image_print

إشكالية الثغر وأولويات الواقع في التربية

إن من أنفس النصائح التي نقدمها للشباب أن نحثهم على الإقبال على العلم في سن الطفولة والفتوّة والشباب، فإنها فرصة حري بالعاقل اغتنامها، فقد يعجز في المستقبل عما يستطيعه في تلك الأوقات، وللعلماء في ذلك أقوال كثيرة، توحي بأهمية الطلب في الصغر، وتميزه عن الطلب في الكبر. فقد قال الحسن البصري رحمه الله: “طلب العلم في الصغر كالنقش في الحجر”، وقال الشاعر قديمًا:

وينشأ ناشئ الفتيان منا … على ما كان عوَّده أبوه

وما دان الفتى بِحِجىً ولكن … يعلّمه التدين أقربوه

يقصد بذلك أن الفتى يكبر وينشأ على ما يعلمه أبوه، ويتخلّق بأخلاق الأقربين منه، وليس بالضرورة أن يقوده عقله للطريق الصحيح دائمًا.

أهمّيّة التعلّم في الطفولة

غالبًا ما تتشكّل شخصية الإنسان وفقًا للنمط التربوي الذي يحتضنه في طفولته، وينشأ متبنِّيًا لكثير من المبادئ والأخلاق التي تربّى عليها، وأيضًا لا يحتّم ذلك تَلبُّسه بهذه المبادئ والأخلاق طيلةَ حياته، وإنما يعلق به كثير منها بحيث يصعب التخلص منها.

في فترة الطفولة يزرع الأبوان بداخل طفلهم المعاني العميقة والمبادئ الأساسية التي سيبني عليها بعد ذلك فروع توجهاته واهتماماته، وينبثق عنها تصوراته الأولية عن الحياة والواقع، حتى يتمكّن هو من إعمال آلية عقله باستقلال، فيتبنى هذه التصورات ذاتها، أو يتحول عنها إلى غيرها.

المشكلة هنا – وفي زماننا هذا تحديدًا – أن فرصة الناشئ في إعمال عقله وتحليله للتصورات وللواقع من حوله تكاد تكون معدومة، بسبب الواقع الضاغط، وطغيان المادية وسيل التكنولوجيا الهادر، الذي يندر أن يبقي فُتات الوقت للكبار، ناهيك عن الصغار. وحتى لو تسنّت له الفرصة في تفعيل آلية خاصة يرى من منظورها ويتبنى على أساسها تصورات مستقلة، فإنه سيُطِلُّ على واقعٍ مُشوَّه، اختلطت فيه المعاني وتماهت فيه الواضحات، وكثر غموضه وفساده لدرجة أن تشوه فيه بعض ثوابت الفطرة، وتغيب فيه سطلة الدين.

إشكاليّة الثغر

في واقع متلاطم كهذا، تدفع النية الحسنة بعض الآباء إلى توجيه أبنائهم من الصغر إلى التزام نموذج معين، ينشأ فيه الطفل ويتهيأ على كونه يعد إعدادًا خاصا ليقوم بمهمة ما، ويسد ثغرًا من ثغور الأمة. حيث يوجه أن يكون طبيبا مسلما أو عالما مسلما أو مخترعا مسلما أو غير ذلك، ليكون صاحب بصمة خاصة، ويؤثر في الأمة تأثيرا نافعا وقويا.

لست بصدد مناقشة هذه الفكرة الآن، لأن الإشكال الحقيقي في نظري هو الانشغال بإعداد النموذج، دون التأسيس الصحيح في الطفولة وغرس أساسيات الدين.

في كثير من الحالات يُولَى الاعتناء بتهيئة النموذج المعد للوقوف على ثغر ما الاهتمام الأكبر، وتُبذَل فيه الجهود، ويقابِل ذلك تراخيًا في التأسيس الصحيح على الأصول المهمة. إما لسوء تقدير الأولويات من الأبوين، أو سوء التوجيه وضبط العمل على كل من الجانبين كل في زمنه وإطاره الصحيح.

 يؤدي سوء التقدير إلى صرف الجهد المبذول والاعتناء إلى تهيئة النموذج والاستغراق فيه إلى الحد الذي يتضاءل معه الجانب الآخر، وتتراجع قيمته بجانب الصورة الكبيرة التي ترسم لإعداد النموذج، وما سيكون عليه في المستقبل من ترك الأثر وسد الثغر، فينصرف أكثر وقت الطفل وجهده واهتمامه إلى الدرس أو المذاكرة أو التمرن أو تعلم مهارات أو أيا ما كانت الخطوات المطلوبة لتحقيق النجاح والوصول إلى الغاية المنشودة.

 هذا الاستغراق قد يُترجِمُه الطفل إلى منهج حياة، ويلتئم تصوره على كون هذا الإطار الذي يعيشه هو السبيل الوحيد الموصل إلى وجهته، فعلى قدر الغاية يكون البذل والاهتمام. وإذا انقضت سنين الطفولة على هذه الحال حتى يشب ويكبر، ثم يصطدم بمجريات الواقع المتداخل المليء بالشبهات والشهوات، دون إعداد مسبق أو على الأقل توجيه رشيد بالتمسك بالأصول والرجوع إليها، فإنه ينغمس في الواقع يتجاذبه هنا وهناك. ولربما تنال منه شبهة أو شهوة، أو على الأقل يقع في المحظورات. فنجد النماذج قد أنتجت اقتصاديا مسلما كل معاملاته وأكثر رزقه من الربا، وطبيبا مسلما حاذقا في مجاله العملي، وهو في نفس الوقت لا يلتزم أخلاقيات مهنته، ولا يتورع فيها عن الحرام. وتجد الأكاديمي المسلم الذي لا يعرف أي شيء من دينه أو دنياه، وعقله مستهلك حصرا في مجاله الأكاديمي وفقط، ثم هو يستخدم وجاهته أو سلطته في الشر أكثر منها في الخير، وتجد المخترع المسلم الذي يفني عمره في تنمية وإثراء مجتمعات وأمم غير أمته، التي قد أعد أساسا لخدمتها وسد ثغر من ثغورها، وتجد كل نموذج في مجاله قد اكتملت صورته المنشودة ظاهريا، على هيكل أجوف لا يعرف كيف يوظف هذا النموذج في خدمة مجتمعه، أو على الأقل لا يتجنب محظورات يقع فيها غيره. بل قد يصل الحال بالبعض إلى خدمة أيديولوجيات هي في الأصل على النقيض من دينه وقيمه، إما جهلا منه أو تهاونا.

أولويات الواقع وإعداد النموذج

لا يمكن أن يكون كل الناس علماء في الشريعة أو فقهاء في الدين، وليس هذا مطلوبا أصلا. كما لا يمكن أن يكون كل الناس أطباء أو مهندسين أو محامين أو لاعبين. ولكن في حالة أردنا إعداد نموذج من هذه النماذج ليكون نموذجا صالحا يقوم بما عليه تجاه مجتمعه وأمته. فالنية الحسنة وحدها لا تكفي هنا، بل يلزمها علم وجهد في التعليم والتوجيه.

فيلزم على الآباء أولا أن يتعلموا ضرورات دينهم، وما يجب عليهم أن يتعلموه كمسلمين بالغين، بغض النظر عن تخصصاتهم. ثم يتعلموا بعد ذلك ما يجب عليهم تعلمه فيما يتعلق بتخصصاتهم العملية أو العلمية من الفقه والأحكام وغيرها، ويلزم تعلُّمهم هذا ليعلموا أبناءهم، ففاقد الشيء لا يعطيه.

ثم بعد ذلك يكون تعليم الأبناء من الصغر ضرورات دينهم، بما يطيقه كل منهم حسب عمره وطاقته وقدرة استيعابه. وإن لم يستطع الآباء ذلك لسبب أو لآخر، فليلتمسوا لأبنائهم مربيا أو معلما، يعلمهم ما يكفيهم من الضرورات وينبه على المحظورات. فيأخذ الأبناء مع نموهم بطرف من أطراف علوم الشريعة، والقرآن والعقيدة على رأسها، جنبا إلى جنب مع المذاكرة أو دراسة التخصص أو غيرها، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر ولا تتداخل الأطر، مع معرفة أهمية كل منهما وإنزاله منزلته. فترسم للأبناء المرجعية الأولى وهي الدين، وينمّى عندهم الارتباط القوي بدينهم وأحكامه، وتبنى عليه الانطلاقات والتوجهات.

ثم بعد التخصُّص يجب على كل واحد منهم أن يتعلم ما يلزمه من أحكام في تخصصه، فيعرف حرامه وحلاله من المشهور، ثم يكفيه أن يعرف أن له مرجعية وأصلا ثابتا منه ينطلق، وهو الدين وأحكامه، فيسأل أهل العلم فيما يشكل عليه، ويتعلم منهم ما يجهل. وعليه ألّا يقنع بحاله هكذا بل ينمي من معرفته في علوم الشريعة، فالفتن لا تنفك تطرق الأبواب، والشبهات ملء السمع والبصر.

 فلو تم للأبناء العلم بضرورات دينهم منذ الصغر، ووُجِّهوا أولا إلى تعلُّم علوم الشريعة ولو أقل القليل منها، ثم بعد ذلك يوجهون إلى المجالات والتخصصات المختلفة لاكتمل لهم النموذج، بفاضله ومفضوله، فيجمع بين الأساسيات التي يحتاجها كل مسلم، بالإضافة إلى ما يعنيه هو في مجاله. وحبذا لو تميز في تخصصه وتفوق، وهو المرجو من شخص قد أعد إعدادا صحيحا وبني بنيانا سليما، فيستطيع بذلك أن يترك أثرا فاعلا ويسد الثغر الذي أُعِدَّ لأجله.

ران العصر

أضحت ظاهرة الفضول المعرفي شائعة هذه الأيام بين مختلف الفئات والأعمار، خاصّةً الشباب والمراهقين منهم، يدعمهم فيها الفضاء الإلكتروني الشاسع الخالي من كل رقيب وعتيد، مما سهّل عليهم الغوص فيها والبحث عن كلّ ما يدور في خلدهم، وقد كان هذا الأمر سببًا في هذا النوع الجديد الملاحظ من الران على القلب والعقل، فلم يعد يقتصر على ما سبق في الأذهان منه، بل صار أخطر وأشدّ أثرًا، فهو طريق الردة، بل وربما الانتحار.

إنه من المحزن أن تكون طاقات الشباب في عمر الزهور، كالدبابير التي تسعى لخراب أعمارها وأعمالها، فلا يعرف المرءُ منهم أي شي عن العلم الشرعي، ويوم ترد على قلبه شبهة يستسلم لها ويرتد إلى الطرف الآخر كأنه مريضٌ نشط من عقاله، فهو لا يذهب لمعرفة أصلها والردود عليها في الكتب الإسلامية قديمها وحديثها مما فنيت فيها الأعمار والأفكار في توضيحها، بل يذهب للبحث عن الشبهة في حد ذاتها ليجد الكثير من المتأبلسين يؤكدونها ويزينونها له، وعوضاً عن رد الشبهة نراه قد وضع في جعبته مئات الشبهات التي تجرّه للنفور من الإسلام رويدًا رويدًا، فلا هو نال حلّ الإشكال ولا الراحة منه، بل زاد عقله الطنين وغلّف قلبه ران العصر! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الران بين الماضي والحاضر

يقول رب العزة ﷻ ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:14] يقول مجاهد في تفسيره للآية: “هو الرجل يذنب الذنب، فيحيط الذنب بقلبه، ثم يذنب الذنب فيحيط الذنب بقلبه، حتى تغشى الذنوب قلبه” ويروي الطبري في تفسيره عن مجاهد أيضًا قوله في شرح الران: “القلب مثل الكهف ورفع كفه، فإذا أذنب العبد الذنب انقبض، وضم إصبعه، فإذا أذنب الذنب انقبض، وضم أخرى، حتى يضم أصابعه كلها، ثم يطبع على قلبه. قال: وكانوا يرون أن ذلك هو الرين”

فكما هو واضح من هذا النقل عن معنى “الران” أنه كان عاماً لكل المعاصي التي يعتاد الإنسان ارتكابها في حياته، ومنها إلف الحرام والاعتياد عليه، وتتبُّعه الذي استحدث في عصرنا هذا، فإن المعاصي تنال بالكسب وربما بدون دراية من صاحبها كالغيبة والنميمة، حتى يستغفر إذا درى، أما الآن فقد تضمنت أشكالا مستحدثة منها الذي يخصنا في موضع البحث وهو إلف المعصية وطلبها وتتبّعها، مع سبق العلم بأنه طريق المهالك، فاستجدّ هتْكُ المحارم التى حذرنا الرسول ﷺ منها في حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حين  قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ -وأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: (إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ، ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وهِيَ الْقَلْبُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فالقلب هو بيت القصد فأيُّما عبد استعان بالله على صلاحه هداه الله وأعانه بإخلاص النية لله تعالى..

لم يعد الأمر يقتصر على القلوب بل صار أقوى لتشتيت العقل وهدم الهوية حتى أصبح يدافع عن الباطل ويستمال فيه مع داء الكبر والاعتزاز بـ “خالف تُعرَف”، فالباحث عن الحقيقة كما يزعمون بشعاراتهم الجذابة  الرنانة حينما تقع الشبهة عليه، يذهب مدفوعا بشعارات العصر – مثل أن الباحث والمثقف هو الرجل أو المرأة العصريين والمتحررين وغير ذلك-، إلى البحث عن أجوبتها في الانترنت وفي وسائل التواصل الاجتماعي فيزداد الران وتتعاقب الشبهات على قلبه ويظن أن الأمر عادي ويعبر بأنه يستطيع التفريق بين ما هو حق وباطل ولن ترد عليه الشبهة مدفوعا بحماس الشباب و لكن للأسف فإن انطلاقه خاطئ، وبالقياس “بالماء، فإذا كنت سباحا ماهرا فستنجو، و إذا كنت غير ذلك فستغرق و لو في بركة صغيرة و بأقل شبهة” [د. إياد قنيبي].

 

فإن الشبهات كالمستنقع ولن نقول بأنه لم يكن في الماضي شبهات أو حتى ملحدون لكن الأمر لم يكن بكل هذه البساطة والسهولة فهذه الموجة قديمة حديثة؛ قديمة في اشكالاتها ومواردها، حديثة في طرقها وأساليبها وسُبل نشرها.

وكثير من الواقعين في شباكها من الكوادر العلمية الذين اغتروا بالعلم الطبيعي وبما وصلوا إليه ويرون غيرهم في مرتبة الدون لا يصلون بعقولهم لما هم توصلوا إليه وهم وإن لم يصل الكثير منهم للإلحاد -برغم تهويل أرقامه- إلا أنهم مازال في نفوسهم حاجة مما ران على قلوبهم إلا من سلك طريق الحق مع درء الكبر والمعارضة والتشكيك، فيعيشون في قلق وهروب واضطرابات ويحكمون أن كل ما كتب وألف في الدفاع عن الشبهات تافه ولا يجدون فيه ضالتهم، فيشبعون نهمهم المتشكّك بكتب المستشرقين والمفكرين الرافضين لتعاليم الإسلام، ليؤكدوا لأنفسهم أنهم على حق في شبهاتهم، وهناك من يوافقهم أو يقولون لا نجد أحدًا يجيبنا، أو إن طلاب العلم الشرعي والعلماء تقليديون ورجعيون ويفتون بغير علم.. إلى غير ذلك من أوهام عقولهم الموسومة.

نسوا بانفتاحهم المشبوه هذا دون أساس ديني أو سند عقائدي يتكئون عليه -غير مسلم بالبطاقة- أحاديث الرسول المحذرة من إدمان الشبهات وإلف المحرمات، وأن الحرام يصبح سهلًا، ومعه كذلك ما يخالف الفطرة ويدعو لكل أمر شاذ..

عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال (إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتت في قلبِهِ نُكْتةٌ سوداءُ، فإذا هوَ نزعَ واستَغفرَ وتابَ سُقِلَ قلبُهُ، وإن عادَ زيدَ فيها حتَّى تعلوَ قلبَهُ، وَهوَ الرَّانُ الَّذي ذَكَرَ اللَّه كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [رواه الترمذي في صحيحه وإسناده حسن صحيح].

نكتت عقولهم مثل قلوبهم ولكنهم لا يرجعون، فكان الوارد الجديد هو النَّكْتُ العقلي، فلا هو يفهم ولا يريد أن يفهم، وإن جادله أو حاوره أعلم الخلق تراه ينظر إليه من برج عالٍ، ويتكلم بالسفسطة، فعقله نُكت حتى غُلف فصار كمن يحمل أسفارًا دون أن يدرك ما فيها، كما في قوله عز وجل ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[الأعراف:179].

هل من سبيل للخلاص؟

من الإجحاف القول بأن هذه الحالات هي الغالبة والعامة لشباب المسلمين فهذا من باب التهويل المفرط ولكن بحسب الدراسات فإنه من بين 6.4 مليار نسمة في العالم وصل عدد الذين لا يؤمنون بدين معيّن قرابة 1.1 مليار -بحسب مركز بيو للأبحاث- والمتحولون إلى اللادينية بين المسلمين هم الأقل نسبةً مقارنة بغيرهم من الأديان، مع احتمال وجود أعداد تتكتم عن هذه الميول خوفًا من التصريح بذلك فالإحصائيات في الوطن العربي غير منضبطة عمومًا؛ والموجة قد استقر عددها هذه الأيام.

وهنا لن نقول إن الشبهات نتاج العصر الحديث فقط، وأن الساعون إلى النجاة هم أهل هذا الزمن فقط، فالأمر لم يسلم منه حتى بعض صحابة رسول ﷺ فقد (جاءهُ ناسٌ من أصحابه فقالوا: يا رسولَ اللهِ! نجدُ في أنفسِنا الشيءَ نعظِّم أن نتكلَّم به –أو الكلامَ به– ما نحبُّ أنّ لنا، وأنّا تكلّمْنا به، قال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم! فقال: ذاك صريحُ الإيمانِ) [رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

فهذا حال غالب أصحاب القلوب لم يسلم منه أحد قل أم كثر حتى إن لم يجد الشيطان له سبيلا ذهب للوسوسة، ولكن الفرق أنهم طلبوا المعنى الصحيح من رسول الله، وستروا أنفسهم فسترهم الله ولم يماروا أو يبارزوا الله وعباده بالشبهات المبعوثة من بين الرفات كما يفعل مفسدو هذا العصر من خلال كافة الوسائل الممنهجة وغيرها فحقّ عليهم قول الله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾[الصف:8].

وبمبدأ الوقاية خير من العلاج وجب إظهار الخطر والتحذير منه قبل استفحال خطره أكثر من ذلك، حتى لا نقع فيما وقع فيه أسلافنا في عصر الترجمة للعلوم اليونانية ونقل التراث الفلسفي للأمم الأخرى بما فيه من انحرافات وعقائد باطلة وانكباب الخلق عليه مما أحدث فتنة عظيمة، فلكل علم أهله، وما أشبه اليوم بالبارحة، فلا بدّ من تعلم أخطاء الماضي ومعالجة المسائل بطرق جديدة مستقيمة بجهود مجتمعية أو حتى فردية..

أما في طلب الوقاية والهداية فعلى الدعاة وعلماء الشريعة العبء الأكبر فهم أمناء الله على عباده، وعلى المجتمع، وأخيرا الفرد وهو المحور فالكل مسؤول أمام الله ﴿ ِإنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾[الأحزاب:72].

والموضع ليس موضع إطناب، فلنختصره في قول الرسول ﷺ حين قال: (يَأْتي الشَّيْطانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولَ: مَن خَلَقَ كَذا وكَذا؟ حتَّى يَقُولَ له: مَن خَلَقَ رَبَّكَ؟ فإذا بَلَغَ ذلكَ، فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ ولْيَنْتَهِ)[رواه أبو هريرة ، وأخرجه مسلم في صحيحه].

فقد أمر الرسول ﷺ بعماد الأمر كله وهو الكف عن الاسترسال في تلك الشبهات، ثم شغل النفس والفراغ بالاستغفار والذكر فالعقل مهما اغتر به صاحبه لن يتجاوز ما هو أبعد من حدوده وما وراء مساحته، وإن زاد فهو الجنون بعينه والتخبط على عتبات الغيب؛ وعليه فإن من ورد بخاطره  شبهة من جيل المؤلفة قلوبهم فليعرض عنها وليتناسَ ورودها ويستغفر الله ويتفكر في  كتابيه المسطور والمنظور بتدبر على بصيرة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس:57] فإن أبت شبهته إلا التعمير على حياته وصفوة مزاجه فليراجع أهل العلم مع سبق الإصرار على طلب الحق لا للسفسطة والجدال والظهور، وليراجع ردود العلماء عليها فيجد بعون الله ما يشفى الغليل ويريح العقول، ومن أراد مزيدا من الغوص فليلزم العلم الشرعي ولينهل من أصوله، حتى يكون على علم وبصيرة ولا يذهب بدون أساس فيُضَلَّ ويضِلّ ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:109]

يجب علينا إعادة البناء العقدي لأبناء هذا الجيل المؤلفة قلوبهم، فلا يكون إيمانا بالتوارث والفطرة فحسب، بل نزيد عليه أن يكون بمعرفة الأمور التى نظن أنها ضرورية وبديهية لهم، فهذا جيل الشك ويجب علينا إعادة تأسيس البنيان ليستمر ما قدّر الله، والله المستعان وعليه التكلان.

ثنائية السعادة والحزن

كثُر الحزن والألم في عالمنا هذا وذاع صيته في مُجمل بقاع العالم، لا لشيءٍ غير أنَّ الإنسانَ أصبح قلقًا من شتاته وإدراكه -بعض الشّيء- معنى الحياة، حيث أكثرَ من طرح الأسئلة الميتافيزيقيّة، وفي رمشةِ عينٍ صار الجميعُ ناقدًا وفيلسوفًا من طرازِ استعمال الشكّ على وجهه الحقيقيّ وعلى النّحو المراد منه، ولعلّ الكثيرين ممّن يتلاعبون بالقول ويتفنّنون في ضرب المثال شنّوا حروبًا بفكرهم على القلم، حتّى أذعنَ لما يملون عليه من صميم ذواتهم وسراديبها المخيفة، ولكنه لم يعُد طوع بَنَانهم وقبضتهم.

الصمت والاتكاء على الذات

جميعُنا وُلِعْنا بالكتابات الحزينة وادّعاء الصّمت عِوض الكلام والطّرب له، فعادت نفوسنا تستمدّ طاقتها وشغفها من رسومات ڤان جوخ التّجريديّة ورسالته التي لا تخلو من هاتفٍ، بعدما أن كان الأمرُ رهينًا بما جُبلنا عليه في قالبٍ بيولوجي محض، وبعد لم نعُد نريد غير العيشِ وسط كياننا والاتّكاء على ذواتنا. من منّا لا يقرأ لفرانز كافكا وألبير كامو ولا يطبّل لهما ويصفّق؟ أمَا عادت أفواهنا تردّد أقوال الفلاسفة عن الحياة، فأخذنا من الشّعراء حكمتهم حولها ورؤيتهم الثّاقبة إليها، ونظرنا إلى شعر أبي العلاء من هذه الزّاوية فقط وتركنا الباقي في سلّة النّسيان؟

في العزلة والوحدة وحُسن الإصغاء والإنصات لأنّاتنا أصبحنا بارعون وَوُعّاظًا، فولّى زمن اللّمّة وعهد الابتسامة واستُبدِل ذلك بالرّكون عند مستودعِ الألوان القاتمة المشحونة بالصّداع والألم الدّاخلي، وما زاد هذا الزّعم بلّة هاتف اليوم ومصاحَبَته السّاعات، فنحن نجتمع مع أصدقائنا أو من نكنّ لهم حُسن الودّ لا لأمرٍ آخر غير مفهوم الاجتماع، نجتمع لنُكملَ رحلةَ البحث وراء المنصّات الافتراضية ونتسكعّ بين دروب دكاكيننا، فقدنا حوار المباشرة وتأثيره وما يمكن أن يقدّمه الآخر لنا من ابتسامة، أو ما قد يتركه البوح من تجديد النَّفَس وإعادة  النّبض إلى مجاريه الصّحيحة.

نحن عاشقون من الألبسة وألوان الموسيقى ما يخفى تشكيلهما على الأذهان، وتكييفهما على بالِ مستمعٍ أو ناظرٍ؛ فالدّلالات لم تعُد مشتركة بيننا بل عليك أن تجيدَ التّجديد لصياغة عوالم جديدة، تترُك الآخر في غياهبِ التّأويل وتوليد المعانيَ الكثيرة، واستخراج البيانات الغامضة.. هكذا أصبحت رتابة حياتنا الآنية، على أنغام سيمفونيّة بيتهوڤن وألحان الانزياح على أطباق الفطرة السويّة، التّي تنبت في حوض الاستقامة والطّريق الجَلَل، وما تلبث أن تضرب في قعر الخواء حتّى يُسمع صدى الإتلاف.

حتمًا ستعاني إن تبعت تلك العقول التّي رمَت الحمم وقذفتِ البراكين من أذهانها في سبيل تفسير المُبهم من هذا الكون، ولا شكّ ستموت من كمدٍ وحزنٍ إن أذعنتَ لهوى هذه الحياة التراجيديّة السّخينة وجادلتَها في محاولة قشع الضّوء؛ فالعامل والمسبّب الرّئيسي وراء تقمصّ رداء السّؤال، إنه (الوحدة)؛ هذه الأخيرة تفتح للمرء ينابيع الكلام عكس ملاقاة الآخر الذي يؤخّر التّفكير ويقتل الكلمة حتّى وإن كُتِبَ لها أن تحيا في الاستعمال اللّغوي، على حسب زعم فيرناند بيسوا في كتابه اللّاطمأنينة، فأنا أمام الآخر أفقِدُ القدرةَ على الذّكاء، على التّفكير، وحتّى على الحديث أيضًا، لذلك أصبح يحاول الإنسان الهروب ممّا يقزّم حرّيته والتّعبير عن ذاته.

فيرناند بيسوا

حاجتنا للحزن جزء من السعادة

الوحدة عاصفة ساكنة تقصف صاحبها وتُطعمه وجبات مستهلكة لِيموتَ بأسلوبٍ بطيءٍ، فهي أشرس الأعداء لأنّها تتركه يخاطب ذاته وتُسمِعه الأصوات المخيفة، وتتربّص به داخل الكهوف والغابات حينما يصمت العالم -على حدّ قول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه-، كما يخبرنا آخر بأنّها جزءٌ ملازمٌ لكينونة الإنسان، لكنّ السّؤال الذي يَطرح نفسه. كيف يمكننا أن نعيشَ مع هذا الوحش الصامت المخيف الضّخم داخل خيمة واحدة؟ ونتقاسم معه المأكل والمشرب؟ والأصعب أن نشاركه التّفكير؟

إذا ولّينا شطرَ الجمال والشّعر والكتابات الخلّاقة وكلّ ما يطرب النّفس -بحسب قول ابن طباطبا العلوي في كتابه عيار الشّعر- وَجدنا مناهج الفكر بمثابة تلك الحشرة التّي تنخر هذا الإبداع من الدّاخل، وتنهك قواه في سبيل دراسته واستكناه ما لم يُذكر على العتبات؛ وإنّي لأجد في هذا التّقييد حربة قاتلة عالقة في حلقوم تعدِيَةِ الحياة على نهجها الطّبيعي وسلامتها الكونيّة، وليس غايتنا من هذا الذّكرِ سوى أنّ الإنسانَ صار يتفنّن في طرح السّؤال واتّباع المعنى واللّغز القابع أينما ذهب به الرّمز وهربت به الكناية، ولا ننكر بأنّ الحياةَ فقدت بريقها ولَمَعانها مع هذا الحصر المقذع.

على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي نسعى ونلحّ بقوّة أنْ نظهر أسعدَ جزءٍ منّا، لكن من الواضح والمُشاع أنّ معدّلات الاكتئاب المتزايدة في جميع أنحاء العالم، تدلّ على مدى كفاح الإنسان ورغبته في ممارسة السّعادة والارتماء بين أحضانها. هل علينا أن نعيد التّفكير في الثّنائيّات الحياتيّة ولا سيّما ثنائيّة (السّعادة والحزن)!؟ ونروم جانب الشّاعر الرّومانسيّ جون كيتس في قصيدةٍ له عن الكآبة حينما يقول: “الألم والفرح وجهان لعملة واحدة؛ كلاهما ضروريّان لنحيا”، كما علينا تبنّي الألم كجزء من الحالة الإنسانيّة.

وفي مقال للأستاذ النّفساني باستيان بروك يقول فيه: “ليس المغزى في أنّنا يجب أن نحاول أن نكون أكثر حزنًا في الحياة، بل تكمن المشكلة في محاولتنا تجنّب الحزن ورؤيته على أنّه مشكلة وسعينا لتحقيق السّعادة التّي لا نهاية لها، بينما لسنا سعداء جدّا في الواقع، وبالتّالي لا يمكننا التمتّع بفوائد السعادة الحقيقية.” [ميدان الجزيرة، لماذا نحن بحاجة للحزن في حياتنا] فنفهم من ذلك أنّه يجب أن نقضي على الحزن في سبيل السّعادة -وهذا خطأ-؛ لأنّ تقلّب المشاعر يولّد المرونة ويشكّل تلك المادّة التّي بها يمكننا أن نتماشى مع صعوبات الحياة من النّاحية النّفسيّة.

هل يمكن الفصل بين العلوم الطبيعية والإنسانية عمليًّا؟

في مقالٍ سابقٍ أشرتُ إلى مآلات الإلزام التعليمي من خلال المدارس المعاصرة، أما هذا المقال فيتمحور حول نقدِ نزعة الفصل بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.

إن كل علم هو علاقة جدلية بين ذات وموضوع، فالذات لا تعرف الموضوعات، إلا من خلال فاعليتها الخاصة، ولكنها لا تتعلم معرفة ذاتها إلا بتأثيرها في الموضوعات، فالفيزياء علم الموضوع، ولكنها لا تصل إلى الموضوع إلا بواسطة البنيات المنطقية الرياضية الناتجة عن فاعليات الذات، وعلم الحياة هو علم الموضوع، ولكن الكائن الحي الذي يدرسه العالم بفضل الأدوات المستعارة جزئياً من الفيزياء الكيميائية، هو في الوقت نفسه، نقطة انطلاق للفاعلية التي تفضي إلى الذات الإنسانية، كما يدرس علم النفس وعلوم الإنسان هذه الذات الإنسانية باستخدام تقنيات العلوم السابقة.

التمايز أم التكامل؟

من أهم ما يميز تطور العلم الحديث هو عملية التمايز المتواصل التي تتم فيها، والتي ينجم عنها تكوُّن فروع علمية جديدة، ولكن هذا لا يعني أنَّ عملية توزيع وتبعثر العلوم عملية فوضوية، فثمة علاقات متبادلة وترابط داخلي يشدّ كل العلوم بعضها إلى بعض، ويدخل في عملية التمايز صفة الترتيب والانتظام، وما دامت العلوم المختلفة تبحث جوانب معينة من العالم الموضوعي والمجتمع والوعي، فإن تطور العلم يفضي أيضاً إلى التقارب والتكامل بين فروعه المختلفة، ويحوّل المعرفة العلمية بمجملها إلى كُلٍّ مترابط منظم، حيث إن عملية تمايز العلوم تقابِلُها عملية تكامُلِها ورؤية ترابطاتها الشاملة وتداخلها ووحدتها. [د نايف بلوز: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، منشورات جامعة دمشق، ص 207].

