image_print

ساعة التغيير

جميعُنا يبحث عن التغيير نحو الأفضل، فلا نعلم إنسانًا يبحث عن تغيير حياته نحو التردّي والضعف، وإنما نحو الصعود والقوّة، إلا أن شروط التغيير كثيرة، منها ما يكون عامًّا لكل الناس كالعزم الداخلي، والصبر على المحن، والثبات على الطريق، ومنها ما يزيد لدى المؤمن عن غيره، ألا وهو التمسك بهدي الله، والالتزام بأمره وشرعه..

لقد صوّر لنا العلماء المسلمون حقيقة التغيير، ووصفوا ساعته، وذكروا خطواته، فيكف بك حينما تقرأ كلام الإمام ابن القيم في صيد الخاطر حين يقول:

“وأيُّ عيشٍ لمن ساكَن الكسل، إذا رأى أقرانهُ قد برزوا في العلم وهو جاهل، أو استغنَوا بالتجارة وهو فقير، هل يبقى للالتذاذ بالكسل والراحة معنى؟ ولو تفكّر الزاني في الأُحدوثة عنه، أو تصوَّر أخذَ الحدِّ منه، لكفَّ كَفَّه، غير أنّه يرى لذّةً حاضرةً كأنها لَمْعُ برقٍ، ويا لشؤم ما أعقبَتْ من طول الأسى، وهذا كله في العاجل. فأما الآجل فمنغصة العذاب دائمة.” [صيد الخاطر: 238]

قد تقرأُ نصًّا كهذا فيكون كالشُعلة التي تعطيك الهمة العالية لتبدأ، فتهبّ لتأخُذ قراراً حاسماً بأن تقطع معصيةً ما أو إدماناً ما، هذه الهمة اللحظيّة تدفعك للبدء، لكنك حينما تبدأ، تُدركُ أنَّ الصوابَ صعب، وأنَّ لذة الصواب لا تأتيك لحظة التوجّه للتغيير، وإنّما حين تقطف ثمرة التغيير الذي يكون بعد رحلة لا تُعْلَم مُدتها، فتكون ساعة التغيير خطوتها الأولى فحسب.

التغيير بين هوى النفس ورِضا الله
قد تسوُّل لك نفسك مِراراً أن تتوقف، وربما تأتيكَ أعراض نفسية شديدة تمنعك، فالنفس التي تعوّدت على تلبية رغبات وتنفيذ شهواتها سرعان ما تبدأُ بالنزاع مع صاحبها، على أن ذلك لا يكفي، إذ يأتيك الشيطان من أبوابٍ عديدة محاولاً منعك من استكمال الطريق، بل ربما يحاول منعك من المضيّ فيه أحدُ الأشخاص القريبين منك.

ليس ذلك ما قد يواجهك، فالغربة ستكون في دربك، وستعاني –حتماً- من الألَم بقدرِ تعلُّقك بالعادة أو الذنب الذي تركته، فكُلما كان التعلُّق أشد كان الانتزاع أشد ألماً، وهذا من البلاء، أتُراكَ تستمر في مجاهدة هواك؟ أم أنّك ستُعلن استسلامك؟

قد تكون مُدمناً لموقعٍ افتراضيٍّ ما، أو أسيراً لإحدى الألعاب الإلكترونيّة، وحينها؛ فإن قرارك بالتغيير سيلقى تيّاراً قويًّا يسبح بالاتجاه المُعاكس لعزمك ونيّتك.

سترى إخوانك وأصدقاءك وكل من حولك لا يرفعون عيونهم عن أجهزتهم، وأنت وحدك قد رفعت رأسك، ها نحن نهمس لك: “وحدك الآن تقاوم، والكُلُّ من حولك لا يأبهون بل ربما يدعونك للعودة، ويرون فعلك خروجًا عن المألوف، وقد يصفونك بألفاظٍ تزيدُ من غُربتِك، لكن هل ذاك سببٌ مقنعٌ لتعود؟.

هبْ أنك قررت تخفيف سلوك غِذائي معيّن بعدما سمعتَ قول النبي صلى الله عليه وسلم “ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه” حينها سترى بعد أيام من مضيّك في هذا الطريق تلهُّفًا لتناول ما تشتهيه نفسك، سترى تيّاراً قويًّا من إعلانات الطعام والوجبات السريعة يغريك بترك قرارك.. حينها صبرك قد يزيد من غُربتك.

إن حاولت ترك أيّ إدمان، كإدمان التدخين أو المشاهد المُحرمة، فستظهر لك في الطريق أعراض انسحاب صعبة، ستزيد من حِدّة الألم، فقد عودتَ نفسك وجسدك على تحصيل اللذة من خلال هذه الأمور، وليس من السهل تحصيل هذه اللذة عن طريق أمورٍ أُخرى لا تؤذيك.

العادات وطريق التغيير
كل ما تقدّم من أمثلة، إنما هي جزء من العادات التي يعتادها الناس ويألفونها، وقد أصبحت عندهم أشبه بالمُسلمات، فكُل من خرج عنها كان غريباً، ومن ثم فإن رفض الإنسان للتغيير عائد لتعلّقه بالدنيا والبشر وغيرها من علائق القلب التي تمنع الإنسان من السير في الطريق إلى الله.

طريق التغيير يبدأ بالعمل على استئصال السوء كاستئصال الأورام، وهي عمليّة مؤلمةٌ بقدرِ تفشّي الوَرَم في الجسد وكان المرض، و بقدرِ طول الغفلة تكون مُدة العلاج، إنها رِحلة طويلة تجدها وأنت تخوضها أصعبَ مما قد توقعته في لحظة الهمة الأولى، فهي ملأى بالعَقبات، مظلمة كالنفقِ الذي لا زلت تسيرُ فيه بحثاً عن النور في آخره، ولعلك في سيرك تقرر الرجوع، إلا أن رجوعك ضارٌ لك أكثر من استمرارك، فما يكون عليك سوى أن تتحلى بالصبر مُدركاً بأنّه من ترك شيئاً لله أعاضه خيراً منه، وأن تتذكر أنّك بتوبتك و صبرك على مفارقة الذنب قد تبلغ مقاماً عالياً عند الله تعالى، “فحين خلق الله آدم و أمر الملائكة بالسجود له ظهر فضله و شرفه عليهم بالعلم و المعرفة، فلما وقع في الذنب ظنت الملائكة أنّ ذلك الفضل قد نُسِخ ورُفِع، ولم تطلّع على عبوديّة التوبة الكامنة، فلما تاب إلى ربه، وأتى بتلك العبودية، علمت الملائكة أنّ لله في خلقه سراً لا يعلمه سواه” [الفوائد: 64].

فإن صَبر استحالت لذة
بعد طريقٍ طويل من المُداواة، تُزيح ذنباً وتضعُ مكانه طاعة، تزيح عادةً سيئة وتضع مكانها عادةً حَسنَة، تسقطُ مرةً ثم تعاود القيام فيغلبُ قيامك سقوطك، وقد دعوت الله كثيراً أثناء رحلتك، تسألهُ الثبات والصبر تارةً، وتارةً تسألُه العَوضَ الجميل، مُدركاً ومُتيقِناً أنّ الله قد رأى سَعيك وأنّهُ سيسألك عن السعي لا عن النتيجة، مستمراً في السير في النفق المظلم الذي لا زلت لا تستطيع رؤية النورِ في آخره، في تلك اللحظات، يأتيكَ عوض الله بأنواعٍ مُختلفة.

هلمّ اقرأ معي هذه المقتطفات، لترى فيها نسمة الأمل والعمل، ” فما ابتلى الله سبحانه عبده المؤمن بمحبة الشهوات والمعاصي و ميل نفسه إليها إلا ليسوقه بها إلى محبة ما هو أفضل منها، و خير له و أنفع و أدوم، و ليجاهد نفسه على تركها له سبحانه، فتورثه تلك المجاهدة الوصول إلى المحبوب الأعلى”، “فإنّما يجد المشقّةَ في ترك المألوفات و العوائد من تركها لغير الله، فأما من تركها صادقاً مخلصاً من قلبه لله فإنه لا يجد في تركها مشقةً إلا في أوّل وهلة ليُمتحن أصادقٌ هو في تركها أم كاذب؟ فإن صبر على تلك المشقة قليلاً استحالت لذة. وقد قال ابن سيرين: سمعت شريحاً يحلف بالله ما ترك عبدٌ لله شيئاً فَوَجَدَ فَقْدَه”، و”من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه”، والعوض أنواعٌ مختلفة، و”أَجَلُّ ما يعوّض به الأُنس بالله ومحبته، وطمأنينة القلب به، وقوّته ونشاطه وفرحه و رضاه عن ربه تعالى” [الفوائد: 106,107,109].

حينما نقرأ نصًّا كهذا تسقط أمامنا اللذات المؤقتة، و نبدأُ رحلةً في السعي لهذه اللذات الدائمة، فلطالما سمعنا عن الجنتين، جنة الدنيا و جنة الآخرة، فالجنة التي في القلب لا تتأتى بالتمني ولا بالسير خلف الشهوات، ولا بالعَجلة في تحصيل النتيجة بعد ترك الشهوات، وإنّما الطريق نحوها بحاجةٍ إلى تخليةٍ و تحليةٍ دائمة لا تنقطع، وكلها لها أدويةٌ نستخلصها من الوحي دون أن نضطر في أغلب الأحيان للجوء إلى العلوم الغربيّة، ولا إلى كُتب التنمية، فغاية ما يريدونه هو سعادة الإنسان في عالمٍ لا تحكمه قِيَمٌ ولا يحكمُه إله، وما نريده نحن أسمى بكثير، إذ نتطلّع إلى غاياتٍ عُليا، ونُهذّب أنفُسنا و نُزكّيها للوصول إلى رضا الله تعالى عنّا، وكلما كان الدافع والغاية أعظم، ارتفعت الهمة أكثر، وزاد صبرُ الإنسان على عَقباتِ رحلة التغيير.

 إن وُجِدَ المعنى ووُجدَ الدافع وعرفنا الداء والدواء، فلا يبقى أمامنا خيارٌ إلّا أن نبدأ ونخوضَ الرحلة ونسعى للفوزِ بالعوضِ الجميل في الدنيا والآخرة، “فإذا رأيتَ تثبيطاً من الباطن فاستغث بعون اللطف، وتنبّه في الأسحار، لعلّك تتلمّح ركب الأرباح، وتعلّق على قطار المستغفرين ولو خطوات، وانزل في رباع المجتهدين ولو منزلاً، أيّ منزل.” [صيد الخاطر: 251].

مآلات حرية التعبير.. صورٌ من الولايات المتحدة الأمريكية

بعد الإساءات التي توجهت للنبي الكريم ﷺ في فرنسا بحجة حرية التعبير، وبعدما وضح أفاضل من الدعاة حقيقة حرية التعبير ومحدوديتها في الغرب بصورة عامة[1]، أسلّط في هذا المقال الضوء على بعض الإشكالات التي أدّى إليها مفهوم حرية التعبير الكاذبة وغير المنضبطة في تلك البلاد بصورٍ واقعية من الولايات المتحدة الأمريكيّة.

ورغم أنّنا لا نذمّ الحرية بمطلقها، ولا ندّعي أن النموذج الموجود في الدول الناطقة بالعربية اليوم والبعيد عن الوحي يحتذى به، إلا أننا في الوقت نفسه ندرس ما أدى إليه مفهوم حرية التعبير الذي يزعم الغرب أنه حلٌّ لكل المشكلات، ويجعلونه الهدف الأعظم الذي يمضون إليه وينطلقون منه، لنرى حقيقةً إن كان يستحق السعي أو الطلب، أم أنه مجرد حُلَّةٍ براقةٍ لضلال كبير.

لا يدعو المسلمون اليوم وحدَهم لوضع ضوابط على حرية التعبير، وتحديد نفوذ هذا المقدس الجديد، إلا أنّ الإشكالات المتعلقة به منذ السبعينات وما قبلها جعلت حقوقيين ونشطاء كثر يدعون لتحديده حماية للأفراد والمجتمعات، وسيأتي بيان بعض أسباب ذلك.

التعديل الدستوري الأول

التعديل الدستوري الأول:
عام 1791 صادق الكونغرس الأمريكي على مجموعة من التعديلات الدستورية تحت عنوان مشروع قانون الحقوق (Bill of rights). وكان الأول من هذه التعديلات (first amendment) الذي يعتز به الأمريكيون اليوم كثيراً، ويكررون ذكره في سياق الحريات، هو القائل حرفياً إن الكونغرس ممنوع من إنشاء أي قوانين تحدد حرية الحديث أو حرية الصحافة[2]. ورغم أن هذا الكلام يبدو جميلاً ومريحاً في ظاهره، إلا أنه في حقيقته عامٌ للغاية، ويحتاج كثيراً من القوانين الفرعية لتكفل حدود الحريات وضوابطها المنصفة للجميع.

هل التسويق حرية؟
ربما يتبادر هذا التساؤل: ما علاقة التسويق بالحرية؟ أليس التسويق مجرد ممارسة إعلانية تجارية تهدف لبيع وشراء وتبادل اقتصادي عادي؟

الصفحة الأولى من الدراسة التي اقتبست منها

صحيح، لكن الواقع هو أن الشركات في الولايات المتحدة استغلت قداسة التعديل الدستوري أعلاه في النفوس، فادعت أن تسويقها لمنتجاتها جزء من حرية تعبيرها الخاصة وأن من حقها أن تقول ما تريد وقتما تريد وأينما تريد عن منتجاتها، بغض النظر عن آثار قولها من خداع للمستهلكين أو تكليفهم فوق طاقتهم المادية[3].

لقد كان ذلك تسهيلاً للكذب في الإعلانات، وتوجيه التسويق للقطاعات سريعة التأثر(vulnerable populations)، ووضع العبارات التي لا أساس لصحتها على العبوات، وذلك كلّه مندرِجٌ تحت مسمى حرية التعبير التي تجعل جهود الحقوقيين لمنعها عسيرة جداً[4].

نسبة قضايا التعديل الدستوري الأول للشركات الكبرى بين عامي 1946-2001 المصدر: How Corporations Took Over the First Amendment, Joe Pinsker, The Atlantic, 2015 https://www.theatlantic.com/business/archive/2015/04/how-corporations-took-over-the-first-amendment/389249/

إلا أنه بعد الكثير من الجهود، وُضعت قوانين لحماية المستهلك، وما زالت تخضع للتعديل باستمرار وسط معارك قضائية بين الناشطين ولوبيات الشركات الكبرى.

