image_print

قسوة القلب.. داء الروح الذي كشفه الوباء

لا يختلف اثنان اليوم على كون فيروس كورونا المستجد من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، فحتى منتصف مايو 2020، لقي أكثر من 290 ألف شخص حول العالم مصرعهم بالوباء.

وبينما قيادات العالم في توجس وترقب مما قد تجلبه الأيام القادمة؛ تجد كثيراً من شبابنا غارقين في لهو وسخرية وغفلة أمام هذا الابتلاء الربّاني، فلا هم يشعرون بعظم الامتحان و قرب الموت، ولا هم يفرّون إلى الله ليكشف الغمة. فما توصيف هذه الحال؟ وما الذي أدى بنا إليها؟

الوباء يمتحننا فهل ننجح؟
أخبرنا الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم كثيراً من أحوال الأمم السابقة لنتعظ بحالهم ونتجنب أخطائهم. ومن تلك الأحوال أنه سبحانه أرسل إلى أقوامٍ غابرةٍ ابتعدت عن سبيل الرشد أنواعاً من الابتلاء، من ضيق عيشٍ وفقرٍ وأمراضٍ، لعلهم تحت وطأة الشدة يفيقوا من غفلتهم ويتضرعوا إلى الله مولاهم، ويتذللوا له ويدعوه وحده أن يرفع عنهم البلاء بقلوبٍ مخلصة فيكون البلاء منحةٍ لهم إن ردهم لدينهم [1,2]. قال تعالى:{ولقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42]

لكنّ هؤلاء الأقوام لم ينتفعوا بهذه الفرص كما ينبغي. لم يلجؤوا إلى الله ولم يرجعوا عن عنادهم، ولم ترد الشدة إليهم وعيهم ولم تفتح بصيرتهم، ولم تلين قلوبهم وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم مايقعون فيه. ذلك لأن قلوبهم تحجرت فلم تعد الشدة تردها إلى الله ، وماتت فلم تعد الشدة تثير فيها الإحساس [1,2]. قال سبحانه: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الأنعام: 43]

فالقرآن يخبرنا أنّ من لا يدفعه البلاء للفرار إلى الله إنما هو مريضٌ بقسوة القلب، وأن هذا المرض خطرٌ عظيم أشدّ من البلاء نفسه بكثير، إذ أنه يهدد الروح الباقية لا الجسد الفاني. ففي الآية التالية تظهر عاقبة من لم يعتبر بالمحنة:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: [44-45] إنه الاستدراج الذي يتبعه أخذٌ قوي شديد من الله سبحانه على حين غرة ولهو، أعاذنا الله وإياكم.

فالآيات السابقة ترشدنا أن نتعامل مع البلاء باعتباره تذكرة ودفعةً تردّنا لدرب الحق، لا أن نتجاهل آيات الله فيه ونواجهه بالسخرية والغفلة. وفيروس كورونا المستجد هو نوعٌ من المحن التي أرسلها الله لنا كما أرسل إلى من قبلنا من عجيب الآيات ليعتبروا ويتذكروا. قال تعالى: {ولَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف:130] لكن آل فرعون لم يتعظوا كما نعلم، فخسروا بذلك دنياهم وآخرتهم.

فهذا الذي يسميه الغرب عدواً هو في حقيقته آية من آيات الله أرسلها على عباده، وسيكشفها إذا شاء بأمره، ولكن المهم هو حالنا نحن أمامها. هل ستردنا إلى الله أم ستظهر حقيقة مرضٍ في قلوبنا؟

إن مواجهة البلاء والأزمات بالنكات والتذمر واللهو لا تدل على صلاح القلب، فهذه الأساليب وإن بدت في ظاهرها طرقاً بريئة لتنفيس مشاعر سلبية متعلقة بالحجر، فهي في حقيقتها حيلٌ من الشيطان ليمنعنا عن التأمل في حقيقة الامتحان، فهو يقنعنا أننا نتسلى عن الهموم بينما تنبت الغفلة في قلوبنا وتورثنا تهاوناً بآيات الله سبحانه. ومن حيل الشيطان التي لحظتها في كثير ممن أحسبهم على خير أنه أوهمهم أن إيمانهم بالله وتوكلهم عليه تجاوز بهم الخوف من الموت فصار الوباء بالنسبة لهم أمراً عادياً، وهذه خدعةٌ خطيرة في ذاتها، فالمؤمن كلما زاد قرباً من الله ازداد خشية منه سبحانه، ولا تناقض بين الرجاء والخوف [3]. ولما كان كيد الشيطان ضعيفاً عاد سبب نجاحه في حيله إلى قسوة في قلوبنا التي لم تعد الشدة تدفعها لصدق اللجوء لمولاها.

ولذا أدعوكم ونفسي للتأمل في حقيقة القسوة لنصل إلى مسبباتها وطرق علاجها.

قسوة القلب وخطورتها
قال القرطبي: القسوة هي الصلابة والشدة واليبس والقلب القاسي هو الذي لا يعي الخير ولا يفعله [4]، وقيل: القسوة في القلب ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه [5]، أوتصلبه ونبوته عن اتباع الحق [6]. وروي عن مالك بن دينار قوله: “ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب “[4].

وقد تتبعتُ مفردة القسوة في القرآن الكريم فوجدت التحذير والتخويف والذمّ مرتبطين بها دوماً. من ذلك قوله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نورٍ من ربه فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلالٍ مبين} [ الزمر: 22] فالله عزّ وجل يتوعد بالعذاب الشديد لأصحاب القلوب المتصلبة التي لا تلين بالذكرى [1]. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من قلبٍ لا يخشع ومن عين لا تدمع [صححه الألباني].

وقسوة القلب سبب لفساد النفس وخسرانها، إذ أن القلب للأعضاء كالملك المتصرف في الجنود التي تصدر كلها عن أمره ويستعملها فيما شاء فكلها تحت سلطانه وقهره تكتسب منه الاستقامة والزيغ وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله. فهو ملكها وهي المنفذة لأمره، ولا يستقيم لها شيءٌ من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته [7]. ولذا كانت العناية بحال القلب من ضرورات الدين، وقد قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله: إن أشرف ما في الإنسان قلبه فهو العالم بالله العامل له الساعي إليه. ومن عرف قلبه عرف ربه، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، فمعرفة القلب وصفاته أصل الدين وأساس طريق السالكين [8]. وفي رواية النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أَلَا وَإِنَّ في الجسد مضغةٌ إذا صلحت صلح الجسد كله، وَإِذَا فسدت فسد الجسد كله، أَلَا وهي القلب” [متفق عليه].
والقلب هو الذي ينظر الله إليه من العبد، فقد قال صلى الله عليه وسلم:  “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” [صحيح مسلم].

و حبذا لو وجدنا في البلاء الذي نمر به فرصةً لنتبصر في أنفسنا ونقيّم قلوبنا، أقاسيةٌ هي أم لينة؟ هل تدفعها المحن إلى اللجوء إلى الله؟ أم أنها تهرب من الموعظة نحو الملهيات والمشتتات؟ هل تضحك أمام الآية أم تخشع؟ فالأوان لتصحيح المسار لم يفت، وباب التوبة مفتوحٌ طالما في العمر بقية.

الأسباب والعلاج
معرفة أسباب قسوة القلب طريقٌ لمعالجتها وإغلاق أبوابها، وقد وصف علماء الأمة أسباباً عديدة للقسوة: أهمها الشرك بالله بكافة صوره وأشكاله كاعتقاد النفع والضرر في غيره سبحانه، والرياء والتحاكم إلى غير شريعته، وابتغاء غير وجهه بالعمل. ومنها كثرة المعاصي والذنوب بجملتها، فإن تراكمها يولد غطاءً على القلب يفسده ويقسيه [4]، قال سبحانه وتعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14].

وفي هذا المعنى قال ابن المبارك:

رأيت الذنوب تميت القلوب    ويورثك الذلَّ إدمانُها

وترك الذنوب حياة القلوب     وخيرٌ لنفسك عصيانها

ومن أسباب قسوة القلب نقض العهود والمواثيق [4]، كما قال سبحانه: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية} [المائدة:13]

ومنها كثرة الكلام بغير ذكر الله وكثرة الضحك وكثرة الأكل و كثرة النوم فإنه يميت القلب، ويثقل البدن، ويضيع الوقت، ويورث كثرة الغفلة والكسل [4, 9].

وآخرها كثرة الخلطة، وفي ذلك قال ابن القيم رحمه الله: أما ما تؤثره كثرة الخلطة: فتملأ القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود، وتوجب له تشتتا وتفرقا وهما وغما، وضعفا، وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء، وإضاعة مصالحه، والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم. فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟ [9]

ومن أبرز ما نلاحظ في هذه الأسباب كون معظمها من المباحات، كالطعام والنوم والخلطة بالناس، لكن المبالغة فيها تفسد القلب وتقسيه وتشغله عن ذكر الله والتقرب إليه. فالأكل باعتدال يقوي الجسد على طاعة الله، أما الإسراف فيه فيضعف الروح ويثقل الجسد عما خلق له ويورث كثيراً من الأسقام.

أما عن معالجة قسوة القلب فهي تبدأ بصدق الالتجاء إلى الله وطلب الهداية منه وإعانته على الخشوع والتذلل إليه والانتفاع بآياته، فذلك كله لا يكون إلا بتوفيق الله عزّ وجلّ وفضلِه، ومن ثمّ بمراقبة النفس وإبعادها عن أسباب القسوة السابق ذكرها. ولا شكّ أن ذلك يتطلب جهداً وإخلاصاً لله تعالى في القول والفعل.

ومن سبل تليين القلب كثرة ذكر الله وتلاوة القرآن وتدبر معانيه [4]، قال تبارك وتعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: 23]

ومنها كذلك كثرة ذكر الموت وزيارة القبور والإحسان لليتامى والمساكين، فعن أب هريرة رضي عن أَبِي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال له: “إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم” [أخرجه أحمد وصححه الألباني].

هذا غيضٌ من فيض في معاني إصلاح القلب ومعالجته. أدعوكم لمراجعة المصادر أدناه للاستزادة، أعاننا الله وإياكم على الانتفاع بما علمنا، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

والحمد لله رب العالمين.

تسنيم راجح
أخصائية بالتغذية العلاجية في سانت لويس وعضو في أكاديمية التغذية الأمريكية


المصادر

  • ابن كثير. تفسير القرآن العظيم
  • سيد قطب. في ظلال القرآن
  • ابن الجوزي. تلبيس اإبليس
  • ابن رجب الحنبلي. ذم قسوة القلب
  • ابن منظور. لسان العرب
  • العز بن عبد السلام. شجرة المعارف
  • ابن القيم. إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان
  • ابن قدامة المقدسي. مختصر منهاج القاصدين
  • ابن القيم. مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

كورونا والصحة النفسية.. الوباء يبرز آثار غياب الدين عن المجتمعات

في صبيحة يوم  الأحد السادس والعشرين من شهر أبريل الفائت استفاقت عائلة الطبيبة لورنا برين، رئيسة قسم الطوارئ في مشفى بنيويورك، على فاجعة انتحار ابنتهم الطبيبة المرموقة عن 49 عاماً.

لورنا كانت تعالج المرضى في أكثر الولايات الأمريكية تأثراً بوباء كورونا، حيث وصل عدد الحالات فيها إلى أكثر من 300 ألف حالة في 4 مايو 2020، حسب قناة CNN – وكما يقول والد الطبيبة فإن عملها أودى بحياتها [1].

لورنا ليست الضحية الوحيدة للضغط النفسي المترافق مع وباء كورونا رغم أن حالتها قد تكون الأكثر وضوحاً حتى الآن، فبحسب دراسة حديثة  في مدينة ووهان الصينية فإن واحدا من كل خمسة طلاب بالمدارس يظهر أعراضاُ اكتئابية بسبب إجراءات الحجر الصحي [2].

كما أظهرت دراسة منفصلة في ووهان الصينية أن حوالي نصف العمال في القطاع الصحي يعانون من القلق أو الاكتئاب جراء المرض [3].

إضافة إلى ذلك أعرب مسؤولون في مركز التحكم بالأوبئة في الولايات المتحدة الأمريكية (CDC) عن قلقهم بشأن تزايد حالات الاكتئاب والانتحار جراء العزلة الاجتماعية والقلق والخوف من العدوى [4]، كما توقع أطباء نفسيون في رابطة الأطباء الأمريكيين(AMA)  تزايداً حاداً في حالات القلق، الاكتئاب، إدمان المخدرات، الوحدة، العنف المنزلي وإساءة معاملة الأطفال تزامناً مع الوباء [5].

أما في بريطانيا فقد أصدرت هيئة الصحة العقلية إرشادات عامة للمواطنين للتعامل مع الضغط النفسي والاقتصادي في ظل الوباء ترقباُ للأسوأ [6].

 كل ذلك يجري تزامناً مع وباء عضوي لا يؤثر على العمليات الدماغية، لكن العوامل الكثيرة التي سببها الوباء تتدخل في صياغة أسباب هذا الضغط النفسي ومنها كالخوف من المرض، العزلة الاجتماعية، تدني الوضع الاقتصادي، القلق من المستقبل، إغلاق المرافق الترفيهية كالمولات والمقاهي، إغلاق عيادات الطب النفسي، وغيرها.

وليقيني أن ما منّ الله به علينا من دين هو الشريعة الكاملة التي لم تُغفل من جوانب النفس شيئاً، بدأت بتوصيل النقاط بين مشاهداتي في الغرب، الدراسات العلمية و تعامل الإسلام مع كل ذلك لتضح الصورة الكاملة ويكون لنا فيها عبرة.

القلق من المستقبل ومشاعر عدم الاستقرار والخوف تحديداُ هي أمور لاحظتها بوضوح بين كثير من زميلاتي ومعلميّ في الجامعة. فالوباء الحاليّ أمرٌ مفاجئٌ وغير متوقع لمعظم الأمريكيين الذين اعتادوا الشعور بالسيطرة على حياتهم وأهدافهم وتربَّوا على أنهم يملكون تحقيق غاياتهم إن عملوا بجد ونظموا أوقاتهم بالدقة الكافية.

هذه المفاهيم السائدة في المجتمعات الغربية، رغم أنها تولد انتاجيَّة مادية سريعة، إلا أنها تخلِّف هشاشة نفسية وانكساراً أمام الأزمات التي قد تقلب الموازين وتشعر الإنسان بضعفه. فهؤلاء صُدموا بمحدوديتهم وقلة حيلتهم أمام فيروس لم تتمكن شبكات الأنباء من التنبؤ بخطورته. فجأةً تأخَّر الاقتصاد ونفذ مخزون المحال التجارية من المعقمات والكمامات وغيرها وخسر الكثيرون وظائفهم وأُجبروا على نمط حياة جديد لم يكن في الحسبان. كلُّ هذا أدّى بالناس إلى شعورٍ عارمٍ بالصدمة.

فاجأتني في بداية الأمر ردة فعل زميلاتي غير المسلمات تجاه الوباء، تحديداً ما كنّ يصفنه بعدم التأكد (uncertainty) من المستقبل وما قد يجلبه وكونهنّ على حافة الانهيار إن فُتِح الموضوع أمامهنّ. كنت أقارن ذلك بعقلية الإيمان المطمئنة التي منّ الله بها علينا والتي تُشعر الإنسان أنّه أضعف من أن يملك غده، وكان لسان حالي يقول: ومتى كنّا متأكدين من المستقبل أصلاً؟ شعرت حينها بقيمة المرونة التي يوطنها الإيمان في النفس.

