]

لم يتوقف تعصب النسوية على الرجال، بل امتد ليشمل النساء أنفسهن، والدعوة لتحوير طباعهن الأنثوية وما يوافقها من مهامٍ ليتشبّهن بالرجال الذين صاروا بنظر النسوية مثلاً أعلى وقدوة، فصارت الذكورية ذاتها معياراً للقوة والأهلية، وكلما شابهتها المرأة واتصفت بها كانت نسوية بحق. وانتشرت ظواهر استرجال انساء إمعاناً في المغالبة الجنسية وإثباتاً للكفاءة، وازدادت شراسة مطالب المساواة وخفت صوت مطالب العدل. فلم تعد النسوية تعنى بتحصيل الحقوق المسلوبة أو المشاركة المجتمعية الطبيعية، إنما صار سعيها وراء التكافؤ مع جنس الرجال رغماً عن النساء والوقوف بنديةٍ أمامه بأي ثمن![ii]

أما اليوم فقد تفاقمت عصبيات النسوية حتى صارت في الغرب ولدى تابعاتها في الشرق تطالب بتقديس حرية المرأة المجرّدة، وترى في زواجها وأمومتها وتربيتها لأولادها قيوداً ينبغي تجاوزها عبر إتاحة الزنا المفتوح دون أي التزامات، وتشريع قوانين تسمح بالإجهاض، بل وتغطّيه بالتأمينات الصحية، وتتيح استخدام حبوب منع الحمل للفتيات منذ سن الثانية عشرة بغض النظر عن آثار ذلك المدمرة على المجتمعات بأسرها.[iii]

ومن تلك المسيرةِ وترافقاً معها انطلقت الأدبيات النسوية واستمرّ الفكر النسوي بآثاره المدمرة اليوم، فهو وإن كان له حاجةٌ حين ظهر في الغرب، فتلك الحاجة انتهت حين حقق مساعيه الأولى، أما في ظل شرع الله الذي نريد العودة له؛ فلا حاجة لدعاوى نسوية من أساسها، ولا دور لمطالب التسوية أو استرداد الحقوق انطلاقاً من أهواء أو قيم علمانية سائلة؛ إذ {الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 71]، وحيث المرأة والرجل متكاملان لا يسعيان للتنافس ولا مكان بينهم للندية، وإن كان المجتمع ابتعد عن ذلك فالحل بالعودة إليه عبر رفع شرع الله فوق البشر لا عبر استبداله بمزيد من الجاهليات المستوردة التي لا تناسب زماننا ولا ثقافتنا.

ومن ثم –بعد هذا الشرح عن النسوية- ينبغي أن يكون واضحاً لكل فتاة مسلمةٍ تسعى لرضا مولاها أن سؤالها عن شبهات تسربت إليها لا علاقة له بالنسوية وحقيقتها، فدين الله لا يأمرها بالالتزام بمعايير مجتمعية ظالمة تأمرها بالصمت والقعود عن طلب العلم، ولا يمنعها عن دورها كمربيةٍ ومعلمةٍ وداعية إلى الله بحسب مجالها وقدرتها واستطاعتها.

هذه الأفعال لن تجعلك نسوية

أختم هذا المقال برسالةٍ لكل فتاة مسلمةٍ تسعى لأن تلقى الله بقلبٍ سليم، فأقول لها: أفهم تماماً يا عزيزتي أن حياءك زينة لا تقدر بثمن، وأنَّك تأنفين الجدال، وتترفعين عن لغو الكلام، وتعتزين بأنوثتك عن صغائر الأمور والأفعال، لكن هذا كله ليس مانعاً من السؤال والتعبير والإبانة وطلب العلم الشرعي والبحث والاستشارة عما لكِ وما عليكِ، وعما لا يسعك جهله من واجباتك وحقوقك، فسعيك لتكوني من المؤمنات اللواتي أثنى الله تبارك وتعالى عليهنّ بالغفلة في الآيات الكريمات لا يعني الغفلة عن مكانتك في شرع الله، ولا يعني امتناعك عن المطالبة بحاجاتك التي تتعب نفسك من إنكارك لها وترفّعك عن الاعتراف بوجودها، وكونك مؤمنةٌ تقيّة لا يعني أن تنكري الشبهات التي تدور في خلدك لأنك تريدين أن تطابقي الوصف المشهور للمسلمة التي وُلِدت مطمئنة بالدين الحق، لم تدخل عليها شبهةٌ ولم تسمع بفتنة ولم يساورها شكٌ أبداً.

قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: (نعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ) [أخرجه مسلم]، وسألت امرأة رسول الله: (يا رسولَ اللَّهِ! إنَّ اللَّهِ لا يستَحي مِنَ الحقِّ، هل على المرأةِ غُسلٌ إذا هيَ احتَلَمت؟ قالَ: نعَم إذا رأَتِ الماءَ فضحِكَت أمُّ سلمةَ، فقالت: أتَحتَلِمُ المرأةُ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ: ففيمَ يشبِهُها الولَدُ) [أخرجه النسائي]، وفي مسند الإمام أحمد عن يزيد بن بابنوس أنه قال: (ذَهَبتُ أنا وصاحِبٌ لي إلى عائِشةَ فاستَأْذَنَّا عليها، فألقَتْ لنا وِسادةً، وجَذَبَتْ إليها الحِجابَ، فقال صاحِبي: يا أُمَّ المُؤمِنينَ، ما تقولينَ في العَراكِ؟ قالَتْ: وما العَراكُ؟ وضرَبْتُ مَنْكِبَ صاحِبي، فقالَتْ: مَهْ، آذَيتَ أخاكَ! ثم قالَتْ: ما العَراكُ؟! المَحيضُ، قولوا: ما قال اللهُ: المَحيضُ، ثم قالَتْ: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يتَوَشَّحُني، ويَنالُ مِن رَأْسي، وبَيْني وبَيْنَه ثَوبٌ، وأنا حائِضٌ).

وكذلك كانت نساء خير القرون يطلبن العلم ويعلّمنه ولا يمنعهنّ من ذلك خوف مما قد يقال أو توقف عند أعرافٍ جاهلية جاء شرع الله ليشذبها ولا يبقي منها إلا ما يرضيه. ووجودُ تهمٍ يتناقلها الناس اليوم لا يبدل من ذلك شيئاً، خصوصاً والفتاة باتت في حاجة أكبر لطلب العلم والبحث في الأحكام الشرعية التي تلزم المرأة المسلمة ولا يسعها جهلها ومعرفة الخلاف فيها، إلى جانب دراسة التاريخ الإسلامي من مصادره المعتبرة التي تروي الأحداث كما هي دون تقسيمها إلى أفعال الذكور والإناث، ثم سؤال أهل العلم للوصول إلى الحق ورضا الله، والمتعلّمات كذلك في حاجة أكبر لنشر ما رزقن من علمٍ والدعوة إليه.


الهوامش

[i] د. هدى النمر. قضية المرأة بين الشريعة الإسلامية وسجالات النسوية. ص43

[ii] المصدر السابق

[iii] د. هدى النمر. قضية المرأة بين الشريعة الإسلامية وسجالات النسوية. ص44

وللاطلاع على قصة النسوية بأسلوب سهل ومبسط أنصح ببرنامج النسوية للدكتور البشير عصام المراكشي على يوتيوب

لا خوف ولا حزن

كثيراً ما تشدّني ثنائية الخوف والحزن الواردة خاصةً في آيات المواساة القرآنية وآيات التبشير بالنعيم والفضل، إلى الوقوف للتفكير في جوهر هذين الشعورين ومدى امتدادهما في أرض النفس الإنسانية، ولملاحظة أنهما بشكلٍ ما مصطلحان شاملان للكثير من التفاصيل الشعورية الأخرى، تلك التي ستتلاشى بمجرد غياب كليهما.

