مقالات

لا قيمة للحضارة بدون أخلاق

محمد الريس


إذا أردت أن تعرف ما لمجتمعٍ من المكارم والعلو والعظمة فانظر إلى موقع الأخلاق في تشريعه وفي قلوب أفراده، فإن كان قوام تشريعه لا يولي أية قيمة للأخلاق ولا يحث على حسنها ولا ينهى عن سيئها فتلك أمة قد غرقت في المادية حتى خمرت، أما إن كان قرين تشريعه المنظومة الأخلاقية، فلا ينظر إلى عمل أحدهم حتى يكون سليم القلب طاهر الصدر لا يحمل حقداً ولا حسداً ولا عجباً ولا كبراً فتلك الأمة التي قد سمت وارتقت حتى بلغ أهلها المكرمات جميعها.

وإذا أردت أن تصل إلى درجة اليقين فيما نقول، فيكفي أن ننظر إلى أمة قد أمر أتباعها بأن يريحوا الذبيحة حين الذبح بأن تكون أداة الذبح حادةً بما يكفي كي لا تتألم قبل أن تموت! ثم لتقف لحظةً: ما الموضوع؟ إنه الذبح، وما الأمر؟ أن تكون أداة الذبح حادة، وما الغرض؟ أن تراح الذبيحة! ثم الأمر الآخر بألا يكون الذبح أمام باقي المراد ذبحهم! فهي تشعر كما نشعر فينبغي علينا أن نراعي شعورها، هذا كله وأنت تذبح فما بالك إذا جئت إلى تلك الأوامر التي توصي بألا تحمّل المواشي فوق طاقتها وأن تطعمها وتسقيها وألا تفجع أما بولدها وأن تنظر لها بعين الرحمة لا بعين القسوة.

ثم قارن مع أمةٍ أخرى قد صارت قلوب أتباعها كالحجارة أو أشد قسوة، وقد أصبحوا يلهثون وراء أهوائهم وشهواتهم دون أن يعودوا إلى ضمائرهم، فيفعلون ما يشتهون وإن ألحق فعلهم ضرراً بالغاً بما خلق الله، فلا مانع لديهم من أن يضعوا السمك الحي في الزيت المغلي ويتركونه وهو يتعذب ويتمزق قبل أن يموت أثناء مضغهم إياه، كل ذلك فقط لأنه يكون طازجاً لذيذاً إذا تم قليه وهو على قيد الحياة! ثم لا يمانعون أن يمزقوا أجساد الماعز ويقلعون صوفها بأمشاطٍ معدنية حادةٍ قاسيةٍ تاركين هذه الحيوانات بجراحٍ مفتوحة دون أدنى رعاية طبية أو رحمة إنسانية، وأحياناً يسكب على جراحها الكحول الحارق، وأحياناً يضرب العمال رؤوسها بالمطارق الحديدية لكي تُصرع، وأحياناً أخرى تجر الماعز إلى المسالخ من رجلٍ واحدةٍ قبل أن تشق حناجرها أمام بقية الحيوانات، كل ذلك لأجل بيعها بأسعارٍ باهظةٍ، وهذا ما كشفته منظمة “بيتا” المدافعة عن الحيوانات مؤخراً وما خفي أعظم!

هذه مقارنة سريعة عن الطريقة التي تعامل بها الحيوانات بين أمة تولي للأخلاق أهمية بل تعطي كل الأهمية للأخلاق وبين أمة لا يهمها سوى المادية والربح والأهواء.

ولننتقل إلى عالمنا ولنمدك بمقارناتٍ أخرى، فهذان أبوان صار ولداهما بعمر الخامسة عشر فلم يجدوا في أنفسهم حرجاً من أن يقطعوا عنهم مصروفهم آمرين إياهم بالذهاب إلى العمل، أي عمل! لكي يحصلوا على النقود ويصرفوا على أنفسهم فوالديهم لم يعودا يعترفان عليهم! بينما هذان أبوان آخران يصرفان على ولديهما ويحاولان أن يؤمنا لهما احتياجاتهما ولو على حساب أنفسهما فهم يعلمان أن ذلك هو حق ولديهما عليهما وليس تفضلاً من عند أنفسهم!

وعلى الصعيد المقابل، فهذان ابنان قد وصل الأمر بهما إلى المحاكم لتحكم بينهما ولتفض خلافهما، وما خلافهما إلا بادعاء كل واحدٍ منهما بأحقيته بأن يرعى أمه في بيته! في الوقت الذي تلقى فيه أمهات أقوام أخرين على قارعة الطريق.

والحديث في المقارنات يطول ويتسع وكي لا ينحرف المقال عن الهدف الذي وضع له سنقتصر على ما ذكر، ونأتي الآن إلى حديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أخبره الله عز وجل أن الغرض من الخلق هو العبادة {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] ولكنه مع ذلك لم يعطي الأفضلية للأكثر عبادةً أو للصائم نهاره القائم ليله، أو لذاك الذي لا تفوته دقيقة إلا ويكون ذاكراً لله فيها، بل أعطاها للذي يكون رحيماً ودوداً ليناً مع الخلق متمنياً لهم الخير والبركة لا يحمل في صدره شيء على أحد صانعاً للمعروف أينما حل أو ارتحل، فأعلنها ميزاناً لمن أراد أن يزن أعماله ويعلم مدى قربه من الله إذ قال: “إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً” [رواه الشيخان]

ولأن هذا الحديث يحمل أصلاً عظيماً من أصول الدين فسنعقبه بما قال فيه العلماء، بدءاً من الإمام النووي: “فيه الحث على حسن الخلق، وبيان فضيلة صاحبه، وهو صفة أنبياء الله وأوليائه”.

وقال الحسن البصري واصفاً جوهر الخلق الحسن: “حقيقة حسن الخلق بذل المعروف، وكف الأذى، وطلاقة الوجه”

أما القاضي عياض فشرح الخلق الحسن قائلاً: “هو مخالطة الناس بالجميل والبِشر، والتودد لهم، والإشفاق عليهم، واحتمالهم، والحلم عنهم، والصبر عليهم في المكاره، وترك الكبر والاستطالة عليهم، ومجانبة الغلظ والغضب والمؤاخذة”.

وإليك قصة تبين لك مكانة الخلق الحسن في قلوب المسلمين: “عن أم الدرداء قالت: قام أبو الدرداء ليلة يصلي، فجعل يبكي ويقول: اللهم! أحسنت خَلقي فحسن خُلقي، حتى أصبح.

فقلت: يا أبا الدرداء! ما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق.

فقال: يا أم الدرداء! إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن خلقه الجنة، ويسيء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار، والعبد المسلم يغفر له وهو نائم.

قلت: يا أبا الدرداء! كيف يغفر له وهو نائم؟

قال: يقوم أخوه من الليل فيجتهد فيدعو الله عز وجل، فيستجيب له، ويدعو لأخيه فيستجيب له فيه” [الأدب المفرد: 82].

وهذا الفرق بين أمة قد قال الله في اتباعها: {كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110].

وبين أمم قد قال الله في اتباعهم موجهاً خطابه لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علمٍ، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون؟} [الجاثية: 23].

الولاء والبراء.. جوهر قيام الأمم واستمرارها

زكاء مردغاني


لا بدّ للتجمّعات البشرية من رابطٍ يحوّلها إلى شعوب، رابطٍ يخلق بين الأفراد لحُمةً، وينزع شوكة الأثرة الفردانية؛ فيقوم الكل مقام الواحد، ويقوم الواحد مقام الكل في علاقةٍ يعكس عمقها مدى الترابط الذي يصنع من الشعب أمةً قادرةً على إقامة حضارة.

 كان ذلك الرابط هاجس ابن خلدون في محاولته الكشف عن مقومات الدولة السياسية، فذهب إلى أنّ “العصبيّة” جوهريّةٌ في العمق الأساسي لها، ولعلّها الرابط الذي يضمن انتظام الكتلة البشرية في بنيانٍ يصحُّ تسميته “دولة” حيث يلتحم الفرد بالجماعة، وتجري عليه أحكامهم وأحوالهم.[1] 

ذلك أنّ الحضارة كما أكد دارسو الحضارات “لا تقوم إلا على الحسّ الجماعيّ لا على الفردية بأية حال”، وأنّ الفكرة الحضاريّة “لا تكون إلا مُعصِّبة”[2].

رسم لمكة يعود إلى عام 1790

ولأنّ الإسلام يحمل بين جنبيه مشروع حضارةٍ آتت أُكُلها دهراً واسعاً من الزمان، فقد قدّم لمعتنقيه هذا الرابط الذي أسّس للأمّة القادرة على صناعة الحضارة الإسلامية، عبر مفهوم “الولاء والبراء” في توازنٍ يحفظ “العدالة” و”المواطنة”، واعتدالٍ يضمن للأمة هويتها وإنسانيّتها، فالمسلمون “أمة من دون الناس” لكنّهم أمةٌ تتعايش مع الأخوة في الوطن تعايشاً قائماً على ثنائية الحق والواجب التي تقيم العدالة، كما أنّهم “يتعارفون” على الأمم والشعوب الأخرى وفق مبدأ جوهره أن “لا عدوان إلا على الظالمين”.

بدأ بناءُ الدولة الإسلاميّة في المرحلة المدنيّة، وكانت الوثيقة التي أنشأها رسول الله صلّى الله عليه وسلم أولَ دستورٍ تشريعيّ احتُكم إليه في التاريخ الإسلامي، ونصّ البند الأول في الوثيقة على وحدة الأمة الإسلامية مرتقياً بالولاء من الأسرة والقبيلة إلى الدولة الجديدة؛ فـــ”المسلمون من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس”[3]، ولأنّ الحاجة ماسّةٌ للولاء مادّيّاً ومعنويّاً، فقد جعل الإسلام آنذاك التوريث بين المسلمين بعضهم بعضا من دون مراعاة الرحم، وهو حكمٌ نسخته الآية {وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى بِبَعْضٍ فِيْ كِتَابِ الله إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ..” (الأنفال/75) حيث انتهت الحاجةُ المادّية لولاء الميراث ليبقى الجوهر المعنويّ الذي تأسس المجتمع المسلم عليه.

 كان ذلك عندما وُضِعَت اللبنة الأولى للمجتمع المسلم واقتضت المصلحة العليا للأمة أن يصبح المهاجرون والأنصار إخواناً، فينفكّوا عن العصبية للأهل والأقربين ويتحوّلوا إلى الولاء للأمة، {إِنَّ الَّذِين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} (الأنفال/72)، واشتد الامتحان بالمؤمنين ليشدّد على الولاء للأمة الناشئة، في مقابل البراء من المخالفين في العقيدة ولو كانوا أولي قربى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. (التوبة/23).

وضع الإسلام بذلك الأساس المتين للمجتمع، وضمن الولاء الذي يُعصّب جماعة المسلمين، الولاء الذي هو الخطوة الأولى في حفر أساسات الحضارة،  ذلك أنّ الضامن الحقيقيّ لقيام الحضارة هو الولاء الجماعي الولاء القائم على عقيدة مركزية واحدة، تُمثّلها نخبةٌ رشيدة، وتمتدُّ في عمق الجماعة، وتتحد بالمصلحة لتقيم نظاماً اجتماعيّاً متماسكاً[4] والذي يلخّصه الحديث الشريف: “مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى” (البخاري)، بهذا الولاء تحوّلت الطبقة الأولى من المسلمين إلى عصبةٍ واحدة يجمعها هدفٌ واحد، ويضمّها نظامٌ اجتماعيٌّ موحّد، وتؤسّس لها عقيدةّ واحدةٌ، ولتعميق ذلك في المجتمع المسلم فُرِضَت فرائض ذات طابعٍ جماعيٍ بعضها اقتصادي مثّلته الزكاة والتي تضمن حقّ الفقراء في أموال الأغنياء للحفاظ على التوازن الاقتصادي، إضافةً إلى كونها مظهر ولاءٍ معنويّ مبنيّ على التراحم الذي يبدو في حده الأدنى فريضةً وفي حدوده العليا مندوباً كما في الصدقات، وفرائض ذات طابعٍ جماعيٍّ معنويّ مثّلتها الصلاة الجامعة في يوم الجمعة والتي هي الحد الأدنى من الاجتماع الذي يجدد فيه المسلمون ولاءهم الجماعيّ في المسجد الذي عرف بالجامع إبرازاً لوظيفته الجوهريّة، إذ ليست تختار اللغةُ مسمّياتها عبثاً، ومن ثم شجع الإسلام على الجماعة في الصلوات الخمس، ووعد المصلّي مع الجماعة بأضعاف ثواب الصلاة المفردة تأكيداً على الولاء الجماعي، وحثّ الإسلام على الجماعة في الأمور كلّها، كما بثّ في المجتمع أخلاق التعاون، والإيثار والتسامح وحسن الجوار والتناصح..