العقيدة الإسلامية تربّي في المؤمن الاعتماد على خالقه تبارك وتعالى وتؤصل فيه حقيقة كونه عبداً لله ينبغي أن يتوكل عليه ويسلم له أمره، فمنه وحده المدد والقوة. تتجلى هذه المعاني بوضوحٍ جليّ في أذكار المسلم اليوميّة التي علّمنا نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم. فإذا أصبح المسلم أو أمسى يقول “حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم”. فيذكر نفسه بأن اعتماده على الله الذي يملك قدره وحده وهو يكفيه في كل أمر من أمور الدنيا والآخرة [7]. وإذا خرج من منزله قال “بسم الله توكلت على الله ولاحول ولا قوّة إلا بالله” مفوضاً أمره لمولاه سبحانه [7] معترفاً بحقيقة عبوديته له فهو المتحكم في كل الخلق مالك الملك. ولنتأمّل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما أخذ بمنكبيّ ابن عمر رضي الله عنهما وقال له: “كن في الدنيا كأنك غريب ، أو عابر سبيل”، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: “إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك.” (رواه البخاري)

فالحال الطبيعي أننا لا نملك ضمانات عن المستقبل ونعلم أنّنا لله وإليه راجعون في أي وقت يختاره سبحانه. وقد روي عن الصحابية أمّ سليم رضي الله عنها لما قبض ولدها وأرادت أن تنبئ زوجها بذلك قولها له: أرأيت لو أن قومًا أعارُوا عاريتَهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، أَلَهُم أنْ يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسِب ابنك. (رواه البخاري)

وهذا لا يعني أن التدين الحقّ والتوكل يدعوان لترك الأخذ بالأسباب أوأنهما يبعثان روح الانهزام في الإنسان، بل على العكس، فالنبي صلّى الله عليه وسلم خرج من مكّة إلى المدينة عند الهجرة مستتراً بالليل متخفياً مع صاحبه رضي الله عنه متوجهين جنوباً نحو غار ثور مع أن وجهتمهما كانت يثرب في الشمال. هذا وهو النبي الكريم الذي عصمه الله من الناس، ليعلّمنا أن المسلم يخطط ويأخذ بالأسباب ومن ثم يتوكل على الله الذي يدبر الأمر كيف يشاء.

وقد قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: لو عرف الناس ماهية التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد. ذلك أن التوكل اعتماد القلب على الوكيل وحده، وذلك لا يناقض حركة البدن في التعلق بالأسباب ولا ادخار المال. فقد قال تعالى: “ولا تؤتوا السّفهاء أموالكمُ الَّتي جعل الله لكم قياماً” أي قواماً لأبدانكم. والذي أمر بالتوكل أمر بأخذ الحذر فقال: “خذوا حِذركم” وقال: “وأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوة”. فالتوكل لا ينتفي الاحتراز [8]. والحقيقة أنني لم أكن أستشعر نعمة التوكل إلى أن رأيت من يفقدها وشعرت بمقدار الضياع الذي يصيبه إن اختلت القوانين التي ألِفها في الكون. فلله الحمد والمنّة سبحانه.

 من الجدير بالذكر هنا أن كون هذه المعاني جزءاً مهماً من عقيدة الإسلام لا يستوجب ضرورةً أن يستحضرها جميع المنتسبين للدين الإسلاميّ في حال البلاء، فالبُعد عن القرآن وهدي النبيّ عليه الصلاة والسلام ينسي المرء حقيقة وجوده، وفقره وضعفه. وهذا شائعٌ خصوصاً بين من يقيمون في الغرب -كما أشار د. عبد الرحمن ذاكر الهاشمي في أحد دروسه- إذ من السهل عليهم نسبة النتائج للأسباب الدنيوية وحدها وقد يغفلون عن قيمة الاعتماد على الله سبحانه وتفويض الأمر إليه، فمثلا إن قالت شركة أمازون إن الطرد سيصل في اليوم الفلاني، فهو حتماَ سيصل! ويغيب عن الذهن بسهولة استحضار معية الله؛ خصوصاً مع نمط الحياة السريع الصاخب. لذلك كان الذكر والتواصي بالحق والصبرمن الضرورات الأساسية في حياة المسلم.

الأمر الآخر الذي وجدته سبباً للأزمات النفسية في ظل الوباء هو بروز الأسئلة الوجودية لم تعد المُلهيات كافية لإسكاتها، ومن أهم هذه الاسئلة مشكلة وجود الشر وتحديداً الأوبئة في العالم.

الإنسان في الغرب قبل أزمة كورونا توهّم أنّ الشر لن يصل إليه لأنه في موضع قوّة وعلم بالنسبة لغيره، فهو في بلاد متقدمة عسكرياً، غنيّةٍ ماديّاً وتملك كافة أشكال الترفيه والمتعة، ومن هنا كان بروز وباءٍ لا يقدر الناس على احتوائه سبباً في شعورهم بالتهديد، وبالتالي اضطرت النفوس مواجهة مشكلة الشر. بدأت التساؤلات حول أصل الشر وسببه وغير ذلك، وبينما قابلت نسبة كبيرة من الناس هذا الاشكال بالهروب إلى وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الأفلام أو الألعاب الالكترونية، وجد آخرون أنفسهم مجبرين على مواجهة الواقع، فكان التعب النفسي. فالجهل يولد الخوف وهذا يتزايد مع الوقت إن لم يجد الإنسان مايشبع به تساؤلاته.

وجدت هذا بشكل واضح في مقالات تتحدث عن العاملين في القطاع الصحي وكيف صدمتهم قسوة الوباء والموت وشعروا بقلة حيلتهم غير الاعتيادية أمام ذلك مما أدى بهم إلى الشعور بالعجز والإحباط الشديدين [1].

لا أنكر هنا صعوبة التعامل مع وباء عالمي مثل فيروس كورونا المستجد ولا أقلل من قيمة ما يفعله من يعمل في القطاع الصحي، بل نحتسبهم في سبيل الله إن كانوا من أهل الإيمان، ولكن كل ذلك ينبغي أن يُعتبر في ضوء قوله تبارك وتعالى {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصّابرين}، فالله أخبرنا أنه لابد أن يبتلي عباده بالمحن ليتبين الصادق من الكاذب والصابر من الجازع وهذه سنته تعالى في عباده لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان ولم يحصل معها محنة لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر [9].

فالمؤمن لا يتفاجأ بالمحن لأن الله أخبره أنها قادمةٌ لا محالة وأنها لخيرٍ حتى وإن كان ظاهرها شراً، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال -وهو الذي لا ينطق عن الهوى: “عجباً لأمر المؤمن إن أمره كلّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له” (رواه مسلم).

فسبحان من منحنا أكبر نعمة وتفضل علينا بما لا يسعنا شكره إذ قذف في قلوبنا الإيمان، وله الحمد أن أرانا واقع من يعيش بلا هدي القرآن إذا امتحن أو أصيب كيف يكون. فكلّ زخرف الحضارة الغربية لا يساوي شيئاً مقابل لحظة طمأنينة في النفس لقضاء الله تبارك وتعالى وقدره. نسأله أن يهدينا ويهدي بنا، ويجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

تسنيم راجح
أخصائية بالتغذية العلاجية في سانت لويس وعضو في أكاديمية التغذية الأمريكية


المصادر

1- https://www.washingtonpost.com/nation/2020/04/28/nyc-doctor-lorna-breen-coronavirus/

NYC emergency doctor dies by suicide, underscoring a secondary danger of the pandemic, Washington Post

2- https://jamanetwork.com/journals/jamapediatrics/fullarticle/2765196

Mental Health Status Among Children in Home Confinement During the Coronavirus Disease 2019 Outbreak in Hubei Province, China, Journal of The American Medical Association

3- https://jamanetwork.com/journals/jamanetworkopen/fullarticle/2763229

Factors Associated With Mental Health Outcomes Among Health Care Workers Exposed to Coronavirus Disease 2019, Journal of The American Medical Association

4- https://www.cdc.gov/coronavirus/2019-ncov/daily-life-coping/managing-stress-anxiety.html Coronavirus Disease 2019 (COVID-19), Stress and Coping, CDC

5- https://jamanetwork.com/journals/jamainternalmedicine/fullarticle/2764404

The Mental Health Consequences of COVID-19 and Physical Distancing. The Need for Prevention and Early Intervention, Journal of The American Medical Association

6- https://mentalhealth-uk.org/help-and-information/covid-19-and-your-mental-health/

Managing your mental health during the coronavirus outbreak, Mental Health UK

7- شرح حصن المسلم .سعيد بن علي بن وهف القحطاني.

8- تلبيس إبليس. الإمام ابن الجوزي

9- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي

 

“عروض زواج رومنسية” و”أمهات عازبات”.. كيف تسربت إلينا هذه العادات؟

“المغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب”، بهذه العبارة الشهيرة يلخص لنا ابن خلدون واقع مجتمعاتنا اليوم، وسواء اتفقنا مع ما جاء في مقدمته أو اختلفنا، فإن لهذه العبارة نصيبها من الصحة.

بيد أن مشكلتنا لا تقف عند حدود التقليد، فالمقلد إنما يأخذ بإيجابيات وسلبيات من يقلده، يأخذه عنه حزمة كاملة، بينما تجاوزت مجتمعاتنا مرحلة التقليد لتنجب لنا نسخًا مشوهة لا تشبهنا، تسيّرنا ولا نسيّرها، وإن كانت الدهشة التي حكمت أفعال الشبّان الذين زاروا الغرب سابقا وتأثروا بنظرياته وعاداته ونقلوها بقدّها وقديدها إلى أوساطهم في بلدانهم الأصلية، إن كانت تلك الدهشة تقتصر عليهم وعلى فئة قليلة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تكفلت بإيصالها لجمهور أكبر حين سهّلت دخول هذه النظريات والعادات إلى بيوتنا عبر شاشات صغيرة، ووجدنا أنفسنا أمام عادات لم نكن نعرفها بداية ثم تتطبعنا معها ولم نعد نرى في سنّها ضمن عاداتنا أي غضاضة.

والحديث هنا ليس عن العادات التي ترافق فرحًا ما مثلًا، مما لا يختلف مع معايير ديننا ومجتمعنا، إنما عن عادات وظواهر متأصلة في الغرب ورؤيتنا لها بعين واحدة، فلا يمكن أن تمرّ أيام حتى يعرض لنا مما يعرض في فيسبوك مثل فيديو رومنسي عن شاب تقدم لخطبة فتاة محمّل بالورود وبخاتم يجعل الفتاة تبكي فرحًا، ثم تفتح التعليقات لتجد دعوات عريضة من الفتيات للشباب ليقتدوا ويتعلموا الرومانسية وحسن التعبير، من غير أن تنقل لنا الصورة المخيفة القابعة خلف هذه الرومنسية وعن المرارة التي تعانيها المرأة بعد علاقة محرمة لتنهي رحلتها المشتتة وغير المستقرة بالزواج، الزواج الذي يسعى إليه شبابنا ابتداء بالخطبة والعقد، وقبل أي علاقة محرمة تستهلك المرأة وتستنزفها، خصوصًا إن رافق العلاقة حمل غير شرعي، لتحمل المرأة أعباء الطفل فوق أعبائها، وقد ناقش الأستاذ إياد قنيبي هذه الظاهرة ضمن سلسلته على اليوتيوب رحلة اليقين.

طلاق وردي
ولما كانت بدايات رحلة الزواج الغربية محط إعجاب، كان من المنطقي أن تكون رحلته ونهايته على خطى غربية أيضًا، فما زالت مجتمعاتنا تغلف كلمة “طلاق” بهالة كبيرة ولا يمكن لوقع الحياة المادية التي سهّلت أمور الطلاق وصعبت أمور الزواج أن تنزع هيبة الكلمة ووقعها على من خاض التجربة رجلًا كان أو امرأة، لكنها استطاعت أن تخفف تلك الهيبة وأن تجعل باب الطلاق من أوائل أبواب الحل المقروعة.

فلم يكن معروفا لدينا مثلا ما يسمى “بحفلات الطلاق”، والتي تتشابه مع حفلة “وداع العزوبية” تبتدأ الرحلة بها وتعلن الثانية نهاية الرحلة، ولست أدري أي حالة نفسية تعيشها المرأة التي تُقدم على مثل هذه الخطوة حين تُقلب الموازين ويصبح الطلاق من مدعاة لأن يعيد الإنسان حساباته إلى مفاخرة واحتفالات.

وأتساءل كيف تقضي المرأة المحتفلة مع أقرانها ليلتها بعد أن ينفض عنها الجمع؟ صحيح أن طلاق المرأة الراضخة تحت ظلم زوجها يكون خلاصًا، وكذلك الرجل الذي تعرض لظلم من زوجته، إلا أن الأمر مع ذلك يستدعي مراجعة الحسابات ويعني فشل الإنسان في مرحلة ما، ولا يستدعي الفرح البتة خصوصًا إن نتج عن هذا الزواج أولاد.

أمهات عازبات
اصطُلح مؤخرًا على إطلاق لقب أم عازبة على النساء اللواتي يربين أطفالهن في غياب كامل لأب الطفل، وغالبا تطلق التسمية على الأمهات اللواتي أنجبن خارج إطار الزواج، إذ تشير التقارير التي قدمتها الباحثة التونسية سامية محمود المختصة في علم الاجتماع على أن عدد الأمهات العازبات يبلغ حوالي 1060 أم كل سنة في تونس وأن هذا العدد يشهد ارتفاعًا ملحوظًا سنويًا، وأثبتت الباحثة أن أعمار الأمهات العازبات تتراوح من 15 إلى 24 ، ومعلوم أن هذه الإحصائيات لا يمكن أن تغطي كل الحالات ما يلزم ضرورة أن تكون الأعداد أكثر من المعلن عنه، وفي المغرب هناك ولادتان غير شرعيتان بين كل خمس ولادات شرعيّة[1].

ويقدّر عدد الولادات التي تمت خارج إطار الزواج بـ 153 مولود يوميًا[2]،  كما تشير التقارير إلى أن نسبة الأطفال المولودين خارج إطار الزواج في بريطانيا بلغت 47.5 بالمئة عام 2012[3].

والحديث عن الحقوق التي تمنحها الدول الأوروبية للأمهات العازبات هو حديث عن جانب حقوقي وإغماض عين عن الجوانب الأهم، فاعتبار الحقوق المادية على أنها غاية إنسانية نبيلة هو عين الظلم للطفل الذي لا تقف حاجته عند حد الاعتراف به أو منحه وأمه راتبًا شهريًا، فالواقع يثبت أن القوانين التي توضع للتدخل في العلاقات الاجتماعية “الأسرية مثلًا” تهدم أكثر مما تبني، وفي أحسن الأحوال تقدم حلولًا تقتصر على الماديات.

زواج القاصرات وزنى القاصرات
ما الذي يمكن أن يحدد جاهزية الفتاة أو الشاب للزواج؟ وهل يعقل أن تكون قدرات الشباب متكافئة؟ فإن سألنا متى يحق للإنسان أن يأكل كان الجواب المنطقي حين يجوع، ومتى يحق للإنسان أن يشبع حاجته الجنسية؟ فالجواب حين يشتهي، وهو سن التكليف في الإسلام، فالأمر إذا ليس لإشباع رغبة فحسب بل هو سن يحاسب الإنسان على كل أفعاله فإن قتل قُتل وإن سرق قُطع، وإن باع أو عقد نفذ بيعه وعقده، طالما أنه مكلّف أي بالغ، فإن كان الأمر كذلك في العقوبات والتكاليف بمعنى أنه يملك زمام أمره ذكرا كان أو أنثى فإنه يستطيع تحمل تبعات مسؤولية الزواج وتكوين أسرة.

