مقالات

منهج العلماء المسلمين في الوصول للحقيقة

ربى الحسني

 

يُجمع العقلاء على أن الحقيقة العلمية في أي مجال تمثل قمة المقدسات الفكرية التي يسعى العقل السليم إلى بلوغها بعد أن يشق إليها سبيلاً من البحث والطلب، وينبغي لهذا السبيل أن يكون مبيناً على مجموعة من الإدراكات الصادقة لأن العلم لا يتولد إلا عن علم مثله. ولذلك سعى علماء المسلمين إلى وضع منهج علمي فريد للوصول إلى الحقيقة وهو منهج يصلح لاستخدامه في شتى العلوم ويتلخص في القاعدة التالية: “إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل”.

وهذه قاعدة جليلة تدل على أن موضوع البحث لا يخلو دائماً من أن يكون: إما خبراً منقولاً فيجب البحث في تحقيق النسبة بينه وبين مصدره والتحقق من عدالة ناقله وعندها تنبثق عن هذا الخبر حقيقة علمية معينة، أو يكون ادعاءً يتجه البحث فيه إلى الأدلة العلمية المنسجمة معه والتي من شأنها أن تكشف عن مدى صدق هذا الادعاء، ولكل دعوى نوع من الأدلة العلمية التي يناسبها ولا يستبدل به غيره.

وقد وضع علماء المسلمين في سبيل تحقيق الخبر فنوناً خاصة لم يعثر عليها التاريخ إلا في المكتبة الإسلامية، وهي: فن مصطلح الحديث وفن الجرح والتعديل وتراجم الرجال، حيث تتكامل هذه الفنون مع بعضها لوضع ميزان دقيق يتضح فيه الخبر الصحيح الذي يورث اليقين من غيره، ومن البديهي أن كل ما يتعلق بالعقائد لا يقبل فيه إلا ما يفيد اليقين التام. وصنفت لذلك المؤلفات التي تستعرض سير الرجال الذين ترد أسماؤهم في أي سند من الأسانيد ترجمةً وجرحاً وتعديلاً، ثم تصنيف الخبر إلى متواتر وآحاد بأنواعه الشهيرة في كتب هذا الفن (الصحيح والحسن والضعيف والموضوع).

أما منهجهم للتحقق من صحة الدعاوى فيختلف حسب اختلاف نوع الادعاء، فما كان متعلقاً بموجود مادي فلا بد من الاعتماد فيه على براهين مادية قائمة على الحواس الخمس أي التجربة والمشاهدة، أما ما كان متعلقاً بأمر تجريدي أو غير خاضعٍ لشيء من الحواس الظاهرة فأدلته إما أن يكون منصوصاً عليها نصاً واضحاً في الكتاب أو السنة المتواترة أو الصحيحة التي تورث اليقين، وقد أفاد منهجهم في التحقق من صحة الأخبار إلى العلم اليقيني بأن القرآن هو اللفظ الموحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم والواصل إلينا عن طريق التواتر وكذلك ما تواتر من سنته. مع التنبيه إلى أن النصوص القطعية الثابتة في الكتاب لم تفد اليقين بمضمونها إلا بعد اجتيازها لمرحلتين من البحث والنظر، الأولى: التحقيق في سند القرآن واتصاله من محمد صلى الله عليه وسلم إلينا، والثانية: التحقيق في صحة إخباره هو بأن القرآن من عند الله سبحانه، وهنا يركز البحث على حقيقة الوحي في حياته.

وأما ما لا نص عليه من الكتاب أو السنة الصحيحة فينحصر السبيل إلى معرفة الحق فيه بالنظر العقلي وحده، ويتحقق ذلك بمسلكين:

1-  دلالة الالتزام: وهو أن يطرد الترابط بين شيئين بحيث كلما ذكر الأول تصور العقل الآخر وإنما يتم ذلك بعد إجراء عملية استقراء تام لهما يتم فيها تتبع الحالات والظروف المختلفة كلها لوجود هذين الشيئين فنجدهما متلازمين دائماً، مثل: دلالة المآذن في بلدة على إسلام أهلها، ودلالة الصنعة على وجود صانع أو كما يعبر عنه عند علماء الكلام: لزوم حاجة الحادث إلى محدث.

وعرفت الدلالة بملازمتها الدائمة لملزوماتها وتكرر ذلك دون تخلف وتم على ذلك الاستقراء، فتكونت من هذه المقارنة الدائمة رابطة دلالة سارية بينهما، مع أن الدال ليس علة للمدلول. وفائدة هذه البرهان أن العقل السليم يتوصل من خلال التأمل فيها إلى الإيمان بها ولو لم يجدها ماثلةً أمام عينيه، فمن أوشك على دخول بلدة وقيل له إن أهلها جميعهم مسلمون لا يمكنه أن يصدق ما قيل له إذا تأمل بيوتها من بعيد فلم ير إلا صلبان الكنائس مع أنه لم يلتق بأحد من أهلها ويسألهم عن اعتقادهم، ومن يدعِ أن منبع نشأة الفكر والعقل عند الإنسان إنما هو شعوره بالحاجة إلى الغذاء لا يصدق في دعواه هذه، لأن التأمل في سائر الحيوانات التي تشترك مع الإنسان في الشعور بالحاجة إلى الغذاء لم يؤد إلى تمتعها بشيء من التفكير والعقل.

ولا يورث هذا التلازم اليقين دائماً إذ الأمر فيه منوط بمدى وضوح التلازم واستغنائه عن برهان آخر يدل عليه، وأقوى صوره من حيث الدلالة وقوة البرهان ما يسمى عند العلماء: دلالة الالتزام بالمعنى الأخص وهو أن يكون تصور الملزوم كافياً في تصور اللزوم والجزم به، كدلالة الأنين على المرض، ودلالة اللفظ المنبعث في الظلام على وجود كائن حي، فإن قوة اللزوم بينهما تجعل العقل يتصور أحدهما بمجرد تصور الآخر دون الحاجة إلى التفكر في الرابطة بينهما.

والصورة الأدنى من حيث قوة البرهان هي اللزوم البين بالمعنى الأعم: وهو توقف إدراك اللزوم بين الشيئين على تصور كلٍ منهما والنظر فيه ملياً، كدلالة الشيء الممكن على أنه حادث فالعقل لا يفهم لزوم الممكنات لصفة الحدوث إلا بعد إمعان النظر في معنى الإمكان وأنه الشيء الذي لا يحيل العقل وجوده ولا عدمه وإنما ترجَّح فيه جانب الوجود لمرجح طارئ، ثم أمعن النظر في معنى الحدوث وتصور الصلة بينه وبين كل الكائنات التي من شأنها أن توجد بتأثير غيرها.

2- القياس الأصولي: وهو منهج قائم على استخراج علة الشيء أو سببه، ثم تلمسه فيما يشبهه من الأشياء المجهولة حتى إذا استيقن الباحث اشتراك كلٍ من المعلوم والمجهول في علة واحدة قاس الثاني على الأول في حكمه المنبثق عنه من تأثير تلك العلة. ويعتمد على مسلمتين عقليتين أحدهما: أن لكل معلول علة ولكل أثر مؤثر، والثانية: قانون التناسق والنظام في العالم الذي يجعل مظاهر الكون الجزئية المختلفة ترتبط بعلل كلية من شأنها أن تثبت التناسق والانسجام فيما بينها. ولا بد في عملية القياس من الاستقراء التام إذ هو الذي يبصر الباحث بحقيقة العلة وبواسطته يمكن إدراك العلاقات الثابتة الكلية بين الأشياء المتناثرة.

ومثاله: أن تبصر من بعيد مساكن يعيش فيها الناس فتستيقن من ذلك وجود الماء في ذلك المكان، لأنك تعلم مسبقاً وبالاستقراء التام أن من أهم أسباب صلاحية المكان لعيش الإنسان توافر الماء فيه لعلية الماء في إمكان الحياة.

وقد اشترط علماء المسلمين لصحة القياس في القضايا العقدية اليقينية أن تكون العلة مؤثرة في المعلول وأن تكون منضبطة واضحة غير مضطربة، كسببية المطر للإنبات والنار للإحراق، بقطع النظر عن البحث في حقيقة هذه السببية وتحليلها على ضوء الإيمان بالمسبب الحقيقي لها وهو الله جل جلاله.

ومثال استخدام القياس للوصول إلى الحقيقة: دلالة كل ما فيه مظهر الصنعة والتدبير على وجود صانع ومدبر له، فالعقل يستحضر بسرعة خاطفة سائر ما رآه وما تعلمه من وجود صانع ومبدع لكل صنعة متقنة واستحالة حدوثها بدون محدث، وعندئذ يقيس هذا الكون بما فيه على ما ثبت لديه من قبل فجزم بوجوب صانع متقن خبير له واستحالة حدوثه من غير محدث.

لماذا يبدو الخطاب الديني متناقضا؟

هادي صلاحات

 

تبرز إحدى أكبر المشاكل التي يواجهها المتلقي للخطاب الديني في التناقض الكبير فيما يتلقاه، فأحدهم يدعي أنّ الحجاب عادة جاهلية، وآخر يشكك بصحة السُنّة.. ناهيك عن داعش ونهجها.

ويتلقى الناس كافة المتناقضات مُغلفة بغلاف الدين، فكيف يمكن اجتماع كل هذه المتناقضات؟ ليكون الدين مجرد غلاف يمكن أن يحوي أي شيء، حتى كاد صحيح الدين أن يصبح ضبابياً، فكل ثابت من ثوابت الإسلام يظهر أحد ما ليخالفه، وبطريقة إقناع قد تبدو منطقية.

الجواب ببساطة أنّ الدين جملة علوم قائمة بذاتها؛ وبالتالي ففي كل علمٍ من علوم الدين يجب اتباع المنهج العلمي للوصول لنتائج صحيحة. وأما حمل الألقاب الأكاديمية، أو إصدار بعض الكتب، فلا تخوِّل صاحبها ليُفسر ويُفتي كيفما شاء، إن لم يتبع منهجاً علمياً قويماً.

فقد أصبح كل من تمكن من الظهور على الشاشات مفتياً ومفسراً وفقيهاً، وباستغلال جهل العامة (أي من غير ذوي الاختصاص) يُمكن إقناعهم بأي شيء، فبانعدام العلم عند المتلقي، يصعب عليه تمييز المنهج العلمي القويم، بالتالي يصبح أي شيء ممكناً، ويمكن التوصل لأي نتيجة يريدها صاحب الخطاب الديني.

وهذا أمر طبيعي يمكن إيجاده حتى في العلوم التجريبية البحتة، فبغياب المنهج العلمي القويم يمكن أن يكون ناتج تفاعل الهيدروجين والأكسجين هو ثاني أكسيد الكربون (مثلاً) وليس الماء، وذلك بالتلاعب بظروف إجراء التجربة ومكوناتها (أي بما يخالف المنهج العلمي)، وبالتالي سيقتنع المتلقي أنّ ثاني أكسيد الكربون ينتج عن تفاعل الهيدروجين والأكسجين.

مما سبق يتضح أنه وبغياب العلم المسبق تزداد أهمية مصادر المعلومات، إذن ما العمل؟ كيف يتعين علينا نحن العامة اختيار مصدر معلوماتنا الشرعية والدينية؟

أظن أنّ الخطوة الأولى هي بناء أساس علمي بسيط وضروري -لا يستلزم الاختصاص- مما لا يسع المسلم جهله، قائم على تعريف المسلمين بأساسيات دينهم وتثبيتها في نفوسهم، فرغم كل محاولات التضليل والتمييع، تبقى ثوابت الدين العامة واضحة المعالم فلا داعي لعلم متخصص لتعلم أنّ الصلاة أو الحجاب هي أحد فرائض الدين، ومن ينادي بغير ذلك فهو شاذ عن القاعدة ويحتاج كلامه إلى نظر.

لكن ما الذي يدعو الشباب للانقياد خلف الأقوال الشاذة دون التأكد من مدى صحتها وسلامة نهجها؟

أحد أهم الأسباب لذلك هو إغفال الشباب للمكانة العلمية للمتلقّى عنه؛ فللعلماء مراتب واختصاصات يكمّل كل منها الآخر، وهناك الدعاة الذين ليس بالضرورة أن يكونوا أصحاب علم. وأخيراً هناك الدخلاء على العلم الشرعي، وهم من يتخذون الدين وسيلة للحصول على المال أو الشهرة ونحوه، فمنهم من يتخذ الآراء الشاذة سبيلاً لتحقيق الشهرة، ومنهم من يرضخ لإرادة أصحاب وسائل الإعلام، أو يكون أداة في يد أصحاب النفوذ والسلطة وما إلى ذلك. وفي كثير من الأحيان يشمل ذلك أئمة المساجد؛ ليكونوا مجرد أشخاص درسوا في كليات تقبل أقل شروط القبول بغية الحصول على وظيفة، وفي هذه الحالة هم موظفون وحسب، ليسوا مصدراً للعلم الشرعي ولا أهلاً للخطاب الديني.

التقليد والتجديد
يتهم الشباب الخطاب الديني بالضعف، فمع حال أئمة المساجد آنفي الذكر، وفي ظل ما تعانيه الأمة من انهزام وما يقوم به الإعلام من تزييف للحقائق، وما يعانيه الشباب من جهل بالعلم الشرعي وغياب للاستعلاء الإيماني، أصبح الشباب يهرولون نحو كل من يدّعي التجديد. فيأتي مدّعو التجديد هؤلاء فيُسمّون الخطاب الديني بـ”الخطاب التقليدي”، ويميعون الدين ويضيعونه، في محاولتهم لأسلمة قيم الرأسمالية والعلمانية والعولمة، مستغلين انجذاب الشباب إليهم لدسّ ما يحلو لهم من أفكار.

وهؤلاء الداعون للتجديد أصحاب خطابٍ ومخاطَبين، يُعاملون الدين معاملة العلوم التجريبية؛ فيفترضون أنّ الدين يتقدم بمرور الوقت، وعليه فيجب استحداث اساليب جديدة لأنَّ كل قديم عفا عليه الزمن. وهؤلاء قد نسوا -أو تناسوا- أنّه من الطبيعي -بالعموم وليس بالإطلاق- وبمرور الزمن أن يقل فهمنا للوحي المُنزل منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، بسبب قلة العلم بأسباب النزول وبعلوم اللغة وغيرها من ضروريات فهم الوحي من جهة، وضعف منظومة تعليم العلم الشرعي -المشار لها سابقاً- من جهة أخرى.

ولنعد لما يتعلق بالادعاءات الشاذة؛ حيث يتوجب على المسلم المهتم بهذه الادعاءات مقارنتها بما لديه من ثوابت عامة وأساس علمي -تمت الإشارة لضرورته فيما سبق- وإنّ الحق سيكون جلياً من خلال قوة الحجج ومدى انسجامها مع الوحي سواء لدى صاحب الادعاء أو من يردُّ عليه.

وبالتالي إن ثبت أنّ أحدهم يعاني الجهل ويتحدث فيما لا يفقه، أو أنه يستخدم التدليس والخداع لإثبات رأيه، فهذا كفيل بإسقاط ادعاءاته المستقبلية مباشرة بسقوط المنادي بها. وبالمقابل إن وجِد آخر ثبت أنه يتبع منهجاً علمياً موضوعياً ويحيل الأمور لأهل الاختصاص، فهذا كفيلٌ بجعله ثقة للأخذ عنه.

هذا وليس كل غريب على العوام غريب على العلماء، وهنا يكمن الفرق بين الادعاءات الضالة المضللة، وبين صحيح الدين غير المألوف لدى العامة. ففي الحالة الأولى؛ يكون الادعاء مثيراً للجدل ويستهجنه العلماء ويردون عليه، ويصدر من أدعياء العلم؛ وأما الحالة الثانية، فهي العكس تماماً. وبالعودة لتفاعل تكوّن الماء، فإنّ “خليط” الأكسجين والهيدروجين -وبنفس النسب- يُستخدم في اللحام ومعالجة المواد الحرارية، أمر قد يستغربه العوام لكنه بديهي لأهل الاختصاص.

والتثقف العام بالدين لا يمنع أن تجول في بال المسلم أسئلة وشبهات، لكن المهم هو محاولته إيجاد الإجابات من المصادر الصحيحة؛ فلا يتعرف على دينه من خلال شبهات المُضللين، وعلى السؤال أن يقترن بيقين وجود الإجابة، فيكون سؤالاً بغرض طلب العلم، لا بغية مهاجمة الدين أو التشكيك به. لكن هل هذا يعني عدم وجود مسائل جزئية خلافية؟

بالطبع لا، فالعلوم الإنسانية عموماً فيها أمور خلافية؛ فإذا كان علم كالمحاسبة -وهو أقرب العلوم الإنسانية للعلوم البحتة لتعامله مع أرقام وكميات- فيه اختلافات شاسعة تتجسد في المرونة العالية والخيارات الكثيرة التي توفرها المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، فكيف بالعلم الشرعي الذي يضبط كافة نواحي الحياة للفرد المسلم؟!

لكن الخطاب التجديدي يتخذ فكرة الخلاف ذريعة لجعل كثير من أمور الدين خلافية حتى الثوابت منها؛ فتطغى على العوام النسبية السفسطائية المطلقة والمفضية إلى العدمية، فتُسلب الحقائق قيمتها وتصبح ثوابت الدين “وجهات نظر”.

وأما الخلافات السائغة فتُترك للعلماء، فلا يصح أن يتجادل العامّة، بأمور اختلف فيها أهل الاختصاص. وعلى المسلم ألا ينشغل إلا بما يفيده ويَمضي في حياته فيما يحقق الخير له ولأمته، دون الانشغال فيما لا يفقه أو فيما لا يساعده على العمل والتأثير والإنجاز.

وختاماً؛ فإنَّ الله تعهد هذا الدين بالحفظ، مهما بلغت محاولات تمييعه وتضييعه، ومهما اشتد الحكّام سطوة واشتدت أبواقهم خنوعاً. ويكمن واجبنا في تحري الحق وعبادة الله على مراده، سائلين الله أن يرزقنا علماءً يسعون إلى الحق دون غايات مضمرة أو محاباة لأي أحد، لا يقصدون تعنتاً ولا تساهلا بل يتحرون مراد الله سبحانه، ويقدمون نموذجاً للخطاب الشرعي الصحيح، يسعون لنشره ليكونوا منبراً للحق منارةً للهدى.

هل هناك مؤسسة دينية في الإسلام؟

أحمد دعدوش

 

في كل الأديان المحرفة والموضوعة التي ظهرت في التاريخ الإنساني كان هناك دائمًا مؤسسة دينية تراتبية، يقوم على رأسها رجال دين يصوغون المبادئ والعقائد وطرق العبادة وتفاصيل الحياة اليومية، ويسيطرون على العقول والقلوب والجيوب بطرق مختلفة، وبالتحالف مع السلطة التي تتبادل معهم الاعتراف بما يضمن الاشتراك في المنفعة بالتسلط على العباد.

ولعل أوضح الأمثلة على هذه المؤسسات وأكثرها استحضارًا في كتابات المثقفين هو كنيسة الفاتيكان الكاثوليكية، حيث سيطر البابا طوال القرون الوسطى على ممالك وإمارات أوروبا، ثم امتد سلطانه إلى المستعمرات حول العالم، ولم يكن يُسمح لأي كنيسة بأن تنشأ ولا لأي كاهن بأن يُرسم سوى باعتراف البابا وتحت سلطته.

وبالرغم من بروز محاولات عدة للتمرد عليه (حركات الهرطقة) إلا أنها كانت تنتهي دائمًا تحت أقدام العسكر وفي محاكم التفتيش بمساعدة السلطات السياسية المتحالفة معه. أما في اليهودية فتتخذ هذه المؤسسة شكلاً أكثر تطرفًا وانغلاقًا؛ لكنها أقل شهرة لعدم تحالفها مع سلطة سياسية منذ السبي البابلي وحتى تأسيس الكيان الصهيوني، ولحرصها الشديد على البقاء في الظل.

ونجد هذه المؤسسات الدينية بتحالفاتها السياسية حاضرة أيضًا طوال تاريخ الحضارات الشرقية، كالهندوسية والبوذية والطاوية والكونفوشية والشنتوية والزرادشتية والمزدكية، وقد اطلعت في الأيام الماضية على بعض ملامح المؤسسة الدينية للبوذية وتزاوجها مع السلطة حتى اليوم في دول آسيوية، ووقفت عن قرب على تفاصيل احتكار الكهنة للمعرفة الدينية؛ تمامًا كاحتكارهم لإدارة المعابد، فالتعرف إلى الدين بحد ذاته لا يتم إلا على يد الكهنوت؛ مما يجعلهم بحق “مؤسسة” متكاملة.

لكن وجود مؤسسة دينية بهذا المعنى مستحيل في الإسلام، لأن نصوص هذا الدين -التي تكفل الله بحفظها من التحريف- لا تجيز وجود هذه المؤسسة، وبالرغم من محاولات الكثير من المذاهب ابتكار هذه المؤسسة بكل ما تستلزمه من مراتب وشعائر ترسيم ومبايعة وتوريث فإنها لم تنجح إلا بين أتباعها فقط، ولم تستطع احتكار الإسلام نفسه لأن النصوص المحفوظة والمعلنة والتي لا يستطيع أحد احتكارها تفضح هذه المحاولات.

فالنصوص المحفوظة تمنع وجود السلطة الدينية والكهنوت، ولا تجيز الاستبداد أصلاً على يد السلطة السياسية نفسها، فضلاً عن الدينية. لذا لا يُعترف في الإسلام سوى بشرعية العلم الذي يُكتسب بالطلب المتاح لكل صاحب همة، وليس بالوراثة ولا بالمال ولا بالبيعة. وهو علم يتصل بالسند المضبوط بقواعد الرواية عن مصدره الوحيد وهو النبي المرسل، ويُجتهد فيه بالرأي المنضبط أيضًا بقواعد مستنبطة من فقه القرون الثلاثة الأولى التي شهد لها النبي المعصوم بالالتزام بالسنة.

وعندما حاول الخليفة المنصور –وكان هو السلطان الوحيد لكل مسلمي الأرض حينئذ- أن يجبر القضاة والولاة على الالتزام بكتاب واحد هو موطأ مالك، رفض المؤلف نفسه رحمه الله وقال: “إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها”. وحتى عندما اكتمل جمع الأحاديث في قرون لاحقة لم يكن ممكنًا حمل الناس على مذهب واحد، حتى لو وُجد من العلماء من يرغب بالتسلط، لأن هناك علماء آخرين لديهم من العلم ما لديه ولا يستطيع أي سلطان أن يطمس ذلك العلم ويحرّفه ليجبر الناس على الالتزام بما يقوله عالم ما يتربع على رأس مؤسسة دينية.

لذا لم يتسيد أي عالم مهما علا شأنه على الأمة كلها، فكان هناك إمام السنة ابن حنبل وحجة الإسلام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية وفيلسوف الإسلام ابن رشد، ولكن لم يتمكن أنصار أي منهم أن يؤسسوا لهم مؤسسة دينية، مع أن كل واحد من هؤلاء وجد من يناصره من السلاطين، ولكنهم جميعًا تعرضوا أيضًا للاضطهاد السياسي في فترات أخرى، كما أن المسلمين لم يجتمعوا على سلطان واحد إلا في سنوات قليلة من عصر الخلافة الراشدة والأموية وبداية العباسية، بينما كان البابا يسيطر على كل ملوك أوروبا الذين يتنابزون بينهم سياسيًّا ويعودون في النهاية لاكتساب الشرعية من مؤسسة دينية واحدة.

إذن فمصطلح المؤسسة الدينية الذي يطغى على كتابات الأوربيين المناهضين لاضطهاد الكنيسة السابق يجب أن يبقى ضمن سياقه، ومن المؤسف أن يستعيره العلمانيون العرب لنقد عيوب المسلمين أو للتعرض للإسلام نفسه، فأقصى ما يمكن نقده -عندما يوجد الضمير الحي- هو سلطة فقهاء السلطان الذين يشكلون مرجعيات لا مؤسسات، والذين يحاولون حمل الناس على آرائهم بقوة السلطان والإعلام وليس باحتكارهم للحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها كما هو الحال في الأديان الأخرى التي طمس أحبارها ورهبانها الوحي وأخفوه تمامًا.

نبوة محمد

أحمد دعدوش وربى الحسني


تبين لنا في بداية مسيرنا أن وجود الله حقيقة حتمية، وأن الإيمان به ليس سوى بداية الطريق نحو فهمنا للحقائق الوجودية الكبرى، وتعرضنا في مقال “مصادر المعرفة” للانتقادات الموجهة إلى كل مصدر على حدة، ما يجعل أياً منها قاصراً عن الإحاطة بكل جوانب المعرفة وبلوغ اليقين في كل التفاصيل والحقائق، بينما يبقى مصدر الوحي الأكثر يقينا وإحاطة، لكونه صادرا عن الله نفسه.

وبعد مرورنا بشتى الطرق والسبل من الأديان والمذاهب والفلسفات التي نشأت وتراكمت على مدى قرون، وبعد أن تحققنا من جوانب النقص والخلل والتحريف والانحراف في كل منها، ومن عجزها عن تقديم الأجوبة أو تعمد واضعيها تضليل الناس عن بلوغ الحقيقة، نحط رحالنا الآن عند آخر المحطات لاكتشاف سبيل الحق اليقيني الذي لا يشوبه شك، ونبتدئ بالبحث في ضرورة النبوة وحاجة الإنسان إليها كمصدر وحيد لبلوغ الحقيقة في الغيبيات.

الحاجة للنبوة
سنحاول في هذه الفقرة الإجابة على سؤال: هل وجود الأنبياء ضروري؟ وللإجابة سنطرح سؤالا معاكسا: ماذا كان سيحدث لو لم يوجد الأنبياء؟

تبين لنا في مقال “مصادر المعرفة” أن افتقار الإغريق للوحي أدى إلى تخبط واضح في المسائل الميتافيزيقية، وذكرنا بعض الأمثلة على نتائج غياب الوحي، وهي أمثلة تتكرر في كل المجتمعات التي طُمست فيها آثار رسالات الأنبياء، حيث حارت عقول الفلاسفة أمام المعضلات الوجودية الكبرى، فضلا عن الاتفاق في المشكلات الأخلاقية والتشريعات القانونية، ولم يكن من سبيل إلى الحق ودرء الخلاف سوى بالرجوع إلى وحي إلهي يعلو على الجميع ويوافق عقولهم.

حتى كبار الفلاسفة مثل سقراط لم يتمكنوا من وضع فلسفة أخلاقية متكاملة اعتمادا على العقل وحده

والمشكلة هنا لا تقتصر على محدودية العقل البشري، فالإنسان أصلاً ليس كائناً عقلانياً مجرداً، فحتى لو وصل عقله إلى قناعة مجردة فقد تقوده نفسه وهواه إلى مخالفته، ولو كان من كبار الفلاسفة.

وإذا كان العقل البشري لا يكفي وحده، فقد يتساءل أحدنا: لماذا لا ينزل الوحي إلى البشر بطرق أخرى غير الأنبياء، كأن يوحي الله إلى كل شخص على حدة بما يحتاج إليه من حقائق؟ والجواب أننا ذكرنا في المقال المشار إليه أعلاه أن الحدس (الكشف) لا يصلح للاعتماد عليه كمصدر موثوق، فليس هناك أي ضمان يثبت للمرء أن ما يقع في نفسه من مكاشفات هي صادرة عن الله نفسه، ولو أن الله تركنا بالفعل بدون أنبياء وتواصل معنا عبر هذه الوسيلة لتساءلنا عما إذا كانت تلك “الرسائل” واردة من كائنات فضائية تتواصل معنا بالتخاطر أو من حقيقة كونية ما (كما يقول الباطنيون) أو حتى من الشياطين؟

والحدس الشخصي لا يُستفاد منه إلا لتثبيت الإيمان (اليقين) بعد اقتناع العقل وانكشاف الحقائق، لكنه لا يصلح أن يكون مصدرا يتفق عليه الناس لأنه خاص بكل منهم على حدة، ولا يمكن طبعا أن يُعتمد مصدرا للتشريع والقوانين، فلا يمكن لبقية الناس أن يتحققوا من زعم أحد بأنه تلقى قانوناً إلهياً بحدسه الخاص، وإن فعلنا ذلك فسنعود إذن إلى مشروعية وضرورة وجود نبي يتلقى هذا الوحي، بحيث يمكن لنا التحقق من صدقه باعتباره المرجع الشامل والوحيد للأمة كلها وحلقة الوصل بينها وبين الله.

وقد يعود السائل ليقول: فلماذا لا تكون حلقة الوصل هذه من كائنات أخرى غير البشر؟ وهذا الإشكال قد طرحته قريش على النبي محمد الذي كان واحداً منهم، حيث استبعد المنكرون أن يكون نبياً من بينهم، لا سيما وأن بعضهم أقر بأن رفضهم لنبوته كان بدافع الحسد (كما فعل أبو جهل عمرو بن هشام)، وقد ردّ عليهم القرآن نفسه بقوله {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} [الإسراء: 95]، أي أن الله يبعث على الناس رسولا من جنسهم لكي يتمكنوا من رؤيته ومخالطته والتواصل معه والتعلم من سلوكه وأفعاله وأقواله، وليضعوه أيضا موضع الاختبار والتمحيص، وإذا كان البعض يتصور أن الملائكة أحق بالحصول على هذه المرتبة فقد رأينا في سيرة النبي محمد أن مهمته تضمنت من المشقة ما لا يحتمله معظم الناس، وكأن عبء الرسالة أعظم بكثير مما فيها من التشريف، ولو أن الله منح الناس القدرة على رؤية الملاك المُرسَل (في حال إرساله بدلا من رسول بشري) فربما كان الجاحدون سيطرحون اعتراضا آخر من قبيل: وما الذي يضمن لنا أن هذا الملاك مرسل من الله أيضا وليس مجرد كائن فضائي أو شيطان متجسد… إلخ؟

إذن فلا بد للإنسانية من العودة إلى الوحي بصفته الرسالة الواردة إليها من الإله، كي تكتشف من خلالها غاية وجودها وطبيعة المهمة الموكلة إليها في هذه الحياة، ولتجد أيضا في ثناياها المنهج والطريقة (الشريعة) التي يجب عليها الاحتكام إليها للتمييز بين الصواب والخطأ، وللتعرف على وسائل مكافحة الشر وتقليص مساحته ونفوذه.

وتبدأ مهمة الإنسان في البحث عن الوحي الصحيح والتحقق من صدق نسبته إلى الله وسلامته من التبديل والتحريف، وذلك بالتحقق أولا من صدق الأشخاص الذين زعموا أنهم أنبياء مرسلون من الله، بدراسة سيرتهم ومعجزاتهم وما نُقل عنهم من أقوال وأفعال، ثم بالتحقق من صدق الوحي الذي جاؤوا به، وذلك بعرضه على العقل (المنطق) ودلائل الحس (العلم التجريبي)، ومقارنة قصصه ونبوءاته بحقائق التاريخ، وتمحيص لغته وبيانه ودعاواه وكل ما يتضمنه من حيث كونها صادرة بالفعل عن مصدر إلهي أو غير ذلك.

وسنحاول إيجاز بحثنا في هذا المقال للتحقق من صدق نبوة محمد، على اعتبار أنه قد ادعى كونه آخر الأنبياء والمرسلين في التاريخ، وأنه مُرسل إلى البشرية كلها، ثم نبحث في تراثه وما نُقل إلينا من سنته في مقال لاحق، وأخيراً نتحقق من صدق الوحي الذي جاء به في المقال الذي يليه.

“كل خيرٍ في الوجود فمنشؤه من جهة الرسول، وكل شر في العالم مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به، وسعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة، والرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاحٍ للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟”.
ابن تيمية

ذكر النبي محمد في الكتب السابقة على بعثته
تعرضنا في مقالات الوثنية واليهودية والمسيحية إلى الوحي الذي أنزله الله إلى رسل سابقين، وذكرنا في مقال “الهندوسية والبوذية” أن هناك مؤشرات عديدة على أن الأصول البعيدة للبراهمية الأولى تعود إلى مصدر سماوي، واستعرضنا أيضا بعض الأدلة التي تثبت تعرض تلك الكتب المنزَلة للتحريف، فضلا عن إخفاء أجزاء منها عمداً وضياع أجزاء أخرى. ومع ذلك؛ فما زال المتاح من تلك الكتب يتضمن بعض الإشارات التي توحي بأنها تتحدث عن النبي محمد، بينما تصرح أجزاء أخرى منها في الحديث عنه، إما باسمه الصريح أو بصفاته.

فعلى سبيل المثال، نقرأ في سفر أخنوخ (الكتاب المنسوب إلى النبي إدريس عليه السلام وهو من أوائل المرسلين إلى البشرية) وصفاً للقيامة يتضمن حديثا عن الشخص المختار أو المصطفى، فيقول “سيقوم المصطفى ويختار الصالحين والقديسين من بين الموتى، فقد جاء اليوم الذي فيه يُنقذون. سيجلس المصطفى في تلك الأيام على عرشي، وستنطلق من فمه أسرار الحكمة والموعظة التي منحها له رب الأرواح ومجده” [R.H. Charles ,The Book of Enoch, 1917, p. 69]، ويبدو أن الحديث هنا عن شخص مُختار ومميز عن كل البشرية، ينال مرتبة رفيعة يوم القيامة، وهو ما يتطابق مع الوصف الذي ذكره النبي محمد لأحداث القيامة ومقام الشفاعة الذي سيُمنح له.

وسنسرد فيما يلي أهم النصوص التي تنبأت بنبوة محمد قبل قرون من ولادته، وذلك فيما هو متاح بين أيدينا اليوم من كتب الهندوس واليهود والمسيحيين:

أولا: في الكتب الهندوسية
سنسرد فيما يلي أهم النصوص التي وردت في الكتب الهندوسية المقدسة وجاء فيها ذكر محمد وأتباعه، تصريحا أو تلميحا:

1- كتاب بهافيشيا بورانا:
النص الأول: بارف 3، خاند 1، أدهاي 3، شلوكا 21 إلى 23:
“المليخا (شعب أجنبي في بلد أجنبي) سيظهر بينهم معلم روحي مع صحابته. سيكون اسمه مهامادا (محمد). راجا (بوج) -وهو لقب يوصف به ملوك الهند- بعد أن يعطي هذا العربي ماها ديف (تعني ذو الطبيعة الملائكية) غسلا في ماء بانشجافيا فى نهر الكانج (كناية عن التطهير من الذنوب) وبعد أن يعلن دعمه له ورضاه عنه سيقول له: سأضع لك عصا الطاعة. لك أنت يا فخر البشرية يا ساكن الصحراء العربية. يا من تملك قوة عظيمة لقتل الشيطان، وأنت ستكون محفوظا من كل أعدائك”.
وفي هذا النص يظهر اسم النبي محمد صلى الله عليه و سلم بوضوح، ويحدد أيضا موقع ظهور رسالته. ومع أن النبي لم يغتسل في نهر الكانج المقدس لدى الهندوس، فالمقصود بالنص كما يبدو أنه سيكون شخصا مطهرا من الذنوب ومعصوما، وربما يكون النص قد تعرض لهذه الإضافة من قبل كاتبها كي يفهمها الهندوسي بما يوافق طقوسه.

النص الثاني: براتيساراج 3، خاند 3، أدهاي 3، شولكا 10 إلى 27، يتنبأ مهاريشى فياس بالقول:
“المليخا أفسدوا أرض العرب الشهيرة. أريا دارما (طريقة العبادة السليمة) لم تعد موجودة فى البلد. كذلك كنت من قبل قد قتلت الشرير المضلل ولكنه عاد مرة أخرى للظهور مصحوبا بأعداء أقوياء. من أجل إظهار طريق الحق لأولئك الأعداء ومنحهم الهداية، فإن محمدا المعروف جيدا سينشغل بتوجيه هؤلاء البيشاتشا إلى طريق الحق. يا أيها الملك راجا لن تحتاج للذهاب إلى أرض أولئك البيشاتشا الحمقى لأن رحمتي ستطهرك حيثما أنت. وفي الليل، سيقول ذاك الرجل الحكيم ذو الطبيعة الملائكية، وهو في هيئة البيشاتشا، مناديا راجا بوج (يقصد به هنا الرب) “أيها الراجا، طريقك القويم و دينك وُجد ليظهر على كل الأديان الأخرى. ولكن طبقا لتعاليم إيشوار بارماتما سأعزز إيمان آكلي اللحوم (لأن الهندوس لا يأكلون اللحوم). أتباعي سيكونون رجالا مختونين ولا ذيول لهم فى رؤوسهم (لأن الهندوس يطيلون شعرهم ويربطونه) ويطيلون لحاهم، وسيصنعون ثورة ويجهرون بالأذان (مكتوبة بنفس هذا النطق العربي)، ويأكلون كل الطعام المباح. وهو سيأكل كل لحوم الحيوانات باستثناء الخنزير، وأتباعه لن يسعوا وراء التطهر من خلال الشجيرات المقدسة بل في ساحات القتال (الجهاد). وبسبب قتالهم للأمم التي لا دين لها، فإنهم سيعرفون باسم المسلمين (MUSALMAANS)، وسأكون أنا (الرب) منبع دين الأمم التي تأكل اللحوم”.

النص الثالث: بارف 3 خاند 1 أدهاي 3 شلوكا 21 إلى 23:
“انتشر الفساد والشر في سبع مدن مقدسة فى كاشي… الهند أصبحت مسكونة بالراكشاس والشابور والبهيل والكثير من الأقوام الآخرين الحمقى. في أرض المليخا (الشعب الأجنبي) أتباع الماليخا دارما (أتباع الإسلام) يتصفون بالحكمة والشجاعة. كل الصفات الطيبة اجتمعت فى المسلمين (MUSALMAANS) وكل الزعامات اجتمعت على أرض الأرياس (الجزيرة العربية). الإسلام سوف يحكم في الهند وجزرها”.

2- كتاب أتهَرفافيدا:
الكتاب 20، الإنشاد 127، الآيات 1 إلى 13:

مانترا 1:
“إنه ناراشاناش أو طيب الذكر (المحمود). إنه كوراما: المهاجر أو أمير السلام، الآمن حتى وهو فى وسط 60090 عدواً”.
وقد قدّر الشيخ المباركفوري عدد أعداء النبي من قبائل العرب قبل فتح مكة بنحو 60 ألفا، بينما يعتقد الدكتور ذاكر نايك أن هذا العدد هو عدد أتباع قريش في مكة، لكن الصحيح هو الرأي الأول، والله أعلم.

مانترا 2:
“إنه ريشي قائد الجمل، الذي تمس عربته السماء”.
ومصطلح الريشي يعني رجل الدين المقدس. ومع أن تعاليمهم تحرّم على الريشي ركوب الجمل إلا أن النص تنبأ بقدوم هذا الرجل المقدس الذي يركب جملا، والنص يوضح جلال هذا الرجل الذي يعيش حياة بسيطة على الأرض ويصل مع ذلك إلى عالم الملكوت عندما يُعرج به إلى السماء.

مانترا 3:
“إنه الريشي ماماه (أي محمد) الذي يعطى مئة عملة ذهبية…”

الكتاب 20، الإنشاد 21، الآية 6:
“يا مولى كل من آمن بالحق, هؤلاء الفاتحون يتغذون بالشجاعة وبالأناشيد التي ترضيك فى ساحة المعركة. حينما تدفع  العشرة آلاف عدو للحامد (أو الأحمد) المحبوب مهزومين بدون قتال”.
وهذه كما يبدو إشارة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه في معركة الأحزاب.

وفي نفس الكتاب والإنشاد، الآية 9:
“لقد استطعت يا إندرا (إله الحرب) أن تهزم عشرين ملكا وستين ألفا وتسعة وتسعين رجلا مسلحين بعربات ذات عجلات قل نظيرها، الذين جاؤوا لقتال طيب الذكر (المحمود) أو ذائع الصيت اليتيم”.
يقول ذاكر نايك إن المقصود هو عدد سكان مكة قبل الفتح البالغ 60 ألفا، وزعماء مكة البالغ أيضا عشرين زعيما.

3- كتاب سامافيدا:
الكتاب الثاني، الإنشاد 6، الآية 8:
“أحمد أخذ من ربه القانون الأبدي. لقد حصلتُ منه على النور كأنه الشمس”.
يقول نايك إن النص جاء باسم أحمد صريحا، وإن العديد من المترجمين أساؤوا فهم الكمة وترجموها بالخطأ، ويضيف أن المقصود بالقانون الموحى به من الله هو الشريعة الإسلامية.

ثانيا: في الكتب اليهودية
سنستعرض طائفة من البشارات المتعلقة ببعثة النبي محمد في كتاب العهد القديم، والذي يتضمن المزامير التي يعتقد أنها الزبور الذي أنزل على النبي داوود، وسفر نشيد الأناشيد المنسوب للنبي سليمان، وما بقي من التوراة التي أنزلت على النبي موسى، والصحف الأخرى التي أنزلت على أنبياء بني إسرائيل بعد موسى، ومن أهمها نذكر ما يلي:

سفر إشعيا

1- جاء في سفر إشعيا (29: 12): “ثم يناول الكتاب لمن لا يعرف الكتاب ويُقال له اقرأ هذا فيقول لا أعرف الكتابة” ولعل مجرد قراءة هذه الكلمات تستدعي إلى ذهن القارئ مباشرة قصة بدء الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال له جبريل “اقرأ” فقال “ما أنا بقارئ”، ولكن لا بدَّ من توضيح أن هذه الترجمة العربية الكاثوليكية لهذا النص- مع وضوح دلالتها-  قد حرَّفت فيه ما بينته الترجمات الإنجليزية والفرنسية والتي جاء النص فيها كما يلي (حسب The New International Version): “or if you give the scroll to someone who cannot read, and say: read this, please) he will answer: I don’t know how to read”.

ونلاحظ الاختلاف البسيط في ترجمتها : “أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف القراءة، مع الرجاء: اقرأ هذا، فيجيب: لا أعرف القراءة”، لكنه على بساطته يكشف تحريفاً متعمداً للنص لإبعاده عن الشخص الذي يشير إليه وهو محمد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم الذي كانت أهم صفاته أنه أميّ لا يعرف القراءة.

2- جاء في سفر التثنية (32 :21) أن الرب قال في بني إسرائيل غاضباً: “هم أغاروني بمن ليس إلهاً وأغضبوني بأباطيلهم وأنا أغيرهم بمن ليسوا شعباً بقومٍ أغبياء أغضبهم”. (ترجمة المطبعة الكاثوليكية ببيروت). وفي الترجمة العربية المشتركة جاء: “… وأنا أثيرهم بشعبٍ لا شعبٌ هو وأكدِّرهم بقوم جهلاء”. والشعب “الغبي” أو “الجاهل” الذي يخبر الرب أنه سيحل محل بني إسرائيل بعد انحرافهم هو “الأميون” من العرب الذين اشتهروا بهذا الوصف وذكرهم القرآن الكريم به.

3- ورد في سفر التثنية (18: 18) أن الرب قال لموسى: “سأقيم لهم نبياً من بين إخوتهم مثلكَ وألقي كلامي في فمه فينقل إليهم جميع ما أكلمه به وكلُّ من لا يسمع كلامي الذي يتكلم به باسمي أحاسبه عليه”، ويدل هذا على أن النبي المقصود في البشارة من غير بني إسرائيل لقوله: “من بين إخوتهم” فالخطاب لبني إسرائيل ولا يكونون إخوة لأنفسهم، أما إخوتهم فهم أبناء أخي أبيهم إسماعيل أخي إسحاق، وهم العرب. ولو كان المراد به نبياً من بني اسرائيل مثل (صمويل) كما يؤوله اليهود لقال: من بينكم أو من وسطكم.