وتلوح عقيدة الولاء واضحة في الأحاديث الداعية إلى تلك الأخلاق، فالنصيحة “لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم” (البخاري)، و”من غشنا فليس منا” (مسلم)، و”المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” (البخاري)، و”كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه” (مسلم)، و”عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال:  “بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم” (متفق عليه).

فبالرغم من تأكيد الإسلام على العدل والإحسان في التعامل مع غير المسلمين إلا أنّ التركيز المباشر كان على العلاقة بين المسلمين أنفسهم، ما يؤكد أنها أخلاق يُراد لها أن تحكم المجتمع المسلم الذي توليه الخلاقيّة الإسلامية اهتمامها لإقامة الأمة المبتغاة، بل إن حديثاً مثل “لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي” (أحمد وأبو داوود) يشير إلى تدخّل المندوبات الأخلاقية في عمق الخصوصية الفردية وتوجيهها وجهة مجتمعيّة قائمة على الولاء، فاختيار الصديق المؤمن واختيار الضيف التقي يشي بانحيازٍ عصبيّ للأمة، ولا يخفى ما للصديق من أثر على صديقه، لكن مع عدم تحريم أو منع مصاحبة غير المسلمين، تُحبِّذ المنظومة الأخلاقيّة المسلمة، إذن، أن يختار المسلم صاحبه من خيرة المسلمين انحيازاً للأمة، وتعميقاً لعلاقاتها الداخلية.

لم يقامر الإسلام ببنية الأمة الإسلامية في علاقاتها الداخلية ولا الخارجية، بل عُني بكل تفاصيلها معمّقاً الولاء الذي يعصّب أفراد الأمة الإسلامية، والذي يبرز في مواقف جوهريّة نستطيع أن نلخّصها في ثلاث نقاط مهمة:

1- الحب: في الحديث: “من أحبّ لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان” (أبو داود)، وهو حديثٌ يوجّه قلب المؤمن فيجعل محبته وبغضه وفعله كله من وراء سور الإيمان بالله، بل إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ربط الإيمان بمحبته عليه السلام فقال: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين” (البخاري ومسلم)، وفي السياق نفسه يأتي حديث: ” ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار.” (البخاري ومسلم).

ومع أنّ الأحاديث السابقة تظل في إطار كمال الإيمان فإنّ القرآن نصّ صراحة على أنّ حب الله ورسوله والجهاد في سبيل الله ينبغي أن يكون في قلب المؤمن فوق حبه لأهله ولدنياه، في لهجة تحذير لمن يخالف ذلك، يقول سبحانه: {قُلْ إِنْ كَاْنَ آبَاؤكُمُ وَأَبْنَاؤكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيْرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوْهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ وَجِهَادٍ فِيْ سَبِيْلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِي اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِيْ القَوْمَ الفَاسِقِيْنَ} (التوبة/24)، يفهم من الآية أنّ حكم الفسق ينطبق على أولئك الذين لا يجدون في قلوبهم شعور الحب لله ولرسوله وللجهاد حباً يفوق حب الأهل والمال والولد.

2- النصرة: جاء في وثيقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة: “أن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (كبيرة) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن..” بهذا الميثاق ابتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية وفق قاعدة اليد الواحدة، التي تحمي الجسد الواحد، وتردُّ عنه العدوان أياً كان، فالمؤمن لا ينصر كافراً على مؤمن حتى ولو كان ذلك الكافر ولده أي أقرب الناس إليه من رحمه، ولأنّ مسلمي المدينة كانوا قد انشقوا بإسلامهم عن عصبيّتهم القبليّة  مخلّفين وراءهم أهلا وإخواناً  كان لزاماً عليهم أن يُعلنوا ولاءهم الكامل لأمّتهم مؤكدين أنّ نصرهم لأبناء أمتهم قائمٌ ولو كان العدو في ذلك أحد أهلهم، وقد فرض القرآن التناصر بين المسلمين بل أكد على إسلاميّة أصله، قال سبحانه {وَإِنْ اسْتَنْصَرُوْكُمْ فِيْ الدِّيْنِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} فبرغم أنّ الآية خاصّةٌ في مَن بقي في خارج المدينة من المسلمين ممّن لم يهاجروا فلم يدخلوا في حلف الدولة الجديدة إلا أنّها صريحةٌ في أنّ الدين رباطٌ يجمع الأمة في ولاءٍ أولي، لكنّ تمام الآية يوضح إقرار الإسلام ما يُعرف اليوم بمفهوم “المواطنة”، فالمؤمنون من المهاجرين والأنصار الذين أقاموا دولة الإسلام في المدينة المنورة أمة، لكنّهم كما نصّت الوثيقة النبويّة يتعايشون مع سواهم من المقيمين في المدينة وهم اليهود آنذاك، ولكلّ دينه الذي يقيمه، كما أنّ لكل فريق حقوقه وواجباته التي أوضحتها الوثيقة، والمسلمون ينصرون إخوانهم ممّن لا يشاركونهم المواطنة إذ لهم عليهم حق الدين، وولاء الأمة الواسعة، لكنّ هؤلاء لا يدخلون ضمن دولتهم كما هوا واضحٌ في الآية، ونصّها الكامل: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.(الأنفال/72)

3- البراء من غير المسلمين: يستطيع المتتبع للنصوص الواردة في الولاء أن يطمئن إلى أن البراء لا يخرج عن كونه أحد مظاهر الولاء، وليس شطراً موازياً فولاء المسلم للمسلمين يقتضي منه ضرورةً البراء من سواهم، وهو براءٌ قوامه عنصرين جوهريين هما عدم الحب وعدم النصرة، فالمسلم لا يعلّق قلبه بغير المسلمين إعجاباً وارتباطاً ولا ينصرهم على إخوانه.

والنصوص صريحةٌ في بيان ذلك: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(المجادلة/22).

وجاء في صحيفة رسول الله أن المؤمن “لا ينصر كافراً على مؤمن”، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمَاً غَضِبَ اللهُ عَلِيْهِمْ} (الممتحنة/13).

قدّم الإسلام بفريضة “البراء” صيانة الحدود الخارجية للأمة، فالبراء هو الثغر الذي يحفظ للأمة هويتها ويحميها من انحرافاتٍ تودي إلى الميوعة الفكريّة أو الذوبان والتلاشي بله الانبهار المؤدي إلى غياب الثقة بالنفس في مقابل الآخر، بيد أنه حفظ للآخر حقوقاً مؤدّاة في ذمة المسلمين سواءٌ أكان هذا الآخر داخليّاً يعيش مع المسلمين في وطنٍ واحد كيهود المدينة الذين نصّت صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلّم على “أنّ بينهم وبين المسلمين النصر على من حارب أهل الصحيفة، وأنّ بينهم النصح والبر دون الإثم.. وأنّ النصر للمظلوم”. أو كان ذلك الآخر من أصحاب العهد والميثاق فقد أوجب الإسلام حفظ العهود والمواثيق مع الشعوب الأخرى فنصّ القرآن صراحةً على أنّ المسلمين ينصرون إخوتهم في الدين ممّن لا يشاركونهم الوطن مستثنياً من ذلك أصحاب الميثاق{إِلَّا عَلَىْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيْثَاقٌ..}.

وليس يقدح في البراء أن يتزوج مسلمٌ كتابيّةً، أو أن يتعايش المسلمون مع شركائهم في الوطن، فيبيعون ويشترون منهم، ويعدلون ولا يظلمونهم،  ويجاورونهم فيتهادون ويتزاورون على أن يبقى الأمر كلّه لله وهو ما حفظته وثيقة الرسول صلى الله عليه وسلّم: “وأنّه ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإنّ مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله”.

ولعلّ لنا بعد هذه الإلمامة أن نختم بقول مصطفى صادق الرافعي: “لو سُئلتُ ما الإسلام في معناه الاجتماعي؟ لسألتُ: كم عدد المسلمين؟ فإن قيل: ثلاثمئة مليون، قلت: فالإسلام هو الفكرة التي يجب أن يكون لها ثلاثمئة مليون قوة”.

_______________________________________

الهوامش

[1] عبد الرحمن بن خلدون: تاريخ ابن خلدون- المقدمة، تح: خليل شحادة، دار الفكر بيروت 2001، ج2 ص427.

[2] بتول جندية: على عتبات الحضارة، بحث في السنن وعوامل التخلق والانهيار ص 43

[3] إسماعيل بن عمر بن كثير: السيرة النبوية، مكتبة المعارف، بيروت، د.ت

[4] ينظر في بيان ذلك: على عتبات الحضارة ص43

تهافت مروجي الإلحاد على مواقع التواصل

محمد عدنان شيط


في كل زمان ومكان لا يكتفي أهل الباطل بما هم عليه من انحراف عن جادة الصواب، بل يعملون ليلا نهارا لنشر باطلهم وتزينيه في عيون الناس علّهم يلتحقون بركب الباطل وأهله، قال تعالى {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}، ولا يختلف أهل الإلحاد العرب عن باقي إخوانهم من أهل الباطل في كل مكان، فهم أيضاً لا يكتفون بإلحادهم بل يتجهون لنشره بين الناس والعمل على محاربة الأديان بأي طريقة يستطيعونها.

الملاحظ في حالة الملاحدة العرب أنهم ينقسمون إلى قسمين رئيسيين في عرض أفكارهم: القسم الأول هم السذج وبسطاء التفكير ممن ألحدوا ولا يدرون شيئا عن الإلحاد أو عن الأديان الأخرى، فهم ركبوا موجة الإلحاد المنتشرة ويريدون دعوة غيرهم للإلحاد، ويبدو هذا من أحاديثهم وتصرفاتهم الغريبة في الفيديوهات، وهؤلاء لا يستحقون التوقف عندهم كثيراً. أما القسم الثاني فهم أذكى نوعاً ما ويعيدون اجترار شبهات المستشرقين ضد الإسلام أو حجج مشاهير الملاحدة مثل دوكينز وهاريس، ويعرضونها إما في حوارات مطولة يديرونها بين بعضهم أو من خلال فيديوهات مركزة ومكثفة جدا مع صور أو موسيقى تصويرية أو مقاطع من مسلسلات وأفلام، بالإضافة للسخرية والفكاهة المصطنعة على طريقة مشاهير اليوتيوبرز.

كل هذا أشبه ما يكون بالصدمات المتتالية لمحاولة إحداث أكبر خرق ممكن في عقل المتلقي، وخاصة إذا لم يكن يمتلك خلفية عقديّة قوية ليخرج من هذه الفيديوهات متسائلاً: هل هذا ديني حقاً؟ ما كل هذه الشبهات والتناقضات؟ فهم على طريقة من يلقي القنابل الضوئية والصوتية ثم يهرب وينتظر إحداث الضرر بعد حين!

