مقالات

لا خوف ولا حزن

كثيراً ما تشدّني ثنائية الخوف والحزن الواردة خاصةً في آيات المواساة القرآنية وآيات التبشير بالنعيم والفضل، إلى الوقوف للتفكير في جوهر هذين الشعورين ومدى امتدادهما في أرض النفس الإنسانية، ولملاحظة أنهما بشكلٍ ما مصطلحان شاملان للكثير من التفاصيل الشعورية الأخرى، تلك التي ستتلاشى بمجرد غياب كليهما.

الحزن والخوف؛ صراع الماضي والمستقبل

إن تأملنا في اتجاه نظر الإنسان حال شقائه نجده مكبّلاً ينظرُ إلى اتجاهَين متعاكسين، أو طريقين متقابلَين، مشغولاً بأحدهما أو كليهما عن موقعه الحالي وموضع قدمه في لحظته تلك.

إنه صراع الماضي أو المستقبل، أو كليهما وهو الأصعب والأكثر تعباً؛ إذ إنَّ أحدنا في هذه الدنيا إمّا موثَقٌ بتجربةٍ أو ذكرى أو حادثةٍ مَضَت يجاهد نفسه على تجاوزها، أو مشغولٌ بآتٍ مجهول، يريده كما يتمنى، أو يرجو أن يخلو ذلكَ الآتي من أمرٍ يخشاه أو يكرهه.

وإذا ما أردنا ترجمةَ هذا الصراع والاشتغال بالماضي أو المستقبل شعوريّا،ً لكانت الترجمة الأنسب والأصدق والأبلغ هي تلك التي استخدمها ربُّ العباد الأدرى بأحوال القلوب؛ إنه الشقاء بين “الحزن والخوف”، الشعوران اللّذان يصفانِ حال الإنسان هذا بدقّة كبيرة.

الحزن تحت العدسة المكبّرة

لا بأس بأن نسلك طريق الحزن في هذا المقالِ لبعض الوقت، محاولين فهمَ معالمه وتضاريسه حتّى نتذكّرها جيّداً إن رأيناها في لحظةٍ قادمة فندرك أنّنا هنا، في درب الحزن وعالمه. درجتُ مع السالكين في كتابِ ابن قيم الجوزيّة ووجدتُ فيه لطائف وتفسيراتٍ عميقة لمفهوم الحزن حين تطرّق له كمنزلةٍ من منازل (إياك نعبد وإياك نستعين).

لقد علّق في بداية الفصل بجملةٍ لخّصَت منزلة الحزن ببراعة “وليست من المنازل المطلوبة، ولا المأمور بنزولها، وإن كان لابدّ للساك من نزولها ولم يأتِ “الحزن” إلّا منهيّاً عنه أو منفيّاً” [1] وأظنّنا ميّزنا مواطن النهي والنفي حين ذكرنا الآيات التي ذكر فيها ربّ العزة هذا الشعور، لقد نُهِيَ عنه في آيات المواساة الحانية، ونُفِيَ تواجده عند الحديث عن النعيم وفضله تعالى على عباده المؤمنين.

أمّا عن كونه ليس مطلوباً ولا مقصوداً فذاكَ لما فيه من الضعف، وتشجيع الشيطانِ عليه ليقطع سير الإنسان إلى الله، ونستشهد على ذلك بدعائه ﷺ: (اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الهمّ والحزن) [أخرجه البخاري]، وإنَّ الإنسان ليعتريه ذلك في حزنه على أمرين، فكما قيل “الحزن: توجّعٌ لفائت، وتأسّف على ممتنع” فنجدنا نحزن إمّا على شيء رزقناه ثمّ فقدناه بأمر الله وحكمته فنبقى في حسرةٍ على ذلك الفوات، أو حزينين على امتناع رزقٍ معيّن منعنا الله إيّاه وله الأمر من قبلُ ومن بعد،هو المعطي المانع، لنبقى في تأسّفٍ على ذلك المنع مغفّلين عن اغتنام رزق اللحظة التي نملك.

وأمّا قوله: وإن كان لا بدّ للسائل من نزولها، فذاكَ لأن الابتلاء هو دأب هذه الحياة الدنيا، التي تستقيم حيناً وتعوجّ أحياناً. ويظهر هذا في حديث أهل الجنّة حين يحمدون الله قائلين: {..الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} ]فاطر:34[ ويستدلّ بهذا على مرورهم بشتّى أنواع الحزن والابتلاء وأشكاله، ولكنّه حزنٌ بلّغَهم الجنّة بصبرهم عليه، ولجوئهم إلى الله طلباً للسلوان والقوّة والأجر، لا سلوك طريقٍ خاسرٍ بالجزع والاعتراض والنكوص والعياذ بالله.

الخوف تحت العدسة المكبّرة

في الجهة الأخرى، في طريقٍ إلى المستقبل، وقربٍ أكثر إلى معانيه وأسباره، نجده أنَّ الخوف حين ورد وحده في السياق القرآنيّ ورد بصيغة الأمر والحثّ عليه، ولكن شرطَ أن يكونَ في الحديث عن جنابِ الله، لذلك نجد أنَّ أكثر الآيات التي كانت تصف المؤمنين كانت تذكر خوفهم من الله جلَّ وعلا وخشيتهم منه {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} ]المؤمنون: 57[ {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ}] المؤمنون:60[ إنّه الخوف الذي يعتري الإنسان عند فهم مقام الله وعظمته، وإدراك عذابه لمن يعصيه فتجده يكثر من الطاعات والقربات طمعاً في قرب الله وعفوه، ومن ألطف ما قرأت في هذا الصدد ما قيل: “كلُّ ما تخافه تهرب منه، إلّا الله حين تخافه تهرب إليه”.

ومن المواضع التي أستحضر نهي الله فيها عن الخوف أو ذكره منفيّاً، نهيه تعالى عن الخوف من الناس وخشيه الله تعالى وحده فهو الذي بيده زمام أمر الإنسان والناس الذين يخافهم {..فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ..} ]المائدة:44[ {..وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ..} ]المائدة:54[، فلا يخاف الإنسان رزقاً بيد إنسانٍ آخر، ولا يخاف بطشاً، ولا أذىً، بل حسبه الله فينطق بالحقِّ قويّاً صادحاً دون وجل.

القرآن والذي يحتوي ثنائية الحزن والخوف في آيات المواساة القرآنية وآيات التبشير بالنعيم والفضل

وأستحضر موضعاً آخر فيه لطيفةٌ جميلة {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} ]الإسراء:31[ حيث كان النهي هنا ليست عن الخوف من المجهول فحسب، بل من الوساوس التي نتخيّلها قادمةً من المجهول، والتوقعات التشاؤميّة، والقياساتُ والتنبّؤات، إذ إنها كلها من الخوف المنهيّ عنه، وهي من الأمور التي ينبغي تحويل الخوف منها إلى ثقةٍ بالله عزّ وجلّ.

في هذا السياق يتجلّى التوكّل مهيباً منقذاً للمشهد، التوكّل الذي نستطيع وصفه هنا بأنه تجاوز الخوف إلى الاطمئنان، وتجاوز القلق إلى الرضا حين يؤمن الإنسان بأنّ له ملكاً جليلاً في عليائه إليه يصرف الأمر كله، هو حسبه وكافيه ونعم الوكيل.

وحين نعود إلى وصف أهل الجنة (لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون)، لأنّ المَخوفَ ذهب، فقد نجّاهم الله من العذاب وأسبغ عليهم رضاه، ولا حزنَ لأنّ كلَّ الأسى كان حلُّه الجنة، وتحقّقه الجنة فلا تحرمنا اللهمّ أمنها ونعيمها، اجعلنا اللهمّ من أهلها، ممّن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.


الهوامش

[1] مدارج السالكين، ابن القيم الجوزي، المجلد الأول، ص505 ، دار الكتاب العربي -1972

بين “في كل رطبة أجر” وبين “أنقذوا رالف”.. إلى أين تمضي البشرية؟

هزّ كثيراً من رواد وسائل التواصل الاجتماعي الفيلم الوثائقي القصير “أنقذوا رالف” الذي يستهدف إيقاظ الناس ولفت انتباههم لمعاناة الحيوانات التي يتم اختبار مستحضرات التجميل وغيرها من المواد الكيماوية على أجسادها وأعضائها، وما يتسبب به ذلك لها من آلام وإعاقات وتشوهات لا حاجة لها ولا فائدة منها في كثيرٍ الأحيان.

وبينما كثيرٌ من دول العالم اليوم تعاني الحروب والفقر والمجاعات، ولا يجد عددٌ كبيرٌ من البشر كفايتهم لعيشٍ كريم؛ يكاد يبدو غريباً أن نتحدث عن معاناة بعض الحيوانات، إلا أن حجم الإشكال ومساهمة معظم الناس فيه بغير علمٍ يدعونا كمسلمين لأن نتوقف ونتأمل ونسأل؛ كيف صارت الحيوانات جزءاً من ضحايا الشركات العملاقة؟ ما الذي يقوله ذلك عن إنسانية الحضارة الغربية وأخلاقيات الرأسماليات والفكر الذي بنيت عليه؟ وكيف يمكننا كمستهلكين مسلمين أن نبرأ من المشاركة بهذا النوع من الإجرام المجنون؟

صورة من فيلم "أنقذوا رالف"

من فيلم “أنقذوا رالف”
https://www.youtube.com/watch?v=oBZhGBAQoOI

قصة الدراسات الحيوانية.

من إطعام “منظفات” للأرانب، إلى إلقاء الفئران في الماء لتحاول السباحة حتى تستسلم وتغرق، وحتى إدخال مكونات من ملمّعات الزجاج أو الكحل في عيون الهامستر الصغيرة[1]، وغيرها من الممارسات التي يؤلم تخيلها أو توقع حدوثها في أي مكان في العالم ناهيك عن المختبرات؛ لا تكاد أي من الصناعات الكيماوية التي تمتلئ البيوت بمنتجاتها تخلو من التجارب الحيوانية المرعبة التي تتم دون أي مسكنات للآلام، وتتسبّب بتعذيب وقتل 26 مليون حيوان سنوياً في أمريكا وحدها في سبيل كماليات عاش البشر دونها آلاف السنين، ويمكنهم لولا شره الاستهلاك والربح وإدمان التنعم أن يستمروا بالعيش دون ما تؤدي إليه من إيذاءٍ وتلويث للهواء وإفساد للبيئة دون رقابة أو محاسبة.

وقد بدأ النوع الأول منها في الحرب العالمية الأولى عندما تم فحص الجرعة القاتلة من السم (LD50) على الجرذان والفئران، ورغم مرور عقود على دراسة هذا السم واستمرار المحاولات فيها، إلا أن أثره على البشر لم يتضح ولم يثبت بعد، بل إن تطبيق كل ما تظهره دراساته على البشر لا يعدو 65% في الدقة.[2]

هذا النوع من التجارب صار يعرف بتجارب “السُّمّيّة الحادة” لأنه يحاول معرفة خطر مادة كيميائية أو عنصر واحد منها عبر تعريض الحيوان لجرع عالية جداً منها إما بالإطعام الإجباري، الاستنشاق الإجباري، أو بتعريض مساحات من الجلد أو العين لها. وغالباً ما تنتهي هذه التجارب بمعاناة الحيوان من نتائج حادة سواء في الجهاز الهضمي، التقلصات العضلية، الشلل، نوبات الصرع، أو النزيف من الأنف أو الفم أو الأعضاء التناسلية إلى أن يموت أو يقتَل[3].

أما النوع الثاني منها فهو المعروف بفحص تخرّش وتهيج الجلد والعين الذي يعود لعام 1940، وفيه يتم إدخال المركب المدروس في عين الأرانب أو مسحه على جلدها المحلوق لمعرفة الضرر الذي قد يتسبب به، والذي عادةً يتضمن الحروق، الالتهابات الجلدية، النزف، ضبابية البصر، أو العمى، وذلك على أوقات متفرقة لمدة تصل إلى أسبوعين دون مسكنات[4].

About Animal Testing – Humane Society International

وتظهر الدراسات أن نتائج تلك التجارب تتنوّع ولا ترقى بالمصداقية لأن تطبّق على البشر أو تتوقع تفاعلات أعضائهم لأن عيون الأرانب مختلفة تشريحياً عن عيوننا، كما أن جلد الأرانب أكثر نفوذية من ذاك الذي لدينا، مما يجعل تلك الدراسات غير مجدية بصورة عامة. على سبيل المثال أظهرت دراسة مقارنة بيانات بين دراسات 65 مادة كيميائية والتعرض لها بين الأرانب والبشر أن 45% من تصنيفات المواد الكيميائية بناءً على فحص تخرش وتهيج الجلد والعين كانت غير دقيقة.[5]

وهناك أنواعٌ أخرى من تلك الدراسات تشابه سابقتها بالوحشية وتعذيب الحيوان، وتتضمن فحص حساسية الجلد الذي يُجرى على الخنازير الغينية بتركيزات متزايدة تدريجياً من المواد، كفحص الخلايا السرطانية الذي يجري على الفئران والجرذان على مر سنوات، وفحص سمية الإنجاب والنمو الذي يبحث عن آثار المواد على الخصوبة والصحة الإنجابية على أجيالٍ من حيوانات مختلفة كالكلاب والقرود.[6]

لماذا؟!