والكلام عن تجريم زواج من هم في سن صغيرة هو حديث قاصر عن الإحاطة بكل جوانب الإشكالية، فلو كان الأمر مواكبًا للطبيعة الإنسانية لما شهدت المجتمعات الغربية خصوصًا تزايد عدد الامهات العازبات واللواتي قد يصرن أمهات وهن في عمر المدرسة، أي في عمر الرابعة عشرة، الأمر الذي دفع بعض المدارس في الولايات المتحدة الأمريكية لإنشاء حواضن خاصة بالأمهات الطالبات.

ولا يقف الأمر عند حدود إنجاب طفل من علاقة غير شرعية لتكون مشكلة فردية، فالحديث هنا عن أب تخلى عن مسؤوليته تجاه طفله، وعن أم تضطر للعمل في مجالات ربما لا تناسبها لتلبي حاجات الطفل، وفي ظل هذا التخلي يُدفع بالأطفال إلى هاوية التشرد والعوز.

إذن نحن أمام حقيقة تتلخص بما يلي: رفع سن الزواج عند الشاب والفتاة لا يعني أنهما سينشغلان بتعليمهما ويصرفان النظر عن  تلبية تلك الحاجة، وتعسير أمر الزواج يعني ضرورة تيسير أمر الحرام، فإما زواج وأبناء تحت مظلة هذا الزواج، وإما زنى وأبناء لقطاء قد ينتهي بهم المطاف في عالم التشرد والجريمة إن لم يجدوا من يأخذ على أيديهم.

فإن قلنا إن المعايير اختلفت وشباب وبنات مجتمعنا اليوم غير قادرين على حمل المسؤولية كما يجب، قلنا إن مرد ذلك عائد للتربية التي ينشأ بها الشاب والفتاة داخل العائلة، فالعائلة هي مربط الفرس إن قام الأب بدوره وقامت الأم بدورها من تغير تنازع بينهما، فإن قيل إن أمور الزواج لا تتعلق فقط عند الوعي بالمسؤولية بل إن الأمر يكاد يكون ماديًا صرفًا، فالحق أن هذا مما أفرزته الأنظمة الرأسمالية التي قيّدت الشباب بقيد الوظائف التي تستهلك منهم عمرهم ولا يكاد الشاب يجد مقابل وقته ما يسد الرمق، ما يجعله غير مختار في موضوع تأخير زواجه، فإن كان ولا بد من هذا التأخير فلا يتجاوز سن الشباب.

عند إقرار الإنسان بوجود خالق لزمه ضرورة اعتقاده بما أقره الله لضمان صلاح حياته، فإنه إن خرج عن تلك القوانين التي سنّها الخالق، وطالت يده هذه القوانين تعديلًا واعتراضًا، لا بد أن يدفع فاتورة هذا الانحراف، سواء اعترفنا بهذا أم لا فإننا نجني عواقبه، والكارثة أن العواقب تشمل مجتمعا بأكمله.

والحديث هنا عن الآثار المجتمعية بصورتها العامة، فلا يمكن قياس حالات لأشخاص ينتمون لمنظومة دينية ولا يطبقون قواعدها لا يمكن اعتبارهم ممثلين عن تلك المنظومة، وسوء استخدامنا لجهاز كهربائي مثلًا لا يعني خطأ الشركة المنتجة، ويكفي ليعرف الإنسان أن ترك التعاليم الدينية التي وضعت لتنظيم علاقة المرأة بالرجل في الزواج والطلاق والأسرة وغيرها، يعني ضرورةً حرف المسار وحصد نتائج كارثية وقلبًا للمفاهيم، حتى أصبح الزواج المبكر جريمة حتى لو تم برضى ووعي من الطرفين، والعلاقات خارج هذا الإطار حضارة، ناهيك عن اعتبار زواج الشواذ حرية ونقده جريمة، لنحصد اليوم نتاج هذا انهيارًا أخلاقيًا مريعًا سيزداد سوءًا كلّما ابتعدنا عن شريعة الفطرة واقتربنا مما يوفد إلينا، “ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير”؟

عاتكة عمر


[1] تقرير نشره موقع BBC بالعربية، https://cutt.us/P1q0P 

[2] دراسة نشرتها جمعية “إنصاف” عام 2011م غير الحكومية بالتعاون مع الأمم المتحدة، ولتقرير نشرته وكالة الأناضول  https://cutt.us/r4Hox .

[3] موقع BBC بالعربية https://cutt.us/.

هل كان العثمانيون محتلين لبلادنا العربية؟

محمد عدنان شيط


عندما كنت صغيراً كانت مادة التاريخ التي تُدرس في بلدي سوريا تحدثنا عن الاحتلال التركي الذي دام 400 عام وعن لواء إسكندرون الذي كان يسمى في هذه الكتب “اللواء السليب” والذي أعطته فرنسا لتركيا في صفقة بينهما وحرمت سوريا منه.

كبرت قليلاً بعد ذلك لأتابع عدداً من المسلسلات السورية التي تتحدث عن ما كانت تسميه “الاحتلال العثماني” وتُصور الأتراك كوحوش بشرية تسرق أقوات الناس وتمتص دماءهم وتجرهم إلى الحروب. ومن تلك المسلسلات كان مسلسل اسمه “إخوة التراب”، ومن شاهده ربما لا ينسى مشهد الإعدامات بأبشع الطرق للهاربين من الجيش العثماني والمنضمين لما سمي بعدها بقوات الثورة العربية الكبرى.

ومنذ مدة أثناء خطبة الجمعة كان الخطيب يتحدث عن العثمانيين، وفي سياق حديثه أشار إلى أنهم لم يكونوا محتلين لبلادنا لتقوم مجموعة من الناس حولي بالرد على الخطيب في منتصف الخطبة وتقول: لا بل كانوا محتلين! وتفاجأت حينها من ردة فعل هؤلاء وتعجبت كثيراً إلى أي حد وصل تفكير بعض المسلمين. ولكن هكذا عملت حكومات ما بعد الاحتلال الأجنبي على تشويه صورة العثمانيين من خلال المناهج الدراسية وكتب التاريخ والمسلسلات، فلم تترك نقيصة أو نقطة سوداء في التاريخ العثماني إلا وسلطت عليها الضوء وأغفلت في المقابل عشرات المحاسن والصفحات البيضاء في تاريخ بني عثمان وسكتت عنها بتجاهل تام ومتعمد لهذا الأمر.

أتاتورك في مكتبه

ما الباعث على تشويه التاريخ العثماني؟
بعد سقوط الخلافة العثمانية على يد مصطفى كمال (أتاتورك)عام 1924، عملت القوى الكبرى على تقسيم تركة “الرجل المريض” حينها بما يرضي أطماعها؛ فأنشأت هذه الدول على أنقاض الخلافة العثمانية مجموعة من الدول العربية قسّمتها على مزاجها ليسهل السيطرة عليها، وعلى إثرها تولى أمر هذه الدول حكومات ذات نزعات قومية عملت على قطع صلة المسلمين بتاريخهم من خلال ربطهم بالفكرة القومية وشجعتهم على الانتماء للأرض وللحدود التي قسمتها الدول الأجنبية على حساب فكرة الانتماء للدين وللرابطة الإسلامية التي كانت ممثلة بالخلافة العثمانية.

ولهذا فأفضل طريقة لإنجاح هذا الأمر هو تشويه التاريخ العثماني بمجمله من خلال بث الأخبار الكاذبة وأخذ المرويات التاريخية الضعيفة والملفقة وحشو كتب التاريخ والمناهج الدراسية بها أو في أحسن الأحوال تسليط الضوء على جوانب معينة في التاريخ العثماني مع التغاضي المتعمد عن الجوانب الأخرى، ولهذا هبت بتشجيع من الحكومات جوقة من الكتّاب العلمانيين والقوميين هاجموا الدولة العثمانية وطعنوا فيها بكل السبل وهدفوا من وراء ذلك أن ينشأ جيل يكره العثمانيين ويصف فترة حكمهم في بلادنا بالاحتلال.


هل التاريخ العثماني ناصع البياض؟

بالطبع لا ولا يقول بهذا عاقل، فكل الدول لها ما لها وعليها ما عليها، وتاريخ دولة بني عثمان كتاريخ أي دولة إسلامية حكمت منطقتنا أو أي منطقة أخرى بعد الخلافة الراشدة لا يخلو من تجاوزات وأخطاء ونقط سوداء وهذه حالة مفهومة في السياق الإنساني.

وخاصة أنه مع طول فترة الابتعاد عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة فإن زاوية الانحراف تأخذ بالاتساع أكثر، كما يشير لهذا كثيراً المؤرخ محمود شاكر عند استعراضه للدول الإسلامية.

ولكن لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نطلق على فترة حكم العثمانيين بالاحتلال العثماني، والحقيقة أننا عندما ننتقد بعض الجوانب في الخلافة العثمانية فنحن ننتقدها من جانب شرعي وليس من جانب التعصب للعروبة أو للطعن في الخلافة الإسلامية بشكل عام، فالعثمانيون لديهم سلبياتهم التي لا نستطيع التفصيل فيها في هذا العجالة، ولكن نمر على أهمها بسرعة مثل عدم الاهتمام باللغة العربية وعدم الاتجاه لتعريب الدولة بشكل عام، وإكثار بعض السلاطين من الزواج من الأجنبيات، وقتل بعض السلاطين لإخوانهم، وعدم التركيز على دعوة أهل البلاد المفتوحة دعوة صحيحة للإسلام مثل بلاد اليونان وشرق أوروبا بالمجمل، والاستمرار بالحكم الوراثي بدلاً من إتباع الشورى التي يدعو لها الإسلام بالإضافة إلى تغليب الجانب العسكري على الجوانب الحضارية، وبعض السلبيات الأخرى، ولكن المنطلق لهذا الحديث عن بعض سلبيات العثمانيين هو منطلق ديني بحت وليس حقداً على الخلافة الإسلامية العثمانية أو رغبة في الطعن فيها تعصباً للعروبة كما بينت.

السلطان العثماني وحيد الدين في لحظة الوداع قبل أن يعين عبد المجيد الثاني في منصب خليفة شكليا ليشهد انهيار الخلافة

صفحات مشرقة في تاريخ العثمانيين
1-وقف العثمانيون سداً منيعاً في وجه غزوات الإسبان والبرتغاليين الاستئصالية على البلاد العربية وخاصة في شبه الجزيرة العربية وشمالي إفريقيا، ودافعوا عن هذه المناطق بكل شجاعة وبسالة.

2-أخّر الحكم العثماني للدول العربية سقوط معظم دولها بإيادي المستعمرين من الإنكليز والفرنسيين والهولنديين وغيرهم، والذين سيطروا في أوقات مبكرة على دول أخرى كالهند وإندونيسيا وماليزيا.

3-فتح العثمانيون القسطنطينية عام 1453 على يد محمد الفاتح -رحمه الله- محققين بذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أورده الإمام أحمد في مسنده “لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش”، وتوسعوا في الفتوحات في شرق أوروبا وطرقوا أبواب فيينا.

4-وقفت الدولة العثمانية سداً منيعاً أمام الدولة الصفوية في الشرق والتي عملت على نشر التشيع في الدول العربية وعدّت الخلافة العثمانية نفسها حامية أهل السنة، فخاضت الحروب العديدة مع الصفويين ودافعت عن العرب السنة وحمت مذهبهم.

5-رغم ضعف الدولة العثمانية في أيامها الأخيرة إلا أنها لم ترضى أن تفرط بأرض فلسطين، وسجل التاريخ بأسطر من ذهب موقف الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني برفضه بيع أي شبر من أرض فلسطين رغم الضعف الداخلي والمغريات المالية الكبيرة التي عُرضت عليه، بينما رأينا بعدها الحكام الرافعين لشعارات القومية والعروبة وما فعلوه من جنايات بحق فلسطين سبقت نكبة 1948 ولم تنته بعدها.

6-وحّدت الدولة العثمانية شعث الدول العربية بعد الهجمات التترية والحملات الصليبية والتي جعلت الدول العربية مستنزفة إلى أقصى حد ومعرضة لكل الأخطار، وشكلت دولة ممتدة الأطراف يهابها الشرق والغرب على عكس ما حدث بعد الخلافة العثمانية من تفرق وتقسيم لكل الدول العربية.

 في النهاية، يبقى الحكم الأخير على الخلافة العثمانية وفترة حكمها للبلاد العربية مرتبطاً بمرجعية من يقوم بهذه العملية. فأصحاب المرجعية الإسلامية يعدّون الخلافة العثمانية امتدادا للخلافة الإٍسلامية، ويجدون في هذه الفترة الكثير من الصفحات المشرقة، ويرون في هذه الخلافة حتى في آخر فتراتها -رغم الضعف- عاملاً يمكن أن يكون موحداً وجامعاً للمسلمين ورادعاً لأعدائهم. بينما أصحاب الاتجاهات القومية والعلمانية فينظرون إلى تاريخ الخلافة العثمانية وحكمها للبلاد العربية بمناظير سايكس بيكو ونشوء الدولة الحديثة، ولهذا يعدّون هذه الخلافة احتلالاً للبلاد العربية وهذا ما حاولوا أن يروجوه ويزرعوه بين الناس.

لكن المنصف أقل الإنصاف يعلم أنه لا مجال للمقارنة أصلاً بين الاحتلالات الأجنبية للبلاد العربية وما فعلته من إجرام وإبادات وقتل ونهب للثروات بما لا تتسع صفحات مئات الكتب من تدوينه، وبين الخلافة العثمانية وفترة حكمها للبلدان العربية التي تحدثنا بعجالة عن بعض صفحاتها المشرقة وأقلها حماية بلاد العرب.

ومن يدري ربما لولا نشوء الخلافة العثمانية وتوحيدها للبلاد العربية تحت رايتها -كسبب رئيسي- لحدث لبعض سكان هذه البلاد العربية ما حدث للهنود الحمر، وهذا الكلام لا مبالغة فيه لأنه في نفس الوقت الذي كان يباد فيه الهنود الحمر وسكان أمريكا الوسطى والجنوبية كانت الخلافة العثمانية تشكل قوة عظمى في وجه تلك الهجمة الأوربية لاحتلال ما تصل إليه من أراض وتبيد على إثرها سكانها. فهل بعد هذا نتنكر لحقائق التاريخ فنظلم العثمانيين ونسميهم احتلالاً؟


مصادر

أحمد آق كوندز وسعيد أوزتورك، الدولة العثمانية المجهولة 303 سؤال وجواب توضح حقائق غائبة عن الدولة العثمانية.

محمود شاكر، التاريخ الإسلامي، المجلد الثامن، العهد العثماني.

عماد الدين خليل، مدخل إلى التاريخ الإسلامي.

 

 

لماذا صُب الموت على رؤوس المسلمين في نيوزيلندا؟.. مشاهدات من داخل مسجد النور

معـاذ أبـو النـور


“إن المسلمين ظاهرون للعيان، إنهم مجموعة كبيرة من الغزاة الذين يتمتعون بنسب عالية من الخصوبة، ثقة اجتماعية عالية، وتقاليد ثابتة قوية، هذه المجموعة تسعى إلى احتلال أرضي واستبدال شعبي عرقياً”.

