مقالات

البهائية وتأويلاتها الباطنية للقرآن الكريم (2 من 2)

د. سامي عطا حسن


بنت البهائية قواعد مبادئها -كغيرها من الفرق الباطنية الغالية- على التأويل الباطني، فأولوا “النبأ العظيم” في قوله تعالى “عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ” [النبأ: 1-5] بأنه ظهور البهاء وظهور دعوته التي سيختلف فيها الناس[1].

بينما تؤولها طائفة الإسماعيلية تأويلا مغايرا، فقال الداعي الإسماعيلي جعفر بن منصور اليمن: “المراد بالنبأ العظيم: صاحب الزمان –الناطق السابع محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق- مستجاب أهل السموات والأرض إذا نزلت بهم نازلة”[2]، وهل كان مشركو مكة مختلفين في أمر علي كرم الله وجهه وأمر البهاء، أم في أمر البعث والجزاء كما دلت على ذلك الآيات التالية من السورة؟ ثم إن هذا التأويل المتناقض للفرق الباطنية يدل على أن كل طائفة تؤول بما شاء لها الهوى، كما يدل على أن البهائية ليست إلا امتدادا للباطنية القدامى، الذين لا يؤمنون بقرآن، ولا سنة، ولا دين، وإنما يتخذون من تأويل النصوص معاول لهدم الإسلام.

وأولوا الخروج في قوله تعالى: “واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب. يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج” [ق: 41-42] فقالوا: إن المراد بالخروج: خروج البهاء[3].

وفي تأويله لآيات من سورة الانفطار قال البهائي أحمد حمدي آل محمد: “إذا السماء انفطرت”: أي سماء الأديان انشقت، “وإذا الكواكب انتثرت” أي رجال الدين لم يبق لهم أثر.

“وإذا البحار فجرت”: أي فتحت القنوات كقناة السويس التي وصلت بين البحرين، “وإذا القبور بعثرت”: أي فتحت قبور الآشوريين، والفراعنة، والكلدانيين، لأجل دراستها[4]. وهذا مخالف لتأويل البهاء نفسه، إذ قال في تأويلها: “إن المقصود هنا سماء الأديان التي ترتفع في كل ظهور، ثم تنشق وتنفطر في الظهور الذي يأتي بعده، أي: أنها تصير باطلة منسوخة”[5]، بينما أولها الداعي الإسماعيلي أحمد حميد الدين الكرماني بقوله:”إذا السماء انفطرت“: قالوا في التفسير أي أهل الظاهر: انشقت، ونقول: أي أهل الباطن تبطل أحكام الشرائع. “وإذا الكواكب انتثرت” أي تبطل مقامات الحدود في دين الله”.

ألا تعطي هذه التأويلات المتناقضة صورة واضحة لمنهج الباطنيين المعوج في التلاعب بآيات القرآن حسب أهوائهم، فليس لتأويلاتهم قواعد ثابتة، أو أصول راسخة، مع زعمهم أنهم يأخذون عن المعصوم، كما أنهم لم يلتزموا بقواعد التفسير أو التأويل التي اتفق عليها العلماء الثقات. ثم إن الآيات السابقة لا تؤيد مدعاهم، فقد افتتحت السورة بتوقيت يوم الحساب بأشراط وعلامات كاختلال نظام العوالم، ثم وعظت المشركين ولفتت أنظارهم إلى ضرورة النظر في الأسباب التي حرفتهم عن التوحيد، وأبطلت دعاوى المشركين المنكرين للبعث والجزاء، وخلصت إلى بيان جزاء الأعمال الصالحة بإيجاز، وأطنبت ببيان جزاء الأعمال الفاجرة، لأن مقام التهويل يقتضي الإطناب فيه، ثم آيسهم من أن يملك أحد لأحد نفعا، أو ضرا، وأن الأمر يومئذ كله لله تعالى، فليس في السورة ما زعموه بتأويلاتهم الباطلة، التي لا سند لها سوى الهوى الآثم، والكذب والافتراء على الله.

ميرزا حسين الملقب بالبهاء

وانظر تأويل البهائية لآيات من سورة التكوير إذ قال البهائي أحمد حمدي آل محمد في تأويلها “إذا الشمس كورت“: أي ذهب ضوؤها. “وإذا النجوم انكدرت“: أي أن الشريعة الإسلامية ذهب زمانها، واستبدلت بشريعة أخرى. “وإذا الجبال سيرت“: أي ظهرت الدساتير الحديثة. “وإذا العشار عطلت“: أي استعيض عنها بالقطارات. “وإذا البحار سجرت“: أي أنشئت فيها البواخر. “وإذا النفوس زوجت“: أي اجتمع اليهود، والنصارى والمجوس على دين واحد فامتزجوا، وهو دين الميرزا حسين الملقب بالبهاء. “وإذا الموؤدة سئلت”: وهي الجنين يسقط هذه الأيام فيموت، فيسأل عنه من قبل القوانين لأنها تمنع الإجهاض. “وإذا الصحف نشرت“: أي كثرت الجرائد والمجلات. “وإذا السماء كشطت”: أي انقشعت الشريعة الإسلامية ولم يعد أحد يستظل بها، وعطلت أحكامها. “وإذا الجحيم سعرت“: لمن عارض البهاء. “وإذا الجنة أزلفت“: أي لأتباعه المؤمنين من البهائيين[6]“.

بينما أولها الداعي الإسماعيلي أحمد حميد الدين الكرماني بقوله:”إذا الشمس كورت” أي: ذهبت آثار شرائع الأنبياء، التي هي كالضوء من الشمس. “وإذا النجوم انكدرت” أي: تسقط مراتب الحدود حتى لا يبقى لها أثر. “وإذا الجبال سيرت” أي: استخدم الجبارين في الأرض، فيكونون كلهم طائعين لصاحب القيامة. “وإذا العشار عطلت” أي: أبطل التعليم بإزالة الحدود من رتبهم.

وإذا الوحوش حشرت” أي: جمع من على وجه الأرض على الطاعة. “وإذا البحار سجرت” أي: أقيمت حدود ظاهر الشريعة، وأعيد ما كان محذوفا منها من كلام المبتدعين والأبالسة، ويكون ذلك في الوقت المعلوم. “وإذا النفوس زوجت” أي: وجمع كل إلى قرينه وشبيهه من المنافقين والمجرمين. “وإذا االموءودة سئلت بأي ذنب قتلت” أي وسئلوا بأي حجة أخر من أخر من حدود الله عن مراتبهم، وقدم عليهم غيرهم. “وإذا السماء كشطت“: أي محي ذكر أئمة الضلال من القلوب، بإبطال دورهم. “وإذا الجحيم سعرت“: أي أقيمت آية وعيد الله للمعاندين لأمره من حجة صاحب القيامة. “وإذا الجنة أزلفت”: أي أقيمت موائد الله للمتقين في الدنيا والآخرة.

وفي الحقيقة لا نجد في هذا التأويل سوى سخافة وهذيان من ورائه نحل ضالة تحارب الإسلام، وتعمل جاهدة للتشويش على عقائد المسلمين. ثم إن الآيات التي حملوها ما لا تحتمل، فقد “ذكر فيها وقت قيام الساعة، وعلامات حضورها، والبعث، والحساب، والجزاء، وإثبات أن القرآن الذي أنذرهم بذلك وكذبوه، هو كتاب من عند الله، وتبرئة النبي صلى الله عليه وسلم من بعض ما وصمه به المشركون، من أنه ينطق بكلام الجن، وذكر ذلك الوقت، والإطناب فيه، أسلوب من أساليب تحقيقه في النفوس، وتصديق من أخبر به”[7].

ويرى البهائيون أن قوله تعالى: “ثم إن علينا بيانه” [سورة القيامة: 19] تصريح من جانب الحق بأن تأويله لا يظهر إلا عن طريق شخص يصطفيه الله للقيام بذلك، وهو البهاء[8]. بينما يستدل البابيون أن المقصود بالآية هو “كتاب البيان المقدس”. فالصحابة الكرام، والتابعون لهم بإحسان، والمفسرون، والفقهاء، والعلماء، والمفكرون، كانوا حسب زعمهم محجوبين عن فهم هذه الآيات على وجهها إلى أن جاءهم هذا البهاء.

ثم إن هذه التأويلات البعيدة الغريبة، لا تدل عليها اللغة، ولا يشهد لها ظاهر الكلام، ولا سياقه كما تبين لنا تعارض وتناقض الفرق الباطنية في تأويل الشيء الواحد، وأن هذه الفرق اتخذت من التأويل الباطني الفاسد خطة منهجية في حربها على الإسلام[9].

وأول البهائي أحمد حمدي الشجرة المباركة في قوله تعالى “يوقد من شجرة مباركة” [النور: 35] بأنها: الميرزا حسين علي، الملقب بالبهاء.

وأول قوله تعالى: “يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة..” [إبراهيم: 27] فقال: الحياة الدنيا: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والآخرة: الإيمان بالميرزا حسين علي اللقب بالبهاء.

وأول قوله تعالى: “والسموات مطويات بيمينه” [سورة الزمر: آية 67] فقال: المقصود بها: الأديان السبعة: البرهمية، والبوذية، والكونفوشيوسية، والزرادشتية، واليهودية، والنصرانية، والإسلام، ثم قال: إنها جميعا مطويات بيمينه، أي بيمين الميرزا حسين[10].

وبعد مقارنة التأويلات البهائية بما سبقها من تأويلات باطنية، نجد أن البهائية تقوم على أطلال الباطنية، وأنهم يهدفون من خلال تأويلاتهم الباطنية الفاسدة لآيات القرآن الكريم هدمه بمعول التأويل المنحرف، بعد أن فشل أسلافهم من غلاة الباطنية في تحريفه، كما حرفت الكتب السابقة.


الهوامش

 [1]  – الحراب في صدر البهاء والباب: ص55

 [2]  – كتاب الكشف: ص 31.

 [3] – الحراب في صدر البهاء والباب، ص 56

 [4] – التبيان والبرهان: ج2/ ص 131.

 [5] – الإيقان: ص 31.

 “[6] ” – التبيان والبرهان: ج2/ ص 120-121.

 [7]  – تفسير التحرير والتنوير، جزء عم: ص 181.

 [8]  – الحجج البهية: ص85. وانظر تركيز الدكتور فلاح الطويل على هذا المعنى – الذي ذهب إليه الجرفادقاني – في كتابه: عالمية القرآن والرمزية فيه، ص 9، 37، 154، وغيرها

 [9]  – المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار : ج3/ ص 313.

 [10]  – التبيان والبرهان: ج2/ ص 100، 137.

البهائية وتأويلاتها الباطنية للقرآن الكريم (1 من 2)

د. سامي عطا حسن


عندما يكون هناك فراغ فكري تصبح الأمة نهبا للتيارات الوافدة عليها من كل حدب وصوب لملء الفراغ، وذلك على حساب عقائد الأمة التي يقوم عليها تراثها الفكري والحضاري، والأمة الإسلامية –بفعل عوامل عديدة لا مجال لبسطها في هذا البحث- عاشت حالة من الفراغ الفكري، سببه الرئيس الجهل بحقائق الإسلام ومبادئه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مما مكن لكثير من الفلسفات المادية، والمذاهب الباطنية الهدامة، أن تجد لها مكانا في عقول بعض المسلمين، وتفسد عليهم تصوراتهم وما فيه حياتهم. وكانت البهائية من أبرز هذه المذاهب الخطيرة التي وجدت لها مكانا في ديار المسلمين، ولم تأت بجديد، إنما نبشت ما قبرته الأيام من ضلالات الإسماعيلية وغيرهم من الفرق والطوائف الباطنية الغالية “أي المتطرفة”، إضافة إلى ما ورثته من خرافات ديانة البابية.

الجذور التاريخية للبهائية
البهائية وريثةُ البابية التي تنتسب إلى الباب: علي محمد الشيرازي، والباب لفظة كثيرة التداول في أدبيات الفرق الباطنية، يطلقونها على بعض أركان دعواتهم، فالباب عندهم هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما يوجد داخل البناء، فهو إذن واسطة للمعرفة، متخذين من حديث يتردد على ألسنة المسلمين يقول “أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها”[1] سندا لصحة مزاعمهم، ولم تشتهر هذه اللفظة بمثل ما شهرها به علي محمد الشيرازي، الذي أسمى نفسه الباب، وتبعه أناس تلقبوا فيما بعد بالبابية، وكان عدد من اجتمع حوله من كبار تلامذة الرشتي ثمانية عشر شخصا أطلق عليهم لقب أصحاب أو شهداء “حي”[2]، وأمرهم بالانتشار في إيران والعراق يبشرون به وبدعوته، وأوصاهم بكتمان اسمه حتى يظهره هو بنفسه، ثم عاد إلى إيران، وهناك أعلن عن دعوته، واشتهر اسمه، فثار المسلمون عليه، ثم جمع والي شيراز بينه وبين علماء إيران، فناظروه وأظهروا ما في دعوته من ضلال، فاعتقله الوالي في سجن شيراز، ولكن هذا الاعتقال لم يمنعه من الادعاء بأنه يوحى إليه، فقرر الوالي قتله لولا لجوء الباب إلى التقية، فأخفى معتقده وأظهر ما يخالف ذلك، ونفى أنه يزعم أنه واسطة بين الناس والإمام المنتظر، فأطلق الوالي سراحه، ليبدأ الدعوة لمذهبه من جديد، فأمر الشاه ناصر الدين باعتقاله، وفي معتقله ألف الباب كتابه “البيان”، وزعم أنه أوحي إليه به، وأنه ناسخ للقرآن الكريم، فثار عليه العلماء، وأصدر الشاه ناصر الدين أوامره بإعدام الباب، وعلقت جثته في ميدان عام بمدينة تبريز، ثم أخفى أتباعه جثته في تابوت ودفنوه خارج طهران، ثم نبشوا القبر وأخرجوا التابوت حين طلب عباس أفندي الملقب بـغصن الله الأعظم -نجل البهاء- نقل الجثة إلى ثغر “حيفا” في فلسطين حيث تم دفنه هناك[3]، ليصبح المكان فيما بعد قبلة للبابيين، ثم البهائيين، حيث تم دفن جثة بهاء الله بجوار الباب في بهجة الكرمل، على منحدرات جبل الكرمل.[4]

نشأة البهائية

مقر البهائية في حيفا تحت رعاية الكيان الصهيوني

البهائية نحلة ورثت البابية، لتعبد من دون الله “حسين علي بن الميرزا عباس المازنداني”، الملقب “بالبهاء”. عرف البهاء البابية على يد أحد دعاتها في طهران، وأصبح من كبار دعاتها. ولما دبر البابيون مكيدة لاغتيال الشاه ناصر الدين، تبين للحكومة الإيرانية أن للبهاء وإخوانه يدا في تدبير هذه المكيدة الفاشلة، فأودعوهم السجن ريثما يصدر الأمر بالقصاص منهم، إلا أن تدخل القنصل الروسي والسفير الإنجليزي لدى الشاه حال دون ذلك، فصدر الأمر بنفيهم إلى بغداد.