رغم أن جزءاً من الحيوانات المخبرية تُستخدم في الدراسات الصحية واختبارات الادوية المفيدة والضرورية لتقدم العلوم الصحية اليوم، إلا أن نسبة كبيرة منها تُقتل وتُعذَّب في سبيل إنتاج مواد استهلاكية كمالية لا تتوقف عندها حياة أو صحة الناس، ومن ذلك المستحضرات التجميلية المصنّعة من تركيبات كيميائية معقدة، ومواد التنظيف ومكوناتها، والمحسنات الغذائية أو المواد الحافظة، وغيرها مما تدخل المواد الكيميائية المصنعة في تركيبه، ومع زيادة استهلاك تلك المواد والطلب عليها وارتفاع سقف المتوقع منها، فإن عدد تلك التجارب يزيد سنوياً ليشبع متطلبات الزبائن، ويؤمن للشركات المنتجة الارتفاع المستمر والمتصاعد في المبيعات.

أما من حيث ضرورات تلك الدراسات، فإن قوانين بعض من الدول ومن ضمنها الصين تشترطها في أي مادة كيميائية تجارية، بينما معظم الدول الأخرى تسمح ببيع المنتجات المدروسة على الحيوان، أو تطلب وجود أي اختبار يدل على أمان المواد المكونة للمستحضرات كالحال في الولايات المتحدة مثلاً. ومنذ عام 1980 كانت جهود الناشطين في جمعيات كثيرة مثل People for The Ethical Treatment of Animals، Animal Free Safety Assessment Collaboration، Humane Society International، تعمل للضغط على الحكومات لمنع الدراسات الحيوانية، مع توعية المجتمعات عن حقيقة ما يجري فيها، وكذلك البحث المستمر عن بدائل مجدية وأكثر فعالية منها للتجارب وتطبيق النتائج على البشر.

وعام 2016 وضع الباحثون في مجتمع Non-animal Methods for Toxicity Testing لائحة طويلة من الاختبارات غير الحيوانية التي يمكن أن تنوب عنها في فحص المواد الكيميائية، وأرفقوها بدراسات تثبت دقتها، والقوانين التي توافق عليها في أوروبا والولايات المتحدة. لكن التكلفة الأعلى لتلك التجارب مقارنة باختبارات الحيوانات مازال يمنع تطبيقها في كثير من الصناعات الكيميائية، الأمر ذاته الذي يمنع الشركات من الإنفاق على مسكنات آلام للحيوانات المدروسة.[7]

بشرٌ بلا فطرة!

ولنا بعد النظرة للحال التي وصلت إليه البشرية اليوم مع هوس الاستهلاك والتمركز حول شهوات الإنسان ومحاولة الانتفاع منها بأي وسيلة لتغذية رؤوس الأموال بغض النظر عن الوسائل أو الأضرار أن نقارن ذاك كله بحال ديننا الحنيف الذي يقرّ بأن الحيوان مسخر للإنسان، ويعلّمنا أن الله كرم ابن آدم وأذن له بالانتفاع بالأنعام، لكنه في الوقت ذاته يحمله مسؤولية الاستخلاف، ويجعله جزءاً من هذا الكون ممنوع عليه إفساده أو الإساءة لغيره من المخلوقات فيه.

ولا أملك مع كل هذا الإجرام الذي أراه من تعذيب الحيوانات في سبيل أحمر اشفاه أو ملمع أرضياتٍ إلا أن أذكر رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر والشجر إذ سكّن أنين الجذع، وردّ السلام على الحجر، ورحمته حتى بالحيوان الذي أذن بأكله والانتفاع به إذ قال: (إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ). [أخرجه مسلم]. وأذكر إذ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطعام كل كبدٍ رطبةٍ أجر، وحكى أن الله غفر لبغِيٍّ من بني إسرائيل لما سقت كلباً ظمآناً.

فسبحان الله، كم خسرت كل مخلوقات الله بغياب شريعته الرحيمة المتوازنة، وكم انحدر البشر حين جعلوا إلههم هواهم فاستخفهم الشيطان وأضلهم حتى فقدوا أبسط مكونات إنسانيتهم وفطرتهم التي تستحسن الحسن وتستقبح القبيح وتعرف مكارم الأخلاق بمجرد أن تراها، فصاروا تائهين لا يعرفون طريقاً إلا أن يلهثوا وراء مزيد من اللذة الحاضرة كل يوم وبكل وسيلة، ولا عجب.

ولا حول ولا قوة إلا بالله..


[1] Toxic and Tragic Consequences of Product Testing on Animals, PeTA, Animals Are Not Ours.

[2] Organisation for Economic Co-operation and Development, “Guidance Document on the Recognition, Assessment, and Use of Clinical Signs as Humane Endpoints for Experimental Animals Used in Safety Evaluation,” OECD Environmental Health and Safety Publications, Series on Testing and Assessment 19 (2000).

[3]B. Ekwall, “Overview of the Final MEIC Results: II. The In Vitro–In Vivo Evaluation, Including the Selection of a Practical Battery of Cell Tests for Prediction of Acute Lethal Blood Concentrations in Humans,” Toxicology in Vitro 13 (1999): 665–673.

[4] M.K. Robinson et al., “Non-Animal Testing Strategies for Assessment of the Skin Corrosion and Skin Irritation Potential of Ingredients and Finished Products,” Food and Chemical Toxicology 40 (2002): 573–592.

[5] M.J. Bartek et al., “Skin Permeability In Vivo: Comparison in Rat, Rabbit, Pig, and Man,” Journal of Investigative Dermatology 58 (1972): 114–123.

[6] B. Magnusson and A.M. Kligman, “The Identification of Contact Allergens by Animal Assay. The Guinea Pig Maximisation Test,” Journal of Investigative Dermatology 52 (1969): 268–276.
G.F. Gerberick et al., “Local Lymph Node Assay (LLNA) for Detection of Sensitization Capacity of Chemicals,” Methods 41 (2007): 54–60.
K. Ennever and L.B. Lave, “Implications of the Lack of Accuracy of the Lifetime Rodent Bioassay for Predicting Human Carcinogenicity,” Regulatory Toxicology and Pharmacology 38 (2003): 52–57.
AltTox, “Toxicity Endpoints and Tests: Reproductive and Developmental Toxicity,” 21 May 2014 .

[7] TABLE OF VALIDATED & ACCEPTED ALTERNATIVE METHODS, Non-Animal Methods for Toxicity Testing, 2016

http://alttox.org/mapp/table-of-validated-and-accepted-alternative-methods/#3

 

 

 

لستُ في صيام.. كيف أرضى عن نفسي وأغتنم الأيام المعدودات؟

يشق على الكثير من الفتيات المرور بفترة العذر الشرعي وما يرافقها من حكم الامتناع عن الصلاة والصيام في شهر رمضان، فهنّ كأي مسلمٍ يُرِدْنَ الصيام واغتنام الوقت في الشهر الكريم بالصلاة والعبادات، وقد يُلجِئُ ذلك إحداهن لدواء كثير الأعراض الجانبية يؤخر فترة الحيض، وإن لم تفعل فإنها تحزن في ذاك الوقت وتخجل من فِطرها وذاتِها فيه.

إلى جانب ذلك تمرّ كثيرٌ من الأمهات الحوامل أو المرضعات اللواتي يخفن على أنفسهن أو أطفالهن بفترات صعبة من التناقض الفكري في رمضان؛ إذ لا يتقبّلن فكرة الفِطْر في الشهر، ولا تحتمل أجسادهنّ الموهنة الصيام في الوقت ذاته.

بينما أسباب ما تقدّم غالبًا ما تعود لفهم مغلوط عن دين الله أو عادات مجتمعيّة تفرَض على الفتاة ما لم يأمر به الله، وتدعوها لبغض ذاتها أو التظاهر بما ليست عليه، فإن نتائج هذه النماذج تشمل كثيراً من الإناث وتفضي بهنّ لمشاعر صعبة ومشكلة لا يفصحن عنها وتعكّر عليهنّ صفو الشهر الكريم، فأردت أن أفرد هذا المقال لتفنيد تلك الإشكالات، وتوجيه بعض الوصايا المتعلقة بها.

 أحبّي ضعفكِ

من المهمّ أن نبدأ نقاشنا لهذه الأفكار بتقديمٍ عن قبول النفس التي وضعها الله سبحانه بين جنبينا، وحمد الله على نعمه علينا فيها وبها، فنحن وإن لم نختر ماذا نكون ومتى وأين، فإننا هنا منعّمون بقدر لا نحصيه من النعم في نفسنا وحدها، فهذه النفس هي الوحيدة التي سنسأل عن عملها ونجاتها وسنفلح إن زكيناها، وهي وحدها التي سنأتي الله بها حين نكون أفراداً متخلّين عن الأصحاب والقرابات.

أوجّه الخطاب هنا للفتيات وأقول لكل منهن: أحبي أنوثتك واحمدي الله على نعمة أن وهبك إياها، احمديه على هذه النفس التي تحتاج عناية خاصة في أوقات تعب شهري طبيعيّ وجبلّي، لا تلومي نفسك لأنك لست المرأة الخيالية الخارقة التي تستطيع القيام بكل شيء في كلّ حين، فالإنسان خلق ضعيفاً وهذا يشمل الرجال والنساء، وإن كان ضعفك أكبر واوضح فاحمدي المولى على شريعةٍ تراعي ذلك وتأمر بمراعاتك فيه، ثم تأجُرك على إذعانك وصبرك ورضاك به.

ولننظر لحال عائشة رضي الله تعالى عنها حين مرّت بذات الحزن التي تشعر به الفتاة حين تجبر على ترك عبادة محببة لقلبها، فهي رضي الله عنها كانت خارجة للحج مع حبيبها صلى الله عليه وسلم، محتملة لمشقة السفر، ومشتاقة لتأدية المناسك ومشاركة المسلمين بها حين منعها الحيض من ذلك كله، فجعلت رضي الله عنها وأرضاها تبكي على أثره.

هناك دخل عليها رسول الله وخفف عنها الحزن بقوله صلى الله عليه وسلم: (فلا يضيرك، إنما أنتِ امرأٌةٌ من بنات آدم، كتب الله عليكِ ما كتب عليهنّ، فكوني في حجّتك، فعسى الله أن يرزقكيها) [أخرجه البخاري]. بهذه البساطة والتسليم لأمر الله تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل القضية، فخفف عن زوجه حزنها وعلمها كيفية التعامل مع حالتها الطبيعية التي لا شأن لها بها، ولا ينبغي أن تلوم نفسها عليها.

وهذا يشبه من كانت حاملاً أو مرضعاً لا تستطيع الصوم لخوفٍ على نفسها أو طفلها، فلتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الدين يُسرٌ، ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة وشيءٍ من الدلجة) [أخرجه البخاري]. كتب الدكتور مصطفى البغا في شرح الحديث: لن يكلّف أحد نفسه من العبادة في الدين فوق طاقته إلا رده الدين إلى اليسر والاعتدال، فالزموا التوسّط في الأعمال واقتربوا من فعل الأكمل إن لم تستطيعوه.[i]

فسبحان الله الرحيم بعباده الذي يقبلنا كما نحن بضعفنا وفقرنا وقلة ما لدينا، وله الحمد أنه الأعلم بنا من نفوسنا فلا يكلفنا إلا وسعنا، وما جعل علينا في الدين من حرج، فلتطمئن نفسكِ أختي، ولتعلمي أنكِ أَمَةٌ لرب كريم يقبل منك أقل العمل المخلص لوجهه، وهوّني عليكِ حين لا تستطيعين الصوم وتجبرين على الفطر ومخالفة ما اعتدته من العمل المحبب طوال عمرك، بل استمتعي بمنّة الله عليكِ في أمومتك وصبرك على مشاقّها، واحتسبي رضاك وامتثالك في الصيام أو الفطر لوجه مولاكِ جل وعلا، واستشيري أهل العلم في الفقه والطب، وانظري في حال جسدك وقدراته، ثم ارضي بحكم الله عليكِ وابتلائه لكِ بغض النظر عما يقوله عوامّ مَن حولك أو يدعونك إليه، واذكري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً) [أخرجه البخاري].