الحزن والخوف؛ صراع الماضي والمستقبل

إن تأملنا في اتجاه نظر الإنسان حال شقائه نجده مكبّلاً ينظرُ إلى اتجاهَين متعاكسين، أو طريقين متقابلَين، مشغولاً بأحدهما أو كليهما عن موقعه الحالي وموضع قدمه في لحظته تلك.

إنه صراع الماضي أو المستقبل، أو كليهما وهو الأصعب والأكثر تعباً؛ إذ إنَّ أحدنا في هذه الدنيا إمّا موثَقٌ بتجربةٍ أو ذكرى أو حادثةٍ مَضَت يجاهد نفسه على تجاوزها، أو مشغولٌ بآتٍ مجهول، يريده كما يتمنى، أو يرجو أن يخلو ذلكَ الآتي من أمرٍ يخشاه أو يكرهه.

وإذا ما أردنا ترجمةَ هذا الصراع والاشتغال بالماضي أو المستقبل شعوريّا،ً لكانت الترجمة الأنسب والأصدق والأبلغ هي تلك التي استخدمها ربُّ العباد الأدرى بأحوال القلوب؛ إنه الشقاء بين “الحزن والخوف”، الشعوران اللّذان يصفانِ حال الإنسان هذا بدقّة كبيرة.

الحزن تحت العدسة المكبّرة

لا بأس بأن نسلك طريق الحزن في هذا المقالِ لبعض الوقت، محاولين فهمَ معالمه وتضاريسه حتّى نتذكّرها جيّداً إن رأيناها في لحظةٍ قادمة فندرك أنّنا هنا، في درب الحزن وعالمه. درجتُ مع السالكين في كتابِ ابن قيم الجوزيّة ووجدتُ فيه لطائف وتفسيراتٍ عميقة لمفهوم الحزن حين تطرّق له كمنزلةٍ من منازل (إياك نعبد وإياك نستعين).

لقد علّق في بداية الفصل بجملةٍ لخّصَت منزلة الحزن ببراعة “وليست من المنازل المطلوبة، ولا المأمور بنزولها، وإن كان لابدّ للساك من نزولها ولم يأتِ “الحزن” إلّا منهيّاً عنه أو منفيّاً” [1] وأظنّنا ميّزنا مواطن النهي والنفي حين ذكرنا الآيات التي ذكر فيها ربّ العزة هذا الشعور، لقد نُهِيَ عنه في آيات المواساة الحانية، ونُفِيَ تواجده عند الحديث عن النعيم وفضله تعالى على عباده المؤمنين.

أمّا عن كونه ليس مطلوباً ولا مقصوداً فذاكَ لما فيه من الضعف، وتشجيع الشيطانِ عليه ليقطع سير الإنسان إلى الله، ونستشهد على ذلك بدعائه ﷺ: (اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الهمّ والحزن) [أخرجه البخاري]، وإنَّ الإنسان ليعتريه ذلك في حزنه على أمرين، فكما قيل “الحزن: توجّعٌ لفائت، وتأسّف على ممتنع” فنجدنا نحزن إمّا على شيء رزقناه ثمّ فقدناه بأمر الله وحكمته فنبقى في حسرةٍ على ذلك الفوات، أو حزينين على امتناع رزقٍ معيّن منعنا الله إيّاه وله الأمر من قبلُ ومن بعد،هو المعطي المانع، لنبقى في تأسّفٍ على ذلك المنع مغفّلين عن اغتنام رزق اللحظة التي نملك.

وأمّا قوله: وإن كان لا بدّ للسائل من نزولها، فذاكَ لأن الابتلاء هو دأب هذه الحياة الدنيا، التي تستقيم حيناً وتعوجّ أحياناً. ويظهر هذا في حديث أهل الجنّة حين يحمدون الله قائلين: {..الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} ]فاطر:34[ ويستدلّ بهذا على مرورهم بشتّى أنواع الحزن والابتلاء وأشكاله، ولكنّه حزنٌ بلّغَهم الجنّة بصبرهم عليه، ولجوئهم إلى الله طلباً للسلوان والقوّة والأجر، لا سلوك طريقٍ خاسرٍ بالجزع والاعتراض والنكوص والعياذ بالله.

