image_print

إرهاب الفكر الباطني الحديث

يمكن تعريف الإرهاب على انه استخدام أساليب التخويف والترهيب تجاه شخص أو مجموعة، وهو ما يؤثر على الشخص بأضرار نفسية أو جسدية.

تعتبر الأنساق الفكرية من أهم الأسس التي يبنى عليها وجود وعقل الإنسان وحياته، بل إن الفكر هو الجوهر لكل شيء مدرَك، ويضع له المعنى المتصل بالروح والجسد والحياة والموت، إذ إن فكرة الوجود والحياة محل غموض وحيرة للإنسان، وهنا يحاول العقل أن يجيب عن هذه الحيرة التي يمكن أن نسيمها (حيرة الأسباب)، أي السبب في الحياة والموت والخير والشر والمرض والصحة..إلخ، فالإنسان في رحلة بحث عن معنى وأمل في الحياة.

إن الدين من أهم المنظومات الفكرية التي تنظم حياة الإنسان وتضع منهجية واضحة لفهمه وإدراكه للموجودات، كما أن قوة الحضارة أو الأمة تقاس بقوة عقيدتها سواء كانت دينية أو غيره، ونرى هذا في صفحات التاريخ في نهوض الدول قوة العقيدة وتمسك الناس بها، وسقوطها في بعد الناس عن العقيدة.

فالفكر يعطي المعنى والرؤية للإنسان ليس فقط للحياة ولكن لفهم نفسه كإنسان يتكون من روح وجسد وأعضاء ومشاعر وتاريخ وانتماء، وهذه المكونات تجتمع لتشكل هوية الإنسان، وكلما تطور فكر الإنسان ارتقى في داخله وازداد تقديره لنفسه، وينعكس هذا على فهم المحيط والبيئة ودوره ورسالته في الحياة.

 خوف الإنسان

لكل فكر أو دين أو عقيدة أو أيديولوجية مجموعة من المحرمات التي يعتبر فعلها شنيعًا ويجازى فاعلها ويعاقب عليه حسب تشريعِ كُلٍّ وطرق عقابه، وتعتبر الخطيئة هي السلوك الذي يخرج الإنسان عن الأعراف التي يجب أن يتبعها المجتمع في إطارات محددة في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية والزواج وغير ذلك.

ويعتبر الخوف من الأساليب التي تكون إيجابية في هذه الحالة، حيث إن الخوف من العقاب يشكل حاجزًا وعامل ردع نفسي للإنسان، فلا يسعى للخروج عن الإطار الفكري ويتقصد الحفاظ على الرابط الاجتماعي، وهذا الرادع النفسي –أي الضمير- يعتبر جهاز إنذار يبعد الإنسان عن ارتكاب الأخطاء، وإذا استخدم الإنسان الخوف خارج هذا الإطار، فإنه سيتحول إلى أداة ابتزاز أو جريمة في حق الإنسان، خاصة إذا كان هذا الابتزاز عاطفيًّا وتستغل فيه أساليب التسويق بشكل واسع، وذلك على غرار الأشخاص الذين يدعون أنهم أخصائيون في علوم الطاقة والروحانيات، وأنهم يشكلون أساليب جديدة في معالجة الوعي البشري ومواجهة هموم الإنسان.

ويجب الإشارة هنا إلى أننا نتحدث عن نوع محدد من الدجالين، وهم الذين يدعون أنهم يمارسون قدرات التأثير في الطاقة وأنهم متخصصون في علومها، من خلال المجاهدات الروحانية، وهم بطبيعة الحال ليسوا متخصصين علماء كالأخصائيين النفسيين أو الفيزيائيين.

يدّعي هذا النوع الجديد من الحركات الباطنية أنه يسعى لرفع وعي الناس وإخراجهم من عالم الظلمات إلى عالم النور والوعي من خلال الممارسات الروحانية مثل اليوغا وتنظيف الجسد الأثيري والعديد من المسميات التي تختلف من شخص إلى آخر، إلا أنها جميعها في النهاية تتقابل في بوتقة واحدة، وهي الغنوصيّة الباطنية بشكل معاصر.

زرع الخوف من خلال ممارسة الوعي الروحاني

تحدث الأستاذ أحمد دعدوش في حلقتين في قناة السبيل على اليوتيوب بعنوان الروحانيات الباطنية الجديدة وحركة العصر الجديد والتنمية البشرية وحركة العصر الجديد، المدربون العرب حيث شرح هذا الفكر من المنظور الديني الإسلامي وخطورته على العقيدة الإسلامية، -ولذا أنصح بالرجوع لحلقات الأستاذ أحمد دعدوش- لفهم تاريخ الفكر وجذوره اختصارًا للعديد من النقاط.

وبدوري سأحاول شرح هذا الموضوع من منظور نفسي واجتماعي أكثر لكي يكون لدينا زوايا مختلفة لفهم إيجابيات وسلبيات هذا الفكر الباطني الحديث، ولا شك أن من أهم احتياجات الإنسان هو الغذاء الروحي الذي يجعله في سكينه وطمأنينة، فالروح لها غذاء كما للجسد غذاء من طعام وللعقل غذاء من معرفة وعلم، وإذا اختلف أحد هذه المكونات الرئيسية اختل توازن الإنسان.

بعد ضعف التأثير الديني في العالم العلماني والمادي، أصبح العالم يبحث عن العلوم الروحانية وعلم الطاقة والباطنية والترويج لها في كتب أو معلمين روحانيين أو ممارسين..الخ، مما فتح مجالًا أوسع للدجل والاحتيال على عقول الناس بشكل عصري.

لننظر إلى الأمر من ناحية أخرى، إن زيارة قبور أولياء الله وأصحاب الكرامات والاستغاثة بهم شخصيًّا فيه جهل وابتعاد عن شرع الله، فيجب –بكل تأكيد- النظر إلى هؤلاء المدربين على أنهم دجالون يرتدون ربطات العنق العصرية، بل لعل أحدهم أكثر إقناعًا من شيوخ التصوف، والفرق بين صاحب الكرامة في الصوفية والمدرب الروحاني هو اختلاف الطبقة أو المظهر الاجتماعي، فالأول يتبعه –في الغالب- البسطاء من الناس أما الثاني فيستهدف الأثرياء والمقتدرين.

في أغلب المجتمعات الفقيرة التي ينتشر فيها الجهل نجد سيطرة مفاهيم معينة كقوة العين والسحر والشعوذة، فيحاول الإنسان حماية نفسه بالطلب ممن يرى فيه الكرامة والولاية، ونحن هنا لا ننكر وجود قوة العين والسحر كما أشير إلى ذلك في القرآن والسنة، وإنما ننتقد تضخيم الموضوع وجعله مدخلاً للدجاجلة ليسيطروا على عدد كبير من المساكين، فيشرح لكلٍّ نوع السحر أو العين التي أصابته، ويبين له مدى صعوبته، ويكثر عليه الطلبات التي يحتاجها ليفكّ عنه ذلك الأثر، ادعاءً منه أنه الوسيط بين الشخص والله.

وهنا يتكرر السيناريو ذاته عند المعلمين الروحانيين بطريقتهم الحديثة، فمنصات التواصل مليئة بمثل هؤلاء، حيث يبدأ (الروحاني) بأسئلة بديهية بأسلوب يشعرك أنك حالة نادرة أو عويصة، وبعد ذلك يقنعك بأن عدة مخاوف وأنواع من الصدمات زرعت من الطفولة ومشاعر مرتبطة في الجسد المشاعري ويجب أن يزيلها، وبالطبع فإن كل هذا يحتاج لمبالغ مالية لا تقل عن ١٥٠ دولار كبداية، ومن هنا ندرك كيف يزرع الخوف في داخل الإنسان ويضخمه بطريقة تقنع الشخص أنه يريد حماية المتحدث إليه.

وعندما نغوص في المجتمع العربي والإسلامي نجد أن الموضوع متطور وأكثر تعقيدًا من ذلك، بل إن مثل هذا الشخص يرى نفسه أنه قد صار وسيطًا بين الإنسان والله، فهو يعرف كيف يخرج الذنوب العالقة التي تؤثر على ما يسمونه “كارمة” الإنسان حسب زعمهم وعلاقته بربه، وهذا شيء خطير، فكيف تتسلل هذه الأمور داخل الفكر الإسلامي؟.

إن الملفت للنظر أن هذا الفكر الباطني ليس بحديث البتّة، بل هو عبارة عن انتقال أفكار معينة من حضارات لأخرى، ولكن بشكل مختلف، فينتقل من الهندوسية الهندية، إلى بعض فرق الصوفية والإسماعيلية وغيرها، وهي كذلك الآن تحاول الانتشار في أي مجوعة سواء صغيرة أو كبيرة، ونلاحظ أن الجوهر واحد ولكن الهيكل الخارجي مختلف.

هذه الأفكار هي في جوهرها نافذة جديدة لفهم النفس والروح والحياة في العصر الحديث عند الكثير من الناس في العالم، وقد أصبح هؤلاء المدربين فقهاء وفلاسفة هذا الفكر الباطني، وهذا ما يجعل الأمر أكثر خطورة، فهل الإنسان العصري سيرى رحلة حياته من منظور الوسيلة والغاية والقضاء والقدر أم سيراها في ارتقاء الوعي الباطني والانفصال عن الواقع.

الترويج للفكر الباطني

انتشرت في الآونة الأخيرة مقاطع كثيرة لهؤلاء المدربين على مواقع التواصل الاجتماعي بهدف ترويج أفكارهم وانتساب أكبر عدد ممكن للدورات التي يقيمونها، ومما يلفت النظر كيفية شرح المواضيع المتعلقة بصورة الإنسان لذاته، فالإنسان لديهم يتكون من عدة أجساد كالجسد الأثيري والمشاعري وغيره، وأن الذنوب تلتصق بجسد محدد وهذه الجلسات التي يروج لها بعضهم تزيل الذنوب بينك وبين الله، وهناك العديد من الأفكار المتشابهة من شخص لآخر، فبعضهم يحسن علاقتك مع الله وبعضهم يفتح لك مسارات كونية تجلب لك الرزق والصحة … الخ.

بكل اختصار فإن هؤلاء المدربين لا يعطون الدواء، لكنهم يجيدون فن الاستفادة من السامع وخداعه، وبالطبع فإنهم سيطلبون الكثير، وكل واحد منهم يريدك أن تتمسك به أكبر فترة ممكنة لكي يستفيد ماليًّا إلى أقصى درجة، بدءًا من ادعاء تخلية المشاعر السلبية وتنظيف الكارما من الذنوب وجلسات إزالة الصدمات وزيادة جذب الرزق وغير ذلك من الأمور الخرافية ولكن بشكل حديث ومنمق، والمغزى من كل ذلك البحث عن المال والشهرة والسلطة.

يمكن اعتبار هذه الخرافات طريقًا لزيادة اضطراب الإنسان العصري وجدانيًّا وعاطفيًّا، وقد قابلت العديد من الحالات التي جعلتني أتأمل أحوالهم، حيث كان أغلب هؤلاء الأشخاص يرددون كلامًا غير مفهوم وكأنه عبارة عن شريط مسجل، إلى جانب أنهم في حالة قلق دائمة رغم أنهم يقنعون أنفسهم بأنهم على ما يرام وهم عكس ذلك، وهذا المشهد يذكرني بمشهد من نوع آخر وهم بعض الغلاة من طرق التصوف الذين يبالغون في العبادات والاذكار بهدف الوصول لحالة معينة من الاتحاد أو النشوة، وهم في هذا يتشابهون مع تعاليم اليوغا التي تريد إيصال الإنسان إلى حالة معينة من الانفصال عن الوجود الحقيقي.

وإذا لاحظنا أماكن انتشار هذه الأفكار الروحانية الحديثة فإنها غالبا ما تكون داخل المجتمعات المتمدنة التي لا تعيش المعاناة الحقيقة وتقتصر على الطبقات المقتدرة والغنية، مثل الدول التي تعاني من إبادات وحروب  فهم يعتقدون أن حدود العالم هي المدينة التي يعيشون فيها.

لا يمكن إنكار أن الإنسان يحاول الوصول للسكينة الداخلية وتنمية الجانب الإيجابي منه روحانيًّا، وهذا شيء مهم جدا، خاصة من خلال الالتزام بالعبادات والفرائض والتعاليم الدينية، ولكن الانغماس في التأملات والانفصال عن الواقع يزيد في إيهام النفس بما لا يتوافق مع الحقيقة.

الوعي الحقيقي

إن بداية الوعي الحقيقي الداخلي تطلق من فهم الإنسان لعيوبه وتصحيحها، وفهم الإنسان لمخاوفه ومحاولة تجاوزها، وفهم الإنسان لمشاعره وأفكاره، ومن أهم مراحل الوعي الخارجي إدراك الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفهم التاريخ والثقافة والمخاطر الخارجية وتجنبها.

كل هذه الأمور بدورها توجه الإنسان نحو هدفه في الدنيا ومحاولة البحث عن سبل، فالحقيقة أن هذه الحياة تحتاج العمل الدؤوب لا الركون إلى التعاليم الوثنية والتأملات المؤثر سلبًا في درجات الوعي.

ولنضرب مثالاً بسيطًا، فلو أنني أردت بناء بيت ما، فلن يفيدني جميع أصحاب علوم الطاقة والوعي الروحاني بقدر ما سيفيدني المهندسون والعمال المتمرسون في البناء،

في مجتمعنا العربي والإسلامي نرى تقصيرًا كبيرًا من بعض المشايخ الذين ينفصلون عن الواقع ويقصرون مجال نشاطهم بعيدًا عن فهم التغيرات الجارية في الدنيا، إلى جانب فئات أخرى كالأدباء والشعراء والفنانين الذين يركزون على جوانب لا تفيد حياتنا المعاصرة، وإذا أردنا أمة قوية فلا يمكن لمجموعة من العشاق والمكتئبين والمتبتلين أن يقودوها، بل يجب أن تقودها نخبة ممتلئة بالإيمان والتقدم التقني والحضاري وحب الإنجاز.