بهذا التعليل السقيم، وضّح المجرم الجبان “برنتون تارنت” سبب اختياره للمسلمين دون غيرهم في نيوزيلندا ليصب الموت على رؤوسهم غدراً أثناء أدائهم لصلاة الجمعة في مسجدين في مدينة كرايستشيرش في يوم 15/3/2019، وينفذ فيهم واحدة من أبشع مذابح إطلاق النار الجماعية في العصر الحديث، سقط فيها 51 شهيداً بالإضافة لعشرات الجرحى (44 من الضحايا سقطوا في مسجد النور و7 ضحايا سقطوا في مسجد لينوود)، فالمسلمون في نظره وفي نظر من يقفون خلفه خطرٌ عظيم، يجب التخلص منهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، ليتركوا نيوزيلندا ويتوقفوا عن الهجرة إليها وإلى غيرها من بلدان الشعوب “البيضاء”.

هذا التعليل هو جزء من بيان مطول مكون من 74 صفحة قدم فيه “تارنت” (على فرض أنه من كتبه) قدم فيه ما يدّعي أنه تأصيل كامل للهجوم ودوافعه ودواعي ضرورة تقليده وتكراره حول العالم، لم يذكر “تارنت” في بيانه مجموعات دينية أو عرقية أخرى كأهداف إضافية محتملة في نيوزيلندا، بحيث يمكن استهدافها دفاعاً عن عرقه الأبيض وثقافته “البيضاء” المزعومة، لم يذكر مثلاً العمالة الهندية المدربة الماهرة التي أغرقت السوق النيوزيلندي، والقادرة نظرياً على الفوز بأي فرصة عمل يتم الإعلان عنها في أنحاء البلاد، ولم يذكر أيضاً التجار ورجال الأعمال الصينيين الذين يشترون الأخضر واليابس في نيوزيلندا برؤوس أموالهم الضخمة، والذين صار النيوزيلنديون يتذمرون ويشتكون من وجودهم بصوت مرتفع، بالرغم من أن الدولة ترحب بهم، حتى أن الاحتفال برأس السنة الصينية صار مناسبة وطنية شبه رسمية تعلق فيها الزينة وتطلق فيها الألعاب النارية بسخاء في احتفالات تكاد تقارب احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة، وكل ذلك بعلم وموافقة وترخيص السلطات المحلية، المهم، كل هؤلاء لم يلفتوا انتباه “تارنت” وأمثاله، أما المسلمون برأيه فهم خطر عظيم، بصرف النظر عن كونهم لا يتجاوزون واحداً بالمئة من المجتمع النيوزيلندي، بشيوخهم ونسائهم وأطفالهم، وأن جُلهم في ذلك البلد لا يَعدون أن يكونوا إما مهاجراً باحثاً عن لقمة عيش ومستقبل أفضل لأبنائه، أو لاجئاً هارباً من الموت وويلات الحروب، أو طالباً جاء باحثاً عن العلم والدرجة الأكاديمية. هذا الخوف غير المبرر من الإسلام والمسلمين يمكن فهمه بوجه أو بآخر إذا فهمنا ما هو المقصود حقيقةً بثقافة الشعب الأبيض، وهو ما سنتعرض له لاحقاً إن شاء الله.

لقد عشت في نيوزيلندا ثلاث سنوات أثناء دراستي وتحضيري لدرجة الدكتوراه، من نوفمبر 2015 إلى ديسمبر 2018، وكانت شقتي في مدينة كرايستشيرش تبعد أقل من 5 دقائق بالسيارة عن مسجد النور المنكوب بالمذبحة المروعة، وبالرغم من أني غادرت نيوزيلندا قبل وقوع المذبحة بثلاثة شهور، إلا أن وقع الصدمة كان ثقيلاً علي بعد الحادثة، فقد كانت صدمة متعددة الأبعاد بالنسبة لي، فالمجزرة وقعت في المسجد أثناء خطبة الجمعة، ذلك المسجد الذي كنت من أهله ومرتاديه، خصوصاً أيام الجمعة، والضحايا الذين سقطوا لم يكن لهم ذنب إطلاقاً سوى أنهم مسلمون، 51 شهيداً قضوا في المسجدين أعرف منهم 22 شهيداً، وقد تعرفت على هويات بعضهم فور مشاهدتي لمقطع الفيديو المروع قبل إعلان أسماء الضحايا وصورهم، مما ترك في نفسي أثراً عميقاً وحزناً كبيراً، ولكن بعد الحزن، يشعر الإنسان بحاجته للتأمل والتفكر في ما حصل، وكيف وصل الأمر إلى درجة إخراج المسلمين من دائرة الآدمية، واعتبارهم كائنات كريهة يجب التخلص منها.

نيوزيلندا بلد وادع بعيد معزول عن بقية العالم، سكانه تغلب عليهم البساطة، وهم بالمجمل يرحبون بالمهاجرين ويتقبلون التنوع، أحد أصدقائي العرب المقيمين في نيوزيلندا منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي قال لي ذات مرة: “عندما جئت إلى نيوزيلندا عام 1996، كنت أذكر أن الناس كانوا ودودين جداً، كانوا يبتسمون بحماسة عندما يعرفون بأني مهاجر قادم من الشرق الأوسط، وكانوا يسألونني عن المسافات والطقس في بلادنا وفارق التوقيت، ويذكرون كم هم مهتمون بزيارة ذلك الجزء من العالم، ولكن كل شيء بدأ يتغير بالتدريج بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، بدأت ألمس ذلك في تعامل زبائن المطعم الذي كنت أديره”. وحتى بالرغم من تزايد ظاهرة الخوف من الإسلام بعد ظهور ما يسمى بتنظيم الدولة (داعش) عام 2014، إلا أن النيوزيلنديين لم يظهروا عداءً ظاهراً للمسلمين، بالرغم من بضعة حوادث كانت تحصل هنا وهناك بين الحين والآخر، مثل ترك رؤوس خنازير مذبوحة على باب مسجدنا (مسجد النور) عام 2016، إلا أن أحداً لم يكن يخطر بباله إطلاقاً أن دماً مسلماً قد يُراق في نيوزيلندا بدافع الحقد والكراهية، حتى جاء الأسترالي “تارنت” وأثبت خطأ الجميع، وكأنه يريد أن يوقظ المتطرفين النيوزيلنديين من سباتهم، ويرفع أصواتهم، ويشحذ عزائمهم، ويقوي شوكتهم، وذلك ما لمسه الجميع على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام، وحتى في الأماكن العامة، حتى أن رئيسة الوزراء النيوزيلندية لمست ذلك بنفسها بعد أن وصلتها تهديدات بالقتل بسبب ما أظهرته من تعاطف مع المسلمين بعد المذبحة.

مسجد النور كرايستشيرش (السبيل)

إن قيام مجرم متطرف أسترالي بجريمة فظيعة خارج حدود بلاده يثير في النفس شكوكاً وتساؤلات، خصوصاً عندما نتذكر أن الذي قام بحرق المسجد الأقصى عام 1969 هو متطرف أسترالي أيضاً، كما أن اختياره لنيوزيلندا لتنفيذ هذه المذبحة يشير أيضاً للرسائل المبطنة التي يريد من خلالها أن يسيء لنيوزيلندا وشعبها بصفتهم متسامحين نسبياً مع الإسلام والمسلمين، شأن نيوزيلندا بذلك شأن كندا التي تعرض أحد المساجد فيها أيضاً لمذبحة عام 2017، ومن المعروف لدى مجتمع المهاجرين أن نيوزيلندا وكندا لا زالتا تظهران تسامحاً نسبياً مع المسلمين خصوصاً والمهاجرين عموماً، بعكس أمريكا وأستراليا، حيث تنامى فيهما شعور الخوف من الإسلام ومعاداة الهجرة إلى حد بعيد.

لقد كان دعم النيوزيلنديين وتعاطفهم وتضامنهم مع الضحايا والجرحى وأسرِهِم والمسجدين والمجتمع المسلم في نيوزيلندا ملفتاً للغاية، سواءً على المستوى الشعبي أو المستوى الرسمي، ففي الجمعة التالية للهجوم أقيمت صلاة الجمعة في حديقة “هاغلي بارك” المقابلة لمسجد النور، آلاف من النيوزيلنديين غير المسلمين كانوا جالسين خلف صفوف المصلين لحضور الصلاة والاستماع للخطبة، كما أن العديد من النساء غير المسلمات كنّ يرتدين الحجاب تضامناً مع المسلمين، كما أن الأذان والخطبة تم بثهما على الهواء مباشرة من الحديقة عبر وسائل الإعلام الرسمية المرئية والمسموعة، لقد كان مشهداً تاريخياً إنسانياً مؤثراً يثير في النفس التساؤل: إذا كان كل هؤلاء الناس من غير المسلمين قد ساءهم الهجوم كما ساء المسلمين، فلمصلحة من يُنشر الخوف من الإسلام والمسلمين وكراهيتهم وشيطنتهم في المجتمعات الغربية؟

لقد كثر الكلام عن المجرم “تارنت”، وترددت أقاويل عن ارتباطه بجماعات دولية، من ضمنها جهاز الموساد الإسرائيلي، وبالرغم من أنه أكد في بيانه المنشور أنه يمثل نفسه فقط وأنه غير مرتبط بأي جهة، إلا أن تقارير إعلامية إسرائيلية أكدت فعلاً قيامه بزيارة إسرائيل عام 2016، وأنه قام أيضاً بزيارة أكثر من دولة في أوروبا، وبالمناسبة فإن نظرية ارتباط “تارنت” بالموساد تلاقي بعض القبول حتى عند النيوزيلنديين أنفسهم، نظراً للحادثة الشهيرة التي وقعت قبل بضع سنوات، عندما كشفت الصدفة المحضة وجود جواسيس من عملاء جهاز الموساد الإسرائيلي داخل نيوزيلندا، ففي عام 2011 وقع زلزال قوي في مدينة كرايستشيرش أدى إلى سقوط أكثر من 180 قتيلاً، بالصدفة تسبب الزلزال بسقوط شرفة أحد المباني على مركبة مركونة في أحد الشوارع كان فيها أربعة أشخاص، مما أدى إلى مقتل أحدهم، تبين فيما بعد أنهم جميعاً إسرائيليون، وأن القتيل يمتلك خمسة جوازات سفر مختلفة، الثلاثة الناجون قاموا بمغادرة المركبة فوراً وتصويرها، قم قاموا بمغادرة نيوزيلندا خلال 12 ساعة، الحادثة أثارت كثيراً من الضجة وقتها، وكادت أن تؤدي إلى أزمة دبلوماسية بين نيوزيلندا وإسرائيل، لولا قيام رئيس الوزراء النيوزيلندي آنذاك، اليهودي “جون كي” بلملمة الأزمة والتقليل من شأن التقارير، والادعاء بأن التحقيقات جارية ولكن الخوض في تفاصيلها “يضر بالأمن القومي لنيوزيلندا”، بالرغم من أن التحقيقات أظهرت أن هؤلاء الجواسيس كانوا يحاولون اختراق الأنظمة الالكترونية للشرطة النيوزيلندية، هذه الحادثة وغيرها، برأيي، لا يمكن إخراجها من بعض السياقات السياسية المتعلقة ببعض مواقف نيوزيلندا كدولة، مثل موقف نيوزيلندا المعارض لغزو العراق عام 2003، ومواقف نيوزيلندا الداعمة للقضية الفلسطينية في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولا ننسى طبعاً حنق الإسرائيليين الكبير أواخر عام 2017 عندما قامت المغنية النيوزيلندية “لورد” بإلغاء حفلها في تل أبيب استجابةً لمطالب حركة مقاطعة إسرائيل (بي دي أس).

خلاصة القول، وعلى أقل التقديرات، يمكن القول بأن نيوزيلندا وإسرائيل لا تتمتعان بعلاقات “دافئة”، مما يعزز من وجاهة الاعتقاد بأن “تارنت” مرتبط بمثل هذه الجهات الخارجية، ولكن على كل حال، وأياً كان الأمر، فإن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن “تارنت” يمثل اليمين المتطرف والخطاب الشعبوي واستعلاء العرق الأبيض الذي يقوم على تخويف الناس من الآخرين الذين لا يشبهونهم، ثم يتصادف أن هؤلاء الآخرين الغرباء الدخلاء هم ليسوا إلا مسلمين، وهنا تظهر المفارقة العجيبة، فداعش التي تدعي أنها تدافع عن الإسلام والمسلمين هي لا تقوم إلا بالإضرار بهم من خلال تشويه صورة الإسلام وقتل الأبرياء وتأليب شعوب الأرض على المسلمين، واليمين المتطرف في الغرب الذي يدعي الدفاع عن القيم الغربية يقوم صراحةً بشيطنة المسلمين وإراقة دمائهم، وكأن الاتجاهين اللذين يبدوان متضادين يعملان لصالح أجندة واحدة، فلمصلحة من يعملان؟!

لقد أثارت مذبحة نيوزيلندا تعاطفاً كبيراً مع المسلمين حول العالم، فكانت أفضل طريقة للتخفيف من هذا التعاطف هو عمل إرهابي كبير يقوم به “المسلمون” أنفسهم، ليتذكر العالم من هو الإرهابي “الحقيقي”، فجائت أحداث سيريلانكا بعد نحو خمسة أسابيع من أحداث نيوزيلندا، وسارعت داعش لتبني الهجوم، وسارعت وسائل الإعلام للادعاء بأن هذا الهجوم هو رد على أحداث نيوزيلندا، ويبدو أن هذا النمط من توافق الأحداث صار أمراً معتاداً، ففي عام 2016 مثلاً، وقعت أحداث نادي الشواذ في أورلاندو في الولايات المتحدة بعد أسبوع واحد فقط من جنازة الرياضي المسلم الأمريكي الأسود المحبوب محمد علي كلاي، تلك الجنازة التي حظيت بتغطية إعلامية وتفاعل كبيرين، فأطلت داعش برأسها بعد الجنازة بأسبوع لتقول للعالم: “لا تنسوا أن الإسلام دين إرهاب وقتل وعنف وكراهية، ولا تتعاطفوا مع أي مسلم إطلاقاً”.

في أحد أيام رمضان من العام الماضي (2018)، وقبيل الإفطار بدقائق، قمت بتصوير هذا المقطع القصير داخل مسجد النور، كنا نتناول إفطارنا كل يوم في المسجد، وكنت أعلم أنه سيكون آخر رمضان أصومه في نيوزيلندا، فأحببت أن أحتفظ ببعض الذكريات، ولكني لم أكن أعلم حينها أن هذا المسار الذي كنت أسير به داخل المسجد أثناء تسجيلي للمقطع سوف يشهد مذبحة فظيعة تسيل فيها دماء المصلين ليغرق بها السجاد الممزق بالرصاص، ولم أكن أعلم أن اثنين على الأقل من الأشخاص الظاهرين في المقطع سوف يكونا شهيدين من ضمن عشرات الشهداء الذين ارتقوا في تلك المجزرة، أما الآن، فكلما شاهدت المقطع قلت في نفسي: كم كان المسجد هادئاً، وكم كانت جميلة تلك الأجواء من السكينة والمحبة والألفة والتراحم والتكافل الاجتماعي بين من هم في المسجد، فلماذا قُتل الناس هناك؟! ثم أتذكر بيان السفاح القاتل “تارنت”، فأستدرك على نفسي وأقول: هُم أصلاً لم يُقتلوا إلا بسبب ذلك!

النسوية.. نموذج الحياة الواحدة

آلاء بهجت الحاجي


“كوني امرأة حرة.. احصلي على وظيفة.. سافري.. إن لم تحققي أحلامك فلن يحققها لك أحد”، عبر كلمات كهذه أطرت النسوية نموذج الحياة الذي ستسير عليه النساء وتقيِّدن به حياتهن، كلمات صارت هدفًا أسمى للأجيال الحالية من الفتيات ولطفلات اليوم اللواتي لا يعرفن نموذجًا آخر للحياة سوى هذا.