وقد نبه السموأل بن يحيى -الذي كان من أحبار اليهود في الأندلس واعتنق الإسلام- في كتابه “غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود” أن هذا النصَّ كان يتضمن وصفاً للنبي المبشر به وهو أنه “أمّيٌّ” قبل أن يحذفها اليهود وأنها كانت السبب في إسلامه.

4- في سفر التثنية (33 :2): “جاء نور الرب من سيناء وأشرق لهم من ساعير وتلألأ من جبال فاران وجاء معه عشرة آلاف قديس”. وقد حاول الأحبار إبهام دلالة فاران وقالوا إنها لا تقع في بلاد العرب بل قريبة من سيناء وساعير، لكن مكة عُرفت بهذا الاسم بضعة قرون سالفة، كما أن إسماعيل -وفقاً لهم- سكن برية فاران وتزوج من امرأة مصرية، ومن ولده قادار انحدر أحفاده العرب الذين سكنوا قفار فاران (التكوين 25: 13- 15)، وكان منهم محمد الذي دخل مكة مع عشرة آلاف قديس (وهو عدد الصحابة عند فتح مكة) كما جاء في التثنية (33: 2). وتذكر موسوعة الكتاب المقدس أن اسم (قيدار) مرادف للبلاد العربية وعرّف بعضهم بني قيدار بأنهم قريش.

5- في سفر إشعياء (21: 13- 17): “نبوءة بشأن العرب: بيتوا في غاب العرب يا قبائل الدّدانيين، وافوا بالماء للقاء العطشان يا سكان أرض تيماء استقبلوا الهاربين بالخبز لأنهم قد فروا من السيف المسلول.. لأنه هكذا قال لي الرب بعد سنة كسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار وتكون بقية الرماة الأبطال من أبناء قيدار قِلَّة لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم”.

وذكر معجم العهد القديم أن قيدار -كما سبق- هو ابن إسماعيل وأبناؤه العرب من قريش خاصة وأن أحبار اليهود ينادون كل العرب في كل مكان بهذا الاسم، أما الدّدانيون فهم قبيلة عربية مرتبطة بأدوم وتيماء وتقيم شرق البحر الميت، وتيماء: اسم عبري بمعنى “الجنوبي” وهي قبيلة إسماعيلية تسلسلت من تيما وكانت تقطن بلاد العرب وتسمى الجهة التي تسكنها تيماء أيضاً، وهي في بلاد العرب في منتصف الطريق بين دمشق ومكة (حسب قاموس الكتاب المقدس ضمن المجموعة الإلكترونية “البشارة”)، وذكر قاموس الكتاب المقدس أن تيماء واحة شمال المدينة. وهي المدينة التي دعا الرب أهلها لاستقبال “الهارب” بدعوته من بطش بني قيدار في مكة، وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرون، وهو الذي عاد بعد عام من هجرته كما نصت البشارة ليهزم أبناء قيدار “قريش” في موقعة بدر.

6- يقول سفر حجَّاي (2: 7،8) مبشراً المستضعفين والمحزونين: “فإنه هكذا قال رب الجنود.. وأزلزل جميع الأمم ويأتي مُتمنَّى جميع الأمم فأملأ هذا البيت مجداً.. وسيكون مجد هذا البيت الأخير أعظم من الأول قال رب الجنود وفي هذا الموضع أعطي السلام يقول رب الجنود”. وقد اضطربت تراجم الكتاب المقدس في عبارة: “ويأتي مُتمنَّى (أو مُشتهى) جميع الأمم”، حيث أكد القس الكلداني الذي اعتنق الإسلام عبد الأحد داود في كتابه “محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب المقدس، ص 36” أن هذه النبوءة تتحدث عن مقدم نبي الإسلام “أحمد”، فقد ذكر النص العبري كلمة مُتمنَّى أو مشتهى بلفظ “حِمده”: “في يا فو حِمده كول هاجوييم) ما يعني حرفياً: “وسوف يأتي حِمده لكل الأمم”، وهي كلمة عبرية قديمة تعني “الأمنية الكبيرة” أو “المشتهى”، أما في العربية  فمن جذر (ح م د) التي تعني الإطراء والمديح، والشخص الذي يتاق إليه ويُرغب فيه هو أولى الناس بالمديح، وأكد عبد الأحد داود أن كلمة أحمدهي الصيغة العربية لكلمة حِمده. أما أصل كلمة شالوم بالعبرية و”سلام” و”إسلام” بالعربية فهما مشتقتان من أصل واحد، ورأى المؤلف أن تفسير النبوءة بمعنى الأمنية والسلام يجردها من أي معنى، بينما هي في الحقيقة بشارة صريحة باسم نبي الإسلام.

7- في سفر المزامير (84: 6- 8) : “هنيئاً للذين عزتهم بك وبقلوبهم يتوجهون إليك يعبرون في وادي الجفاف فيجعلونه عيون ماء بل بركاً يغمرها المطر، ينطلقون من جبل إلى جبل”، وفي ترجمة المطبعة الكاثوليكية تأتي العبارة: “يجتازون في وادي البكاء”، أما في النص العبري ومعظم تراجم الكتاب المقدس بالإنكليزية والفرنسية نجد أن الوادي يحمل اسم (Bacah) حيث يبدأ بحرف كبير مما يدل على أنه اسم علم، وبكة هو أحد أسماء مكة المكرمة كما جاء في القرآن الكريم: {إنَّ أوَّل بيتٍ وُضِعَ للناس للذي بِبَكَّة مباركاً وهُدىً للعالمين} [آل عمران: 96].

8- أكثر البشارات وضوحاً هي التي وردت في سفر نشيد الأناشيد المنسوب للنبي سليمان (5: 16) حيث يرد فيه تغزلٌّ بشخص ما: “حلقه من الحلويات وكلُّه مشتهيات، هذا ودودي وهذا صاحبي يا بنات أورشليم”. فعبارة (كله مشتهيات) هي ترجمة محرفة لما ورد في النص العبري والذي ما زال محفوظاً كما هو على الشكل التالي: “حِكو ممتكيم فِكلّو محمديم زيه دودي فزيه ريعي”. ولاحقة “يم” العبرية تستخدم للتفخيم، ويبدو أن هناك من تعمد تحريف الترجمة مع أنها تشير إلى اسم علمٍ مع أنه لا يجوز ترجمة أسماء الأعلام.

ثالثا: في الكتب المسيحية
مع أن العهد الجديد من الكتاب المقدس -الذي توجد منه حالياً أربع نسخ مختلفة- لا يمثل الإنجيل الحقيقي الذي أنزل على النبي عيسى عليه السلام حسب المعتقد الإسلامي، بسبب ما تعرض له من تحريف وتبديل وضياع [انظر مقال المسيحية]، إلا أن المتداوَل منه اليوم يتضمن بعض الإشارات إلى نبوة محمد، وفيما يلي مثالان لهذه الإشارات:

1- يقول القرآن الكريم {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ، فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الصف: 6].

وفي سفر يوحنا [14/16] يقول المسيح: “ولسوف أطلب من الأب وسوف يعطيكم معزياً (برقليطوس) آخر يبقى معكم إلى الأبد”، بينما يؤكد البروفسور عبد الأحد داود أن هذا النصٌ تعرض للتشويه، فكلمة “برقليطوس” لا تعني “المعزي”، حيث حرصت الكنيسة على تفسيرها بالروح القدس (الأقنوم الثالث للإله) الذي جاء ليعزي المؤمنين بصلب المسيح ويكون واسطة بينهم وبين الأب، بل تعني الأمجد والمستحق للمديح، وهي مطابقة تماماً لمعنى اسم “أحمد” في اللغة العربية، وبهذا يصبح المقصود بها النبي محمد الذي بشّر المسيح عيسى، وبشكل موافق لنص الآية القرآنية.

2- يذكر العهد الجديد قصة رعاة يرعون أغنامهم قرب بيت لحم في الليلة التي ولد فيها المسيح، إذ ظهر لهم ملاك ليعلن مولد “السيد المخلِّص” ثم ظهر حشدٌ من الملائكة ينشدون: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة” [لوقا 2/14]، وما زالت هذه الترنيمة ترتل في الكنائس حتى اليوم، بينما يشكك باحثون في ترجمتها إلى اللغة اليونانية التي كُتب بها هذا الإنجيل، إذ يُفترض أن تكون الملائكة قد رتلت أنشودتها بلغة الرعاة وهي العبرية أو الآرامية وليس اليونانية.

ويقول عبد الأحد داود إن الأصل الآرامي للنص كان يتضمن ثلاث كلمات مهمة حوّرت الترجمة معناها إلى معنى آخر، فاسم الله تُرجم إلى “Theos” باليونانية، وكلمة شلاما (السلام) ترجمت إلى “Eiriny”، وكلمة المسرَّة SobhraTabha تُرجمت إلى “Eudokia”، حيث تتوافق هذه المعاني مع العقيدة المسيحية المعتمدة بعد بولس.

ويضيف داود أن كلمة Eiriny اليونانية مرادفة لكلمتي “شالوم” في العبرية، و”شلاما” في الآرامية، لكنها تعني أيضا “إسلام” في العربية. أما كلمة Eudokia فهي مركبة من مقطعين: “Eu” تعني الأكثر والأحسن، و”dokia” تعني المجد والشرف أو اللطيف المحبوب، وتتفق هذه الكلمة في معناها الصحيح والحرفي مع الكلمات العبرية “مَحْمَد، مَحَمُد، حِمْدَه، حِمِدْ” التي استخدمت بصورة متكررة في العهد القديم [إرميا 1/7،10- 2/4]. وبهذا يمكن أن تتحول الترنيمة إلى “المجد والحمد لله في الأعالي، أوشك أن يجيء الإسلام للأرض، يقدمه للناس أحمد”.

الكعبة في عام 1910م

مقدمات بعثة النبي محمد
قال أبو محمد بن قتيبة “ومن أعلام (علامات) نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم أنه لم يسم أحد باسمه قبله صيانةً من الله تعالى لهذا الاسم، كما فعل بيحيى بن زكريا إذ لم يجعل له من قبل سمياً، وذلك أنه سماه في الكتب المتقدمة وبشّرت به الأنبياء، فلو جعل الاسم مشتركا فيه ساغت الدعاوى ووقعت الشبهة، إلا أنه لما قرُب زمانه وبشّر أهل الكتاب بقُربه حضر أربعة أنفس عند راهب وأخبرهم باسمه وقرب زمنه فسموا أولادهم بذلك”.

وذكر عدة مؤرخين أولئك الأشخاص الذين أطلقوا اسم محمد على أطفالهم قبل بعثة محمد الحقيقي بسنوات قليلة، والبعض ذكر أنهم ستة، وكانوا قد التقوا براهب نصراني في أحد أديرة الشام أثناء رحلة لهم للقاء ملك الغساسنة “ابن جفنة”، فقال لهم الراهب عندما عرف أنهم من قبيلة مُضر العربية “إنه يُبعث فيكم وشيكاً نبي خاتم النبيين، فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا”، فقالوا: ما اسمه؟ فقال: اسمه محمد، فلما وُلد لكل منهم ولد سمى ابنه محمداً أملاً بأن يكون هو النبي [ذكره ابن حجر والبغوي وابن سعد وابن شاهين وابن ظفر المكي].

والظاهر أنه لم يدّع أي من الذين حملوا اسم محمد النبوة، والعجيب أن عائلة محمد الحقيقي لم تكن قد سمعت بهذه القصة من أي راهب وأنها أطلقت على مولودها هذا الاسم الجديد -الذي لم تعرفه العرب من قبل- بالصدفة. ففي روايات نقلت من طرق عدة عن عبد المطلب، جدّ النبي محمد لوالده، فإنه رأى في منامه أن سلسلة فضة خرجت من ظهره وامتدت إلى ما بين السماء والأرض، وما بين المشرق والمغرب، ففسرت له كاهنة قريش الرؤيا بأنه سيولد له مولود يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض، فلما ولدت آمنة (زوجة ابنه عبد الله) قال لها سميه محمداً [ذكره أبو نعيم والصالحي والخفاجي والسيوطي]، كما ذكر مؤرخون آخرون أن آمنة أُمرت أثناء حملها (في المنام) بأن تسمي مولودها محمداً [ابن حبان والطبري وابن سعد وغيرهم].

اختار الله أن يبعث خاتم أنبيائه في أرض العرب التي لم تعرف الحضارة، وتحديدا في مكة التي بُني فيها البيت الحرام على يد آدم أبي البشر، والذي جدده إبراهيم عليه السلام بعد أن ضاعت معالمه، وكأن الحكمة من خروجه في هذا المكان أن يجمع بين النشأة في بيئة لا تعرف القراءة والكتابة ولم تقرأ شيئا من الكتب المنزلة على بني إسرائيل وغيرهم، وبين الانطلاق بدعوته من مركز التوحيد وقبلة المؤمنين على مر العصور.

وُلد محمد يتيمًا على الأرجح، حيث توفي والده عبد الله قبل ولادته، كما توفيت والدته آمنة وهو في سن السادسة، ثم كفله جده عبد المطلب (سيد قريش) سنتين قبل أن يرحل أيضا عن الدنيا، لينشأ في كنف عمه أبي طالب، وكأن قدَر النبي أن ينشأ يتيما ليكون أكثر استقلالية منذ الصغر، واللافت أن عمه الذي ظل حياً إلى ما بعد بعثة محمد لم يؤمن به، وهذا يعني أن كل الذين نشأ محمد في كنفهم لم يكن لهم دور في رسالته.

عاش محمد طفولة طبيعية في مكة، وبدأها بمرحلة الرضاعة في مضارب البدو كما هي عادة العرب آنذاك، فحملته حليمة السعدية إلى دارها في مضارب بني سعد لتبدأ أمارات تميز هذا الطفل بحلول البركة في دارها ورزقها، ثم وقعت معجزة شق صدره عندما أخذه الملَك جبريل وهو يلعب مع بقية الأطفال، فشقّ صدره وأخرج قلبه وغسله مادياً في وعاء من ذهب ثم أعاده إلى مكانه، وقد رويت هذه القصة ببعض الاختلافات في التفاصيل في صحيح مسلم وغيره، وأخرج أحمد والدارمي أن حليمة أعادته إلى أمه فوراً بعد هذه الحادثة فلم تُفاجأ بما حدث له، وقالت أمه آمنة “إن رأيت (في المنام أثناء حملها به) خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام”، وليس في هذا المعجزة ما يناقض العقل ولا المنطق السليم.

رعى محمد الغنم لكسب رزقه، وقال لأصحابه بعد أن صار نبياً “ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم”، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال “نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة” [البخاري: 2262]، ولدى الجمع مع روايات أخرى يتبين أنه كان يرعى الغنم أيضا أثناء إقامته صغيراً عند مرضعته حليمة، ويقول أبو الوفاء ابن عقيل “لما كان الرعي يحتاج إلى سعة خلق وانشراع صدر، وكان الأنبياء مُعدّين لإصلاح الأمم، حَسُن هذا في حقهم”.

وفي سن الشباب بدأ يعمل بالتجارة، ففي سن الخامسة والعشرين خرج بقافلة تجارية لصالح خديجة بنت خويلد، وهي إحدى سيدات قريش، وعندما عاد من رحلته إلى بُصرى (في جنوب سورية حالياً)، أو من سوق في تهامة (غرب السعودية) حسب رواية أخرى، أُعجبت بما ذكره لها غلامها ميسرة من أخلاقه، فتزوجا وهي تكبره بنحو خمسة عشرة سنة.

مدخل غار حراء

يقول ابن خلدون في كتابه “المقدمة” إن من علامات نبوة محمد أنه كان قبل الوحي معروفا في قومه بخلق الخير والزكاة ومجانبة المذمومات والرجس، وكأنه مفطور على التنزه عن المذمومات، فقد دعي وهو شاب صغير إلى وليمة عرس فيها رقص ولهو، فغلبه النوم أثناء الحفل حتى طلعت الشمس ولم يحضر شيئا من اللعب، وكأن الله كان ينزّهه عن كل المنكرات حتى لو حدثت بالصدفة ودون قصد منه.

وفي سن الأربعين اكتمل نضجه، وبدأت أمارات النبوة بالظهور، فتقول عائشة “كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبب إليه الخلاء (أي الخلوة واعتزال الناس) فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، وهو التعبد الليالي أولات العدد” [صحيح مسلم: 160].

ووقعت الحادثة المعروفة في الغار باللقاء الأول بين محمد وجبريل، وبدأت بذلك بعثته ونبوته. ومع أنه كان قد واجه العديد من المواقف والعجائب التي أكدت له مسبقاً أنه سيكون نبياً، إلا أن الصدمة كانت بالغة الأثر على نفسه في بدايتها، حتى عاد إلى زوجته خائفاً مرتجفاً وهو يقول زملوني (غطوني)، وعندما هدأت نفسه قال لها “لقد خشيت على نفسي”، لكن خديجة أيقنت على الفور أنه سيكون بخير، مستدلة على ذلك بأخلاقه الحميدة بالرغم من عدم وجود دين ولا شرع في القوم آنذاك، فقالت له “أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، والله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكَلّ (أي تعين الضعيف) وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق” [صحيح مسلم: 160].

ويستنتج ابن خلدون من إسلام أوائل الصحابة أن نبوة محمد لم تكن تحتاج إلى “دليل خارج عن حاله وخلقه”، ومنهم أبو بكر الذي يروى عن النبي أنه قال فيه “ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد، إلا أبا بكر ما تردّد فيه”.

يقول ابن تيمية في كتابه “شرح العقيدة الأصفهانية” إن أي شخصين ادَّعيا أمرًا من الأمور، أحدهما صادق في دعواه والآخر كاذب، فلابد أن يبين صدق هذا وكذب هذا من وجوه كثيرة، إذ الصدق مستلزم للبر، والكذب مستلزم للفجور، ويقول أيضا إن مُدعي النبوة إما أن يكون أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يُلبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين.

وعندما أرسل النبي إلى الملك البيزنطي هرقل رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، كان وفد من قريش في الوقت نفسه يقوم بزيارة لبلاده، فاستدعاهم الملك وسأل قائدهم أبا سفيان عدة أسئلة عن محمد، ومنها: بمَ يأمركم؟ فقال أبو سفيان: بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف، فأجابه هرقل: إن يكن ما تقول حقاً فهو نبي، وسيملك ما تحت قدميّ هاتين”. وقد صدقت نبوءة الملك فعلا عندما فتح المسلمون في خلافة عمر بلاد الروم البيزنطيين.

الفرق بين النبي والسحرة
كان الوليد بن المغيرة من قادة قريش في مكة، وكان ممن تصدوا لدعوة النبي عندما جهر بها، وعندما اقترب موسم الحج ووصول وفود العرب إلى مكة اجتمع الوليد بوجهاء المدينة وطلب منهم أن يتفقوا على رأي واحد بشأن محمد، تحسبا للسؤال الذي قد يُطرح عليهم من الوفود القادمة عندما تعلم بنبأ خروج نبي من بينهم، وبدأ الحاضرون بطرح الاقتراحات.

فقالوا نقول كاهن، قال الوليد: والله ما هو بكاهن، ما هو بزمزمته، ولا سجعه. قالوا: مجنون، قال: ما هو بمجنون، ولا بخنقه، ولا وسوسته (أي لا تأتيه نوبات صرع). قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده (لأن الساحر يعقد عقدا في الحبل وينفخ فيه بعد تلاوة الطلاسم). قالوا: فما نقول؟ قال: ما أنتم بقائلين من هذا شيئا، إلا وأنا أعرف أنه باطل، وإن أقرب القول أنه ساحر، فإنه سحر يفرق بين المرء وابنه، والمرء وأخيه، والمرء وزوجه، والمرء وعشيرته.

وفي النص دلالة واضحة على الفارق الكبير بين النبي والساحر في سلوكه وطرحه، إلا أنهم وجدوا هذا التشبيه أقرب اتهام ممكن إليه من حيث كونه قادرا على التأثير في الناس، مع أن تأثيره لم يكن إلا بإقناعهم بصدقه ودون استخدام أي قوى خفية.

ولو قارنا بين سلوك النبي (الذي وصفه الصحابة بأدق التفاصيل) وسلوك السحرة والكهنة والشامانات فلن نجد أي تقاطع، فعلى سبيل المثال يدعي الشامانات اتصالهم بالآلهة أو أرواح الموتى عندما يطلبونها لتلقي الإلهام منها بأمور غيبية، مثل الأحداث المستقبلية التي يزعمونها أو كشف مكان بعض الأشياء المخفية، ويمارسون لذلك طقوسا معروفة لدى كل الشعوب، وهي الطقوس التي يتم فيها استحضار الشياطين ليس إلا، أما النبي فلم يكن يفعل شيئا من ذلك، ولم يستحضر الوحي بنفسه يوماً، بل كان ينتظر أحياناً أياماً أو شهوراً حتى يأتيه الجواب على مسألة ما، وقد يتسبب له ذلك بالحرج، كما في قصة الإفك عندما طعن البعض في عِرض زوجته عائشة وهو ينتظر تبرئتها من الوحي، ولو كان دجالا لافتعل بنفسه نزول الوحي وزعم أن زوجته بريئة على الفور وقطع لسان أعدائه.

والشامان يتحدث بصيغة الناطق باسم الإله أو الروح أو الحقيقة المطلقة، فيزعم أنه اتحد به واستمد منه القداسة مباشرة، أما النبي فمع أن القرآن أكد أنه لا يأتي بالخبر الكاذب: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3-4]؛ إلا أن القرآن أوضح للناس أيضا أن النبي لا ينطق بالحق إلا من الله، وأنه إذا لم يستعن بالله فقد ينسى كما ينسى البشر -دون وقوع في الخطأ الفادح بالوقت نفسه- فيقول {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا} [الكهف: 23-24].

ومن المعروف أن النبي لم ينطق يوما بطلاسم أو تعويذات سحرية بأي لغة كانت، وعندما كان يرقي المرضى فلم يكن ينطق بشيء سوى القرآن والدعاء الواضح الصريح، بل كان يتعوذ بالله من السحر والشياطين صباح ومساء كل يوم.

الفرق بين النبي والفلاسفة
يقول الفيلسوف يعقوب الكِندي إن الذين اصطفاهم الله للنبوة لا يشبه العلم الذي يتلقونه بالوحي العلوم الأخرى (الكسبية) التي يكتسبها الإنسان بالتعلم، فعلم الوحي يأتي “بلا طلب ولا تكلف ولا بحث ولا بجبلةٍ بالرياضيات والمنطق ولا بزمان”، فمن يتدبر أجوبة الرسل على الأسئلة التي كان يطرحها عليهم المشككون بشأن الأمور الخفية فسيجد فيها أجوبة تختلف عما كان سيقدمه الفلاسفة في تلك العصور، وذلك من حيث الوجازة والبيان وقرب السبيل والإحاطة بالمطلوب.

ويضرب الكِندي على ذلك بأمثلة، ومنها أن المشركين سألوا محمدا {من يحيي العظام وهي رميم؟}، فجاءه الجواب من الوحي: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (81) إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82)} [يس: 79-82]. ويحلل الكندي هذا الجواب بلاغيا وفلسفيا من وجه عدة، ومنها أنه إذا كانت العظام قد وجدت بالفعل بعد أن لم تكن، فإنه من الممكن -إذا بطلت وصارت رميماً- أن توجد من جديد، فجمع المتفرق أسهل من صنعه من العدم، والسائل المنكر لقدرة الله على البعث مقر بخلقه من عدم.

ويضيف أن كون الشيء من نقيضه موجود، كإخراج النار من الشجر الغض، ثم يستشهد النبي في جوابه الموحى به بخلق الله للكون، ما يدل بالبداهة على قدرته على البعث، إلى آخر ما قاله من دلائل فلسفية يختتمها بقوله “فأي بشر يقدر بفلسفة البشر أن يجمع في قول بقدر حروف هذه الآيات ما جمع الله جل وتعالى إلى رسوله فيها من إيضاح”، ليستنتج من هذا النمط من العلم أن مصدره ليس حسا ولا عقلا بل وحيا مفارقا من الله. [رسائل الكندي الفلسفية، 1/372]. وسنبحث في مقال “الوحي القرآني” المزيد من الأدلة على صحة الوحي القرآني ونسبته إلى الخالق مباشرة.

ومن أوضح الاختلافات بين النبي محمد والفلاسفة، أنه ظل أمياً حتى آخر حياته، ولم يعرف عنه خصومه من قريش أنه تعلم القراءة والكتابة فضلا عن تلقي العلم على أي معلم، بل كان قبل البعثة (التي فاجأته وهو في سن الأربعين) مشغولا بتربية أولاده والعمل في التجارة ورعي الغنم، حتى ذكر الوحي في مرحلة لاحقة أن النبي لم يكن قد خطر بباله أصلاً أنه سيصبح نبياً فقال: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك} [القصص: 86]، ومع ذلك فقد تمكن بعد بعثته من وضع تشريع متكامل قائم بذاته، ومازال جهابذة الفقهاء حتى اليوم يقضون أعمارهم في تعلم الشريعة التي أتى بها واستنباط قواعدها وأصولها والاجتهاد في ضوئها، بينما لم يبذل النبي أي جهد في “وضع” تلك الشريعة التي أوحيت إليه، بل كان مشغولا بالدعوة والجهاد وتأسيس الأمة، وكان وقت فراغه ينصرف إلى العبادة وليس إلى طلب العلم والقراءة، فعِلمه كان يأتيه دون طلب.

وقد تم الاعتراف بالشريعة التي جاء بها النبي كمصدر عالمي للتشريع والقانون في عدة مؤتمرات دولية في القرن العشرين، وكان أولها مؤتمر القانون المقارن الدولي في لاهاي الهولندية عام 1932، حيث أقرت تلك المؤتمرات بأن الشريعة الإسلامية أصيلة وليست مستمدة من القانون الروماني كما حاول بعض المستشرقين أن يثبتوا.

عبد البهاء

ووُضعت عشرات الكتب في كشف معجزات العدالة والإتقان في التشريع المحمدي، وهو أمر لا يتسع هذا المقال للاستشهاد به، إلا أننا نكتفي بالتوقف عند التناسق بين كافة جوانب هذا التشريع، وهو من أدل البراهين على إعجازه وصدوره عن مصدر غير بشري، فكل الشرائع الوضعية التي عرفتها البشرية تطلب وضعها جهودا جماعية متأنية، ثم نضجت عبر تراكمات لأجيال متعاقبة، أما النبي فكان يفتي أحيانا عند وقوع الواقعة، وقد يصمت عندما يُسأل عن أمر لم يأته فيه الوحي فينزل عليه في لحظتها أو بعد برهة قصيرة، فيستدعي صاحب السؤال ويخبره بما جاءه من تشريع، وقد يُنسخ حكم بحكم آخر لتطور الأحداث ونضج المجتمع حديث التشكل، إلا أننا لا نجد أي وجه من وجوه التعارض والتناقض بين كافة الأحكام على ضخامتها، ولا نجد فيها أيضا ما يتعارض مع مقومات العدالة، وهو تحدٍّ لم ينجح فيه كل من ادعى النبوة [انظر مقال شريعة الإسلام].

فعلى سبيل المثال، ينص كتاب “الأقدس” الذي يقدسه البهائيون على أنه “إذا كان المتوفّى أباً وله دار كان يسكنها، يختصّ الابن الأرشد بهذا المسكن”، فالأفضلية للابن الذكر والأكبر سناً فقط، ويزعم مؤسس هذه الديانة عبد البهاء أن هذا التفضيل منصوص عليه في الكتب السماوية السابقة، فيقول “كانت للابن البكر في جميع الشرائع الإلهية امتيازات فوق العادة، حتى النبوة كانت ميراثا له”، وهو ادعاء غير صحيح.

يقول الفيلسوف والحقوقي الفرنسي مونتسكيو “إنه ليس هناك مقنِّن (واضع للقوانين) إلا وله رأي خاص في القانون، فكل مقنن لديه عواطف وأفكار خاصة، وهو يسعى عند وضع القانون إلى أن يجعل مكاناً لنظرياته”، ويستنتج من ذلك حصول التغير الدائم في القوانين الوضعية، فلا يكاد رئيس أو ملك يصل إلى السلطة إلا ويجري تعديلات دستورية وقانونية تتواءم مع رؤيته ورؤية حكومته، ولا يمكن للمقنن البشري أن يحقق العدالة المطلقة إلا بمدد معرفي مفارق للحاجات البشرية ومؤثرات البيئة، وهو ما لا يتوفر إلا للأنبياء الذين يستمدون الشرائع من الوحي.

الفرق بين النبي وأساتذة الجمعيات السرية
أوضحنا في مقال “الجمعيات السرية” أن الكثير منها نشأ داخل الأديان الكبرى لأسباب عدة، وأن نظامها يقوم أساساً على التدرج والترقي في مراتب سرية، وصولا إلى درجة الأستاذية التي يحتلها شخص خفي لا يعرفه إلا أصحاب الدرجة التي تحته مباشرة فقط، كما تحفل عقائد وشعائر هذه الجمعيات بالرمزية التي تحتمل التأويلات المختلفة بكل تفاصيلها، وإلى درجة يمكن فيها أن يجتمع النقيضان في أمر واحد، كأن يشيع مثلا أن جمعية ما تعبد الإله بينما هي تعبد الشيطان نفسه في الحقيقة، ولا يعرف ذلك إلا من يترقى إلى الدرجات العليا فقط.

لقطة من مشهد تمثيلي جاء في الفيلم الوثائقي “سري للغاية-الماسونية” وهي توضح إقرار العضو الجديد في الماسونية بأنه سيعرض نفسه في القتل إذا أفشى أسرار جماعته

وذكرنا أيضا أن أنظمة هذه الجمعيات تشترط على أعضائها الولاء المطلق والطاعة العمياء وكتمان الأسرار التي لا تُكشف إلا بعد تمحيص واختبار شديدين، مع التهديد بالقتل في حال كشف أي سر، ما يعطي “الأستاذ الأعظم” سلطة هائلة على عقول ونفوس وأجساد كل من يوافق على الانضمام إلى جماعته.

في المقابل، لم يقدم النبي محمد نفسه على أنه صاحب رسالة سرية أو تعاليم خفية، ومع أنه اضطر إلى تقليص نطاق دعوته بين المقربين منه في السنوات الثلاثة الأولى من الدعوة فهذا لا يعني أنها كانت خفية، بل أمره الوحي بإعلان نبوته منذ اليوم الأول، فجمع قريشًا عند جبل الصفا وأخبرهم بأنه رسول الله إليهم، إلا أنه لم يوسع الدعوة بعد ذلك حتى لا يتضرر أتباعه القلائل من بطش الرافضين لدعوته وطغيانهم، وكان النبي طوال تلك الفترة يجاهر بدينه وعقيدته دون إظهار التحدي، ويتلقى بالمقابل الكثير من الأذى والاضطهاد، كما كان يفعل ذلك الأقوياء من صحابته الأوائل مثل عمه حمزة وعمر بن الخطاب.

وطوال مدة النبوة التي امتدت ثلاثة وعشرين عاما، لم ينشئ النبي أي كيان سري، ولم يُخفِ عن الناس أي شعائر أو عقائد، بل نصّ القرآن على أن الدين مكشوف وعلني وواضح ومكتمل، فقال في حجة الوداع وقبل وفاة النبي ببضعة أشهر {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام} [المائدة: 3]، وفي حديث صحيح رواه مسروق عن عائشة أنها قالت “من حدثك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته” [رواه البخاري].

وبما أن النبي كان سيد قومه ومؤسسا لدولة ناشئة ويحيط بها الأعداء المتربصون، فقد اضطر من حيث موقعه السياسي إلى إطلاع بعض صحابته الذين يشكلون “الكيان الأمني” للدولة على بعض الأسرار التي لا تتعلق بالدين نفسه، فأخرج البخاري عن أبي الدرداء أنه قال لعلقمة: “أو ليس فيكم صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلمه أحد غيره؟”، وجاء في روايات أخرى أن صاحب السر هو حذيفة بن اليمان، وهو يشبه ما يسمى اليوم بأمين السر (السكرتير)، وقد أوضح الحافظ ابن حجر في فتح الباري أن المراد بالسر ما أعلمه به النبي صلى الله عليه وسلم من أحوال المنافقين، ولهذا المعنى شواهد كثيرة في كتب الحديث.

كما أخرج البخاري عن أبي هريرة أنه قال “حفظت عن رسول الله وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم”، وبيّن ابن حجر أيضا في الفتح أن وعاء العلم الأول الذي كشفه لنا أبو هريرة هو الدين نفسه، أما الوعاء الذي أخفاه فيتضمن أسماء أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم في عهد بني أمية، والديل أن أبا هريرة كان يكني عن بعضهم ولا يصرح خوفا على نفسه من بطشهم، كقوله “أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان”، في إشارة إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، وقد استجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة. وقد أكد هذا المعنى بشواهد كثيرة الذهبي والقرطبي وغيرهما، مما يؤكد أن العلم المخفي هو نبوءات كشفها النبي لأمناء السر عن أسماء المنافقين وما سيحدث من الفتن والظلم بعد موته، وهي أمور لا علاقة لها بالدين نفسه.

“كانت صورة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وهيئته وسمته وشمائله، تدل العقلاء على صدقه، ولهذا قال عبد اللَّه بن سلام (كان من أحبار اليهود وأسلم): فلما رأيت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، ولذا كان من سمع كلامه، ورأى آدابه، لم يدخله شك” [التقي المقريزي، إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، 4/179].

وعلاوة على ما سبق، يوجه الوحي النبي مراراً ليوضح للناس أنه ليس وصيّا عليهم، ولا سلطانا على نفوسهم وقلوبهم وعقولهم، فيقول في إحدى الآيات {قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار} [ص: 65]، وهذه الصورة أبعد ما تكون عن الدور الذي يلعبه أساتذة الجمعيات السرية الذين يعشقون السلطة ويشترطون الطاعة العمياء على أتباعهم، بينما لم يطلب النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه البيعة إلا من حيث كونه مؤسسا لكيان سياسي، وبما يحقق حلم العدل للناس في مجتمع لا يُعبد فيه بشر ولا حجر.

الفرق بين النبي والملوك

المسجد النبوي في المدينة المنورة بمنتصف القرن التاسع عشر

يميل القادة في العادة عبر التاريخ إلى التمتع بقدر ما من الشهوات، فالأحمق منهم ينغمس فيها حتى الثمالة، والقائد الذكي يوجه طاقته نحو بسط سلطته وتقوية نفوذه ومقاومة أعدائه، لكن كلاهما يهتم بمظاهر العظمة، فأكثر القادة زهدا في الملذات نجده منغمسا في المقابل بشهوة السلطة.

والنبي هو الاستثناء الوحيد من هذه المعادلة الصعبة، فقد كان صاحب سلطة دنيوية معنوية، ومع ذلك لم يؤسس لنفسه ملكا، ولم يتخذ شيئا من مظاهر السلطة والنفوذ فضلا عن الملذات الدنيوية، بل كانت سلطته مستمدة أصلا من انقياد الصحابة له بموجب البيعة على الطاعة دون النص على تأسيس دولة، لذلك حار المفكرون والمنظرون في تصنيف سلطة النبي الاستثنائية، والتي خلفه فيها حكّام حقيقيون (الخلفاء الراشدون) يستمدون شرعيتهم من البيعة بصفتهم خلفاء للنبي، فيقول الماوردي في “الأحكام السلطانية” إن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، ويعرفها ابن خلدون بأنها خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

ومن ينظر في سيرة الخلفاء الراشدين يتعجب من زهدهم في ملذات الدنيا بالرغم مما حققوه من فتوحات غير مسبوقة في التاريخ، لكن هذا الزهد لم يكن سوى اقتباس من التطبيق النبوي للزهد، فالنبي ابتدأ دعوته برفض العرض السخي الذي قدمته له قريش عن طريق عمه أبي طالب، حيث عرضوا عليه الأموال والنساء والمُلك مقابل أن يكف عن الدعوة إلى التوحيد ونبذ الوثنية، فرفض بشدة، وتابع مسيرته مطارَدا منبوذا من قبل قومه ومعظم القبائل التي قصدها للدعوة، إلى أن بايعه الأنصار في يثرب (المدينة المنورة) على الطاعة فهاجر إليهم، وأسس بذلك واحدة من أقوى دول التاريخ، دون أن يتغير شيء في طبعه وسلوكه وحياته اليومية.

قال أبو ذر كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرّة المدينة فاستقبلنا (جبل) أُحُد، فقال يا أبا ذر، قلت لبيك يا رسول الله، قال ما يسرني أن عندي مثل أحُد هذا ذهبا تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا شيئا أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، ثم مشى فقال إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وقليل ما هم [البخاري: 6079]، أي لو أن النبي كان يملك ذهبا بحجم جبل ضخم فما كانت ستمضي ثلاث ليال إلا ويكون قد أنفقه كله على الناس إلا شيئا قليلا يحتفظ به لوفاء الديون.

كان النبي يستخدم هذا الوعاء الخشبي البسيط، وهو اليوم محفوظ داخل إطار معدني (http://topkapisarayi.gov.tr)

وأما طعامه، فقد كان يمر عليه شهران وما توقد في بيوت زوجاته نار للطبخ، فلا يأكل سوى التمر والماء وما يهدى إليه من أصحابه، وربما ظل يومه يلتوي من شدة الجوع وما يجد من الدَّقل (التمر الرخيص) ما يملأ به بطنه، وما شبع النبي ثلاثة أيام تباعا من خبز برّ حتى مات، وكان أكثر خبزه من الشعير، بل لم يؤثر عنه أنه أكل خبزاً مرقّقا أبداً، وهو الخبز الذي يتاح لنا في هذا العصر يوميا بأرخص الأثمان، وقد قال خادمه أنس بن مالك إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا حين يأتيه الضيوف [رواه الترمذي].

ورويت أحاديث كثيرة عن زهد النبي في المسكن والملبس والمظهر أيضا، فكانت حجرات زوجاته أكثر زهدا وبساطة من بيوت الكثير من سكان المدينة، وعندما طالبنه بمزيد من النفقة والرفاه نزل الوحي على الفور بتخييرهن بين أخذ حقوقهن والطلاق بالمعروف وبين الصبر على الحياة مع النبي وبالقدر الأدنى من مقومات الحياة، فأخبرهن النبي بما نزل عليه من القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28-29]، فاخترن جميعا الصبر، وكأن حياة النبي لا تقبل التوسع في ملذات الدنيا ليكون أبعد الناس عن التهم.

وعندما رأى عمر بن الخطاب النبي مضطجعا على فراش من الخصف وتحت رأسه وسادة محشوة بالليف، قال يا رسول الله ادع الله أن يوسع على أمتك فإن فارس والروم وُسع عليهم وأُعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، فجلس النبي وقال: “أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا” [صحيح البخاري: 2336].

وكان النبي يجلس مع أصحابه في مسجده الملاصق لحجرات زوجاته، فلم يكن يملك قصورا ولا ديوان ملك، وعندما يدخل عليه أعرابي لا يعرفه فإنه يسأل أيّكم محمد؟ والنبي متكئ بين ظهرانيهم لا يختلف عنهم في شيء. [صحيح البخاري: 1/23].

وخلافا للمشاهير في كل الأزمنة والحضارات والمجالات، لم يكن النبي يخشى الاختلاط بالناس، بل كان يقضي معظم وقته بينهم وبدون حواجز مادية ولا معنوية. فالمشاهير يتجنبون في العادة الاحتكاك بالناس كي لا تسقط هيبتهم وتظهر عيوبهم البشرية، ولا سيما الملوك الذين يحرصون على عدم الظهور إلا في المناسبات، أما النبي فكان يسافر مع أصحابه وكأنه واحد منهم، ويتعرض للمواقف شديدة القسوة فلا يظهر منه ما يطعن في كمال شخصيته، ومن بين آلاف الأحاديث التي نقلت إلينا أدق تفاصيل حياته اليومية لا نجد تصرفا واحدا غير لائق، فضلا عن أي تصرف عادي كالغضب والزلل وفلتات اللسان، بل نقل لنا الصحابة قصصا عجيبة عن حلمه وسعة صدره في التعامل مع أعدائه أو مع السفهاء من قومه.

قال ابن عباس “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشاة (يحلبها)، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير” [رواه الطبراني وصححها الألباني].

ومن المعروف في سيرة الملوك أنهم إذا خرجوا إلى أرض المعركة فإنهم كانوا يتحصنون في مقصوراتهم الملكية وراء الصفوف بعيدًا عن الخطر، أما النبي محمد فكان يحمل السيف ويقاتل بنفسه في الصفوف الأولى، حتى قال علي بن أبي طالب -وهو من أشد الفرسان شجاعة- “كنا إذا حمي الوطيس واشتدت المعركة اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم” [رواه البخاري و مسلم]، أي أن النبي نفسه كان هو الذي يحمي أصحابه في الميدان بسلاحه، وليس هذا لشجاعة النبي وإقدامه فقط بل لأنه كان يعلم أنه لن يُقتل حتى يتم الرسالة التي بعثه الله بها، وهو أمر لا يمكن لأي شخص يدعي النبوة أو يطمح إلى المُلك أن يزعمه لنفسه ثم يخاطر بحياته في سبيله.

وعندما توفي بعد 23 سنة من الجهاد المتواصل لنشر دعوته، لم يترك النبي درهما ولا دينارا ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة، وقالت زوجته عائشة “توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي”.

سيف النبي محفوظ في متحف توب كابي بإسطنبول، علما بأن الجواهر والمقبض قد أضيفت إليه في العصر العثماني

معجزات النبي
يرى الإمام أبو حامد الغزالي أن المعجزة وحدها قد لا تكون كافية لإقناع البعض، فمن يكتفي بالنظر في خوارق العادات مثل قلب العصا ثعبانا وشق القمر فقد يظن أنه سحر وتخييل وتضليل، ومن يستند إلى دعوى النبوة بالكلام المنظوم فقط فربما يقع أيضا في التضليل كما يفعل الشعر المتقن في نفس الإنسان.

لذلك فالخوارق تأتي على يد النبي من باب الإعجاز لمن يتحداه وليست كافية وحدها، لكن التحقق من نبوة من يدعي النبوة يتطلب النظر في معرفة أحواله، فمن يدرس أحوال “جالينوس” (طبيب إغريقي) مثلا ويقرأ كتبه يصل إلى علم يقيني بأنه كان طبيبا، وكذلك إذا فهمنا معنى النبوة وأكثرنا النظر في القرآن والأخبار نصل إلى “علم ضروري” بكونه نبيا.

ويضيف الغزالي أنه يمكن لمن يريد بلوغ اليقين أن يخوض تجربة العبادات التي جاء بها محمد، وأن يعيش بنفسه أثر تلك الشعائر على نفسه، وأن يطبق أيضا وصايا النبي في العلم والعمل. أما المعجزات الحسية الخارقة للعادة فهي من قبيل الرد على تحدي الخصوم، ولا يحتاج إليها الباحث عن الحقيقة بعقله المجرد.

ويقول ابن القيم في “إغاثة اللهفان” (2/691) إن معجزات النبي تتجاوز الألف، منها ما حصل وانتهى، ومنها ما هو باق، وهو القرآن الكريم الذي يعد المعجزة العظمى، وذلك من جهة لفظه التي تحدى الله بها فصحاء العرب، ومن جهة إخباره بأحداث مستقبلة وقعت لاحقا، ومن حيث احتوائه على تشريعات محكمة وأخبار قصص الأمم السابقة وبعض أسرار الكون.

سنفصل الحديث عن القرآن (المعجزة الكبرى) في مقال مستقل، وسنكتفي هنا بسرد بعض الأمثلة للمعجزات التي حدثت في عصر النبوة، ثم نورد أمثلة أخرى لبعض نبوءاته المستقبلية.