يقول بروفسور القانون في جامعة هارفرد جون كواتس في دراسته المعنونة “استيلاء الشركات على التعديل الأول”: إن القوة الآن تسحب من الأفراد العاديين ذوي الاهتمامات والهويات البسيطة ناخبين وموظفين وعملاء، وتُحوّل إلى الشركات البيروقراطية الكبرى ذات الأهداف الموجهة بدقة لتحصيل أموال الناس، مظهراً أن أكثر من 40% من قضايا الشركات القانونية عام 2001 كانت متعلقة بالتعديل الدستوري الأول[5].

وثمّة مثالٌ على ذلك من عالم الغذاء.

تسويق طعام مضر للأطفال
وثقت Business Insider عام 2013  أن الطفل الأمريكي يرى سنوياً أكثر من ألف إعلان للمأكولات السريعة، عدا عن مئات الإعلانات لشركة McDonald’s  وحدها[6]. وهذا توضيح لتقسيم ذلك بحسب الشركة المنتجة بحسب دراسة من Yale Rudd center  عام 2012.

 ولا شك أن هذا يوضح استهداف تلك الشركات الضخمة للأطفال الذين لا يملكون الحكمة في الاختيار ولا يستطيعون موازنة الفوائد والمضار المترتبة على تناول تلك الأطعمة المضرة بالصحة باتفاق الخبراء. والعجيب هنا أن المعيق الأساسي للحكومة من منع الشركات من استهداف الأطفال بإعلاناتها هو حرية التعبير في التعديل الدستوري الأول. وهذا ما أشار إليه باحثون في قوانين الطعام عام 2012 حين قالوا: إن حقوق حرية التعبير المتعلقة بالتعديل الدستوري الأول تمنع الحكومة من إنشاء أي قانون يحدد حرية التعبير الخاصة بالشركات، وبالتالي يكون أي قانون يمنع شركات المأكولات السريعة من توجيه جهودها الإعلانية للأطفال مرفوضاً مباشرة[7].

كل ذلك يرينا الإشكال في مفهوم حرية التعبير كقيمة مطلقة تكون الأساس الذي تبنى بحسبه القوانين والأنظمة دون مصلحة المجتمعات وحماية الأفراد. ورغم أن حرية التعبير لا ينبغي أن تشمل بشكلها المتوقع التسويق أو المنتجات الغذائية، إلا أن مفهومها الفضفاض والهالة الكبيرة التي رسمت حولها سمح للشركات باستغلالها لتبرر كذبها عليهم واستغلالها لهم، وقد نجحت في معظم ذلك حتى الآن.

 فكون حرية التعبير مفهوماً أساسياً في الشعور الأمريكي يجعل مجرد ذكره في المحاكم أمراً صعب التجاوز على الطرف الآخر، مما يحسم القضايا القانونية بشكل شبه تام بمجرد التلويح بالمساس بحرية التعبير!

الاستهزاء والسخرية
يمكن لأي شخصٍ عاش فترة الانتخابات في أمريكا أن يحدثك عن الكم الهائل من الإعلانات السياسية التي صادفته على مدار يومه لشهور عديدة قبل موعد الانتخاب. فما بين رسائل بريدية وإعلانات على يوتيوب وفيسبوك ولوحات طرقية وغيرها؛ أنفقت حملتا المرشحين الرئاسيين في أمريكا في الشهر الأخير قبل الانتخابات فقط أكثر من 200 مليون دولار على الإعلانات السياسية[8].  

وبينما الكلام السياسي محمي تماماً في أمريكا بحق حرية التعبير (حيث يكون له أعلى درجة من الحماية)، فإن هذه الحرية لا تضع أي ضوابط للأدب، أو حسن التعامل أو الصدق أو الاحترام. فتكون هذه الإعلانات ساحة صراع مفتوحة بين المتنافسين على الكراسي البرلمانية ومنصب الرئاسة[9]. فلا يسوّق الشخص نفسه بمزاياه وقدراته، قدرَ ما يسوقها بمساوئ غيره عبر التشهير به وفضح أي سر صغير عثر عليه له ورسمه بأسوأ الصور وإطلاق أسوأ النعوت عليه.

وهذه عينة حديثة من ذلك:

رسالة بريدية مما يصل البيوت في موسم الانتخابات، فيها إعلان لمرشح نيابي عبر تشويه صورة آخر (بعدسة الكاتبة)

ورغم أن القمع المنتشر في دول الشرق اليوم قد يكون أول ما يتبادر للأذهان كطرف النقيض المعاكس عند الحديث في هذا الأمر، فهو ليس ما أدعو إليه أو أسوغه، فديننا لا يرفع بشراً بعد الأنبياء إلى منزلة العصمة أو امتناع الحاجة للتصويب. لكن علينا في الوقت ذاته أن نقر بأن الانفلات الكامل من أي ضوابط احترام أو توقير أو خُلُقٍ عام بين الناس في عالم السياسة بأكمله ذو عواقب سلبية وخيمة. فجعلُ كلام السياسي محمياً لمجرد أنه سياسي يؤدي لفقدان حدود الأدب وامتهان الكرامات ونشر الإشاعات والتشهير بالأشخاص وتحويلهم إلى أدوات بأيدي العامة لمجرد مواقعهم في وظائف معينة، يضاف إلى ذلك غياب احترام الكبير وانعدام ثقافة التناصح والرفق في المجتمع.

وهذه إشكالات تحدث عنها نقاد غربيون من قبل؛ فقد قال –على سبيل المثال- البروفسور هنري برادي: رغم أن الحوار الحضاري مطلوب في الحياة العامة، إلا أننا صرنا نفقده تماماً في الوسط السياسي، حيث نرى إطلاق الشتائم والعنف اللفظي وانعدام الأدب وفقدان الأخلاقيات الاجتماعية المحببة أو أي اعتبار لمشاعر الآخرين، وهذا كله صار معتاداً ومقبولاً بين الناس[10]. فنحن بحاجة إلى نظرة وسطية تعترف بخطأ هذا الانفلات وتقر بضرر طرف النقيض المقابل تماماً له، لأن كلاهما بعيدٌ تماماً عن الوحي وهدي المصطفى عليه الصلاة والسلام. فامتلاك حرية التعبير المطلقة لا ينبغي أن يكون الهدف بنفسه، إنما القدرة على النصح والبيان والتصويب لأصحاب المناصب وأولي الأمر كما للعامة، وإلا كانت مفاسد وأضرار كثيرة آخر الأمر.

ختاماً
بالنظر لبعض مآلات حرية التعبير غير المنضبطة في الغرب يظهر للقارئ أن المفهوم نفسه يتضمن إشكالاً كبيراً، فالتمييز بين حرية المرء التي تكفل حقوقه وبين الانفلات الذي يجعله متجاوزاً ومتعدياً على غيره أساسٌ لم يبينه الغرب اليوم. فهذه الدول قررت أولاً جعل حرية التعبير رمزاً مبجّلاً، وسبيلاً للخلاص من الظلم، ثم أخذت تسن القوانين حوله لحمايته قبل حماية الناس منه.

 والواقع أن هذا ضياع لا بد أن يقع فيه أي شخص يخترع قوانين مختلفة لتنظيم حياة البشر دون العودة لوحي ربّاني أو شرع ذي مصدر غيبيّ، فعلم الإنسان بطبيعة نفسه محدودٌ، بينما علم الله به كامل، فلما نبذت الشعوب الوحي وجعلت تبتدع لنفسها مقدسات جديدة تنطلق منها، كان من الطبيعي أن تخطئ وتقع في متاهات تجعلها تحاول تعديل الدساتير وإضافة أخرى على الدوام حين تكتشف أخطاءها والتجاوزات التي قادت إليها قوانينها.

ولعل قائلاً يسأل هنا: ما المشكلة إن كان البشر يخطئون ويصيبون، ثم يعودون فيصحّحون الخطأ؟

وهنا نوضّح أن المشكلة هي تركُنا المعين الصافي الذي فيه السعادة الحقيقية، واندفاعنا للبحث عنها في أي شيءٍ آخر، وهذا الشيء لم ولن يتحقق للبشر لأنه بشريٌّ في مصدره وطريقته وغايته، فالكمال غير موجود إلا في شرع الله العليم الخبير بما يصلح لنا وما لا يصلح { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الملك:14]، أما محاولة تكميل الدساتير الوضعية باستمرار فذلك سبب لضياع حقوقٍ وأعمارٍ كثيرةٍ في الطريق، ولن تهدي لمراد الله تبارك وتعالى نهايةً لأن السائر فيها إنما يفتش عن أيسر السبُل لإرضاء ناخبيه.

لم يطالب المسلمون وحدهم بقوانين تضبط حرية التعبير اليوم، بل إن حقوقيون كثر حول العالم تحدثوا بالموضوع من قبل، وإن كان بشكل غير مباشر، لئلا يغضبوا الشعوب المخدوعة بأن حرية التعبير سبيلهم لنيل كرامتهم وعدم الرجوع في الحال التي كانوا عليها قبل التحرر من سلطة الكنيسة والانطلاق في عيشٍ متمركزٍ حول الإنسان وهواه.


[1] أحمد دعدوش، حرية التعبير المطلقة VS الإسلام، قناة السبيل، 2020

https://www.youtube.com/watch?v=JPN78SSQKAk&t=1882s

حسب القيم الفرنسية هل نملك حرية التعبير فعلا؟!، قناة رواسخ، 2020

https://www.youtube.com/watch?v=JPN78SSQKAk&t=1882s

[2] First Amendment, Legal Information Institute, Cornell Law School.

https://www.law.cornell.edu/constitution/first_amendment

ولشرح مبسط لهذا التعديل انظر:    https://www.youtube.com/watch?v=Zeeq0qaEaLw

[3] How Corporations Took Over the First Amendment, Joe Pinsker, The Atlantic, 2015

https://www.theatlantic.com/business/archive/2015/04/how-corporations-took-over-the-first-amendment/389249/

[4] للمزيد في هذا الموضوع ابحث عن “commercial speech protection under first amendment” على محركات البحث.

[5] How Corporations Took Over the First Amendment, Joe Pinsker, The Atlantic, 2015

https://www.theatlantic.com/business/archive/2015/04/how-corporations-took-over-the-first-amendment/389249/

[6] U.S. Kids Watch Hundreds of Fast Food Ads Per Year, Felix Richter, Statista, 2013

https://www.statista.com/chart/1627/fast-food-advertising/ 

[7] Graff, S., Kunkel, D. and Mermin, S. (2012). Government Can Regulate Food Advertising To Children Because Cognitive Research Shows That It Is Inherently Misleading. Health Affairs, 31(2), pp.392-398.

[8] Political Ad Spends Jumps to New Heights in the Final Month of Election Season, MediaRadar, 2020

https://mediaradar.com/blog/political-ad-spend-2020/

[9] First Amendment Freedom of Speech Political Speech, United States Constitution.

https://constitutionallawreporter.com/amendment-01/political-speech/

وللمزيد في هذا الموضوع ابحث عن”Political speech protection under first amendment”  في محركات البحث

[10] Disrespect in Politics: Is Civility Possible?, Kathleen Maclay, Berkeley News, 2012

https://news.berkeley.edu/2012/07/13/disrespect-in-politics-is-civility-possible/

المصدر:

How Corporations Took Over the First Amendment, Joe Pinsker, The Atlantic, 2015

 

 

حين تتحول الرياضة إلى عبودية.. الباليه نموذجا

“مع مرور الوقت، يصير الألم الدائم في عموم الجسد أمراً اعتيادياً”[1]. هكذا تحدثت راقصة الباليه المحترفة نيكولا فولكر بكل بساطة عن الآلام المتعلقة بالرياضة التي اتخذتها نمطاً لحياتها. أما أحد الراقصين المحترفين فقال إنه لم يعد يفكر بآلام الممارسة إلا كجزء من الحياة اليومية، فتحضير أكياس الثلج لوضعها على أماكن الانتفاخ والتشنج والتقرح عمل روتيني قبل النوم يعين على الاستيقاظ في اليوم التالي لمعاودة التدريبات.[2]

أتحدث هنا عن الباليه، تلك الرياضة المعروفة بانسيابية حركاتها ورشاقة راقصاتها (وراقصيها حديثاً) بشكلٍ يلفت الأنظار ويثير الإعجاب، حتى يتخيل المشاهد أن هؤلاء المستعرضون يطيرون على المسرح متجاوزين لقوانين الجاذبية وممتلكين قوىً خارقة لحدود الطبيعة البشرية. لكن ما يظهر لنا ليس إلا جزءاً صغيراً من الحقيقة السوداء لهذه الرياضات القاسية (extreme sports) التي تفرض على لاعبيها نمطاً حياتياً كاملاً خاصاً بها، ابتداءً بأوقات النوم والاستيقاظ وانتهاءاً بقوانين الطعام والشراب. فما وراء كواليس رقصات الباليه من إصابات وآلام وأمراض نفسية واضطرابات طعام ونقص تغذية وتحرش جنسي يدوس على أبسط حقوق الإنسان، ناهيك عن كون هذه المنظومات منحيَّة للأديان عموماً عن أي مرجعية أو أولوية. وإن كان المقال يركز على الباليه، فإن معظم الكلام ينطبق على غيرها من الرياضات التي تسلِّع الجسد وتحول الإنسان إلى أداة متعة للجماهير المصفقة.

بالدراسات والإحصاءات
أشارت دراسة أجريت في البرازيل عام 2016 إلى أن حوالي 6 من كل 10 راقصي باليه يعاينون آلاماً بدنية مزمنة بسبب ساعات التدريب الطويلة والحركات المتطرفة التي يجبرون أجسادهم عليها.[3] ووجدت إحصاءات عام 2012 أن واحداً من كل ثلاث طلاب باليه يتعرضون لإصابة رياضية على الأقل في العام، ورغم ارتفاع النسبة إلا أن الباحثين أشاروا إلى أنها غير محصيةٍ للأرقام الحقيقية لأن كثيراً من اللاعبين يخفون إصاباتهم ويستمرون بالتدريبات رغم آلامها خوفاً على مستقبلهم المهني ومكانتهم في النوادي.[4]

وأشارت لجنة طب الرياضة واللياقة في الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إلى أن البداية المبكرة لراقصي الباليه، الذين غالباً ما يبلغون الاحتراف في سن الـ15، تجعل الإصابات البدنية الكثيرة التي يتعرضون لها تصادف عمراً مهماً للنمو وتطور الجهاز العضلي الهيكلي مما يجعل هذه الإصابات خطرةً على التطور والنمو الصحي، وقد تنتج مشاكل طويلة الأمد وأمراضاً عضلية هيكلية مزمنة[5].  