إن إرهاب الفكر الباطني الحديث يبدأ بطغيان هذه المفاهيم على نظرة الإنسان لذاته ودينه وواقعه وبالتالي ستغير توجهه في الحياة وإدراكه لغايته منها، والإنسان هو الكنز الأهم في الوجود، فهو الذي تبدأ منه الأسرة والأمة والحضارة.

لدينا العديد من المشكلات في الحياة ومتطلبات الحياة في تزايد سواء على المستوى الشخصي أو المجتمعي أو العالمي، ودور الأبطال هنا المبادرة في حل هذه الإشكاليات وليس التبتل والجلوس للوصول لحالة من السكينة والانفصال عن الواقع، رغم أنه لا يمكننا إنكار الجانب العلاجي النفسي والإرشاد النفسي بل هو جانب مهم جدًّا خاصة في عصر المادة ولكن من قبل المختصين وليس صانعي الوهم.

طوفان “الأنا” وسفينة الـ “نحن”!

انفلتت الألواح عن الدسر! .. لن نحتاج لكثير تدقيق وإمعان قبل أن نلحظ كيف أن العلاقات والأواصر بين بني آدم في طريقها  إلى الضمور والانكماش، تقف على أعتاب التآكل بعد تاريخ من الشموخ حيث كانت تشبه في قوتها  لين الحرير ومتانته على حد سواء، فالخيوط إذا ما تعاضدت وتكاثفت إلى جانب بعضها البعض اشتد بريق ألوانها وبرز، وكذا الأفراد إذا ما تراصت أقدامهم في الصف الواحد كان ذاك حالهم، لكن إذا انسل الواحد منهم تلو الآخر كثرت الثغرات، وضعف بأسهم كما تفقد الخيوط بهجة ألوانها وتبهت إذا تفرقت وتُركت لأشعة الشمس تحرقها على مهل رويدا رويدا! وشمس الأفراد، أو قل طوفان هلاكهم هو جنوحهم إلى قارب “الأنا” بعيدا عن سفينة الـ “نحن”!

وهل يخفى على كل ذي عقل ولب انصهار معانٍ شتى في رحاب الدعوة إلى: “أنا ومن بعدي الطوفان”,  فكانت هذه “الأنا” كعصا شقت حاضرنا وماضينا القريب إلى فلقين،  ولك أن تتأمل مثالًا بسيطًا دارجًا في واقع حيواتنا جميعًا، وما أصبحت عليه الأحياء والجيرة فيها، إذ غدا كل فرد لا يرقب غير حاله ومصالحه، على خلاف ما كان عليه جيل آبائنا والأمهات، فتجد أن طفل الحي ليس مسؤولية والديه فقط، وتربيته لا تتوقف حالما يجاوز عتبة البيت، بل الكل يسهم ويوجه ويقوم- بحسب مبلغه من العلم- فيبقى حس الرقابة والحياء حاضرًا في نفس هذا الطفل وإن غاب ذويه.

نعم كانت جسور الألفة ممدودة، والمسؤولية حاضرة، ومقتسمة بين الجميع، قبل أن تنقض عليها نزعة الفردانية وتزحزح على إثرها الألواح والدسر التي كانت تشكل مجموع القيم من تآزر وتراحم وتآخي وسعي لمصلحة الآخر كما النفس!

كما يثقب القطر الصخر

في المبتدأ لا ضير أن نقف عند حقيقة جلية وهي أن: “الماء لا  يثقب الصخر بالعنف-دفعة واحدة- وإنما بتوالي السقوط؛ قطرة، قطرة”، وعلى شاكلة الصخور  هي النفوس البشرية، إذ ما أصبحت عليه ليس بأمر طارئ الحدوث، بل هو نتاج تراكمي لعوامل شتى توافدت، وغيرت خطوة خطوة من معالم البناء الفردي للأشخاص، فالذي كان بالأمس لـه رعية، يًسأل عنها، نراه اليوم تحلل منها وراح يقص آثار شغفه، ويجري وراء طموحه، وما يحقق من خلاله استقلالية ذاته وإن على حساب “رعيته”، وتضخمت في النفوس “الأنـا” حتى ما عادت تقبل التوجيه والنصح إذا ما خالطه شيء من الزجر والتوبيخ، وإن جربت يأتيك الرد على عجل: “معذرة، فـأناي لا تقبل غير الطبطبة”، وغيرها كثير من المظاهر و المواقف من عقر البيت إلى رأس الشارع تشهد بتبعات هذه النزعة الفردانية المتطرفة وما أودت به.

لكن كيف وصلنا إلى هنا؟

يذهب الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله إلى القول إنه “كلما ازداد الشعور بالقوة عند الكائن الحي، نراه يميل إلى الفردية والاستقلال”

ولعل هذا ما أتاحته التكنولوجيا والعالم الرقمي وأذكته في النفس، إذ توجه الفرد إلى الاكتفاء بأن تكون له رؤيته المستقلة للحياة، واستقلاله في اتخاذ قراراته ومواقفه القائمة على المتعة والمنفعة، بمعزل عما أصبح في نظره مجرد “وصاية” من الآخرين، فتجد أن الأسرة الواحدة لم يعد يجمعها غير سقف البيت، أما الأفراد فكل منهم قد أنِس بآلة أو جهاز بين يديه، واتخذه بديلا عن الآخر! إذ أصبح كل منهم يستقي قوته مما يطرحه من أفكار على مواقع التواصل وتوافد التعليقات والإعجابات إطراءً عليه، فاستأثر بصنع مجتمع رقمي، يكون فيه هو الحاضر القوي!

إضافة إلى ارتباط النزعات القومية، والتحركات الجماعية في الأذهان والنفوس بالفشل، بدءا من الحربين العالميتين الأولى والثانية وما حصدته من أرواح، إلى واقع الثورات العربية وما أزهق فيها هي الأخرى من أنفس دون الظفر بشيء مما رمت إليه من أهداف سامية! وبذا فقدت الغايات الكبرى التي تؤطرها الجماعة قدرتها على تخليص الشخص في نظره من مآسيه ومعاناته، ومن ثم غابت وتلاشت نون الجماعة، وربَا محلها ضمير “أنا”!

وبالموازاة مع هذا فإن تنامي النزعة الاستهلاكية، وفقدان البوصلة والمعيار في ظل التضخم المادي، أودى إلى تردي قيمة الآخر بوصفه “إنسـانًا” بما يحمله من قيم ومعتقدات ومبادئ، وارتهنت مكانته بجانبه النفعي فقط كرقم من بين الأرقام! حيث ارتدى كل فرد نظارة “التشييء” للآخر في إطار البحث عن الذات، فـ”تعددت الذوات، وتفرق المجموع” إذ لا هدف موحد يربطهم. أما الإعلام من جانبه فلا يسعنا إلا القول عنه بأنه هو المحرك الضامن لاستمرار هذه النزعة الفردية، بتكريس هذا النمط من العيش-في أوساط الشباب خاصة- الذي يظلله طابع الأنانية، والسبق إلى معالي الدرجات في تحقيق الطموح! وتصويره على أنه هو الأصل السائد في المجتمع؛ فكل فرد هو سيد نفسه، والبطل الخارق الذي تنتظره البشرية جمعاء لإنقاذها “وحده، منفردا”.

هل بعد الطوفان إلا الغرق؟!

لعلك أيها القارئ سمعت بما رواه النعمـان بن البشير -رضي الله عنهما- عن الرسول عليه الصلاة والسلام في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ قال صلى الله عليه وسلم: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذي أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا)[صحيح البخاري].

إن النجاة ههنا لم تكن لتتحقق لو أن كل فرد من أفراد السفينة غيَّب مصلحة الجماعة، بل إن مآل الغرق الحتمي إذا تُرِكت لمن هم في الأسفل يحدثون فيها الخرق المنجي كما تصوروه! فكان حضور الحس بالمسؤولية من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو طوق الخلاص.

هذا السـَّمت والهدي القويم الذي حكمت عليه “الأنـا” -أو كادت- بالاندثار، فمثل سفينة هذا القوم كمثل المجتمع أجمع، حيث الربان هي “الشريعة”، والركاب هم العباد يتلقون تعليماتها ليشد بعضهم بعضا، وفي اللحظة التي يتخلف فيها أفرادها عن التطبيق، ويستأثر كل منهم بمصلحته، ينحرف المسير وتغرق بهم جميعا.

هذه السفينة قد تكون هي “الأسرة”، حيث أخذ ذاك الميثاق الغليظ، وانعقدت النيات والقلوب على بناء بيت إقامته هي مسؤولية الجميع، حتى إذا ما اشتدت حبائل الأزمات، ووقف ساكنيه على قارعة الفراق جيئ بحكم من أهل الزوجة وآخر من أهل الزوج يسعيان إلى ترميم العلاقية بين الزوجين وإعادة المياه إلى مجاريها؛ تبعا لمسطرة الصلح التي جاءت بها شريعة رب العالمين، حيث قال تعالى{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}[النساء، 35]، لكن لهذا الطرف الثالث بالتدخل في ظل هذا السعي الحثيث لكسر الجسور مع الآخرين، وتكثيف الجهود لرسم مضمار “واحدي” لكل فرد، فالطوفان وهلاك هذه الأسرة سيكون هو ثمرة “الأنا”. ومن ورائها هلاك الأمَّة وازدياد جراحاتها!

 اركب معنـا

في صلاتك تقف وحيدا على سجادة الصلاة، بكل ما تحمله من آمال وجراحات، ومساع وطموحات، تردد فاتحة الكتاب، حتى إذا بلغت قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم}، ذابت أناك وانصهرت في نون الـ”نحن”؛ (اهدنا) لتنفي عنك صفة الواحدية، مذكرة إياك أن الهَمّ همّ “أمة”، وأن المطلب سلعة غالية هي الجنة، والله سبحانه جعل منا خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر!  فالأرض فارت  بالفتن، وماج بعضها ببعض كطوفان   لا يرحم كل من آوى إلى  جبل “أناه”، وأعرض عن دعوة: “اركب معنا”.

الفلسفة الوجودية وطبيعة النفس البشرية

تعتبر الفلسفة الوجودية أن الطبيعة البشرية مرنة وقادرة على القيام بمجموعة هائلة من الخبرات، وأن الأشخاص في عملية مستمرة من التطور، وذلك استنادًا إلى الفكرة الأساسية التي تقف عليها وهي أن الوجود يسبق الماهية الحقيقية، إذ الإنسان هو من يصنع ماهيته، فالمعتقد الأساس في منظور هذه الفلسفة أنه: طالما أنني موجود فأنا أصنع نفسي باستمرار ويجب عليّ أن أعيد ابتكار نفسي يوميًا، أي أنّ الإنسان هو من يحدد شخصيته وقدراته ومستقبله.

يشير العديد من الفلاسفة والمفكرين إلى أن المعضلة الأولى في هذه الرؤية تبدأ من قضية القلق الوجودي، أي أن طول التفكير في هذه المسألة يؤدي إلى شعور عميق بالقلق، حيث إن الفرد واقع تحت ضغط الضرورة والمسؤولية لخلق شيء ما بدلاً من الفراغ الذي يعيشه في كثير من الأحيان، وإحساسه بأن كل شيء يمر سريعاً، وأنه لا يستطيع أبداً التمسك بالحاضر، فالحاضر يمضي سريعاً ويصبح من الماضي، وأنه لم يعد كما كان ولا كما يرغب في أن يكون، وبذلك يجد الفرد نفسه في مكان ما في المنتصف، يتصارع مع معطيات الماضي وإمكانيات المستقبل، دون أي معرفة مؤكدة بما يعنيه كل ذلك.

 الفلسفة الوجودية: أبعادٌ وآثار

في الكتاب المشترك المعنوَن بـ Individual Therapy in Britain أي العلاج الفرديّ في بريطانيا، والذي أشرفت على تحريره الأكاديمية ويندي درايدن Windy Dryden خصصت الأكاديمية الهولّندية إيمي فان ديورزين سميث جزءًا من بحثها في الكتاب حول الأبعاد الأساسية للفلسفة الوجودية، فأشارت إلى أن تحديد الوجود البشري في هذه الفلسفة يتركّز في أربعة أبعاد أساسية: البعد المادي والبعد الاجتماعي والبعد النفسي والبعد الروحي. في كل بعد من هذه الأبعاد، يواجه الناس العالم ويشكلون مواقفهم منه كل حسب تجربته الخاصة. فهذه المواقف هي التي تحدد موقفنا من واقعنا، ومن الواضح أن هذه الأبعاد الأربعة متشابكة ومترابطة، وما حال الفرد إلا كالممتد ما بين قطب موجب يمثل ما يطمح إليه في كل بُعد، وقطب سالب يمثل ما يخافه ويتجنبه.

ففي البعد المادي يعتقد الوجوديون أن الفرد يتعلق ببيئته ومعطيات العالم من حوله بشكل طبيعي، وهذا يشمل موقف الفرد من جسده، واحتياجاته الجسدية، وموقفه تجاه محيطه الملموس، وممتلكاته المادية، كأحوال الناس وممتلكاتهم والمناخ، والصحة والمرض.