وسأعرض فيما يلي بعض صفات وأقوال مروجي الإلحاد العرب لمعرفة طريقة تفكير هؤلاء ليسهل علينا الحد من خطرهم، فاليوم أصبح من السهل أن ينشر أهل الباطل ما يريدونه وأن يجدوا آذاناً صاغية تستمع إليهم ممن لا يملك العلم الكافي وأدوات النقد والتفكير الصحيح، فكل شيء أصبح متاحاً بنقرة زر واحدة:

1- ادعاؤهم أن الدين ينتقل بالوراثة فلولا أنهم ولدوا في عائلات تعتنق الإسلام لما كانوا مسلمين، والقرآن يرد على هذا الأمر بعدة مواضع ويذم التقليد الأعمى، وأكتفي هنا بآية من سورة البقرة تؤكد هذا المعنى، قال تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}.

2- أغلب هؤلاء الملاحدة تحدثوا عما يمكن تسميته “طفولتهم الخارقة”، فهم منذ سنواتهم الأولى يطرحون الأسئلة الفلسفية العميقة عن الوجود والإله والجنة والنار والأنبياء ولا يجدون إجابات مقنعة عليها!

3- أغلبهم يحمل فكراً استئصالياً خطيراً لمخالفيهم، فهم يعيبون على أوروبا استقبالها للاجئين المسلمين ويصفونهم بالقنابل الموقوتة التي ستدمر أوربا وحرياتها في المستقبل، ولهذا فهم يدعون أوروبا لاستقبال اللاجئين من الملاحدة والمرتدين والشواذ فقط؛ يعني هم ملكيون أكثر من الملك. وهذا يوضح بعض جوانب الفكر الإلحادي بشكل عام، فهو فكر إقصائي واستئصالي، إذ لا يحمل مرجعاً ولا قيماً ومرجعيته الداروينية والبقاء للأقوى.

4- حديثهم عن أن الدين أمر ممل ومكرر، وأن خطب الجمعة والمواعظ والدروس الدينية تعيد نفس الكلام وتكرر نفس الآيات والأحاديث. والطريف أني سمعت من أحدهم يقول إنه لا يوجد في الدين تحديث update على عكس العلم الذي يقدم لنا دائماً اكتشافات وأشياء جديدة! وهؤلاء الملاحدة مثال واضح على عقلية القردة أو monkey brains التي أصابت إنسان ما بعد الحداثة والتي تبحث عن القفز السريع من أمر إلى آخر والتجديد المستمر حتى على حساب أية قيم أو مبادئ.

5-معظم هؤلاء الملاحدة يركزون هجومهم على الإسلام والمسلمين دون غيره من الأديان، وهذا يعود لسببين: الأول أن غالبيتهم نشأ في عوائل إسلامية، والثاني أن الإسلام هو الدين الحيوي الوحيد القادر على التفاعل مع حياة الناس في الحيز العام على عكس بقية الأديان التي أصابتها العالمانية بمقتل وأصبحت مجرد طقوس وعادات ومظاهر ثقافية مكانها دور العبادة والأعياد الموسمية.

6-وصف عموم المسلمين بالجهل العام بتاريخهم ودينهم وعدم قراءة كتب تراثهم وعقيدتهم، ومن يستمع لهذا الكلام يظن هؤلاء الملحدين وكأنهم تعمقوا في القرآن وقرأوا في كتب التفاسير فأدركوا معاني القرآن ثم عرجوا على كتب الحديث فدرسوا علومه ثم طافوا على كتب أصول الفقه والفقه المقارن والتشريع والتاريخ الإسلامي، ثم استنتجوا أن المسلمين لا يقرأون تراثهم وأنهم لو قرأوه لألحدوا! والحقيقة أن هؤلاء الملحدين معظمهم لا يدري شيئاً عن التراث الإسلامي ومعظم معلوماتهم نسخ وقص ولصق من غوغل يشكلون بها معظم بضاعتهم المزجاة التي يعرضونها على عوام الناس.

7- ربما لا يوجد مقطع فيديو لهؤلاء الملاحدة إلا وهو مليء بالسباب والشتائم والسفه، والمفارقة أن هؤلاء الملاحدة دائماً يتغنون بالعقلانية واحترام آراء المخالفين، وهذه ادعاءات فارغة تكذبها شتائمهم القبيحة وإسفافهم المتواصل في هذه المقاطع، هذا عدا تدخين التبغ والحشيش والخمور أثناء تقديم حلقاتهم، وهذا يكشف الكثير عن نفسيات وعقليات هؤلاء القوم.

8- تحدي الله تعالى بمنطق طفولي سخيف، فالعديد منهم برر إلحاده بأنه تحدى الله تعالى بأن يحرقه أو يميته إذا كفر بالله أو مزق ورقات من المصحف أو شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله تعالى لم ينتقم منهم! وبعضهم الآخر تحدث أنه دعا الله تعالى ولكن لم يستجب له. وهذه دلائل على عدم وجود الله تعالى على حسب ادعاءاتهم! وكأنهم يعتقدون أنه لو شتم طفلٌ صغير أباه في السوق فأجّل الوالد عقاب ابنه حتى عودتهما إلى المنزل فالأب غير موجود!

9- اتهام المؤمنين بالببغائية وتكرار الأقوال الجاهزة، ولكن هؤلاء الملحدين لا يحدثوننا عن ببغائيتهم وتكرارهم لحجج المستشرقين التي يلوكونها.

10- كلامهم مليء بادعاءات المظلومية والاضطهاد، فهم يلعبون على هذا الوتر الذي يوافق ويعجب العقلية الغربية التي تقف مع الأقليات في أي مكان وتعمل على دعمها بالباطل أو بالحق بأي طريقة، ولكن الواقع في بلادنا العربية يثبت أنهم يفعلون ويقولون ما يشاؤون دون أي حسيب أو رقيب، بينما الدعاة والمصلحون من المسلمين معظمهم في السجون أو مطاردون أو مضيق عليهم!

11- ترديد المغالطات المنطقية بشكل كبير وتوسيع قياسها بأكثر مما تحتمل، فكل رأي يخالفهم يعتبرونه مغالطة منطقية، ولو أخذنا بهذا الكلام على عمومه لأصبح كل العلم قائما على المغالطات المنطقية، فمثلا هناك قاعدة علمية تقول أن المعادن تتمدد بالحرارة ولو وسعنا مفاهيم المغالطات المنطقية كما يفعل ملاحدة اليوتيوب فسوف نقول عن هذه القاعدة إنها مغالطة التعميم لأننا لم نستقرئ جميع المعادن في الأرض وهذا مستحيل. وفي النقاشات المنطقية عملية الاستقراء الناقص لا تفيد اليقين.

في الختام يبقى الإلحاد المنتشر اليوم بين بعض الشباب العرب أشبه ما يكون بالموضة الفكرية، وهو غير قائم على أسس فكرية قوية بل ربما تأثيره لا يقارب تأثير الجانب الإلحادي للشيوعية في القرن الماضي والذي كان يستند إلى بعض المقومات والأسس الفكرية؛ وعلى هذا فإن الإلحاد اليوم قائم بشكل رئيسي على الضجة الإعلامية التي يحاول إحداثها، وهذا أمر مشاهد في مؤتمرات دعاة الإلحاد الجدد في الغرب وعلى خطاهم يحاول الملاحدة العرب الترويج لبضاعتهم الإلحادية بنسخة مكررة ورديئة.

القرآن الكريم في الفكر الحداثي

عبد اللطيف المحيمد *


يمثل الفكر الحداثي أحد الأفكار التي بدأت بالتأثير على الساحة العربية المعاصرة، فهو الفكر الذي أعاد دراسة التراث العربي والإسلامي على أنه مادة قابلة للدراسة الموضوعية بعيداً عن المبادئ والمقدسات الإسلامية، أو الأصول الدينية التي تنظم الحياة الفكرية للمسلمين.

وينظر الحداثيون إلى التراث الإسلامي على أنه تراث مقلوب يمشي على رأسه، ولابد من تعديله لكي يسير على قدميه، وأعلنوا عن نظريتهم المبتدعة في دراسة جديدة للتراث الإسلامي، وهم يحاولون جاهدين نزع الجانب المقدس والإلهي (اللاهوتي) في التراث الإسلامي.

وأن يُنزع التقديس من بعض الأقوال الفقهية للعلماء المسلمين قد يفهم، ومن يفعل ذلك قد يجد له سلفا من علماء الأمة الإسلامية الذين دعوا إلى التحرر من التقليد الأعمى، أما أن يسعى الحداثيون إلى نزع القدسية عن القرآن الكريم فهذا يشكل انقلاباً على المفاهيم الإسلامية، فبناءً على ذلك يكون النص القرآني كأي نص في جريدة أو مادة قانونية وضعت من قبل البشر، فلابد من تسليط الضوء على موقفهم من القرآن الكريم.

تعريف القرآن عند الحداثيين
عرف الحداثيون القرآن الكريم تعريفات متعددة، فعرفه حسن حنفي في كتابه دراسات فلسفية بأنه تجارب الأمم والشعوب على مدى التاريخ، التراكم المعرفي الإنساني الشامل المتحقق مع مراجعة العقل والفطرة وكما تبدو في الحكم والأمثال والمأثورات والآداب الشعبية [ص 103].

وعرفه كذلك في كتابه “دراسات إسلامية” بأنه “مجموعة من المواقف التي طرأت على الواقع الإسلامي الأول والتي استدعت حلولاً وكل موقف يمثل نمطاً مثالياً يمكن أن يتكرر في كل زمان ومكان” [ص 408].

وتناول حنفي القرآن الكريم ضمن مشروعه العلمي الذي وسمه بالتراث والتجديد، فكان لا يتناوله على أنه كتاب منزل من عند الله تعالى، بل على أنه تراث وتاريخ لأمة من الأمم؛ ويقصد بهذا التعريف أن الكتاب وتأويل ما جاء به من أحكام وغيرها ليست ثابتة ومستمرة بل متغيرة حسب الزمان والمكان، وتواكب التطور التشريعي الذي حصل في المجتمعات.

علي حرب

أهمية التأويل المنفلت
القضية الأساسية التي يسعى الحداثيون إلى ترسيخها في أذهان الناس أن كل شيء في النصوص القرآنية يحتمل التأويل، ومن الممكن صرفه عن ظاهره إلى المجاز، وبالتالي نستطيع أن نجعل من الإسلام ديناً مرناً نسقط الكثير من أصوله التي توارثها المسلمون عبر الأجيال، ويستطيع المسلمون من خلال التأويل في كل عصر أن يفصِّلوا إسلاماً يناسب مصالحهم.

يقول علي حرب في كتابه نقد النص: “مع أن مبرر كل مفكر جدير بلقبه أن يمارس التفكير بطريقة مغايرة للذين سبقوه إذا لم يشأ أن يكون مجرد شارح مبسط، أو تابع مقلد، أو حارس مدافع عن العقيدة والحقيقة، والتفكير بصورة مغايرة، يعني: أن نبدل وننسخ، أو نحرف ونحور، أو نزحزح ونقلب، أو ننقب ونكشف، أو نحفر ونفكك، أو نرمم ونطعِّم، أو نفسر ونؤول، فهذه وجوه للتفكير وللقراءة في النصوص لا أزعم أني أقوم بحصرها واستقصائها” [ص 133].

وعلي حرب بهذا النص يهدم كل الضوابط التي وضعها العلماء لاستنباط الأحكام أو تفسير القرآن، وبالتالي لا يوجد نص مقدس منزه عن التأويل، إذ ينظر إلى القرآن على أن التاريخ هو من أسبغ عليه صفة القدسية، لا تنزيله من قبل الله تعالى.

ووضح الحداثيون أنه من خلال التأويل يتم اختراق النص بأفق اجتهادي تجديدي، ومن خلاله نقيم التوازن بين القرآن وبين الواقع المتغير.