رضيتُ وأذعنت، ثمّ ماذا؟

أما إذا اطمأنت النفس وأسلمت لما كتب الله عليها، فإن السؤال الذي يتبع هو: كيف أغتنم هذه الأيام المعدودات؟ وهل هناك طريقة تمكنني من عدم تضييعها في اتباع النفس الأمارة بالسوء أو مجالس اللغو القاتلة للوقت والعمر؟

وهذا سؤال أساسي، خصوصاً أنّ ما سبق ليس دعوة للركون أو تسهيلاً لتضييع الأوقات أو الكسل عن الاجتهاد في الشهر الفضيل، فأبواب الخير والطرق إلى الله واسعة كثيرة، لا تقف عند الصيام والتراويح، إنما تتعداها أولاً لأعمال القلوب من الإخلاص والتوكل والتفكر والخوف والرجاء والشكر والتقوى والإنابة وغيرها مما لا يشترط حالاً أو مكاناً، والتي كانت عناية السلف بها كبيرة تظهر في كثرة مؤلفاتهم فيها وتوجههم إليها لأن صلاحها لا يتعلق بصلاح الظاهر، إنما هو متعلق بما بين العبد وربه لا يعلمه أحد من الخلق ولا يطلع عليه، وهو الذي يعتمد عليه حال أعمال الجوارح ومرتبتها عند الله جلّ وعلا. قال ابن القيم -رحمه الله-: “أعمال القلوب هي الأصل، وأعمال الجوارح تبع ومكملة، وإن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء، الذي إذا فارق الروح فمواتٌ، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح”.[ii]

كما أن من أبواب الخير المفتوحة قراءة تفسير القرآن وعلومه، وكذلك تلاوته دون مس المصحف -إن كانت الفتاة ممن يأخذ بجواز التلاوة-، إضافة إلى حضور دروس التفسير والتدبر اقتداءً بعناية رسول الله والسلف الصالح بالقرآن في رمضان واشتغالهم به، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتدارس القرآن مع جبريل عليه السلام في رمضان مرتين.[iii]

إضافة لذلك فإن من الضروري توسيع مفهوم العبادة إلى ما وراء النُسُك المجرّدة والوقوف على سجادة الصلاة فقط، فرسول الله صلى الله عليه وسلم علّمنا أن التبسم في وجه أخينا المسلم صدقة، وأن الأعمال بالنيات التي بها يصير العمل العادي عبادة، والله تبارك وتعالى أشار في كتابه الكريم مراراً إلى فضيلة الإحسان إلى الخلق وأجر المحسنين في عملهم مع الله ومع الناس، ومن ذلك المساهمة في تفطير صائم، وإغاثة ملهوف، ونصح لمسلمٍ، ونشر علمٍ نافعٍ وطلبه وإعانة الغير عليه، إضافة إلى الرفق بالصغار وملاعبتهم، وإعانة الكبار ومؤانستهم، وعيادة المريض وصلة الرحم والإحسان للجار وحتى نثر البذور أو الخبز الجاف للطيور التي فيها للمسلم أجر كبير بإذن الله تعالى.

وبذلك يظهر أن فترة العذر الشرعي أو عدم قدرة الأنثى على الصيام في رمضان للحمل أو الرضاعة لا ينبغي أن يحول بينها وبين الاجتهاد في العبادات وتزكية النفس والاستكثار من الخيرات خلال أيام الشهر الكريم الذي إن بلغته هذا العام فقد لا تبلغ غيره، وسبحان الله الكريم الرحيم الذي خلق في نفوسنا ضعفاً لتلجأ إليه وتذكر حاجتها له، ثم رزقنا شريعةً تقدّر هذا الضعف وتوافقه، وله الحمد أن وسّع لنا أبواب الخير في رمضان وفي كل الشهور.[iv]


[i] د. مصطفى ديب البغا. مختصر صحيح البخاري المسمى التجريد الصريح. مركز اليمامة للنشر والتوزيع. ص18.

[ii] ابن القيم الجوزية رحمه الله. بديع الفوائد. 3/224.

وللمزيد في موضوع أعمال القلوب انظر سلسلة محاضرات للشيخ محمد صالح المنجد بعنوان “أعمال القلوب” على موقع طريق الإسلام.

https://ar.islamway.net/collection/2049/%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%84%D9%88%D8%A8

وكتاب مدارج السالكين لابن القيم رحمه الله المتوفر بنسخ مختصرة وكاملة على الشابكة، وللشيخ أحمد السيد سلسلة محاضرات في قراءة الكتاب والتعليق عليه بعنوان “مقاصد مدارج السالكين” على يوتيوب.

https://www.youtube.com/playlist?list=PLZmiPrHYOIsTKo0QAbQ8OOL2DP8wKhjgm

[iii] من السلاسل النافعة في هذا الباب بإذن الله:

“سلسلة اللطائف القرآنية” للشيخ بسام جرار على يوتيوب. https://www.youtube.com/watch?v=GD4iGRjjTQY&list=PLswqnlv8rl0sH9pv8AlpVN2PxQcSejS2_

و “دورة مفاتح التدبر” للمهندس فاضل سليمان على يوتيوب.

https://www.youtube.com/playlist?list=PLukAHj56HNKbD2R2ZroUhu7g-mK1S6CrW

ومن الكتب النافعة في هذا الباب:

كتاب أول مرة أتدبر القرآن للشيخ فهد سالم الكندري. https://ar.islamway.net/book/29544/%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%85%D8%B1%D8%A9-%D8%A3%D8%AA%D8%AF%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86

وكتاب رقائق القرآن للشيخ إبراهيم السكران. https://waqfeya.net/book.php?bid=9885

[iv] استفدت في بعض معاني المقال من محاضرة بعنوان “ورمضان إلى رمضان” لنورة سوبرة وأسماء الجغبير عبر مركز مكاني.

ومن محاضرتين للدكتور محمد حسونة بعنوان “رمضان 1442” عبر مركز مكاني.

الجمال بين القيمة والمقصد

“الجمال هو التناسب بين أجزاء الهيئات المركبة سواء أكان ذلك في الماديات أم في المعقولات، وفي الحقائق أم في الخيالات.” هكذا عرفه المنفلوطي في نظراته، فهو يقيم الجمال على التناسب والائتلاف سواء كان ذلك في الأمور المادية أم العقلية أم الحقيقية أم الخيالية، فلولا تناسب الكون في أرضه وسمائه، وتعاقب ليله ونهاره، وتآلف أجزائه ومكوناته، ما أخذ بالألباب وجالت في جماليته العيون والأبصار وسُطرت في سبيل وصفه الدواوين والأشعار، ولولا انتظام النغمات وقوة إحكامها من غير نشاز، ما استقرت في الأفئدة ومالت إليها الأنفس، ولَمَجّتها الأسماع ونفرت منها الطباع!

إن الجمال قيمة مطلقة من حيث حبّ الناس له والسعي إلى إدراكه، فمن ذا الذي يوثر الصحراء المقفرة على الجنة الوارفة، أو من ذا الذي يفضّل السفح المقفر على الروض الناظر، والمنظر القبيح على الحسن، اللهم إلا فاقد العقل مخروم الفطرة!

جمال  الطبيعة

قيمة الجمال في المنظومة الاجتماعية

تعتري قيمة الجمال النسبية وتتنازعها الآراء عند تفعيلها، فليس كل ما تراه جميلًا يراه غيرك كذلك، ومردّ الأمر إلى الأذواق التي تتباين وتختلف عند بني البشر؛ ومن ثمّ فإن لهذه القيمة مقصدية عظمى إذا فُعّلت في المجتمع وأشيعت بين الناس، فبها تصاغ الأفكار وتؤطّر، وتساعد على وضعها في المسار الصحيح، وإذا عُدمت هذه القيمة في المنظومة الاجتماعية شاعت الأفكار الغريبة المستهجنة التي لا تنفع، “فالجمال الموجود في الإطار الذي يشتمل على ألوان وأصوات وروائح وحركات وأشكال يوحي للإنسان بأفكار، ويطبعها بطابعه الخاص من الذوق الجميل أو السماجة المستهجنة”– كما يقول مالك بن نبي رحمه الله-.

حثّ الإسلام على التحلّي بالجمال وتطبيقها عمليًّا على أرض الواقع، دلّ على ذلك العديد من النصوص منها قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، وقوله صلى الله عليه وسلم :(إنّ الله جميل يحبّ الجمال) [أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي]، ونداءات الدعوة التي يرفعها الله في كتابه العزيز للتفكر في آيات الكون الجميل الضارب في المجهول {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] وقوله: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6]

والأخلاق الفاضلة التي دعا إليها الإسلام ماهي إلا صورة من صور الجمال المعنوي الذي يسمو بالفرد ويضعه مواضع الرفعة، ولعظم هذه القيمة نجد الشيخ عبد الله دراز -رحمه الله- يجعلها محوراً من محاور القرآن الثلاث الرئيسة، والتي تتمثل في الحق أو العنصر الديني، والخير أو العنصر الأخلاقي، والجمال أو العنصر الأدبي)

مقاصد الجمال

كل ما تقدّم يبيّن أنّ لقيمة الجمال مكانة عالية في الإسلام، وذلك لعظم المقاصد التي تحقّقها، والآثار الإيجابيّة المترتبة عليها، ونكتفي بذكر مقصد واحد من هذه المقاصد التي تحقّقها هذه القيمة، وهو إشاعة مشاعر الحب واللطف بين الناس؛ فكل من اتّصف بالجمال ظاهرًا وباطنًا، وسعى إلى إدراكه في حياته اليومية، تراه مفعمًا بمشاعر الحب واللطف، ساعيًا إلى نثر عبقهما بين الناس، مبتعدًا جهد الاستطاعة عن مظاهر الكره والعنف.

إن الهدف من بيان مقصدية الجمال في الشريعة الإسلامية والحياة، هو التأكيد على ضرورة العودة إلى تلك القيم الجمالية، والوقوف على آثارها التي ستشيعها في أنفسنا ومن حولنا، خاصة مشاعر الحب واللطف، حيث تُمحا ندوب الكره والعنف التي ضيقت وقتّرت وجه الحياة وأزّمت العلاقة بين الأحياء، ولعلها تزيد من فرص الحياة الكريمة والسعيدة بكل ما فيها من فرح.

إن مما يحزن الإنسان أن يرى الجمال وسيلة لإشاعة الباطل المعاصر بزخرفة أقواله وإلباس بطلانه بأجمل الحلل الخادعة، بينما يكون الحق الواضح نافرًا مشوّهًا بعيدًا عن الحسن، حتى أصبحت مشاهد القتل والعنف والحروب وغلظة الخطاب وكآبة الحال هي ما يميز أخبار المسلمين، ويصنع صورتهم في العالم، مع أن حقيقة الصورة المعروضة للدين أبهى من واقعنا المعاصر؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان في نفسه وحياته على القمّة من الجمال، وقد كان لا يرضى أن تظهر شعيرة من شعائر الدين أمامه إلا على أجمل صورها، فبلال رضي الله عنه لم يكن صاحب الرؤيا في الأذان إلا أنه استحق الصعود والبلاغ؛ لأنه الأندى صوتًا والأجمل أداءً، وكان دحية الكلبي رضي الله عنه مبعوث النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض ملوك الأرض لجمال هيئته وروعة بيانه.

 

رحلة مع الغزالي في المنقذ من الضلال

يعدّ أبو حامد محمد الغزالي (450- 505 ه) أحد أهم العلماء في تاريخ الإسلام ممن امتدّ تأثيره قرونًا طويلة بعده، وما يزال بأفكاره ومؤلفاته حاضرًا في العالم الإسلامي في مختلف الموضوعات والعلوم، خاصةً العلوم العقلية في جانبي علم الكلام والفلسفة، أو علوم التزكية كالأخلاق والتصوف، أو في الاجتهاد الفقهي والأصولي من خلال دوره في نقل علم أصول الفقه عن المدرسة الشافعية وتطويره فيه.

إنّ المتأمّل لما تركه الغزالي من كتب سيلاحِظ –لا ريبَ- التنوّع الواسع في موضوعات كتبه وعددها الكبير، فلا يوازي كتبه من -حيث الكمّ- سوى عدد قليل من العلماء، إلا أن أهمّ من ذلك الكمّ هو المنهجية التي أوصلت الغزالي إلى اتباع مدرسة التصوّف التربويّ –بعيدًا عن التصوف الوجوديّ الفلسفي الذي يمثّل الحلاج والششتري نماذج راسخة فيه- سبيلًا للجمع بين العقل والقلب، أو ما يعرف في حقل الدراسات الفكرية بـ “البرهان والعرفان”، وذلك بهدف البرهنة على ما يراه حقيقة لا يمكن إدراكها بالعقل بعيدًا عن عيشها بالذوق، فينتصر بذلك للتصوف الملهَم أو الكشف اللدنّي، معتبرًا إياه الغاية من العلوم، والسبيل الذي تنجو به الأقدام من مزالق الضلال؟

لكن كيف حدث ذلك؟

إن كنت قد وصلت في قراءة المقال إلى هذه النقطة، فإني أدعوك لأن تكمل قراءة ما تبقّى منه لتضع يدكَ على أهم مفاصل الرحلة، أقصدُ رحلة الغزالي التي وصلتنا في كتابه المميّز، “المنقذُ من الضلال والموصلُ إلى ذي العزّة والجلال”.

بين يدي الرحلة، إشارة لا بد منها

يرى نيل ديغراس تايسون أن الغزالي كان سببًا في انهيار الحضارة الإسلامية، وذلك من خلال ادعاءات عريضة أولها محاربة “الفلسفة” وليس آخرها افتراؤه على الغزالي بأن “الرياضيات” من عمل الشيطان، ولذا لا بدّ من تحريمها، ومع تحريمها تراجع المسلمون في العلم وتوقفت عجلة الاختراعات.. وبالتالي انهارت الحضارة الإسلامية!. (1)

وأسرد لك ههنا ملاحظة سريعة، وهي أنّ الغزالي رحمه الله لم يحرّم الفلسفة بإطلاقها، بل كان يحرص على التعمّق في كل علمٍ يطّلع عليه، ويدعو لذلك استكمالاً لضرورات المنهج العلمي، وأن الموقف الذي تشدّد فيه الغزالي لم يكن الفلسفة الطبيعيّة “علوم الطبيعة والفيزياء والكيمياء والطبّ” أو التحليليّة “المنطق” و”سائر العلوم الإنسانية” وإنما تشدّد في آراء بعض الفلاسفة التي تناقِض دين الإسلام في صفات الإله وخلق الوجودِ من العدَم، فكان يرى أن أقوال ابن سينا والفارابي في هذه المسائل كفرٌ يخالف شرعَ الله ونصّه..