يعدّ الجهد في هذا البعد -بشكل عام- منصبًّا بين البحث عن الهيمنة -كما في التكنولوجيا، أو الرياضة- وبين الحاجة لتقبل القيود الطبيعية كما في علوم البيئة أو الشيخوخة)، ويهدف الناس عموماً في هذا البعد إلى ترسيخ الأمن من خلال الصحة الطبية وجمع الثروة، إلا أن الحياة لا تقدم لهم الكثير من الحقائق التي تدعم آمالهم مما يسبب لهم خيبات الأمل، وإدراك ذلك يمكن أن يؤدي إلى التوتر.

البعد الاجتماعي في الفلسفة الوجودية

ترى الكاتبة أن الإنسان في البعد الاجتماعي يتواصل مع الآخرين من خلال التفاعل مع العالم من حوله، ويشمل هذا البعد استجابة الفرد للثقافة التي يعيش فيها، وموقفه تجاه الطبقة والعرق الذي ينتمي إليه، والآخر الذي لا ينتمي إليه كذلك؛ ومن ثم فإن المواقف تتراوح هنا ما بين الحب والكراهية، وما بين التعاون والمنافسة.

يمكن فهم التناقضات بين القبول والرفض، أو الانتماء والعزلة، فبعض الناس يفضلون الابتعاد عمن حولهم قدر الإمكان، بينما يحرص آخرون على بناء العلاقات وترسيخ قبوله بشكل عام بين الناس من خلال الالتزام بالقواعد والعادات والآداب العامة، ومن ثم فإنه يمكن بحسب هذه الرؤية أن يحقق الفرد الهيمنة على الآخرين بشكل مؤقت من خلال اكتساب الشهرة أو غيرها من أشكال القوة، إلا أن أتباع هذه الفلسفة يؤمنون أننا جميعاً سنواجه الفشل والوحدة عاجلاً أم آجلاً.

البعد النفسي الوجودي

في البعد النفسي الوجودي يتعلق الفرد بنفسه، وبهذه الطريقة تشير الكاتبة إلى أنه يصنع عالمه الشخصي بشكل خاص.

يتضمن هذا البعد وجهات نظر حول شخصياتنا وخبراتنا السابقة واحتمالات خياراتنا الوجودية المستقبلية، ولذا فإنه غالبًا ما يتمّ اختبار التناقضات هنا بالنظر إلى نقاط القوة ومقارنتها بنقاط الضعف.

في البعد النفسي ترى الناس يبحثون عن الإحساس بالهوية والانتماء والشعور بالجوهر وقدرات الذات غير المحدودة؛ إلا أن هذا الحال يوصل الإنسان حتماً إلى العديد من الأحداث التي تظهر له عكس ذلك، وتغرقه في حالة من التوتر والارتباك والتفكك.

على سبيل المثال فإن النشاط والسلبية مركزان مهمان هنا، حيث إن تأكيد الذات شكل من أشكال النشاط بحسب الكاتبة، كما أن الاستسلام شكل من أشكال السلبية، كما أن إعادة التفكير في الموت قد يجلب القلق والارتباك للكثير لمن يؤمن بأهمية ذاته.

الوجودية والبعد الروحي

تشير الكاتبة إلى أن الإنسان في البعد الروحي الوجودي يتعلّق بالغيب، وبالتالي فإنه يصنع إحساسًا بالعالم المثالي ويمتّن النظرات الأيديولوجية والفلسفية، وقد يجد بعض الناس راحتهم المثالية في الطرق العلمانية، وذلك في تناقض واضح بين ارتباط الروح المعنوي والمادية العلمانية، وفي هذا البعد غالباً ما يكون فكر الناس متذبذبًا بين الهدف والعبثية، والأمل واليأس، إلخ.

الاضطراب والصحة النفسية

تشير الكاتبة إلى أن الاضطراب والصحة النفسيين وجهان لعملة واحدة، والعيش بشكل سليم يعني التوافق في العيش مع كليهما، فالصحة النفسية تعني القدرة على أن تكون شفافاً ومنفتحاً على ما يمكن أن تجلبه الحياة بشقيها السلبيّ والإيجابي. وحين نحاول التهرّب من الجانب السلبي من الوجود نتعثّر بالتأكيد، تماماً كما نتعثر حينما لا نرى الجانب الإيجابي منه.

في مواجهة الإيجابية والسلبية في الإحساس الوجودي تنشأ القوة اللازمة للاستمرار قدماً وبالتالي فإن الصحة النفسية –في منظور الفلسفة الوجودية المعاصر- لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال التصالح مع الحياة والعالم والنفس وفهم ما يدور حولنا، وكأن الصحة النفسية تصبح مرادفًا للحكمة في هذه الرؤية.

لا نشير هنا إلى أن هذه الرؤية الوجودية حول الصحة النفسية صائبة أو خاطئة إلا أننا نحاول أن نقارب بين هذه الرؤية ومفردة الحكمة التي تتشكل نتيجة التخلّق بصفات الصبر والصدق.

التغيير نحو الأفضل

 تشير الكاتبة إلى أن التغيير في الحياة نحو الأفضل إنما هو جزء من عملية طويلة من التحول، وعلى الرغم من أن الناس يعتقدون في كثير من الأحيان أنهم يسعون لذلك التغيير، إلا أنه في كثير من الأحيان تعكس حياتهم محاولاتهم للحفاظ على الوضع الراهن. قد يصبح الفرد مقتنعاً بحتمية التغيير، وقد يصبح أيضاً مدركاً للكثير من الطرق التي حافظ بها على هذا التغيير. في كل دقيقة من اليوم يصنع الناس الخيارات التي تحدد اتجاه حياتهم. في كثير من الأحيان يتم الشروع في هذا الاتجاه بشكل سلبي: أي يتوافق فقط مع توقعات الأشخاص السلبية أو المتواضعة للمستقبل. لكن يتم اكتساب البصيرة في إمكانية إعادة تفسير الموقف واختيار المزيد من القرارات البناءة للتغيير نحو الأفضل. هذا يتطلب من الفرد أن يتعلم كيف يعيش بشكل متعمد وواع، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال إدراكه لكيفية توظيف الموقف اليومي والإطار الذهني بشكل يحفظه من التلقائية التي تكرر نفس الاخطاء. ليس من السهل كسر قوة العادة، ولكن هناك دائماً أوقات يتم فيها كسر العادات بالقوة. الأزمات هي الأوقات المناسبة لمراجعة أنماط التفكير والسلوك القديمة. هذا هو السبب في أن أطباء النفس الوجوديين يتحدثون عن الانهيار باعتباره اختراقاً محتملاً، وأنه في كثير من الأحيان يلاحظ الناس بدهشة أن الكارثة أو النقمة التي حاولوا جاهداً تجنبها كانت في الحقيقة نعمة بالنسبة لهم. في أوقات الأزمات، يتم إعادة تركيز الانتباه على الأولويات بحيث يمكن أن تكون الخيارات واضحة أكثر من ذي قبل.

سواء كان هذا الحدث مفروغاً منه (كما في الهجرة أو الزواج) أم لا (كما في الكوارث الطبيعية أو فاجعة الموت) فإن له تأثيراً كبيراً. عندما يكون من الصعب علينا إخفاء جوانب الوجود التي نفضلها نكون مضطرين لإعادة تقييم مواقفنا وقيمنا. في أعقاب تلك الفوضى يجب أن نتخذ القرارات حول كيفية المضي قدماً وكيفية إقامة نظام جديد في حياتنا. اذ يمكننا أن نتسامح مع عدم اليقين في مثل هذه المواقف بدلاً من الهروب نحو روتين جديد، فمثل هذه الأوقات يمكن أن تكون فرصة لتصحيح اتجاه الحياة.

ترى الكاتبة أنه بمجرد مواجهة الأزمة بهذه الطريقة، يصبح من السهل الانفتاح على التغيير مرات أخرى كذلك. يمكن للناس أن يتعلموا إعادة تقييم قيمهم وإعادة تقييم أولوياتهم باستمرار، وبالتالي تحقيق المرونة التي تسمح لهم بالاستفادة القصوى من الحياة.

*هذا المقال عبارة عن ترجمةٍ لتلخيص مقال الكاتبة إيمي فان ديو ريزين سميث في كتاب Individual Therapy in Britain


المصدر:

Deurzen-Smith, E. van (1984) ‘Existential therapy’, in W. Dryden (ed.), Individual Therapy in Britain. London: Harper & Row.

الإنسان بين ضرورة التأصيل وغلبة العولمة

إن أَولى ما يُنفِق فيه الإنسان أوقاته، وأحرى ما يسكب فيه أنفاسه، وخير ما يحرص عليه، ويسعى بكليته إليه، التأصيلُ العلمي، فالتأصيل العلمي من أعظم الطرق الموصلة إلى بناء عِلمي مُحكَم ورصين، التي من خلالها يستطيع المتعلِّم قضاء نهمته، وبلوغ مُنيته، بأيسر الطُّرق وأسهلها، وأقربها وأحسنها.

إن المتأمِّل في عالمنا المعاصر ليرى -دون عناء- ما يَعِجُّ به الوسطُ العلمي من التحير والخلط، والتشتت والتخبّط، وطغيان الأفكار الجانبية التي تطفو أيامًا ثم تخبو لتطفو مكانها أفكار أخرى، فيما يمكن تسميته بأنه “ثقافة الترند” أو الأفكار المعولَمة، لا سيما مع التدفق المشاهد للثقافات، والتعدد لمنابع التلقي؛ حيث تباينت الاتجاهات، واختلفت الأفكار والتصورات، وتعددت الرُّؤَى.

عولمة الأفكار

يشير الشيخ محمود شاكر، في كتابه الفريد رسالة في الطريق إلى ثقافتنا إلى سعي الغرب لفرض ثقافته وأنماط حياته، فيقول: “باطل كل البطلان أن يكون في هذه الدنيا على ما هي عليه “ثقافة” يمكن أن تكون “ثقافة عالمية” أي ثقافة واحدة يشترك فيها البشر جميعًا ويمتزجون على اختلاف لغاتهم ومللهم ونحلهم وأجناسهم وأوطانهم، فهذا تدليس كبير، وإنما يراد بشيوع هذه المقولة بين الناس والأمم هدف آخر يتعلّق بفرض سيطرة آمة غالبة على أمم مغلوبة لتبقى تبعًا لها”

وهذا النص يشير إلى أن مواجهة تعميم الثقافة الغالبة كان هاجسًا لدى العلماء الصادقين، لكن ترندات الثقافة تتغير يومًا بعد يوم، فهي في أيامهم تتركز على موضوعات معينة، أما الآن فهي تتمثل في موضوعات مختلفة كالحديث المستمر عن التحفيز والإيجابية وعن البعد عن المحبطين والمثبطين، والمغالاة في التركيز على الجوانب السلوكية والمعرفية والفكرية للفرد ليكون أكثر إيجابية ونجاحًا،  وهم في الحقيقة انما يتبعون في الغالب ثقافة الترند.

ولفهم ثقافة الترند يجب التطرق لثلاثة جوانب، بدءًا من الجانب الفكري الفلسفي، والجانب الاجتماعي السياسي، والجانب الفردي.

تأثير الأفكار

إن النتاج الفكري السائد اليوم ما هو إلا نتاج تغريب فكري طويل ورحلة فلسفية ونظرية حبكت عبر السنين الفائتة، ومعلوم أن عصر النهضة الأوروبية كان عصر بداية الفصل بين الروح والمادة والقطيعة مع الدين والإله ومنها بدأت أفكار نعيش معها إلى اليوم، كالعلمانية والأنسنة والفردانية.

وبعد ذاك العصر بقرنين تقريبًا جاء عصر التنوير وهنا أيضًا جاء بأفكار أبرزها العلوم التجريبية والتي كان يطلق عليها natural philosophy  ولكن فيما بعد سميت بscience   واختزلت في  العلوم التجريبية -وهذا إلى اليوم- فكلمة science   إنما يعنى بها العلوم التجريبية  أو ما خضع للتجربة  فهو علم وما لم يخضع للتجربة فليس علمًا،  فمثلا لو قلت إن جدي اسمه علي وإني متأكد أنه حقيقة عبر الخبر الصادق فهذا لا يسمى علمًا لدى من يؤمن فقط بـ  science

إن نسبة كبيرة مما يدفع المجتمعات تجاه تصرفات معينة يعود إلى الأفكار التي تطبعوا عليها، سواء شعروا بذلك أم لا، فالاشتراكية جاءت نقيضًا للرأسمالية، التي ما تزال مهيمنة، وما زالت هناك دول تحكم بنظام رأسمالي وأخرى تدعي أنها شيوعية، وقد تجد أن فكرة في فن واحد تعمم على سائر العلوم، فالدارونية هي نظرية خاصة بنشوء المخلوقات لكنها أفرزت الدارونية الاجتماعية على سبيل المثال،  وغير ذلك الكثير،  فالأفكار الغربية يجب ألا تهمل  وإن كان هذا عبئًا إلا أنه ضرورة في زمن مثل هذا، لأن القوي يفرض على غيره طريقة التفكير وفي ماذا يفكر وفي ماذا يجب ألا يفكر.

على سبيل المثال قد نجد أحد الملحدين يدعو الناس للقول إنه لا يوجد حرية إرادة ولا يوجد شيء يختاره الإنسان بمحض إرادته، ورغم تهافت هذا القول إلا أننا نجد صاحب هذه المقولة صاحب كتب تباع بالملايين في أوروبا وغيرها من الأماكن في العالم، وهذا جيد لنا لأنه يدعمنا في التأكد من انزياح هذا السراب الأوروبي من الأفق.