حاولت النسوية عبر ذاك الخطاب الذي وُجه عالميًا عبر وسائل الإعلام -بوسائطها المتعددة- تكريسه وجعله النموذج الأوحد الذي يجب على النساء أن يتبَعنه، خطاب بات فردانيًا ويصعب فصله عن شعارات التنمية البشرية الساذجة كتحقيق الذات والإنجازات الشخصية وغيرها، وتفضيلها على الأسرة والأبناء وجعلها هدف الحياة الأسمى كأن تأسيس الأسرة وإنجاب الأبناء ليسا مسؤولية مختارة بحد ذاتها أيضًا، حتى صارت النظرة المجتمعية لمن تتخلى عن هذا النموذج لصالح النموذج الذي يناسب حياتها وحياة أسرتها، وتفضل حياتها الاجتماعية على المهنية والعلمية، نظرة ازدراء وتحقير، بحجة أنها امرأة فارغة بلهاء سلمت قياد نفسها للرجل ورضيت البقاء في المنزل وهدمت طموحاتها.

كيف وضعت النسوية نموذجًا لحياة واحدة؟
كان للتركيز على الجانب الاقتصادي للأسرة ونقد اعتمادها على الرجل الذي يجلب الدخل وبالتالي يتحكم بها، والمطالبات بمساواة المرأة في فرص العمل والأجور، وربط تحقيق الذات بالعمل المأجور خارج المنزل، وعدم تقدير أي عمل غير مأجور ماديًا كالرعاية، والتأكيد على فكرة المساواة وأن المرأة باستطاعتها العمل في أي مجال كما الرجل، كل ذلك كان له تأثير كبير في دفع النساء للعمل خارج المنزل كأنه سيكون المحرر لهن من استعباد الرجل في منظومة الأسرة.

وبالطبع فإن دخول سوق العمل سيتبعه الكثير، أولها المؤهلات التعليمية الموحدة بين الذكر والأنثى وتوجيه النساء لاختيار تخصصات بعينها تتطلب فيما بعد عملًا بشروط معينة لا تسمح لها بأخذ حياتها الأسرية والاجتماعية بعين الاعتبار، وثانيها الاستمرارية وعدم الانقطاع، فانقطاع المرأة عن سوق العمل للحمل والولادة والاعتناء بأطفالها حديثي الولادة سيجعلها تخسر مكانًا قد لا يتاح لها في السوق لاحقًا، بالإضافة لخسرانها سنوات من الخبرة ومن مواكبة سوق العمل ومعرفة التغيرات التي تحصل في عالمنا السريع.

وهكذا صارت فرص الحياة محصورة في الدراسة الجامعية ثم دخول سوق العمل في أي وظيفة كانت، حتى بات هذا يلعب دورًا في رفضها أو قبولها لتكوين أسرة أولًا وفي إنجاب الأطفال ثانيًا على حساب مهنتها، وعلت أصوات تدعو لرفض الإنجاب مقابل الاكتفاء بنجاح في سوق العمل وفي جلب الدخل والسفر حول العالم وما يسمى بـ “تحقيق الأحلام الشخصية”.

ماذا قدم لنا النموذج الواحد؟
كان أبرز سيئات تطبيع هذا النموذج حول العالم هو عدم مراعاته للاختلافات الفردية بين النساء -كما هو حال أي نموذج أوحد يحاول أن يفرض على البشرية فرضًا- وكون الاختلاف عمود الحياة فما يناسب امرأة لا يناسب أخرى في اختيار الأفضل لها ولعائلتها في العمل خارج المنزل أو داخله، في تفضيل الحياة الأسرية وجعلها أولوية أو اختيار المسار المهني في المقابل.

وهذا النموذج المادي من الحياة جعل الكثير من ربات البيوت محبطات يحسبن أنهن ضيعن حياتهن ومستقبلهن بالبقاء في المنزل والاعتناء بأطفالهن، ولم يحققن ذواتهن. وهنا على هؤلاء الأمهات طرح هذا السؤال على أنفسهن: هل صار تحقيق الذات مساويًا للعمل خارج المنزل وجلب المال؟

ولسنا بحاجة لذكر أن هذه الاتهامات الموجهة للمرأة غير العاملة في الخارج تتعامل مع سوق العمل على أنه المكان الذي يراعي النساء وقدراتهن النفسية والجسدية، ونحن نعلم حق العلم أنه مكان يطحن الرجال قبل النساء برأسماليته وأهدافه الربحية والإنتاجية غير الإنسانية، “ناهيك عن أن الواقع المتخفي خلف النموذج الجديد هو واقع معدلات الأجور المُحبِطة وانخفاض الأمن الوظيفي وانخفاض المستويات المعيشية والارتفاع الحاد في عدد ساعات العمل مقابل وقت الاهتمام بالشؤون المنزلية، وازدياد الأعمال ذات الورديتين والتي أصبحت تصل إلى ثلاث ورديات أو أربع، وانتشار الفقر وخاصةً في أوساط الأسر التي تعيلها نساء”[1].

تقول النِّسوية نانسي فريجر: “إن النِّسويات اللاتي كنّ يرفضن في السابق المجتمع الذي يروّج للوصولية أصبحن الآن ينصحن النساء بالتماهي معه. الحركة التي كانت في السابق تمنح الأفضلية للتكافل الاجتماعي، أصبحت الآن تحتفي بسيدات الأعمال. المنظور الذي كان في السابق يمنح قيمة للرعاية والاعتماد المتبادل أصبح الآن يشجع الارتقاء الفردي والاستحقاقراطية”[2] كانت الكاتبة في هذا المقال تناقش كيف صارت النسوية تخدم الرأسمالية دون أن تشعر فأخرجت النساء من تحت الدلف إلى تحت المزراب كما يقال، وهذا يوضح كيف صارت النسوية مستغلة من مختلف الأطراف كل حسب مصلحته.

إن النماذج التي يمكن للمرأة وللإنسان عموما أن يسلكها متعددة ولا يمكن حصرها، فالعلم مثلا لا يمكن التوقف عن تحصيله بانتهاء المرحلة الجامعية مثلا ولا يصح حصره في الجامعة والشهادات العليا أساسًا، فما يزال المرء في استزادة من العلم من مختلف المصادر مهما تقدم في العمر أو زادت مسؤولياته كل بحسب وقته وحاجته وأولوياته، وحتى العمل إن رأى أنه بإمكانه تقديم شيء للمجتمع يفيد منه ويستفيد فإنه لا عمر يحده، إذ لا نموذج واحد للحياة يشمل الجميع. والخيارات المفتوحة المرنة الآن كالعمل على شبكة الانترنت أو التعلم عن بعد يتيح للنساء مجالًا كبيرًا بديلًا عن ساعات العمل الطويلة التي تلزمها بالتخلي عن جزء كبير من حياتها الاجتماعية وأن تَكِل مسؤولياتها إلى الغير.

وكما نرفض التنمر الذي تمارسه النسويات على نساء المجتمع اللواتي فضلن الحياة الأسرية فإن هذا لا يعني أن نمارس نفس التنمر على من اختارت حياة العمل بإرادتها لحاجة نفسية أو مادية فالشيء بالشيء يذكر. أقول أننا -كنساء- ركبتنا أحلام ليست لنا، والحياة أوسع من أن نحاكم أنفسنا لما يحاول غيرنا أن يفرضه علينا ولكل مرجعيته وأولويته في الحياة، وأي محاولة للسيطرة على هذا الاختلاف ستبوء بالفشل ولن تورث سوى الإحباط لمن لا تستطيع تحقيق نموذج “السوبر وومن” للمرأة التي تترقى في درجات العلم وتنخرط في سوق العمل وتحقق النجاحات والإنجازات وقد كَونت أسرة صُوِّرت على أنها “ناجحة” وجعلوها قدوة ومثالًا يحتذى.

_______________________________________________

[1] – من مقال مترجم للكاتبة نانسي فريجر نشر على موقع حبر:

https://www.7iber.com/politics-economics/feminism-capitalist-handmaiden-neoliberal/

[2] – المرجع نفسه.

عشر خطوات على طريق النهضة

زكاء محمد مردغاني


“وقف الإنسان من الحضارة، ذلك الإنجاز الذي يُعدُّ أعظم إنجازٍ بلغته جهودُ البشريّة، موقفين متباينين: الرهبة والعجز، أو التفهّم والتخطيط”[1]، وإذا كنّا نذهب مع عديدٍ من دارسي الحضارات إلى المذهب الثاني مؤكّدين أنّ النهضة اختيار، ولكنّه اختيار جماعة وتيار؛ فإنّا نورد هنا عشر خطوات عمليّة بإمكانها أن تلخّص للشباب صفات جيل النهضة على صعيد الأفراد، لتكون بمجملها خطوةً أولى تُمكّن المُتعطِّش لنهضة أمّته من أن يخطوها، لعلّها تتحوّل إلى ظاهرةٍ ويتبنّاها تيّارٌ شبابيٌّ واثقٌ فيصنعَ تلك النهضة المنشودة بإذن الله.

1- الإيمان المطلق أوّلاً وقبل كل شيء كن مؤمناً؛ آمن إيماناً مطلقاً بالله، ولا تكتفي بأن تكون مسلماً. كن على يقين مطلق بالله، وليكن لديك إيمان العجائز أو إيمان الصحابة أو إيمانك أنت. الإيمان الذي يجعلك تجابه الباطل وتحق الحق، الإيمان الذي يهون عليك المصائب ويهون الدنيا كلها في عينك، الإيمان الذي يعينك على النهضة ويرقى بك وبالأمة. وهذه الخطوة تدعمها خطوة الصحبة الصالحة وقراءة سير الصالحين والدعاء ثم الدعاء. كن مؤمناً بفكرة التوحيد التي نهضت بأمة الإسلام قروناً؛ وآمن أنّ إيمانَك هذا سيؤثر بحدّ ذاته في النهضة، فالتاريخ في جوهره تاريخ الأفكار، ومحرّكه الأساسيَ ليس أكثر من فكرة!

2- اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ، لتبتني تلك الفكرة السليمة، ولتدعم ذلك الإيمان العميق اقرأ القرآن واقرأ المصادر القديمة فاطلع على أصول الأفكار ولا تسمح لأحد أن يبني عقلك بقراءاته، اقرأ واستجب لذلك الأمر الإلهيّ الأوّل الذي وضع حجر أساس النهضة حين نادى جبريل بمحمّد عليهما السلام (اقرأ).

3- الالتزام الديني: الالتزام بالمظهر الديني ليس محض ترف لجمع الحسنات، إنّه انعكاس لباطن مؤمن بالله أولا، واثق بأحكامه ثانيا، والشريعة في أصلها جاءت لبناء الحضارة فكل ما فيها يبتني الحضارة من جهة، الصلاة تنظم وقت المسلم وبذلك تكون قد قامت بتهيئة الانضباط بالمجتمع لا سيما صلاة الجماعة، والصيام يفرض على الصائم الإحساس بسواه من الجائعين، والزكاة هي الاقتصاد الإسلامي المثالي وهكذا.

4- أمتنا هي الأمة المسلمة كلها شئنا أم أبينا؛ فإذا أردنا لهذه الأمة أن تنهض فعلينا حقا أن نزهر حيثما زرعنا الله، وأن نتعصّب للأمة المسلمة بالولاء الذي يعمّق هذه الفكرة في النفوس، والبراء الذي يحمي الأمة ويحصّنها ممن يمكر بها مكراً.

5- لا للترف فالترف مفسدة، بعضنا تقتصر أحلامه على ثوب جديد وبنطال جديد وقبعة جديدة ولا بدّ للمسلم الذي يطمح لنهضة أمته أن يرتقي بأحلامه، وأن تكون نهضة الأمة والارتقاء بها جوهر أحلامه ومحرك سلوكه وغاية غاياته.

6- الصعوبة والتحديات، إذا كانت التحديات التي تخوضها أيّة أمة تؤثّر إيجاباً في نهضتها بل إذا كانت تلك التحديات شرطاً أساسياً للحضارة عند بعض دارسي الحضارات[2]، فإنّنا نقترح صناعة التحديات على الصعيد الشخصيّ آليّةً لصناعة رجل الحضارة، فكما أن جسم الإنسان يتدرب على الرياضة بالتمرين المستمر وبالتدرج وكلما كان قادرا على أداء التمارين الصعبة كان أكثر صحة وسلامة فكذلك عقله وروحه، فإذا رأيت كتابا صعبا، على صعيد المثال، لا تتركه بل ابحث عمن يساعدك في فهمه. اقرأه لمرات واقرأ لكاتبه كتاباً آخر، خض تحدياتٍ مع نفسك واستعن في ذلك بقصص العلماء الأوائل والمجاهدين المخلصين من الذين جعلوا عدمَ الخضوع للنفس وتربيتها ديدناً.

7- لا تترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتلك واحدة من أهم المشاكل التي تسقط الأمم والتي ضيّعت أمتنا في الآونة الأخيرة خصوصاً كما أسقطت بني إسرائيل من قبل[3]. فإذا رأى أحدكم منكراً فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، كما ورد في الحديث الذي أمر بتغيير المنكر صراحةً، واعلم أنّ مباردتك تلك ستخجل مرتكب المنكر ستشعره أنه منكر وليس كل الناس تعمله وأنّ الحياة فيها صلاح باق ما بقيت السموات والأرض، ولعل هذا أن يكون رادعا له عن منكره، ولقد كانت هذه الفريضة هي الآلية التي أكسبت أمّة المسلمين المناعة الداخليّة للاستمرار على طريق النهضة فإذا انهارت هذه الفريضة انهار الجهاز المناعيّ الذي يُصلح ما فسد

8- اجمع حولك الصحبة الصالحة التي تعينك على مشروعك، وانهض بنفسك وبهم، لا تترفّع وإيّاهم بصفتكم نخباً، بل اعتبروا أنفسكم ممثّلين حقيقين عن الأمة، إنّ أمّة المسلمين يسعى بأمرهم أدناهم، وذلك كان من أهم مقوّمات وجودهم، فمن يحمل همّ هذه الأمة يمثّلها، وكلٌّ يمثّلها في موقعه، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلك.

9- كن مربياً صالحاً، وهذا باب واسع جم، لكن عليك أن تدرك أنّك ستكون أباً أو أماً في يوم من الأيام وأنّ هذه التجربة تحتّم عليك أن تكون في غاية الصلاح لتمشي خطوة على طريق النهضة مع أسرتك الصغيرة التي تعيلها وتمثّل قدوتها. وفي كلّ الأحوال كن فرداً صالحاً في أسرتك.

10- ابتعد عن الفساد والفاسدين وهدر الوقت والمال فيما لا ينفع، ولا تنخدع بأن هذا لساعة واحدة أو ليوم واحد أو استراحة، فالصالح صاالح دائما يريح نفسه بما لا يخرج على شرع الله.


[1] بتول جندية: على عتبات الحضارة، دار الملتقى.

[2] أرنولد توينبي، مختصر دراسة التاريخ 1/233.

[3] {لعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة].

التحرش.. من وجهة نظر أنثى

ديمة مصطفى سكران


سواء في الشارع أو في العمل ، في الجامعة أو في مدخل البناء، تعد تجربة التحرش الجنسي من أسوأ التجارب التي يمكن أن تمر بها المرأة، ومن الصعب أن يشعر أي رجل بما تحس هي به في مثل هذه المواقف، أو أن يتخيل حجم المذلة والمهانة والغضب الذي ينتابها جراء استضعافها بهذا الشكل المذل، ولعل أسوأ ما في هذا الأمر كله هو عدم القدرة على الاحتجاج وتأكد الجاني مسبقا من أنه سيهرب بفعلته بدون أي محاسبة.