وهنا أنتهز الفرصة لأؤكّد أن الفلسفة التي يدّعي لفيفٌ من مناهضي الدين أن الغزالي أنهاها لا تدخل في حقل الفلسفة بمنظورهم أصلاً، لأنها في رأيهم داخلةٌ في جملة الأوهام والخرافات، فوقوف الغزالي ضدها يجب أن يحسَب له لا عليه.

إن الأساس الذي يبني هؤلاء موقفهم من الغزالي ليس مضمونَ فكره وإنّما أساسه، فبما أنه أعلى من شأن العقل تحت سطلة النصّ الإلهي فإن ذلك يعني موتًا للعقلانية التي لا تعتمد على النصوصِ، في محاكاةٍ لما كان عليه الحال من صراع بين الكنيسة والعلم في إرهاصات النهضة وما بعدها في أوروبا، وبالتالي فإنهم يتبنّون نموذج الصراع الأوروبي بين “الدين والعلم” ولا ينطلقون في فهم الغزالي وعصره من منطلقات منهجيّة، فهم بكل اختصار يرون أن ما يُعتَبَر تقدّمًا في أوروبا ضروريٌّ ليكون معيارًا للتقدّم في تاريخ المسلمين، وبالتالي فقد أصبح كتاب “تهافت الفلاسفة” ومن قبله “مقاصد الفلاسفة” للإمام الغزالي بالنسبة لهؤلاء محطة مفصلية حقًا؛ ليس لأن الغزاليّ يزاوج فيهما -ببراعة لم يُسبَق إليها- بين منهجيّة الفلسفة ودقة العلم، بل لأنهم يعتبرون التهافتَ النقطة التي بدأ فيها هدمُ انتشار العقائد المشوّهة عن الله جل في علاه بناءً على آراء فلسفيّة مأخوذة من التراث الفلسفيّ اليوناني، وبذلك حُمّل الغزاليُّ وحدَه مسؤولية انحطاط الفكر العلمي العقلاني في الحضارة الإسلامية في هذه العصور اللاحقة –بحسب رأي هؤلاء- دون الوقوف على الأسباب السياسيّة والاجتماعيّة والسياقات التاريخيّة التي أظهرت فيما بعدُ تطوّرات الدول الغربية بفعل الاستعمار وحركة الكشف الجغرافيّة.

محطّات رحلة الغزالي

لا يمكن فهم أيّ مفكّر دون معرفة الظروف التاريخية والسياسيّة والاجتماعيّة التي عاشها وتأثّر بها؛ فالمفكّر ابن عصره، يؤثّر فيها ويتأثر بها، فكيف إن كان هذا المفكّر هو الغزالي، الذي كان له مقامٌ عالٍ لدى هرم الدولة، ونذر نفسه لمتابعة تيّارات الفكر المختلفة وكشف تحريفاتها وفضح الباطل الذي جاءت به.

لقد تميز عصر الغزاليّ باضطرابات سياسيّة ودينيّة وفكريّة حادّة، وكثير من مواقفه وكتبه ارتبطت بما يجري في عصره سواء كانت من صراعات الأسرة السلجوقية، أو تمرّد الحركات الباطنية، بموازاة تعصّب المدارس السُّنّية ومعاداتها فيما بينها، واشتعال الفِتَنِ بين السُّنة وطوائف الشيعة، إلى جانب وقوع أكبر حوادث العصر في زمنه أي انطلاق الحملات الصليبيّة التي ما زالت بعض آثارها مستمرّة حتى اليوم.

يشرح لنا الغزالي، اقتحامه لجّة هذه الأحداث منذ عنفوان شبابه حتى بلوغه الخمسين من العمر، فيتفحّص عقائد الفرق، ويتعمّق في آراء كل طائفة، وكيف لا وهو الذي يقول: “قد كان التعطش إلى إدراك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزةً وفطرةً من الله وُضعتا في جِبِلّتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلّت عني رابطة التقليد، وانكسرت على العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا” (2)

ولنقف عند شخصيّة الغزالي العميقة، يجب أن نعلم أنه إلى جانب ذكائه الحادّ فقد تتلمذَ على يدِ أهم علماء عصره، وكان من أبرزهم الإمام أبو المعالي الجويني الملقّب بـ “إمام الحرمين”، وقد كانت سعة اطلاعه وشدة ذكائه وشهرته في مناظراته سببًا في أن يوكّله “نظام الملك” وزير الدولة السلجوقية في عهد السلطانين “ألب أرسلان” وابنه “مَلِك شاه” بإدارة المدرسة النظاميّة في نيسابور..

لكن مهلاً، هل ترى أن الغزالي قد وصل إلى مراده؟

شهرة واسعة، وكتبٌ كثيرة، ومديرٌ لمدرسة ضخمةٍ بمقدراتها وأوقافها التي تساوي ميزانية جامعة مرموقة في هذا الزمان، وعلماءُ مرموقون ينتقلون من مختلف البلاد للجلوس بين يديه والسماع منه والعمل في مدرسته، كل هذا وهو لم يتجاوز بعدُ الخامسة والثلاثين، ألا يكفي كلّ هذا الغزاليّ الطَموح ليتوقف عنده..

في حقيقة الأمر فإن هذه الأجواء كانت الباعث لأن يمرّ الغزاليّ بأزمة روحيّة وفكريّة عصفت باستقراره النفسي، وهو في قمّة شهرته وأوج إنتاجه العلمي، وهنا نراه قبيل وفاته بسنوات قليلة –رحمه الله- يبتدرُ الكتابة بطريقة غير معهودة في ذلك العصر، فيسردُ أزمته بشكل أقرب للمذكّرات الشخصيّة والسيرة الذاتيّة بأمانة شديدة في كتابه “المنقذ من الضلال”.

أزمة الغزالي، معالمُ الضياع وخطوات اليقين

لندع الغزالي يقودُ دفّة الحديث، فهو أدرى بما عايشَ ورأى.

يذكر رحمه الله أن منشأ الأزمة جاء من تكرُّر سؤاله نفسه في تصدُّره التدريس، هل ذلك لله أم لغيره؟

نقدّر أن الأمر أخذ وقتًا وصراعًا منه، لكنه في ختام الأمر يقرّ بأن تدريسَه لم يكن خالصًا لوجه الله “بل كان باعثه ومحركه طلب الجاه وانتشار الصيت” وقاده هذا الجواب لأن يشعر بأنه بات “على جرفٍ هارٍ وأنه قد اقترب من النار”

عندما رأى الغزالي هشاشة حياته الروحيّة ترك منصبه المرموق، وانطلق للحج ومن مكّة اتجه إلى بلاد الشام بين دمشق والقدس فيعتزل الناس قرابة 10 سنوات في زاوية صغيرة في الجامع الأموي سنين عديدة، ليخرج من هناك بكتابه وسفره العظيم “إحياء علوم الدين” الذي يعيد قراءة العلوم الإسلامية المختلفة من مدخل روحانيٍّ نقديٍّ لأزمات تلك المرحلة، مبتدئًا الكتاب بالحديث عن العلم منتقدًا فيه علماء الدنيا، ومميّزًا بينهم وبين علماء الآخرة الذين يعتزلون المكاسب الدنيوية وظلّ السلاطين.

كتاب المنقذ من الضلال لصاحبه الغزالي

لا تقف أزمة الغزالي في “المنقذ” عند النطاق الروحي والنوايا الأخلاقية، بل تنتقل إلى أسس الفكر ذاته، فتغدو المسألة أكثر من معضلةٍ شخصيّة وأزمة روحيّة، متحوّلةً إلى هجمة شكٍّ يمكنها أن تهزّ أفكار أرسخ العلماء، فتدفعه لفحص أسس معرفته وعقائده.

هذا ما يذكره الغزالي الذي وصل للشكّ بكلّ شيء، فشكّ في الوجود الخارجي من حوله، وفي صحة الوسائل المستخدمة في العلوم الدينية والفكرية –سابقًا بذلك رينيه ديكارت في الشك بعدة قرون- ليصل بعدَ حوارات مطوّلة مع الذات إلى تأكيد أن العالِم ينطلق بالشك إلى المعرفة اليقينية على ضوء أدلّة العقل والإلهام الإلهي.

لعلّ أجمل ما في حوارات الغزالي صراحتُه، فهو لا يتوقف عند إلقاء الشبهات أمام الأديان الأخرى، بل يواجه نفسه بالشبهات ليبحث عن الحق، فعلى سبيل المثال حين يرى أن تديّن المجتمعات مغروس في أنفس الأطفال بفعل الآباء والأمهات، فإنه لم يتوقف هنا عند ضرب المثل باليهود والنصارى، وإنما ذكر إلى جانبهم المسلمين، لكنه يدعم هذا الاشتباه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه) [أخرجه البخاري] ومن هنا يرى أن التحرك لطلب الحقيقة مغروس في الفطرة الأصلية، وأن حقيقة العقائد العارضة آتٍ عن التقليد سواء للآباء أو المعلّمين وأن الحق يكون في البحث عن اليقين بالدليل.

يتجه الغزالي لعلاج الشكّ من خلال البحث عن حقائق الأمور، فـ “العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافًا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنُه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارنًا لليقين مقارنة لو تحدّى بإظهار بطلانه – مثلاً – من يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً، لم يورث ذلك شكًّا وإنكارًا” (3).

هنا يندفع الغزالي لتفتيش علومه، فكل ما خالف القاعدة السابقة يستبعده واحدًا تلو الآخر حتى يصل إلى نقض معارف الحواسّ وصولاً لبعض أفكار العقل الذي قد يخيّل للإنسان ما ليس بحقيقة كأنه حقيقة كرؤى الأحلام.

استمرت رحلة الشك شهران، إلا أن الغزالي وصل إلى اليقين الذاتي بدءًا من نفسه ثم وجود خالق له بفضلِ “نور قذفه الله تعالى في الصدر” (4)

صفوة القول، إن المنهج الشكي عند الغزالي يرتكز على محورين اثنين في تحقيق اليقين، أولهما، الإلهام الإلهي الذي يخصّ الله به عباده المتقين، وثانيهما: العلمُ اليقيني المبنيّ على الدليل، وهذه القاعدة –أي الثانية- كانت منهج الغزالي في تعلّم العلم، فهو القائل: “علمت يقيناً: أنّه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقفُ على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمَهم في أصل ذلك العلم، ثم يزيدَ عليه، ويجاوز درجته فيطّلع على ما لم يطّلع عليه صاحب العلم، من غوره وغائله، وإذا ذاك يمكن أن يكون ما يدّعيه من فساده حقًّا”. (5)

رحم الله الغزاليّ وعلماء المسلمين، ونفعنا بهم أجمعين.


الإحالات والمصادر:

(1) نيل ديغراس تايسون، يوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=pYn0uafJP-k

(2) المنقذ من الضلال، أبو حامد الغزالي، تعليق: د. عبد الحليم محمود، دار الكتب الحديثة، د.ت.ن. ط. ص: 110.

(3) المصدر السابق، ص: 111.

(4) المصدر السابق، ص: 115.

(5) المصدر السابق، ص: 126.

الإنسان بين السوبر واللامبالاة!

يتسارع عصرنا بكل تفاصيله، ولا يبدو أننا سنرى مخرجًا من أفكار هذا العصر إلا بالعودة للأصول، في ظل السعي المرهق للوصول إلى الإنسان “الأعلى” أو السوبر، الذي يستنفد جهده وروحه..

وهنا قد يسأل سائل: هل السعي للكمال خسارة؟!

سنعرّج على جواب هذا السؤال، عندما سنحلل أسباب السباق اللاهث، وطريقة ترتيب الأولويات، إلا أننا الآن سنقف عند جذور هذه الفكرة وتطوراتها، والمقابل لها في دين الإسلام.

نيتشه وفلسفة السوبرمان

الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، هو أحد ثلاثة فلاسفة تأثروا بفلسفة كانط، كان قد طالب بنوع جديد من الناس، وهذا النوع هو الإنسان الأعلى أو الإنسان المتفوق (Superman) أو الأوبامنش.

نيتشه

نيتشه

يذكر نيتشه في كتابه (هكذا تكلّم زرادشت) مقتبسات وشذرات فكرية تجسد دعوة رجل الدين الفارسي زرادشت الذي نزل يدعو الناس إلى الإنسان الأعلى (Superman)، أي الأرقى والأشجع من الإنسان الحالي والذي عايشه نيتشه.

عمومًا فالكتاب عبارة عن رواية أدبية بث فيها نيتشه أفكاره على لسان زرادشت، وقد اشتهر عن نيتشه أنه أعلن إلحاده، وأنه سعى بعد ذلك لإيجاد البديل عن الإيمان بالله، فجاء بفكرة الإيمان بالإنسان الكامل “السوبرمان” وجعلِه إلهاً جديداً للإنسانية.

يقدّم نيتشه في كتابه فكرة أنّ على الإنسان أن يكون شجاعاً وأن يعتاد الاعتماد على نفسه في كل الأمور مستبعدًا بذلك فكرة التوكّل الكلّيّة على الله، إذ ليس ثمة أحد قادر على مساعدة الإنسان لنفسه إلا نفسه، ومن ثمّ يدعوه لقطع الاعتماد على الله.

