image_print

نحو فرض نسخة مشوّهة للإسلام.. ماذا تعرف عن تقرير راند؟

تؤدّي العقائد الدينية في تاريخ الشعوب دورًا حاسمًا في ترقّيها حضاريًّا واجتماع كلمتها سياسيًّا، فمن هذا الذي كان يتوقع أن تتحد العرب ويؤسسوا إمبراطورية تمتدّ من جزر الفلبين شرقًا إلى مدن الأندلس غربًا.

إلا أن الإنسان، الكائن الناقص الذي طالما دنس كل ما هو متعالٍ وبلغ به أنه كفر بالله وعبد الأوثان، أبى إلا أن يجعل من الدين آلة هدم، ومن تعاليمه السامية قنابل فكرية تتفجر في وجه البشرية.

جاء الإسلام ليمحق الباطل ويعلي الحق، وضمّ في ثناياه تعاليم ترسي التعايش نهجًا في التعامل مع الآخر المختلف، فرسول الله يفرش رداءه لنصارى نجران، ويتعامل مع يهودي ويستدين منه، ويعودُ غلامًا يهوديًّا مريضًا، ويوصي بالإحسان للوالدين ولو على كفرهم، ويرسل الرسل إلى حكام العالم يدعوهم إلى الإسلام ويرجو مصالحتهم، إلا أنّ دوائر صنع القرار ومراكز الدراسات الغربية ما يزال كثير من المؤثر فيها مثل مركز راند، يدعو لتشويه الإسلام وفرض تشكيلاتٍ مشوّهة منه..

الإسلام والآخر.. مواقف ثلاثة

ليس يُذكَر للحبيب أنه ذَكَرَ الآخر بسوء وتجنٍّ، وهنا لعلنا نجد قائلاً يقول: وماذا عن تشريع القتال وآيات الجهاد والأحاديث في الحث عليه؟! فلنجب عنه فيما يتيسّر من القول.

إن سوء الفهم الذي وقع فيه كثر -على رأسهم المسلمون أنفسهم- أخرج طوائف تكفيرية تُحِلُّ دم المسلم قبل الكافر، ولعل الخوارج والمعتزلة أشهر الفرق الإسلامية أعلنت الحرب ضد معارضيها من الفرق الأخرى، ولنا في حرب سيدنا علي رضي الله عنه مع الخوارج وفي محنة الإمام أحمد مع المعتزلة خير المثال.

لم يميز بعض المسلمين -بسبب سوء الفهم أولا والمواقف الشخصية ثانيا- بين فقه العلاقات الإنسانية في الإسلام والدعوات المتطرفة، فاعتقدوا أن القرآن بآيات الجهاد يرفض الآخر ويطالب برأسه قربانًا للرقيّ والتقرّب لله، وليس الأمر كذلك البتة، فمن خلال تمعّننا في آيات القرآن الكريم نجد أنه قسم موقفه من الآخر إلى:

– الموقف العقائدي: يتعلق بعقيدة الإسلام التي ترفض الإشراك بالله وما يليه من فساد في العقيدة، ويبدأ القرآن الكريم بالفاتحة التي تؤثث بشكل واضح لهذه النظرة، إذ النصارى واليهود كفار، وهذا لا نقاش فيه، ولا يستوي الكافر بالمؤمن في ميزان العقدي. يقول الله تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} [الكافرون: 1- 3] وهنا نلحظ الخطاب الهادئ والمنطقي مع الآخر، فلا هم ملزمون بدين الإسلام ولا المسلمون ملزمون بدين الكافر، ولكلٍّ حرية الاعتقاد، مصداقًا لقوله تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]، ووفق ذلك وضع الإسلام الدعوة والشرائع.

وحتى مع الاختلاف العقدي، فإنه لا يتخذ موقف عداء مع الآخر، لأن له موقفا آخر ونظرة أخرى للآخر.

الموقف المدني: ولو أن البعض سيعترض على استعمال المدنية، لكني أحببت أن أستخدمها لسببين هو أنها رسخت في المدينة المنورة، وأنها تحيل إلى أسبقية الإسلام في إرساء النظام المدني وقضائه على حكم الكهنة وطبقات رجال المعابد ورؤساء الأديان، وفي هذه النظرة يتضح من خلال آيات القرآن أن الآخر سواء كان نصرانيا أو يهوديا متساوٍ في حقه بالعيش الكريم والحرّ مع المؤمنين، مع اختلاف الواجبات مثل الصدقات والزكاة التي تعوّض بالجزية على الأغنياء فقط وتسقط عن الفقير والمرأة والطفل، وهي تقل عن الزكاة وتغني عن المشاركة العسكرية والمهام الموكلة للمسلم، وليس أدل على ذلك من “صحيفة المدينة” التي هي دستور مدني يضع المسلم واليهودي في القدر المتساوي من إمكان التعامل والتعايش.

كذلك في التجارة نجد المؤمن منفتحًا على الآخر ومطالبًا بالتعامل معه، وهنا يشير القرآن الكريم إلى أن المؤمنين غير مطالبين بالابتعاد عن معاملة الآخر لدينه {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم ولم يخرجكم من دياركم} [الممتحنة: 8]

والملاحظ أن التركيز على هذا الموقف لا نجده في كتابات المخالفين، لأنهم يركزون على الموقف الأول والثالث؛ وبهما يحكمون على الإسلام بكونه دينًا ضدّ التعايش، رغم أن مصر -على سبيل المثال- “أُكرهت على انتحال النصرانية، وهبطت بذلك إلى دَرَكات الانحطاط مقداراً فمقداراً إلى أن جاء العرب […] وكانت تعُدّ من يُحَرِّرونها من أيدي قياصرة القسطنطينية مُنقِذين، فحُفظ هذا الشأن للعرب” [غوستاف لوبون، حضارة العرب، ص220-221]

الموقف السياسي: وهذا الموقف الثالث الذي يعتبر أكثر المواقف التي يتحرج بعض المسلمين منها، رغم أنه يجب على المسلم أن يفخر بدينه فقد قال تعالى: {فلا يكن في صدرك حرج منه} [الأعراف: 2]، إذ يرى البعض أن الإسلام يحمل في عقائده مواقف عدائية ومشاريع امبريالية، وهم بذلك يُسقِطون تجارب الغرب على تاريخ الإسلام، فيشوّهون الحقيقة.

والحقيقة أن الإسلام في توسّعه أو معاركه -ابتداء- لم يقم بها إلا مضطراً، فلم تكن معركة بدر إلا بعد أن استمرت الدعوة السلمية 10 سنين، ولقي المسلمون ما لقوا من العذاب، وحتى الفتوحات الإسلامية والحروب التي ستتوالى لم يكن المسلمون يريدونها لشهوةٍ وإنما لمواجهة مفروضة أو لمخاطر بدأت تواجههم، ولتعدّي الآخرين على حدود أرضهم.

ويزعم المستشرقون ويتناقل بعض العرب الفكرة نفسها، ويرون أن الفقر والجوع أو العامل الاقتصادي حسم مسألة الفتح، رغم أن الوضع الاقتصادي في شمال إفريقيا لم يكن بأفضل حال من الجزيرة التي كانت وستظل لقرون طويلة أرض رخاء اقتصادي خاصة ومجاورتها لأرض خصبة كالهلال الأخضر، وحتى أن مسألة الجوع لم تكن بتلك القوى، وذلك أن العرب عموما لم يكونوا قوم شراهة بل العكس، وهذا يفسر انتصاراتهم على أهل الحضارة والمدنية التي أثقلت البطون والعقول كما يشرح ابن خلدون في مقدمته، وكما قلنا فمنقطة شمال إفريقيا شهدت مجاعات متتالية عبر تاريخها، وكانت أغلب مناطقها مقفرة وقصة بناء القيروان خير مثال.

كما أن تاريخ التغذية في المنطقة معروف وليس فيه نوع من البذخ الذي اشتهر في المشرق أيام الأوج الإسلامي، فمعظم المأكولات مشتقة من القمح، ويكاد اللحم لا يحضر إلا في المناسبات، والحلويات لم يتعرف إليها بشكل قوي إلا في الأندلس وعند دخول العثمانيين.

الموقف السياسي يقترح أن تكون المعاملة بالمثل مع المعتدين والظالمين، إذ لا استكانة مع الغزاة، وهذا المبدأ الذي عُرفت به كل الشرائع السياسية، والناس لا تريد أن تفهم أن الإسلام ليس محض دعوة روحانية بل هو شريعة ربانية دنيوية وسماويّة؛ وهنا يحدث الاختصام بيننا وبينهم، فهم يرون في الإسلام دين محضًا ونحن والراسخون في العلم يرونه شريعة تنظم حياة المسلم من ألفها إلى يائها.

وحين لا يريدون الاعتراف بذلك يتهمون الإسلام بأنه دين عدوانية، ولو اعترفوا بالشريعة لاتضحت الصورة، لكنهم يريدونه دينًا صوريًّا كالمسيحية يبدأ عند باب المسجد وينتهي عنده.

وحتى في الموقف السياسي يجب أن نميز بين السياسة في الإسلام وبين ما نعرفه عن سياسات الدول، فليس من الإسلام هذه الحروب الفتاكة التي نراها تُشَن لإهلاك الزرع والنسل، ولا منها المؤامرات والمكائد وإفقار الدول وضرب المستشفيات كما فعلت أمريكا -مستشفى السودان مثلا-.

إن الموقف السياسي أو الحربي في الإسلام تؤطره أخلاق المسلم، بينما تنبني السياسة الحالية على البراغماتية والعلمانية التي تلغي الأخلاق لصالح المصلحة والمنفعة، فلا ضرر برأيهم في إبادة الهنود الحمر لقاء تأسيس امبراطوريات غربية في قارة أمريكا وهلم جرا.

يقول ول ديورانت في كتابه “قصة حضارة”، [مج4، ج2، ص82-83:
“ولقد كانت جيوش العرب خيراً من جيوش الفرس والروم… لقد كان في وسعهم أن يحاربوا وبطونهم خاوية، ولكنهم لم يكونوا في حروبهم همجاً متوحشين، انظر إلى ما أوصاهم به أبوبكر” فانظر كيف يشير إلى وصايا أبي بكر الصديق رضي الله عنه المعروفة، والتي لن تخرج عنها قلوب العقلاء وأفكارهم.

ول ديورانت

سعيًا لتحريف الإسلام

يرى روّاد المراكز الغربية المؤثرة أنه “من المستبعد أن يغير الشباب المنتمي لحركات الإسلام الراديكالي آراءه بسهولة. أما الجيل التالي، فالمتصور أنه يمكن التأثير عليه وتشكيل وعيه، بإدماج رسالة الإسلام الديمقراطي في المقررات الدراسية ووسائل الإعلام” [شيريل بينارد، الإسلام الديمقراطي المدني، ص115] وبعد أن تأكّد الغرب أن تغيير الإسلام لن يتم من خلال كتابات المستشرقين، بدأ العمل الحثيث لتغييره من الداخل وعلى يد أبنائه، وقد أشرنا في مقال سابق إلى ضلوع مفكرين عرب معروفين في هذا المشروع.

ولعل مؤسسة راند الأمريكية رائدة ولا شك في هذا المجال، بتقديمها للدعم المادي للحكومات وتدريبها للكوادر العربية واحتضانها لكل مفكر مناهض للإسلام، والكاتبة مذكورة آنفا إحدى محللي المؤسسة ونسوية شرسة وكتاباتها في هذا الصدد معروفة.

انطلاقا من التركيز على الموقف السياسي للإسلام من الآخر ولنقل بشكل واضح من الامبريالي يجد الغرب نفسه في مواجهة مباشرة معه، فهو يريد شعوبًا خنوعة وشرائع تتماهى والهيمنة الغربية بل وتطالب بها تحت مبرر جلب التقدم والازدهار.

وهذا من بين الأهداف الواضحة التي تقدم مؤسسة راند عبر الكتاب السابق والصفحة نفسها، نصيحة تؤكد على أنه لا بد من: “نقد النظرة التقليدية بإظهار العلاقة السببية بينها وبين التخلف. وعلاقة الحداثة والديمقراطية بالتقدم والازدهار”

إذا تأملت في هذه النصيحة فستجدها أشد مبررات المنبطحين ثقافيا، ففي نظرهم الدين وخاصة الإسلام سبب كل تخلف في العالم الإسلامي، والحل الوحيد للخروج من حالة التخلف إلى حالة التقدم التخلص من الدين أو إفراغه من مضامينه.

وهكذا يطرح الإسلام الجديد أو “إسلام السوق” كما يسميه “باتريك هايني”، يشرح الكاتب الفرنسي معنى إسلام السوق بقوله: “وأعني بإسلام السوق مزيجا النزعة الفردانية المتعولمة، ونزع القداسة من الالتزام التنظيمي، بما يتضمّن ذلك من التخلي عن الشعارات الكبرى التي تتمحور حول الإسلام هو الحل، وإعادة النظر في فكرة شمولية الإسلام لكل مناحي الحياة” [باتريك هايني، إسلام السوق، ص 24].

يدعم الرجل رأيه بالدعم الذي تلقته المنظمات الإسلامية أثناء الربيع العربي، وهنا يشير مباشرة للإخوان المسلمين في مصر وحتى المغرب باعتبارهما نموذجا واضحا لمشروع الإسلام الجديد الذي يقوض أساس الإسلام ومشروعه، وهو ما يشيره إليه في قوله “إعادة النظر في فكرة شمولية الإسلام لكل مناحي الحياة”.

فالأحزاب السياسية الإسلامية التي تتنازل عن ثوابت الدين في معطياتها النظرية والعملية السياسية جزء من خليط من الدعاة والمنشدين وغيرهم يمثّل اتجاه إسلام السوق، وهدف هذا الإسلام واضح، وهو الانتقال من الإسلام العالمي إلى الإسلام القطري، ومن إسلام يعد بإصلاح العالم الغربي إلى إسلام يستجيب لإصلاحات العالم الغربي، ولعلنا نمثّل لذلك بدفاع حزب العدالة والتنمية في المغرب عن اتفاقية سيداو؛ والتي تتعارض جملة وتفصيلا مع الإسلام الأصلي.

يبدو أن الإسلام الجديد يلقى رواجًا وقبولًا لدى أبناء كثير من النشء الجديد والفئات المثقفة المتحررة من ضوابط الدين، ظنًّا منهم -بعد صراع طويل مع الغرب والاستبداد وقراءات طويلة- أن تعاليم الإسلام تتعارض مع الحداثة، ومع السياق التاريخي، فلا يُتصوَّر مثلًا تحريم الربا في عالم مبني على القروض، ولا تحريم الغناء في مجتمع مسلم يصبح ويمسي على ألحان المطربات المطربين وتنظم الحفلات في كل بقاعه، حتى في أشرفها، نرى اليوم تحولا واضحا نحو الانفتاح على الثقافة الغربية، وخير مثال احتفالات الهالوين في أهم دولة مسلمة في جزيرة العرب!

ولعلي أختم بهذه الخلاصة، إن الناس يعتقدون -عبثا وعن قلة اطلاع- أن الحداثة تعد بالرخاء وأن الالتزام بالإسلام يؤدي للفشل، متغافلين عن كون أن الحداثة لم تنجح في بناء عالم آمن أو مزدهر، وانظر حولك تتأكد فمن حرب إلى حرب ومن أزمة إلى أخرى؛ ونؤكد لهم أن الإسلام لم يفشل في بناء المجتمعات المزدهرة بل نجح أيما نجاح في ذلك في أوقات قصيرة حين ساد وحكم والأندلس كمثال، إلا أن تخلّف المسلمين عائد إلى عوامل أخرى ليست محل بحثنا على رأسها الفساد والظلم.

أسلمة الكرة وإدارة الوهم!

لا أرجّح أنّ تكليف أحد الأقطار العربية بتنظيم كأس العالم هو نزوة سياسية أو ارتجال دولي، لأنّه لا شكّ بأنّ النظام الدولي الحالي تجاوز فترة المراهقة السياسية بأشواط وأشواط! لذا ما يبدو أنّ تكليفنا بالتنظيم الكروي ليس انتصاراً سياسياً عربياً أو فتحاً إسلاميّاً لحضارة الغرب! بل هو ربما فخٌ حضاري وتكريس احترافيّ لانتصارات النقيض الثقافي ومحاولات واثقة عابرة للقارات تهدف لسوس الرأي العام العربي والإسلامي إلى ميدان المعارك الافتراضية لتكريس غيابه وتغييبه عن المشاركة في الساحة الحضارية الفاعلة! ليس انتصاراً أن نُلبِس لاعباً لباسنا العربي وهو ذاته الذي ألبس شعبنا ومفكّرينا لباسه الكروي! ليس انتصاراً حضارياً أن نقيم فعّالية ما لثقافات الغير في مشرقنا، فهذا الانتصار هو انتصارٌ لصاحب الفعّالية وليس لمنفّذها، الانتصار الحضاري يكون عندما يشيّد لنا الآخر الثقافي لديه فعّالية ثقافية تخصّ حضارتنا العربية والإسلامية! ما يجري هو انتكاسة خطيرة للحضارة العربية والإسلامية بنكهة الانتصار الاجتماعي، وإنّ خطورة ما يجري هو ليس في تسلل معلومة أو معلومات أو بإضاعة الوقت وهدر الأموال والتبذير والإسراف أو متابعة الكرة لمجرّد الكرة، أبداً ليس في كلّ ذلك! بل الكارثة هو أنّ ما يجري يعبث في مناهج التفكير الاجتماعي الإسلامي والعربي! إنّ ما يجري هو تكريس للغيبوبة الحضارية وتديين للكرة والحذاء الرياضي وتوظيف للدين وتحويل الملعب لمعبد حضاري والجماهير لدراويش يطوفون بعواطفهم وهم سكارى حول الوثنية الأنيقة! لا تغرّنك الصور الاجتماعية الإيجابية التي تحاكي العاطفة العربية والإسلامية والتي اعتبرها البعض نصراً اجتماعياً وحضارياً وثقافياً، إنّ مثل هذه المشاهد لا تعدو كونها صرخات إعلامية دون صدى وبذور بلا تربة وسارية بلا جذور! هي لا تعدو عن ديدان يستخدمها الصياد الدولي ليس لأنّه يحبّ الديدان ولكن لأنّ السمك هي من تحبّ الديدان!