فالتخصّص المتزايد يتنافى مع طبيعة العلوم وتفاعلها وتشابكها مع بعضها البعض، وكانت الفلسفة تشمل كل العلوم باعتبارها الوعاء الذي تصب فيه كل التساؤلات عن الكون والإنسان قبل تمايز العلوم وانفصالها عنها، لذلك فإن كل تقسيم سابق للعلوم كان ينبع من قلب الفلسفة، أي هو بشكل أو بآخر تقسيم للفلسفة باتجاهاتها الطبيعية والإنسانية لذلك فإنّ العلم بشقيه الطبيعي والإنساني ينتمي من الناحية الإبستمولوجية والمنهجية لجذر مشترك هو الفلسفة أمًّا للعلوم.

ورغم اختلاف منهج العلماء الطبيعيين عن الإنسانيين من حيث التفاصيل، فإنهم يتفقون جميعاً على أن المنهج العلمي يهدف أولاً وأخيراً إلى ربط الظواهر بقوانين أو بعلاقات سببية، حتى يمكن فهمها والانتفاع منها في التطبيق العلمي.

وعند محاولة ليّ العلوم الإنسانية لقوانين العلوم الطبيعية ومناهجها نجد أن هناك إشكاليات تتعلّق بالمعنى المنهجي لتطبيق التّجريب فيها، ومن تلك الإشكاليات قضية التّفاعل بين الذّات والموضوع، الخاصّة بهذه العلوم، وترجع إلى كون تطبيق التّجريب بالمعنى المستخدم في العلوم الطبيعيّة على العلوم الإنسانيّة، صعباً للغاية، ففي حالة علم النّفس، ليس التّجريب من حيث المبدأ أكثر تعقيداً منه في علم الحياة، لكن الفرق ناجم عن كون الباحث لا يحق له إخضاع كائنات بشريّة لأيّة تجربة، وما إن يتمحور الأمر حول ظواهر جماعيّة، كما في علم الاجتماع، والاقتصاد، واللّغات، والسّكان، حتّى يصبح التّجريب بالمعنى الدّقيق للكلمة، أي بوصفه تغييراً للظّواهر يرافقه تحويل حر للعوامل، فيكون حينها مستحيلاً، ولا يمكن إلاّ الاستعاضة عنه بالملاحظة المنظّمة الّتي تستخدم تحوّلات الواقعة، وتقوم بتحليلها رياضياً ومنطقياً.

إنّ العلوم الطبيعيّة عندما تستخدم منهج التجربة، فإنّها تبتغي عزل الظواهر الطبيعيّة صناعياً والتّحكم فيها، حتّى تتوصّل إلى تحقيق الظّروف المتماثلة مرّة بعد أخرى، وما يترتب على هذه الظّروف من نتائج معينة، وواضح أنّ هذا المنهج يعتمد على الفكرة القائلة بأنّ الأمور المتماثلة تحدث في الظّروف المتماثلة. لكن هذا المنهج يصعب تطبيقه في علم الاجتماع، وإن طُبِّق فهو عديم النّفع، لأنّه ما دامت الظروف المتماثلة لا تتحقّق إلاّ في حدود الفترة التاريخيّة الواحدة، فلن يكون لأيّة تجربة نجربها إلاّ دلالة محدودة جدّاً، كما أنّ التّجارب الاجتماعيّة الواسعة النّطاق، ليست تجارب بالمعنى الفيزيقي، بل يُقصد بها تحقيق النصر السياسي، وهي لا تجري في المعمل بمعزل عن العالم الخارجي، وليس من الممكن تكرارها في ظروف مماثلة، من حيث إنّ الظّروف تغيّرت نتيجة لإجرائها في المرّة الأولى.

منطق العلم وأهدافه

إنّ كلّ العلوم طبيعيّة كانت أم إنسانيّة، تسعى إلى التّفسير، شاءت الفلسفة الوضعيّة ذلك أم لم تشأ، والتفسير ليس هو القدرة على التنبؤ بالظّواهر وإثبات ضرورتها وحسب، بل هو على الأخص، جعلها معقولة، ومعقولة هنا ليست بالضّرورة منطقيّة، ولكنّها ليست متناقضة مع ذاتها. من هنا يحسن بنا أن نلاحظ أنّ العلوم الّتي اعتدنا وضعها في مقابل علوم الإنسان، وتسمى بالعلوم المضبوطة، وهي الّتي يقصد بها غالباً العلوم الطبيعيّة، لكن ماذا يمكن في هذه الحالة أن تعني كلمة(مضبوطة)؟

إنّ هذه الكلمة تطلق غالباً على علم الفيزياء، لأنّ هناك فيزياء رياضيّة، ولكن من المسلّم به أن كلّ علم تجريبي بما في ذلك الفيزياء ما هو إلاّ علم تقريبي، فكلمة مضبوطة تنطبق في الواقع على الرياضيات، ولكن هل الرياضيات علم طبيعي؟ إن أردنا أن نقول إنّ الرياضيات تنطبق على الطبيعة فلا بدّ عندئذ من أن نجيب أنها تناسب الإنسان أيضاً، فقولنا إنّ الرياضيات مضبوطة، يعني أنّها ملتصقة بالمنطق لا بالطّبيعة مباشرة، ولكن ما المنطق دون الإنسان؟ حتّى وإن ضرب بجذوره في ضرورات التّنظيم البيولوجي للطَّبيعة. وإذا كانت علوم الطّبيعة تفسّر الإنسان، فإنّ الإنسان بدوره يفسّر علوم الطّبيعة، لذلك نرى أنّ نظام العلوم لا يمكن ترتيبه، كما حاول عدّة مفكّرين أن يفعلوا ذلك على نحو نمطيّ، ذلك أنّ الشَّكل الّذي يميّز العلوم هو الدّائرة، أو اللَّولب الَّذي يكبر باستمرار، فالموضوعات لا تُعرف إلاّ من خلال الذَّات، والذَّات لا تستطيع التّعرف على نفسها إلاّ بالعمل على الموضوعات على نحو عقلي أو مادي. [مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، مرجع سابق]

 والفصل بين العلوم الطبيعية والإنسانية لا يقتصر على الوقوع في أخطاء منهجية استدلالية فقط، بل في كل مرة يقوم العالم التجريبي بعمل تجربة مستخدمًا بعض التقنيات الحاسوبية الحديثة، فهو واقعٌ في انقلاب إقراري، ولا يمكنه الخروج عن حيزه إلا إذا اعترف بالعلوم التي لا تخضع للرصد والتجريب أو ترك ممارسته لاستكشاف العلوم الرصدية التجريبية.

وهذا يؤثر بكل تأكيد في العقل البشري، ولكن كيف؟ إن العقل الذي يعتاد النظر من زاوية واحدة للمسائل التي تقابله ينتج فيه قصورًا كبيرًا في مناهجه البحثية، ويغفل عن الكثير من مواطن التماسّ بين العلوم المختلفة والتي لا تنفك عنها، ويصبح ذا جمود فكري أثناء التحرك في إصلاح إي شيء، مما ينعكس على المجتمع ونهضته الفكرية والاقتصادية والاجتماعية.

ما الحصانات الإسلامية للعملية التعليمية وملامح الحل؟

من ينظر إلى الفرق بين المدارس النظامية التي نشأت في عهد الدولة السلجوقية وبين المدارس الحالية _ كما ذكرنا في مقالنا السابق_ سيدرك المفارقة الكبيرة والانحراف الجذري الذي حدث نتيجة التشابكات المذكورة آنفا.

ولأجل محاولة الانطلاق نحو الحل يجب إعادة تحرير الأهداف التي يقوم عليها التعليم في الإسلام، المنطلقة من {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1]. أي يا أيها الإنسان: اقرأ وتعلم عن الكون والحياة، وافهمهما باسم ربك، منطلقا من الإيمان به ربًا يربيك، خلقك من علق، وهداك إلى تناقل العلوم، وبناء المعرفة بالقلم، وبما أعطاك من فطرة وعقل قادر على التعرف على الحقائق، لأنه من صنع إله مطلق الكمال، ليس عقلا جاء صدفة خبط عشواء، بل عقل مهيَّأٌ من الخالق الأكرم، الذي يريد للإنسان أن يتعلم ما لم يعلم.

اقرأ لتنتفع بعلمك وتنفع الناس، ولتستدل بعلمك على عظمة الله فتشكره، وتحقق ما خلقت من أجله من العبودية له بمفهومها الشامل، فتسعد في الدنيا والآخرة. رؤية كونية تجعل الإنسان منسجمًا روحًا ونفسًا، عاطفة وعقلًا، فتنخرط قواه كلها في تحقيق الهدف الأسمى. فهي تنطلق من توحيد الله عز وجل لتخرج نفسًا موحدة لخالقها، مُوحّدة في نظرتها، لا نفسًا مفككة مشتتة، وهذا ما نجحت المدرسة النظامية السلجوقية في تحقيقه عن طريق الحصانات المُضمنة فيها لتحقيق الغاية العظمى وهو يقوم على خمسة أسس رئيسية:

أولا: أن التعليم تعبدي، سواء كان في علوم الشريعة أو علوم الطبيعة، وبالتالي فثقافة {اقرأ باسم ربك} [العلق:1] كانت مبثوثة في المجتمع، على مستوى الأسرة من المؤدبين في الكتاتيب، في المساجد، في حِلق العلم، وكذا في المدارس التي نشأت في العصور الإسلامية.

وهذا يقودنا إلى العامل الثاني للحصانة ألا وهو: المسؤولية المشتركة، إذ إن الكل يشارك في تحمل مسئولية التعليم، ولا يلقون بها على كاهل الدولة، كذلك تحمل المسئولية يعطي مناعة من انتشار الفساد، حتى لو أصيبت مؤسسة الحكم بالفساد، فمكونات المجتمع توطّدت على قوله صلى الله عليه وسلم (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته) [صحيح البخاري]، فسيسعى كل راعٍ تقيٍّ إلى تخفيف الأضرار على من يرعاهم إذا فسد رأس الهرم، وسيبقى الأبوان والمربون يمارسون التعليم عبودية لله، وهذا يحافظ على سلامة جذور المجتمع المسلم، حتى وإن أصاب الفساد الفروع، فستنبت الجذور فروعا سليمة من جديد.

ثالثا: صحة المرجعية وثباتها: (اقرأ باسم ربك) [العلق: 1]، فالوحي هو المرجعية، فالقيم والمعايير الضابطة للعلم ثابتة لا تتغير. انطلاقا من الوحي، توفر الدولة البيئة اللازمة لبث العلم الصحيح، تصدّر المؤهلين، تحمي الناس من المتلاعبين والعابثين الناشرين للجهل والضلال، لأن حفظ العقل من ضرورات الشريعة الخمس، فالدولة تضع الأطر، ثم بعد ذلك هناك مرونة منضبطة بالوحي.

في المقابل، فإن الناس يحاسبون الحاكم بناء على الوحي أيضا، فهناك مرجعية الوحي التي لا يستطيع الحاكم المساس بها ولا تغييرها، بل هو مُكلَّف بالقيام على مصالح الناس بحسب هذه المرجعية، وإذا خالفها وأمر بتعليم ما يخالف مصلحة الناس، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، بل يؤخذ على يده، ويحمل على الالتزام بالوحي؛ فسلطته ليست مطلقة، بل يحكمها قول الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59].

رابعا: مراكز الثقل المالي في الوضع الإسلامي الصحيح موجودة في المجتمع، ليست منهوبة، ولا يتحكّم بها من قبل زمرة حاكمة، ولا من طبقة رأسمالية؛ فالإسلام يحارب تركُّز المال في يد أي فئة، (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) [الحشر: 7]. كون مراكز الثقل المالي في الناس، هذا الاستقلال المالي يعني: أن طلاب العلم وأهل العلم بأشكاله أحرار فيما يقولون، مُكتفون، لا يهددون بأرزاقهم، ولا ينتظرون راتبا يعطى من فئة متحكمة ستمنع عنهم المال إذا امتنعوا عن الانصياع لأهوائها.

في هذه الأجواء الحرة، كان للأوقاف الإسلامية دور كبير عظيم في التعلم: فيخصص المسلم لذي يمتلك المال جزءا من ماله، ويبقيه أوقافا جارية بعد وفاته، من أجل تفريغ أشخاص لطلب العلم، وهذا كان من عوامل محافظة المحاضن الشعبية على قوّتها، ودورها في تخريج العلماء في شتى المجالات، حتى في فترات انحدار مؤسسة الحكم.

الأزهر -مثلا- قبل أن يفسده الاستعمار البريطاني، كان ينفق عليه من الأوقاف، لقد كان توزُّع المال بين الناس مانعًا من أن يسخر التعلم لمصلحة فئة من أصحاب رأس المال، بل يكون المعنى التعبدي التعلم هو الحاضر وبقوة، هدفه أن تحقق الأمة العبودية لله بمعناها الشامل -كما بينا.

وهذا يأخذنا إلى الميزة الخامسة في منظومة التعليم الإسلامية: وهي أنّ مخرجات التعليم لا تقاس بتأهيل أفراد لخدمة أصحاب رأس المال، والشركات العالمية في عبودية مقنّعة، بل يُقاس بتحقيق أهداف الوحي وهي صلاح دنيا الناس وآخرتهم، وصلاح نفوسهم، وأرواحهم، وأخلاقهم، فيكون للفقيه قيمته، وللأم المربية قيمتها، مع أن هؤلاء لا قيمة لهم في المنظومة الرأسمالية، لأنهم لا يخدمون المنظومة المادية.

كل هذا يهيئ الأجواء لكون السلطان بأيدي المسلمين، ووجود أهل الحل والعقد من المسلمين، ولظهور أجيال من الأحرار الذين تلقوا تعليمهم من مراكز الثقل المجتمعية التربوية، وأمانهم الاقتصادي مرتبط بمراكز الثقل المجتمعية الاقتصادية، فمقياسهم في قبول أو رفض ما يطلب منهم: هل هو حق أم باطل فحسب، لم يعلموا العبودية لغير الله، ولا يهددون في أرزاقهم.

على سبيل الختام

إذًا، إن التعليم باسم الله، هو تعبد يمارسه الجميع، ويتحملون مسئوليته، والوحي فيه إشارات وتأكيدات للحقائق الكبرى وطرق الوصول لها، وفيه تحريك لاستكشاف العلوم، وهو مرجعية ثابتة لا تتغير، تعليم تنسجم فيه مكونات الإنسان، والهدف منه: تحقيق الاستخلاف والعبودية لله بمعناها الشامل، مرتبط باقتصاد عادل لا تحتكره فئة، وفيه عوامل مناعة من أن ينحرف، ومن أن يملى فيه على الأجيال أهواء من البشر، وهنا أوصي بالاطلاع على هذين المقطعين لمعرفة بعض طرائق الحل وسبله.

https://youtu.be/TZbN4rFnBYY

https://youtu.be/5KDvtopJ5QA


مصادر للاستزادة

١- العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.

http://www.alhiwartoday.net/node/11897

٢- تعليم أم تعليب للدكتور إياد قنيبي.

https://youtu.be/opY_f5ErzZo

الفن الأدبي والأخلاق…أي تصالح؟

يؤمن الكثير من الخلق- متخصّصين أو غير متخصّصين-، إيمانًا جازما أن الإبداع الأدبي والكتابة الفنية، على اختلاف أجناسها وفروعها، وخاصة منها السرد الأدبي، يمكن أن ينفصل عن الأدب والأخلاق ذاتها ويظل اسمه أدبًا!.

