image_print

جناية الحاضر على الماضي

اعتدنا سبر أحداث التاريخ لرصد الخيوط التي كوّنت النسيج الحالي للحياة والمجتمع، وطفقنا نعدّد الأسباب التي أدت إلى انبثاق عدد من القضايا، وبحثنا عن التكوين النفسي لهذا الجيل بين تلافيف الماضي، ولكن هل للحاضر سطوة على الماضي كما نرى سطوة للماضي دومًا؟ وهل هناك جناية للحاضر على الماضي؟

القولبة الفكرية للماضي

من السمات الواضحة لهذا العصر هي القولبة، كل شيء بات مقولبًا بشكلٍ لا يقبل إعادة النظر أو التفاوض، ونجد أنّ الملَكَة الفقهية باتت ضامرة عند الكثير من المشتغلين في مجال الفكر والدعوة فضلًا عن عموم الناس، فأصبح الكثير لا يحسن تصوّر الأمور إلا في شكلٍ وقالبٍ واحد، إما أبيض أو أسود، إما حلالٌ خالص أو حرامٌ مُطلَق، دون إدراك أنّه ثمة لون رماديٌ، وألوان كثيرة بين هذين اللونين، وبحسب القرائن المصاحبة لكل قضيّة وحالة يكون اللون الموافق لها هو المناسب، ولكن ما نراه الآن هو الزجّ بصاحب السؤال أو الإشكال إلى أقصى غاياته لعدم امتلاك مرونة الملكة الفقهية التي تضع كل حالةٍ على نحو ما يناسبها.

وهذه الحالة لا تتوقّف عند عتبة الحاضر، بل امتدّت لتفعل فعلتها بين دهاليز الماضي، فنجد أنّ البعض عندما يعودون لقراءة أحداثِ الماضي لا يُحسِنُون خوض غماره دون اصطحاب قوالبهم الفكرية، فيصنّفون الأحداث حسب مقاييس قوالبهم، بل إذا وجدوا أنّ بعض السياقات لا تحتمل القولبة، فإمّا أن يمزقوها لتناسب القالب، أو يطمسوها، ثم يستنطقون قوالبهم للخروج بالنتيجة التي رسموها بداية، وتصبح كل الأحداث التاريخية تدور بشكل “منسجم” مع أفكارهم وتخدمها وكأن التاريخ ما كُتِبَ إلا لهم، فالحاصل أنهم اعتقدوا رأيًا ثم حملوا أحداث التاريخ عليه دون تورّعٍ أو عدالة.

قراءة الماضي تحت ضغط الواقع

تولَّدت العديد من المصطلحات المعاصرة نتيجة تَولُّد بعض التيارات الفكرية التي ساهمت في تشكيل وتكوين الواقع الحالي، وهذا الكيان الاجتماعي الجديد أحدث ضغطًا على المسلمين المعاصرين؛ فاضطروا كذلك إلى صك بعض المصطلحات لينافحوا بها عن الدين، فبعد الشقاق الذي وقع في متسلسلة التاريخ الأوروبي بين العلم التجريبي والدين، والذي أفضى إلى جنوح النزعة العلموية؛ إذ لم يقتصروا على الكاثوليكية، بل انتقلوا بهذا الحكم إلى كل ديانة، فأخذ بعض المشتغلين في الساحة وضع الدفاع عن طريق تعزيز المصطلحات التي توائم بين “العلم” و “الدين”، وتضع الشقاق بينهما، ظنًا منهم أنهم هكذا يخرجون الإسلام من مأزقٍ كبير ضائق.

 وبالرغم من وجود بعض جوانب النظر حول هذه المصطلحات وتأثيرها في الواقع، ومآلات اعتمادها كمسلّمات مرتبطة بهذا الواقع، إلا أنّ مناقشتنا في هذا المقال ستكون حول تأثيرها الممتد في عمق الماضي والتاريخ، فمع اعتياد واعتماد هذه المصطلحات وغيرها، أصبح الخروج عنها أو تصوّر الواقع بدونها أمرًا شاقًا خارجًا عن سياج العقل الجمعي المعاصر، فنجد أنه قد نُقِلَت هذه المصطلحات إلى الحِقَب الماضية ووُصِفت بها، فعند ذكر العلماء المسلمين وما قدموه، أول ما يتبادر إلى الذهن هم العلماء الذين أسهموا في جانب العلم التجريبي كالبيروني وابن الهيثم وغيرهما، ثم تتم عملية الانتقال الثانية والتي تتمثل في اتخاذ هذه المنجزات كبرهانٍ ساطع على كون الإسلام لا يعادي العلم التجريبي ولا يتعارض معه، ثم يُحصَر تقدُّم المسلمين في هذه الحقبة، وهذا بمثابة اعتراف ضمني لمعيارية التقدم المادي لنهوض الأمم، ثم نعود مرة أخرى إلى واقعنا لنرى أن التقدم المادي ليس بين أيدينا، فنعيش تحت ضغط سؤال “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟”، وهكذا دواليك نعيش في غمرة تلك الدوامة.

والإشكال الذي وقع فيه من يسير في هذا المضمار يتمثل في أمرين أساسيين:

أولهما: أنه تم استدعاء إشكالات الحاضر ومصطلحاته التي نتجت عنه إلى حِقَب في الماضي لم تعش هذه الإشكالات، وبالتالي فإن استدعاء هذه المصطلحات يعد باطلًا لا معنى له، فهي بمثابة تصدير بطارية هاتف إلى زمن ما قبل الهاتف، فأصحاب البطارية يُنَظّرُون حولها، ويتناقشون بجد عن مدى جدواها، بينما لو بُعث أهل هذا الزمان لنظروا باستغراب إلى هذا الجسم العجيب، ثم يتركونه ويذهبون، إذ لا عمل له عندهم ولا طائل أو معنى يذكر من وجوده.

ثانيهما: إنّ تلك العقلية المبرمجة تحت ضغط الواقع بخست حق الكثير من العلماء والعلوم بحصرهم العلم في العلماء الذين أسهموا إسهامات تجريبيّة، لكن لو أوردنا علم الحديث فقط كمثال لعلم عظيم امتلك منهجية رصينة مذهلة في إثبات صحة الروايات من جهة المتن والإسناد، وهو من أجلّ العلوم وأدقها، بل من مفاخر هذه الأمة، سنعلم أنّ عبقرية العلوم لم تُحصَر في السياق التجريبي فقط، بالإضافة إلى أنّ أصحاب ذلك الطرح تغافلوا أو غفلوا كون الكثير من العلماء الذين برعوا في العلوم التجريبية كانوا في ذات الوقت فلاسفة ومؤرخين وفقهاء، لنعرف الواقع الحقيقي حينها وهو أنّ التقدم في العلوم التجريبية كان نتيجة طبيعية لوضوح الهُوية ونضوج البناء الإنساني على ضوء تلك الهوية، فحينما يصل المجتمع إلى هذه الحالة من النضج؛ فإنه ينمو طبيعيًا ليتمدد في مساحة الكون بمختلف تشكلاتها ليحقق الاستخلاف الذي نما منه ولأجله، لذا فإن رؤية الماضي وقراءته تحت ضغط الواقع الحالي يؤدي إلى طمس هذا الماضي ويعيق الناظر إلى هذه القراءات عن استشفاف الحالة الحياتية الحقيقية للمجتمع المسلم حينها، ويضع غشاوة على تلك العين التي تبحث بين سطور تلك القراءات عن ملامح النهضة.

سجن الماضي في مصطلحات الحاضر

عندما طُعِن الإسلام ونُعِتَ بأنه دينٌ دوغمائي، لا يحمل فكرًا أو فلسفة، فبدأ ينشأ ويتشكل مصطلح “الفكر الإسلامي” ليناوئ تلك الاتهامات ويتحرك في مسار تجريدي يضاهي المسارات المعادية له، وبدأ المصطلح في النمو لينتقل إلى تسميات على مستوى الأفراد كـ”مفكر إسلامي” وغيره على إثر هذا الواقع الجديد.

لكن موطن الجناية هنا على الماضي هي تصدير هذا المصطلح إلى الماضي واستخدامه في سياقات تاريخية لم تشهد تلك الإرهاصات التي ولّدت هذا المصطلح، وبالتالي فإن مجرد ذكر هذا المصطلح عند السرد التاريخي يعتبر إعادة تشكيل وهيكلة لتلك الحقبة وفق معطيات الواقع الحالي، وكذا تُعَدّ اعترافًا ضمنيًّا لنجاح الغزو الفكري الذي اجتاح العالم الإسلامي في ترسيخ الانفصالية بين العقيدة التي تقتضي العمل وبين الفكر المجرد، وأنّ هذا المضمار “الفكري” كله في عزلة عن الإنتاج العلمي بكافة مساقاته، وهذا النجاح لم يتوقف عند حدود الحاضر، بل استطاع أن ينتقل إلى الماضي ويرسمه وفق مصطلحات منبثقه من غزوه الآني.

قراءةٌ ضيزى!

يحتّج الكثيرون بآرائهم ويضفون عليها نكهة وثائقية من خلال قياسها على أحداثٍ وسياقات في الماضي، ويلزمون الآخرين بقولهم خصوصًا عند تشابه القضايا والأحداث، لكن موطن جنايتهم هنا أنهم تجاهلوا قرائن الزمان التي تحيط بكل حراكٍ وقع فيه، إذ إنّ الأحداث لا تحدث في مساحة فراغ عدمية فيُضمَن تمدد الحدث في هذا الفراغ بذات الطريقة في كل مكان وزمان، وإنما تحدث وسط قرائن متعددة ومتشابكة تُمثِّل الوعاء الذي يُشكِّل هذه الأحداث ويعطيها طابع معين، وبالتالي فإن محاولات القياس المجردة على الماضي دون ذكر القرائن وفهم ما تقتضيه لخروج الحدث بهذا الشكل يعتبر تجنّيًا على الماضي لطمس قرائنه، وظلم لأناسٍ كُثُر حُمِلت أقوالهم وأفعالهم على غير محملها وزُجَّ بها وسط قرائن جديدة منتظرين منها نتائج متشابهة!

ما واجبنا نحو الماضي؟

إنّ أول واجب علينا تأديته هو رفع الظلم عن الماضي وقراءته قراءة موضوعية غير متأثرة بضغوطات الواقع أو متقولبة بأفكاره أو محبوسة في مصطلحاته، إذ إنّ هذا الأمر لا ينحصر في كوننا نرغب في قراءة موضوعية واعية للماضي، وإنما يمتد لنزع الغشاوة التي وضعناها بأيدينا أثناء قراءتنا له، وبالتالي ضمان الخروج بأحكام واستنباطات ورؤى أقرب للصواب وأكثر واقعية، حينها يكون في مُكنتنا حقًا الاستفادة من هذا الماضي، لأننا رأيناه كما هو، بعينه هو، لا بعدستنا نحن، وكذا ستتبلور الأخطاء الحقيقية التي كانت في رحابه بوجهها الحقيقي دون تحريف يصيبها من لوثة قوالب الحاضر، لذا يجب على المشتغلين في الساحة الآن الاحتياط من استخدام أي مصطلح عمومًا قبل سبره وتمحيصه، والمصطلحات التي تخص الماضي خصوصًا لِما فيها من التداعيات المذكورة آنفًا، ولعل هذا يكون من أُولى الخطوات وأَولاها التي تسهِم في تحرير الماضي وما بُني عليه من تلك القوالب، وبالتالي صياغة واقع أكثر توازنًا ونضجًا.

إشارات أولية لإصلاح العملية التعليمية

بعدما تعرفنا في مقالٍ سابق على أبرز الأطروحات الإصلاحية للتعليم ومدى جدواها، سأحاول في هذا المقال بعون الله وضع إشارات يمكن أن تكون علامات للطريق القويم في إصلاح العملية التعليمية

واقع التعليم من المآل إلى الحال

بعد دخول النموذج الغربي للمدارس الإلزامية في عالمنا الإسلامي، بدأت تبعاتها الفكرية والاجتماعية والنفسية تتسرب وتتراكم في المجتمع كمآل لهذا الواقع الجديد، وبعد ما تطبَّع الناس على هذا الواقع وألِفوه وأصبح حالًا لهم؛ بدأت تظهر مآلات جديدة نابعة من هذا الحال الذي صار واقعًا، كمشكلات في منظومة الأسرة والزواج، وشخصية الأفراد وطبائعها، ومستوى الوعي عند عموم الناس وغير ذلك، فعمد الكثير من المصلحين إلى حل هذه الإشكالات دون البحث عن بواعثها الحقيقية، وبالتالي فإنه مهما كفكفوا هذه المآلات الجديدة، فإن جذر الإشكال يبقى حيًا ناميًا.

ومن هنا كان لا بد من السؤال عن: كيف يمكن إصلاح التعليم لعموم الناس؟

عند النظر إلى ما وصل إليه المجتمع كنتيجة تراكمية لروافد عديدة تشمل بشكل أساسي هذا النظام التعليمي، سنجد أنّ محاولات الإصلاح لا يمكن أن توجَّه إليهم بشكلٍ مباشر، إذ إنّه ليس في مُكنَتِهم تنفيذ هذه الأطروحات، بل بعضهم يظن أنّ في هذا الأمر إهلاكٌ وتضييع لمستقبل أبنائه.

الحل إذًا مع هذه الفئة يكون حولهم وليس لهم، وهو يعتمد على عنصريين أساسيين يجب أن يسعى فيهما المصلحون.

الوعي الجمعي أولاً

إنّ بث الوعي في المجتمع بالطرق كافة هو الوسيلة الوحيدة التي يمكنها إعادة تشكيل الحاضنة المجتمعية التي ينتمي إليها عامة الأفراد، وتشكيل بيئة عامة من الوعي تسمح لشرائح جديدة الانخراط فيها، والوثوق في أطروحتها، وإدراك إشكالات الواقع.

ورغم أنّ هذه الطريقة تُصَنَّف ضمن الطرق التكوينية الطويلة التي تحتاج طولَ نَفَسٍ وصبر، إلا أنها شِقٌّ أساسي لشَقِّ طريق الإصلاح، وعاملٌ مركزيٌ لبث نفحات البعث التي تُحقق روح النهضة، وتُهَيكل مرحلة الصعود.

في هذا الإطار نجد قول مالك بن نبي: “لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات بن باديس، فكانت تلك ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدَّر يتحرك، ويا لها من يقظة جميلة مباركة، يقظة شعب لا زالت مقلتاه مشحونتين بالنوم، فتحولت المناجاة إلى خطب ومحادثات ومناقشات وجدل، وهكذا استيقظ المعنى الجماعي، وتحولت مناجاة الفرد إلى حديث الشعب” [شروط النهضة]، فكلمات بن باديس رحمه الله التي حملت في طياتها البعث استطاعت تحقيق هذا الوعي الجمعي.

عبد الحميد بن باديس (ويكيبيديا)

ويمكن تحقيق الوعي المؤثِر في إشكالية التعلُّم عن طريق:

١- تعميق معاني العبودية وبثّ مبدأ التسليم لله عز وجل التي يجب أن يكون عليها المسلم، ويدرك بها دوره الاستخلافي الذي يدفعه إلى حفظ ذريته وتنشئتهم على مراد الله سبحانه وتعالى.

٢- نشر وتوضيح مآلات المدارس الإلزامية سواء الفكرية أو الاجتماعية والنفسية أو غير ذلك على الناس.

٣- تعظيم شعور المسئولية المنوطة بالأهل في رعيتهم -أبنائهم- ليتهيّأوا نفسيًا لتقبل حلول جديدة بدافع الحرص والخوف على أبنائهم.

٤- نشر ما يجب أن يتعلمه المسلم ويتربّى عليه، وكذلك التوعية بمقاصد التعلم في الإسلام.

٥- الوعي التاريخي بهذه القضية، سواء على مستوى التسلسل الفكري التاريخي الذي آل إلى الوضع الحالي، أو نماذج ناجحة للتعلُّم في التاريخ الإسلامي.

٦- حثّ الاختصاصيّيّن في مجال التربية والعاملين في هذا المجال ليوطّدوا أنفسهم على التغيير، ويفهموا الواقع بصورة تدفعهم لوضع تصورات لمنهجيات رصينة يمكن أن تكون البديل.