وقد استدل نصر حامد أبو زيد على ضرورة التأويل في كتابه “[مفهوم النص، ص 256] وجعله أصلاً، أنه مرادف للتفسير، وأن من السلف من استعملهما بذات المعنى، فالنص القرآني عنده وعند غيره من الحداثيين لا يمكن أن يحتمل معنى واحداً فقط، فهذا النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً لا وجود له في الأرض، وقد يكون موجوداً في السماء، فكل نص قابل للتأويل إلى أكثر من معنى، وفق فهم القارئ له.

محمد أركون

أنسنة القرآن ونزع قدسيته
صرح الحداثيون بأن الحديث عن القرآن الكريم وعن غيره من النصوص متساو، فلا استثناء للقرآن، ولا قدسية للنص القرآني، وقد بنوا على ذلك أنه لا توجد لألفاظ القرآن الكريم معان ثابتة، ولا دلالات ذاتية من الممكن الكشف عنها من خلال اللغة واحتمالاتها، بل التاريخ والواقع الاجتماعي هما من يكشف عن معنى النص، فالنص في نظرهم عبارة عن فضاء دلالي، وإمكان تأويلي، ومأزق القراءة في العقل العربي والإسلامي مرجعه إلى النظرة الأحادية لمعنى ألفاظ القرآن الكريم، فلا حقيقة ثابتة للنص، وبالتالي دراسة القرآن الكريم لابد أن تكون إنسانية تاريخية لا إلهية مقدسة (!)، وما دام النص القرآني إنساني فلا يجوز لإنسان احتكار المعنى الحق أو الصواب، فلكلٍ صوابه وحقه، وهذا ما يعني ضياع المعنى بين المؤولين أياً كانوا!

يقول محمد أركون في كتابه “القرآن من التفسير” إن “التقديس للكتب المقدسة خلع عليها وأسدل بواسطة عدد من الشعائر والطقوس والتلاعبات الفكرية الاستدلالية، ومناهج التفسير المتعلقة بكثير من الظروف المحسوسة المعروفة أو تمكن معرفتها، وأقصد الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية” [ص 26].

وهو لا يستثني القرآن من هذا الكلام، بل يعممه على جميع الكتب المقدسة، إلا أنه يستثنيه في قضية فرعية، وهي أن أسباب تقديس القرآن غطت عليها الظروف السياسية والثقافية والتربوية، بحيث لم تكتشف بعد، ولم يحرف، أو يتلاعب بألفاظه، أو معانيه، على عكس الكتب المقدسة الأخرى، فالنص القرآني قدسيته تاريخية لا إلهية!

نقد النظرة الحداثية
لا شك أن الحداثيين يخالفون جمهور المسلمين وعلماءهم الذين يرون القرآن الكريم كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمعجز بنفسه، والمتعبد بتلاوته، المبدوء بالفاتحة والمختوم بسورة الناس، وأنه نص مقدس لا يجوز التعدي عليه بزيادة أو نقصان أبداً.

وما زال علماء الأمة يركزون على قدسية النص القرآني، ويفهمونه ضمن الضوابط التي وضعها علماء التفسير واللغة، فتفسير الحداثيين للقرآن الكريم يؤصل للتفسير الباطني والمنحرف، والذي يؤدي بدوره إلى ضياع الأحكام الشرعية، حيث يتم تفسيرها تفسيرات بعيدة عن حقيقتها المرادة، فمثل هذه التفاسير هي التي جرأت الفرق الباطنية كالإسماعيلية والدرزية والقاديانية لتحريف معاني القرآن وصرفها عن حقيقتها.

قال المفسر أبو حيان في مقدمته لتفسيره (1/104) مبيناً منهجه المتبع: “وتركتُ أقوال الملحدين الباطنية، المخرجين الألفاظ العربية عن مدلولاتها في اللغة، إلى هذيان افتروه على الله، وعلى علىٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وعلى ذُرِّيته، ويسمونه علم التأويل”.

وقد بين محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون (4/49) خطأ هذا المنهج الذي اتبعه الحداثيون اليوم، واتبعه قبله الفرق الباطنية حيث قال: “ومن هنا بدأ الخروج عن دائرة الرأي المحمود إلى دائرة الرأي المذموم، واستفحل الأمر إلى حد جعل القوم يتسعون في حماية عقائدهم، والترويج لمذاهبهم، بما أخرجوه للناس من تفاسير حملوا فيها كلام الله على وفق أهوائهم، ومقتضى نزعاتهم ونحلهم”.

وفي كلام الحداثيين المنقول مغالطة كبيرة وفهم أعوج، فالتفسير وفي مقابله التأويل لهما ضوابط فصلت في كتب علوم القرآن والتفسير، ولا يجوز لأي قارئ ان يطرح رأيه ويفسر القرآن الكريم على هواه، ولذلك نجد الكثير من العلماء اتبعوا التفسير بالمأثور، ففسروا النص بالنص، ومن عمد إلى التفسير بالرأي فإنه فسره وفق الضوابط والرؤية الإسلامية للنص، ووفق مقاصد الشرع وحدوده، فتأويل الإسلام ينبغي أن يكون تأويلاً منضبطاً لا تأويلاً منفلتاً فوضوياً.


المراجع والمصادر

مفهوم النص، نصر حامد أبو زيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993م.

قضايا في نقد العقل الديني، آركون، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط:1، 1998م.

نقد النص، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

نقد الحقيقة، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

دراسات فلسفية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دراسات إسلامية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

منهج حسن حنفي، فهد بن محمد السرحاني القرشي، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط: 1.

التراث والتجديد، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر، ط: 3، 1987م.

تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، 1422 هـ، 2001م، ط: الأولى، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض.

التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة، د/ط.

* عبد اللطيف المحيمد: باحث في مقارنة الأديان من العراق

خيارات الإسلاميين لتجاوز أزمة الحداثة

عبد السلام بوقدير


أصدر المفكر الجزائري د. عبد الرزاق بلعقروز في عام 2013 كتابه القيم “أزمة الحداثة ورهانات الخطاب الإسلامي”، ووضع في خلاصة نقده للمفكرين العرب الذين حاولوا الخروج من أزمة الخطاب الإسلامي عبر استعارة أدوات ما بعد الحداثة من الغرب، وقدم قراءة واعية لفكر إسماعيل الفاروقي وطه عبد الرحمن باعتبارهما نموذجين ناضجين لتجاوز أزمات الغرب وإحياء الحضارة الإسلامية، مركزا على مسائل الحداثة وأزمة الحقيقة والتعارف والعقلانية والكونية.

يتساءل الكاتب: ما الذى يملكه الخطاب الإسلامى المعاصر من أجل الإسهام فى التحولات المعاصرة؟ وهل يؤسس هذه الخطاب رؤاه الفكرية منفصلا عن خطاب الحداثة وما بعدها؟

ويقول بلعقروز إن مُمكنات الخروج من نفق الطور الحداثي المُظلم، وإصلاح العطب في هذا المشروع لن تكون ممكنة دون إعادة تفعيل التوجيه الديني وقيم الإيمان في بناء الإنسان وملء العالم بالمعنى من جديد، لأنه لا فتوحات ممكنة تلوح سوى بأربعة شروط، وهي:

1- أن يستفتح الإنسان من جديد، من أجل أن يفتح اللّه له، ويعيد ترتيب الصّلة معه، لأن الذات دون إيمان ودون معنويات تنتج أنماط الحياة التي لا تُطاق.

2- أن ينتهي الإنسان عن غيه وظلمه وتخريبه للعالم، أي تدمير المعنى والعالم المحسوس.

3- أن يحذر من السقوط في أزمات المشروع الحداثي الغربي، لأنه لن يثْمر إلا عودة المآزق وفقدان الأمن الوجود ونَسْبنة المعرفة واختزالها في المصلحة، واختلال التوازن القيمي، ومن ثم الوصول إلى العَمى الوجودي والعبث السُّلوكي والتَّخريب للأرض.

4- التَّفكير في الارتقاء إلى مستوى الحدث الحضاري من أجل فهم هذه المشكلة بعمق، أي فهم الحداثة الغربية بعمق والكشف عن الفقر المعنوي والأخلاقي الذي ينخر أساساتها، وإعادة ترتيب سُلّم القيم الضائعة وبلورة نموذج إدراكي جديد للعالم.

ويرى المفكر الجزائري أننا لم نتعامل مع الحداثة في طورها الغربي بشكل ناضج بعد، فنحن فاقدون للرؤية والمنهج والإرادة، كما أننا لم نفهم الحضارة الإسلامية بعمق وشمول حتى نبحث في تراثنا المعنوي والأخلاقي الضخم ونفسّره من جديد.

ويعتبر أن النهضة تبدأ بإعداد قادة في الفكر من أجل إنجاز وظيفة الفهم المزدوج للحضارة الغربية وأسسها بعمق، وفهم الحضارة الإسلامية بعمق أيضا.

ويسعى في كتابه إلى رصد جوانب الاجتهاد في الخطاب الإسلامي المعاصر الساعية إلى بلورة رؤى فاعلة مستقلة عن سياق الحداثة.

ومن مباحث الكتاب المهمة أنه بيّن حدود النظريات التواصلية الغربية التي تأثر بها الفكر العربي المعاصر، وشدد على الحاجة إلى الأخذ بالرؤية التَّعارفية التي اقتبسها من قوله تعالى {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}، مستندا في الأساس إلى المبدأ القرآني لرؤية الإنسان للوجود من خلال التوحيد، فوحدانية الله هي أساس كل شيء، ومن ثم انفصال الذات الإلهية عن الإنسان والعالم المخلوق دون حلول ولا اتحاد، وتأتي بعد ذلك الرؤية التعارفية بناء على مفاهيم: التَّكريم الإنساني {ولقد كرمنا بني آدم}.، ووِحدة الإنسانية (دون تمييز عرقي)، والاختلاف التّكاملي (وليس التفاضلي العنصري).

وفي نقده لأزمة الحقيقة والقيمة، يشرح بلعقروز كيف هيمنت الاتجاهات الارتيابية على الفلسفة الغربية فيما بعد الحداثة، ثم استعرض أفكار إسماعيل الفاروقي التي تتجاوز هذه الاتجاهات وتؤسس الرؤية على وحدة الحقيقة والقيمة والحياة، وتستمدها من وحدانية الله.

أما أزمة العقلانية فقد عرضها المؤلف في فكر محمد أركون، ثم استعرض نقد طه عبد الرحمن لأركون الذي فضح افتتانه بمناهج العلوم الإنسانية الغربية ومحاولته تطبيقها على المعرفة الإسلامية، حتى في نصوصه المقدّسة، حيث كشف طه أن ادعاءات أركون لا ترقى إلى تصورات الفقهاء، ويقول إنه لو كانت مذاهب الفقهاء فعلا امتدادا لتناحُرات السّياسيين لما اختصّت بالوفاء لشروط الاستدلال والبناء النّسقي، فالسّلطة لا تخاطب العقل بل تتوسل العاطفة.

وفي الفصل الخامس والأخير، ينقد المؤلف طرح “الفلسفة الكونية” لدى المثقفين الحداثيين العرب، ويطرح البديل المتمثل في “الفلسفة المقارِنة” التي تدرك العالم بالمعنى الاختلافي، معتبرا أن الفلسفة الكونية تؤدي للانغراس في أنماط فكرية أخرى لا تخرج من عمق معاناتنا ولا تستجيب لمشكلاتنا.

طائفة البهرة.. التأويلات الباطنية للقرآن (3 من 3)

د. سامي عطا حسن


ذهبت الإسماعيلية ومنهم البهرة، إلى أن لكل شيء ظاهر محسوس تأويلا باطنيا لا يعرفه إلا الراسخون في العلم، وهم الأئمة الذي يودعون هذا العلم الباطن السري لدى كبار الدعاة بقدر مخصوص، بل قالوا إن التأويل الباطن من عند الله، خص به علي بن أبي طالب، فكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم خُص بالتنزيل، فكذلك علي كرم الله وجهه خص بالتأويل، واستدلوا على ذلك بقصة نبي الله موسى عليه السلام مع العبد الصالح المذكورة في سورة الكهف، وكيف أن موسى وهو نبي مرسل من أولي العزم، لم يمنحه الله علم الباطن، بينما منح هذا العلم إلى الرجل الصالح وهو ليس بنبي.