ونقصد بهذا الانفصال غياب إخضاع العمل الأدبي لمعايير القيم وسلّم الأخلاق النبيلة، إذ كلما اقتربت الأواصر بين المنتوج المكتوب وبين السفالة والانحطاط، وُلِد التميز وانبجست عيون الإبداع، وكلّما ابتعد عن تلك العرى وفارقها صُنِّف في الصف الثاني أو الثالث أو الأخير أو قبل الأخير من رفوف التخييل والخلق الإبداعي، فترى جماهير من المتلقّين –عن وعي أو عن غير وعي- منبرين لهذا المؤلف أو ذاك، دفاعا وتهليلا وتصفيقا، حتى إذا بحثت وراء هذا التبجيل ما وجدته شيئا، وألفيت جدلا كطنين الذباب قد تعالى حول المؤلف، لسبب وحيد، وهو كونه تضمّن إقحاما لبضع كلمات نابية وخادشة في الخطاب، أو إيغالا في وصف العورات، أو خوضا في مواضيع مشينة أو تافهة أو تشمل استهزاء مقصودا بالمقدسات وتسخيفها والضرب فيها (خاصة ما يتعلق بالإسلام) بأسلوب فيه من الوقاحة ما فيه تحت ذريعة أنها (تابوه) لم يخض فيه أحد من قبل، فيتوهم المؤلف امتلاك الجرأة والإقدام الفكري دافِعَيْنِ له، ليَسْتَلَّ قلمه ويسلطه هو والغرماء على نفسه من حيث يدري أو لا يدري.

أهداف وغايات

بالتفكير في المسألة مطوّلًا نلحظ أن الغاية من وراء ذلك لا تعدو أن تكون سعيًا وراء تحقيق مصالح شخصية يمكن إيجازها في أمرين: أولهما: المكسب المادي المتمثل في المتاع القليل المأخوذ مقابل العمل ولا تهم هنا المبادئ الأدبية الإنسانية إن صحت تسميتها كذلك، -هذا إن وُجِدَت أساسًا من البداية-، أما الثاني فهو المكسب المعنوي المتمثل في رغبة سيكولوجية دفينة للظفر بشهوة مؤقتة ترضي هوى النفس في تحقيق شهرة زائفة، تغذي شعورًا داخليًّا بالغرور والكبر والعجب بالنفس.

إنك لتعجب من هذا الكم الهائل من الكتب والقراطيس والمؤلفات- لاسيما السردية بكل أجناسها-، التي تغرق في واقعية منحرفة تنامت شيئا فشيئا حتى تحولت إلى نوع من الجاهلية الفنية الجديدة، يحب الذين يتبعون الشهوات أن يسموها (تحرُّرًا فكريًّا)، أو (ثورة أدبيَّة)، أو ما أملى عليهم هواهم تسميتها،  وفي هذا انحدار خطير يريد أن يهوي بالنفس في وديان سحيقة من الخسة والمسخ الفطري، حيث تجد تصوير الإنسان كأنه حيوان مسعور، يؤرقه البعد الجنسي في ليله ونهاره، أو هو كائن قيَّدَتْه الهلاوس العقلية والاجتماعية، فلم يهتد إلى اطمئنان أو سكينة إلا بالتمرد على القيم والأعراف، أو تراه يدّعي الانفتاح والنهضة بقبول الشذوذ بكامل تصنيفاته أو تبريره أو الدفاع عنه، وأن سر الحضارة وارتقاءها يتوارى في التعايش مع الانحراف والفواحش باسم احترام )الحريات الفردية(، إلى درجة مقيتة تفاقمت حتى وصلت إلى عبادة الفرد، فتحول الأفراد إلى آلهة تخلق ما تشاء من الأحكام والضوابط  التي تخدم أهواءها ومُهَجَها المستلبة.

  ولا ننكر هنا أن من الكتاب والمؤلفين من يستحقّ يَراعهم التشجيع ويستحقه، إذ سخّروه في خدمة المجتمع،  أو نصرة الدين، أو تعلية شأن القيم السمحة وترسيخها في نفوس الناشئة أو اليافعين، أو معالجة هموم الإنسان والأسرة بما ينسجم والذوق الإنساني، والفطرة السليمة إلى غير ذلك، ولكن معرض حديثنا هنا ليس عن هؤلاء، بل عن الشرذمة التي جنت على الوجدان والشعور والفطرة… وجنت على نفسها،  لتضع بصمتها في خط التمزق والإباحية الفكرية التي غرق في عبابها الكثير، فلم تكفهم ألوف الصفحات التي تطبع هنا وهناك بلا هوادة لتضرب القيم والمعاني النبيلة، وتسخف من أمرها، بل تعدّتها إلى السخرية من المقدسات والعقائد، لينضمّوا هم الآخرين لهذا الركب الخذل الأعوج، ويكونوا عونا للشيطان على مجتمعاتهم ودينهم وأنفسهم !

أين معالجات الأدب للواقع؟

إن كانت حجة البعض أن الواقع لا يتكشف إلا بالخوض فيما لا يقدر على الخوض فيه إلا القلة، وتلكم هي الشجاعة والبسالة الفكرية، فيمكننا هنا طرح إشكال: إلى أي حد استطاعت هذه الروايات أو القصص على مر العصور معالجة هذا الواقع بسرد تفاصيل غارقة في الحسية والشهوانية، وموغلة في جذب الإنسان إلى العالم السفلي، وتلطيخه بالعار ثم تقييده هناك، وإيهامه أنه تغذى فكريًّا وارتوى ثقافيًّا على مادة أدبية بحتة، أضافت له ولم تنقص؟

ألا تساهم هذه الأعمال في زيادة المجتمع انحرافا والتشجيع عليه، وإثقاله بصراعات عقدية وفكرية، لا يملك الجميع مواجهتها، خصوصا في ظل الجهل المستشري في العقول والقلوب معا؟

هل رجحت كفة القيم ومقام الروح بأدب المجون واللذة والخمريات والغزل الإباحي أم أخل به وزاد أعماق النفس تشويها؟

هل يجد القارئ في نفسه بعد الانتهاء من قراءة ذاك الصنف من الكتب أثرا لحماسة نحو التغيير أو التجديد، وانتعاشا في الفكر والروح، أم تثبيطا في عزيمته وهبوطا نحو هوة الاستسلام للنزوات؟

ألا يمكن للسرد الأدبي أن يتشكل من منطلق أخلاقي ترجع جذوره إلى الإسلام؟ وأن يتكئ على معالم الفكر التي تكشف الحجب عن هموم الإنسان وحيرته وأزماته في عصر اختنق روحيا وأفلس قيميا وتمزق نفسيا، بدل الزيادة في تغريب وجدانه وحصار عقله في أرض خراب لا تثمر ولا تنبت؟

وارتباطًا بما سلف يذكر الدكتور نظمي لوقا في دراسته، (عصرنا بين المعقول واللامعقول): “أن مأساة الإنسان المعاصر تكمن وراء أزمة الإيمان وتأتي من وراء أزمة الإيمان أزمة الحرية وأزمة المسؤولية، ومن ثم أزمة الفن، فلأن ذلك الإنسان قد تزعزع إيمانه، بالارتباط بنظام معين ثابت في الكون، فهو لا يشعر بالمسؤولية… فكيف تمكن الإرادة بغير باعث قوي، وكيف يمكن الباعث القوي بغير اعتقاد متين في جدوى أي شيء أو إثبات أي شيء.” [عصرنا بين المعقول واللامعقول، نظمي لوقا، ص: 20]

ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نفهم أن العامل المؤصل لبناء عمل أدبي، شئنا أم أبينا، يتركز على عقيدة صاحبه وإيمانه، أيا كانت طبيعتهما، فمن لم يتجاوز إيمانه التسليم للجانب المادي وبعض النظريات الفلسفية والغربية القائمة على تضييق دائرة نظر المبدع، وتقبيح وجدانه، وتقزيم ذاته وإذلالها بكثافة الاقتباس المشوه من فكر الغرب وفنه -الذي له خصوصياته ودوافعه التي شكلته-، فلا تنتظر منه إلا عملا يخدم ما سبق و يعضده، منتجا مع أعمال أخرى تشبهه طوفانا من الفوضى الروحية والعبث الفكري العنيف، يذهب ضحيتهما ضعاف العقول، والمخدوعون بثقافة رخيصة مُمْلِقة، متسولة على أعتاب مواقع التواصل، تنشد صنع مجد مزيف إلى جانب فنجان قهوة ومفاتيح سيارة..!

أي مستقبل يبشرنا به الأدب الرخيص؟

ويبقى الحكم في هذه القضية متوقفا على اعتبارات عدة، عقدية ومذهبية وفكرية ودينية واجتماعية وإيديولوجية، وبذلك ستظل كل محاولة للإصلاح رهينة باستحضار كل هذه الاعتبارات، وجعلها تبنى على صراحة الوضع، ووضوح الفكر خصوصا أمام المثقفين والنقاد، وأجهزة النشر والإعلام، وكل الوسائل الدعائية وقنواتها، تأسيسا لمرحلة جديدة يتكئ فيها أدبنا على ثقافته الملقاة على الرصيف، ويتصالح مع فكره الغني بشتى المسارات العلمية والثقافية.

فهل انتهت اتجاهات الفكر الأنيق، وانقضت روافد الفن الأليق، وخبت جذوة المنطلقات الملتزمة بما ينسجم مع القيم الروحية ويبتعد عن إثارة الشهوات والتطبيع مع آفاق من الخذلان النفسي، لا يزيد الإنسان إلا تيها في التواءات الفكر المنحرف، المبشر بعالم جديد ينهي علاقته بالأخلاق وينزوي به في ركن منعزل عن أي قيمة خارجية.

تنحية قُدسية العلم بالمنطق النفعي

اقتباس العلم من مشكاته من كنوز الذخائر، والتخلف عن منهج الوحي من غشاوة البصائر، لقد كان للعلم قداسة؛ إذ إنه جزء من العبادة لكنه أمسى المعبود مع طغيان المحسوس على المثال، فغدا العلم الذي به يُعرف الله ويُعمّق الإيمان، كما في قوله تعالى: {إنما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28] إلا أنه غدا ملازمًا حتمًا للوظيفةِ وما لحقها من أغراضٍ ماديةٍ.

ترسّخ لدينا منذُ الصغر أن العلم لا يكون إلاّ داخل أسوار الأكاديمية، و أن بلوغ الهمم لا يتمُ إلا بالشهادات العليا، والفلاح لا يتحصّل إلا بهما، فلا يدرك المرء منا غاية العلم حتى يبلغ الكبر، بينما كان المتقدمون يتقنون جل العلوم وهم في ريعان شبابهم، الأمر الذي تخلّف عنه الخلف ولقوا إزاءه غيًّا كبيرا من الجهل، لأسباب معلومة مركبة تفشت في كل الأرجاء بدءا بالمحيط الأسري.

جناية الآباء

لا ريب أن الكثير من العوامل تدخل في تشكيل شخصية طالب العلم دون أن يعي ذلك، فللآباء دور كبير لا في رسم مسار أبنائهما فحسب، بل فيما هو أكثر من ذلك، فتجد من هم مهووسون بالنفع المادي كنتيجة لطلب العلم، يركزون في تربيتهم عليه، بترديدهم على مسامع أبنائهم في كل مراحل حياتهم الدراسية مقولات عديدة، مثل: “يجب أن تُحصِّل المراكز الأولى، وادرس لتحصُل على منصب مشرف في المستقبل”، وما زادوا إلا أنهم وضعوا أبنائهم في سجن أو داخل سياج أحلامهم المتعلقة بالمركز والوظيفة، مع انعدام اقتران العلم باكتساب الأخلاق والأدب وما شابه، مما يسهم في إنشاء أجيال خاوية الوفاض، متردية من أبراج الماديات، وإن حققت الهدف الموهوم وحازت على المطلوب، كانت أغلال الأكاديمية تُقيدها من كل طرف علم محدود، وإبداع مقتول، وانكبابٌ على ما عُلّم ولُقّن.

بالعودة إلى سِير المتقدمين نلحظُ بقوة بروز دور التربية السليمة في فلاحهم، وأحيانا كثيرة تكون نقطة مفصلية في مسيرهم، نستشهد بالإمام مالك بن أنس، الذي كانت والدته شديدة الحرص على سلكه سبيل العلم ومنهج العلماء، فعن ابن أبي أويس قال: (سمعت خالي مالك بن أنس يقول: كانت أمي تلبسني الثياب، وتعممني وأنا صبي، وتوجهني إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وتقول: يا بني، ائت مجلس ربيعة، فتعلم من سمته وأدبه قبل أن تتعلم من حديثه وفقهه) [المنتخب من وصايا الآباء للأبناء].

ونستحضر قول والدة إمام من أئمة الحديث النبوي وأحد أعلام الزهد عند المسلمين، سفيان الثوري.
قال وكيع بن الجراح: قالت أم سفيان الثوري له: يا بني اطلب العلم وأنا أكفيك من مغزلي.
يا بني، إذا كتبت عشرة أحاديث أو عشرة أحرف، فانظر هل ترى في نفسك زيادة في مشيك وحلمك ووقارك؟ فإن لم تر ذلك فاعلم أنه يضرك ولا ينفعك. [المصدر نفسه]

والأمثلة كثيرة جدًّا لا تحصى فيما ذكرناه، فلا نكاد نجد شخصية تاريخية إسلامية خاصة العلمية منها، إلا والفضل يرجع فيها للتربية التي نشأت عليها.

فلا يُحسن القلم تدوين ما يليق بجلال هؤلاء الأمهات الّلائي سطرن لأبنائهن تاريخا لا ينسى مهما تقادمت العصور، جعلن منهم أبناء عظماء وعلماء أجلّاء بحكمتهن، وفرسان مذاهب خدمت الدّين بذكائهن، ورافقت الأمم عبر أزمنة مختلفة، هن من أدركن معنى العلم، فكان من حسن إدراكهن حصاد ما انتفعت به أمم، والاستشهاد هنا من باب إبراز المفارقة الكبيرة بين ما تربّى عليه السلف، من أن العلم يُراد به أصلاً وجه الله تعالى، وما نشأ عليه الخلف من ابتغاء الشواهد والمناصب، و المقارنة بين ما نُحصّله من العلم النافع المجرد عن المادية وبين الممسوخ، وأن للآباء لدورٌ يصنع التاريخ.

وصايا على طريق العلم

ألا ترى أن الوصايا التي ذكرناها ارتكزت على جانب التزكية والأدب في طلب العلم، فلا يستقيم أن يتجرد العالم عنهما، فـ “نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم” [من كلام الإمام عبد الله بن المبارك]، فكان لهم من الاستيلاء على العلوم المدعومة بالتربية الإيمانية من الحظ الكبير بفضل سلكهم سبيل هذا النهج القيمي في طلب العلم، وهذا ما غيبه السعي المادي، وقد حذرنا الرسول صلّى الله عليه وسلم من طلب العلم الذي يراد به عرض الدنيا فقال: (مَن تعلَّم علمًا مما يبتغى به وجهُ الله عز وجل لا يتعلَّمه إلا ليصيب به عرَضًا مِن الدنيا، لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة). [أخرجه أبو داوود وأحمد وابن ماجه]

والعلم الذي فرضه الوحي أيّاً كان مجاله هو علم يخدم المُثل العليا للإيمان، والتدليل على ذلك في أول آية نُزلت من سورة العلق حين قال الله تعالى: [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] {العلق:1}. فالقراءة هي البوابة الرئيسية لتحصيل العلم..