إن الإنسان بنظر نيتشه يجب أن يكون أشبه بشخص خارق ضدّ الصدمات من الناحية النفسية، إذ بنظره ليس بالضرورة أن يكون الأوبامنش أو السوبرمان قويًا جسديًا ولا ذكيًّا للغاية، ولكن من المفترض أن يكون السوبرمان متفوقًا نفسيًا، بأن يتمتع بنفسية غير قابلة للكسر.

يرى نيتشه أنّ واجب الحضارة هو خلق إنسان جديد، وهو الإنسان الأعلى (Superman)، أي الإنسان الصلب القوي والشجاع الذكي، والمستقل أخلاقياً عن القيم الدينية القديمة.

أين الخلل؟

ليس من المستغرب أن يتبادر إلى الذهن تساؤل عن مكمن الخطأ في هذه النظرية التي قدّمها نيتشه، ولربما نجد أحدًا يوائم بين هذه النظرية وبين السعي للكمال، ألا يتفق مع المفهوم الذي طالبَنا به شرعنا الحنيف بالسعي للكمال والوصول لنسخة أفضل منّا؟ ألا يتفق هذا الأمر مع المقولة المنسوبة للشيخ محمد الغزالي: (لا تقل اللهمّ خفّف حِمْلي، ولكن قل اللهمّ قوّ ظهري)؟!

إلا أن الجواب على ذلك، هو أنّ شرعنا الحنيف يدعونا إلى الرحلة نحو الكمال، حيث تستوجب منا الاعتماد على ركيزتين أساسيتين:

الركيزة الأولى: علاقة الإنسان بخالقه عزّ وجلّ، أما الركيزة الثانية: علاقة الإنسان بنفسه وبما حوله.

وقد كان هناك محاولات على مرّ العصور بالانسلاخ من أحد هاتين الركيزتين إلا أنّ من حاول حظي بمسيرة ونتيجة ناقصة.

ولا بدّ لمن فَقِهَ الركيزة الأولى وامتثَلَ لها على نحو صحيح أن تتولّد عنده الركيزة الثانية وفق منهج قويم.

محمد الغزالي

محمد الغزالي

وبالمقابل فإن في كلمة الشيخ الغزالي آنفة الذكر رسالة لطيفة لصاحب الهدف وهي أنّ الله لا يضع الثمار على غصن ضعيف، وإنما يضع الثمار على شجرة يؤمَل منها الخير، لذلك كان هذا القول دعوة للجدّ والمثابرة لا لجلد الذات ولا للسعي الماديّ المتجرّد من الروح، وهنا تكمن المفارقة بين نظرية نيتشه وهذا القول على سبيل المثال.

فنيتشه يدعو إلى شخص لا يعاني ولا يتألم، فهو يجرّد الإنسان من مشاعره ويجعله حائطاً أصمّ لا يُرى إلا التفوق، رغم أنّ التفوق يكمن في الرحلة ذاتها لا في الوصول، والتفوق يكمن بالحفاظ على التوازن بين الروح والجسد، فلا قيمة لأهداف خالية من الروح، ولا مدد لمركب لم يكن اللهُ وجهته الأساسية.

بين الإنسان السوبر والإنسان المسلم

إن جئنا لأشرف خلق الله سيدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم فإننا سنجده خلال رحلة الدعوة قد واجه الكثير من المحن والصعوبات، ولكن النقطة الأساسية هنا والتي يجب أن نبني عليها الاتجاه هو أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم ينطوِ على ذاته ويكفّ عن المحاولة، كما أنه في الوقت ذاته لم يطالِب من حولَه بأن يتجرّدوا من شعورهم في سبيل الوصول للتفوّق الذي يؤذي الروح، بل جعل الروح والعلاقة مع الله تعالى هي الأساس الذي تُبنى عليه ولادة الإنسان المتحلّي بالقيم والفضائل ومعمر الأرض بالخيرات.

فكان أن ربط النبيّ صلّى الله عليه وسلّم همّة الرعيل الأوّل بعزيمة ربّانية، لأنّ الذين يربطون جهدهم بتحقيق إنجازات محدودة فحسب يصيبهم الخور كثيرًا، وتجدهم كثيرًا ما يحتاجون إلى بداية عزم جديد، وقد تنكسر منهم العزائم، وتسكن إرادتهم بعد حدوث إنجازاتهم المحدودة، أما سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد تعمَّد أن يربط إرادة أمته وعزائمهم بربهم، فكان اعتمادهم عليه سبحانه هو مصدر قوتهم، وتوكّلهم على قدرته هو المثبِّت لعزائمهم، فيقول في حديثه صلّى الله عليه وسلّم: (إن الله يحبّ معالي الأمور وأشرافها، ويكره سَفْسَافَها) [حديث صحيح: الصحيح الجامع]

بينما ألقى نيتشه على الإنسان ثقله الماديّ وجرّده من الجانب الرّوحي، مع العلم أنّ الجانب الرّوحي هو البراق الذي يعرج بالإنسان نحو سماوات الفضيلة والفهم والإدراك.

السوبرمان

ونجد هذا المعنى الأنقى، والتوجيه الأرقى جليّاً في محادثة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع الصحابي خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه، عندما جاء خبّاب إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يشتكي من أذى قريش لهم قبل الهجرة قال خبّاب رضي الله عنه: (شَكَوْنَا إِلَى رسولِ اللَّهِ ﷺ وَهُو مُتَوسِّدٌ بُردةً لَهُ في ظلِّ الْكَعْبةِ، فَقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصرُ لَنَا أَلا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: قَد كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ يؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ فيجْعلُ فِيهَا، ثمَّ يُؤْتِى بالْمِنْشارِ فَيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجعلُ نصْفَيْن، ويُمْشطُ بِأَمْشاطِ الْحديدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلكَ عَنْ دِينِهِ، واللَّه ليتِمنَّ اللَّهُ هَذا الأَمْر حتَّى يسِير الرَّاكِبُ مِنْ صنْعاءَ إِلَى حَضْرمْوتَ لاَ يخافُ إِلاَّ اللهَ والذِّئْبَ عَلَى غنَمِهِ، ولكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) [أخرجه البخاري].

إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم لم يطالب خبّاب بأن يكون سوبرمان، ولم يقل له أطلق العملاق الذي في داخلك، ولم يستغرب ضعفه وضعف المسلمين، ولم ينهره لبثّه الشكوى! وإنّما مرّر له مراده بتذكيره بمن لاقى الأشدّ فصبر.

لقد راعى النبي صلّى الله عليه وسلّم فيهم جانب الضعف الإنساني وطالبهم بالصبر، ثمّ طمأن قلب خباب بأن ذكّره بالرّابط الأهمّ وهو الله تعالى؛ إذ قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (واللَّه ليتِمنَّ اللَّهُ هَذا الأَمْر) فربطه بالله ولم يربط إتمام الأمر على عاتق الأفراد، فالمطلوب من الإنسان السعي والتوكّل على الله تعالى.

 

المصعَد معطِّل استخدم السلّم

اعتدنا عند الحديث عن حلّ الأزمات أو معالجة الصدمات والمطبّات، ذكرَ سبيلَينِ، أحدهما: الصواب والآخر الخطأ.

على سبيل المثال: عند تعرضك لضائقةٍ ماليّة فإنك تمتلك خِيار “اليمين”، وهو تحصيل المال بالحلال، أما الآخر أي “اليسار” فهو الاحتيال والسرقة، فكأنّنا عند نقطة الأزمة نرسم طريقين ولنا حرية سلوك الذي نريده منهما تبعاً لما نملك من مبادئ أو قيم.

هذا الشكل والمشهد هو المنطق والصواب دونما شكّ، لكنّنا في هذا المقال سنخوض في بُعدٍ أوسعَ في السبيل الصائب، حيث سنكتشف أنَّ بعد مفترق الطرق واختيارِ صحيحها هناكَ سُلّمٌ، سيطرحُ علينا سؤالاً مهماً؛ وهو هل نصعده بتدرّجاته، أم أنّ مصعداً إلى الحلِّ الأخير مباشرةً هو الأجدى؟

مفهوم الخطة العلاجية

علم المداواة أو ما يسمى بـ (Therapeutics) هو علم مختلف عن علم الدواء، يتناول ما يسمى بالخطة العلاجية (guideline) لكل مرضٍ؛ حيث تترتّب في هذه الخطة كل الأدوية التي تذكر في علم الدواء (pharmacology) وفق خطة وهيكليّةٍ محددة قد يأخذ تشكيلها عشرات السنوات من الدراسات المخبرية والسريريّة، ليكون النتاجُ ترتيبَ هذه الأدوية والسلوكات العلاجية بدقّة، حيث يتم تفصيل بأيّها نبدأ وما الخيار الثاني وهكذا. وتبعاً لذلك يظهر مفهومٌ بديهيّ في هذا العلم يسمّى خط العلاج الأول (First line treatment) [1] والذي قد يكون ملهماً حتى على الصعيد الإنسانيّ إن أطلنا فيه النظر.

اتبع إرشادات الخطة العلاجية

هذا المفهوم يُحتّم على الطبيب أو الصيدلاني اختيار دواءٍ أو علاجٍ محدّدٍ ما قبل أيّ خياراتٍ أخرى لأسباب كثيرة، منها أن هذا العلاج هو الأقلُّ من حيث آثاره الجانبية أَو مضاعفاته مثلاً، أو أنه الأجدى ماديّاً مقارنةً مع حجم المشكلة الصحية، قد يكون السبب أيضاً كون هذا العلاج هو الخيار الذي لاقت عليه أغلب الحالات المدروسة استجاباتٍ جيّدة دونَ غيره، ولذا فإن البداية به قد توفّر عناء تجريب علاجات أخرى مع هامش فرصة نجاحٍ كبيرة.. والأسبابُ كثيرة ومتنوعة.

الخطة العلاجية للحياة الإنسانية

حياة الفرد منّا داخلَ جسده لا تختلف كثيراً عنها في الخارج، فمن عظيمِ خلق الله أن جعل من هيكلية وتشريح أجسادنا عالماً فرضَ على دارسيه قروناً من الزمن للتعامل معه ووضع القوانين لفهم حاجاته ومعالجة أسقامه.

إنّه لمنَ الجميل أن يتفكّر الإنسانُ منّا، بأن كثيراً من القوانين في علمٍ ما قد تكون ملهمةً في مجال آخر وسياقٍ مختلفٍ، ولو أنّنا نتعامل مع المشكلات الحياتيّة بطريقة علم المداواة المذكورة لبضع دقائق من التفكير لوجدنا أنها منطقية جداً، بل إنّنا نمارسها في أوقاتٍ كثيرة ولكن ليس ضمن المسميّات ذاتها.

هناك الكثير من الخيارات حتى في سبيل الحلال، فوحدة وجهته واستقامة مراده لا تفرض غياب التدرّجات في السبيل لهذا المراد! بعض الحلول الحلال مرهقةٌ للنفس مستنزفة لها، وقد نكون قادرين على بلوغ نتيجتها نفسها بوسيلةٍ أيسر، والمؤمن كيّسٌ فطن، يدرك أن هذا الدينَ أكثر ما يحثُّ على الاستثمار في الإنسان دون التواءات مرهقة، وبأكثر الطرق وضوحاً.

وهذا المنظور ليس منظوراً شخصيّاً أو جديداً على هذا الدين، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه) [أخرجه البخاري في صحيحه]. وقد قيل في شرح ذلك أن هذا إنّما كان في المعاملات والحياة العاديّة لا العبادات، وهذا غاية المنطق، فإنما جعلت العبادات -ونخصُّ النوافل منها- زيادةً في القرب والاتّصال مع البارئ جلَّ وعلا، يزيد فيها العبد ما شاء ما دام في إطار الوارد والصحيح.

تحوي سورة النساء مثالين حيّين متتاليين لما نقول، يظهر فيهما أمرُ الله بالتدرج، أولهما إصلاح المرأة الناشز فيقول الله جلَّ في علاه {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ، وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ، ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34]

يلي ذلك مثال الطلاق، حيث إن أول ما يتبادر للذهن عند ذكره قوله ﷺ: {أبغض الحلال إلى الله الطلاق} [أخرجه أبو داود وابن ماجه في السنن، وضعّفه جماعة من المحدّثين كالألباني]، أي أنّه حلالٌ إلا أنه ليس الخيار الأوّل ولا الثاني ولا سواه ما دام قبله مساحة ومجالٌ متسعٌ للحلول التي قد تدفعه أو لا تضطر الشخص للوصول إليه، وما دام هناك ظروفٌ مختلفة للحالة فإنه قد يتغيّر من حكمه أو الضرورة إليه. {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء:35]

التدرُّج دون قفزات أو مصاعد

إنّنا إذ نتحدث عن التدرّجِ في الحلول لكل أزمةٍ أو ضيقةٍ أو حتى قضيّةٍ حياتية، فإنّنا لا نقصد اختيار الأيسر منها والأكثر وضوحاً فقط باختيار الدرجات الأولى. وإنما هناكَ مقصدٌ وغايةٌ أكبرُ وأعظم وهيَ التدرُّج في الأسباب والوسائل والأهداف لبلوغ أقصاها على أسسٍ ثابتةٍ ومعطياتٍ صحيحة، تجعل بلوغ الغاية أو الحلّ بلوغاً حقيقيّاً سليماً.