هذا النمط التوعوي يجب أن يُبَث بشتى الطرق العصرية المسموعة والمرئية، واستغلال كافة المحافل والوسائل لإنضاج هذا الوعي في المجتمع، وعلينا ألّا نتصور أن هذا التحرك التوعوي يمكن أن ينفذ إلى كافة شرائح المجتمع مهما كان قويًا ومثمرًا وفعالًا، إذ ثمة شرائح تُمثِّل سوادًا كبيرًا من العسير جدًا إخراجها من الدوامة الحياتية، ولكن الهدف هو ضم شرائح جديدة من حافة الوعي إلى مركزه، والتي ستتوسع وقتيًا لتُحدِث حالة مجتمعية يمكنها احتضان أفراد الشرائح الأخرى البعيدة تمامًا عن نسائم الوعي.

التمويل ثانيًا

إنّ وجود مصدر تمويلي يمكنه تبنّي المشاريع الإصلاحية أمرٌ في غاية الأهمية، بل إنّ انتشار المدارس الإلزامية كان من أسبابه الرئيسية دعم رجال الأعمال، فنجد أنّ جون روكفلر مثلًا دفع لأجل تعميم هذه المدارس مبلغًا يربو على ما قدّمته الحكومة الفيدرالية، مما أدى إلى تعميمها على أربعٍ وثلاثين ولاية، لذا يجب وضع مساحة مخصوصة لتوعية وتحفيز رجال الأعمال المسلمين على استثمار أموالهم في هذه المشاريع، ويجب على المصلحين وضع دراسة جدوى مُحكمة، ورؤية رصينة واضحة، لتشجيعهم على بذل أموالهم لإنهاض هذه المشاريع التي يمكنها أن تتمثل على أرض الواقع عند الوصول إلى نقطة الوعي التي تمتد لهيكلة الحاضنة المجتمعية على نحوٍ صحيحٍ ناضج، مما يؤدي إلى نشوء مسالك حقيقية تسمح بنفوذ أطروحات إصلاحية من خلالها.

هذا ما يخص عموم الناس، مما يعني أنّ حصول إصلاح حقيقي للتعلُّم في عموم المجتمعات يحتاج وقت طويل يصحبه جهد إصلاحي بنائي مكثف.

جون روكفلر

ويجب أن نستحضر خلال هذا المسير أنَّ إصلاحَ التعليم وتأطيره ضمن المقاصد العقدية المنشودة أمرٌ لم يغفل عنه أي مجتمع أراد تغيير وجه الحياة فيه، فنجد أنّ الخطوة الأولى التي اتخذها العلمانيّون لعلمنة فرنسا -مثلًا- كانت مع المدارس، حيث “خاضت الدولة هنا صراعها الأكبر في مجال التعليم، مُضْفِيَة قَدَاسَة على الفَصْلِ التَّام بين التعليم ومقولات الدين وقيمه، وذلك للحفاظ على ذاتيّةِ البناء اللاديني للمجتمع وأفكاره الكلية” [العالمانية طاعون العصر- د. سامي عامري]، حيث اعتبروا أنّ “استرجاع الأملاك العامة من الكنيسة إلى الدولة بداية لفك ارتباط الكنيسة بأهم مُؤسَّسةٍ مُؤثرة في المجتمع وهي المدرسة، وهي المعركة الكبرى التي خاضها العالمانيون في أوروبا بكل شراسة”[العالمانية طاعون العصر- د. سامي عامري]، لذا لا يجب التهاون أبدًا في الخطوات المتوجهة نحو إصلاح التعليم.

رسائل لأهل الوعي

قبل اقتراح بعض الإشارات التي قد تُمثِّل ومضات مضيئة في مسيرة تعلم الإنسان التي تبدأ مع الولادة، وتنتهي عندما تبلغ الروح الحلقوم، يجب أن نستحضر أمرين مهمين، أولهما: تفاوت قدرات الناس؛ إذ إنه من الطبيعي جدًا أن تختلف قدرات الناس وتتمايز نقاط القوة والضعف لدى كل إنسان، وأنّ الغالبية في أي مجتمع ليست نخبة، وأنّ هناك صالحين وطالحين، وبالتالي فإن الهدف الأول من المسيرة الوالديّة التربوية والتعليمية هي تكوين مسلمين يدورون في فلك العبودية محققين مقاصد الإسلام مع الحفاظ على السوية النفسية لهم، هذه هي القاعدة العريضة التي يجب أن يُربى عليها كل مسلم، ومنها يتم الانطلاق نحو صناعة النخب، وهذا يأخذنا للنقطة التالية.

أما ثانيهما فهو (إياكم والمقارنة!) حيث إنّ تعاظُم المقارنة في أي مجتمع نذيرٌ للفتك به وإهلاكه، ويفضي إلى تقليل مستويات الرضا وقتل مساحة السعي في المتاح، ولو نظرنا إلى غالبية الأفراد في مجتمعاتنا سنجد أنهم يريدون أطروحة موحدَة نسقًا ومنهجًا، ويمارسون المقارنة، ولا يتقبّل المجتمع بمجموعه فكرة تفاوت القدرات، وهذا ينعكس سلبًا على الطفل حسب المجتمع الواقع فيه، فلو كان الطفل ذا قدرات فائقة، فغالبًا لا يتاح له المزيد بدعوى توقُف من حوله عند هذا المستوى، والعكس صحيح، حيث يتم الضغط على بعض الأطفال وتعنيفهم لأجل اللحاق بمن حولهم دون مراعاة لقدراته.

لكن الصحيح هو عدم تحجيم الطفل عند مستوى معين أو ضغطه، كلٌ حسب وسعه، من رأى فيه الأهل النهم للعلم؛ فليشبعوه، ويطوِّعوا له ما يمكن أن يستشكله، ومن رأوا فيه ضعف؛ فليقوموه ويعطونه ما يضمن استيعاب القاعدة العامة التي تخرِج مسلمًا صحيح الإيمان، سَوي النفس، تقيًا، يصلُح للعرض على الله.

إنّ هذين الأمرين يعتبران ضمن السياق التربوي، الذي هو بالطبع مركزيٌ في عملية التعلّم، ولكنهما ضروريين في سياق التعلم، لذا وجب الإشارة إليهما هنا.

الاحتمالات الممكنة لهذه الشريحة:

١- وجود الأبناء بالفعل في المدارس، وفي هذه الحالة يصعب جدًا إخراجهم منها وبدأ نسق جديد مغاير تمامًا معهم خصوصًا لو تعدّوا المراحل الأولى، ولكن ما يجب فعله بشكل أساسي هو:

أ. تحجيم مساحة المدرسة في حياتهم بإبعادها عن المركز المحوري للحياة، وتعزيز إدراكهم أنّ المدرسة مجرد أداة مساعدة لاكتساب بعض العلوم والمعارف.

ب. ترسيخ معاني العبودية لله عز وجل في نفوسهم، وإعلامهم مقاصد التعلُّم في الإسلام. وشحن حياتهم بمعاني الإيمان، وتعليمهم استحضار النية والاحتساب في كل عمل.

ت. الحرص على تعليمهم القرآن الكريم والسنة النبوية واللغة العربية الفصحى وأصول الشريعة، ويكون الوالدان متمثلين لهذه المعاني في ذاتهما ويمرران اللغة العربية لهما بالسليقة من خلال التحدث معهما بها، وإسماعهم فصيح القول بدءًا من القرآن الكريم ومرورًا بالشعر وغيره.

ث. إلى جانب ذلك فإنه يجب تضمين الأسس الفكرية الصحيحة في النسق التربوي، وتحفيز التفكير الناقد لديهم مع تعريفهم بإشكالية هذه المناهج والمدارس وتاريخها بالطريقة المناسبة.

ج. توعيتهم تجاه ما تتضمنه من كوارث فكرية، ومن هنا فإنه لا بد من إنشاء محاضن اجتماعية مناسبة تمكّنُّهم من إنضاج القيم الاجتماعية وتبلوُّر شخصياتهم، وتفويض مهام لهم يتحملون فيها المسئولية في جوانب متعددة، وإتاحة فرص متنوعة للتجربة والتعلُّم وتنمية المهارات.

ح. الحرص على زيارة أماكن ثقافية مثل معارض الكتب والمكتبات، وتوفير بيئة ثقافية متوازنة ومتنوعة في المنزل كركيزة أساسية من ركائزه.

خ. التأكيد على أنّ الروح التنافسية يجب أن تكون مع الذات، لا مع زملاء المدرسة أو الأقران، وأنّ الفهم العميق للمادة العلمية هو الهدف الحقيقي وليس تحصيل الدرجات.

د. توفير الإثراء المعرفي لهم بشكل دائم ومطرد ومتخلِل لكل المناسبات والمواطن.

ذ. تكوين عادة القراءة الذاتية وتحفيزهم عليها، ومناقشتهم مناقشة جادة حول ما قرأوا، مع تنويع الواجبات العملية بين تلخيص للكتب، وشرح للفكرة وإعادة صياغة لها، وإلقاء الفكرة وتبسيطها للأقران، ونقد بعض الأفكار.

ر. ملاحظة المواهب التي تبرز لديهم وتعزيزها، وعدم إملاء تخصص معين عليهم تلميحًا أو تصريحًا، وجعل إعلاء كلمة الإسلام وخدمة رسالته ونفع الأمة هي الغاية التي يبذلون لها ويطلبون العلم لأجلها.

وهذه النقاط العشر يجب أن تحقَق في بيئة تربوية إسلامية صحية، ويجب الاهتمام بالأنشطة الترفيهية وغيرها مما يضمن تحقيق التوازن.

٢- لمن لم يدخل أبناؤهم المدارس بعد:

هنا فإن فرصة التعليم المنزلي (غير النظامي) لا زالت متاحة، ولكن قبل أخذ هذا القرار، يجب التحرير الصادق لبعض الجوانب:

١- يتأكد الأبوان من امتلاكهما الجَلَد، وقدرتهما على تحمُّل الطرق الطويلة، وتمكُّنهم من القيام بدراسة جدوى حقيقية، فلا يجب أن يتحمّسا دون اختبار أنفسهما، أو معرفة حالهما على إثر تجارب سابقة، لأنهما إذا لم يكونا من أهل الجَلَد وطول النَفَس؛ فإنهما بهذا يغامرون بأبنائهم.

٢- اختبار درجة المرونة لديهما، إذ إنّ العلوم التي سيدرسها الأبناء لا يجب أن تتشابه بين الإخوة سوى في الأصول التي هي الإيمان والقرآن واللغة العربية وأصول الشريعة والحساب، بعد ذلك يُسقى كل طفل حسب قُدراته وميوله، فإذا لم يمتلكا المرونة الكافية والقدرة البحثية؛ فإنهما سيقعان في فخ القولبة من جديد.

٣- إمكانية الاستعانة بمربٍّ أو مؤدِب، وتفويض بعض المهام له.

٤- مركزية وجود أنشطة وفعاليات اجتماعية ثابتة ودورية أسبوعيًا، حتى لا يُعزَلوا اجتماعيًا، والتأكد من إمكانية الحفاظ على ذلك الأمر وتضمينه في نسق الحياة ونظام البيت، ووضع آلية واحتياطات لازمة قابلة للتنفيذ حسب كل أسرة للتعامل مع الطوارئ والظروف الاستثنائية، وإفهام الأبناء ذلك ضمن نُسُق تربوية ليس هذا موضع تفصيلها.

٥- القدرة على وضع تصوُّر للمستقبل المهني، سواء بالالتحاق بقسم التعليم المنزلي في المدارس لضمان الصعود المدرسي الذي يتيح لهم الدراسة التخصصية الجامعية، أو التأكد من إيجاد وسائل على الشبكة تضمن لهم هذا المسار.

إذا تم التأكد من إمكانية تحقيق هذه البنود الخمسة، فلهم اتخاذ هذا القرار، وبالطبع مع تحقيق بيئة تربوية إسلامية صحيحة، وإلا إلحاقهم بالمدارس مع تحقيق الاحتياطات العشرة المذكورة آنفًا.

مدخل حول قضية تشكُّل الوعي

تُشير كلمة الوعي في معهودِ الاستخدام العربي إلى معانٍ تدُلُّ على ضَمِّ الشيء؛ كالحِفْظِ والفَهْم والقَبُول والإدراك التَّام ونحو ذلك، بينما يُشير معناها في المعهود الفِكْري والثَّقافي إلى معانٍ متعدِّدة.

مصطلح الوعي بين اللغة وتطور الدلالة

حيث إنَّ كلمة الوعي قد أخذتْ حظَّها من التطَوُّر الدِّلالي، فأصبح لهذه الكلمة مدلولات مختلفة بحسب الحقل التي هي فيه، والمعنى الذي أُريده هنا، هو ما يُشير إليه أ.د. عبد الكريم بكَّار في كتابه: “تجديد الوعي” بقوله: “إنَّ الوعي محصِّلة عمليات ذهنية وشعورية مُعَقَّدة، فالتفكير وحده لا ينفرد بتشكيل الوعي، فهناك الحَدْسُ، والخيال، والأحاسيس، والمشاعر، والإرادة، والضَّمير، وهناك المبادئ والقيم ومرتكزات الفطرة، وحوادث الحياة، والنُّظُم الاجتماعية، والظُّروف التي تكتنف حياة المرء. وهذا الخليط الهائل من مكوِّنات الوعي يعمل على نحو مُعَقَّدٍ جدًا، ويُسْهمُ كل مكوِّنٍ بنسبة تختلف من شخصٍ إلى شخصٍ آخر، مما يجعل لكل شخصٍ نوعًا من الوعي يختلف عن وعي الآخرين”.

هذا النص يوضح لنا أن الوعي حال يشترك في تكوينه عدَّة مُكَوِّنات متضافرة، كما أنَّه هو المرتكز الأساسي الذي يحكم تصرُّفات الإنسان التفكيرية، والسلوكيّة، والتعامليّة، وإذا ما أردنا أن نُقَرِّبَ مدلول الوعي لأذهاننا، علينا أن نبحث وراء ما نُطْلِقُ عليه وعيًا، فإنَّنا في كثيرٍ من الأحيان قد نَصِفُ بعض الأشخاص بأنَّهم “واعون”، ونقصد بذلك: سلامة إدراكهم، وسداد فهمهم، وجودة نباهتهم، التي جعلتهم في حالة من اليقظة والتَّبَصُّر تُمَكِّنهم من إدراك الوقائع والحقائق والمستجدات والمؤَثِّرات، والتعامل معها بشكل أكثر كفاءة.

إننا في الحقيقة لا نتعامل مع الوعي من حيث هو هو، أي: لا نُطْلِق وَصْفَ الوعي ونُريد به مدح مُكَوِّنَاته، ومدى جودة تأثير كُل مُكوِّن في إنضاج وعي مَن وصفناه بالوعي، وإنَّما نتعامل معه من حيث إفرازاته وما يدُلُّ عليه من مؤشراتٍ ملحوظة.

 

عبد الكريم بكَّار

من الطفولة إلى الرشد.. رحلة الوعي

إنَّ رحلة الوعي تبدأ منذ مراحل مُبِكِّرة من حياتنا، بل تبدأ قبل أن نُوْجَد في هذه الحياة، وذلك إذا ما اعتبرنا مدى صلابة تأثير البيئة في تشَكُّل وعينا وإنضاجه، فإنَّه من الملاحظ تمامًا أنَّ وعي الوالدين -ومَن يقوم مقامهما من الـمُرَبِّين-، والبيئة التي يُوجِدَانها لأبنائهما، وما يُحيط بتلك البيئة المُهيَّأة، والنُّظُم الاجتماعية التي تحكم عادةً، والعقل المجتمعي السائد؛ هي من أوائل المكوِّنات التي تُحَدِّد الخطوط الأولى والعريضة لسَيْر وعينا، شيئًا فشيئًا يدخل وعينا إلى مراحل متقَدِّمةٍ من التعقيد والتركيب، حيث تبدأ هذه النَّفس بما أودع الله تعالى فيها من خُلُقٍ وطِبَاع بالتفاعل مع الواقع الخارجي، فتنشَأ لدينا الإرادة والشَّهوة (الرَّغبة)، والعِبْرَة والخبرة، وطُرُق العيش والكَسْب، وأمور متعدِّدة تعود على تكوين وعينا بالأثر الكبير الملموس، وقد يكون تأثير كل مُكَوِّنٍ من هذه المكوِّنات مخْتَلِفًا بين شخص وآخر، وفَرْقُ نِسَبِ التأثير له ارتباطٌ بأسباب أخرى، إلا أنَّ المقصود: أنَّ الفَرْقَ في تأثير هذه المكوِّنات على النَّاس -بل وجود بعضها من عدمها- هو ما يُوْجِدُ اختلافهم الظاهر في درجات الوعي والإدراك، ومدى امتياز بعضهم عن بعض في جودة التفكير، وسلامة الفَهم، وتماسُكِ المنطْقِ، ومعيارية المحاكمة العقلية، وحُسْنِ رَدَّاتِ الفعل..