الخوف تحت العدسة المكبّرة

في الجهة الأخرى، في طريقٍ إلى المستقبل، وقربٍ أكثر إلى معانيه وأسباره، نجده أنَّ الخوف حين ورد وحده في السياق القرآنيّ ورد بصيغة الأمر والحثّ عليه، ولكن شرطَ أن يكونَ في الحديث عن جنابِ الله، لذلك نجد أنَّ أكثر الآيات التي كانت تصف المؤمنين كانت تذكر خوفهم من الله جلَّ وعلا وخشيتهم منه {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} ]المؤمنون: 57[ {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}] المؤمنون:60[ إنّه الخوف الذي يعتري الإنسان عند فهم مقام الله وعظمته، وإدراك عذابه لمن يعصيه فتجده يكثر من الطاعات والقربات طمعاً في قرب الله وعفوه، ومن ألطف ما قرأت في هذا الصدد ما قيل: “كلُّ ما تخافه تهرب منه، إلّا الله حين تخافه تهرب إليه”.

ومن المواضع التي أستحضر نهي الله فيها عن الخوف أو ذكره منفيّاً، نهيه تعالى عن الخوف من الناس وخشيه الله تعالى وحده فهو الذي بيده زمام أمر الإنسان والناس الذين يخافهم {..فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ..} ]المائدة:44[ {..وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ..} ]المائدة:54[، فلا يخاف الإنسان رزقاً بيد إنسانٍ آخر، ولا يخاف بطشاً، ولا أذىً، بل حسبه الله فينطق بالحقِّ قويّاً صادحاً دون وجل.

القرآن والذي يحتوي ثنائية الحزن والخوف في آيات المواساة القرآنية وآيات التبشير بالنعيم والفضل

وأستحضر موضعاً آخر فيه لطيفةٌ جميلة {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} ]الإسراء:31[ حيث كان النهي هنا ليست عن الخوف من المجهول فحسب، بل من الوساوس التي نتخيّلها قادمةً من المجهول، والتوقعات التشاؤميّة، والقياساتُ والتنبّؤات، إذ إنها كلها من الخوف المنهيّ عنه، وهي من الأمور التي ينبغي تحويل الخوف منها إلى ثقةٍ بالله عزّ وجلّ.

في هذا السياق يتجلّى التوكّل مهيباً منقذاً للمشهد، التوكّل الذي نستطيع وصفه هنا بأنه تجاوز الخوف إلى الاطمئنان، وتجاوز القلق إلى الرضا حين يؤمن الإنسان بأنّ له ملكاً جليلاً في عليائه إليه يصرف الأمر كله، هو حسبه وكافيه ونعم الوكيل.

وحين نعود إلى وصف أهل الجنة (لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون)، لأنّ المَخوفَ ذهب، فقد نجّاهم الله من العذاب وأسبغ عليهم رضاه، ولا حزنَ لأنّ كلَّ الأسى كان حلُّه الجنة، وتحقّقه الجنة فلا تحرمنا اللهمّ أمنها ونعيمها، اجعلنا اللهمّ من أهلها، ممّن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.


الهوامش

[1] مدارج السالكين، ابن القيم الجوزي، المجلد الأول، ص505 ، دار الكتاب العربي -1972

بين “في كل رطبة أجر” وبين “أنقذوا رالف”.. إلى أين تمضي البشرية؟

هزّ كثيراً من رواد وسائل التواصل الاجتماعي الفيلم الوثائقي القصير “أنقذوا رالف” الذي يستهدف إيقاظ الناس ولفت انتباههم لمعاناة الحيوانات التي يتم اختبار مستحضرات التجميل وغيرها من المواد الكيماوية على أجسادها وأعضائها، وما يتسبب به ذلك لها من آلام وإعاقات وتشوهات لا حاجة لها ولا فائدة منها في كثيرٍ الأحيان.