وبالرغم من قولهم إن التأويل من عند الله، نراهم مرة أخرى يقولون إن التأويل من خصائص حجة الإمام أو داعي دعاته، ومع ذلك نجد تأويلاتهم تختلف باختلاف شخصية الداعي الذي إليه التأويل، وباختلاف موطنه وزمن وجوده.

فإذا قرأنا تأويلات الداعي منصور اليمن قبل ظهور الدولة الفاطمية بالمغرب، نجد أنها تميل إلى الغلو، ولا تختلف في مضمونها عن تأويلات الفرق الغالية المندثرة، وتأويلات دعاة فارس تختلف عن تأويلات الدعاة الذين كانوا بالقرب من الأئمة بالمغرب، ففيها التأليه الصريح للأئمة، وفيها طرح الفرائض الدينية، فتأويل الصلاة عندهم هو الاتجاه القلبي للإمام، وتأويل الصوم هو عدم إفشاء أسرار الدعوة، وتأويل الحج هو زيارة الإمام. وهكذا ينتهي بهم التأويل في فارس إلى طرح كل أركان الدين، بخلاف ما كان عليه الأمر في المغرب إذ لم يصرحوا بهذه الآراء إلا في كتبهم السرية.

فمثلا قال الداعي بالمغرب في تأويل قوله تعالى: {والفجر وليال عشر والشفع والوتر} إن الفجر هو على بن أبي طالب، وكل إمام بعده. والشفع والوتر هما الحسن والحسين. ولكن الداعي في مصر أول هذه الآية بأن الفجر هو المهدي المنتظر، أي قائم الأئمة وخاتمهم، لأنه يظهر بعد انتشار الضلال، كما أن الفجر يأتي بعد شدة الظلام.

ونقول إن هذه التأويلات فاسدة، لأنها مخالفة لمنطق اللغة، وضوابط التفسير التي أجمع عليها ثقات العلماء والمفسرين، ولا يوافق عليها النقل الصحيح، ولا العقل الصريح، فهؤلاء اعتقدوا أشياء في أذهانهم، وآمنوا بمذاهب وأفكار معينة، وأرادوا إخضاع آيات القرآن لها لتدل على مزاعمهم.

ونظرة إلى تفسير “مزاج التسنيم” لمفسر البهرة السليمانية ضياء الدين إسماعيل بن هبة الله تجد أنه أوَّل العقائد والأسماء والصفات والعبادات وقصص القرآن، فأخذ يقول ما لا يُفهم، أو لا يفهمُ ما يقول.

قال ضياء الدين إسماعيل بن هبة الله الإسماعيلي في تأويل قوله تعالى {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} [سورة الحج: آية 78]: (فأقيموا الصلاة): أي الدعوة إلى الميم (محمد صلى الله عليه وسلم )، (وآتوا الزكاة): سلموا لأمر الفاطر (أي: فاطمة)، (واعتصموا بالله): يعني العين (أي علي)، (هو مولاكم): ولي أمركم في السابق واللاحق، (فنعم المولى): يعني بتدبيره لكم، (ونعم النصير): يعني باحتجابه بكم وإلهامه لكم وإقداركم على ما تريدون في تدبير الخلق.[1]

وقال الداعي إدريس عماد الدين في تأويل قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع}: يعني إذا نودي للصلاة، وهي الدعوة إلى علي، (من يوم الجمعة) أي من محمد الجامع للشرائع، (فاسعوا إلى ذكر الله) أي أطيعوا محمدا في علي، والنص عليه، (وذروا البيع) أي ذروا البيعة لغيره[2].

ولو تتبعنا تأويلات بقية الدعاة للصلاة، لوجدناهم يتلاعبون بآيات القرآن الكريم حسب أهوائهم وأغراضهم، ويتعارضون ويتناقضون في تأويل الشيء الواحد، مع زعمهم المستمر بأن تأويلاتهم مأخوذة عن إمامهم المعصوم.

والله سبحانه حينما أوجب التكاليف على المكلفين لم يستثن منهم الأنبياء، مع أنهم أعلى الخلق درجة، ولو تدبرنا آيات القرآن الكريم لوجدنا أنه كلما ازداد الإنسان قربا من الله سبحانه زيدت عليه التكاليف.

إن الالتزام بالتكاليف هو سبب الكمال، والتخلي عنها هو سبب النقص، وقد بين الله سبحانه في كثير من آيات القرآن أن أصحاب النار وأهلها يوم القيامة هم الذين قد أعفوا أنفسهم من التكاليف، قال تعالى {ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين} [المدثر: 42]، فهذه التأويلات فاسدة لما ينتج عنها من نتائج فاسدة، لأنهم بتأويلاتهم رفعوا التكاليف وتركوا الفرائض والسنن، وهذا وحده كفيل بالحكم على تاويلاتهم بأنها خارجة عن المنهج الإسلامي، ومخالفة لإجماع المسلمين.


الهوامش

[1] – ضياء الدين السليماني: تفسير مزاج التسنيم، ص 260.

[2] – الداعي إدريس عماد الدين: زهر المعاني، ص 15. والآية رقم (9) في سورة الجمعة.

طائفة البهرة.. عقائدهم وعباداتهم (2 من 3)

د. سامي عطا حسن


الحديث عن العقيدة الإسماعيلية ليس سهلا مثل الحديث عن العقائد الثابتة، إذ أن كثيرا من أصول المذهب الإسماعيلي أصبح نظريا فقط، بمجرد أن أصبحت للإسماعيلية دولة سياسية، وتدخلت التنظيمات السياسية في العقيدة، فكيّفتها حسب ما أملته الظروف السياسية.

الآغان خان الرابع
(موقع منظمة آغا خان)

ومن هذه الأصول القول بضرورة وجود إمام معصوم منصوص عليه من نسل محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، والنص على الإمام يكون من الإمام الذي سبقه، ومن الغريب أن أئمة الإسماعيلية أنفسهم لم يحترموا هذا الأصل لا في العصور القديمة ولا في عصرنا الحديث، فالمعز لدين الله الفاطمي نص على ولاية ابنه عبد الله من بعده، ولكن عبد الله توفي في حياة أبيه، فنص المعز مرة أخرى على ولاية ابنه العزيز، فخالف بذلك الأساس الذي قامت عليه الإسماعيلية في أن الإمامة لا تنتقل من أخ إلى أخ، إنما من أب إلى ابن. وفي عصرنا حرم آغاخان الثالث ولديه علي خان وصدر الدين خان من الإمامة، ونص على حفيده كريم وهو الإمام الحالي للطائفة النزارية.

ولا تزال الإمامة هي المحور الذي تدور عليه كل العقائد الإسماعيلية، ذلك أنهم جعلوا ولاية الإمام الركن الأساس لجميع أركان الدين، فدعائم الدين عندهم وعند طائفة البهرة بشقيها هي: الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والولاية. على أن الولاية هي أفضل هذه الدعائم. فإن أطاع الإنسان الله تعالى ورسوله الكريم، وقام بأركان الدين كلها، وعصى الإمام أو كذب به فهو آثم في معصيته، وغير مقبولة منه طاعة الله ورسوله[1].

وحذا البهرة والإسماعيليون عموما حذو الجهمية في نفي أسماء الله تعالى وصفاته، فيقول المفسر الإسماعيلي ضياء الدين السليماني: “الحمد لله المتعالي عن السماء والأسماء، والمتقدس أن يكون له تعالى حد أو رسم”[2].

ويقول حميد الدين الكرماني -أكبر فلاسفة الدعوة الإسماعيلية-: “إن اسم الإلهية لا يقع إلا على المبدع الأول”[3] وهذا المبدع الأول، أو العقل الكلي، هو الذي رمز إليه الله تعالى بالقلم في الآية القرآنية: {ن والقلم وما يسطرون}. وبمعنى آخر: إن ما يقوله المسلمون عن الله سبحانه وتعالى خلعه الإسماعيلية على العقل الكلي، فهو الإله عند الإسماعيلية، وإذا ذكر الله عند الإسماعيلية فالمقصود هو العقل الكلي. إذا عرفنا ذلك، استطعنا أن نقول إنهم لم يأتوا بهذه الآراء الفلسفية عبثا، بل جاؤوا بها لإسباغ صفة خاصة على الإمام، ذلك بأنهم ذهبوا إلى أن العقل الكلي في العالم العلوي يقابله الإمام في العالم الجسماني، ومعنى هذا عندهم أن كل الأسماء والصفات التي خلعت على العقل الكلي، هي أيضا صفات وأسماء للإمام، لأن الإمام مثل للعقل الكلي [انظر مقال الغنوصية].

لذا قال الشاعر الإسماعيلي ابن هانئ الأندلسي في مدح المعز لدين الله الفاطمي:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار   …..  فاحكم فأنت الواحد القهار

وقال الشاعر أبو الحسن الأخفش في مدح الآمر بأحكام الله:

بشر في العين إلا أنه …    عن طريق العقل نور وهدى

جل أن تدركه أعيننا   ….   وتعالى أن نراه جسدا

ندرك الأفكار فيه بانيا ….    كاد من إجلاله أن يعبدا

وتعتقد طائفة البهرة كبقية الشيعة أن الإمامة من حق علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأنها اغتصبت منه، ويقولون في إحدى رسائلهم: “إن الأمة لما افتتنت بعد نبيها، وأشهرت كل طائفة منهم سيفها، وقال بعضهم: منا أمير، ومنكم أمير، قال كبيرهم -يقصدون أبا بكر رضي الله عنه- في أول قعوده: وليت عليكم ولست بخيركم.. وقال صاحبه عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرها. وأقر أبو بكر على نفسه بالشك، فقال: إني وددت لو أني سألت رسول الله لمن هذا الأمر من بعده، والإمام الحق لا يشك في نفسه، ولا يرجع عن أمره، ولا يندم أنه غصب على حقه، بل يثبت مستمرا على شأنه، مفصحا عن محله ومكانه، هاديا مهديا، متبوئا من العصمة مكانا عليا كما فعل علي”[4].

داعي البهرة يلقي درسا على أتباعه
[NoorAlavi/wikimedia]

وتعتقد طائفة البهرة كبقية الإسماعيليين بوجود إمام يعيش في الخفاء ولا يخلو زمان من الأئمة المستترين، بينما يقوم الداعي المطلق بالدعوة العلنية نيابة عن الإمام، والإشراف الروحي على الطائفة، وهو مصدر السلطات التي يحتكم إليها أتباع الطائفة في جميع شئونهم.

ومن الواجبات المحتمة عندهم سجودهم لداعيهم، ومما يؤيد إصرار الداعي على سجود أفراد طائفته له، تلك المرثية التي رثى بها الداعي الحالي لطائفة البهرة الداؤودية  الدكتور محمد برهان الدين والده الداعي السابق (طاهر سيف الدين)  حيث يقول:

سجدت له دأبا وأسجد دائما  ….    لدى قبره مستمتعا للرغائب

وعقيدتهم في الظاهر لا تختلف عن عقائد المسلمين، أما عقيدتهم في الباطن فهي بعيدة كل البعد عن عقيدة أهل السنة والجماعة. فهم مثلا يؤدون الصلاة كما يؤديها المسلمون، وإن كانوا لا يصلونها إلا في “الجامع خانة” وهي أماكن العبادة الخاصة بهم، وقد لاحظت ذلك من خلال مراقبتهم في المسجد النبوي، ومسجد الحسين بالقاهرة، إذ كانوا يأتون للمسجدين بعد صلاة العصر زرافات ووحدانا، وقبيل أذان المغرب يتسللون لواذا، وإذا اضطروا إلى الصلاة مع أهل السنة فإنهم يصلون بنية الإفراد أو الإعادة، ولا يصلون الجماعة إلا بوجود إمام معين من قبل الداعي، كما لا يصلون الجمعة بحجة عدم وجود إمام عادل.