تديين الكرة

ما يجري اليوم في كأس العالم هو تديين لكرة القدم والحديث عن تسويق الإسلام خرافة ساذجة، الدين في هذه الفعّالية العالمية لا يعدو عن طعم اجتماعي يصطاد بواسطته القائم بالاتصال الحضاري الدرويش الاجتماعي والثقافي والديني!

إنّها لظاهرة عجيبة وتحتاج لوقفات بحثية لا يحيط هذا المقال بتفاصيلها! كيف لمشايخ الصوفية والسلفية والمجددين أن يخضعوا لإرهاب الجماهير التي تحجّ للكأس وتتعبّد الكرة في هذا المعبد الرياضي الحضاري! إنّه لسقوط حضاري نخبوي أن نشاهد المثقف الديني والعالم والشيخ ذو الحضور الاجتماعي الكبير راحوا يتفننون بتكريس ثقافة الكرة دينياً بطريقة أو أخرى، لدرجة أنّ بعضهم أصبح يتعبد الله بالدعاء بنكهة رياضية! وآخر يستحضر الفتوحات الإسلامية والصراعات الحضارية مدعياً أنّ ما يحصل أساسٌ بإمكان الحضارة الإنسانية أن تبني عليه!

والحقيقة أنّ ما يحصل هو تخدير للسلوك وتفريغ وتوظيف للعواطف الإنسانية محرّك السلوك الإنساني في غير مكانها اللائق! إنّنا اليوم أمام إسلام وظيفي ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل الأخطر هو امتداده لكافة الأصعدة الاجتماعية والثقافية والمدنية والرياضية، ممّا يُنذر بدوره بتعطيل حركة هذا المتغير الإسلامي بالمطلق ويحوّله لقوة عاطفية دافعة يتم استغلالها لتحقيق أهداف مشاريع سياسية واستراتيجية لقوى الحضارات النقيضة لا لكيانها الذاتي! الدين اليوم يبعد أشدّ البعد عن منهج الدين الحقيقي المبني في أصوله على أسس الحرية والتدافع الاجتماعي والسياسي والثقافي وفق ثوابت ومتغيرات معيّنة.

النصر الافتراضي وصناعة الوهم

إنّ أخطر ما ينتج عن خلط الكرة بالدين والقضايا الاجتماعية، هو خلق حالة نصر افتراضية أو هزيمة افتراضية بما يتعلّق بأمور حضارية وفكرية واجتماعية ودينية، هذه الكرة لم تعد لعبة، هذه سياسة منظمة في تخريب المنهجية العصبية للحضارة العربية والإسلامية!

ربما يتساءل البعض، أليس من المبالغة القول بأنّ الإنسان يتأثر بالواقع الافتراضي كما يتأثّر بالواقع الحقيقي؟ البتة وعلى الإطلاق.. فقد قيل قديماً: “ما قادك مثل الوهم”!. وعلى ما يبدو فإن مثقفنا المتدين الكسول قد أمل التغيير الحقيقي فراح يفرّغ عاطفته الحبلى بالعواطف في المعبد الحضاري الكروي، لينتقم بكل غباء من الحضارات المعادية، وليبدأ ببناء حضارته التي يحلم بها على سراب من الوهم الحضاري العاطفي الثقافي المتخبط التي تختلط المشاعر فيه دون إدراك!

ما يجري في كأس العالم لم يكن استحضاراً للجن بل استحضارًا للعاطفة القابلة للتوظيف وليس للبناء! نعم ما قادك مثل الوهم، إنّ الإنسان بداخلنا لا يفرق بين المؤثر الحقيقي وغير الحقيقي، وإنّ الجهاز العصبي يتفاعل مع المؤثر الذي يتعرض إليه سواء كان حقيقيا أو لا؛ لذلك أرى أنّ العالم الافتراضي قادر على إعادة هيكلة الثقافة انطلاقا من العواطف لا العقل والسلوك الإنساني وبالتالي من الممكن أن يشعر الإنسان بالانتصار وهو مهزوم!

إنّ إدارة السلوك بواسطة العاطفة بالطبع لا تتحقق بصورة أو موقف أو فعّالية، بل بمنظومة منهجية متكاملة تشمل كافة المجالات والمفاصل الاجتماعية والإعلامية، لذلك من المستبعد أن يتأثّر المواطن الغربي في مثل هذه السلوكيات لأنّه خاضع لمنطومة واثقة تحكم مدخلاته، في حين يتأثر المواطن العربي بالأفكار والمناهج الفكرية السلبية حكماً لأنّه مستهدف بشكل ممنهج ومنظم وبكافة المجالات المفصلية!

في المقابل فإنه من غير الصواب -أصلاً- أن نحقن الجيل الإسلامي بعواطف غير متوازية مع خطوات التثقيف العقلاني والفكري، لأنّ ذلك من شأنه في الوقت الراهن أن يجعل هذه الشرائح الاجتماعية العاطفية المستهدفة سهلة الانقياد الحضاري والتوظيف السياسي من قبل النقيض الحضاري. وعندها نكون أمام ظاهرة خطيرة وهي تغييب العقل واستحضار العاطفة القابلة للتوظيف لتحقيق مصالح الآخر السياسي أو العسكري أو الثقافي، بدلاً من أن تكون العاطفة والحماس أداة متزنة تتناغم مع العقل والتعليم، لتشكّل قوة حركية دافعة قادرة على الحضور في منظومة حضارات العالم!

أمّا التفاؤل بإمكانية تحوّل السجود في الملعب لثقافة عالمية وإنسانية تفاؤل في غير موضعه، فالسجود في الملعب هو للكرة والجمهور وإن كان ظاهره لله! وحتى لو تحولت السجدة جدلاً لثقافة عالمية، فأين الانتصار بأنّ نربي إنساناً وثنياً سلوكه لا ينبع من علمه بل من عاطفته! أليس الله هو من قال: {فاعلم أنّه لا إله إلا الله} [محمد: 19] بهدف ألّا يتحول الدين لأداة تكريس للوثنية المقنعة وكي لا يتحول بدوره أيضاً لفريسة آمنة للتوظيف السياسي! إنّ قناة التغيير الحضاري السليم ليست العواطف، وإنما التفكير والعقل!

اختطاف الفضيلة

لقد لاحظت في الآونة الأخيرة استراتيجية ملفتة يتّبعها رجال العلاقات العامة في علوم الإعلام والاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي أثناء تسويقهم الاجتماعي لأفكار دخيلة إلى الثقافات العربية الإسلامية أو أثناء تفريغ أفكار الثقافة العربية الإسلامية من فاعليتها لتبقى مجرد منظومة عواطف قابلة للتوظيف وخالية من الفاعلية الحضارية.

هذه الاستراتيجية أُطلِق عليها -إذا صحّ التعبير- استراتيجية (اختطاف الفضيلة)، حيث يتترّس التافهون بالفضيلة ويستخدمونها كطعم اجتماعي يهدف إلى اصطياد الفريسة الاجتماعية المنحدرة من أصول الثقافات النقيضة بالنسبة للقائم بالاتصال الحضاري والثقافي، لذلك أصبحنا نشاهد الخاطفين وبكثرة غير مسبوقة من لاعبين ومغنيات وراقصات وفنانات وإعلاميات وممثلات أفلام إباحية حتى! يتترّس أحدهم وراء الفضيلة (الحجاب، بر الوالدين، تحرير فلسطين، المقاومة… الخ) أي القضايا المتفق عليها اجتماعياً في الثقافة المستهدفة، ويتم الكلام عن هذه القضايا الاجتماعية بإيجابية وخشوع تام، إلّا أنّ واقع المتكلّم يناقض ما يتكلم به، مما يؤثر استراتيجياً -بطبيعة الحال- وسلباً على فاعلية الفكرة وتقبّلها، لوجود هوّة شاسعة وتناقض فادح بين القائل والقول!

لكن النتيجة الاجتماعية الآنية حتماً تكون هي تنصيب هذه الشرائح الاجتماعية (الخاطفين) كأحد القدوات الاجتماعية المتصدرة في العقل الجمعي وبعقل المراهق الاجتماعي الذي يعيش بالتوازي حالة سبات بالغة مع حضارته إلا اللهم بالنسبة للمبادئ المتحكمة به نفسياً والمنبثقة من ذاتية المجتمع العميق، لكن بذات الوقت إنّ هذه المبادئ لا تعدو كونها أقرب لمرض نفسي اجتماعي، من كونها منظومة قيم قادرة على تشكيل حضارة ثقافية مؤثرة يمكن أن يتم البناء عليها في المستقبل!

ونتيجة لـ(اختطاف الفضيلة) من قبل هذه الشريحة الاجتماعية المتحكمة والمسيطرة على اللاوعي العربي الإسلامي، يتأثّر المراهق الاجتماعي بهذه القدوات ويتقبّلهم كأحد النماذج المكونة لثقافته وفكره ومنهجه، وبالطبع فإنّ المراهق الاجتماعي العربي الذي يعاني -بطبيعة الحال- من اضطراب في الهوية والمسكن والاستقرار، يتقبّل بطريقة لا إرادية كافة الأفكار السيئة الأخرى التي تؤمن بها هذه القدوات مسبقة التصنيع السياسي والتي اختطفت بدورها الفضيلة قولاً لا فعلاً، لأنّه من طبيعة العقل الجمعي أنّه يعجز عن الغور في التفاصيل، ويستقبل منظومة فكرية لشخص بعينه، لمجرد أنّ هذا الشخص المشهور أثنى على فضيلة ما يمارسها هذا المراهق، وعليه إنّ المراهق الاجتماعي يقبل الآخر بصورة عامة ودون تفنيد كافة أفكاره.

لذلك فإنّ الحديث الراقي عن فضيلة الحجاب إذا صدر من ممثلة متخلّعة أو إعلامية استعراضية خاضعة بقولها وأفعالها، فهو حديث لا معنى أو تأثير له حضارياً مهما بلغت شهرة هذه المتحدثة! واليوم نلاحظ أنّ استراتيجية “اختطاف الفضيلة” تتم بشكل ممأسس واحترافي وغير مقصود عربياً من خلال صبغ كأس العالم ببعض المشاهد الاجتماعية الإيجابية، وهذا باعتقادي لا يؤدي لتسويق الفضيلة بل لاستخدام الفضيلة لتسويق نماذج بعينها ولتسويق منهج تفكيري يكرّس الغيبوبة الحضارية التي تسيطر على الواقع العربي والإسلامي منذ عشرات العقود!  فإنّ مشهد اللاعب المغربي وهو يراقص أمّه فرحاً، يخلق استجابة متباينة، ما بين عقل المتلقي الغربي والعقل العربي بطبيعة الواقع، لأنّ الرسالة لا يكمن معناها بذاتها، بل تقرأ بواسطة الرموز المتراكمة في عقل المتلقي، ولا شكّ أنّ رمز مفهوم الأم بعقل الابن الغربي والعربي تحدده متغيرات التربية والمناهج والمدرسة وأسلوب الحياة، لا صورة لأحد الرقصات! التخيل أنّ هذه الصورة ستغير قواعد الأسرة في الغرب هو تفكير سينمائي ساذج! أيضا إنّ طرح قضية الشذوذ في المنطقة العربية بكأس العالم بهذه القوة يؤدي لتسويق الشذوذ لا العكس، لأنّ طرح الفكرة سواء بشكل إيجابي أو سلبي في بلد لا تتكلم بهذه الفكرة على المستوى الاجتماعي هو بحدّ ذاته تسويق للفكرة! أمّا الزعم أننا نعالج الشذوذ الموجود في الغرب فهذا كلام غير منطقي لأنّه تبعا لما بينت أعلاه بأنّ الرسالة تقرأ بالرموز الموجودة بعقل المتلقي، يعني أنّ الغرب اليوم ما زال ينظر للشذوذ بطريقة إيجابية ولكن أصبح ينظر للعرب بأنهم ضد الحرية.

في النهاية ولئلا نبخس الجهة المنظمة حقها أؤكد -انطلاقًا من قوله تعالى: {قل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] وإذا أردنا أن نحكم على الجهة المنظمة انطلاقاً من مكانها الجغرافي وسياستها الداخلية مع مواطنيها فهذا إنجاز لا شك ولكن على مستوى الأمة فالأمر يختلف لاختلاف الخطط الثقافية والسياسية والاجتماعية الموازية في باقي المناطق العربية، وفي زمن الإعلام لم يعد بإمكاننا الحكم على فاعلية وصلاحية الحدث بمعزل عن متغير الإعلام الذي حوّل العالم العربي والإسلامي لقرية صغيرة.

هل استطاع الغرب حرفَ الإسلام نحو التشوّه الحداثيّ؟

أصدرت مؤسسة راند، التي تعتبر من أهم مراكز الدراسات الإستراتيجية الأمريكية، وأحد أهم الأذرع البحثيّة للإدارة الأمريكية تقريرًا بعنوان “الإسلام الديمقراطي المدني” قبل حوالي تسع سنوات، يهدف الطرق المناسبة لتغيير الدين الإسلامي وفق قوانين النظام العالمي، ويطلب تشجيع الحكومات والشعوب المسلمة على الإقدام لتنفيذ ذلك الأمر.

اقترح التقرير الإستراتيجيات المناسبة لبلوغ هذا الهدف، حيث تقول الباحثة النمساوية صاحبة التقرير شيريل بينارد: “من الواضح أن الولايات المتحدة والعالم الصناعي الحديث، بل المجتمع الدولي برمته، يفضلون جميعًا عالمًا إسلاميًّا متناغمًا مع النظام العالمي، فمن الحكمة تشجيع العناصر الإسلامية المتوائمة مع السلام العالمي والمجتمع الدولي، والتي تحبذ الديمقراطية والحداثة”(1).

إن المقصود هنا هو إعادة بناء عالم إسلامي خاضع للقوانين الدولية التي يضعها الغرب وأمريكا دون نقدها أو رفضها من قبل الشعوب الإسلامية وحكوماتها، ودون الحاجة للعودة إلى المرجعية الإسلامية وشريعتها حتّى ولو كانت هذه القوانين مخالفة للفطرة الإنسانية، فالهدف هو فصل العالم الإسلامي عن عقيدته الإسلامية وعن شريعته والتطبيع مع القوانين التي تضعها الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.

لنا أن نتساءل اليوم بعد مرور حوالي تسع سنوات عن إصدار هذا التقرير، ما هي الإستراتيجية المتبعة لبلوغ أهداف التقرير، وغرس الحداثة في روح العالم الإسلامي، وما مدى تأثيرها في واقع مجتمعاتنا اليوم؟

الإستراتيجيّة الأمريكيّة

إن أساس الإستراتيجية الأمريكية في تغيير الإسلام وتمييعه قائمة بدرجة أولى على دعم الحداثيين في مختلف مجالات الحياة والترويج للحداثة، وتأكيدًا على ذلك تقول الباحثة شيريل بينارد: “والرؤية الحداثية متوافقة مع رؤيتنا. ومن بين كل الأطياف، فإن هذه الفئة شديدة الاتساق مع قيم وروح المجتمع الديمقراطي الحديث، وهذا يشمل بالضرورة تجاوز الاعتقاد الديني الأصلي أو تعديله أو تجاهل بعض عناصره على نحو انتقائي. والعهد القديم لا يختلف عن القرآن في دعم ألوان من القيم والمعايير وترسيخ عدد من القوانين الشاذة إلى درجة لا يمكن تصورها بغض النظر عن تطبيقها في مجتمع اليوم الحديث”(2). والسؤال المطروح هنا ما هي أسس الرؤية الحداثية؟

الحداثيون يعتبرون الإسلام حركة تاريخية وشريعته غير ثابتة بل هي لا تصلح إلا في الفترة الزمنية التي ظهر فيها ويمكن تغييرها وفق متطلبات العصر مع الحفاظ على القيم الأخلاقية والإنسانية التي لا تتعارض مع قيم الديمقراطية والحداثة العالمية، وللفرد حرية التديّن وفق الطريقة التي تناسبه وتبقى دائمًا مصلحة المجتمع أهم من تعاليم القرآن وأحكامه، فالحكم والقوانين المنظمة للحياة في مختلف المجالات لا علاقة لها بالإسلام بل هي فقط من صنع العقل الإنساني وفق ما يرى فيه مصلحة له ولمجتمعه.

لا تقتصر الاستراتيجية على دعم الحداثيين وحدهم بل إن أمكن دعم غلاة التصوّف غير المنضبط بتعاليم السنة النبوية الذي يوصى بالانعزال من الحياة والتعبّد السلبي الذي لا ينشر إلا البلاهة والخرافات والضعف والجمود! فمن الوصايا في هذا التقرير نجد: “تعزيز مكانة التصوف بتشجيع الدول التي توجد بها تقاليد صوفية قوية على زيادة الاهتمام بهذا الجانب من تاريخها وبثه في مقرراتها المدرسية”(3).

ومن أهم بنود هذه الإستراتيجية هي دعم الرؤية الحداثية للإسلام والترويج لها ونشرها تحت غطاء الإسلام الحداثي وهذا ما يحدث في مجتمعاتنا اليوم بظهور نخب مثقفة في المنابر الإعلامية تفسر الإسلام وفق أهوائها وتبطل أحكامه وتحل ما حرم الله في كتابه، ومن البنود أيضًا صناعة قدوات وزعمات وعلماء حداثيين وتصديرهم للعامة، ومحاول غرس أفكارهم داخل المجتمع، وإظهارهم على أنهم يملكون الحل لمختلف المشاكل، وبهم يتقدم المجتمع، وجعلهم رموزًا قوميين، بهدف التأثير في العامة ودفعهم للاقتداء بهم في كل شيء، فيسلمون لقولهم وأمرهم.