قبة الصخرة في المسجد الأقصى التي عرج منها بالنبي إلى السماء

أما المعجزات التي حصلت وانتهت فمن أشهرها ما يلي:
1- الإسراء والمعراج: حيث انتقل النبي في ليلة واحدة من مكة إلى القدس، ثم عُرج به من هناك إلى السماء, ووصل إلى سدرة المنتهى حيث لم يقترب أحد من العرش مثله، والتقى بالأنبياء الذين سبقوه، ورأى شواهد كثيرة من عالم الملكوت ونعيم الجنة وعذاب النار، ثم عاد في الليلة نفسها إلى مكة، وعندما أخبر أبا جهل بما رأه جمع له الناس كي يستمعوا إليه ويكذبوه، فكان النبي يقص القصة على قريش وهم يسخرون، بل ارتد كثير ممن كان قد أسلم عن الإسلام، وطار بعضهم بالخبر إلى أبي بكر ليختبروه فقال لهم “إنه ليخبرني أن الخبر (الوحي) ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه ، فهذا أبعد مما تعجبون منه”، أي أن نزول جبريل إليه ليس مستحيلا في العقل وقد صدّقته فلماذا أستبعد انتقالا عكسيا للنبي من الأرض إلى السماء، حتى لو كان ذلك خارقا للعادة ولا يقدر عليه البشر العاديون.

ثم حاول البعض أن يمتحن النبي فسألوه عن صفات المسجد الأقصى، فوصفه لهم وهم كانوا قد سافروا إليه في رحلات التجارة ويعرفونه، ثم أخبرهم عن تفاصيل القوافل (العير) التي رأها في طريق عودته وهي توشك على الوصول إلى مكة، فوصلت عند مغيب الشمس وعلى النحو الذي وصفه بدقة، ومع ذلك قال المشركون “هذا سحر مبين”. [البداية والنهاية: 4/282].

وأنزل الله آية في حق الذين أنكروا القصة فقال {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً} [الإسراء: 60].

2- انشقاق القمر: جاء وصف هذه المعجزة العجيبة في القرآن والسنة بالتواتر، فسُميت سورة كاملة من القرآن باسم القمر، وكان مطلعها: {اقتربت الساعة وانشق القمر (1) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر}، كما روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُريهم آية (معجزة)، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما.

وللواقعة روايات كثيرة من قبل الصحابة، بما فيهم صغار السن مثل عبد الله بن عمر، وجبير بن مطعم بن عدي الذي لم يكن قد أسلم حينئذ. ويدور في العصر الحديث جدل بشأن إمكانية العثور على دليل يؤكد وقوع الانشقاق عبر دراسة ما تطرحه وكالة ناسا للفضاء من صور قمرية، لكن عدم العثور على صور لشقوق أو أخاديد كافية لا يعني عدم وقوع الحدث، فالانشقاق المعجز قد تبعه التحام معجز أيضا، ومن الطبيعي ألا يترك الالتحام أثرا، لأن التحدي كان لمن شهد الواقعة فقط.

وبما أن الانشقاق قد حدث لبرهة قصيرة، ولم يكن نتيجة ظاهرة مرصودة يترقبها الناس، فالأرجح أنه لم يرها من سكان الأرض سوى من صادف أنه كان ينظر إلى القمر في تلك اللحظة، وممن كان أيضا في منطقة يطل عليها القمر في الوقت نفسه، ولعل هذا يفسر عدم انتشار الخبر في تاريخ الشعوب الأخرى، أو عدم وصوله مدونا إلينا بكثرة، مع أن بعض الباحثين رصدوا توثيقا في مخطوطات فارسية وإسبانية تعود إلى عصر النبي نفسه.

المقال التالي بعنوان “القمر المنشق في وثيقة مدريد والمخطوطات الفارسية”، وقد نشر للمرة الأولى في موقع http://www.mayalords.org عام 2000، ثم تم تعديله عشرات المرات قبل أن يحذف نهائيا، وما زال موقع “أرشيف الإنترنت” يحتفظ بالنسخة الأولى وكل تعديلاتها، ويمكنك الاطلاع على ذلك بالضغط هنا.

3- تكثير القليل من الطعام بين يدي النبي أو بدعائه لطعام ما بالبركة، وقد تكرر ذلك في مرات كثيرة جدا وشاهدها عشرات الصحابة، ورويت تلك الروايات في صحيحي البخاري ومسلم، وأشهرها حديث جابر بن عبد الله في غزوة الخندق.

4- نبع الماء من بين أصابع النبي، وتكثيره الماء القليل حتى يشرب ويتوضأ منه جميع جنود الجيش، وهو حديث أثبته البخاري ومسلم عن أنس بن مالك وشهده حوالي ثلاثمئة صحابي، وفي حديث آخر شرب نحو 1400 صحابي من بئر جاف لا ماء فيه في غزوة ذات الرقاع.

كسرى الثاني جالسا على عرشه في لوحة جدارية

5- قصة إسلام أهل اليمن، حيث أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسالةً إلى كسرى ملك الفرس (كسرى الثاني أو خسرو الثاني) يدعوه فيها للإسلام، فمزق كسرى الرسالة وأرسل إلى باذان بن ساسان عامله على اليمن يأمره فيها بإرسال رجلين قويين إلى الحجاز واعتقال النبي واقتياده إليه (وفي رواية أخرى أن يأمراه فقط بالتوقف عن الدعوة)، فنفذ باذان الأوامر، ودخل الرجلان على النبي وقالا له إن شاهنشاه (ملك الملوك) كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك وهدداه، فلم يرد النبي وأمرهما أن يلاقياه غدًا. وفي اليوم التالي قال لهما النبي أخبِرا الذي أرسلكما -أي باذان- أن ربي قتل ربه الليلة -أي أهلك الله كسرى- وقولا له إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، وقولا له إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملّكتك على قومك من الأبناء، ثم أعطى النبي إلى رسولَي باذان “منطقة” فيها ذهب وفضة، كان بعض الملوك أهداها له.

عاد الرجلان إلى باذان يخبرانه بالأمر، وبعد شهر وصل الرسل من فارس (إيران) إلى اليمن فسألهم باذان على الفور: هل قُتل كسرى؟ فتعجبوا وسألوه من أخبرك بذلك؟ وأخبروه أن شيرويه بن كسرى ثار على أبيه فقتله ونصب نفسه ملكا في نفس الليلة التي ذكرها النبي، فآمن باذان بأن محمدا نبي يأتيه الوحي من السماء، وأسلم معه أهل اليمن. [أخرجه الطبري وابن كثير وابن سعد عن ابن مسعود بسند صحيح، وأخرجه ابن بشران عن أبي هريرة وحسنه الألباني].

ملحمة الشاهنامه الفارسية تحكي قصة مقتل كسرى الثاني على يد ابنه قباز شيرويه في 28 فبراير 628م

النبوءات المستقبلية
تنبأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعدد كبير من الأحداث التي وقع الكثير منها ومازال بعضها ينتظر التحقق، فكل ما وعد بحدوثه في حياته أو في حياة بعض أصحابه وقع بدقة، وكأنه كان ينظر إلى المستقبل بعين الحاضر، وفيما يلي بعض الأمثلة:

1- قبل بدء معركة بدر بيوم واحد، وهي أول المعارك التي خاضها المسلمون بعد تأسيس نواة دولتهم في المدينة المنورة، تفقد الرسول أرض المعركة وأخذ يشير إلى موابع مقتل المشركين فيها ويقول “هذا مصرع فلان”، فيسميهم بالاسم وكأنه كان يرى بعينه نتائج المعركة، ويقول أنس بن مالك “فما ماط (ابتعد) أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم” [رواه مسلم].

2- كان الصحابة الأوائل يلقون الأذى الشديد من قريش، فاشتكوا إلى النبي وقالوا ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال “قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويُمشّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون” [رواه البخاري]، وقد تحقق هذا الوعد الذي كان يبدو خياليا في حينه.

وعندما كان النبي وصحابته يحفرون الخندق حول المدينة تحسبا لهجوم قريش وحلفائها، شكا الصحابة صخرة لم يستطيعوا كسرها، فأخذ الفأس وقال بسم الله، وضرب ضربة كسر منها ثلث الحجر، وقال “الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إنى لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا”، وفي الضربة الثانية قال “الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إنى لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا”، وفي الثالثة قال “الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إنى لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا” [رواه أحمد]، وقد سخر المنافقون فيما بينهم من هذه النبوءات الطموحة جدا، فالنبي الذي كان على وشك التعرض لحصار خانق يتنبأ بإسقاط أقوى الدول على وجه الأرض، وقد تحقق وعده فعلا في حياته وقبل نهاية خلافة عمر بن الخطاب.

كما وعد النبي أيضا الصحابي سُراقة بن مالك بأنه سيلبس سِوارَي كسرى، وعندما فتح عمر بلاد فارس أعطى سواري أعظم ملوك الأرض لسراقة تحقيقا لوعد النبي.

الفيديو التالي يوضح أن الإسلام كان أسرع أديان التاريخ انتشارا في العالم.

3- بالرغم من وعده لأصحابه بالنصر والفتوحات، فقد أخبرهم أيضا أن الضعف سينال من جسد أمتهم وأنهم سيتقاتلون فيما بينهم، فقال “يوشك الأمم أن تدّاعى عليكم كما تداعى الأكَلَة إلى قصعتها”، فقال قائل “ومن قلةٍ نحن يومئذ؟”، قال “بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ الله في قلوبكم الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت” [صححه الألباني] .

وهناك أحاديث كثيرة نُقلت عن النبي وهو يحدث أصحابه عن الفتن التي سيتعرضون لها، وهذه من أعجب المعجزات، فقد كان الصحابة يعلمون بحدوث تلك الفتن ولم يستطيعوا منعها، كما تحدث النبي بالتفصيل عن فتنة الخوارج ووصف أشكالهم وأفعالهم، مع أنهم لم يبدأوا فتنتهم إلا في عهد علي بن أبي طالب ولم يكن خروجهم وارداً في ذهن أحد، وكان يجدر بهم أن ينتبهوا إلى ما قاله النبي قبل سنوات قليلة عنهم وأن يحذروا من سوء عاقبتهم.

ومن أدل روايات الفتن على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم أنه عندما خرج كل من علي والزبير في جيشين وكانا على وشك الاقتتال بينهما، وهما من كبار الصحابة والمبشرين بالجنة، نادى عليّ الزبير فأقبل عليه، فقال علي: يا زبير أنشدتك بالله أتذكر يوم مر بك رسول الله ونحن في مكان كذا وكذا؟ فقال النبي يا زبير تحب عليًا؟ فقلت: ألا أحب ابن خالي وابن عمي وعلى ديني فقال: يا علي أتحبه؟ فقلت: يا رسول الله، ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني، فقال النبي: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم. فتذكر الزبير الحادثة على الفور وقال: بلى، والله لقد نسيته منذ سمعته من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك، وتراجع عن المعركة قبل أن تبدأ.

4- أخبر النبي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان وعلي بن أبي طالب بأنهم سيموتون شهداء، وقد قتُل عمر وعثمان فعلا في الفتن التي أخبر بها النبي، وعندما مرض علي مرضا شديدا قال له بعض أصحابه وهم يعودونه لقد تخوفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه، فقال بكل ثقة: لكني والله ما تخوفت على نفسي منه، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصادق المصدوق يقول “إنك ستُضرب ضربة ها هنا وضربة ها هنا -وأشار إلى صدغيه- فيسيل دمها حتى تختضب لحيتك..”، وكأن النبي كان يرى بعينه كيف سيُقتل علي، وقد حدث هذا فعلا.

وفي السياق نفسه، قال النبي عن عمّار بن ياسر “ويح عمار تقتله الفئة الباغية” [رواه البخاري]، وقد قُتل بسهم أطلقه معسكر معاوية على معسكر علي، وكان النبي يقول عند زيارته أم ورقة بن نوفل “انطلقوا بنا نزور الشهيدة” [رواه أحمد وابن خزيمة]، وقد قتلها غلام وجارية لها في عهد عمر فصلبهما، كما أخبر النبي ثابت بن قيس باستشهاده في قوله “يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة، قال بلى يا رسول الله” [رواه الحاكم]، وقد عاش حميدا واستشهد في المعركة ضد مسيلمة الكذاب، وأخبر النبي أم حرام بنت ملحان أنه رأى في منامه ناس من أمته يغزون في البحر، مع أنه لم يكن من الوارد لدى العرب ركوب السفن وشن الغزوات فيها، فقالت أم حرام: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت من الأولين، وقد ركبت أم حرام أول أسطول إسلامي بالفعل في زمن عثمان، وما إن نزلت أرض جزيرة قبرص حتى سقطت عن دابتها وكانت أول الشهداء هناك، وما زال قبرها معروفا [أخرجه البخاري ومسلم].

ويجدر بالذكر أنه من غير المنطقي أن يستغل المشككون في عصرنا الحالي الفتن التي وقعت بين الصحابة للطعن في الإسلام نفسه، وذلك من باب الطعن في الصحابة والتقليل من شأنهم، بل هي من أقوى الأدلة على صحة الإسلام الذي جاء به النبي، فقد وقعت كما أخبرهم عنها تماما، ولم يقوَ أحد على منعها. أما وقوع الأخطاء من الصحابة فليس سوى دليل على بشريتهم وعدم بلوغهم الكمال الذي بلغه النبي وحده، فالوحي لم يقل إن الصحابة معصومون أصلا بل أكد العكس.

وإذا حاولنا التشكيك في تلك النبوءات كلها، وزعمنا أن أتباع النبي قد اخترعوها بعد حدوثها ونسبوها إليه، فمن غير المنطقي أن يتواطأ جميع الرواة على الكذب، فالكثير من تلك الروايات وردت من أكثر من طريق وثبتت لدى المحدثين صحتها، وسنبين في مقال “السنة النبوية” المنهج العلمي الدقيق الذي جُمعت به الأحاديث والسنن ودُققت واعتُمدت، وهو منهج لا يقبل المحاباة والمجاملة والعبث، ولا يدانيه أي منهج في دراسات التاريخ المقارَن لدى كل حضارات العالم.

ميرزا غلام أحمد

في المقابل، لم يستطع مدّعو النبوة المعروفون في التاريخ المعاصر أن يثبتوا صحة نبوتهم عبر التنبؤ بالمستقبل، ولعل أشهرهم مؤسس طائفة القاديانية الميرزا غلام أحمد (توفي عام 1908م) الذي حاول أن يثبت نبوته بوضع العديد من التنبؤات المستقبلية فكان الفشل حليفه، ونذكر منها المثال التالي:

فقد تنبأ غلام أحمد بأن الطاعون الذي ضرب الهند في زمانه لن يدخل بلدته قاديان أبداً، وقال: “هو الإله الحق الذي أرسل رسوله في قاديان وهو يحفظ القاديان ويحرسها من الطاعون ولو يستمر الطاعون إلى سبعين سنة، لأن القاديان مسكن رسوله وفي هذا آية للأمم” [دافع البلاء للقادياني10، 11]، لكن الطاعون دخل البلدة وفتك بأهلها حتى وصل إلى بيته، فقال: “إن بيتي كسفينة نوح من دخله حُفظ من كل الآفات والمصائب”، ثم اعترف بأنه خاف على نفسه: “ودخل الطاعون بيتنا فابتليت غوثان الكبيرة فأخرجناها من البيت.. ومرضتُ أيضاً حتى ظننتُ أنه ليس بيني وبين الموت إلا دقائق قليلة” [إحسان ظهير، القاديانية، 1984، ص 180].

الخاتمة
حاولنا في هذا المقال الموجز تركيز الإجابة على التساؤلات الكبرى بشأن النبوة نفسها، ثم بشأن مصداقية نبوة محمد نفسه. وقد يتطلب البحث عن السبيل مزيدا من التوسع، وأن يواصل الباحث التحقق من الأدلة والغوص في تفاصيل سيرة النبي العامرة بآلاف التفاصيل والأحداث والتصريحات والوقائع، والتي تتفرع باستفاضة عن الأصول التي حاولنا الإلمام بها.

وفي المحطات التالية، سنتوقف عند حقيقة الوحي الذي جاء به النبي، ونبحث في القرآن لنتأكد من كونه الكتاب الموحى به فعلا من الله تعالى، وأنه المعجزة التي تحدى بها الإله مخلوقاته، وأنه ما زال محفوظا على هيئته الإعجازية الأولى دون تحريف ولا نقصان. ثم سنتعرف على التراث الذي أورثه النبي المُرسل إلى البشرية من بعده، من الأحاديث والسنن، وما يستفاد منها من تشريعات وعقائد وعلوم أخرى.

أهم المراجع
القاضي عياض السبتي، كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، دار الفكر، 2002.

أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دلائل النبوة، تحقيق عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985.

أبو نعيم الأصبهاني، دلائل النبوة، تحقيق محمد رواس قلعة جي وعبد البر عباس، دار النفائس، بيروت، 1986.

ابن ناصر الدين الدمشقي، جامع الآثار في السير ومولد المختار، تحقيق نشأت كمال، وزارة الأوقاف القطرية، 2010.

صفي الرحمن المباركفوري، وإنك لعلى خلق عظيم: الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، شركة كندة للإعلام والنشر، 2006.

أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال، تحقيق سميح دغيم، دار الفكر، بيروت.

إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية، دار عالم الكتب، بيروت، 2003.

عبد الأحد داود، محمد كما ورد في كتاب اليهود والنصارى، ترجمة محمد فاروق الزين، مكتبة العبيكان، الرياض 1417هـ.

سامي العامري، محمد رسول الله في الكتب المقدسة، مركز التنوير الإسلامي، القاهرة، 2006م، ط1.

العهد القديم العبري، ترجمة بين السطور عبري-عربي، الأبوان بولس الفغالي وأنطوان عوكر، الجامعة الأنطونية، لبنان 2007.

الكتاب المقدس، المطبعة الكاثوليكية في بيروت.

http://www.irf.net/Hinduism_Muhammad.html

المغالطات المنطقية

أحمد دعدوش


مقدمة
بالرغم من المزايا العظيمة لثورة المعلومات والاتصالات التي نعيشها، فإن الفوضى الفكرية هي إحدى أبرز ملامحها، فالأجيال التي نشأت في ظل هذا الانفتاح غير المسبوق في التاريخ باتت تتعرض يوميا لسيل هائل من المعلومات.

ومع تزايد الدفق المتواصل للأفكار والأخبار، يزداد نهم المتلقي للاطلاع السريع والسطحي على أكبر قدر من المحتوى المطروح، فيفقد الكثير من قدراته الدفاعية للمغالطات، ويمتلئ عقله لاشعوريا بالأفكار والمعلومات الخاطئة والمضللة التي قد تقلب عقيدته بالكامل.

وبما أن الشباب يعيش حاليا في ظل اضطرابات سياسية وتدهور اقتصادي في العديد من الدول العربية، فهو يشهد بعينه تزايد الاحتقان والاستقطاب بين أتباع الطوائف والأديان المختلفة، حتى بات الكثير منهم معرضا لضغط التمحيص في أفكاره ومعتقداته.

أرسطو

وإذا كان أرسطو قد لاحظ أن القادة السياسيين يكتسبون شرعيتهم وشعبيتهم من قدراتهم الخطابية وليس من التزامهم بقواعد المنطق، فقد لاحظ الفيلسوف غوستاف لوبون بعد دراسته للثورة الفرنسية أن القائد الذي يلجأ للمنطق في خطابه الجماهيري يضحي بشعبيته، مما دفع كبار السياسيين في الغرب خلال القرن العشرين للاستفادة من كتابه “سيكولوجية الجماهير” بطرح الجدل المنطقي جانبا والاهتمام بإلهاب حماس الجماهير وإثارة عواطفها.

المشكلة هنا لا تكمن في استغلال المشاعر بل في توظيفها لتحقيق مصالح ذاتية على حساب المنطق وبما يخالف العقل، ولا نقصد بالمنطق هنا المجادلات الفلسفية التي تقبل الأخذ والرد، بل القواعد العقلية المتفق عليها. ويقع هذا الاستغلال المغرض عندما يتعمد أحدهم ارتكاب مغالطات منطقية بهدف التضليل والإيهام.

تعود أصول المنطق الصوري إلى أرسطو في القرن الثالث قبل الميلاد، وهو منطق لم يسلم من النقد على يد بعض العلماء المسلمين، إلا أنه لعب دورا جوهريا في وضع أسس المنطق الرياضي والمنطق العملي في العصر الحديث، حيث يهتم بعض المختصين في المنطق اليوم بتطبيقات هذه القواعد في مجالات اللغة وعلم النفس والبرمجة ووسائل الاتصال والإعلام.

ويُعد مبحث “المغالطات المنطقية” من أهم تطبيقات المنطق العملي اليوم، فهو يساعدنا على كشف أساليب الخداع والتضليل التي نتعرض لها عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وحتى الكتب التي يفترض بها أن تكون أكثر عمقا، ما يجعل من دراسة هذه المغالطات وتعميمها ضرورة حتمية.

القضايا
يتكون كلامنا في العادة من نوعين من الجُمل هما:

1- الجُمل الإنشائية، كالتي تقوم على الأمر والنهي وإنشاء العقود، وهي لا تحتمل الصدق ولا الكذب، فلا يهتم بها المنطق.
أمثلة: اكتب لي رسالة، لا تذهب إلى السوق، زوجتُك ابنتي.

2- الجمل التامة الخبرية، وهي التي تتضمن أحكاما موجبة أو سالبة، فهي تحتمل الصدق أو الكذب، وهي التي يهتم بها المنطق لمعرفة حقيقتها، لذا يُطلق عليها في علم المنطق اسم القضية.
أمثلة: كتبتُ لك رسالة، ذهبتُ إلى السوق، فلان هو زوج فلانة.

وتتكون القضية من عدة عبارات، أولها المقدمة –وقد تتضمن القضية عدة مقدمات- وتليها النتيجة. وتنقسم القضايا إلى حمْلية وشرطية، ولكل منهما أشكال متعددة.

مراتب الحجج
صنّف علماء المنطق الحجج المنطقية إلى خمس مراتب بحسب قوة إلزامها، وهي كالآتي:

1- الحجة البرهانية: هي التي تفيد اليقين، ويتحقق ذلك إما بالاستدلال المباشر٬ أو بالقياس الصحيح على قضية يقينية أخرى.

مثال: العدد 4 ينقسم إلى عددين متساويين٬ وكل عدد منقسم بمتساويين هو عدد زوجي، إذن فالعدد 4 زوجي.

2- الحجة الجدلية: هي حجة تتكون من مقدمات مشهورة يعتقد عامة الناس بصحتها بدرجة تقترب من اليقين٬ أو تكون مقدماتها من المسلّم بها عند الآخرين ولكن لا ترقى إلى مرتبة اليقين التام، وهي تشمل معظم القضايا التي نتداولها في القوانين والمبادئ الأخلاقية والنظريات العلمية.

3- الحجة الخَطابية: هي حجة غير ملزمة ولكنها تفيد الظن الراجح٬ فهي تعتمد على مقدمات ظنية، ومن أمثلتها الأحكام الفقهية التي تكتسب عند صاحبها صفة الرجحان.

4- الحجة الشعرية: هي الحجة لا تفيد ظنًّا راجحا لاعتمادها على مقدمات وهمية، إلا أن صاحبها يتلاعب بمشاعر الآخرين فيتأثرون بها. ومن أمثلتها الحجج التي يطرحها الشعراء والخطباء والقادة السياسيون لإشعال الحماس في الجماهير، وكثيرا ما تنتشر في وسائل الإعلام لحشد الرأي العام بما يوافق مصالح السلطات.

5- الحجة الباطلة: هي التي تقوم على الغلط أو المغالطة: فإذا تضمنت مقدمات الحجة خطأ غير مقصود فهي “غلط” منطقي، ويجب على صاحب القضية أن يصححه. أما إذا تعمد صاحبها وضع هذا الغلط قصداً بهدف التضليل فيسمى عمله هذا “مغالطة”، ولا خلاف على أن هذا التعمد يُعد عملا منافيا للأخلاق والشرائع.

أشكال المغالطات

الاستدلال الدائري
هو أن يضع المغالِط حجته في حلقة مفرغة، فالمقدمة التي يطرحها لا يمكن إثباتها قبل إثبات النتيجة. وهي مغالطة شائعة جدا وتأخذ أشكالا عدة، حيث يتعمد المغالِط إيهام الناس بأنهم يصدقونه بتقديم ادعاءاته على أنها مسلّمات وأنهم لا يشككون فيها، فيضطر المتلقي تحت تأثير الوهم للتصديق، وربما يعتقد لاشعوريا بأن الجميع من حوله يصدقون.

مثال: يقول شخص ما إن “الكاهن فلان صادق، لأنه أكد أنه لا يكذب”، ويسمى هذا الاستدلال الخاطئ في المنطق بالدَّور، فنحن هنا أمام حلقة مفرغة.

المصادرة على المطلوب
هي من أشكال الاستدلال الدائري، حيث يجعل المغالِط النتيجة التي يريدها في المقدمة نفسها، أو يضمنها في المقدمة جزئيا بشكل غير صريح، وهو لا يبرهن عليها بل يفترض صحتها بإعادة صياغتها في النتيجة بطريقة توهمنا بأننا حصلنا عليها كنتيجة للمقدمة.

مثال: يقول أحدهم “إن الإسلام يجرّم المثلية الجنسية، والمثلية حق طبيعي لدى فئة من الناس، إذن الإسلام يدعو للتمييز ضد الأقليات”.

فالقائل هنا انطلق من مقدمة متفق عليها وهي تحريم الشذوذ الجنسي، إلا أنه أراد أن يضع النتيجة في المقدمة الثانية وهي أن الشذوذ ليس سوى حالة طبيعية تتعلق بالجينات فقط، وهذا ادعاء غير مبرهن عليه، فالنتيجة إذن لا يمكن التسليم بها.

التعميم المتسرع
تستند معظم معارفنا العلمية على التعميم الاستقرائي، فالنظريات العلمية تدرس تجريبيا حالات عشوائية للظاهرة وتستخرج منها نتيجة ما تعممها على بقية الحالات المشابهة، فيتفق العلماء على اعتمادها نظرية صحيحة مع بقاء احتمال تكذيبها يوماً ما في حال اكتشاف حالات مشابهة لا تخضع لهذا التفسير.

ولا تصح التجارب التي تُعتمد لصحة النظرية ما لم يكن اختيار الظواهر المدروسة عشوائيا وواسعا بحيث يشمل عددا كبيرا من كل أصناف الحالات المقصودة، لكن عندما يقوم الباحث بالانتقاء فلن تكون نتيجة تجاربه صحيحة، كأن يُجري بحثا في علم الاجتماع ويوزع استبيانات على طبقة معينة من المجتمع دون غيرها، فيحصل على نتائج لا تمثل المجتمع كله.

ومغالطة التعميم المتسرع هي تجسيد عملي لهذا البحث الفاشل، ومعظم الناس يمارسونها في حياتهم اليومية بناء على مشاهداتهم الشخصية.

أمثلة:
1- يرصد صحفي غربي وضع المرأة في أفغانستان فيجد أنها محرومة من التعليم ومن حقوق أخرى، فيكتب تقريرا صحفيا يقول فيه “إن شريعة الإسلام مطبقة في أفغانستان وإن المرأة الأفغانية مضطهدة، إذن فالإسلام يظلم المرأة”. فالكاتب هنا جعل من التطبيق الأفغاني للشريعة مقياسا وحيدا يعممه على الإسلام في العالم كله.

2- يقول كاتب أوربي: “إن رجال الكنيسة في القرون الوسطى كانوا يجبرون الناس على الإيمان الأعمى بالنص المقدس، لذا فالدين يقوم أساسا على معارضة العلم والعقل”. فالكاتب هنا يعمم خبرته بالدين المسيحي في عصر ما على مئات الأديان الأخرى دون أن يقدم الدليل.

التعميم المطلق
يرتكب البعض هذه المغالطة عندما يصرون على تعميم حكم ما ليشمل كافة العناصر المعنية به دون السماح بأي استثناء، وهذا غير مقبول منطقيا ولا علميا، فقد يكتشف الإنسان في المستقبل وجود استثناء للقاعدة.

أمثلة:
1- يقول أحد المعلقين “إن أتباع إحدى الطوائف الدينية مؤيدون لنظام دكتاتوري في جرائمه ضد الأكثرية من أتباع دين آخر، والمؤيدون لجرائم النظام تجب محاسبتهم، إذن علينا محاسبة كل من ينتمي لتلك الطائفة”.

2- يقول كاتب لاديني “إن حرية التعبير تعني حق الجميع بالإفصاح عن قناعاتهم، وأنا مقتنع بأن المقدسات الدينية ليست سوى خرافة، إذن يحق لي أن أشتم تلك المقدسات كما أشاء وعبر وسائل الإعلام”.

وقد تأتي هذه المغالطة بطريقة معكوسة، حيث يعمد المغالِط إلى تعميم حكم واحد سبق حدوثه استثنائيا، فيعتبره حكما عاما يطبق على جميع الحالات، وهذه من أكثر المغالطات فحشاً.

مثال: يقول أحدهم “إن أحد المسلمين في بلد ما فجّر نفسه داخل محطة قطارات وقتل العشرات، إذن فالإسلام هو الإرهاب”.

كارل ماركس

ويمكن أن نصنف ضمن هذه المغالطات بعض التطبيقات المتطرفة للنظريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حيث يرى أصحابها أن هناك تفسيرات حتمية لمسار التاريخ لا يمكن الخروج عنها، وتسمى النظريات التي تحكم على المستقبل بهذه الدرجة من اليقين بالنظريات الحديدية. ومن أوضح الأمثلة عليها نظرية كارل ماركس لصراع الطبقات وحتمية صعود الشيوعية في نهاية المطاف، ونظرية نهاية التاريخ التي أطلقها فرانسيس فوكوياما أواخر القرن العشرين وأكد فيها حتمية صعود الرأسمالية كنهاية للتاريخ البشري، ونظريات المؤامرة التي تنسب كل شيء إلى الكائنات الفضائية واليهود وأقطاب رؤوس الأموال في العالم وتستبعد وجود استثناءات خارجة عن معاييرها.

مغالطة التركيب
تتضمن هذه المغالطة نوعين:
الأول هو زعم أن الصفات المشتركة بين معظم أو بعض أشياء أو أشخاص ينتمون لفئة ما يجب أن تنطبق على كل شيء أو شخص ضمن هذه الفئة على حده.

مثال: “بما أن معظم أتباع الهندوسية لا يأكلون لحم البقر، إذن فهذا الشخص الذي يأكل لحم البقر لا يمكن أن يكون هندوسيا”، وهذا ليس ضروريا فقد يكون أحد الهندوس غير ملتزم بهذا الشرط الذي يفرضه عليه دينه.

النوع الثاني هو زعم أن صفات الأشياء أو الأشخاص يجب أن تطبق على المجموع، أي على الشيء الذي تتركب منه الأشياء أو على المجتمع الذي يضم الأشخاص.

مثال: “كل جنود الجيش الفارسي في معركة القادسية كانوا مسلحين ومدربين، إذن الجيش لن يهزم”، لكن الجيش هُزم أمام جيش المسلمين الذي لا يقارن حجمه الصغير أمام ضخامة جيش الفرس، لأن التدريب والتسليح على المستوى الفردي لا يكفي لتحويل الجيش بمجموعه إلى قوة ضاربة.

وهذين النوعين من المغالطة غير لازمين منطقيا في كل الأحوال لكنهما قد يصحا في أحوال أخرى عندما يكون هناك مسوغ منطقي، وذلك بناء على طبيعة الصفة التي نتحدث عنها، لذا علينا أن نميز بين الصفات المطلقة التي لا تتضمن مقارنة مثل اللون والخامة والجنس، في مقابل الصفات النسبية التي تتضمن المقارنة مثل الطول والمقاس والحجم وصفات الشخصية.

وتقع المغالطة عندما يتعمد المغالط تعميم صفات الأجزاء لجعلها صفة للمجموعة كلها في حال كونها صفات نسبية، لكن هذا التعميم مقبول في الصفات المطلقة، فيجوز مثلا أن نقول إن السرير خشبي لأن جميع أجزاءه مصنوعة من الخشب، ولكن لا يجوز القول إن السرير رخيص لأن كل قطعة منه على حدة رخيصة الثمن.

مغالطة التفكيك
هي عكس المغالطة السابقة بنوعيها، حيث يتم فيها الانتقال من الكل إلى الأجزاء.

مثال النوع الأول: “معظم الأديان تتضمن مؤسسة دينية كهنوتية، إذن كل دين يجب أن يكون كهنوتيا”.

مثال النوع الثاني: “إن المجتمع الإيماني هو مجتمع متكافل، إذن كل مؤمن يتكافل مع أقرانه”.

التحريف
يتعمد البعض تحريف الكلمات لتغيير معانيها بما يحقق أهدافه، وقد يكون ذلك بالتصرف في حركات الكلمة أو حروفها.

مثال: “إن العِلمانية مشتقة من العِلم فهي لا تصطدم بالدين بل تسعى للاحتكام إلى المنهج العلمي التجريبي بدلا من الاعتقاد بنفي السببية عن سنن الكون”.

تكمن هذه المغالطة في لجوء صاحبها إلى التحريف عندما زعم أن مصطلح العلمانية (بكسر العين) مشتق من العِلم، مع أنه يُنطق في الأصل بفتح العين اشتقاقا من العالَم الدنيوي كما هو الأصل في اللغات الأوربية التي تُرجم المصطلح عنها، فالعَلمانية تعني الدنيوية التي تقف على النقيض مع الدين.

الألفاظ الملغومة
يقول ابن جني في كتابه “‏الخصائص‏” إن الكلام لا يسمى لغة إلا إذا تم العقد (الاتفاق) على مصطلحاته الدلالية بين المتكلم والسامع‏، وبذلك تأخذ اللغة صفة‏ العقود الدلالية المتفق عليها بين طرفين.

وكثيرا ما تحمل الألفاظ معاني مترادفة تختلف مدلولاتها بحسب مقصود القائل، ‏فإذا كانت‏ لإحدى الكلمات احتمالات متساوية في المعنى المراد منها‏ وجب التوقف في تفسيرها‏ والرجوع في ذلك إلى معرفة مراد المتكلم، كما يقول ابن جني. وهذا أمر متفق عليه بين علماء اللغة والتفسير وأصول الفقه والمنطق.

وقد وضع بعض مفكري ما بعد الحداثة نظريات جديدة في العقود الأخيرة تعطي المتلقي الحق في التفسير والفهم كما يشاء، وما زالت هذه النظريات تلقى الكثير من النقد، وهي تبقى على أي حال ضمن دائرة الاجتهاد الأدبي في قراءة النص ولا تعني تغير المنطق العقلي وقواعده.

إذن فعندما يحاول المغالِط استخدام بعض الألفاظ “الملغومة” بما تحمله من معاني متعددة لصرف الانتباه عن الحجة فهو يرتكب مغالطة منطقية.

مثال: “الديمقراطية تعني حكم الشعب، أي منح الشعب سلطة التشريع، والتشريع لا يكون إلا لله، إذن فالديمقراطية كفر”، لكن مصطلح الديمقراطية في الأدبيات السياسية بات يحمل تطبيقات وأشكالا كثيرة، وهو لا يستلزم هذا المعنى بالضرورة.

السؤال الملغوم
يتعمد المغالِط في هذه الحالة طرح سؤال يتضمن بذاته اتهاما غير مبرَّر، فيضع خصمه أمام خيار صعب بحيث تصبح إجابته اعترافا ضمنيا بالتهمة، وهذه الصياغة يستخدمها المحققون في العادة لتوريط المتهم عملا بالقاعدة المغلوطة “المتهم مدان حتى تثبت براءته” بدلا من العكس، وينبغي لمن يشارك في مناظرة فكرية ألا يجيب على مثل هذا السؤال عندما يتعرض له وأن يكشف المغالطة التي تكمن فيه.

مثال: شخص يسأل خصمه لإحراجه “هل توقفت عن تأييد الإرهابيين؟”، فحتى لو أجاب الآخر بقوله “نعم” فهو يعترف ضمنيا بأنه كان يؤيدهم سابقا.

ويجب على المسؤول أن يوضح للسائل أن سؤاله مركب من سؤالين، هما: هل كنت تؤيد الإرهابيين؟ وإذا كنتَ تؤيدهم فهل توقفت عن التلقي؟ ويكفي أن يجيب عن السؤال الأول بالنفي ولا يوقع نفسه بمأزق.

استخدام المتشابِهات
الألفاظ والعبارات “المتشابهة” هي التي تحمل أكثر من معنى ويصعب التحقق من مراد قائلها، كما تُطلق على الألفاظ التي لا يمكن إدراك معناها وفقا لتعريف الجرجاني، ويقابلها في الضد الألفاظ المُحْكمة، أي التي تحمل معنى واحدا لا لبْس فيه.

وقد وردت بعض العبارات والألفاظ المتشابهة في النص القرآني الكريم، ولعل الحكمة من ورودها هي الامتحان والإعجاز، إذ تقول الآية الكريمة {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7].

وعندما يذكر المغالِط عبارة متشابهة كمقدمة وهو يقصد بها معنى ما، ثم يستخرج منها نتيجة بناءً على معنى آخر فقد ارتكب مغالطة منطقية.

وكثيرا ما يلجأ المنجّمون والدجالون لهذه الحيلة كي تبقى نبوءاتهم الكاذبة حمّالة أوجه، فيتمكنون من تأويلها لتتوافق مع مستجدات المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله، ولعل أوضح مثال على هذه الخدعة نبوءات نوستراداموس.

مثال: يقول شخص غير مسلم “إن القرآن يخاطب دائما المؤمنين بقوله يا أيها الذين آمنوا، والإيمان صفة عامة تشمل كل من يؤمن بالله، فلماذا يصر البعض على تكفيرنا لمجرد كوننا غير مسلمين؟”. فالمتحدث هنا استشهد بمقدمة صحيحة عن ورود صفة الإيمان في القرآن الكريم، ثم ادعى دون دليل أنها تشمل أديانا أخرى غير الإسلام، ليصل إلى نتيجة باطلة.

(Owain.davies,Wikimedia)

سمكة الرنكة الحمراء
هناك خلاف بشأن أصل هذه التسمية، ومن أرجح الأقوال أنها تعود لاستخدام سمكة الرنكة الحمراء من قبل الفارين من العدالة والصيادين بسحبها على الأرض وراءهم في البراري والغابات، وذلك لتضليل كلاب الحراسة برائحتها فلا تتمكن من تمييز رائحتهم وتعقبهم، ثم استُخدمت هذه الاستعارة في المنطق أوائل القرن التاسع عشر في بريطانيا.

ويتعمد مرتكب هذه المغالطة صرف اهتمام الآخرين بالحديث عن قضية أخرى وإثارة مشاعرهم بها للتغطية على قضيته التي يعجز عن إثباتها، وهذه مغالطة أكثر تضليلا من السابقة (تجاهل القضية) فالمغالِط هنا لا يسعى لإثبات قضية أخرى صحيحة بتجاهل قضيته بل يقفز إلى قضية مغايرة لإثارة المشاعر، وقد تكون أيضا خاطئة.

مثال: قد يُسأل شخص ما أثناء مناظرة دينية عن الأخطاء التي يمارسها الكهنة في دينه، وبدلا من الدفاع عنهم يحاول الحديث عن أخطاء الكهنة في دين خصمه، وذلك لإثارة حنق الخصم فقط وقلب الطاولة عليه، مع أن أخطاء الآخرين لا تبرر أخطاءه.

التفسير بالتسمية
يرتكب المغالط هذه المغالطة عندما يقفز فوق أسباب المشكلة ويكتفي بتسميتها بطريقة لا تخلو من التضليل، فقد تكون هناك أسباب عدة ولا يكفي الاقتصار على التسمية.

فمثلا عندما يقول أتباع الباطنية (الغنوصية) إن المرض النفسي أو الجسدي الذي يصيب شخصا ما ناشئ عن خلل في “الطاقة الحيوية”، فهذا مجرد افتراض قائم على اعتقاد غيبي، وإطلاق تسمية الطاقة على شيء غير مثبت هو مجرد مغالطة.

المغالطة البهلوانية (مهاجمة رجل القش)
كان الجنود الأوربيون في القرون الوسطى يتدربون على المبارزة والرمي بمهاجمة دمية كبيرة مصنوعة من القش، وقد اشتُقت هذه المغالطة من تلك المبارزة لأن المغالِط يهدف فيها إلى مبارزة خصم مزيف بدلا من خصمه الحقيقي، فهو يحيد عن القضية الأساسية ويناقش بعض أجزائها الضعيفة أو يضرب عليها أمثلة جزئية لا يصح تعميمها، ثم يصرف الانتباه إلى مجادلاته تلك بعيدا عن جوهر القضية.

وتعد هذه المغالطة من أكثر المغالطات شيوعا في الحوارات التلفزيونية والمناقشات المتبادلة في مواقع التواصل، حيث حاول الكثيرون تسليط الضوء على جانب أو مثال أو قصة ما ليسارعوا إلى التعميم واستدرار المشاعر تجاه قضية أكثر شمولا.

مثال: قد يقول أحدهم لشخص آخر إن جمعية الحكمة الإلهية (الثيوصوفيا) هي إحدى الجمعيات السرية الباطنية التي تقوم أساسا على عبادة الشيطان “لوسيفر”، وبدلا من أن يحاول الآخر نفي العلاقة بين الجمعية وبين عقيدة عبادة الشيطان، فإنه يبدأ بتعداد حسنات الجمعية مثل الدعوة إلى السلام وتجميع الشعوب تحت مظلة واحدة وغير ذلك، وهي أهداف قد تكون صحيحة ظاهرية إلا أنها قد تكون كذلك غطاءً لهدف آخر، أو يكون لها تفسير مختلف، وهي بكل الأحوال لا تنفي الافتراض الذي طرحه الشخص الأول والذي يجب أن يكون موضوع النقاش.

مغالطة وماذا عن؟
هذه المغالطة تشبه المغالطة السابقة، ويستهدف فيها المغالط صرف النظر عن الموضوع الأصلي إلى موضوع آخر مشابه للتهرب، وهي أيضا مغالطة شائعة للغاية في الحياة اليومية.

مثال: قد تجادل شخصا في المجازر التي ارتكبتها الشيوعية بحق شعوب الاتحاد السوفييتي، وخصوصا في عهد ستالين، فيرد عليك بسؤال: وماذا عن مجازر الأمريكيين بحق السكان الأصليين (الهنود الحمر)؟ فالمنطق يقتضي ألا نخلط بين الأمرين، فإقرارنا بالمجازر الأولى لا ينفي الثانية بالضرورة.

مغالطات الشخصنة
كثيرا ما يتعمد المغالِط الطعن في شخصية صاحب القضية بدلا من الانشغال بتفنيد القضية نفسها، وتأخذ هذه المغالطات ثلاثة أشكال معروفة وشائعة:

1- القدح: عندما يطعن أحد المتحاورين في الخصم مستحضرا تاريخه وأخطاءه، وقد يكون هذا مقبولا عندما يتعلق الطعن بالقضية نفسها ويشكك في مصداقية قائلها، ولا سيما عندما يكون هذا القائل ناقلا لرواية ما وهو شخص غير مؤهل للثقة في النقل، لذا اهتم علماء الحديث المسلمون بالجرح والتعديل في تصنيف الرواة حسب عدالتهم وقدرتهم على الحفظ والضبط.

2- التعريض بالانتماء: عندما يلجأ المغالِط للغمز واللمز بشأن انتماءات خصمه وميوله السياسية وخلفيته الطبقية أو الأيديولوجية.