إن إحدى شواهد انهيار التناقض في منظوره أنه رأى نفسه إلها يوما ما، ومع الزمن بدأ يخفف من غلوائه أن أصبح حيوانًا ومن ثم آلة لها جانب سلبي وآخر إيجابي تمامًا مثل أي محبس تجد عليه علامتين + و-

الجانب الاجتماعي السياسي للترند

تقوم إحدى نظريات العلوم الإنسانية على أساس أن الإنسان نتاج لتشكلات اجتماعية تظهر ضمن اللغة والثقافة والدين والعادات، فهو إذًا يتبع النموذج أو code    المحدد الذي وجد عليه ونشأ فيه، ويؤثر في هذا السائد القرار السياسي والاجتماعي عبر المؤسسات التابعة إما للسياسي أو للتجاري.

إن خطورة هذه النظرة ليست لكونها تفسر الواقع من منظور معين، بل لأنها تعطيه بعدًا فلسفيا مستندًا على النسبية الأخلاقية Ethical relativism. أي أن أي خُلق يعتمد على مكان النشأة وكيفيتها وليس له علاقة بأي بعد آخر، وهنا تكمن الخطورة، فإذا سلمنا بذلك اعتبرنا أن كل ما يطلق عليه أنه خُلق مثل العدل والصدق، هو أمر نسبي، فإنه لا يكون ذا قيمة في ذاته وإنما تبعًا للسائد في المجتمع أو الثقافة التي نشأ فيها الفرد فتكون القيمة نفسها نفعية.

وهذا السائد ليس بريئًا جاء من تلقاء نفسه بل ثمة أيدٍ تتحكم به وفيه، وإذا كانت القوة تستطيع أن تغير المعرفة لدى الناس فهي أيضا تستطيع أن تخلق معرفة أو مسلمات سائدة بين الناس يصعب فكها إذا  لم تأخذ بعض الوقت للتدبر والتفكر فيما يحدث.

إن العالم الغربي اليوم لا يريد إعادة الإنسان إلى إنسانيته، بل إنه يريد تحويله إلى إنسان الآلة والبهيمة، وحتى الخطاب الموجه إلى نفسه مبنيٌّ على هذا التوجه ذاته.

إن العجيب كل العجب أن أصداء مفردة الإنسانية والشغف، والبحث عن الحقيقة وغيرها، ما كانت موجوده بهذه الكثرة في مجتمعات الشباب العرب قبل خمسة عشر سنة تقريبًا، فلماذا ظهرت الآن بهذه الكثافة؟

إن كل ما يحدث يجري تحت ضغط الثقافة العالمية الغالبة، أي الثقافة الليبرالية الأوروبية، وهي بتسللها إلى كل إنسان عبر وسائل التواصل الاجتماعية تجعله -إن لم يكن فطنًا لما يحدث حوله- يفكر بعقل الأوروبي ويرى العالم حوله بعيون خضراء أو زرقاء  أي عيون الأسياد المتحكمين بالعالم.

فردانية بلا أفراد

إن النزعة الفردانية إنما هي منتج أوروبي بامتياز ،  وهي أساس  الليبرالية ولبها وجوهرها  الذي تدور حوله وتتعبد  لأصنامه،  يقول  علي الأمين مزروعي رحمه الله: “إن الولايات المتحدة الأميركية هي أقرب ظاهرة إلى ما قد نسميه الأمه العالمية فهي تضم ضمن مكونها الاجتماعي ليس فقط من كل بلد ولكن من كل لغة ومن كل عرق وكل قبيلة تقريبًا، ولا يوجد بلد في تاريخ البشرية كان أكثر تمثيلًا للجنس البشري أكثر من أمريكا ، ولكن هذا البلد الذي يعتبر ملاذًا للكثيرين في العالم ليس مضيافًا عندما يتعلق الأمر بالثقافة، فأمريكا تستقبل الناس ومن ثم في جيلين تقتل ثقافتهم، ولحسن الحظ فهذا القتل ليس سياسة متعمدة من أمريكا ولكنة نتيجة للديناميكية المجتمعية في أمريكا”

فهل هذا القتل للثقافات الأخرى تجاوز الحدود الجغرافية لأمريكا؟

في إحدى الفصول التي حضرتها في الجامعة تحدثت طالبة أمريكية عن الفكر الغربي وكان مما قالت “نحن الغربيون وصلنا إلى حد كبير من الفكر والحضارة وكانت غايتنا أن نصنع لكل فرد عالمًا خاصًّا به، يتمتع فيه بالخصوصية الكاملة، ولكن ما إن وصلنا إلى ما كنا نصبو إليه حتى شعرنا بوحدة عجيبة وشعور بالحزن لا يمكن أن يوصف، ومع هذا لا يوجد من نستطيع البوح له بصدق عما يقلقنا”

إن الفرداني المقلد المتبع للأسياد يمشي في خطاهم ولو كانوا على خطأ؛ لأنه لم يستطع بعد أن يرى العالم بعيونه وأن يسمعه بآذانه ويعقله بعقله، ويكون حقًا باحثًا عن الحق.

عصر الحداثة وما بعدها والإنسان ذو البعد الواحد

في رواية جورج أوريل المشهورة 1984 والتي تتكلم عن ميل الدولة لتنظيم تفكير الناس وفق ما تريده من مصالح، فتكذب وتغير الحقائق، وهكذا ما يكون اليوم صحيحًا يغدو غدا باطلا، وما يكون اليوم أبيض سيغدو بعد يوم أسود، وكل هذا يجري وفق مسميات مثيرة للضحك والبكاء في نفس الوقت فوزارة الحقيقة هي من تتولى هذه الأعمال، أما وزارة الحب فهي مسؤولة عن قتل الناس وتسميم حياتهم.

ضمن هذه الرواية وأحداثها ثمة حدث مثير للاهتمام، وهي أن لجنة من الحزب اجتهدت لوضع لغة جديدة للاستعمال بين الناس وهدفت هذه اللغة إلى إخراج كثير من كلمات اللغة المستعملة بحجة أنها مترادفات ولا حاجة لنا إليها فما الضرورة في استخدام كلمات كالعشق والوله والهيام إذا كان الحب يعبر عن مضمونها؟  وعندما تختزل اللغة ستختزل تفكير الناس وعند ذلك يتم تسطيح آمالهم ومشاعرهم وطموحاتهم!

لكن ما الضير في ذلك؟ فلتبقَ اللغة لغة رياضية رشيقة بقلة مفرداتها.

جريمة الاختزال

إن اختزال اللغة يعني اختزال الإنسان إلى مستوى يبقى فيه الإنسان عائما في السطح، حاله كحال لوحة استخدمت فيها درجة واحدة من لون الأحمر مثلا، فكما هو معلوم فإن لكل لون درجات متعددة، وكل درجة تعطي معنى وجمالا، وتكامل هذه الدرجات مع بقية الألوان يبث في النفس جمالا فريدا. وكذلك اللغة فإنها ليست مجرد أداة لتوصيل للأفكار فقط، بل هي أعمق من ذلك، فهي وعاء فكري للإنسان به يفكر ويعبر ويشرح ما يشعر به، وكلما كانت الكلمات المستخدمة أكثر دقة في التعبير عن الحالة كلما كان المعنى الذي يصل إلى الشخص أعمق، لكن ما الذي سيحدث إن قلمنا أظافر اللغة وقللنا من المفردات المستخدمة وجعلنا هذه اللغة أكثر علمية كقواعد الرياضيات؟

سيكون التواصل سطحيا مقتصرا على كلمات يتآكل المعنى فيه من كثرة الاستخدام اليومي إلى أن نبقى عائمين في سطح لغوي هش، وتبقى اللغة عاجزة عن وصف عمق الفكرة أو عمق المشاعر، وإذا اختزلت اللغة وبقيت عائمة في سطح لغوي فإن الإنسان وتفكيره نفسه سيبقى سطحيا عائمًا مختزلًا.

وهكذا فإن الأمر سيتجاوز الحال من اختزال اللغة إلى اختزال الفكر واختزال الإنسان، ومن تسطيح المعرفة إلى تسطيح الوجود برمته، وتحويل الإنسان إلى كائن سائل وسطحي.

ومن هنا فإن جملة ما نعانيه في هذه الأيام وخاصة في فترة ما بعد الحداثة هو اختزال القضايا الكبرى في جملة من الكلمات أو في تفسير سطحي لا يعدو تقييمها وفق نظرة خارجية.

لقد أثّر هذا في تعامل الناس مع القضايا الاجتماعية الحياتية، ففي كتبه التي تناول فيها مفهوم السيولة، تكلم أستاذ الاجتماع زيجمونت باومان عن تحول المفاهيم الكبرى وانزياحها لتصبح في تعاملاتنا اليومية مجردة عن معانيها وقد وصفها بانها أصبحت كالماء السائل لا تقف في مكانها لأنها خاوية من المعنى، فما كان سابقًا قيمة كبرى كالحب أصبح اليوم مجرد علاقة سطحية لا تعدو كونها إشباعًا لشهوة مؤقتة، وما كان رابطة بين شخصين كالصداقة أصبح اليوم محكومًا بتقلبات السوق؛ إلا أن أكبر ما يؤرق هنا هو أن تُختزَل القضايا الكبرى وتُسطَّح لتصبح ذات بعد واحد وأفق ضيق، فالإنسان بما فيه من عمق وبما تعتريه من أحوال وما يحكم سلوكه من مؤثرات أخلاقية وعقدية واجتماعية قد تم اختزال قصته إلى تطور، وهذا التطور ليس فقط مقاربة بيولوجية بل غدا نموذجا يفسر ماهية الإنسان وسلوكه وأخلاقه، وكذا الحال في مكانة الدين لدى البشر في أحوالنا المعاصرة فقد تم اختزاله إلى كونه مجرد محتوى طقوسي ثقافي أو قاموسًا للدلالات الأنثروبولوجية.

هذه السطحية أحدثت تغيرات كبيرة على مستويات التفكير والتعامل مع القضايا الاجتماعية ذات التعقيد البالع ومن ثم فقد اختزِل الإنسان إلى مجرد حيوان يتطور كغيره من الحيوانات، ومن هنا صار ينظَر لحالات المثلية الجنسية على أنها أمر طبيعي لا يحتوي على إشكاليات سلوكية أخلاقية بل على أنها نتيجة طبيعية لتأثيرات جينية، أي يتم التعامل معها على المستوى البيولوجي. وعلى هذا فلا إشكالية البتة فيها، وعلى هذا المستوى البيولوجي يتم التعامل مع كل شيء يخص الإنسان، وإذا تم النظر إلى الإنسان من هذا المستوى فلن تبقى هناك قيمة مرجعية أو معيارية وسيغدو كل شيء مشروعًا بالنسبة لحيوان بيولوجي.

حتى الفلسفة!

انسحب هذا الأمر على كثير من مستويات التفكير والمفاهيم الفلسفية، بل إن الفلسفة ماتت كما أعلن الفيزيائي ستيفن هوكينج –رغم أنه كان ذا فكر سطحي في الفلسفة- وهذا طبيعي جدا، لأن الفلسفة تنطلق من مبدأ أن الإنسان كائن مفكّر، وتتعامل معه وفق مستوياته المتدرجة والعميقة، وإن كانت الفلسفة قد ماتت، فهذا يعني أن التفكر والتأمل وغيرها من مصطلحات تعنى بوعي الإنسان لم يبق لها مكان من الإعراب في عالم بيولوجي سطحي..

إن الحرية التي كانت في وقت سابق أساس عصر التنوير والحداثة أصبحت اليوم مفرغة من معناها عندما تم النظر إلى الإنسان على أنه مخلوق لا يستطيع تجاوز قوانينه البيولوجية التطورية.

إنسان المتاهة .. مؤثرو العالم الافتراضي!

في عالمنا المدفوع بالجشع نحو المال والكسب، وفي العالم الافتراضي السطحي المفتوح تصدر الشاشات والمنشورات أشخاص يتكلمون عن كل شيء بشكل سطحي لا اختصاص لهم سوى أنهم من جملة ما أصبح معروفا بـ” المؤثرين” أو ” صناع المحتوى”، ومع كمية الغش الموجود في هاتين التسميتين فإن لهؤلاء الأشخاص سلطة معرفية وعلمية في كافة المجالات تقريبًا، ونظرة على بعض قنوات اليوتيوب نرى مصداق هذا فهؤلاء المتصدرون يتحدثون عن مسائل علمية شائكة أو مواضيع فلسفية معقدة في دقائق معدودة مصدرين الحكم في هذه الأمور دون أن يكون لهم خلفية علمية أو اجتماعية معينة. ومع ضيق وقت الناس أصبحت هذه المقاطع أو المنشورات بمثابة مراجع يستقي الناس منها توجهاتهم

خاتمة لعلها تكون عميقة!

عبر تاريخنا الإسلامي ثمة مدح للصمت، ومدح الصمت ليس باعتباره صمتا بل لأنه وسيلة للتفكير العميق والتأمل الذي يفضي إلى قول ما هو أقرب للصواب وذلك كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) [أخرجه البخاري]، وهذا الأمر أصبح غريبًا في عالم مليء بالضجيج…

التفكر والتدبر والتعقل والتذكر كلها مصطلحات أساسية في تاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة على حد سواء وهي تشير إلى مستويات متعددة من التفكير التي تجعل الإنسان إنسانًا، لكن الأمر اليوم مختلف جدا…  لكن اليوم ثمة اختزال للإنسان وهذا الاختزال يتم لصالح تسطيحه وتسطيح الإنسان يعني قطعه عن السماء وحبسه في عوالم سُمِّيَت زورًا وبهتانا وزارة الحب والحقيقة وليس لها من عمل إلا نشر الكره والخديعة الكبرى.