ومن حيث الصحة النفسية، وجدت عدة دراساتٍ أن سمات اضطرابات الطعام شائعة جداً بين راقصي الباليه، ومن أهمها: عدم الرضا عن الجسد وهوس النحافة والرشاقة، والتحكم بالوزن، واستخدام الملينات المعوية والتقيؤ بعد الوجبات.[6] أما عدد إصابات الراقصين بفقدان الشهية العصبي (anorexia nervosa) المشخصة عيادياً فهو يجاوز ثلاثة إلى ستة أضعاف العدد في من سواهم.[7]

وفسر الباحثون هذه النتائج بكون الرياضة نفسها تصنع بيئة من تعظيم النحافة والرشاقة القصوى ولا تقبل أي خلل فيها،[8] إلى جانب كون المتدربين يمضون قرابة ثمانِ ساعات في اليوم أمام مرايا ضخمة تعظم صورة الجسد في نفوسهم.[9]

ولا شك أن اضطرابات الطعام هذه ذات آثار عضوية خطيرة، تتراوح بحسب شدتها بين نقص التغذية وفقر الدم واضطراب وظائف الكلى ونقص الشوارد وبطء القلب وغيرها الكثير.[10]

أما من الناحية الأخلاقية (بمفهومها العلماني)، فيشير البروفيسور روبن ليك من جامعة North Texas إلى أن هناك إشكالاً في طريقة تدريب الراقصين، الذين يدخلون المجال في سن صغيرة ويتعلمون أن عليهم قبول كل ما يقوله أو يفعله المدرب دون نقاش أو تساؤل. فتفاضلية القوى المتطرفة هذه تأخذ من الراقص كل قوة إرادة وتضعها في يد المشرف، متيحة المجال له ليقوم بالتصرفات غير المقبولة دون مساءلة أو مراجعة.[11] وخلال عام 2018 وبعد انطلاقة حركة MeToo في أمريكا فقد تم التبلغيغ عن ما يزيد على 11 حالة اعتداء جنسي على راقصات باليه سواء من مدربيهم أو زملائهم.[12]

لكنهم سعداء!
من الطبيعي تماماً أن تكون النفس المشغولة في حالة من الاستقرار الموهم بالسعادة، فهي تشعر أنها تملأ الناحية الغائية فيها، وتعيش لهدف مهم. ورغم أن هذا الانشغال يغطي الأسئلة الوجودية في النفس ويخدعها إلى أنها تحقق هدفها، إلا أنه يبقى مجرد مشتت سرعان مايزول، ولك أن تسأل ما حال هذه النفوس إن تعرضت لحادث أعاق حركتها، أو إصابةٍ منعتها من التمرين ولولفترة وجيزة، إلى أين ستهرب من ذاتها إذا رفض دينها المبتدع استقبالها؟

تتحدث الراقصة المتقاعدة ويندي والان عن التجربة الصعبة التي مرت بها حين أخبرها رئيس ناديها وهي في سن الخامسة والأربعين أن رشاقتها لم تعد بالمستوى المناسب للأداء. تقول إنها صُدِمت، وقضت أياماً كثيرة تبكي بلا توقف.

في لقاء مع إذاعة NPR الأمريكية، تصف ويندي حالة الفراغ التي شعرت بها لما أخذَت منها هويتها التي قضت عقوداً تبنيها، فهي لم تكن تعرف إلا هذا النادي وجدول التدريبات الذي يصلها منه، تأتيه في الصباح ثم تغادره في المساء.[13]  لم تستطع الفتاة التي باعت كل عمرها لمهنة وجمهور وأضواء أن تقبل أن هؤلاء كلهم يشيحون وجوههم عنها لأنه لم تعد قادرة على إمتاعهم كالشابات الصغيرات. لقد صارت ممنوعة من الأداء الذي قدمت لأجله أيامها وحياتها لمّا مر الزمان بها وتركها وحيدةً لم تستفق من الصدمة.

المال والمتعة
عجيبٌ فعلاً كيف تلاعب الغرب بالمصطلحات وحوّلوا حركات غير بشرية ورشاقة مرضية إلى صناعةٍ مادية مربحةٍ تستعبد النفوس وتبيعها مقابل أوهام شهرةٍ ونجومية فارغة، وكل ذلك تحت مسمى “الرياضة”.

رياضةٌ تحول الجسد الإنساني إلى سلعة رخيصة مهيأة لأن تفعل أي شيء يبهر الجمهور وينهضهم على أقدامهم بالتصفيق والتشجيع. رياضةٌ تجبر المشاركين على التعري وأرتداء الملابس غير المريحة أو المناسبة للحركات، فيغدو الراقص المسكين عبداً للاحترافية والشهرة ومفاهيم النجاح الفاسدة، ولا يزال يغرق في دوامة مبهمةٍ من حميات وتمارين وآلام.

ولنا أن نسأل هنا: كيف يمكن لممارسةٍ تحوي من الخطر البدني والنفسي ماذكرنا أن تكون مشجّعةً اجتماعياً؟ أليس حرياً بالمشاهد أن يتفكر بما يجري وراء الكواليس؟ كم سنةً أضاع هذا المستعرض من عمره ليقدم عرضاً لا يتجاوز الساعة؟ أين احترام هذه النفس البشرية؟

لقد ضاعت قيمتها وصارت مطلوبة للمتعة والمال لا أكثر، فعالم الرأسمالية المادية يريد تشغيل المسارح وجني الربح وتحريك الاقتصاد، ولتذهب حقوق الإنسان وكرامته التي أمضى المؤتمرات والمحاضرات الطوال يعلم الشعوب المتأخرة عنها حيث تذهب.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.


الهوامش

[1] نيكولا فولكر، مدرّسة باليه في Twinkle Dance،هونغ كونغ، https://www.scmp.com/lifestyle/arts-culture/article/2166222/ballet-dancers-life-strength-training-strict-diet-ice-packs

[2]  شيا جون، راقص باليه محترف، هونغ كونغ، https://www.scmp.com/lifestyle/arts-culture/article/2166222/ballet-dancers-life-strength-training-strict-diet-ice-packs

[3] Thomas, J.J., Keel, P.K. & Heatherton, T.F. Disordered eating and injuries among adolescent ballet dancers. Eat Weight Disord 16, e216–e222 (2011). https://doi.org/10.1007/BF03325136

[4] Wanke, E. M., H. Mill, and D. A. Groneberg. “Ballet as high-performance activity: health risks exemplified by acute injuries in dance students.” Sportverletzung Sportschaden: Organ der Gesellschaft fur Orthopadisch-Traumatologische Sportmedizin 26, no. 3 2012: 164-170.

[5]  American Academy of Pediatrics Committee of Sports Medicine and Fitness, 2000، https://pediatrics.aappublications.org/content/106/1/154.short

[6] Becker, A.E., Grinspoon, S.K., Klibanski, A. and Herzog, D.B. 1999. Eating disorders. The New England Journal of Medicine, 340(14), 1092-1098.

Ringham,  R.,  Klump,  K.,  Stone,  D.,  Steven,  L.,  Stowe,  S.  and  Marcus,  M.  2006.  Eating  disorder  sympthomology  among  ballet  dancers. International Journal of Eating Disorders, 39, 503-508

NICE 2004. Eating disorders: Core interventions in the treatment and management of anorexia nervosa, bulimia nervosa and related eating disorders. The British Psychological Society, Leicester and The Royal College of Psychiatrics, London. Retrieved on November 29, 2008 from www.nice.org.uk

Thomas, J.J., Keel, P.K. & Heatherton, T.F. Disordered eating and injuries among adolescent ballet dancers. Eat Weight Disord 16, e216–e222 (2011). https://doi.org/10.1007/BF03325136

[7]  المصدر السابق

[8] Thomas, J.J., Keel, P.K. & Heatherton, T.F. Disordered eating and injuries among adolescent ballet dancers. Eat Weight Disord 16, e216–e222 (2011). https://doi.org/10.1007/BF03325136

[9] Benson, J., Gillien, D. M., Bourdet, K., & Loosli, A. R. (1985). Inadequate nutrition and chronic calorie restriction in adolescent ballerinas. The Physician and sportsmedicine13(10), 79-90.

[10] Palla, B., & Litt, I. F. (1988). Medical complications of eating disorders in adolescents. Pediatrics81(5), 613-623.

[11] Robin Lakes, university of north Texas, 2018

 https://www.dancemagazine.com/metoo-dance-2569127206.html

[12] Riley Griffin, Hannah Recht and Jeff Green October 5, 2018

 https://www.bloomberg.com/graphics/2018-me-too-anniversary/

[13]  Terry Gross, 2017, NPR, From Injury To Recovery, A Ballerina Fought To Retire On Her Own Terms  

عندما يتطرّف اللُّطف

بعد أن طغت الثقافة الليبرالية العلمانية وصار الناس يحتكمون إلى قيم الحداثة والمدنية ويحاكمون الدّين وفقاً لمبادئها صار من الطبيعي أن نسمع كلَّ يوم صيحاتٍ في شتى مجالات العلم والفكر والحياة تنادي بأفكار جديدة وتطلع بفُهومٍ مبتكرة لم يكن لمن قبلنا قدرة على الوصول إليها وأنّى لهم وهم المحتكمون لشرع الله والمنقادون لثقافةٍ يحكمها الإله؟!!

واستدراكاً على ما سبق لا يُفهم من كلامنا أنّا نقدّس القديم ونستنكر الحديث فمعيارنا في أي حكم هو ما يقودنا إليه العقل السليم المستنير بالوحي والمسترشد بالتجارب والمتّكل على أصول المنطق الصحيح.

وليس المجال التربوي ببعيدٍ عن تلك الفُهوم المبتدعة بل لعلّه أكثر مجال قال فيه من لا يعرف وهرف فيه مقدّماً تجاربه وظنونه وتخميناته أو متعته. ولست ها هنا من المختصين ولا أدّعي، لكنّ مسألةً استطارت فيها التربية الحديثة تطرّفاً في اللطف المقابل للعنف الممنوع عن الأطفال؛ إذ وصلت إلى عقيدة الإيمان بالله ففصّلتها على مقاس الطفل كما يدّعون استحثّت في عقلي الناقد أسئلةً شتّى أضعها بين أيديكم لعلها تجد صدى في قلوب مؤمنة بالله وعقول غيورة على دينه.

الله محبة
يرى أبناء الاتجاه الحديث في التربية أن القيمة العليا التي ينبغي أن تزرع في قلب الطفل تجاه الله هي “الحب” فأن يحب الله الطفل متوسلاً بنعمائه التي طالما غمرنا بها وبرحمته التي تشملنا وبفضله الذي يسعنا يعني أن يتعلق قلبه بالله فيمضي في الحياة على سبيل الله.. ولا نماري في صحة هذا الكلام جزئياً؛ لكنّ تحول هذه الفكرة إلى معيارٍ مقدس تحتكم إليه كلُّ فكرة أخرى تُقدّم للطفل عن الله؛ إذ صار كثيرٌ من التربويين ينصحون بتغييب فكرة النار عن الطفل كي لا يخاف وينفر من الإله (الكيوت) الذي يريدون صنعه لأطفالهم إذ لا يمكن للإله المحبوب أن يعذب أحدا في النار بل لديه جنة تسع المخلوقات جميعاً! هذا التحوّل هو الدافع إلى هذه المقاربة التي تريد انتقاد الفكرة التي وصلت بأصحابها إلى القول بعدم تحفيظ الطفل أياً من آيات الله التي تصف عذابه أو ناره.

تناقضاتٌ صادمة:
تقدم هذه الفكرة سلسلة تناقضات قد تنفر الطفل من الله بدل أن تحببه إليه وذلك من خلال أنها:

* ترسم في ذهن الطفل صورة الإله (الكيوت) فإذا كبر أو اطلع بطريقة أو بأخرى على فكرة النار والعقاب والحساب وقع في صدمة أهم دعائمها تردد الأم وخوفها من اطلاع طفلها على هذه الحقيقة التي تجعله ينفر مما تخجل أمه ربما من إظهاره له!

* تقدم للطفل صورة الإله الضعيف إذ إننا لا نعيش في عالم تسوده العدالة ويحكمه السلام بل نعيش في عالم يسوده الظلم ويحكمه الطغيان، وبدل أن نقنع الطفل بالعدالة الإلهية التي تقتص من الظالم في الآخرة، إذا هي لم تفعل ذلك في الدنيا، فإن علينا كما يقول اللطف المتطرف أن نقدم له تلك الصورة الناقصة عن الله؛ فهو الذي خلق هذا الشر المستطير وترك كل هذا الظلم يطغى، ثم لم يقدم ميزانه كفة الحساب والعقاب لتستوي قيمة العدالة في الكون تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

كيف يمكن أن نخفي حقيقة العدالة الإلهية عن طفل لا يجد أبرد على قلبه من لجوئه إلى جبار السموات والأرض كي يقتص ممن هدم دياره وشرد أهله وقتل أباه أو أمه أو كل عائلته؟ كيف نخبئ حقيقة القدرة الإلهية عن طفل لا يجد أقوى من سهام المظلوم يرسلها دعوات على من سرق سعادته وشتت شمل نفسه؟! كيف يمكن للطفل أن يحب إلهاً لا يقيم العدالة ويعطي كل ذي حق حقه؟!

* تغفل هذه النظرة أهمية الخوف من الله الذي يمثّل رادعاً قوياً للنفس الإنسانية عن ارتكاب المعاصي ولولاه لوقع ابن آدم في بحر لجيٍّ من الخطايا.. ولأجل إخفاء هذه العقيدة يعمد أصحاب هذه الفكرة إلى كتم آيات العذاب ظناً منهم أنهم بذلك يجمّلون صورة الله في عيون أطفالهم، وينسى هؤلاء أن أجيالاً من الرعيل الأول كانوا يُستحفظون القرآن الكريم كاملاً بترغيبه وترهيبه، وكثيرٌ منهم يُتمُّ ذلك في السابعة أو الثامنة من عمره فلا تزداد قلوبهم المؤمنة إلا إيماناً، ولا تزداد نفوسهم المصدّقة إلا تعظيماً، فهل الهدف غرس العقيدة أو تضييعها؟

 كما يغفلون عن أن ميزان الترغيب والترهيب في القرآن الكريم دقيق يأخذ النفس الإنسانية بالتربية السليمة حتى تبلغ التسليم الذي بلغه الأنبياء الذين لم يكتفوا بالحب بل كانوا كما قال سبحانه: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [سورة الأنبياء: 90].

ويربكني أن أفكر أننا قد نربي جيلاً كاملاً بدون عقيدة الخوف من الله فنُصدم بقلوبٍ متمرّدة لا تعظّم الإله ولا تخشاه، وتتطرّف في اللطف ميوعةً أو في الضلال استهتاراً.