مثال: يقول أحدهم لخصمه “كيف لي أن أصدق ما تقول وأنت تنتمي أصلا إلى دين يتضمن كتابه المقدس الكثير من الأكاذيب؟”، فالمتحدث هنا يحاول إثبات خطأ قضية ما بناء على انتماء قائلها مع أن القضية قد تكون صحيحة.

3- أنت أيضا تفعل ذلك: عندما يتهرب المغالِط من تهمة ما بمحاولة اتهام خصمه بها، فهو لا يناقش التهمة نفسها بل يكتفي بإثبات أنه ليس وحده المخطئ، مع أن خطأ الخصم لا يبرر خطأ المغالِط، كما أن الخصم قد يكون تائبا عن خطئه.

الاحتكام إلى السلطة
كثيرا ما نلجأ في أحكامنا وقراراتنا ومعلوماتنا إلى الخبراء والمتخصصين وأصحاب النفوذ، وهو أمر مقبول عندما يكون احتكامنا إليهم في مجال تخصصهم وخاليا من التقديس، لكن المغالطة تقع عندما يعمد أحدهم إلى القول بأن صحة القضية ترتبط فقط بصدورها عن سلطة ما سواء كانت علمية أو سياسية أو مشهورة، وذلك وفقا للحالات الآتية:

1- عندما يكون الاحتكام إلى السلطة في قضية تقع خارج اختصاصها: مثل الاستشهاد بآراء دينية شاذة يطرحها عالم كبير في مجال الطاقة النووية، فكونه مرجعا في الفيزياء لا يجعله مؤهلا للإفتاء في الدين.

2- عندما تكون السلطة مجهولة: كأن يقول أحدهم “إن الكثير من المؤرخين الكبار أنكروا وقوع حادثة ما”، فالمغالِط لم يذكر أسماء المؤرخين واكتفى بوصفهم بالكبار، دون أن يقدم دليلا على صحة قوله.

3- عندما تكون السلطة منحازة وغير محايدة: مثل الكهنة العاملين في سلك الكهنوتية الرسمي لدولة ما، فآراؤهم السياسية لا تكون نزيهة بالضرورة.

4- عند تجاهل الخلاف بين السلطة المُحتكَم إليها وسلطات أخرى مماثلة: فقد يلجأ شخص مثلا إلى فتوى لأحد الفقهاء في قضية خلافية بما يناسب رأيه، معتبرا أنها هي الحكم الشرعي الصحيح، ويتجنب الإشارة إلى آراء فقهاء أخرى مخالفة.

5- عندما يكون رأي السلطة قديما وبحاجة للتجديد: فعلى سبيل المثال قد تكون بعض الفتاوى الدينية المتعلقة بأنظمة سياسية واجتماعية اندثرت قبل قرون غير صالحة للتطبيق اليوم.

الاحتكام إلى الأكثرية
يلجأ المغالِط إلى رأي الأكثرية بدلا من الحجة، وقد يكون رأي الأكثرية صحيحا بالفعل، كما يمكن أن يكون خاطئا. وقد نُقل عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله “الجماعة ما وافق الحق؛ ولو كنت وحدك”.

والاحتكام إلى الأكثرية ليس خطأ بذاته، فالحكم الديمقراطي قائم على اختيار الأغلبية في صناديق الاقتراع، والتجارب العلمية تأخذ صفة النظرية عندما تتحقق بالتكرار، كما يُحتكم في الشريعة إلى رأي جمهور الفقهاء عادةً، وعندما يتحقق الإجماع (أي موافقة جميع الفقهاء في عصر ما) على أحد الآراء يُصبح ملزما، لكن هذا الاحتكام الذي يصح عادة في مجالات السياسة والعلم والقانون والفقه لا يعني بالضرورة أن يؤدي إلى نتيجة عقلية صحيحة، بل هو مجرد اتفاق على تطبيق نتائجه عمليا.

يتحدث الفيلسوف البريطاني جوليان باجيني في كتابه “هل تحكم على الكتاب من عنوانه؟” عما يسميه “خديعة الحكمة”، وينتقد الاستخدام اليومي للأمثال والمقولات المأثورة على أنها بمثابة حقائق يُجمع عليها الناس، مع أنها قد تكون خاطئة ومضللة.

الاحتكام إلى سلطة الآباء والتقاليد
هذا الغلط شائع جدا ولا يكاد ينتبه إلى ارتكابه معظم الناس، لذا أوضح القرآن الكريم في عدة آيات أن تقليد الآباء هو السبب المشترك للضلال بين الأمم، ومنها قوله تعالى {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23].

التجريم بالتبعية
يرتكب البعض هذه المغالطة عندما يحكمون على قضية ما بأنها باطلة لمجرد أن إحدى الجهات تؤيدها، فقد تكون آراء تلك الجهة خاطئة في أمور كثيرة لكن هذا لا يستلزم أن يكون موقفها من القضية المعنية خاطئا بالضرورة.

مثال: “الحدث الفلاني ورد ذكره في الكتاب المقدس، وهذا الكتاب محرّف ومزيف، إذن فالحدث لم يحدث أصلا”.

ويجدر بالذكر أن سقوط مصداقية بعض المصادر قد يكون مبرِّرا لنفي صحة ما يصدر عنها، ولكن هذا يتطلب تقديم أدلة كافية لإثبات انعدام مصداقيتها في كل ما يصدر عنها مئة بالمئة، كي نحصل على نتيجة منطقية تفيد اليقين.

فإذا قال علماء الحديث على سبيل المثال إن شخصا ما “متروك الحديث” بعد أن تيقنوا من كذبه، فهذا يعني أنه لا يمكن اعتماد شيء مما يرويه من الأحاديث لوجود شك فيها، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن كل ما يقوله حتماً كذِب.

وقد تأخذ هذه المغالطة شكلا آخر، حيث يتهم المغالِط شخصا أو جهة ما بالانتماء لجهة أخرى لمجرد إثبات توافقهما بالآراء في قضية أو عدة قضايا، لكن هذا الاتهام يتطلب إثبات الانتماء نفسه وليس التوافق في الرأي.

مثال: “المؤرخ الفلاني أثبت وقوع ذاك الحدث، والكتاب المقدس تحدث أيضا عن وقوع نفس الحدث، إذن فالمؤرخ يؤمن بذلك الكتاب ويدين بدينه”.

مغالطة المنشأ
في هذه الحالة يحكم المغالِط بصحة أو خطأ القضية بناء على مصدرها، فإذا كان هناك رأي ما قد صدر عن جهة يبغضها سارع إلى الحكم ببطلانه، والعكس صحيح.

مثال: “إن فكرة ظهور المخلّص في آخر الزمان وردت في التوراة المحرّفة، إذن هي فكرة يهودية خالصة وتأثر بها أتباع أديان أخرى”.

الاحتكام إلى الحداثة
يحاول المغالِط في هذه المغالطة إيهام خصمه بأنه متخلف عن ركب الحداثة، كي يجبره لاشعوريا على الاقتناع بحجته، فيكتفي المغالِط بالقول إن رأيه هو الأحدث ومن ثم فهو صحيح، مع أن الحق لا يرتبط بالقِدم ولا الحداثة.

مثال: “نظرية التصميم الذكي (الخلق) تتعارض مع نظرية التطور الأكثر حداثة، إذن نظرية الخلق خاطئة”، فالمغالِط هنا لم يناقش أدلة النظريتين واحتكم إلى معيار الحداثة فقط.

الاحتكام إلى الاشمئزاز
يحاول المغالِط هنا اللعب على وتر الغرائز والمشاعر فيربط بين القضية التي يريد تفنيدها وبين أمور أخرى تثير الاشمئزاز أو النفور، دون أن يطرح حجة منطقية، وهذا ما تفعله الأعمال الكوميدية ورسوم الكاريكاتير أيضا.

مثال: “معظم المتدينين في مدينة ما من الطبقات الدنيا، ومعظم الملحدين أغنياء، إذن الدين مرتبط بالفقر”، فالمغالط لم يناقش الدين ولا الإلحاد، بل اكتفى بربط الدين بالفقر.

الاحتكام إلى الشفقة
يستند المغالِط في هذه الحالة إلى استدرار عطف الآخرين لإثبات قضيته بدلا من اللجوء للحجة العقلية، ومع أن التعاطف مع المظلومين والمنكوبين ضروري أخلاقيا إلا أنه ليس حجة لإثبات أو تفنيد أي قضية.

مثال: “الضحية الفلانية تعرضت للقتل على يد أقاربها في جريمة شرف، إذن يجب التخلص من مفاهيم الشرف والعار”، فالمغالط لم يناقش القضية بكل أبعادها، ولم يذكر ما فعلته الضحية قبل أن تتعرض للقتل، بل اكتفى باعتبارها ضحية لتسليط الضوء على جانب واحد وهو مفهوم الشرف.

الاحتكام إلى الأُمنية
قد نرتكب هذه المغالطة في حياتنا اليومية كثيرا دون أن نشعر، فنحن نرفض أو نقر بعض الخيارات بناء على أمنياتنا بدلا من تبريرها منطقيا، وإذا كان هذا مقبولا من الناحية النفسية أو العملية في بعض الأحيان فهو غلط منطقي لا يؤدي إلى نتائج عقلية صحيحة، وقد يصبح مغالطة عندما يتعمد أحدنا استغلالها للمحاججة.

مثال: “الله رحيم بعباده، ونحن بشر ناقصون، إذن الله لن يعذبنا”. وهذا ليس ضروريا بالمنطق، فرحمة الله لا تتعارض مع إنزاله العذاب بمن يستحق.

الاحتكام إلى الجهل
يزعم المغالِط أن قضية ما صحيحة أو خاطئة طالما لم يستطع خصمه أن يثبت العكس، فهو يحتكم بذلك إلى جهل الخصم بالدليل، مع أن الدليل قد يكون موجودا ولكن الخصم نفسه لا يعرفه. وربما يخيره بين أمرين فيقول: إما أن تسلّم بكلامي أو تأتي بأفضل منه، وهذا ليس ضروريا، فيمكنك أن تبطل حجة المغالِط وتبثت مثلا أنه دجال في ادعائه بأنه قد اخترع علاجا لمرض عضال دون أن يكون مطلوبا منك اختراع علاج بديل.

ومن القواعد المعروفة لدى علماء المنطق أن عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود، أي أن عدم علم أحد من الناس (أو الناس جميعا) بوجود شيء ما فهذا لا يعني أنه غير موجود، فقد تكون هناك عوالم غيبية لا نشعر بها ولم يُحدثنا عنها الوحي، لكن جهلنا بها لا يعني أنها ليست موجودة.

الاحتكام إلى القوة (التهديد)
يكتفي المغالِط باللجوء إلى منطق التهديد والتخويف، متجاوزا بذلك عبء البحث عن حجة، لذا تُسمى هذه المغالطة أيضا بمغالطة التلويح بالعصا.

وليام جيمس

الاحتكام إلى النتيجة
يتهرب المغالِط من مناقشة الحجة بالحديث عن نتائجها، محاولا إثباتها لأن نتيجتها جيدة، أو تفنيدها لمجرد أن نتيجتها سيئة.

والاحتكام إلى النتائج في الحياة العملية أمر مقبول، فالعاقل هو من يتعظ بغيره ويستفيد من التجارب، لكن النتيجة لا تكون حجة عندما يكون السؤال نظريا ويبحث في الحق والباطل.

مثال: كان الفيلسوف البراغماتي وليام جيمس يعتقد أن الإيمان بوجود الله يحقق نتائج مُرضية تُساعد الإنسان على تحسين وضعيته الواقعية وترتقي بحالته النفسية، لذا فالإله بحسب رأيه موجود.

وهذا احتكام إلى النتيجة فقط، مع أن وجود الله موضوعي وليس شأنا ذاتيا، لكن البراغماتية تقوم أساسا على ربط الحقائق بالنتائج.

التجربة الذاتية
يفترض المغالِط أن الطريقة الوحيدة لإثبات أي قضية هي التجربة الشخصية فقط، فيقول إنه لا يستطيع أن يؤمن بما يقوله الخصم ما لم يجربه هو بنفسه. ولو كان هذا الزعم صحيحا لما آمن الناس بغالبية حقائق الوجود، فنحن مثلا لم نحلّق في الفضاء لنشاهد كروية الأرض بأعيننا، ولم نرافق العلماء في مختبراتهم لنتحقق من صحة تجاربهم الفيزيائية والكيميائية.

المنزلق الحدِر
يتخيل المغالِط سلسلة من النتائج التي يؤكد أنها ستحدث تبعا للمقدمة، ليصل في النهاية إلى نتيجة مفادها إثبات أو تفنيد القضية، فهو يحتكم إلى النتيجة ولكن عبر سلسلة من الأحداث التي تترك انطباعا جيدا أو سيئا دون احتكام إلى الحجة المنطقية.

فعلى سبيل المثال، تكرس عدة وسائل إعلام غربية صورة نمطية للإسلام ترتبط بالعنف والتخلف، فنجد مثلا في الفيلم الهوليودي الكوميدي American Carol “ترنيمة أمريكية” (2008) تبريرا لما كان يسمى بالحرب على الإرهاب عبر تخويف المشاهد الأمريكي من احتمال سيطرة المسلمين “إرهابيين” على الحكم، وذلك في سلسلة مشاهد متخيلة تتضمن قمعا للنساء وفرضا للحجاب عليهن.

الحلول الكاملة
يصرّ المغالط على أن أي حل للمشكلة التي يتم بحثها يجب أن يكون كاملا ولا تشوبه شائبة، وإلا فهو حل مرفوض. وهذا غير منطقي لأن الحل الجزئي قد يخفف المشكلة، وقد يؤدي إلى انتهائها بعد زمن ما.

مثال: “إن انتشار الحجاب بين النساء في المجتمع لم يؤد إلى القضاء على ظاهرة التحرش، فلماذا يحاول الدعاة إقناعنا بجدوى الحجاب؟”، فالمغالط يفترض أصلا أن الحكمة من فرض الحجاب هي القضاء على المشكلة كلها، وبما أنه لن يحلها فهو يرفضه بالجملة.

الأبيض أو الأسود
يضع المغالِط خيارين لا ثالث لهما أمام خصمه، وكأنه يفترض مسبقا عدم وجود خيارات أخرى، وقد يكون المغالط أكثر تطرفا عندما يضع خصمه أمام خيار واحد فقط دون مبرر منطقي.

وكثيرا ما نسمع هذه المغالطات الديماغوجية في خطابات السياسيين، ولا سيما عندما يتحدث مسؤولون غربيون عن ضرورة “اندماج” الجاليات المسلمة بالثقافة الغربية، بما يتضمن أحيانا إكراه طالبات المدارس على خلع الحجاب، وقد يصل الأمر إلى درجة التصريح بمقولة “من لم يكن معنا فهو ضدنا”.

التماس المديح
قد يتعمد المغالط كيل المديح لخصمه أو للمتلقي عبر وسائل الإعلام بهدف إحراجه ودفعه لاشعوريا للاقتناع برأيه، دون أن يقدم الحجة والدليل.

وتكثر هذه المغالطة أيضا في الخطابات السياسية، مثل كيل المديح للشعب والأمة في سياق دفع الرأي العام باتجاه ما، وقد يستخدمها المغالط في الحوار فيقول لخصمه “أنت شخص عاقل ولا يليق بك أن تقول كذا”.

العلة الزائفة
يحاول المغالِط تزييف الحجة عبر ربط القضية بعلة غير صحيحة ليصل إلى نتيجة خاطئة، وذلك في أحد الأشكال الأربعة الآتية:

دير بحيرا الراهب في بصرى الشام

1- خلط السببية بالمصادفة: قد يتصادف وجود حدث ما مع حدث آخر في الزمان والمكان دون أي علاقة سببية بينهما، لكن المغالِط يتعمد الربط بينهما للتضليل.
مثال: اتهام بعض المستشرقين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنه تلقى قصص الأمم السابقة عن أهل الكتاب، ويمكن صياغة هذه المغالطة كالآتي “محمد التقى بحيرا الراهب أثناء صباه في بصرى الشام، وبحيرا الراهب كان حافظا للروايات التوراتية، إذن فمحمد تلقى عنه تلك الروايات ولم يأخذها عن الوحي”.

2- المغالطة البَعدية: قد يأتي حدث ما بعد حدث آخر فيربط المغالِط بينهما مؤكدا أن الأول لا بد أن يكون سببا للتالي، مع أن التعاقب الزمني لأي حدثين لا يستلزم بالضرورة وجود سببية بينهما.
مثال: “الآثار تؤكد أن الأساطير التي وصلتنا من القرون السابقة أقدم من الكتب الإبراهيمية، إذن فالأديان الإبراهيمية مقتبسة من الأساطير الوثنية وليست وحيا من السماء”. وهذا افتراض لا دليل عليه، فمن حيث المنطق يمكننا افتراض نزول الوحي على أنبياء قبل إبراهيم ثم حُرفت ووصلت إلينا على هيئة أساطير، بينما ظلت الكتب الأخيرة محفوظة من التحريف جزئيا أو كليا، وحتى في حال حدوث الأساطير أولاً فإن الباحث لم يقدم أي دليل على أن الأنبياء اقتبسوا عنها كتبهم.

3- إغفال أسباب أخرى مشتركة: قد يكون الربط بين السبب والنتيجة صحيحا لكن المغالِط يتعمد إغفال أسباب أخرى.
مثال: “نسبة مشاهدة الأفلام الخليعة مرتفعة في المجتمعات المحافظة، إذن التدين يؤدي إلى الهوس الجنسي”، فالمغالط قد يكون مصيبا في المقدمة، إلا أنه أغفل أسبابا أخرى أدت إلى ارتفاع نسبة المشاهدة، ثم توصل إلى نتيجة غير مثبتة منطقيا.

4- الاتجاه الخاطئ للسببية: يتعمد المغالِط هنا عكس العلاقة السببية بجعل السبب نتيجة والنتيجة سبباً.
مثال: “التشدد الديني ينتشر في الشرائح الاجتماعية الأقل تعليما، إذن فالتشدد يؤدي إلى الجهل”، فالمغالط لم يثبت الانتقال من السبب إلى النتيجة، فقد يكون الجهل هو الذي أدى إلى التشدد وليس العكس.

مغالطة المقامر
تعود هذه المغالطة إلى اعتقاد لاشعوري بأن الأمور تجري في الكون بما يجعل الأمور الاحتمالية تميل إلى التعادل تلقائيا، فإذا رمى شخص ما عملة معدنية تسع مرات مثلا وسقطت في كل مرة على أحد الوجوه فسيميل لاشعوريا للاعتقاد بأن المرة العاشرة ستأتي بنتيجة مختلفة، وهذه مغالطة منطقية، فليس هناك سبب منطقي يدفعنا للاعتقاد بأن سقوط العملة 99 مرة مثلا على أحد الوجوه سيجعلها في المرة التالية تسقط على وجه آخر، ففي كل مرة نرميها يكون احتمال سقوطها على أحد الوجهين هو 50 بالمئة، وليس واحدا إلى مئة.

الاحتكام إلى العادة
تستند هذه المغالطة أيضا إلى ميل نفسي لاشعوري يدفعنا للاعتقاد بأن الأمور تسير في الحياة على مجرى العادة، فنتوقع تكرارها دائما بالطريقة نفسها.

وقد يكون هذا الشعور مقبولا من الناحية العلمية في الظواهر الكونية الكبرى، فتكرار شروق الشمس من المشرق هو أمر اعتيادي مازال يتكرر منذ أقدم العصور، ومن الطبيعي أن نتوقع استمرار هذه العادة إلى ما شاء الله، لكن المنطق العقلي المجرد لا يجزم بأن يحدث شروق الشمس في اليوم التالي بالطريقة المعتادة نفسها.

وتقع المغالطة عندما يتعمد المغالِط استخدام هذا الميل النفسي في أمور لا تسير وفقا لأي قانون فيزيائي، كما يخلط الملحدون بين الجانبين العقلي والفيزيائي عندما يعتقدون أن سيرورة الكون وفقا لقوانين القوى الأربعة (بما فيها الجاذبية) المتواصلة منذ ملايين السنين تكفي للاستغناء عن الإله.

التشبيه والتشييء الخاطئين
نميل في العادة لتشبيه الكثير من الأمور بأمثلة نقتبسها من مشاهداتنا وتقاليدنا وتجاربنا السابقة، كما نقوم أحيانا بتجسيدها وتشييئها (تحويلها إلى أشياء مادية نتصورها في أذهاننا)، وقد يكون التشبيه والتشييء مفيدين للتبسيط والفهم والوعظ، حيث نجد للتمثيل الصوري أمثلة كثيرة في النصوص الدينية والأعمال الأدبية، لكن المغالطة تقع عندما يتحول التشبيه والتجسيد إلى مطابقة تامة، فيأتي القياس بنتائج خاطئة.

ومن الأمثلة الشائعة تشبيه “الطبيعة” بكائن حي، ثم وصفها بصفات الوعي والقدرة والإرادة لتقوم بانتخاب الأقوى كي يبقى ويتطور، ولتحافظ بنفسها على التوازن البيئي وتجدد الموارد.

إثبات التالي
تتكون القضية الشرطية من قضيتين تكون إحداهما شرطا للأخرى، ويسمى القسم الأول من القضية مقدَّماً (وهو الشرط)، بينما يسمى الثاني تالياً (وهو ما يلزم عن الشرط).

يعمد المغالِط إلى عكس المعادلة، فيبدأ بإثبات تحقق التالي ليستنتج منه صحة الشرط وتشير بعض الدراسات إلى أن ثلثي الناس لا ينتبهون إلى هذه المغالطة ويقعون ضحية لمرتكبها بسبب غموضها.

مثال: “إذا ارتكب فلان معصية كبرى فيحق للبابا أن يعاقبه بالحرمان الكنسي، وبما أن البابا طبق عليه الحرمان الكنسي، فلا بد أن فلانًا ارتكب المعصية”.

ويتضح التضليل هنا عندما نلاحظ أنه كان ينبغي إثبات أن الشخص ارتكب المعصية لنقتنع بحق البابا في معاقبته، إلا أن المغالط قفز إلى ما فعله البابا ليعتبره دليلا على معصية الشخص.

إنكار المقدَّم
في هذه المغالطة ينكر المغالِط المقدم (الشرط) ليستنتج من ذلك نفي التالي، وهذا غير لازم، فالقضية الشرطية تؤدي إلى إثبات التالي بناء على إثبات المقدم ولكنها لا تقول إن عدم إثبات المقدم سيؤدي بالضرورة إلى نفي التالي.

مثال: “إذا تحقق القصاص العادل من الطاغية الذي قتل ملايين البشر قبل موته فهناك إذن عدالة إلهية، ولكن الطاغية مات على فِراشه بسلام، إذن فكيف تقولون إن هناك عدالة؟”. فالشرط الذي وضعه المغالط في البداية صحيح، ولكن عدم تحقق الشرط لا يعني أنه سيحصل على نتيجة معاكسة بالضرورة، فقد يموت الطاغية دون قصاص في الدنيا ثم يقتص المظلومون منه في محكمة الآخرة، ويتحقق بذلك العدل بالتمام دون نقصان.


أهم المراجع
عبد الرحمن حبنكة الميداني، ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، دار القلم، دمشق، 1993.

عادل مصطفى، المغالطات المنطقية: طبيعتنا الثانية وخبزنا اليومي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2007.

م.نيل براون وستيوارت م.كيلي، طرح الأسئلة المناسبة: مرشد للتفكير الناقد، ترجمة نجيب الحصادي، ومحمد أحمد السيد، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2009.

علي سامي نشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، دار النهضة العربية، بيروت، 1984.

محمود قاسم، المنطق الحديث ومناهج البحث، مكتبة الأنجلو المصرية، 1949.

عبد الرحمن بدوي، المنطق الصوري والرياضي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1997.

أبو الفتح عثمان بن جني، ‏الخصائص‏، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999.

Stephen Downes Guide to the Logical Fallacies Website: https://fallacies.ca/welcome.htm

The Skeptics’ Guide to the Universe Website: https://www.theskepticsguide.org

Logical Fallacies Website: https://web.archive.org/web/20191121214240/https://www.logicalfallacies.info/

42 fallacies, Dr. Michael C. LaBossiere, A Philosopher’s Blog: http://aphilosopher.files.wordpress.com/

العلمانية

أحمد الطعان وأحمد دعدوش


تتفاوت آراء المنظّرين بشأن تعريف العلمانية تفاوتا كبيرا، ويرجع ذلك في الغالب لزاوية النظر والمعالجة، وفيما يلي ثلاثة تعريفات للعلمانية في أهم الموسوعات الغربية:

معجم أكسفورد: كلمة secular تعني دنيوي أو مادي، أي ليس دينياً ولا روحياً، مثل التربية اللادينية والفن والتربية الموسيقى اللادينية والسلطة اللادينية، والحكومة المناهضة للكنيسة.

دائرة المعارف الأمريكية: العلمانية نظام أخلاقي مستقل مؤسس على مبادئ من الخلق الطبيعي، مستقل عن المظهر الديني أو الفوق طبيعي.

دائرة معارف الدين والأخلاق: العلمانية توصف بأنها حركة ذات قصد أخلاقي منكر للدين، مع المقدمات السياسية والفلسفية، فهي مؤسسة بقصد إعطاء نظرية معينة للسلوك والحياة، وهي تتبع في ذلك المذهب الوضعي الأخلاقي، منذ أن تكفلت بأن تعمل هذه دون الرجوع إلى الألوهية أو الحياة الآخرة، ولهذا فقد كان مطلبها هو تتميم وظيفة الدين خالية من الاتحاد الديني، ولذلك فإنه يجدر بها أن تكون ديناً إنكارياً سلبياً.

إذن فالعلمانية في المنظور الغربي تعني التحرر من الأديان بحكم التطور عبر “السيرورة” التاريخية، واعتبار الأديان مرحلة بدائية لأنها تشتمل على عناصر “خرافية” كالماورائيات والغيبيات، ولا يتم الخلاص من هذه الأعباء إلا عن طريق تحقيق النضج العقلي الذي تحققه العلمنة عبر آلياتها الثقافية والفكرية والإعلامية.

كثيرا ما يحصل اللبس عند القراء العرب، فيلفظون العلمانية بكسر العين بدلا من فتحها، ويعتقدون أنها مشتقة من العِلم، والصحيح أنها مشتقة من العالَم أي الدنيا في مقابل الغيب وكل ما يتعلق بالملكوت. لذا فالكلمة ليست إلا اشتقاقا خاطئا درج على ألسن العرب وصار مصطلحا لازما، وكان يجب أن يقال بدلا منها العالَمانية أو الدنيوية.

تعليقات ابن رشد على كتاب “في الروح” لأرسطو مترجمة للفرنسية

إرهاصات الظهور في أوربا

درج بعض الباحثين على ربط تبلور العلمانية بصفته تيارا فكريا بعصر النهضة الذي يؤرخ لبدايته عادة مع فتح القسطنطينية في عهد السلطان محمد الفاتح سنة 1453م، كما درجوا عادة على القول بأن مساوئ الكنيسة واضطهادها وتاريخها الأسود هي التي أنتجت العلمانية. لكن بدايات الصراع بين الفكر والكنيسة يمكن أن تُعد من آثار ترجمة فلسفة ابن رشد إلى اللغة اللاتينية منذ بدء احتكاك الأوربيين بالمسلمين عقب الحروب الصليبية، كما كان لليهود الذين تغلغلوا في الحركات السرية دور كبير في تأصيل العلمانية.

كان ميشيل سكوت أول من أدخل فكر ابن رشد إلى أوربا في القرن الثالث عشر. ومن المعروف أن ابن رشد تبنى مذهب أرسطو وانبهر به حتى كاد أن يفضّل أرسطو على الأنبياء حين قال “نحمد حمداً لا حد له ذاك الذي اختار هذا الرجل (أرسطو) للكمال فوضعه في أعلى درجات الفضل البشري التي لم يستطع أن يبلغها أي رجل في أي عصر كان”.

تزامن انتقال الفكر الرشدي إلى الغرب مع عاملين: الأول هو الفتح الثقافي الإسلامي والعربي للبلاد الأوروبية، ولم يكن ابن رشد وحده هو الذي يحتل الساحة الثقافية الأوربية بل أعلام كثر. أما الثاني فهو حالة العداء الشديدة التي تزعمتها الكنيسة لكل ما هو عربي وإسلامي إبان الحروب الصليـبية، لذا حاربت الكنيسة الفكر الرشدي وترجمت كتاب “تهافت التهافت” ترجمة محشوة بالتحريف والتناقض والافتراء، ومع أن ابن رشد كان يتبع أرسطو مثل الكنيسة، إلا أن الكنيسة حاربته لكونه مسلما في الأصل.

شعار جامعة بادوفا

وهكذا نشأت حركة تعاطف مع الحضارة الغازية من جانب الراغبين في التحرر من الاحتكار الكنسي للعلم والثقافة، فالكنيسة اضطهدت الفكر الرشدي واعتبرته إلحاديا، بينما رحب المتمردون بهذه الصورة التي رُسمت لابن رشد وفكره واستُخدمت كسلاح مضاد للكنيسة.

احتلت “الرشدية” مقام السيادة في الجامعات الغربية الكبرى مثل جامعة بادوفا في إيطاليا التي أصبحت معقل الرشديين، ثم وجدت لها صدى في الجامعة الباريسية، وصارت الرشدية معياراً  للثقافة والتحضر والرقي.

الحقيقة المزدوجة

في أوائل القرن السادس عشر أصبحت الرشدية تسيطر على جميع إيطاليا تقريباً، وأدى ظهور المطبعة في القرن الخامس عشر إلى انتشار الأفكار المناهضة للكنيسة والعقائد الشائعة، كما استطاع الأفراد أن يمتلكوا نسخاً من الكتاب المقدس ويقرؤوه بأنفسهم. وبدأت الكنيسة تفقد سلطانها على العقول والأفكار.

وهنا نشأت الحقيقة المـزدوجة أو الحقيقة ذات الوجهين، وهي تعني أنه يمكن للشيء أن يكون صادقاً فلسفياً وخاطئاً لاهوتياً أو العكس، وبذلك يصبح الفيلسوف حراً في المجاهرة بآرائه ونتائجه في مجال الفلسفة بحجة أنه فيلسوف حتى لو كانت مخالفة للدين.

فرنسيس بيكون

ثم ظهر في بريطانيا فرنسيس بيكون 1561– 1626م كمدافع عن نظرية الحقيقة المزدوجة، وهي تعني عنده أن ما يثبت بالعقل لا علاقة للإيمان به، وبالنتيجة ساد الاعتقاد بأن الكتاب المقدس شيء، وكتاب الطبيعة شيء آخر.

ولم يكن الفلكي الإيطالي غاليليو 1564– 1642م بعيداً عن هذه النظرية، كما استمات الفيلسوف باروخ سبينوزا 1632- 1677م في الدفاع عنها متدثرا بغطاء دينه اليهودي.

وبالرغم من التناقض الظاهر في هذه النظرية، فقد أصبحت وسيلة للتمويه لدى الكثيرين حتى في العصر الحديث، وكان طه حسين من أوائل العرب الذين تبنوها عندما نشر كتابه “في الشعر الجاهلي”، حيث شكك في وجود بعض الأنبياء مع اعترافه في الوقت نفسه بأنه مقر بكل ما جاء في القرآن الكريم.

 

ثورة العقل الأوربي

بدأت ثقة الناس تتزعزع في الكنيسة عندما وجه الفيلسوف الإيطالي مكيافلي 1469– 1527م انتقادات فاضحة إلى رجالها الذين يحيون حياة الرذيلة في حين يدعون الناس إلى الزهد والتقشف، ثم تفاقمت نزعة التمرد على يد فريدريك نيتشه 1844– 1900م الفيلسوف الألماني اليهودي الذي نادى بالقضاء على الملايين من الضعفاء والفقراء لأنه يؤمن بالبطل وبالإنسان الأعلى الذي يجب أن يستعيض بالقوة عن الأخلاق، مستبطنا عقيدة الشعب اليهودي المختار.

مارتن لوثر

تزامنت المبادئ المكيافلية مع ثورة القس مارتن لوثر 1483– 1546م في ألمانيا عام 1518م داخل الكنيسة للإصلاح الديني، فقد جعل لوثر الفرد حراً في قراءة الكتاب المقدس وحراً في تفسيره، وألغى وساطة الكهنـة والأسرار المقدسة التي تحتفظ بها الكنيسة، وجعل الصلة مباشرة بين الله والإنسان الفرد، فتأسس على يديه مذهب البروتستانتية.

ورحبت الطبقة المتوسطة بالبروتستانتية لأنها رأت فيها منفذاً يتيح لها ممارسة الحياة بحرية، وأصبح الكثيرون لا يذكرون الدين إلا يوم الأحد وينهمكون بقية الأسبوع في الحياة الدنيوية.

في هذه المرحلة كان الفلكي كوبرنيكوس 1473– 1543م متردداً في طرح نظريته الجديدة لأنها تهدم نظام الفلك الأرسطي الذي تتبناه الكنيسة، فبدلاً من النظرة التي كانت تعتبر الأرض مهد المسيح وقلب الكون جعلت النظرة الجديدة الشمس مركزاً والأرض مجرد كوكب يدور حولها، فرفض زعيما البروتستانتية مارتن لوثر وكالفن 1509– 1564م هذه النظرية.

جيوردانو برونو

تبنى الإيطالي جيوردانو برونو 1548– 1600م نظرية الفلك الكوبرنيكي ووضع نظريته في “الكون اللامتناهي”، وقال إن الإله هو روح الكون، وإن الإله والطبيعة الجوهرية شيء واحد، وهذه فلسفة قديمة تسمى “وحدة الوجود” تؤمن بأن الإله يتحد مع الكون، فحكمت عليه الكنيسة بالإعدام حرقا، ويعتبره أتباع الجمعيات السرية اليوم (المتنورون أو الإلوميناتي) من رموزهم و”شهدائهم”.

ثم خرج جوليو سيزار فانيني 1585– 1619م بهرطقاته الإلحادية ونفى وجود الإله لكي لا ينسب إليه الشر، فقُبض عليه وأعدم حرقاً في مدينة تولوز بفرنسا. وفي أسكتلندا أنكر جون الأسكتلندي التثليث وألوهية المسيح، وقيل له ذات يوم ألا تذهب إلى الكنيسة؟ فقال ليذهب الإله إلى حبل المشنقة، فذهب هو إلى حبل المشنقة.

وقد قدّر سكرتير التفتيش في إسبانيا لورنتي عدد الضحايا الذين تم إحراقهم بحكم الكنيسة ما بين عامي 1790 و1792م بنحو ثلاثين ألف شخص، مما زاد من كراهية الناس للكنيسة وللأديان جميعا.

 

تمثال كوبرنيكوس

الحتمية الفلكية الميكانيكية

في النصف الثاني من القرن السادس عشر، بدأت نظرة الإنسان الغربي إلى الكون بالتغير مع شيوع نظرية كوبرنيكوس، فاعتنقها كبلر وغاليليو، ثم أيد الأخير الانفصال التام بين العلم والإيمان، وأنجز الإنجليزي إسحاق نيوتن انتصارات علمية كبيرة بتقديم قانون الجاذبية وقوانين الحركة.

وترافقت هذه النظريات مع اكتشافات علمية كبرى، فاكتشف ليفنهوك 1632– 1723م الكائنات العضوية أحادية الخلية والبكتيريا والحيوانات المنوية، واخُترع الميكروسكوب المركب والتلسكوب، كما اخترع غاليليو الترمومتر، وقدّم تلميذه تورشيلي البارومتر، ثم ظهرت مضخة الهواء والقوة المغنطيسية، وأعلن هارفي اكتشاف الدورة الدموية مع أن ابن النفيس كان قد سبقه إليها.

أدى كل ذلك إلى تغير نظرة الإنسان للكون، وسيطرت النظرة الآلية الميكانيكية على العلماء والفلاسفة حتى أصبح الكون يُشبّه بالساعة، وهكذا تحول الإله في نظر الفلاسفة والعلماء إلى ساعاتي رفيع المقام، بل تخيلوه إلها ساكنا غائبا عن العمل، لأن قوانين الطبيعة والكون أصبحت حتمية فلم يعد للإله دور حسب فهمهم، لكنهم أبقوا مع ذلك على دور الإله الخالق في تكوين الكون بالبداية.

وسيطرت هذه النظرة الآلية لمدة قرنين من الزمن على الفكر الأوربي وسميت بمبدأ الحتمية، وظل النزاع بين الحتمية واللاحتمية قائما حتى ظهرت فيزياء الكم ونظرية هايزنبرغ (اللايقين) في القرن العشرين، حيث سقط مبدأ الحتمية واستعاد الإنسان تواضعه، وأعيد الاعتبار للإيمان بالخالق المُسيّر والمدبر للكون [انظر مقال مصادر المعرفة].

التدرج نحو الإلحاد

يُعتبر فرنسيس بيكون من أبرز الفلاسفة الذين نادوا باعتماد المنهج التجريبي بدلا من المنهج النظري الفلسفي، علما بأنه أخذ معظم مبادئ المنهج من المسلمين في الأندلس ومن كتابات الحسن بن الهيثم. وكان يرى أن الحركة الطبيعية للذرة هي حقاً أقدم قوة في الوجود، وأنه لا يمكن أن تكون لهذه المادة الأولية وقوتها وفعلها أي علة طبيعية فما من شيء يسبق المادة نفسها وكأنها غير محتاجة للإله.

توماس هوبز

أما توماس هوبز 1588– 1679م فرأى أن جوهر الدين لا يقوم على الحقائق، وإنما على خوف الفرد من القوة المجهولة أو خوفه من الموت.

ثم جاء الإنجليزي جون لوك 1632– 1704م وقال إنه لم تبق حاجة للوحي طالما أن الإله أعطـانا وسائـل حسية أكثر يقينـاً لنتـوصل بهـا إلى المعرفة، أما ديفيد هيوم 1711– 1776م فتبنى نزعة الشك على طريقة بعض قدماء الإغريق، وكاد أن يوقع العقل الأوربي في دوامة رهيبة من الشك في كل شيء.

وإلى جانب التجريبيين كان هناك عدد من الفلاسفة العقلانيين، وعلى رأسهم الفرنسي رينيه ديكارت الذي استخدم الشك ليصل به إلى اليقين، ومع ذلك كان إيمانه قاصرا ويشبه إيمان أتباع النظرة الآلية كما يقول بعض الباحثين.

ثم جاء بعده ليبنتز 1646– 1716م وقال إن الوجود مكون من شيء خيالي اسمه “المونادات” وهي خالدة، ما يعني أن العالـم لانهـائي، لكنه كان يؤمن بوجود الخالق.

وتولد من الصراع بين الفلكيين والتجريبيين والعقلانيين ظهور “الدين الربوبي” أو “الدين الطبيعي”، ويسمى أتباعه بالربوبيين، وهم يؤمنون بالله عز وجل، ويرفضون النبوة والوحي والكنيسة. وازدهرت في القرن الثامن عشر بلندن “جمعية البحث الحر المخلص” التي كان معظم أعضائها من المؤمنين بالدين الطبيعي.

فولتير

وفي فرنسا كان دنيس ديدرو وفولتير وجان جاك روسو من أنصار هذه النزعة، مع إيمانهم بوجود إله. وظهر بعدهم الإنجليزي جون ستيوارت مل 1806– 1873م الذي شكك في وجود الإله، ثم انضم إليه الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس 1842– 1910م الذي اعترف مبدئياً بأن مصدر مذهبه في الألوهية ليس النظام في الكون والاتساق فيه، وإنما إحساس شخصي بالحاجة إلى إله.

وسار بهذه الأفكار فلاسفة آخرون مثل صمويل ألكسندر وماكس شيلر وبرايتمان وتشارلز هاتشورن وهنري برغسون وألفرد نورث هوايتهد، وكانت لدى بعضهم أفكار تنتقص من قدسية الإله.

وفي هذه الأجواء تمكن الألماني نيتشه من إعلان إلحاده والقول بأن الإله قد مات، حيث أراد بذلك إفساح الطريق أمام الإنسان ليصبح إلهاً، ثم لحق به فيورباخ 1804– 1872م، وأصبح الطريق سالكا لليهودي الألماني كارل ماركس 1818– 1883م ليرفض الألوهية من أساسها ولا يعترف إلا بالمادة.

حاول الألماني إمانويل كانط 1724– 1804م أن يتصدى للتيار المادي الإلحادي فواجه صعوبات جمة، إذ كان مذهبه نفسه محملا ببذور الشك واللاأدرية، لكنه قال إن الإيمان بالإله ضروري لأسباب أخلاقية بحتة، مُرجعا الدين إلى العاطفة المجردة.

العلمانية السياسية

كنتيجة لشيوع العلمانية (الدنيوية) في الحياة والفكر والعلم، وبدء التحول الاقتصادي نحو الرأسمالية، وتزايد أتباع المذهب البروتستانتي الجديد، أصبح الطريق ممهدا أمام فصل الدين عن السياسة أيضا، وساعد على ذلك تبني بعض الملوك والنبلاء للعقيدة البروتستانتية الجديدة التي سمحت لهم بالتمرد على الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، حيث ظل بابا الفاتيكان لقرون الجهة الوحيدة التي تمنح الشرعية لملوك أوربا.

توقيع معاهدة وستفاليا

استُخدم مصطلح العلمانية “سكيولاريزم” secularism بالإنجليزية لأول مرة سنة 1648م عند توقيع صلح وستفاليا الذي يعد موعد ظهور الدولة القومية الحديثة، وكان معنى المصطلح في البداية محدود الدلالة، مثل الإشارة إلى علمنة ممتلكات الكنيسة بمعنى نقلها إلى سلطة الدولة التي لا تخضع لسلطة الكنيسة.

تضمن صلح وستفاليا معاهدتي سلام لإنهاء حرب الثلاثين عاماً داخل الإمبراطورية الرومانية المقدسة (ألمانيا وجوارها اليوم) وحرب الثمانين عاماً بين إسبانيا ومملكة هولندا. ورفض ممثل البابا أن يوقع على الصلح لكن أوروبا تجاهلت هذا الاحتجاج ونجحت للمرة الأولى في الحد من سلطة الفاتيكان.

تخلت الكنيسة الكاثوليكية بموجب هذا الصلح عن قرار إعادة أملاك الكنيسة، وصار من حق الأمراء تقرير عقيدة رعاياهم، وتم الاعتراف رسمياً بكنيسة الإصلاح أو الكنيسة الكالفنية (بروتستانتية)، وتم الفصل تدريجيا بين الدين والدولة، حيث أصبحت السلطة قائمة على المصالح الدنيوية وليس على الشرعية الممنوحة من رجال الكهنوت، كما أصبحت الشعوب مرتبطة فيما بينها برابط الهوية القومية (العنصرية) وليس على الأخوة بين أتباع الدين الواحد.

تدريجيا أصبحت العلمانية هي المنهج الوحيد المتبع في أنظمة الحكم بالدول الغربية مع اختلافات طفيفة في التطبيق، ثم انتشرت العلمانية في معظم دول العالم، وترتبط العلمانية سياسيا بالديمقراطية من حيث المبدأ، مع أن الكثير من الأنظمة العلمانية تمارس أقصى درجات الاستبداد، وتعتبر الثورة الفرنسية (1789م) نقطة بدء التطبيق العملي للعلمانية السياسية.