من أهم البنود التركيز على مبدأ الاختلاف والتفرقة بين مختلف الطوائف والمذاهب الإسلامية وتأجيج الصراعات بينهم مع استغلال أخطاء زعمائهم وزلاتهم الأخلاقية، ونشرها بين العامة، مع إبراز فشل الجماعات الإسلامية في الحكم وعجزهم عن النهوض بالبلاد، وتقديم المشروع الحداثي على أنه البديل والحل للتغيير والنهوض، وكثيرًا ما نرى اليوم بعد الثورات وصول الأحزاب الإسلامية للحكم وإخفاقها لأسباب داخلية أو خارجية، ومن ثم الترويج أنّ سبب ذلك هو توظيف الإسلام في السياسة وعدم صلاحيته لذلك ومن ثم الدعوة للفكر الديمقراطي الحداثي وإيهام الناس بذلك، ومن البنود أيضًا التشكيك في الثوابت الإسلامية كالسنة النبوية وبث الشبهات حولها، حتى يشعر الفردِ بضعف وشكّ في دينه فيترك تعاليمه ولا يُصدّقها، وكثيرًا ما نرى في الآونة الأخيرة حملات تشكيك تهز المجتمع وتتركه تائها.

من البنود المهمة فكرة ترسيخ مفهوم تحديث أو تجديد الإسلام على النحو الحداثي في مناهج التعليم وغرسه في الناشئة وأنه هو طريق السلام العالمي والتقدّم والتطوّر والتّرويج لذلك في المنابر الإعلاميّة وربط مشاكل المجتمع بالشّريعة والدّين، ونحن اليوم نعاني كثيرًا من مشكلة هجر أبنائنا لتعاليم الإسلام والتمرد عليه. فهذه البنود هي الواردة إجمالًا في التقرير، ولمن أراد التوسع فيها فيمكنه العودة للتقرير ومراجعته.

مظاهر الإستراتيجيّة الأمريكيّة داخل مجتمعاتنا

بعد هذه السنوات من العمل والتنفيذ لهذه الاستراتيجية، بتنا نرى اليوم أجيالًا لا تعرف من الإسلام إلاّ الاسم، بعيدة عن مبادئه ونافرة من شريعته، ترى ضرورة فصل الدين عن السياسة والاقتصاد، وجعله حرية شخصية لمن أراد الالتزام به، كما أن من يُطبّقه في نفسه وأهله صار يشعر بالغربة والتنمّر في مجتمعه المسلم، وفي المقابل أصبحت الحداثة والديمقراطية والقوانين الوضعية هي المرجعية لكل شيء، ومن أراد الاستقرار ومواكبة النظام العالمي فلا بد له من الانسجام مع هذه المفاهيم فالدين لم يعد المميّز لهوية المسلم ومرجعيته ومبادئه في الحياة، فقد أُفرِغ من محتواه وأصبح عقيدة خاوية بلا عمل ولا التزام!

أصدرت “بي بي سي” تقريرًا يثبت تراجع نسبة التديّن في العالم العربي سنة 2019 إذ ارتفعت نسبة الغير المتدينين من 8% إلى 13% منذ عام 2013، ويعتبر هذا الأمر ملموسًا في مجتمعاتنا فقد أصبحت المصلحة هي الراجحة حتى ولو كانت حرام ولم يعُد هنالك توقير وتعظيم للحدود والحرمات التّي وضعتها الشريعة الإسلامية وأصبحت هناك توسّع في اللامبالاة بأحكام الإسلام خاصة لدى غالبية الشباب فيمرحون ويعيشون وفق أهوائهم، وبالتالي تبع ذلك انحلال الروابط الأسرية وعدم تحمل المسؤولية والكثير من المظاهر السلبية تحت مُسمّى الحداثة والحريّة.

في هذا السياق لا يمكن نسيان موضوع المرأة وتصاعد أيديولوجيات النسوية وارتفاع ظاهرة خلع الحجاب والابتعاد عن الحياء وانتشار التعرّي في الأماكن العامة، ومن هذه المظاهر أيضًا ما يحدث اليوم في بعض البلدان العربية من محاولة تجديد الإسلام -كما يقولون- وإدخاله تحت منظومة الحداثة، فانتشر الاختلاط والحفلات الصاخبة تحت مسمى الحداثة، وأصبحت هنالك دعاوى لتحرير المرأة وفق المنظور الحداثي الغربي، ولم يعد المجتمع المحافظ فيها محافظًا كما كان تحت وطأة عملية التحديث!

مؤخّرًا أصبحت هنالك حملات متتالية من أجل دمج العالم الإسلامي في النظام العالمي، بهدف قبول الشذوذ الجنسي واعتباره حرية شخصية لا علاقة له بالدين وتغييبه عن توجيه العامة للصواب، فأصبح من المسلمين المعاصرين من يدعم هذا السلوك الشاذ ويدافع عن أصحابه باسم الإنسانية!

هل نجح الغرب باستراتيجيّته؟

لنا أن نقول هنا بأن الغرب حقق نجاحًا ملموسًا في هذه الإستراتيجية المُتّبعة، فمجتمعاتنا اليوم أصبحت بعيدة عن دينها وأحكامه، وبات الكثير من الناس لا يُقيم للدين وزنًا، ولا تحتكم لشريعته، ويا لها من حقيقة مفزعة ومحزنة!

إن المسلم اليوم الذي يتعامل بالربا ويعتبر ذلك من متطلبات العصر، وأنّ الدين يبيح في نظره ذلك بسبب المُتغيّرات التّي نعيشها، والمسلم الذي يقنع نفسه بأن التصرفات اللاأخلاقية التي  يشجع عليها الشيطان وينهى الإسلام عن اقترافها، هي أفعال لا بأس بها ولا شأن للدين في تنظيمها، أهذا المسلم هو الذي وُصِف بأنه المستسلِم لأمر الله الباحث عن رضاه ومقيم الدين في نفسه وأهله.

فالمُسلم المُعاصر الذي يعتبر الانتساب للدّين شأنًا صوريًّا، فلا يلتزم بأحكامه وشريعته، ويرى أنه غير مُطالبٍ بالالتزام بتعاليم الدين، وأنها قد تتغيّر بتغيّر متطلبات العصر، فإنه سائر على خط ما يُسمّى بـ تحديث الإسلام وفق النهج الديمقراطي الذي تسعى أمريكا لترسيخه بيننا.

المفهوم الحقيقي للإسلام

انساق كثير من الناس وراء هذه الإستراتيجية دون وعي منهم، إلى جانب انبهارنا بما تُقدّمه الثقافة الغربية لنا، ولكن إذا أردنا العودة للعقيدة الصحيحة وإصلاح واقعنا فلا بد لنا أن نعلم أوّلا أنّنا نخوض حربًا عقيدية هدفها مسخ الهوية الإسلامية وذوبان مجتمعاتنا داخل النظام العالمي وهذا ما نبهنا منه الله عز وجل في كتابه العزيز: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120].

كما أنه لا بدّ لنا -ثانيًا- من العودة للمفهوم الصحيح للإسلام وكيف ينبغي لنا أن نفهمه، فالإسلام الحقّ يكون بتسليم النفس كلها لله وأن تكون أفكارنا ومشاعرنا وأقوالنا وسلوكنا العملي محكومة كلها بما أنزله الله لنا من قرآن وسنة نبوية.

إن شهادة أن لا إله إلا الله تعني أن الله هو الخالق والمالك لهذا الكون والمُدبّر الوحيد لكلّ ما يقع فيه من أحداث ولا يخفى عليه شيء في هذا الكون الفسيح، فالأمر كله بيده فلا نافع، ولا ضارّ إلا الله فهو سبحانه وحده واهب الحياة ومُقدّر الموت لكل شيء، وهو وحده الرزّاق ذو القوة المتين، وهو وحده الذي ينبغي أن يُعبَد وأن تتعلّق به وحدَه القلوب فلا تخشى أحدًا سواه ولا ترجو أحدًا غيره، وهو وحده الذي يملك ويُشرّع للبشرية ويضع لهم النظام والقوانين التي يجب أن تقوم عليها حياتهم في مختلف مجالات الحياة فهو وحده العليم الخبير بما ينفع عباده بدون مصلحة أو محاباة لأحد، وكيف لا وهو الغني عن العالمين! وعلى المسلمين في المقابل أن يلتزموا بهذه القوانين والأحكام ويسعوا لإقامتها في واقع حياتهم والدعوة إليها وأن تكون هي مرجعيتهم في كل صغيرة أو كبيرة.

وأما شهادة أن محمدًا رسول الله فتعني أنه صلى الله عليه وسلم هو المُبلّغ عن ربّه بما أوحى له، ويجب الاقتداء به واتّباعه وطاعته مع طاعة الله، كما يُعتبر النّموذج الحي للتطبيق العملي لرسالة الإسلام، فلذلك وجب أن يكون هو القدوة والمعلم الأوّل في كلّ عمل وتصرّف وقول وما علينا إلاّ الاقتداء بسنته والتمسّك بها.

وهذه هي الحقائق العامة التي يجب أن تستقر في قلوبنا، وإعادة إحيائها من جديد، وأن نعود إلى الطريق السوي الذي رضيه الله لنا، فمن البداهة أننا لا يمكن أن ندّعي الإسلام ثم لا نلتزم بأحكامه بل نخالفها وندعي أنّ الإسلام في القلب وفي النية الطيبة! فالإسلام منهج حياة كاملة لا يُمكن تجزئته وفصله عن بعضه البعض وعلينا التشبث به مهما يترتب على ذلك من أخطار وتداعيات فهو الطريق الوحيد الذي سيوصلنا للنور والفلاح في الدنيا والآخرة.

ختام القول

إذا أردنا مقاومة هذه الموجة من الدعاوى لتحديث الإسلام وفرض نزعة الديمقراطية عليه وفق النموذج الغربي والأمريكي فعلينا أن نستيقظ من غفلتنا ونعي دورنا الفعّال بوضع استراتيجية متكاملة على مدى سنوات يتشارك فيها الجميع من مسلمين ودعاة وعلماء وفقهاء صادقين هدفها إعادة الروح المؤمنة وتوجيهها إلى حقيقة الإسلام وإيقاظ الضمير الخاضع لله من جديد.

على جميع الأفراد المُصلحين أن يكونوا خير نموذج تتجسّد فيهم مفاهيم الإسلام الحقيقية، ويجب أن نُذكّر من حولنا بهذه الحقيقة عن طريق الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والالتزام المستمر بدورنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الذي يرضي الله عنّا.


الإحالات

(1) تقرير مؤسسة راند، الإسلام الديمقراطي المدني الشركاء والموارد والإستراتيجيات لشيريل بينارد، الطبعة الأولى سنة 2013، دار تنوير للنشر والإعلام، ص 13.

(2) المصدر السابق، ص: 73.

(3) المصدر السابق، ص: 115.

هل تؤثر اللوبيّات العالمية على التخصصات العلمية؟ الصيدلة نموذجًا!

لا بُدّ أن الصيدلة -على اختلاف تطوّراتها- ملازمةٌ لوجود الإنسان على البسيطة، فإن الإنسان مذ كان هائمًا يعيش في مجتمعات منعزلة يواجه الوحوش ويبحث عن الغذاء بين النبات والحيوان، فإنه -في امتداد حياته- لاحظ خواص ملفتة في بعض ما كان يصادفه أو يستعمله وأدرك تأثيرها فيه، ولا بدّ أنه كان يعلِّم ابنه، وهكذا توارثت الأجيال مشاهدات السلف وملاحظاتهم في خواصّ النباتات والأشياء دون إحاطة تفصيليّة بما تحويه من عناصر فعالة، فأرجعت ما فيها من قوة وتأثير إلى الأسرار الرهيبة، فأحلُّوها من نفوسهم محل التقديس والإجلال، واحتفظوا بسرّيَّتها لهم حفظًا لِمَا لهم من هيبة وما يجنون من فوائد.

وظلّ علم الصيدلة يتطوّر عبر الأزمنة المختلفة ممتطيًا النَفَس المميِّز لكل عصر، وتأثر بالكثير من النظريات الفلسفية والمعتقدات في عصور مختلفة، مثلما حدث أثناء الحضارة اليونانية الإغريقية التي تميزت في علم الصيدلة وغيره من العلوم كفروع بحثية فلسفية باعتبار الفلسفة أمًا للعلوم ورمت بسهمها في كل مجال.

تأثير نزعة الإنسانوية في الصيدلة

بحلول القرن الخامس عشر الميلادي وابتداء عصر النهضة الأوروبي بدأ إحياء الفكر اليوناني القديم بما يحوي من فلسفات وعلوم، ومع صعود حركة الإصلاح الديني البروتستانتي بقيادة مارتن لوثر لتقليص سلطة الكنيسة وحاكميتها؛ انزاحت المركزية الإلهية لتحلّ مكانها مركزيَّة الإنسان، وبالرغم من أن الإنسانويين لم يقدموا إنجازات على أيٍّ من الأصعدة بحسب رونالد سترومبرج الذي قال: “الإنسانيون لم يسهموا بتاتًا في إنجاز أي شيء في مجال العلم والتكنولوجيا، فلقد كان الكتاب والمفكّرون الإنسانيون مدمنين على دراسة المؤلفات القديمة، ونهجوا نهج أرسطو وجاليليو في كل حقل، ثم إنّ العلم الحديث يبدأ قرابة نهاية القرن السادس عشر، حيث قاد مواكبه نخب من العلماء يمثلون نهجًا من الفكر مختلفًا عن نهج الإنسانيين” (تاريخ الفكر الأوروبي الحديث، رونالد سترومبرغ) إلا انّ النزعة الإنسانوية أثّرت في محرِّك الاكتشافات المرتبطة بالعلوم التي تم إحياؤها في ذات الحقبة، فنجد أن صناعة الدواء لم تتوقف على تقليل الأمراض والآلام وشفاء المرضى، بل أخذت منحنى بوصلة السير فيه تتمركز حول تقديس الإنسان الذي يجب أن تتمركز كل الأشياء حوله، وأنه الغاية في ذاته، بل الغاية مستمدة منه.

مارتن لوثر

كيف ابتلعت الرأسماليّة سوق الدواء؟

مع ظهور الرأسمالية بحلول القرن السادس عشر بدأ البساط الذي يدعم قدسية الإنسان يُسحَب ليُوضَع تحت أقدام تسليع الإنسان، وتفاقم هذا المعنى بحلول القرن التاسع عشر الذي ارتفعت فيه صوت المادية وجنحت وتحوّل الإنسان على إثرها إلى مجرد سلعة تتصارع الجهات الاستهلاكية على استغلالها، وتجلّى التأثير المادي الرأسمالي في الصيدلة والدواء، ففي سوق الدواء نجد أن التنافس على رفع معدل المبيعات هو الأصل الذي على أساسه تتحرك سياسات المصانع، ولا يُنظَر للمريض إلا أنه مستهلِكٌ يجب جذبه للمنتَج، وتتسابق الشركات في تصاميم علب الدواء، واستخدام فنون التسويق والإعلانات لتحقيق الأرباح المرجوّة، ضاربين بآلام المريض وحالته المادية عرض الحائط، ويتم صناعة صنفين من بعض المكمّلات الغذائية بحيث يكون أحدها خاصًّا بالأنثى والآخر بالذكر، وفي الواقع فإن أغلب هذه المنتجات لا يوجد بينها اختلافٌ جوهريٌّ يستحق التمييز بين الذكر والأنثى، إلا أنّ الهدف الحقيقي من ذلك تحقيقُ مبيعاتٍ أعلى، وكذلك مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة التي يصل فيها الاستغلال إلى ذروته، حيث يتم الترويج لها باستغلال الميل الفطري للأنثى للزينة، فيصنعون مئات المنتجات والمسميات الجديدة ويتم إقناع الشريحة المستهدفة -الأنثى- بأنها لن تحقّق النموذج الأنثوي الذي يُعرَض عليها ليل نهار في الإعلام إلا إذا استخدمت هذه المُنتَجات، بالرغم من أن أغلب هذه المنتجات يمكن الاستغناء عنها طبيًا، والقليل النافع فعلًا يمكن الاستعاضة عنه بمُنتَجات أقل بكثير في الفئة السعرية وتعطي نفس النتائج التي تحققها المنتجات الباهظة عدا استثناءات قليلة.

هل قرار ضخ أدوية جديدة في سوق الدواء يتأثر بلوبيات عالمية؟

عند الاتجاه لرؤية تأثير الرأسمالية والمادِّيَّة على حركة البحث العلمي الدوائي نجد أن هناك عدة شروط وُضِعت معيارًا لقبول أبحاث جديدة وتحويلها من نتائج بحثية إلى دواء على أرض الواقع، ومن جملة هذه الشروط:

١- يجب أن يكون العائد المادي من تلك الأبحاث كافيًا لتغطية مصاريفها واحتياجات المستقبل البحثي، لذا يجب التركيز على الأمراض المزمنة المنتشرة مثل ضغط الدم والسكر وارتفاع نسبة الكوليسترول والاكتئاب والانفلونزا وغيرهم، والتي تضمن ذلك العائد المادي لاتساع شريحة المستخدمين.

٢- الابتعاد عن بحث الأمراض النادرة إلا إذا كانت منتشرة في الدول الغربية لقدرتها الاقتصادية على تأمين العائد المادي، وكذلك عدم الاهتمام بالأمراض التي تنتشر في الدول الفقيرة مثل الملاريا لعدم مقدرة تلك المناطق على تغطية العائد المادي إلا في حال وجود سياح في تلك المناطق تابعين لدول تضمن سياستها الحفاظ على رعاياها وصحة مواطنيها فتؤمن العائد المادي لتلك الأدوية.