وصرح “بهاء الله” بأنه لم ينج من الأغلال والسلاسل إلا بجهود قنصل الروس، فقال في سورة الهيكل: “يا ملك الروس: ولما كنت في السلاسل والأغلال في سجن طهران نصرني سفيرك”[5].

وكان الباب قد أوصى بخلافته من بعده للميرزا يحيى الملقب بـ”صبح أزل”، وجعل أخاه الميرزا حسين “الملقب ببهاء الله” وكيلا له. وكاد البهاء بدهائه وبمساعدة بعض البابيين فرض زعامته على من تبقى من البابيين لولا حادث ذهب بأمانيه أدراج الرياح، وهو نفي البابيين من بغداد إلى إسطنبول وغيرها من البلاد، وذلك لأنهم يحتفلون في أول شهر المحرم من كل عام هجري بعيد ميلاد الباب، ففي أول المحرم من عام 1379هـ احتفل البابيون بهذا العيد، فاجتمعوا في حديقة تسمى “باغ رضوان”، أي جنة الرضوان، في جو مليء بمظاهر الفرح والسرور، فشق ذلك على الشيعة الإثني عشرية الذين يعتبرون هذا اليوم يوم حزن ومأتم، فاعتبروا فعلهم ذلك ازدراء بهم وبمعتقداتهم، ولولا تدخل الحكومة آنذاك، لفتك الشيعة بالبابيين، فاستقر الرأي على نفيهم من بغداد إلى إسطنبول التي لبثوا فيها أربعة شهور، ثم صدر الأمر بنفيهم إلى “أدرنة” وتسمى عند البهائيين بـ”أرض السر”، وفي أدرنة جهر البهاء بالدعوة إلى نفسه، ولفظ أخاه لفظ النواة، فوقع النزاع بين الشقيقين.

وانقسم البابيون إلى فرقتين: فئة انحازت إلى البهاء وتسمى: “البابية البهائية”، وفئة ظلت على عهدها مع الميرزا يحيى، الملقب بـ”صبح أزل” فسميت بـ”البابية الأزلية”، معتقدة أنه هو خليفة الباب، وأن “البهاء” ليس له من الأمر شيء إلا أنه وكيل الأزل ونائبه، فاحتدم الجدال ورأى “صبح أزل” أن الأمر سيفلت من يده، فدس السم لأخيه في طعامه، ولكنه نجا من هذه المكيدة، فشرع يراسل البابيين يدعوهم إلى اتباعه ويبين لهم أنه هو المنوه عنه في كتب الباب بـ”من يظهره الله”، بل هو الذي أرسله كما أرسل مظاهره من قبل، مثل: زرادشت، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، والباب. ولما أفضى الأمر إلى الجدال فالقتال بين الوكيل والأصيل، خشيت دولة الخلافة أن تضطرم بـ”أدرنة” نيران الفتنة، فاتفقت وسفير الشاه على تغيير منفى القوم، والتفريق بين الأخوين، فنفت “البهاء” ومن تبعه إلى مدينة “عكا” في فلسطين، وسجنتهم في قلعتها، ونفت “صبح أزل” وأتباعه إلى جزيرة قبرص، وسجنتهم في قلعة “فاماغوستا”، ثم أطلقت سراح الأخوين وأتباعهما فيما بعد، على أن لا يغادر أحد منهم منفاه.

عبد البهاء

ثم ادعى كل منهما أنه رسول مستقل، لا خليفة الباب ولا نائبه، وأن الله تعالى قد بعثه رحمة للعالمين بشريعة جديدة، ناسخة لما بين يديها من الشرائع، وجاء كل منهما بكتاب زعم أنه وحي من الله لتصديق دعوته وتكذيب دعوى أخيه، ولم يلبث أن خفت صوت “صبح أزل”، وتفرق عنه أشياعه، وقوي بالتالي أمر “البهاء” وامتد نفوذه، وبعد أن كان يدعي أنه خليفة الباب أصبح يزعم أنه المهدي، ثم ادعى النبوة، فالربوبية والألوهية، إلى أن هلك في ثاني ذي القعدة سنة 1309هـ الموافق لـ28 / 5 / 1892م، فخلفه ولده الأكبر الميرزا عباس، الذي تلقب في حياة والده بـ”غصن الله الأعظم”، وبعد هلاك أبيه بـ”عبد البهاء”، ولم يمض وقت طويل حتى غير عبد البهاء أحكام شريعة أبيه، وادعى النبوة، فالربوبية.

شذرات من أحكام شريعة البهاء
يزعم البهاء كسلفه الباب، أن شريعته ناسخة لما سبقها ولشريعة الباب كذلك، بل أنشأ دينا جديدا هو مزيج عجيب من العقائد السماوية والوضعية، كحل وسط بين الأديان، وكطريقة عملية لإشاعة السلام في الأرض كما يدعي، ففي البهائية آيات من القرآن الكريم، ونصوص من التوراة والإنجيل، واقتباسات من الهندوسية، والكنفوشيوسية، والبوذية. ويؤولون هذه الاقتباسات بما تقتضيه ديانتهم الجديدة، التي وصفوها بأنها لا تنتمي إلى ديانة معينة بالذات، ولا هي فرقة أو مذهب، وإنما هي دعوة إلهية جديدة، من شأنها أن تختم الدورة السابقة أي: الرسالة الإسلامية.

حكم الصلاة في كتاب الأقدس: “قد فرض عليكم الصلاة من أول البلوغ أمرا من لدى الله ربكم، ورب آبائكم الأولين، من كان في نفسه ضعف من المرض أو الهرم، عفا الله عنه فضلا من عنده، إنه لهو الغفور الكريم. ومن لم يجد الماء يذكر خمس مرات بسم الله الأطهر ثم يشرع في العمل، هذا ما حكم به مولى العالمين. وكتب عليكم الصلاة فرادى، قد رفع حكم الجماعة، إلا في صلاة الميت، إنه لهو الآمر الحكيم.”[6].

قبلة البهائيين: “إذا أردتم الصلاة ولوا وجوهكم شطري الأقدس، المقام المقدس- أي عكا- الذي جعله الله مطاف الملأ الأعلى، ومقبل أهل مدائن البقاء، ومصدر الأمر لمن في الأرضين والسموات”[7].

وفرض الحج على الرجال دون النساء، ولهم ثلاث مزارات يقدسونها ويحجون إليها: الأول: في شيراز، وهو المكان الذي ولد فيه الباب. والثاني: في بغداد، وهو المكان الذي جهر فيه البهاء بدعوته. والثالث: في عكا، حيث دفن بعد هلاكه.

وجعل البهاء الصيام تسعة عشر يوما في شهر العلاء، ويكون عيد الفطر عندهم موافقا: لما يسمى بـ”عيد النيروز”.

أما حكم الزكاة عندهم: فقد بينه البهاء في “الأقدس” فقال “والذي يملك مئة مثقال من الذهب، فتسعة عشر مثقالا لله فاطر الأرض والسماء، إياكم يا قوم أن تمنعوا أنفسكم عن هذا الفضل العظيم”[8].

وحرمت البهائية على أتباعها الجهاد، وفرضت على أتباعها الدعوة إلى السلام، وعدم اللجوء إلى الحرب والقتال.


الهوامش

 [1] – حديث مضطرب غير ثابت، كما قال الدار قطني في العلل، وقال البخاري: ليس له وجه صحيح. وقد أسهب العجلوني في الحديث عنه في كشف الخفاء ج1/ ص 213. “رقم: 618”.

 [2] –   الحاء بحساب الجُمَّل تساوي: “8”، والياء تساوي: “10” ويضاف إلى الرقم “18” الباب نفسه فيصبح العدد: “19” فصار هذا الرقم مقدسا عند البابيين والبهائيين. انظر: مسيلمة في مسجد توسان: ص 46. وقراءة في وثائق البهائية: ص 250، 251. والبابية عرض ونقد: ص 62.

 [3] –  انظر: مفتاح باب الأبواب ص 246-247.

 [4]  – انظر: الحراب في صدر البهاء والباب، ص 219.

 [5] – البابية، عرض ونقد، ص 63.

 [6] – انظر: الحِراب في صدر البهاء والباب: ص 272.

 [7] – انظر: الحراب في صدر البهاء والباب، ص 271.

[8] – انظر: الحراب في صدر البهاء والباب: ص 278.

لماذا نعود إلى الله في لحظاتنا الحرجة؟

إيمان محمد

 

في أحلك اللحظات التي مررت بها خلال سنوات الثورة السورية التي مضت، وفي التجارب القاسية التي عايشتها أو شهدتها ومازلت، كانت تلفتني مسألة كبيرة، تدفعني للتساؤل والتأمل والتفكير، ما الذي يدفع الإنسان لذلك الاتصال العميق بالله؟ ولماذا في أشد اللحظات الحرجة يسأله، مهما كان بعيداً عنه في حياته العادية؟ ولماذا يعود إليه عندما يصبح وحيداً في زنزانة منفردة، أو جريحاً في مشفى ميداني، أو منزوياً على سريره ينتحب بعد أن فقد عزيزاً؟ ما ماهية الاتصال بالله؟ ولماذا يُعبد؟ هل الأمر تابع لملء فراغ نفسي؟ أو طمأنة عقل عجز عن إجابات لتساؤلاته فقبل بالتسليم بفكرة وجود إله؟

والحقيقة الأولى في هذا الأمر أن الله تعالى جل جلاله غني عن العالمين، لا تنفعه عبادة خلقه له، كما أنه لا يضره تركهم عبادته. قال تعالى: “يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد” [فاطر: 15].

فهو الغني عن سائر الخلائق، وهو العظيم الرحيم، حين يأمرهم بعبادته فلأنه يريد لهم الخير والصلاح، فالعباد في حاجة دائمة لله لا تنقطع، فكل عبادة يقدمها الإنسان فثمرتها عائدة إليه، وتصبّ في صالح دنياه وآخرته، وترفعه عند الله، وتثقل ميزانه. قال تعالى في كتابه الكريم: “ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم” [النمل: 20].

والعبادة لله تابعة لطبيعة مهمة الإنسان على الأرض، والغاية من خلق الإنسان، وعاقبة ذلك كله في الدنيا والآخرة.

ليست العبادة فقط لجلب طمأنينة النفس وسكينة الروح، فالإنسان بفطرته دائماً ما يشعر بالحاجة لله، كما أن شعوراً بالخواء والضياع ينتابه في حال فكر أن الكون يمكن أن ينشأ من دونه. قال تعالى: “حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين”. [يونس: 22].

وفي هذا نماذج نلمسها في واقعنا لكثير ممن قضوا حياتهم في معاص ولهو وغياب شبه كامل عن حقيقة عبوديتهم، نجدهم في لحظات الشدة والكرب يعودون فطرياً لله ويلتجئون إليه بالدعاء والرجاء ليخلصهم مما ابتلوا به، وحتى إن كانت تلك ردود فعل وقتية تزول بزوال الأسباب، إلا أنها دلالات واضحة عن حقيقة النفس البشرية ونزوعها للفطرة السليمة في اللحظات العصيبة، فتسلم نفسها لله، وتعود إليه وكأنما تعترف أن لا مخلص لها إلا هو.

أما المؤمن ففي لحظات الشدة يتذوق حلاوة لم يذقها سواه، وقد حدثني أحد الإخوة الذين ذاقوا تجربة الاعتقال عن سعادة وجدها في منفردته، فقال:

“قد تعجبين من كلامي لكنني أصدقكِ القول، لقد كانت السويعات التي قضيتها في تلك المنفردة، وقد انقطعت أسباب الرجاء إلا بالله، وأظلمت الدنيا حولي، وضاقت، كانت أسعد لحظات قضيتها في حياتي، فقد فُتح لي باب الدعاء، وبدأت ألهج لله تقرباً وحباً ورجاء، وشعرت بقرب لم أشعر به طوال حياتي، وبسكينة عجيبة وأنس بالله كبير، لقد خرجت حينما فرّج الله عني وكأنما ولدت من جديد”.

عبادة الله كرامة وتكريم
أما وقد شهدنا في عصرنا هذا كل أنواع الظلم، ورأينا بأعيننا كيف يذل العبد للعبد، وكيف تُمتهن كرامته، وكيف تغيب إنسانيته، ليكون سلعة بلا أدنى قيمة، بل كيف تذل الشعوب تحت سوط الاستعباد، وكيف تتلاشى الإنسانية تحت جور القهر والظلم، لابد أن نفكر في الأسباب التي تدفع الإنسان لاستعباد أخيه الإنسان، والأسباب التي تدفع المستعبد لقبول الاستعباد، سنجد الإجابة واضحة، فكلما تعمق معنى الحرية والكرامة في نفس الإنسان ازدادت مقاومته للذل والقهر، ولنا أن نتذكر قول الصحابي ربعي بن عامر لرستم قائد جيش الفرس معبراً عن الإسلام في كلمات موجزة: “نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”.

فتلك هي رسالة الإسلام الحقيقية وجوهر دعوته، تخليص الناس من العبودية للبشر، ودعوتهم لعبادة رب البشر وخالقهم جل جلاله، وفي هذا قمة السمو والرفعة والكرامة، فعباد العباد أذلاء إلى يوم الدين، لأنهم محكومون بالأهواء البشرية، أما عباد الله فهم محكومون بعدالته وعظمته ورحمته.

مشكلة الشر ووجود الإله (2 من 2)

عرابي عبد الحي عرابي

 

بعد تبيين الأصل التاريخي وأساس الاستشكال الذي بنيت عليه “معضلة الشر” في المقال السابق؛ فإن اللازم الآن تبيين جوانب الشبهة وما يقدمه الإيمان من حلول في سبيل فهمها.