أصبحت المقصلة رمزا للثورة الفرنسية لكثرة استخدامها في عمليات الإعدام لكل من كان يُعتبر عدوا للثورة والعلمانية

يعتمد نظام الحكم العلماني على إقصاء الدين عن السلطة، ويقابله النظام الثيوقراطي الذي تتربع على قمته طبقة الكهنوت، ويرى المفكرون الإسلاميون أن الحكم الإسلامي ليس ثيوقراطيا لعدم وجود مؤسسة دينية كهنوتية في الإسلام، فعلماء الشريعة يتلقون العلم ويقدمون اجتهاداتهم دون طبقية، والحاكم المسلم ينفذ قوانين الشريعة ويحمي “بيضة الإسلام” دون امتلاك حق (تفويض) إلهي ولا شرعية مطلقة، بل هو مطالب بالالتزام بالشرع كما يُلزم به بقية الشعب دون امتياز.

وتمثل مرحلة الخلافة الراشدة النموذج التطبيقي لهذه المبادئ، ومع أن المراحل التالية شهدت تراجعا كبيرا في التطبيق، لا سيما مع ظهور طوائف وفرق أخرى مثل الإسماعيلية التي أنشئت على أسسها الدولة الفاطمية وإمارات القرامطة والحشاشين، إلا أن الإسلام ظل عصيا على التحول إلى أيديولوجيا كهنوتية مؤسسية، لأن القرآن ظل محفوظا عن التحريف والتشويه، ولأن سنة النبي وخلفائه في الحكم الراشد لا يمكن طمسها، فكل مخالفة لمبدأ توحيد الله وحده ولتحرير البشر من تقديس الملوك والكهنة هي تجاوزات سياسي سلطوية تتعارض جوهريا مع عقيدة الإسلام وشريعته وليست محسوبة على الإسلام نفسه. [انظر كتاب الإسلام ليس أيديولوجيا، د.هاني نصري، دار الفكر].

أما الحكم الثيوقراطي المسيحي، الذي قامت على أنقاضه العلمانية، فكان يستند إلى فكرة مفادها أن البابا هو الممثل المعصوم للمسيح وأنه مؤيَّد بالروح القدس، لذا فهو يمثل سلطة الإله على الأرض ويحق له وحده منح الشرعية للملوك والأمراء كي يحكموا الشعوب.

إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أعلنته السلطة الثورية في فرنسا عام 1789 ويظهر في قمته شعار المتنورين الماسون

دور الحركات السرية

تميل الرواية السائدة في المراجع التاريخية والدراسات الأكاديمية إلى أن الفكر العلماني بدأ بالتشكل في القرن الخامس عشر في أوروبا على يد المفكرين “المتنورين” الذين تمردوا على تحالف سلطة الكنيسة والحكم الوراثي الإقطاعي، وأنهم تجاوزوا الأفكار “المدرسية” الكهنوتية للعودة إلى الميراث الإنساني الذي تراكمت فيه خبرات حضارات سابقة والاقتباس منه، فاستلهموا بعض أفكارهم من شريعة حمورابي وتجربة أثينا الديمقراطية وخبرة فلاسفة روما، وبذلك تصبح العلمانية -حسب هذه الرؤية- نتيجة طبيعية للتطور الإنساني من مراحل الاستبداد والعبودية والاعتقاد بالأساطير إلى مرحلة الإقرار بحقوق الإنسان البديهية وحرية التعبير ورفع يد الحكومة والكهنوت عن معتقدات الناس، واعتماد المنهج التجريبي للسيطرة على الطبيعة بدلا من الركون للخرافة، أو بحسب تعبير ماكس فيبر “نزع السحر عن العالم”، وتكون العلمانية بذلك أيضا حصيلة نضال طويل مفعم بالبطولات والتضحيات في سبيل خير البشرية وتحررها.

لكن الباحثين في تاريخ الحركات السرية، وكذلك بعض المختصين في مقارنة الأديان، ويتبعهم عدد من المفكرين والمؤرخين المسيحيين والمسلمين، يؤكدون أن الفكر العلماني لم يتشكل بهذه الطريقة الطبيعية البريئة وعبر الاحتكاك والصدام بين الحضارات ووجهات النظر، بل يؤكدون أنها نتاج تدخل واع وخطة مدبرة من قبل تحالفات عديدة تشمل عبدة الشيطان وبعض سلالات بني إسرائيل، وأنه تم تدبيرها في محافل ومعابد الجمعيات السرية، وعلى رأسها الماسونية وجمعية النور البافارية (إلوميناتي) وجمعية الصليب الوردي (روزكروشين). [Nesta Webster, Secret Societies and Subversive Movements].

ويرى هؤلاء الباحثين أن العوامل الظاهرة، كالصراع الطبقي والتقلبات السياسية والاقتصادية، كانت أدوات موضوعية وظروفا مؤاتية استفاد منها أقطاب الجمعيات السرية لبث أفكارهم في المجتمعات، بهدف إقصاء الأديان عن التأثير في الأخلاق والرؤى العامة للحياة، ولإعادة بناء المناهج الفكرية والأنظمة السياسية في “النظام العالمي الجديد” على مبادئ دنيوية مجردة. فالباحثون لا ينكرون وجود تلك العوامل المؤكدة تاريخيا ويرون أنها الجزء الظاهري فقط من الحدث التاريخي.

ويقدم أصحاب هذه الرؤية عددا من الأدلة، ونذكر منها بإيجاز ما يلي:
1- كان الكثير من مؤسسي الفكر العلماني في مراحل تشكله الأولى أعضاء في جمعيات سرية أو مقربين منها، بل كان بعضهم قادة كبارا فيها، مثل فرنسيس بيكون وإسحاق نيوتن وفولتير، وتكشف بعض المراسلات والوثائق عن دورهم في إقصاء الأديان ونشر العلمنة كأحد أهم مشاريع جمعياتهم السرية [انظر: كتاب الوحي ونقيضه للمؤلف بهاء الأمير]. وفي العالم الإسلامي تولت المحافل الماسونية داخل الدولة العثمانية وخارجها هذا الدور حتى تم الإجهاز على نظام الخلافة، وكان الكثير من مروجي العلمانية في الأوساط الفكرية والأدبية من أعضاء المحافل الماسونية التي تشكلت في دمشق وبيروت والقاهرة [انظر مقال الماسونية].

2- لعبت طائفة من اليهود الأشكناز والسلالات الإسرائيلية دورا جوهريا في ترويج المذهب البروتستنانتي لمواجهة الكاثوليكية وتسلط البابا على أوروبا، كما كان لهم دور في معاهدة وستفاليا التي قوضت سلطة الفاتيكان [انظر كتاب: اليهود والماسون في الثورات والدساتير للمؤلف بهاء الأمير]. ويقول الباحثون إن اليهود وجدوا في العلمانية الحل الوحيد للقضاء على سلطة الكنيسة التي اضطهدتهم. [انظر مقال المسيحية المتصهينة].

3- تعتبر الثورة الفرنسية من أهم المفاصل التاريخية التي جعلت العلمانية أساسا للنظم الدستورية والمناهج الفكرية في العصر الحديث، ولا يخفى على الباحثين من كل التيارات دور المحافل الماسونية في نشر أفكار الثورة قبل اندلاعها، كما لعبت الماسونية أيضا الدور الأهم في وضع الدساتير ومواثيق حقوق الإنسان بعد تأسيسها على النظم الحديثة، وفي فرضها على العالم أجمع عبر الأمم المتحدة ومنظماتها، وذلك وفقا للمبادئ العلمانية. [انظر مقال الماسونية].

انتقال العلمانية للعالم الإسلامي

بعد إقامة النظم السياسية الأوروبية على المبادئ العلمانية، سعت تلك الدول إلى نقل العلمانية للعالم الإسلامي، ويمكن القول إن بداية تسلل العلمانية إلى العالم الإسلامي كانت بالتلفيق من داخل الفكر الديني. فكما بدأت العلمانية في أوروبا بالتمرد على الكنيسة عبر حركة الإصلاح الديني ثم انتهت إلى العلمنة الشاملة؛ نشأت في المقابل حركة إصلاح وتجديد ديني في بعض الأقطار الإسلامية بأواخر القرن التاسع عشر، وكان روادها من الفقهاء المحسوبين على العلم الشرعي، والذين استفاد من أفكارهم العلمانيون العرب لاحقا.

محمد عبده

يقول الدكتور محمد جابر الأنصاري إن إدخال الأفكار الوافدة بعد تشذيبها ضمن المركب التوفيقي لا يضمن أنها ستبقى دون تأثير خطير، وأنها ستظل منضبطة بالحدود الاعتقادية الدينية. فنظراً لكونها وافدة من حضارة أخرى فإنها تحتفظ في باطنها بطبيعتها الأصلية والمباينة للطبيعة الإسلامية، وتتحرك –بوعي أو دون وعي من التوفيقيين الذين قبلوها بشروطهم- حسب قوانينها الوافدة معها، إلى أن تؤثر على الفكر التوفيقي كله وتوجهه وجهة جديدة لم تكن في حسبان التوفيقيين في البداية. وهذا ما حدث بالضبط عندما صرّح كبار العلمانيين العرب بوفائهم لمدرسة الشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده [الفكر العربي وصراع الأضداد للأنصاري، ص 262].

وفيما يلي أمثلة للدول التي تسللت إليها العلمانية عبر بعض المفكرين وبدعم غربي دبلوماسي أو عسكري (بالاحتلال المباشر لاحقا)، وصولا إلى قلب أنظمة الحكم الإسلامية وتمكين العلمانيين من السيطرة على سدة الحكم والجيوش والجهات الأمنية والإعلام ومناهج التعليم.

الجامعة الأمريكية في بيروت

لبنان: يعد هذا البلد الصغير البوابة التي تسلل منها الغرب إلى الشرق الإسلامي منذ بدأت بوادر الضعف تدب في جسد الدولة العثمانية، فتذرع الأوروبيون بحماية الأقليات المسيحية في لبنان وسورية للتدخل بهذه المنطقة سياسيا وتعليميا، كما احتضنت الجامعات والمدارس في إيطاليا وفرنسا طلبة مشرقيين مسيحيين لتلقينهم المبادئ العلمانية بهدف نشرها في المشرق.

وقد شرح الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر هذه السياسة بصراحة مدهشة في منتصف القرن العشرين، فقال “كنا نُحضر أبناء رؤساء القبائل وأبناء الأشراف والأثرياء والسادة من أفريقيا وآسيا، ونطوف بهم بضعة أيام في لندن وباريس وأمستردام، فتتغير ملابسهم، ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة، ويرتدون السترات والسراويل، ويتعلمون لغتنا وأساليب رقصنا وركوب عرباتنا، وكنا نزوج بعضهم من أوربا، ونلقنهم أسلوب

سارتر

الحياة على أثاث جديد، وطرز جديد من الزينة، واستهلاك أوربي وغذاء أوربي، كما نضع في أعماق قلوبهم أوربا، والرغبة في تحويل بلادهم إلى أوربا، ثم نرسلهم إلى بلادهم حيث يرددون ما نقوله بالحرف تماماً مثل الثقب الذي يتدفق منه الماء في الحوض، هذه أصواتنا تخرج من أفواههم، وحينما كنا نصمت كانت ثقوب الأحواض هذه تصمت أيضاً، وحينما كنا نتحدث كنا نسمع انعكاساً صادقاً وأميناً لأصواتنا من الحناجر التي صنعناها، ونحن واثقون أن هؤلاء المفكرين لا يملكون كلمة واحدة يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم، وليس هذا فحسب، بل إنهم سَلبوا حق الكلام من مواطنيهم” [يحيى هاشم فرغل، العلمانية بين الخرافة والتخريب، ص 270].

وبالتزامن مع تعليم بعض الطلاب النابغين في الجامعات الأوروبية، افتتح الغربيون جامعات ومدارس كثيرة في لبنان لتنشئة الجيل على التغريب، وكانت الجامعة الأمريكية البروتستانتية التي أُسست في بيروت سنة 1866م أحد المراكز الرئيسة للتبشير ولإشاعة الثقافة العلمانية في الوقت نفسه. فتخرج منها الرهط الأول من العلمانيين وعلى رأسهم شبلي شميّل ويعقوب صرّوف وفارس نمر وجرجي زيدان.

“قام العلمانيون في بلادنا منذ شبلي شميِّل، ويعقوب صروف، وفرح أنطون، ونقولا حداد، وسلامة موسى، وولي الدين يكن، ولويس عوض، وغيرهم.. يدْعون إلى العلمانية بهذا المعنى الغربي: فصْل الدين عن الدولة، والدين لله والوطن للجميع. والملاحَظ أنهم كلهم كانوا من النصارى، وغالبيتهم من نصارى الشام، الذين كان ولاؤهم الحضاري للغرب، ولا ينتسبون إلى الإسلام ديناً أو حضارة، وتربَّوا في المدارس الأجنبية وفي إرساليات التبشير. فكان الأسهل في دعوتهم الصادقة للتقدم والنهوض بالبلاد أخْذ النمط الغربي الذي عرفوه ودعوْا إليه، ورأوه ماثلاً في تقدم الغرب الفعلي”.

[حسن حنفي، كتاب حوار المشرق والمغرب، 35-366].

نابليون أمام تمثال أبو الهول بريشة جان ليون جيروم

مصر: كانت حملة إمبراطور فرنسا بونابرت التي بدأت سنة 1798م بداية الغزو الحديث، فرافقتها ملابسات وأعراض مرضية أخذت تتفشى وتنتشر في المجتمع المصري من أزياء وعادات وأخلاق، كما حرص نابليون على زرع بذور الفكر العلماني في عقول النخبة لتنمو لاحقا وتؤتي ثمارها على يد سلامة موسى وأمثاله.

وبعد أن خرج الفرنسيون من مصر استولى الألباني محمد علي على حكم مصر ما بين عامي 1805 و1848م، وكان من أبرز مشاريعه إرسال بعثات الطلاب إلى فرنسا، فانبهر بعض الطلاب بالحضارة الغربية هناك إلى درجة كبيرة، حتى إن الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي رافق طلاب البعثة الأولى إلى فرنسا ليؤمهم في الصلاة ويحافظ على تدينهم كان من أكثر المنبهرين بالغرب، ونجد ذلك واضحا في كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”.

وفي ظل الاحتلال البريطاني (1882-1952م) بدأت العلمانية رسميا بالظهور، وساهم في الترويج لها مثقفون ينتمي معظمهم لأقليات غير مسلمة، مثل يعقوب صروف وفارس نمر ونقولا حداد، ثم ركب الموجة الشيخ الأزهري علي عبد الرازق عندما نشر كتابه “الإسلام وأصول الحكم” محاولا فيه تبرير فصل الدين عن الدولة.

وفي عام 1919 تأسس أول كيان سياسي علماني تحت اسم الحزب العلماني الذي غير اسمه لاحقا إلى حزب الوفد، ونال شعبيته من مناهضته للحكم الملكي والاحتلال البريطاني، وعندما قام الجيش بانقلاب عسكري في الخمسينات تم اعتماد العلمانية بالقوة وقُمع الإسلاميون وعلى رأسهم جماعة “الإخوان المسلمون”.

تركيا: كان ضياء كوك ألب 1875- 1942م يردد في تركيا نفس أفكار سلامة موسى وطه حسين، فدعا إلى سلخ تركيا عن ماضيها، وتكوينها تكويناً قومياً خالصاً، كما اعتبر تركيا صانعة للحضارة الغربية باعتبارها امتدادا لحضارة المتوسط.

وبعد مؤامرات طويلة ساهم فيها الماسون ويهود الدونمة، نجح الضابط مصطفى كمال أتاتورك 1881- 1934م في تطبيق أفكار ضياء كوك ألب بانقلابه على الدولة العثمانية عام 1924، وكان جريئا في محاربة الإسلام عندما قال إنه “يخنق الطموح في نفوس أصحابه”، ثم اتخذ خطوات بعيدة في اتجاه التغريب وإعلان العلمانية منهجا قسريا للدولة، فألغى استخدام الحرف العربي وأحل مكانه الحرف اللاتيني حتى لا يتمكن الأتراك من قراءة الكتب الإسلامية، كما ألغى وزارة الشؤون الدينية وحلّ المنشآت الدينية والمحاكم الشرعية، ووضع قانونا جزائيا جديدا بناء على القانون السويسري، وفي عام 1928 ألغى اعتماد الإسلام كدين رسمي للدولة.

في كتابه “العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين”، يقارن الباحث التركي أحمد كورو بين التجربتين العلمانيتين المتطرفتين في فرنسا وتركيا، ويقول إن المتدينين الكاثوليك الفرنسيين تحالفوا مع النظام الملكي واستخدموا أدوات القهر والعنف للإبقاء على النظام الاستبدادي، وحاربوا القوى الثورية الفرنسية المدعومة شعبيا، أما في تركيا العثمانية فكان المتديِنون في صف الإصلاحيين السلميين في مقابل انخراط العلمانيين في الجيش، وعندما أسقطوا حكم السلطان حاولوا الحدَّ من صلاحيات البرلمان المنتخَب بالهيمنة التامة على الرئاسة والجيش والقضاء. ويضيف أن المجتمع الفرنسي تقبل العلمانية الديمقراطي الحرّة بعد انتصار الثورة وما زال ينبذ العودة إلى الكنيسة حتى الآن، في حين قهرت العلمانية التركية بالقوة كل محاولات الشعب التركي للعودة إلى الحكم الإسلامي. [أحمد كورو، العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين: الولايات المتحدة، فرنسا، تركيا، ص 369 وما بعدها].

سيد أحمد خان

الهند: كان سيد أحمد خان 1817– 1898م من أوائل الداعين إلى العلمانية والتغريب، وكان متعاوناً مع الإنجليز حيث سعى لإخماد ثورة عام 1857م، فكافأه الإنجليز براتب شهري، ومن أقواله “لا بد أن يرغب المسلمون في قبول هذه الحضارة الغربية بكمالها حتى لا تعود الأمم المتحضرة تزدريهم أعينها، ويعتبروا من الشعوب المتحضرة المثقفة”.

إيران: كرر تقي زادة نفس مقولات العلمانيين، ومن أقواله “فلنلق بقنبلة الاستسلام للأوروبي في هذه البيئة ولنفجرها. والخلاصة: لنصبح أوروبيين من قمة الرأس إلى أخمص القدم”. وعندما عُين رضا بهلوي ملكا على البلاد عام 1925 أصبحت إيران دولة علمانية.

تونس: طالب عبد العزيز الثعالبي -قبل اعتداله- بالاستسلام للحضارة الغربية، ودعا إلى تأويل القرآن تأويلاً “صحيحاً” أي بما يناسب مبادئ الثورة الفرنسية كي يتحضر الإنسان المسلم، حسب رأيه. وقد تبعه الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة بعد خروج المحتل الفرنسي وتأسيس الجمهورية التونسية العلمانية، وتُنسب إلى بورقيبة العديد من التصريحات المعادية للإسلام ومقدساته، ومنها قوله إن القرآن الكريم متناقض ولا يقبله العقل.

عبد الوهاب المسيري (موقع المسيري)

العلمانية والإسلام

يرى المفكر اليساري المصري عبد الوهاب المسيري أن العلمانية تتفرع إلى تيارين رئيسين، هما:

1- تيار العلمانية الكلية الشاملة، وهو مادي يطمح إلى تحرير الحياة بجميع ميادينها وتحرير الإنسان في كل عوالمه من الدين بكل أبعاده القيمية والقانونية والشعائرية، وتُعد الماركسية من نماذج هذه العلمنة الكلية والشاملة.

2- تيار العلمانية الجزئية الذي لا ينكر الإيمان بالله والدين، ولكنه يقف بالدين عند العلاقة الفردية بين الإنسان والله، وعند الشعائر العبادية، وبعض القيم الأخلاقية لمن يريد، بينما يرفض كل تدخل للدين في تدبير الدولة والاجتماع الإنساني، فهو يكتفي بفصل الدين عن الدولة.

وكان المسيري رحمه الله يتبنى العلمانية الجزئية ويرى أنها لا تتعارض مع الإسلام، وهو أمر يوافقه عليه المفكر التونسي راشد الغنوشي، الذي يرى أن “العلمانية ظهرت وتبلورت في الغرب كحلول إجرائيّة لا كفلسفة أونظرية في الوجود”، ما يعني أنها لا تتناقض مع الإسلام. لكن الكثير من الباحثين يخالفون هذا المفهوم، فحتى المسيري كان يقر من البداية بأن العلمانيتين الشاملة والجزئية من حيث الجوهر شيء واحد، لذا فحتى لو اقتصرت الجزئية على بعض الإجراءات دون أن تتصادم مع الدين فإنها تعود في النهاية إلى مرجعية دنيوية “إنسانوية” في مقابل المرجعية الإلهية التي لا تقبل التجزئة في الإسلام.

أما الكاتب المصري فهمي هويدي فيميز بين تيارين علمانيين، يسميهما المتطرفين والمعتدلين، ويرى المسيري أنهما يقابلان إلى حد ما العلمانيين الشامليين والجزئيين عنده، حيث يُعرف هويدي المتطرفين بأنهم ضد الشريعة والعقيدة معا، وأنهم يعتبرون الإسلام مشكلة يجب استئصالها، أما المعتدلون فيعتبرون أنه يمكن التعايش مع الإسلاميين إذا أقيم حاجز بين الدين والسياسة، ويرى هويدي أن من حق المعتدلين المشاركة في الحياة السياسية للمجتمع الإسلامي.

وهذا الرأي لا يلقى موافقة لدى كثير من المفكرين الإسلاميين كما ذكرنا، فهناك خلاف في الوسط الإسلامي بين رأيين، الأول يتقبل وجود العلمانية “المعتدلة” في المشهد السياسي للدولة الإسلامية (وهي دولة غير موجودة بالواقع حاليا)، سواء بحكم ضرورة التدرج ومقتضيات العصر أو لأن ذلك لا يتعارض مع جوهر الدين، والرأي الثاني يرفض وجود أي تيار سياسي علماني حتى لو كان “معتدلا” [انظر كتاب العلمنة من الداخل للمؤلف البشير المراكشي].

كما يرفض بعض المفكرين مصطلح “العلمانية المعتدلة” بغض النظر عن القبول بوجودها في الوسط السياسي، لاعتقادهم بأن دين الإسلام جاء لهداية الناس إلى ما يحقق مصالحهم في الدنيا والآخرة، فالشريعة تشتمل على شعائر الدين ومبادئ السياسة وأحكام المعاملات، وتحديد الإطار العام للنظام السياسي يستند إلى الوحي، فيرى هذا التيار أن مساندة السياسة العلمانية -حتى لو كانت معتدلة- تؤدي إلى الكفر.

بيغوفيتش

وقد أصدرت المديرية العامة للإفتاء في المملكة العربية السعودية بيانا تقول فيه «إن كل من يؤمن بأن هناك توجيها أكثر كمالا من تعاليم الرسول أو أن حكم أي شخص كان أفضل من حكم الرسول فهو كافر»، وفصّلت الرأي الشرعي في ذلك بالقول إن هناك “انحرافا خطيرا” عن مبادئ الإسلام لدى كل من يعتقد بأن القوانين التي تصدر عن الإنسان تسمو على أحكام الشريعة أو يرى أن الإسلام يقتصر على علاقة الفرد مع الله وليس له أي علاقة مع الشؤون اليومية للحياة.

ويقول المفكر المصري طارق البشري “لا يمكن أن تتوافق العلمانية والإسلام إلا عن طريق التلفيق أو ابتعاد كل منهما عن معناه الحقيقي”.

أما المفكر والرئيس البوسني الراحل علي عزت بيغوفيتش فيقول في كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب” إن الدين هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان، وإنه هو الأصل الذي زرع الضمير الأخلاقي في البشرية المستمر حتى اليوم بالرغم من خفوت أثره بسبب انتشار العلمانية، ويضيف أن “المجتمع العاجز عن التدين، هو أيضا عاجز عن الثورة”.

وبدوره، يقول الدكتور محمد البهي في كتابه “العلمانية وتطبيقها في الإسلام: إيمان ببعض الكتاب وكفر بالبعض الأخر” بعد أن عرض لشمولية الإسلام في جميع جوانب الحياة وعدم قابليته للتجزؤ: “وبما عرضناه هنا من مبادئ الإسلام كما تذكرها آيات القرآن الكريم، نجد أن الإسلام نظام شامل لحياة الإنسان ومترابط في مبادئه وفي تطبيقه لا يقبل التجزئة بحال وقصر التطبيق على جانب مثلاً في حياة الإنسان أو على جانبين فأكثر من جوانب هذه الحياة دون باقي الجوانب الأخرى، معناه إفساح مكان لهوى الإنسان بجانب ما يطبق من مبادئ القرآن”. 

“العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة” [مقدمة ابن خلدون، ص 1899].


أهم المراجع
عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، دار الشروق، القاهرة، 2002.

عادل ضاهر، الأسس الفلسفية للعلمانية، دار الساقي، 1998.

روجيه غاروي، النظرية المادية في المعرفة، ترجمة إبراهيم قريط، دار دمشق.

محمد عمارة، نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام، دار الرشاد، 1997.

يوسف القرضاوي، التطرف العلماني في مواجهة الإسلام، دار الشروق، 2008.

أحمد إدريس الطعان، العلمانيون والقرآن الكريم: تاريخية النص، دار ابن حزم، الرياض، 2007.

محمد قطب، العلمانيون والإسلام، دار الشروق، 1994.

يحيى هاشم فرغل، العلمانية بين الخرافة والتخريب، دار الصابوني.

بهاء الأمير، الوحي ونقيضه: بروتوكولات حكماء صهيون في القرآن، مكتبة مدبولي، 2006.

أحمد كورو، العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2007.

الخوارج

أحمد دعدوش


تعد فرقة الخوارج أول جماعة تنشق عن جماعة المسلمين وتنفرد بقرارها السياسي وبعقيدتها الدينية، وقد بدأت أولى ملامحها بالظهور عندما تجرأ حرقوص بن زهير التميمي (ذو الخويصرة) على النبي صلى الله عليه وسلم وقال له أثناء تقسيم الغنائم: اعدل فينا يا رسول الله، فقال له النبي “ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟”، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال “دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية” [متفق عليه].

وتحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، فخرجت أفكار الخوارج من رحم الخلاف الذي نشب بين علي بن أبي طالب وعدد من كبار الصحابة عقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رضي الله عنهم جميعا، فكان الخوارج في البداية ضمن فريق علي ضد طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وأم المؤمنين عائشة، حيث طالب الفريق الثاني بتعجيل القصاص من قتلة عثمان في مخالفة لرأي علي بتأجيل ذلك درءاً للفتنة.

اصطدم الفريقان عسكريا في موقعة الجمل عام 36هـ، وينسب المؤرخون للمنافقين واليهود بقيادة عبدالله بن سبأ دورا كبيرا في إشعال الحرب، وقد قُتل خلالها طلحة والزبير، ثم تابع معاوية القتال ضد علي في معركة صفين، وعندما اقترب جيش علي من النصر أمر عمرو بن العاص –قائد جيوش معاوية- برفع المصاحف على أسنة الرماح والدعوة لحقن الدم، وكان علي يرى متابعة القتال وعدم الركون لهذه “الخدعة” لكن معظم قادته أيدوا وضع السلاح، وكان أكثرهم تأييدا لذلك الأشعث بن قيس ومسعود بن فدكي وزيد بن حصين.

اضطر علي لقبول التحكيم وحدد موعدا له، وفي طريق عودته إلى العراق انشق اثنا عشر ألف مقاتل من صفوفه لرفضهم فكرة التحكيم، وكان رأيهم يتخلص في أن الحكم للقرآن وليس للرجال ورفعوا شعار “لا حكم إلا لله”، فعلّق علي عليهم بالقول إنها كلمة حق يراد بها باطل.

وروى الطبري في تاريخه أن عمرو بن العاص لجأ للخديعة أثناء المفاوضات مع الطرف الآخر الذي قاده أبو موسى الأشعري، فأعلن عمرو خلع علي وتنصيب معاوية خليفة، لكن محققين يشككون في هذه القصة [انظر: الإنصاف فيما وقع في العصر الراشدي من الخلاف، حامد الخليفة]. وعلى أي حال فقد طالب الذين خرجوا على عليّ بنقض العهد مع معاوية ومعاودة القتال، وهو أمر رفضه علي، فاجتمع الفريق الذي دعاه لحقن الدماء بالبداية مع هذا الفريق في جماعة واحدة، وأصبحوا فرقة مستقلة سُميت بالخوارج، واختاروا عبد الله بن وهب الراسبي أميرا عليهم.

أعلن الخوارج الثورة على عليّ بعد أن كان قائدهم، واستقلوا بقرية النهروان على نهر دجلة، وبدؤوا بالتحرش بأتباع علي، فأرسل لهم عليّ ابن عمه عبد الله بن عباس المعروف بعلمه وفقهه ليحاورهم، فقامت بينه وبينهم مناظرة مشهورة سجلها المؤرخون، ويقال إن ثمانية آلاف منهم اقتنعوا بحجته وعادوا معه إلى الكوفة (مقر علي)، بينما بقي أربعة آلاف على رأيهم، ثم سرعان ما انضمت إليهم حشود من الأعراب والبدو، وازداد تحرشهم بالمسلمين وسفكهم لدمائهم.

الكوفة كانت عاصمة الخليفة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه

كان علي يجهز جيشا قوامه سبعون ألفا لمعاودة قتال معاوية بهدف جمع كلمة المسلمين تحت راية واحدة، فجاءه نبأ اعتداء الخوارج على الصحابي عبد الله بن خباب، حيث قتلوه وبقروا بطن جاريته في الصحراء دون سبب، فبعث لهم علي رسولا يطلب منهم تسليم قتلته فقالوا كلنا قتلته وكلنا مستحل دماءكم، فقرر مع مستشاريه تأجيل الصدام مع معاوية ومحاربة الخوارج قبل أن تشتد شوكتهم، وقاتلهم في النهروان قتالا شديدا، حيث انشق نصفهم قبل بدء المعركة وصمد الباقون (نحو ألفي رجل) حتى قتل معظمهم وعلى رأسهم عبد الله بن وهب وزيد بن حصين.

وكان أبو سعيد الخدري قد روى حادثة ذي الخويصرة مع النبي صلى الله عليه وسلم (انظر مقدمة المقال)، وروى عن النبي أيضا قوله إن آية هؤلاء القوم “رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة”. وقال أبو سعيد بعد أن قاتل في صف عليّ “فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتُمس، فأتي به (وكان من بين القتلى)، حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته”.

وبالرغم من هزيمتهم، لم تلبث أفكار الخوارج أن جذبت مقاتلين آخرين مرة أخرى، فجمعوا شتاتهم وعادوا للتحرش بالمسلمين، حتى تجرأ قائدهم أبو مريم السعدي على اقتحام الكوفة ومطالبة علي نفسه بمبايعته، لكن علياً هزمه. ثم حاول قائد آخر يدعى الخريت بن راشد تكرار المحاولة فهزمه علي ليهرب إلى الأهواز.

المسجد النبوي في المدينة المنورة بمنتصف القرن التاسع عشر

انتقل بعدها الخوارج إلى استراتيجية الاغتيالات لاختصار الطريق بتصفية كبار قادة المسلمين، وفي أول مؤامرة لهم اتفق عبد الرحمن بن ملجم على قتل علي، والحجاج الصريمي على قتل معاوية، وعمرو بن بكر على قتل عمرو، وعلى أن يكون التنفيذ في يوم واحد وهو السابع عشر من رمضان لسنة 40هـ، وقد نجحوا في اغتيال علي، بينما أصيب معاوية بجرح برئ منه، أما عمرو فقُتل بدلا منه نائبه “خارجة” بالخطأ.

بويع الحسن بن علي خليفة لوالده في الكوفة، واحتفظ معاوية بالسلطة في دمشق، وقبل أن يتجدد القتال بين الطرفين تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، فوجّه الخوارج السلاح إلى الخليفة الموحد، واشتد قتالهم مع عامل معاوية على الكوفة المغيرة بن شعبة، فاضطر الأخير لاستخدام وسائل أخرى كالخداع والمكيدة، كما زج هو وابنه من بعده زياد الكثير من قادتهم في السجن، لكن قوتهم كانت تتعاظم باستمرار وتكتسب المزيد من المؤيدين، نظرا لما تمتعوا به من القوة والتفاني في القتال ومن الحجة في اللسان، في مقابل الظلم والفساد الذي انتشر في بلاط الأمويين.

وعندما أعلن عبد الله بن الزبير التمرد على يزيد بن معاوية -الذي افتتح ظاهرة وراثة السلطة في الإسلام- تجمع الخوارج حول ابن الزبير لقتال الأمويين، لكنهم سرعان ما انفضوا عنه عندما أعلن أنه مؤيد لمواقف علي بن أبي طالب.

ولم يلبث الخوارج أن افترقوا فيما بينهم أيضا إلى عدة فرق، فظهرت فرقة الإباضية نسبة لعبد الله بن إباض، وفرقة الأزارقة نسبة لنافع بن الأزرق، والنجدات من أتباع نجدة بن عامر، والصفرية الذين اصطفوا وراء زياد الأصفر (وقيل عبد الله بن صفار).

وكما هي عادتهم دائما في الصدام مع كل من يخالفهم حتى لو كان حليفهم بالأمس، قاتل الأزارقة ابن الزبير ورجاله في العراق حتى هزمهم، كما اشتبك معهم الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان في الأهواز حتى خارت قواهم. أما نجدة بن عامر فحاول أن يصل إلى هدنة مع عبد الملك ليحصل منه على ولاية اليمامة فاعتبره أتباعه خائنا وقتلوه، ونصبوا مكانه أبو فديك الذي احتل البحرين، قبل أن يقاتلهم فيها عبد الملك ويفرق جموعهم. كما نجح بعض الخوارج في احتلال مناطق واسعة باليمن، ثم انتشروا شمالا حتى دخلوا مكة المكرمة قبل أن يسارع الأمويون إلى طردهم عام 130هـ.

جامع قابوس في مسقط حيث تُعد الإباضية المذهب الرسمي لدولة عُمان
(ShenmueIII)

وعندما انتقلت الخلافة إلى البيت العباسي كانت قوة الخوارج قد تراجعت نسبيا، فتمكن المنصور من دحرهم في عُمان. ولم يستردوا قوتهم حتى منتصف القرن الثالث الهجري عندما سيطروا على الموصل ومناطق واسعة في غرب وشمال العراق، حتى كاد خطرهم يهدد العاصمة بغداد نفسها، إلى أن هزمهم الخليفة المعتمد.

وظلت أفكار التمرد التي حملها الخوارج إلى أفريقية تجتذب قبائل البربر، وخصوصا في صراعهم مع الولاة الأمويين، فسيطر الإباضية هناك على طنجة والسوس، وهاجموا الفاطميين الإسماعيليين في القيروان، إلا أنهم فشلوا في احتلالها وتفرق شملهم، وقد بقيت أفكارهم هناك حتى يومنا هذا.

تنبؤات النبي بالخوارج
تحدث النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن كثير من الفتن والحروب التي ستحدث في أمته بعد موته وصولا إلى ملاحم آخر الزمان، ولم يأت في السنة النبوية تحذير من فرقة بعينها إلا الخوارج، فقد ورد فيها أكثر من عشرين حديثاً بسند صحيح أو حسن، ما يدل على خطورة مذهبهم والتباسِ أمرهم على الناس. ومع أن النبي لم يذكر الخوارج باسمهم لكن علي بن أبي طالب تأكد أن صفاتهم تنطبق عليهم عندما أعلن عليهم الحرب.

وأول ذكر لهم في السنة الشريفة كان في الحديث الذي يحكي قصة رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام عندما كان يقسم الغنائم بين أصحابه، فقال “اتق الله يا محمد اعدل” فأجابه النبي “ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل”، فقال عمر “دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق”، فقال “معاذ الله يتحدث الناس أني أقتل أصحابي”، وفي رواية “يخرج من قبل المشرق رجال كأن هذا منهم”، وفي رواية أخرى “يخرجون فيكم يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية”.

ومن صفاتهم التي تنبأ بها النبي أنهم صغار في السن، ويغلب عليهم الطَّيش والسَّفه والغرور بالنفس، فقال في الحديث المتفق عليه “يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام”، وفي حديث رواه أحمد “إن فيكم قوما يعبدون ويدأبون حتى يعجب بهم الناس وتعجبهم نفوسهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية”، لذا يدفعهم غرورهم لادعاء العلم والتطاول على العلماء، وعلى مواجهة الأحداث الجسام بلا تجربة ولا رَوية.

كما أشار الحديث الذي رواه البخاري إلى أن “سيماهم التحليق”، وقد كانوا يتميزون عن سائر الناس فعلا في زمن علي بن أبي طالب بحلق شعر رؤوسهم، وفسر القرطبي الحديث بأنهم جعلوا حلق الرأس علامةً لهم على رفضهم زينة الدنيا، وشعارًا ليُعرفوا به. وقال ابن تيمية إن هذه ليست صفة لازمة لهم في كل العصور. لذا يمكن أن يتخذ أتباعهم في العصور اللاحقة مظاهر أخرى كشعارات وسمات يتميزون بها، كلون اللباس وهيئته.

وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أنهم يجتهدون في العبادة مما يدعو الناس للاغترار بهم، وأنهم يكثرون من قراءة القرآن دون أن يتدبروا معانيه ويهتدوا بهديه، فقال في الحديث المذكور آنفا “يقولون من خير قول البرية،‏ ‏يمرقون ‏من الإسلام كما ‏‏يمرق ‏السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم”، وقال في حديث آخر “يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم”، وقال أيضا “يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم”.

ولما ذهب إليهم عبد الله بن عباس لمحاورتهم في حروراء، قال عند عودته “لم أر قط أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل [أي غليظة] وجوههم معلّمة من آثار السجود، عليهم قمص مرحضة [أي في غاية الطهارة]، وجوههم مسهمة من السهر [أي من قيام الليل]”.

وقال ابن تيمية إن ظهور البدع الأولى في الإسلام كبدعة الخوارج جاء من سوء فهمهم للقرآن، فلم يقصدوا معارضته إلا أنهم فهموا منه ما لم يدل عليه؛ فظنوا أنه يجب تكفير مرتكبي الكبائر، ثم استحلوا دماءهم وأموالهم. كما قال فيهم عبد الله بن عمر “إنهم انطلقوا إلى آيات ‏نزلت ‏في الكفار فجعلوها ‏على المؤمنين‎”.

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم أيضا من قدرتهم على التضليل بحسن الكلام والبلاغة والجدل، فقال في روايات متعددة إنهم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، ويتكلّمون بكلمة الحق، ويقولون من خير قول البريّة. لذا كانوا يطالبون علياً بتطبيق الشرع رافعين شعار “لا حكم إلا لله”، فيرد عليهم بقوله إنها كلمة حق يراد بها باطل.

أما أهم صفاتهم التي ذمها النبي صلى الله عليه وسلم -كما يقول ابن تيمية- فهي التَّكفير واستباحة الدماء، حيث وصفهم بقوله “يقتلون أهل الإسلام ويدَعون أهل الأوثان”، وأوضح ابن تيمية ذلك بأنهم “يستحلون دماء أهل القبلة لاعتقادهم أنهم مرتدون، أكثر مما يستحلون من دماء الكفار الذين ليسوا مرتدين، لأن المرتد شر من غيره”.

والتكفير عند الخوارج له صور كثيرة، كتكفير مرتكب الكبيرة أو التكفير بما ليس بذنب أصلاً، أو التكفير بالظن والشبهات والأمور المحتملة، أو بالأمور التي يسوغ فيها الخلاف والاجتهاد، أو دون التحقق من توفر الشروط وانتفاء الموانع، ولا يَعذرون بجهل ولا تأويل، ويكفّرون بلازم الأقوال ومآلاتها، ويستحلون دماء من يكفرونهم دون قضاء ولا محاكمة ولا استتابة، ولهذا قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم  “يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميّة”، أي يخرجون منه كما يخرج السهم الذي يصيب الحيوان فيدخل فيه ويخرج منه من شدة السرعة دون أن تبقى عليه آثار من جسد الحيوان.

وبالرغم من كل ما سبق، لم يُكفّر أهل السنة والجماعة طائفة الخوارج حسب أرجح الأقوال، بل نقل الإمام الخطابي الإجماع على ذلك، ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإبادتهم قبل أن يظهروا عندما قال “لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد” إلا أن الحكم بقتالهم لم يقترن بتكفيرهم بل كان دفعا لشرهم، وروى عبد الرزاق (10/ 150) وابن أبي شيبة (15/ 332) والبيهقي (8/ 74) عن طارق بن شهاب أنه قال “كنت عند علي بن أبي طالب فسئل عن أهل النهروان (الخوارج) أهم مشركون؟ قال: من الشرك فروا قيل: فمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قيل: له فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا”.

روى البيهقي وابن أبي شيبة أن أحد الخوارج قاطع علي بن أبي طالب وهو يخطب مطالبا بتحكيم شرع الله، فقال له علي “لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا: لن نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم فيئاً ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا”.

آراؤهم السياسية والدينية
خرجت بذرة انشقاق الخوارج عن جماعة المسلمين من منطلق رؤيتهم لشرعية الحاكم، ولعل أبرز آرائهم المعروفة هي تمردهم على توريث الحكم، كما اختلفوا مع الرأي السائد لدى أهل السنة الذي يشترط أن يكون الخليفة قرشي النسب، فهم يرون أن منصب الإمامة أو الخلافة يُعطى لمن يقدر عليه دون الالتفاف إلى نسبه ولونه، حتى أجاز بعضهم ولاية المرأة، بل رأت فرقة النجدات عدم الحاجة لوجود الحاكم أصلا إذا تمكنت الأمة من تدبير أمورها بنفسها.

شعار الأناركية

وبهذه الأفكار يمكن القول إن الخوارج سبقوا دعاة الحركات الأناركية (الفوضوية) المعاصرة، والتي تدعو إلى إسقاط الحكومات للتخلص من البيروقراطية والفساد والاستبداد وترك الناس يحكمون أنفسهم بأنفسهم في أضيق حدود التحكم.

وقد أوجب الخوارج الثورة على أئمة الجور والفسق والضعف، حتى قالوا إن الوجوب يقع على الأمة إذا بلغ عدد المنكرين على أئمة الجور أربعين رجلا، وهو العدد الذي يحقق ما أسموه “حد الشراء” أي شراء الجنة بالروح، كما أوجبوا على من أعلن الثورة أن يتابع القتال والاستبسال إلى أن ينقص عدد الثوار إلى ثلاثة فقط، وعندها يجوز لهم القعود وكتمان العقيدة، لذا نجد في تاريخهم قصصا عجيبة عن التفاني في القتال حتى الموت، حتى قيل إن شبيب بن يزيد لاقى ثلاثين رجلا منهم وهو على رأس جيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل.

ويقر الخوارج بصحة ولاية الخليفتين أبي بكر وعمر، كما يعترفون بصحة خلافة عثمان باستثناء السنوات الست الأخيرة من حكمه إلى درجة تكفير بعضهم له، كما يكفرون علياً لأنه قبل بالتحكيم، مع اختلاف فيما بينهم على درجة تكفيره.

ونظرا لغلوهم وتشددهم، قرر الخوارج الحكم بالكفر على مرتكبي الكبائر الذين يموتون قبل التوبة، وقالوا إنهم سيخلدون في النار مخالفين بذلك أهل السنة، وانعكس هذا المفهوم على تكفيرهم للحكام الذين ارتكبوا الكبائر، ليمتد إلى تكفير أمم كاملة لسكوتها على الظلم وقعودها عن الجهاد.

ولم يشتهر الخوارج بالاشتغال بالجدل العقائدي المعروف بعلم الكلام، فكانت تغلب عليهم البساطة الفكرية وانتماء الكثير منهم للبيئة البدوية التي تنبذ الاشتغال بالفلسفة والجدل، لذا لا نجد لديهم مذهبا عقائديا متماسكا أو ناضجا، وإن كنا نقرأ لديهم بعض الأفكار التي اقتربوا فيها من المعتزلة مثل قولهم بخلق القرآن.