وهذا يعني أنَّه من الأمور اللَّازمِ إدراكها: ضرورة توفير ما يستطيع الإنسان توفيره من أسباب الوعي والإدراك، بِدْءًا بنفسه، ثُمَّ لأهله، ثُمَّ لمُجتمعه، ليُحَقِّق له وعيه هذا: انكشاف الحقيقة والصواب، ويُبْعِده عن الزَّيْفِ والعِماية والخِداع، فيغدو تفكيره رشيدًا، وسُلوكه مُتَّزِنًا، وفهمه لما حوله سديدًا، وردود أفعاله حكيمةً منضبطة.

وعينا في زمن العولمة

ونحن إذا تساءَلنا اليوم، ما هي الأمور التي تُشَكِّل وعينا وتؤثِّرُ فيه؟ وهذا في الحقيقة سؤال في غاية الأهمية، لا سيَّما ونحن في عصر العولمة، العصر الذي تماهت فيه هوية أُمَّة الإسلام بهويات الأُمم الأخرى، وانتقلت إلينا كثيرٌ من الأسباب التي أثَّرت في تشكيل وعينا كما ينبغي، فالمسلم -بلا شك- يمتلك أكبر مُقوِّمَات الوعي، وهو: الوعي الإيماني الذي يُشكِّل مرتكز الوعي وأساسه، والذي يُبْنَى عليه غيره، وليس حديثنا هنا عن مُقوِّمَات الوعي المسلم، فهذه القضية حقُّها أن تُفْرَد بالكتابة، لكن نُشير إشارة تُصَحِّحُ قولنا: بأنَّ المسلم يمتلك أكبر مُقوِّمَات الوعي، لننتقل إلى المقصود من هذا المقال.

فنقول: إنَّنا إذا تأمَّلنا فيما يبحَثُ عنه المفَكِّرون والفلاسفة، فإنَّنا سنجد أنَّهم يبحثون عن الحقائق وراء مجموعة من الأسئلة المركزية، والتي يُعتبر إدراك جوابها مُلِحًّا وضروريًّا للغاية، فمن أهم تلك الأسئلة: الأسئلة الوجودية، وهي التي تتعلَّق بالسؤال حول حقيقة الوجود (المبدأ والمصير)، وحقيقة الهوية (من أنا)؟، وحقيقة الغاية (لماذا نحن هنا)؟، وغيرها من الأسئلة الضرورية التي يمتلكُ المسلم إجابتها الإجابة الوافية الشافية فيما أنزله الله في وحيه.

إن حقيقة الوجود (الكون) قائمة على أنَّه مخلوق مكانًا وزمانًا، وأنَّ له خالقًا خَلَقَه، ولم يَخْلُقْه الله تعالى لا عبثًا ولا لهوًا ولا لعبًا، بل خَلَقَه لغاية وحكمة بالغة، وأنَّنا إليه راجعون، وأنَّ وراء هذه الحياة حياة أخرى.

وحقيقة الهوية: أنَّنا بشرٌ مخلوقون، عابدون لله تعالى ومكَلَّفون من قِبله، خلقَنَا فأحسن خَلْقَنا، وقدَّر مقاديرنا، وكتب آجالنا وأرزاقنا، ونحن في الختام إليه صائرون.

وحقيقة الغاية: أنَّنا خُلِقنا للعبادة والابتلاء (الاختبار).

فهذه الحقائق الضرورية مُبَيَّنة للمسلم في وحي ربِّه غاية البيان، إلى جانب حقائق أخرى لا تقِلُّ عنها أهمية، وهذا يُؤكِّد أنَّ لدى المسلم وعيٌ إيمانيٌّ يُوصله إلى الحقائق في صُلْبِ القضايا الملحَّة والتي يَضِلُّ فيها كثيرٌ من النَّاس، سواءً كانوا من المتَّبعين للشرائع السابقة كاليهود والنَّصَارى فإنَّ ما وقع في دينهم من التبديل والتحريف أفقدهم البلوغ للحقائق الإيمانية بالقَدْر الذي عند المسلمين، فقلَّ وعيهم الإيماني بتلك الحقائق، فاليهود قومٌ غَضِبَ الله عليهم، والنَّصَارى قومٌ ضلّوا بعد إذ جاءهم العلم والوحي، أو كانوا من المتنَكِّرين للدِّين كالملاحدة ونحوهم، فهؤلاء جميعًا فاقدون لهداية الله وإرشاده، وكان الحظُّ الأوفر في تمام الحقائق إنَّما هو للمسلمين.

من هنا فإننا نقول: إنَّ المسلمَ يمتلكُ أكبر مُقوِّمَات الوعي المتكامل؛ لأنَّ الوعي الإيماني هو الأصل الذي يكشف للإنسان الحقائق الوجودية، فيَبْنِي عليها كل شؤون وعيه، ويُفَرِّعها على ذلك الأصل، الذي هو في ذات الوقت: وعيٌ مستقل ومعيار حاكم، وحينها تنكشف كثيرٌ من الأمور الحياتية الجزئية، ويصل المسلم فيها إلى تمام الوعي والرَّشاد، لينعم بحياة الحقيقة في هذه الدُّنيا.

والمقصود: أنَّ الأصل الذي ينبغي أن يُشَكِّل وعينا لابُدَّ وأن يستند فيه المسلم إلى الوحي، بحيث يكون الوعي الإيماني هو أحد مكوِّنات تشكُّل وعي المسلم الأساسية، فإنَّه الكاشف له عن تفاصيل شأنه حقيقةً، وما يحتاج إليه في هذه الحياة: اعتقادًا وإيمانًا، فِكْرًا ورشَادًا، سلوكًا وتعاملًا، معيارًا وتحاكمًا، وأنَّه في الحال الذي نبتعد فيه عن الوحي أو (الوعي الإيماني) في بناء وعينا وتشكُّله سنبتعد بقَدْر ذاك البُعد -أو أكثر- عن أن يكون وعينا مُحَصِّلًا للحقائق بصورتها الهادية إلى الحق والصواب.

مآلات الهوية الحداثية في عالم متسارع

لنفهم قضية الهوية حق الفهم لابد أن ندرك أننا لا نتلقى الواقع في موضوعية مطلقة، وسلبية تكتفي بالرصد والتسجيل، فالعقل الإنساني عقل توليدي يبقي ويضخّم ويهمش ويضيف ويحذف، وتتم عملية الإبقاء والاستبعاد والتضخيم والتهميش والإضافة والحذف حسب نموذج إدراكي يشكل هوية الإنسان هو في صميمه رؤية للكون.

الهوية.. كيف تتشكل ذواتنا؟

إن هوية شعب ما تتشكّل عبر مئات السنين من خلال تفاعله مع الطبيعة وبيئته الجغرافية ومع بني جلدته ومع الشعوب الأخرى. ولأن أعضاء هذا الشعب لا يعكسون الواقع كما هو، وإنما يتفاعلون معه، فعقولهم التوليدية تبقى وتستبعد وتضخّم وتهمّش، وكذا هويتهم فإنها تتشكل من خلال إدراكهم لما حولهم، ومن خلال تطلعاتهم ورؤاهم وذكرياتهم، فهي ليست مجرد انعكاس بسيط لبيئتهم.

من هنا تكتسب الهوية فرادتها وتركيبيتها التي لا يمكن ردها إلى قانون أو نمط مادي. ولكن عادة ما ينطلق الكثيرون من الرؤية المادية التي يسمونها “علمية”، فيدرسون الهوية في إطار النموذج المادي كما يفعل كثير من الدارسين في الغرب. واستخدام النموذج المادي يعنى استخدام الحواس الخمس، كما يعني دراسة الظواهر الإنسانية كما تُدرَس الظواهر الطبيعية. ومثل هذا المنهج يودي بالهوية تمامًا، لأنه لا يتعامل مع الواقع إلا من خلال معايير مادية، وهي معايير عاجزة بطبيعتها عن رصد الهوية في كل تركيبيتها وفرادتها.

إنسان السيولة المعولَم..

لقد أدى هذا المنهج إلى تعريف الإنسان باعتباره “الإنسان الطبيعي”، بمعنى أنه إنسان يتسم بسمات عامة أضيفت إليه من قبل الحضارة التي تحيط به، أي أنها ليست أصيلة فيه. وبذلك تتحول الهوية إلى مسألة مضافة آليًّا، وتغدو مجرد زخرفة، وهكذا يصبح المشروع الإنساني هو العودة إلى الإنسان الطبيعي متجاوزين الزخارف الإضافية.

“هذه الفكرة عبرت عن نفسها في فكر حركة الاستنارة الغربية -التي توصَف بأنها عقلانية مادية- كما تعبّر عن نفسها فكر العولمة، فالعولمة هي في جوهرها العودة إلى هذا الإنسان الطبيعي، الذي لا يعرف الحدود أو الهويّة أو الخصوصيّة وليس عنده أي إدراك أو اكتراث بالقيم الأخلاقية والمعنوية مثل الكرامة والارتباط بالأرض والتضحية. ولذا نجد أن خطاب العولمة يتحدث عن حرية انتقال السلع ورأس المال، والشركات عابرة القارات وحدود الدول، ولا يذكر شيئاً عن الثقافات أو الهويات المختلفة”(١).

الهوية في العصر الحديث بين الفردانية والجماعية

إن الفصل بين الفرد والمجتمع، والحديث عنهما كأنهما قوتان منفصلتان أو معسكران متقابلان هو من عيوب البحث النظري الذي يتصور حالات وقضايا لا وجود لها في واقع الأمر، لأن المجتمع هو مجموع أفراده، وكذا فإن الواقع المحسوس هو أن كل فرد هو في ذات الوقت كائن مستقل وعضو في جماعة. “ولذلك لا يمكن فهم حياة فرد، ولا تاريخ مجتمع دون فهمهما معاً [….]، يسعى كل فرد أن يكون ذا قيمة عند الآخرين وبالتالي فإن هذه القيمة تكمن في أحكام الآخرين. إن الشعور بالكينونة والوجود يكون من خلال تلك القيمة التي يمنحها الآخر بأحكامه، وهي أحكام دالة وجديرة بالاعتبار. أن يكون المرء كائنًا ما من أجل الآخر عملية تترجم الرغبة في تلك الهوية على نحو قطعي” (٢).

وهنا “تظهر المشكلة في أن هشاشة العبقرية تكمن في حاجتها إلى جمهور. وتلخص هذه العبارة إحدى معضلات الوجود الاجتماعي، فالفرد لا تترسّخ لديه العديد من السمات إلا بفضل الاعتراف الخارجي بها، اعتراف الآخرين، وكثير من تصورات الإنسان عن نفسه هي انعكاس واعٍ أو مشوّش أو ناقص أو مختزل عن تصورات الآخرين عنه” (٣) من أجل هذا “نجد أنفسنا في أحوال كثيرة في مأزق (تمثيل النفس)، بمعنى ما مدى مصداقية ما أعتقده عن نفسي وما يعتقده الآخرون عني، وتكمن صعوبة المأزق في التناقض الأبدي بين رغباتنا في الحصول على الإطراء وربما الشهرة والمكانة والاحترام وبين قدراتنا ومؤهلاتنا الشخصية، عند التعامي والانجرار خلف الرغبات تتضاءل المشكلة لدينا ونتحوّل لكائنات بائسة ومستلبة للآخرين وجاهلة بذاتها” فالنفس الحديثة لا تمتلك أي مضامين صلبة عن ذاتها لأنها تعاني من تعويم نفسي وتعيش في مرآة فارغة تستدعي قدرًا أكبر للإرشاد، و”المفهوم الحديث للهوية ينبع من تقدير الذات وأن الذات الداخلية لها قيمة، وأنها ليست مطالبة بالخضوع لقواعد المجتمع، بل إن المجتمع هو الذي يجب أن يتغير، وعليه تصبح الهوية سمة عالمية للشخصية البشرية التي تتوق إلى الاعتراف والإيمان بها”.

العصر الحديث وهوية التقدم

لقد أعلى العصر الحديث -بعد التحرر من القيم التقليدية- من القيم الفردية للشخص، وكيف يكتشف ذاته متفردًا عن الجموع حوله، وقد غدت علامات الطريق التقليدية أقل بريقًا وتأثيرًا وضرورة، وأصبح العالم الاجتماعي يواجهنا بتشكيلة واسعة ومحيرة من الخيارات، وللسرعة التي يتسم بها عصرنا دور في هذا، إذ يعني التغير السريع وكثرة المعلومات تشتّت المشهد وانعدام اليقين ممّا يعني أن الهُوية المتشكلة هي أيضا هُوية مترددة ومتعددة ومداها لحظي، “إن انهيار إحساس الثقة بالنفس والآخر، داخل أنظمة القيم الثقافية، وداخل الأنظمة الاجتماعية، من شأنه أن يعزز مواقف اللامسوؤلية وأن يؤدي إلى نمو النزعة السلبية والاتجاهات الفردية. حيث لا يبقى هناك شيء يمكن للمرء أن يؤمن به سوى الذات عينها ولكن هذه الذات لا يمكنها أن تكون قوية متماسكة وذلك لأنها محاطة بأطر منطقية ونماذج متضاربة ومتناقضة لذلك لا يمكن اليوم للإنسان المعاصر أن يتملك على إحساس الثقة بالنفس ويبدو أن ذلك التملّك في غاية الصعوبة. فالعمليّات التي تؤكّد النزعة الفرديّة في الغرب المعاصر تعود إلى انحلال الأنظمة المتكاملة، فالإنسان المعاصر لا ينفتح على أية تجارة ليس لها قيمة بالنسبة لوجوده الخاص”. (٤)

الهوية المعاصرة ووهم الحرية

لقد تم إقناعنا بأننا أحرار، وأن على كل واحد منا إيجاد هُويته المميزة، ليكون متفردًا عن أقرانه، إلا أننا في الوقت ذاته أُخضعنا إلى الاستهلاك الممنهج وتم إقناعنا أننا لا يمكن أن نجد هُويتنا دون شيء مادي نرتديه أو نقتنيه، لقد تحررنا من الرقابات ومن الأشكال التقليدية المجتمعية التي تُقوض حريتنا، ألا أننا الآن، متشابهون بنفس الدرجة في أسواقنا وعاداتنا، وأصبحت المنتجات هي تبيع لنا القيم، “وهكذا فإن الجيل الذي أراد إنشاء هويته الخاصة وكان يندد بالنزعة الاستهلاكية، اعتنقها بعد أن ساعدته في التعبير عن ذاته، فأمكنه شراء الهوية بدل إنشائها”. (٥)

إن تحرير الذات أنتج أنواعًا جديدة من الناس يصفون أنفسهم بأنهم أحرار من قيود المجتمع، لكن في حين شعور هؤلاء البشر الجدد بالحرية أصبحوا عالة بصورة متزايدة على هُوياتهم في السوق، وكما قال الآن تورين: “إنّ التحرر من الرقابات ومن الأشكال التقليدية للسلطة يتيح السعادة، غير أنه لا يضمنها، إنه يستدعي السعادة إلا أنه يُخضعها في نفس الوقت إلى التنظيم المُمركز للإنتاج والاستهلاك، والتأكيد بأن التقدّم هو السير باتجاه “الوفرة والحرية والسعادة” وبأن هذه الأهداف الثلاثة مترابطة جدًّا الواحدة منها بالأخرى، ليس سوى إيديولوجيا يعمل التاريخ على تفنيدها باستمرار”.