ولعلَّ المثالَ خيرُ ما يشرحُ الفكرة ويوضحها، ولا مثالَ أهدى من كلام ربٍّ هو الأعلم بحيثيّات النفوس وما هو خيرٌ لها؛ إذ يقول تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم : {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] ففي هذه الآية رسالةٌ لطيفةٌ ومنهجيّة بناء عظيمة لا تقتصر على أهمية الشورى فحسب، بل في هيئة التدرّج ذاتها، فالنبي ﷺ مؤيدٌ بالوحي، وهو أرجح الناس عقلاً، إلا أنّ هذا الترتيب سيجعل حتى إقبال المؤمنين على أمره ﷺ أكثرَ ثباتاً، وهنا يقول الإمام ابن كثير رحمه في تفسير ذلك: “يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييبًا لقلوبهم، ليكونوا فيما يفعلونه أنشط” فكأن الخطوة الأولى تأصيلٌ وتثبيتٌ لما يليها.

استخدِم السلّم

السبيل الصحيح واسعٌ متعدّدُ الوسائل، وكونه الغاية لا يوجب اتّباع أعقد الوسائل، ولا آخر الحلول مباشرةً، بل أكثرها عقلانيةً وبتدرّج وأنيّةٍ. فالسلالم لا تُعبَر في حلِّ المشكلات من أعلى درجاتها إلى أسفلها، بل من أقرب الدرجات إلى أعلاها على هونٍ ورويّة. وإنه لا يُقفَز إلى الحل الأخير مباشرةً ما دام قبله ما يهوّن الوصول إليه ويجعله وصولاً ثابتَ الخطو أصيلاً.

هيَ الحياةُ، فيها سبلٌ لا تحصى ولا تعدّ، وإنّ السبيل الواحد ليحوي من الطرق والتفاصيل ما يجعله مدينةً بل خريطةً معقّدة.

 نسأل الله دوماً سدادَ سلوكنا إياها، وهدايتنا لعبورها بأوضح الطرق، وأحسن النتائج، بعيدين عن عمّا تَشابه أو فَتَن، مستعيذين بالله من الضبابيّات وتخبّط المسير.


[1] https://www.cancer.gov/publications/dictionaries/cancer-terms/def/first-line-therapy

 

تشويه الحجاب.. من فرض إلهي إلى موضة!

يمثّل حجاب المرأة المسلمة في الواقع المعاصر حالة من التحدّي للفلسفات المادية والأنماط الفكرية المعادية للفطرة والدين، ومن ثم فإن مساعي كبيرة تبذل لتفريغه من كونه فريضة إلهية، وتطعيمه بالفكر الليبرالي أو النسوي.

ما هو الحجاب؟

بداية لا بدّ من الإشارة إلى أن الحجاب في اللغة یعني: “الحجب”، أو “المنع”، أمّا في معناه من حيث الحكم الشرعي فهو ستر المرأة المسلمة جسدها عن الرجال غیر المحارم، فيكون الفعل نفسه تحجّبًا، أما “الرداء الذي ترتدیه المرأة لتغطّي به جسدھا كاملاً مع وجهها أو من دونه” فهو الحجاب المطلوب.

ثمة ضدٌّ للحجاب، وهو السّفور أي الكشف، وقد عرّفه الفقهاء بأنه: “كشف المرأة لوجھھا”، إلا أن دلالة هذه الكلمة تطوّرت اليوم فباتت تشیر لمعنى آخر، وهو: التبرج الفاحش والاختلاطُ المنفلت من أي ضابط شرعي.

 لعلنا ندرك أن تطور الدلالة في الكلمة يوضّح المراحل التي تدهورت فيها فریضة الحجاب في أذھان المسلمین! فالسفور الذي یعني كشف المرأة لوجھھا مع حفاظھا على باقي جسدھا مستوراً، صار ھیناً أمام مظاھرِ الموضة المختلفة التي باتت تصنّف تحت يافطة الحجاب الیوم.

وفي هذا الإطار فإنه من المھم التأكيد على أنّ إنزال الكلمات منازلھا، وذكرها بمعانیھا الصحیحة، له دور كبیر في انعكاس ما یترتب علیھا من أفعال، فإنّ التي ترتدي الخلیع والضیق الذي یوضح تفاصيل جسدھا ویتنافى مع مواصفات الحجاب الشرعي – حتى إن وضعت غطاءً صغیراً على شعرھا – فلو أنها سُمّیت كما في الحدیث “كاسیة، عاریة” لكان ذلك أصحّ وصفاً وأبلغ أثراً في النفوس.

ومردّ هذا إلى أن المصطلح في الوعي الإسلامي بوابة لتنظیم الفكر، وأداة لتقویمه، وآلة لتحصینه ضد الغزو المقنّع الذي یتخلّل في ثنایا العبارات المجملة للنفاذ إلى ثقافة المجتمع سواءً أكان ذلك في باب العقیدة أو الشریعة أو القیم الأخلاقیة”[1] ومن هنا لا غرابة أن نجد التي تحتشم وترتدي الحجاب الشرعي يطلق عليها وصف “رجعیة” أو “متشددة” وغیر ذلك من الأوصاف، وكلما زاد التكشّف وإبراز المرأة لمفاتنھا ألصِقت بھا أوصاف التحضر والتقدم والمدنیة.

الحجاب

وقفات مع تاریخ الحجاب

بعد نزول الآیات التي فرضت الحجاب على المرأة المسلمة تدریجیًّا، بدأ عھد جدید في لباس المرأة المسلمة أمام الرجال الذین لا یعدّون محارم لھا، ففي عصر النبوة، أي في الجیل الذي نزل فیه الوحي كان تطبیق الشرائع الربانیة أمراً مباشراً وسریعاً، حيث تقول أمنا عائشة رضي ﷲ عنھا: (یرحم ﷲ نسوة المھاجرين، لما أنزل ﷲ: {ولیضربن بخمرھن على جیوبھن} شققن مروطھن فاختمرن بھا). [أخرجه البخاري، برقم:4480[

ثم تتابعت السنون على الأمة الإسلامیة ومرت بھا الأھوال والخطوب الكثیرة عبر1200 عام من عمرھا حتى سقوط الدولة العثمانية آخر دول جامعة للمسلمین عام 1924م، فكانت فريضة الحجاب طوال ھذه القرون عقیدة ثابتة، فالحجاب بشروطه الواضحة فرضٌ على المرأة المسلمة، وأن ما اختلف علیه هو كشف الوجه والكفین والقدمین، فقال بعضھم بجواز كشفھا إذا أمنت الفتنة وقال البعض بوجوب تغطیتھا، أمّا عن حال أغلب المسلمات في البلاد الإسلامیة منذ النبوة ونزول آیات الحجاب وحتى نھایات القرن التاسع عشر فكانت غالبیتھن تغطین جمیع أجسادهن بما فیها الوجه، أي أنھن كُن یرتدین حجاباً یشابِه ما نصطلح على تسمیته الیوم نقاباً، ولم یكن ھناك خلاف ولا شبھة ولا جلبة حول أمر الحجاب! إلا ما ھو معروف ومفھوم في مسألة كشف الوجه والكفین وبعض المسائل المتعلقة بالعجائز والرقيق.

الحجاب في شكله المعاصر

من فريضة ربانية في السابق إلى خيار يمكن للمرأة رفضه أو ارتداءه أو تغيير شكله بناءً على ما  تملیه علیھا تيارات الأفكار والموضة.

ينبغي علینا النظر في طبیعة الفترة التي بدأت فیھا زعزعةُ فریضة الحجاب، وتحدیداً مع أواخر حملة نابلیون على مصر نھایات القرن الثامن عشر، إذ أنتجت تلك الحملة أجیالًا “مُفرنسة” بسبب البعثات الدراسیة إلى فرنسا، ومع نھایات القرن التاسع عشر أخذت دعوات العلمانیة تطلق من أفواه المسلمین “المتفرنسین” وكان أول تلك الدعوات في مسألة المرأة ھي دعوات الشیخ “رفاعة رافع الطھطاوي” الذي كان شیخ البعثة المصریة إلى فرنسا، حيث عاد متأثراً بما رآه في المجتمع الفرنسي، لیثیر قضیة تحریر المرأة في مصر، ثم “مرقُص فھمي” الذي أصدر كتاب “المرأة في الشرق” وتحدث فیه صراحة – من ضمن ما تحدث- عن ضرورة التخلي عن الحجاب الإسلامي وإنهاء ارتدائه، ومن ثم سار العديد من العلماء والمشايخ على خطى “الطھطاوي”.

أمّا “قاسم أمین” تلمیذ “محمد عبده” فھو الاسم الأبرز في قائمة الأسماء التي كان لھا الدور كبیر في زعزعةِ فریضة الحجاب وإثارة قضیة تحررِ المرأة بوجهها المتمرد، من خلال أول كتاب أصدره وھو كتاب “تحریر المرأة” الذي نشره عام 1899 وقال فیه على سبیل المثال “الشریعة لیس فیھا نص یوجب الحجاب على الطریقة المعھودة وإنما ھي عادة عرضت علیھم من مخالطة بعض الأمم؛ فاستحسنوھا، وأخذوا بھا، وبالغوا فیھا، وألبسوھا لباس الدین كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدین[2]

ثم أصدر كتابه “المرأة الجدیدة” عام 1900م و كان أكثر صراحة فیه مما قبله، حيث أراد به الإشارة إلى أن نموذج المرأة الأوروبیة بلباسھا ونظام حیاتھا وأنه ھو التطور والتقدم الذي ینبغي على المرأة المسلمة أن تتبعه، وكان لكتبه صدىً كبير في الشام أیضًا فواجه معارضة شدیدة من الشیوخ والدعاة فيها كما كان الحال داخل مصر وخارجھا.

لن ننسى التوقف عند “سعد زغلول” الذي عیّن رئیسًا لوزراء مصر في عشرینات القرن الماضي فكان المنفذ الأمين لأفكار “قاسم أمین”، فكانت زوجته “صفیة زغلول” من أوائل من نزعن الحجاب وأسفرن عن وجوھھن في مصر، أمّا ضربة البدایة المجتمعیة لتھوین الحجاب في مصر فكانت أثناء استقبال “سعد زغلول” حين عاد من منفاه، إذ نُصب سرادق للنساءِ وآخر للرجالِ فتوجّه “سعد زغلول” نحو صالون النساء وسحب من وجه “ھدى شعراوي” حجابھا فصفقت ھُدى وتبعتھا النساء في خلع الحجاب بعد ذلك.

وفي ذات الوقت في تركیا التي كانت مركز آخر دولة إسلامیة فكان لمصطفى كمال أتاتورك صولات وجولات في إنهاء حضور تعاليم الإسلام بعد إلغاء الخلافة العثمانیة عام 1924م، فكان من ضمن حملته لتغریب تركیا وعلمنتھا، إصدار قانون یمنع ارتداء الحجاب في الأماكن الحكومية، وفي إیران قام “رضى بھلوي” الذي تم تنصیبه عام 1926 بإلغاء الحجاب الشرعي، وقامت زوجته بمبادرة كشف رأسھا في احتفال رسمي.

لقد تتابعت القوانین والدعوات لخلع الحجاب والتشكیك في فرضیته من قبل الحكومات وأصحاب الفكر التغریبي العلماني ورموزه منذ نھایات القرن التاسع عشر واستمرت في القرن العشرین في تونس والجزائر وأفغانستان وألبانیا وروسیا ویوغسلافیا والصومال ومالیزیا وغالب الدول الإسلامیة التي تم استعمارھا.

الحجاب المعاصر

كیف وصل الحجاب إلى ھذه النقطة؟

إن الناظر لحال حجاب المرأة المسلمة الیوم، يظهر له البون الشاسع بین حجاب عدد كبیر من المسلمات وبين الحجاب الشرعي الذي فرضه ﷲ عز وجل، إذ كانت كل المراحل السابقة التي ذكرناھا مباركة ومدعومة من قبل الاستعمار، وحتى بعد خروج المحتل من الدول الإسلامیة فقد خرج بجسده تاركا أفكاره ومدارسه موجودة ومتحركة عبر الحكومات التي جاءت بعده، وفي الفكر الذي زرعه في المجتمع، ثم كان الدور الآخر الكبیر لوسائل الإعلام المرئیة التي تصور المرأة الناجحة في حیاتھا على أنھا ھي التي تخلع حجابھا وتضیق ملابسھا وتقصرها، ومع تكثیف الحملة الإعلامیة ومناھج التربیة والتعلیم البعیدة عن المنھج الإسلامي، والمتوافقة مع نظام السوق الرأسمالي الذي یفرض سلطته على الفرد -الھش نفسیا- لیجعل اللحاق بالموضة -أیاً كان شكلھا وتعارضھا- مع شرع ﷲ أمراً إلزامیاً.

ومع ظھور وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت التواصل وأسهمت في تصاعد إفراز الأفكار العلمانیة والنسویة، وصلنا إلى نتیجة أن الحجاب تحول من كونه فرضاً ثابتاً في عقیدة المسلمة وھویتھا إلى قطعة قماش، تضعھا على رأسھا إن شاءت وتنزعھا متى أرادت.

وبات مسألة من السھل إطلاقُ الشبھات حول الحجاب، مثل القول بأن النقاب لیس من الإسلام، وإلا فإنّ تزعزع فریضة الحجاب في القلوب لم یكن إلا مع مطلع القرن الماضي، وما قبله من التاريخ فقد كان لزامًا على المرأة المسلمة أن تلتزم فيه بحجابها؛ لأنه أمر ربھا أولاً، ولتحقق مرضاته بأداء ما افترضها عليها آخرًا.