أجل، ليس من الصحيح ترهيب الطفل من الله وتخويفه من الاحتراق بالنار على كل صغيرة وكبيرة، لكنّ إلغاء هذه العقيدة وكتم آياتها في المقابل ليس صحيحاً، بل إنّه لا يليق في تعريف الطفل على جبار السموات والأرض.

فليعرف أبناءنا الله يحبّونه كما أحبّهم واختارهم مسلمين، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ولنغرس في قلوبهم الرغبة والرهبة فلا يميلوا إلى أي طرف حائرين، وليرَ أبناؤنا في عيوننا تعظيم الله ومحبته، وفي سلوكنا الخوف من الله وتجنب محارمه، فيكسبوا هذه العقيدة الصحيحة التي جاء بها الأنبياء جميعاً؛ ملّة أبينا إبراهيم هوسمّانا مسلمين.

مشكلة علمنة العلم.. علم الاقتصاد مثالاً

من حصة علومٍ إلى فيزياء إلى فلسفة، ومن ثمَّ رياضيات وغيرها، يَمضي يوم الطالب العادي في المدرسة. يدخل مدرسٌ ويخرج آخر، ومع كل تبدُّل يغير التلميذ المتلقّي إطاراته الذهنية ويتهيأ بعقليات مختلفة متنوعة تتناسب مع استقبال كل علمٍ بما يتماشى مع حاجاته ومتطلباته.

فحصة الرياضيات محشوةٌ بالحسابات والعمليات الذهنية، بينما حصة الكيمياء تتعامل مع خصائص المواد وتفاعلاتها، كذلك فإن التاريخ يُقرأ كقصة تستدعي حفظ كثير من الأسماء والأعوام. ومن هذه الحصص هناك واحدةٌ للتربية الإسلامية، فللعلم الشرعي وقتٌ في النظام التعليمي كغيره من العلوم. وهل في ذلك كله من إشكال؟

إن الفصل بين المواد المدرسية وجعل العلم الشرعي واحداً منها إنما هو تابعٌ لتجزيء الإنسان في عالم اليوم، وقد أنتج هذا التعامل مع العلوم والنفوس تفككاً في نظرتنا للكون من حولنا، فصرنا نرى كل قضيةٍ في الإطار الذي تُطرح فيه فقط، وصار من الممكن الحديث عن أي علمٍ بشكلٍ منفصلٍ عن مدلولاته الأخلاقية، فمن السهل مثلاً أن يجد متدينٌ نفسه يخوض في حديثٍ عن التعاملات السياسيّة دون الالتفات إلى حلّها أو حرامها، أو أن تجد المسلمة نفسها تتأمل الجمال الفني في لوحة رسامٍ ما رغم ما قد تحويه من مخالفات شرعيةٍ بيّنة، إذ بات للعلم الشرعي وقته ومكانه الذي لا يجاوزه.

فالتفكك المقصود ليس تمايز العلوم عن بعضها، إنما هو فصل كل مجال دنيوي عن المرجعية الإلهية الحاكمة، بل وعن الأخلاق الإنسانية كذلك، إضافة إلى تحديد فهم العلم الواحد بلغة كتبه وخبرائه المتداولة، بحيث ينتج النظام الفكري والتعليمي المعاصر أفراداً لا ينظرون لأي معطىً بشكلٍ إجمالي، إنما بصفته مجرداً تحدده فرضيات مجاله وحدها.

وسأركز في هذا المقال على فصل الدين عن العلوم الاجتماعية الحديثة، متخذةً علم الاقتصاد مثالاً ليبرز الإشكال في هذا المفهوم ومنشؤه.

الاقتصاد يعيد تعريف الإنسان
“إن المستهلك يعيش ويتخذ قراراته في عالم من التصورات والانطباعات، بالتالي فإن قيمة المنتج المعروض الحقيقية معدومة إذا قورنت بأهمية ما قد يتوقعه المستهلك منه. من هنا كان واجباً عليك كبائع أن تفهم الميزات والحاجات التي يريدها الزبون وتقنعه بوجودها وقيمتها في منتجك”[1]، بهذه الكلمات افتُتح المقال المنشور في مجلة The Business Owner عام 2012 تحت عنوان “معايير شراء العملاء وإشاراتهم”.

المقال يتحدث عن فهم سلوك المستهلك لتحديد خطة تسويق فعالة ومربحة، لكن ما صدمني في تلك الكلمات هو البرود العجيب في التعاطي مع مفهوم خداع العميل، بل الدعوة إلى الكذب وتسويق المنتج بما قد لا يحويه.

بكل بساطة نسف الخبير الاقتصادي قيمة الصدق والأمانة في كلمات قليلة تعاطى فيها مع الإنسان على أنه مجرد مستهلك، فألغى عنه أي قيمةٍ أخرى عدا عن تلك التي يمكنه أن ينفع البائع بها إن اقتنع بمنتجه. لقد قالها الكاتب بوضوح: لا يهم ماهي بضاعتك، إنما ما يمكنك أن تقنع المستهلك أن بضاعتك تحويه. والأعجب من ذلك هو هذا المكر في ابتكار أساليب التسويق، فالخطة تبدأ بدراسة المستهلكين وفهم حاجياتهم، ثم تقوم بوصف منتجك بكل ما يبحثون عنه، ولا داعي لأن تتم مناقشة الأخلاق أو القيم في إطار ذلك كله، فهذه دراسة عن المال والنجاح مجردان عما سواهما!

إن علم الاقتصاد يعطي الإنسان تعريفاً خاصاً به، يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري إن العَلمانية كفكرة في الغرب هي نزع القداسة عن العالم، أي أن تنظر للعالم وللإنسان فترى مادة[2]. وبالتالي فإن هذا الإنسان الذي كرمه الله تبارك وتعالى يتحول في إطار العلم الاجتماعي الاقتصادي إلى مجرد مستهلك لا حقوق له إلا ما يقره قانون الدولة. فاهتمام البائع برضا الزبون أو غضبه متعلق بربحه المادي منه، كذلك فإن كلامه معه سواءً كان عن السلعة أو غيرها سيهدف ويتوجه إلى زيادة احتمالية ربحه منه. فحد التبادل الاقتصادي ليس الخير والشر المطلق الثابت، إنما ما يسمح به القانون، وما يمكن به التحايل عليه دون مساءلات.

والعجيب أن هذا الكلام ليس سرياً أو مموهاً، ولا مخصصاً للتداول في اجتماعات خاصة في الشركات الكبرى، إنما هو علمٌ متَّفق عليه يُدَرّس ويُنشر في الكتب و المجلات الأكاديمية. ففي سياق عملي على رسالة الماجستير قرأت بحثاً لخبير اقتصادي من فنلندا في الصين في محاولة لفهم معايير شراء الآباء الصينيين لحليب الأطفال. استوقفني تضمُّن البحث كلاماً متناهياً في تشييء المربين الصينيين بصفتهم مجرد زبائن جاهلين محتملين لتوسيع مجال التسويق وإدرار الربح المادي [3]. فهؤلاء الآباء القلقون على صحة أطفالهم ليسوا بنظر الخبراء الاقتصاديين إلا جيوباً مليئة يمكنها رفع الاقتصاد الفنلندي وفتح مجال جديد لتسويق منتجاته. مثال على ذلك العبارة التالية من البحث: “إن الآباء الصينيين يرون شراء حليب الأطفال استثماراً في مستقبل أبنائهم،.. ولأن معظم هؤلاء الآباء غير محترفين فإنهم بالتأكيد سيسارعون في تصديق نصائح الخبراء، كذلك فإن ردة فعلهم الغريزية ستكون ربط السعر الأعلى بالجودة الأفضل”.[3]

وفي إطار هذه المعطيات الاقتصادية تضيع أهمية إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم [متفق عليه]، وكل المسلم على المسلم حرام [رواه مسلم]، ويتحول النفع المادي إلى وثنٍ جديد يؤلهه الإنسان دون خالقه ودون ذاته حتى.[2] كتب الدكتور سامي العامري: لم يَوُل إلغاء المقدس المتجاوز للعالم إلى هدم مبدأ الوجود الموضوعي للمقدس فحسب؛ وإنما أفرز ميكانيكياً قداساتٍ جديدة من رحم الوجود المادي، وأهم هذه القداسات المنفعة المادية المحسوسة التي استحالت كياناً ذا قدسية كلية في حس الوجود العلماني، فهي القبلة التي تتجه إليها النفس بكليتها، وحولها يطوف الكائن العلماني في خشوعٍ وخضوعٍ كاملين.[4]

الاقتصاد في المجتمعات المسلمة
قد يبدو من الكلام عن علم الاقتصاد أن  إشكالاته محدودة بالمجتمعات الغربية اللادينية، لكن المؤسف أننا حين استوردنا العلوم من الغرب أخذناها دون نقد أو تمحيص، إنما بكل معطياتها وفرضياتها. فهذه العلوم التي نشأت في رحم قطيعة الفكر الغربي مع الدين في القرن الثامن والتاسع عشر لا بد وأن تحمل معها تلك القطيعة في مكنوناتها رغم مرور الوقت،[5] ويرى الشيخ أحمد السيد أن من الخطأ استيراد ودراسة هذه العلوم بشكل مطلق دون اعتبار السياق التاريخي الذي نشأت فيه، فهذا السياق حتى وإن اعتبر الدين، فهو يعده واحداً من العوامل المؤثرة في النشاطات الإنسانية فقط، لا المرجع أو المنطلق لتحديد الصواب من الخطأ في سلوكيات الأفراد والمجتمعات[5]. ولعل النظر إلى طريقة تدريس علم الاقتصاد في كليات البلاد المسلمة يوضح الإشكال. فهو يُدرَّس بأسلوب لا يختلف كثيراً عنه في بلاد الغرب. مجمل الصفوف عن الحساب والتجارة، حيث الفوائد والعقود المحرمة مفتوحة للنقاش، وقد يتم زج صف أخلاق خلالها يتعلم فيه الطالب مراعاة الأخلاقيات العامة المتفق عليها دولياً، بالتالي فإن الطالب سواء تعلم في كليات البلاد الإسلامية أو غيرها يتعبأ بعلوم لا أخلاقية، خالية من أي قيم. بينما ينبغي أن تنطلق العلوم من الوحي الإلهي وترجع إليه فما نص عليه الشرع وقبله تضمنته، وما منعه لم تناقشه ولم تورده كاحتمال أصلاً.

ورغم أن هذه الإشكالات قد لا تجول في بال كثير من المسلمين، إلا أن نتائجها واضحة في سلوكياتهم، ففي السوق مثلاً تظهر تعريفات لا علاقة للدين بها كتلك التي يطلقها الناس على التاجر أو الشاري “الشاطر”، أو “الحذق” الذي يمكنه تحصيل أكبر قدر من الربح على بضاعته أو تحصيل السلعة بأقل سعر ممكن. وفي ظل هذه الإطلاقات يتحول التاجر الأمين الذي يصدق وينصح للزبون فعلاً إلى بسيط أو ساذج، ويُعتبر الشاري الذي لا يساوم مغبوناً، رغم أنه افترض خيرية المقابل لا أكثر. كذلك نجد التركيز على الربح المادي يولد تجاهلاً لمنشأ البضائع المتوفرة في السوق، فلا يُسأل عن حكم شراء ملابس توفيرية مستوردة إن كان العاملون في تصنيعها أطفال لا يتقاضون ما يكفي لسد رمقهم، المهم فقط أننا نأخذ حاجتنا بأقل تكلفة. إضافة لذك فإن الإعلانات المنتشرة في بلاد المسلمين مليئة بالخداع والكذب وكشف العورات وغيرها من التجاوزات الشرعية، عدا عن كونها توهم الناس بأن حاجتهم لن تسد إلا بالمنتج الفلاني، وأن راحة بالهم لن توجد بدون حاجة معينة، ورغم ذلك كله فهي موجودة ومنتشرة في الشوارع والأسواق والمجلات ولا يكاد ينكرها أحد، فهي تعتبر أداة اقتصادية فعالة في تحريك عجلة الاقتصاد وزيادة ربح الشركات وعلى هذا لا ينظر لها بعين الشرع، إنما بعين الاقتصاد المختصة بها!

عواقب ونتائج
إن ناتج التفكك الذي أشير إليه ليس مجرد فصل الدين عن العلم، إنما فصل الدين عن تعاملات الإنسان وسلوكيات حياته كلها. وإن الذي نسير إليه بتخصيص مكان وزمان للشرع لن يقودنا إلى علم أخلاقي بتاتاً، فالأخلاق مجردةً عن الشرع الحاكم تفقد ثبوتها وعدلها، وتغدو نسبية بحسب الزمان والمكان والأفراد والجماعات.[6] إن الدين وشريعة الرحمن لم تنزّل لتُقرأ وتُحفظ ثم تُهمل في الحياة العملية، ولا تكون قائمة مهمات ينهيها المرء سريعاً ليرتاح من عبئها، إنما اختارها الله لتكون دستور حياة وقانوناً يسود المجتمعات. فالصحابة والسلف الصالح رضوان الله عليهم عاشوا القرآن والسنة نهجاً لحياتهم، وتمثلوا الورع والتقوى في كل أفعالهم. روي أن أخت بشر الحافي جاءت إلى أحمد بن حنبل رحمه الله، وقالت: “إنا نغزل على سطوحنا بشعلة الملك، هل يجوز لنا الغزل في شعاعها، وقد وقع علينا المشاعل الظاهرية؟” فقال: “من أنت عافاك الله؟” قالت: “أخت بشر الحافي”، فبكى أحمد، وقال: “من بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزلي في شعاعها” [7].

فالإنسان في القرآن عبدٌ لله أبداً أياً كان موقعه أو مهنته، وهو في حال ابتلاءٍ ليحسن العمل كما أمره مولاه سواء كنا في حال مبادلة تجارية أو معاهدة سياسية أو غيرها. فالتدين في جوهره قائم على فكرة الطاعة المطلقة والإيمان المطلق بكل ما يقوله الرب سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولذا كان التسليم لله ورسوله من أظهر بدهيات التدين [8]. وسبحان الله تبارك وتعالى القائل: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].

هذا والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.