مفهوم الشر فلسفيًّا
هل يعد وجود الشر  ذاتيًّا محضاً أم أن وجوده ظرفيٌّ بحسب الواقع المحيط به؟

ينبغي الإشارة إلى أن هذه التقسيمات تعود في أصلها إلى مسألة تحديد مفهوم الشر من حيث كونه ذاتيًّا محضًا أو نسبيًّا يتحقق بتبعيته لطرف آخر سابق عليه.

لايبنتز

بالعودة إلى فهم الفيلسوف الألماني لايبنتز (ت 1716م)  للشر نرى أنه قد صنَّفه ضمن أنواع ثلاثة، أولها: الشر  الميتافيزيقي (المجرَّد) ويقصد به النقص التام في وجود المخلوقات بسبب تناهيها إضافة لكونها ناقصة بالمقارنة مع وجود الله، ثم الشر الطبيعي وتدخل فيه الآلام الجسمانية والكوارث الطبيعية، وثالثها: الشر الأخلاقي الكامن في الخطيئة[1]، وحين ينظر في مسألة الشرين الطبيعي والأخلاقي فإنهما بالضرورة يدخلان تحت الشر المجرد أي النقص المتحقق فيهما، ويشار إلى أن الليبراليين وسعوا من إطار الشر الأخلاقي ليتضمَّن أي أذية للآخرين في حريتهم أو منعهم من تحقيق رغباتهم شرًّا أخلاقيًّا[2].

يرى ابن قيم الجوزية (ت751ه) أن أحوال الموجودات بأسرها لا تخرج عن حالات أربع هي: حالة الخير المطلق، أو الشر المطلق، أو حالة التنازع بين الخير والشر فيكون الخير إما مستوياً مع الشر أو راجحًا عليه أو العكس، أو حالة عدم القيمة، فلا يكون فيه خير أو شر، ويتحقق القسم الأوّل بوجود الخالق فقط والذي هو خير محض، ولا يوجد من بقيّة الأقسام في وجودنا إلّا ما كانت المصلحة والحكمة والخير في إيجاده أكثر من المفسدة، أي ما كان “خيره راجحًا على شرّه”، وأمّا الشر المحض الذي لا خير فيه فلا حقيقة له لأنه عدم محض[3].

 

وجود الله ووجود الشر
أبدأ هذه الفقرة بالسؤال المعهود: هل يتعارض وجود الشر مع وجود الإله؟

يؤكد الإلحاد –كما تقدَّم في الجزء الأوَّل- على عدم إمكانية اجتماع وجود إله قادر رحيم مع وجود الشرور –كالتي نراها على الأقل-.

بينما يؤكد علماء الدين الإسلامي ورجال اللاهوت من الأديان الأخرى على عدم التعارض أصلاً، ويقدمون في سبيل ذلك حججًا عديدةً لتبيين ضعف المنطق الإلحادي وتناقضه، سواء من حيث أساس اعتراضه، أو في تفسير حقيقة الإشكال وتأويله.

ثمة سؤال يمكن تقديمه في هذا المعرض مفاده: هل يجب على الإله الخيِّر القادر أن يمنع الشر[4]؟

ويمكن الاعتراض على هذه الصيغة “الله قادرٌ على كل شيء” بالعديد من المغالطات المنطقية والمناقشات التي لا تتعدى باب اللعب باللفظ، فأسئلة من قبيل: هل يسَعُ اللهَ خلق صخرة يعجز عن حملها، أو هل يقدر الله على أن يخلق إلهًا مثله، أو هل بإمكانه رسم مربعٍ مستديرٍ ، هي أسئلة تناقض ماهية الشيء في ذاته، “فالصخرة مهما بلغ حجمها متناهية، وقدرة الله غير متناهية، والإله ليس مخلوقًا بالضرورة، فلا يصحّ منطقيًا افتراض إله مخلوق، والمربَّع لا يكون دائرة بالضرورة، فلا يصحّ افتراض اجتماعهما”[5].

وبالمحصِّلة فإن كمال القدرة الإلهية إما أن يعني: القدرة على فعل كل شيء وإن كان ضمن دائرة الاستحالة المنطقية أو فعل الأشياء الممكنة منطقيًّا فقط، وبما أنَّ تصوُّر المستحيل ممكن لأنه عمل ذهني غير واقعي إلا أن وقوعه في الوجود أمر غير ممكن لتناقضه مع شروط الوجود أوَّلاً، ولأن القدرة الإلهية -حسب ما يقرره علماء العقائد- لا تتعلَّق بغير الممكن منطقيًّا، فتكون اعتراضات الإلحاد في جوهرها عن تناقض وجود الشر مع وجود الإله “مخادعات لفظيّة لا يمكن أن يكون لها وجود في غير عالم اللغة”[6]؛ لأنَّ سماح الله بوجود الشرّ في ملكه لا يلزم منه الانتقاص من قدرته، فالشر البشري ناتج عن حريَّة الاختيار  بين فعل الخير والشرّ؛ والقول بوجوب زواله يحتوي على تناقض منطقي، لأن الله قد وهب البشر حريّة الإرادة لامتحان إلهي أفعالهم، ولا تتعلّق قدرة الإله -على كمالها- بإزالة هذا الشرّ لأنه من غير المنطقي أن يمتحن الله عباده بالخير والشرّ ثم يجبرهم على فعل الخير دون الشر أو العكس [7]، وهو ما أشار الله إليه في قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون} [الروم:41] فجعل الفساد (أي الشرور الأخلاقية) عائدة إلى اختيارات الناس وأفعالهم، ولعله من المفيد الإشارة إلى أن التعلل بالشر الأخلاقي في نفي الإله غير مجدٍ.

بلانتينغا

في هذا المعرض يجدر الإشارة إلى رأي الفيلسوف الأمريكي اللاهوتي ألفن بلانتينغا (وُلد عام 1932) القائل: إنّ حريّة الإرادة عند الإنسان من أهم المسوّغات العقلية لنفي التناقض المدّعى بين وجود الإله الكامل مع وجود الشر؛ إذ إنّ الشر الأخلاقي نتيجة لممارسة الإنسان لاختيارات إرادته الحرّة، فالشر هنا ضريبة لازمة ومنطقيّة ومرضيّة لنعمة الإرادة الحرّة؛ وبذلك ينتقض الاعتراض على عدل الله أنّه يسمح للشر بالوجود، فلا معنى لوجود كائن حر يملك إرادة الاختيار ضمن الطبيعة البشريّة المحضة، ثم هو لا يفعل إلّا نوعًا واحدًا من الأفعال، فالمخلوقات الحرّة تزلّ أحيانًا وتفعل الخير أحيانًا، ولا يمكن أن تكون هذه الاختيارات ضد وجود قدرة الله الكليّة ولا ضد خيريّته؛ لأنّه ليس بالإمكان أن يُمنع وقوع الشر الأخلاقي إلّا بمنع إمكانية الخير الأخلاقي[8].

 

الشر المادِّي والمجَّاني؟
ينقل د. حسن المرسي عن ريتشارد دوكينز قوله في أن الشر  لا يمكن أن ينفي أو يثبت وجود الإله[9]،  ولذلك مال العديد من رموز الإلحاد إلى تكثيف الاسشتهاد بما سمّوه (الشر المجاني) أي الألم الذي لا فائدة خلفه، وله مثالان شهيران هما: “الموت البطيء لغزالة في حريق داخل غابة، واغتصاب طفلة ثم قتْلها على يد عشيق أمّها”[10] إذ إن على “الإله العليم، كامل الخيريّة أن يمنع وقوع كلّ معاناة شديدة إلّا أن يؤدّي المنع إلى تفويت خير أعظم من هذه المعاناة أو السماح لشر يوازيها أو يربو عليه، وبالنتيجة فإن ذلك واقع فلا يوجد –إذن- إله قدير، عليم، كامل الخيريّةِ”[11].

ثمة عدة مسالك يمكن التصدي بها لمشكلة الشر بأنواعها إجمالاً وتفصيلاً، “كالدفاع الإيماني الذي يفسر الشر على ضوء الحكمة الإلهية والعناية الربانية، أو بيان سبب العجز عن الإجابة على السؤال كليًا أو جزئيًا: للقصور المعرفي للإنسان، أو البحث في السؤال والعمل على تعديله[12]“.

وعلى ضوء التكامل بين هذه المناهج يشير عدد من الباحثين في نقد الإلحاد إلى أهمية السؤال عن الشر المجاني بصيغة: هل هناك شر مجاني فعلاً؟

إنّ مقتضى البحث العقلي أن يصار أولاً إلى البحث عن البناء المنطقي للحجة المقدَّمة لنقض وجود الإله وهي (الشر المجاني موجود، وعليه  ينفي وجوده وجودَ الإله)؛ وبما أنه لا يمكن لأحد إثبات قطعية (الشر المجاني) في الظواهر المضروبة لذلك، وبعبارة أخرى، نسأل: هل يعجز الإله أن يجعل وراء كلّ ما يبدو شرًا مجانيًا، حكمةً وتعويضًا؟

قول الإلحاد هنا منحصر بمنع وجود الحكمة أو إثباتها التي نفترضها للإله، فإنّ العقل لا يمنع من وجود هذه الحكمة وهذا التعويض للمبتلى؛ فيسقط اعتراضه، وإذا قال إنّ هذا الأمر ممتنع عقلًا؛ طولب بالدليل العقلي، ولا دليل؛ فيظهر بذلك قُصور فهمه لكمال الألوهيّة. فتنقلب المعادلة من:

الترتيب الآتي: 1. وجودُ الشرّ المجاني أمر يقينيٌّ، 2. وجود الإله فرضية بحاجة إلى بحث، 3. وجود الشرّ المجاني حجّة على نفي وجود إله؛ 4. إذن لا وجود لإله.

إلى: 1. الأدلّة المادية والعقلية تثبت وجود الإله، 2. وجود الشرّ المجاني فرضية بحاجة إلى بحث، 3. الإيمان بالإله يقتضي الإيمان بكماله وعدله وحكمته فيكون قادراً على جعل ما يبدو شرًا مجانيًا حكمةً وخيرًا، 4. إذن لا وجود لشرّ مجانيّ[13].

 

فرويد

وقفة أخيرة
في خضم المناقشات المنطقيَّة في مسألة الشر قلّما يتنبّه الباحثون إلى البحث عن مصدر الاستشكال، فبما أن العقل البشري قاصر في إدراك خصائص المحيط الخاص به فإنه بالقفز إلى القطع في إحدى أهمِّ المسائل الوجودية يختزل ظاهرة الشر دون الفهم الكامل لكل جزئياتها. فما مردُّ هذا الاستعجال؟

يشير مقال ما بعد الحداثة في موسوعة السبيل إلى تطوُّر الآراء والظروف التي مرت بها الذهنية الغربيَّة، ولعل من أبرز ما يُستشهد به هنا قول الفيلسوف روجيه غارودي في كتابه “البنيوية فلسفة موت الإنسان” نقلاً عن فرويد بأن نظريته في التحليل النفسي ألحقت بكبرياء البشرية ثالث إذلال كبير لها، وذلك بعد الثورات العلمية على يد كوبرنيكوس التي أنهت كون النص الديني المركز الذي تقاس إليه الأمور، ثم رؤية داروين التي حوَّلت الإنسان إلى حيوان بيولوجي يصارع من أجل البقاء[14].

وهكذا ظهرت العدمية التي أفرزت مظاهر اللامعنى وغياب الثبات ورفض معنى الإله الخالق وتأطير القيمة، فالوجود خالٍ في خاتمة المطاف من المعنى، ولعل هذا التصوُّر هو ما نراه في اللامبالاة والظلم البشري وعدم المسؤولية في أحداث عظيمة كالأحداث المستمرة في سورية منذ سبع سنوات.

إن حالة “غياب المعنى” التي يعيشها الملحد تدفع للتساؤل: لمَ يبحث الملحد عن المعنى وراء الشر أو الخير؟ فالإيمان بـألا قيمة للوجود تدفع حتماً لتفسير أحداث الوجود بذات الرؤية التي فُسِّرت به بدايته، أي “العشوائية والمادية”، فتفسير الشر الذي يحدث في العالم -ضمن هذه الرؤية- يجب ألا يعدو تحليلاً كتحليل رؤيتنا للوحة الموناليزا مثلاً، وك��لك الحروب والأعاصير والكوارث المادية، لأن التفاعل مع الألم الطاغي في هذه الظواهر لا يستند إلى قيمة أخلاقية وإنَّما إلى رؤية عدمية، وهذا بحد ذاته تناقض صارخ.

ومن هنا فإن التعامل مع مشكلة الشر بحسب الرؤى المختلفة في تفسيرها عائد إلى رؤيتين، أولهما: عدّه جزءًا من النظام الكوني المتصف بالنقص في ذاته لكونه حادثاً والإله وحده الكامل. والثاني: النظر الديني إلى الشر على أنه ابتلاء واختبار في هذه الظواهر ويستلزم منا البحث عن الحكمة التي يقتضيها فعل الله وعدله، وفي الحالتين ليس ثمة ما يُتَوجّه به لنفي وجود الله أصلاً.

إذن فالسؤال المهم حقًّا هو: لمَ كان الوجود أصلاً؟ والبحث في أصل هذا السؤال سيقود الملحد إلى الانهيار حتمًا.[15]


الهوامش

[1] ينظر تاريخ الفلسفة، فريدريك كوبلستون، المركز القوم للترجمة، ترجمة سعيد توفيق، ط1، 2013، ج4 ص437.

[2] ينظر ملف مشكلة (الشر) على شبكة (معابر) الفلسفية، من مقال ندى الحاج، تأمُّلٌ في الشر الإنساني، http://www.maaber.org/issue_october03/perenial_ethics1.htm

[3] ينظر شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ابن قيم الجوزية، تحقيق محمد بدر الدين، دار الفكر، ط1، 1978، ص 181-182، ويقارن بـ مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص 98، 99.

[4] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص 112.

[5] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص115.

[6] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص 114.

[7] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص115.

[8] ينظر محاورة جاري كينتغ مع ألفن بلانتينغا بعنوان: هل الإلحاد لا عقلاني، ترجمة: د. عبد الله الشهري، نشر مركز براهين، ص5، وينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص120، نقلاً عن كتابي ألفن بلانتنجا: الله، الحرية والشر، وكتابه: The nature of necessity

[9] ينظر الكتاب الإلكتروني الجواب عن مشكلة الشر، مقال د. حسن المرسي، انفكاك الجهة بين وجود الخالق ومسائل الحكمة والخير والشر، 131، 132

[10] نقلاً عن ويليام رو، ينظر د. سامي عامري، مشكلة الشر ووجود الله، ص 146.