بالرغم من أن التحرش الجنسي يعرف بأنه إكراه على فعل جسدي، أو ابتزاز مقابل فعل جنسي، أو تلميحات جنسية أو أي صيغة من الكلام التي تنتهك خصوصية المرأة وتجعلها تشعر بالخوف والإهانة ودنو القيمة، إلا أن التحرش يختلف جزئيا من ثقافة إلى أخرى، حيث تعد ممارسات كالمغازلة في بعض المجتمعات أمورا مقبولة أو يمكن غض الطرف عنها بسبب عدم قدرة الرجل على تمييز موقف المرأة منه في مجتمعات فيها نوع من التساهل في العلاقات، في حين يتحول الإصرار بعد الرفض إلى جرم يعاقب عليه القانون.

عربيا وإسلاميا يختفي الحد الفاصل بين التحرش والمغازلة، فأي نوع من أنواع التقرب من امرأة أجنبية مهما كان بسيطا يعد أمرا مرفوضا دينيا واجتماعيا على الرغم من شح القوانين الضابطة لهذا الأمر، ولكن الرفض الاجتماعي والديني وحده لم يكن كافيا لردع المتحرشين وحماية المرأة من التحرش بسبب ضعف الوازع الديني أولا وبسبب طبيعة الفعل ذاته الذي تحدث في غفلة عن عيون المجتمع في الشوارع الخالية أو الممرات المعتمة أو أثناء التعاملات المباشرة المختلفة.

كما أن المغازلة التي لا تتجاوز الحدود، ومع أنها غير مقبولة دينيا، إلا أن لها أساس ثقافي ونفسي قد يجعلها شائعة ومقبولة لدى الجنسين، وكثيرا ما تمارس بالسر دون أن تفهم أبعادها السلبية الحقيقية.

التحرش البراق وترسيخ دونية المرأة
والمغازلة التي تتعرض لها المرأة في سياقات غير مبررة كسياق العمل أو التواصل لأغراض محددة أو عندما تكون متزوجة، والتي يقترفها الرجل بدون أن يقصد بها التحرش الجنسي بل التقرب العاطفي من امرأة غير متاحة للارتباط، هو شكل آخر من أشكال التقليل من شأن المرأة.

إن أي حديث أو تواصل عقلاني يتم حرفه من قبل الرجل إلى المستوى العاطفي فيه نوع من الإهانة لعقل المرأة وشخصيتها، والتي يعتقد الرجل أنه يملك سلطة التأثير عليهما عند مبادرته بتحريك المشاعر وطرق أبواب القلوب دون استئذان من منطلق كونه رجلا ومن منطلق كونها امرأة. محاولات الهيمنة العاطفية وإثبات الذات تلغي العقل من المعادلة وتقزم دور المرأة بحصره بجنسها “العاطفي” غير القادر على تحكيم العقل، وتجعل التعامل بين الجنسين ينحدر إلى مستوى أدنى تفقد فيها المرأة فعاليتها كإنسان في المجتمع ليتمحور وجودها حول غرائز ورغبات وعواطف عمياء.

وللأسف فإن معظم النساء اللواتي يتعرضن لهذه المواقف يقعن في فخ الاستسلام للإغراء العاطفي، ويعطلن عقولهن بإرادتهم، مستسلمات لعملية غسل دماغ تتعرض لها الفتاة منذ طفولتها لوضعها في قالب معين يتقبل هذا الواقع بل ويتفاعل معه برضا، حين تعتقد المرأة أنها لا يمكن أن تشعر بقيمتها الحقيقة إلا من خلال إعجاب رجل واهتمامه. إذا هو شكل آخر من أشكال الفوقية والهيمنة التي يمارسها الرجال على النساء لإرضاء غرور وإشباع حاجة نفسية معينة في سياق آثم خارج العلاقة الزوجية، لكنه شكل خفي وبراق تغفل عنه النساء، وتبرره الثقافة السائدة على الرغم  من ترسيخه لدونية المرأة وعجزها أمام الرجل وتدني كفاءتها بالمقارنة معه.

الإفصاح عن التحرش تجربة أكثر سوءا من التحرش نفسه
وبالعودة إلى التحرش الجنسي المتعارف عليه فإنه بالرغم من غياب الاحصاءات يكاد يُجزم بأن الغالبية العظمى من النساء في العالم العربي تعرضن في حياتهن لشكل من أشكال التحرش، وتتزايد نسبة التعرض باضطراد مع زيادة فاعلية المرأة في المجتمع كأن تكون طالبة أو عاملة أو مسؤولة عن التسوق في الأسرة، لكن حالة من الصمت المطبق تغلف مثل هذه الحالات بسبب تحول الضحية إلى متهمة تضطر بعد إفصاحها عن حادثة التحرش إلى الإجابة عن ألف تساؤل متعلق بمكان وجودها وهيئتها والتساهل الذي أبدته للجاني حتى تجرأ وتعرض لها. ردة الفعل غير المتعاطفة هذه تصدر للأسف حتى من أقرب المقربين بسبب التصاق المرأة بشرف الأسرة الذي تكون أسهل طريقة للمحافظة عليه هو التضييق عليها ومساءلتها والتكتم على ما تعرضت له عوضا عن محاسبة الجاني خوفا من تنمر المجتمع.

ولا توجد للأسف أي ضمانات حتى الآن يمكن أن تحمي المرأة من تجربة الإفصاح عن التحرش والتي قد تكون أسوأ من التحرش نفسه حتى في أكثر المجتمعات انحيازا للمرأة ، مما يتسبب بتزايد الظاهرة ويزيد من جرأة المتحرش الذي أمن العقاب فأمعن في استضعاف الضحية.

مفاهيم مشوهة ساهمت في استشراء الظاهرة
وفي ظل الصمت المطبق عن هذه الظاهرة المصحوب بتشويه لمفهوم الرجولة تصبح معادلة التحرش في نظر المتحرش معادلة قوة فقط أشبه بقوانين الغاب، فالقوي فقط هو صاحب الحق، والضعيف يجبر على الخضوع لرغبة القوي والسكوت عن اضطهاده له.

تفوق طبيعي للرجل على المرأة يعطيه حقا مزعوما بالاعتداء على جسدها أو كرامتها الإنسانية بما يحقق متعته ليس الجنسية فقط بل والنفسية أيضا من خلال إثبات رجولته المشوهة. رجولة يُثنى عليها ليس في سهرات المراهقين المغلقة وجلسات سرد البطولات بل وحتى في الأفلام والأغاني التي تروج للتحرش في إطار من الرومنسية الشائهة أو الكوميديا السمجة.

إن صبغ التحرش بهذه الصبغة الرجولية أو الرومنسية أو بشيء من الظرافة يجعل المتحرشين في بعض الأحيان، خاصة صغار السن قليلي الوعي منهم، غير مدركين في الحقيقة لطبيعة فعلتهم هذه، يجترحونها بناء على دوافع قد تكون بنظرهم هم ليست بذلك السوء، حيث تتسع الفجوة بين نظرتهم عن أنفسهم وتقييمهم لفعلتهم وبين رد فعل الطرف الآخر وتلقيه للتحرش، ويتحول التمنع إلى دلال، ولاءات الاحتجاج إلى دعوة للاستمرار، وعبوس الوجه والصرخات المكتومة إلى علامات للرضا والاستمتاع.

على صعيد آخر يمكن للضحية نفسها أن تتعرض للتحرش غير مدركة تماما لمعنى ما تتعرض له. يحدث ذلك عند صغر السن وقلة الوعي والفارق العمري بينها وبين المتحرش الذي قد يستغل جهلها وسذاجتها فيمارس فعلته دون إيضاحات أو يقنعها بأن تحرشه بها هو تعبير عن الحب مثلا أو علامة على التقدير.

في حالات أخرى وهي الأكثر شيوعا تشترك الضحية نفسها مع المجتمع في إلقاء اللوم على نفسها واتهامها بسبب طبيعة التربية التي خلفت شعورا بالعار مرتبطا بالهوية الأنثوية. لوم الذات وتأنيب الضمير هذين يتركان آثار بالغة على الحالة النفسية متمثلة بالكآبة والقلق وقلة الثقة بالنفس وصعوبة تكوين علاقات صحية مع الجنس الآخر والانسحاب الاجتماعي من النشاطات والفعاليات الاجتماعية خوفا من تكرار التجربة.

ملصق لإحدى الحملات التي تشجع المرأة على التصدي للتحرش

أسوأ تجارب التحرش
أما أسوأ أنواع التحرش على الإطلاق هو التحرش الذي يكون المتحرش فيه مدركا تماما لطبيعة فعلته وآثارها على الضحية، يمارس عليها شعورا كبيرا بالفوقية فيه نزعة سادية، مستمتعا برفضها ونفورها، ضاربا بعرض الحائط كل رسائل التوقف متماديا في سلوكه الذي طوره بعد سنوات من الخبرة، فأصبح عالما مسبقا بردود الفعل المختلفة وقادرا على التعامل معها جميعها بما يضمن له متعة أكبر ويحقق للضحية أكبر قدر من الأذى والإذلال.

ومن المؤسف أن هذا النمط من التحرش ليس الأقل شيوعا إن لم يكن الأكثر، واستضعاف المرأة بهذا الشكل اللاإنساني يولد شعورا مريرا بالقهر والإهانة والضغط النفسي الذي يترك آثارا طويلة الأمد، خاصة وأنها تعرف أنها غير محمية في محيطها ذاته، غير قادرة على الاحتجاج أو الرفض، وأن كل هؤلاء الناس المحيطين بها، أقرباء كانوا أم غرباء، سيتحولون فجأة إلى قضاة قساة يحاكمونها هي لو باحت لهم بما تتعرض له، وسيبلغ الأمر منتهى المذلة حينما يهاجمها المتحرش نفسه متهما إياها بما لا يليق للدفاع عن نفسه.

لم يكون التحرش في العمل هو الأكثر تعقيدا؟
التحرش في أماكن العمل هو التحرش الأنيق بربطة عنق وبذلة رسمية وعطر فواح، والذي يمارسه بشكل خاص الرئيس على مرؤوسته.

هذه العلاقة في الأساس تتميز بنوع من سيادة الرئيس وطاعة المرؤوس، فإذا كانت المرأة في موقع المرؤوس صارت العلاقة أكثر تعقيدا، حيث يصعب التمييز بين حدود ما هو في سياق العمل وما له غايات وأبعاد أخرى.

لذا فأي إطراء تتلقاه المرأة من رئيسها في العمل فيما يتعلق بعملها يكون مصحوبا بخوف خفي من أن تكون لهذا المديح أغراض غير معلنة، كما أن أي وعود بالترقية أو المكافآت تكون مريبة لو جاءت بصيغة غير واضحة أو بمطالبات مبطنة يصعب إثبات إدانتها، ويصعب أحيانا رفضها أو الاحتجاج عليها لو جاءت صريحة بسبب حاجة المرأة الملحة للعمل في بعض الأحيان، حتى أن المزاح الذي يمكن أن يلقيه الرئيس على مرؤوسته لا يكون مصدرا للمرح بقدر ما هو مصدر للقلق لدى المرأة، فقد يستخدم لقياس مدى سهولة مراسها أو صعوبته.

قلق عارم من كل هذه الاحتمالات المفتوحة يرافق المرأة لدى كل تجربة عمل، مما يجعل بيئة العمل عدائية غير مريحة، تعجز فيها المرأة عن تقديم أفضل أداء لها وتخشى باستمرار من فقدان مكانتها واحترام الزملاء لها سواء استجابت أم لم تستجب، تظاهرت بعدم الفهم أم لم تتظاهر، ففي الحالتين هناك خسارات فادحة، وأي محاولة للكشف عن التعرض للتحرش تتبعها غالبا افتراءات على الضحية وتشهير بها.

هكذا تدافع المرأة عن نفسها ضد التحرش
في غياب الدعم المجتمعي والأسري، تطور النساء بأنفسهن دفاعاتهن الخاصة في مثل هذه المواقف، كل بحسب شخصيتها وطريقة تربيتها أو قسوة التجارب التي تعرضت لها.

فالكثيرات منهن للأسف تعرضن لتربية تهدف إلى جعلهن نموذجا للفتاة ” اللطيفة المؤدبة الخجولة” التي تحاول أن ترضي الجميع، ولا تقول لا للأكبر سنا حتى لو كان الأمر يضايقها، ولا يسمح لها حياؤها برفع الصوت أو الاحتجاج. هذه المرأة ترتكس في مواقف كهذه بالصمت التام أو التظاهر بعدم الفهم أو يكون احتجاجها ورفضها خجولا جدا، مما يغري المتحرش للتمادي معتبرا ضعفها واستسلامها هذا على أنه علامة عل القبول والرضا، على الرغم من أن دواخل هذه المرأة تكون أشد ما تكون ألما واستنكارا ��ما تتعرض له، لكن فهمها لمفهوم “الأنوثة والحياء” الذي تربت عليه يجعلها عاجزة عن أن تخرج من قالبها لتتخذ أي ردة فعل حازمة.

نساء أخريات يذهبن إلى الطرف الآخر من ردود الفعل التي تكون غالبا استباقية بأن يُشعن حول أنفسهن هالة من الاسترجال والخشونة بغرض حماية أنفسهن. امرأة كهذه للأسف اضطرت للتخلي عن جانب شديد الأهمية من شخصيتها كأنثى، ولهذا تبعاته المؤذية على نفسيتها ومشاعرها بسبب التناقض بين الظاهر والباطن قد ينتهي بالتماهي مع هذه الشخصية الجديدة بكبت المشاعر وإنكارها، فلا ينفر منها المتحرشون فقط بل حتى الخطاب المحتملون.

شاهد فتاة مصرية تتصدى لشاب تحرش بها

تجربة صعبة!
إن أقل ما يقال عن هذه التجربة أنها صعبة، من الصعب وصف تفاصيلها، من الصعب التحدث عنها حتى لأقرب المقربين، من الصعب إثبات حدوثها، من الصعب نسيانها، من الصعب التغلب على رواسبها النفسية طويلة الأمد، من الصعب الشفاء مما تتركه من فجوات في الثقة وحالات القلق وكراهية النفس، من الصعب التنفيس عن شعور الرغبة بالانتقام من الجاني وكل ما يمت بصلة إليه أو يذكّر به، من الصعب ألا تترك أثرا في العلاقة مع الجنس الآخر، من الصعب أن يتقبلها الأهل، من الصعب أن يدافع فيها المجتمع عن الضحية، من الصعب تقبل فكرة أن يفلت الجاني بفعلته، من الصعب النظر في عينيه بعد الواقعة، من الصعب تحمل المذلة والمهانة، من الصعب وصف النفور والاشمئزاز منه، من الصعب تقبل خيبة الأمل برجال محترمين يتحولون فجأة إلى متحرشين في الظروف الملائمة، من الصعب الشعور بالأمان في بيئة العمل، من الصعب ألا يؤثر ذلك على الأداء الدراسي والمهني لدى الضحية من الصعب العودة بسرعة إلى الحياة الطبيعية بعد المرور بتجربة مماثلة، من الصعب التظاهر بأن شيئا لم يحدث!

شعار “وأنا أيضا” تحول إلى حملة عالمية لمكافحة التحرش

المعادلة المستحيلة
وبسبب عدم وجود الإحصاءات وصعوبة الحديث عن هذا الأمر، لا يزال يكتنف التحرش الكثير من الغموض في العالم العربي، ولا يزال يحتاج إلى كثير من الدراسة والبحث في محاولة لمعالجته.