[1] د. سامي عامري، العالمانیة طاعون العصر، ص: 14

[2] قاسم أمين، تحرير المرأة، ص: 92.

صناعة المربي.. المهمة الأصعب والأهم!

أثرُ القراءة وضرورتها للأمة، لا بد أننا سمعنا الكثير عن هذه المقولة، ولربما توقفنا كثيرًا عند قوله تعالى: {اقرأ} [العلق: 1] ونودّ لو أنّنا من أهلها.

لابد هنا أن أذكر أنني حتى الأمس كنت أقول: ليت أجيالنا الصاعدة تقرأ، فلو أنها تعمقت في ذلك لتغير بهم حال الأمة وهذا حق لا يختلف عليه المهتمّون.

لكن التأمل في حالنا كأفراد من الأمة والناجحين منها مقارنة بالخاملين المقصرين، وحتى الناجحين من غير أمتنا يجعلنا نقف على أمر وراء القراءة أو تعلّم العلوم.

فكم من قراء نهِمين تفلّتوا؟ وكم حملة شهادات عليا لا يحسنون التفكير؟!

ذلك يقودنا إلى أن العلم وحده الذي اتسعت رقعته وتعددت مساراته وفتحت أبوابه مشرعة للجميع في زمننا هذا لا يصنع إنسانا مسؤولًا متعقّلا يدرك المعاني ويديرها في نفسه وعقله حتى يتخلق بأفضلها ويصيغ بها نفسه حتى تتربى وتتزكى وتتطهّر.

غياب المربي وأزمتنا الكبرى
إن الأزمة الكبرى التي قد تكون تسببت في كثير من الخلل هي أزمة المربّي الذي غفل عن معنى التربية الحقيقة ولم يمتلك أدواتها وكلنا ذلك الشخص إلا من رحم ربي.

تلك المهمة العظيمة والمسلك الأهم في الأمم، هي التي خرّجت أجيالًا صالحة في تاريخنا منذ عهد المربي الأول وحتى يومنا هذا، فإذا غاب المربّي أو اهتزّت وظيفته حدث الخلل في البناء التي ترقى به الأمم وتتفوّق به على غيرها.

لذلك كان السلف يرون أن من اعتمد على الكتاب وحده كثر خطؤه ويرون أن مصاحبة العلماء والفقهاء هي من تصنع العالم أو المفكر، لأنه يتربّى من أفعالهم ويأخذ من تصوراتهم، وتنقش في قلبه طريقتهم في القراءة والتعلم والسؤال والرد ومخاطبة الناس والتعامل معهم وفى قضاء الأوقات والأحوال.

صورة تعبر عن المربي قديمًا

وإذا كان عالم اليوم يسحب دور المربّي شيئا فشيئا ليكون التلقّي من أجهزة صماء لا تملك حسًّا ولا فهمًا لكنها تحمل أفكار الدنيا على سعتها واختلاطها وتشعبها، فإن الأهمية تزداد ليكون لدينا في مواجهة ذلك المربّي الجامد إنسان رباني يدرك قيمة الإنسان ودوره ومهمته في الحياة ويريد أن يعيده إليه.

ولا ريب أن هناك من فَقَدَ المربّي، لكن الله حفظه ورباه ووجهة الوجهة الصحيحة ووجد من خلال بحثه وقراءاته وتعلمه طريقه الذي يتزكّى به ويصبح إنسانًا على ما يحب الله ويرضى، لكن هذا النموذج ليس هو السائد، وليس هو ما يحدث في الغالب، بل الغالب الذي نرى عليه ناشئتنا أنهم أحوج ما يكونون إلى من يأخذ بأيديهم إما من الداخل إذا رزقوا آباء مربّين، وإمّا من خارجه ممّن يدركون هذه الحاجة وفرّغوا أنفسهم لها.

مهمة المربّي
إن مهمّة المربّي لا تتلخّص في تعليم بعض الآداب أو إصلاح بعض خلل السلوك فحسب، بل في إنها تصنع عقلًا مفكرًا ونفسا حريصة على التزكّي..

إنها تعلّم ذلك النشء الصغير أن يستثمر ما وهبه الله من نعم وأولها نعمة العقل، لتدفعه حين يقرأ لأن يفهم ويبحث عن غايات ما وراء اللفظ من المعنى، وتحثّه على أن يستخرج مما يحفظ من القرآن رسالة ربه إليه، فيعتاد أن يأخذ الحياة بقوة، وأن يكون على وعي بكل ما يمر من الخارج إلى عقله، فيمسك به ويتمهّل في تمريره إلى عقله حتى يدرك ما له وما عليه ويجتهد في حماية نفسه وعقله من كل ما يرِد إليه من كلامٍ وصوَرٍ وثقافات وفنون متنوعة يتلبس فيها الحق بالباطل.

والمربّي الحق ليس هو الذي يلقي –فقط- على أسماع طلّابه بين حين وآخر ما يقدر عليه من النصائح والتوجيهات والتكليفات المتعددة الجوانب، بل إنه مع ذلك صاحب رؤية يبصر بها أحوال من يربيه، منذ يكون برعمًا في بستان ناضر متعدد الألوان يسقى بماء واحد، فتراه جنديًّا في معركة اليقظة والوعي، فيقوم بمهمته في السقي والتعهد والرعاية والتدريب وإكساب المهارة والقوة، لا يترك يده حتى يضع الصغير يده على يده ويودعه للقيام بدور مماثل..

الأمر إذن يحتاج لتهيئة وإعداد وتدريب مستمر، حتى يكون المربي على قدر تلك المسؤولية الملقاة على عاتقه، فيرى بعين قلبه ما يحتاجه النشء، ويتمعّن في الحال التي هو عليها من الخلل، فيبحث في صيدليات الوعي والأمة عن العلاج، ويصنع التركيب الأقرب للنفع والوقاية والسداد، ويقدمه مشفقا راجيا أن ينفع الله به ويقبل منه.

مشكلة ضعف المربين
نشأت أجيال منا تظن أنها قد أحسنت صنعًا، وأن لديها من الوعي والفهم ما يحميها من السقوط والغفلة، فلما حان وقت الاختبار وتتابعت رياح السموم ومن قبلها طرقات الإنذار، وجدنا أنفسا في هشاشة بالغة وقلوبنا مائلة تملؤها صيحات الفزع التي لا نملك لها ردا.

بدأ الكبار يبحثون عن أسباب ضعفهم وخذلانهم وعجزهم، فإذا هي صفات وطبائع درجوا عليها ولم ينتبهوا لآثارها، فراح بعضهم يحاول ويسقط ويقوم ويجاهد مع نفسه، وسلّم آخرون لواقعهم وحالهم فلم يراجعوا أنفسهم، ولم يكلّفوها عناء المجاهدة التي لا تكاد تثمر في الكبر إلا قليلا. أما أولئك الواقفون على الثغر فهم وإن عرفوا خطر مواقعهم إلا أن أثر التخليط القابع زمانا في أوعيتهم لا يزال يندفع مرة بعد أخرى، وتظل المجاهدة المدفوعة بالصبر الجميل هي وحدها الأمل المرجو..

فصاحبها بين مد وجزر خلال رحلته لإصلاح نفسه ومن يعول، والتوفيق والهداية للخير من الله، وإنما نمنّي أنفسنا ونرجو الله، ومن ثمّ كانت الوقاية خيرًا من العلاج، وكذلك فإن إعداد النفس إعدادا أصيلا لتكون ربانا يوجه ويشير ويعلم خير من إهمالها، بل إن ذلك يضيّق دائرة الأخطاء ويحمي من آثارها التي قد تقيم في نفوس الأبناء زمنا طويلا.

ليست الأخطاء وحدها منبع الخطر في رحلة البناء والتربية وإنما الغفلة التي ترافق الإنسان، فقد تذهل النفس التي لم تأخذ بحظها من التزكية والفهم والقراءة الواعية عن الشر وعن خداع النفس، فتظن الشر خيرا، أو تظن النصرة فيما يجلب الذلة، وهكذا تتغير الوجهة دون انتباه أو إشارة فارقة.

المربون الذين تحتاجهم الأمة
إننا حين نتحدث عن المربين فإنما نعني أولئك الذين لهم أنفسا قوية تملك نفسها عند الغضب، فلا يخرجها ذلك عن هيبتها ووقارها وعن قيمها ومبادئها التي تدعو لها، ومن يقفون مع كل حدث وقفة صادقة يقرؤون ما وراءه، ويعرفون بم يتزودون له، ومن لديهم القدرة على التفاعل مع الأحداث والمواقف وإدارتها، وفقا لرؤية واضحة يسعون إليها ولفكر ثابت ينتمون إليه.

إننا في حاجة ماسة لمربين يحسنون التعامل مع الطفل من أول يوم يطأ فيه أرض الحياة، يعرفون مهمتهم ويقدرونها حق قدرها، وإن غفلوا أو سهوا قليلا عادوا وتذكروا، لأننا الآن صرنا نبحث عن معالجين ومعدّلي سلوك يصلحون ما أفسدناه في سنوات التعهد الأولى.

المربي وطلابه

ولا نعني بالمربين الآباء والأمهات، بل إن الأمة في حاجة إلى طائفة كبيرة من المربيّن في كل موقع يرتاده الطفل والناشئ، فإذا فُقِد المربي الأب أو المربية الأم وَجَدَ من يأخذ بيده في المسجد أو الشارع أو المركز التعليمي أو غير ذلك

صناعة المربي أملٌ جديد
ليس الأمر بالهيّن ولكنه ليس مستحيلًا أيضًا، ثمة جهود من هنا وهناك تسهِم في تلك الصناعة وتمد المربي بما غاب عنه من أساسيات، لكن القصد أن يتحول هذا الأمر إلى مشروع أمة، وأن ينطلق مربو الأمة من نبع واحد، يروون صغار الأمة وأبناءها، فيشب النشء على غاية واحدة وإن تعددت الوسائل، ويكبرون بروح واحدة وإن اختلفت المشارب والأذواق، بل يمنحهم الاختلاف المحمود قوة وثراء وقدرة على خوض معارك الأمة وأنواء الحياة بما أُشرِبوا من معانٍ متدفقة، وبما أُنضِجوا من تجارب غنية صنعوها بأنفسهم.

إننا وإن كنا نرى واقعًا غارقا في التحديات إلا أن التعامل الجاد مع ذلك الواقع هو الذي يرسم المستقبل، فكما ألجأت تلك التحدّيات إقامة برامج تصنع محاورين وأخرى تبني اليقين الصادق وأخرى تضع البناء المنهجي لطلب العلم بالتدرّج نصب أعينها، فكذلك ينبغي على أهل التخصص والهمّ أن يتهيّؤوا ببرامج تصنع المربي وتهيئه منذ اللحظة الأولى لأداء هذا الدور بحب وهمٍّ أصيل..

 نريد أن تكون الوجهة واحدة، وإن اختلفت الوسائل، وتعددت الخطط، التي تقدّر تنوّع البيئات واختلاف الشخصيات وتعدّد أنماطها واتساع محيطها الحالي، نرغب أن توضع أسس البناء وتوجَّه ما يتبقى من جدران ومداخل، وأن يأتي المربّي بعد ذلك ليفتح النوافذ ويُطلِع تلامذته وأبناءه على يراه من خير فيأخذ قبسًا ويهديه للآخرين.

 

ما الطريق للتّوازن الاجتماعي؟

أصبحنا اليوم نعيش فوضى اجتماعيّة انعكست سلبًا على نمط حياتنا، ولم نعُد نرى مفهوم الأخوّة والوحدة والتّراحم بين أفراد المُجتمع، بل حلّ مكانه التفكّك والضّعف وطُغيان الأفراد أو الجماعات على بعضهم البعض، كُلٌّ يسعى لفرض فِكره ومبادئِهِ على الطرف الآخر وسحقه من الوُجود. 

إن الأنظمة الاجتماعيّة القائمة اليوم تُمثّل صراعًا بين نقيضَين:

فإمّا الفرد الذّي يقدّس ذاته، وله الحريّة المُطلقة في فعل ما يشاء بدون حدود أو قيود، وله أن يملك كيف ما شاء بدون ضوابط، وله أن يختار طريقة عيشه وميوله وفِكره ومُعتقداته كما يشاء، تحت مُسمّي الحرّية الشّخصيّة المُطلقة، ومع كلّ ذلك فإنه ليس للمُجتمع أن يقول له “هذا خطأ” أو “هذا صواب”، وليس للمُجتمع بأن يُحاول تقويم اعوجاجه أو ردعه، لإيمانه بأن لا وصاية لأحد عليه.

وإمّا النّظم القائمة على المُجتمع، حيث يُصبح لها كيان مُقدّس، ولا قيمة للفرد داخله، وعلى المُنتمين إليه أن يخضعوا لسُلطانه دونما اعتراضٍ أو انتقاد، وليس للفرد –كذلك- أن يقول “هذا خطأ” أو “هذا صواب” إذ بات لسلطة المُجتمع الوصاية في صياغة أفكار وعقائد وتصوّرات أفراده، وجعلهم جميعًا نسخًا من قوالب جاهزة.