[11] ينظر المصدر السابق ص146-147.

[12] ينظر المصدر السابق 147.

[13] ينظر المصدر السابق، ص 151، 152.

[14] البنيوية فلسفة موت الإنسان، روجيه غارودي، ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، ط3، 1979، ص12-14.

[15] استفدت الخاتمة الأخيرة: من مدونة (أنا مسلم، أنا أفكر) وسقت ملخِّصًا بعضًا من نقدها لمسألة الشر على الرابط: https://iammuslimiamagainstatheism.blogspot.com.tr/2013/10/blog-post_20.html

الأكوان المتعددة: علم أم خيال؟ (3 من 3)

محمد عدنان شيط

 

بعد استعراض أهم فرضيات الأكوان المتوازية على تنوعاتها واختلافاتها، نأتي إلى استعراض مجموعة من الاستنتاجات والردود على هذه الفرضيات.

وسنناقش فيما يلي أهم الاستنتاجات التي تستحق التوقف والنقد:

1- الملاحظ أن جميع هذه الفرضيات تؤدي إلى أنه مع هذه الأعداد الكبيرة جداً للأكوان المفترضة، فإنه ليس غريباً أن يوجد كون واحد ككوننا تنشأ فيه حياة وتكون مناسبة لكائنات ذكية تكتشف قوانين هذا الكون، وهذه هي فكرة المبدأ البشري.

2- فكرة الأكوان المتعددة قامت في أساسها على الاحتمالية الموجودة في ميكانيكا الكم، وهذا يقودنا إلى سؤال هام وهو: هل ما ينطبق على العالم الذري وتحت الذري يمكن أن ينطبق على العالم المشاهد والمحسوس أمامنا، ففكرة تواجد الإلكترون في مكانين في آن واحد كما في العالم الذري هل يمكن أن يحدث مثيل لها في عالمنا المشاهد على مستوى الأجسام الكبيرة؟ فضلاً عن أن تحدث في أكوان كبيرة جداً تقاس فيها المسافات بسرعة الضوء؟

3- مع كل اكتشاف علمي أو عند ظهور أي نظرية جديدة يسارع بعض المسلمين -من الشيوخ وعلماء الدين- لإنزال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على هذه النظريات، وهذا أمر لسنا مضطرين إليه، فهذه النظريات لم يتم إثباتها علمياً، والغالب أنه لن يتم حتى إثباتها في المستقبل المنظور على أقل تقدير.

4- يقول فيلسوف العلوم الشهير كارل بوبر: “إن معيار الوضعية العلمية لنظرية ما هو إمكانية تكذيبها أو تفنيدها أو اختبارها”[1] وبمعنى آخر لكي نقول عن نظرية إنها علمية يجب أن تخضع للاختبار والتكذيب، والعكس صحيح، وهذا يقودونا إلى التساؤل حول الأكوان المتعددة: هل هناك دليل على وجود هذه الأكوان؟ وهل هذه الفرضيات يمكن اختبارها علمياً حتى نتبين صحتها من خطئها؟

روجر بينروز

5- يقول روجر بينروز الرياضي الإنكليزي الملحد وصديق ستيفن هوكينغ: “ما معنى أن تقول عن شيء إنه موجود وأنت لن تستطيع من حيث المبدأ ملاحظته؟”[2]، وانطلاقاً من هذا الكلام فأين هي آثار الأكوان المتعددة في كوننا حتى نستنتج ونلاحظ وجودها؟ بينما تبدو آثار الله تعالى ظاهرة في كونه ودالة على عظيم صنعه وقدرته، ويلاحظها الصغير والكبير ويدركها العامي البسيط والعالم المتعمق، وقديماً قال أعرابي بسيط لبيب:” البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على العليم الخبير؟”.

6- تنص “شفرة أوكام” على وجوب اختيار التفسير الأقل تعقيداً عندما توجد عدة تفسيرات لظاهرة ما، ومن هذا المنطلق فأمام التصميم الدقيق Fine Tuning لهذا الكون لدينا اختياران؛ إما الاختيار بين إله واحدٍ خالق لهذا الكون أو بين مجموعة فرضيات الأكوان المتعددة، ولا شك أن الاختيار الأقل تعقيداً والأمثل هو وجود الإله.

7- وجود شيء ما رياضياً لا يعني وجوده فيزيائياً أو واقعياً؛ وهذا ينطبق بالطبع على فرضية الأكوان المتعددة، فإثباتها رياضياً لا يعني إثبات وجودها الفيزيائي كما يفترض عالم الكونيات تيغمارك [انظر المقال الثاني من هذه السلسلة]، فالرياضيات تحتوي مثلاً على الأعداد العقدية وعلى اللانهاية، فهل هذه أشياء يمكن أن توجد على أرض الواقع؟ كما أن الرياضيات يمكن تشبيهها بلغة لفهم الكون، وعندما يتعلم أحد الأشخاص لغة ما كالفرنسية على سبيل المثال فهو يتعلمها ليفهم ما يقوله الفرنسيون عن أشياء موجودة بالفعل، إلا أنه إذا صنع كلمة في ذهنه مستخدماً الحروف الفرنسية فهذا لا يعني أن الكلمة الجديدة ستكون موجودة واقعيا بالفعل. وفكرة تيغمارك ليست جديدة، وإنما تعود في أصلها إلى حوالي خمسة قرون قبل الميلاد مع الفيثاغوريين الذين اعتقدوا “أن البنى الرياضية هي في أساس الأشياء جميعها جواهر”[3] ثم اعتبر أفلاطون أن الرياضيات جوهر الأشياء جميعا[4]، وما فعله تيغمارك هو أنه طبق الفكرة السابقة وأدخلها على فرضيات الأكوان المتعددة.

8- من الجدير بالملاحظة أن فرضيات الأكوان المتعددة بنيت على فرضيات علمية أخرى لم يتم إثباتها علمياً حتى الآن؛ وقد حصل هذا مع بعض تنبؤات نظرية التوسع الكوني، ونظرية الأوتار، وتفسيرات العوالم المتعددة في ميكانيكا الكوانتم لهيو إيفريت وغيرها.

9- هل يمكن القول إن فرضية الأكوان المتوازية نوع من الفلسفة أو الميتافيزيقا؟ والجواب الراجح هو نعم، حيث يقول بول ديفيز: “إن فكرة الأكوان المتعددة أو الوقائع المتعددة (multiple realities) بقيت في دوائر الفلسفة لقرون غير أن التبرير العلمي لها هو أمر جديد”[5]، فالعلماء المعاصرون من الملحدين خاصة تلقفوا هذه الفكرة الفلسفية التي وردت بتصورات مختلفة من عدد من الفلاسفة مثل ليبنتز ووليام جيمس وغيرهما، وحاولوا أن يلبسوها لباس العلم بطريقة ما، فالفكرة أصلها فلسفي وتدخل في إطار النقاشات الفلسفية.

أخيراً حتى لو سلمنا جدلاً بوجود هذه الأكوان المتعددة اللانهائية، أو ذهبنا بعيداً إلى أن العلم سيثبت يوماً ما بطريقة ما وجود هذه الأكوان، فهنا يُطرح سؤال بديهي: من أنشأ كل هذه الأكوان؟ ومن أين كانت نقطة الانطلاق؟ ومع هذا السؤال تعود الحلقة المكررة إلى بدايتها ويعود الملحدون إلى ترديد نفس الأسطوانة المشروخة عن نشأة هذا الكون الواحد وعن كيفية نشأة الحياة على الأرض، وتبدأ أحاديث الصدفة والعشوائية ويبقى الملحدون يدورون في هذه الحلقة المفرغة، حتى إن ظنوا أنهم وسعوها بافتراضات عجيبة مثل افتراض الأكوان المتعددة اللانهائية!


الهوامش

[1] غنار سكربك نلز غيلجي، تاريخ الفكر الغربي ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة،2012، ص883

[2] Paul Davies ,mind of god,Simon&Schuster,1992 p.191

[3]غنار سكربك نلز غيلجي، تاريخ الفكر الغربي، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة،2012، ص65

[4] المصدر السابق، ص116

[5] http://www.nytimes.com/2003/04/12/opinion/a-brief-history-of-the-multiverse.html?pagewanted=all

 

مصادر تمت الاستفادة منها في أجزاء السلسلة:
-لقاءات تلفزيونية ومحاضرات لدكتور باسل الطائي أستاذ الفيزياء الكونية في جامعة اليرموك في الأردن.

-عبد الله العجيري، شموع النهار، تكوين للدراسات والأبحاث، 2016.

-عمرو الشريف، خرافة الإلحاد، مكتبة الشروق الدولية، 2014.

-ستيفن هوكينغ، تاريخ موجز للزمان، دار التنوير، 2016.

الأكوان المتعددة: علم أم خيال؟ (2 من 3)

بعد الحديث في المقال السابق عن أولى فرضيات الأكوان المتعددة وهي تفسير العوالم المتعددة في ميكانيكا الكم، نتابع هنا الحديث عن أهم تلك الفرضيات، تمهيدا لنقدها.

هيو إيفريت

فبعد فرضية هيو إيفريت، جاء ديفيد دويتش الفيزيائي البريطاني صاحب كتاب نسيج الواقع أو الحقيقة (the fabric of reality)، وبناء على فرضية إيفريت طرح دويتش فرضية تقول إن الأكوان المتعددة نشأت دفعة واحدة مع بعضها، ويُشبّه دويتش هذا الأمر بوجود مكتبات لانهائية العدد مليئة بنسخ من الكتب التي تشترك مع بعضها بنفس محتوى الصفحة الأولى ولكن تختلف في بقية المحتويات.[1]

ويقول دويتش إن “افتراض أن الديناصورات لم تنقرض، وأنها أسست حياة ذكية وحضارات، ليس مجرد خيال. بل هذا بلا شك موجود؛ حيث تقوم الديناصورات بتطوير المدن وبناء المسابر الفضائية والكمبيوترات المبنية على الرقائق المصنعة من السيليكون لأن هذا الأمر تخبرنا به قوانين الفيزياء…. وهذا الأمر يحصل في كون تكون فيه الذرات بحجم القطط”.[2]

الفارق بين فرضيتي إيفريت ودويتش أن الثاني لم يقل بالتشعب أو الانشقاق الذي قال به إيفريت، واعتمد على ما يسمى فكرة التواريخ البديلة (alternative histories)، حيث يشرح دويتش الفرق بافتراض وجود كتابين يتحدث كل منهما عن قصة بطل يريد اجتياز أحد الأنهار، فهو في أحد الكتابين يجتازه سباحة، وفي الآخر يجتاز النهر من فوق أحد الجسور، فلكل كتاب طريقة مختلفة، أي تكون النهاية متطابقة بينما تختلف التفاصيل، وعند إعادة دمج التفاصيل مع بعضها نعود إلى نفس البداية المتطابقة أيضاً، أما إيفريت فتختلف عنده النهاية مع التفاصيل ولا يمكن العودة إلى بداية أولى متطابقة.

وهناك فرضية أخرى تعود إلى نظرية التضخم الكوني (Cosmic inflation) التي طرحها العالم  الأمريكي آلان غوث، والتي جاءت بدورها كمحاولة للتغلب على المشاكل الموجودة في نظرية الانفجار العظيم (Standard big bang theory)، مثل مشكلة الأفق والتسطح وعدم وجود أقطاب مغناطيسية مفردة وغيرها من المشاكل. ويجدر بالذكر أن نظرية التضخم الكوني بنيت بدورها على نظرية أخرى لم يتم إثباتها علمياً حتى الآن وهناك اعتراضات عليها.

في البداية تفترض نظرية التضخم الكوني أنه بعيد بداية الانفجار العظيم وعند  ثانية من زمن بداية هذا الانفجار، مر الكون بمرحلة تضخم هائل وبسرعة أكبر من سرعة الضوء نفسها -سرعة الضوء تساوي حوالي 300000 كم في الثانية- واستمر هذا الأمر حتى مدة   من زمن البداية، وبعد هذه المدة تابع الكون توسعه ولكن بنسب أقل.

طورت النظرية من عدد من العلماء الذين افترضوا أنه في المراحل الأولى من فترة التضخم البالغة السرعة وُلدت أكوان عدة [3]، وسُمي هذا النموذج بالتضخم الأبدي (Eternal inflation).

المصدر: Yinweichenl/wikipedia

وبناء على نظرية التضخم الكوني اقترح الفيزيائي الروسي الأصل أندريه ليندا نموذج التضخم العشوائي، حيث يكون فيه الكون ذاتي التولد مكونا من أجزاء مختلفة، كل جزء منها يبدو ككون صغير ومستقل عما يحدث في بقية الأجزاء.

ومن الفرضيات الأخرى للأكوان المتوازية الفرضية المعتمدة على نظرية الأوتار (String theory)، حيث تفترض الأخيرة أن الجسيمات الذرية وتحت الذرية ليست جسيمات نقطية عديمة الأبعاد (أي نقاط صغيرة ذات بنية داخلية)، وإنما هي حلقات صغيرة مصنوعة من أوتار تتحرك وتهتز، وهذه الأوتار لها 10 أبعاد أو 11 بعدا حسب النموذج المستخدم من نظرية الأوتار، وهذه الأبعاد تنتج لنا عدد كبيراً من الأكوان قد يصل إلى ، وفقا لحسابات البريطاني ستيفن هوكنغ، وبعض هذه الأكوان مشابه جداً لكوننا الحالي.[4]

ووصل الأمر أخيرا بعالم الكونيات ماكس تيغمارك ليقول إن أي افتراض رياضي لوجود كون يعني أن هذا الكون موجود بالفعل في مكان ما؛ فالوجود الرياضي لشيء ما حسب رأيه معادل لوجوده الفيزيائي!

لي سمولين

بل وصل الأمر بآخرين -كالفيزيائي الأمريكي لي سمولين- إلى تطبيق بعض مبادئ نظرية التطور الداروينية على الأكوان المتوازية، فأدخل مفاهيم الانتقاء الطبيعي والصراع من أجل البقاء على الأكوان التي تتكيف لتبقى![5] ويعدّ سمولين وغوث من العلماء الذين يرون إمكانية نشأة كون جديد داخل ثقب أسود ويتوسع إلى نطاق جديد في “الزمكان” لا يمكننا الوصول إليه.