ومع انقسام الخوارج إلى فرق عدة كما أسلفنا اختلفت بعض آرائهم، لكن التشدد ظل العامل المشترك بينهم جميعا، فعلى سبيل المثال تشدد الأزارقة في اعتبار ديار مخالفيهم ديار كفر، حتى حكموا على من أقام فيها بالكفر، بل رأوا أن أطفال الكفار سيخلدون في النار، أما الصفرية فكانوا أقل تشددا وحرّموا قتل أطفال المخالفين، كما لم يكفّر النجدات مرتكب الكبيرة إذا لم يصر عليها.

على من يُطلق وصف الخوارج؟
أصبح وصف الخوارج تهمة يتراشق بها الكثيرون في العصر الحديث، وبمجرد إطلاقها على جهة أو جماعة أو حزب يصبح من السهل على الجهات الأخرى الإفتاء بقتلها واستحلال دمها، لذا ينبغي تمييز صفات هذه الجماعة وتحديدها بدقة.

من خلال دراستنا لسيرة الخوارج، نلاحظ أنها مرت بثلاث مراحل، الأولى كانت قبل ظهور الخوارج وهي المرحلة التي حذر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من ظهورهم، والثانية هي مرحلة ظهورهم الفعلي بدءا بعصر علي بن أبي طالب، والثالثة هي المرحلة اللاحقة على تشكلهم والتي بدأوا فيها بالانقسام والتفلسف.

في المرحلة الأولى، وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بصفات محددة دون أن يسميهم بأي اسم، وأهم صفاتهم الغلو في التمسك بالنص دون تعمق في معناه، والممارسة التعبدية القاصرة حيث يتجاوزون في ظاهرها تعبد الصحابة أنفسهم بينما لا يتجاوز تأثيرها إلى الباطن، والممارسة التعبدية المتعدية حيث يتعبدون بقتل المسلمين واستحلال دمائهم، وضعف التجربة وضعف التفكير (حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام).

في المرحلة الثانية، تأكد علي رضي الله عنه وبقية الصحابة من انطباق صفاتهم على حالهم كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ناقشهم ابن عباس فرجع منهم الكثيرون إلى السنة وبقي بعضهم مصرا على التمرد، ومن خلال هذه المناظرة يمكن استنتاج صفاتهم بدقة، وهي الغلو في التمسك بالنص دون تعمق في معناه، والتكفير بما ليس بمكفّر، سواء بسوء فهمهم لطبيعة الأمور المكفرة وذلك إما بأن يعدوا ما ليس بمكفر مكفرًا أصلاً، أو يأتوا إلى فعل غير مكفر ويسموه باسم فعل مكفر، أو بسوء فهمهم لوقائع التكفير ودلائلها حيث يتعجلون في تلك الوقائع ويجعلونها دالة على التكفير وهي ليست كذلك.

وفي المرحلة الثالثة نجد أنهم انقسموا إلى طوائف، كما تداخلوا مع الاتجاه الكلامي وصارت لهم آراء عقائدية قريبة من آراء المعتزلة، وفي هذه المرحلة ظهرت ثلاث تعريفات للخوارج باعتبارهم طائفة أو مذهبا، وهي كما يلي:

الأول اقتصر على مسألة التكفير، واعتبر الخارجي هو من يقول بأن مرتكب الكبيرة كافر. والثاني اقتصر على مسألة القتال، واعتبر الخارجي هو من خرج على ولي الأمر وحسب، أما الثالث فجمع بين المحدِّدَين: الفكري (التكفير) والعملي (القتال).

وإذا أردنا تطبيق هذه المعايير على الجماعات الجهادية الموجودة اليوم فقد يحدث لبس عندما نجد أنها لا تنطبق على بعضها، لأن بعض الغلاة اليوم لا يكفّرون مرتكب الكبيرة ولم يخرجوا على الإمام الشرعي، لكن هذا الحكم لا يُمثل لحظة التحقق التاريخي الأولى التي تشكل فيها مسمى الخوارج، لذا فإن التعريفات الثلاث المذكورة في المرحلة الثالثة ليست دقيقة تماما، وينبغي العودة إلى الصفات الأولى المحددة في الأحاديث والتي انطبقت على صفات الخوارج الذين قاتلهم علي ومن بعده.

عنصر من تنظيم الدولة الإسلامية

ويجب هنا أن نشير إلى مسألتين:
الأولى: ربط النبي عليه الصلاة والسلام بين الرجل الذي اعترض على حكمه وبين صفات الجماعة قبل ظهورها، ومع أن الرجل لم يقل بمقولات الخوارج التاريخية فقد ربط النبي بينه وبين هذه الصفات، وأهم هذه الصفات:

أن هذا الرجل يظهر بحالة من المزايدة في التدين من حيث التمسك بالعدالة وكأنه أكثر عدالة من النبي، وأنه يرفع شعار العدل، وهو شعار لا يُختلف عليه، كما أن الغلاة اليوم يرفعون شعارات من خير ما يقوله الناس، وأنه يحمل شعار تحقيق العدل وهو لم يفهم معناه ويتعجل في تفسيره، وأنه يستخرج من التفسير العجول لتصرف النبي حكمًا بعدم عدله كما يستنتج بعض الجهاديين الغلاة المعاصرين من خلال قراءتهم الظاهرة أحكامًا خاطئة، وأنه يريد أن يحقق المنافحة عن العدل ولكن من خلال التشكيك في عدالة النبي فهو يريد أن يصل إلى شيء دعت إليه الشريعة ولكن من خلال انتهاك أشياء أعظم.

الثانية: أشارت بعض الأحاديث إلى استمرار خروجهم إلى آخر الزمان، كما في حديث ابن عمر: “كلما خرج منهم قرنٌ قطعه الله” [حسنه الألباني وصححه الأرناؤوط].

وبناء على ذلك؛ فإن الكثير من الصفات الواردة في النص النبوي تنطبق على جماعة الدولة الإسلامية (داعش)، وعلى الجماعات الشيعية المتطرفة التي تقتل مخالفيها من أهل السنة بدافع ديني، غير أن الفارق بينهم وبين الخوارج أن طريقة الجماعات الشيعية في الاستدلال لم تكن تعتمد على ظواهر النصوص كما هو حال الخوارج، وإنما على مرويات منسوبة لبعض أئمة آل البيت، والنصوص لم تشر إلى منهج الاستدلال بقدر ما أشارت إلى سياقه العام وهو قراءة القرآن وعدم التعمق في معناه.

أما إذا طبقنا الصفات التي في النص على طائفة الإباضية اليوم -والتي تُصنَّف في كثير من الكتب على أنها الامتداد الوحيد المتبقي للخوارج- فقد لا ينطبق الكثير منها عليهم، لا سيما في العقود الأخيرة، حيث أصبحوا في الظاهر أقرب للمعتزلة من الخوارج، وقد فصل الإمام الأشعري في بيان اتفاق الطرفين في مسائل التوحيد والصفات وخلق القرآن [مقالات الإسلاميين 1/203]، كما يميل بعض المؤرخين المعاصرين إلى أن الإباضية أسيء فهمها وأنها بريئة من الانتساب للخوارج. [انظر: علي محمد الصلابي، الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج].

والله أعلم.


أهم المراجع

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت.

محيي الدين يحيى بن شرف النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1972.

أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المجموع: فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وزارة الأوقاف السعودية، 2004.

محمد عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق، دار أم البنين، 1980.

محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي،  دار الشروق، القاهرة، 2007.

علي محمد الصلابي، الخوارج: نشأتهم وصفاتهم، دار المعرفة، بيروت، 2014.

علي محمد الصلابي، الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج، 2019.

علي محمد الصلابي، عصر الدولتين الأموية والعباسية وظهور فكر الخوارج، دار البيارق، 1998.

ناصر بن عبد الكريم العقل، الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام، دار إشبيليا، الرياض، 1998.

ياسر المطرفي، مقال “في معنى الخوارج”، موقع مركز نماء للدراسات والبحوث، 9/3/2014.

عمار الصياصنة، مقال “صفات الخوارج في السنة النبوية”، موقع هيئة الشام الإسلامية، 16/2/2014.

البحث في الدين

أحمد دعدوش


يرى بعض النقاد أنه من الصعب الحصول على منهج علمي لدراسة الأديان، وذلك لأن الدين يشمل مسائل غير موضوعية تتعلق بالجانب النفسي، فيصعب على الباحث بحثها من خلال المناهج التجريبية، كما أن البحث يتأثر بثقافة الكاتب وتكوينه الفكري وتراكماته المعرفية.

كما أن طريقة التعرف على حقيقة بعض الغيبيات التي يقدسها الآخرون لا تكون سوى بطرق غير محسوسة، لذا يزعم الكثيرون أن الباحثين في معتقداتهم من الخارج لا يتفهمون حقيقة ما يؤمنون به.

لكن التسليم بهذه الاعتراضات يجعلنا عاجزين عن دراسة الدين، وهي لا تبرر اقتصار البحث على جوانب الحياة المختلفة من طبيعة وفكر واجتماع ونفس ثم استثناء الدين، فبعض علماء الاجتماع يرون أن الدين هو أعلى مظاهر الطبيعة الإنسانية، وأنه ظاهرة محورية في صياغة التصورات الفكرية وأنماط الحياة في كثير من المجتمعات.

لذا يصر الباحثون في مقارنة الأديان على إمكانية دراسة الدين موضوعيا، وذلك بوصفه ظاهرة ذات أبعاد متداخلة ومتضايفة، فهناك بعد نظري مثل أصول العقائد، وبعد عملي يشمل المنظومة الأخلاقية والتعبدية، وبعد تنظيمي إداري يتجسد في منظومة الكهنوت، وبعد عاطفي يتجلى في الفنون والآداب.

اتجاهات مقارنة الأديان عبر التاريخ
إذا نظرنا إلى الاتجاهات العامة لهذه الدراسات طوال التاريخ البشرية فيمكن تلخيصها بثلاثة اتجاهات رئيسة:

1- الاتجاه الإلحادي: ظهرت ملامحه الأولى في الفلسفة اليونانية، خاصة عند بروز الفلسفة الطبيعية عند الفيلسوف طاليس (624-546 ق.م) الذي قدّم تفسيرات عقلية عن أصل العالم وطبيعته، دون الرجوع إلى التفسيرات اللاهوتية أو الأسطورية، وترافق ذلك بالاستخفاف بالتعاليم الدينية وقيمتها المعرفية ثم الاعتقاد بأنها إنتاج بشري، وتطور الاستخفاف والتشكيك إلى معاداة الدين والسعي إلى إبعاده من الحياة الاجتماعية [انظر مقال “وجود الله“].

وتقول المؤرخة كارن أرمسترونغ في كتابها “تاريخ الإله” إنه منذ نهايات القرن السابع عشر وظهور الحداثة الغربية أعلنت المذاهب الفلسفية الكبرى استقلالها عن فكرة وجود الخالق، وظهر في هذا العصر كل من كارل ماركس وتشارلز داروين وفريدريك نيتشه وسيغموند فرويد الذين بدأوا بتحليل الظواهر المعرفية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية بدون أي وجود للإله.

وفي هذا العصر دعا بعض علماء الأنثروبولوجيا الثقافية إلى دراسة الدين بوصفه ظاهرة إنسانية طبيعية، قابلة للدراسة عبر أطر موضوعية محايدة، إلا أن دراساتهم كانت لا تقر للدين بأصل مقدس إلهي، ولم يميزوا بين الدين والسحر والخرافة والأسطورة، كما لم يميزوا بين الدين المنزل والدين الوضعي. فكانت أبحاثهم تنطلق من مبدأ اعتبار الدين نتيجة للتطور البشري، دون اعتقاد باحتمال وجود أي مصدر غيبي للدين.

وهناك أيضا من حاول تناول الدين على أنه ظاهرة اجتماعية ويمكن دراسة معالمها الظاهرية والنفسية دون البت بعدم قدسيتها أو العكس، ومع ذلك فإن هؤلاء الباحثين لم يعترفوا للدين بأي قدسية وبلا أصول غيبية لوجوده، فكانت النتيجة نفسها.

2- الاتجاه الإيماني التبريري: وهو الذي ينطلق من اعتقاد مسبق بصدق الدين والدفاع عنها، وهو موجود في كل الديانات الكبرى. ويتضمن هذا الاتجاه تيارين: الأول يميل إلى الشرح وبيان العقائد وتبسيطها لمعتقديها من خلال النصوص المقدسة لديه. أما الثاني فيستخدم الأدوات العقلية والنصوص النقلية للدفاع عن الدين الذي يعتقده من خلال نفي وجود أي تناقض بين العقل ومعتقداته، ثم بيان فضيلة دينه عن غيره من الأديان، وهو النهج الجدلي الكلامي الذي يُنتقد كثيرا بافتقاره إلى الموضوعية.

3- الاتجاه الموضوعي ذو الطابع الأنثروبولوجي القيمي: ويُحسب للعالم المسلم أبو الريحان البيروني أنه كان من رواد هذا الاتجاه، وهو يتفق مع الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة في أهمية دراسة التراث الثّقافي والمعرفي للمجتمع في معرفة دينه، لكنه يختلف مع الحداثيين في كون الدين جزءًا من الإنتاج البشري التطوري أو مقارنة الدين بالسحر والخرافة.

كما يختلف البيروني مع الأنثروبولوجيا الحديثة في الهدف، فهو يوضح في مؤلفاته أن هدفه من التأليف هو “الوصول إلى الحق”، بينما يرى الحداثيون أنه لا ينبغي للباحث أن يتخذ أي قرار حتى لو كان متوافقا مع منهجية البحث. علما بأن البيروني كان ينتقد منهج الكلاميين في الدفاع عن معتقداتهم بالحجج الجدلية إلا أنه وصل إلى النتيجة نفسها بإصدار حكم قيَمي على الأديان التي درسها، حيث لم ينطلق أصلا من منطلق إلحادي يستبعد وجود وحي وإله كما فعل أصحاب الاتجاه الأول.

مقارنة الأديان في التاريخ الإسلامي
انفتح الفكر الإسلامي منذ القرن الثاني للهجرة على أديان العالم وجعلها موضوعا مستقلا للدراسة، فوضع رواد هذا المجال مناهج علمية للبحث، فدرسوا أديان العالم من حيث المقارنة فيما بينها وتأريخها ونقدها.

وأشاد باحثون غربيون معاصرون بالتراث الإسلامي الغزير والموضوعي في هذا المجال، ومنهم إيريك ج. شارب الذي رأى أن شرف كتابة أول تاريخ للأديان يعود إلى الإمام أبي الفتح الشهرستاني صاحب كتاب “الملل والنحل”

يعد كتاب “الفصل في الملل والأهواء والنحل” لابن حزم من أهم الموسوعات الدينية في التاريخ

أما بينارد دولا بولي فيقول في كتابه “الدراسة المقارنة للأديان” إن ابن حزم الأندلسي هو رائد مقارنة الأديان في الفكر الإنساني كله.

ويقول آدم متز إن أكبر فرق بين الخلافة الإسلامية والدول الأوروبية المسيحية في القرون الوسطى كان يتلخص في وجود عدد كبير من أهل الديانات الأخرى بين المسلمين ممن يتمتعون بقدر من التسامح لم يكن معروفا في أوروبا، ومن مظاهر هذا التسامح نشوء علم “مقارنة الأديان”، وهذا ما يؤكده مؤرخ الأديان إريك شارب في قوله إن الانغلاق الصارم والتعصب كانا وراء الاعتقاد بأن أي دراسة للأديان الأخرى لن تقود إلا إلى تناقض حاد مع المسيحية.

وما زال هذا الانغلاق قائما حتى اليوم في كبرى المدارس اللاهوتية الغربية، حيث يدرس الطلاب معظم أديان العالم الكبرى في حين يتجاهل واضعو المناهج ذكر الإسلام، فضلا عن مناقشته ونقده.

ويقول المستشرق فرانز روزنتال إن الغرب يعترف اليوم بأن مقارنة الأديان هي إحدى الإنجازات العظيمة للحضارة الإسلامية التي أسهمت في التقدم الفكري للإنسانية، كما يرى المستشرق الألماني إدوارد سخاو أن مؤلفات البيروني هي حجر الأساس لعلم الأنثروبولوجيا الديني.

ومن أهم العلماء المسلمين الذين كتبوا في مقارنة الأديان: الجاحظ، والجبائي، والقاضي عبد الجبار، وابن حزم الأندلسي، وأبو الوليد الباجي، وأبو الحسن الأشعري، والباقلاني، والبيروني، والجويني، والغزالي، والشهرستاني، وابن تيمية، والمسعودي، والمقريزي، وكثيرون غيرهم.

مناهج البحث لدى المسلمين

1- منهج التأريخ: أصَّل علماء الإسلام هذا المنهج قبل أوروبا بأكثر من عشرة قرون، وكان بعضهم يكتب في الجدل والنقد كتاباً ثم يكتب في التأريخ والوصف كتاباً آخر؛ مثل أبي عيسى الوراق (القرن الثالث الهجري) الذي كتب في الجدل كتاب “الرد على فرق النصارى الثلاث” وكتب في التأريخ كتاب “مقالات الناس واختلافهم”.

2- منهج التحليل والمقارنة: وهو يشمل دراسة جانب أو أكثر من ديانتين أو أكثر ثم المقارنة بينهما، أو دراسة ديانة واحدة من كل جوانبها بالمقارنة مع ديانة أخرى، أو دراسة مؤسس الديانة وأسفارها بالمقارنة مع مؤسس وأسفار أخرى.

3- المنهج التحليلي النقدي: من أهم الأمثلة على تحليل أسس الأديان الأخرى دراسة ابن حزم لنصوص العهدين القديم والجديد، حيث تركت كتاباته أثرا عميقا لدى الأوروبين بعد ترجمتها في اكتشاف عيوب المسيحية.

4- منهج المناظرات الكلامية الجدلية، سواء كانت حية ومباشرة أو مدونة في رسائل وكتب، ومن الأمثلة عليها رسالة راهب كلوني في جنوب فرنسا إلى أمير سرقسطة في الأندلس، وجواب القاضي أبي الوليد الباجي عليها.

ميرسيا إلياد أستاذ في تاريخ الأديان من رومانيا توفي عام 1986

دراسة الأديان في العصر الحديث
يؤكد ميرسيا إلياد صاحب “الموسوعة الدينية” أن مصطلح مقارنة الأديان لم يكن معروفا لدى الأوروبيين حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، حيث أطلقه لأول مرة البريطاني ماكس مولر، ويقول إلياد إن تأخر ظهور المصطلح في أوروبا معناه غياب رؤية علمية ذات أسس منهجية لدراسة الأديان عن الأوساط العلمية الأوروبية.

اهتم الاتجاه العلمي السائد لدى الغرب في عصر النهضة الحديث بالبحث في أصل الأشياء، فبعد أن كان ذلك محصورا في الجوانب التجريبية اتسع ليشتمل على العلوم الإنسانية، وانتقل من السؤال عن أصل الإنسان البيولوجي وتطوره؛ إلى السؤال عن أصل دينه وتطور معتقداته.

لذا يغلب الطابع الوضعي على أبحاث الدين في الغرب، بحيث تُنحى جانبا الاعتبارات اللاهوتية التي ترى الدين تجليا لفضل الله على خلقه بالهداية، بينما يحرص الباحث الديني الغربي على التعامل مع الدين من منطلق كونه ظاهرة متكررة من الظواهر الإنسانية التي تخضع للتفسير.

ويبدو أن النظريات المقترحة لتفسير نشأة “الظاهرة الدينية” نظريات اختزالية بالمجمل، فهي تحاول أن تستخلص من الظواهر الدينية محددات عامة تفسر بها الدين على نحو عام، دون أن تلتفت إلى خصوصية دين بعينه؛ في ذاته أو في ظروفه التاريخية والاجتماعية.

وقد أوضحنا في مقال “الدين والتدين” أهم النظريات الغربية التي تحاول تفسير الظاهرة الدينية، وتبين لنا أنها تنطلق جميعا من قاعدة علمانية تشيئ الإنسان والوجود، لكن هناك من يرى أن الدين فطرة ونزعة إنسانية، برزت بأشكال متعددة من التدين، ويميل أصحاب هذه النظرية غالبا بأن الديانة الأولى للإنسان كانت التوحيد وليست التعدد، وهذا ما تقره الأديان السماوية.

ومن الملاحظ في دراستنا للنظريات اللادينية أن أصحابها يميلون إلى الاعتقاد ببراءة القدماء، وافتراض أنهم كانوا يبحثون عن الحقيقة فلم يجدوها سوى في الأساطير لإشباع النهم الغريزي إلى المعرفة وتقديم أجوبة على الأسئلة الوجودية، ولكن الذي وضع هذه الأجوبة ليس هو الإنسان الذي نتحدث عنه، بل هو شخص أو شيطان أو مجموعة قليلة من الأشخاص أو الشياطين. فوضعُ الأساطير يشبه كتابة أي عمل أدبي معاصر، أي هو عمل فردي اختياري وليس قرارا تم اتخاذه في مؤتمر شعبي أو عبر صناديق الاقتراع، فهناك من تعمد وضع تلك القصص الخرافية التي تتضمن تفاصيل وأحداثا عن الخلق وتصارع الآلهة وتناسخ الأرواح، ولم يكن لديه أي دليل على أن العالم الماورائي قد حدثت فيه كل تلك التفاصيل الغيبية التي لا تقتصر على التأويلات الاحتمالية لظواهر الطبيعة أو على رؤى تخيلية لكائنات ما ورائية تفسر ما لا يستطيع فهمه، بل كان واضع الأساطير يقدم ملاحم أدبية (شعرية أو مسرحية) مفصلة تتضمن أحداثا وحوارات وقرارات وهو يعلم أنها لم تحدث.

قد يصدق افتراض البراءة على العوام الذين اضطروا لاتباع الكهنة والسحرة والشامانات عندما لم يجدوا خيارا آخر لتحصيل المعرفة والأجوبة على الأسئلة، لكن هذا لا يعني أن الأساطير وُضعت لتقديم الأجوبة المحيرة للإنسان القديم؛ بل ربما لتضليل العوام من قبل النخبة المسيطرة.

 

جيمس فريزر

المناهج الحديثة لمقارنة الأديان
في بداية العصر الأوروبي الحديث، اتسم النشاط في حقل “علم الأديان” بمحاولات جمع المادة العلمية التي يمكن الحصول عليها من الأديان المختلفة والاجتهاد في فهمها بمساعدة علم اللغات وعلم الأساطير، وسرعان ما تلقف الباحثون المنهج التاريخي الذي يحاول تتبع مسيرة الأديان تاريخيا، وارتبط ذلك بالمنظور التطوري الذي اكتسح جميع فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية بعد أن أخرج من مجاله الطبيعي (البيولوجي)، فبات يُنظر للأديان على أنها حلقة في التطور الطبيعي للحياة الإنسانية، وأصبح الهدف هو دراسة “نشأة الأديان”، وذلك بالاستعانة بعلوم اللغة والآثار والحفريات وعلم الإنسان.

ظهرت في الأفق أيضا علوم النفس والاجتماع لتساعد على إيجاد إجابات “علمية” للأسئلة المتعلقة بنشأة الدين، فانصرف البحث نحو الأديان البدائية والمظاهر السحرية والخرافية، وكانت حصيلة كل ذلك ظهور نظريات “تايلور” و”فريزر” و”سبنسر” و”دوركايم” وغيرهم التي أصبحت اليوم على لسان كل متحدث بدون سؤال عن سندها العلمي وقوامها العقلي وبراهينها العلمية.

اعتمد علماء مقارنة الأديان على رصد تأثير دين في دين آخر من خلال التشابه والأسبقية، الأمر الذي تعرض لانتقادات كثيرة، فالتشابه بين الأديان قد يعود إلى تطابق الاستعداد لدى المتدينين وتماثل البيئة ومراحل نمو الأفكار الدينية بين شعبين في منطقتين نائيتين دون أي تواصل بينهما، وقد رأى أستاذ الأديان في معهد فرنسا جورج أدوميزيل أن تشابه أسماء الآلهة في اللغات الهندية-الأوروبية ليس دليلا مقنعا على أنها نابعة من أصل مشترك، لذا اهتم بالبحث عن أصل اجتماعي يفسر فيه نشوء فكرة الثالوث الإلهي لدى كل من الرومان والهنود.

وفي رأينا، قد يكون التأثير صحيحا عندما يتعلق التشابه بشعائر وعقائد يمكن تفسيرها بعوامل طبيعية واجتماعية وغريزية، لكن التطابق أو التشابه بين بعض الأديان في التفاصيل الدقيقة والكثيرة يجعل المصادفة أمرا مستبعدا، وربما مستحيلا، فحتى في حال عدم ثبوت اتصال أمتين متباعدتين عن بعضهما، فإن هذا لا ينفي أن يكون مصدر الأفكار الذي تتلقى منهما هاتين الأمتين واحدا، سواء كان هذا المصدر هو الإله (الوحي) أو الشياطين.

على الرغم من الاكتشافات “العلمية” الغزيرة في أبحاث الأديان خلال القرن التاسع عشر فقد بقيت الأديان غير مفهومة، ما أشعر بعض العلماء بحاجة ملحة إلى منهج جديد يسمح للمتدين بأن يعبر عن نفسه وعن عقيدته بحرية، ويترك الظواهر الدينية تتحدث بنفسها، لذا نادى بعض العلماء في هولندا والبلاد الإسكندنافية بتطبيق “المنهج الظاهراتي” (الفينومينولوجي) في دراسة الدين، وبدأ ذلك بعد الحرب العالمية الأولى.

حدد فان ليون آلية عمل المنهج الظاهراتي للتوصل إلى فهم الدين عبر خمس مراحل، ففي الأولى يتم رصد الظواهر الدينية وتصنيفها لتسهيل تتبعها؛ مثل وضعها ضمن خانة “الأساطير” و”القرابين” وهكذا، لكن هذا لا يخلو من مغالطة تحويل الملاحظات إلى نظريات بشكل متسرع. ولتجنب التسرع يسعى الباحث في المرحلة الثانية لمعايشة الظاهرة وتجربتها بطريقة اختيارية ومنهجية لا بطريقة قهرية ولا شعورية. وفي المرحلة الثالثة يحاول الظاهراتي التجرد من كل أفكار سابقة ويدرس الظاهرة، وفي المرحلة الرابعة يدرك حقائقها بوضوح، ثم تأتي المرحلة الأخيرة عندما يواجه الظاهراتي الحقيقة التي تجلت له ويتحقق من فهمه لها.

يدرس الظاهراتيون الإسلام من خلال دراسة الطقوس التي تمارسها بعض المجتمعات المسلمة مما يؤدي إلى الخلط بين الدين الأصلي والعادات والبدع
(wikimedia)

والظاهراتي لا يهتم بالتطورات التاريخية للدين ونشأة الأديان، فهدفه الأساسي تحرير نفسه من كل منطلق غير ظاهراتي والبحث عن الفهم الدقيق للظاهرة الدينية سعيا وراء معرفة حقائقها، دون التقيد بأية نظرية سيكولوجية أو ميتافيزيقية أو لاهوتية أو فلسفية.

والحقيقة أن هذه المشاركة في التجربة ستظل ادعاءً غير واقعي، فالنقاد يتساءلون عما إذا كان من الممكن أن يعتنق الإنسان الظاهراتي الإسلام حقا ليدرس الإسلام، فحتى إذا صار مسلما فمن الصعب الاقتناع بأن هذا “الاعتناق الوظيفي” للدين سيوفر له التجربة الحقيقة التي يريدها. ويضاف إلى ما سبق أن تعريف المنهج الظاهراتي مازال محل جدل بين الباحثين منذ ظهوره على يد الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل عام 1913، لذا تقول أستاذة الأديان في جامعة “ليدز” أورسولا كينغ إن “مفهوم الظاهراتية يتعدد بعدد الظاهراتيين أنفسهم”.

ولعل أخطر ما يشوب نتائج المنهج الظاهراتي من نقص في عين النقاد هو أنه يعجز عن فهم الأديان على حقيقتها، بل يكتفي بدراسة ظواهرها فيخلط بين سلوك المنتمين لدين معين وبين الدين نفسه. وعندما يتعلق الأمر بدراسة دين الإسلام على سبيل المثال، لا يستطيع الباحث الظاهراتي الغربي أن يفرق بين السنة والبدعة، ولا بين الوحي الإسلامي الثابت والآراء الدخيلة عليه، وهذا الدمج نراه كثيرا في أعمال المستشرقين، ومن أمثلته الحديثة مؤلفات الألمانية آنا ماري شميل (توفيت عام 2003)، مع أنها تزعم أن منهجها “يحاول النفاذ إلى قلب الدين من خلال دراسة الظواهر أولا”.

في كتابها “الكشف عن آيات الله: دراسة ظاهراتية للإسلام” الصادر عام 1994، نجد أن شيمل بذلت جهدا هائلا في البحث عن ظواهر الإسلام ودراستها، بما يشمل الشعائر والآراء والأذكار والعادات والتقاليد والمقدسات الزمانية والمكانية لبعض المجتمعات المسلمة، واعتبرت أن هذه الظواهر جميعا تعبر عن الإسلام نفسه من خلال المعاني والحقائق التي تنبئ عنها، فعلى سبيل المثال بحثت في الفصل الأول عن المكانة الخاصة في الثقافة الإسلامية لبعض الحيوانات والألوان وأشياء أخرى كالماء والأشجار والنور، وفي الفصل الثاني تتعرض لما أسمته بقدسية المكان والزمان والعدد، فحاولت مثلا حصر الأعداد التي تحتل مكانة معينة فظهر لها أن جميع الأعداد من 1 إلى 10 لها مكانة ما، إضافة إلى الأعداد 12 و14 و17 و18 و19 و40 و72 و73 و99. وينتهي هذا الفصل دون توضيح لما وراء ذلك، بل دون تمييز بين أصالة بعض تلك الأعداد في الإسلام وبدعيتها، فالمنهج يقتضي دراسة جميع الظواهر ثم اعتبارها جزءا من حقيقة الإسلام ذاته، مع أن المسلم العادي يعلم أن كثيرا من تلك الظواهر لا تمس دينه بشيء، بل إن بعضها تسلل إلى الإسلام من عادات وخرافات معادية له.

ختاما، نحاول في هذا الموقع أن نستفيد في دراستنا للأديان والمذاهب والتيارات الفلسفية من المناهج الوصفية والأنثروبولوجية والظاهراتية والكلامية معا، ونقر -كما فعل البيروني- بأننا نسعى إلى اكتشاف الحق واعتناقه وبيانه للناس، كما نؤمن بأن الاكتفاء بالحجج الكلامية لا يجدي في عصر الانفتاح وثورة المعلومات والاتصالات، ولا نزعم في الوقت نفسه بأن مقالاتنا المحدودة بحجم معين كافية لاستيعاب مواضيعها، إلا أنها قد تكون بمادتها المكثفة مدخلا وافيا للفهم واتخاذ الأحكام الموضوعية في سبيل التعرف على الحق.


أهم المراجع
فراس سواح، الرحمن والشيطان، دار علاء الدين، دمشق، 2000.

د. دين محمد محمد ميرا صاحب، بحث بعنوان “الاتجاه الظاهراتي في دراسة الأديان في الغرب: رؤية نقدية”، مجلة الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، العدد السادس، 1998.

عبد الرزاق حاشي، دراسة بعنوان “علم مقارنة الأديان بين سؤالي المفهوم والإمكان: دراسة تحليليّة مقارنة”، مجلة إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، العدد 67، 2012.

موقع موسوعة مقاتل من الصحراء: http://www.moqatel.com

الوحي القرآني

 إبراهيم إسماعيل


تحققنا في مقال “نبوة محمد” من ضرورة النبوة وحاجة الإنسان إليها كمصدر وحيد لبلوغ الحقيقة في الغيبيات، وتبين لنا أيضاً صدق نبوة العربي الأمي محمد بن عبد الله، المولود بمكة في القرن السادس الميلادي، وكونه مرسلا من الله إلى عباده، وسنبحث هنا في الوحي الذي أنزل إليه متمثلا بالقرآن الكريم الذي جُمع على هيئة كتاب وما زال محفوظاً إلى اليوم، ففي مقابل الشكوك التي يقر بها باحثو الأديان الأخرى، يُجمع علماء الإسلام على مر العصور وبالتواتر بأن الكتاب المتوفر بين أيدينا اليوم هو القرآن نفسه المنزل على النبي بواسطة الملَك جبريل.

سنركز بحثنا في مصدرية القرآن وصدق نسبته إلى الله تعالى مباشرة بألفاظه ومعانيه، كما سنتحقق من صحة توثيق هذا الكتاب وتدوينه ونقله بالتواتر حتى وصل إلينا بالرغم من مرور أكثر من أربعة عشر قرناً، وسنعرض بعض الأمثلة والنماذج التي تثبت صحة هذا الوحي وعصمته من التحريف، ونناقش بإيجاز أهم الشكوك التي تُطرح في هذا المجال.

البحث في مصدرية القرآن:
سنعالج هذه المسألة في تسع نقاط مهمة، وهي كما يلي:

النقطة الأولى: حاجة صاحب الرسالة إلى القرآن

المسجد النبوي في المدينة المنورة بمنتصف القرن التاسع عشر

فقد مر صاحب الرسالة ببعض المواقف المحرجة، وكان نزول الوحي السبيل الوحيد للتخلص منها، وفي حال تأخر الوحي كان يتعرض للحرج لأنه لا يستطيع حسمها، وأبرز هذه الحالات “حادثة الإفك”، حين خاضت الألسنة بزوجته عائشة، واتهما البعض بالزنا، ولم يكن بين يديه ما يمكنه من معرفة الحقيقة، ولم يشأ أن يتبع الظن، فتمنى لو نزل الوحي بقرآن يحسم الأمر، ولم يزد في هذه الفترة على التحري والاستشارة، وطوال هذه المدة لم يدعي أن له طريقة للعلم بحقيقة التهمة من غير طريق الوحي، فبقي ينتظر الوحي دون أن يتمكن من استعجاله بالرغم من حاجته الشديدة له.

ولو كان كاذبا لزعم نزول آية تبرئ زوجته على الفور، وحمى بذلك عرضه من لسان أعدائه المتربصين، إلا أنه ظل منتظرا كبقية أصحابه حتى نزلت سورة النور لتبرئة عائشة.

النقطة الثانية: توقف صاحب الرسالة -أحيانًا- في فهم مغزى النص حتى يأتيه البيان
وفي القرآن آيات تحتاج لبيان معناها، ولو كان القرآن من تأليفه فكيف يقول كلاماً لا يفهم هو معناه؟ وقد يتضمن القرآن أيضاً أمراً لا يعرف حكمته، وهذا دليل على أنه ناقل لا قائل، ومثال ذلك ما جاء في القرآن: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284] فظن أصحابه أنهم سيحاسَبون على كل شيء حتى خواطر القلوب، فقالوا: يا رسول الله نزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال لهم “أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير” [رواه مسلم]، فكانوا يتضرعون بهذه الدعوات حتى نزل التوضيح: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وهنا علموا أنهم مُحاسبون على النوايا والعزائم وليس على الأماني والخواطر العابرة.

فلو كان صاحب الرسالة قد اخترع تلك الآية من عنده ابتداءً، فلماذا لم يبين لهم خطأهم ويزيل اشتباههم، وهم في أشد الحاجة إلى بيان معناها؟

النقطة الثالثة: طريقة صاحب الرسالة في حفظ القرآن أول نزوله
كان الرسول صلى الله عليه وسلم في بداية الرسالة يكرر القرآن على عجل، بهدف حفظه خشية نسيانه، وهذا أمر لم يُعْرف به في كلامه العادي، فلو كان القرآن من عند نفسه لقاله كما يقول أي كلام آخر، غير أنه كان يجد نفسه أمام تعليم يفاجئه في وقت معيَّن وعلى عجل، مما يتطلب تكراراً سريعاً لحفظه وتدارك نسيانه، وقد ظل على هذا الحال حتى ضمن الله له حفظ القرآن وعدم نسيانه {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة: 16]،فتوقف عندئذ عن التكرار، ولم يكن ينسى شيئاً من القرآن.

رسم لمكة يعود إلى عام 1790

النقطة الربعة: هل كان القرآن من تأليف محمد؟
في الحديث عن الماضي وما كان به من أمم، وما جرى عليها من أحوال، وإعطاء معلومات دقيقة حول ذلك، فهذا لا سبيل إليه إلا بالدراسة والتعلم. ومثال ذلك قصة أصحاب الكهف ضمن سورة الكهف والتي جاء ذكرها في الكتاب المقدس، فمع أن الأخير قال إنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة شمسية، فقد ورد في القرآن أنهم لبثوا في كهفهم {ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا}، وهذه السنوات التسع هي فرق مابين عدد السنين الشمسية والقمرية، وهو حساب لم يكن معروفا لدى العرب الأميين.

صحيح أن العلم بأسماء بعض الأنبياء والأمم الماضية وبمجمل ما جرى من حوادث التدمير في ديار عاد وثمود وطوفان نوح وأشباه ذلك وصل منه شيء قليل إلى العرب الأميين؛ لأن مثل هذه الأخبار مما توارثته الأجيال، وإنما النقطة المهمة فتتمثل في التفاصيل الدقيقة، التي ينبغي ألا تتوفر إلا في بطون الكتب والتي لا يعرفها إلا القليل من الدراسين، لكننا وجدنا ذلك واضحاً في القرآن.

ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان رجلا أميا في أمة أمية، يشغله ما يشغلهم من المجالس وطلب الرزق في الأسواق أو المهن المتنوعة، وله زوجة وأبناء يعيلهم، ولا صلة له بالعلم والعلماء؛ وكان خصومه يعلمون أنه عاش هذا الحال أكثر من أربعين سنة من عمره، ثم بين عشية وضحاها جاء بما لا معرفة له به في حياته السابقة، وأخبر عن أخبار القرون الأولى،لا شك أن العقل المجرد يدرك أن لهذا التطور في المعرفة سر خارج عن حدود النفس وعن دائرة المعلومات القديمة، وهو الوحي.

النقطة الخامسة: أنباء المستقبل لا سبيل فيها لليقين إلا بالوحي الصادق
في الحديث عن الغيب والمستقبل يكون الإنسان أمام ثلاث احتمالات:

1- أن لا يخوض فيه لأنه لا سبيل لمعرفته.

2- أن يتوقع أمورا مستقبلية من خلال مقدمات علمية أو علامات ظنية، وقد يوافق المستقبل توقعاتهم دون يقين.

3- أن لا يمتلك المقدمات العلمية أو العلامات الظنية لكنه يجزم بصحة تنبؤاته، فهذا أحد رجلين: فإما أن يكون مجازفاً كالعرافين والمنجمين، أو نبياً يستمد معرفته من الوحي.

وبالمقارنة بين ادعاءات المنجمين ونبوءات محمد صلى الله عليه وسلم يبدو الفرق واضحا، فالادعاءات تأتي غالبا مبطنة بالرموز والعبارات المبهمة التي تحتمل التأويل، بينما ذكر النبي أحداثا واضحة ستقع في حياته أو بعد مماته على فترات متفاوتة، وقد تحقق الكثير منها، وما زال الباقي ينتظر التحقق كما وعد في آخر الزمان. ومن أمثلة ذلك:

المثال الأول: تأكيد الوحي حفظ القرآن دون الكتب السماوية الأخرى التي ضاعت وحرفت {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:10]، بالرغم من المحن التي واجهت النبي أثناء نزول هذه الآية وبعدها، وبالرغم مما تعرضت له دول الإسلام على مر القرون، من تسلط الكثير من الجيوش وحدوث المجازر الجماعية وإحراق الكتب وهدم المساجد، فإن القرآن ما زال محفوظا بكل كلماته وحروفه دون تبديل.

المثال الثاني: كان النبي عرضة للكثير من محاولات القتل، وكان من أصحابه من يحرسه ليتمكن من تبليغ دعوته، حتى نزل {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، فقال لحراسه في تلك الليلة “يأيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله”.

إن ضمان السلامة من الأمور التي لا يمكن أن يملكها أحد لنفسه، لا سيما إن كان محاطاً بالكثير من المحاربين له، فما هذه الثقة التي تدعوه لإعفاء حراسه من مهمتهم،  لقد كان بإمكان أي رجل من أعدائه أن يسارع إلى قتله فور نزول هذه الآية ليثبت أنها ليست وعداً إلهيا بحمايته، لكن هذه النبوءة تحققت فعلا، وبالرغم من الحروب الكثيرة التي خاضها، إلا أنه لم يمت حتى بلّغ الرسالة كما وعده الوحي، وحتى نزلت عليه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

المثال الثالث: قضية تحدي الناس على الإتيان بمثل القرآن {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، حيث نفى إمكان ذلك بشكل مؤكد، بل ومؤبد، وهذا حكم خطير، خصوصاً أنه بذلك استفز قدراتهم البيانية، ودعاهم للتكاتف بحيث يعين بعضهم بعضاً في التأليف والتهذيب حتى يخرجوا كلامًا منافسا، ولم يكتف بذلك بل أعلن أن هذا التحدي عام يشمل الأجيال القادمة، ومن الإنس والجن.

المثال الرابع: نبوءة انتصار الروم على الفرس رغم مخالفتها للتوقعات وللتحليل السياسي في وقت نزول الآيات من سورة الروم: {ألم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ}، ذلك أن دولة الروم في تلك الفترة بلغت من الضعف درجة أنها غُزيت في عقر دارها وهزمت بمعركة أنطاكية سنة 613م، ولم يكن أحد يظن أنها ستقوم لها بعد ذلك قائمة، فكيف بمن يحدد وقت انتصارها ببضع سنين فقط؛ ولذلك تراهن المشركون على تكذيب النبوءة، ثم فوجئوا بتحقق الوعد وانتصار الروم على الفرس في معركة كابادوكيا سنة 622م، أي خلال تسع سنين.

كما أن هذه الآية لم تحدد عدد السنوات واكتفت بلفظ بضع أي بين الثلاث والتسع سنوات، وعلة ذلك اختلاف الناس في حساباتهم، فالحساب الشمسي غير الحساب القمري، لذلك عبر بلفظ “في بضع”.

المعركة بين الفرس والروم بريشة پييرو فرانشيسكا في منتصف القرن الخامس عشر

وإضافة لما سبق، فإن صاحب الرسالة لم يكن يدعي لنفسه معرفة بالغيبيات، بل كان يؤكد على بشريته كقوله: “إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له على نحو ما أسمع…” [رواه البخاري]، أي أنه يحكم بناء على المعطيات التي بين يديه ما لم يأته وحي إلهي، ومن كان بهذا الحال فكيف يزعم لنفسه القدرة على التنبؤ بالمستقبل من عند نفسه، وهو أمر لا نجده في سيَر الدجالين والسحرة ممن يجدون في التواضع علامة نقص، فيخوضون في ادعاءات تتجاوز قدراتهم.

إن الفراسة والذكاء في مواضيع الغيب لا تفيد، والمرء في كلامه عنهما يتخبط، إن أصاب الحق مرة أخطأ مرات، لكن نبوءات النبي لم تخطئ مرة واحدة، مما يدلل على أنه تلقاها بالوحي الإلهي.

النقطة السادسة: هل نسبة القرآن للوحي تحصن كلام صاحب الرسالة؟
وهذا السؤال يفترض أن محمداً رأى أن ينسب القرآن للوحي الإلهي، ليُكسبه مكانة عظيمة عند الناس، فيتبعونها أكثر ما لو نسبه إلى نفسه، والحقيقة أن هذه الفرضية باطلة من وجهين:

الوجه الأول: إن صاحب القرآن صدر عنه كلام منسوب إلى نفسه (الحديث)، وكلام منسوب إلى ربه (القرآن)؛ ومع ذلك فطاعة أحدهما من طاعة الآخر، ومعصية أحدهما من معصية الآخر.