٣- يمكن السماح بإنتاج أدوية جديدة لبعض الأمراض النادرة التي تُحوِّل المريض من حالة حادة خطرة (acute) إلى حالة مزمنة تستقر بالاستمرار في تناول الدواء (chronic) ممّا يضمن بقاء المريض فترة أطول في السوق لتحقيق المزيد من المبيعات من خلاله.

٤- يمكن أن تنتج بعض الشركات أدوية تعمل بميكانيكية جديدة ليكون لها السبق في صناعته وتجني أرباح هائلة من ورائه.

٥- يمكن إنتاج أدوية لأمراض نادرة وأسباب حدوثها متعددة ومتشابكة مثل multiple sclerosis وتكون هذه الأدوية باهظة الثمن فتتحقق الأرباح المادية من ورائها.

من المؤكّد أنه بعد معرفة ودراسة هذه المعايير ستتحطم تماثيل الإنسانويّة الملائكيّة البريئة التي ترسَم أمام عيوننا لنظن أن الدافع الوحيد لصناعة الدواء هو تخفيف الألم عن الناس، وأنّ الواقع الدوائي الحالي بعيد كل البعد عن الأخلاقيّة الإسلامية في توصيف الإنسان وحياته في قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:٣٢].

تشارلز داروين

السطوة الداروينية والنزعة العلموية

ما دمنا قد تطرقنا إلى المعايير التي أطّرت البحث العلمي الدوائي من حيث قبول الدواء وتحويله إلى منتج فعلي في السوق أو رفضه، فإنه يجب علينا ذكر المرحلة التي تسبق ذلك من مضمون البحوث نفسها، فلا يخفى على مطلعٍ أنّ نظرية التطور الداروينيّة مدعومة بقوة من اللوبِيّات العالميّة، ويوجد حالة من الاضطهاد والإرهاب لأي باحث يتطرّق لأي إشارة تقدح في صحة (النظرية) أو تُظهِر أي دليل يبطلها، ممّا يقلّص مساحة البحث العلمي في المساحات التي لا تتقاطع مع تلك النظرية حتى لا يُعَّرِّض الباحث نفسه للإقصاء أو لتضييع مجهوده وطمس ذكره وتاريخه العلمي كما حصل عدة مرات.

لا تكاد تجد ورقة بحثية أو مناهج دراسية غير متأثرة بنزعة العلمويّة التي تحصر العلم في العلوم الرصدية التجريبية، فتقطع على العقل البشري إبداعه في ربط العلوم المختلفة مع بعضها البعض واكتشاف مواطن التماسّ بينها، بل وابتكار فروع بحثية جديدة نتيجة قدح العلوم ببعضها، مما يؤدي إلى تطور السلّم البحثي ووصوله إلى نقاط بحث قوية ومبتكرة، وكذلك طمست هذه النزعة الشق الروحاني من الإنسان، فأصبحت الأبحاث العلمية الدوائيّة تستغرق البحث وتحصره في الشق المادي للإنسان مهملين تمامًا الشق النفسي الروحاني الذي يؤدّي دورًا مركزيًا في صحّة الإنسان، مما يفضي إلى تطويل الكثير من الطرق البحثية لأجل الوصول إلى نتائج علاجية لا تنتمي في حقيقتها لعالم المادة ولا تخضع للتجارب المعملية.

ختامًا

بعد هذه النظرة العابرة للواقع الصيدلاني الفكري ندرك أن الإصلاح لا ينحصر في إصلاح نُظُم التعليم الجامعي وسوق العمل ومصانع الأدوية -مع أهمية هذه الإصلاحات-، بل في مناهضة تلك اللوبيات التي تسحق الإنسان وتضعه في غير موضعه بالتقديس تارة وبالتسليع تارة أخرى، تلك اللوبيات التي تتصادم بشكل مباشر مع غايات الحياة الكبرى التي يتحقق من خلالها العبودية لله عز وجل، وتدشين منظومات منطلقة من نظرة الإسلام لحياة الإنسان المنبثقة من قوله تعالى {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: ٣٢] ليتحرر الإنسان بشكل فعلي من وطأة تلك اللوبيات، ويجب أن نعي أن الإصلاح الفردي في هذه الإشكاليات لن يكون مُجديًا في ظل هذا الواقع إلا إذا تمدّد لينبثق عنه إصلاح مؤسسي، فيجب السعي الحثيث لتحقيق تلك الفرضيات على أرض الواقع لإنقاذ ما تبقى من الإنسان.

التلاعب بالألوان والرموز .. الصورة النمطية بين الترغيب والترهيب

الألوان التي تراها العين المجردة، تُسمّى علميًّا بألوان الطيف، ويتألّف هذا الطيف من ألوان تصدر إشعاعات كهرومغناطيسية تراها عين الإنسان، وتتوزع من اللون البنفسجي إلى اللون الأحمر، وهي سبعة ألوان: البنفسجي والأزرق والسماوي والأخضر والأصفر والبرتقالي والأحمر. وكل الإشعاعات الفوق بنفسجية وتحت الحمراء هي ألوان لا تراها عين الإنسان.

ألوان الطيف نراها بكل وضوح بهذا الترتيب في ظاهرة قوس قُزَح التي تعقب عادةً نزول المطر، وهي ظاهرة طبيعية تبهر كل من يراها. وبالتالي ألوان الطيف هي ليست مجرّد إشعاعات فيزيائية بل ألوان حيّة تنبض بالجمال، نراها في كل شيء تقع عليه عيوننا. وهي من الأساسيات التي يتعلمها الأطفال فور بدئهم للنطق: السماء الزرقاء، الشجرة الخضراء، الشمس الصفراء، الفراشة الحمراء، الخ..

الإعلام وتنميط العلاقة مع الألوان

بعد هذه المقدمة عن الطبيعة ومصدر الألوان، سندخل في عالم الإعلام والتسويق والعلامات التجارية ونطرح السؤال التالي: هل يحق لأي أحد أن يحتكر لوناً أو مجموعة من الألوان لنفسه، وتصبح الرمز الحصري له، مع أنها ظاهرة طبيعية تعني الجميع؟

في الحقيقة ليس لأحد الحق في ذلك، فالألوان هي مِلك عام، وكل إنسان له الحق أن يعبّر عن نفسه بلون أو مجموعة من الألوان، ولا يستطيع أحد أن يحتكرها أو أن يجعلها الصورة الحصرية له.

لكن مع تطور وسائل الإعلام وتنامي قوتها، أصبح الإعلام قادراً على ربط صورة معيّنة بمعنىً معيّن -قد لا يكون مرتبطاً به- ولكن عبر التكرار والتكرار وإظهار هذه الصورة بأسلوب جذاب يُبهر الناظرين، يستطيع الإعلام فعلاً أن يربط هذه الصورة بهذا المعنى وأن يرسّخ ذلك في أذهان الناس، وهذا ما يُعرف “بالصورة النمطية”stereotype ، ومن خلالها يستطيع الإعلام تغيير أفكار الشعوب، وذلك سيف ذو حدّين، وهنا يكمن خطر الإعلام. وهذا هو السبب الرئيسي لاهتمام الأنظمة الدكتاتورية بالإعلام كوسيلة لضخ الأفكار وتكرارها والتحكم بوعي المجتمع بما يخدم سياسة النظام، وهذا ما يُعرف “بالبروباغندا”.

هل يستطيع الإعلام قلب مفاهيم المجتمع وإقناعه بأفكار جديدة؟

نعم، القوة الإعلامية قادرة على تغيير وعي المجتمع وتغيير مفاهيمه لأجل الهدف التجاري أو الأيديولوجي الذي يريد الترويج له.

وثمة مثال شهير على ذلك: خاتم الماس. ففي السابق لم يكن خاتم الماس مرتبطاً بالزواج ولم يعرفه عامة الناس، لأنه لم يستطع توفيره إلا الأثرياء، ولم يكن الطلب عليه كبيراً، إلا أنه في عام 1947 قامت شركة DeBeers المحتكرة لسوق الألماس بالطلب من شركة N.W. Ayer الإعلانية الرائدة في الولايات المتحدة أن تصمم لها حملة إعلانية ضخمة لزيادة مبيعات الماس، فأطلقت الشركة حملة “الماس إلى الأبد”A Diamond is for Ever ، وكان هدف الحملة إقناع الناس أن خاتم الماس يجب أن يكون الخيار الوحيد لخاتم الزواج. فإذا أراد الرجل أن يعبّر عن حبه للمرأة التي يريد أن يتزوجها يجب عليه أن يقدّم لها الخاتم الماسي الغالي الثمن كدليل على شدة حبه! وهذه ليست إلا فكرة رأسمالية استهلاكية شوّهت مفهوم الحب عبر ربطه بالمادّية والمال.

حملة “الماس إلى الأبد”A Diamond is for Ever  التي أطلقتها شركة N.W. Ayer الإعلانية

وكانت نتيجة هذه الحملة الدعائية: أن 78% من الخواتم التي يتم شراؤها اليوم في أمريكا لأجل الزواج تحتوي على الماس. نعم، نجحت الحملة واقتنع الناس بضرورة إنفاق المال الطائل لأجل خاتم زواج! وبالتالي استطاع الإعلام أن يجعل الخاتم الماسي صورة نمطية للزواج.

ونستحضر في هذا السياق حديث النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول لرجل فقير أراد الزواج: (التمس ولو خاتمًا من حديد) [رواه البخاري ومسلم]. فانظر إلى تيسير الإسلام وإلى تعسير الرأسمالية.

ولنتساءل الآن: هل يستطيع الإعلام كسر صورة نمطية كانت موجودة في السابق، ثم استبدالها بصورة نمطية جديدة؟

كسر الصور النمطية: الأزرق للإناث والزهري للذكور .. ثم صار العكس.

في الماضي لم يرتبط لون محدد بجنس المولود، فالأزرق لم يكن مرتبطاً بالذكور ولا الزهري مرتبطًا بالإناث. وكان الناس لضيق الحال عموماً يُغطون أبناءهم بالملابس البيضاء بكل بساطة ودون تكلّف، وكانت الملابس هي نفسها للذكور وللإناث حتى عمر السادسة.

حتى بداية القرن العشرين وبعد الثورة الصناعية، أصبح هناك ألوان جديدة مرتبطة للجنسين في الغرب: الأزرق للإناث والزهري للذكور! نعم فقد كان الاعتقاد آنذاك أن اللون الزهري هو قريب من الأحمر وبالتالي هو لون قوي لا يصلح للإناث لذلك هو أقرب للذكور، بعكس الأزرق الهادئ الذي يذكّرنا بلون السماء لذا هو أقرب للإناث ولا يصلح للذكور، كما كان الاعتقاد شائعاً.

ظل الأمر كذلك حتى مطلع الخمسينات عندما تم عكس اللونين، بعد عدة حملات من شركات إعلانية، خصصت اللون الزهري للإناث حصراً.

بطاقة معايدة من عام 1910 تُظهر فتاة ترتدي اللون الأزرق وصبي يرتدي اللون الزهري

ألوان قوس قزح وتنميط أيديولوجيا محاربة الفطرة

ظهر في زمننا علم ملوّن، أراد مصممه (جيلبرت بايكر) أن يرمز لمختلف الميول الجنسية -الفطريّ منها والمحارب لها-، فصمّم علمًا من ستة ألوان مستوحى من ألوان قوس القزح، يرمز إلى التنوّع -كما يقول-، ثم رُفع لأول مرة في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية.

وهذا الربط ليس عفوياً بريئاً، فإن لوبي الضغط العالمي لدعم هذه الجماعة، أراد أن يروّج لبضاعته الرافضة للفطرة السويّة، عبر ربطها بمفاهيم مقبولة عند الناس ويحبها الجميع، مثال:

  • ألوان قوس القزح: ولها معاني مرتبطة عند الناس بجمال ألوان الطبيعة، وبالألوان الجميلة التي تظهر في السماء بعد توقف المطر، والقوس الملوّن الذي يرسمه الأطفال عند بداية تعلمهم للرسم. هل من الصدفة ربط المعاني الجميلة بفاحشة لا يرتضيها الله ولا الفطرة؟ لا معنى لهذا الربط إلا لجعله مقبولاً عند الناس وخصوصاً الأطفال.
  • اسم “Gay”: وهي كلمة تعني بالأصل في الإنجليزية “الفرح والسرور”، ثم تمّ ربطها بالذكر الذي يمارس الفاحشة المثلية، وذلك بهدف ربط هذا العمل بمعنى يرمز للجمال والفرح.
  • كلمة “Pride”: وتعني الفخر أو الاعتزاز، ثم خصصوا، ليس فقط يوماً واحداً، بل شهراً كاملاً من كل عام للاحتفال بما يسمى Pride Month أي الفخر بالانحراف عن الفطرة السويّة!

ولم يتوقف الأمر عند ربط المثليّة الجنسيّة بصورة نمطية مشرقة عبر ألوان قوس القزح، بل تعمّد الإعلام أن يرسّخ هذه المفاهيم عبر التكرار والتعميم في مختلف المجالات:

  • وضع هذه الألوان الستة داخل معظم شعارات الشركات العملاقة العالمية.
  • رفع هذا العلم عند المشاهير و”المؤثرين” ومنهم المغنين واللاعبين الرياضيين والرؤساء والمسؤولين الحكوميين.
  • حتى الشخصيات الكرتونية التي يحبها الأطفال أصبحت ترفع هذا العلم الرامز لهذه الفاحشة!
  • الترويج لألعاب للأطفال تحمل شعار الألوان الستة.

وبعد كل هذا الضجيج الإعلامي، استطاع الإعلام أن يجعل هذه الفاحشة مرتبطة في أذهان الناس بهذه الألوان الستة. وهذا هو عين الاحتكار، فالألوان هي ملك عام، ولا يجب أن يحتكرها فئة معيّنة من الناس. لذلك يجب على الإعلام المحافظ ألّا يكرّس هذا الاحتكار عبر التحذير من هذه الألوان ثم تحذير الأهل والأطفال من استخدامها، بل يجب استخدامها بأشكال مختلفة ومتنوعة ومتعددة لكسر هذا الربط بينها وبين هذه الفاحشة، وهي ألوان أساسها من الطبيعة، كما أسلفنا في البداية، فلا عيب في ذاتها.

ولكن هل هناك أمثلة أخرى عن ألوان أو شعارات تم استخدامها كصور نمطية لترسيخ بروباغندا معادية؟

نمطية الترهيب من الإسلام

في أعقاب حادثة الاعتداء على صحيفة “شارلي إبدو” في فرنسا عام 2015، زادت الحملات الإعلامية للتحريض على الإسلام والمسلمين. وقد عزّز هذا الخطاب وسائل الإعلام الغربیة عامةً والفرنسية خاصةً، بكل أشكالها بدایة من الإمبراطوریات الإعلامیة الكبرى مثل France 24، TF1، Canal+، ARTE وغيرها، وصولاً إلى الصحف والمجلات والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. وكان من نتائج هذه الحملات الإعلامية تعزيز العداء تجاه المسلمين أو “الإسلاموفوبیا”، حتى أصبح الوعي الغربي والفرنسي بعد الحادثة، یربط بشكل مباشر بین الإسلام والمسلمین من جهة والعنف والإرهاب من جهة أخرى، ولا یملك الآن إلا صورة نمطیة سوداء عنهما.

مجلات فرنسية عديدة تبنّت خطاباً محرّضاً على المسلمين

كيف يشيطن الإعلام خصمه أمام الجمهور؟ بتحليل بسيط لعيّنة من أغلفة مجلات فرنسية صدرت عام 2015 وبعده (الموجودة في الصورة) نستخلص منها عدة رسائل تريد إيصالها للقراء:

  1. الإسلام خطر (يهدد الدول الغربية، الثقافة الغربية): استخدام صور تظهر تجمعات المسلمين وكأنهم ينتشرون ويهددون المجتمعات الغربية، إظهار المساجد وكأنها تغزو أوروبا، إظهار العلم الفرنسي عليه هلال ونجمة وكأنهم يقولون: هكذا ستكون هوية فرنسا إن لم توقفوا “تمدد” المسلمين، إظهار الصليب يتهاوى أمام الهلال.
  2. الإسلام يحض على الكراهية، على رفض الآخر: إظهار المسلم بوجه غاضب وعابس، عنيف، يحمل سلاحاً ويريد الهجوم.
  3. الإسلام يحض على ظلم النساء والأطفال: إظهار الحجاب أو النقاب بشكل قبيح، بلون أسود، يقيّد المرأة.
  4. الإسلام رجعي، يدعو لأفكار قديمة، قد “تجاوزتها” أوروبا: الإسلام يريد تطبيق الشريعة بالقوة، يريد فرض لباس معيّن على الناس، يفرض قيوداً على غير المسلمين..

إن الإعلام إذا أراد الترهيب من فكرة معيّنة، يُلبسها اللباس الأسود ويقدمها بالصورة المظلمة القاتمة، ويظهرها على أنها خطر وتهديد. وإذا أراد الإعلام الترغيب بفكرة أخرى، يقدمها بالألوان الجميلة الزاهية المُبهجة المُفرحة! ويظهرها على أنها تدعو للمحبة والسلام والتنوع!

بالمحصّلة، الإعلام سيف ذو حدّين، يستطيع ترسيخ ألوان معيّنة كصورة نمطية عن مفهومٍ ما عند أذهان الناس، ويستطيع كذلك، أن يكسر هذه الصورة النمطية. والعاقبة لمن يستطيع استخدام الإعلام بذكاء وتكرار واستمرار!