هل أنا فارغة؟

في عام 2014 نُشر إعلان توظيف في الجرائد وعبر الإنترنت يطلب مدير إدارة عمليات للعمل في مؤسسة تدعى ريهتوم بمؤهلات غريبة لا تتفق مع بعضها البعض؛ مثلًا دكتوراة في علم النفس أو ما يوازيها، مهارات في إدارة الأزمات والكوارث، خبرة اقتصادية…إلخ. تفاعل ما يزيد عن مليوني شخص مع هذا الإعلان لكن في النهاية تقدم فقط 24 مرشح من الرجال والنساء للوظيفة، وتم اختيارهم جميعا لإجراء مقابلة عبر الفيديو. في اليوم الموعود، ظهر رجل ببدلة على شاشة المرشحين وبعد التحية أعطاهم نبذة عن الوظيفة واصفا إياها بأنها أهم وظيفة على الإطلاق ومسؤولياتها متنوعة وأكثر مما يتطلّبه المسمى الوظيفي الحالي، يبدي الجميع اهتماما بهذه المقدمة فيستطرد بمتطلبات عمل لا تطاق، مثل الوقوف والانحناء والتحرك الدائم مع قدرة عالية على التحمل لمدة تتراوح بين ال 135 ساعة المعتادة في الأسبوع إلى 24 ساعة لكل يوم في الأسبوع. تظهر علامات الدهشة على وجوه المرشحين ويحاول غالبيتهم الاحتفاظ بالمظهر المهني في استفسارهم إن كان هناك أوقات للراحة أو الطعام أو عن قانونية هذا المتطلب، فيجيهم المحاور بأنه ليس هناك فترات راحة، وقد يستلزم العمل خلال جميع العطلات الرسمية، وتناول الطعام مسموح به عادة بعد أن يأكل زميلهم في العمل، وهذه بالطبع متطلبات قانونية تماما! وتتواصل طلبات العمل المعجزة بأنهم يبحثون عن شخص لديه قدرة على التفاوض وإلمام بمسائل طبية وإدارة مالية وفنون طهي وباستطاعته المراقبة التامة لزميله خلال نومه في بيئة فوضوية. باختصار هم يريدون شخصا مستعد للتخلي عن حياته والعمل يوميا دون توقف، وكل ذلك مقابل أن تدفع له أو لها المؤسسة صفر دولار مع وعد بأن المشاعر التي ستغمر الموظف بسبب مساعدة زميله لا تقدر بثمن! هنا يتخلى المرشحون عن مهنيتهم وتبدأ اتهاماتهم لهذه الوظيفة بأنها غير إنسانية وقاسية ومجنونة، غير مصدقين أن مثل هذه الوظيفة موجودة ودون دفع مقابل أيضا. فيصدمهم المحاور بأن هذه الوظيفة حاليا مشغولة وهناك المليارات من النساء في العالم يمارسنها، ويطلق عليها اسم (الأم).

عمل بلا مقابل مادي

كانت هذه مقابلة خادعة روجت بها وكالة إعلانات في بوسطن تسمى (مولن) دعاية قوية لبطاقات معايدة في يوم الأم ونشرتها تحت وسم #أصعب_وظيفة_في_العالم، وقامت الوكالة التي ابتدعت (ريتهوم – عكس كلمة أم بالإنجليزية) بتسجيل انطباعات المرشحين المستهجنة ومشاعرهم ودموعهم الحقيقية بمجرد ما تراءت في مخيلتهم صور أمهاتهم من خلال ما وصفوه بأنه مستحيل تماما.

تقول الوكالة إن الفكرة جاءت بعد أن زارت إحدى موظفات قسم الإبداع -ليس لها أولاد- منزل أخيها لتقضي بعض الوقت مع عائلته وتابعت انشغال زوجته المتواصل بأطفالها لدرجة أنها لم تستطع التوقف للراحة. وعندما عادت للعمل من رحلتها قالت لزملائها: حقًّا إن أصعب وظيفة في العالم هي وظيفة الأم، وهكذا، زادت أرباح موكلي الدعاية وكانوا سعداء بالفكرة وتطبيقها، حتى أن منافسي الوكالة أغدقوا عليها بالثناء.

الأمومة والنسوية .. المواجهة العاصفة!

لكن لم تكن الحال كذلك مع حركة النسوية وتمكين المرأة وإلغاء التمييز الجنسي. أظهر تأثير هذه المقابلة على الناس الوجه البشع لهذه الحركة. وانطلقت موجة من آراء النسويات المتفاوتة في التطرف في مقالات الصحف والمجلات مستمرة حتى اليوم في مهاجمة دور الأم غير العاملة بشكل غير مباشر عبر التقليل من شأنها وتضحيتها. النقاط الأساسية لجدالهم في أن الأمومة ليست أصعب وظيفة، سواء من حيث إن دور الأم هو عمل شأنه شأن أن تكون زوجة أو ابنةً، وليست وظيفة لها رب عمل ومردود مالي، ومن ناحية أن الترديد بتضحية المرأة من أجل أطفالها هو عبارة مستهلكة وضعها الرجال في عقول النساء حتى يلازمن المنزل، لكنها ليست تضحية هي فقط تشريف للأم واحتفال بجسدها الأنثوي؛ إضافة إلى أن الاعتناء بالأطفال مسؤولية مشتركة بين الأب والأم، أو (الأبوين) أو (الأمّين) وأنه لا مجال للطموح والمنافسة في العناية بالأطفال وتربيتهم كما هو الحال في الوظيفة، بمعنى أن حياة الأمهات فارغة!

إذا اطلعت على بعض هذه المقالات سترى أيّ تخبط وتناقض في الطرح والجدال، وأيّ جحود ما بعده جحود للأمهات وفضائلهن! يقولون العناية بالأطفال هو عمل للمرأة والرجل بالتساوي لكن النسويات يطالبن بدعم الأمهات بإجازات أمومة طويلة وساعات عمل مرنة للتوفيق بين هذا (العمل) والوظيفة!

يقولون الأمومة ليست أصعب وظيفة، لكنهن يصفنها بعمل مرهق جسديا ومتعب نفسيا! يدعّين أن أغلب الأمهات لا يشتكين من هذا العمل لكن الأطفال يدفعون الأمهات للجنون أحيانا ويطلبون دعما لحق الأم في التعبير عن مأساتها! يوضّحون أنها ليست وظيفة بالمعنى المتعارف عليه، حتى لو كان هناك من يعمل في دور الحضانة بالأطفال بمقابل مادي كي تعمل الأمهات بمقابل مادي أكبر!

يتشدقون بأن الأمومة لا تشبع الطموح الأهم في منافسة الرجال وتحديهم لكن المرأة تحتفظ بحقها في الإنجاب متى شاءت لإشباع غريزة الأم لديها فهي عميقة الأثر ومُرْضية! يريدون تمكين المرأة وإظهار قوتها في مضمار الرجال، بإخراجها من التربية المنزلية لتتفرغ لاختراع علاج لسرطان ما، أو تفكيك متفجرات، أو إطفاء حرائق آبار النفط، لكن في سبيل حصول ذلك تزج مئات الملايين من النساء للانضمام إلى الطبقة العاملة الكادحة بأجور زهيدة وبالكاد تكفي معيشتهن بعد تحصيل الضرائب؛ فكانت المحصلة أن النسويات لا هنّ استطعن تربية أطفالهن على النحو المطلوب ولا حصّلن أجورهن بالقدر الذي يبرر مشقة التوفيق بين العمل والمنزل.

النسوية .. حركة تحرير أم منتَج رأسمالي؟

لا شك أن هناك أمثلة على نجاحات فردية، وإنجازات حقيقية للبشر لكن ماذا عن عموم النساء وماذا تخسر المجتمعات في المقابل ومن المستفيد حقا من هذا التشتت؟

في مقال نشرته صحيفة الغارديان بعنوان “كيف أصبحت النسوية خادمة للرأسمالية؟”، النسوية نانسي فريزر -بروفيسورة الفلسفة والعلوم السياسية والاجتماعية- فكان لها تصريحات خطيرة عن انحراف مسار النسوية وتواطؤها مع النيولبرالية، حيث اعترفت الفيلسوفة الأمريكية أن حركة النسوية الأولى كانت تتوقع نتائج أخرى بانتقاد سياسة الرأسمالية في (أجر الأسرة) التي تعتمد على الزوج كمعيل رئيسي للأسرة والزوجة كربّة منزل؛ مثل ازدياد دخل الأسر والأفراد على حد سواء وتضامن الجميع في وجه طبقية الرأسمالية بحيث يعم الخير وتزدهر المجتمعات دون استثناء. لكن هذا الانتقاد أساءت استغلاله الرأسمالية، لتصنع من النساء (العازبات، الزوجات، الأمهات، المطلقات) عاملات بالأجرة تحرك الدولة نحو اقتصاد وسياسة خارجية أقوى دون اعتبار للأجور الزهيدة، أو الأمان الوظيفي، أو الاضطرار لعدة نوبات عمل بساعات طويلة. فكانت النتيجة ازدياد فقر الأسر ذات المعيل الواحد وتزايد مشاكلها الاجتماعية.

وعلى ما يبدو، الحركات النسوية الجديدة صادقت على ذلك لتصبح نيولبرالية متناقضة مع أهداف الحركة الأصلية، وهنا تقول فريرز: “أخشى أن تكون حركة تحرير المرأة متورطة في ارتباط خطير مع الجهود النيولبرالية لبناء مجتمع السوق الحرة. هذا من شأنه أن يفسر كيف حدث أن الأفكار النسوية التي كانت تشكل في يوم من الأيام جزءًا من رؤية عالمية راديكالية أصبح يتم التعبير عنها بشكل متزايد بمصطلحات التفرد. كانت النسويات ينتقدن فيما مضى مجتمعًا يشجع النزعة في التطور الوظيفي على حساب كل شيء، فإنهن الآن ينصحن النساء بأن يقدمن مصالح الشركات دعما لطموحهن المهني. الحركة التي كانت ذات يوم تعطي الأولوية للتضامن الاجتماعي تحتفي الآن برائدات الأعمال. إن المنظور الذي كان ذات مرة يُقدّر الرعاية والاعتماد المتبادل يشجع الآن التقدم الفردي والجدارة”.

بين الحلم الأمريكي .. والهدف الإيماني!

هناك فرق أساسي في تربية الآباء والأمهات لأولادهم وبناتهم في الغرب المتحرر عن التربية في الإسلام. ويعد هذا الفرق من تداعيات الاقتصاد على بنية وعلاقات الأسرة التقليدية. فالأسرة المتحررة تسعى بشكل رئيسي على تربية الطفل بهدف الاستقلال عنها ماديا في سن مبكرة واختبار الحياة بمفرده. ويترتب على ذلك إفراد خصوصية للطفل وتشجيعه على العمل لزيادة مصروفه، في خطوات حثيثة لانفصاله وتحقيقه لنفسه ما يدعى بـ “الحلم الأمريكي”.

ولأن الدولة العلمانية الرأسمالية لها حق الوصاية على الأطفال في تنشئتهم على احترام القانون وتشريعاته الليبرالية في المناهج التربوية، فليس هناك الكثير من الأخلاق والفضائل التي يمكن للفرد أن يوليها اهتماما في ظل التحرر من الأديان وتقدير قيم الماديات بالدرجة الأولى، ومن هنا تصبح العلاقة الأسرية بين الأبناء والآباء تحكمها مصلحة العيش بحجة الاعتماد على النفس، فلا يتنازل فيها طرف عن مال للآخر.

ويظهر ذلك جليا في إحكام التصرفات الأخلاقية وفقا للمنظور المادي وليس التربوي. وأبسط مثال على ذلك أن التهذيب من متطلبات العمل مع الزبائن لضمان الوظيفة ومقابلها المادي وليس تربية منزلية يفترض أن يحملها المرء أينما ذهب. وهذه نقطة فصل جوهرية بين الأخلاق والمادة، تستوي فيها التصرفات اللاأخلاقية وتتعاظم بتعاظم المردود المادي. خاصة بعد أن يرى الفرد ظلم القانون الرأسمالي في الفجوة المادية طبقيا، فتنهار أهم أسواره التربوية ويستحل كل شيء لنفسه إلا شيئا واحدا، مقاومة هذا النظام الطبقي وتغييره. بل يصبح جزءا من منظومة تطبيقه على الجميع محاولا التسلق على أكتافهم كيفما سنحت له الفرصة.

تربية الأم الإسلامية هي حصن الأطفال من فساد المجتمع ومكمن تطهيره. إن قوة المرأة الحقيقية التي يعجز عنها الرجال تكمن في حماية بنية الأسرة وتهيئة جيل ينهض بالمجتمع ويحارب الطواغيت. إنهم يحقّرون حملها أعباء المنزل ويقولون عنها فارغة لأنها فقط أم ومربية منزلية، بل هم الفارغون عقلا وهي المتفرغة فعلا لهدف وطموح أسمى من مجرد أمجاد فردية تصفق لها الأنظمة الرأسمالية وتجمع المال من خلفهن.

حقًّا

ملأى السنابل تنحني في تواضع *** والفارغات رؤوسهن شوامخ!

يخشون من تفرغ الأم المتعلمة لتربية الأبناء والبنات على الفضائل والأخلاق، على الالتزام بتعاليم الدين، على رفض ابتزازهم في شهواتهم وابتداع أهواء خاوية يتبعونها أبداً، على رفض الظلم والانتقام للمظلومين، على تقدير حريتهم والتصدي لمن يستعبدهم.