وبينما كثيرٌ من دول العالم اليوم تعاني الحروب والفقر والمجاعات، ولا يجد عددٌ كبيرٌ من البشر كفايتهم لعيشٍ كريم؛ يكاد يبدو غريباً أن نتحدث عن معاناة بعض الحيوانات، إلا أن حجم الإشكال ومساهمة معظم الناس فيه بغير علمٍ يدعونا كمسلمين لأن نتوقف ونتأمل ونسأل؛ كيف صارت الحيوانات جزءاً من ضحايا الشركات العملاقة؟ ما الذي يقوله ذلك عن إنسانية الحضارة الغربية وأخلاقيات الرأسماليات والفكر الذي بنيت عليه؟ وكيف يمكننا كمستهلكين مسلمين أن نبرأ من المشاركة بهذا النوع من الإجرام المجنون؟

صورة من فيلم "أنقذوا رالف"

من فيلم “أنقذوا رالف”
https://www.youtube.com/watch?v=oBZhGBAQoOI

قصة الدراسات الحيوانية.

من إطعام “منظفات” للأرانب، إلى إلقاء الفئران في الماء لتحاول السباحة حتى تستسلم وتغرق، وحتى إدخال مكونات من ملمّعات الزجاج أو الكحل في عيون الهامستر الصغيرة[1]، وغيرها من الممارسات التي يؤلم تخيلها أو توقع حدوثها في أي مكان في العالم ناهيك عن المختبرات؛ لا تكاد أي من الصناعات الكيماوية التي تمتلئ البيوت بمنتجاتها تخلو من التجارب الحيوانية المرعبة التي تتم دون أي مسكنات للآلام، وتتسبّب بتعذيب وقتل 26 مليون حيوان سنوياً في أمريكا وحدها في سبيل كماليات عاش البشر دونها آلاف السنين، ويمكنهم لولا شره الاستهلاك والربح وإدمان التنعم أن يستمروا بالعيش دون ما تؤدي إليه من إيذاءٍ وتلويث للهواء وإفساد للبيئة دون رقابة أو محاسبة.

وقد بدأ النوع الأول منها في الحرب العالمية الأولى عندما تم فحص الجرعة القاتلة من السم (LD50) على الجرذان والفئران، ورغم مرور عقود على دراسة هذا السم واستمرار المحاولات فيها، إلا أن أثره على البشر لم يتضح ولم يثبت بعد، بل إن تطبيق كل ما تظهره دراساته على البشر لا يعدو 65% في الدقة.[2]

هذا النوع من التجارب صار يعرف بتجارب “السُّمّيّة الحادة” لأنه يحاول معرفة خطر مادة كيميائية أو عنصر واحد منها عبر تعريض الحيوان لجرع عالية جداً منها إما بالإطعام الإجباري، الاستنشاق الإجباري، أو بتعريض مساحات من الجلد أو العين لها. وغالباً ما تنتهي هذه التجارب بمعاناة الحيوان من نتائج حادة سواء في الجهاز الهضمي، التقلصات العضلية، الشلل، نوبات الصرع، أو النزيف من الأنف أو الفم أو الأعضاء التناسلية إلى أن يموت أو يقتَل[3].

أما النوع الثاني منها فهو المعروف بفحص تخرّش وتهيج الجلد والعين الذي يعود لعام 1940، وفيه يتم إدخال المركب المدروس في عين الأرانب أو مسحه على جلدها المحلوق لمعرفة الضرر الذي قد يتسبب به، والذي عادةً يتضمن الحروق، الالتهابات الجلدية، النزف، ضبابية البصر، أو العمى، وذلك على أوقات متفرقة لمدة تصل إلى أسبوعين دون مسكنات[4].