المصادر:

  1. https://www.brilliance.com/education/diamonds/history
  2. https://www.forbes.com/sites/shelleyzalis/2019/09/05/busting-gender-stereotypes-the-pink-versus-blue-phenomenon/?sh=607f32cc2764
  3. https://www.lyoncapitale.fr/actualite/les-musulmans-sont-pris-entre-deux-feux-pour-al-kanz

إجرام الليبرالية وضحايا التغيّر الأبدي

عام 1983 زار والت هاير أخصائياً نفسياً مشهوراً بدراسات الجندر ليحدثه عن مشاكله النفسية ومحبته لارتداء الملابس النسائية منذ الطفولة، وبعد نهاية الزيارة قال المختص إن والت بحاجة للعبور جنسياً إلى أنثى ليتعالج. والت كان متزوجاً وأباً لطفلين في ذاك الوقت، لكن كلام المختص أقنعه، وفي الزيارة التالية تلقى وصفات بأدوية هرمونية ليبدأ تناولها وتغيير جنسه عبر رحلة طويلة من العقاقير والعمليات الجراحية التي انتهت به عابراً جنسياً فعلاً تحت اسم لورا.[i]

بعد ثمانية سنواتٍ في تلك الهوية، اكتشف والت أن مشاكله النفسية لم تحلّ يوماً، وأنه مازال ذكراً في داخله مهما غيّر من بنية جسده الخارجية، فبدأ بحثه الطويل عن الحل. والت عاد لهويته الأولى، ذكراً باسمه الذي منحه والداه، وبدأ عملاً في التوعية والنشاط الاجتماعي ونشر المعلومات عن الأمر ومحاولة التواصل مع من مرّوا بذات تجربته ليساعدهم على الوصول للراحة التي حصل عليها حين قَبِل بجسده وعالج الإشكالات التي كانت لديه بشكل مباشر.[ii]

والت ليس العابر الجنسي الوحيد الذي عاد من تحوّله نادماً على سنين وأموال وصحةٍ أضاعها في هذا الطريق، إنما هو واحد من بين مئاتٍ يندمون بعد المرور بهذه التجربة المؤلمة بدفعٍ من المعايير الظالمة التي فرضتها سطوة اللوبيات الليبرالية، لما أدّت لتبديل علاج كثير من الأمراض النفسية إلى موافقة صاحبها على ما يريد دون النظر في حاجته الحقيقية وإشكالاته الكاملة كنفسٍ إنسانية باحثة عن الطمأنينة.

فقضية المتحولين جنسياً لم تتوقف في الغرب على تقبّل وجودهم أو تأمين حقوقهم، إنما تجاوزتها لأمور كثيرةٍ غيّرت حتى معايير العناية الموجهة للمرضى النفسيين في الفئات العمرية المختلفة، وفي هذا المقال أسلّط الضوء على القضية باعتبار ضحايا تلك الجرائم النادمين على ما أجري على أجسادهم من تغييرات لنرى ما جرّه تقديس رغبات الإنسان في هذه البلاد على أهلها، بينما العالم كله يراقب في صمت ويتبع بعمىً، ولا يجرؤ أحدٌ على الإنكار أو التبيين.

من البداية

عام 1885 تمت الموافقة على قانون العقوبات البريطاني الذي يجرم أي سلوكٍ مثليّ، وتحت القانون ذاته كان الأشخاص الذين يتظاهرون بأنهم من الجنس الآخر يحاكمون ويُجرّمون[iii]. في تلك الحقبة، كانت السلوكيات التي يسمونها اليوم LGBTQ+ محصورة في فئة صغيرة من الأشخاص ومرفوضة في المجتمع، ولم تبدأ بذور التغيّرات في ذلك بالظهور حتى عام 1949 حين كتبت سيمون دوبوفوار في كتابها “الجنس الآخر”: “لا نولد امرأة، إنما نصير كذلك”[iv]، واضعةً بذلك نظرية انفصال النوع الاجتماعي عن الجنس البيولوجي الفلسفية التي صارت تعرف فيما بعد بنظرية الجندر، وعلى هذه الفكرة بَنَت عالمة الاجتماع آن أوكلي في كتابات نسوية كثيرة مثل “الجنس، الجندر والمجتمع” (1972)، وكل ذلك على أسس فلسفية ورغبات فردية بالمساواة المطلقة بين الجنسين.

سيمون دوبوفوار

أما علماء البيولوجيا والنفسيون الذين تأثروا بتلك الأفكار فقد بدأوا بالبحث عن إثبات علمي موضوعيّ لها، وبينما كان منهم المنصف المتجرد للحق يقول آراءه أمام المخالفين كعالمة الأعصاب آن موير وزوجها الذين كتبوا وبحثوا في الفروق النفسية والدماغية بين الرجال والنساء، وأثبتوا في كتاب “لماذا الرجال لا يكوون الملابس” أن فكرة الجندر التي تجعل النوع الاجتماعي أمراً سائلاً ذا مبنى اجتماعي هي فكرة مجحفة بحق النساء والرجال لأنها تنكر الفروق الحقيقية والمثبتة بينهم وتطالبهم بالتشابه رغماً عنهم”.[v]

أما على الجانب الآخر، فكان هناك علماء اختاروا تصديق النشطاء المروجين لنظرية الجندر وكسب ودهم، فكان منهم من أَوَّلَ الأبحاث العلمية، ومنهم من رفع قيمة تلك التي البحوث التي رفضها الأقران الذين يحكّمون النظريات ويحكمون عليها، ومنهم من قال بأن الصوابية السياسية تقتضي التعامل مع هذا النتاج العلمي بحيثية خاصة، ومنهم من ذهب في ذاك كله لحد أقصى لمّا أخذ يحاول تأكيد نظرية النوع عبر التجريب بمرضاه المساكين محاولاً إثبات أن الجندر منفصلٌ تماماً عن الجنس، بغض النظر عن الآثار المأساوية لتلك التجارب.[vi]

وفي النتيجة، ورغم شحّ الأدلة العلمية حتى الآن على انفصال الجندر عن الجنس[vii]، وبينما تعريف الجندر ذاته مازال شائكاً في الأوساط الأكاديمية بين من يدّعي أنه مبنيٌّ اجتماعياً، وبين من يقول بأنه يوجد ثابتاً في المرء منذ الولادة[viii]، فإن أعمال اللوبيات والنشطاء اليساريين الليبراليين نجحت تماماً في تجاهل كل ذلك، ومن ثم تغيير القوانين في الدول الغربية تجاه اضطراب الهوية الجنسية الذي بات تشخيصاً عادياً يدل على أن صاحبه يملك جندرًا لا يتوافق مع الجنس الذي ولد به، ويحتاج لذلك إلى تحويل جسده ليناسب الجندر خاصته، أما الهندسة الاجتماعية فقد غيَّرت فكر الشعوب ورأيها عبر قوى الإعلام المدعومة مالياً والمتمثلة في نتاج هوليود والكرتون والمجلات وغيرها إلى أن بات 73% من الأمريكيين عام 2019 يدعمون المتحوِّلين جنسياً.[ix]

لكن هذا الفكر ونتائجه يفضي بنا لسؤال مهم: إن كانت الهوية الجندرية منفصلة عن الجسد الذي ولد المرء به، فما الذي يدفع المتحولين إلى تناول العقاقير التي تعمل على هرموناتهم، وخوض العمليات التي تغير هيئة جسدهم؟ لماذا لا يكتفون بتغيير هويتهم المطبوعة في الأوراق الحكومية ومطالبة الناس بمناداتهم بالضمائر التي يريدون طالما أن الجندر أمر لا علاقة له بالجنس البيولوجي؟!

ومن هنا يظهر التناقض الشديد والخلل الواضح في كل الفلسفة المؤسسة لفكرة الجندر، وفصلها عن البيولوجيا، ومن ثم دمجها بها بحسب هوى اللوبيات وضغطهم غير المنطقي.

ضحايا وتعتيم

في ظل كل التغيرات السريعة التي حصلت في المجتمع الأكاديمي وفي القوانين والفكر الشعبي تجاه القضية في العقود الأخيرة، فإن الناتج كان ارتفاعاً هائلاً في أعداد من يأتون باضطراب الهوية الجنسية ويحوّلون لطريق التحول الجنسي باستخدام مانعات البلوغ ثم الهرمونات ثم العلميات الجراحية. ففي بريطانيا وحدها زاد عدد الحالات التي تحوّل للعلاج الجنسي من 97 شخصاً فقط عام 2009 إلى 2510 أشخاص بين 2017 و2018، أي أن النسبة ارتفعت أكثر من 4000% خلال عشر سنوات فقط![x]

تقول الكاتبة جوانا ويليامز صاحبة كتاب “النساء ضد النسوية” أن المدارس باتت تشجع الأطفال الآن على الشك في هويتهم الجنسية والتفكير في هل هم ذكورٌ أم إناث،[xi]  وهذا ما يرشد إليه أعضاء الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال الذين يدعون لمنح الأطفال القدرة على استكشاف الهويات الجندرية المختلفة منذ الصغر.[xii] أما العيادات ومراكز العلاج الجنسي، فقد بدأت بتقديم خدمات الهوية الجندرية للأطفال منذ أعمار الثالثة أو الرابعة في كثير من الحالات.[xiii]

ومن حيث الضحايا الخارجون من التحول، فقد بدأت التقارير الحديثة تكشف عن الأعداد الكبيرة من النادمين منهم بعد ما وُضِعت أجسادهم فيه دون تقييم كافٍ، أو إرشاد مناسب لحالتهم النفسية، أو اعتبار وجود اضطرابات أخرى سببت الإشكال لديهم في الهوية الجندرية من الأساس. لكن الأرقام المسجلة عن المتحولين النادمين قليلة ولا تعكس الواقع بحسب كثير من الخبراء. يقول الدكتور جيمس كانتور في ورقة محكمة نشرت العام الماضي أن الدراسات التي تتبع الأطفال الذين يتحولون جنسياً قليلة جداً، وتظهر أن معظمهم يعودون نهايةً لجنسهم الأصلي.[xiv]

وقال خبراءٌ لشبكة BBC عام 2019 إن الدراسات التي تحاول النظر في أعداد العائدين من التحول قليلة وتفتقر إلى الدقة،[xv] إضافةً إلى ذلك فإن مجرد البحث عن الأشخاص الذين يرجعون عن تحولهم الجنسي، أو محاولة الحديث عن الأمر يعرّض المرء مباشرة لوصمة الهوموفوبيا المخزية.[xvi] فالتعتيم على الأمر حقيقيٌّ وموجه بشكل مباشر لإبقاء المجتمعات في سباتٍ لا تسأل عما يجري ولا تكترث بمآل أموال ضرائبها التي تذهب لدعم تحويل الجنس للكثيرين.

 يقول الجراح المتخصص في التحويل الجنسي كريستوفر إنجلفيلد: “إن أيّ عكس للتحول سيجعل المجتمع يسأل عن الدعم المادي الذي يذهب للقيام بالتحول من أساسه،”[xvii] وفي تقرير صدر عن NBC News  عام 2019 نبّه نشطاء من أن تغطية قصص الذين تراجعوا عن تحولهم الجنسي تحمل قدرة كبيرة على الإضرار بحقوق المتحولين لأنها تنشر “تصوراتٍ خاطئة” تؤدي للاعتقاد بأن المتحولين جنسياً هم مجرد أشخاصٍ مرتبكين أو يعانون مرضاً نفسياً غير مشخص.[xviii]

أما أولئك النادمون فقصص المئات منهم باتت منتشرة بعدما خرج والت هاير -تحدثت عنه أعلاه- عن صمته، وبدأ موقعاً بعنوان “ندم تغيير الجنس” ليدعم كل من مر بحالته،[xix] وبعد سنواتٍ من نشاطه وتعرفه على الكثير ممن يشبهونه؛ رفع والت عريضة مع تسع من العائدين عن تحولهم للمحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة تطلب من الحكومة ألا تفرض موافقة المصابين باضطراب الهوية الجنسية على الجندر التي يريدون. مما ورد في العريضة التي رفعت عام 2019: “إن الإسراع بموافقة من يريد التحول الجندري هي كذبةٌ استغلالية ومدمرة، إنها إجرامٌ بحق المصاب باضطراب الهوية الجندرية وإبعاد له عن درب التعافي وإيجاد السلام مع جسده.”[xx]

والت هاير

من يكترث؟

ولا أذكر بعد كل هذا الإجرام إلا سيد قطب رحمه الله حين تحسّر على تخبط البشرية اليوم بين التعاليم الفاسدة الشريرة التي تملى عليها وبين فطرتها التي فطرها الله عليها وقال: “أي شيطانٍ لئيمٍ هذا الذي يقود خطاها إلى هذا الجحيم؟ يا حسرةً على العباد!”[xxi]

لكن من يكترث بأولئك الضحايا ومن يأبه بذاك بالإجرام ونحن أمام سكرةٍ من تشييع الفواحش وتحريم إنكارها، بل وتنميط من يجرؤ على التفكير بأصولها وحقيقتها، كل هذا بسبب وجودِ إيمان مطلق بفهم الإنسان وحريته، حتى صرنا أمام مجتمعات كاملة تعتقد بأن الجسد الذي يسكنه هذا البشري يمكن أن يكون فعلاً الجسد الخاطئ له والذي يحتاج إلى تعديل حتى يوافق مزاجه.

ولا أدري كيف يُظَنُّ أن تعديل بعض الأعضاء الجسدية يمكن أن يقنع أحداً أن جسده صار صحيحاً بعدما كان خاطئاً، فهو سيظل ذات الجسد مهما حاول صاحبه تشويهه ليشبه ذاك الذي للجنس الآخر، سيظل دماغه ذاته، وستظل كل خلية جديدة ينتجها جسده تصرخ بجيناتها أنها أنثى أو ذكر كما اختار الله لها متحديّةً كل النظريات الفلسفيّة واللوبيات العالمية بشكل الحمض النووي فيها وهو يكرر هيئته مذ كان الآدميّ بيضة ملقحة مجهرية!

كأن تلك الجزيئات العظيمة من الحمض النووي تسخر من طغيان البشر الذين مهما فعلوا ستظل أرواحهم تسكن تلك الأجساد التي اختار الله لها إلى أن يأخذها منها، ثم يبعثهم فيها ليُسألوا عن تغيير خلق الله وإنكار نعمته فيه واستياءهم من التصوير الأحسن الذي منح لهم، ولتدافع عنهم شياطينهم وساداتهم وكبراءهم حينها.


[i] Walt Heyer Ministries.

https://waltheyer.com/

[ii] “It’s not an identity, it’s a behaviour ” – A former trangender Walt Heyer’s story. 2019

https://www.youtube.com/watch ?v=AU603aS-fmU

 [iii] The Criminal Law Amendment Act, 1885

https://www.bl.uk/collection-items/the-criminal-law-amendment-act-1885

[iv] Simon de Beauvoir. “The Second Sex.” Trans. Borde, Constsance and Sheila Malovany-Chevallier. New York: Random House, 2010.

[v]  Moir, A., & Moir, B. (2003). Why men don’t iron: The fascinating and unalterable differences between men and women. Citadel Press.

[vi] انظر قصة David Reimer وطبيبه الذي دمر حياتهJohn Money  وهو يحاول إثبات نظرية الجندر

 David Reimer and John Money Gender Reassignment Controversy: The John/Joan Case

https://embryo.asu.edu/pages/david-reimer-and-john-money-gender-reassignment-controversy-johnjoan-case

[vii] قال علماء في جامعة جون هوبكنز في تقرير صدر عام 2016 أن الأدلة التي تقول بأن الأشخاص يمكن ان يولدوا متحولين جنسياً (يحملون هوية جندرية مخالفة لجنسهم البيولوجي) غير كافية ولا تفضي لنتيجة ثابتة (https://www.thenewatlantis.com/publications/part-three-gender-identity-sexuality-and-gender)

[viii] بحسب منظمة الصحة العالمية فإن الجندر يساوي الصفات الاجتماعية للذكور والإناث (https://www.who.int/genomics/gender/en/)، بينما تقول الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال أن الهوية الجندرية هي الإحساس الداخلي الثابت بالذات، والتعبير عنها هو الذي يبنيه المجتمع (https://www.aap.org/en-us/Documents/solgbt_webinar_what_is_gender_sherer.pdf)

[ix] Public Opinion of Transgender Rights in the United States

https://williamsinstitute.law.ucla.edu/publications/public-opinion-trans-rights-us/

[x] 4,000% Explosion in Kids Identifying as Transgender, Docs Perform Double Mastectomies on Healthy Teen Girls. 2018

https://www1.cbn.com/cbnnews/us/2018/september/4-000-explosion-in-kids-identifying-as-transgender-docs-perform-double-mastectomies-on-healthy-teen-girls

[xi] Minister Orders Inquiry into 4000 per cent rise in children wanting to change sex. 2018. The Telegraph.

https://www.telegraph.co.uk/politics/2018/09/16/minister-orders-inquiry-4000-per-cent-rise-children-wanting/

[xii] American Academy of Pediatrics Webinar Series. What is Gender. 2015

https://www.aap.org/en-us/Documents/solgbt_webinar_what_is_gender_sherer.pdf

[xiii] U.S. parents accept children’s transgender identity by age three. 2016

https://www.reuters.com/article/us-usa-lgbt-parenting-idUSKBN14B1C8

Hundreds’ of young trans people seeking help to return to original sex. 2019

https://news.sky.com/story/hundreds-of-young-trans-people-seeking-help-to-return-to-original-sex-11827740

[xiv] Cantor, J. M. (2020). Transgender and gender diverse children and adolescents: fact-checking of AAP policy. Journal of sex & marital therapy, 46(4), 307-313.

[xv] ‘How do I go back to the Debbie I was?’ . 2019. BBC News

https://www.bbc.com/news/health-50548473

[xvi] ‘Hundreds’ of young trans people seeking help to return to original sex. 2019

https://news.sky.com/story/hundreds-of-young-trans-people-seeking-help-to-return-to-original-sex-11827740

[xvii] [xvii] ‘How do I go back to the Debbie I was?’ . 2019. BBC News

https://www.bbc.com/news/health-50548473

[xviii] Media’s ‘detransition’ narrative is fueling misconceptions, trans advocates say. 2019

https://www.nbcnews.com/feature/nbc-out/media-s-detransition-narrative-fueling-misconceptions-trans-advocates-say-n1102686?cid=public-rss_20191221

[xix] Sex Change Regret

www.sexchangeregret.com

وانظر وثائقي Tranzformed – Finding Peace With Your God Given Gender،

ووثائقيI Want My Sex Back: Transgender people who regretted changing sex (RT Documentary)  على يوتيوب

[xx]    Brief of Walt Heyer, Jamie Shupe, Linda Seiler, Hacsi Horvath, Clifton Francis, Burleigh, JR., Laura Perry, Jefferey Johnston, Jefferey McCall and Kathy Grace Duncan As Amici Curiae in Support of Petitioner

https://www.supremecourt.gov/DocketPDF/18/18-107/113528/20190824011904782_18-107%20Amicus%20Brief%20of%20Walt%20Heyer%20et%20al..pdf

[xxi] سيد قطب رحمه الله. مقدمة في ظلال القرآن.