ألم يقتل فرعون أطفال بني إسرائيل خشية أن يربى في كنف أمه من يطيح بعرشه؟ أليست عاطفة الأمومة من منعت فرعون من تنفيذ مخططه؟ ألم يقدّر رب العزة تربية موسى عليه السلام في كنف أمه آسية بنت مزاحم دون أن يؤثر عليهما طغيان فرعون وزبانيته؟ إنها الأم بعاطفتها الجياشة ورأفتها بعثرات أطفالها، تحميهم بنفسها ولا تبالي، تشعرهم بالأمان وتشجعهم على الحق في كل أمر. ضعاف هم الأطفال لكنهم كامنون تحت أجنحة أمهاتهم حتى تأتي لحظة انطلاقهم في المجتمع، فيرتقون به وعلى رأسهم الأمهات، كل يؤدي دوره في الإصلاح، فـ “الأم مدرسة إذا أعددتها؛ أعددت شعبا طيب الأعراق”.

لماذا تهدر هذه الطاقات الإصلاحية في وظائف من السهل إيجاد من يشغلها من الرجال؟ قد يفرض واقع الحياة العمل على المرأة، لكن يجب ألا يطغى ذلك على دورها الأساسي فيصبح خيارها الأول الاستقلال بذاتها حتى بعد الزواج والإنجاب، ففي ذلك تفويت لأجر عظيم وفرصة لتصحيح هذا الواقع للجميع. وقد تفرض الحياة على صاحبة المهنة تركها من أجل تربية الأطفال، أفلا نعطيها نحن الرجال فرصة لتظهر طاقتها في تغيير المجتمع للأفضل داخل مضمارها دون مقارنتها بالأخريات وإطلاق أحكام على مظهرها ولباسها، وتجاوز أي تقصير في مهامها، ومد يد العون لها، وتشجيعها؟ نحتاج فعلا لتقدير هذه الجهود ومباركتها والتذكير بأهميتها دون القياس على المدخول المادي. كما يتوجب علينا بحث حلول عملية تدعم الأسر ذات الدخل الفردي بحيث تعين المرأة على اعتناق دور الأم الحقيقي فهو حمل عظيم..


مصادر ومراجع للاستزادة

https://www.salon.com/…/motherhood_isnt_the_worlds…/

https://www.mic.com/…/why-that-viral-world-s-toughest…

https://www.nytimes.com/…/motherhood-family-sexism…

https://motherwellmag.com/…/is-raising-children-the…/

https://time.com/65207/viral-video-worlds-toughest-mom/

https://www.theguardian.com/…/feminism-capitalist…

https://www.mullenlowegroup.com/…/the-worlds-toughest-job/

إنما نحن مصلحون!

لعل أهون الخطايا في نظر المسلمين اليوم هو التفريط في المحافظة على الأرض ونظامها البيئي المتزن بتقدير من خالقها تبارك الله أحسن الخالقين، وبالرغم من أن هذا الوزر الذي يساء تقديره قد ارتبط بخطيئة عظيمة كالقتل عندما استفهمت الملائكة عن حكمة بارئ الإنسان من استخلافه في الأرض كما قال تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} [البقرة: 30]، فلا يدرك الكثير منا نحن الموكلّون في أعمالنا على الأرض كيفية الحفاظ عليها رغم أنها حديث الساعة في اجتماعات قادة الأمم.

وربما يحتفظ كل منهم بدرسه الأول فقط عن تعليمات النظافة فيلقي المخلفات في سلة المهملات ويعيش على ذلك حيناً من الزمن دون أن يعلم أن ما يستهلكه بإفراط هو في الحقيقة ما يفسد الأرض اليوم من كهرباء وطعام ومواد تجميل والبلاستيك بمشتقاته وخدمات الحوسبة السحابية وغيرها مما يعد من الأساسيات والكماليات على حد سواء.

السعي للاستدامة!

لعلنا في العقدين الأخيرين سمعنا الكثير عن الطاقة النظيفة المتجددة وعن المواد الغذائية مستدامة المصدر، لكننا نتساءل لماذا لا نجد ربطًا بين مخرجات المؤتمرات العالمية عن حلول الاستدامة وأهدافها في الخطاب الديني ومقاصده وكأن الأمر لا يعنينا نحن من أُمرنا بعمارة الأرض وحُمِّلنا الأمانة؟

حقًّا كان الإنسان ظلومًا جهولًا، ألم يظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس؟ أليس ذلك بإنذار يوجب أن نبحث علل فساد الأرض وننأى بأنفسنا عن أن نكون سببًا في إحداث هذه العلل على أضعف الإيمان منا؟

لَم يتردد صدى حلول الاستدامة -التي تعنى بحفظ التنوع الحيوي البيئي- على المستوى العالمي إلا على أعتاب القرن الواحد والعشرين، والسبب في ذلك يعود بشكل أساسي على هيمنة تجارة وصناعة الوقود الأحفوري للطاقة من الفحم والنفط والغاز الطبيعي، والتي أثرت على سياسات الكثير من الدول. كما غيرت التاريخ الحضاري لبعض هذه الدول تباعا، فتراجعت دول وتخلفت بعد أن كانت متقدمة، وتطورت دول وتقدمت بعد أن كانت متخلفة.

هب أن أوراق بحث مشاريع الطاقة النظيفة مثل خلايا الشمس الضوئية وتوربينات الهواء والأمواج وغيرها قد حظيت باهتمام ودعم كبير خلال القرن الماضي لتجد تطبيقاتها النور مبكرا، ألم يكن ذلك ليضع الأرض في حال أفضل من ظاهرة الاحتباس الحراري اليوم مع احتمال بقاء دول بأناسها على وجه البسيطة؟ على أية حال فإن الشركات النفطية الكبرى لم تكن لتسمح بذلك حفاظا على حصتها السوقية وسلطتها السياسية والاقتصادية. ولو أنها ظاهريا مولت أبحاثا للطاقة المتجددة رفعا للعتب، فقد كانت تضع نتائج الأبحاث في الأدراج وتتعلل بالكلف العالية وصعوبة إرجاع رأس المال كما دلّلَ على ذلك في الفيلم الوثائقي الشهير روح العصر (Zeitgeist) وها هي اليوم تتجرع البشرية كأس المرار بعد أن بدت مآسي فساد الأرض والخلل البيئي واضحة على مجتمعاتنا، وقد تداعَت مملكة الحيوانات بتنوعها البيئي إثر ذلك كما نرى في شهادة (السير ديفيد أتينبوروغ) المؤرخ الطبيعي. وهذه كبرى شركات النفط تسجل ضدها أعدادا غير مسبوقة من القضايا بحسب الخبر في صحيفة (الغارديان) والتهمة إخفاؤها جميعا سرا خطيرا يوازي ما أخفته شركات التبغ فيما مضى من ضرر السجائر على الصحة. فقد أوضحت تسريبات كثيرة أن العلماء في هذه الشركات النفطية بحثوا سابقا التأثير المدمر للمخلفات الملوثة ورفعوا تقارير إلى مجالس الإدارات عن الخطب الجلل في التغيير المناخي والذي ستعانيه الأجيال القادمة، لكن ماذا نفعل مع جشع الإنسان وسكوته على حساب الناس والأرض!

اتفاقيات ومحاولات

قبل فوات الأوان وتزامنًا مع ظهور علامات نضوب الوقود الأحفوري، أدركت الحكومات والمنظمات السياسية التهديد الحقيقي للبشرية في البقاء وبدأت تدريجيا ببذل جهود كثيفة مع بداية الألفية لبحث حلول الاستدامة في كل شيء تقريبا؛ كالزراعة، والبناء، والصناعة…إلخ بحثا عن التوازن الثلاثي بين احتياجات الاقتصاد، والمجتمع، والبيئة، أي أن الإنسان ضمنيا ما زال يضع احتياجاته العصرية بكمالياتها أمام النظام البيئي الذي يحويه ويعيش فيه.

وما تزال سياسات الدول وصناعاتها تحكم القرارات لصالح قوتها ونفوذها عالميا بالرغم من توقيع اتفاقية بروتوكول كيوتو لتخفيض الانبعاث الكربوني في أواخر القرن الماضي والتي بالمناسبة لم تصادق عليه الولايات المتحدة الأمريكية. بموجب هذه الاتفاقية فرضت ضرائب على انبعاث الكربون بحسب ما تراه الحكومات مناسبا لتحقيق نسبة الانخفاض المنوطة بها، وألزمت بعض الصناعات بشراء ائتمان كربوني لدعم مشاريع تخفيف انبعاثات الغازات الدفيئة مثل (بخار الماء، ثاني أكسيد الكربون، الميثان، والأوزون) في الغلاف الجوي.

قد تكون لهذه الخطوات إيجابيات تساعد في إبطاء وتيرة الاحترار على سطح الأرض لكن لها سلبيات في التطبيق فقد تنقلب هي الأخرى لتجارة تهتم لتقليل المصاريف ولا تهتم لانبعاث الكربون بالدرجة الأولى. وإلا ما معنى دفع شركة (نستله) ائتمان كربوني لبعض أفرعها بعد فضيحة دعمها استغلال وجرف الغابات المطيرة لزراعة تموينها من زيت النخيل والذي يعد أساس منتجات الحلويات في شركاتها! إذ إن الغابات المطيرة مهمة جدا وتعتبر بمثابة رئة الأرض في تنفيس ثاني أكسيد الكربون بالبناء الضوئي والمحافظة على المناخ ومنع التصحر والكثير من المهام التي لا يمكن للإنسان أن يقدرها يثمن إزاء عجزه عن إيجاد بديل لها.

أفسِد دون توقّف!

يأتي الإنسان المفسد ليضع ثمنا بخسًا لتربة الأرض الخصبة لهدف تخريبي آخر، كأن يزرع نخلا في غير محله وينتج زيتا ضار صحيا لكنه مربح جدا تجاريا. بمعنى آخر إصلاحات الإنسان تتجنب معالجة جذور المشكلة من أساسها وتحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه من الآثار دون التنازل عن رفاهيات العيش المترفة للمستهلكين.

هل سمعت بمصطلح (تأثير الفراشة) الفيزيائي؟ بشكل مبسط، هو مصطلح يعنى بتأثير المحفزات الصغيرة على نظام معقد ضمن دراسة السلوك الفوضوي والتنبؤ بمتغيراته. هناك إجماع تام دون أي شبهة على أن النشاط البشري على كوكب الأرض هو السبب الأول بشكل رئيسي على اختلال التوازن البيئي وارتفاع نسبة الغازات الدفيئة. ولا أدَلَّ على ذلك من أن هذا الإنسان بتصرفاته الأنانية دخيل على هذه البيئة التي ما من شيء فيها إلا يسبح بملكوت الله تعالى وينتظم بتقديره. إذا نُهي عن فعل؛ سخِر من تعظيمه واستصغر نتائجه. وما هذه الأفعال الصغيرة إلا كرفرفة الفراشات تتطور تداعياتها مجتمعة لتصبح إعصارا مدمرا.

خذ مثلا شراء الأطعمة، أليس الاستهلاك المفرط للّحوم هو سبب رئيسي لزيادة نسبة الميثان الصادر من مخلفات المواشي؟ وأيضا مدّ المسطّحات الخضراء لها على حساب الأشجار لتحويلها لمراعي؟ التفاصيل بالأرقام تجعل منظمات حماية البيئة تشعر بالخجل من إنكارها الأمر لسنوات طويلة تحت ضغوط وتهديدات من ملاك تجارة المواشي كما سترى في الوثائقي(Cowspiracy)

وماذا عن استهلاك الحلويات المصنعة؟ قلة هم من يبحثون عن شهادات الامتثال للاستدامة في الزراعة والتصنيع في تلك المنتجات على أضرارها الكثيرة مقارنة بفوائدها، أو استهلاك الأسماك من مصادر مسؤولة تمتنع عن الصيد الجائر وتجريف الحياة البحرية دون مراعاة للبيئة والتنوع البيئي. قد تصاب بصدمة إن شاهدت وثائقيات مثل (Dominion) عن حياة المواشي البائسة وكأنها مواد تحضير بلا إحساس، خاصة إن كانت في بلد شيوعي وملحد عموما لا يُرحم الإنسان فيه فكيف بالحيوان طعاما له. قد تقول: وما لنا ومال الأطعمة التي لم تذبح على الشريعة الإسلامية؟!

هنا نجيبك أنه إن لم ينتهِ هذا الشيء في طعامك فإنه سينتهي في منتج آخر تستهلكه. مثلا دهون الأبقار تستخدم في أحمر الشفاه ومساحيق التجميل والكريمات والصابون ومعجون الأسنان والمتفجرات وكوقود حيوي لطائرة نفاثة أيضًا. وهذا استثمار شاسع لاستغلال أحشاء الحيوانات في تجارات لا تعد من الأساسيات في الحياة وتزيّن للناس على أنها كذلك فتستهلكها بكثرة مما يوجب تكثير المواشي وبالتالي تهديد الأرض والبيئة.

حين تسهم التكنولوجيا في إفساد الحياة!

عندما نتناول موضوع استهلاك الكهرباء على المستوى الشخصي، فنحن لا نتحدث عن توفير الطاقة في تشغيل الإضاءة والتكييف. فذلك يهون مقارنة بما نحن اليوم بصدده من تحول تام للإنترنت والتخزين والمعالجة السحابية والتعدين والكثير من الخدمات الإلكترونية والتي ترزح خلفها مراكز لخوادم تشغيل بيانات ضخمة في جميع أنحاء العالم وتعمل باستمرار دون انقطاع حتى خلال الإصابة بالأعطال أو الصيانة.