في الغرب بالمقابل يتم البحث في هذا الشأن باستمرار، ونسمع عن حملات كل فترة وأخرى تتناول هذه الظاهرة، آخرها حملة MeToo التي كشفت عن استشراء التحرش في المجتمعات الغربية على أعلى الأصعدة، لكن الكثيرين لا يزالون هناك يعترفون بصعوبة التعامل مع هذا الأمر حتى مع توافر البيئة المشجعة على الإفصاح بسبب صعوبة إثبات الواقعة واستخدام هذه التهمة أحيانا كوسيلة للابتزاز والنيل من الخصوم.

كما تم الاعتراف أيضا بالعجز عن ضبط مثل هذا الأمر في ظل نمط الحياة المعاش في الغرب وحرية التعري والعلاقات المفتوحة بين الجنسين والتي تجعل حتى تعريف التحرش أو إثباته أو الحد منه أو مكافحته على الرغم من وجود قوانين صارمة أمرا أقرب إلى المستحيل. فمن المستحيل فعليا التمسك بنمط حياة فيها هذا القدر الكبير من التحلل دون مواجهة هذا القدر الكبير من السلبيات.

في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وعلى الرغم من تفشي ظاهرة التحرش، إلا أن لدينا قاعدة دينية وأخلاقية وثقافية صلبة تجعل الحد منه ومحاربته أمرا ممكنا جدا. فالتمسك بالضوابط الشرعية في اللباس وبالحدود الواضحة المنصوص عليها للتعامل بين الجنسين هي عوامل وقائية شديدة الفعالية، لكن يجب التشديد على أنها غير كافية بدون رفع الوعي بين الشبان والشابات بهذه الظاهرة ومحاربة النظرة الدونية للنساء أو تشييئهن، والعودة إلى جوهر الإسلام الحقيقي في رفع القيمة الإنسانية للمرأة مجددا بما يعلو على قيمتها الجنسية والجسدية ويصحح مفهوم علاقتها مع الرجل. وهناك إجراءات أخرى قد تزيد من مستوى الأمان لو تم تبنيها من قبل الحكومات والجهات المختصة كزيادة الرقابة على الأماكن العامة وأماكن العمل وجعل المدن صديقة للمرأة من خلال معالجة مشكلة الشوارع شبه المهجورة أو ممرات العبور والأنفاق غير المضاءة بشكل كافي ووضع قوانين صارمة تجرم التحرش وتحفظ كرامة المرأة وخصوصيتها حين تقديمها للشكوى.

وحتى ذلك الحين ما يمكن أن نفعله نحن كأفراد هو المطالبة بالتغيير، ومحاولة نشر الوعي ضمن دائرة تأثيرنا والانتباه إلى تربية الفتيات والشبان تربية متوازنة يتمتعون فيها بقوة الشخصية واحترام أجسادهم وأجساد الآخرين، واحتواء الضحية وتشجيعها على الكلام ضمن نطاق الأسرة بما يضمن تجاوزها للأزمة النفسية في جو صحي داعم ومن ثم محاسبة الجاني لو أمكن دون الإضرار بها.

فاعلية الأفكار في الحضارات

عرابي عبد الحي عرابي


لمصطلح “الحضارة” بريق لا تخفي العقول انبهارها به، فغالبية “العلوم الإنسانية” تسعى لامتلاك حقيقة هذا المفهوم ويمضي علماؤها دهورًا في البحث عن الفاعلية التي تنشئ الحضارات.

بدو من الجزيرة العربية

وهذا ما نجده عند ابن خلدون في المقدمة التي خصصها لبحث “العمران وبداياته وأسباب انهياره”، والفيلسوف الألماني أوزوالد شبنغلر (ت 1936م) في كتابه “انحلال الغرب” الذي بحث مفهوم الحضارة والمدنية وتعمق في دراسة مظاهر المدنية الغربية ومآلاتها، والمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (ت 1975م) في “الحضارة في الميزان” و”الحضارة على المحك”، والمفكر الأمريكي صمويل هنتجتون (ت 2008م) في كتابه “صدام الحضارات”، والمفكر الفرنسي روجيه غارودي (ت 2012م) في كتابه “حوار الحضارات”، وعشرات الأمثلة الأخرى التي شغلت مساحة واسعة من علم الاجتماع والآداب والأنثروبولوجيا (علم الإنسان) وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا.

وقد تكون الحالة الحضرية المقابل لحالة الترحال لدى قبائل البدو وتتطور لتصبح الإنتاج الفكري والأنظمة الأخلاقية والاقتصادية والآثار العمرانية التي تنتمي إلى حقبة أو جماعة أو دولة ما[1] فتشمل بذلك الدين واللغة والعلم وكل ما يمت لهذه المفردات بصلة.

لن يخوض المقال في متاهات تحديد المصطلح وأثره في الدراسات النظرية المتعلقة بحقوله العلمية، ولعل التطور التاريخي الذي ارتبط بالمفهوم مع الخلفيات الفكرية المتنوعة لدارسيه (كاللغة أو التأريخ أو الجغرافيا) جعلت ضبطه بتعريف مقتضب أمرًا أقرب إلى العسر من اليسر، إضافة إلى وجوب التنويه إلى أن هذه التعريفات إما أنها ولدت داخل الإطار الغربي أو أنها وضعت للوعي الديني التوحيدي[2].

مالك بن نبي

الفكرة والحضارة
يسعى المقال لاختصار أهم ما بُحِث عن أثر الأفكار في نشوء الحضارات وتطوُّرها، ولا يخفى أن الخوض في ذلك يستدعي البحث في مسألة السبق، فهل الحضارة أسبق أم الأفكار؟

إن القطع بأي من القولين يعني الوقوع في معضلة السبب والمسبِّب كما في مثال الدجاجة والبيضة، ولذا فإن المسألة معقدة جداً، ولعل مما يسهم في فهمها البحث المدقِّق في التطور الفكري وأثره في الحضارة وأثر تطور الأدوات في حياة الناس وبالتالي أثر تغير حياة الناس في الفكر ومن ثم عودة الدورة لتحقق نفسها مرة أخرى بسبل أخرى، وبذلك تتغير أحوال الحضارات باستمرار.

وعلى أيٍّ؛ فإن كل حضارة محكومة بقانون كلي ينبغي البحث عنه وتحليل عناصره وفهمها، وهو ما سعى لرصده وتحليله المفكر الجزائري مالك بن نبي (ت1973م) “حيث يؤكد مالك رحمه الله أن التصدي لبناء أي حضارة ينبغي في التوجه إلى البحث في سنن الأمر وشروطه، سواء في قيامها أو انهيارها”[3] .

انطلق ابن نبي في دراسته لنشوء الحضارة من عدة جوانب كجانب بنية الحضارة وعناصر تركيبها، أو جانبها الوظيفي الذي يتعمق في فهم الغاية التي تؤديها الحضارة –بنُظُمها- في المجتمعات التي تنتشر أفكارها فيها، ليتوصل في النهاية إلى تحليل طرق نشوء الحضارة وتطورها وغايتها الرسالية التي تحققها[4].

ويجمل ابن نبي مفهوم “الحضارة” من حيث النشوء والدوام والانحطاط في المعادلة الآتية: “الحضارة = إنسان + تراب + زمن” وتحت هذا الشكل تشير الصيغة إلى أن مكونات الحضارة تعود إلى ثلاثة عناصر أولية: الإنسان، التراب، الوقت[5]، وهو ما يصطلح عليه أحياناً بثلاثية الأشياء والأشخاص والأفكار.

ولكي تقوم الحضارة فإن الواجب يتمثل في حل مشكلات هذه العناصر الثلاثة من أساسها من خلال التفاعل بين الإنسان صاحب الجهد المنجز، وعنصر التراب (أي مصدر الإنجاز) المادي، وعنصر الزمن الذي هو الشرط الأساسي لأي عملية يقوم بها الإنسان[6]. يوضح ابن نبي أن القانون الكلي للحضارة مقتصر على مدى العلاقة بين الأشياء (أي كل ما ينتجه هذا المجتمع من آثار مادية وزراعة وصناعة وغير ذلك) والأشخاص (العلاقات والنظم وقواعد التواصل التي تنظم حياة الأشخاص الذين يكونون المجتمع) والأفكار (المعتقدات والمبادئ والتصورات التي تحتويها عقول المجتمع في لحظة ما) مع بعضها بعضًا وتأثيرها في بعضها أيضًا، حيث تتعايش هذه العوالم جنبًا إلى جنب، وحين يتفوق أحدها على الآخر فإن صبغة المحور الغالب تطبع المجتمع بصبغتها وهو ما سيرد باختصار في مراحل الحضارة.

فالتأثير الحضاري -إذن- مرتبطٌ بتوجيه الأفكار للمجتمع، ولذا لا بد من فكرة تطبع الحضارة فتميزها في التاريخ، وليظهر ابن نبي تأثير الفكرة في الحضارة فإنه يفصل الحديث في الفكرة المركبة -ويمثل لها بالفكرة الدينية- التي تعدُّ أساس القيم الاجتماعية، والمُعبِّر عن روح المبادئ التي تسري في أفراد المجتمع، وتحتاج العناصر الثلاثة للشرارة الفكرية المركبة التي تسير بمركبها قدماً فتحقق علاقات التبادل والتكامل بين العناصر وتطور الحضارة، هذه العلائق هي ما يسميه ابن نبي بـ”شبكة العلاقات الاجتماعية” التي تتحقق بوجود الجهد الإنساني في صورة إنجاز حضاري في التاريخ، والحضارة من هذه النظرة الفاحصة تقوم على عناصر الإنسان والتراب والزمن، في وجود شبكة من العلاقة الاجتماعية التي تشكل الميلاد الحقيقي للمجتمع في التاريخ وبداية إنجازه التاريخي على ضوء الفكرة الدينية[7].

أرسطو

تأثير الفكرة في الحضارة
أي حضارة ما ناتجة عن فكرة جوهرية تطبع المجتمع في مرحلة ما قبل التحضر وتدفعه لدخول ميدان التاريخ بحضارة واثقة، فقد أخرجت الفكرة المسيحية أوروبا إلى مسرح التاريخ، وبنت عالمها الفكري انطلاقا منها، وقد تغيرت فكرتها مع استعادة عصر النهضة أدبيات الإغريق وفلسفات أفلاطون وأرسطو[8] لتصبح حضارة المادة لا الروح، بينما كان الباعث الفكري للحضارة الإسلامية هو الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وما زالت جماهير المسلمين تحن إلى روح هذه الحضارة، وبذلك يتجلى نموذجان فكريان يسيطران على مسير الحضارة:

1- السيطرة التقنية وتتمثل في الفكر الغربي الذي يجنح إلى الدوران حول الوزن والكم ويصل إلى المادية عند الانحراف والمغالاة.

2- الحضارة الأخلاقية المؤمنة بالغيب، وتتمثل بالحضارة الإسلامية في ذروة حضورها،حيث يدور الفكر الإسلامي في مداره الأول حول مبدأي حب الخير أو كره الشر، إلا أنه في عصور أفول فاعلية حضارته فإن المغالاة تدفع المسلمين إلى التقليد الأعمى والانبهار الكبير بأشياء الغرب[9].

ودور الأفكار لا يمثل الزينة أو الزخرفة التي تزين الواجهة الحضارية بل يمثل الباعث للحضارة وقائدها نحو التقدم، فتكون الأفكار هنا الباعث الوظيفي للقيام بمهمة الحضارة[10]، والفكرة الباعثة للحضارة تمر مع الحضارة بمراحل ثلاثة: مرحلة الروح التي تعد تمثيلاً أولياً “لإشعاع الفكرة الدينية التي تتمكن من النفوس فتبنيها بناء مرصوصا” ويندفع معتنقوها للدعوة إليها ونشرها، ثم مرحلة العقل حيث تنزل الروح  إلى عالم العقل فتساعده على الفهم وتحفزه على الأخذ بالعلم لخدمة الفكرة، فيدير الشؤون المدنية والاجتماعية ويوافق ما بين الحاجات المادية ومتطلبات الروح للمجتمع ضمن إطار الأفكار التي أنشأت الحضارة، ثم مرحلة الغريزة، حيث تبدأ العلاقات الاجتماعية المتشكلة عن الحالة الأولى بالتحلل فربما تنسل إلى همهمات التصوف أو تنحدر إلى عالم العجائب الذي هبت منه روح ألف ليلة وليلة، أو التقليد الأعمى لمنتجات الغرب بدعوى التحضر، وبالتالي تتكدس الأشياء والأدوات الاستهلاكية والمنافع الخاصة على حساب الأفكار، وبالتالي فإن العقل يجيِّر المادة لخدمة الغريزة، بينما كانت الروح والعقل يجيرانها لخدمة الأفكار [11].

وبكل تأكيد فإن طغيان عالم الأشياء سيوقف فاعلية الحضارة وستنتقل قيم المجتمع من مرحلة التميز الفكري إلى الاستهلاك وتكديس المنتجات المادية وتقليد الآخر، وحين يطغى الأشخاص فإن المثل الأعلى سيتجسد في شخص ما على هيئة (وثن) حيٍّ حيث يشير علماء الاجتماع إلى أن التعامل مع (الوثن) أسهل من التعامل مع الفكرة، إذ يسهل استغلال النفوذ مع الأشخاص مقابل استحالته مع الفكرة.

المجتمعات الإسلامية الراهنة
بحسب تصنيف مالك بن نبي فإن المرحلة التي تمر بها عموم المجتمعات الإسلامية تشهد تداخلًا بين طغيان الأشياء والأشخاص على الأفكار، ولذا فإن لب مشكلة “المجتمع الإسلامي” ليست في الوسائل التقنية أو الصناعية وإنما في المناهج والأفكار التي تتعامل مع المشكلات الحضارية، كما أن مجتمع ما قبل التحضر وما بعد التحضر لا يفتقر للوسائل (الأشياء) وإنما يفتقر للأفكار، حيث يعجز أولاً عن تطوير ما لديه من الأفكار ويعجز ثانياً عن إيجاد بدائل لها.

إن عالمًا مسلماً بعد ابن خلدون لم يدرس المجتمعات الإسلامية والأمراض التي تصيب حضاراتها من منطلق استطلاعي رصين مثل المفكر الجزائري مالك بن نبي، وكما أن ابن خلدون لم يغدُ ظاهرة في البلاد الإسلامية فقد نال “بن نبي” المصير ذاته، فعلى الرغم من شهرة الرجلين وتداول كتبهما إلا أن المؤسسات الرسمية لا تولي لأطروحتيهما في دراسة المجتمعات الإسلامية كبير اهتمام.

وإن كان الحال في فهم الأفكار ودورها في بناء الحضارات هو الأساس للنهضة، فإني أختم المقال بهذا الاقتباس عن ابن نبي: “لا يمكن لشعب أن يفهم مشكلته ما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها، وما الحضارات المعاصرة والحضارات الضاربة في ظلام الماضي والحضارات المستقبلة إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر القرون إلى نهاية الزمن، فهي حلقات لسلسلة واحدة تؤلف الملحمة البشرية منذ أن هبط آدم على الأرض إلى آخر وريث له فيها”[12].


الهوامش

[1]  المعجم الفلسفي، د. مراد وهبة، دار قباء، القاهرة، 2007، مادة “حضارة”. ص280.

[2]  في مفهوم الحضارة، د. بدران بن الحسن، مجلة نوافذ: اتجاهات فكرية، 25 /12/ 2003.