About Animal Testing – Humane Society International

وتظهر الدراسات أن نتائج تلك التجارب تتنوّع ولا ترقى بالمصداقية لأن تطبّق على البشر أو تتوقع تفاعلات أعضائهم لأن عيون الأرانب مختلفة تشريحياً عن عيوننا، كما أن جلد الأرانب أكثر نفوذية من ذاك الذي لدينا، مما يجعل تلك الدراسات غير مجدية بصورة عامة. على سبيل المثال أظهرت دراسة مقارنة بيانات بين دراسات 65 مادة كيميائية والتعرض لها بين الأرانب والبشر أن 45% من تصنيفات المواد الكيميائية بناءً على فحص تخرش وتهيج الجلد والعين كانت غير دقيقة.[5]

وهناك أنواعٌ أخرى من تلك الدراسات تشابه سابقتها بالوحشية وتعذيب الحيوان، وتتضمن فحص حساسية الجلد الذي يُجرى على الخنازير الغينية بتركيزات متزايدة تدريجياً من المواد، كفحص الخلايا السرطانية الذي يجري على الفئران والجرذان على مر سنوات، وفحص سمية الإنجاب والنمو الذي يبحث عن آثار المواد على الخصوبة والصحة الإنجابية على أجيالٍ من حيوانات مختلفة كالكلاب والقرود.[6]

لماذا؟!

رغم أن جزءاً من الحيوانات المخبرية تُستخدم في الدراسات الصحية واختبارات الادوية المفيدة والضرورية لتقدم العلوم الصحية اليوم، إلا أن نسبة كبيرة منها تُقتل وتُعذَّب في سبيل إنتاج مواد استهلاكية كمالية لا تتوقف عندها حياة أو صحة الناس، ومن ذلك المستحضرات التجميلية المصنّعة من تركيبات كيميائية معقدة، ومواد التنظيف ومكوناتها، والمحسنات الغذائية أو المواد الحافظة، وغيرها مما تدخل المواد الكيميائية المصنعة في تركيبه، ومع زيادة استهلاك تلك المواد والطلب عليها وارتفاع سقف المتوقع منها، فإن عدد تلك التجارب يزيد سنوياً ليشبع متطلبات الزبائن، ويؤمن للشركات المنتجة الارتفاع المستمر والمتصاعد في المبيعات.

أما من حيث ضرورات تلك الدراسات، فإن قوانين بعض من الدول ومن ضمنها الصين تشترطها في أي مادة كيميائية تجارية، بينما معظم الدول الأخرى تسمح ببيع المنتجات المدروسة على الحيوان، أو تطلب وجود أي اختبار يدل على أمان المواد المكونة للمستحضرات كالحال في الولايات المتحدة مثلاً. ومنذ عام 1980 كانت جهود الناشطين في جمعيات كثيرة مثل People for The Ethical Treatment of Animals، Animal Free Safety Assessment Collaboration، Humane Society International، تعمل للضغط على الحكومات لمنع الدراسات الحيوانية، مع توعية المجتمعات عن حقيقة ما يجري فيها، وكذلك البحث المستمر عن بدائل مجدية وأكثر فعالية منها للتجارب وتطبيق النتائج على البشر.

وعام 2016 وضع الباحثون في مجتمع Non-animal Methods for Toxicity Testing لائحة طويلة من الاختبارات غير الحيوانية التي يمكن أن تنوب عنها في فحص المواد الكيميائية، وأرفقوها بدراسات تثبت دقتها، والقوانين التي توافق عليها في أوروبا والولايات المتحدة. لكن التكلفة الأعلى لتلك التجارب مقارنة باختبارات الحيوانات مازال يمنع تطبيقها في كثير من الصناعات الكيميائية، الأمر ذاته الذي يمنع الشركات من الإنفاق على مسكنات آلام للحيوانات المدروسة.[7]

بشرٌ بلا فطرة!