ليس هناك إحصائية ثابتة تشير لحجم استهلاك الكهرباء المتنامي لهذه المراكز في العالم، لكن تقدير الاستهلاك بحسب أعداد وحجم تلك المراكز يبين أرقاما مخيفة للغاية. بحسب موقع مجلس الطاقة الأسترالي، هذه المراكز تستهلك 200 تيرا واط ساعية في السنة. بعبارة أخرى، تقدر طاقة هذه المراكز بـ 22.8 جيجا واط، أي ما يمكنه تمديد أكثر من 17.1 مليون منزل بالكهرباء. إن كنت تتساءل ما علاقة كل ذلك باستهلاكك من الانترنت، بحسب الموقع ذاته 90% من البيانات المتاحة اليوم على الشبكة العالمية حمّلت فقط خلال السنتين الماضيتين، هل لك أن تتخيل ذلك؟ 50% من استخدام الشبكة عن طريق الهاتف الذكي، مع كل ضغطة وسحب في جهازك قامت الخوادم بمعالجة طلباتك للمعلومات. إن خمنت جيدا، فإن أكثر البيانات استهلاكا هي مقاطع الفيديو وألعاب الفيديو. وكلما زادت جودة التصوير و(الجرافيكس) وامتدت المشاهدات واللعب لساعات، زاد الحمل على معالجات الخوادم، وزاد استهلاكها للكهرباء. وبالطبع يزيد الانبعاث الحراري منها مما يتطلب تبريدها وصرف المزيد من الكهرباء. من هذا المنظور، هل يحقق تطبيق مثل (التيكتوك) أو لعبة مثل (ببجي) أي فائدة حقيقية تذكر في مقابل تحمل عواقب إهدار هذه الطاقة؟

أما التحول للعملات الرقمية فسيجعل الأمر أسوأ بكثير، وكلما زادت قيمة العملة الرقمية مع مضاربات السوق، زاد السعار خلف تعدينها وتسجيل تبادلها واستهلاك الكهرباء إلى حد بعيد، بل إن تبادل عملة البيتكوين الرقمية وحده لسنة 2021 صرف طاقة تفوق كل مراكز البيانات في العالم مجتمعة والتي سبق ذكرها! وتدفق التبادل هنا ليس بهدف المنفعة كشراء الحاجيات كما هو المفترض من وجود العملات إنما المتاجرة بها كالأسهم في البيع والشراء بخلاف أنه لا مشاريع تنموية أو بضاعة خلفها سوى مصلحة من أنتجها وتاجر بها أو بمؤشراتها.

كل ذلك يطرح أسئلة بشأن استخدامنا التقنيات انطلاقا من الحاجة الأساسية لمشاركة العلم في أهداف تعود بالنفع على الجميع، وليس تسلية الخلق أو خلق بدائل لأساسيات لا يتم حقا التعامل معها كبدائل. فكيف إذا كانت هذه التقنيات تواجه تحديات غير معلنة وهي تعد اليوم واحدة من أسرع القطاعات إنتاجا لغاز ثاني أكسيد الكربون ويقدر أن تستهلك خمس طاقة العالم الكهربائية بحلول عام 2025؟

إدمان الاستهلاك

كثرت الدراسات التي تبحث تحسين مشتريات المرأة لمزاجها، هل سمعت عن مصطلح العلاج بمحلات التجزئة (Retail Therapy)؟ تقول إحدى هذه الدراسات أن ارتفاع مستوى الدوبامين لدى النساء عند النظر للبضائع خلف النوافذ أو تعبئة السلة الإلكترونية في التبضع الإلكتروني، هو نتيجة فقدان سيطرة المرأة على بيئتها من حولها. لذا تتخذ القرارات في تبضع الكماليات لتشعر بإعادة السيطرة. ليس غريبا إذًا أن تتصدر النساء في الولايات المتحدة مشتريات المستهلك على الرجل بنسبة 85%.

لقد أصبحت المرأة رقما صعبا في التأثير على إنتاج العالم للبضائع وتسويقها حيث يقدر صرفها لسنة 2020 بـ 31.8 تريليون دولار بنسبة زيادة 50% عمّا كانت عليه قبل 10 سنوات. ولا تنفك هذه الدراسات عن التحذير من خطر تحول هذه العادة الشرائية لإدمان حقيقي في ظل التحديات التي تواجه ثقة المرأة في نفسها مقارنة بما يعرض يوميا من مقاييس جمال للوجه والجسد والموضة أينما ولّت وجهها. لدرجة أن أصبح هنالك ظاهرة نفسية يطلق عليها مصطلح تأثير حمرة الشفاه (Lipstick Effect) وهو يشير إلى تعزيز مواد التجميل ثقة المرأة بجاذبيتها ورفع مستوى كبريائها.

نتيجة لذلك، تقدر تجارة مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة وحدها بـ 517 مليار دولار. ما يعنينا هنا أن شيء ثانوي لحياة الإنسان قد أصبح من أساسيات العيش. وبحسب (British Beauty Council)  فإن واحدًا من كل ثلاثة أشخاص لا يعلم حقيقة أصل المواد الداخلة في إنتاج مستحضرات التجميل، وخطورة سمّيتها وتأثير تصنيعها والتخلص منها في المراحيض على البيئة لأنها غير قابلة للتحلل في التربة والمياه وتعود إلينا عبر الأمطار والزراعة. ناهيك عن تدميرها البيئة وقتلها التنوع الحياتي فيها. ولأنه يصعب احتواء هذه المواد في عبوات قابلة للتحلل نظرا للكيماويات الداخلة في تركيبها، فإن الأرض تعاني من 120 مليار عبوة تجميل سنويا تزاحم الطبيعة. وهذا كله فقط مثال على منتج واحد مما يتم استهلاكه بإفراط دون حاجة ملحة حقيقية، فكيف إذا تكلمنا مثلا عن شراء أعداد من الأحذية مختلفة الألوان والملمس، أو تشكيلة الملابس الجديدة للصيف أو الشتاء، أو الحقائب النسائية المثالية لكل لباس ومناسبة؟

فتنة الموضة!

لعلك لن تصدق أن صناعة الموضة وحدها تعد ثاني أكبر ملوث للبيئة بنسبة 10% من انبعاثات الكربون و20% من المياه المهدرة. ولا يبرر للملابس كونها من الأساسيات فقد أصبح تصنيعها في دول نامية هو وسيلة لتفادي قيود اتفاقيات حماية البيئة وإنتاجها بمواد رخيصة تنتهك حرمة الحياة على الأرض ثم لا تلبث أن تعود الملابس نفسها لتكتم على أنفاس الأرض بحجة أنها لم تعد تماشي الموضة أو بهتت طباعتها وتمزقت زركشاتها.

أليس من الأجدر أن تصنع الأساسيات لتبقى مدة طويلة عوضا عن أن تصنع لتواكب أحدث التطريزات الموسمية أو (الترندات) العالمية؟ وما هذه الأمثلة البسيطة إلا لتسليط الضوء على مشكلة عظيمة في تصرفاتنا وعاداتنا دون دراية حقيقة بمغبة الاستمرار فيها. فأي جولة في مركز تسوق كبير لمعاينة البضائع والخدمات، ستخرج منها بنسبة قليلة من مستلزمات الحياة الحقيقية مقارنة بالكم الهائل من الكماليات!.

وأي جولة في المدينة ليلا ستوضح لك الفرق في نسبة استخدام الكهرباء في المنشآت الخدمية الضرورية مقارنة بالمطاعم والملاهي والنوادي الليلة. وأي تصفح في الانترنت والتطبيقات المبنية عليه ستلمس فيه ضآلة المفيد من العبث، واستهلاك الكماليات المفرط كما أظهرنا له ثمن فادح. كما أن استهلاك الأساسيات دون مساءلة مصدرها سيجر ويلات على أحفادنا وربما أولادنا قريبا.

على خطى الهادي

من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وشمائله المحمدية تحريم قطع الأشجار في الحرب، ومن هديه أيضا أمره أن نغرس الفسيلة –الشجيرات النامية حديثًا- ولو رأينا الساعة تقوم. كما أمرنا ألّا نسرف في الماء في الوضوء والطهارة وأن نتجنب التبول في الماء الجاري والدائم، وأن نرحم الحيوانات ولا نلعنها ولا نجوعها ولا نكويها ولا نفجع الوالدة بتفريقها عن ولدها وأن نريح ذبائحنا.

إذا كان هذا من هديه صلى الله عليه وسلم، فكيف نرتضي إذًا استهلاك الضرر على علمنا بإضراره؟

العادات الشرائية هي مدعاة التصنيع وطريقة تشكيله، ومقاطعة البضائع المشبوهة هي أفضل وسيلة لفرض سياسة جديدة على تصنيعها وإنتاجها. نحتاج أيضا لمراجعة عادتنا الاستهلاكية وبحث احتياجاتنا الحقيقية بعيدا عما تمليه المظاهر أو تستجديه أهواءنا أو ترتضيه أطماعنا. كل مجهود صغير يدخل في حسبة المحفزات سواء بالكم أو التأثير كما بيّنا.

نعم، ليست وظيفتك أن تحل مشكلة التلوث في الأرض والبيئة، ويستحيل أن تحلها وحدك. لكنك تستطيع أن تكون قرميدة في سد مانع يحفظ الماء من الهدر، وستحاسب على صمودك في ذلك وحدك. ولو خالفت كل الناس في تصرفك، سيأتي كل واحد منهم وزره بقدر ما أهمل وأعرض ولو ظن نفسه مصلحا، ولن تزر وزرهم على الأقل. لا تحتاج لأن تكون إنسانا مثلهم لتفعل ذلك، بل تحتاج لأن تكون مؤمنا. قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11- 12].


مصادر  ومراجع للتوسع

https://www.youtube.com/watch?v=rnRyVK7HqJE

https://www.newcastle.edu.au/…/david-attenboroughs…

https://www.theguardian.com/…/climate-crimes-oil-and…

https://www.businessinsider.com.au/surprising-everyday…

https://www.energycouncil.com.au/…/big-data-a-big…/

https://www.abc.net.au/…/bitcoin-has-a-climate…/13210376

https://www.self.com/…/amount-of-money-women-spend-on…

https://blog.marketresearch.com/global-skincare-market-to…

https://health.clevelandclinic.org/retail-therapy…/

https://girlpowermarketing.com/statistics-purchasing…/

https://www.sustainyourstyle.org/old-environmental-impacts

 

 

طغيان المادة على القيم

من المؤسف أننا نعيش اليوم زمن المادة وأن المعيار الطاغي على سائر المعايير في هذا العصر هو “المادة” وبالتالي فقد بات من النادر الاحتكام إلى القيم الروحية والمعنوية في سياق التعامل، بل إن القليل من الناس يعرفونه، إلا أن حياتهم تكون أجدى وأسمى، فحياة القيمة أرقى بكثير من حياة المادة، وهي الأساس لجميع الرسالات والحضارات وهي الضامن الوحيد لبقاء الإنسان الفطري الذي يعرف معنى الإنسانية.

من المؤكد أنه بوسعنا الحصول على تعريفات مختلفة للقيم والمادة، إلا أن محاولة شرح هذه المعاني لإنسان اليوم أصبح أمرًا معقدًا، حيث إن كل شيء حولنا اليوم يلمع ويبرق بألوانه الزاهية، إلا أن إدراك القيمة العالية أو المتدنية المرتبطة بهذا الشيء صار أمرًا عسيرًا فقد سلبت ثقافة التشييء من الأشياء قدسيتها.

بين القيمة والمادة

لو أننا أردنا تعريف القيمة، فإن الأقرب وصفها بأنه الشيء الجوهري الذي يمنح الفرد أو المجموعة أو الفكر مكانة خاصة لدى العموم، وتكون المعايير ههنا معنوية ذات آثار ملموسة كالتربية والأخلاق والأسرة والمجتمع والدين والفكر، فالقيمة في جوهرها هي أساس الإنسان والأمة، وهي التي تُشعِره بإنسانيّته، كما أنها الأساس الذي ينتج الأخلاق والأفكار أي أنها أساس الفكر الحضاري والديني في المجتمعات على مر التاريخ.

أما المادة فهي في جوهرها الشيء المؤقت والمستهلك، أو ما يمكن تبديله وتغييره بسهولة، وبذلك فإنه ما إن تنتهي إنتاجيته المادية والحسية يزول بريقها وتستبدَل بما سواها، فلا يكون لها قيمة جوهرية على المدى البعيد وإنما قيمتها بالوظيفة أو الحاجة التي تسدها، وبذلك فإن خطورة هذا المعيار في أنها لا تختص بالجماد أو الآلة بل إنه من الممكن أن تنسحب على الإنسان والمجتمع والفكر فيتبدل ويتغير حسب الاحتياج إلى ذلك، ويستغنى عنه متى ما زالت منافعه وبريقه وإنتاجيته.

القيمة والمادة بين الماضي والحاضر

لم تعرف الإنسانية معنى القيمة الحقيقية إلا مع نزول الرسالات السماوية التي أثبتت للإنسان بشكل قاطع أن حياته لا معنى لها دون الخضوع للإله الواحد الذي كلفه بنقل رسالة التوحيد، وأن للإنسان غاية قدسية فيجب عليه ألا يتشبث بمعايير الحياة المتبدلة والمتغيرة، ولكن في نفس الوقت يجب أن نعيشها وننتبه لأعمالنا فيها، حيث إن الآخرة بانتظارنا لنحاسَب على ما عملنا فيها، إلا أن ذلك لا يعني ألا نستمتع بها فهي مرحلة عبور فيها العبادة والمتغيرات اليومية، وعليه لا بد من الموازنة بين الطرفين على ألا يطغى جانب على آخر.