ولهم صلوات عديدة مثل: صلاة ليلة السابع عشر من شهر رجب، وعدد ركعاتها اثنتين وعشرين ركعة، وصلاة ليلة الخامس عشر من شهر شعبان وعدد ركعاتها أربع عشرة ركعة، وصلاة ليلة الثالث والعشرين من رمضان وعدد ركعاتها اثنتي عشرة ركعة، يرددون فيها: يا علياه سبعين مرة، ويا فاطمتاه مئة مرة، ويا حسناه مئة مرة، ويا حسيناه تسعمائة وسبع وتسعين مرة.

ويذهبون إلى مكة لتأدية الحج في موسمه، شأنهم في ذلك شأن جميع المسلمين، ولكنهم يقولون إن الكعبة التي يطوف حولها الحجيج هي رمز للإمام.

ولا يقبل الحج إلا إذا كان بصحبة الداعي أو من ينيبه من الدعاة، وغالبا ما يخالفون أهل السنة والجماعة في وقت الوقوف بعرفة، فإما أن يتقدموا عليهم يوما أو يتأخروا يوما، اعتمادا على حساباتهم الفلكية الخاصة. وإذا لم يتمكن البهرة من الوقوف بعرفة على وفق حساباتهم، فإنهم يقلبون حجهم إلى عمرة.. هذا في الظاهر.. أما في الباطن فهم يؤولون فريضة الحج تأويلا فاسدا كبقية الإسماعيليين. يقول السجستاني (أحد دعاتهم): “حج البيت هو: قصد إمام الزمان، مفترض الطاعة، والغرض من حج البيت معرفة الأئمة، والمراد من الزاد والراحلة في الحج: هو العلوم، ودليل معرفة الإمام. والإحرام هو اعتقاد معرفة الإمام”[5].

أما الصيام فيؤولونه تأويلا باطنيا. يقول الداعي الإسماعيلي السجستاني: “الصوم هو الصمت بين أهل الظاهر، وصوم شهر رمضان هو ستر مرتبة القائم، ومن شهد منكم الشهر فليصمه، أي: من أدرك زمان الإمام فليلزم الصمت”[6].

وكذلك بقية العبادات وإن عملوا بظاهرها أحيانا، فإن هذا العمل مؤقت بظهور القائم، فإذا ظهر القائم “تخلص المؤمنون من الستر والكتمان، وقدروا على كشف مذاهبهم، وجب رفع هذه الشريعة التي هي سمة الستر والكتمان”[7].


الهوامش

[1] – انظر: د. محمد كامل حسين: طائفة الإسماعيلية، ص 147-156. باختصار.

[2] – ضياء الدين السليماني: تفسير مزاج التسنيم، ص/ 5.

[3] – الكرماني: راحة العقل، ص 195.

[4] – الهداية الآمرية في إبطال دعوى النزارية: تصحيح آصف بن علي أصغر فيضي، ص 10-11.

[5] – الداعي الإسماعيلي السجستاني: الإفتخار، ص 149.

[6] – السجستاني: الإفتخار، ص 126-127.

[7] – السجستاني: إثبات النبوات، ص 182.

طائفة البهرة.. مقدمة تاريخية (1 من 3)

د. سامي عطا حسن


انقسمت الشيعة إلى ثلاث فرق رئيسة هي: الزيدية، والكيسانية، والإمامية، وأتباع جميع هذه الفرق متفقون على أن الإمامة لا تخرج عن أولاد علي كرم الله وجهه وأحفاده، وإن خرجت فبظلم من غيرهم، أو بتقية منهم، والإمامة عندهم لا تناط باختيار العامة، إنما هي قضية أصولية، تنصيصية (ينص السابق على اللاحق)، تعيينية.

أما الزيدية فتنسب للإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ت122هـ)، وقد انقسمت إلى ست فرق، وقيل: ثماني فرق، وقيل: عشر فرق، ويقال: إنهم قريبون إلى أهل السنة والجماعة.

وأما الكيسانية فتقول إن الإمامة ذهبت إلى محمد بن الحنفية بن علي بالاستدلال، لأن علي كرم الله وجهه دفع إليه الراية يوم موقعة الجمل، وقيل: بالوصية. وهناك من نسبها إلى كيسان –صاحب شرطة المختار الثقفي- ومنهم من نسبها إلى المختار الثقفي نفسه، والراجح أنها منسوبة إلى كيسان مولى علي بن أبي طالب.

وأما الإمامية فساقوا الإمامة إلى الحسن بن علي، فالحسين بن علي، فالإمام علي بن زين العابدين، ثم محمد الباقر، ثم جعفر الصادق، وهنا تفرقوا إلى فرقتين:
الفرقة الأولى: ساقت الإمامة إلى موسى الكاظم، فالإمام علي الرضا، فالإمام محمد الجواد، فالإمام علي الهادي، فالإمام الحسن العسكري، فالإمام الثاني عشر الغائب محمد بن الحسن العسكري، وهذه الفرقة تسمى بالإمامية الاثني عشرية، أو الجعفرية، أو الكاظمية، أو الموسوية، ويسمون في جنوب لبنان بالمتاولة، أي المتأولة.

الفرقة الثانية: قالت بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق بدلا عن موسى الكاظم، وهو الإمام السابع عندهم، فيسمون لذلك بالإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق.

وانشقت الإسماعيلية إلى فرقتين كذلك: الأولى نادت بإمامة مبارك مولى إسماعيل فسموا بالمباركية، وعنهم انشقت فرقة الخطابية الغالية. والثانية ساقت الإمامة من محمد بن إسماعيل إلى الحاكم بأمر الله الفاطمي، وهنا أوقفت طائفة الدروز الإمامة عند الحاكم بأمر الله وقالوا برجعته، وساق بقية الإسماعيليين الإمامة إلى المستنصر بالله، وهنا انشقوا بدورهم إلى فرقتين هما:
1 – الإسماعيلية النزارية (الإسماعيلية الشرقية): أتباع آغا خان حاليا، وهم الذين اعتقدوا بإمامة نزار بن المستنصر، وطعنوا في إمامة المستعلي أحمد بن المستنصر وقد نقل كبير دعاتهم الحسن بن الصباح الدعوة إلى فارس وكوّن دولة النزارية، التي عرفت باسم دولة الحشاشين.

2 – الإسماعيلية المستعلية (الاسماعيلية الغربية): وهم الذين قالوا بإمامة أحمد بن المستنصر (المستعلي)، ويعرفون باسم البهرة، وقد انشقوا كذلك إلى فرقتين هما: البهرة الداوودية، والبهرة السليمانية.

درس من دروس البهرة في الهند [alavibohra.org]

نشأة البهرة

ذكرنا أن طائفة البهرة هي الطائفة التي نادت بإمامة أحمد بن المستنصر الملقب بالمستعلي، وولي إمامة الإسماعيلية بعد المستعلي ولده أبو علي المنصور[1]. ونقل أبو المحاسن عن الذهبي قوله فيه: “كان رافضيا كآبائه، فاسقا، ظالما، جبارا، متظاهرا بالمنكر، واللهو، ذا كبر وجبروت”[2].

قتله النزاريون على الجسر إلى الجزيرة في القاهرة ، ولم يترك خلفا له، على قول أكثر المؤرخين، ولكن الإسماعيلية المستعلية ينكرون هذا ويقولون: إنه ولد له ولد أسماه: الطيب، وكناه: بأبي القاسم، وجعل الإمامة فيه.

وانقرضت الدولة الصليحية في سنة 511هـ، ولم يقم أتباع الدعوة الطيبية بأي نشاط سياسي بعد ذلك، بل ركنوا إلى التجارة، وعاشوا في محيط خاص بهم، وكان كثير منهم يتخذ التقية فلا يظهر إسماعيليته بالرغم من وجود داعية لهم ينوب عن إمامهم المستور في تصريف أمورهم الدينية.

وقد هيأت التجارة التقليدية بين اليمن والهند فرصة لنشر الدعوة الإسماعيلية الطيبية في الهند، ولا سيما في ولاية جوجرات جنوب بومبي، وأقبل جماعة من الهندوس على اعتناق هذه الدعوة حتى كثر عددهم هناك، وعرفت الدعوة بينهم باسم البهرة، وهي كلمة هندية قديمة معناها التاجر[3].

واستمرت الدعوة المستعلية في اليمن تشرف على أتباعها في جوجرات، إلى أن اضطرت الدعوة الإسماعيلية الدخول في دور الستر مرة أخرى، وظهرت سلسلة طويلة من الدعاة المستورين، حتى كانت سنة 999هـ/1591م وإثر وفاة داود بن عجب شاه الداعي السادس والعشرين في سلسلة دعاة دور الستر، حيث انتخب بهرة جوجرات داود برهان الدين بن قطب شاه خلفا له (1021- 1030هـ) وعرف أتباعه بالداودية، وداعيتهم الآن هو د. محمد برهان الدين بن طاهر سيف الدين، ويعد الداعي الثاني والخمسين ويقيم في مدينة بومباي بالهند. وهو برتبة الداعي المطلق، وصاحبها يتمتع بنفس الصفات التي كان يوصف بها أئمة الإسماعيلية، على أنها صفات مكتسبة وليست ذاتية.

يوسف نور الدين صاحب أحد أئمة البهرة

ومنصب الداعي ليس وراثيا كالإمامة بل مكتسب، إلا أن الدعاة المتأخرين لم يلتزموا بهذه التعاليم، فادعوا لأنفسهم العصمة كالأئمة سواء بسواء، وجعلوا منصب الداعي وراثيا في أبناء الداعي المهيمن على طائفة البهرة الداودية، بينما عارض بهرة اليمن ذلك، وعاضدوا رجلا آخر يدعى سليمان بن الحسن الهندي 1005- 1050هـ، وكان مقيما في أحمد أباد في الهند، مدعين أن داود بن عجب شاه عهد إليه بالدعوة بوصية منه، فانتقلت البهرة السليمانية إلى اليمن ثم تولى الدعوة من بعده أخوه علي الذي ألف كتبا كثيرة وانتقل بالدعوة مرة أخرى إلى الهند، وقبل وفاته سنة 1088هـ أوصى بإمامة الدعوة إلى إبراهيم بن محمد الفهد المكرمي فرجعت الدعوة إلى اليمن، واستقر الداعي في بلدة طيبة وعهد بالدعوة إلى حفيده محمد بن اسماعيل الذي حصلت بينه وبين طائفة الزيدية حروب هزم فيها، فخرج إلى القنفذة يريد الهرب إلى الهند، إلا أن إسماعيلية قبيلة يام في نجران وعدوه بالحماية، فذهب إلى نجران وسكن بلدة بناها أسماها الجمعة، وظلت مركزا للبهرة السليمانية الذين يعرفون بالمكارمة. وداعيتهم الآن هو الداعي حسين بن إسماعيل المكرمي.


الهوامش

[1]  للمقريزي: الخطط، ج2/ ص 290.

[2]  النويري: النجوم الزاهرة، ج5/ ص 170.

[3] د. محمد كامل حسين: طائفة الإسماعيلية، ص 50-51،   باختصار. وانظر: د. أيمن فؤاد سيد: تاريخ المذاهب الدينية في بلاد اليمن، ص 152-206.

كيف يصحح التوحيد كل المفاهيم؟

إبراهيم إسماعيل


يعتقد المسلمون أن جميع الأنبياء كانوا من حملة رسالة التوحيد، وأن أول من نزل بالتوحيد هو أبو البشرية آدم عليه السلام، واجتمعت كل دعوات الأنبياء على هدف واحد، وهو هداية البشر إلى التوحيد، وهو ما ذكرته الآية الكريمة: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}.