رمز قوس قزح .. وقفة قبل أن نفقد هذه الألوان المبهجة

قبل سنوات قليلة فقط، لم يكن الكثير من المتدينين يعرفون ما يعنيه رمز قوس قزح، إذ لم يكن حضور تلك الألوان المبهجة يتجاوز الاستخدام الطبيعي في منتجات الأطفال، ثم سرعان ما اصطبغ بها العالم كله مع رفع شعارات التطبيع القسري مع الشذوذ (المثلية)، واكتشف المتدينون من كافة الأديان شرقا وغربا أنهم كانوا في غفلة عن الأجندة.

وفي فترة قصيرة للغاية، انتقلت رمزية تلك الألوان من عالم الطفولة البريء إلى عالم مختلف تماما. وتحت تأثير الصدمة، ارتفعت أصوات المقاطعة ضد كل من يرفع هذا الرمز ويتبناه، قبل أن يكتشف المتدينون أنه لم تبق شركة عابرة للقارات في الغرب إلا انضمت إلى هذا النادي، ما يثبت مجددا أن الأمر أكبر بكثير من مجرد تعاطف مع إحدى الأقليات وفقا لثقافة حقوق الإنسان الليبرالية.

وفي ظل هذا الجدل، يتداول المغردون باستمرار صورا لمنتجات في أسواق الدول العربية والمسلمة، أو لقطات من برامج ومجلات للأطفال، وهي تتضمن ألوان قوس قزح، حتى ساد الاعتقاد باتهام كل من يُضبط متلبسا بهذه الألوان بأنه عميل لأجندة التطبيع مع المثلية، وقد تسارع الحكومات لمعاقبة كل من تناله التهمة لاحتواء الجدل.

وأمام هذه الأخبار المتسارعة، أتساءل أحيانا عما إذا كان بمقدور أحد أن يدفع عن نفسه هذه التهمة، وهل تتاح له الفرصة أصلا؟ فالسلطات المستبدة تميل في مواقف كهذه للظهور بمظهر حامي حمى الدين والأخلاق، أكثر من اكتراثها لتطبيق العدل في حق بعض المواطنين، فضلا عن اهتمامها بتصحيح المفاهيم.

وقبل أن أدلي بدلوي في هذا الجدل، والذي لن تتجاوز غايته كشف اللبس، سأتوقف عند بعض الأمثلة الطريفة من عالم الرموز، لنرى كيف يمكن أن للغة الرمز أن تتطور حتى تكتسب معان جديدة، فيندثر بذلك تاريخ طويل من تلك اللغة، حتى لا يكاد يدركه إلا المختص أو المتابع.

حظ سيّئ لصليب الحظ

كان الصليب المعقوف Swastika يستخدم في الهند لأكثر من خمسة آلاف سنة، وهو من رموز الأساطير الهندوسية التي ترمز إلى الحظ السعيد، وما زال منتشرا حتى اليوم في جوانب المعابد والكتب المقدسة.

وفي العالم الغربي، كان هذا الصليب يُستَخدَم للتفاؤل، وللإشارة أيضا إلى البركة والحظ السعيد. لكن الزعيم الألماني أدولف هتلر استولى عليه في ثلاثينات القرن العشرين وجعله رمزا لتفوق العنصر الآري، فصار مرتبطا ارتباطا عضويا بحركته العنصرية (النازية).

وبعدما انهزمت النازية في الحرب العالمية الثانية، أصبح هذا الرمز محظورا بموجب القانون في ألمانيا ودول غربية أخرى، وحتى لو لم تحظره القوانين فلا أحد يجرؤ حتى اليوم على استخدامه كي لا يُتهم بمعاداة السامية، مع أن الشعوب الهندوسية والبوذية والجاينية ما زالت تستخدمه جزئيا في دول مثل نيبال والهند ومنغوليا وسريلانكا والصين واليابان.

وهكذا مسح هتلر تاريخ هذا الرمز الممتد في أعماق التاريخ إلى آلاف السنين، بمجرد استيلائه عليه لأقل من 15 سنة!

الصليب المعقوف في الهندوسية (ويكيبيديا)

ما بين الزخرفة والسحر

النجمة السداسية ليست أفضل حظا من الصليب المعقوف، فأصلها الأول أقدم من أن يُعرف، كما كان استخدامها مرتبطا بالعوالم الخفية والجمعيات السرية، فكان الخيميائيون يستخدمونها للدلالة على تجانس الأضداد واتحادها، مثل النار والماء. كما استخدمها الهندوس منذ آلاف السنين للسبب نفسه في عقائدهم الباطنية (الغنوصية)، وجعلوها دلالة على حالة التوازن التي يسعى إليها الإنسان.

وكان للنجمة السداسية دور أيضا في طقوس السحر واستحضار الشياطين على مر العصور، مما دفع بطائفة “كنيسة الشيطان” إلى تبنيها لتضاف إلى شعاراتها في أواخر الستينات.

وفي بعض المصادر المسيحية الغنوصية القديمة، كان يُطلق على هذه النجمة أحيانًا “نجمة الخلق”، وأعتقد أنها بدعة مستوردة من الغنوصيات الأقدم. وعلى أي حال، فالرمز موجود في بعض كنائس القرون الوسطى التي ما زالت قائمة، ومنها كاتدرائية وينشستر في إنجلترا.

وبالرغم من هذه الدلالات الوثنية والشيطانية، كانت النجمة السداسية حاضرة في الزخارف الإسلامية البديعة، والتي يعود بعضها إلى العصر العباسي.

ومع أنها تسللت أيضا إلى بعض الطوائف الصوفية، لنفس الأسباب الباطنية السابقة، فقد اتخذها القائد البحري العثماني خير الدين بربروس باشا شعارا في الراية الخضراء التي كان يرفعها.

وبما أن النجمة هذه ارتبطت منذ القدم بالسحر، واتخذتها القبالاه اليهودية شعارا مقدسا، فلن يتعجب أحد من اتخاذ الحركة الصهيونية لهذه النجمة شعارا لها في العصر الحديث، حتى صارت شعارا رسميا لدولة الاحتلال، وساد الاعتقاد بأنها “نجمة داوود” و”خاتم سليمان”، وهما النبيان والملكان العظيمان عليهما الصلاة والسلام، البريئان من السحر ومن كل عيب.

وبعد هذا الاستيلاء الصهيوني، صار استخدام النجمة السداسية في أي عمل زخرفي إسلامي ضربا من المستحيل، وهذا أمر مفهوم ومطلوب، لكن المؤسف أن يُنسف تاريخ تلك النجمة ويوضع في خانة الاتهام، إذ أصبح البعض يتساءلون عن سبب وجود هذه النجمة البريئة في مآذن وعملات ونقوش محفوظة حتى اليوم من مناطق وحقب إسلامية عدة، وربما يطالبون بطمسها من تراثنا المعماري الإسلامي!

رموز بريئة أخرى

قد يكون مفاجئا للكثير من القراء أن النجمة الخماسية تعد من الرموز المهمة لدى الماسونية، وإذا رُسمت مقلوبة فهي الشعار الأبرز لعبدة الشيطان، لا سيما إذا رُسم في داخلها رأس التيس الذي يمثل لوسيفر (إبليس). ومع ذلك، ما زال الناس في الشرق والغرب يستخدمون النجمة الخماسية كثيرا في حياتهم اليومية، لأن ارتباطها بالماسونية وعبدة الشياطين ليس واضحا ولا معروفا إلا من قبل المهتمين.

والأمر نفسه ينطبق على الهلال، فهو يحظى أيضا بأهمية خاصة ضمن عائلة الرموز الماسونية، إلا أن ذلك لم يقف حائلا دون تحوله إلى رمز للإسلام نفسه منذ رفعه العثمانيون على راياتهم، وما زال الكثير من المسلمين يتبنون هذا الرمز لارتباطه بصريا بالهلال الذي يحدد مواعيد الصيام والحج.

ولو أردنا التوسع في تاريخ الرموز فسنكتشف الكثير من المفاجآت، بل لا يكاد يوجد رمز مشهور اليوم إلا وكان له استخدام آخر في حقبة ما، وسأكتفي هنا بمثال الصليب، الذي بات أقدس مقدسات المسيحية بكل طوائفها، مع أنه رمز للأداة التي يعتقد المسيحيون أن الإله المتجسد قد مات عليها، لكن هذا الشكل البسيط كان قبل ابتكار أسطورة الصلب رمزا لتقلب الفصول الأربعة لدى بعض الشعوب الأوروبية.

راية الدولة العثمانية (1453–1517)

لغة الرمز كلغة الحرف

الأمر يخضع للعرف إذن، فما تواطأ الناس على اعتباره رمزا لأمر ما فإنه يتحول إلى معرّف له ولا ينفك عنه، كما هو حال الحروف المحايدة التي إذا وضعت على هيئة معينة لتشكيل كلمة ما، ثم اتُخذت اسما أو صفة لأي شيء، فستصبح جزءا من اللغة المتداولة للتعريف بهذا الشيء أو وصفه، وسيأخذ النطق بتلك الكلمة حكما شرعيا وقانونيا يتناسب مع مقتضى ما تعنيه.

وهكذا يمكننا فهم تطور رمز ألوان قوس قزح، إذ لم يصبح رمزا للشواذ إلا في أواخر سبعينات القرن العشرين، وهو ما زال يخضع لتحويرات عدة، فالشعار الأكثر انتشارا يتضمن ستة ألوان فقط، حيث دُمج فيه اللونان السماوي والنيلي في لون أزرق واحد، ما يجعله مختلفا عن ألوان الطيف الموجودة في الطبيعة، وهناك أيضا نسخ أخرى من هذا الرمز بسبعة أو ثمانية أو تسعة ألوان، وبعضها يتضمن مثلثات أو خطوطا مائلة، إلا أنها أقل انتشارا.

مع ذلك، يتسرع البعض باتهام كل منتج يحمل ألوان الطيف السبعة بأنه جزء من مؤامرة الترويج للمثلية، وقد يتسبب ذلك بتشويه سمعة بعض التجار، فضلا عن خسارتهم المادية عندما تُسحب بضائعهم من الأسواق، مع أني أرجّح أن الكثير من التجار والمصنّعين لم يخطر على بالهم سوى تلوين منتجات الأطفال بما تواطأت البشرية على اعتباره ألوانا مبهجة.

والأسوأ من ذلك أن يمتد سوء الظن إلى التفتيش عن الرمز في منتجات قديمة، مع أن ارتباط تلك الألوان بحراك الشذوذ لم يصبح معروفا في العالم العربي إلا مؤخرا، وربما لم يسمع به معظم العوام إلا في السنتين الأخيرتين، بل ما زال البعض غافلا عن معناه حتى اليوم، فليس من العدل ملاحقة أي لعبة أطفال ملونة واتهام صاحبها بالتآمر.

مخاوف تربوية

قد يُطرح السؤال الآن عن الضرر التربوي المتوقع على الأطفال من شيوع رمز كهذا، فيقال إن الأمر لا يتعلّق فقط بالظلم الذي قد يلحق بتاجر يبيع لعبة ملونة، بل يتعدى إلى ما يتركه انتشار هذا الرمز على اللاوعي في عقول أطفالنا.

ومع أني اتخذت موقفا متشددا -في كتابي “قوة الصورة”- من الرموز التي تحشرها هوليود وغيرها في الأفلام والبرامج الموجهة للكبار والصغار، لكن هذا لا يعني توسيع دائرة الاتهام لتبلغ حد الهَوَس بملاحقة الرموز والخوف من تأثيرها، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بألوان موجودة في الطبيعة أصلا، وهي كانت وما زالت تُستخدم لأهداف أخرى.

مثلا، أنا أحذر من دسّ رمز المثلث الذي تتوسطه العين، فهو رمز خاص بالماسونية، وتحديدا بطائفة المتنورين (إلوميناتي) السرية، وقد يؤدي انتشار هذا الرمز الشيطاني إلى التطبيع اللاشعوري معه ومع ما يُربط به من أفكار، لكن حذف ألوان الطيف من حياتنا، ولا سيما من حياة الأطفال، ليس أمرا سهلا، ولا مقبولا.

الحل هو توعية الكبار والصغار، وفك الارتباط بين الألوان الطبيعية وبين الرمز الطارئ. وفي حال ثبوت تورط قناة أو شركة بالترويج لهذا الشعار بين الأطفال فينبغي على الوالدين منع دخول هذه المواد إلى المنزل، ولا سيما إذا كان الأطفال صغارا، فإن بلغوا قدرا كافيا من النضج يمكن أن تُقدم لهم جرعات مبسطة من التوعية، لأن المنع لن يكون شاملا مهما حاولنا، وستبقى الدعاية محيطة بالطفل في كل مكان.

أكذوبة اتهام المسلمين والعرب بتصدر الباحثين عن “الإباحية”

نشر موقع “بي بي سي” بنسخته العربية تقريرا كارثيا اليوم، واختار له هذا العنوان “لماذا يتزايد الإقبال على المواد الإباحية في المنطقة العربية؟”. وبعد تجاوز المقدمة، يرمي كاتب التقرير هذه “الحقائق” في وجه القارئ: “وفقا لبيانات محرك البحث غوغل “غوغل تريندز – Google Trends“، فإن الدول العربية هي الأكثر بحثا عن كلمة جنس بالإنجليزية والعربية أو بالإنجليزية بحروف عربية “سكس”. حيث يبحث 79 مليون شخص عن الكلمة شهريا على موقع غوغل وحده”.

لا يخبرنا التقرير عن تفاصيل أخرى لكيفية البحث، وبما أنه يزعم الاقتباس عن مصدر مفتوح فيمكن لكل قارئ أن يتحقق بنفسه، وسيكتشف أننا أمام كذبة متعمدة، ومن أجل هدف محدد سأذكره لاحقا.

إذا بحثنا في Google Trends عن إحصاءات البحث العالمية عن كلمة “sex” في الثلاثين يوما الأخيرة فلن نجد دولة عربية واحدة في الدول العشر الأولى، ولن نجد من الدول الإسلامية سوى باكستان في المرتبة السابعة، حيث تحتل الدول الآسيوية (الهندوسية والبوذية) الصدارة، أما أول دولة عربية على القائمة فهي قطر في المرتبة 18، والتي يعلم الجميع أن الغالبية الساحقة من سكانها هم العمال العزاب من نيبال والهند، ثم تأتي بعدها تونس في المرتبة 19، فأين هي الدول العربية التي تأتي في المقدمة كما يزعم تقرير “بي بي سي”؟

العجيب أن التقرير يشير إلى أن “الدول العربية هي الأكثر بحثا عن كلمة جنس بالإنجليزية والعربية”، وإذا كان البحث بالإنجليزية قد خرج بالنتيجة السابقة، فالبحث عن الكلمة باللغة العربية لا بد أن يضع الدول العربية في الصدارة! فما هي النتيجة التي يريد موقع “بي بي سي” أن يقنعنا بها؟

ومن أجل الإنصاف، البحث عن كلمة “sex” لا يعني دائما البحث عن مواد إباحية، فإحصاءات غوغل تخبرنا أن البحث عن الكلمة يأتي في الدرجات الأولى ضمن سياق البحث عن أسماء مسلسلات وأفلام، فهي ليست إباحية صرفة، بل نجد في القائمة كلمات تتحدث عن التعليم الجنسي والحياة الجنسية وليس عن الإباحية التي يسعى خلفها كاتب تقرير “بي بي سي”!

ولو كان كاتب التقرير موضوعيا بما يكفي، فكان عليه أن يبحث في إحصاءات كلمة “porn” التي تعني إباحية، مع أنها لا تدل أيضا على البحث عن الإباحية ذاتها بالضرورة، فموقع غوغل يخبرنا أن “طلبات البحث ذات الصلة” تتضمن البحث عن “علاج الإدمان على الإباحية” إلى جانب عبارات أخرى، فالعثور على كلمة “porn” قد يعني نقيض ما يريد الباحث إثباته. وعلى أي حال، فقائمة البحث عن هذه الكلمة خالية أيضا من أي دولة عربية، فباكستان تأتي في المرتبة العاشرة، وأول دولة عربية لا تأتي إلا في المرتبة 21 وهي لبنان.

البحث الموضوعي

من أجل كل ما سبق، يعتمد الباحثون على آلية أكثر مصداقية للتعرف على الشعوب التي تبحث عن الإباحية، وهي قائمة يصدرها سنويا أشهر موقع إباحي في العالم، ولن أذكر اسمه تجنبا للترويج، علما بأن الموقع ينشر هذه القائمة على موقع آخر تابع له وهو مخصص للباحثين والصحفيين وليست فيه أي صور فاضحة.

الموقع المذكور يخبرنا ببساطة أن الدول العشرين الأولى التي تستهلك المواد الإباحية من أشهر موقع إباحي في العالم خالية تماما من أي دولة عربية أو مسلمة، بل معظمها دول متقدمة!