مصادر الاقتباسات:

  1. الهوية والحركية الإسلامية، دكتور عبد الوهاب المسيري
  2. الهوية، اليكس ميكشللي
  3. مقالة من صفحة الاستاذ عبدالله الوهيبي-
  4. الهوية، اليكس ميكشللي
  5. صناعة الواقع، محمد علي، مركز تفكر للبحوث والدراسات، 2014

إصلاح التعليم بين التنظير والتنزيل

بعد الاطّلاع على أطروحات متنوعة لإصلاح التعلم أو منظومة التعليم، تبيّن -بالرغم من الجهود الحقيقية المبذولة- أنّ جميعها لا تخلو من أفكار يصعبُ جدًا تحققها في أرض الواقع، وأنّ تحديات الواقع الحالي تُشكِّل عائقًا حقيقيًا أمام المصلحين في كافة الميادين؛ ولذا فإني سأحاول في هذا المقال بإذن الله عرض وتفكيك بعض هذه التحديات لعل ذلك يفتح مسلكًا لأفكار أخرى فتظهر للوجود.

أصل الإشكال

إن كارثة المدارس الإلزامية لا تتوقف عند تجهيل الأجيال، وإنما تمتد إلى هدر حاضرهم ومستقبلهم، فعندما يدفع الشاب والفتاة حياتهم في تعليم دون تعلّم، أو مكاسب معلوماتية وأخلاقية واجتماعية حقيقيّة، ودون اكتساب مهارات كبرى في هذه الفترة الحرجة من حياة الإنسان، فهذا بمثابة إعلان على تخريج ملايين البشر المجوفين، الذين لا يعرفون معنى العبودية ومركزيّتها، ولا يملكون علمًا أو خبرة عميقة، أو مبادئ فكرية صحيحة، فمع أول جيل ينتجه هؤلاء،  سينتشر الفساد في الحياة الاجتماعية ويطغى في كافة جوانبها سواء في الحياة العامة أو الخاصة، وهنا تتبلور الكارثة الحقيقية التي تواجه المصلحين في هذه القضية، وهي أنّ كل خطاب إصلاحي موجه للناس ستكون القاعدة الكبرى المتلقية له جوفاء لدرجة تهدر أي جهد إصلاحي.

في جدوى بعض الأطروحات

  • فكرة التعليم المنزلي (التعليم غير النظامي):

مع إدراك الكثير من المصلحين حجم الفساد الذي طال المدارس الإلزامية، ومدى تأثيرها السلبي على المستوى الفكري والاجتماعي والنفسي؛ نرى أن عددًا كبيرًا منهم اتجه نحو التعليم المنزلي، واتخذوا هذا النموذج حلًّا يصلُح تعميمه في المجتمع، وبالرغم من الإيجابيات الحقيقية التي تمتاز بها هذه الأطروحة، إلا أنها تواجه ثلاثة تحديات أساسية:

الأول: طبيعة المجتمع الراهن.

إنّ تجربة التعليم المنزلي لا يمكن تعميمها في المجتمع الحالي، لأنّ نجاحها مرهون بالمستوى الثقافي وحركة الرواج العلمي التي تتبناها الحاضنة المجتمعية، وبالتالي يكون نجاح هذا النموذج مقتصرًا على الأسر التي تحمل مستوى ثقافيًّا وفكريًّا وتربويًّا يُمكّنّها من المواصلة في الارتقاء الديني والثقافي والفكري والاجتماعي للأبناء، وكذلك مواجهة التحديات الاجتماعية التي يفرضها العصر، والمثبطات التي لا حصر لها، إذ أنّ العقل الجمعي في المجتمع هشّ البنية، ذي الهُويّة المشوّهة، لا يقبل بسهولة أنّ يرى من يذكّره بحقيقته، أو يخبره بنمط حياته المقولَب الذي لا يستطيع الخروج عنه، أو حتى أولئك الذين يرون أنّ هذا إهلاك وتضييع للأبناء، وهذا أمر يحتاج إلى حكمة مع حزم لتخطي هذه العقبات.

بعد دوران عجلة المدارس الإلزامية مئات المرات، باتت هناك أجيال كاملة تكونت منها ملايين الأسر التي لا يجيد أربابها أيًا من الأساليب التربوية المستقاة من مرجعية الوحي فضلًا عن الثقافية أو الفكرية، وأصبحت المجتمعات تحوي نسبًا مرعبة من الأمية، سواء الأمية بمعناها المعروف أو أمية الوعي، وهذه أضل سبيلًا، فهذه الأجيال غير مهيّأة للتربية الصحيحة فضلًا عن حمل مسئولية التعليم كاملة.

الثاني: لا يزال الإشكال قائمًا!

عندما اطلعتُ على بعض تجارب التعليم المنزلي سواء المعتمد على شبكة الإنترنت أو الكتب، وجدت أنّ الأغلبية الساحقة لم تستطع كسر دائرة النظامية والمناهج المهندَسة عند ممارسة التدريس للأبناء، لأن القولبة التي تسببها المدارس الإلزامية ترسّخت في أذهان الحاضنة المجتمعية لطول عهدها بها، فبدلًا من الذهاب بهم إلى فصول المدارس، باتوا يدرّسونهم المناهج ذاتها بالطريقة ذاتها، ولكن في رحاب المنزل وبين غُرفه.

صحيح أن بعض الإشكالات النفسية والاجتماعية تمّ تلافيها، خصوصًا إذا كان الوالدان على وعيٍ كافٍ بها وحَرِصا على تعزيز هذه الجوانب بشكل صحيح، إلا أن السؤال يبرز: ماذا عن الإشكالات الفكرية التي ملأت أوراق تلك المناهج؟

إنه حتى لو تم تصفية بعض المواد من الإشكالات الصارخة كنظرية التطور الدارويني ونظريات نشوء الكون الإلحادية، فالمناهج في ذاتها تحمل نَفَسًا عالمانيًّا ودعوات واضحة في الانفصال عن الدين، فهي مُصمَّمَة لتحقيق مقاصد تختلف تمامًا عن المقاصد الإسلامية، ولا عجب في ذلك فهي نابعةٌ من النظام الغربي الحداثي وما يحمله من أيديولوجيات، لا من مرجعية إسلامية تضبط بوصلة المسلم، فيطوّع كل علم يدرسه لتحقيق مقاصد الدين.

الثالث: النظام التعليمي المنزلي غير مدعوم في أغلب الدول.

إنّ هذا إشكال حقيقي يواجه هذه التجربة، إذ إنّ الآباء الذين استطاعوا تجاوز التحديات السابقة بأمان، يسقط بعضهم عند شفا هذه الإشكالية، كما أنّ عدم حصولهم على شهادات رسمية من التعليم المدرسي يحرمهم من الدراسة الجامعية أو الانخراط الطبيعي في سوق العمل، ولعل البعض استطاع تخطيها من خلال الصعود الصوري في المراحل التعليمية المدرسية لعدم فقد هذا الجانب، وممّا شجّع الكثيرين على الاستمرار هو تواجد عشرات الفرص من الأعمال الحرة العالمية التي يمكن أن يحترفها الإنسان ويتكسّب منها دون احتياج إلى المدارس الإلزامية.

  • أطروحات إصلاح التعليم الإلزامي.

عند الاطلاع على الأطروحات التي عمدت إلى إصلاح المدارس الإلزامية، نجد أنّها انقسمت إلى قسمين:

الأولى: أطروحات تتجه إلى إصلاح التعليم بشكله الحالي.

وهذا من خلال توسيع النظر إلى الشخصية المتكونة من خلاله، فالأفراد يجب ألّا يكونوا مكسبًا للاقتصاد والسوق بمختلف فروعه فحسب، بل يجب توسيع الدائرة لتشمل الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، حيث تشير عشرات من التقارير الدولية إلى الرابط بين القصور في نظم التدريس من جهة، والبطالة ونقص الاستعداد لمواجهة التحديات الاقتصادية الوشيكة من جهة أخرى.

بيد أن هذا الفهم للمشكلة الذي يتركّز على الكيفية التي يتعيّن فيها على المدارس أن تهيئ الطلاب لمواجهة الوضع الاقتصادي يتسم _على الرغم من دقّته_ بضيق الأفق، فالإصلاح لا ينبغي أن يركّز على المدارس وحسب، بل على الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع التعليم، فالأمر لا يتعلق فقط بالتقدّم الاقتصادي وموقع العمل _رغم أهمّيتهما_ بل كذلك بالاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي.

وثمة ملمح آخر وهو نقد الصورة الحالية للمناهج الدراسية كمًا وكيفًا، فقد رأى النقاد أنه ينبغي عدم اقتصار الإصلاح على طرح سلسلة من التغيرات المحددة في المناهج الدراسية القائمة لتلبية احتياجات سوق العمل اليوم، بل لابد من أن يكون التركيز -بدلاً من ذلك- على بذل الجهد لدفع المجتمع، على جميع الأصعدة (من القيادة السياسية، والموظفين العموميين، والمدرّسين، والطلاب، والأهل، والمجتمع المحلي) إلى بلورة الرؤى حول التعليم في مجتمعاتهم، ويجب أن تقوم هذه الرؤى بدرجة أقل على المواد التي يجب تعليمها في المدارس، وبصورة أكبر على كيفية تطوير عملية تعليمية تدمج ما يجري في الصف وخارجه، وفي موقع العمل، وفي وقت الفراغ، ولفترة طويلة بعد التخرج.

كان من المُلاحَظ أنّ النظم التربوية العربية لا تشجّع -بل لم تُصمَّم لتشجّع- روح التشاركية والإخاء الأهلي في جوانبها كافة، وهي _بدلاً من ذلك_ تركّز على التعلّم بصفة عامة، ويشدّد أكثرها بصورة أضيق على اكتساب مادة معرفية محددة ومتفق عليها، وتُصمَّم النظم المدرسية لاستخدام مادة أكاديمية محددة.

نتيجةً لذلك، يشجَّع المدرسون على تعليم مهارات إدراكية متدنية (تقوم على التذكّر والاستيعاب) على حساب المهارات الأكثر رقيّاً (في مجالات التطبيق، والتحليل، والتوليف، والتقويم، والتفكير النقدي). ومن ثم تنتج تلك النظم خرّيجين يحملون المؤهلات، لكنهم لا يمتلكون منظومة المهارات الضرورية للتصدي للتحديات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي تواجه المجتمعات العربية، أو حتى لتلبية احتياجات موقع العمل، وهي الهدف المعلن لكثير من الجهود الإصلاحية الأخيرة.

وكذلك شملت بعض هذه الأطروحات نظرة الأهالي إلى المدارس التي اعتبروها مواقع يكتسب منها أطفالهم المقدرة على تحصيل الرواتب العالية، واكتساب المهارات التقنية، والتمتّع بمستقبل مهني مُجزٍ، وعندها تنحصر هموم كبار المسؤولين في إنتاج الخرّيجين الذين تزيد سيرتهم الذاتية من مكانتهم في سوق العمل.

مع محاولتهم بحث إشكالية أهلية المعلمين وضعف التمويل، وثمة أطروحة اعتبرتهما التحديين الكبيرين اللذَين يواجهان إصلاح التعليم، حيث إنّ ضعف تأهيل المعلّمين ووجود عشرات الألوف منهم ممن لم يتلقّوا أي تدريب على طرق ووسائل التعليم والتقييم الحديثة، مما يؤثر في ضعف العائد على الكلفة الباهظة للتعليم، والآخر هو ضعف تمويل برامج إصلاح التعليم، وبالتالي فإن وضع إصلاح التعليم على الطريق الصحيح يحتاج أولاً إلى بدء برنامج واسع ومكثف لإعادة تأهيل المعلمين القائمين حالياً، وإعداد المعلمين الجدد بمقاربة مختلفة عما يجري حالياً لمواجهة تزايد الطلب على التعليم، وكذا زيادة الإنفاق على التعليم وتحسين كفاءته.

إشكالات وتحديات

ورغم الجهود الجهيدة في هذه الأفكار، إلا أنني أرى فيها إشكالين رئيسيين:

الأول: إنّ هذه الأطروحات تصلح لترميم الأنظمة المدرسية المتهالكة في المجتمعات الغربية، التي ابتدأت هذا النظام أصلًا للحصول على عمال ماهرين -وتفصيل ذلك في مقال سابق– وصُمِّمَ لهذا النظام مناهج مناسبة له وتحقق مآربه، ولكن هناك تصادم حاد بين غايات ومقاصد المجتمع الغربي والمجتمع المسلم تُحتِّم وجود اختلاف جوهري في منظومة التعليم التي تنتج الأفراد الأكفاء لتحقيق تلك الغايات، وبالتالي فإن هذه الأطروحات لو تحقّقت ستؤدي إلى نشوء مجتمع عالماني مكتمل الأركان بالمقاييس الغربية، وهذا يعني أنّ هذا “الإصلاح” ما هو إلا مزيد من التوغل في البعد عن تحقيق العبودية لله عز وجل، بل إنّ من الأسباب التي جعلت المجتمعات المسلمة حتى الآن تحتفظ ببعضٍ من أصل الدين هو فساد هذا النظام التعليمي العالماني، فبدلًا من خروج فرد عالماني، يخرج فرد مجوّف، فمجموع الفرد الأول يجعل المجتمع ماديًا عالمانيًا محضًا، ومجموع الثاني يجعله مجتمع يرزح في الجهل، والعمل الإصلاحي في كلٍ من الصنفين يكون شاقًا للغاية.

الثاني: لا يمكن تحقيق هذه الأطروحات إلا من خلال جهات رسمية تملك الحل والعقد، وبالتالي فإن هذه الأطروحات تعتبر ضربًا من المثاليات لنشوئها في هذا العصر، وحتى القليل من الأطروحات التي يملك مديرو المدارس صلاحية تحقيقها، سوف تقتصر على المدارس المتواجدة في مناطق راقية ذات مستوى اجتماعي عالٍ تتمتع بقدر من الرفاهية الاجتماعية التي تسمح للطرفين (الأهل – المدرسة) القيام ببعض هذه الأدوار.

الثانية: أطروحات تدعو إلى استنساخ تجارب إسلامية ناجحة.

عند النظر إلى التاريخ الإسلامي سنجد تجارب تعليمية برّاقة كالمدارس النظامية السلجوقية مثلًا، والتي جمعت بين صناعة المسلم الحق، الخاضع لله والمحقق العبودية له تبارك وتعالى، والشمولي -كذلك- في طلبه لكل أنواع العلوم انطلاقًا من دوره الاستخلافي، وتحقيقًا لمقاصد العبودية، مُزكّى النفس، سليم التفكير.

ولكن يواجه هذه الأطروحة ذات الإشكال الثاني الذي يواجه أطروحة إصلاح المدارس الحالية.

إذًا، ما الحل الذي يناسب المجتمع عامة، وأهل الوعي خاصة؟

هذا ما أسعى للإجابة عنه في مقالٍ لاحق بإذن الله.

الوسائل الرقمية بين صناعة المحتوى وصناعة الفرجة

“أهل مكة أدرى بشعابها” مقولة عربية درج العرب على التلفظ بها عند الاستسلام للأمر الواقع أمامهم، وفي المثل المغربي هناك مقولة شعبية قريبة من الدلالة الأولى “سول المجرب لا تسول الطبيب”، هذه المقولات وغيرها كلها تصب في نبع واحد يخدمنا في الإجابة على عدة أسئلة.

 كيف تأثرت البيوت المسلمة بالوسائل الرقمية؟ ما الفرق بين صناعة المحتوى وصناعة الفرجة؟ كيف يتفادى المرء المحتوى السام؟

كيف تأثرت البيوت المسلمة بالوسائل الرقمية؟

في الآونة الأخيرة شهدت معظم البيوت العربية “تقريبًا” طفرة رهيبة في مجال الأجهزة الإلكترونية، حيث أصبح البيت ذو الدخل المتوسط والمحدود، يتوفر على عدد من الأجهزة الذكية، كالتلفاز، والهاتف الذكي، والآي باد، والتابلت، إلخ… الشيء الذي سرّع من غزو البيوت بالمحتوى الذي توفره هذه الأجهزة الإلكترونية على منصاتها الرقمية -كالفيسبوك، واليوتيوب، وتيك توك-.

انتشرت ولا زالت تنتشر هذه المحتويات بين البيوت المسلمة بأفرادها كانتشار النار في الهشيم، حتى أصبحت الأم تترك واجباتها ووظائفها نحو أبنائها وزوجها من أجل مشاهدة مقطع مصوّر لأشخاص لا يقدّمون إضافة تذكر غير عرض مقاسات أجساد زوجاتهم، حتى أصبح الابن يقول لوالديه (لا) بغية إتمام مشاهدة فيلم قصير أنتجه مجموعة من القاصرين.