وإنّنا لنجِد هذه الأنظمة في صراع داخل مُجتمعاتنا كلّ يدّعي أنّه يملك الحقّ المُطلق، فنتج عن ذلك وجود انقسامات، وتكوّن أطيافٍ مُتعدّدة ومُختلفة، تستوحي أفكارها ومبادئها في الحياة من الأنظمة الغربيّة الغريبة عن مبادئ ديننا والمُناقضة له، فالإسلام هو المنهج الذي جعله الله لنا صراطًا نُقيم به التّوازن بين الفرد والمُجتمع بلا إفراط أو تفريط.

صورة تعبر عن التعارض بين الفردانية والجماعية، والذي يحاول المقال الوصول إلى التوازن الاجتماعي بينهما

النّظام الاجتماعي الفردي
في ظلّ موجة الحداثة التّي تعيشها مُجتمعاتنا المُسلمة، ظَنّ البعض أنّ نهضة مُجتمعه لا يُمكن أن تحدُث إلاّ باتّباع الغرب، وذلك من خلال القطع مع كلّ موروث اجتماعي وفكري، وجعله من التّقاليد البالية، بدون القيام بعمليّة الفرز اللازمة للحفاظ على كلّ ذي قيمة بما يتناسب مع هدي الله والشخصيّة المطولبة من المُسلم.

لقد كانت النتيجة أن أصبحت حياة الأفراد مُرتبطة أكثر فأكثر بالفكر المادي، وأصبح هنالك جفاف في العلاقات، وتحوّلت الرّوابط الاجتماعيّة القائمة على التّعاون والتّعارف والجوار من جملة التّقاليد البائدة، وأصبح كلّ إنسان في المُدن المُعاصرة لا يشعر إلاّ بفرديّته، ولا يرى إلاّ مصلحته، وطغت عليه الأنانيّة.  

من المؤكد أن هذه النّزعة الفرديّة قد نشأت بعيدًا عن مبادئ الإسلام، ممّا أسفر عن غياب التّوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الحرّية والالتزام، فأصبح البعض اليوم مُتحلّلاً من الدّين والأخلاق والتّقالي، ومُنسلخًا من إنسانيّته باسم الحريّات الفرديّة، فبدأوا يُنادون بالترويج لأفعال قوم لوط الجنسيّة ونشر البغاء والزّنا ومُختلف أنواع المحرّمات من خمور ومخدّرات.

وبدأت المرأة المُتمتّعة بفرديّتها المطلقة تسعى إلى تحطيم الدّين والأخلاق والتّقاليد، ظنًّا منها أنّهم استُخدموا لإقصائها والتّضييق على دورها داخل المُجتمع بسبب سوء فهم الرّجل للدّين وسوء تطبيقه، حتّى وصل بها الأمر اليوم إلى المطالبة بالمُساواة المُطلقة مع الرّجل في كلّ شيء حتّى في الانحراف والتحلّل والإباحيّة.

يبدو أن ذلك كله خلّف انحلالاً مُدمّرًا داخل مُجتمعاتنا، وأدّى إلى تقطّع روابط المُجتمع والأسرة التّي كان تماسكها مُستمدًّا من قِيَم الإسلام وشريعته، فملامح العلاقات الاجتماعيّة قد تغيّرت وأصبح هنالك غياب لروح الألفة والاستئناس، وأصبحت الأنانيّة والانتهازيّة والنّفاق الاجتماعي والمصلحة الفرديّة هي القيم الطّاغية عندنا، وذلك بعدما انتشرت الأهواء والشهوات بانسلاخنا عن مبادئ ديننا، ولم تعُد روح الأخوّة والأمّة الواحدة جزءًا من العبادات في تفكيرنا الحداثي.

 وكذلك الأسرة التي أصبحت هشّة في نواتها، فقد تحوّل الرّجل إلى آلة عاملة، مُتحلّلاً من مسؤوليّاته من جهة، ومُتّبعًا لأهوائه ومُشبعًا لغرائزه من جهة أخرى، وكذلك انشغلت المرأة بنفسها وعملها ومُنافستها للرّجل ممّا أفقَد الأطفال روابط الحنان والحبّ والمودّة من الوالدين، ورُبّوا على تنشئة غير مُتوازنة، وبالتّالي نشأ جيل جديد في جوّ من الانحراف والانحلال.

يؤكّد على هذا المعنى الفيلسوف الأمريكي ول ديورانت فيقول:” ولما كان زواجهما [الرجل والمرأة في المجتمع الحديث] ليس زواجًا فقط بالمعنى الصحيح -لأنه صلة جنسية لا رباط أبوة- فإنه يفسد لفقدانه الأساس الذي يقوم عليه، ومقومات الحياة، يموت هذا الزواج لانفصاله عن الحياة وعن النوع، وينكمش الزوجان في نفسيهما وحيدين كأنهما قطعتان منفصلتان، وتنتهي الغيرية الموجودة في الحب إلى فردية يبعثها ضغط المساخر” (1).

النّظام الاجتماعي الجماعي
في المُقابل، نرى النّظام الجماعي الذّي لا يعترف بكيان الفرد أو أي قيمة له، حيث يرى أنه يستمدّ وجوده من المُجتمع الذّي يعيش فيه، ومن ثمّ فإن عليه الخضوع لسُلطانه دونما تردّد أو تفكير.  ويُعتبر أصل هذا النّظام مُستمدًّا من الفكر الغربي، حيث يقول الفيلسوف الفرنسي دوركهايم:” إنّ ضروب السّلوك والتّفكير الاجتماعيّة أشياء حقيقيّة توجد خارج ضمائر الأفراد، الذّين يُجبَرون على الخضوع لها في كلّ لحظة من لحظات حياتهم”(2)، فالفرد وفق هذه الرّؤية ليس له استقلاليّة اجتماعيّة، بل عليه القبول بما يجد من عقائد وسلوكيّات وأفكار وأنماط حياة داخل مُجتمعه حتّى إن كانت باطلة وفاسدة.

إميل دوركايم (مصدر الصورة: ويكيبيديا)

من هذا المُنطلق نجد اليوم حكومات تسعى لتحطيم وجود الفرد الذي يختلف معها، فعلى سبيل المثال ما يحدث اليوم للأقليّة المُسلمة من “الأويغور” حيث أدخلت السّلطات الصّينيّة ملايين منهم لمُعتقلات كبيرة بهدف إعادة تأهيلهم وفقًا للرؤية الصّينيّة، وتجريدهم من كلّ مظهر أو مبدأ أو فكر إسلامي، وذلك بهدف محو هويّتهم وإخضاعهم لرؤية الدولة وفكرها.

يتجسّد هذا الفكر أيضًا داخل المُجتمع الفرنسي اتّجاه الأفراد المُسلمين، في مُحاولة لطمس هويّتهم وإخضاعهم عن طريق دعوة الاتّحادات الإسلاميّة؛ بهدف التّوقيع على ميثاق أصدرته الحكومة الفرنسيّة مؤخّرًا ينصّ على اعتناق قيم الجمهوريّة الفرنسيّة، وجعلها مرجعيّة المُسلمين الأولى، حيث يعتبر هذا الميثاق –على سبيل المثال- أي نقد للأفعال الجنسيّة غير الفطريّة أو انتقاد للسامية جريمة جنائيّة، وهنا يجد المُسلم نفسه في صراع داخل المجتمع الذّي يعيش فيه، فإمّا أن يستسلم له ويخضع لتوجّهاته في الحياة ويترك مبادئ دينه، وإمّا أن يسحق كيانه الفردي وتسلب حرّيته في الحياة باتّباع منهج الإقصاء والتّمييز السّلبي ضدّه.

نُلاحظ أيضًا داخل مُجتمعاتنا المُسلمة انتشار هذه النّزعة الجماعيّة، فعندما انتشر الفساد بيننا واعتدنا عليه، أصبحنا نرى كلّ مستمسك بمبادئ دينه، رافض للباطل والانحراف، مُتمرّدًا يسير عكس التيّار، بل أصبح عقبة بالنّسبة للمُجتمع المُتّبع لهواه، وبالتّالي صار يرى نفسه في صراع مع من حوله، ويتحوّل هذا الاختلاف أحيانًا إلى كُره وتنازُعٍ ينعكِسُ سلبًا على العلاقات الاجتماعيّة، وينجم عن ذلك انتشار القطيعة والحقد والاستهزاء والعزلة والتفكّك الاجتماعي.  

الطريق للتّوازن الاجتماعي
يقول العالم الشهير ابن خلدون: “إن المجتمعَ وعمرانَه لا يمكن أن يظهرا إلى الوجود من خلال تفرّق جهود الأفراد وتبعثرها، فالإنسانُ يدركُ بفطرتِه سبلَ عيشِه، ويدرك كذلك ضرورةَ تعاونِه وتماسكِه مع الجماعة، إذ ليس في مقدور كلّ إنسانٍ أن يوفرَ حاجاته لنفسه، إن ذلك يتطلبُ تماسكًا وتعاونًا بين الناس”(3)، فالمجتمع إذًا هو نتيجة اجتماع  عدد كبير من الضمائر الفرديّة، وللفرد داخله قيمته ووزنه وله تأثير في تكوّن هذه الجماعة، ولنا خير نموذج في سيرة رسول الله عليه أفضل الصّلاة والسّلام حيث قام أوّلاً بتربية وتزكية نفوس أصحابه، الذين آمنوا به واتّبعوه، وجمعهم تحت راية الإسلام وشريعته، رغم اختلاف أجناسهم وأعراقهم، فنجحوا ببناء مُجتمع مُتوازن ومُتماسِك، يجد فيه الفرد مرجعيّته الدّينيّة والفكريّة وكرامته الإنسانيّة، فكلٌّ يعرف حدوده، بما عليه من واجبات وما له من حقوق.

إنّ للمُجتمع تأثيره المُباشر على الفرد ويُمكنه إخضاع الفرد له، فإمّا أن يكون مُجتمعًا صالحًا مُتكوّنًا من ضمائر فرديّة صالحة في أغلبها، وفي حالة وجود أفراد مُنحرفين ومخدوعين باتّباع أهوائهم وشهواتهم ولا يُحدثون إلاّ الضّرر أين ما حلّوا، فإنّ من واجبات المُجتمع أن يكفّ أيديهم وينهاهم عن فسادهم، ويسعى لإيقافهم، حتّى لا يسقط الجميع في مُستنقع الضّلال والظّلم، عملاً بقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، وإمّا أن يكون مُجتمعًا فاسدًا يُمثّله عدد كبير من الأفراد الذين أصابهم مرض الوهن والضّعف الأخلاقي، فيسعون إلى نقل فسادهم وانحرافهم لكلّ فرد  طاهر ما زال فيه صلاح، ويأخذون منه موقف العداء، فإمّا أن يشاركهم في فسادهم، وإمّا أن يتمّ سحقه وطمس كيانه الفردي.

صورة للقرآن والذي يمثل الطريق إلى التوازن الاجتماعي

وللفرد أيضًا نصيب من ذلك، فعندما وُجد الأنبياء ومن بعدهم الدّعاة والمُصلحون -الذّين هم أفراد- وجدوا أنفسهم داخل مُجتمعات عليلة توشك على الهلاك بسبب الفاسد الطاغي فيها، وقفوا بكلّ قوّة يدعون إلى الخير والصّلاح والعدل، وكانوا سببًا في تغيير مجرى التّاريخ وقاموا بواجبهم تجاه مُجتمعاتهم، وهذا ما علّمنا إيّاه رسول الإسلام صلّى الله عليه وسلّم بالحث على بذل النّفس نُصرة للحق وتحدّيًّا للظّلم ولو بالكلمة، فعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ) [أخرجه الحاكم في المستدرَك].

في المُقابل فإنه عندما يصل فرد للسّلطة في مُجتمع صالح، ويغترّ بمنصبه فيستعلي ويتكبّر ويستبدّ، فإنّه سيسعى لفرض فكره وجبروته على المُجتمع، وسيُحدث فيه الفساد، ويُضيّع مصالح العباد؛ لأنّه لا يرى إلاّ نفسه، وسيسعى لتخدير عقول الناس لإبقائهم تحت سيطرته، غافلين عن حقوقهم وحرّيتهم.  

إن المعادلة هنا بسيطة للغاية، فلا وجود للفرد أو للمُجتمع في غياب أحدهما، فهما معًا يُمثّلان الكيان الإنساني، فمرّة يبرز المُجتمع، ومرّة يبرز الفرد بطريقة تفاعليّة مُشتركة نضمن بها وجود توازن بينهما.

إننا بحاجة لهذا المفهوم حتّى نخرج من ضيق الظلم والفساد الذّي أصاب مُجتمعاتنا، فعلى الأفراد أن يكونوا مسؤولين وواعين بدورهم، مُلتزمين بمبادئ دينهم، ساعين للتّغيير والنّهوض والعمل، وكذلك على المُجتمع -ككلّ- أن يعي بواجباته تجاه أفراده، وأن يقطع الطريق في وجه كلّ ظالم مُتكبّر مُستبدّ، وأن يكون أفراده جسدًا واحدًا نصرة للحقّ والعدل.


الهوامش:

(1): جاهليّة القرن العشرين لمحمد قطب، دار الشروق للنشر بتاريخ 1993، ، ص: 156.

(2): نفس المصدر السّابق، ص 160.

(3): جريدة الراية، مقال بعنوان ضوء أخضر.. «نحن» وليس «أنا».. قوّتنا في وَحدتنا للدكتورة لطيفة شاهين النعيمي بتاريخ 25 أكتوبر 2020.