ولنا بعد النظرة للحال التي وصلت إليه البشرية اليوم مع هوس الاستهلاك والتمركز حول شهوات الإنسان ومحاولة الانتفاع منها بأي وسيلة لتغذية رؤوس الأموال بغض النظر عن الوسائل أو الأضرار أن نقارن ذاك كله بحال ديننا الحنيف الذي يقرّ بأن الحيوان مسخر للإنسان، ويعلّمنا أن الله كرم ابن آدم وأذن له بالانتفاع بالأنعام، لكنه في الوقت ذاته يحمله مسؤولية الاستخلاف، ويجعله جزءاً من هذا الكون ممنوع عليه إفساده أو الإساءة لغيره من المخلوقات فيه.

ولا أملك مع كل هذا الإجرام الذي أراه من تعذيب الحيوانات في سبيل أحمر اشفاه أو ملمع أرضياتٍ إلا أن أذكر رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر والشجر إذ سكّن أنين الجذع، وردّ السلام على الحجر، ورحمته حتى بالحيوان الذي أذن بأكله والانتفاع به إذ قال: (إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ). [أخرجه مسلم]. وأذكر إذ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطعام كل كبدٍ رطبةٍ أجر، وحكى أن الله غفر لبغِيٍّ من بني إسرائيل لما سقت كلباً ظمآناً.

فسبحان الله، كم خسرت كل مخلوقات الله بغياب شريعته الرحيمة المتوازنة، وكم انحدر البشر حين جعلوا إلههم هواهم فاستخفهم الشيطان وأضلهم حتى فقدوا أبسط مكونات إنسانيتهم وفطرتهم التي تستحسن الحسن وتستقبح القبيح وتعرف مكارم الأخلاق بمجرد أن تراها، فصاروا تائهين لا يعرفون طريقاً إلا أن يلهثوا وراء مزيد من اللذة الحاضرة كل يوم وبكل وسيلة، ولا عجب.

ولا حول ولا قوة إلا بالله..


[1] Toxic and Tragic Consequences of Product Testing on Animals, PeTA, Animals Are Not Ours.

[2] Organisation for Economic Co-operation and Development, “Guidance Document on the Recognition, Assessment, and Use of Clinical Signs as Humane Endpoints for Experimental Animals Used in Safety Evaluation,” OECD Environmental Health and Safety Publications, Series on Testing and Assessment 19 (2000).

[3]B. Ekwall, “Overview of the Final MEIC Results: II. The In Vitro–In Vivo Evaluation, Including the Selection of a Practical Battery of Cell Tests for Prediction of Acute Lethal Blood Concentrations in Humans,” Toxicology in Vitro 13 (1999): 665–673.

[4] M.K. Robinson et al., “Non-Animal Testing Strategies for Assessment of the Skin Corrosion and Skin Irritation Potential of Ingredients and Finished Products,” Food and Chemical Toxicology 40 (2002): 573–592.

[5] M.J. Bartek et al., “Skin Permeability In Vivo: Comparison in Rat, Rabbit, Pig, and Man,” Journal of Investigative Dermatology 58 (1972): 114–123.

[6] B. Magnusson and A.M. Kligman, “The Identification of Contact Allergens by Animal Assay. The Guinea Pig Maximisation Test,” Journal of Investigative Dermatology 52 (1969): 268–276.
G.F. Gerberick et al., “Local Lymph Node Assay (LLNA) for Detection of Sensitization Capacity of Chemicals,” Methods 41 (2007): 54–60.
K. Ennever and L.B. Lave, “Implications of the Lack of Accuracy of the Lifetime Rodent Bioassay for Predicting Human Carcinogenicity,” Regulatory Toxicology and Pharmacology 38 (2003): 52–57.
AltTox, “Toxicity Endpoints and Tests: Reproductive and Developmental Toxicity,” 21 May 2014 .

[7] TABLE OF VALIDATED & ACCEPTED ALTERNATIVE METHODS, Non-Animal Methods for Toxicity Testing, 2016

http://alttox.org/mapp/table-of-validated-and-accepted-alternative-methods/#3