حاكمية الإعلام

كما لا نغفل دور الإعلام الذي يقوم ببرمجة وعي الجماهير وتقنينها وفقا لمعاييره، وما يزيد هذه المعايير ترسيخًا هو اعتماد المجتمع على الإعلام كوسيلة توجيه في جميع جوانب الحياة، وبذلك يستطيع إحكام قبضته وسيطرته على عقولهم، كما يقول الدكتور الحسان شهيد “إن مشروع العولمة، باعتباره أحد أشكال التعارف الثقافي والتدافع الحضاري، يبدو وكأنه تهديد للأسس القيمية لدى الثقافات المتعددة، سواء كان ذلك على المستوى الفردي أو الأسري أو المجتمع أو العالم”[1]، لذلك كان لوسائل التواصل المرتبطة بالنهضة الرقمية دورًا لا يستهان به في تشكيل تعريفات جديدة ووهمية خطيرة متعلقة بطلب العلم، منها الترويج للمنطق النفعي، هنا تكمن خطورة الإعلام كما وصفها الدكتور “الحسان شهيد” من حيث كون المدخل الإعلامي من “المداخل الأكثر خطورة على القيم الإنسانية، لما يحمله من رموز فكرية عابرة للثقافات وخارقة للحضارات” فقد كان الإعلام الجديد السبب الأبرز “في تفكيك البنى الثقافية في المجتمعات العربية”، وكان منفصلا -في كثير من الحالات- عن منظومة القيم الهادية، ومتمركزا حول رؤية العالم بوصفه نمطا استهلاكيا تُعبد فيه الدنيا”، [2] فلا مقدسات ثابتة تحكم، ولا حدود أخلاقية تقف عندها ممارسات الشاشة والتقنية،[3] والحديث في هذا الشأن لا ينقضي.

مشكلة تفضي لأخرى، لكن أساسها واحد وهو  جرد العلم عن مُثله العليا وغاياته الكبرى  فينحل طالب العلم عن كل ما هو قيمي لانعدام ما قد ذُكر، كما ذهب “المسيري” إلى أن هذا العصر الإعلامي، “هو عصر الانفصال عن القيمة، وأن الهدف من الهجوم الإعلامي هو إشاعة النموذج الاستهلاكي، مرورا بخلخلة ثوابته القيمية وإعلاء قيمة الثقافة الواحدة -المعولمة- وتعزيز استهلاك كل ما تنتجه الإعلانات والشاشات، ووصولا إلى خلق الفصام داخل نفسية المواطن في مختلف مراحله العمرية؛ تجاه ثوابته وأخلاقيات مجتمعه، مما يؤسس للسؤال حول أهمية الإعلام البديل الذي يقاوم الاختزال ويتعامل مع الإنسان بوصفه إنسانا وليس موضوعا للاستهلاك، وأداة لتحقيق الأغراض، ويخرج به من كونه متلقيا سلبيا دون أن يكون له أثر في التفاعلات التي تحدث في الفضاء العام [4].

 [3] [2][1]-دون أن تشعر.. كيف يغير الإعلام نمط حياتك وأفكارك؟/سامح عودة/31/1/2018/الجزيرة
على الرابط: https://bit.ly/3Kr8BH7

المآلات الفكرية للمدارس الإلزامية

إنَّ الناظر المنصف لتاريخ التطور العلمي لا يمكنه البتة إغفال دور المسلمين فيه، بل إن العديد من المستشرقين أبدوا انبهارهم الشديد بالعقل المسلم، وقد كان ذلك كان جليًّا على غرار ما نشره الفيلسوف النمساوي فريديريك شولتر المنبهر بعمق وعلميّة الأطروحات الخلدونيّة في المجالات السياسيّة والاجتماعيّة، وحُقَّ له الانبهار به، فهو عقل استوعب العلوم الشرعية والإنسانية والطبيعية وأبدع فيهم، مما يلفت انتباهنا لمدى قدرات العقل المسلم، فحديث الإسلام المكثف عن تفاصيل اليوم الآخر -وهذا غيب- يجعل العقل المسلم معتادًا على النظر في الغيبيات، والخروج في حدود تفكيره عما يعهده الناس، والنظر في أمور الحيرة، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إن “الأنبياء أتت بمجازات العقول ولم تأت بمحالات العقول” [درء تعارض العقل والنقل].

لو حاولنا معرفة الأصل الشرعي الذي تبلور على إثره العقل المسلم، فسنجد أن أول ما نزل به الوحي في حدثٍ كونيٍ مهيب هو {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق-١] فكان الأمر بالقراءة المُسددة بمعية الخالق تدفع المسلم إلى الانطلاق في الكون والطبيعة ومحاولة الاستقراء والبحث لتحقيق غاية الخلق.

لقد توقفت الباحثة البولونية بوجينا غيانة ستيجفسكا عند طبيعة النداء القرآني للنظر والتعلم، فكتبت تقول عن القرآن الكريم: “إن القرآن الكريم مع أنه أنزل على رجل أمي نشأ في أمة أمية فقد جاء بقوانين لا يمكن أن يتعلمها الإنسان إلا في أرقى الجامعات، كما نجد في القرآن حقائق علمية لم يعرفها العالم إلا بعد قرون طويلة” [تاريخ الدولة الإسلامية وتشريعها]، وقد كانت الحركة العلمية متوهجة بناءً على هذه النظرة.

التصور الإسلامي للمدرسة

بدأ التفكير الفعلي في إنشاء سلسلة المدارس التي تخط الحكومات نهجها مع مشروع المدرسة النظامية عقب اعتلاء السلطان ألب أرسلان عرش السلاجقة في عام 455هـ، فقد استوزر هذا السلطان رجلًا قديرًا متحمسًا، هو الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، الملقب بنظام الملك، فرأى هذا الوزير أنه لتحقيق النهوض والاستقرار المجتمعي لابد من تحقيق نهضة فكرية داخل المجتمع، تصاحبها نهضة سياسية، وأن يعمل على تربية الأمة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعقيدة أهل السنة والجماعة المستمدة من الوحي الإلهي.

ومن هنا كان تفكيره في إنشاء المدارس النظامية التي نسبت إليه؛ لأنه الذي جد في إنشائها وخطط لها، وأوقف عليها الأوقاف الواسعة، واختار لها الأكفاء من الأساتذة. وحرصت تلك المدارس على تدريس طلابها العلوم الطبيعية منطلقة من أصول النظرة الإسلامية، وكذا عنيت بتزكيتهم وإصلاحهم أخلاقيًا وعقديًا وفكريًا مما أدى إلى خروج مجموعة من صفوة العلماء مثل ابن الهيثم وجابر بن الحيان وغيرهم الكثير والكثير في الدول العربية والأوروبية.

وقد دعا إلى تفعيل مضمون هذه الفكرة مجموعة من المفكرين في ثمانينيات القرن الماضي فيما عُرِفَ بمشروع أسلمة العلوم، ورغم صحة أصل الفكرة إلا أنها لم تتبلور على أرض الواقع حتى يومنا هذا بسبب الاتهامات الموجهة له سواء من بعض الإسلاميين أو من العالمانيين، وكذا بسبب مجموعة من الأخطاء الحقيقة التي وقع فيها حيث إنه انطلق انطلاقة غير صحيحة فيما رآه من أخذ العلوم التي أنتجها الغرب وتخليصها من أصولها التي بُنيت عليها ثم صياغتها وفق الأصول الإسلامية.

إن هذه الفكرة تصلح أن تكون فكرة مرحلية للوصول للغاية، وهي ابتداء العلوم بصياغة إسلامية والانطلاق منها، أما أن تكون هي المُنطلَق يجعل عمل المسلمين مجرد رد فعل للآخرين، فالهُوية والحضارة الإسلامية متمايزة حتى في منطلقاتها، وكذا الضعف في تحرير المادة الشرعية التي تقوم عليها العلوم التجريبية والإنسانية، وكذلك الضعف في تصور المادة العالمانية والوثنية التي قامت عليها تلك العلوم.

كيف وصلنا إلى الشكل الحالي للمدارس؟

عند ملاحظة التغيُّر في الفكر الأوروبي على امتداد مرحلة البرزخ التي نشأ خلالها عدد من الحركات الأيديولوجية ذات نزعة عالمانية بعد تصادم العلم مع الكنيسة، ومع تصاعد الصراع بين العلم والكنيسة الكاثوليكية، تولدت حركة الإصلاح البروتستانتي وكان مارتن لوثر من أبرز روادها فدعا إلى كسر احتكار الكنيسة للسلطة التفسيرية للنص الديني، وكان الخلاص في نظره خلاصًا فرديًا -عن طريق القراءة الشخصية للنصوص المقدسة- ينطلق من ضرورة التخلص من وصاية الكنيسة في تفسير النص الديني، فانبثق من ذلك فكرة التعليم الإلزامي، فحتى يستطيع الفرد قراءة النص عليه أن يتعلم اللغة اللاتينية التي كانت حكرًا على الرهبان، ولأن الخلاص فردي فيلزم كل فرد أن يتعلم اللغة، وعلى الكنيسة أن تمارس التعليم العام كالمدرسة.

وجدت فكرة التعليم الإلزامي مسلكًا إلى أرض الواقع أثناء الحروب الأوربية حيث نشب صراع بين نابليون من جهة فرنسا وشارنهورست من جهة بروسيا، وكان شارنهورست مهتمًا بالتعليم، مؤمنًا بدوره الفعال في نتائج الحروب، وبسبب محدودية سلطته لم تجد أفكاره منفذًا لتُحقَّق على أرض الواقع، ولكن بعدما تلقى هزيمة ساحقة من نابليون؛ قرر ملك بروسيا فريدريك وليام الثالث منحه الحرية الكاملة في إدارة شؤون الجيش، فقام مباشرة بتطبيق أفكاره النظرية، ووضع منهجًا صارمًا للتعليم والتربية العسكرية، وسرعان ما انعكس ذلك على كفاءة الجيش وألحق بفرنسا هزيمة موجعة عام ١٨١٥م، مما أدى إلى لفت النظر والإعجاب بتجربته التعليمية وتعميمها على كافة أرجاء بروسيا، بل امتدت لتصل إلى كندا وأمريكا.

مع صعود الرأسمالية الصناعية لاحظ أصحاب المصانع هذا التغيير وفكروا في كيفية تنمية مصالحهم من خلاله، ووجدوا أن المدارس مكان مناسب لتخريج عمال جيدين، ورأوا أن المدارس يجب أن تعلم طلابها الدقة واتباع الإرشادات والصبر على ساعات العمل الطويلة المملة، ولكن لم يتحمسوا للإنفاق مجهول الجدوى بالنسبة لهم، حتى ظهر هوراس مان وهو محامٍ أمريكي مهتم بالتعليم، والذي بدأ بتطبيق أفكاره عندما تقلد منصب وزير التعليم في إحدى الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٨٣٧م، والذي تلقى معارضة شديدة لكون التعليم الإلزامي منافيًا لمبادئ الديموقراطية، فتوجه لرجال الأعمال وأقنعهم ببذل أموالهم لإنجاح الفكرة، وأخبرهم بأن العمال المتخرجين من المدارس الإلزامية أقل شربًا للكحول لذا فهم أقل إتلافًا لآلات المصانع، وكذلك فإنهم أكثر ذهابًا للكنيسة مما يجعلهم أكثر انسجامًا مع عائلاتهم، وكان جون أوكفلر من أبرز المتحدثين عن الفكرة، حيث دفع من أجل هذه المدارس مبلغًا يربو على ما قدمته الحكومة الفيدرالية، مما أدى إلى تعميم هذه التجربة على أربع وثلاثين ولاية، وبدأت المدارس تأخذ شكلها المعروف آنيًا، ولكن عبّر جورج كريشتنشاينر عن وجهة نظره في دور المدارس الذي يجب أن يخرج مواطنين صالحين لا عمالًا ماهرين.

هوراس مان

وعلى مستوى الساحة الفكرية كان الظهور الأولي لمنهج ديكارت الرياضي ومنهج بيكون التجريبي -اللذَين وُضِعا للتحرر من المنطق الأرسطي- لا يتنافى مع المبادئ العقلية الضرورية ولا يجنح للنزعة العلموية، لكن انبثق عنهما فيما بعد بعض الاتجاهات المغالية التي جنحت إلى تقديس العقل والاعتماد عليه بشكل كامل والاستبعاد التام للغيبيات وما وراء الطبيعة، ومن هنا كان الظهور الأول للنزعة العلموية.

لمّا وضعت الحروب الأوروبية أوزارها بتوقيع معاهدة وستفاليا عام ١٦٤٨م معلنة شكلًا جديدًا للحكم متمثلًا في الدولة القومية الحديثة، ووقع تصدير هذا النموذج الغربي خارج إطاره بوصفه منتجًا نهائيًا قابلًا للتفعيل، ونمطًا يقوم على وجود إقليم ترابي محدّد بالحدود التي تصبح  مقدسة، مع وجود لغة أو مذهب أو إثنية مشتركة في نفس الشعب، مع الاشتراك في تاريخ ولو كان منتحلًا أو متوهَّمًا، ثم تكون للدولة السيادةُ على الإقليم ليقع تعريف الدولة الأمة. وبدأت تترسخ المبادئ العالمانية في الدول الخاضعة لهذا النظام.

وقائع عملية

في ظل هذا التراكم للأحداث على أصعدة متعددة وفترات زمنية واسعة نسبيًا خرج تشارلز داروين بكتابه أصل الأنواع عام ١٨٥٩م يعرض فيه نظريته عن نشوء الحياة، وكان لهذا الحدث أصداء واسعة ومآلات كثيرة، حيث ظهرت النزعة الإلحادية في القرن التاسع عشر، وجنحت النزعة المادية، بل وامتد الأثر للعلوم الإنسانية فنجد تطور الفكرة من نظرية بيولوجية إلى نظرية في علم النفس والاجتماع وكذلك الاقتصاد فماركس -على سبيل المثال- استمد من نظرية داروين مادية الإنسان وجعل مطلبه في الحياة ينحصر في الحصول على (الغذاء والسكن والجنس) مهملاً بذلك جميع العوامل الروحية لديه.

وكذا استمد فرويد من نظرية داروين حيوانية الإنسان فالإنسان عنده حيوان جنسي، لا يملك إلا الانصياع لأوامر الغريزة وإلا وقع فريسة الكبت المدمر للأعصاب.

وكذلك أثرت هذه النزعة المادية على حركة الاستشراق حيث اضطرت الأوضاع الحرجة في الحربين العالميتين الساسة وصناع القرار إلى مطالبة المستشرق الكلاسيكي الذي تربى في أحضان علم اللاهوت والفيلولوجيا، وأحياناً علم التاريخ، بتحمل مسؤولية السياسة الحديثة، والاقتصاد، والمجتمع، فراح يتحدث عن كل شيء من المعلقات الجاهلية إلى الصناعة البترولية، والبنك الحديث! كما يقول برنارد لويس ساخراً. كانت نواقص هذه الحالة جلية للعيان، وهو ما شجع التوجه نحو التخصص المتزايد، والاستعانة بمناهج أخرى جديدة؛ كانت هذه الإشكالية أحد تمظهرات أزمة الاستشراق الكلاسيكي، والتي بدأت تتفاقم، إلى جانب النواقص الصارخة التي كانت تعتري الأطروحة الاستشراقية الكلاسيكية؛ كاستبطانها لفكرة التفوق العرقي، والمركزية الأوروبية. [حول الاستشراق الجديد، د. عبد الله الوهيبي].

كان نِتاج كل ذلك منعكسًا بحذافيره على المناهج الدراسية في المدارس الإلزامية المنبثقة شرارتها الأولى من نزعة عالمانية، فنجد أنه تم الفصل بين العلوم الطبيعية والإنسانية، والإغراق في التخصص والفصل بين العلوم المختلفة، وبُثت فكرة العلموية المتمثلة في حصر وصف العلم في العلوم الرصدية التجريبية، والفصل التام بين العلوم الطبيعية والإنسانية في المراحل الثانوية، في لفتة تحصر قدرات العقل البشري في جانب واحد، وكأنه لا يمكنه استيعاب علوم مختلفة في آن واحد! وبسبب النزعة العلموية أصبح هناك توجهًا اجتماعيًّا ينظر نظرة دونية لدارسي العلوم الإنسانية، ويظن البعض أنهم ليسوا على درجة من الذكاء الكافي لفهم العلوم الطبيعية، وتهميش أدوارهم الاجتماعية والإصلاحية، مما أدى إلى الوقوع في أخطاء منهجية ناتجة عن هذا الفصل الحداثي للعلوم.