هناك بعض الأطفال الذين تدهورت حالتهم الصحية بسبب طول جلوسهم أمام التلفاز، منهم من يعاني من صعوبة في النطق بسبب عزلهم وعدم الاهتمام بهم وإسكاتهم بالتلفاز أو الهاتف الشيء الذي تسبّب في تأخر نمو وظائفهم الحسية.

بعض قنوات “يوتيوب” التي تحمل أفكارا نسوية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ساهمت في نشر الفكر النسوي بين النساء، حتى أصبحت الأم تحتج وتتمرد، تريد أن تمتلك السلطة العليا على أفراد البيت.

ساهمت هذه القنوات في نشر الفكر المادي حتى أصبح عوام الناس لا يفرقون بين الحياة الواقعية وبين الحياة التي يعيشها أصحاب هذه القنوات، أو بعبارة أصح يحاولون التظاهر بعيش حياة مثل تلك التي تصوَّر لهم؛ مما شكّل نوعًا من عدم الرضا بالوضع المادي في البيوت.

كل هذا جعل هؤلاء المتابعين يفعلون أي شيء -التخلي على الأخلاق والقيم- في سبيل الحصول على تلك الحياة المادية المزيفة التي يروج لها أصحاب القنوات.

ظهور جنس من الرجال يتاجر في المرأة ويعرضها للآخرين من أجل جلب أكبر عدد من المشاهدات، هؤلاء غالبا ما يستترون وراء قنوات “الروتين اليومي” على اعتبار أن المحتوى يمثل روتين أسرة صغيرة تعيش حياة بسيطة مع بعضها البعض، لكن إن أمعن الانسان النظر فسيجدها عكس ذلك.

من هم المؤثرون في المنصات الرقمية؟

يمكن إعطاء تعريف شامل لهذا المفهوم الرائج من خلال القول بأن المؤثر هو كل شخص يمتلك مجموعة من الوسائل تجعله بطريقة أو بأخرى قريب من الرأي العام وقادر على التأثير من خلال تدوينة أو مقطع فيديو على صفحته الخاصة، ولا يمكن إطلاق تسمية المؤثر في هذه الحالة على الشخص ذي المصداقية العلمية أو مدى تمكنه من المادة العلمية التي يقدمها، بل يتم إطلاق التسمية انطلاقا من عدد المشاهدين، بحيث كلما زاد عدد المتابعين له صحّ نعته أو تلقيبه بالشخص المؤثر.

يرى أحد -المؤثرين العرب- أن المؤثر هو الذي يؤثر في طريقة كلام المتابع وفي شكل حلاقته وفي طريقة لباسه وفي تفكيره، بمعنى أن التأثير هو أن ينظر المتابع إلى شيء أعجبه في الشخص الذي يتابعه فيقلده لأنه يتمنى أن يكون مثله، أو أن يرى شيء في شخصية المؤثر توجد في شخصيته هو ما يجعله يحافظ عليها ويتباهى بها كونه يشترك معه فيها.

إن قول ما هو حقيقي وهادف وطرح الأفكار النافعة على المنصات الرقمية لا يقدم إضافة ولا يأتي بالمشاهدات، مما ينقص من المدخول الشهري للمؤثرين على حد زعمهم، الشيء الذي يجعل تقديم ما يريد المشاهد أولوية لهم وإن كانوا يعرفون أن ما يقدمونه سام وغير نافع للذين يتابعونهم.

ما الفرق بين صناعة المحتوى وصناعة الفرجة؟

كونك صانع محتوى يعني أنك لا بد أن تمتلك محتوى معينًا تقدمه للمتابع، وتختلف الصناعة من شخص لآخر على حسب اهتمامات كل شخص وما نشئ عليه، ويقدم هذا المحتوى غالبا على منصات التواصل الاجتماعي -الفيسبوك، تيك توك، انستغرام- إما على شكل تدوينات أو على شكل مقاطع مصورة.

يمكن تعريف صناعة المحتوى: على أنها عبارة عن الشيء الذي يتم التعريف عنه من خلال مجموعة من الوسائط والأساليب المعبرة، فيتم ذلك إما من خلال الكلام أو من خلال الكتابة أو الصور أو من خلال الفنون المعبرة أو من خلال فيديوهات تعبر عن المحتوى بالشكل المناسب، فمن السهل على أي شخص كان أن يقوم بصناعة محتوى معين ولكن من الصعب أن يكون هذا المحتوى معبِّرًا ويعطي المعنى الحقيقي للهدف المطلوب[1].

في صناعة المحتوى قد يتم إنتاج محتوى هادف عند البعض وقد لا يكون كذلك على حسب ما تم تقديمه عند البعض الآخر، لكن في نهاية المطاف يكون البناء في صناعة المحتوى على مادة علمية بغض النظر عن صحتها من غلطها.

تتجلى صناعة المحتوى في العديد من المنصات الرقمية من بينها على سبيل المثال لا الحصر “القنوات التعليمية” التي تسعى إلى تقديم مادة معرفية معينة لمتابعيها “تعليم الإنجليزية، تعليم قيادة السيارات، تعليم التربية الأسرية.. إلخ”، قد تكون هذه المادة المقدمة كما قلنا غير صحيحة في بعض الأحيان لكن يبقى هدفها في الأخير تعليميًّا.

صناعة الفرجة

هناك شخصيات مشهورة لا يهمها انتاج أو تقديم محتوى جيد للمتابعين، بقدر ما تهمها صناعة الفرجة وبيعها للمشاهد.

لا يهم أن يكون المقطع الذي أضعه بين يديك هادفا، المهم أن تستمتع بالفرجة ومقابل هذه المتعة التي حصلت عليها أتلقى الأجر الشهري من المنصة التي أضع فيها المقطع المصور، لا يهم إن استفدت في الأخير، ولا يهمني تقديم الفائدة لك أو حصولها، المهم حصولي على الأجر عند نهاية المقطع، سواء استدعى ذلك مني خلع الملابس أو جلب فتاة وتصوير مشاهد غير أخلاقية، أو تبادل السب والشتم مع شخص آخر يصنع الفرجة هو كذلك. هكذا يمكن لنا أن نعبر عن مفهوم صناعة الفرجة بشكل أدق.

لماذا اشتُهِرت صناعة الفرجة؟

هذا الصنف من المقاطع أو التدوينات، لا يحتاج إلى جهد كبير ولا إلى سعة اطلاع في المجال الذي تشتغل به، لا يحتاج إلى قراءة كتب من أجل التعبير عن قضية معينة، ولا يحتاج إلى تعلم مهارة من أجل نقلها إلى شخص آخر، ولا يهتم بالمستوى العلمي للشخص، يكفي أن يمتلك الجرأة ويستغني عن القيم والأخلاق من أجل صناعة الفرجة، أشياء بسيطة تجعله يتصدر المشهد العام بسرعة فيما يسمى “البوز” ذلك أن الغالبية العظمى التي تتصدره في عصر طغيان التفاهة لا تمتلك أي شيء غير أنها تبيع الفرجة للذي يشاهدها.

صناعة الفرجة تؤدي لزيادة عدد المتابعين بشكل أسرع بالتالي الحصول على فرجة أكبر مما يسجل نسبة بيع أكثر من غيرها، نلاحظ بذلك أن كل شيء قائم على الدرهم والدينار عند هؤلاء، قال رسول الله ﷺ : (تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط). [أخرجه البخاري]

كيف يتفادى المرء المحتوى السام؟

يقول البشير عصام المراكشي في إحدى تدويناته: ليس المطلوب منك أن تسميها “تفاهة”، وأن تشاهدها ثم تعلق عليها بالاستهزاء والتحقير والإنكار؛ ولكن المطلوب منك شيء واحد فقط: ألّا تشاهدها مُطلَقًا! الأمر سهل، ولكنك لا تفعله.. فهنيئا لأهل التفاهة بك، فإن متابعتك إياهم تنفعهم، وأما تعليقاتك عليهم فلا تضرهم. فمتى تفهم؟!

لا يمكن أن تتفادى هذا المحتوى التافه إلا إذا اشتغلت بما هو نافع، ولا يمكن إدراك قيمة هذا المحتوى إلا عندما تتجرع من مشاربه وتقف على مكنوناته.

معرفة خطورة المحتوى السام وكيف يؤثر على الفرد والمجتمع طريقة من طرق تفاديه وعدم الاشتغال به، فلا يقترب من النار من أصابه لهيبها.

مراقبة الأهل مراقبة جدية والاهتمام بهم وملء ذلك الفراغ الذي يجعلهم يولون وجوههم شطر المحتوى التافه من أجل سد الفراغ الروحي والنفسي.

الاهتمام بالجانب الروحي من بوابة القرآن الكريم وهذا يعد من أهم الطرق لتفادي كل ما هو تافه بحيث أن القرآن الكريم يجعل المقبل عليه انسان إيجابي يسعى لجلب المنفعة ودفع المفسدة.

عدم إعطاء ذلك الاهتمام الزائد بمواقع التواصل الاجتماعي لأنه فضاء مليء بالأشخاص التافهين، يقول الفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو بقوله: “إنَّ أدوات وسائل التواصل الاجتماعي تمنح حقّ الكلام لجيوش من الحمقى، ممن كانوا يتكلَّمون في الحانات فقط بعد تناول كأسٍ من النبيذ، من دون أن يتسبَّبوا بأيِّ ضرر للمجتمع، وكان يتمّ إسكاتهم فوراً. أما الآن، فلهم الحقّ في الكلام، مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنَّه غزو البلهاء”[2].

وبالجملة فإن إعطاء تعريف للفرق بين صناعة المحتوى وصناعة الفرجة قد نختلف في بيانه، لكننا لا بد وأن نشترك في الأخير على أن المحتوى التافه سم قاتل ينخر جسد الأمة، وجب التعرض له ومحاربته تنظيرا وتطبيقا.


[1] https://www.alwefaak.com/blog تعريف صناعة المحتوى

[2] https://www.alqabas.com/article/4128-%D8%BA%D8%B2%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D9%87%D8%A7%D8%A1 إقبال أحمد

الضعفاء بين ميزان الموت الرحيم وصبغة الإسلام

الموت: خيارك الأوحد.. قالت وهي تحول مفاصلها المؤلمة بعسر على مقعد خرساني مغمور بأشعة الشمس، وتلفه مساحات خضراء شاسعة: “إنه لتجاوُر مثير للإعجاب أن تشعر-كما أفعل الآن- بالرغبة الكبيرة في الحياة، في المزيد منها.. لكنك تختار على الجانب الآخر السير نحو الموت، والحال أنك تخطط لكيلهما على حد سواء.. الآن وبينما لا تزال لدي القدرة والقوة، أريد أن أستمتع بكل تفصيل.. أن أحقق أكبر قدر ممكن من قائمة الأمنيات خاصتي، تلك التي وجدتني أميل إليها ببطء بفعل التجاور المتناقض ذاك”..

كانت هذه كلمات لسيدة في أواخر الثلاثينات -كات- مصابة بأمراض مزمنة جعلتها بالمعايير المادية-الاستهلاكية غير منتجة وهي تحكي عن تجربتها في الوصول “لرعاية الموت” بعدما تحدثت بمرارة على cctv كيف باءت كل محاولاتها وسعيها لفترة طويلة في الحصول على الرعاية التلطيفية أو أي شكل من أشكال الدعم لتخفيف معاناتها بالفشل والرفض، وأوضحت كيف أن طلبها في الحصول على الموت الرحيم قوبل بسهولة وترحيب أكبر من رغبتها في “العيش” بمعاناة أخف، بعد التأكد من أن حالتها تدخل ضمن: “المعاناة التي لا تُطاق” والتي تعدّ المحدد القياسي لوصف الخطورة وبالتالي لقبول طلب القتل الرحيم أو الانتحار بالمساعدة الطبية [1].

إن موقف “كات” وتوجهها لإنهاء حياتها بهذا الشكل ليس موقفًا طارئًا وليد اليوم، بل هو تراكمات وامتداد لفكرة تجذّرت وضربت في الأعماق على نحو خبيث في نفسية الإنسان المعاصر بشكل عام والفرد الغربي بشكل خاص؛ إنها جدوى الحياة في ظل اللا إنتاجية والشعور بالعبء حين الاضطرار إلى الحاجة للآخر وإزعاج راحته، صنم الاستقلالية وشراك الاستهلاكية.. وكلّه تحت مظلة: مَن له الأحقية والأسبقية في الحياة على حساب مَن؟

 

المنحدر الزَّلق: من الطوعية إلى واجب الموت!

على هذا غدت عبارات سائلة فضفاضة من قبيل: “الموت بكرامة” أو “الانتحار المدعوم” بمثابة الطوق المُخلّص من عار الضعف -كما يُصوّر- والهروب من اللا إنتاج، لا سيما عندما يتم ربطها بدائرة أخلاقية حريصة على تقييم درجة المعاناة للخلوص إلى أن الموت هو الخيار الأرحم الوحيد، بغض النظر عن كيف تم تقييم هذه المعاناة وما الذي جعلنا على درجة من اليقين من أنها كذلك، ما هي محدداتها، شكلها، وصورها؟ والأهم: ما محلّ الإنسان الضعيف من: كبير السن، والفرد المعاق أو المريض بشكل مزمن، وحديث الولادة غير المرغوب فيه في هذا العالم الراكض خلف الأرباح؟

كانت هولندا وتليها بلجيكا (٢٠٠٢) من أولى الدول التي كان لها السبق في تقنين القتل الرحيم بشكل طوعي، حيث اعتُبرت الطوعية والاستقلالية الفردية في طلب القتل الرحيم إلى جانب الشعور بألم لا يُطاق من أهم الشروط اللازم توفرها في الشخص المعني بالقتل، كما تم وضع ضمانات ومعايير وإجراءات للسيطرة على الممارسات العملية بهذا الشأن، ومنع إساءة استخدام القتل الرحيم والانتحار المدعوم من قِبل الأطباء، على رأسها: الموافقة الصريحة من قبل الشخص الذي يطلب القتل الرحيم، والإبلاغ الإلزامي عن جميع الحالات، والإدارة فقط من قبل الأطباء (باستثناء سويسرا)، والتشاور من قبل طبيب ثان.[2]

لكن مع ذلك لم تخفض الأصوات الرافضة لتشريعه، إذ طُرحت تساؤلات كبيرة حول مدى قدرة هذه القوانين والضمانات في السيطرة على التجاوزات والانتهاكات الوارد حصولها في حق المرضى، أو بعبارة أخرى الانزلاق من الاختيار الطوعي المستقل إلى القتل غير الطوعي ومن ثم جرف الإنسان من “الحق في الموت” بملء إرادته إلى وضعه تحت ضغط “واجب الموت” وهو ما أطلقوا عليه: المنحدر الزّلق، وهو مفهوم قانوني وفلسفي معقد، ويعني بشكل عام أن استثناء واحدًا لقانون ما، سيتبعه المزيد من الاستثناءات حتى يتم الوصول إلى نقطة كان من الممكن أن تكون غير مقبولة في البداية[2].

وفي هذا قال جون هاردويج موضّحًا: “يصبح واجب الموت أكبر مع تقدمنا في السن، حيث يتكبد أحباؤنا المزيد والمزيد من التكاليف لرعايتنا، هناك حين يختفي الجزء المحبوب منك قريبًا أو يتعرض للضرر بشكل خطير “. لنفترض أن وجهة نظر هاردويج قد تم تبنيها من قبل مريضة تقترب من نهاية حياتها – هل يمكننا أن نقول إن “اختيارها” للموت سيكون حقًا مستقلاً وحرًا؟ أم أن اختيارها في الواقع سيخضع للإكراه من قبل عدد من العوامل الاجتماعية الأساسية، بما في ذلك واجبها المتصور للموت والتنحي عن طريق عائلتها والمجتمع الأوسع؟ [3].

جون هاردويج

بالإحصائيات والأرقام

عام 1996، نشر فان دير ماس وفان دير وال نتائج مسح شامل لقرارات نهاية الحياة من قبل الأطباء الهولنديين في عام 1995، حيث سعى بشكل خاص إلى التأكد من القيام بتعجيل متعمد لوفاة المرضى من قبل الأطباء [4].