نعود مجددا إلى تقرير “بي بي سي”، فبعد الإحصاءات المضللة التي ذكرها أعلاه، يضيف مباشرة: “وتشير دراسة نشرت في (دورية الطب الجنسي) إلى أن ثلاثين في المئة من الرجال العرب يشاهدون المواقع الإباحية بشكل دوري، بينما يشاهدها ستة في المئة من النساء. فلماذا هذا الإقبال المرتفع؟” وقبل أن يجيب كاتب التقرير عن سؤاله نتساءل بدورنا: من يُصدر المجلة التي نشرت الدراسة؟ ما رقم العدد والصفحة كي نتحقق منها؟ ثم أين المقارنة بين نسبة الثلاثين في المئة المذكورة وبين النسب المقابلة لها في الدول الأخرى؟

كاتب التقرير اكتفى بهذه الإحصاءات ليصل إلى النتيجة المستهدفة مسبقا، وهي تتلخص في هذين الاقتباسين حرفيا:

يقول شاب عربي: “لا يوجد علاقات أو ما شابه، وبالتالي سيكون هناك كبت، ولا يوجد ملجأ من هذا الكبت سوى بمشاهدة الأفلام الإباحية”، وتقول فتاة عربية: “تواجه الفتيات تحكما ومنعا كبيرا وهناك فصل نوعي، فبالتالي لا يوجد ملجأ أخر سوى هذه المواقع”.

إذن باختصار، المطلوب بوضوح هو إتاحة الإباحية في الواقع كي يمتنع الشباب والفتيات عن البحث عنها في العالم الافتراضي، حتى لو كانت الإحصاءات الحقيقية تؤكد أن الدول الغربية التي تعيش في طور الانهيار الحضاري هي الأكثر انغماسا في الإباحية واقعيا وافتراضيا على السواء.

الحضارة والجنس

من الشائع أن مؤسس مدرسة التحليل النفسي سيغموند فرويد لعب دورا كبيرا في التأسيس لما يسمى بالثورة الجنسية في الغرب، من خلال ربطه العضوي بين الشهوة الجنسية وبين أهم ملامح السلوك البشري. لكن فرويد نفسه اعتبر أن الحضارات لا تقوم إلا بحربها على الجنس، وأن الحضارة طاقة جنسية حُرفت عن هدفها الجنسي نحو أهداف اجتماعية سامية.

وحتى عندما ربط فرويد بين الجنس والإبداع، فقد كان يتحدث عن “الجنس المتحضر”، وليس عن الإباحية. إذ لم يكن هذا المفكر اللاديني قد عاصر مرحلة تفكيك الأسرة التي وصل إليها الغرب، وربما لم يخطر على باله أن الانهيار سيكون بهذه السرعة.

والربط بين العفة والصعود الحضاري يكاد يكون محل إجماع بين كل المؤرخين والباحثين، بغض النظر عن قناعاتهم وأديانهم وسلوكهم الشخصي، كما نرى ربطا عضويا بين جنوح الحضارات إلى الترف والانحلال وتفكك الأسر وبين الانهيار الحتمي.

وفي وسط الصخب القادم هذه الأيام من شوارع الغرب، حيث تقام مهرجانات “الفخر” بشعارات قوس قزح التي أصبحت أداة للإرهاب الفكري، قد نسمع أصواتا خافتة خجولة لبعض المفكرين والناشطين اليمينيين في الغرب، وهم يدقون نواقيس الخطر قبل النزع الأخير، معلنين عن انتحار غربي حتمي، بموازاة صعود قوى أخرى تصر على محاربة الانحلال بكل الوسائل، كالصين وروسيا.

أما في عالمنا العربي المُحتل، والذي أُجهضت فيه محاولات الربيع والبناء والعدالة وحُولت إلى حروب طاحنة، فلن تجد حكومة تكترث أصلا لإنشاء الحضارة ولا إعفاف الشباب، ولن نعجب حقا لو بلغت إحصاءات البحث عن “الإباحية” تلك الدرجة التي يزعمها الكثير من المنظرين لليأس، كما في تقرير “بي بي سي”، فنسب البطالة في أعلى درجاتها، ولم يبق أمام الشباب سوى الحلم بالهجرة في أرض الله الواسعة، ولو لا بقاء الحد الأدنى من آثار التربية الإسلامية والفطرة في نفوس الشباب لتحولت مجتمعاتنا إلى غابات بهيمية، لكن جذوة النور الخافتة تلك هي التي يريد الإعلام الليبرالي القضاء عليها بكل وسيلة ممكنة.

حين يفتك الأنمي بالعقول والقلوب!

في مقالٍ سابق أشرت إلى تقنيات نشر الأنمي وبعض جوانب مصمميه المظلمة، إلا أن سؤالا مهمًّا معلّقًا يجب البحث عن جواب له، وهي هل يمكن أن نحصّن أنفسنا من التأثر بالأنمي.

التأثُّر .. هل هو أمرٌ لا مفرّ منه؟

قد يخطر في بال القارئ قائلاً: لكن مهلًا أنا لن يحدث هذا معي، أنا أقوى من أن أنجرف، أنا لن أُدمن!

هذا يذكرني بحلقة لعماد الدين على قناة السبيل التي شرح فيها نظرية (تأثير الشخص الثالث) لـ (فيليبس دافيسيون)[22] التي مفادها أنَّ الناس يتوقعون أنَّ تأثير الإعلام يكون أكبر على الآخرين فقط، وأنهم  لن يقعوا تحت هذا التأثير، لسان حالنا هم ضعفاء لكن نحن أقوياء، سنشاهد دون أن نتأثر!

نعم من الممكن ألا يحدث معنا ما حصل معهم، لكن من الممكن أن يحدث معنا ما هو أسوأ من ذلك، شيء هجين تُجرى عليه دراسات لاحقًا لأنَّ مجتمعنا مختلف عن مجتمعهم والله أعلم؟

أرجوكم دعونا نكن صادقين مع أنفسنا ونتذكر قوله تعالى: {إنْ أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإنْ أسأتم فلها} [الإسراء:7 ] فإن كنت لا تقوى على حبس نفسك عن (الأنمي)، فكّر بصنَّاع ومحتوى (الأنمي)  الذي تشاهده، والمجتمع الذي يعيشون فيه، تذكر أنَّ الذين يرسمونها ويموّلونها هم بشر من مجتمع يعاني من القلق والاكتئاب، وأنَّ الذين يموتون منتحرين لديهم أكثر من الذين ماتوا بفيروس كورونا في بلادهم[23]  وأنَّ ٥٠٪ منهم عازفون عن الزواج[24] حيث يُخشى من أنَّ المجتمع الياباني كلَّه يتقلص، وأنَّ اليابان _حسب دراسة في جامعة كامبردج_ احتلت المرتبة الخامسة في انتشار الإلحاد واللاأدرية.[25] وهذا ليس للتشفي إنَّما للتفكّر، لعلَّنا ننظر فيمن يغذِّي خيالنا؟

فهل من الممكن أنَّ رسام (الأنمي) الذي رسم شخصيات مسلسلك المفضل قد يكون مولعًا برسم أفخاذ الفتيات الصغيرات، وأنَّه كان يقضي وقتَه في قراءة القصص الإباحية في حب الصَّغيرات كرسَّام الأنمي الذي قابله كالبريث في كتابه[26] أو أنه مُستَعبَد لشركة الإنتاج التي لا تقبل العمل إن لم يكن فيه بعض الإباحية[27].

اسأل نفسك

عندما تضغط زر التشغيل لمسلسل (أنمي)، توقف واسأل نفسك هل أنا أتأثر بما أشاهد؟ ولاحظ نفسك خلال اليوم كم مرة تذكرت (الأنمي) أو تصرفت أو تفوهت بألفاظ شخصيتك المفضلة خلال النهار وحلمت بها في الليل؟ فكِّر هل هذا صحيٌّ؟ إذا كنتُ أتصرف مثل هذه الشخصية فمن أنا إذن؟ فكِّر! هل ما زلت تأخذ القيم وموازين الأمور من السماء أم من (الأنمي)؟ هل ما زالت سنن الحياة تعريفها عندك كما أوضحها الله {ولنبلونَّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثَّمرات وبشِّر الصابرين} [(البقرة:١٥٥] أم بدلتها بسنن (الأنمي)؟ هل ما زال الحَسن عندك ما حسّنه الله ورسوله؟ والقبيح ما قبّح الله ورسوله؟  

هل فقدت لذَّة قراءة قصص القرآن وسيرة نبينا محمد؟ حبكتها ليست كـ (الأنمي) الياباني؟ هل تغيرت توقعاتك من الله ومن الناس حولك؟ هل بدأت لا تتحمل فكرة وجود الألم والشَّرِّ وبدأت الشُّكوكُ بالله وصفاته تأكل قلبَك؟ أم هل ظننت أنك خارق ومتحكم ومسيطر؟ وبما أنَّ كلَّ شيء بـ (الأنمي) ممكن! وكاتب قصص (الأنمي) غيّبَ الله أو جعل الشخصية تتبارز معه، ومع التَّكرار بدأت تظن أنك المتحكِّم والمتصرِّف على الأرض فاستغنيت عن الله! فتأتي إلى الحياة العادية فترتطم بالواقع، فتغضَب وتُحبط فتهرب إلى أحضان (الأنمي) كحلقة مفرغة!

عندما تشاهد (الأنمي) انتبه إلى أنك تربِّي في نفسك مهارات للعيش على كوكب (الأنمي) الخيالي وهي مهارات غير ملائمة لكوكب الأرض!  فتنقص قدرتك على قراءة مشاعر من حولك من الناس فتُطْعَن منهم كذا مرة، لأنَّك تمرّست الفِراسة في قراءة مشاعر شخصيات (الأنمي)، وهذا ما أكدته دراسة في كتاب (دراسة نفسية لمحبِّي الأنمي): إنَّ محبِّي (المانغا والأنمي) يجدون صعوبة في قراءة مشاعر الناس، لأن وجوههم لا تشبه وجوه (الأنمي) ذات العيون الواسعة، كذلك هم لا يفضّلون مشاهدة أفلام أبطالها بشر حقيقيون! فما عادوا يستمتعون بالطبيعي!

فكِّر، هل ردَّات فعلك مبالغٌ بها؟ هل بدأت تشعر أنَّ ردَّات فعل الآخرين ناقصة، ليست بشدَّة الانفعال التي اعتدت عليها في شخصيات (الأنمي)؟ هل شَكلُك لم يعد يعجبك؟ فالعيون ليست عيون (الأنمي)، والبشرة ليست ناصعة كصورهم مع أنَّك لو شاهدت جمجمة شخصية (أنمي) لأثارت فيك ضحكًا وما تمنيت هذا!

وأخيرًا، انتبه، إن أكثرت التَّعرض لأفكار (الأنمي) ستجد نفسك مُتَقبِّلًا لأي فكرة! ليس فقط الشذوذ والاختلاط والتَّعرِّي فقط! بل أي شيء قادم من خيال رسَّامي اليابان، ظانًا نفسك أنك منفتح[28]، لكن هذا ليس انفتاحًا، بل سيولة فأنت هلامي مُعَدٌّ لتوضع في أي قالب يريدونه هم!

تعاليم الإسلام.. غذاء للقلوب.

أنهي مقالتي بكلمات الشَّيخ ابن تيميّة: “والشرائع هي غذاء القلوب وقُوتها، ومن شأن الجسد إذا كان جائعًا فأخذ من الطعام حاجته؛ استغنى عن طعام آخر، حتى لا يأكله، وإن أكل منه إلاّ بكراهةٍ وتَجَشُّم، وربما ضرّه أكلُه، أو لم ينتفع به، وإن لم يكن هو المغذِّي له ذاك الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلَّت رغبته في المشروع  وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمَّته إلى المشروع، فإنّه تعظُم محبته له، ومنفعته به، ويتم دينه، ويتم إسلامه، لذا تجد مَنْ أكثرَ سماعَ القصائد؛ لطلب صلاحِ قلبِه تنقُص رغبته في سماع القرآن، حتى ربما كرِهه، ومن أكثر السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها؛ لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السُّنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والرُّوم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسِيَرِهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه الاهتمام، ونظير هذا كثير” [اقتضاء الصراط المستقيم 326 – 327]

أعيدوا قراءة كلام الشيخ واستبدلوا كلمة الحكمة والآدب وقصص الملوك بكلمة (أنمي ومانغا)..

أسأل الله أن يرزقني وإيَّاكم الصِّدق، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.


المراجع

  1. Galbraith, Patrick W.) 2017,April) The Moe Manifesto .Tuttle Publishing. Kindle Edition.
  2. Martin, M. (2007). The Cambridge Companion to Atheism. Cambridge University Press.
  3. O, M. (2021, November 17). More Japanese deaths by suicide than from covid-19. Center for Japanese Mental Health. Retrieved April 15, 2022, from https://cjmh.org/news/more-japanese-suicides-than-deaths-from-covid/
  4. Stephen, R., Plante, C. N., Roberts, S. E., & Gerbasi, K. C.)2021).The Psychology Of Anime Fan.Commerce,Texas.USA
  5. عماد الدين، (2021، آذار). وَهم التفوق [فيديو]

____________

[22] (عماد الدين،2021)

[23] More Japanese Deaths by Suicide than from COVID-19, (2020)

[24] Galbraith. (2017)

[25] Martin, The Cambridge Companion to Atheism (p.56).

[26] Galbraith. (2017) (p. 47).

[27], Galbraith (2019) (p. 36).

[28] وهذا ما أكدته دراسة في كتاب (دارسات نفسية على محبي الأنمي) إن متابعي الأنمي هم الأكثر “تحررًا” يتقبلون أي إنسان وأية فكرة

جسور من خيال اليابان إلى الواقع

“هل تخيلت يومًا أنَّ رجالًا سيقعُون في حبِّ الشَّخصيَّات التي ترسمها؟ لا، لا أبداً، لا أستطيع أن أتخيلَ، وإلى الآن ما زلت غير مصدق. كان “مسلسل حنين” التي رسمت شخصياته موجَّهًا للأطفال وأمِّهاتهم، وبعد ستَّة أشهرٍ من عرضه بدأ رجال يأتون إلى الاستديو ليعبِّروا عن إعجابهم بشخصية حنين، وأحدهم قال لي: إنَّه يرأس مجموعة مكوَّنة من 18 ذكرًا تتراوح أعمارهم بين 30-18 وهم معجبون جدًا بحنين ذات الشَّعر الزَّهري ويعتقدون أنَّها جذابة جدًا، ويتداولون أخبارها وصورها ويعبِّروا عن حبهم لها فيما بينهم”. هذا كان جزءًا من مقابلة أجراها ( Patrick ) مع رسام (الإنيميشن)  Sato) (Toshihiko. [1]

خطر ببالي وأنا أقرأ هذه المقابلة أنَّه لماذا لم يتوقف إذًا عن رسمها بهذه الطريقة الخادشة للحياء؟ لماذا لم يُحدث تعديلًا عليها؟ لماذا إلى الآن هو رافض فكرة أنَّ العلَّة في رسمه كما العلة في هؤلاء الذكور؟ ويأتي الجواب في الصفحة التَّالية، إنَّه متعاقد مع شركة ألعاب تريد التسويق لشخصية ومعها عصًا سحريَّة، فتم تصميم شخصية حنين فلا رجعة في ذلك، حسب موقع ( [2]Precedence Research ) أنَّ أرباح شركات (الأنمي) في 2020  وصلت إلى 22,600,000,000 دولار ومحتملٌ أن تصلَ إلى 48,300,000,000 دولار  في 2030.

ويجبُ أن نضعَ في عين الاعتبار أنَّ متوسط الرَّاتب السَّنويِّ لرسام (الأنمي) 3000 دولار في الشهر[3]، وحسب موقع(Grande Viewer Research) احتلَّت السُّعوديَّة المرتبة الأولى كمستهلكٍ لهذه المواد في الشَّرق الأوسط  وإفريقيا لأنَّها تعد حاضنةً لكثير من متابعي (الأنمي) وفيها كافيهات (الأنمي) ومهرجانات[4].

حكاية الاهتمام

بدأ اهتمامي بالأنمي منذ أن قرأتُ عن لعبة باربي وتأثيراتها السَّلبية على تقدير الفتيات لأنفسهن، وسألت نفسي إن كانت لعبة بمعايير جمال خيالية تفعل هذا، فماذا عن شخصيات عالم الخيال (الأنمي) ماذا تفعل بشبابنا وبناتنا؟ أكتب هذه الكلمات وتمرُّ أمام عيني وجوه الذين دخلوا عالم (الأنمي) وأمعَنوا فيه ووصلوا إلى درجةٍ أنَّهم أصبحوا يتنكَّرون لذواتهم ليكونوا شخصية خياليَّة مجسّدة على أرضنا، الكوكب الثَّالث، محاولين جاهدين أن يمدُّوا جسورًا من خيالهم المستوحى من سوق (الأنمي) للواقع، ليشعروا بالتَّناغم مع أفكارهم ومشاعرهم.