الوجه الثاني: هذه الفرضية تعني اللجوء إلى الكذب لغاية الإصلاح، وهذا سلوك منحط  لم يعهد عنه في سيرته التي تؤكد أنه أبعد الناس عن ذلك.

النقطة السابعة: الإقرار سيد الأدلة
النصوص القرآنية تبين أن هذا القرآن ليس من عمل صاحب الرسالة، وإنما نقل بواسطة جبريل الذي تلقاه من ربه، ثم نزله بلسان عربي مبين فتلقنه محمد منه كما يتلقن التلميذ عن أستاذه، ولو وجدت هذه القضية قاضياً عادلاً –كما يرى الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه النبأ العظيم- لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، لأنها من نوع “الإقرار” الذي يؤخذ به صاحبه، لا سيما أنه لا مصلحة لعاقل يدعي لنفسه حق الزعامة ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة، ثم ينسب بضاعته لغيره، ويتبرأ من نسبتها إليه؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينسبها لنفسه فيزداد بها رفعة.

دير بحيرا الراهب في بصرى الشام

النقطة الثامنة: أمية محمد
من المعلوم أن النبي عاش حياته وهو لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وحاله هذا يشبه حال أكثر العرب في زمانه، فهم أمة أمية تحفظ الشعر، لكنها لم تكن من الأمم المنتعشة علمياً بحال، ويسجل التاريخ أن أقصى من التقى بهم محمد صلى الله عليه وسلم ممن لهم شيء من العلم في طفولته بحيرا الراهب في سوق بُصرَى بالشام، وكذلك لقي في مكة بورقة بن نوفل بعيد نزول الوحي لأول مرة، وقبل إعلان نبوته بثلاثين شهرًا، والتقى بعد نبوته كثيراً من علماء اليهود والنصارى في المدينة، إلا أنه لم يتلقَّ عن أحد منهم، وقد صحبه الشهود في لقاءاته، فكان عمه أبو طالب معه حين رأى راهب الشام، وكانت زوجته خديجة رفيقة له حين لقي ورقة، ولم يزد الرجلان غير أنهم رأوا فيه سيما النبوة، وأما الذين لقوه بعد النبوة فقد سمع منهم وسمعوا منه، وكان هو معلمًا لهم مصححاً لأخطائهم ومنذراً ومبشراً.

النقطة التاسعة: علاقة محمد بعلماء الدين في زمنه
صوَّر القرآن عقيدة علماء الدين في زمنه، فعاب عليهم التلاعب بالعقائد وتحريف كلام الله، فلو تعلم محمد منهم شيئاً لتبنى وجهة نظر معلميه بدلا من نقدهم، بل إن القرآن تقدم على ذلك بخطوات وصحح لهم أغلاطهم وتوعدهم بالعذاب، ومن ذلك:

{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ}

{وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا، وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ}

{وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ}.

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}

{أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى}

{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ}

{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ}

{وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ}

{وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ}

{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ}

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ}

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}.

وبهذه الآيات يبدو واضحاً أن علاقة محمد بعلماء الأديان الأخرى، لم تكن علاقة التلميذ الذي يحفظ منهم، بل كانت علاقة الأستاذ الذي يصحح لهم ما حرَّفوا، ويكشف ما كتموا.

ظاهرة الوحي وتحليل عوارضها
روى لنا الصحابة في أحاديث عديدة الحالة التي كانت تعتري النبي أمامهم عندما كان ينزل عليه القرآن فجأة دون معرفة مسبقة منه ولا استعداد، فكان يحمر وجهه فجأة وتصيبه شدة حتى يتصبب جبينه عرقًا، ويثقل جسمه حتى يكاد يرُضُّ فخذه فخذ الجالس إلى جانبه، ولو كان راكبًا لبركت به راحلته، وكانوا مع ذلك يسمعون عند وجهه أصواتًا مختلطة تشبه دويَّ النحل، ثم تذهب عنه تلك الشدة فإذا هو يتلو قرآنًا جديدًا محدثًا.

ويرى الدكتور دراز أن الباحث عن مصدرية القرآن سيجد هذا أقرب مكان يتأمله، فعندما نقارن ما كان يصيب النبي أثناء نزول الوحي مع عارض السبات الطبيعي الذي يعتري المرء في وقت حاجته إلى النوم؛ نجد أنها حالة تختلف عن التدريج الذي يعرض لمن يغالبه النعاس، فقد كانت تأتيه قائمًا أو قاعدًا، وسائرًا أو راكبًا، وفي أثناء حديثه مع أصحابه أو أعدائه، وكانت تأتيه فجأة وتزول عنه فجأة، وتنقضي في لحظات يسيرة، وتصاحبها أصوات غريبة لا تسمع منه ولا من غيره عند النوم.

وحالة الوحي هذه تناقض كذلك الأعراض المرضية والنوبات العصبية التي تصفرُّ فيها الوجوه، وتبرد الأطراف، وتتكشف العورات، بل كانت مبعث نمو في قوة البدن، وإشراق في اللون، وارتفاع في درجة الحرارة، ثم يصدر عنها من العلم ما تخضع العقول لحكمته.

فلو كان القرآن من قول محمد لقاله في حال يقظته، لا في تلك اللحظات التي تغشاه سحابة رقيقة قد تشبه الإغماء. فلا بد أن يكون وراء هذه السحابة مصدر يزوده بالعلوم.

ولعل قائلاً يقول: إن ما أصاب محمداً هو اضطراب في أعصاب البصر خيل إليه أنه يرى شيئا غير حقيقي، أو لعله اضطراب عقلي جسّد له بعض الأوهام، وقد أوضحنا في مقال “مصادر المعرفة” أن المعرفة الحقيقية لا تُكتسب بالضرورة عبر الحواس فقط، وأثبتنا في مقال “وجود الله” أن الوجود لا يقتصر على الجانب المادي دون غيره، وقد كان مشركو قريش يشككون في نزول الملاك بالوحي على محمد مع أنهم لا ينكرون وجود الغيبيات أصلا، بل كانت ثقافتهم مليئة بقصص الجن والعفاريت وغيرها من الأساطير.

ولا يمكن القول أيضاً إن محمداً كان يتلقى القرآن من مصدر غيبي آخر غير الله، فالقرآن نفسه كان شديدا في تقريع إبليس وجنده من الشياطين، ولو كان القرآن من وسوسته لكان يأمر باتباع إبليس وليس بطرده ولعنه والتحذير منه، كما لا يصح القول إن محمداً كان يتصنع حالة الشدة التي يتعرض لها عند نزول الوحي كما يفعل الدجاجلة من المشعوذين والشامانات الذين يزعمون الاتصال بعوالم خفية، فمحمد كان صريحاً في محاربة هؤلاء، وكان صادقاً في تعامله مع الناس قبل البعثة وبعدها، حتى سمته قريش قبل نزول الوحي بالصادق الأمين [انظر مقال نبوة محمد].

إن الوحي قوة خارجية لا تتصل بنفس الرسول إلا على فترات متقطعة، وهي قوة أعلى من قوته لأنها تحدث في نفسه وبدنه آثاراً عظيمة لا يمكن لأحد أن يتصنعها حتى لو كان دجالاً، وهي أيضاً قوة خيّرة معصومة لا توحي إلا بالحق ولا تأمر إلا بالرشد، فلا يمكن لها أن تكون من مصدر بشري ولا جني.

كيف حُفِظَ القرآن؟
كان العرب قبل الإسلام، وفى صدر الإسلام من ذوي المَلكات في الحفظ، ومن يعرف الكتابة والقراءة فيهم قليل، فكانوا يحفظون عن ظهر قلب ما يريدون حفظه من منثور الكلام ومنظومه.

وقد ساعد نظم القرآن، بألفاظه ومعانيه وإيقاعه الصوتي على حفظه، لا سيما وأنه نزل مفرقًا خلال ثلاثة وعشرين سنة.

ولا شك أن حفظ القرآن في الصدور من الأمور الشائعة، فحتى في عصرنا الذي نعتمد فيه كثيرا على الذاكرة الإلكترونية قياسا إلى الذاكرة العقلية كما في عصور سابقة، حيث نجد في بلاد المسلمين الملايين من حفظة القرآن، وما زالت هناك مسابقات عالمية تثبت اهتمام المسلمين بحفظ القرآن وضبطه بدقة شديدة.

ولم يكن الحفظ مخصوصاً بالعرب دون غيرهم من المسلمين، فمئات الألوف ممن يحفظونه اليوم ليسوا من أهل العربية، بل ربما يحفظه من لا يكاد يعرف شيئاً عن لغة العرب ومعانيها، ومع ذلك يقرؤه بلسان عربي مبين كما يقرؤه العربي سواء بسواء، وهذا أمر يستحيل أن نراه في نصوص أخرى بأي لغة كانت.

وما دام الحال هكذا في القرن الحادي والعشرين، فإن التشكيك بحفظه في الصدور في قرون الإسلام الأولى تتبدد، فالحفظ كان العلاقة الأولى بين المسلمين وبين القرآن، وكان للحفظ وسيلة واحدة هي السماع، والسماع لم يكن عشوائياً بل كان يتبع منهجا لتكريس الحفظ، حيث تنوعت أساليب حفظ القرآن بين ختمه في صلوات الليل، وتقسيمه إلى أحزاب، وقراءة بعضهم على بعض، وفي ذلك أخبار وأحاديث موثقة في الكتب.

مصحف عُثر عليه في مكتبة جامعة برمنغهام الإنجليزية عام 2015 وهي تعود إلى عصر الصحابة

وبالتوازي مع عملية الحفظ كانت عملية التدوين قائمة، حيث كان من الصحابة كتَّاب للوحي، فكان إذا نزل الوحي دعاهم النبي فأملى على مسامعهم ما نزل فيكتبونه على الفور، وكانت هذه الكتابة مفرقة في الرقاع والورق، ولم تكن مرجعا للمسلمين في حال الخلاف، إذ كانوا يعودون إلى الرسول ليصحح لهم، واستمر الحال في الاعتماد على الحفظ حتى في عهد الخليفتين أبي بكر وعمر.

وكان حفظ الصحابة للقرآن متفاوتا، فمنهم من كان يحفظ القدر اليسير، ومنهم من يحفظ الكثير، ومنهم من يحفظ القرآن كله. ومات في موقعة اليمامة في خلافة أبي بكر سبعون حافظًا ممن كانوا يسمون بـ”القُرَّاء”.

وعلى هذا؛ لم يُجمع القرآن في مصحف واحد في حياة النبي ولا في صدر خلافة أبي بكر، وكان حفظه في الصدور هو المتبع، رغم أنه كان مكتوباً في رقاع متفرقاً، وبإملاء من النبي صلى الله عليه وسلم، وظلت هذه الرقاع كما هي لم يطرأ عليها أي تغيير، ولما حدثت واقعة اليمامة اقترح عمر على أبي بكر أن يجمع القرآن المدون في مصحف واحد، وكان الجمع يتضمن تنسيق وثائق كل سورة مرتبة آياتها على نسق نزولها، والقصد منه أن يكون مرجعًا موثوقًا به عند اختلاف الحفاظ، فتم بذلك جمع كل الوثائق الخطية التي سجلها كتبة الوحي في حضرة النبيسماعا مباشرا منه.

وبعد وفاة أبي بكر تسلَّم عمر المصحف، وبعد وفاته ظل المصحف في حوزة ابنته حفصة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي خلافة عثمان بن عفان حدثت مرحلة الجمع الثانية، وكان عثمان حافظًا للقرآن كله، فأوكل مهمة جمع المصحف إلى الأنصاري زيد بن ثابت وثلاثة من قريش، هم عبد الله بن الزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، على أن يرأس زيد الفريق لكونه حافظًا متقنًا بالسماع المباشر من فم رسول الله، وكان هو الذي جمع القرآن في المرة الأولى.

اشترط زيد أن تكون كل آية محفوظة حفظًا مطابقًا لما في المصحف عند رجلين من الصحابة على الأقل، وأن توجد في مصحف أبي بكر.

المصحف الذي أرسله عثمان إلى الكوفة ما زال معظمه محفوظا اليوم في طشقند (Wiggum)

وقد أجمع جميع أصحاب رسول الله على المصحف الذي اعتمده عثمان ولم يعارضه منهم أحد، حتى عبد الله بن مسعود الذي كان له مصحف خاص كتبه لنفسه، ثم تلقت الأمة هذا العمل الجليل بالقبول في جميع الأقطار والعصور ونسخت مصاحفها من هذا النص الموثق على أعين الصحابة، حيث أرسل الخليفة عثمان نسخة منه إلى كل قطر من أقطار الدولة، وأمر بحرق كل النسخ الأخرى خشية أن يكون في بعضها أي جملة تفسيرية على الهامش فيُعتقد في عصر لاحق أنها من النص نفسه.

المستشرقون والقرآن
الشبهات المثارة حول صحة القرآن قديمة قدم الإسلام، لكن بعض الشبه متهافتة ويمكن لأي مهتم أن يرجع لكتب علوم القرآن ويجد فيها الإجابات الشافية، لذلك فأننا سنستعرض أبرز الشبه المعاصرة التي أنتجتها جهود المستشرقين، الذين استعاروا بدورهم طريقة دراسة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، ودرسوا الإسلام بذات الطريقة، فدرسوا “تاريخ القرآن” كما دُرِس “تاريخ الكتاب المقدس” وبالمنهج الذي تم تطويره في الغرب لنقد الكتاب المقدس، بالرغم من التباين بين حال الكتابين.

فعلى سبيل المثال، احتاج العهد القديم إلى مرور نحو ألف عام حتى استقر تأليفه وتدوينه، وظلت مضامين هذا العهد بدون كتابة وتنتقل شفهياً مئات السنين بعد وفاة موسى عليه السلام، حيث ينسبون إلى عزرا الكاتب (عزير) بداية التدوين، مع أنه جاء بعد موسى بحوالي 750 سنة، كما تحولت الكتابة في عصر تدوين التوراة من الخط الكنعاني إلى الخط العبري واستُخدمت الحروف الساكنة دون المتحركة، ما تسبب باختلافات في النطق، وذلك فضلا عما أدخله كتبة التوراة من التعديلات، حيث عملت أيدٍ كثيرة في المخطوط الواحد [انظر مقال اليهودية]، بينما اكتمل نزول القرآن وتدوينه في حياة صاحبه، وهو استثناء على كل القواعد، وحظي بفرصة غير مسبوقة في الحفظ بالصدور، فضلا عن المنهج الفريد في التحري أثناء الجمع والتدوين كما أوضحنا سابقا.

من جهة أخرى، عُنيت الموسوعات العالمية بدراسة القرآن، بدءا بمصدره، ومرورا بكيفية جمعه وقراءاته وأسلوبه وموضوعاته وترجماته، ومع أن هذه الموسوعات تحظى بقبول في دوائر الباحثين في الغرب والشرق، غير أنها تحفل بالكثير من الشبهات والأخطاء، ومن أشهرها دائرة المعارف الإسلامية-الطبعة الجديدة The Encyclopaedia of Islam- New Edition.

وتخرج مقالات دائرة المعارف الإسلامية عن كونها مجرد إشارات سريعة تتيح للباحث تكوين رأي خاص في الموضوع، بل تتضمن هذه المقالات الكثير من التقرير والحسم، فعلى سبيل المثال تتضمن الطبعة الثانية من الموسوعة مادة ضخمة باسم “القرآن”، وقد حشد فيها الكاتب A.T.Welch آراء كبار المستشرقين في كل جزئية، ما يدفع الباحث المبتدئ وغير المتخصص -ولا سيما غير المسلم- إلى تبني تلك الآراء التي سار أصحابها في دراستهم للقرآن على نفس قواعد نقد الكتاب المقدس.

مناهج نقد الكتاب المقدس
1- النقد الأعلى: حيث يُفرض على الناقد فيه اعتماد قاعدة الشك المنهجي، فلا يجزم بشيء يتعلق بالراوي إلا بعد التثبت من ذلك، حيث يتحقق الباحث من سيرته وأخلاقه وغايته، ثم يتحقق من زمن كتابة كتابه ولمن كتبه، ويدرس البيئة السياسية والاجتماعية والأحداث التاريخية والصراعات العقدية ومدى انعكاسها على الكاتب ونصه، ويبحث في كيفية جمع النص والأيدي التي تناولته والنسخ التي اشتمل عليها.

2- النقد الأدنى: وهو يشبه النقد الداخلي في مناهج الدراسة الأدبية، ويشترط فيه إتقان لغة “الكتاب المقدس” (العبرية) لفهم المعنى المقصود دون تدخل من المترجمين، ثم يعمل الباحث على تحليل النص إلى أجزاء وإدراك كل جزء على حدة، ويفرز العبارات الواضحة من المبهمة مع تطبيق قاعدة الحقيقة والمجاز اللفظي لا المعنوي، كما يحلل النص تحليلا داخليا دقيقا للعثور على الأخطاء والاختلافات والتناقضات، كالأخطاء الطبيعية والرياضية، أو اختلاف زمان ومكان الأحداث التاريخية، أو إثبات شيء في موضع ونفيه في موضع آخر، أو ذكر قاعدة شرعية في موضع ونفيها في موضع آخر، أو ورود لفظ لا يمكن أن يكون قد استعمل بهذه الدلالة إلا في عصور لاحقة، أو تباين الأسلوب الأدبي بين أجزاء النص.

وقد بدأ المستشرقون بتطبيق قواعد النقد الأعلى والأدنى على القرآن الكريم في شأن ترتيبه حسب النزول، فبحث المستشرق الألماني تيودور نولدكه النص القرآني لترتيبه زمانيًّا حسب نزوله، وقسم السور المكية إلى ثلاث فترات يتميز أسلوب النص القرآني في كل منها عن الآخر، كما يزعم.

ولا شك أن نولدكه كان متأثرا بمنهج نقد “الكتاب المقدس”، والذي كتبت أسفاره على مدى قرون، فيعلّق الدكتور عبد الرحمن بدوي على نولدكه بالقول إن “كل الفترة المكية لا تزيد عن 12 سنة، فبأي حق ندعي إذًا التمييز بين أسلوب كاتب خلال 12 سنة فقط؟ ناهيك عن استطاعتنا التمييز في تلك الفترة بين ثلاث فترات قصيرة”. [عبد الرحمن بدوي. دفاع عن القرآن، ص 107-108]

آربري

وقد أدرك عدد من كبار المستشرقين عدم جدوى تطبيق هذه القواعد على النص القرآني، ومنهم الإنجليزي آرثر جي آربري الذي يقول إن “عملًا خالدًا كالقرآن لا يمكن أن يفهم بصورة أحسن لو أخضعناه لتجربة النقد الأدنى… إن منطق الوحي ليس منطقًا مدرسيًّا، فليس هناك قبل وبعد في رسالة النبي، وعندما تكون هذه الرسالة صادقة فإن الحقيقة الدائمة لا يمكن أن تُحصر داخل إطار زمني أو مكاني” [من مقدمة أربري لترجمة القرآن الإنجليزية، انظر: أحمد سمايلوفيتش، فلسفة الاستشراق، ص 173- 174]، كما يقول السويدي تور أندريه صاحب كتاب “محمد: حياته وعقيدته” إن جوهر النبوة لا يمكن تحليله إلى مجموعة من آلاف العناصر الجزئية.[ التهامي نقرة: القرآن والمستشرقون، ج1 ص 21-57].

وبالرغم من هذا النقد، لم يعترف آربري وأندريه بأن تطبيق هذا المنهج على القرآن الكريم فاسد، لأنهم يدرسونه باعتباره نصًّا من تأليف محمد أصلا، فمناهج النقد قد تصلح لدراسة العهدين القديم والجديد وبقية النصوص البشرية، لكن معاييره لا يمكن أن تطبق على نص لا يخضع للحدود البشرية. ومن المعروف أن المنهج العلمي يتطلب من الباحث ألا يدخل على الموضوع بفكرة سابقة، بينما ينطلق جميع المستشرقين من منطلق الحكم على القرآن بأنه نص بشري.

ذكر العديد من المستشرقين في مؤلفاتهم أنهم كانوا يجدون في قراءة القرآن تجربة روحية غير مسبوقة، وذلك بالرغم من عدم اعتناقهم للإسلام وعدم إيمانهم بأن القرآن وحي منزل من الله.

ونذكر منهم البريطاني المتقن للغة العربية آرثر جي آربري الذي كان يقول إنه حينما يستمع إلى القرآن يتلى بالعربية فإنه يشعر بأنه يستمع إلى نبضات قلبه.

كما يقول “فريدرك ديني” إنه يشعر بتجربة عجيبة غير طبيعية عندما يقرأ القرآن، واصفا تلك التجربة بأنها “حضور شيء غامض وأحيانا مرعب”، ويضيف أنه بدلا من قراءته هو للقرآن فإنه يشعر وكأن القرآن هو الذي يقرؤه.

[جيفري لانغ، حتى الملائكة تسأل، دار الفكر، ص 206].

ويتضح لمن يطلع على نتائج أبحاث المستشرقين أن عدم إلمامهم باللغة وبلاغتها كان حائلا رئيسا أمام قدرتهم على استيعاب إعجاز لغة القرآن، فالقرآن الذي كان على مدى قرون مقياسا العربية، حتى لدى غير المسلمين من العرب، لا يمكن أن يُكتفى في البحث فيه بمعايير النقد التي يطبقها باحث أجنبي.

نتائج التحيز
وبما أن المستشرقين قد بدأوا أبحاثهم منطلقين من نفي المصدر الإلهي للقرآن، فقد نتجت عن ذلك عدة نتائج غير موضوعية، وأهمها:

1- الشك في الراوي نفسه، أي أن الرسول محمد الذي يؤكد أن القرآن وحي، لا بد أن يكون كاذبا، وهذا يستلزم المضي قدما في تصديق الاتهامات وتضخيمها، وصولا إلى اختلاق الأكاذيب حول سيرته وأخلاقه وغايته.

2- حصر النص القرآني قسرا في حدود التصورات البشرية، فما يخرج فيه عن دائرة قدرة العقل والحواس يؤول فورا على أنه أسطورة، ويُحكم بذلك على القرآن بمعايير الفلسفة المادية التي تستثني كل الغيبيات من الوجود.

3- تضخيم أثر البيئة ومحاولة البحث عن أي مؤثرات يهودية ونصرانية ووثنية محتملة في النص القرآني، وقد يلجأ الباحث في سبيل ذلك إلى تجاوزات ومبالغات، كما يحكم مسبقا على أي تشابه بين القرآن وما سبقه من الكتب بأن المتأخر قد نقل عن المتقدم، لأنه جزم مسبقا بأن القرآن لم يأخذ من المصدر نفسه وهو الوحي.

4- الطعن في قيمة الروايات التاريخية القرآنية، فمع أن الباحث لا يشكك في أي رواية يجدها في لوح طيني أو مخطوط أثري، ويعتبرها مصدرا تاريخيا موثوقا، إلا أنه يحكم مسبقا على روايات القرآن وقصصه بأنها موضع شك، فإذا لم يجد لها أصلا في الكتاب المقدس شكك في وجودها، مثل قصص عاد وثمود، حيث شك بعضهم في وجود هذين القومين، بينما عدّها آخرون من الأساطير الشعبية التي كانت رائجة في البيئة العربية قبل النبوة، ولا دليل لهم على هذا الفرض.

5- ربط آيات القرآن بظروف البيئة والعصر الذي نزلت فيه، وتجاهل ما أجمعت عليه الأمة الإسلامية من كونها أحكامًا نهائية مطلقة خارجة عن إطار الزمان والمكان.

6- تطبيق مفاهيم غربية غير ملزمة في النقد الأدبي، كاشتراط “وحدة الموضوع” في كل سورة وضرورة أن يكون لكل سورة موضوعًا واحدًا، ومن ثمّ دراسة البناء الداخلي لكل سورة بمعزل عن غيرها، وهو شرط تحكمي غير موضوعي اضطر بعض المستشرقين للاعتراف بعدم جدواه، وقد أقر كاتب مقال القرآن بدائرة المعارف الإسلامية (سبق ذكره) بأن طبيعة القرآن وترتيبه تجعل من الصعب تصنيف صيغه الأدبية أو تنظيم موضوعاته الرئيسة وفق النماذج الأدبية المعيارية. علما بأن “وحدة الموضوع” تختلف جذريا عن مسألة “النظم القرآني” وترتيب الآيات ترتيبًا توقيفيًّا (أي أمر به الوحي)، فهذا الترتيب يعد من أبرز دلائل الإعجاز القرآني.

7- التشكيك في أي توافق يحدث بين النص القرآني وما يثبته العلم المادي الحديث، أو مما يُكتشف حديثا من الوقائع التاريخية التي كانت أخبارها مدفونة في ألواح ومخطوطات غير مُكتشفة بعد.

وكان من أبرز أمثلة النقد الاستشراقي للقرآن التشكيك بأصالة ألفاظ القرآن، وهي من الشُبه التي لاقت رواجاً، وانتشرت مؤخراً بين بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فبالعودة لمادة “القرآن” التي أشرنا لها من قبل والمنشورة في موسوعة دائرة المعارف الإسلامية، نجد أنهم بدأوا في:

أصل كلمة القرآن ومرادفاتها، حيث يعرض الكاتب لكلمة “القرآن” والتي ترددت في القرآن نفسه -كما يشير الكاتب- أكثر من سبعين مرة بمعان مختلفة. ويقول: إن المستشرقين قبلوا النظرية التي قال بها شفالي في كتابه “تاريخ القرآن” أن “القرآن” قد اشتق من كلمة “قرياءنا” السريانية، ومعناها القراءة المقدسة. أما النظرة الغالبة لدى الدوائر الإسلامية فهي أن الكلمة اسم من قرأ. ثم يقول “ولعل أنسب النتائج وأقربها قبولًا هي أن مصطلح القرآن قد أصّل في القرآن نفسه لكي يمثّل كلمة قيريانا السريانية، ولكنه أسس على مصدر عربي بصيغة  فعلان من قرأ”.

وهكذا حاد كاتب المقال عن الحقيقة بعد أن تبينت له، فالكلمة العربية اشتقت من القراءة، كما أن أول سورة من القرآن -حسب الترتيب الزماني للسور والذي أعده المستشرقون أنفسهم- تبدأ بكلمة اقْرَأ، فعل أمر من قرأ، وهي نفس المادة العربية التي اشتقت منها كلمة القرآن.

ويضيف كاتب المقال قائلًا: “ولا يمكن لمعنى كلمة القرآن ومصدر الكتاب المقدس للمسلمين أن يتضحا تمامًا دون أن نضع في الاعتبار استخدام عدد آخر من المصطلحات الوثيقة الصلة بالموضوع”، زاعماً أن معنى لفظ “آية” مطابق للكلمة الشبيهة في العبرية “أوث”، والسريانية “آثا”، وبالطريقة نفسها يعتبر أن كلمة “سورة” مشتقة من “صورطا” أو “سورثا” السريانية، ومعناها الكتاب المقدس، ويواصل هذه الافتراضات في كلمات أخرى كثيرة.

وإذا تأملنا النتائج التي توصل إليها المستشرقون في هذا البحث نجد أنها لم تأت بجديد، فهي أقرت بما أعلنه المسلمون من أن ألفاظ: قرآن، آية، سورة، كتاب إنما تمثل وحدات من التنزيل، وأن الكتاب يعني كتاب الله.. إلخ، ومن ثم لا يشتمل هذا المبحث إلا على ما أثاره بعض المستشرقين من شبهات حول اشتقاق بعض ألفاظ القرآن الكريم وردها إلى أصول عبرية أو سريانية، واستدراج للقارئ لإقناعه بأن القرآن من اختراع محمد وتأليفه، وأنه قد تعلم هذه الألفاظ من اليهود والنصارى.

ويناقش الدكتور عبد الرحمن بدوي هذه المزاعم بقوله “ولكي نفترض صحة هذا الزعم فلا بد أن محمدًا كان يعرف العبرية والسريانية واليونانية، ولا بد أنه كان لديه مكتبة عظيمة اشتملت على كل الأدب التلمودي والأناجيل المسيحية ومختلف كتب الصلوات وقرارات المجامع الكنسية وكذلك بعض أعمال الآباء اليونانيين وكتب مختلف الكنائس”.

على أن اللغات العربية والعبرية والسريانية تنتمي إلى سلالة لغوية واحدة هي سلالة اللغات السامية، ولا بد من أجل ذلك أن يكون بينها الكثير من التشابه والتماثل، ومن ثم فإن القول بأن إحدى اللغات استعارت ألفاظًا بعينها من أخواتها هو تعسف لم يقم عليه دليل.

ويمكن أن تكون هذه الألفاظ قد وجدت في العربية قبل زمن النبي بوقت طويل واستقرت في اللغة العربية حتى أصبحت جزءًا منها وصارت من مفرداتها التي يروج استخدامها بين العرب، كما أن من المستحيل الآن بسبب غموض تاريخ اللغات السامية أن نحدد من اقتبس هذه الألفاظ المشتركة من الآخر.

القرآن والبيان
كان العرب قوم تعجبهم العبارة البليغة، ويرون المثل الأعلى للنبوغ في قصيدة جيدة، أو كلمة حكيمة، وقد أرادوا إبراز آثارهم التي تكشف عن نواحي العظمة فيهم، فكانت المعلقات السبع، لذلك تعد صناعة الكلام لديهم من أرقى الصناعات التي تنتجها الأمم، وتقام لها المعارض، ويدعى لها الزائرين، ولقد كانوا مولعين بالأدب درجة تثير العجب، فيذكر عن الصحابي ابن عباس، إنه استمع إلى الشاعر الماجن عمر بن أبي ربيعة في قصيدة غزل له تربو على السبعين بيتاً وحفظها، فقيل له: أوقد حفظتها؟! فأجاب: أومنكم يسمع شيئا ولا يحفظه؟!

وروي عن التابعي سعيد بن المسيب أنه فاضل بين شاعرين وتلا أبياتا يحتج فيها لرأيه في ترجيح أحدهما، فلما انقضى الكلام استغفر الله مائة مرة، حيث غلبته فطرة العرب فصنع ما صنع، وهو لم يرتكب إثماً، وإنما رأى أنه شغل نفسه بغير ما يُنتظر من مثله، ونستنتج من ذلك أن حالة ولع العرب أيام الرسالة بالآداب العليا، وحفظهم لها، وتنويههم بأصحابها.

وقد مثَّل لهم القرآن المعجزة الأدبية الخالدة في لسان العرب، فما إن ظهر حتى بهر، وقد استمع له البلغاء فنفذت بلاغته إلى شغاف قلوبهم، فتلقوه مسحورين، يستوي في ذلك المؤمنون والكافرون منهم، فمنهم من يُسحر فيؤمن، ومنهم من يُسحر فيهرب ويكابر، ثم يصف هؤلاء وهؤلاء عما مسهم منه، فإذا هو حديث لا يعطيك أكثر من صورة المبهور، الذي لا يعلم موضع السحر فيما يسمع من هذا النظم العجيب.

فهذا عمر بن الخطاب يقول في رواية: “فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام”، وهذا الوليد بن المغيرة يقول وهو كافر بمحمد وبالقرآن: “والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه يعلو وما يعلى”.

ولعل قائلاً يقول: إنني لا أدرك بيان القرآن، ولا أستطيع الإتيان ببيان مثله –لأن لغتي ضعيفة- لكن في الناس من هم متخصصون، وقد يستطيعون الإتيان ببيان مثله، أو أنهم لا يرون جودة بيانه. والرد بالرجوع إلى أفصح أدباء العصر، وسؤالهم إن كان بالإمكان الإتيان بمثل بيان القرآن، فإن ادعوا قدرتهم على الإتيان بمثله، فليأتوا به حقاً، وإن عجزوا، فأي شهادة أدل على هذا الإعجاز؟ لقد سجل التاريخ هذا العجز على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن، وهم الذين عاشوا في أزهى عصور البيان العربي.

كما أن الدعوة لهؤلاء قائمة بالرجوع إلى التاريخ والنظر في القرون الطويلة التي أعقبت نزول القرآن، والنظر إن كان بها من استطاع الإتيان بمثل بيان القرآن، غير بضعة أشخاص حاولوا فصارت محاولاتهم أضحوكة للناس.

 

موريس بوكاي

القرآن والعلم
في عام 1976، أخرج الطبيب الفرنسي موريس بوكاي نتائج دراسته التي استمرت لعقود في كتاب بعنوان “التوراة والإنجيل والقرآن والعلم”، حيث درس معالجة الكتب المقدسة في الأديان الثلاثة للمواضيع العلمية، ولا سيما فيما يتعلق بعلوم الفلك والجيولوجيا والأحياء والكون (كوزمولوجي) وغيرها، وبما أنه لم يكن مسلما ولا عربيا فقد بدأت علاقتة بالقرآن دون أدنى تعاطف مسبق، فيقول: كنت أعرف قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات أن القرآن يذكر أنواعا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة، وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن الكريم لا يحتوى على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث.‏

وبنفس الموضوعية، فحص المؤلف نصوص العهد القديم والأناجيل.‏ حيث لم يجد حاجة للذهاب إلى أبعد من السفر الأول في العهد القديم، أي سفر التكوين، والذي يتضمن مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخا في عصرنا، فعلى سبيل المثال كان العلماء يعلمون في عصر المؤلف أن أقدم آثار أعمال بشرية يعود تاريخها إلى ما قبل 12 ألف سنة، ثم اكتُشفت آثار أقدم من ذلك بعد عصره، وعليه فإننا لا نستطيع علمياً قبول صحة نص سفر التكوين الذى يعطى أنساباً وتواريخ تحدد بداية الإنسان بسبعة وثلاثين قرناً فقط قبل المسيح [انظر مقال اليهودية].‏

ويقول أما بالنسبة للأناجيل فما نكاد نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة، وهي شجرة أنساب المسيح، فنص إنجيل متى يناقض بشكل جلي انجيل لوقا، والأخير يقدم لنا بصراحة أمرا لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الإنسان على الأرض [انظر مقال المسيحية].‏

وينهي المؤلف عمله بهذه الخلاصة: “ولا يستطيع الإنسان تصور أن كثيراً من المقولات ذات السمة العلمية كانت من تأليف بشر بسبب حالة المعارف في عصر محمد. لذا فمن المشروع تماماً أن ينظر إلى القرآن على أنه تعبير الوحى من الله وأن تعطى له مكانة خاصة جداً، فصحته أمر لا يمكن الشك فيه”، وقد كان المؤلف وفياً للبحث الذي أنفق معظم عمره في خدمته، فاعتنق الإسلام لما تبينت له صحة هذا الوحي.


أهم المراجع
محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم، دار القلم، الكويت.

أحمد سمايلوفيتش، فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر، 1980م.

محمد السعيد جمال الدين، الشبهات المزعومة حول القرآن الكريم. مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة الأولى، 1421هـ.

محمد خليفة حسن، دراسة القرآن الكريم عند المستشرقين في ضوء علم نقد الكتاب المقدس.

عبد الرحمن بدوي، دفاع عن القرآن ضد منتقديه، ترجمة كمال جاد الله، الدار العالمية للكتب والنشر، 1998م.

موريس بوكاي، التوراة والإنجيل والقرآن والعلم. ترجمة حسن خالد، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1990م.

محمد الغزالي، نظرات في القرآن. نهضة مصر للطباعة، الطبعة السادسة، 2005م.

سيد قطب، التصوير الفني في القرآن. دار الشروق، الطبعة السابعة عشرة، 2004م.

التهامي نقرة، بحث “القرآن والمستشرقون” ضمن كتاب مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية، الجزء الأول، مكتب التربية العربي لدول الخليج، 1985م.

الشيعة الإمامية الاثناعشرية

أنس ناجي وأحمد دعدوش

نشوء التشيع
يقول كبار منظّري التشيع إن مذهبهم يعود في جذوره إلى آدم نفسه، وإنه ما من نبي إلا وعرض عليه الإيمان بولاية علي، حيث ينقل الكليني في كتابه “الكافي” عن أبي الحسن قوله “ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله، ووصية عليّ عليه السلام” [1/437]، وليس هناك أي نص قرآني يدعم هذه الدعوى.

ويقول بعضهم إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي وضع بذرة التشيع، وذلك قبل وفاته وبدء الصراع بين معاوية بن أبي سفيان وعلي بن أبي طالب، فيقول القمي إن الشيعة كانوا معروفين في زمان النبي ويقولون بإمامته، ومنهم المقداد بن الأسود وسلمان الفارسي وأبو ذر وعمار بن ياسر. وهم أول من سمو باسم التشيع من هذه الأمة [المقالات والفرق، ص15].

وقد وافق عدد من كبار أئمة الشيعة على هذا الرأي، ومنهم النوبختي في كتابه “فرق الشيعة”، لكن هذا الرأي لا يؤيده أي نص قرآني أو حديث نبوي، كما أنكر بعض من مشايخ الشيعة هذا الاعتقاد، فقال محمد حسين آل كاشف الغطاء إنه لم يكن للشيعة والتشيع وجود في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما قال ابن المرتضى إن عمار بن ياسر كان عاملا لعمر بن الخطاب في الكوفة وإن سلمان الفارسي كان عاملا له أيضا في المدائن، فكيف يُعقل أن يكونا متمردين على خلافته؟

والأرجح أن إرهاصات التشيع بدأت في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وذلك على يد عبد الله بن سبأ وجماعته، وهو يهودي من اليمن أظهر إسلامه بالمدينة المنورة في عهد عثمان، ثم خرج على الفور إلى العراق لينشر فكرة الغلو بعلي بن أبي طالب ويزعم أن ابن عم رسول الله يستطيع أن يعرف الغيب، فطرده عبد الله بن عامر، فتوجه إلى الشام وحرّض بعض الصحابة فيها على الثورة ضد الأغنياء، فأخرجه معاوية الذي كان واليا على الشام، ليتوجه إلى مصر ويبدأ بتوسيع خطته من هناك.

وكما حرّف اليهودي شاؤول (بولس) دين التوحيد الذي جاء به عيسى عليه السلام [انظر مقال المسيحية] عن طريق نشر أسطورة رفع عيسى إلى السماء وحلول الإله فيه، وذلك لتضليل أتباع المسيح بدلا من ملاحقتهم، فقد حاول اليهودي ابن سبأ أن يفعل الشيء نفسه بالإسلام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ يقول في عهد عثمان إنه يعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ولا يصدق أن محمدا يرجع، واستدل بالآية الكريمة {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}، كما بدأ بنشر فكرة أن يكون لكل نبي وصيّ، داعيا إلى جعل علي بن أبي طالب ابن عم النبي وصيا له.

وكان نشاط ابن سبأ على الأرجح جزءا من مشروع لجمعية منظمة [انظر مقال الجمعيات السرية]، فكان معاونوه يُظهرون الإسلام في البصرة والكوفة وينشرون فكرتي الوصية والرجعة، حتى صدّقهم الكثير من العوام والأعراب والعبيد والموالي.

ويقول العديد من المؤرخين السنة إن علياً تصدى لابن سبأ وأنصاره الذين تكاثروا بسرعة، حتى أقنع الكثيرين منهم بالتراجع، فقرر السبئيون (كما يسميهم المؤرخون) أن يختصروا طريق الفتنة بقتل رأس الأمة، وبدأوا بإثارة الشبهات للطعن في عثمان وعدالته بحجج واهية، كما تفعل وسائل الإعلام الرسمية اليوم في الدول الدكتاتورية.

تحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع الفتنة، وتسلق بعض المتمردين سور دار عثمان وقتلوه وهو يقرأ القرآن، لتبدأ بذلك سلسلة من الفتن التي ما زالت آثارها قائمة في يومنا هذا، حيث يُنسب إلى السبئيين أيضا دور في إشعال فتن أخرى مثل معركة الجمل وإفشال المفاوضات بين علي وطلحة والزبير ونشر فكرة تأليه علي.

ومع أن الصحابة والتابعين كانوا خير القرون في التاريخ، فقد نجح الشيطان وحزبه جزئيا في تفريقهم ودفعهم للاقتتال فيما بينهم، بينما ظل ابن سبأ حياً يرزق إلى ما بعد مقتل علي رضي الله عنه، ليمارس فتنة أكبر بادعائه أن علياً إله لا يموت بل رُفع وسيرجع لينصر أتباعه، وهي فكرة “الرجعة” نفسها التي كان يتحدث ابن سبأ عنها في حق النبي قبل ذلك. وهذا النجاح الجزئي ليس مؤشرا على فشل الإسلام نفسه، فالصحابة والتابعون بشر عاديون لم يتكفل الوحي بعصمتهم ولا بحفظهم، وكما تفرق أتباع الأنبياء السابقين ووقعوا في الشرَك الذي نصبه أعداؤهم فقد وقع كثير من الصحابة فيه أيضا، بينما تنبه آخرون وبذلوا كل جهدهم لرأب الصدع وقطع رؤوس الفتنة.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قومه بأنهم سيتفرقون ويُفتنون كما حدث لتلك الأمم فقال: لتتبعن سَنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضبٍّ لسلكتموه، فقال الصحابة: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟! [البخاري: 3269، ومسلم: 2669].

سلمان المرشد

نجح ابن سبأ نجاحا باهرا في زرع أسطورة الغيبة والرجعة في عقول الكثيرين، حتى أصبحت من أهم عقائد المذاهب الباطنية التي خرجت من تحت عباءة التشيع، فكان من السهل على الكهنوت استغلال هذه الأسطورة كلما توفي أحد الأئمة الكبار لإقناع العوام بأنه لم يمت، وأنه سيرجع ليملأ الأرض عدلاً في آخر الزمان.

فبعد موت علي رضي الله عنه، طُبقت الأسطورة نفسها في حق محمد بن الحنفية ومحمد بن الحسن العسكري وإسماعيل المبارك وابنه محمد والحاكم بأمر الله والطيب أبو القاسم، وفي العصر الحديث طبقها النصيريون (العلويون) في حق سلمان المرشد الذي ادعى الألوهية ثم قُتل شنقا، ويقال إن كثيرا من النصيريين اعتقدوا بها أيضا في حق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.

ويجدر بالذكر أن التشيع لعلي في البداية لم يكن أكثر من وجهة نظر في مسألة سياسية بشأن الخلافة، فغالبية الصحابة والتابعين رأوا أن علياً أحق بالخلاقة من معاوية لاجتماع كلمة الناس على بيعته، لكن السبئية كانوا قد استبقوا بيعة علي ببث الأفكار الباطنية بشأن الغيبة والرجعة لتمهيد الطريق أمام ربطها بفكرة الوصية، وعندما وقع الخلاف بين علي ومعاوية ألصق السبئيون أفكارهم العقائدية هذه بالخلاف السياسي، فتبعهم بذلك فئة من المتشيعين لعلي، وكان هؤلاء هم أوائل الشيعة الذين ابتدأ على أيديهم مذهب ديني له أصوله ومعتقداته وتأويلاته الخاصة للنصوص.

حقيقة أم خيال؟
لم يكن هناك شك لدى القدماء بشأن وجود ابن سبأ وجماعته واستغلالهم للخلافات السياسية لبث أفكارهم العقائدية، فمع أن المؤرخ الطبري (توفي عام 310هـ) هو أشهر من تحدث عن سيرة ابن سبأ، إلا أن اسم ابن سبأ وجماعته قد ورد في عشرات المراجع والأشعار التي ظهرت قبل الطبري، حيث تحدث عنه الفرزدق والشعبي وابن سعد والجوزجاني وابن قتيبة والبلاذري وغيرهم.