هنا نصل الى استعراض أهم الفرضيات حول الأكوان المتعددة، وفي المقال القادم إن شاء الله أتحدث عن أعم الاعتراضات والردود على هذه الفرضيات.

 


الهوامش

[1] John Gribbin ,In search of the multiverse, John Wiley&SonsLInc,Hoboken,New Jersey,2009 p.63

[2] Ibid p.62

[3] Rupert Sheldrake, The science delusion,Hodder&Stoughton.,Uk company,2013 p.94

[4] John Gribbin ,In search of the multiverse, John Wiley&SonsLInc.,Hoboken, New Jersey,2009 p.167

[5] Ibid pp.189-190

الأكوان المتعددة: علم أم خيال؟ (1 من 3)

محمد عدنان شيط

 

تصور أيها القارئ الكريم أن هناك كونا آخر انتصر فيه عبد الرحمن الغافقي بمعركة بلاط الشهداء وسيطر على باريس عاصمة فرنسا، وتصور أنه في كون ثالث اكتشف المسلمون أمريكا بدلاً من الإسبان فنجى السكان الأصليون من الإبادة، وتخيل أن كونا آخر انتصر فيه نابليون في معركة واترلو ليهيمن بعدها على القارة الأوروبية بدلاً من أن يقضي آخر حياته منفياً في إحدى الجزر النائية.

لعلها أفكار غريبة وجميلة في آنٍ واحد وتفتح المجال لتخيلات واسعة، لكن الواقع يقول إنه لا يكفي أن تكون الفكرة جميلة أو غريبة كي نصدقها؛ فضلاً عن أن تصدقها الاختبارات العلمية، ومن أشهر هذه الأفكار الغريبة فرضية الأكوان المتعددة أو المتوازية (Parallel or Multiverse Universes).

ربما طرحت هذه الفرضية من قبل الملحدين للهروب إلى الأمام، في محاولتهم لتفسير الضبط الدقيق الموجود في الكون وتفسير المبدأ الإنساني، فهذا المبدأ ينص على أن هذا الكون بقوانينه وبثوابته الفيزيائية الدقيقة جداً معدّ لحياة ذكية تنشأ في هذا الكون، ولو أن ثابتاً واحداً اختلف اختلافاً طفيفاً لما كنا اليوم موجودين.

لنأخذ مثالاً واحداً عن هذه الثوابت، وهو الجاذبية، فلو كانت أقوى بقدر ضئيل جداً مما هي عليه الآن لانهار الكون على نفسه، ولو كانت أضعف بقليل مما هي عليه لما تجمع أي شيء على بعضه ولبقي الكون فراغاً مبعثراً.

ستيفن هوكينغ

أحد أشهر الملحدين ستيفن هوكينغ فسر هذا الضبط الدقيق في الكون بوجود أكوان متوازية، ونفى خلق الكون من إله؛ حيث قال في كتابه “التصميم العظيم”: إن الضبط الدقيق في قوانين الطبيعة يمكن تفسيره بوجود الأكوان المتعددة… إن مفهوم تعدد الأكوان يمكنه أن يفسر الضبط الدقيق للقانون الفيزيائي دون حاجة لوجود خالق محسن يقوم بخلق الكون لمصلحتنا”[1]

وإحدى الطرق الأخرى للهروب من البحث عن تفسير مقنع للمبدأ الإنساني هي القول إن هذا أمر طبيعي وعادي جداً، كما قال مارتن ريس عالم الفلك: “إذا كان هناك مخزون كبير من الألبسة لن يفاجئك العثور على بذلة تناسبك. وإذا كانت هناك أكوان كثيرة وكل كون تحكمه مجموعة مختلفة من الأرقام فسيكون هناك واحد؛ حيث توجد مجموعة من الأرقام الملائمة للحياة، ونحن في هذا الواحد.”[2]

و قبل  الشروع بالحديث عن ماهية فرضيات الأكوان المتوازية لا بد من إشارة صغيرة إلى أنه لو نظرنا إلى المبدأ الإنساني من وجهة نظر إسلامية فما هو إلا مبدأ التسخير الذي ذكره الله تعالى في عدة مواضع من القرآن  الكريم؛ حيث قال تعالى في سورة لقمان: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير}، وقال تعالى في سورة الجاثية: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}، فهذا الكون مسخر ومعد لقدوم الإنسان له ليحاول سبر أغواره واكتشاف أسراره، والأهم من هذا بالطبع التعرف على خالق الكون من خلال الكون نفسه وقوانينه وعظمة خلقه وحسن وروعة صنعه.

أما فرضية الأكوان المتعددة فهي ليست نظرية علمية وإنما استنتاجات ونماذج مختلفة تولدت عن مجموعة من النظريات الفيزيائية والكونية الأخرى التي دفعت بعض العلماء –خاصة الملحدين- للقول إننا نعيش في عوالم أو أكوان متعددة. وظهرت هذه الفكرة في وقت مبكر مع قصص الخيال العلمي قبل أن تُؤخذ بعين الاعتبار في الأوساط العلمية، ويؤكد هذا جون غريبين أحد أشهر المبشرين بهذه الفرضية في كتابه “بحثاً عن الأكوان المتعددة”.[3]  حيث تحدثت عدة روايات عن الأكوان المتعددة بطرق مختلفة، منها رواية “الرجل في القلعة العالية” للكاتب فيل ديك الصادرة عام 1962، والتي تفترض تاريخاً بديلاً تنتصر فيه دول المحور (ألمانيا، اليابان، إيطاليا) في الحرب العالمية الثانية بدلاً من انتصار الحلفاء (أمريكا، بريطانيا، الاتحاد السوفيتي).

أهم الفرضيات
نبدأ بأقدم هذه الفرضيات، فكما هو معروف في ميكانيكا الكم (الكوانتم) فإن الجسيمات الذرية وتحت الذرية يتم التعامل معها على أساس احتمالي يخضع لمبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ  (Uncertainty principle)، حيث تصبح القيم متغيرة.

ويتضح هذا الأمر خاصة عند فهم تجربة الشقين[4]، ففي محاولة تفسير هذا التصرف الغريب الذي تقوم به الجسيمات الذرية وتحت الذرية  جاء تفسير كوبنهاجن، والذي كان أول من طرحه هو الفيزيائي الدانماركي الشهير نيلز بور، فقال إنه لا مجال للحديث عن الإلكترون أو حالته قبل أن نتمكن من رصده.

في مقابل هذا التفسير طرح الفيزيائي الأمريكي هوف إيفريت الثالث ما عرف بعدها باسم تفسير العوالم المتعددة لفيزياء الكوانتم (The many-worlds interpretation of quantum physics) أو المعروف باختصار MWI، فتاريخ هذه الأكوان يبدأ من نقطة واحدة ثم تحصل تشعبات أو تفرعات أو انشقاقات (splitting) مثل شجرة تبدأ بجذع واحد ثم تتشعب منها أغصان أخرى إلى ما لا نهاية.

ووفقاً لهذا التفسير فحالة الجسيمات الذرية متغيرة دائماً لوجود عدد لا نهائي من الأكوان، فهي مثلاً تتصرف في أحد الأكوان كجسيم وفي الكون الآخر كموجة، والفارق بين تفسير كوبنهاجن لبور وتفسير العوالم المتعددة لإيفريت يتضح جلياً في مثال قطة شرودينغر الشهيرة[5] التي لا يعرف هل هي حية أم ميتة، فوفقاً لتفسير كوبنهاجن فإننا لا نستطيع بلورة نتيجة نهائية لحالة القطة قبل أن نفتح الصندوق الموجودة فيه، بينما تفسير إيفريت يقول إن القطة حية وميتة في آن واحد ولكن كل حالة في كون مختلف، فهي حية في كون وميتة في كون آخر.[6]

ومن فرضية إيفريت هذه بدأت تخرج الفرضيات الأخرى حول الأكوان المتعددة، والتي سنتابع في المقال القادم إن شاء الله استعراضاً موجزاً لأهمها.

 


الهوامش

[1] ستيفن هوكينغ ليونارد ملودينوو، التصميم العظيم، ترجمة أيمن أحمد عياد، دار التنوير للطباعة والنشر،2013 ص198

[2] بيل برايسون موجز تاريخ كل شيء تقريباً، ترجمة أسامة محمد إسبر، مكتبة العبيكان،2014 ص34

[3] John Gribbin ,In search of the multiverse, John Wiley&SonsLInc.,Hoboken, New Jersey,2009 p.29

[4] https://www.youtube.com/watch?v=9xsVDyz3nMo

[5] https://www.youtube.com/watch?v=AQrCgFz4zEE

[6] جون غريبين، البحث عن قطة شرودينغر، ترجمة فتح الله محمد إبراهيم الشيخ، كلمات عربية للترجمة والنشر،2009 ص257 بتصرف

لماذا نكتب في الإلحاد؟

نور الدين قوطيط

 

الإلحاد ليس حالة طارئة في العصر الحديث، بل هو حالة صاحبت الإنسان منذ القدم. لكن، بعد ثورة وسائل الاتصال بمختلف أشكالها، وفي إطار أجندات مختلفة، وبسبب عوامل متشابكة، انفجرت موجة الإلحاد في الشرق والغرب، ولم يكن العالم الإسلامي بمنأى عن هذا الانفجار!

ولقد كتب كثيرون حول الإلحاد بأساليب شتّى ومن زوايا مختلفة، ما بين مُسهب ومختصر، ومُكثر ومُقل. غير أن المتابع يدرك أن هناك حاجة مهمة لتقديم مزيد من البحوث والتحليلات لمنظومة الإلحاد بشتى جوانبها ولوازمها، ولمختلف آثارها المعرفية والنفسية والسلوكية!

في هذه المقالة سأذكر -بشكل مختصر- أربعة مبررات أراها كافية للنهوض بهذه المهمة بشكل متواصل واجتهاد دائم. هذه المبررات يمكن تلخيصها في التالي:

أولاً- تبليغ الرسالة
المسلم إنسان رسالي، بمعنى أنّه بمقتضى عهد الإيمان يجد نفسَه مدفوعاً للقيام بمهمة التبليغ والبيان للرسالة الخالدة التي يتضمنها الوحي الرباني. ولا شك أنّه حين ينصرف عن هذه المهمة المقدسة لأي مبرر يمكن أن يقدمه، فإنّه يكون مقصّراً تقصيراً بالغاً في التزام متطلّبات الإيمان!

ينبثق حس المسلم بضرورة تبليغ الرسالة عن اعتقاده أنّ الله سبحانه لم يخلق الإنسان عبثاً ولم يتركه سدى، بل بالحري أنه خلقه لغاية مقدسة: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون/15]. ولهذا، فالمسلم يعتقد أن الإنسان يستحق أن يعرف الحقيقة.. حقيقة الخالق والإنسان والحياة والمصير بعد الموت.

كما أن المسلم يعتقد -انطلاقاً من مرجعيّته الإسلاميّة- أن العقل يتضمن منظومة قواعد دلالية، تساعده على الاهتداء إلى الحق واستيعابه بشكل مجمل: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم/30]. وهنا فإن دور المسلم تجاه الآخر ينحصر في التبليغ والبيان.

لكن، بالرغم من أنّ جوهر الفطرة هو محبة الحق والانجذاب إليه، إلا أنّ الإنسان لديه قابليّة موازية تتمثل في السقوط في مستنقع الانحراف والضلال، بفعل عوامل مختلفة. كما جاء في الحديث القدسي: {إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم} (صحيح مسلم)، أي أتتهم الشياطين فصرفتهم عن فطرتهم وأغرقتهم في الأباطيل.

في هذا الإطار، يمكننا أن نفهم بأنّ مهمة الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم هي استنقاذ الإنسان من أوحال الضلال والانحراف، ومساعدته على العودة إلى أصول فطرته الربانية: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية/21]، {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [العنكبوت/18]. فإن شعلة الفطرة قد تخبو لكنها لا تنطفئ أبداً!

إذن، إن القيام للمساهمة في كشف الإلحاد وبيان أباطيل الملحدين يأتي في سياق عقيدة المسلم التي توجب عليه بيان الحق ليعرفه الناس وكشف الباطل ليجتنبوه، وهو ما يُعبّر عنه بشعيرة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. وإلا فإن التزام الصمتَ هو في الواقع مساهمة للترويج للإلحاد وإشاعة للمنكر ومحاصرة الحق وتغطية على براهين التوحيد وحقائق الإيمان!

ثانياً- معركة الأفكار
المعركة بين الحق الذي يمثل التوحيد و الإيمان و الإسلام، وبين الباطل الذي يمثل الشرك والكفر والجاهلية، قديمة جدّاً ترجع إلى لحظة إعلان الله سبحانه خلقه لآدم عليه السلام، وأمره تعالى للجميع بالسجود له تشريفاً وتكريماً، فأطاعت الملائكة عليهم السلام أمر ربهم، وعصى إبليس حسداً من عند نفسه واستكباراً: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة/34].

ورغم التاريخ الطويل للبشرية والموغل في القدم، ورغم ما شهده من أحداث، فلم يكن يعكس في الواقع سوى أبعاد تلك المعركة الكبرى، ولم يكن سوى مسرح لمختلف مظاهرها وتجلّياتها! إذ ما كان لإبليس اللعين -وقد عرف مآل استكباره وطغيانه وإعجابه بعقله- أن يستسلم ويترك الساحة خالية لهذا المخلوق البشري الذي تسبّب له في اللعنة الأبدية: {قالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر/39،40].

لقد خاض الأنبياء عليهم السلام هذه المعركة بكل قوة وحزم، ورسموا لأتباعهم ضد أتباع الباطل والشر والاستكبار إطار المعركة وأساليبها وبراهينها وحدودها وغاياتها، وبذل هؤلاء العظماء العرق والدم، كما ضحوا بالراحة والمتعة، نعم وصبروا على المشاق والضغوط، كل ذلك في سبيل الانتصار للحق الأزلي، للتوحيد والإيمان، للخير والصلاح والجمال، رغم الجهود الهائلة التي بذلها أتباع إبليس المفسدين في الأرض لصد الناس عن معرفة الحقيقة!