يؤكد الاستطلاع أن من بين 4500 حالة تمّ إنهاء حياة 900 شخص بشكل متعمّد من قبل الأطباء دون طلب صريح من قبل المريض وهو ما يمثل 0،7% من مجموع الوفيات، ثمّ ذُكر أن السبب الرئيس وراء عدم مناقشة أو استشارة المرضى هو عدم كفاءة المريض لإصابته بالخرف مثلا، بالإضافة إلى أن إنهاء الحياة كان في مصلحة المريض من وجهة الطبيب الشخصية. إلا أنه-بحسب ما ورد في الاستطلاع- 50% من المرضى كانوا مؤهلين ولديهم الكفاءة لاتخاذ القرار والمناقشة، علاوة على ذلك في 17٪ من 900 حالة، يُعتقد أن العلاج البديل متاح من قبل الطبيب المعالج.

ورد في الاستطلاع نفسه أن في 20000 حالة (وفقًا لمقابلات الطبيب) أو 25800 حالة (وفقًا لمسح شهادة الوفاة)، تم إعطاء الأدوية الملطفة بجرعات تقصر الحياة بشكل شبه مؤكد. وفي حوالي 27300 حالة تم إيقاف أو سحب العلاج (14.200 منها لم تتضمن طلبًا صريحًا من المريض).

أما عن حديثي الولادة فقد كشف الاستطلاع أنه فيما لا يقل عن 41٪ من 1000 حالة، تم سحب العلاج أو حجبه عمدا بنية صريحة لتعجيل الوفاة، كما كشف أن في حوالي خُمس هذه الحالات لم يكن هناك نقاش مع الوالدين![4].

 في بلجيكا لم يستغرق الأمر سوى ست سنوات بعد تقنينه سنة 2002 حتى يجمعوا بين قتل المرضى وشراء أعضائهم للزراعة، حيث يتجول الأطباء البلجيكيون الآن في جميع أنحاء أوروبا ويقدمون عروضًا تقديمية باستخدام PowerPoint يوضحون عدد الأعضاء عالية الجودة التي يشترونها بهذه الطريقة[1].

في هذا قال ويسلي سميث: “اقتلاع الأعضاء بقتل الرحمة يخلق دافعًا عاطفيًا قويًا للانتحار، لا سيما للأشخاص الذين يعانون من انخفاض الثقافة والاكتئاب، والذين قد يشعرون بالقلق من أنهم يمثلون عبئًا على أحبائهم والمجتمع. يمكن أن تصدق الحالة العقلية بسهولة (أو يتم إقناعها) بأن طلب القتل الرحيم والتبرع بالأعضاء سيعطي معنى لموتهم لا يمكن أن يكون لحياتهم أبدًا “.

بهذا الشكل بعد أن كان القصد المبدئي منح الحق للآخرين -بالمقياس الليبرالي- في اختيار متى وكيف وعلى يد مَن يموتون، توسعت هذه الممارسة لتشمل حديثي الولادة والأطفال والأشخاص المصابين بالخرف وكل مَن لا فائدة من أنفاسه!

جذور وامتدادات

إن القيمة الفردية للأشخاص على أساس قدرتهم على المساهمة في المجتمع بل وأحقيتهم في الاستفادة والعيش على حساب موارد الأقوى والأصلح في ميزان الإنتاج، هو تصور قديم تعود بعض أصوله إلى نظرية روبرت مالتوس السكانية التي قرر فيها أن التزايد السكاني أكبر بكثير وبغير حدود من قدرة الأرض على إنتاج وسائل العيش. وذكر مقولته المشهورة بأن الزيادة السكانية تتبع متوالية هندسية، بينما زيادة الغذاء تتبع متوالية عددية أو حسابية..

وبذا فإن الأولى -بحسبه- صرف الموارد لمن هو أحقّ بها، ولذا اعتبر أن المجاعات والأوبئة وكل أنواع الدمار هو مؤشّر إيجابي لأنه يودي إلى ارتفاع معدّل الوفيات، لذا فقد كان من أشد معارضي إغاثة الفقراء لئلا يتشجعوا على الإنجاب ويكثر النسل غير المرغوب فيه![5]

وبالرغم من أن السياق التاريخي وما حصل من التقدم الاقتصادي فنّد نظرية مالتوس، إلا أن فجرها عاود البزوغ بأشكال مختلفة بل إن الداوينية الاجتماعية والصراع لأجل البقاء هي تطبيق عملي لما جاء به مالتوس، وهو كما ورد في الفصل الثالث (الصراع من أجل البقاء): “الصراع من أجل البقاء ينجم حتميّاً عن المعَدَّل العالي الذي تميلُ جميع الكائنات العُضوية لأنْ تزدادَ وِفقه على مبدأ الزيادة الهندسية، سوف تصبح الأعداد كبيرة جداً بسرعة بحيث لا يستطيع أي بلد تحمّل النّاتِج. وبالتالي، وبسبب إنتاج أفراد أكثر من الذين يمكنهم البقاء، فلا بد في كل حالة أن يكون هناك صراعٌ من أجل الوجود… إنه مَذهَبُ مالتوس مُطبَّقاً بقوّة متعدّدة الأوجه على كامل المملكَتَين الحيوانية والنباتية؛ لأنه بهذه الحالة ليس ثمّة زيادة اصطناعية للطعام، ولا امتناعٌ مُتَعقِّلٌ عن التزاوج”.

روبرت مالتوس

آكلون عديمو الفائدة!

إنها الحجة الاقتصادية التي بموجبها ظهرت الفجوة في التصورات بعد الحرب العالمية الأولى-في ألمانيا- بين مَن خاض الحرب وبين نزلاء دور الرعاية والإعاقة الذين لم يساهموا بل وشكلوا عنصرا مكلّفا، ضعيفا، وبلا جدوى، وفي خط تاريخي طويل-لا يتسع المقام للتفصيل فيه- علَت النقاشات الأخلاقية حول القتل الرحيم والتعقيم والقيمة الإنسانية السلبيّة [6].

لقد تمت إعادة ضبط المفاهيم على معيار: الأحقية لمِن؟ هناك حيث اكتسب مفهوم الكائنات التي لا تستحق الحياة أوجه مجسدا من قِبل Binding وHoche -وهما أستاذان جامعيان- حين دعوا إلى قتل الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السّن على اعتبار أنهم “أغبياء غير قابلين للشفاء” وأنهم “مجرّد قشور بشرية فارغة” وظيفتها المجتمعية الوحيدة هي استهلاك الموارد الثمينة مع عدم المساهمة في المجتمع في المقابل! وفي دعوتهم الصريحة للقتل الرحيم غير الطوعي كتب Binding وHoche: “حياتهم لا معنى لها على الإطلاق، لكنهم لا يعتبرونها لا تطاق. إنهم يشكلون عبئًا ثقيلًا ورهيبًا على أقاربهم وعلى المجتمع ككل. لن يخلق موتهم حتى أصغر فجوة – ربما باستثناء مشاعر أمهاتهم أو الممرضات المخلصات. (بيرلي، 1994، ص 17).

توقُّف!

ربما ونحن نقرأ-في هذا الشأن-نقلّب الأرقام، والنسب، والإحصائيات؛ هذا أدنى وهذا أعلى، هذا أيّدَ وذاك رفض.. يتسلل إلى دواخلنا جمود الشعور بقيمة النفس البشرية، لأنّ النّفَس الليبرالي بقي حاضرا وبشدة في منطلق مَن عارض القتل الرحيم على نحو قد يجعلنا بشكل ما نتعاطف مع مبدأ القتل؛ إذ إن مُنطَلَقهم لم يبرح مبدأ التمركز حول الإنسان، وكان مناط الرفض فيه هو سَلب الاستقلالية والإرادة المحضة منه على اعتبار أنه هو “مالك أنفاسه” وهو “صاحب القرار” في الاستمرار أو التوقف عن الحياة! أي كان الإشكال فقط في عدم تصريح المريض طوعيا أنه يريد القتل الرحيم كخيار لإنهاء حياته! وإلا فالقتل الرحيم كمبدأ لا لبس فيه!

إنها من جديد المرجعية ونظارة الحكم التي نرتديها لقراءة ما يحدث ومن خلالها نقول: هذا مقبول وذاك لا..
ونحن كمسلمين حين نرتدي نظارة “اقرأ باسم ربك” لا نرى بالأساس أن الروح ملك للإنسان حتى يتصرف فيها كما يشاء على هواه، بل هو نفسه عبد مملوك ومُمتحن في هذه الروح التي بين جنبيه والذي لا حقّ له في إنهائها متى شاء.

إلا بضعفائكم

إن ما يجمع بين الفئات التي ذُكرت أعلاه من المعاقين وكبار السن ومن أصيب بالخرف منهم، والأطفال، وأصحاب الأمراض المزمنة المقعِدة عن العمل-مثل كات- هو: الضّعف! بهذا الشكل نظرت المادية الرأسمالية للإنسان الضعيف؛ إنه عبء وآكل عديم الفائدة لا يستحق الحياة.

ولنا بعد النظر إلى ما آلت إليه أحوال الإنسان في عالم مغرق في الاستهلاك والإنتاج أن نتوقف مع رسالة {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء:١٠٦]، أن نتساءل كيف يتسنى لِمن يرى في الضعيف أنه يأكل حصته أن يبرّه ويحسن إليه؟ كيف سيوقر الصغير ويحفظ حق الكبير؟

لنا أن نتفكر في صبغة الإسلام وكل ذرة فينا تستشعر الحمد والامتنان للذي كرم بني آدم-عزّ وجلّ- حين الضعف والقوة والرحمة الحقّ التي لا تضطر الإنسان إلى الشعور بالعبء في هذا الكون الفسيح المُسخّر كل ما فيه لمهمة العبودية التي لأجلها ذرأ الله سبحانه وتعالى الخلق إنسهم وجانّهم.

إنه الإسلام حيث تختلف الموازين ولا يسير فيها الركب بمعادلات رياضية أو متواليات هندسية وحسابية نقرر من خلالها مَن يبقى ومَن يُقتل!؟ بل الأمر فيها كله لله يحكم ما يريد بحكمته ورحمته!

صبغة التكليف والابتلاء التي بموجبها لا ينظر الشاب لأبيه المسنّ كعقبة كؤود تعيقه عن تحقيق ذاته وطموحاته، بل كل شيء في حياته يدخل ضمنَ دائرة التسليم والاختبار والتسخير حيث يقول الحق سبحانه: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون} [الفرقان: ٢٠] وقال تعالى: {وجعلنا بعضكم لبعض سخريا} [الزخرف: ٣٢].

بل على خلاف ما نظّر إليه مالتوس ومن تبعه فإن الضعيف في الإسلام هو أحد سبل الرزق والنصرة كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنهما- قال: (رأى سعد أن له فضلاً على من دونه، فقال النبي ﷺ: هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟) [صحيح البخاري].

حريّ بنا التدبر وإعادته في قوله سبحانه وتعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:151، 152، 153].

ختامًا

“عندما يتم تقنين القتل الرحيم في الثقافات التي تسود فيها قيم الاستقلالية والاستهلاك، فإننا سرعان ما ينتهي بنا المطاف بأنواع الوفيات التي لا يريدها أحد تقريبًا. ننتهي أيضًا بثقافة لا يريدها أحد تقريبًا.. ثقافة تدفع كبار السن المستضعفين، ليس فقط إلى هامش المجتمع، ولكن حتى إلى نقطة الموت من أجل إفساح المجال للشباب والقوة والإنتاجية. هذا الاتجاه، طالما أن الاستقلالية والنزعة الاستهلاكية تهيمن في الغرب، لا يمكن أن تفعل شيئًا سوى الاستمرار [3].


المصادر:

[1] https://bc.ctvnews.ca/easier-to-let-go-without-support-b-c-woman-approved-for-medically-assisted-death-speaks-out-1.5937496

[2] https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3070710/

[3] https://www.abc.net.au/religion/right-to-die-or-duty-to-die-the-slippery-slope-argument-against-/10099044

[4] http://graphics.tudelft.nl/~rafa/pl/jochemsen.htm

[5] http://m-abuzaid.com/index.php?option=com_content&view=article&id=106:2013-02-17-20-43-37&catid=85&Itemid=556#_ftn7

[6] https://www.catholicculture.org/culture/library/view.cfm?recnum=7019

الزواج بين مطرقة الصّراع وسندان الماديّة

من الملاحظ في زماننا أنّك تحسب بعض الزّيجات سجالًا لا اكتمال فيها، فتجد الطّرفين قبل الخطو في هذا المشروع المقدّس والعلاقة السّامية محمّلين بمجموعة من الأفكار المغلوطة، التي تكون في غالب الأمر نتاج تجارب فاشلةٍ، ووعظٍ مذمومٍ، واستنتاجاتٍ باطلةٍ خلص إليها العقل بعد طول احتكاكٍ بنماذج أساءت الاختيار، أو لم تمتلك الخيار.

الزواج بوصفه صراعًا لإثبات الأقوى

لم يكن الزّواج يومًا معركةً بغالبٍ ومغلوبٍ، بل هو علاقةٌ ساميةٌ أساسها الاحترام والتّقدير، عنوانها التفاهم والتّفهّم، هو مشروعٌ يتعاون فيه الطّرفان معًا على النّهوض به وإنجاحه، فإذا ما ظنّ الواحد منّا أنّه من خلال تشبّثه بأفكار ومعتقدات المجتمع الخاطئة والمنتشرة في الوسط العامّ، سيستطيع المضيّ قدمًا في شأنه فإنه لا جرم مخطئٌ لأبعد حدّ.

من البديهيّ أن تجد الفرد قبل خطوه في هذا الطريق، مسلّحًا بأفكارٍ متشعّبةٍ، ومعتقداتٍ غير صائبةٍ، وخوفٍ يجعله مستعدّا لردّ الصّاعٍ صاعين وكأنّه في معركةٍ داميةٍ وليس في رابطةٍ ساميةٍ؛ وذلك لأنّ الفرد لكثرة استماعه لأشخاص سلبيين، وتعمّقه في واقعٍ مريرٍ يصوّر إلا القبح والسّوء فيما شرّعه الله وأحلّه لعباده، وذلك بغرض التنغيص والتّنكيص على كلّ مقبلٍ إلى الحلال، وتسهيل وتزيين الحرام كمفرٍّ لتجنّب ما لا يحمد عقباه.

لم يكن الزواج يومًا علاقة سطوةٍ وسلطةٍ بحاكمٍ ومحكومٍ، ولا علاقة ربحيّة لتقاسم المصاريف واحتساب العوائد، والخوض فيه بقلمٍ وورقةٍ لمعرفة ما على الطرفين أداؤه أواخر الشّهر. ولا علاقة مثالية ورديّة تتراقص على أمواجها حوريّات الحبّ، وتزقزق في سمائها عصافير العشق، وتلثم صباحاتها قبلات الشّمس، فحتّى السّنة جعلها الله بأربعة فصولٍ، فلا تشرق شمس الرّبيع في صباح الشّتاء، ولا صباح الخريف قد يحلّ على صباح الصّيف إلاّ بأمر من الله.

وكذا الزوّاج تطرأ عليه فصول متغيّرةٍ، وطقس تارةً يكون بهيجًا دافئًا، وتارةً ينقلب عاصفًا باردًا، إلا أنّ الله جعل في المودّة والرّحمة ربيعًا يحلّ بعد شتاءٍ قارسٍ فيعمّ الدّفء والسكينة، والخريف ما هو إلا غمامةٌ عابرةٌ تشتدّ به الأواصر وتقوى، وليست الاختلافات مذمومة؛ بل إن الله لم يجعلنا متطابقين متشابهين إلا لحكمةٍ أرادها، ولولا ذلك لما جعل للذكر حاجة للأنثى  ولا حاجة للأنثى للذكر، وما جعل من ذكرٍ وأنثى حينها {وليس الذّكر كالأنثى} [آل عمران:36] كما أتى في كتابه العزيز، ولا الأنثى كالذّكر، فهما مختلفان متفرّدان اختصّ الله كل واحد منهما بميزاتٍ خاصّة، وأعطى كلّ منهما ما يليق به ويناسبه.