ويعتقد المسلمون كذلك أن القول بالتوحيد يتفق مع المنطق الضروري، ذلك أن وجود إلهين أو أكثر يعني عدم انتظام في مسيرة الكون، لأن كل إله سيسعى للانفراد بما خلق، وكل واحد منهم سيسعى للعلو على غيره، وهذا من الأمور المستحيلة التي نبه لها القرآن بقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}، ولن يكون للإلهة  المتعددة أي جدوى للإنسان إن لم يجهزْ أحدهم على بقيتهم أو يخضعهم لإرادته، فلا بد من توفر صفة الأعلى في الإله، لأنه لا يمثل الخير الأسمى والسلطة العليا والمبدأ الأخير غير مصدر مطلق، منه البداية وإليه المنتهى.

أما سلطة إله خاضع لغيره، أو إله معه آلهة أخرى، فهي موضع شك على الدوام، وهو مما يفسد انتظام الكون، وبذلك أشارت الآية الكريمة: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَـةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}. لذلك فليس بمقدور الكون أن يطيع سيدين، ولا أن يعمل بانتظام سنني ويكون على هذا التناغم الذى هو عليه، لو كان في الوجود أكثر من مصدر نهائي واحد تتلقى الموجودات المخلوقة منه أمرها[1]، لذلك يرفض الإسلام الألوهية في أشكالها التعددية والتثنوية، ويرفض الشرك والوثنية، وتنص شهادة الإيمان في الإسلام على التوحيد الذي أصبح رمز الدين الإسلامي وشعاره والعلامة المميزة للمسلم من غير المسلم”[2].

تمثال عملاق لأحد آلهة الهندوس في ماليزيا

يعتبر الإسلام أن الإنسان مفطور على التوحيد، وأن الشرك بكل صوره وتجلياته ومظاهره نتاج نظم فاسدة في التربية، وفعل التأويل والتاريخ[3]، فالوثنية والإشراك نهج خاطئ منحرف، وهو رغم ذلك لم يمنع الاعتراف النهائي بفكرة الألوهية {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}[4]، ذلك أن الوثنية تتوسل بآلهتها الصغرى، وترتقب الخير من التعلق بها -بوصفها ذات صلة خاصة بالإله الكبير- ولذلك يعتبر هؤلاء أن الشركاء شفعاء! والقرآن الكريم ينفى أن يكون لأحد عند الله شأن من هذا القبيل: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون*قل لله الشفاعة جميعا}[5]، لذلك رفع الإسلام من شأن التوحيد حتى جعل كلمة التوحيد أعلى شعب الإيمان، وبين أن الأمر كله بيد الله، فالله وحده هو الضار النافع، الذي يخذل أو ينصر، ويعطي أو يمنع، وليس لأحد بعده تعقيب على حكمه، وليس من شأن ملك في السماء أو نبي في الأرض التدخل في مشيئة الله.

ويرى علماء المسلمين أن التوحيد هو أول دافع للبشر نحو الإيمان، فأغلب الذين كفروا بالألوهية إنما كفروا بها على أنها أصنام أو أبقار أو تثاليث مبهمة، والكفر بالآلهة الخرافية جزء من حقيقة التوحيد، ذلك أن كلمة التوحيد تتألَّف من جزء سالب “لا إله” وجزء موجب “إلا الله”، فإنكار ألوهية البشر والحجر وما إلى ذلك نصف الحق، وكان يجب الاقتناع بالألوهية الصحيحة لتتم العقيدة الصادقة[6].

ويقرر علماء المسلمين أن التوحيد يمنح أتباعه نظرة صحيحة تجاه الله والكون والإنسان والسلوك البشري، ذلك أن القول بغير التوحيد يخلق نظرة مشوشة تضطرب فيها تصرفات الإنسان، وعلاقته مع غيره، وتفصيل ذلك في التالي:

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الله
يوضح إسماعيل راجي الفاروقي دور التوحيد في تصحيح نظرة الإنسان للإله، فيرى أن القول بالتوحيد يعني أن هنالك جنسين منفصلين، الله وغير الله، الخالق والمخلوق، في المرتبة الأولى لا يوجد سوى الله، لا شبيه له، وهو باق إلى الأبد، وفي المرتبة الثانية يوجد المكان، الزمان، الخبرة، الخليقة. والمرتبتان من خالق ومخلوق مختلفتان غاية الاختلاف من حيث طبيعة وجودهما كما من حيث كونهما ومساراتهما، ومن المستحيل قطعاً أن يتحد الواحد بالآخر أو يذوب فيه أو يتداخل أو ينتشر فيه، ولا يمكن للخالق أن يتحول وجودياً ليصبح المخلوق، كما لا يمكن للمخلوق أن يتسامى ليصبح الخالق بأي شكل أو معنى[7].

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الكون والطبيعة
الطبيعة وما أودعها الله من موارد، جعلها مذللة للإنسان ليستخدمها ويستفيد منها، والقول بغير التوحيد قد يبدل الحال، فيجعل الإنسان خاضعاً للطبيعة وبعض محتوياتها، فتتعطل بذلك الطاقات التي كان الأصل بها أن تستثمر، ويضرب سعيد حوى مثالاً لذلك بتقديس المرء للأبقار، حيث لا يستفاد من لحمها ولا لبنها، وتعيش هي على حسابه فلا يتعرض لها، وفي سنوات القحط بدلاً من أن تكون عاملاً من عوامل سد الفاقة، فإنها تزيد من مشاكل الجوعى بالأكل من محاصيلهم دون أن يعترض أحد، وبهذه النظرة المختلة يبدو أن البشر تحوّل إلى مسخّر لخدمة البقر لا العكس[8].

ويلاحظ محمد خليفة حسن أن التقدم الفكري للإنسان عامل مهم في تحول نظرته للطبيعة، فكلما فهم الإنسان الطبيعة قلت درجة قداستها واحتلت وضعها الطبيعي في الفكر الديني[9].

وهذا الرأي قال به أيضا كافين رايلي مؤلف كتاب «الغرب والعالم»، إذ يشير إلى أن نظرة الغرب للطبيعة وربطها بالمجتمع الصناعي، سبقها نظرة لاهوتية، وينقل عن أرنولد توينبي أن التوحيد مثل نهياً عن الأشكال القديمة لعبادة الطبيعة، وأن التسليم بالتوحيد اقتضى بالضرورة تحول الإنسان من عبادة الطبيعة إلى تسخيرها واستغلالها، وقبل التوحيد لم تكن الطبيعة كنزا من الثروات بل كانت آلهة بصور مختلفة[10].

وشبيه بذلك ما تحدث به الفاروقي في كتابه «أطلس الحضارة الإسلامية»، حيث أفرد فصلاً تحدث فيه عن نظام الطبيعة[11].

لوحة تخيلية للصلب من القرن السادس عشر

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الإنسان
إن النظرة للإنسان بعيداً عن التوحيد تخلق مشكلة مزدوجة، ذلك أنها تعلي من مقام بعض البشر وتصل بهم إلى القداسة، وتضع من قيمة بعضهم حتى تصل بهم إلى النجاسة، ويمثِّل إسماعيل راجي الفاروقي لذلك بالمسيحية التي حطّت من قدر الإنسان بدعوى الخطيئة الأصلية، واعتبرته كائناً هابطاً، لدرجة أن تصحيح هذه الخطيئة يستلزم موت الإله على الصليب، وكذلك صنفت الهندوسية البشر في طوائف اجتماعية منغلقة، ووضعت أغلبية البشر في أدنى الطوائف في طبقة المنبوذين أو الملوثين من الوجهة الدينية، ولا مجال أمام الطبقة الدنيا والملوثة للارتقاء إلى مصاف طبقة البراهمن المحظوظة السامية في هذه الحياة الدنيا، فمثل هذا الانتقال ممكن فحسب عبر تناسخ الأرواح بعد الموت، أما في هذه الحياة الدنيا فلا مفر من أن ينتمى الإنسان للطائفة التي ولد فيها، وكذلك ذهبت البوذية إلى القول بأن حياة البشر وكل الكائنات الأخرى عبارة عن معاناة وبؤس دائمين، بل إن الوجود ذاته شر، وواجب الإنسان  الوحيد الذى له معنى هو سعيه إلى التخلص منه عبر الانضباط والجهد العقلي.

ويقابل البشر المستحقرين في هذه الديانات، بشر مقدسون، وصلت القداسة ببعضهم حد التأليه، وفي هذا التفاوت في قيمة الإنسان كانت إنسانية التوحيد وحدها –كما يؤكد الفاروقي- هي الأصيلة، التي تحترم الإنسان بصفته إنساناً مخلوقاً، دون تأليه أو تحقير، وهى الوحيدة التي تحدد قيمة الإنسان بمناقبه، وتبدأ تقييمها له من نقطة إيجابية لتسليمها باستواء الفطرة التي فطر الله كل البشر عليها، لإعدادهم للقيام بمهمتهم النبيلة، وهى الوحيدة التي تحدد  فضائل ومثاليات الحياة الإنسانية بمحتوى مماثل للحياة الفطرية، وليس بالتنكر لها، مما يجعل إنسانيتها غير زاهدة في الحياة وأخلاقية في آن واحد[12].

لقد أهدرت النظرة غير التوحيدية قيمة الإنسان وطاقاته، وجعلت شعباً من البشر مسخّراً كله لخدمة فرد منه، كما حصل مع فرعون مثلاً، لذلك كانت غاية رسالة التوحيد -كما لخصها الصحابي ربعي بن عامر-  إخراج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد.

التوحيد وتصحيح النظر في السلوك البشري
هناك قواسم مشتركة بين البشر وهي: وحدة الإله ووحدة الدين، ووحدة البشرية، ووحدة الغاية من الوجود، فالله خلق البشر في أحسن تقويم لعبادته، والتوحيد هو عقيدة البشر منذ بداية الخليقة، والبشر إخوة يعودون إلى أصل واحد هو آدم وحواء عليهما السلام، فهناك درجة من القرابة تربط البشرية ببعضها البعض مهما اختلفت ألوانهم ولغاتهم وثقافاتهم وأديانهم، وهذه الاختلافات أملتها البيئات المتنوعة واختلاف الأمكنة والأزمنة والمناخ[13]، وبذلك فالإنسان الآخر هو أخ للمسلم في الإنسانية، وهو مشروع موحِّد في أي لحظة قد يقرر فيها خلع الشرك والوثنية، لذلك كانت الأخلاق في الإسلام متعدية كما قال تعالى {لا يجرمنكم شنئان قوم الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى}، وذلك بعكس بعض الديانات التي قصرت الأخلاق الحسنة على أتباعها، وجعلت من جماعتها جماعة مميزة عن بقية البشر، كزعم اليهود أنهم شعب الله المختار، فلم يربط الإسلام مبدأ المساواة بثقافة أو حضارة بعينها، فالمبادئ الأخلاقية التكوينية للإنسانية في المنظور الإسلامي ثابتة ومسلم بها لأي إنسان حتى لو كان  منتمياً إلى دين غير الإسلام، أو إلى حضارة أخرى، أو حتى لو كان عبداً رقيقاً نتيجة تبعات فعل قومه في التاريخ[14]، فدين التوحيد لا يفاضل بين البشر إلا من خلال أعمالهم ومكتسبات أيديهم.

لقد أعاد الإسلام للبشرية مبدأ التوحيد بعد أن أوشك على الذبول والتلاشي تحت وطأة المسيحية الرومانية الشاردة عن أصولها الصحيحة[15]، ولم يبق إلا الإسلام كمعبِّر حقيقي عن التوحيد الكامل، فاليهودية قبلت التعدد عندما خصصت الإله الواحد لبني إسرائيل وسمحت به لغيرهم، كما غيرت المسيحية التوحيد تغييراً جذرياً من خلال عق��دة التثليث[16].