المصادر:

[1] Costumer Purchase Criteria and Signaling, The Business Owner, May 2012, Business Insights: Global. http://bi.gale.com.ezp.slu.edu/global/article/GALE%7CA289835666/d18ae7c409a51623e13a6d1993eb04d9?u=sain44199

[2] د. عبد الوهاب المسيري، فصل الدين عن الدولة” تعريف خاطئ للعلمانية، مادة مرئية، 2018، https://www.youtube.com/watch?v=IW1lZQXwbNM

[3] Hu Chen, A Systematic Analysis of the Market Potential of Foreign Infant Powdered Milk Brands in China, Savonia University of Applied Sciences, December 2013, https://www.theseus.fi/bitstream/handle/10024/70210/thesis_CHEN%20HU.pdf;sequence=1

[4]  د. سامي العامري، العالمانية طاعون العصر كشف المصطلحات وفضح الدلالة، مركز تكوين، المملكة العربية السعودية، 2017

[5] أ. أحمد السيد، تاريخ الفكر الغربي الحديث | ٨ | الحداثة وما بعد الحداثة، مادة مرئية، 2019، https://www.youtube.com/watch?v=xSX3q9VZZkU&t=3643s

[6] د. طه عبد الرحمن، بؤس الدهرانية النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2014

[7] الإمام ابن الجوزي، صفوة الصفوة، المكتبة العصرية، بيروت

[8] م. عبد الله بن صالح العجيري، ينبوع الغواية الفكرية، مجلة البيان، الرياض، 1434هـ

لباس المرأة الغربية.. بين انتزاع الحياء وغياب الحشمة

بعد شتاءٍ قارسٍ في شمالي ولاية نيويورك، خرجنا في أول يومٍ ربيعي إلى حديقة مجاورة لنتأمل خضرة الأرض وازدهار الأشجار. كان نهاراً مشمساً بديعاً، يملأ النفس إيماناً بوحدانية الخالق الذي حبى الوجود جمالاً وإتقاناً عظيمين. في تلك اللحظات لم يعدنا لواقع الدنيا الفانية سوى شيءٍ واحد، وهو صدمتنا بلباس مرتادي الحديقة الكاشف من حولنا. فبعد أن قضى الناس شهوراً طويلة في ملابس الشتاء خرجوا في ذاك اليوم بشيءٍ قليل من الأقمشة يستر جسدهم ليستغلوا الجو اللطيف ويستمتعوا بحرارة الشمس!

من الربيع في شمال نيويورك – 2015، بعدسة الكاتبة

كان ملفتاً لنا كعائلة حديثة العهد بالغربة رؤية الأريحية التي يتعامل بها الأمريكيون مع قلة سترهم لأجسادهم، خصوصاً مع مفاهيم الحياء والأدب التي تربينا عليها. تعجبت من لباس الفتيات تحديداً، إذ لا يكاد ما يلبسنه يستر ربع أجسادهن! فكيف وصلت البلاد الغربية إلى هذا النمط من تعرية النساء ونزع حيائهن؟ وإلى أين تمضي هذه الثقافة بالشعوب الغافلة؟

نظرة تاريخية
يحدثنا القرآن الكريم عن بداية الإنسان المستخلف في الأرض كشخص حيي يحب الستر، فها هما أبوينا آدم عليه السلام وحواء لما أكلا من الشجرة وانكشفت عوراتهما جعلا يرقعان من ورق التين ما يواري جسدهما حياءً رحمهما الله [1] {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ} [طه:121]. وحيث تشير الوثائق التاريخية إلى تنوع في لباس في المجتمعات الرومانية واليونانية، فإن لباس النساء الغالب فيها كان الثوب الطويل (الشملة/Stola) الذي يصل إلى القَدم، طويل الكمّ إلى الساعد أو الرسغ [2]، وهكذا استمر لباس المرأة الغربية على نفس النمط حتى نهاية العصور الوسطى، حيث يؤرخ الخبراء هناك نشأة “الموضة” في العالم (المفهوم الذي يعرف بقبول عدد كبير من الناس لنمط لباس معين لفترة وجيزة) [3].

وللثورتين الفرنسية والصناعية دور كبيرٌ في تحول لباس المرأة الغربية نحو ما هو عليه اليوم، تحديداً مع خروج المرأة من البيت وانطلاقة المصانع بأعدادٍ كبيرة [3]. بعد ذلك كانت انطلاقة الحركات النسوية مع أثرها المفصلي في تبديل وجهات نظر النساء حول لباسهن، حيث ربطت الحرية من النظام الأبوي بقلة الستر والتفلّت من مفاهيم المجتمع حول الحياء والعفة. فهذه الحركات وإن بدأت محقةً داعيةً لرفع الظلم عن النساء، إلا أنها أنتجت ردود فعل صارخة تجاه كل قيد وحد على سلوك المرأة التي أشعروها أن الظلم التاريخي يبرر لها كل فعل. وبذلك بات لباس المرأة أعقد من مجرد قماش يغطيها، إنه تعبيرٌ عن حقوقها وتحررها واعتزازها بنفسها أيضاً. ومن الجدير بالذكر أن عولمة الثقافة الغربية وانطلاقها لريادة الشعوب الأخرى يجعل خطر كل هذا منطبقاً على الشعوب المسلمة، ولعل حملة “إنه جسدي، إنها حقوقي” التي أطلقتها منظمة العفو الدولية والتي تدعو لتمكين الشباب والشابات من اتخاذ قرارتهم الخاصة بأجسادهم من أوضح الأمثلة على فرض النظرة العولمية للجسد على الثقافات الأخرى [4].

النسوية وازدواج المعايير
تراودني تساؤلاتٌ عدة وأنا أستعرض التاريخ العام لتطور لباس النساء الغربيات. كيف رضيت النسوية المنادية بتحرير المرأة ومساوتها بالرجل بجعل جسدها مستباحاً لكل ناظر بهذه الطريقة التي نراها اليوم؟ وكيف استخفها الرجال الشهوانيون مصممو الأزياء ومخترعو الموضات فاقتنعت بأن التعري يرمز للقوة ويدل على الحرية؟ بل كيف رضيت المناديات بحقوق المرأة لأنفسهن أن يكون لباس النساء أكثر كشفاً بكثير من لباس الرجال المخصص لنفس الغرض؟ فبنطال الرياضة القصير المخصص للإناث أقصر بكثير من ذاك المخصص للذكور، كذلك لا يخفى على أحد كون زي المرأة الغربية الرسمي متضمناً تنورةً قصيرةً ضيقةً تكشف ساقيها، بينما الزي الرسمي للرجال يتضمن بنطالاً طويلاً فضفاضاً. فهل غاب عن النسويات ذلك؟ أم أنهنَّ اقتنعن فعلاً أن الكشف رمز للقوة؟

سيكون رد النسويات غالباً أن الأمر عائد للاختيار الشخصي، فهذه الديمقراطية وعلى أساسها قامت الحكومات الغربية، كما كتبت النسوية تيري موراي في إصدار لجمعية Rationalist Association أن المرأة عندما تلبس الثياب الكاشفة إنما تفعل ذلك للتعبير السليم عن نفسها بكل عفوية جاعلةً ذاتها “كياناً جنسياً مستقلاً” [5].

وللرد على هذا أحب أن ألفت انتباه النسويات إلى غياب الحرية عن الطرف المقابل تماماً، فإن كان الأمر مجرد دفاع عن حرية المرأة كما تزعمن، فأين نضالكن من أجل حرية المنتقبة في اختيار لباسها؟ أليست امرأة كذلك ولها الحق في اختيار ما تغطي وما تكشف من جسدها؟ بل لماذا تهاجمنها وتدعين فهم دوافعها وأسبابها؟ لقد افترض الناطقون باسمكن أن النقاب رمز للقمع والقهر وتحدثوا بكل ثقة عن كون المنتقبة مجبرةً ومكبوتةً من قبل الذكور في حياتها والذين لا ينظرون لها إلا كمادة جنسية تحتاج التغطية [5،6].

كيف علمتن أن هذه دوافع المنتقبات فعلاً؟ وأين دفاعكن عن حق المرأة بالتعبير عن نفسها كما تشاء؟ وإن كان الأمر كمان تزعمن حماية للمرأة ممن يعاملها كمادة جنسية ألم يكن الأحرى بكم أن تطالبوا بمنع صناعة وبيع أحذية الكعب العالي ومستحضرات التجميل التي تفعل ذلك بالضبط؟ أمرٌ يستدعي التفكير فعلاً!

الإنسانوية وغياب الفطرة
  إن ما أراه عجيباً فعلاً في هذا الميدان هو ما وصلت إليه الشعوب الغربية من غياب شبه تام لقيمة الحشمة كخلقٍ أساسيٍّ ينشأ عليه الأطفال منذ نعومة أظفارهم، إذ أن إقصاء الدين عن الحياة جعل الإنسان مركزياً تماماً، فهو مصدر الأمر والنهي وما يرضيه يكون صحيحاً بكل تأكيد، ولو أودى ذلك  بقيم وفضائل عرفتها البشرية عبر تاريخها الطويل. يقول د. سلطان العميري أن العقل الغربي توجه مع حركة التنوير إلى تقديس العقل الإنساني والإعلاء من قدراته وجعله الميزان الذي يحكم من خلاله على كل شيء، واعتقد الغرب أن القدرة العقلية الإنسانية يمكنها أن تصل إلى الرشاد في كل الميادين الحياتية من غير توجيهٍ من أي مصدر آخر خارج الإنسانية ذاتها [7]. ولما كانت مصلحة الإنسان المادي في تحصيل أكبر قدرٍ ممكن من المتعة والراحة في الحياة الدنيا، تبدلت ثقافة اللباس لتتماشى مع هذه المصلحة. فالخُلق الذي كان من بقايا الدين لم يعد له مكانٌ في حياة هذه الأقوام البتة.

ولنقارن هذا بحياء أمنا عائشة رضي الله عنها ونقاء فطرتها وسلامتها، فقد روي أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرْلاً”، قلت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: “يا عائشة الأمر أشد من أن يُهمهم ذلك”. [متفق عليه]. وسبحان ربنا تبارك وتعالى المتفضل علينا بالتكريم والستر، القائل في كتابه الكريم: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف:26]. فمن فضل الله العظيم علينا تمكيننا من اللباس الساتر للعورات الذي ما فتئ الشيطان يغوي أتباعه بنبذه منذ الجاهلية حتى تمكن من المشركين وجعلهم يتعرون للطواف [8]. وها هو الشيطان اليوم يعيد الكرة ويستخف أتباعه في جاهلية ناطحات السحاب والأجهزة الذكية فيسلبهم أبسط نعم الله تبارك وتعالى عليهم، ويا أسفى على من يستورد تلك الثقافات بكل ما فيها.

وتبارك جلَّ وعلا حين قال في محكم تنزيله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكا} [طه:124]، فها هم الذين نبذوا الوحي يستمرون في الإعراض عن أبسط نعم باريهم عليهم، معظمين شهواتهم نحو تشوه فطري مغلف بالتقدم والتحرر!

ولا حول ولا قوة إلا بالله..


المصادر:

[1] الحافظ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.

[2] The Ancient Roman Costume and Fashion History, Costume Fashion History

 https://world4.eu/roman-costume-history/

[3]   Phyllis Tortora, Europe and America: History of Dress (400-1900 C.E.)  

 https://fashion-history.lovetoknow.com/fashion-history-eras/europe-america-history-dress-400-1900-c-e

[4] ملاك بنت ابراهيم الجهني، الحريم العلماني..الليبرالي!. قراءات ومقالات فكرية، مركز باحثات لدراسات المرأة، 1436هـ.

[5] Terri Murray, Why feminists should oppose the burqa, New Humanist, Rationalist Assiciation, June 2013

https://newhumanist.org.uk/articles/4199/why-feminists-should-oppose-the-burqa

[6] Mona Eltahawy, Ban The Burqa, The New York Times, July 2009

https://www.nytimes.com/2009/07/03/opinion/03iht-edeltahawy.html

[7] د.سلطان بن عبد الرحمن العميري، ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث، مركز تكوين.

[8] أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تفسير الطبري المسمى جامع البيان في تأويل القرآن.

هل لنوعية لباس المرأة علاقة بالتحرّش الجنسي؟

عادةً ما يُعتبر الحديث عن موضوع التحرّش وعلاقته باللباس من أكثر الموضوعات الشائكة التي يمكن أن يتحدث عنها أي رجل. لأن الكثير من النساء يعتبرنّ أن الرجال يحملون ضدهنّ تحيّزات معينة مسبقة، حتى وإن كان هؤلاء الرجال يتحدثون بإنصاف حول الأمر. يعود هذا لما فعلته الحركات النسوية وخاصة الراديكالية منها خلال عقود من نشاطها المتواصل تحريضاً للنساء عبر الحركات التي دعت إلى تحرير المرأة والثورة على المجتمع الأبوي الذكوري. وهذا المقال ليس انتصاراً للرجال على النساء ولا تأييداً للقيم الذكورية على حساب قيم الأنوثة؛ فالاختلافات والتفضيلات المقررة بين الجنسين في شريعة الإسلام مبنية على أساس ما يملك كل جنس من خاصيات ومزايا تؤهله للقيام بدوره في هذه الحياة وليس من باب أن الإسلام دين ذكوري كما روّجت لهذا الحركات النسوية والعلمانية.

(It is about understanding not justification) فهماً لا تبريراً 
عندما يتم دراسة أي ظاهرة اجتماعية ومعرفة سياقاتها وأسبابها، فهذا الأمر يهدف لفهم الأمر وأبعاده وليس لإيجاد المبررات له. فعندما يدرس باحث غربيٌ أو عربيٌ ظاهرة نشوء تنظيم الدولة وأسباب انضمام بعض الشباب له، ويحاول فهم الأوضاع الاجتماعية والنفسية للمنضمين؛ فهذا ليس بالضرورة تبريراً للظاهرة وموافقةً ضمنية على ما يحدث. نفس الأمر لو أخذنا مثالاً آخر وهو موضوع الأحياء الفقيرة أو ما يسمى الغيتوهات المنغلقة على نفسها في المدن الكبيرة مثل أمريكا مثلاً والتي تتجمع فيها أقليات عرقية معينة، ففي هذه الأحياء تكثر نسبة اتجاه الأفراد نحو سلوك الجريمة المنظّمة كالاتجار بالمخدرات وغيرها. فعندما تتم دراسة الأوضاع الاجتماعية لهذه الأحياء وأفرادها فالهدف ليس تبرير سلوك الإجرام والحث عليه. ومن هنا فعندما يتم الربط بين نوعية لباس المرأة وازدياد نسب التحرّش والعنف الجنسي فالهدف ليس تبريراً للمتحرِّش فهو مدانٌ بفعلته في الشريعة الإسلامية وعقوبته التعزير الذي يقرره القاضي الشرعي.

ويبدو في هذا الأمر أن هناك طرفان يحاولان دائماً جعل من يبحث في أسباب التحرش شخصاً مبرراً له وهما: الطرف الأول وهم من يحكمون على الأمر بشكل عاطفي دون أي محاكمة عقلية أو منطقية، وأما الطرف الثاني فهم المأخوذون بسلطة الثقافة العلمانية والليبرالية السائدة في العالم.