[3]  الظاهرة الغربية في الوعي الحضاري، د. بدران بن الحسن، سلسلة كتاب الأمة، العدد 73، ط1، 2000، ص69، 70.

[4]  في مفهوم الحضارة، د. بدران بن الحسن.

[5]  المرجع السابق.

[6]  شروط النهضة، مالك بن نبي، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986، ص41، والظاهرة الغربية في الوعي الحضاري، ص70، 71.

[7] حديث في البناء الجديد، مالك بن نبي، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، د.ت.ط، ص100-101.

[8] مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مالك بن نبي، ترجمة: بسام بركة، أحمد شعبو، دار الفكر، دمشق، 2002، ص41.

[9]  المرجع السابق، ص24.

[10]  المرجع السابق، ص42.

[11]  هذا ملخص عن المرجع السابق ص43-48.

[12]  شروط النهضة، ص19، 20.

كيف تكسر حلقات الإدمان في ثمان خطوات؟

محمد عدنان شيط


لو أجرى أي شخص منا جرد حساب لسنواته الماضية وعاد بالزمن عشر سنوات أو ربما أكثر إلى الوراء لوجد حرقة في القلب، فكم من أهدافٍ وُضعت ولم يتحقق منها شيء حتى الآن؟ وكم من مشاريع خُطط لها ولم يُنفّذ منها شيء وأصبحت طي النسيان؟ فالعمر يمضي والزمن يتقدم والوقت يضيق كلما زادت مسؤوليات الإنسان. وفي كل هذا هناك عامل خطير في حياة أي إنسان قد يؤخره كثيراً عن بلوغ أحلامه وأهدافه، وقد يمنعه من صعود سُلّم النجاح فتمضي السنون وهو مراوح في نفس المكان نهاره كليله ويومه كأمسه مقيدٌ بسلاسل شديدة لا يستطيع الانعتاق من أسرها.

الإدمان هو المدمر الأكبر لأحلام الناس والمتهم الرئيسي بقتل آمالهم وطموحاتهم، وعادةً يُقسم المختصون الإدمان إلى نوعين: الأول هو الإدمان المادي الذي تسبب فيه مواد معينة الإدمان لصاحبها ومنها الكوكايين والحشيش والتبغ وغيرها. والثاني هو الإدمان السلوكي، حيث تتحول سلوكيات معينة يقوم بها الفرد إلى إدمان يصاحبه ويضطره إلى إعادة فعلها في كل مرة، مثل إدمان القمار أو مشاهدة الأفلام الإباحية والاستمناء واللعب بألعاب الفيديو، أو إدمان التسوق أو الطعام تدخل في تصنيف الإدمان السلوكي.

التخلص من الإدمان وكسر عاداته يمر بمحطة أولى وهي فهم طبيعة الدماغ وكيف تتشكل عاداتنا وسلوكياتنا التي نكررها ويتحول بعضها بعد فترة إلى نوع من أنواع الإدمان، ومن أفضل الكتب لفهم هذا الأمر كتاب “قوة العادات” لتشارلز دويج والذي يشرح بالتفصيل كيفية تشكُل عاداتنا كبشر من خلال عدد من القصص الواقعية والأبحاث التي نُشرت في السابق. فبحسب الكاتب يمر تشكل أي عادةٍ في أدمغتنا بثلاث مراحل تتكرر في كل مرة:

المرحلة الأولى: يتلقى الدماغ الإشارة أو الحافز الأولي والذي يعتبر الشرارة الأولى لأي فعل وهنا يضعف دماغنا العقلاني ويبدأ الإنسان بالتصرف حينها دون إدراك حقيقي.

المرحلة الثانية: يتجه الإنسان لفعل الأمر الروتيني.

المرحلة الثالثة: يتلقى الدماغ المكافأة عن طريق إفراز الدوبامين.

ومع تكرار هذه الخطوات الثلاث في كل مرة تترسخ العادة في دماغنا حتى تصل في مراحل متقدمة إلى نوع من أنواع الإدمانات سابقة الذكر. فلو أخذنا أي نوع من الإدمانات لوجدناها تتشابه بهذه الخطوات الثلاث، فالمدخن مثلاً يتلقى إشارة من الدماغ عند شربه لفنجان قهوة أو شعوره بالغضب، فيسارع إلى أخذ سيجارته وإشعالها وبعدها يتلقى المكافأة. وكذلك مدمن الأفلام الإباحية فهو يتلقى الإشارة أو الحافز في ساعات الملل أو الفراغ فيبدأ حينها بمشاهدة هذه الأفلام ويتلقى المكافأة بدفقة من الدوبامين من دماغه وهكذا مع كل أنواع الإدمانات الأخرى التي تتشارك في هذه الخطوات الثلاث دائماً.

الأمر السيء بما يتعلق بالإدمان أن عاداتنا السيئة لا تُمحى من الدماغ أبداً، فقد تشكل لها مسارات خاصة فيه لكثرة تكرارها ، ولكن الخبر الجيد أننا نستطيع تشكيل ممرات جديدة في الدماغ نستعملها بدلاً من الممرات القديمة، وحال هذا الأمر يُشبه مرور شخص ما في طريق عشبي معين كل يوم فمع كثرة تردده على هذا الطريق تنطبع آثار خطوات أقدامه ويصبح الطريق واضح المعالم سهل الممشى بالنسبة إليه ، ولكنه لو حدث وأن قرر أن يستعمل طريقاً جديداً فسيبقى الطريق القديم لكن مع مرور الزمن سيعود سيرته الأولى وبهذه الحال فسيصعب على الإنسان العودة إليه وسيختار سلوك الطريق الجديد الذي مهده لنفسه عوضاً عنه.

للتغلب على الإدمان لا بد من اتخاذ خطوات عملية عديدة قد تتغير بتغير الشيء المُدمن عليه، ولكنني هنا أسرد بعضاً من الخطوات العملية المتنوعة والتي تتلاءم مع معظم حالات الإدمان على اختلافها:

1- ترك الشيء لله واحتساب الأجر عليه:
وهذه الخطوة ليست من باب رفع العتب بل هي خطوة أساسية ورئيسية في ترك الإدمان، فكما هو معروف بعد الأيام الأولى من الإقلاع عن الإدمان يعاني المدمن من رغبة شديدة في العودة إلى سلوكياته السابقة أو إلى تعاطي المواد الإدمانية، وقد يعاني من أعراض انسحابية كما هو معروف كالصداع والقلق والتوتر وعدم الرغبة بفعل اي شيء ، وهنا يأتي الدور المهم لهذه الخطوة فمع هذه المرحلة الصعبة يكون حال استشعار احتساب الأجر على الله هو المُصبّر الأول والمعين للنفس على تجاوز هذه المدة حتى الإقلاع النهائي، وأما ترك الادمان لله فهو دافع كبير للإنسان يمنحه الحافز اللازم لمواصلة طريقه في كفاح الإدمان والحديث النبوي معروف والذي رواه أحمد:( إنك لن تدعً شيئاً لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه)

يقول ابن القيم رحمه الله:” إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله فأما من تركها صادقاً مخلصاً من قلبه لله؛ فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلة؛ ليُمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب؟ فإن صبر على تلك المشقة قليلاً استحالت لذة”[1]

2- القضاء على الوحدة والخروج إلى الحياة:
أكبر صديق للإدمان هو الوحدة والابتعاد عن الحياة الاجتماعية، فالإنسان مخلوق اجتماعي بتكوينه يحب الاختلاط بالناس ويفضّل الصداقات. ولكن الإدمان يجعل الإنسان منكفئاً على نفسه ولهذا فمن أفضل الحلول لمواجهة الإدمان هو الاستعانة بالصحبة الصالحة والجلوس مع الأهل وزيارة الأقارب وتجنب الوحدة –قدر المستطاع-وخاصة في الأيام الأولى للإقلاع عن الإدمان فهذه الأمور تعين الفرد على كسر حلقات إدمانه بشكل كبير.

3- تركّيز الجهود:
إذا كان الإنسان مُدمناً لعدة أشياء في وقت واحد فلا يجب عليه فتح جميع الجبهات في نفس الوقت للقضاء على جميع سلوكياته الإدمانية والأفضل أن يركّز جهوده على شيء واحد ينهي إدمانه فيه، وبعد أن يتأكد من هذا الأمر ينطلق للقضاء على شيء آخر يعاني من إدمانه، ومع قدوم رمضان ولأهمية هذا الشهر بتربية النفس وكبح جماح شهواتها فالأفضل للإنسان أن يختار أصعب شيء تعوّد الإدمان عليه وأن يركّز جهوده للتخلص منه وفترة ثلاثين يوم كافية وحاسمة للقضاء على إدمان أي شيء فإن استطاع الإنسان الصبر فيها كان ما بعدها أسهل إن شاء الله.

4- تكريس النفس لفكرة عظيمة:
لا يجب أن يبقى الإنسان دون هدف في الحياة ودون أن يعرف غاية وجوده فإذا غابت هذه الأشياء عن ذهن الإنسان غرق في عالم المادة وامتلكته الأشياء بدلاً من أن يمتلكها هو؛ حتى يصل إلى حالة الإدمان عليها ومن أفضل الحلول للابتعاد عن الإدمان أو التخلص منه هو أن يكرس الإنسان نفسه لفكرة عظيمة أو هدف نبيل فتعلو حينها همته ويستشعر أهمية وجوده في الحياة.

هذا الفيديو للدكتور وليد فتحي يوضح كثيراً حول هذه الفكرة:

5- التأمل والكتابة:
هاتان خطوتان هامتان جداً فالتأمل يزيد من فرص الشخص المدمن على كبح نفسه بدرجة عالية وليس المقصود هنا ما يسمى باليوغا أو ما يتعلق بها من خرافات ؛ بل التأمل هو الجلوس مع الذات لدقائق معدودة يحاول الإنسان فيها الخلو بنفسه والابتعاد عن ضغوطات الحياة وقد يكون التأمل في مخلوقات الله أو في الطبيعة وجمالها وحسن إتقان الله سبحانه وتعالى لصنعها ،وأما الكتابة فأمرها هام لأنها تعين الإنسان على التعلم من أخطائه لمحاولة عدم تكرارها كما تُفرّغ كثيراً من الضغوطات على النفس وتجعل الإنسان يخرج ما بداخله حتى وإن كان على الورق.

6- التوقف مع النفس:
في كل مرة يأتي فيها الباعث أو الحافز على تكرار السلوك الإدماني، فعلى الإنسان أن يتوقف مع نفسه وأن ينظر إلى نفسه في المرآة مخاطباً إياها بكلمات مناسبة، وهذا يساهم في زيادة درجة الوعي في دماغه ويعزز دماغه العقلاني الذي يستطيع من خلاله كبح شهوة الفعل الإدماني -أياً كان-وقد دلت الكثير من الدراسات والتجارب الحديثة على أهمية هذه الخطوة وهذا الفيديو يوضح بشيء من التفصيل كيفية القيام بهذا الأمر.

7- استبدال الدوبامين الحرام بالدوبامين الحلال:
يرتبط الإدمان دائماً مع الدوبامين وكما بينت في السابق فإن المرحلة الثالثة في حلقة الإدمان أو تشكل العادة هي المكافأة التي يحصل عليها الدماغ، والتي تكون مركباً كيميائياً يدعى الدوبامين وإفراز هذا المركب بعد كل أمر روتيني هو الذي يدفع الفرد لإعادة وتكرار الفعل في كل مرة؛ حتى ولو كان يعلم أن هذا الفعل يدمره نفسياً أو جسدياً بعد مدة ولذلك لا يتعلم المدمن من أخطائه ويكررها. من أهم العوامل لكسر حلقات الإدمان هو استبدال المرحلة الثانية في حلقة الإدمان فمثلاً بالنسبة للمدخن عند الشعور بالغضب أو شرب فنجان قهوة فلا داعي للمسارعة إلى إشعال سيجارة بل استبدال هذا الفعل بالخروج في نزهة قصيرة أو تناول قطعة صغيرة من الحلوى كنوع من المكافأة للدماغ ونفس هذا الأمر ينطبق على الإدمانات الأخرى. وهنا قد يغير الإدمان حياة الإنسان بشكل جذري نحو الأفضل إذا عرف كيف يستبدل العادات السيئة بعادات مفيدة له. يشير دويج في كتاب قوة العادات إلى أهمية هذا الأمر بما يطلق عليه القاعدة الذهبية لتغيير العادات:” إذا استخدمت الدليل نفسه وقدمت المكافأة نفسها يمكنك تغيير الأمر الروتيني، وبالتالي تتغير العادة. ومن الممكن تحويل أي سلوك إذا ظل الدليل والمكافأة على حالهما”[2]

8- عدم جلد الذات ومعرفة حقيقة الوحش الإدماني:
يجب أن يعلم الإنسان أن التخلص من الإدمان ليس بالأمر الهين والسهل؛ وخاصة إذا ترسخت العادة كثيراً في دماغه وإيضاح هذا الأمر ليس تيئيساً للإنسان بل لمعرفة حقيقة ما يمكن أن نسميه بالوحش الإدماني الذي يواجهه ويتحداه، ولكيلا يستسهل الأمر كثيراً فيعاود الفشل مع كل مرة. فإذا حدث وفشل الإنسان أو انتكس بعد فترة من الإقلاع عن إدمان معين فلا داعي لجلد الذات بل المطلوب فقط الشعور بالندم وطلب الاستغفار من الله تعالى ومعاودة المحاولة من جديد بثقة وتفاؤل كبيرين وبعزم على التخلص من الإدمان بإذن الله.

قبل الختام أريد أن أتحدث عن تجربة شخصية متواضعة مع أحد أنواع الإدمان وهو إدمان التدخين فقبل عام ونصف قرر العبد الفقير إلى ربه كاتب هذه السطور أن يقلع عن التدخين وبعد محاولات لمدة نصف عام تقريباً باءت جميعها بالفشل؛ جاء الوقت المناسب للإقلاع عن هذا الإدمان بقدوم شهر رمضان في العام الماضي، وقبل يوم من بدايته أطفأت آخر سيجارة لي وقررت حينها الإقلاع النهائي عن التدخين. مر الأسبوعان الأول والثاني بشكل صعب وقاسي، ومر ب��دها الأسبوع الثالث أقل صعوبة وانتهى بعد ذلك رمضان ومر عام كامل دون تدخين وبفضل الله تعالى أقلعت عن هذا الإدمان وأصبحت الآن أكره رائحة التدخين واستبدلته بالرياضة المنتظمة. والآن مع قدوم رمضان هذا العام فقد جاء الوقت المناسب للإقلاع عن أي إدمان بعون الله تعالى وبالصبر ومجاهدة النفس واحتساب الأجر على الله تعالى. فلعلّ نفحةً من نفحات هذا الشهر الكريم تقضي على إدمان المرء ولعلّ ركعتين ودعاءً صادقاً في جوف الليل ببركة هذا الشهر تُخرج الإنسان من حياة الإدمان -أياً كان نوعه-إلى حياة ملؤها الطمأنينة والسعادة والبحث عن رضا الله تعالى في الدنيا والفوز بجنته في الآخرة فلماذا لا يكون رمضان ثورة على عادتنا السيئة وعلى إدماننا؟ ثورة ًعلى كسلنا وتسويفنا وتقصيرنا في حق الله وحق أنفسنا، ثورة تغيرنا وتغير حياتنا معها للأفضل إن شاء الله.


[1] ابن القيم الجوزية، الفوائد، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع ص156

[2] تشارلز دويج، قوة العادات، مكتبة جرير ص62