لكن هل يمكن الفصل بين العلوم الطبيعية والإنسانية عمليًّا؟، وما الضمانات الإسلامية للعملية التعليمية وملامح الحل؟

هذا ما أسعى للإجابة عنه في مقال لاحقٍ بإذن الله تعالى.


مصادر للاستزادة

  • محاضرة مقومات العقل المسلم د. سلطان العميري

https://youtu.be/tABz05xSoGs

  • المدارس النظامية في الحضارة الإسلامية

https://islamstory.com/ar/artical/23965/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%B3_%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9

  • كيف أنجبت الحرب المدرسة للباحث سعد القحطاني.

https://youtu.be/4BVQCY4FM6c

علوان في الميزان

إنّ معظم الأدباء سواء كانوا روائيّين أم لا، في بحثٍ دائمٍ عن الثيمات الرّابحة والرّائجة في السّوق السّوداء، ولأنّ القارئ عموماً، والنّاقد خصوصاً في منطقةٍ مضطربةٍ تعاني من اختلافٍ في الذّوق العام؛ اضطر بعض الأدباء والمتأدبين إلى استيراد لسانٍ دون فمٍ وأسنانٍ.

لكن في الواقع نجح الروائي محمد حسن علوان في أن يجعل من تجربته الأدبيّة (موتٌ صغيرٌ) كينونة خاصة به، على اعتبار أنّه متسوقٌ ذكيٌّ ودبلوماسيٌّ من الطّراز الرّفيع، فقد استغل مراهقة الواقعيّة وغرر بها وبفروعها المتشعبة، وبالرّغم من قِدم سنّها؛ راودها عن نفسها فخلعت إنسانيّتها وهمومها القوميّة، وأضحت دعارةً أدبيّةً تحمل شعارات هوليودية بحجّة الحريّة؛ بدءاً من دغدغة المحظور، إلى التّطاول على الأدب وتجنيسه، مما أقلق بعض الجهات الّتي لطالما فهمت اللعبة والّتي هي: (الجنس بدل قضية الخبز)!

اختناق الأدب

إنّ الكتابة بشروط المستهلك رفعته إلى صفوة الكتّاب الأوائل في عصره، على باعتبار أنّه استطاع أن يكسر التّابوت العربيّ، وينفي المثاليّة الخرقاء، ويفضح مفاصل المجتمع المهترئ والمحافظ لحد

الاختناق! ولأنّه العاقُّ البارُّ نقّب في مناطق ضحلة جداً ومليئة بالألغام؛ محظورةً دينياً، ومكفّرة أدبياً. ولأنّه يتسوق أدبه من ماركاتٍ باهظة الثّمن، ضَمِن هدنةً طويلة الأمد مع النّقاد بحجّة التّرميم والإصلاح!.

بدايةً لم يكن علوان واعٍ بشكلٍ كافٍ بالتّجربة الرّوائيّة، ففشل فشلاً ذريعاً في كتابة أدبٍ متكامل البنية والبناء، بل انتهج سياسة القطب الواحد، متناسياً أنّ الرّواية بهندامها العام مكونٌ متعددُ الأقطابِ.

يقول واستن وارن: إنّ اللّغة في العمل الأدبيّ تؤدي وظيّفةً جماليّة لا تقريبيّة فمن الجرم النّقديّ مثلاً رواية (سقف الكفاية)، بقامتها المهيبة تقوم كلّها على اللّغة دون أيّ مكونٍ آخر مثل: فتنة السّرد، حيوات الشخصيّات، الوعاء اللّغويّ، الموتيفات. فكلّها حملتها اللّغة على ظهرها، فخذلها وخذلته، على الرّغم أنّ الرّواية تفيض بالإمتاع اللّغويّ والكنايات، بالإضافة إلى التّكثيف المُركز للّغة الشّعريّة في عمقها الوجدانيّ والسّيكولوجيّ، فصرنا أمام ملحمةٍ لغويّةٍ تراجيديّةٍ فقط!، فقد امتدح لُغتها الدّكتور عبد الله الفيفي فقال: الرّواية توشك بلحظة أن تكون نصاً شعريّاً خالصاً بتركيبه البنائيّ العام.

بالمقابل في الأعمال الأخرى فقد حاول أن يروّضها ولكن بشكل فوضويّ، فلم يحقق التّناغم المطلوب في العمل الأدبيّ عموماً، وبين الشّخصيّات واللّغة خصوصاً. كما أوضح باختين في (مستويات اللغة). فلم نشهد على مستوى الشّخصيّة الفكريّ والاجتماعيّ (صوفيا، غادة، الأم) سوى مستويات خجولة ومذابة بشكل مجحف!. ولم يتوقف الأمر هنا! بل امتدّت في مجونها حتى خنقت بعض التّقنيات: كصنّارة السّرد الّتي تتيح للكاتب تعليق القارئ بالعمل منذ البداية، وخلق حالةٍ من اللا تشويق، واستحضار حالةٍ أُخرى تعزّز من هيمنتها!

وذلك لأنّ الوصف يقتضي انقطاع الصّيرورة الزّمانيّة، وتعطيل حركتها التي لا بدّ من أن تنعكس على الدّلالة المكانيّة. هنا كان الانعكاس على اللّغة، فزادت من غيّها. فمثلاً ألغى الوصف في (رواية القندس) الشّخصيّات في البداية، بل إنّ القارئ ليقفز عشرات الصّفحات دون تغيير في الأحداث!

أوستين ارين

معطيات على حافّة السرد

والحقّ يقال بأنّ اللّغة في أدب علوان منطقةٌ جدليّةٌ، وفي ذات الوقت مغريّةٌ للتّنقيب النّقديّ، فهي فريدةٌ ومتفرّدةٌ؛ جعلت من علوان متمكّنًا من اللّغة؛ عبر تعاطيه أفيون المتضادات، العنوان يوازي بالتّحديد إثم المحتوى، الّتي جعلت من رواياته سوق للأدب مع عدم الصّلاحيّة للحياة! هذا إذا درسنا جسم العنوان باعتباره مكوّنٌ دلاليّ.

يقول الدّكتور زهير توفيق: بأن عجز الكاتب هو عدم وضع عنوان دالٍ دلالةً مطلقةً على محتوى العمل. فمثلاً (طوق الطهارة) لا طهارة فيه كعملٍ روائيّ، بل عِقد تتألف حبّاته من الجنس والشّذوذ والتّحرش!.

صوفيّا رمز الحكمة عبر التّاريخ، استحالت في أدب علوان قصةً لامرأةٍ تستحضر أمنيّتها المقدسة بألا تموت عذراء!.

فتيّار الوعي جنسيّة اشتراها علوان. ولكن هي بالذّات لا تُمنح سوى لسكانها الأصليّين؛ فكانت ناقصة الأهليّة في (صوفيّا) فلم نشهد تجاوز أسلوب الصّوت الأحاديّ الّذي سمّاه باختين (التخارج). فمثلاً: الملل يجب أن يكون له صوت، على اعتبار أنّه الدّافع الرئيسيّ لمعاشرة أنثى تُحتضَر بالسّرطان!.

كما نعلم أنّ الحلم معطًى روائيّاً، يتداخل في تشكيل التّداعي الحرّ بوصفه أحد مسالك تيّار الوعي. فلم يتعطل الزّمن عندما طالبت صوفيّا بطفلٍ عن أدائه في المضي نحو الأمام.

التخيّل، التّداعي، التّذكر، كلّها جزئيّات فقدها السّرد وأفقد معها غرائبيّة الهواجس والاعترافات؛ خوفاً ورعباً وعزلةً. وهذا الّذي قاد إلى طامّة عدم التّناسل اللّانهائي لموت صوفيّا!.

وإذا ولجنا إلى أعمق نقطةٍ في أعماله، وتعرّت المفاهيم كلّها؛ برزت الخيبة الّتي لا مناص منها، فرواياته عروشٌ خاويةٌ يجرّها التّكرار واللّغة من رقابها.

(صوفيّا، سقف الكفاية، طوق الطّهارة، القندس) روايات أربع يشتركن في الدّم والهويّة. ورواية تنسف ما قبلها وتعقم ما بعدها، وكأنها انسلاخ حقيقي للكاتب عن ذاته ومن ذاته الأدبية (موت صغير)

فالحبكة والموتيفات والهيئة التكوينيّة تكاد تتشابه فكان التكرار نقطة الضعف الأولى الّتي استطاعت أخرى الولوج منها كإذابة الشّخصيّات واستخدام السرد المتسلسل الّذي يعد أسلوب تقليديّ لم يذهب إليه الكتّاب الكبار.

صوت روائي واحد، سلوكٌ فرديّ يستغرق العمل الرّوائي بأكمله حبكة تقليدية بسيطة، كما شكّل الاسترجاع والولوج للحالة النفسيّة تقريبًا في كلّ أعماله لحمة النسيج الروائيّ، وجسر للرّبط بين الماضي والحاضر والمفاصل الحكائيّة الأخرى، لخوض رحلة منتقاة في ذاكرة الكاتب الفرديّة.

حسان المتعرض للتّحرش في طوق الطّهارة، استرجاع اللحظات في بيت الحبيبة، في سقف الكفاية، لحظات الطّلاق والتفكك الأسريّ في أغلبية رواية القندس.

خلل واضح في نظام الزّمن بالإضافة إلى خلل في الإيقاع، فمثلاً تسريع أحداث غير مبرر عبر تقنيّات الخلاصة، أما المكان الّذي يعتبر العامود الفقريّ الّذي يربط أجزاء الرّواية ببعضها البعض، فيمكننا القول بأنّ الكاتب سجن أعماله كلّها في فضاءٍ روائيٍّ واحدٍ، فجميع أعماله تنطلق من الرّياض إلى عواصم مختلفة: بيروت صوفيّا، فانكرفور سقف الكفاية، بورتلاند الأمريكية القندس، بريطانيا طوق الطّهارة.

تُعرّف الرّواية بأنّها عملٌ أدبيٌّ يعكس ثقافة مجتمعٍ ما، في حقبة زمنيّة محددة، تكون مرآةً له، فكانت ثقافة المجتمع واحدة تقريباً؛ عقوقٌ اجتماعيٌّ لا مبرر له! الشّباب طائشٌ، جائعٌ جنسياً، يقابله بالتّحديد كبار السن المحافظين على العادات، والتّقاليد، والشّعائر الدّينيّة، فالمرحلة الوسطى، مرحلة الانقلاب من حالٍ لحالٍ مجهولة، ممّا ورّث عقمًا في السبب الأدبيّ، فلا مشروعية ولا إقناع لأعمال علوان.

حسان المُتحرّش فيه في الصغر، يقيم علاقات لا حصر لها في الكبر!

كيف يمارس الحبّ في بيت العشيقة وفي منزل أبيها؟ أين رقابة المجتمع الّتي يتباكى بسببها علوان؟ أم أنّ تيمة الحبّ واضطهاد المرأة أيمان رائجة في السّوق؟ وهل كسر الملل وحده يُبرر لمعتز ممارسة الزّنا مع مريضة سرطان في بيروت؟ كيف تُفسر ردّة فعل الأب الباردة على ابنه المُتحرَّش به؟ بالمقابل يستقل طائرة من الرّياض إلى بريطانيا ليصفع أيمن صفعة واحدة لعلمه أنّه يدخن!؟. يا تُرى أيّ هم أشدّ التّحرّش أم التّدخين في سلطة الرّجل الشرقيّ؟

موت صغير .. يتيمة علوان!

أُؤمن بأنّ نجوميّة أيّ كاتبٍ تتحقق بالتّراكمية، وأنّ مصطلح (كاتب الرّواية الواحدة) ما هو إلّا تعويم مضلل للإبداع وكذبة إرثيّة يلتحف بها الكاتب.

انسلاخٌ حقيقيٌّ لعلوان عن ذاته، ينسف ما قبله، ويعقم ما بعده! ابن عربيّ بحلّته الشّهية وتكفيره المحرّم.

توأم البلاغة من عقلٍ وعاطفةٍ، موكبٌ يزفّ اللّغة المنضبطة بمستوياتها الخطابيّة والثّقافيّة، فهي لا تمثّل الشّعرية الكثيفة كما في سقف الكفاية. ولا الّتي من الطّبقة المتوسطة في رواية صوفيّا، ولا ذات الهندام الاقتصاديّ التي رأيناها في طوق الطّهارة، بل جاءت دبلوماسيّة بشكلٍ مثاليٍّ بسردها المختلف، فهي لا تتجاوز حدود حيائها في خدمة المعنى فقط!.

ولأنّ علوان يتعاطى أفيون المتضادات لم يكن السّرد بمستوى واحد من الحيويّة، فبدأ بسردٍ هادئٍ رتيبٍ أثناء إقامة ابن عربيّ في الأندلس، مقابله تماماً حيويّة متدفقة أثناء إقامته في مكة، ومردّ ذلك إلى عصا سحرية تمرر إبداعها من حينٍ لآخر، فكانت الحركة سيدة السّرد ولولاها لفقدت الرّواية ذاتها وخسر السّرد بناءه الروائيّ.

لقد اعتنى الكاتب عنايةً فائقةً بكلّ جزئيّة في الرّواية، فلإذابة الشّخصيّات كلّ شخصيّة تدور بحريّة في فلك ذاتها وحالتها الوجدانيّة والانفعاليّة، بل كان الخط السّياسيّ والتّاريخيّ للأحداث ينساب بحريّة للتّكامل مع الثّيمات الأخرى كتاريخ الأندلس وحياة السّلاطين.

ولكن رغم التّرف الأدبيّ الّذي أغدقنا به علوان فإنّه ينسى ككلّ مرة شروطًا تجعل من شبهة عدم الصّلاحيّة تتربّص بأعماله تربص الجدريّ بالمجدور!

فمثلا: قد يفهم البعض أن المخيّلة قد تسمح لفضاء خيالنا أن يبتدع أحداث ووقائع لم تقع! وهذا الحدث بالتّحديد يخرج برواية السّيرة الذّاتيّة عن مسارها ويحولها لجنسٍ أدبيّ آخر يحتاج إلى هويّة، فكيف لو حدث ذلك في موت صغير؟ مثلاً: المخطوطات حَدَث مُختَلَق!.

إفراغٌ ممنهجٌ، وتهجيرٌ قسريٌّ للقوقعة العامّة! وحشوها برؤى وأفكار الكاتب من أشدّ الجرائم الأدبيّة بحق صاحب السّيرة الذّاتيّة.

وقع علوان ضحيّة مراهقة أدبيّة بشكلٍ مستفزٍ. فمثلاً وقع ضحية الحدث التّاريخيّ الواقعيّ، وبين التخيّل فدسّ العديد من الأفكار، ومرَّرها على حساب ابن عربي!.

فأيّ كاتب قد يحاول إعادة تشكيل شخصيّة رواية وتحميلها رؤى وأفكار خطيرة، تحت حجّة التّرميم والسّيرة الذّاتيّة، الّتي من شروطها: الموضوعيّة وسلامة الأحداث التّاريخيّة، مجرمٌ أدبيٌّ يستحق أن يشنقه التّاريخ!. وكأننا بحاجة إلى اختلاق تاريخٍ هو في ذاته يعاني من عار التّزوير!.

فمثلاً يروي علوان: أنّ أحد الأولياء يخلّصه من سجن حاكم مصر وقاضيها، ويتشفّع أمامها، ويتبين بأن هذا الشّخص ميت! وحضر من العالم الآخر!.

كيف يمكن تفسير؛ أنّ شيخًا كبيرًا كابن عربيّ مُسيّر من قبل دابّة؟ ويستسلم لرغباتها والبغلة تسوقه إلى أحد أوتاده؟

وكما يقول الدّكتور طارق عبود: إن الشّيء الأخطر يتمثّل في استسهال مذلّة الإنسان، واستعباده تحت عناوين مختلفة مثل (المريد)! بالإضافة إلى فكرة قبول العبودية والنّخاسة كفعلٍ طبيعيّ ومحمود! فيستطيع الإنسان حسب ما ورد في الرّواية أن يشتري من السّوق أو يبادل إنسانًا بدابّة!.