واليوم، ها نحن أولاء نشهد فصولاً جديدة من هذه المعركة الخالدة.. معركة الإيمان والإلحاد! وهي جديدة لا لأن المضامين تغيّرت، ولا لأن الغايات تبدّلت عما كان عليه الحال خلال التاريخ الطويل، بل لأن حجم الكيد والمكر، وعنف الشدة والضغط الذي يمارسه أتباع الباطل بسبب الامكانيات الهائلة التي يتمتعون بها، ليس له مثيل من قبل، خصوصاً القدرة الكبيرة على نشر المعلومة المزيفة عبر وسائل مختلفة: الجرائد والمجلات، والبرامج والأفلام، والمواقع والمدونات والفيديوهات!

ونحن في المرجعية الإسلامية لا تهولنا هذه المعركة رغم شراستها وضغوطها وامتدادها، كما لا يهولنا حجم المكر الذي يمارسه المفسدون في الأرض لمحاصرة الإيمان وإشاعة الإلحاد بشكل مباشر وغير مباشر. لا يهولنا كل هذا، لأننا نعلم أنّ هذه المعركة تتضمن الكثير جدّاً من أسرار الحكمة الإلهية في حياة الإنسان، في الدنيا والآخرة. ومن هنا، فهي سنة من السنن التي نحن مأمورون إسلاميّاً أن نتعامل معها بأسلوب الإيمان، إذ كان ذلك جزءاً أصيلاً من عقيدتنا المقدسة.

إن صناع القرار اليوم في الغرب والشرق لا يترددون في التصريح المباشر بأنهم يخوضون معركة تغيير القناعات وصراع الأفكار، ويمارسون هذه المعركة بشكل عملي بمختلف الوسائل الممكنة لهم، ماديّاً ومعنويّاً، ومن هنا، لا جرم أنه يجب علينا نحن حملة الرسالة المقدسة وأتباع التوحيد والحق الأزلي أن نقوم بدورنا في هذه المعركة بكل ما نستطيع، فهذا فرض الله سبحانه علينا: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة/251].

ثالثاً- شيوع الظاهرة
لا يمكننا إنكار حقيقة أن الإلحاد المعاصر لم يعد كما كان في الأزمنة الماضية، بل هناك اختلافات واضحة بين الإلحاد القديم والإلحاد المعاصر يمكن رصدها في التالي:

(أولاً) قديماً كان الإلحاد مجرد حالات شاذة هنا وهناك بين مختلف الأمم والحضارات بنِسب متفاوتة، أما اليوم في عصرنا الحاضر فهو أشبه بالظاهرة الاجتماعية والعالمية. ونقول بأن الإلحاد صار ظاهرة باعتبار الماضي، وإلا فالإحصائيات بل والواقع يؤكدان على أن نسبة الملحدين ضئيلة جدّاً مقارنة بنسبة المؤمنين.

(ثانياً) قديماً لم يكن للإلحاد الكثير من الآليات التي تساعده على الانتشار والذيوع، أما في عصرنا الحاضر فالإلحاد يعيش فترته الذهبية بفعل الامكانيات المادية الهائلة والوسائل المتعددة كالإنترنت والمجلات والكتب التي أتاحت له الانتشار والشيوع. ولهذا لم يعد الوصول إلى الجمهور بمختلف شرائحه مشكلة بالنسبة للإلحاد.

(ثالثاً) قديماً كان الإلحاد أقرب إلى قناعة شخصية يعيشها صاحبها ولا يعنيه كثيراً مشاركة الآخرين له فيها، أما في عصرنا الحاضر فالإلحاد صار يُقدم عبر خطط وآليات مدروسة على أنّه البديل الأفضل عقليّاً وأخلاقيّاً للأديان، أي إنّ الإلحاد اليوم يتبنى فكرة الصدام المباشر والمتعمَّد مع الإيمان لتحقيق أهداف معيّنة!

(رابعاً) قديماً كان الإلحاد في لحظة الدفاع والتبرير يعتمد على الجدل العقلي الفلسفي وعلى البُعد النفسي الأخلاقي، أما في عصرنا فالإلحاد لا يعتمد على هذين بقدر ما يستغل الهوس بالعلم الطبيعي لدى جمهور الناس لينال طابع المصادقة على صحته، خصوصاً وأنه يغطي قناعاته الإلحادية بالعلم على أساس أنها حقائق علميّة!

(خامساً) قديماً كان الإلحاد محصوراً بنسبة أكبر في دائرة ضيّقة جدّاً، هي دائرة المتعاطين للجدل والفلسفة، أما في عصرنا الحاضر بفعل عوامل متعددة كالحداثة والرأسمالية وتسطيح العقول وتنميط الرؤى والتخلف المادي الناتج عن طغيان الغرب على البلدان المتخلفة، فقد اتسعت الدائرة لتشمل حتى المراهقين والأميين وأشباههم!

(سادساً) قديماً كان الإلحاد ينطلق من دوافع شخصية منفصلاً عن أية سياقات اجتماعية وحضارية، أما في عصرنا الحاضر فلا يمكننا فصل الإلحاد في الفضاء العربي والإسلامي عن سياق معركة الأفكار وحرب تغيير القناعات التي يمارسها الغرب كجزء من استراتيجية الهيمنة ومحاصرة الإسلام، وهذا باعتراف صناع القرار الغربي ومراكز البحوث!

كانت تلك أهم معالم الاختلافات الجوهريّة بين الإلحاد القديم والمعاصر. وهي مبررات كافية لتقديم مزيد من البحوث حول الإلحاد، وتجديد أساليب العرض والبيان، لتكون محيطة بأوسع جوانب الظاهرة.

رابعاً- تفشي الأمية الشرعية
من السمات الواضحة في شبابنا المعاصر، ما يمكننا تسميته بالأمية الشرعية! والمقصود بها أن شريحة كبيرة من الشباب المسلم لا يعرفون من الإسلام سوى القشور ونُتف عابرة تلقفوها من هنا وهناك!

هذه الجهالة بحقائق الإسلام في الواقع لم تنشأ من فراغ وبدون أسباب، بل بالحري أن لها عوامل ساهمت في نشأتها وشيوعها ورسوخها، يمكننا تحديدها في التالي:

*حالة التخلف التي مرّ بها العالم الإسلامي في القرون الأخيرة قبل السقوط.

*الاحتلال الغربي لبلدان العالم الإسلامي وحرصه على فصل المسلم عن إسلامه.

*استمرار تنفيذ خطة الاحتلال الغربي من خلال وكلائه العلمانيين من خلال الإعلام والمقرر الدراسي.

*الانغماس في فضاءات الانترنت واللهاث المحموم وراء الأخبار والمنشورات وهو ما يستنفذ الوقت.

كل هذه العوامل أنشأت في الشباب المسلم قابلية كبيرة للتأث�� بالخطاب المنحرف، سواء تمثل في نسخته العلمانية أم في نسخته الإلحادية. فلا جرم أن يكون الواجب مضاعفاً على العلماء والدعاة والمفكرين تجاه هؤلاء الشباب، فهم مستقبل الإسلام، وإهمالهم وتركهم فرائس سائغة للخطاب الإلحادي وغيره، لا شك أنه ستكون له أضرار عظيمة فضلاً عن الخطيئة الكبرى في ميزان الله سبحانه.

البروفيسور جيفري لانغ.. من الإلحاد إلى الإسلام

لانا خياطة قطان 

ولد جيفري لانغ عام 1954 لأسرة مسيحية كاثوليكية، وقد عُمِّد وتلقى تعليمه في مدرسة كاثوليكية، ومُنح تثبيتًا دينيًّا على أنه كاثوليكي[1]، ترعرع مع أخوته الأربعة، بين يدي أم رؤوم، ممرِّضة كاثوليكيَّة ملتزمة، عرفها أبناؤها بالقوَّة والصَّبر والإرادة، ووُصفت بأنها قدِّيسة حقًا، وأبّ مدمن خمر عصبيّ فظّ، أشبع الجو العائلي بالعنف والضياع النفسي، وزرع الأسى في قلب طفل عاش طفولته رعبًا من أنَّ أباه سيقتل أمَّه ضربًا يومًا ما.

كان جيفري يعيش في شَرَك عقدٍ من الذنوب من جهات مختلفة، ذنب كراهيَّته لأبيه بسبب عنفه مع أمه، وذنب أنه ربما هو سبب هذا الغضب الموجَّه ضد أمه، وأقسى ذنب على الإطلاق هو ضعفه أمام أبيه حيال إيذائه لأمه.

وفي السنوات الست الأخيرة من عمرها، أصيبت أمه بانهيارٍ عصبي، وماتت في المستشفى، ثم توفي والده بعدها بعام.. وهنا لا بدَّ أن نذكر أنَّ شكَّه بوجود الله بدأ منذ حداثة سنِّه، عندما كان يصلِّي لكي يزيح الله والده من حياتهم، إلَّا أنَّ والده ظلَّ موجودًا.[2]

كان جيفري متوقد الذكاء، كثير الشك والجدل، فالشَّك من روح العصر الذي يعيش فيه، حتى طال المؤسّسات الدِّينيَّة، فلم يستطع مدرس التَّربية الدِّينيَّة، رغم أنَّه كان كاهنًا متمرِّسًا حقًّا أن يقنع طلابه بأنَّ الله موجود حقًّا، وبما أنَّ جيفري كان مولعًا بالرياضيَّات والمنطق، كان جدله في  فكرة بسيطة تتمثَّل في أنَّ مناقشة علم الوجود ليست برهانًا كافيًا على الوجود، فكان جزاؤه الطَّرد من الفصل ورسوبه في المادَّة، وأصبح ملحدًا في نظر جميع المحيطين به. ومع سيادة روح الشَّكِّ والفوضى والحرب والموت والدَّمار؛ فاغتيال كينيدي ومارتن لوثر كنغ ومخزى الرئيس نيكسون والشَّغب العرقي، ومذبحة فيتنام الغريبَّة، وكل الشغب والفوضى آنذاك، كان يعزِّز الشَّكَّ والتَّساؤل لديه.

وكان يتساءل: لماذا خلق الله هذا العالم العنيف النَّاقص؟ لماذا جعلنا نزَّاعين للإجرام قابلين للفساد؟ لماذا لم يضعنا في السماء منذ البداية بطبيعة غير قابلة للغواية؟ لماذا يعذِّب الأقوياء الضُّعفاء؟[3]

كان الإلحاد أقل رعبًا من كل تلك الأفكار التي تلاحقه حول عقوبة الله للجميع إلا فئة قليلة، وفكرة الخطيئة الموروثة، وإحساسه بغياب العدل الإلهي، وهكذا أصبح جيفري ملحدًا بشكل صريح في عمر الثَّامنة عشرة[4]، ولم يستطع أحد إقناعه بوجود إله، واستمر على ذلك فترة اثنتي عشرة سنة تقريبًا، مع حفاظه على معتقدات الآخرين، لم يكن يعتبر نفسه باحثًا في تلك الفترة من حياته، بالرَّغم من أنَّه كان يبحث دون أن يعي ذلك.[5]

أمَّا عن حياته الاجتماعيَّة، فقد انساق في بداية دراسته الجامعيَّة وراء أصدقاء من اتِّجاهات مختلفة، “ملحدين، يهود، بروتستانت”، ثمَّ بدأ يتجه في السَّنوات الأخيرة إلى “الهندوس والبوذيين”، وبدا له فيما بعد أنَّ تلك الصداقات كانت نموذجًا محددًا في صداقاته، يتطلَّع إلى أفكارهم بشأن الدِّين، وكان إصغاؤه أكثر من كلامه، فلم يضع معتقداته عقبة في طريق صداقاته.

وأمَّا عن حياته العلميَّة والمهنيَّة والعائليَّة؛ فقد أكمل دراسته الجامعيَّة في قسم الرياضيَّات في جامعة كونيتيكت، ثمَّ تزوج بعدها زواجًا نفعيًّا، حيث اتَّفقا على أنَّه يمكن إنهاؤه في أيّ فترة، ورحل مع زوجه إلى لافاييت الغربيَّة (إنديانا) لكي يتابعا دراستهما في جامعة بردوPurdue University [6]، وتمَّ طلاقهما بعد ثلاث سنوات بناءً على طلبها. ثمَّ تابع دراسته إلى أن تخرَّج سنة 1981م، وبقي في نفس الكليَّة محاضرًا حيث درَّس فيها فصلًا واحدًا.[7]

انتقل عام 1982م إلى مدينة سان فرانسيسكو الكبيرة، للتَّدريس في جامعتها، وهي أقدم جامعة يسوعيَّة في أمريكا[8]. وفي أولى محاضراته في هذه الجامعة تعرَّف على شاب وسيم أنيق وثري اسمه محمود قنديل، من أصل سعودي، وتوطَّدت علاقته به بأن عرَّفه على عائلته؛ أخوته (عمر وراجية قنديل)، واتَّخذوه صديقًا مقرَّبًا لها، عاش معهم أوقاتًا سعيدة جدًا، وكان جيفري يناقشهم في بعض الأحيان في الدِّين فيجيبون عن تساؤلاته، فوجد أنَّ أفكارهم الدِّينية تتبع ميثولوجيا محدَّدة وأساساً منطقيًّا معينًّا، وفي يوم أهدوه نسخة من القرآن الكريم مع بعض الكتب عن الإسلام، وبعد أن وجد في القرآن ما وجد، شعر بالانقياد إلى طريق واحد لا ثاني له، فاتَّجه إلى مسجد الكلية ليسأل بعض الأسئلة[9]، وإذ به يسلم وينطق بالشَّهادتين.[10]

تزوَّج من راجية قنديل أخت صديقه محمود، وعاش مع عائلته وبناته الثَّلاث (جميلة وسارة وفاتن) في كنساس، حيث عمل أستاذًا في قسم الرِّياضيَّات في جامعتها، إلى أن استقال مؤخرًا من عمله[11]، ومازال يرفل في سلام وسكينة الإسلام.

عانى في الفترة الأخيرة من أزمات قلبيَّة جعلته ينقطع عن العمل وعن التَّواصل مع النَّاس[12]، وقدَّم الكثير من المحاضرات واللقاءات عن الإسلام، وكانت له عدَّة مؤلفات، ساهمت في تكوين حصيلة من الأدبيَّات الإسلاميَّة المهمَّة في المجتمع الغربيّ.


الهوامش

الكاتبة مساعد العميد في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر.

[1] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 22.

[2] جيفري لانغ. ضياع ديني، ص: 31-33.

[3] المرجع نفسه، ص: 33-34.