ففي الليبرالية يحق للمرأة أن تلبس ما تريد وأن تخرج شبه عارية ولا يحق لأحدٍ التحرّش بها، أما في الإسلام فهذا الكلام مرفوض في جزئه الأول تماماً وكما هو معروف فتبرّج المرأة حرام كما تحرّش الرجل بها حرام وهذا ما لا يرضي أصحاب الفكر الليبرالي وأتباعه.

هل للباس المرأة علاقة بالتحرش؟
1- في دراسة قام بها عدد من الباحثين بعنوان “The Influence of Sex, Gender Bias, and Dress Style on Attitudes Toward Sexual Harassment” أي “تأثير الجنس، التحيّزات النوعية ونوعية اللباس على المواقف تجاه التحرّش الجنسي” جرت بالتعاون بين جامعة بيبردين وجامعة ميسوري تمّ تصنيف العوامل المؤدية للتحرش إلى قسمين: الأول وهي عوامل خارجية “External factors” مثل نوعية اللباس وتأثير الكحول على المُتحرِّش، والثاني هو عوامل داخلية “Internal factors” مثل التحيّزات النوعية أي تحيّز الرجل لذكورته ضد النساء. ما يهمنا هنا هو التحيزات الخارجية وبالأخص نوعية لباس المرأة وتوصلت الدراسة إلى أن تصورات الرجال تتأثر جداً في موضوع التحرّش الجنسي باللباس المثير للمرأة. بينما النساء أقل احتمالاً منهم للموافقة على عدم وجود عقوبات على المتحرِّش في حال كان لباس المُتحَرش بها مثيراً. [1]

2- في مقال بعنوان ” From Attire to Assault: Clothing,Objectification, and De-humanization – A Possible Prelude to Sexual Violence?”  أي “من الكسوة إلى الاعتداء: اللباس، التشييء ونزع الطابع الإنساني -أمقدمةٌ ممكنة للعنف الجنسي؟” يستعرض الدكتور بوفانش أوستاهي ما يقوله علم الأعصاب حول موضوع اللباس وعلاقته بالتحرّش. حيث يجعل الموضوع في سياق معين يبدأ بما تقوم به وسائل الإعلام من عملية تشييء “Objectification” لجسد المرأة ووضع صور نمطية معينة لنوعية اللباس تنتقل هذه الصور النمطية إلى أدمغة الرجال فتصبح نظرتهم للنساء كأشياء “objects”. ومما أشار له المقال أيضاً أن العُري والصور المثيرة لأجساد النساء تجعل الدماغ يُحول آلياته المعرفية بحيث ينظر للمرأة كشيء وليس كإنسان. [2]

3-في مقال هام بعنوان ” Dress and sex: a review of empirical research involving human participants and published in refereed journals” أي “اللباس والجنس: مراجعة للأبحاث الإمبريقية والتي تضمنت مشاركين بشر ونُشرت في مجلات مُحكّمة” استعرض المقال العديد من الأبحاث التي تحدثت عن علاقة اللباس بالتحرش الجنسي والتشيئ “Objectification” وجميعها أشارت لعلاقة بين نوعية اللباس وحصول التحرّش من وجهة نظر من جرت عليهم هذه الدراسات، فقط دراستان من بين الكثير من هذه الدراسات لم تشيرا لعلاقة بين اللباس والتحرّش. [3]

4-الدراسة الأخيرة التي سيتحدث عنها المقال هي بعنوان ” The Psycho-Social Aspect of Indecent Dressing: Influence of Gender, Dress Pattern and Physical Attractiveness on Sexual Harassment”   أي “الجانب النفسي الاجتماعي للملابس غير المحتشمة: تأثير النوع، نمط اللباس والجاذبية الجسدية على التحرّش الجنسي” أثبتت الدراسة أن الملابس غير المحتشمة تُعرّض أصحابها للتحرّش الجنسي وكشفت أن نمط اللباس يُعد عاملاً رئيساً في التحرّش. ومما توصلت له أيضاً الدراسة أمرٌ لافتٌ وهو أن الجاذبية الجسدية ”Physical attractivness” ليست عاملاً في التحرّش ونبّهت إلى النساء يجب أن يأخذنّ بعين الاعتبار أنهنّ سواء كنّ جذّابات جسدياً أو لا “physically attractive or not”  فإن لباسهنّ غير المحتشم سيجعلهنّ أكثر عُرضة للتحرّش الجنسي. [4]

أسباب أخرى
من خلال نظرة أوسع وأشمل لموضوع التحرّش فإنه توجد العديد من المسببات الأخرى له غير اللباس والتي قد تكون أكثر عمقاً وأهمية في فهم الموضوع وكثيرٌ منها منطبق على البلاد العربية خاصة. ومن أول هذه الأسباب ما تفعله وسائل الإعلام من تسليع لجسد المرأة خدمةً لأهداف اقتصادية من خلال الإعلانات مثلاً، وكذلك ما تروج له الأغاني والمسلسلات من تبرّج وعُري لإثارة الغرائز، هذا عدا عن انتشار الأفلام الإباحية وتأخير سن الزواج وغلاء المهور وضعف الجانب الديني في الإنسان بفعل علمنة المجتمعات وتعطيل شريعة الله عن الحكم؛ كل هذه العوامل وغيرها مما يستحق البحث والدراسة تُشكل الإطار العام الأشمل الذي يعطي فكرة عن أسباب وكيفية حدوث التحرّش في المجتمعات.

خاتمة
من خلال ما تقدم يمكن أن نستنتج أن الملابس هي الحلقة الأخيرة في سلسلة ممتدة من الحلقات التي تؤدي في نهايتها لحدوث التحرّش وارتفاع نسبه في الآونة الأخيرة والربط بين الملابس والتحرّش مباشرة هو أمر لا يعطي فهماً واضحاً للموضوع حيث تبقى أمور مفقودة لفهم هذه الظاهرة مع التأكيد على أن اللباس له دوره أيضاً في حدوث التحرّش. ويبقى أن يُقال أن تأكيد المؤكدات وتوضيح البديهيات من أصعب الأمور وأقربها للاستحالة لمن لم يقتنع بها فطرةً وبداهة، ذاك أن الأمر تدخل فيه العاطفة ويحكم فيه الهوى ويبتعد عن أحكام الدين والمنطق والعقل فالله سبحانه وتعالى أمر بالستر والابتعاد عن العُري والتبرّج وأن العقل والمنطق يقولان أن الرجال ينجذبون للنساء وبقدر سفور المرأة وتبرّجها يكون هذا الانجذاب أكثر ويُقرّب صاحبته من التحرش بها.

 قال سبحانه تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) [الأحزاب: 36]. قال صاحب الظلال -رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية الكريمة: “إنه الاستسلام المطلق ليد الله تقود خطاهم، وتصرف حركاتهم؛ وهم مطمئنون لليد التي تقودهم، شاعرون معها بالأمن والثقة واليقين، سائرون معها في بساطة ويسر ولين.” فالله سبحانه حين أمر بالستر وحرّم التبرج فهو عزّ وجل يعرف نفوس الرجال والنساء ويعرف مكنونات هذه النفوس ولم يأمر بأمرٍ إلا لحكمة ظاهرة أو باطنة قد يدركها الإنسان وقد لا يدركها. وهذا المقال حاول أن يفسّر علمياً ظاهرة علاقة نوعية اللباس بالتحرّش وتبقى حكمة وأوامر الله تعالى أعلم وأكبر والالتزام بها هو الطريق الصحيح لمنع التحرّش وغيره من الظواهر السلبية في المجتمعات.


الهوامش

  1. عبد العزيز بن سعدون العبد المنعم، أحكام التحرش الجنسي دراسة مقارنة، المملكة العربية السعودية،رسالة ماجستير; 2012
  2. Kyle P. Weber LMBaTEM. The Influence of Sex, Gender Bias, and Dress Style on Attitudes Toward Sexual Harassment. THE INTERNATIONAL HONOR SOCIETY IN PSYCHOLOGY. 2012; 17.
  3. Awasthi B. From Attire to Assault: Clothing,Objectification, and De-humanization – A Possible Prelude to Sexual Violence? Frontiers in Psychology. 2017 March; 8.
  4. Sharron J. Lennon ADAJKaKKPJ. Dress and sex: a review of empirical research involving human participants and published in refereed journals. Fashion and Textiles. 2017; 4.
  5. Haruna AAIaA. The Psycho-Social Aspect of Indecent Dressing: Influence of Gender, Dress Pattern and Physical Attractiveness on Sexual Harassment. Journal Of Humanities And Social Science. 2014 Mars; 19(3).

قسوة القلب.. داء الروح الذي كشفه الوباء

لا يختلف اثنان اليوم على كون فيروس كورونا المستجد من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، فحتى منتصف مايو 2020، لقي أكثر من 290 ألف شخص حول العالم مصرعهم بالوباء.

وبينما قيادات العالم في توجس وترقب مما قد تجلبه الأيام القادمة؛ تجد كثيراً من شبابنا غارقين في لهو وسخرية وغفلة أمام هذا الابتلاء الربّاني، فلا هم يشعرون بعظم الامتحان و قرب الموت، ولا هم يفرّون إلى الله ليكشف الغمة. فما توصيف هذه الحال؟ وما الذي أدى بنا إليها؟

الوباء يمتحننا فهل ننجح؟
أخبرنا الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم كثيراً من أحوال الأمم السابقة لنتعظ بحالهم ونتجنب أخطائهم. ومن تلك الأحوال أنه سبحانه أرسل إلى أقوامٍ غابرةٍ ابتعدت عن سبيل الرشد أنواعاً من الابتلاء، من ضيق عيشٍ وفقرٍ وأمراضٍ، لعلهم تحت وطأة الشدة يفيقوا من غفلتهم ويتضرعوا إلى الله مولاهم، ويتذللوا له ويدعوه وحده أن يرفع عنهم البلاء بقلوبٍ مخلصة فيكون البلاء منحةٍ لهم إن ردهم لدينهم [1,2]. قال تعالى:{ولقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42]

لكنّ هؤلاء الأقوام لم ينتفعوا بهذه الفرص كما ينبغي. لم يلجؤوا إلى الله ولم يرجعوا عن عنادهم، ولم ترد الشدة إليهم وعيهم ولم تفتح بصيرتهم، ولم تلين قلوبهم وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم مايقعون فيه. ذلك لأن قلوبهم تحجرت فلم تعد الشدة تردها إلى الله ، وماتت فلم تعد الشدة تثير فيها الإحساس [1,2]. قال سبحانه: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الأنعام: 43]

فالقرآن يخبرنا أنّ من لا يدفعه البلاء للفرار إلى الله إنما هو مريضٌ بقسوة القلب، وأن هذا المرض خطرٌ عظيم أشدّ من البلاء نفسه بكثير، إذ أنه يهدد الروح الباقية لا الجسد الفاني. ففي الآية التالية تظهر عاقبة من لم يعتبر بالمحنة:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: [44-45] إنه الاستدراج الذي يتبعه أخذٌ قوي شديد من الله سبحانه على حين غرة ولهو، أعاذنا الله وإياكم.

فالآيات السابقة ترشدنا أن نتعامل مع البلاء باعتباره تذكرة ودفعةً تردّنا لدرب الحق، لا أن نتجاهل آيات الله فيه ونواجهه بالسخرية والغفلة. وفيروس كورونا المستجد هو نوعٌ من المحن التي أرسلها الله لنا كما أرسل إلى من قبلنا من عجيب الآيات ليعتبروا ويتذكروا. قال تعالى: {ولَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف:130] لكن آل فرعون لم يتعظوا كما نعلم، فخسروا بذلك دنياهم وآخرتهم.

فهذا الذي يسميه الغرب عدواً هو في حقيقته آية من آيات الله أرسلها على عباده، وسيكشفها إذا شاء بأمره، ولكن المهم هو حالنا نحن أمامها. هل ستردنا إلى الله أم ستظهر حقيقة مرضٍ في قلوبنا؟

إن مواجهة البلاء والأزمات بالنكات والتذمر واللهو لا تدل على صلاح القلب، فهذه الأساليب وإن بدت في ظاهرها طرقاً بريئة لتنفيس مشاعر سلبية متعلقة بالحجر، فهي في حقيقتها حيلٌ من الشيطان ليمنعنا عن التأمل في حقيقة الامتحان، فهو يقنعنا أننا نتسلى عن الهموم بينما تنبت الغفلة في قلوبنا وتورثنا تهاوناً بآيات الله سبحانه. ومن حيل الشيطان التي لحظتها في كثير ممن أحسبهم على خير أنه أوهمهم أن إيمانهم بالله وتوكلهم عليه تجاوز بهم الخوف من الموت فصار الوباء بالنسبة لهم أمراً عادياً، وهذه خدعةٌ خطيرة في ذاتها، فالمؤمن كلما زاد قرباً من الله ازداد خشية منه سبحانه، ولا تناقض بين الرجاء والخوف [3]. ولما كان كيد الشيطان ضعيفاً عاد سبب نجاحه في حيله إلى قسوة في قلوبنا التي لم تعد الشدة تدفعها لصدق اللجوء لمولاها.

ولذا أدعوكم ونفسي للتأمل في حقيقة القسوة لنصل إلى مسبباتها وطرق علاجها.

قسوة القلب وخطورتها
قال القرطبي: القسوة هي الصلابة والشدة واليبس والقلب القاسي هو الذي لا يعي الخير ولا يفعله [4]، وقيل: القسوة في القلب ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه [5]، أوتصلبه ونبوته عن اتباع الحق [6]. وروي عن مالك بن دينار قوله: “ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب “[4].

وقد تتبعتُ مفردة القسوة في القرآن الكريم فوجدت التحذير والتخويف والذمّ مرتبطين بها دوماً. من ذلك قوله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نورٍ من ربه فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلالٍ مبين} [ الزمر: 22] فالله عزّ وجل يتوعد بالعذاب الشديد لأصحاب القلوب المتصلبة التي لا تلين بالذكرى [1]. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من قلبٍ لا يخشع ومن عين لا تدمع [صححه الألباني].