ويضيف بأنّ الرّواية تحمل في طيّاتها أفكاراً خطيرةً وموهومةً، تحت شعار محاربة الكفار يتم القبول بمهادنة السّلطان، وعدم الاعتراض على كيفيّة وصوله إلى السّلطة!

أدب رخيص الجسد 

عدة أسئلة لابد أن تطرح في النهاية على الرغم من أن القاتل والمقتول في خانة واحدة ولكن الجريمة مازالت مهترئة لا شيء يستر عريها، فمن يدفع يا ترى فاتورة الأدب؟ من أيّ جهةٍ بالتحديد يشوّه التّاريخ؟  من يدفع فاتورة النّشر والمزاج السّياسيّ، كيف صعد العبد على رأس الملك؟

لعل أصدق جملة في أدب علوان كانت تختصره كأديب ولكنّه لم يشعر بالتّحديد في الميزان النّقديّ أنها بالتّحديد وحيٌ لحظيٌّ لا يتكرر أبداً، فكيف وهو قد تضخم بلا معنى؟

(إما أن نبدأ، وإما أن تحدث في أجسادنا مئات الثقوب حتى يتسرّب منها الحزن، لا أحد يريد أن يتضخم بلا معنى).

خرافة تفوُّق الرجل الأبيض!

“العرق الأبيض بطبيعته يمتلك كل المواهب والدوافع، لذلك يستحق المعاينة والدراسة عن كثب أكثر من غيره” كان هذا الاقتباس جزءًا من أسس العنصرية الغربية، وربما ستشكل هذه الخلاصة صدمة للشخص المحب للفلسفة الأوربية، خاصة وأنه سيقرأ تحتها كلمة “كانط“، فقد لا يصدق أن رجلًا قضى حياته بحثا عن “السلام العالمي” يتفوه بمثل هذا كلام تفوح منه رائحة عنصرية مقيتة، ولكن الحقيقة أن للرجل نصوص طويلة يصف فيها كيف أن الهنود الحمر -سكّان القارة الأمريكية الأصليّون- والأفارقة –الزنوج-  أقل إنسانية وأكثر وضاعة، حيث –برأيه– “تتجلى الإنسانية بشكلها الأمثل في العرق الأبيض…زنوج القارة الأفريقية لا يملكون إحساسًا يدفعهم للارتقاء فوق التفاهة والوضاعة”

يجب أن لا نُصدَم فليس كانط وحده من وقع في فخ العنصرية وتبنى “المركزية الأوربية”، فغيره كثيرون،  فلعقود طويلة ظلّت هذه المنظومة الفكرية قائمة في أوربا الغربية ثم أمريكا باعتبارها وريثتها الشرعية، والآن يمكن أن نلمسها بوضوح في الخطاب الصهيوني ومن يدافعون عنه، فإسرائيل تمثل حضارة الرجل الأبيض المتواجدة داخل الشرق، ذاك الشرق المتخلف أناسه والمستبد حكامه، وهكذا نجد أن المركزية الأوربية لطالما وجدت لنفسها المقام رغم تقدم البشرية في سُلَّم المعارف إلا أن البيض لا زالوا محتفظين بنظرتهم الفوقية لحضارتهم، ونظرتهم الدونية نحو كل ما هو من الشرق.

منابتُ الحضارة .. تدليسٌ وتزوير

يمكن أن نختلف في منظورنا للحضارة؛ إلا أنّنا نكاد نتّفق على أن الحضارات الشرقية سبقت الغربية وعاشت أكثر منها؛ فالحضارة المصرية سبقت حضارات أوروبا وعاشت أربعة آلاف سنة، بينما الحضارة اليونانية مع كل إرثها فإنها لم تستمر أكثر من ألف سنة، ونحن اليوم أمام الحضارة الأوربية – ولعلها اليوم في خريفها الأخير- وحياتها لم تتعدَّ سبعمائة سنة، من كل هذا يمكن أن نكتشف أن الحضارة الغربية ليست سوى عارض على الإنسانية كما يقول المفكر الفرنسي المسلم روجيه غارودي، ولكن مع هذا يرى المثقفون الأوربيون أن لا تاريخ قبل أوربا أو أن كل التاريخ يصب في محيطها، وهكذا نجد تريفور روبر في كتابه “صعود أوروبا المسيحية” يقول: “كان تاريخ العالم، طوال القرون الخمسة الماضية، بالقدر الذي كان فيه مغزى؛ تاريخًا أوروبِّيًّا، وأنا لا أظن أننا نحتاج إلى اعتذار إذا كانت دراستنا للتتريخ هي دراسة مركزية أوربية”.

يبدو أن التاريخ -كل التاريخ- بات يتحرك منذ خلق الله آدم في اتجاه أوروبا ومركزيّتها، ولعله من أجل أوروبا وبسببها بنى البابليون حدائقهم، ورفع المصريون أهراماتهم، وخطّ المسلمون الخطوط الأولى لعلم الاجتماع، ولم تكن إنجازات هؤلاء إلا قطرة ماء في محيط أوروبا؛ فلا فن قبل الفن الأوربي ولا شعر ولا فكر إلا شعرها وفكرها!

هذا التفوق الأوربي في نظر الرجل الأبيض يبدو حتميّة تاريخيّة وأشبه بالإرادة الإلهية كما يصرح نص رواية صامويل جونسون (الراس إيلاس): “قال الأمير: كيف أصبح الأوربيون على هذا القدر من المنعة والصولجان؟. أجاب إملاق: سيدي إنهم أقوى منا بكثير لأنهم أحكم منا…لكن لماذا فاقونا في المعرفة، هذا ما أعجز عن إدراك سببه، اللهم إلا إنها إرادة الكائن الأعظم”

كم كان كانط ليسعد بهذا الكلام، فمع أنه يبدي إلحاداً منمقا إلا أن الرغبة الجامحة في إعلاء العرق الأبيض كانت سببًا ليضع تحيزاته العقلية جانبًا ويقرّ حينها بأن الإله -الذي ينتقد شرائعه- حكيم، وكيف لا وهو يجعل الأوروبيين مركز الكون وما دونه هوامشه؛ ومع أن كانط وغيره لم يبارحوا مدنهم ولم يلتقوا قط بأفريقي ولا هندي إلا أنهم وصلوا لاستنتاجات اعتبروها خلاصات علمية!

صعود نزعة مركزيّة الغرب

يرتبط صعود نجم النزعة الأوربية مع تطوّر بحوث الأنثروبولوجيا، وذلك بالتوازي مع تطوير أدوات البيولوجيا ونظرياتها، والتي كان على رأسها (نظرية داروين)، حيث تنامى حضورها في علوم الأحياء؛ إلى جانب أنها تغلغلت في العلوم الإنسانية مشكّلةً لنا (الداروينيّة الاجتماعية).

تفترض الداروينية أن الكائنات الحية مرّت بسُلَّمٍ تطوُّري، حيث ينتقل الإنسان –على سبيل المثال- من الخلية الواحدة إلى كائن زاحف ثم كائن مقوص الظهر؛ لينتهي بالهوموسبيان أو الإنسان العاقل، وبهذا استنتج الأوربيون أن الإنسان مع أنه يتشابه في كل شيء إلا أن نسبة تطوره مختلفة، وبما أن الرجل الأبيض أكثر كمالًا وتقدُّمًا تقنيًّا فهو أكثر تطوُّراً، وهكذا باتت النزعة الأوروبية –في تسويغاتها العنصرية- تستند لا على الآراء الفلسفية بل على آخر ما توصلت له العلوم الحية التي تنمو في بيئتها.

وهنا علينا التنبّه أنه ينبغي عدم ربط هذه النزعة بقرن التنوير وما بعده، فهي ضاربة في عمق التاريخ الغربي؛ حيث نجد في كتابات أرسطو إشارات لتفوق الجنس الأبيض، ففي كتابه السياسة يصرح قائلا:”الشعوب غير المتمدينة بمن فيها الآسيويون أكثر خنوعاً من الإغريق أو الأوربيين”.

يجب التركيز جيدًا على قول أرسطو “بمن فيها الآسيويين” فمن شأن ذلك توضيح الصورة أكثر فأكثر، فأرسطو ليس سوى وريث للعصر الهلنستي الذي هو مزيج من الحضارة الفارسية واليونانية، والدارس للتاريخ يعرف أن الحضارة اليونانية ما كان لها أن تبزغ لولا العنصر الفارسي أو الشرقي، إلا أن أرسطو يصفهم بالخنوع، وربما هذه أول إشارة لما يسمى “استبداد الرجل الشرقي”.

اليونان في حرب مع فارس، ولا مندوحة في النيل من هذه الأمة التي لطالما تجرّأ حكامها فجيّشوا الجيوش لمواجهتها ووقفت في وجه الإغريق.

ولعلنا هكذا ندرك السبب وراء تعالي أوروبا على شعوب العالم عامّة والشعوب الذي أذاقتها الويلات كالشعوب آسيا والأمم المسلمة، إنه عنصر العداء السياسي، فالفرس مثّلوا تهديدًا دائمًا لبلاد الإغراق وهكذا بات وصف الشرقي بالخنوع مرتبطًا بالوجدان التاريخي الكاره للشرق، أما آسيا فقد حطمت أحلام الأوربيين والأمريكيين خاصة في فيتنام، فأمسى الفيتناميون مجرد قطّاع طرق، والمسلمون اكتسحوا أوروبا وفتحوا حصونها لقرون ولهذا فهم –بمنطق الأوروبيين- أعداء الله.

ذكريات الهزيمة

في فيتنام وبعد صراع طويل انتهى بهزيمة الفرنسيين في (ديان بين فو 1954)، وانتهى الأمر بطرد الأمريكيين (1964-1973)، وعوض أن يصبح المقاتل الفيتنامي في نظر العالم محرِّرًا لبلده من الاحتلال الأجنبي، أمسى صعلوكا وقاطع طريق، ومخربا وإرهابيا في نظر الجميع، وهكذا وجدنا أمريكا تشن حملة إعلامية شرسة ضد الفيتناميين، تكللت بإخراج فيلمًا خاصًّا من سلسلة أفلام Rambo المقاتل الأبيض الذي يحارب الشر ويحرر الفيتناميّين من الإرهابيين، وبالفعل لاقت هذه الحملة رواجا عالميا وانقلبت صورة النضال الفيتنامي إلى توحش وإرهاب.

وإذا ما عدنا إلى إنتاجات سينمائية أخرى سنلمس دائما تلك النظرة الدونية للرجل الأبيض تجاه الشرق، فكل الأعمال تقريبا تصور الشرق كمنطقة خارج التاريخ، فالبيوت قائمة على جدران من الطين والسكان يظهرون بملابسهم الرثة، وكلامهم غير الموزون؛ وتصرفاتهم التي تنم عن الجهل!

وهكذا كانت ولازالت نظرة الأوربي للرجل الشرقي، وهذه بالضبط إحدى المبررات التي دخل بها الاستعمار بلادنا، ففي نظر منظريه ليس سوى نقل للحضارة الأوربية وإشعاع نورها في ظلمة الشرق، لقد “آمنت أوروبا عندئذ برسالتها: لقد حملت الثقافة الإغريقية إلى الآسيويين، لقد خلقت النوع الإنساني الجديد، نوع الزنوج الإغريق-اللاتين” كما يقول سارتر.

تزييف الوعي

لم تكن مهمة الرجل الأبيض بتلك السهولة، وبالأخص حين واجه العالم الإسلامي الشامخ والضارب في جذور الحضارة الإنسانية، فماذا تفعل أوروبا أمام هذا الاعتزاز الذي لم تجد له المثيل؟

اتبع الأوروبيُّون استراتيجية التزييف، وقد بدأت كتاباتهم أول الأمر بالنبش في تاريخ الدين الإسلامي، وشخصياته، وهكذا بدأت بحوث الاستشراق ودراسة الإسلام، ولعل بطرس المبجّل وترجمته للقرآن الكريم 1143م، كانت أول خطوة في هذا الطريق، وهكذا لم يترك الاستشراق مجالا في الإسلام إلا وبحث فيه، ولكن بالطريقة التي رأى فيها الأوربيون الشرق.

لم يكُن مستغرَبًا أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم لدى لفيف من المستشرقين شخصًا مسيحيًّا ينتحلُ شخصيّة النبي، مرة كراهب يدعى “ماثيوس” -وهي التسمية الحقيقية حسب الراهب جيوبىت رييس دير نوجينت- طرد من الكنيسة، ومرة كرجل يلهمه الشيطان، وهكذا سافر المستشرقون بخيالهم حيث لم يصل بشر.

وبعد الاستعمار وليومنا هذا، ما زال الأوربيون على درب أسلافهم، ويبدو أنهم استعانوا هذه المرة ببني جلدتنا؛ فلا يبرح البعض القذف في جناب الحبيب صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، وبمرور الوقت بات كل ما هو إسلامي محط انتقاص، حتى ما عدنا نمتلك حسب هؤلاء من أبطال، بل حتى التاريخ الذي نفخر به لم يكن سوى مرحلة من الظلام والبرربرية!

تدخل عملية التزييف هذه ضمن استراتيجية محكمة هدفها ضرب الروح الجماعية للأمة، فلكل أمة تاريخ تتكئ عليه إذا ما ضعفت أرجلها، فوحدها الأمة التي تمتلك التاريخ القويّ بإمكانها الصمود، وهذا ما يقلقهم، فيعملون ليل نهار ويكدون ويمكرون {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46].

إنهم يريدون منا أن ننسى تاريخ أمتنا أو تسايرنا الشكوك حول أبطالنا العظماء، كي نرى في صلاح الدين مخرِّبًا لا محرِّرًا عظيمًا للقدس، ولكي نغير نظرتنا من كون خير الدين باربروسا قائدًا بحري وأسطورة حية إلى قرصان يخطف الأبرياء ويسرق متاعهم في غرض البحر، ولكي نتصور السلطان سليمان القانوني مجرد قاتل شهوانيّ لا أعظم من حكم الإمبراطورية العثمانية في أقصى اتساعٍ لها، وعوض أن نفتخر بمنجزات العثمانيين التي بدأها عثمان، سنتوجس منها ونرميها بالأباطيل.

إننا لا ندرك أننا نخوض حربا من نوع آخر، حربا روحية في المقام الأول ومعرفية في المقام الثاني، ولا شك أن أول ما آمانت به أوربا هو “السيطرة على العالم”، و”نظام المعرفة موجه بصورة مبرمجة لخدمة القوة والضبط والسيطرة وتغيير العالم”[الدولة المستحيلة، وائل حلاق، ص: 152].

إنها الرغبة في التصرف في العالم وفق منظور خاص، منظور الرجل الأبيض الذي لا يرى الثقافات الأخرى إلا في تعارضها مع ثقافته، ولا يستوعب فكرة الاختلاف، ويسعى لبناء عالم واحدة يتحكم فيه (العولمة)، ولكن كيف يفعل وهناك من لازال متشبثا بتاريخه وثقافته، أليس الأفضل أن ننتزع هذا الاعتزاز وهذه الثقافة من الصدور؟

في الختام لا يسعنا سوى الإشفاق من إصرار الرجل الأبيض على إبراز تفوقه في كل مرة، ومن انجرار المثقفين الذين كنا نقف لهم احتراما -مع اختلافنا فكريا معهم- وراء أسطورة تفوق العرق الأبيض، ومن اتباع بني جلتدنا لنغمات ناي أوروبا وكأنهم جرذان بلدة هاملن المروية في التراث الألماني، فلا يسعنا في هذا المقام سوى الشفقة.