[4] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 24. ورد في كتاب ضياع ديني أنه أصبح ملحدًا في سن السادسة عشرة من عمره. انظر: كتاب ضياع ديني، ص: 34.

[5] جيفري لانغ. ضياع ديني، ص: 34.

[6] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 26.

[7] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 28.

[8] المرجع السابق، ص: 30.

[9] المرجع نفسه، ص: 33-34.

[10] المرجع نفسه، ص: 43.

[11] زغلول النجار. قصة إسلام العالم الأمريكي جيفري لانغ، برنامج أفلا يعقلون، سلسلة الإعجاز العلمي، 22 سبتمبر 2012، رابط المقال:

https://www.youtube.com/watch?v=2LU0x9qG-CE

[12] في رسالة الكترونية أرسلها جيفري لانغ إلي بتاريخ 23 مارس 2017، أخبرني فيها أنه تعرض في ديسمبر 2016، إلى ثلاث عمليات جراحية في القلب خلال أربع وعشرين ساعة، اثنتان منها كانتا حالات حرجة.

التوفيق بين الفلسفة والدين عند الفارابي وابن رشد

 

إبراهيم إسماعيل

 

محاولة الفارابي (260 – 329هـ)
إن نزعة التوفيق بين الفلسفة والدين تعد نزعة أصيلة في الفارابي، وقد كان في طبعيه يميل إلى الالتقاء لا الاختلاف، لذلك حاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، رغم اختلاف مذهبيهما، على أن محاولة الفارابي هذه سببها ما نسب لأرسطو خطأ من كتاب “أثولوجيا” أو الربوبية، والكتاب في حقيقته ليس لأرسطو، بل لأحد تلامذة أفلوطين الاسكندري، ويمكننا تفهم صنيع الفارابي كون الفكر المترجم يومها لم يستوعب على حقيقته بعد، والمحافظون الذين توجسوا من الفلسفة، كان لا بد من العمل على تحقيق ما يدعم العقيدة والفلسفة معاً، وأهم الوسائل في نظر الفارابي إظهارها في مظهر موحد متفق عليه، وإثبات أنها تسعى لنفس الهدف الذي يسعى إليه الدين، فمحاولته التوفيق بين أفلاطون وأرسطو غايتها الدفاع عن الفلسفة من جهة، وتهيئة المنهجية لدعم الانسجام والاتساق بين الحقائق الموحى بها، والحقائق العقلية من جهة أخرى.

لاحظ الفارابي أن التوفيق بين الدين والفلسفة ضرورة لنهضة يتعاضد بها الطرفان للإسهام في سعادة الإنسان، لكنه في سبيل ذلك لجأ لتأويل الآيات حتى تنطق بالآراء الفلسفية التي يدين بها.

والحقيقة أن احتمالات التوفيق بين الدين والفلسفة، تجعل المحاولين إما أن يقفوا مع الفلسفة ويطوعوا النصوص لتؤدي فكرتهم المسبقة، وإما أن يجعلوا اليد الطولى للدين، وإما أن يضعوهما في كفتي ميزان متعادلتين، فالكندي أعلن تفوق الدين على الفلسفة ، بينما يكاد الفارابي يرى تكافؤ الفلسفة الصحيحة والدين الصحيح، فإن بدا تناقض؛ فهذا يدل على أن النظام الفلسفي المتناقض مع الدين يعتبر نظاماً واهياً لم تكتمل فيه البراهين المؤدية إلى اليقين.

وقد كان الفارابي مقتنعاً أن الحقيقة واحدة، والتعدد في الطريق إليها لا غير، لذلك لم يرى أي تناقض في أفكار أفلاطون وأرسطو، وهذا التوافق يفتح الطريق للتوفيق بين الفلسفة والدين، كما أسلفنا.

كما أنه كان يرى أن النزعة الإيمانية هي المنطلق للنظام الفلسفي، من خلال الإقرار بالصانع، فيجب البدء من العقيدة السليمة في توحيد الألوهية.

النزعة الدينية تطبع التوفيق
رأى الفارابي خطورة من الاعتداد المسرف بالتفكير النظري، دون مراعاة لبعض الحقائق الدينية التي قد تعي دقتها كبار العقول، وتتجلى محاولة الفارابي التوفيق بين الدين والفلسفة في كثير من بحوثه ومقالاته، ولعل أشهرها مبحث مكونات وشروط الرئيس الحاكم والحكيم الذي يحكم المدينة الفاضلة، وفي نظرته للنبوة والدفاع عنها في وجه خصومها.

الفكر السياسي للفارابي (المدينة الفاضلة)
يرى الفارابي أن المدينة بمثابة الجسد الصحيح الذي تختلف أعضاؤه في الوظائف، لكن فوقها جميعا القلب الذي هو مصدر الحياة، وعلى هذا الأساس اعتبر الفارابي رئيس المدينة السلطة العليا التي تستمد منها جميع السلطات، لذلك رسم لهذا الرئيس مثلاً في غاية الكمال، قل أن يدانيه إنسان، وتفوق شروط الفارابي شروط أفلاطون من حيث المدى والعدد، وتقع شروطه في مجموعتين، إحداهما فطرية، والأخرى مكتسبة، ويحدد الفطرية باثنتي عشرة خصلة وهي:

  1. تمام أعضاء الجسم
  2. جودة الفهم وحسن التصور لما يقال
  3. حفظ ما يراه ويدركه
  4. جودة فطنته وذكائه
  5. حسن عبارته وطلاقة لسانه وحبه للتعليم والاستفادة
  6. حبه للصدق وأهله وبغضه للكذب وأصحابه
  7. كبير النفس محباً للكرامة
  8. ليس همه حب المال
  9. يحب العدل وأهله، ويبغض الظلم وأهله
  10. يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه
  11. يؤتي من حل به الجور
  12. قوي العزيمة

وأما المجموعة المكتسبة فنلمح فيها آثار الثقافة الإسلامية، فإلى جانب ضرورة كون الحاكم حكيماً، يجب أن يكون عالماً بالشرائع والسنن حافظاً لها، جيد الاستنباط فيما لا يحفظ عن السلف فيه شريعة، وأن تكون له جودة رؤية وقوة للأمور والحوادث، وأن يتحرى فيما يستنبطه صلاح أمور المدينة، وأن يستنبط مما احتذاه الأولون، وأن يكون ذا مقدرة على القيام بالأعباء الحربية.

ويبدو من هذه الشروط أن مهمة الحاكم لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تشمل الديني والأخلاقي، لأنه قدوة يقلده الشعب.

ولعل أهم الشروط هو تسامي الحاكم في تدرجه الروحي التأملي حتى يصل إلى رتبة العقل الفعال، والعقل الفعال نوع من العقل المستفاد الذي تثبت فيه صور الموجودات ولكن ترتيبها فيه يختلف عنه في العقل بالملكة، أو العقل بالفعل، فقد كان الفارابي يرى أن العقل الفعال يقع خارج الإنسان، وأن الاتصال به لا يتم إلا عن طريق التصفية والتفكير والتأمل العميق الذي يحيل النفس إلى مبدأ شفاف حساس تنتقش فيه الحقائق، وهذا الشرط لم يشترطه أفلاطون لكن الفارابي أوجبه، وأضحت نظرية الاتصال بالعقل الفعال اللحن المميز لناشدي السعادة في الفلسفة الإسلامية بعد الجهود التي بذلها الفارابي في تشكيلها وشرحها لتفسير مشكلة المعرفة والسعادة والنبوة.

والعقل الفعال يمثل العاشر في سلسلة العقول المفاضة عن الأول في نظرية الفيض المشهورة، وبذلك تعتبر نظرية الاتصال بالعقل الفعال الذي تتحد فيه جميع العقول والصور وهي التطبيق الصاعد لنظرية الفيض التي تبدأ من الأعلى وهو “الواحد” وتنتهي بما تحت فلك القمر.

وهكذا يتطابق السبيلان (الصاعد والنازل) من حيث الوصول إلى الحقائق النهائية، وفي نقطة التقاء التأمل الصاعد بالفيض النازل، وهنا يتفق الفارابي وابن مسرة –وهما متعاصران- في هذا الموضوع.

والمهم في هذا الصدد أن بعض شروط الفارابي لرئيس المدينة أبعدته عن أفلاطون وقربته من الشريعة الإسلامية، بالرغم من التكلف أحياناً والخطأ في أحيان أخرى، ومما يؤكد ذلك نظرته للبشرية على أنها مجمع يسكن المعمورة وهذه النظرة الشاملة هي نظرة الإسلام، وهي على النقيض من نظرة اليونانيين الذين كانوا يفكرون ببدائل فعلية عن مجتمعاتهم الواقعية، دون تفكير في الأمم والشعوب الأخرى.

وبهذا العرض يرى الدكتور محمد كمال جعفر أن الفارابي كان متمسكاً بعقيدته الإسلامية، ويأسف لتهجم الكثيرين عليه وتكفيره وزندقته كما فعل ابن كثير، والغزالي الذي قصده أساساً مع ابن سينا في كتابه “تهافت الفلاسفة” ومثلهما فعل الشهرستاني والرازي وغيرهم.

فاستلهام الفارابي من القرآن دعاه لتأمل مصائر السابقين وعواقبهم للعظة والعبرة، فلم يقتصر في مدينته الفاضلة على النمط الأمثل، فقد تناول المدينة الجاهلة والفاسقة ومدينة الغلبة والبطش، وحكمه على هذه المدن تدل على استيعابه لمكارم الأخلاق كما قررها الإسلام، ويضوع أريج العقيدة الإسلامية في ثنايا فكره عند حديثه عن أدلة وجود الله، وحين يشير لتعدد أسمائه وصفاته مع توحده وتفرده، ويعزف الفارابي لحن الإيمان في أذن كل ملحد يتعلل بعدم وضوح إدراكه لله، فيبين أن ذلك راجع لضعف عقولنا وملابستها المادة والعدم، فإفراط كماله يبهرنا، فلا نقوى على تصوره على التمام.

وهذا عين التعليل الذي تبناه الغزالي في حديثه عن الألوهية وأنوارها الباهرة التي تعشي بصائر العقول فترتد حسيرة عاجزة عن الدنو المفضي إلى كمال المعرفة والتصور.

وبذلك فلم يكن الفارابي مفتوناً بالفلسفة لدرجة نسيان عقيدته، ولم يكن ممن يضحي بدينه في سبيل فكرته، ونلاحظ أنه حينما وضع الشروط التي ينبغي التقيد بها لطالب الحكمة جعل منها تعلم القرآن وعلوم الشرع أولاً، غير مخل بركن من أركان الشريعة وآداب السنة.

فلا محل إذن للاتهامات المتعلقة بنيته وقصده، فهذه الاتهامات لا يؤيدها دليل، ولا يدعمها برهان، بل هي حصيلة تخمين وظن، وسوء استغلال لنصوص الفارابي.

النبوة في نظر الفارابي
وهذا هو الموضوع الثاني الذي يتجلى فيه حرص الفارابي على عقيدته، ومحاولة تعزيزها بالتماس سند عقلي لأساسها ومصدرها الممثلين بالوحي والنبوة، ومع عدم موافقتنا لكل ما جاء به الفارابي، لكننا لا نغفل دافعه لهذه المعالجة، فقد اجتاحت موجة من الشك والإنكار لبعض أسس الإسلام في القرنين الثالث والرابع الهجريين، نتيجة لاختلاط المسلمين بعناصر مختلفة من ذوي عقائد متباينة، وقد بثت معتقداتها وأثارت الشبهات حول عقائد الإسلام، وبلغ الشك قمته مع التعرض لمصدر الدين وهو الوحي والنبوة، واشتغل علماء الكلام للذود عن العقيدة الإسلامية، وكان هذا هو الدور الإيجابي لعلم الكلام قبل انقلابه لسلاح يفتك بالوحدة الإسلامية، وتتابعت الردود على من أنكر النبوة، كما أنكر الدهريون الألوهية، ويتضح لنا أن فترة حياة الفارابي كانت مليئة بالمجادلات والسجالات حول أهم أصول الإسلام ومبادئه.

حجج منكري النبوة
في معرض الحديث عمن ينكر النبوة عادة ما يشار لرجلين وهما ابن الراوندي، والرازي الطبيب، فالأول من أصل يهودي، ويقال إنه انتمى للمعتزلة، ثم خرج عليهم وعلى الإسلام، وأقواله تبين اعتقاده بطلان النبوة وعدم الحاجة لها، فالعقل يغني عن الرسول، وقد يذهب منكرو النبوة لاعتبار إثباتها مجافياً للعدالة الإلهية، لما فيها من اختصاص وتفضيل لبعض الأشخاص، وأما الرازي الطبيب، فينسب إليه أنه تعلق بالآراء المزدكية والمانوية والمعتقدات الهندية، وينكر على الفلاسفة محاولاتهم التوفيق بين الفلسفة والدين، ويرى بالفلسفة وسيلة وحيدة للإصلاح، ويرى في الأديان تنافس على التطاحن والحروب، وتجدر الإشارة أننا لا نملك مصدراً صحيح النسب للرازي يبين صحة اتهامات بعض خصومه له، فمصدرنا حوله هم خصومه أصلا، خصوصاً من أتباع الحركة الإسماعيلية، وقد لمسنا المعادة والتجني عند دراستنا لسهل التستري فلاحظنا أن تهم خصمه الخوانساري له لا تثبت جميعا إلا واحدة وهي رفضه الانتماء للشيعة، لذلك فالأصل أن نتريث في نسبة كل هذه الآراء للرازي الطبيب.

تفسير الفارابي لظاهرة النبوة
لاحظ الفارابي أن منكري النبوة يدين أكثرهم بالبحث العقلي، ويتزعم معظمهم دعوى حرية الفكر، فاشتغل على جانبين أحدهما في رد الشبه، والثاني بالعمل على منح نظرية النبوة أساساً عقلياً ونفسياً يقبله الذين لا يرتضون إلا الأدلة العقلية، فيعودون إلى الدين، حين يقتنعون بأساسه، وهو الوحي والنبوة.

وتتصل نظرية النبوة عند الفارابي بنظريات المعرفة والسعادة والفيض لديه أيضاً، فقمة المعرفة هي قمة السعادة في نفس الوقت، تنم عن الاتصال بالعقل الفعال الذي احتل المرتبة الثالثة في الوجود في نظام الفارابي الفيضي الذي استقى عناصره من الأفلاطونية المحدثة، وحاول بكل طاقاته ص��غه صبغة إسلامية، والعقل الفعال أعلى مرتبة من العقل الإنساني، ويقع خارجه، وفيه توجد كل الصور والحقائق، وهو الذي يخرج العقل الإنساني من القوة إلى الفعل، وبذلك تكون المعرفة هبة وفيضاً آتياً إلى العقل الإنساني من الخارج، وليست حصيلة الاجتهاد والاكتساب.