وقسوة القلب سبب لفساد النفس وخسرانها، إذ أن القلب للأعضاء كالملك المتصرف في الجنود التي تصدر كلها عن أمره ويستعملها فيما شاء فكلها تحت سلطانه وقهره تكتسب منه الاستقامة والزيغ وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله. فهو ملكها وهي المنفذة لأمره، ولا يستقيم لها شيءٌ من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته [7]. ولذا كانت العناية بحال القلب من ضرورات الدين، وقد قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله: إن أشرف ما في الإنسان قلبه فهو العالم بالله العامل له الساعي إليه. ومن عرف قلبه عرف ربه، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، فمعرفة القلب وصفاته أصل الدين وأساس طريق السالكين [8]. وفي رواية النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أَلَا وَإِنَّ في الجسد مضغةٌ إذا صلحت صلح الجسد كله، وَإِذَا فسدت فسد الجسد كله، أَلَا وهي القلب” [متفق عليه].
والقلب هو الذي ينظر الله إليه من العبد، فقد قال صلى الله عليه وسلم:  “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” [صحيح مسلم].

و حبذا لو وجدنا في البلاء الذي نمر به فرصةً لنتبصر في أنفسنا ونقيّم قلوبنا، أقاسيةٌ هي أم لينة؟ هل تدفعها المحن إلى اللجوء إلى الله؟ أم أنها تهرب من الموعظة نحو الملهيات والمشتتات؟ هل تضحك أمام الآية أم تخشع؟ فالأوان لتصحيح المسار لم يفت، وباب التوبة مفتوحٌ طالما في العمر بقية.

الأسباب والعلاج
معرفة أسباب قسوة القلب طريقٌ لمعالجتها وإغلاق أبوابها، وقد وصف علماء الأمة أسباباً عديدة للقسوة: أهمها الشرك بالله بكافة صوره وأشكاله كاعتقاد النفع والضرر في غيره سبحانه، والرياء والتحاكم إلى غير شريعته، وابتغاء غير وجهه بالعمل. ومنها كثرة المعاصي والذنوب بجملتها، فإن تراكمها يولد غطاءً على القلب يفسده ويقسيه [4]، قال سبحانه وتعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14].

وفي هذا المعنى قال ابن المبارك:

رأيت الذنوب تميت القلوب    ويورثك الذلَّ إدمانُها

وترك الذنوب حياة القلوب     وخيرٌ لنفسك عصيانها

ومن أسباب قسوة القلب نقض العهود والمواثيق [4]، كما قال سبحانه: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية} [المائدة:13]

ومنها كثرة الكلام بغير ذكر الله وكثرة الضحك وكثرة الأكل و كثرة النوم فإنه يميت القلب، ويثقل البدن، ويضيع الوقت، ويورث كثرة الغفلة والكسل [4, 9].

وآخرها كثرة الخلطة، وفي ذلك قال ابن القيم رحمه الله: أما ما تؤثره كثرة الخلطة: فتملأ القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود، وتوجب له تشتتا وتفرقا وهما وغما، وضعفا، وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء، وإضاعة مصالحه، والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم. فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟ [9]

ومن أبرز ما نلاحظ في هذه الأسباب كون معظمها من المباحات، كالطعام والنوم والخلطة بالناس، لكن المبالغة فيها تفسد القلب وتقسيه وتشغله عن ذكر الله والتقرب إليه. فالأكل باعتدال يقوي الجسد على طاعة الله، أما الإسراف فيه فيضعف الروح ويثقل الجسد عما خلق له ويورث كثيراً من الأسقام.

أما عن معالجة قسوة القلب فهي تبدأ بصدق الالتجاء إلى الله وطلب الهداية منه وإعانته على الخشوع والتذلل إليه والانتفاع بآياته، فذلك كله لا يكون إلا بتوفيق الله عزّ وجلّ وفضلِه، ومن ثمّ بمراقبة النفس وإبعادها عن أسباب القسوة السابق ذكرها. ولا شكّ أن ذلك يتطلب جهداً وإخلاصاً لله تعالى في القول والفعل.

ومن سبل تليين القلب كثرة ذكر الله وتلاوة القرآن وتدبر معانيه [4]، قال تبارك وتعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23]

ومنها كذلك كثرة ذكر الموت وزيارة القبور والإحسان لليتامى والمساكين، فعن أب هريرة رضي عن أَبِي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال له: “إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم” [أخرجه أحمد وصححه الألباني].

هذا غيضٌ من فيض في معاني إصلاح القلب ومعالجته. أدعوكم لمراجعة المصادر أدناه للاستزادة، أعاننا الله وإياكم على الانتفاع بما علمنا، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

والحمد لله رب العالمين.


المصادر

  • ابن كثير. تفسير القرآن العظيم
  • سيد قطب. في ظلال القرآن
  • ابن الجوزي. تلبيس اإبليس
  • ابن رجب الحنبلي. ذم قسوة القلب
  • ابن منظور. لسان العرب
  • العز بن عبد السلام. شجرة المعارف
  • ابن القيم. إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان
  • ابن قدامة المقدسي. مختصر منهاج القاصدين
  • ابن القيم. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

كورونا والصحة النفسية.. الوباء يبرز آثار غياب الدين عن المجتمعات

في صبيحة يوم  الأحد السادس والعشرين من شهر أبريل الفائت استفاقت عائلة الطبيبة لورنا برين، رئيسة قسم الطوارئ في مشفى بنيويورك، على فاجعة انتحار ابنتهم الطبيبة المرموقة عن 49 عاماً.

لورنا كانت تعالج المرضى في أكثر الولايات الأمريكية تأثراً بوباء كورونا، حيث وصل عدد الحالات فيها إلى أكثر من 300 ألف حالة في 4 مايو 2020، حسب قناة CNN – وكما يقول والد الطبيبة فإن عملها أودى بحياتها [1].

لورنا ليست الضحية الوحيدة للضغط النفسي المترافق مع وباء كورونا رغم أن حالتها قد تكون الأكثر وضوحاً حتى الآن، فبحسب دراسة حديثة  في مدينة ووهان الصينية فإن واحدا من كل خمسة طلاب بالمدارس يظهر أعراضاُ اكتئابية بسبب إجراءات الحجر الصحي [2].

كما أظهرت دراسة منفصلة في ووهان الصينية أن حوالي نصف العمال في القطاع الصحي يعانون من القلق أو الاكتئاب جراء المرض [3].

إضافة إلى ذلك أعرب مسؤولون في مركز التحكم بالأوبئة في الولايات المتحدة الأمريكية (CDC) عن قلقهم بشأن تزايد حالات الاكتئاب والانتحار جراء العزلة الاجتماعية والقلق والخوف من العدوى [4]، كما توقع أطباء نفسيون في رابطة الأطباء الأمريكيين(AMA)  تزايداً حاداً في حالات القلق، الاكتئاب، إدمان المخدرات، الوحدة، العنف المنزلي وإساءة معاملة الأطفال تزامناً مع الوباء [5].

أما في بريطانيا فقد أصدرت هيئة الصحة العقلية إرشادات عامة للمواطنين للتعامل مع الضغط النفسي والاقتصادي في ظل الوباء ترقباُ للأسوأ [6].

 كل ذلك يجري تزامناً مع وباء عضوي لا يؤثر على العمليات الدماغية، لكن العوامل الكثيرة التي سببها الوباء تتدخل في صياغة أسباب هذا الضغط النفسي ومنها كالخوف من المرض، العزلة الاجتماعية، تدني الوضع الاقتصادي، القلق من المستقبل، إغلاق المرافق الترفيهية كالمولات والمقاهي، إغلاق عيادات الطب النفسي، وغيرها.

وليقيني أن ما منّ الله به علينا من دين هو الشريعة الكاملة التي لم تُغفل من جوانب النفس شيئاً، بدأت بتوصيل النقاط بين مشاهداتي في الغرب، الدراسات العلمية و تعامل الإسلام مع كل ذلك لتضح الصورة الكاملة ويكون لنا فيها عبرة.

القلق من المستقبل ومشاعر عدم الاستقرار والخوف تحديداُ هي أمور لاحظتها بوضوح بين كثير من زميلاتي ومعلميّ في الجامعة. فالوباء الحاليّ أمرٌ مفاجئٌ وغير متوقع لمعظم الأمريكيين الذين اعتادوا الشعور بالسيطرة على حياتهم وأهدافهم وتربَّوا على أنهم يملكون تحقيق غاياتهم إن عملوا بجد ونظموا أوقاتهم بالدقة الكافية.

هذه المفاهيم السائدة في المجتمعات الغربية، رغم أنها تولد انتاجيَّة مادية سريعة، إلا أنها تخلِّف هشاشة نفسية وانكساراً أمام الأزمات التي قد تقلب الموازين وتشعر الإنسان بضعفه. فهؤلاء صُدموا بمحدوديتهم وقلة حيلتهم أمام فيروس لم تتمكن شبكات الأنباء من التنبؤ بخطورته. فجأةً تأخَّر الاقتصاد ونفذ مخزون المحال التجارية من المعقمات والكمامات وغيرها وخسر الكثيرون وظائفهم وأُجبروا على نمط حياة جديد لم يكن في الحسبان. كلُّ هذا أدّى بالناس إلى شعورٍ عارمٍ بالصدمة.

فاجأتني في بداية الأمر ردة فعل زميلاتي غير المسلمات تجاه الوباء، تحديداً ما كنّ يصفنه بعدم التأكد (uncertainty) من المستقبل وما قد يجلبه وكونهنّ على حافة الانهيار إن فُتِح الموضوع أمامهنّ. كنت أقارن ذلك بعقلية الإيمان المطمئنة التي منّ الله بها علينا والتي تُشعر الإنسان أنّه أضعف من أن يملك غده، وكان لسان حالي يقول: ومتى كنّا متأكدين من المستقبل أصلاً؟ شعرت حينها بقيمة المرونة التي يوطنها الإيمان في النفس.

العقيدة الإسلامية تربّي في المؤمن الاعتماد على خالقه تبارك وتعالى وتؤصل فيه حقيقة كونه عبداً لله ينبغي أن يتوكل عليه ويسلم له أمره، فمنه وحده المدد والقوة. تتجلى هذه المعاني بوضوحٍ جليّ في أذكار المسلم اليوميّة التي علّمنا نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم. فإذا أصبح المسلم أو أمسى يقول “حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم”. فيذكر نفسه بأن اعتماده على الله الذي يملك قدره وحده وهو يكفيه في كل أمر من أمور الدنيا والآخرة [7]. وإذا خرج من منزله قال “بسم الله توكلت على الله ولاحول ولا قوّة إلا بالله” مفوضاً أمره لمولاه سبحانه [7] معترفاً بحقيقة عبوديته له فهو المتحكم في كل الخلق مالك الملك. ولنتأمّل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما أخذ بمنكبيّ ابن عمر رضي الله عنهما وقال له: “كن في الدنيا كأنك غريب ، أو عابر سبيل”، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: “إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك.” (رواه البخاري)

فالحال الطبيعي أننا لا نملك ضمانات عن المستقبل ونعلم أنّنا لله وإليه راجعون في أي وقت يختاره سبحانه. وقد روي عن الصحابية أمّ سليم رضي الله عنها لما قبض ولدها وأرادت أن تنبئ زوجها بذلك قولها له: أرأيت لو أن قومًا أعارُوا عاريتَهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، أَلَهُم أنْ يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسِب ابنك. (رواه البخاري)

وهذا لا يعني أن التدين الحقّ والتوكل يدعوان لترك الأخذ بالأسباب أوأنهما يبعثان روح الانهزام في الإنسان، بل على العكس، فالنبي صلّى الله عليه وسلم خرج من مكّة إلى المدينة عند الهجرة مستتراً بالليل متخفياً مع صاحبه رضي الله عنه متوجهين جنوباً نحو غار ثور مع أن وجهتمهما كانت يثرب في الشمال. هذا وهو النبي الكريم الذي عصمه الله من الناس، ليعلّمنا أن المسلم يخطط ويأخذ بالأسباب ومن ثم يتوكل على الله الذي يدبر الأمر كيف يشاء.

وقد قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: لو عرف الناس ماهية التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد. ذلك أن التوكل اعتماد القلب على الوكيل وحده، وذلك لا يناقض حركة البدن في التعلق بالأسباب ولا ادخار المال. فقد قال تعالى: “ولا تؤتوا السّفهاء أموالكمُ الَّتي جعل الله لكم قياماً” أي قواماً لأبدانكم. والذي أمر بالتوكل أمر بأخذ الحذر فقال: “خذوا حِذركم” وقال: “وأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوة”. فالتوكل لا ينتفي الاحتراز [8]. والحقيقة أنني لم أكن أستشعر نعمة التوكل إلى أن رأيت من يفقدها وشعرت بمقدار الضياع الذي يصيبه إن اختلت القوانين التي ألِفها في الكون. فلله الحمد والمنّة سبحانه.

 من الجدير بالذكر هنا أن كون هذه المعاني جزءاً مهماً من عقيدة الإسلام لا يستوجب ضرورةً أن يستحضرها جميع المنتسبين للدين الإسلاميّ في حال البلاء، فالبُعد عن القرآن وهدي النبيّ عليه الصلاة والسلام ينسي المرء حقيقة وجوده، وفقره وضعفه. وهذا شائعٌ خصوصاً بين من يقيمون في الغرب -كما أشار د. عبد الرحمن ذاكر الهاشمي في أحد دروسه- إذ من السهل عليهم نسبة النتائج للأسباب الدنيوية وحدها وقد يغفلون عن قيمة الاعتماد على الله سبحانه وتفويض الأمر إليه، فمثلا إن قالت شركة أمازون إن الطرد سيصل في اليوم الفلاني، فهو حتماَ سيصل! ويغيب عن الذهن بسهولة استحضار معية الله؛ خصوصاً مع نمط الحياة السريع الصاخب. لذلك كان الذكر والتواصي بالحق والصبرمن الضرورات الأساسية في حياة المسلم.

الأمر الآخر الذي وجدته سبباً للأزمات النفسية في ظل الوباء هو بروز الأسئلة الوجودية لم تعد المُلهيات كافية لإسكاتها، ومن أهم هذه الاسئلة مشكلة وجود الشر وتحديداً الأوبئة في العالم.

الإنسان في الغرب قبل أزمة كورونا توهّم أنّ الشر لن يصل إليه لأنه في موضع قوّة وعلم بالنسبة لغيره، فهو في بلاد متقدمة عسكرياً، غنيّةٍ ماديّاً وتملك كافة أشكال الترفيه والمتعة، ومن هنا كان بروز وباءٍ لا يقدر الناس على احتوائه سبباً في شعورهم بالتهديد، وبالتالي اضطرت النفوس مواجهة مشكلة الشر. بدأت التساؤلات حول أصل الشر وسببه وغير ذلك، وبينما قابلت نسبة كبيرة من الناس هذا الاشكال بالهروب إلى وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الأفلام أو الألعاب الالكترونية، وجد آخرون أنفسهم مجبرين على مواجهة الواقع، فكان التعب النفسي. فالجهل يولد الخوف وهذا يتزايد مع الوقت إن لم يجد الإنسان مايشبع به تساؤلاته.