لقد جعل الله القوامة للرجل، واختصّ الأنثى باللّين والسكينة ليسكن إليها، فالحال خارج أسوار بيت الزّوجيّة ليس مفروشًا بالورد والرّيحان، وليس محاطًا بالأمن والأمان، بل إنّه قاسٍ وصعبٌ على رقيق الطّباع والقلب أن يتحمّله أو يألفه، كما أنّ الغلظة والقسوة مطلوبتان لمجابهة العالم بالخارج. لهذا جعل الله الخشونة في الرّجل ولم يجعلها في الأنثى لئلا تنتكس رقّتها وأنوثتها.

من يظنّ الزّواج سبيلًا لإثبات القوامة بالعنف والسّلطة، ما هو إلا مخطئٌ تشبّع بأدران الذّكوريّة المناقضة لأوامر الله، ومن ظنّت أنّ طاعة الزّوج بالمعروف تخلّفًا، وخدمته وأطفالهما ذلًّا يحلّ بها، ما هي إلا مخطئةٌ تشبّعت بأدران النسويّة المقيتة، فليست القوامة بالعنف، ولا الطّاعة ذلًّا وضعفًا، وما تلك إلا أفكارٌ متوارَثة عن جهلٍ وبغضٍ، وما يريد المشرّع لها إلا فسادا بالذكر والأنثى. فانظر واعتبر، فإن تسهيل الحرام وتصعيب الحلال ما هو إلا سبيلٌ ليعمّ الفساد وتتهدّم الأسرة، وتتشتّت الروابط الأسريّة، وتختلط الأنساب، وتنتشر الفواحش، ويغدو الفرد كالبهيمة تحرّكه شهوته دون تحكمّ، وأينما حلّ يقضي وطره دون عقدٍ أو إبرامٍ أو محلّ.

هذا في مفهوم الزّواج المعمول به فكرًا وفهمًا واستعدادا من لدن بعض المقبلين عليه، ليس الزواج أيّ مما ذكر سالفًا، ولن يكون كذلك مهما حاولوا تشويه مفهومه وصورته لكلّ مقبلٍ ومدبرٍ، فإن من خلق آدم لحوّاء لحكمةٍ، وسنّ الزواج للحياة سنّة، قادرٌ على التّصدي لكلّ من سوّلت له نفسه تشويه هذه السّنة وتدنيس ميثاقها الغليظ المقدّس.

الماديّة وانتهاك حرمة الزّوجية

مما لا شكّ فيه أنّ الماديّة طغت على معظم الأوساط إن لم يكن جلّها، فأضحى المرء يصوّر حياته من كل الجوانب ويفخر بما ملك وإن لم يملكه، حتى أقدس ميثاقٍ أصبح في وقتنا الرّاهن موقعًا للتّبختر والتّغنّج وحصد الإعجابات وتحويلها إلى أموال، وليس أسوأ من العزوف عن الزّواج، إلا انعدام المروءة والرّجولة، وهتك العرض مقابل المال، وهذا هو النّمط الرّائج في الوسط حاليًّا.

أستغرب كلّ الاستغراب ممّن سوّلت له نفسه أن يضع من زوجته إطارًا لحصد الإعجابات والمشاهدات مقابل دخلٍ ماديّ تجود به التطبيقات مثل تيك توك ويوتيوب وانستغرام على مستخدميها النّشطين، فتجد المرء يصور مقطع رقصٍ وتمايلٍ على إيقاع الموسيقى لينال المشاهدات وإن كان على حساب عرضه وكرامته، ليس هذا وحسب،  بل ينفطر القلب حسرةً وشفقةً على من اختار نشر خصوصياته كأوراق ممزقة متاحةٍ للعامّة، فتجد الواحد يستغلّ خصوماته وزوجه ويصوّرها خفيةً أو عن طيب خاطرٍ، ليرفقها بعنوانٍ لافتٍ، جاذبٍ لمحبّي الفضائح والمشاكل تحت ذريعة “ربّ ضارة نافعة”

لا يوجد أسوأ ممّن فقد غيرته إثر احتكاكه بعالم السوشال ميديا المريع، ولا أقبح ممّن يستغلّ عرضه وشرفه لجلب المال كمصدر ربحٍ سهلٍ يسيرٍ لا يتطلّب من المرء إلا أن يضع رجولته في صندوقٍ ويلقيه في غيابات الجبّ، وذلك بعد التّأكد من إرفاقه بالحياء والأنوثة ليستأنسا معًا في الظّلمة بعيدًا عن أصحابهما.

هذا النّوع من الزّواج من جهةٍ أخرى، هو وباءٌ يفتك بأهله وكلّ من يأنس به، فلا يبقى الأمر مقتصرًا على طرفين معًا، بل تتسع دائرته ليشمل المتابعين البالغين واليافعين، وكلّ من عشّشت التّفاهة بواطن عقله ليغدو بذلك هدفًا ومبتغىً يطمح إليه كل مشاهد ومتابعٍ وفيّ، وهب ما قد يحصل إذا ما تفشّت التّفاهة في الوسط، وغدا السفيه والتافه قدوةً للكثير، إنّ العاقبة لا شكّ تكون وخيمةً.

هما نوعان طغا في الوسط العامّ، وأصبح من الضّروريّ التصدّي لهما بما أوتي الواحد منّا من قوةٍ وطاقةٍ وجهدٍ، فالأول تشويهٌ لجمالية الاقتران بشريك حياةٍ نمضي قدما برفقته، نخطّ دروب الحياة معًا حتى المشيب، يسند أحدنا الآخر في ضعفه، ويحنو عليه في أوج حاجته، ويكون الطرف للآخر ملجأ وسندًا، فليس العيب أن يكون الزّوج زوجًا، وأبًا، وأخًا، وصديقا، وحبيبًا، ولن يزيده ذلك إلا حلمًا ورجولةً، ليس العيب أن تكون الزوجة لزوجها زوجةً، وأما، وأختا، وصديقةً، وحبيبةً، ولن يزيدها ذلك إلا رقّةً وأنوثةً.

ليس النّوع الثاني سوى انتكاس للفطرة، فما خلق الله الأنثى إلا والأنوثة والحياء منها ولها، وما خلق الذّكر إلا والغيرة والرجولة منه وله، وما تخلّى أحدهما عمّا حباه الله به إلا بملك إرادته وتمام قبوله، فمن قبل بانتكاس فطرته عاش ذليلًا بين أقرانه، لا يرفّ له طرفٌ، ولا ينغص عليه القلب، فإمّا أنّه قد مات ضميره فيحييه الله بأمره، وإمّا أنه لا حياة له، فإنّا وإنّه لله وإنا إليه راجعون، نعوذ به من انتكاس الفطرة، وموت الضمير والفؤاد.

رمزيّة الزواج ودور كلّ من الرجل والمرأة داخل أسواره

إنّ الزواج لم يكن سجالًا، ولا معركة هازمٍ ومنهزم، وليست الرابطة بين الذكر والأنثى في بيت الزوجيّة كعلاقة المالك بالرقيق، بل هما جزآن يكملان بعضهما بعضًا، وما أكثر ما تجد من مهرطقين لا يرون في المرأة إلاّ آلةً لإشباع غريزتهم، وأنّها كائنٌ لا يستحقّ إلا الخشونة والزّجر لكيلا تطغى على زوجها، أو تكون في مرتبةٍ قريبةٍ منه، بل أنّها لا شكّ أدنى منه مرتبةً وعقلًا، وأنّه هو صاحب الشّأن الذي تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه وإن لم يكن بالمعروف، فتجده إذا ما دخل البيت هابه أهله، وهرب كل منهم بجلده، وكأن الذي عاد طاغيةٌ متجبّر، وليس أبًا وزوجًا.

كم من زوجٍ تخافه زوجته وتطيعه في أمره خشية أن يحلّ عليها وابلٌ من السبّ والضرب منه، وكم من أبناءٍ لا يرجون من حياتهم إلا خلاصًا من أغلال العنف والتوبيخ التي تطالهم من أبيهم، وما أكثر المهرطقات ممن تجدهنّ يقضين معظم أوقاتهنّ في تصفح المواقع الخليعة ومتابعة المسلسلات التي تحرّض على الانحلال الخلقي، حتى إذا ما حضر الزوج بعد طول عملٍ وتعبٍ وجد البيت في فوضى عارمةٍ، وحالها كحال العائد من موتٍ وشيكٍ، فإذا ما حدّثها عما شغلها عن القيام بواجباتها المنزليّة، انفجرت في وجهه تجهّما وغيظًا أنّها ليست بخادمةٍ ولا منظفةٍ ولا طبّاخةٍ، وأنّها ليست ملزمة للقيام بشأنه وإن كان جلّ يومها يمضي في تفاهةٍ وسفاهةٍ.

كثيرات تجدهنّ يطالبن بالمساواة وحفظ الحقوق والقيام بالواجبات، وهنّ أكثر من يهتكن الحقوق، ويتغاضين عن الواجبات، وما هكذا يكون الزواج، وما هكذا يكون مربّي الخلف الذين سيُباهى بهم السّلف.

لينظر الواحد منا في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وليتعلّم ويعتبر، فهو النبيّ الرسول حامل الرسالة السماويّة، والمنزّل عليه الوحي بالقرآن الكريم، كان ليّنًا رحيمًا بأهله، يعطف ويحنو على الصّغير والكبير، ويستشير أهله في أمره فيأخذ منهم الرأي، ويأخذون منه المشورة ويطيعونه في كلّ أمره.

وبالمقابل تجد من الأزواج من يعامل زوجته بدلالٍ وعطف، فيرقّ قلبه خشيةً عليها، وينقبض صدره إذا ما أصابها مكروهٌ، يعينها في شؤون بيتهما تخفيفا عليها، ويحرص على تربية أطفالهما معًا، فلا يلقي كلّ الحمل عليها، ولا يؤاخذها بتقصير حصل بتعبٍ سهوًا منها، إذا حضر البيت هبّ كل من فيه يستقبله بحفاوةٍ وسعادةٍ بعودته، وإذا خرج رافقته الألسنة والقلوب بالدعاء له بالحفظ من كل شر ومكروه.

ومن الزوجات من تجدها تدلّل زوجها أيّما دلالٍ اهتمامًا به، تقوم بشؤون بيتها وتعتني بأطفالهما، فلا يدخل ليجدها متجهّمة الوجه بل باسمةً جميلةً نظيفةً تنتظر عودته، يتجاذبان أطراف الحديث بالنقاش والذكر والتّرتيل، في جلسةٍ أسريّةٍ ملؤها العطف والمودّة، تحفظ عرضه وسرّه، لا تتأفّف لضيقٍ حلّ بهما، بل يحتسبان أجر الصبر عند خالقهما.

إنّ الزّواج جميلٌ فحرص كثيرٌ من المفسدين على أن يقبّحوه، وبدل عدّ محاسنه حرصوا على طمسها تضليلًا وتزييفًا، ومثلما ساهموا في تشويه صورته بكلٍ الطرق، سلكوا كذلك السّبل الممكنة لترهيب الشباب منه، فصوّروه ببشاعةٍ لا يتّصف بها، فالفطن من عرف سمّ مكائدهم، واللّبيب من تخلص من مسعاهم، وليس المغلوب على أمره إلا من اتبّع هواهم فأضلّوه السّبيل والتّفكير، وغدا فردًا من قطيعهم المتمرّد على الفطرة، نسأل الله إلا سلامة الفطرة والهدى والتّقى، وإنّ له الحكمة البالغة، فالأمر له من قبل ومن بعد، وإنّ له في خلقه شؤونٌ.

المآلات النفسية والاجتماعية للمدارس الإلزامية

عند النظر إلى عدد من الظواهر الاجتماعية المؤثرة في حياتنا مثل شيوع الفردانية والبراغماتية، نجد أنَّ بعض أسباب انتشارها مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمدارس الإلزامية وما تحمله من أساليب مؤطرة لها، إذ إنها تمس جوانب كثيرة من حياة الفرد بدءًا من تكوينه الفكري من خلال المناهج المدروسة فيها -وهذا أشرتُ إليه في مقال سابق- مرورًا بإشكالات نفسية تتكون في الطفل، وصولًا إلى ظواهر اجتماعية منتشرة من بواعثها الحيوية هذه المدارس، سأحاول بعون الله في هذا المقال تتبع بعض هذه الإشكالات والوقوف عليها.

أهمية الجو الأسري في مرحلة الطفولة

تُعَدُّ الأسرة من أهم المؤسسات التي تسهم في التنشئة الاجتماعية لأفراد المجتمع وأعظمها تأثيرًا في حياة الأفراد والجماعات، وقد ظلت قديمًا -لقرون طويلة- المضطلع شبه الوحيد بتربية الناشئة، وكان من غايتها أن يعلم الكبار الصغار سبل العيش والسلوك بالإضافة إلى توفير الحاجات الجسمية والنفسية والضرورية لأفرادها، وقد تقوم بوظائفها في الحدود التي يسمح بها نطاقها وبالقدر الذي تقتضيه حاجاتها الاقتصادية والخلقية والتربوية، فكانت المركز الأساسي في حياة الأفراد ولذا فقد كانت تتمحور مهامها حول عمليتين رئيسيتين:

الأولى: الإعداد اللازم للحصول على ضروريات الحياة العملية بصورة آلية مباشرة.

والثانية: تتمثل في التدريب على الطرق والقيم المقبولة والمألوفة في حياة الجماعة بطريقة عرضية وطبيعية من خلال مشاركة الصغار مع الكبار أفعالهم وأحاديثهم في مواقف الحياة المحسوسة.

‌فالتربية الأسرية لا يختلف على أهميتها اثنان، لضمان التنشئة السليمة للطفل، وتعتبر السنوات الأولى التي يقضيها الطفل في منزله من أكبر المؤثرات المسئولة عن تشكيل مستقبله فهي أول وسط ينمو فيه، ويتشرب الأحكام الأخلاقية والتقاليد والعادات والأعراف السليمة من خلال الجو العاطفي الذي يتفاعل معه في الأسرة، فتفعيل الوظائف التربوية لا يتحقق إلا بتكاتف جهودها، فتقوم بأدوار وواجبات عديدة أهمها إشباع حاجات الطفل النفسية وتوسيع مداركه وزيادة معارفه، وحتى تتمكن الأسرة من القيام بدورها التربوي لا بد من إعدادها بشكل سليم.

كما أن الأسرة تحظى بمكانة تربوية كبيرة بين المؤسسات الأخرى، باعتبارها مؤسسة تربوية غير نظامية، ولا يمكن أن تتحقق التربية المتكاملة للطفل إلا إذا بدأت منها، كونها اللبنة الأولى التي ينشأ فيها الطفل، وأساس المجتمع المترابط، الذي بني من أول لحظة على التوافق والتراحم والانسجام والتشارك في الحقوق والواجبات، بل جعل المنهج الإلهي الأسرة مسؤولة عن نفسها وغيرها، أو من هو في محيطها الأسري بكثير من الاهتمام والرعاية بالأطفال بصورة متكاملة.

كيف تضعف المدرسة دور الأسرة؟

يصف الإمام الغزالي -في معرض حديثه عن التربية- الطفل بأنه “قابل لكل ما نُقِش عليه، ومائل إلى كل ما يُمال إليه، فإن عُوِّد الخير وعُلمه نشأ عليه وسعد، وإن عُود الشر وأُهمل شقي وهلك” [إحياء علوم الدين]، والمتأمل في مقولة الإمام الغزالي يجد أن عملية التربية مكتسبة يكتسبها الطفل من البيئة التي تهيَّأ له، فإن كانت حسنة فإنها تجعله ينشأ نشأة صحيحة، وإن كانت سيئة أدت به إلى أن يكون فردًا غير صالح في المجتمع، لذا كانت مرحلة الطفولة من أهم المراحل التي يجب العناية بها في حياة أبنائنا.

فعندما يذهب الطفل إلى المدرسة يقع عليه ضغط نفسي حيث إنه يكون مُطالبًا بالتكيُّف أو التأقلم مع وضع جديد بكيفية معينة، وسلوكيّات محددة، ومن الممكن أن يكون البدء في نشاطات جديدة له أثر إيجابي وتغيرات جيدة، ومن الممكن أيضًا أن يكون مرتبطًا بتغيرات سلبية، إذ إنه يتم التعامل مع النشء ذوي العقول الغضة التي يسهل التأثير عليها وبالتالي تتحكم المدرسة في قدر كبير مما يصل إلى عقول الأطفال.