أطفال المسلمين من جحيم الحرب إلى جحيم الحرية .. أوروبا نموذجًا

أثير أخيرًا قضية انتزاع الأطفال من والديهم في أوروبا والسويد تحديدًا، ورغم أن تسليط الضوء على القضية حديث مع حداثة المهاجرين العرب إلى القارة الأوروبية، إلا أن قانون سحب الأطفال من والديهم ليس بحديث العهد، ويبدو أن له جذورا مرتبطة بالسلطة الكنسية الاستبدادية في أوروبا، فكان سحب الأطفال من ذويهم ممكنا لمجرد ميل الأهل عن المسيحية البروتستانتية[1]، وبعد الحرب العالمية الثانية تصاعد الاهتمام بحماية الطفل وحقوقه بشكل أكبر واعتبار القانون رسمياً وتحويل رعاية الطفل من مسؤولية العائلة فقط إلى مسؤولية المجتمع والدولة، فيمكن لأي فرد؛ وبالأخص لمربي رياض الأطفال ودور الرعاية ومعلمي المدارس والأطباء في العيادات والمشافي إعلام دائرة الشؤون الاجتماعية بأي علامات أذية أو إهمال يلاحظونها على أي طفل، فتتولى الدولة حماية الأطفال على أراضيها ولو تطلّب الأمر حمايتهم من والديهم، لأن من حق الطفل أن يحيا حياة مستقرة وهادئة خالية من العنف ومن أي تهديد قد يضر بحالته النفسية والجسدية والعقلية بحسب قانون حماية الطفل[2].

مصطلح “راحة الطفل” الفضفاض

تختلف بنود حقوق الطفل وتحديد السبب الموجب لسحب الطفل من عائلته باختلاف الدولة، ففي حين أن ألمانيا تعتمد بنودا واضحة في تحديد الأسباب الموجبة لسحب الطفل وتراعي حق الأهل في تربية طفلهم إلى حد مقبول، ولا يتم سحب الطفل إلا بوجود تهديد واضح أو إهمال مستمر وظاهر، نجد أن السويد لا تعتمد تعريفا محدَّدًا لمصطلح “راحة الطفل” ويترك الأمر لرأي الموظف الاجتماعي ولجنة المدينة المنتخبة، فمركزية قانونهم هي حماية الطفل أو بالأصح راحته بالمقام الأول ولا تولي اهتماما كبيرا لحق الأهل برعاية أطفالهم لعدم وجود عائق في إمكانية نقلهم لعائلة أخرى، و يكفي استشعار عدم رغبة الطفل بالبقاء مع والديه لاتخاذ الإجراءات، وتلك الثغرة القانونية أدَّت لاتخاذ قرارات منطلقة من الأهواء بدلا من منطلق حماية الطفل فعلياً، وعرّضت القضاء والحكومة السويديين لكثير من الانتقادات.

ما بعد الشكوى

في ألمانيا عند الشك بوجود إهمال يتم إعلام الأهل لبدء تنسيق اللقاءات وبإمكان مكتب الرعاية الاجتماعية القيام بزيارات فجائية للتأكد من الشكوى، وعند ثبوت عدم قدرة الأهل على تربية أطفالهم يُطلَبُ موافقتهم لنقل الوصاية وفي حال الرفض وهو الغالب يتم عرض الأمر على المحكمة للحصول على أمر قضائي بنقل الطفل لمكان آخر، ولا يتم سحب الطفل مباشرة أوعن طريق الشرطة إلا في حال وجود تهديد واضح يتطلب تنفيذ الأمر قبل صدور حكم من محكمة الأسرة، ولا مفر من حدوث الأخطاء وسوء التقدير وتوجد حالات يكون قرار السحب فيها غير مفهوم ومشكوك به.[3]

أما في دولة السويد فيطبَّق قانون نقل الوصاية الأبوية مع  خَمس أطفالٍ يوميا، فهم أكثر تهاونا في تطبيقه، لأن الأمر يأتي بقرار من اللجنة وليس عن طريق القضاء، كما أن قرارها يتأثّر برأي موظف الرعاية الاجتماعية بشكل كبير، ويبدو أن لديهم حساسية شديدة في التعاطي مع الطفل كمراقبة التواصل البصري بينه وبين والديه لاستشعار رغبته بالبقاء معهم أم لا، وتعدّت صلاحيات الموظف السويدي إلى انتزاع الأطفال من والديهم بشكل مفاجئ أو خطفهم من داخل منازلهم ومن أمام مدارسهم قبل إعلام الأهل بذلك، وقد وصف بعض المحامون السويديون طريقتهم تلك بالنظام الاستبدادي، وبحسب تجارب المستشار الأسري سفين هيسلي أن هناك أربع مجموعات مهددة بشكل أكبر بانتزاع الأطفال منهم، من ضمنهم الأجداد المسؤولون عن أحفادهم وأبناء الأم المعيلة، وأبناء المهاجرين والذين شكلت نسبتهم 46% من أعداد الأطفال المنقولين إلى رعاية الدولة في ستوكهولم، وتضيف القاضية سوندبيرغ فايتمان أن الدوائر الاجتماعية تعطي لموظفيها سلطة مخيفة، فمن جهة يمكن سحب الأطفال لوجود تهديد واضح ومن جهة أخرى يتم انتزاعهم من منزل والديهم الآمن والهادئ لمجرد انتماء الأهل لأقلية دينية أو لتبنّيهم اتجاهات فكرية وثقافية مخالفة للتوجه العام.[4]

نقل الوصاية المؤقت أو الدائم

يتم نقل الطفل في ألمانيا إلى مركز رعاية للأطفال تحت إشراف مختصين، ولا تُلغَى وصاية الأهل إلا في حال ثبوت عدم قدرتهم على الرعاية بالمطلق بعد مدة من محاولة إصلاح حال الأسرة، ويحق للأهل الاعتراض على منع موظف الرعاية تواصلهم مع أبنائهم أو عدم التعاون معهم[5]، والطريقة مشابهة في السويد عدا عن نقل الأطفال إلى رعاية عائلة حاضنة بشكل مباشر بسبب شح مراكز رعاية الأطفال لديهم[6]، أما عن استرجاع الأطفال ففي كلتا الحالتين لا عائق يقف في طريق الأهل في حال إثبات قدرتهم على الرعاية من جديد أو إثبات حدوث خطأ وسوء تقدير من الموظف ونفي كل الشكوك لدى دائرة الرعاية، والطريقة المثلى لاسترجاعهم هي عن طريق القضاء باستعانة محامٍ في الشؤون الأسرية، بَيد أنه طريق مكلف ماديا ويحتاج لطول نَفَسٍ حتى تحصيل قرار المحكمة، وغير مضمون النتائج مئة في المئة، و يلجأ البعض عند بدءِ إرسال الإنذارات إلى مغادرة الاتحاد الأوروبي مباشرة هربا بأولادهم، فإن لم يكن بالإمكان ذلك، فمن الأفضل التعاون مع مكتب الرعاية لأن التجاهل يسمح لهم باتخاذ إجراء السحب بالقوة.

رعايةٌ أم جناية؟

تتعرض دور الرعاية الحكومية لانتقادات نتيجة تهاونها برعاية الأطفال بسبب هرب الكثير منهم وتحوُّلهم للإدمان والإجرام والدعارة، أو لعدم متابعة حالة العائلة الحاضنة، حيث ثبت وجود تجاوزات قانونية منهم قد سبَّبت أذى للطفل، علاوة عن طريقة انتزاع الأطفال العنيفة والمؤذية أو الخاطفة والتي تترك أثرا في الطفل لا يُمحَى، أما تكاليف نقل رعاية الطفل فهي باهظة جدا بالمقارنة مع تكاليف بقائه مع عائلته البيولوجية[7].

وبالرغم من أنه لا يمكن تجاهل حقيقة أن القانون ساهم بحماية أطفال كُثُرٍ، فمن ضمن الأسباب الموجبة لسحب الطفل من والديه هو الإهمال الشديد حيث يؤدّي الإهمال في كثير من الحالات إلى فقدان حياة الطفل، كموت طفل بعمر السنتين بعد أن أهملت أمه إطعامه وتركته تحت تأثير الجوع الشديد والنحالة المرضية[8]، أو في حالة الوالدين اللذين أرادا التوفير بجعل أطفالهم يستحمون بماء الأمطار في الشتاء وإقفال التدفئة لتصيبهم الأمراض المزمنة، ومن الأسباب أيضا الإساءة الجسدية واللفظية وحالات الاعتداء أو الاستغلال الجنسي، ومثاله أن أمًّا استغلت ابنتها ذات العشر سنوات في عرض الأزياء الفاضحة لأجل التجارة، وهناك مَن حوَّلت بيتها لمكان للدعارة بوجود أطفالها، ولاتزال الحالات المفجعة لأطفال يُعذَّبون من قبل والديهم تهز الرأي العام، وآخرها قصة طفل تبوَّل لا إراديًّا في سريره فعوقب بالضرب والنوم على فراشه النجس ليتوفاه الله في اليوم التالي، ويزيد على ذلك مشاكل الإدمان على الكحول والمخدرات والأمراض النفسية والعقلية، ومع ما قدَّمه القانون من حماية إلا أنه ما زال يحمل خللا كبيرا متمثلا بعدم الاهتمام بأهم حق للطفل وهو العيش في ظل والديه، ولكن كيف السبيل لتحقيق ذلك في مجتمع غارق في المادية والانحلال ولامعنى للروابط الأسرية لديه؟ ليبقى الطفل ضحية في كل من الحالين.

 

أطفال المسلمين وتهديد نقل الوصاية

لابد من تسليط الضوء على الأطفال الذين يُنقلون لوصاية الدولة لأسباب أخرى بعيدة عن تهديد الوالدين، مثل حالة وفاة الوالدين أو أحدهما؛ عند عدم قدرة الطرف الآخر على رعاية أطفاله لوحده؛ أو عند عدم وجود أجداد لهم يرعونهم، وقد تجاوزت أعداد الأطفال المنقولة وصايتهم للدولة الألمانية إلى 60 ألف طفل عام 2015 من بينهم مهاجرين ولاجئين مسلمين نتيجة موت الأهل أو ضياع الأطفال من والديهم في طريق الهجرة[9]، فضلا عن إرسال اليافعين ممن لم يبلغوا الثامنة عشرة إلى أوروبا بسبب قدرته على ضم والديه إليه فيما بعد، ولأنه طفل في القانون الأوروبي فإنه حق رعايته يقع على الدولة والتي في كثير من الحالات تنقل رعايته إلى عائلة حاضنة، أما التحدي الأكبر الذي يواجه العائلة المسلمة فهو قرار اليافع بنفسه بالانتقال من منزل والديه أو بتقديم شكوى لمكتب الرعاية، فيتم الاستجابة لرغباته، وإن وجد بصيص أمل في عودته لوالديه في سن المراهقة، إلا أنه بعد سن الثامنة عشرة تلغى الوصاية الأبوية قانونيا بشكل كامل.

التحصين والوقاية

إن وجود القوانين الوضعية المستمدة من أهواء البشر مع الانفتاح الكبير على كل الفتن تشكِّل تحديات عظيمة للعائلة المسلمة في أوروبا، وقد اختلف العلماء في حكم القدوم إلى مثل هذه البلاد وإن أجاز بعضهم البقاء فيها لكنهم ينصحون بتجنب السفر إليها أو جعل الإقامة مؤقتة قدر المستطاع، فعلى رب الأسرة مسؤولية الاستبراء لعرضه ودينه وحماية أسرته، وقد أشار لذلك الدكتور محمد راتب النابلسي في مقابلة له في قوله: إن لم تضمن أن يكون ابنُ ابنُ ابنِكَ مسلمًا، فلا يجوز أن تبقى في البلاد[10]، مع استثناء من لا مفر له إلا البقاء فيها، ولابد للمسلم المهاجر في الغرب أن يهتمّ بما يقوِّيهِ ويحفظ أسرته بإصلاح حاله وحالهم عن طريق التحصن بالعلم الشرعي والتقرب إلى الله، وتعلُّم لغة البلد الجديد وفهم ثقافته وقوانينه، ومن المهم معالجة الأمراض النفسية والبعد عن التعنيف والضرب وذلك أضعف الإيمان، ويجب التركيز على أهمية تقوية أواصر الجالية الإسلامية لما لها من دور في مساعدة الأسر والمهاجرين الجدد، ولكنها ما زالت إلى الآن تعاني من التشتت وضعف الإمكانيات المادية والبشرية.

 سحب الأطفال.. هل مؤامرة؟

منبع القوانين الغربية مختلف جذرياً عن منبع القوانين الإسلامية، حيث يعتبَر الطفل فيها كيانًا منفصلًا عن والديه وبالتالي يغلب حق الدولة في رعاية الطفل على حق وصاية والديه، ولذا يُطَبَّق القانون على أي طفل يقطن الأراضي الأوروبية بغضّ النظر عن جنسيته، وبالتأكيد فإن المهاجرين يتعرّضون بشكل أكبر لتهديد نقل الوصاية لقلّة خبرتهم بالقوانين من ناحية، واختلاف التكوين الثقافي الشاسع بين الشرق والغرب، مع ضعف اللغة من ناحية أخرى، إلى جانب وجود فكرة مسبقة خاطئة أو عنصرية متطرّفة لدى بعض الموظّفين والسكان عن المهاجرين تدفعهم للتعامل الأشد والأسوأ لهم فيقدِّمون ذلك على أي تصور آخر، بالإضافة إلى أن سياسات أوروبا في الاندماج قاصرة عن تقديم الدعم الكافي للمهاجر وتركز جهودها على إذابة الفرد في المجتمع وثقافته، بدلا من مساعدته على التكيف ومراعاة حاجاته وثقافته المختلفة وخاصة لمن أتى من منطقة حروب، وعدم زرع سياسة التسامح وتقبل الضيف في المجتمع المضيف بل التنفير منه، وبسبب قلة شباب القارة العجوز فهم بحاجة للمهاجرين وأبنائهم أكثر من حاجة المهاجر لهم، ومع هذا مازالت سياساتهم تتجه بحذر نحو شعار إما الذوبان وإما الرحيل.

يحزن القلب على أبناء المسلمين الذين حرموا من عائلاتهم وما ينتظرهم من مصير مجهول، وانتفاضة المسلمين والتنديد وإثارة الرأي العام لهي من الأمور المحمودة والمطلوبة، ولا مناص بالطبع من الحكمة والروية واستغلال جميع الوسائل الممكنة في سبيل الهم الأكبر وهو عودة الأطفال إلى بيوتهم وأحضان أهليهم الدافئة.


[1] https://taz.de/!360286/

[2] وقاية الأطفال من التعنيف والأذى

https://www.vivantes.de/fileadmin/Klinika/KNK/Vortraege_KJPP/Curriculum/02_Misshandlung_Missbrauch_Praevention_koelch_01.pdf

[3]متى-بنتزع-الطفل؟،ألماني

 https://beratung.de/recht/ratgeber/inobhutnahme-wann-holt-das-jugendamt-ein-kind-aus-der-famili_fntlic

[4]تجاوزات-مكتب-الرعاية-السويدي، Spiegel

 https://www.spiegel.de/politik/kinder-gulag-im-sozialstaat-schweden-a-56914d68-0002-0001-0000-000014019042

[5]مايمكن-فعله-بعد-سحب-الطفل

 https://www.123recht.de/ratgeber/familienrecht/Das-Jugendamt-hat-die-Kinder-weg-genommen-Was-koennen-wir-tun-__a103733.html

[6]قانون-سحب-الطفل-السويدي-بالتفصيل

 https://www.dji.de/fileadmin/user_upload/pkh/laenderbericht_schweden.pdf

[7] المصدر(4)

[8] https://www.sueddeutsche.de/leben/prozess-wenn-kinder-wegen-vernachlaessigung-sterben-1.3654792

[9] https://mediendienst-integration.de/migration/flucht-asyl/minderjaehrige.html

[10] تربية-الأولاد-في-المهجر

https://www.youtube.com/watch?v=gGUD8He_aTE

فتوى-وكلمة-من-الشيخ-محمد-راتب-النابلسي

https://www.youtube.com/watch?v=PPxE8ZmwGWw&t=305stj,n