يقول باترك كالبريث في كتابه (الأوتاكو والنضال من أجل الخيال في اليابان): “عندما ننظر إلى صورةٍ أو رسمٍ منطقيٍّ حقيقيٍّ لوجوه أناس ندرك أنَّ هذه الوجوه ليست وجوهنا، لكن عندما ندخل عالم الكرتون نحن نرى أنفسنا، الكرتون جذاب جدًّا يسلب هُويتنا وإدراكنا بقوَّة وهذا ما يجعلنا نسافر إلى واقع آخر، فنحن لا نرى فقط الكرتون؛ نصبح نحن شخصيات هذا الكرتون، دعونا نفكر مليًّا، هل فعلًا أنَّنا عندما نملأ أدمغتنا بهذه الصور لا شيء يحدث لنا؟ أم أنَّ شخصياتنا تتأثر بما نغذِّي به نفوسنا؟ هل هناك علاقة بين الذي نقرأ أو نسمع وبين سلوكاتنا؟ هل من الممكن لبرنامج أن يغيرَ بي من دون أن أشعر؟ هل هناك أحد قبلنا وقع في فخ (الأنمي) فنتّعظ منه؟ يا تُرى ماذا يقول اليابانيون أنفسهم عن سوق (الأنمي)؟ وماذا يقول الوحي والعلم عن هذه الظاهرة”؟

في عام 2012 أُجريَت دراسة[5] على عيِّنة مؤلفة من 385 شخصًا بعنوان (بطلات الأنمي اليابانيات قدوات لليافعين واليافعات في أميركا) كان مفادها أنَّ مستهلكي الميديا ومنها (الأنمي) يكوِّنون مع الشَّخصيات الكرتونية علاقات قوية ويدمجون شخصياتهم بها ويشعرون بالفرح والسرور والقلق لما يجري لها، ومن ثَمَّ يكوِّنون علاقات معها في خيالهم، وكذلك هناك الكثير من الدراسات النفسية التي تؤكد أنَّ الإعلام بكافَّة صوره يؤثر على طريقة تفكيرنا وسلوكاتنا، ابتداءً من العِدائية وصولًا إلى الخوف من الموت.[6]

اليابان .. لمحة من الجانب المظلم

في مقالة لـ  Ashcraft)) [7]  بعنوان (التَّحليل النفسي لأكبر صانعي أفلام الأنيميشن) قال ناقلًا عن مايازاكي وهو الشريك المؤسس لشركة (Ghibli)  للأنيميشن: إنه عندما كان صغيرًا وقع في حب شخصيَّة من شخصيَّات (الأنمي) وإلى الآن يتذكر تدفق المشاعر الذي كان ينتابه عندما كان يراها، وأنها كانت الدافع  ليكون رسَّامًا  ل(الأنمي).

هاياو ميازاكي

علّق الطبيب النفسي (Tamaki Saito)  على هذا قائلًا: “إنَّ مايازاكي لا يحب أن يعلّق (الأوتاكو) على رسوماته، لأنهم يشكلون علاقات حبٍّ مع الشخصيات التي يرسمها، رغم أنَّه نفسه كان عنده حبٌّ لواحدة من شخصيَّات (الأنمي) ولاحَظ أنَّ البطلات في أفلامه دائمًا فتيات صغيرات وكأنهنَّ انعكاس لحبِّه القديم”!

وفي نفس المقالة يشير الكاتب إلى أنه عندما سئل مايازاكي عن المشكلات التي يعاني منها (الأنمي) في اليابان قال: “إن سوق (الأنمي)  في اليابان مليء بمرضى الوهم (الأوتاكو) وهم أضعف من أن يستطيعوا أن ينظروا في عيون النَّاس لكنَّهم في نفس الوقت يكتبون لهم قصصًا ويرسمونها” أضف إلى هذا أنَّ ٩٠ ٪ من الشعب الياباني يعانون من القلق3 وهي أعلى النسب في العالم و٤٠٪ منهم يفضلون البقاء في المنزل[8]  ومن كلِّ ستة مواطنين هناك واحد مدمن خمر[9] ، وكذلك هم عازفون عن الزَّواج [10] وأضف إلى كل ما ذُكر أنّ مستويات الانتحار متصاعدة [11].

وكتبت (Moher)  [12] في مقالة لها بعنوان: الجانب المظلم لوهم الكمال: دروس من اليابان، كيف أنَّ وهمَ الكمال مسببٌ لا يمكن إغفاله في زيادة عدد الأشخاص الذين ينتحرون في اليابان، ومن المهم أن نعرفَ هذه المعلومات عن اليابان ليكون عندنا تصورٌ واضحٌ عن هؤلاء الذين يرسمون ويكتبون لنا مسلسلات وقصصًا (المانغا) و(الأنمي) والبيئة التي يعيشون فيها.

لماذا تؤثر الأنمي في العقول؟

تعالَوا نشاهد ماذا فعلت مشاهدات (الأنمي) المتكررة على غيرنا، هل فعلًا لم تؤثر عليهم؟ (الكوزبليرز) و (V-tubers)  و)الميد كافيه(  وشخصيات (الأنمي الهولوغرامية)  كلها كانت بداية الطريق فقط تبدأ بالحب والإعجاب لـ (المانغا والأنمي)!

لنبدأ بـ (الكوزبليرز): باليابانية (Kosupure) بالإنجليزية (Cosplay) وتعني التَّنكر بزيِّ شخصية خياليَّة من عالم (الأنمي) أو غيرها وتقمص حركاتها وطريقة كلامها، وفي هذا العالم يمكن أن تكونَ ما تريد، ذكرًا، أنثى، حشرة، مخلوقًا خرافيًا، جمادًا، أيَّ شيء بشرط احترام ما تتقمّصه شخصيتك.

أحد (اليوتيوبرز)[13]  صاحبَ فتاةً في اليابان تعمل في مجال الـ (كوزبلاي) ليومٍ كاملٍ لينقل تفاصيل حياتها اليوميّة، في بداية الفيديو تشعر بأنك دخلت فيلم (أنمي) كرتوني فمعظم أغراض المنزل الصغير زهرية اللون، كأنها غرفه لطفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها التَّاسعة، ولا تستغرب من وجود مكتبةٍ مليئةٍ بقصص (المانغا) وأفلام (الأنمي)، هذه الفتاة يبدأ يومها من السَّاعة العاشرة صباحًا فتقف أمام المرآة لتغيّر من شكلها وتقرر ماذا تريد أن تكون اليوم، وبمعنى آخر أي شخصية خيالية رسمتها أيدي رسَّامي (الأنمي) وأعجبت الجمهور ستستوطن نفسها، ثم تذهب إلى (الاستوديو)، وبعد ساعةٍ من التصوير تقوم برفع الصّور على المواقع التي تعطيها المال إذا حصلت على مقدار معين من الإعجابات، ثم بعد ذلك تتوجَّه لعملها على موقع (دوكي – دوكي) الالكتروني حيث تجسد شخصية (أنمي) أخرى وتفعل ما يطلب منها المشتركون من غناءٍ وحركاتٍ مرتبطة في أذهانهم بهذه الشخصية، وبعد ساعتين من العمل تقوم هذه الفتاة بلعب لعبة (الأنمي) المفضلة لديها ثم تنام لتبدأ من جديدٍ، وكأنه كابوس يتكرر كل يوم.

الذي استوقفني أنَّ هذه الفتاة وغيرها من (الكوزبليرز) يكررون نفس العبارة: “أنا خجولة ومنطويةٌ اجتماعيًّا”، وأخرى تقول إنَّ التنكر جميل لأنها تتخلص من نفسها لبضعة أيام.[14]  في كتاب (دراسة نفسية  لمحب الأنمي) قام أربعة باحثين بدراسة نفسيّة مدتها ١٠ سنوات على محبي (الأنمي)  توصلوا إلى نتائج مفادها أنَّ محبي (الأنمي) والذين لا يشاركون في مهرجاناتها وليس لديهم مناسبات اجتماعية تجمعهم مع من يشاركهم هذه المحبة، يعني مثل محب كرة القدم؛ يلعب لكن لا يذهب لحضور المباريات، فهؤلاء هم الأقل صحَّة نفسية والأكثر عرضة للأمراض النفسية مثل القلق والاكتئاب وكذلك هم الأكثر خجلًا والأقل مهارة في المواقف الاجتماعية، وعند سؤالهم عن السبب الرئيس الذي جعلهم يختارون (الأنمي) للتسلية كان جوابهم: “الهروب من الواقع ومن المشكلات التي نواجهها”.

أما الذين يحبون (الأنمي) ويتابعونها ولديهم قناة للتنفيس عن الخيال الذي في أدمغتهم، كالذهاب للمهرجانات والالتقاء بالأصدقاء الذين يشاركونهم اهتمامهم بـ (الأنمي)، كان من الأسباب الرئيسة لمتابعتهم (الأنمي) والذهاب لمهرجاناتها: هو الشعور بالانتماء ومداراة العزلة التي يشعرون بها، وذكروا أنَّ المهرجانات والتنكر هو مصدر لشعورهم بتقدير النفس، والتميز عن الناس المحيطين بهم. [15]

مهرجانات وتقليد .. كيف تُنقَل ثقافة الأنمي إلينا؟

لكي لا نشعرَ بالنقص والغيرة من اليابان، ولأنَّنا أحببنا اليابان من برنامج خواطر، وتعلَّمنا من أهلنا أنَّ الشيء القادم من اليابان هو طبعًا جيد، وجودته عالية، قامت أحد البلدان العربية بتبني فكرة مهرجانات (الأنمي) حيث ترى الشابات والشبان يتراقصون ويصرخون ويهلِّلون باليابانية!     وكذلك قام محمد سعيد بغلاف _الذي قضى عامًا في اليابان ودرس في أميركا_ بافتتاح أول مقهى (أنمي) وسمَّاه “العاقبة” وهذا المقهى كما يقول: “هو ملجأ [16] محبِّي (المانغا) وأنه هدية لمحمد الصغير يتكلم عن نفسه تجد فيه صورًا عملاقة لشخصيات (الأنمي) والكثير من كتب (المانغا)، كأنك في اليابان!

وبما أننا في عصر الخيارات غير المحدودة فيا محبَّ (الأنمي) إن كان شكلك غير مطابق لشكل الشخصية الكرتونية ولا تريد بذل المال والوقت والجهد أو ترى الشخصية بعيدة جدًا عن التقليد، لا تقلق، فهناك ال) V-(tube، لا داعي لتواجه خجلك ومشاكلك ابق كما أنت، حتى لو كنت أنت الثَّمن!

[17](Virtual YouTube) هي تقنية تعمل على تحويل منحى إنشاء المحتوى عبر (الإنترنت) من خلال تغيير مظهر الأشخاص الحقيقين إلى مظهر شخصية كرتونية متحركة بصوتيات وسلوكات أقرب للواقع ومحاكية للتعابير البشرية.

في إحدى مقابلات للـ (V-tuber) سأل المذيع الشخصية التي تتخفى وراء صورة (الأنمي) المتحركة على الشاشة الكبيرة التي تخفي وراءها إنسانًا لا ندري أهو ذكر أم أنثى، مسن/ـة، أو شاب/ـة، لماذا لا تظهرين أنت على الكاميرا؟ لماذا تظهرين بشكل كرتوني فقط؟

ضحكت بصوت الشخصية، أجابت بنفس جواب (الكوزبلير)، الأمراض متعددة والسبب واحد، قالت: ماذا تريد مني ما دام أمامك شخصية جذابة مثل هذه؟ فأنا أعاني من القلق والخجل ومشاكل الثقة بالنفس، ووجدت بهذا القناع الجذاب الملاذ الآمن.

خطر لي سؤال ماذا لو انقطع الإنترنت والكهرباء؟ ما مصير هؤلاء الناس؟ كيف سيواجهون أنفسهم؟

الجسر الرابع للتعايش مع خيال (الأنمي) الذي يريد صاحبه أن ينفس عنه “الميد كافيه” الذي يعد الوجه الآخر (للكوزبلي)، فيه تتنكر الفتاة بِزِيٍّ محدد وهو زي الخادمة الفرنسية، مع آذان قطة، وكما قالت رسامة الألعاب اليابانية Ito) (Noizi واصفة (الميد كافيه)[18]:

“إنها طريقة لفصل الزائرين عن الحياة العادية والروتين”، كأنها تقول لك: أنا قادمة من الخيال لا أنتمي للحياة التي لا تحبها، ولا تحب أن تنتمي إليها، الفتاة في هذا المقهى ترحب بالزوار قائلة: أهلًا سيدي، وتجلس على الأرض، وتقوم بأداء رقصات معينة تشبه فيه القطة، وتلعب مع الزائرين، ومن هذه الألعاب القيام بمَزاد علني! من يدفع من الزوار أكثر لكي تجلس معه الفتاة لتحدثه وتسمعه يتحدث عن (الأنمي والمانغا) لساعة كاملة من عمرها! كيف وصلوا إلى هنا؟ كانوا فقط معجبين بـ (الأنمي)!

Gate Box

التكنولوجيا خدمةً للترويج!

ومن محاولات تجسيد الخيال الياباني على أرض الواقع استخدام (الهولوغرام) وهي تقنية معقدة تجعل الشخصية الكرتونية متحركة ومتفاعلة، مثالًا على ذلك المهرجان الغنائي الذي افتتحته (Hatsune Miku) مغنية أغاني (الليدي غاغا)، وهي نسخة عملاقة من شخصية (أنمي) ذات شعر أخضر طويل بتسريحة طفولية، تشعرك كأنها لاحول لها ولا قوة، وعيونها صُمِّمت لتعطيك تصورًا أنها بريئة وكان ذلك باستخدام تقنية حاسوبية معقدة أمضى عليها الخبراء أكثر من ٦ أشهر[19] والناس تصفّق وتتفاعل معها، فهي الحلم الذي أصبح حقيقة، فهم معجبون بهذه الشخصية وقد يكون لديهم مشاعر حب تجاهها، ومنهم من تزوجها فعلاً[20] مثل (Akihiko Kondo) حيث عقد قرانه على Hatsune Miku وهي الآن في بيته في صندوق صغير يسمى (Gate Box) وهو صندوق يحتوي على فتاة آلية (هولوغرامية)، بشكل شخصية (أنمي) تتكلّم معه وترسل له الرسائل لتطمئن عليه وتلقي عليه التحية وتضيء أنوار البيت عند مجيئه[21] كأنها زوجته!

كل الأمثلة الواردة سابقًا يجمعها عامل واحد أنَّ أصحابها كلهم بدؤوا كمُحبين لـ (الأنمي)، والواضح أنَّ (الأنمي) لم يحلّ لهم مشاكلهم، بل زادها عمقًا كأنه مخدر، وهنا نحتاج أن نستفيض في بيان آثار هذا الواقع في مقال مستفيض.


المراجع

  1. Anime market,Precedence Research. (n.d.). Retrieved April 15, 2022, from https://www.precedenceresearch.com/anime-market
  2. Anime of Japan. Encyclopedia of Japan. (n.d.). Retrieved April 15, 2022, from https://doyouknowjapan.com/anime/
  3. Ashcraft, B. (2014, July 17). Psychoanalyzing two of Japan’s greatest anime creators. Kotaku. Retrieved April 15, 2022, from https://kotaku.com/psychoanalyzing-two-of-japans-greatest-anime-creators-1606463893
  4. Grimmond, J., Kornhaber, R., Visentin, D., & Cleary, M. (2019, June 12). A qualitative systematic review of experiences and perceptions of youth suicide. PloS one. Retrieved April 15, 2022, from https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC6561633/
  5. Galbraith, Patrick W.) 2017,April) The Moe Manifesto .Tuttle Publishing. Kindle Edition.
  6. Hernandez, P. (2013, January 11). Cosplayers are passionate, talented folks. but there’s a darker side to this community, too. Kotaku. Retrieved April 15, 2022, from https://kotaku.com/cosplayers-are-passionate-talented-folks-but-theres-a-5975038
  7. Mohr, K. T. (2017, May 8). Perfectionism’s dark side: Lessons from Japan. Psyched in San Francisco. Retrieved from http://www.psychedinsanfrancisco.com/perfectionisms-dark-side-lessons-japan/
  8. NBCUniversal News Group. (2014, April 17). Lady Gaga is going on tour with a hologram.
    Retrieved from https://www.nbcnews.com/tech/innovation/lady-gaga-going-tour-hologram-n83406
  9. (2020, August 9). Akiba Cafe: Your manga escape in Saudi Arabia. Arab News. Retrieved April 15, 2022, from https://www.arabnews.com/node/1717096/saudi-arabia
  10. Ramasubramanian, S., & Kornfield, S. (n.d.)(2012). Japanese anime heroines as role models for U.S. youth … Retrieved April 15, 2022, from https://www.researchgate.net/publication/270189225_Japanese_Anime_Heroines_as_Role_Models_for_US_Youth_Wishful_Identification_Parasocial_Interaction_and_Intercultural_Entertainment_Effects
  11. Salsberg, B. (2018, January 8). The new Japanese consumer. McKinsey & Company. Retrieved April 15, 2022, from https://www.mckinsey.com/industries/consumer-packaged-goods/our-insights/the-new-japanese-consumer
  12. Stephen, R., Plante, C. N., Roberts, S. E., & Gerbasi, K. C. (2018, August). (PDF) “Coming out” as an anime fan: Cosplayers in the … Sharon RobertsSharon RobertsKathleen  C. GerbasiKathleen C. Gerbasi. Retrieved April 16, 2022, from https://www.researchgate.net/publication/327043380_Coming_out_as_an_Anime_Fan_Cosplayers_in_the_Anime_Fandom_Fan_Disclosure_and_Well-Being
  13. Stephen, R., Plante, C. N., Roberts, S. E., & Gerbasi, K. C.)2021).The Psychology Of Anime Fan.Commerce,Texas.USA
  14. http://www.salaryexplorer.com/salary-survey.php?loc=107&loctype=1&job=41&jobtype=3
  15. ابن تيمية، ‫تهذيب كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، دار إشبيليا.
  16. ما هي تقنية الـ vtubers وماهي البرامج التي يتم استعمالها فيها. موقع التقنية الرقمية.

____________

[1] (Galbraith، 2017)

[2]Anime Market.

[3]http://www.salaryexplorer.com/salary-survey.php?loc=107&loctype=1&job=41&jobtype=3

[4] Anime Market Size, (2022)

[5]Ramasubramanian, S., & Kornfield, S. (n.d.)(2012).

[6] Stephen, R., Plante, C. N., Roberts, S. E., & Gerbasi, K. C.)2021). (p200).

[7] (Ashcraft B, 2014)

[8] (Salsberg B,2018)

[9] أيمن عبد الرحيم),2013)

[10](Galbraith ,2017)

[11] (O, M,2021)

[12] (Mohr,2017)

[13] Day in the Life of a Typical Japanese Cosplay Worker. (2019)

[14] Hernandez,(2013)

[15] Stephen, R., Plante, C. N., Roberts, S. E., & Gerbasi, K. C.)2021)

[16] Bashraheel,(2020)

[17] الدين ,(2021)

[18] Galbraith, (2017)

[19] NBCUniversal News Group, (2014)

[20] Mainichi Japan, (2022)

[21] Galbraith, (2019)