علاوة على ذلك، تكاد تجمع كتب منظري الشيعة الأوائل على وجود ابن سبأ، مثل مؤلفات القمي والنوبختي والكشي، حتى “أجمع القدماء على وجوده بلا استثناء” كما يقول الدكتور علي الصلابي.

وفي العصر الحديث، شكك غالبية المستشرقين في وجود ابن سبأ واعتبروه شخصية وهمية، فتبعهم في ذلك الدكتور طه حسين والعديد من العلمانيين، ثم دعم هذا الطرح غالبية الشيعة المحدثين، لينفوا علاقة التشيع باليهودية، وزعموا أن سيف بن عمر التميمي اخترع تلك الشخصية، وأن المؤرخ الطبري نقلها عن مصادر غير موثوقة في القرن الثالث الهجري.

كما أيد باحثون من السّنة هذا الرأي انطلاقا من فكرة مفادها أنه لا يليق بالصحابة أن يُخدعوا من قبل شخص واحد يوقع بينهم كل تلك الفتنة. لكن الروايات التاريخية تدل على أن ابن سبأ كان قائدا لشبكة تخريبية متوزعة على أقطار عدة، كما أن نفي أثره ليس ضروريا لتنزيه الصحابة عن الخطأ، بل سؤدي هذا النفي بالمقابل إلى إثبات تورط الصحابة في اقتتال داخلي وفتن كبرى دون أثر خارجي من العدو، وهذا هروب من قبيح إلى أقبح.

يقول الدكتور علي الصلابي “إذا كان ابن سبأ لا يجوز التهويل من شأنه كما فعل بعض المغالين في تضخيم دوره في الفتنة، فإنه كذلك لا يجوز التشكيك فيه أو الاستهانة بالدور الذي لعبه في أحداث الفتنة كعامل من عواملها, على أنه أبرزها وأخطرها؛ إذ أن هناك أجواء للفتنة مهدت له، وعوامل أخرى ساعدته”. [انظر كتاب سيرة عثمان بن عفان].

وقد أكد باحثون معاصرون من السنة والشيعة أن ابن سبأ شخصية حقيقية، ومنهم محمد أمحزون وسليمان بن فهد العودة وعلي آل محسن.

أهم الأصول التي انفرد بها الشيعة
1- الإمامة أو الخلافة: تعد أعظم الأركان بعد الشهادتين، وهي تنص على أن الإمامة لعلي بن أبي طالب، وللأئمة الاثني عشر من ذريته، ولا يجوز للنبي أن يفارق الأمة دون تعيين الإمام من بعده لأنها لا تخضع للرأي والمشورة، وتعدّ الإمامة كالنبوّة من حيث العصمة من جميع الذّنوب منذ الولادة، ويجب أن ينص الإمام السابق على اللاحق بالعين لا بالوصف ولا الانتخاب.

2- العصمة: يرى الشيعة أن الله أعطى العصمة للأنبياء ثم للأئمة الاثني عشر من أهل البيت ليكونوا دليلا للمسلمين، بحيث لا يقع منهم خطأ ولا سهو، بل بالغ بعضهم وجعل مرتبة الإمام فوق الأنبياء والملائكة، وحاول إثبات ذلك بأدلة فلسفية “لأن عصمة المعصوم إنما كانت بسبب المنزلة العالية والمقام المحمود الذي لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأيضا بسبب خلافته التكوينية التي تخضع لولاياتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون” [الحكومة الإسلامية الخميني، ص 52].

3- القرآن الكريم: لا يعتقد كثير من الشيعة بحفظ القرآن الكريم من التحريف والزيادة والنقصان، وقد جمع المحدث النوري الطبرسي في إثبات تحريف القرآن كتاباً ضخماً الحجم سمّاه: (فصْل الخِطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) وجمع فيه أكثر من ألفي رواية تنص على التحريف، كما جمع فيه أقوال الكثير من فقهاء الشيعة المتقدمين والمتأخرين الذين أقروا بذلك.

4- انتظار المهدي: وهو لدى الاثني عشرية محمد بن الحسن العسكري، ومن أسمائه الحجة والقائم، ويقولون إنه ولد سنة 255هـ واختفى في سرداب سُرَّ منْ رأى (سامراء) سنة 265هـ، وسيخرج في آخر الزمان وينتقم من أعدائهم، كما سيُخرج الصحابة من قبورهم ويعذبهم ويحرقهم، وأولهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

ويترقب الشيعة الفرس أن ينتقم المهدي لهم من العرب أيضا، فيقولون “عن أبي عبد الله أنه قال: إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف” [بحار الأنوار للمجلسي، 52/355].

5- تكفير معظم الصحابة: مع أن هناك خلافا بين طوائف الشيعة بشأن موقفهم من الصحابة، إلا أن الكثير منهم يكفّرون معظم الصحابة ويصفونهم بالردة، وخصوصاً أبا بكر وعمر وعثمان، ويستثنون عددا قليلا من الصحابة “المنتجبين”، وقد لا يزيد عددهم عن ثلاثة فقط –عند بعضهم- وهم المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.

6- الطعن في زوجات النبي: يرى الشيعة أن السيدة عائشة زوجة النبي صلى اله عليه وسلم خالفت الشرع وخرجت على الإمام علي ولم تحقن دماء المسلمين، وبما أنها كانت ابنه أبي بكر أيضا فقد وضع بعضهم قصصا تتهمها بالتآمر على النبي وإيذائه، بل وممارسة الفاحشة، مع أن القرآن الكريم برّأها في سورة النور.

يقول محمد بن حسين الشيرازي القميّ “مما يدل على إمامة أئمتنا الاثني عشر أن عائشة كافرة مستحقة للنار” [الأربعين في إمامة الأئمة الطاهرين للقمي، ص 615].

7- التقية: تعد من أصول الدين ومن لوازم الاعتقاد، بل لا دين ولا إيمان لمن لا تقية له عند الكثير منهم، حيث يروون عن جعفر الصادق قوله “إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له”، وهذا الاعتقاد يجعل من مذهب الشيعة عقيدة سرية، فهو من المعتقدات النادرة التي تدعو أتباعها إلى إخفاء معتقداتهم وإظهار نقيضها دون ضرورة.

8- زواج المتعة: يخالف الشيعة عامة المسلمين بإباحتهم لزواج المتعة بل وينسبون إلى أئمتهم روايات عن فضله وثوابه، وكأنه نوع من العبادة، ومنها: “روى صالح بن عقبة عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام، قال قلت له: للمتمتع ثواب؟ قال: إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى وخلافاً على من أنكرها، لم يكلمها كلمة إلا كتب الله تعالى له بها حسنة، ولم يمد يده إليها إلا كتب الله له حسنة، فإذا دنا منها غفر الله تعالى له بذلك ذنباً، فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مرّ من الماء على شعره، قلت: بعدد الشعر؟ قال: نعم بعدد الشعر” [من لا يحضره الفقيه، الصدوق، 3/302].

أهم الأصول التي يخالف فيها الشيعة السنة

1- الإمامة منزلة يؤتيها الله لرجل من آل بيت النبي وتنتقل بالتعيين.
2- الإمام معصوم وقد يكون أعلى منزلة من النبي.
3- القرآن ليس محفوظا.
4- الإمام الثاني عشر هو المهدي وسيعود ليحكم العالم.
5- معظم الصحابة مرتدون.
6- بعض زوجات النبي معرضات للطعن.
7- التقية مستحبة أو واجبة.
8- زواج المتعة مباح.

الإمامة والمهدوية
تعد الإمامة بمثابة العمود الفقري للتشيع، ففي حين يعتبر المسلمون السنة مسألة الخلافة أمرا فقهيا يخضع للاجتهاد وظروف السياسة الشرعية، فإن الشيعة يجعلون من الإمامة ركنا أساسيا من العقيدة نفسها، وبذلك ربط الفقهاء المؤسسون عقيدة عوام الشيعة بمدى ولائهم للأئمة، كما كان يربط الكهنوت الوثنيون إيمان كل فرد من الشعب وخلاصه بمدى ولائه للملك الذي يقدم نفسه في صورة إله أو نصف إله.

وإذا كانت الخلافة لدى المسلمين السنة تخضع للمشورة، فإن الإمامة الشيعية لا رأي فيها للناس، بل هي حسب اعتقادهم حق منصوص عليه لسلالة آل البيت، ولا يتم إيمان الفرد إلا بالاعتقاد بحق كل إمام فيها، ما يقطع الطريق على محاولات التمرد قبل ظهورها.

والإمام طبقا للمفهوم الشيعي معصوم واجب الطاعة، وحقه بالإمامة منصوص عليه من الله على لسان النبي أو لسان الإمام الذي قبله، لذا تجب طاعته على جميع المسلمين في شؤون الدين والدنيا، وهو الوحيد الذي يحق له أن يفسر القرآن الكريم ويؤوّله، وقد جعله البعض في مرتبة أعلى من الأنبياء كما ذكرنا أعلاه نقلا عن الخميني.

مقام الإمام الرضا بمدينة مشهد الإيرانية

ويرى الشيعة الاثنا عشرية أن الأئمة هم على الترتيب التالي: علي بن أبي طالب، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي زين العابدين، محمد الباقر، جعفر الصادق، موسى الكاظم، علي الرضا، محمد الجواد، علي الهادي، الحسن العسكري، محمد المهدي.

وقد وقع الشقاق بعد موت العديد من الأئمة، فكانت تنشأ بعض الفرق التي تنكر موت الإمام وتظن أنه رُفع إلى السماء كما رفع عيسى عليه السلام، فزعم بعضهم على سبيل المثال أن الإمام السادس جعفر الصادق قال لهم “إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرّضني وغسلني وكفنني ودفنني فلا تصدقوه، فإني صاحبكم، صاحب السيف”، فاعتقدوا أنه هو المهدي وأنه لم يمت، وسميت هذه الفرقة بالناووسية، نسبة لقائدهم الناووس.

لكن فريقا آخر رأى أن جعفر مات حقا وأوصى بالإمامة لابنه الأكبر إسماعيل المبارك، بينما رأى فريق ثالث أن الإمام هو موسى الكاظم الابن الثاني لجعفر، وذلك لثبوت موت إسماعيل في حياة أبيه، فتمسك الفريق الأول برأيه منكرا موت إسماعيل ونشأ عنه مذهب الإسماعيلية الذي تغلغلت فيه العقائد الباطنية وانتهى به الحال خارج الإسلام، حيث ما زال جزء من الإسماعيلية يؤمنون بأن إسماعيل حي لم يمت، بينما يؤمن جزء آخر بأن محمد بن إسماعيل هو الإمام والمهدي المنتظر. أما الفريق الذي يضم معظم شيعة اليوم فهو الذي آمن باستمرار الإمامة في سلالة موسى الكاظم، وسمي بالشيعة الاثني عشرية لأن الإمامة في عقيدتهم توقفت عند الإمام الثاني عشر.

وفي عام 260هـ توفي الإمام الحادي عشر الحسن العسكري (نسبة إلى مدينة عسكر قرب بغداد) دون أن يترك ولدا خلفه كما يذكر المؤرخون السنة، فوجد الشيعة مخرجا للمأزق بالقول إن العسكري كان له ولد اسمه محمد، إلا أنه أخفى وجوده عن الناس خوفا عليه من العباسيين، وقالوا إن الطفل محمد دخل سردابا في سامرّاء، ولسبب غير مفهوم قالوا إنه ظل متخفيا هناك فيما يسمى بالغيبة الصغرى التي امتدت 72 عاما، ثم وجدوا حلا لغيبته بابتكار مفهوم السفراء الذين يقومون بمهمات الإمام الغائب ويقودون الشيعة، وقيل إن المهدي يتواصل مع سفرائه مباشرة ويوجه أوامره من خلالهم، فظهر أربعة سفراء هم عثمان بن سعيد العمري ومحمد بن عثمان العمري والحسين النوبختي وعلي السَّمَري.

وبوفاة السمري بدأت الغيبة الكبرى عام 329هـ، حيث قيل إن الإمام المهدي أرسل رسالة للناس يقول فيها إنه لن يكون هناك نائب عنه، وإنه سيغيب فترة غير محددة بانتظار الظروف المواتية لخروجه، وأوصى الناس بالعودة للفقهاء الحافظين والعلماء العارفين حتى يخرج إليهم في آخر الزمان.

وبحسب هذه الأسطورة فإن المهدي تسلم الإمامة وعمره خمس سنوات فقط، وهو ما زال حيا ويتصل بكبار الفقهاء، وقد تجاوز عمره الآن 1170 سنة.

وتزخر كتب أئمة الشيعة بقصص ونبوءات وصفات المهدي، وهي تشبه في الكثير من ملامحها وتفاصيلها الآثار الفارسية الزرادشتية التي تنبأت بقدوم المخلّص “سوشيانت المنتصر” في آخر الزمان، كما يشير بعضها إلى أنه يجمع في دمه أقدس سلالات الأنبياء والملوك، فهو ينحدر من سلالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه، أما أمه فهي بنت يشوعا بن قيصر ملك روما، وأمها من بنات حواريي المسيح وتُنسب إلى وصيه شمعون [بحار الأنوار للمجلسي، ج 51].

مسجد جمكران قرب قم الذي يعتقد الشيعة أنه بني بأمر المهدي

يطلق على الشيعة الإمامية أيضا مسمى الرافضة، حيث يقول العالم السنّي ابن تيمية إن الشيعة افترقوا إلى رافضة وزيدية في زمن خروج زيد بن علي زين العابدين، فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر ترحم عليهما، فرفضه بعضهم فسُمّوا بالرافضة، بينما سُمّي من لم يرفضه من الشيعة زيدياً لانتسابهم إليه، وهؤلاء ما زالوا على مذهبهم القريب من السنة في اليمن. أما الشيعة فيرفضون تلك القصة، ويعتبرون أن مصطلح الرافضة أطلق عليهم لأنهم رفضوا الباطل وتمسكوا بالحق.

مصادر المذهب
بما أن التشيع نشأ في ظل الإسلام فإن فقهاءه يلتزمون بالعودة إلى القرآن والسنة بصفتهما مصدر الوحي والتشريع، لكن نقطة الافتراق عن بقية المسلمين تبدأ من حيث الاعتقاد بعصمة الأئمة واعتبارهم مصدرا إضافيا للتشريع، حيث لا تقتصر السنة لدى الشيعة على أقوال وأفعال الرسول بل تشمل أيضا كل ما يُنسب إلى الأئمة.

ويترتب على الاعتقاد بالعصمة أيضا فتح الباب أمام احتمالات شتى لفهم القرآن الكريم تحت مسمى التأويل الباطني الذي لا يعرف سره إلا الإمام “المعصوم”، لا سيما وأن المدونين الأوائل لأقوال الأئمة ليسوا موضع ثقة لدى علماء الجرح والتعديل المعتمدين لدى المسلمين من غير الشيعة، بل لم يكونوا كذلك حتى لدى بعض الفقهاء الشيعة الكبار، الأمر الذي يضع معظم أصول المذهب في موضع التشكيك عندما تُنقد الروايات بضوابط النقل والتثبت.

علاوة على ذلك، أدت عقيدة تكفير الصحابة -أو تكذيبهم على الأقل- إلى نبذ مؤسسي التشيع للمصادر المعتمدة للأحاديث النبوية (السنة) [انظر مقال السنة النبوية]، ومن ثم فإن المصادر الحديثية المحققة كصحيحي البخاري ومسلم لا يُعتد بها لديهم، ليس لأنها موضع شك من حيث ثبوت النقل، بل لأنها روايات منقولة عن الصحابة الذين تم تكفيرهم أصلا، فضوابط قبول الروايات أو رفضها لدى الشيعة تقوم أساسا على الجانب الاعتقادي (التسليم) وليس على البحث العلمي.

ونظرا لتشتت الشيعة إلى فرق شتى بناء على ولاء كل فرقة لإمام معين، فقد كانت كل فرقة تدون رواياتها المنسوبة لإمامها بعد موته، علما بأن الانقسام لم يقتصر على الخلاف بشأن خليفة جعفر الصادق، بل انقسم أتباع الحسن العسكري بدوره إلى ما يقرب من عشرين فرقة بعد موته، وكل فرقة منها كانت تضع من الأخبار والروايات ما يؤيد عقيدتها الجديدة، لكن فرقة الإمامية الاثني عشرية هي الوحيدة التي آمنت بإمامة محمد بن الحسن المهدي، ولم تضع الروايات المتعلقة بالاثني عشر إماما إلا بعد موت العسكري، أي في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، بالرغم من دعوى بدء التدوين قبل ذلك.

يقول فقهاء الشيعة إن تدوين الأحاديث والأخبار يعود إلى “الأصول الأربعمئة”، وهي أربعمئة كتاب يقولون إنها دونت في القرن الثاني الهجري على يد أصحاب الإمامين جعفر الصادق وموسى الكاظم، ومع أن هذه الكتب غير موجودة حاليا، فإنهم يقولون إن الشيخ محمد بن يعقوب الكُليني رحل إلى العديد من البلدان الإسلامية لجمع أكبر قدر ممكن مما جاء في هذه الأصول ووضعها في كتابه “الكافي”، ثم جاء من بعده عالمان آخران ووضعا كتبا مشابهة، وهما الطوسي مؤلف “التهذيب” و”الاستبصار”، والصدوق مؤلف “من لا يحضره الفقيه”، وتعد هذه الكتب الحديثية الأربعة المصدر الأساسي المعتمد لدى الشيعة اليوم، مع أنها كانت جميعا كتبا فقهية وليست متخصصة في الحديث.

يؤمن الشيعة بأن الكليني عرض كتابه الكافي على المهدي الغائب في السرداب وأنه أقره عليه، ويعتقدون أن جميع ما ورد في الكتب الأربعة صحيح ولا شك فيه، حيث يقول عنها الشيخ الحر العاملي “قد عرفت أن أكثرها متواتر لا نزاع فيه، وأقلها -على تقدير عدم ثبوت تواتره- فهو خبر محفوف بالقرينة القطعية” [وسائل الشيعة، 20/107].

مع ذلك، انتُقدت تلك الكتب الأربعة كثيرا، فشيخ الطائفة الطوسي قال في كتابه “عدَّة الأصول” إن أحاديث “التهذيب” تزيد على خمسة آلاف، بينما تبلغ أحاديثه في النسخة المتوفرة 13950 حديثا، ما يعني أن معظم ما فيه قد تمت إضافته بأيد مجهولة، ولا يمكن لأحد في عصرنا أن يُميز ما وثقه الطوسي عن غيره.

أما موسوعة الكافي فقد ذكر الطوسي في “الفهرست” أنها كانت مكونة من ثلاثين كتابًا (جزءا)، ومع ذلك فقد وصل إلينا مجزءا في خمسين كتابا، ولا يُعرف من أين جاءت الزيادة، كما شكك بعض فقهاء الشيعة بأحد أهم هذه الأجزاء، وهو كتاب “الروضة”، الذي يختص بالقضايا العقائدية التي تقوم عليها أهم عقائد الشيعة ومنها الإمامة، حيث يُعتقد أن مؤلفه ليس الكليني نفسه.

ويقر الباحث اللبناني الشيعي المعاصر هاشم الحسني بأن وثوق الكليني بالروايات التي جمعها “لم يكن مصدره بالنسبة إلى جميعها عدالة الرواة؛ بل كان في بعضها من جهة القرائن التي تيسر له الوقوف عليها… بالإضافة إلى عنصر الاجتهاد الذي يرافق هذه البحوث في الغالب” [دراسات في الحديث والمحدثين، ص 134]، ويضيف الحسني أن الكليني أقر بنفسه بأن كتابه لم يجمع الروايات الصحيحة ذات السند المتصل بالإمام، بل قال الكليني إنه بذل جهده في الجمع والتحقق دون أن يكون متأكدا، ومع ذلك فإن الفقهاء الذين جاؤوا بعد الكليني وحتى اليوم يُجمعون على أن الكافي صحيح بكل ما فيه، وإلا فإن أركان مذهبهم كلها معرضة للانهيار.

علاوة على ذلك، لم يجد مؤلفو الكتب الأربعة مانعا من الرواية عمن يُطعن في دينهم بالرغم من إقرارهم بضرورة التمحيص، فقال الطوسي “فإذا ذكرتُ كل واحد من المصنفين وأصحاب الأصول، فلا بد من أن أُشير إلى ما قيل فيه من التعديل والتجريح، وهل يُعوَّل على روايته أو لا؟ وأبين عن اعتقاده، وهل هو موافق للحق أو هو مخالف له؟ لأن كثيرًا من مصنفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة، وإن كانت كتبهم معتمدة” [الفهرست للطوسي، ص 32]، والإقرار بضرورة الجرح والتعديل أمر جيد، لكن المحير أن الطوسي يعترف بعد ذلك فورا بأن انتحال بعضهم لمذاهب فاسدة لا يطعن في كون كتبهم معتمدة.

ومن الملفت أيضا أن العلماء الذين تلقوا كل ما نُسب للأصول ليس لديهم دليل على صحة انتساب كل واحد من أولئك الأربعمئة للفرقة التي يعتبرون أنها على صواب، فقد بينّا سابقا أن الشيعة كانوا ينقسمون إلى فرق عدة بعد موت عدة أئمة، حتى إنهم تفرقوا إلى ست فرق بعد موت جعفر الصادق الذي نُسبت الأصول إلى أصحابه، كما أن العديد من الأخبار الواردة في تلك الأصول يتحدث عن الأئمة الذين جاؤوا بعد الصادق، فلا يُعرف متى كُتبت تلك الأخبار والأحاديث.

يقول الوحيد البهبهاني إن “معاصري الأئمة وقريبي العهد منهم كان عملهم على أخبار الثِّقات مطلقًا، وغيرهم بالقرائن، وكانوا يردون بعض الأخبار أيضًا؛ لما ثبت بالتواتر من أن الكَذَبَة كانوا يكذبون عليهم، لكن خَفِيَ علينا الأقسام الثلاثة، ولا يمكننا العلم بها كما مرَّ في الفوائد، كما أن نفس أحكامهم أيضًا خفيت علينا كذلك، وانسدَّ طريق العلم، فالبناء على الظن في تمييز الأقسام” [الفوائد الحائرية، ص 490].

رسم لمدينة قم الإيرانية من مجموعة الرحالة الفرنسي جان شاردان في القرن الثامن عشر

ولاية الفقيه والدولة الصفوية
وقع التشيع في أزمة منذ بدء الغيبة الكبرى للمهدي، فلم يعد هناك مبرر للعمل السياسي طالما كان الحكم محصورا في سلالة الأئمة، وفي القرن الرابع عشر الميلادي حاول الفقيه الشيعي محمد بن جمال الدين الجزيني العاملي (من جبل عامل بلبنان) وضع حل لهذه المعضلة بابتكار نظرية ولاية الفقيه العامة، التي تعني قيام أحد الفقهاء المجتهدين الكبار بمهمة النيابة عن الإمام الغائب (المهدي) في قيادة الأمة وإقامة حكم اللّه على الأرض.

صفي الدين أردبيلي

تزامن مع طرح العاملي لنظرية ولاية الفقيه في لبنان صعود عائلة تركمانية صوفية تدعي الانتساب لآل البيت في شمال إيران، حيث يقال إن الشيخ صفي الدين أردبيلي (توفي عام 1334م)  كان يخفي تشيعه تقيّةً ويظهر للناس أنه سني شافعي حتى تمكن من استقطاب الإيرانيين حوله، حيث كانت الغالبية الساحقة من الإيرانيين تتبع المذهب الشافعي السني آنذاك.

وفي عام 1501م، سيطر إسماعيل حفيد صفي الدين على الحكم وأسس الدولة الصفوية، معلنا بصراحة قيام الدعوة الشيعية. وينقل عبد العزيز بن صالح المحمود الشافعي في كتابه “عودة الصفويين” عن مصادر شيعية أن إسماعيل كان مع أتباعه الصوفية في الصيد بمنطقة “تبريز”، فعبر نهرا لوحده ودخل كهفاً ثم خرج متقلداً بسيف وأخبر رفاقه أنه التقى داخل بالمهدي الغائب، وأن المهدي قال له “لقد حان وقت الخروج”، وأنه أمسك ظهره ورفعه ثلاث مرات ووضعه على الأرض، ثم شدّ حزامه بيده ووضع خنجراً في حزامه وقال له: “اذهب فقد رخصتك”.

وبهذه الأسطورة طبق إسماعيل نظرية ولاية الفقيه عمليا، كما أنه لم يكتف بادعاء نسبته إلى آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وبحصوله على إذن الإمام المهدي الغائب، بل ابتكر أسطورة جديدة تضفي عليه شرعية أخرى للحكم من خلال استحضار “حق الملك الإلهي” لسلالة الأكاسرة الفرس، حيث تقول الأسطورة إن عمر بن الخطاب -عند فتحه لبلاد فارس- سبى نساء الشاه يزدجرد، آخر ملوك الفرس، وجاء بهن إلى المدينة، فثار ضده علي بن أبي طالب وقام بتزويج شهربانو ابنة يزدجرد من ابنه الحسين، فجاء الأئمة من سلالة آل البيت ويزدجرد، ما يمنحهم بذلك “حق الملك الإلهي”، وذلك على شاكلة سبط يهوذا من بني إسرائيل الذي يدعي لنفسه هذا الحق حتى يومنا هذا. وقد دحض هذه الرواية عدد من علماء الشيعة أنفسهم، وعلى رأسهم مرتضى مطهري وعلي شريعتي.

يقول المفكر الإيراني الشيعي المعاصر علي شريعتي إن الدولة الصفوية قامت على مزيج من القومية الفارسية والمذهب الشيعي، حيث تولدت آنذاك تيارات تدعو لإحياء التراث الوطني والاعتزاز بالهوية الإيرانية، وتفضيل العجم على العرب، وإشاعة اليأس من الإسلام، وفصل الإيرانيين عن تيار النهضة الإسلامية المندفع، وتمجيد الأكاسرة. [التشيع العلوي والتشيع الصفوي لشريعتي، ص 119].

الشاه إسماعيل

وبما أن الأساطير وحدها لا تكفي بدون قوة، فقد حشد الشاه إسماعيل من حوله كتائب عسكرية تدعى “قزلباش” لتكون بمثابة الحرس الشخصي والقوة الضاربة، وجعلها تظن في نفسها أنها الجيش الممهد لظهور المهدي، حتى زعم كبار فقهاء الدولة، وعلى رأسهم العلامة المجلسي، أن الدولة الصفوية ستكون بالفعل مقدمة لخروج المهدي الوشيك.

وبهذه العقيدة انطلق جنود الشاه لمحاولة ابتلاع الأمة الإسلامية كلها، فبدأوا بتصفية قادة السنة في إيران والعراق، وارتكبوا مجازر في غاية البشاعة، حتى قيل إنهم قتلوا مليون مسلم، وكان إسماعيل يأمر بنبش قبور العلماء وحرق عظامهم وحرق كتب المسلمين السنة، وإذا قتل أميراً أباح زوجته وأمواله لأحد أتباعه، وكان الكثير من أتباعه يعتقدون أنه بلغ درجة الألوهية. [عنوان المجد للبغدادي، ص 120].

ولاستكمال مخططه الإمبراطوري، وضع الشاه إسماعيل تدمير الدولة العثمانية نصب عينيه، مع أن العثمانيين كانوا في أوج قوتهم وفي أخطر مراحل تصديهم للأوروبيين الذين كانوا يستأنفون غزواتهم الصليبية في مرحلة ما يسمى بعصر الاكتشافات الجغرافية، بينما كان العثمانيون يشنون هجمات مضادة ويتوغلون في شرق أوروبا.

احتل إسماعيل العراق وعقد تحالفات مع الدول الأوروبية ضد العثمانيين، ومع أنه كان يحاول إظهار الود للسلطان العثماني سليم ياوز الأول إلا أن الأخير لم يثق به، وسرعان ما بدأت المناوشات التي كشفت عن نواياه.

راسل إسماعيل البرتغاليين ووعدهم بالاعتراف بسلطتهم على جزيرة هرمز التي احتلوها عام 1507م، وهي منطقة استراتيجية لإشرافها على مضيق هرمز الفاصل بين الخليج العربي وخليج عُمان، وطلب إسماعيل منهم في المقابل مساعدته على غزو البحرين والقطيف وتعهدهم بمساندته ضد القوات العثمانية، كما تضمن مشروع التحالف البرتغالي الصفوي تقسيم المشرق العربي بينهما لاحقا، بحيث يحتل الصفويون مصر والبرتغاليون فلسطين، وما زالت المراسلات المتبادلة بين الشاه إسماعيل وأفونسو دلبوكيرك نائب الملك البرتغالي على الهند محفوظة حتى اليوم.

وجد البرتغاليون في العرض الصفوي كنزا لا يقدر بثمن، فقد كانوا يخشون الجبهة الإسلامية القوية التي يمثلها العثمانيون والمماليك في البحر الأبيض المتتوسط، ويحاولون أن يجدوا موطئ قدم لهم في المنطقة، فأتاح لهم الصفويون فرصة البقاء في الخليج العربي، ثم أخذ إسماعيل يهدد باجتياح حلب ودمشق بينما كان دلبوكيرك يتسلل بأسطوله إلى البحر الأحمر لتخويف المماليك في مصر.

راسل إسماعيل أيضا بابا الفاتيكان ليو العاشر ليحظى بتأييد أوروبا المسيحية كلها، ونصح دلبوكيرك الملوك الأوروبيين بالتحالف مع إسماعيل وإرسال خبراء صناعة المدافع إليه لضرب المسلمين من الخلف، وهنا أدرك السلطان سليم أنه لا بد من مواجهة الصفويين، فاشتبك الجيشان في معركة  “جالديران” سنة 1514م التي انتصر فيها العثمانيون انتصاراً كبيراً، فبدأ دلبوكيرك بالتخلي عن إسماعيل الذي خسر معظم قوته.

ازداد حقد إسماعيل فقرر أن يبحث عن قوة أخرى تنتقم له من العثمانيين، وأغرى السلطان المملوكي الغوري بالخروج من مصر إلى حلب ليشهد صلحا بين إسماعيل والسلطان سليم، لكن المماليك فوجئوا هناك بأن الخطة كانت تهدف إلى توريطهم في الحرب، فاصطدموا مع العثمانيين بمعركة مرج دابق عام 1516، والتي انتصر فيها العثمانيون أيضا. ومع أن الدولة العثمانية تجاوزت كل هذه المحاولات إلا أن مؤامرات إسماعيل شغلت العثمانيين وأوقفت تقدمهم الذي كان قد بلغ وسط أوروبا.

انتهت دولة الصفويين سنة 1724م على يد نادر خان الذي عينه الشاه طهماسب الثاني قائداً لجيشه، فبعد تحقيقه عدة انتصارات ضد منافسي الدولة نصّب نادر خان نفسه ملكاً على إيران، وأعلن سقوط الدولة الصفوية وقيام الدولة الأفشارية الشيعية محلها، التي استمرت حتى القضاء عليها من قبل الزنديين سنة 1795م. وقد حاول نادر شاه إحداث تقارب بين السنة والشيعة، الأمر الذي أدى إلى قتله من قبل الشيعة المتعصبين.

من أهم النتائج التي خلَّفتها الدولة الصفوية انقسام العالم الإسلامي إلى معسكري السنة والشيعة، وتحويل إيران من دولة سنية إلى شيعية متعصبة، وإحياء النزعة القومية الفارسية، مع ربط التشيع الديني بالأهداف السياسية للحكومات الإيرانية المتعاقبة التي ما زالت قائمة حتى اليوم.

الخميني يعود من فرنسا إلى إيران في فبراير 1979 بعد 14 سنة من النفي والطيار الفرنسي يساعده على النزول

الثورة الإيرانية
في القرن العشرين، تولى الفقيه روح الله الخميني مهمة إحياء فكرة ولاية الفقيه، داعيا إلى إنشاء دولة شيعية جديدة تمهد لخروج المهدي وقيادة العالم. ومع أن الملك الإيراني الشاه محمد رضا بهلوي كان من أقوى حلفاء الغرب وإسرائيل، إلا أن الخميني المنفي في فرنسا كان قد عقد تحالفاته السرية هناك لينشئ نظاما دينيا يرفع شعارات معاداة الغرب، كما يقول العديد من المؤلفين ومنهم مؤلف كتاب “رهينة بقبضة الخميني” روبرت درايفوس.

يقول درايفوس في كتابه إن مشروع زعزعة استقرار حكم الشاه تمتد جذوره لقرن من الزمان قبل قيام الثورة الإسلامية الخمينية عام 1979م، حيث عملت المخابرات البريطانية على زرع بذورها عبر رجال الدين الشيعة والجمعيات السرية لتهيئة الأجواء وشحن الشعب بالتمرد، ثم جاء تقرير لمنظمة العفو الدولية في نوفمبر ١٩٧٦ ليكون “الطلقة الأولى” التي أشعلت نيران الثورة بعد ثلاث سنوات، فبدأ من ذلك الحين تسليط الضوء داخليا وخارجيا على انتهاكات حقوق الإنسان في نظام الشاه [ص 34، 39].

ويسرد المؤلف تفاصيل الاستنفار الذي قامت به منظمات المجتمع المدني الغربية لحشد الرأي العام ضد الشاه ونظامه، إلى جانب دعم منظمة فدائيي الإسلام (فدائيان إسلام) التي كانت قد انتقلت إلى العمل السري تحت قيادة آية الله خلخالي وآية الله الخميني، والتي كانت تدير نحو 200 ألف من الملالي المنتشرين في أنحاء إيران لتنفيذ خطة الانقلاب عبر التهييج الشعبي الديني [ص 40].

في يناير عام 1978، كان الرئيس الأميركي جيمي كارتر يحتضن الشاه ويمتدح إيران بأنها “جزيرة الاستقرار” في الشرق الأوسط المضطرب، بينما كان معاونوه قد بدؤوا بتدبير مؤامرة إسقاطه [رهينة بقبضة الخميني، ص 24]، ويقول مؤرخون إن الرجل الثاني في جهاز السافاك “منظمة المخابرات والأمن القومي” حسين فردوست كان هو المسؤول عن تدبير الانقلاب لصالح الخميني والملالي بإشارة من الغرب، وإن الخميني كافأ فردوست لاحقا بعد إسقاط الشاه بحل جهاز السافاك وتأسيس جهاز “السافاما” بدلا منه بقيادة فردوست نفسه.

ويرى درايفوس أن استحداث الحكم الإسلامي الشيعي في إيران من قبل الغرب كان بحجة التصدي للتمدد الشيوعي بالمنطقة، مستشهدا بتصريح رئيس مجلس الأمن القومي زبيغنو بريجينسكي (الذي كان القوة المحركة في إدارة كارتر) عندما قال لصحيفة نيويورك تايمز إنه يجب على واشنطن أن ترحب بانبعاث قوى الإسلام في الشرق الأوسط لأنها تعارض كعقيدة تلك القوى الكامنة في المنطقة الموالية للاتحاد السوفيتي [رهينة بقبضة الخميني، ص 25]، لكن باحثين آخرين يرون أن هذا الدعم كان بالأحرى لزرع بذور الفتنة الطائفية في المنطقة وإشعال فتيل الحرب التي سرعان ما اندلعت بين السنة والشيعة ومازالت تتوسع حتى اليوم.

أنصار الخميني في وسط طهران أثناء الثورة

تصدير الثورة
في كتاب تصدير الثورة الذي نشرته “مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني”، نجد مئات المقتطفات من خطب ورسائل الخميني التي يعتبر فيها أن تصدير الثورة سيكون بمثابة رسالة لدحر الطغيان وإسقاط عروش الجبابرة والانتصار للمظلومين، مع التركيز على أن رسالة الثورة هي رسالة الإسلام العالمية وتجنب الإشارة للبعد المذهبي الشيعي.

ففي إحدى رسائل الخميني الموقعة بتاريخ ٢٨/٤/١٩٨٦ يقول إن رسالته الأخيرة هي أن يعملوا على “إعداد الأرضية لظهور منقذ البشرية وخاتم الأوصياء ومفخرة الأولياء” [تصدير الثورة، ص 20].

وكما فعل الشاه إسماعيل، وضع الخميني -عقب سيطرته على إيران- عينه مباشرة على المملكة العربية السعودية بصفتها أرض الحرمين ومن أهم الدول السنّية، فحاول التمدد عبر بوابة الشرق حيث يتركز الوجود الشيعي في السعودية، وبدأ بدعم حركات الاحتجاج في مدينة القطيف عام 1981 ضد الحكومة السعودية.

ويقول مؤرخوه إن النظام الإيراني أنشأ منظمة شيعية سرية داخل إيران لنشر فكر الثورة في دول الخليج، وعهد إلى الشيخ حسن الصفّار بزعامتها الروحية، وأُطلق عليها اسم “منظمة الثورة الإسلامية لتحرير الجزيرة العربية”، لتصبح لاحقا “منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية”، وفي عام 1987 تشكل جناح عسكري للمنظمة تحت اسم “حزب الله الحجاز”، ويشير باحثون إلى انفصال الجناح العسكري عن المنظمة ليصبح تابعا مباشرة للحرس الثوري الإيراني. [مقال “حزب الله” الخليج، لخالد المشوح]

ويقول مؤرخو تلك المرحلة إن غالبية السعوديين الشيعة الذين كانوا في قم آنذاك كانوا يؤيدون المدرسة الشيرازية التي ترى أن الحكومة الإسلامية الشيعية تدار من قبل تجمع من الفقهاء وليس الولي الفقيه الواحد، لكن الحرس الثوري أجبر العديد منهم على الالتحاق بالفكر الخميني، بينما اضطر آخرون للجوء إلى دمشق ودول أخرى. [دراسة حزب الله الحجاز “السعودي”، بوابة الحركات الإسلامية].

صورة من الإعلام السعودي لمظاهرات الإيرانيين بمكة عام 1987

وفي موسم الحج بأواخر يوليو 1987، بدأ الصدام الفعلي عندما قادت مجموعة من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله الحجاز المئات من الحجاج الإيرانيين والشيعة السعوديين للتظاهر في مكة المكرمة ودعوة المسلمين لمؤازرة ثورة الخميني، ما أسفر عن صدام دموي مع السلطات السعودية، ذهب ضحيته 402 قتيلا و649 جريحا، أكثر من نصفهم من الإيرانيين، كما تجددت المظاهرات في موسم الحج التالي وأسفرت عن سقوط ضحايا.

اتهمت السلطات السعودية “حزب الله الحجاز” بالمسؤولية عن أعمال “إرهابية” عدة، من أهمها تفجير شركة صدف البتروكيماوية في مدينة الجبيل عام 1988، وتفجير مبنى للحرس الوطني في الرياض عام 1995، وتفجير أبراج الخبر عام 1996 الذي أسفر عن مقتل 19 أميركيا بمدينة الخبر.

ويرى الباحث السعودي خالد المشوح أن “انكشاف مخططات إيران” دفع العديد من الناشطين الشيعة في الخليج للتراجع عن موالاتهم لنظام ولاية الفقيه، كما اضطروا للوقوف إلى جانب سلطات بلادهم أثناء حرب الخليج الثانية جراء اختلاط الكثير من الأوراق في المنطقة. وفي عام 1993 تم الاتفاق بين الحركة الإصلاحية الشيعية والحكومة السعودية على إنهاء النشاط السياسي في الخارج وقطع العلاقات مع طهران.

لكن هذه المصالحة لم تنه الأزمة، فما زال الشيعة في السعودية والخليج متهمون بإثارة القلاقل إبان اندلاع احتجاجات البحرين عام 2011، كما ظهر جليا الطموح الإيراني في تصدير “الثورة” عبر السيطرة غير المباشرة على العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003.

ويرى باحثون أن التقارب الإيراني الأميركي لم يكن وليد الصدفة، إذ صرح محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني السابق في عام 2004م بقوله “لولا إيران لما سقطت كابل وبغداد”، [نبيل البكيري، في عمق التقارب الأميركي الإيراني، الجزيرة نت، 19/10/2013].

وبعد تورط إيران في قمع الثورة السورية منذ عام 2011، أصبح من الشائع الاعتقاد بأن النظام الذي أقامه الخميني يمزج بين العقيدة الشيعية والقومية الفارسية، حيث يقول الباحث المتخصص في التشيع السياسي الدكتور عبدالله النفيسي -وهو الرئيس السابق لقسم العلوم السياسية بجامعة الكويت- إن إيران الآن دولة صفوية، وإن ساسة إيران “فرس أساسا وليسوا مسلمين، وليسوا حريصين على الإسلام، بل على هدم الإسلام بصيغته التي نفهمها”.

ويضيف أنه التقى كل القيادات التي تحكم إيران ورموز النظام فوجد أن خيطا واحدا يجمعهم هو احتقار العرب، وأن لديهم الآن فرصة تاريخية للثأر من العرب على اعتبار أن الفتح الإسلامي لبلاد فارس كان “غزوا” حطم إمبراطوريتهم.

وينقل النفيسي عن حسن روحاني -قبل أن يصبح رئيسا لإيران- أنه قال لأعضاء البرلمان الكويتي خلال زيارة رسمية لإيران “كل الساحل الغربي من الخليج سيعود إلى رحم بلاد فارس، وأنتم لا حق لكم كعرب فيه، وسنستولي عليه عندما تحين الفرصة”. [موقع بوابة الأهرام الرقمي، 19 يناير 2013].

ويؤكد هذا تصريح لقائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري خلال خطاب جماهيري بتاريخ 7 مايو 2015 قال فيه إن “تشكيل الهلال الشيعي من خلال التعاطف بين الدول الإسلامية في المنطقة والمقاومة ضد الظلم يدل على تحقيق أهداف الثورة الإسلامية في إيران عام 1979” [موقع قناة برس الإيرانية].


أهم المراجع
أبو جعفر القمّي الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1986.

محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، إحياء الكتب الإسلامية، طهران.

محمد بن حسين الشيرازي القمي، الأربعين في إمامة الأئمة الطاهرين، مطبعة الأمير، طهران.

مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، تصدير الثورة كما يراه الإمام الخميني، http://www.arabic.irib.ir، بدون تاريخ.

الخميني، الحكومة الإسلامية، بدون ناشر.

الوحيد البهبهاني، الفوائد الحائرية،مجمع الفكر الإسلامي، قم، 1995.

أبو جعفر الطوسي، الفهرست، مؤسسة نشر الفقاهة، قم، 1997.

عبد الرسول الغفاري، الكليني والكافي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، 1996.

محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى أصول الشريعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1983.

هاشم معروف الحسني، دراسات في الحديث والمحدثين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1978.

سليمان بن حمد العودة، عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام، دار طيبة، الرياض.

محمد أمحزون، تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، دار السلام، 2007.

علي محمد الصلابي، سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه: شخصيته وعصره، 2006.

روبرت درايفوس، رهينة بقبضة الخميني، ﺩﺍﺭ ﻧﻴﻮﺑﻨﺠﺎﻣين ﻓﺮﺍﻧكلين للنشر، 1980.

نبيل البكيري، في عمق التقارب الأميركي الإيراني، الجزيرة نت، 19/10/2013.

خالد المشوح، “حزب الله” الخليج.. تاريخ من المؤامرات باسم المقدّس والطائفة، مجلة المجلة، 15 نوفمبر 2011.

أحمد محمد سرحان، كتب الحديث والرواية عند الشيعة الإمامية الاثنى عشرية، موقع الألوكة، 2009.

حزب الله الحجاز “السعودي”، بوابة الحركات الإسلامية http://www.islamist-movements.com/2571، 12/مايو/2014.

Emmanuel Sivan and Menachem Friedman, Religious Radicalism and Politics in the Middle East, SUNY Press, 1990, p. 190

http://www.dorar.net/enc/firq

http://www.presstv.ir/Detail/2015/05/07/409890/Iran-IRGC-commander-Jafari-military-option