أرسطو

أساس نظرية النبوة
لا يمكن أن ينكر أثر نظرية الأحلام عند أرسطو في نظرية النبوة عند الفارابي والكندي كذلك، وملخص النظرية أن النوم هو فقد الإحساس، والحلم ناتج عن المخيلة التي تعظم قوتها أثناء النوم لتخلصها من أعمال اليقظة كما يذكر أرسطو، فأثناء النوم تنشط المخيلة التي تختزن صوراً حسية كثيرة تحدث “الأحلام” فالأحلام ثمرة المخيلة ونتيجة من نتائجها، وقد تبنى الكندي والفارابي هذه النظرية، ومتابعتهما لأرسطو تتوقف عند هذا الحد، ثم ينفردان بالاتجاه الديني في تفسير الأحلام الهامة وغيرها.

والأحلام وردت في القرآن والسنة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤية إلا جاءت كفلق الصبح، على أن علماء المسلمين يميزون بين الرؤية الصادقة وأضغاث الأحلام، مما يشهد مرة أخرى بمستوى صاحب الرؤية النفسي.

وطالما أن الحواس تخمد أثناء النوم وتبرز الصور الذهنية للإحساسات المختلفة فيتشكل الحلم، فكيف يتم الأمر بالنسبة للنبوة؟

قبل ذلك لا بد لنا أن نقول إن أرسطو لا يفسر ما تصنعه المخيلة في النوم تفسيراً يتصل بالوحي الإلهي أو الإلهام الغيبي، لذلك لا مكان في مذهبه للتنبؤ بواسطة النوم، ولا يمكن اعتبار الأحلام نوعاً من الوحي الإلهي، بينما يرى الفارابي أن الإنسان يستطيع بواسطة مخيلته الاتصال بالعالم العلوي واختراق حجب الغيب، وإذا صح أن يكون لإنسان مخيلة جيدة يمكنها التخلص من ربقة الحس، فإنه قادر على الوصول إلى عالم المعرفة والاتصال بالعقل الفعال.

وعلى هذا فيبدو أن الفارابي جعل الأحلام تفسيراً يمكن أن تشرح النبوة والوحي، فالنبي إنسان وهب مخيلة ممتازة نفاذة عظيمة تمكنه من الحصول على الإلهامات السماوية في مختلف الظروف والأوقات، لذلك ليس الأنبياء بحاجة للنوم لتعطل حواسهم ليتم تفريغ المخيلة، بل يستطيعون ذلك حال اليقظة، لكن الأنبياء ليسوا وحدهم في هذا الميدان، فمعهم الفلاسفة الناضجون قادرون كذلك على الاتصال بالعقل الفعال بواسطة التأمل العميق، وتركيز اليقظة.

ويبدو أن الفارابي -بحسب أقواله-كان يرى أن للنبي طاقة أخرى تمكنه من التقاط الوحي واستيعابه، وعليه فلم يجعل الوحي عماد مخيلة النبي.

نقد النظرية
لهذه النظرية رصيد إيجابي يحسب للفارابي، بيد أن لها جوانب أخرى تعد من أخطر مثالبها، فيحسب لها الانتصار لمبدأ النبوة من حيث هي مبدأ في وجه المنكرين لها، لا بالنسبة للمؤمنين بها، ويلاحظ أن الفارابي خلع على العقل الفعال الصفات المأثورة لملك الوحي جبريل الذي أخبر عنه الإسلام، وهو بمجموع عناصر هذه النظرية (النفسية والتجريبية والدينية)، بنى الدعامة الفلسفية للنبوة والوحي ليثبت اتفاقهما مع العقل، ومن ثم لا يصح إنكارهما، وبذلك اطمأن الفارابي أنه وفق بين الدين والفلسفة، دون أن يلاحظ أنه يوفق بين الدين والفلسفة اليونانية بالذات، مع تعسفه بتأويل النصوص الدينية للوصول لذلك.

كما أن هذه النظرية تسوي بين النبي والفيلسوف، ويبدو أن الفارابي لم يأبه بذلك فالمعلومات سواء كانت مكتسبة بالفكر، أو بواسطة مخيلة، فلا فرق بينهما ما دام العقل الفعال مصدرها جميعاً، فقيمة الحقيقة لا ترتبط بالطريق بل بأصلها، والنبي والفيلسوف يرتشفان من معين واحد، على أن الفارابي يبين مقدرة النبي على الصعود للعالم العلوي عن طريق المخيلة أو عن طريق العقل القدسي، وبالتالي فلا مجال لتفضيل الفيلسوف عليه.

لقد توقف الفارابي عند تكافؤ النبي والفيلسوف من حيث المعرفة والرتبة، وهو بذلك يمهد الطريق لمن سيقول باكتساب النبوة، وهذا يتناقض مع كونها اصطفاء إلهي، كما أن النبوة ليست حصيلة نفسية مخترعة، بل تتمثل في تكيف طبيعة الوحي وسيره مع التسليم الكامل بوجود حقائق موضوعية عليا خارج النفس الإنسانية، وهذه النقطة تبقي الفارابي في حظيرة الإسلام، وهي النقطة التي أراد توكيدها لمنكري إمكان الوحي.

لقد تناول الفارابي النبوة بشكل عام وبصورة تجريدية، على الرغم من أن كثيراً من منكري النبوة في عصره كانوا يقصدون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، تمهيداً لإنكار الدين الإسلامي برمته، فلو أولى فلاسفة الإسلام عنايتهم بإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لحققوا جميع الأغراض التي سعوا إلى بعضها ففشلوا، فإذا كان الفارابي منح النبوة أساساً عقلياً يحسبه مقبولاً، فقد سلبها أخص سماتها المتمثل بالاصطفاء.

نمط من الاستدلال على النبوة
يمكن تناول هذه القضية من جانبين، الأول تاريخي موثق، والثاني موضوعي مشاهد، أما الجانب الأول، فيتصل برجل أمي معروف، ادعى النبوة وقدم أدلتها، وألقى تعاليمه التي لا تخدم مصلحته الفردية أو العائلية، ونجح على سائر القوى المحيطة، ولم يكن متسلطاً، وترك حرية الاعتقاد، وأتى بكتاب يتضمن أخباراً وأحكاماً ونصائح ومواعظ، ولقد قام بعد متنبؤون عجزوا عن تقديم ما قدم.

وأما الجانب الموضوعي فيتمثل في القرآن الذي كان حاملاً أمانة تأديته، وتتصدر كثير من آياته بـ قل، ويسألونك وغيرها، ولم يتصرف بالوحي بأي طريقة كانت، بالإضافة لآيات العتاب وما شابهها، كل ذلك يؤكد أنه أدى الوحي كما هو.

وبالعودة لنظرية الفارابي فقد تبناها عدد من فلاسفة الإسلام ونسجوا على منوالها، فاعتنقها ابن سينا، وجعلها متنفسا لآرائه الميتافيزيقية، وكما قلنا إن غايتهم بالدرجة الأولى الرد على من ينكر مبدأ النبوة، وإمكان فهمها عقلاً، لذلك كتب ابن سينا بعنوان “في إثبات النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم”، ولا شك في أن محاولة جعل حقيقة النبوة أمراً ثابتاً مفهوماً شيء، ومحاولة سبر أغوارها وكشف أسرارها، والتوغل في جوهرها شيء آخر، فالمحاولة الأولى تقف عند حد إثباتها والبرهنة عليها وعرض شواهدها، بينما الثانية اقتحام حمى ليس للعقل طاقة به مهما بلغت قدرته.

ويختم الدكتور محمد كمال جعفر حديثه في هذا الباب بعرض أحد عشر نقطة جوهرية تتعلق بالنبوة كما يبينها القرآن.

 

تمثال لابن رشد في قرطبة

محاولة ابن رشد (520 – 595هـ)
ظفرت فلسفة أرسطو بعناية ابن رشد، فخصها بالشرح والإذاعة، ونقد علماء الكلام، ودافع عن الفلسفة باستماتة عله يعيد لها بعض الحياة بعد ن كادت تلفظ أنفاسها على يد الغزالي، واتُّهِمَ بالزندقة، واضطهد حتى نفي وطرد هو وابنه من المسجد ومنع من الصلاة مع الناس.

لقد سادت في المجتمع حينذاك موجة سخط على الفلسفة، وخصوصاً بعد حملة الإمام الغزالي، فكانت الفكرة الشائعة في المجتمع الأندلسي أن الفلسفة بعيدة كل البعد عن الإسلام، وكل من يشتغل بها أهل لأن يرمى بالإلحاد والزندقة، حمل هذا الموقف غير المنصف ابن رشد على الدفاع عن الفلسفة والتفلسف الصحيحين، وراح يثبت بالأدلة العقلية والنقلية أن لا تعارض ولا تناقض بين الدين والفلسفة، ولا يختلف ابن رشد عن جهود من اشتغلوا على قضية التوفيق بين الفلسفة والدين حيث أراد القول إن الفلسفة باعتبار أنها طريق اجتهادي وكسبي، تفضي إلى نفس الحقيقة التي دعا إليها الدين وطريقه الوهبي.

لقد كانت محاولة ابن رشد صعبة، فالفلسفة محرمة، والفلاسفة مضطهدون، وضربة الغزالي للفلاسفة من خلال “تهافت الفلاسفة” ما يزال أثرها فعالاً في ربوع العالم الإسلامي، فكيف يثبت ابن رشد اتفاق الدين مع نمط فكري أثبت الغزالي تكفير أهله في مسائل وتبديعهم في أخرى؟

واجه الكندي من قبل عداء الطاعنين للفلسفة، بيد أنه لم يواجه تأليفاً منظماً يهدم أسسها ويكفر أهلها، فكفاه مجادلة الطاعنين وبيان ضرورة التفلسف ونفعها، وأما ابن رشد فقد واجه مؤلَّفاً دقيقاً ينتقد بالتفصيل آراء فلاسفة المسلمين، ومؤلِّفه علم جليل من أعلام الأشعرية كلامياً، ومن أعلام الصوفية، وتلامذته منبثون في الآفاق، لهم وزنهم وتأثيرهم على طبقات المجتمع، فكيف السبيل لرد المكانة للفلسفة وتبرئة ساحتها؟

أدرك ابن رشد أن السبيل الوحيد لذلك، هو الرد بمؤلَّف يفند ما ورد بكتاب الغزالي فأسماه “تهافت التهافت” ولا بد من ملاحظة أن الغزالي لم يقصد هدم الفلسفة، وإلا لسمى كتابه “تهافت الفلسفة” وإنما أراد دحض وإثبات وتفاهة آراء الفلاسفة المسلمين وبشكل مخصوص الفارابي وابن سينا، لذلك سمى كتابه “تهافت الفلاسفة”، ومهما يكن من أمر فإن ابن رشد أراد أن يمهد لإعادة الثقة إلى الفلسفة.

إن عمل ابن رشد المتقن، جعل معالجته علمية تستند إلى البرهان، والتوفيق بين الدين والفلسفة عند ابن رشد لا يعني جعلهما شيئاً واحدا، فهو لم يغفل استقلال الدين عن الفلسفة، وإن كان ذلك لا يعني تناقضهما بالضرورة، ويمكن أن نلخص المبادئ الأساسية التي وضعها ابن رشد لمحاولته بالتالي:

  1. إيجاب الدين للتفلسف (التفكير).
  2. معاني الدين ذات مستويين أحدهما جلي قريب، وآخر خفي بعيد.
  3. لتأويل النصوص الدينية قواعد، حتى سائر الطرائق العقلية.
  4. تقدير قيمة العقل، وتحديد مدى قدرته وصلته بالدين.

ففي النقطة الأولى بين أن الفلسفة ليست أكثر من النظر في الموجودات باعتبارها تدل على صانعها، وهو بذلك يشبه ابن مسرة في معالجته، ويرد على من يقول إن الفلسفة تؤدي للكفر والغواية بالقول إن ما يقع من كفر وغواية لا يرجع لطبيعة الفلسفة وإنما لنقص نظرة الناظر، أو سوء ترتيب نظره في القضايا الفلسفية، وقد يكون ذلك من غلبة شهواته، أو أنه فهم خطأ لغياب المعلم المرشد،  ويستشهد ابن رشد بالحديث في مسألة الرجل الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسقي أخاه العسل لإسهال كان به.

ويؤكد ابن رشد أن الشرع أوجب النظر العقلي واستنباط المجهول من المعلوم من خلال القياس العقلي والبرهاني الذي حث عليه الشرع.

وفيما يتعلق بالمبدأ الثاني الي يشير إلى ازدواج النظرة إلى النصوص القرآنية على مستويين قريب جلي، وبعيد خفي لا يدرك إلا بالتأويل، فالأول يدركه العامة، والباطن له أهل الخاصة من ذوي البرهان، وابن رشد يقصد هنا أن المعنى الباطني لا بطريقته الصوفية، وإنما ما يتوصل إليه من خلال النطاق العقلي المستند لقواعد المنطق، وهو يقسم الناس إلى ثلاث طوائف: الخطابيون والجدليون والبرهانيون، فالأولى طائفة العامة يقتنعون بالأدلة الخطابية، والجدليون علماء الكلام، وهم أحسن من العامة ودون الفلاسفة، لأن الفلاسفة لا يقنعهم إلا الأدلة البرهانية اليقينية بحسب ابن رشد.

ويقرر ابن رشد أن ذوي الاقتناع الخطابي والجدلي عليهم أن يقبلوا النصوص الشرعية على ظاهرها، وليس لهم تأويلها، فذلك شأن البرهانيين وحدهم، وتلعب فكرة العامة والخاصة لدى ابن رشد دوراً رئيسياً في نظرته للتوفيق بين الدين والفلسفة، فللخاصة وحدهم حق التأويل لأنهم بطبيعتهم برهانيون أي فلاسفة، وهذا يعني أننا بحاجة للفلسفة للقيام بهذا الدور التأويلي، والحقيقة أن مبدأ التأويل عند ابن رشد دليل على هدفه التوفيق بين العقل والوحي، أو بين الدين والفلسفة.