فبقاء الطفل ساعات طويلة مستمرة في بيئة تتوارد عليها أخلاقيات مختلفة وأحيانًا متضادة حتمًا ستؤثر فيه سلبًا خصوصًا في المراحل العمرية الأولية، حيث إنّه يتطبع بصفات الأطفال الآخرين السيئة التي لا نحبها في أبنائنا كالعنف، والتنمر، واللامبالاة، وعدم الطاعة.

 وكذلك ابتعاده عن والديه اللّذَين تعلّق بهما يُدخله في نفق الانفصال عنهما، حيث إنّ قلق الانفصال لدى الأطفال يمر بمراحل هامة وهي:

  1. المرحلة الأولية، الاحتجاج والبحث، وفيها يحاول الطفل جاهداً أن يحتج ويبكي على انفصاله عن الأب أو الأم، مع إصراره على البحث عنهم أو حتى اللحاق بهم إذا أمكن.
  2. مرحلة اليأس، وهنا يدرك الطفل أن الأب أو الأم غير موجودين، وأنه لن يتمكن من اللحاق بهم، حيث تظهر ملامح اليأس والإحباط عليه، ويرفض فيها الاستجابة للآخرين من حوله.
  3. مرحلة الانفصال، وفيها يبدأ الطفل بفصل جميع المشاعر والروابط العاطفية والانفعالية بالشخص الذي ابتعد عنه، كما أنه يقلل من تفاعلاته الاجتماعية مع الآخرين، ويقلل من اهتمامه بهم خوفاً من أن يبتعدوا عنه هم أيضاً.

وأكثر الأطفال معاناة من قلق الانفصال هم الأطفال من الشهر السادس وحتى سن ثلاث سنوات، ومن المتوقع أن يقل قلق الانفصال كلما كبر الطفل، لأنه يصبح أكثر اعتمادًا على ذاته. ولقدرته المعرفية على التذكر بأن مقدم الرعاية إذا ذهب سيعود، مما يخفّف من شعوره بالقلق.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الأطفال بعد سن الخامسة وكذلك المراهقين قد يعانون من قلق الانفصال، وأنّ من يتعرض للانفصال تظهر عليهم علاماته كاليأس والإحباط والخوف، وقد يعانون من مشكلات سلوكية كالتبول اللاإرادي والكوابيس [مجلة كلية التربية بالإسماعلية. مصر، عدد 22: 85-126].

 وكذلك نلاحظ وجود العنف بين الأطفال في المدارس، إذ كثيرًا ما يكون هناك تعارك بين الطلاب في المدرسة أو اعتداءات مختلفة، الأمر الذي قد يؤدي أحيانا إلى نتائج مؤذية لهم على العديد من الأصعدة النفسية والجسدية، وتؤثر على شخصياتهم مستقبلًا.

ونتائج العنف عادة ما تؤدي إلى إحداث خلل في عملية نمو الطالب في المجتمع، الأمر الذي يفضي إلى خلق شخصيات تعاني اضطرابات نفسية أو خاضعة ومنقادة وغير قادرة على اتخاذ قرارات إيجابية بناءة لمواجهة مشاكلها المختلفة.

وقد اخترقت الظاهرة مناعة المجال المدرسي وأصبحت تشكل سياقًا يتبادله جميع المتعايشين داخل الفضاء المدرسي وصار هذا المعجم اللفظي البذيء في السنين الأخيرة من أكثر أشكال التعبير استعمالًا سواء بين التلاميذ أو بين التلاميذ والمربين.

العزلة الاجتماعية

عند النظر إلى طبيعة سير العملية التعليمية التي تتبعها المدارس الإلزامية نجد أنّها تُهيكل حياة الإنسان لتصبح مقتصرة عليها فقط، ويتم عزل الطفل بل حتى الشاب عن الكثير من الأنشطة الاجتماعية الأساسية بحجة الدراسة والتعليم، وتُكرَر على مسامعه من أهله عبارات مثل “أهم شيء دراستك”، “اصرف واشتري ما شئت من أغراض وكتب ولا تبالي بأمر المال”، “لا تفكر في الزواج الآن، يمكنك ذلك بعد إنهاء دراستك الجامعية”، “دعك من الهوايات التي تعطلك في الدراسة”… إلخ، ومع كثرة تكرار هذه العبارات من جهات متعددة وبأنماط وطرق مختلفة، يشعر الشاب والفتاة بالأمان حيال معارك الحياة ويصبان همهما بالفعل في الدراسة أو في أي شيء آخر لا مسئول، لأنهما غير مطالبَين بالمسؤولية، ثم تحدث الصدمة بعد التخرج، فيجدان أنفسهما لا يعرفان شيئًا عن مهارات الحياة ولا عن مسئولياتها، والطامة الكبرى أنّ ذات المجتمع يطالبهم بتحمل المسئولية وأنّ هذا العمر المناسب لحملها، فتكون النتيجة هي الإقدام على خطوات حياتية تحت الضغط المجتمعي دون استعداد كافٍ لها، وبالتالي الكثير من الصدمات والتخبطات والقرارات الخاطئة، وتظل هذه الدائرة في المجتمع لأن هذا النظام التعليمي هو سبب رئيس في وجودها، ولا يزال قائمًا.

البراغماتية والعملية التعليمية

عند إلقاء نظرة على العلاقة بين الطالب والمعلم في التراث الإسلامي نجد أنّ هناك علاقة وثيقة متبادَلة بين الطرفين، ونجد أنّ فكرة ملازمة الطالب للمعلم فكرة منتشرة بين طلاب العلم، فنجد _مثلًا_ أنّ ملازمة الإمام بن القيم رحمه الله لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله استمرت ستة عشر عامًا، حيث إنه التقى به سنة (712هـ) للهجرة، ولازمه إلى سنة (728هـ)، أي إلى أن توفي رحمه الله تعالى تقريبًا، وغيرهم الكثير، بل إننا نجد أنّ ملازمة التلميذ لشيخه من القرائن التي يُعتد بها في علم الحديث.

أما الطريقة المُتّبَعة اليوم في التدريس من مرور الطالب في اليوم الواحد على عدة معلمين مختلفين لوقت محدد وتنتهي علاقة الطالب بالمعلم غالبًا بانتهاء الفصل الدراسي تجعل العلاقة الجامعة بينهم علاقة نفعية محضة، والمعلم كذلك يعمل تابعًا لمؤسسة تؤطّر دوره وحدود وقته مع الطالب، وتحدّد وظيفته معه، ومع تواتُر تلك التبادليّة البراغماتيّة بينهم؛ تتعزّز النزعة الفردانية في المجتمع، إذ إنّ الأفراد نشأوا في تسلسل دراسي يمحورهم حول تحقيق ذواتهم من خلال السلم الدراسي مع تغيُّر متتابع ومستمر فيمن يتلقّون عنهم، فيخرج للمجتمع فرد تضخمت ذاته في ناظريه، وأصبحت مصالحه الشخصية مُقدَمة دائمًا، ويصعُب عليه النظر لمصلحة الغير وتحقيق خُلُق رفيع كالإيثار مثلًا.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله “الشعور مراتب، وقد يشعر الإنسان بالشيء ولا يشعر بغالب لوازمه، ثم قد يشعر ببعض اللوازم دون بعض” [درء تعارض العقل والنقل] فبسبب اعتياد هذا النمط التعليمي أصبح تصور وجود رابط بين إشكالات اجتماعية كشيوع الفردانية وبين النظام التعليمي أمرًا مستبعدًا، ويتم رد هذه الظواهر إلى أسباب أخرى وحصرها فيها دون ملاحظة لوازم الأمور وبقية الأسباب، فمثلًا تُعزى نشوء الفردانية إلى ما حدث في نفسية الجماهير بعد صدمة الحرب العالمية الثانية، حيث نزع الناس إلى التمحور حول الذات والميل إلى الفردانية بسبب خيبة الأمل التي أصابتهم بعدما كانوا ينتظرون رغد العيش نتيجة التقدم التقني.

نعم هذا سبب ممتد ويتجدد جرّاء صدمات أخرى، لكن يجب ملاحظة البواعث الأخرى المُعززِة لهذه الظاهرة، حيث إنّ عدم الشعور بنمو الفردانية من خلال هذه الثنائية البراغماتية، وأنّ كون العلاقة بين الطالب والمعلم باتت براغماتية بحتة، لا يعني عدم وجودها، فالفردانية من لوازم هذه الثنائية البراغماتية.

ختامًا

إنّ موضوع التعليم وعلاقته بالمجتمع سواء من الناحية الفكرية أو النفسية والاجتماعية أمرٌ بالغ الأهمّيّة لكونه يشكّل الوعي العام في المجتمع، والعناية به ومحاولة تفنيد آثاره والبحث عن حلول له من القضايا المركزية الأولى التي يجب أن تكون نصب أعيننا، فكل يوم يمر دون الوصول لحلول حقيقية لهذه القضية يعني تمامًا قولبة المزيد من العقول وطمس الكثير من العبقريات في المجتمع وتعزيز للعديد من النزعات التي تمزق نسيج المجتمع مثل الفردانية أو غيرها من التأثرات الفكرية، وبالرغم من تواجد بعض الأطروحات التي تحاول وضع تصور لحل هذه القضية، إلا أنّ الأبعاد المؤثرة عليها تجعلنا نسأل سؤالًا مشروعًا وهو: في ظل هذا الواقع، ما جدوى هذه الأطروحات؟

هذا ما أسعى للإجابة عنه في مقالٍ لاحق بإذن الله.

مصيبة الموت: بين الصبر والجزع

جعل الله تعالى الحياة الدنيا دار فناء وزوال، لا تصفو ولا تدوم لأحد، فإذا حلت أوحلت، وإذا أراحت أتعبت، وما ولدت إلا ويتّمت، وما سرَّت إلا وأحزنت، وما جمعت إلا وفرقت، فمصير كل مخلوق فيها الموت، وكل حي فيها يموت، وكل مخلوق فيها يفنى، مصداقا لقوله تعالى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ {الرحمن: 26، 27}

إنها الحقيقة التي لا ينجو منها مخلوق ولا ينكرها أحد، فلم يستثنَ منها أحدٌ، لا نبي مرسل، ولا ملك مبجّل، ولا فقير مذلّل، فكل أهل البسيطة سيذوقون كأس الموت الذي لا يعرف السن، فإنه ينال الصغير والكبير. ولا يعرف الحالة فينال الصحيح والسقيم، ولا يعرف المنزلة فينال الوزير والفقير، ولا يعرف المكان فينال أهل المشرق والمغرب وأهل الشمال والجنوب، الكل سيرحل يومًا ما ويفارق هذه الدار، فلا دوام إلا لله الواحد الأحد، فلو دامت لغيرنا لما وصلت إلينا، مات أشرف الخلق الأنبياء والمرسلون، والأولياء والصالحون؟ ولو كانت الدنيا تدوم لأهل الفضل لكان رسول الله حيًّا باقيًا.

 أين المفرّ

قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ {النساء: 78}، فلا يستطيع أحد أن يفر من الموت، فقد قهر الجبابرة، وأدرك أصحاب البروج المشيدة، وكل من حان أجله وانقضى عمره، فلن يتأخر ساعة ولو اجتمع له أطباء العالم كله، فهذه الدنيا دار ابتلاء واختبار، وأحزان وأكدار. يمتحن فيها الإنسان بالمصائب والأقدار المؤلمة.

ومن أعظم المصائب التي يُصاب بها الإنسان مصيبة الموت وفقد الأحبة، ويشترك في هذه المصيبة المسلم والكافر، والبر والفاجر، ولكن شتان بين المؤمن والكافر، وبين الصابر والساخط، فعن أبي يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ) [أخرجه مسلم في صحيحه] يقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله إن الواجب على كل مؤمن ومؤمنة عند المصيبة، الصبر وعدم الجزع، فهذه أمور كتبها الله وقدرها لا حيلة فيها، فالواجب عند المصيبة الصبر وعند النعمة الشكر، وهذه دار الابتلاء والامتحان ولهذا يقول جل وعلا: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] ويقول سبحانه: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46] ويقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل:127]

 والمؤمن لا بدّ أن يبتلى تارة في نفسه وتارة في أولاده وتارة في أقاربه تارة في أحبائه وتارة في المسلمين، لا بدّ من الصبر.

هكذا المؤمن صبور عند البلاء شكور عند الرخاء، والصبر عند البلاء وهو أن يكف لسانه عما لا ينبغي ويكف جوارحه عما لا ينبغي ويكون قلبه مطمئنًّا منشرحًا لا جزِعًا فهذا هو الصبر.

 

احذر من ترك الصبر

أما الجزع فلا يرد عن صاحبه شيئًا ويأثم بلا فائدة ومثال على ذلك شق الثوب، ولطم الخد والصياح والنياحة، فكل هذه منكر ولا ينفع يأثم ولا ينفعه؛ ولهذا يقول ﷺ: (ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية) [متفق عليه]، وأخذ على النساء عند البيعة ألا ينحن على أمواتهن، ولما اشتد به الكرب عند موته عليه الصلاة والسلام أصابه شدة عند موته عليه الصلاة والسلام وكان يضع يده في الماء ثم يرفعها ويقول: (إن للموت لسكرات) عليه الصلاة والسلام فلما رأت ذلك فاطمة قالت: واكرب أبتاه! يعني وشدة كربته، فقال ﷺ: ليس على أبيك كرب بعد اليوم! يعني نهاية الكرب الدنيا، ما يقع عند الموت من الشدة وبعدها المؤمن في راحة في قبره، وبعد ذلك في الجنة.

 الابتلاء والامتحان

يقول الله سبحانه ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 – 157].

 وقد قال بعضهم عندما مات ولد له: “والله لو أن الدنيا وما فيها لي، فأخذها الله عز وجل مني، ثم وعدني عليها شربة من ماء، لرأيتها لتلك الشربة أهلًا، فكيف بالصلاة والرحمة والهدى؟”.

فيا من ابتُلي بفقد حبيب أو قريب، اصبر واحتسب الأجر من الله وارضَ بقضاء الله، واعلم أننا كلنا لله وأننا إليه راجعون، وعن هذه الدنيا راحلون، وردّد: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وأبشر بالخير، فسيعوضك الله خيرًا مما فقدت؛ فقد ثبت عن أم المؤمنين أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم اؤجرني في مصيبتي، وأَخْلِفْ لي خيرًا منها، إلا أَجَرَه الله في مصيبته، وأَخْلَفَ له خيرًا منها) قالت: (فلما تُوفي أبو سلمة، قلتُ كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله لي خيرًا منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم) [أخرجه مسلم]، والمعنى: أن الله أكرمها بأن تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والبشرى لمن صبر على البلاء والحزن والألم بتكفير السيئات، ورفعة الدرجات في جنات الخلد فقد صحّ عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا همٍّ ولا حزن، ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه)؛ [أخرجه البخاري في صحيحه] وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصبي لها فقالت: يا نبي الله، ادعُ الله له؛ فلقد دفنت ثلاثة قبله، فقال صلى الله عليه وسلم: دفنتِ ثلاثة؟ – مستعظمًا أمرها – قالت: نعم، قال: لقد احتظرتِ بحِظارٍ شديد من النار)؛ أي: لقد احتميتِ بحمًى عظيم من النار.

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة) [صحيح الجامع]

 فيا من فقد حبيبًا غاليًا أو صفيًّا مقربًا، اعلم أنك لست وحدك من ابتليت بهذه المصيبة، فغيرك قد ابتلي بأعظم من مصيبتك، فمن الناس من فقد ابنًا وأكثر، ومن الناس من فقد حبيبه وأنيسه، ومن الناس من تكالبت عليه مصائب كثيرة وهموم متتالية، وما من أحد إلا وقد أصيب بمصائب، والفراق في الدنيا لا فرار منه ولا زيغ عنه؛ فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جاءني جبريل فقال: يا محمد، عِشْ ما شئت فإنك ميت، وأحبب مَن شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه…) [صحيح الجامع].

 ومن عظيم كرم الله ورحمته بعباده المؤمنين بأنه لم يجعل الفراق فراقًا أبديًّا سرمديًّا فبشّر الله المؤمن بلقاء أهله وذريته وأحبابه من المؤمنين في الجنة، فسيجمعك الله بمن فقدت في اجتماع أبدي لا فراق بعده إذ يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ {الطور: 21}، وقال جل وعلا :﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ﴾ {الرعد: 23}