وجدت هذا بشكل واضح في مقالات تتحدث عن العاملين في القطاع الصحي وكيف صدمتهم قسوة الوباء والموت وشعروا بقلة حيلتهم غير الاعتيادية أمام ذلك مما أدى بهم إلى الشعور بالعجز والإحباط الشديدين [1].

لا أنكر هنا صعوبة التعامل مع وباء عالمي مثل فيروس كورونا المستجد ولا أقلل من قيمة ما يفعله من يعمل في القطاع الصحي، بل نحتسبهم في سبيل الله إن كانوا من أهل الإيمان، ولكن كل ذلك ينبغي أن يُعتبر في ضوء قوله تبارك وتعالى {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصّابرين}، فالله أخبرنا أنه لابد أن يبتلي عباده بالمحن ليتبين الصادق من الكاذب والصابر من الجازع وهذه سنته تعالى في عباده لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان ولم يحصل معها محنة لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر [9].

فالمؤمن لا يتفاجأ بالمحن لأن الله أخبره أنها قادمةٌ لا محالة وأنها لخيرٍ حتى وإن كان ظاهرها شراً، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال -وهو الذي لا ينطق عن الهوى: “عجباً لأمر المؤمن إن أمره كلّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له” (رواه مسلم).

فسبحان من منحنا أكبر نعمة وتفضل علينا بما لا يسعنا شكره إذ قذف في قلوبنا الإيمان، وله الحمد أن أرانا واقع من يعيش بلا هدي القرآن إذا امتحن أو أصيب كيف يكون. فكلّ زخرف الحضارة الغربية لا يساوي شيئاً مقابل لحظة طمأنينة في النفس لقضاء الله تبارك وتعالى وقدره. نسأله أن يهدينا ويهدي بنا، ويجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.


المصادر

1- https://www.washingtonpost.com/nation/2020/04/28/nyc-doctor-lorna-breen-coronavirus/

NYC emergency doctor dies by suicide, underscoring a secondary danger of the pandemic, Washington Post

2- https://jamanetwork.com/journals/jamapediatrics/fullarticle/2765196

Mental Health Status Among Children in Home Confinement During the Coronavirus Disease 2019 Outbreak in Hubei Province, China, Journal of The American Medical Association

3- https://jamanetwork.com/journals/jamanetworkopen/fullarticle/2763229

Factors Associated With Mental Health Outcomes Among Health Care Workers Exposed to Coronavirus Disease 2019, Journal of The American Medical Association

4- https://www.cdc.gov/coronavirus/2019-ncov/daily-life-coping/managing-stress-anxiety.html Coronavirus Disease 2019 (COVID-19), Stress and Coping, CDC

5- https://jamanetwork.com/journals/jamainternalmedicine/fullarticle/2764404

The Mental Health Consequences of COVID-19 and Physical Distancing. The Need for Prevention and Early Intervention, Journal of The American Medical Association

6- https://mentalhealth-uk.org/help-and-information/covid-19-and-your-mental-health/

Managing your mental health during the coronavirus outbreak, Mental Health UK

7- شرح حصن المسلم .سعيد بن علي بن وهف القحطاني.

8- تلبيس إبليس. الإمام ابن الجوزي

9- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي

 

“عروض زواج رومنسية” و”أمهات عازبات”.. كيف تسربت إلينا هذه العادات؟

“المغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب”، بهذه العبارة الشهيرة يلخص لنا ابن خلدون واقع مجتمعاتنا اليوم، وسواء اتفقنا مع ما جاء في مقدمته أو اختلفنا، فإن لهذه العبارة نصيبها من الصحة.

بيد أن مشكلتنا لا تقف عند حدود التقليد، فالمقلد إنما يأخذ بإيجابيات وسلبيات من يقلده، يأخذه عنه حزمة كاملة، بينما تجاوزت مجتمعاتنا مرحلة التقليد لتنجب لنا نسخًا مشوهة لا تشبهنا، تسيّرنا ولا نسيّرها، وإن كانت الدهشة التي حكمت أفعال الشبّان الذين زاروا الغرب سابقا وتأثروا بنظرياته وعاداته ونقلوها بقدّها وقديدها إلى أوساطهم في بلدانهم الأصلية، إن كانت تلك الدهشة تقتصر عليهم وعلى فئة قليلة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تكفلت بإيصالها لجمهور أكبر حين سهّلت دخول هذه النظريات والعادات إلى بيوتنا عبر شاشات صغيرة، ووجدنا أنفسنا أمام عادات لم نكن نعرفها بداية ثم تتطبعنا معها ولم نعد نرى في سنّها ضمن عاداتنا أي غضاضة.

والحديث هنا ليس عن العادات التي ترافق فرحًا ما مثلًا، مما لا يختلف مع معايير ديننا ومجتمعنا، إنما عن عادات وظواهر متأصلة في الغرب ورؤيتنا لها بعين واحدة، فلا يمكن أن تمرّ أيام حتى يعرض لنا مما يعرض في فيسبوك مثل فيديو رومنسي عن شاب تقدم لخطبة فتاة محمّل بالورود وبخاتم يجعل الفتاة تبكي فرحًا، ثم تفتح التعليقات لتجد دعوات عريضة من الفتيات للشباب ليقتدوا ويتعلموا الرومانسية وحسن التعبير، من غير أن تنقل لنا الصورة المخيفة القابعة خلف هذه الرومنسية وعن المرارة التي تعانيها المرأة بعد علاقة محرمة لتنهي رحلتها المشتتة وغير المستقرة بالزواج، الزواج الذي يسعى إليه شبابنا ابتداء بالخطبة والعقد، وقبل أي علاقة محرمة تستهلك المرأة وتستنزفها، خصوصًا إن رافق العلاقة حمل غير شرعي، لتحمل المرأة أعباء الطفل فوق أعبائها، وقد ناقش الأستاذ إياد قنيبي هذه الظاهرة ضمن سلسلته على اليوتيوب رحلة اليقين.

طلاق وردي
ولما كانت بدايات رحلة الزواج الغربية محط إعجاب، كان من المنطقي أن تكون رحلته ونهايته على خطى غربية أيضًا، فما زالت مجتمعاتنا تغلف كلمة “طلاق” بهالة كبيرة ولا يمكن لوقع الحياة المادية التي سهّلت أمور الطلاق وصعبت أمور الزواج أن تنزع هيبة الكلمة ووقعها على من خاض التجربة رجلًا كان أو امرأة، لكنها استطاعت أن تخفف تلك الهيبة وأن تجعل باب الطلاق من أوائل أبواب الحل المقروعة.

فلم يكن معروفا لدينا مثلا ما يسمى “بحفلات الطلاق”، والتي تتشابه مع حفلة “وداع العزوبية” تبتدأ الرحلة بها وتعلن الثانية نهاية الرحلة، ولست أدري أي حالة نفسية تعيشها المرأة التي تُقدم على مثل هذه الخطوة حين تُقلب الموازين ويصبح الطلاق من مدعاة لأن يعيد الإنسان حساباته إلى مفاخرة واحتفالات.

وأتساءل كيف تقضي المرأة المحتفلة مع أقرانها ليلتها بعد أن ينفض عنها الجمع؟ صحيح أن طلاق المرأة الراضخة تحت ظلم زوجها يكون خلاصًا، وكذلك الرجل الذي تعرض لظلم من زوجته، إلا أن الأمر مع ذلك يستدعي مراجعة الحسابات ويعني فشل الإنسان في مرحلة ما، ولا يستدعي الفرح البتة خصوصًا إن نتج عن هذا الزواج أولاد.

أمهات عازبات
اصطُلح مؤخرًا على إطلاق لقب أم عازبة على النساء اللواتي يربين أطفالهن في غياب كامل لأب الطفل، وغالبا تطلق التسمية على الأمهات اللواتي أنجبن خارج إطار الزواج، إذ تشير التقارير التي قدمتها الباحثة التونسية سامية محمود المختصة في علم الاجتماع على أن عدد الأمهات العازبات يبلغ حوالي 1060 أم كل سنة في تونس وأن هذا العدد يشهد ارتفاعًا ملحوظًا سنويًا، وأثبتت الباحثة أن أعمار الأمهات العازبات تتراوح من 15 إلى 24 ، ومعلوم أن هذه الإحصائيات لا يمكن أن تغطي كل الحالات ما يلزم ضرورة أن تكون الأعداد أكثر من المعلن عنه، وفي المغرب هناك ولادتان غير شرعيتان بين كل خمس ولادات شرعيّة[1].

ويقدّر عدد الولادات التي تمت خارج إطار الزواج بـ 153 مولود يوميًا[2]،  كما تشير التقارير إلى أن نسبة الأطفال المولودين خارج إطار الزواج في بريطانيا بلغت 47.5 بالمئة عام 2012[3].

والحديث عن الحقوق التي تمنحها الدول الأوروبية للأمهات العازبات هو حديث عن جانب حقوقي وإغماض عين عن الجوانب الأهم، فاعتبار الحقوق المادية على أنها غاية إنسانية نبيلة هو عين الظلم للطفل الذي لا تقف حاجته عند حد الاعتراف به أو منحه وأمه راتبًا شهريًا، فالواقع يثبت أن القوانين التي توضع للتدخل في العلاقات الاجتماعية “الأسرية مثلًا” تهدم أكثر مما تبني، وفي أحسن الأحوال تقدم حلولًا تقتصر على الماديات.

زواج القاصرات وزنى القاصرات
ما الذي يمكن أن يحدد جاهزية الفتاة أو الشاب للزواج؟ وهل يعقل أن تكون قدرات الشباب متكافئة؟ فإن سألنا متى يحق للإنسان أن يأكل كان الجواب المنطقي حين يجوع، ومتى يحق للإنسان أن يشبع حاجته الجنسية؟ فالجواب حين يشتهي، وهو سن التكليف في الإسلام، فالأمر إذا ليس لإشباع رغبة فحسب بل هو سن يحاسب الإنسان على كل أفعاله فإن قتل قُتل وإن سرق قُطع، وإن باع أو عقد نفذ بيعه وعقده، طالما أنه مكلّف أي بالغ، فإن كان الأمر كذلك في العقوبات والتكاليف بمعنى أنه يملك زمام أمره ذكرا كان أو أنثى فإنه يستطيع تحمل تبعات مسؤولية الزواج وتكوين أسرة.

والكلام عن تجريم زواج من هم في سن صغيرة هو حديث قاصر عن الإحاطة بكل جوانب الإشكالية، فلو كان الأمر مواكبًا للطبيعة الإنسانية لما شهدت المجتمعات الغربية خصوصًا تزايد عدد الامهات العازبات واللواتي قد يصرن أمهات وهن في عمر المدرسة، أي في عمر الرابعة عشرة، الأمر الذي دفع بعض المدارس في الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء حواضن خاصة بالأمهات الطالبات.

ولا يقف الأمر عند حدود إنجاب طفل من علاقة غير شرعية لتكون مشكلة فردية، فالحديث هنا عن أب تخلى عن مسؤوليته تجاه طفله، وعن أم تضطر للعمل في مجالات ربما لا تناسبها لتلبي حاجات الطفل، وفي ظل هذا التخلي يُدفع بالأطفال إلى هاوية التشرد والعوز.

إذن نحن أمام حقيقة تتلخص بما يلي: رفع سن الزواج عند الشاب والفتاة لا يعني أنهما سينشغلان بتعليمهما ويصرفان النظر عن  تلبية تلك الحاجة، وتعسير أمر الزواج يعني ضرورة تيسير أمر الحرام، فإما زواج وأبناء تحت مظلة هذا الزواج، وإما زنى وأبناء لقطاء قد ينتهي بهم المطاف في عالم التشرد والجريمة إن لم يجدوا من يأخذ على أيديهم.

فإن قلنا إن المعايير اختلفت وشباب وبنات مجتمعنا اليوم غير قادرين على حمل المسؤولية كما يجب، قلنا إن مرد ذلك عائد للتربية التي ينشأ بها الشاب والفتاة داخل العائلة، فالعائلة هي مربط الفرس إن قام الأب بدوره وقامت الأم بدورها من تغير تنازع بينهما، فإن قيل إن أمور الزواج لا تتعلق فقط عند الوعي بالمسؤولية بل إن الأمر يكاد يكون ماديًا صرفًا، فالحق أن هذا مما أفرزته الأنظمة الرأسمالية التي قيّدت الشباب بقيد الوظائف التي تستهلك منهم عمرهم ولا يكاد الشاب يجد مقابل وقته ما يسد الرمق، ما يجعله غير مختار في موضوع تأخير زواجه، فإن كان ولا بد من هذا التأخير فلا يتجاوز سن الشباب.

عند إقرار الإنسان بوجود خالق لزمه ضرورة اعتقاده بما أقره الله لضمان صلاح حياته، فإنه إن خرج عن تلك القوانين التي سنّها الخالق، وطالت يده هذه القوانين تعديلًا واعتراضًا، لا بد أن يدفع فاتورة هذا الانحراف، سواء اعترفنا بهذا أم لا فإننا نجني عواقبه، والكارثة أن العواقب تشمل مجتمعا بأكمله.

والحديث هنا عن الآثار المجتمعية بصورتها العامة، فلا يمكن قياس حالات لأشخاص ينتمون لمنظومة دينية ولا يطبقون قواعدها لا يمكن اعتبارهم ممثلين عن تلك المنظومة، وسوء استخدامنا لجهاز كهربائي مثلًا لا يعني خطأ الشركة المنتجة، ويكفي ليعرف الإنسان أن ترك التعاليم الدينية التي وضعت لتنظيم علاقة المرأة بالرجل في الزواج والطلاق والأسرة وغيرها، يعني ضرورةً حرف المسار وحصد نتائج كارثية وقلبًا للمفاهيم، حتى أصبح الزواج المبكر جريمة حتى لو تم برضى ووعي من الطرفين، والعلاقات خارج هذا الإطار حضارة، ناهيك عن اعتبار زواج الشواذ حرية ونقده جريمة، لنحصد اليوم نتاج هذا انهيارًا أخلاقيًا مريعًا سيزداد سوءًا كلّما ابتعدنا عن شريعة الفطرة واقتربنا مما يوفد إلينا، “ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير”؟


[1] تقرير نشره موقع BBC بالعربية، https://cutt.us/P1q0P 

[2] دراسة نشرتها جمعية “إنصاف” عام 2011م غير الحكومية بالتعاون مع الأمم المتحدة، ولتقرير نشرته وكالة الأناضول  https://cutt.us/r4Hox .

[3] موقع BBC بالعربية https://cutt.us/.