 

[1] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. ترجمة السيد عمر، القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية 2014، ص65

[2] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، دار الثقافة العربية: 2002 ص283

[3] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص17

[4] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان، الدوحة: دار الثقافة، الطبعة الأولى 1985، ص94

[5] محمد الغزالي، الاستعمار أطماع وأحقاد، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة الرابعة2005، ص128

[6] محمد الغزالي، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة الثالثة 2005، ص91

[7] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية، ترجمة: عبد الواحد لؤلؤة. الرياض: مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى 1998ص132

[8] سعيد حوى، الرسول، القاهرة: دار السلام، الطبعة الثانية 1990، ص370

[9] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، مرجع سابق، ص 34-35

[10] كافين رايلي، الغرب والعالم، ترجمة: عبد الوهاب المسيري وهدى حجازي، القسم الأول، من إصدارات عالم المعرفة 1985 ص 250-251

[11] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية. مرجع سابق ص 451.

[12] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص128-129

[13] انظر: محمد خليفة حسن، الحوار منهجاً وثقافة. من مطبوعات وزارة الأوقاف القطرية، الطبعة الأولى 2008 ص117

[14] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص149

[15] محمد الغزالي، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة السادسة 2005، ص100

[16] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، مرجع سابق، ص246-247

البهائية وتأويلاتها الباطنية للقرآن الكريم (2 من 2)

د. سامي عطا حسن


بنت البهائية قواعد مبادئها -كغيرها من الفرق الباطنية الغالية- على التأويل الباطني، فأولوا “النبأ العظيم” في قوله تعالى “عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ” [النبأ: 1-5] بأنه ظهور البهاء وظهور دعوته التي سيختلف فيها الناس[1].

بينما تؤولها طائفة الإسماعيلية تأويلا مغايرا، فقال الداعي الإسماعيلي جعفر بن منصور اليمن: “المراد بالنبأ العظيم: صاحب الزمان –الناطق السابع محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق- مستجاب أهل السموات والأرض إذا نزلت بهم نازلة”[2]، وهل كان مشركو مكة مختلفين في أمر علي كرم الله وجهه وأمر البهاء، أم في أمر البعث والجزاء كما دلت على ذلك الآيات التالية من السورة؟ ثم إن هذا التأويل المتناقض للفرق الباطنية يدل على أن كل طائفة تؤول بما شاء لها الهوى، كما يدل على أن البهائية ليست إلا امتدادا للباطنية القدامى، الذين لا يؤمنون بقرآن، ولا سنة، ولا دين، وإنما يتخذون من تأويل النصوص معاول لهدم الإسلام.

وأولوا الخروج في قوله تعالى: “واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب. يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج” [ق: 41-42] فقالوا: إن المراد بالخروج: خروج البهاء[3].

وفي تأويله لآيات من سورة الانفطار قال البهائي أحمد حمدي آل محمد: “إذا السماء انفطرت”: أي سماء الأديان انشقت، “وإذا الكواكب انتثرت” أي رجال الدين لم يبق لهم أثر.

“وإذا البحار فجرت”: أي فتحت القنوات كقناة السويس التي وصلت بين البحرين، “وإذا القبور بعثرت”: أي فتحت قبور الآشوريين، والفراعنة، والكلدانيين، لأجل دراستها[4]. وهذا مخالف لتأويل البهاء نفسه، إذ قال في تأويلها: “إن المقصود هنا سماء الأديان التي ترتفع في كل ظهور، ثم تنشق وتنفطر في الظهور الذي يأتي بعده، أي: أنها تصير باطلة منسوخة”[5]، بينما أولها الداعي الإسماعيلي أحمد حميد الدين الكرماني بقوله:”إذا السماء انفطرت“: قالوا في التفسير أي أهل الظاهر: انشقت، ونقول: أي أهل الباطن تبطل أحكام الشرائع. “وإذا الكواكب انتثرت” أي تبطل مقامات الحدود في دين الله”.

ألا تعطي هذه التأويلات المتناقضة صورة واضحة لمنهج الباطنيين المعوج في التلاعب بآيات القرآن حسب أهوائهم، فليس لتأويلاتهم قواعد ثابتة، أو أصول راسخة، مع زعمهم أنهم يأخذون عن المعصوم، كما أنهم لم يلتزموا بقواعد التفسير أو التأويل التي اتفق عليها العلماء الثقات. ثم إن الآيات السابقة لا تؤيد مدعاهم، فقد افتتحت السورة بتوقيت يوم الحساب بأشراط وعلامات كاختلال نظام العوالم، ثم وعظت المشركين ولفتت أنظارهم إلى ضرورة النظر في الأسباب التي حرفتهم عن التوحيد، وأبطلت دعاوى المشركين المنكرين للبعث والجزاء، وخلصت إلى بيان جزاء الأعمال الصالحة بإيجاز، وأطنبت ببيان جزاء الأعمال الفاجرة، لأن مقام التهويل يقتضي الإطناب فيه، ثم آيسهم من أن يملك أحد لأحد نفعا، أو ضرا، وأن الأمر يومئذ كله لله تعالى، فليس في السورة ما زعموه بتأويلاتهم الباطلة، التي لا سند لها سوى الهوى الآثم، والكذب والافتراء على الله.

ميرزا حسين الملقب بالبهاء

وانظر تأويل البهائية لآيات من سورة التكوير إذ قال البهائي أحمد حمدي آل محمد في تأويلها “إذا الشمس كورت“: أي ذهب ضوؤها. “وإذا النجوم انكدرت“: أي أن الشريعة الإسلامية ذهب زمانها، واستبدلت بشريعة أخرى. “وإذا الجبال سيرت“: أي ظهرت الدساتير الحديثة. “وإذا العشار عطلت“: أي استعيض عنها بالقطارات. “وإذا البحار سجرت“: أي أنشئت فيها البواخر. “وإذا النفوس زوجت“: أي اجتمع اليهود، والنصارى والمجوس على دين واحد فامتزجوا، وهو دين الميرزا حسين الملقب بالبهاء. “وإذا الموؤدة سئلت”: وهي الجنين يسقط هذه الأيام فيموت، فيسأل عنه من قبل القوانين لأنها تمنع الإجهاض. “وإذا الصحف نشرت“: أي كثرت الجرائد والمجلات. “وإذا السماء كشطت”: أي انقشعت الشريعة الإسلامية ولم يعد أحد يستظل بها، وعطلت أحكامها. “وإذا الجحيم سعرت“: لمن عارض البهاء. “وإذا الجنة أزلفت“: أي لأتباعه المؤمنين من البهائيين[6]“.

بينما أولها الداعي الإسماعيلي أحمد حميد الدين الكرماني بقوله:”إذا الشمس كورت” أي: ذهبت آثار شرائع الأنبياء، التي هي كالضوء من الشمس. “وإذا النجوم انكدرت” أي: تسقط مراتب الحدود حتى لا يبقى لها أثر. “وإذا الجبال سيرت” أي: استخدم الجبارين في الأرض، فيكونون كلهم طائعين لصاحب القيامة. “وإذا العشار عطلت” أي: أبطل التعليم بإزالة الحدود من رتبهم.

وإذا الوحوش حشرت” أي: جمع من على وجه الأرض على الطاعة. “وإذا البحار سجرت” أي: أقيمت حدود ظاهر الشريعة، وأعيد ما كان محذوفا منها من كلام المبتدعين والأبالسة، ويكون ذلك في الوقت المعلوم. “وإذا النفوس زوجت” أي: وجمع كل إلى قرينه وشبيهه من المنافقين والمجرمين. “وإذا االموءودة سئلت بأي ذنب قتلت” أي وسئلوا بأي حجة أخر من أخر من حدود الله عن مراتبهم، وقدم عليهم غيرهم. “وإذا السماء كشطت“: أي محي ذكر أئمة الضلال من القلوب، بإبطال دورهم. “وإذا الجحيم سعرت“: أي أقيمت آية وعيد الله للمعاندين لأمره من حجة صاحب القيامة. “وإذا الجنة أزلفت”: أي أقيمت موائد الله للمتقين في الدنيا والآخرة.

وفي الحقيقة لا نجد في هذا التأويل سوى سخافة وهذيان من ورائه نحل ضالة تحارب الإسلام، وتعمل جاهدة للتشويش على عقائد المسلمين. ثم إن الآيات التي حملوها ما لا تحتمل، فقد “ذكر فيها وقت قيام الساعة، وعلامات حضورها، والبعث، والحساب، والجزاء، وإثبات أن القرآن الذي أنذرهم بذلك وكذبوه، هو كتاب من عند الله، وتبرئة النبي صلى الله عليه وسلم من بعض ما وصمه به المشركون، من أنه ينطق بكلام الجن، وذكر ذلك الوقت، والإطناب فيه، أسلوب من أساليب تحقيقه في النفوس، وتصديق من أخبر به”[7].

ويرى البهائيون أن قوله تعالى: “ثم إن علينا بيانه” [سورة القيامة: 19] تصريح من جانب الحق بأن تأويله لا يظهر إلا عن طريق شخص يصطفيه الله للقيام بذلك، وهو البهاء[8]. بينما يستدل البابيون أن المقصود بالآية هو “كتاب البيان المقدس”. فالصحابة الكرام، والتابعون لهم بإحسان، والمفسرون، والفقهاء، والعلماء، والمفكرون، كانوا حسب زعمهم محجوبين عن فهم هذه الآيات على وجهها إلى أن جاءهم هذا البهاء.

ثم إن هذه التأويلات البعيدة الغريبة، لا تدل عليها اللغة، ولا يشهد لها ظاهر الكلام، ولا سياقه كما تبين لنا تعارض وتناقض الفرق الباطنية في تأويل الشيء الواحد، وأن هذه الفرق اتخذت من التأويل الباطني الفاسد خطة منهجية في حربها على الإسلام[9].

وأول البهائي أحمد حمدي الشجرة المباركة في قوله تعالى “يوقد من شجرة مباركة” [النور: 35] بأنها: الميرزا حسين علي، الملقب بالبهاء.

وأول قوله تعالى: “يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة..” [إبراهيم: 27] فقال: الحياة الدنيا: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والآخرة: الإيمان بالميرزا حسين علي اللقب بالبهاء.

وأول قوله تعالى: “والسموات مطويات بيمينه” [سورة الزمر: آية 67] فقال: المقصود بها: الأديان السبعة: البرهمية، والبوذية، والكونفوشيوسية، والزرادشتية، واليهودية، والنصرانية، والإسلام، ثم قال: إنها جميعا مطويات بيمينه، أي بيمين الميرزا حسين[10].

وبعد مقارنة التأويلات البهائية بما سبقها من تأويلات باطنية، نجد أن البهائية تقوم على أطلال الباطنية، وأنهم يهدفون من خلال تأويلاتهم الباطنية الفاسدة لآيات القرآن الكريم هدمه بمعول التأويل المنحرف، بعد أن فشل أسلافهم من غلاة الباطنية في تحريفه، كما حرفت الكتب السابقة.


الهوامش

 [1]  – الحراب في صدر البهاء والباب: ص55

 [2]  – كتاب الكشف: ص 31.

 [3] – الحراب في صدر البهاء والباب، ص 56

 [4] – التبيان والبرهان: ج2/ ص 131.

 [5] – الإيقان: ص 31.

 “[6] ” – التبيان والبرهان: ج2/ ص 120-121.

 [7]  – تفسير التحرير والتنوير، جزء عم: ص 181.

 [8]  – الحجج البهية: ص85. وانظر تركيز الدكتور فلاح الطويل على هذا المعنى – الذي ذهب إليه الجرفادقاني – في كتابه: عالمية القرآن والرمزية فيه، ص 9، 37، 154، وغيرها

 [9]  – المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار : ج3/ ص 313.

 [10]  – التبيان والبرهان: ج2/ ص 100، 137.