إن الإسلام الذي بلغنا عن نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم هو الدين الوحيد الذي لم يتبدّل ولم يحرّف، ولا عجب في ذلك فقد حفظه الله الواحد الأحد المطلق الذي ليس مثله شيء، ومن هنا جاءت قيمته الثابتة، فالله هو المعيار المطلق لكل ما في الوجود، وبه ترتبط أعمال الخير بشكل عام، ومن هنا ندرك عظمة التشريعات التي فرضها في تنظيم المجتمع والتخلّق بالأخلاق والتربية، إلخ، فهي ذات قيمة اعتباريّة مستمدة من إرادته وحكمته.

لقد عاشت الأمم بمختلف دياناتها فترات طويلة تحاول إنشاء توازن بين القيم والمادة، فالقيمة نابعة من الروح والمادة نابعة من الميل للشهوات –بمعناها العام-، فالقيمة عقل وموازنة وإدراك وإشباع ورضى وكل هذه الأمور تصب في حكمة الإنسان وعمق إدراكه للحياة، فلا يمكن للإنسان الذي يعيش حياة قيمة بشعور النقص والفقر والحرمان، لأن أساس الفكر والمشاعر متعارضة.

أما بالنسبة للمادة فإنه لا يمكن القول: إن شهوات الإنسان شر محض، إلا أن طغيانها في حياة الإنسان شر محض، ولذا نرى الإسلام يضعها ضمن إطارات متعددة ليضمن إشباعها واستقرارها، حيث إن إنكار الشهوات إنكار لطبيعة الإنسان، وفي بعض الأوقات تكون الشهوات الدافع الأول للإنسان والقوة المحركة تجاه الحياة، وهذا من الأشياء المتأصلة في الإنسان.

أهمية المعيار في حياة الإنسان

لقد شعر الانسان من اللحظة الأولى في الحياة بأهمية وجود معايير متجاوزة للحياة المادية للقيمة التي تعطي للحياة المعنى، وإذا بحثنا في جميع المجتمعات على مر العصور نجد أن الإنسان دائما كان له دافع في اتخاذ الأشياء الكبيرة والتي يراها عظيمة آلهة ويعطي للأشياء رمزية، مثل الشمس والقمر والنجوم والكواكب والاصنام.  وكانت تتعدد المعابد في داخل المجتمع نفسه، وكان دافع الانسان البسيط هو حاجته لقوة القوى التي تتجاوز قدراته، وقد استغل الكهنة هذه المعاني لتسيير الناس وضبطهم والسيطرة عليهم وسلب أموالهم بحجة إرضاء الآلهة، واليوم فإننا نرى هذه السيطرة بشكل مختلف، إلا أن الجوهر والقاعدة واحدة، مع التنبه إلى أن الغلاف الخارجي للأشياء يتغير حسب الواقع والعصر.

إن الإنسان عبارة عن مركبات كثيرة من الفرح والحزن، والخير والشر، والذكاء والمكر، والأحلام والتخيلات والأهداف، والعادات والتقاليد، كما أنه يعيش حائرًا بين أن يكون هذا أو ذاك، ويتساءل هل يجب أن أكون الخيّر أم الشرير؟ وهنا يأتي دور العقيدة التي تعطي الإنسان القيمة والمعيار الذي يحضه على البحث والتأمل واختيار الطريق الصحيح؟

لكل إنسان إطار من العادات والتقاليد التي يولد ويعيش فيها، وكلما تقدم في السن اتضحت له أمور كانت تخفى له، وكلما عبر مرحلة زمنية محددة قلّ اعتماده على الدعم الخارجي المعنوي والمادي، وعلى سبيل المثال فإن وجود الوالدين في مرحلة الطفولة يعطينا الاحتياجات العاطفية والمادية، وعندما ندخل عالم العمل والحياة الخاصة يشعر الإنسان في بعض الأوقات أنه يفتقد الأمان فيبدأ في البحث عن هذه الاحتياجات التي تعطي لحياته معنى، فيبني حبّه أو ينضم لحزب أو حركة جماهيرية أو ينغمس في فكر جديد له طابع خاص، ومن الممكن الدافع لذلك شعوره بالنقص وعدم الأمان أو الحرص على التجربة والبحث والتفكر.

مادية العصر الحديث

إن الحياة المادية التي نعيشها اليوم لا تقتصر على سلوك الفرد وحده، فنحن هنا لا نخاطب الإنسان فقط بل نحاول وصف المجتمع والاقتصاد والسياسة والعلوم التي نتعلمها لأنها كلها داخلة في الفكر الاجتماعي المعاصر، ولأن الإنسان جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة وأفكار الفرد نتيجة مباشرة لهذه المنظومة الفكرية.

وإذا كانت قيمة القيمة تنبع من الفكر السليم والجوهر المطلق، فإننا اليوم نعيش في عالم المنظومة الرأسمالية التي تحفز على زيادة الإنتاج والدخل دون النظر للظروف المعنوية والروحية، ولذلك فإن من أساسيات زيادة الدخل وجود الإنسان المستهلك الذي تحاول الشركات تحفيزه بكل الطرق لشراء المنتجات سواء كانت ذات قيمة أو بلا قيمة.

بطبيعة الحال فإن هذه الشركات تستخدم الإعلام وسيلة فعالة لعرض منتجاتها، وسواء كان الإعلام صادقًا أو مسيّسًا لجهة أو فكرة ما، فإننا نتأثر به لا شعوريًّا، بل إننا نرى كيف أن المنتجات الإعلانية في الإعلام تتزين بأشكال مختلفة عنه في الواقع لتأخذ طابع المصداقية، وها قد وصلنا لمرحلة أصبح فيها عرض الشذوذ والإباحية أمرًا طبيعيًّا، بل بات يوصف بأنه فكرٌ إنساني لا يهاجم الفطرة الإنسانية، ولذا يجب تقبّله!.

هذه المتاهة الماديّة تدفع الإنسان لإشباع رغباته وشهواته بطرق تنافي العقل والأخلاق والمنطق والقيمة الجوهرية للإنسان، وجميع هذه المحفّزات، تضعف الفرد والمجتمع، مما يؤدي إلى انهيارهما من الداخل، حيث تنتشر فيها الرذيلة والجريمة التي هي مبررة في نظر ناشريها.

ومن هنا يعيش الإنسان ضمن إطار اللذة التي تركز على الاستهلاك، ويكون استهلاك البشر مبدأً في تكوين العلاقات الاجتماعية القائمة على علاقات المنفعة الاستهلاكية، وليس بسبب الاحتياج العاطفي، بل يصبح الوالدان بالنسبة لأولادهما –في هذا المجتمع- مجرد محطة عبور للفرد، فيعيش الإنسان متحررًا في وجهة نظرهم من كل شيء إلى أن يصل لمرحلة الوحدة والاكتئاب، وإذا أراد الانتحار فيمكن له أن يذهب إلى أحد المراكز المتخصصة في تقديم خدمة الموت الرحيم.

إن المنظومة الفكرية التي تبحث عن الشهوة، تبرر في نفس الوقت الموت الرحيم لأنه جزء من منظومة الاستهلاك، فالإنسان ليس أكثر من مستهلك يبحث عن الحرية والتحرر في كل مكان بدافع التطور والحضارة وما دام الإنسان يبحث عن شيء باستمرار فهو فاقده، وهكذا يعيش الإنسان لشهواته المؤقتة وفق مبدأ اللذة التي يستفيد منها المنتج والمروج فقط، وكما ذكرنا سابقًا فإن الشهوات دافع للإنسان وهي جزء من تكوينه البشري، إلا أن العيش على مبدأ اللذة ينهك الفكر والجسد والروح والمجتمع.

إن العقيدة الصحيحة هي أساس فهم الإنسان للحياة، وكلما ارتبط الفكر بقيمة أكبر من المادة زادت قوته ومناعته تجاه الحياة ومصاعبها، فأساس الحياة التبدل والتغير، أما الإيمان القوي بالله فإنه يرتبط بالأهداف الكبيرة التي تتعدى المصاعب، لأنها مرتبطة برضى الله لا البشر، وبالإيمان بالله لا باعتبار مقدار المال أو الجاه الذي يحدد قيمتنا.

فخ الحرية الشخصية

لعلها من أشهر الكلمات في هذا الزمان، “إنها حريتي الشخصية” أو “دعه فهي حرية شخصيّة”، وهذه العبارة صارت مبرراً لكثير من الأفعال في عصرنا الحالي، فما إن تجد أحداً يُهاجَم على فعل قبيحٍ من قبل المجتمع إلا ويدافع عن نفسه بأن هذا الفعل “حرية شخصية”، ويقول: “لم أؤذِ أحدًا بهذا الفعل”، وبالمقابل ترى فئة أخرى من المجتمع تدافع عنهم، وتسهب في شرح كيف أن عصر التحكّم بمعتقدات الناس قد انتهى، وأن عهد التخلف ما زال يلقي بظلاله على زمننا هذا، فيدفع الناس لحشر أنوفهم في أفعال الآخرين، فنحن اليوم في عصر الحرية والتنوير، فإن كان فعلهم لا يؤذيك فلا يحق لك الاعتراض عليهم!.

دعاوى كثيرة، تشربها كثير من الناس، وبات في عموم دول العالم –غير المسلمة- من المستحيل انتقاد الشذوذ، بل صار من المعتاد أن ترى فئة من المسلمين تدافع عن هؤلاء القوم بدعوى أن هذه حريتهم الشخصية وأنهم لا يؤذون الناس بفعلهم، أو يهاجمون المنتقد حين يفكك مسلسلًا ساقطًا وينبّهنا على ما فيه من خطايا فيقولون: هم أحرار، ما عجبك لا تتفرج.

المرء حر ما لم يضر!

ما تقدم من الأمثلة أو الأفعال التي ينسبونها للحرية الشخصية، يجمعها خيط ناظم، حيث يبررها أصحابها تحت شعار “المرء حر ما لم يضر”، حسنًا.. سأفترض أننا موافقون على هذه العبارة 100%، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، من يحدد ما إذا كان هذا الفعل ضارًّا أم لا؟ وماذا إن اختلف الناس فيه، فقسم يراه ضارًّا وقسم يراه غير ذلك؟ وماذا إن كان هذا الفعل ضاراً على المدى البعيد، إلا أنه الآن يبدو لناظريه غير مضر.

دعني أضرب مثالين لأوضح هذا، أولهما يتعلق بالمشروبات الكحولية التي دائما ما يدعي أصحابها بأنهم أحرار في شربها، وفي انتشار محلات بيعها، وأنت لا علاقة لك بهم، فهذه حريتهم الشخصية وهم لم يؤذونك! هذا الكلام ما يسوَّغ به الأمر ظاهريًّا، ولذا فأنصار الحرية الشخصية يدافعون عنه.

إلا أن الواقع إذا ما دققت النظر في تأثير هذه “الحرية الشخصية التي لا تضر أحدًا” فسترى العجب العجاب: فبحسب بعض الإحصاءات فإن هناك في كل 52 دقيقة هناك شخص يموت بسبب القيادة تحت تأثير الكحول في الولايات المتحدة، وهذا بالرغم من وجود القوانين الصارمة بهدف منع القيادة تحت تأثير الكحول.! وهذا في أميركا فقط، فكيف لو أحصينا هذا في العالم كله؟ ونؤكّد أن هذا أيضا متعلقٌ بقيادة السيارات فحسب، فكيف لو أحصينا مثلا حالات القتل بالأسلحة التي يقوم بها المخمورون؟ فكم من شخص بريء قُتل وفقده أبناءه وأحباؤه بسبب إدمان الكحول؟ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن أضرار الكحول تودي بشاربيها، فهناك قرابة 3 ملايين شخص يموتون سنويا جراء تعاطيهم للكحول فقط!

فما رأي أصحاب “الحرية الشخصية” بهذه الإحصائيات؟ وهل ما زال انتشار الكحوليات حرية لأنه لا يضر أحدا؟

أما المثال الثاني، فَعَن ظاهرة “المساكنة” بين الشباب والفتيات، ظاهرها الحرية الشخصية، فأنت لا علاقة لك بفتاة وشاب يحبان بعضهما، وأحبا أن يعيشا معًا بدون عقد زواج، فما شأنك أنت بهم؟ وهل هما يسكنان في بيتك حتى تحشر أنفك فيهم؟ وكما يقال غالبًا: خلّيك في حالك!.

وللأسف، فإن هؤلاء القائلين هذا القول لم ينظروا أبعد من أنوفهم، فانظر إلى ما فعلته هذه “الحرية الشخصية” عندما انتشرت في المجتمعات الأوروبية، ففي فرنسا مثلا أكثر من نصف الولادات من علاقات غير شرعية، وعليه فكم من هؤلاء الأطفال من لا يعرف والده؟ ويعيش بدون أب وذلك بعد أن شعر والده بالملل منه ومن أمه فتركهما، وكم منهم من لا يعرف لا أباه ولا أمه؟! تخيل نفسك مكانهم، أي إجرام هذا.

ومن لم يسمع بعد بصندوق الـ BobyBox الذي بات في كل مكان في أميركا وأوروبا، فمتى ما قضت الأم شهوتها وأرادت أن ترمي ابنها، فهذا الصندوق جاهز لاستقباله، وذلك بعد أن كثرت حالات رمي الأطفال أمام الكنائس وقرب الحاويات، فأحدثوا لهم BabyBox ليضعوا الأولاد فيه بدل من رميه هنا وهناك.

أما الإجهاض وما أدراك ما الإجهاض؟ فهو يعد أسوأ ما نشرته هذه العلاقات، ولك أن تتخيل فقط أن الإجهاض هو سبب الوفيات الأعلى في العالم حسب موقع الإحصائيات العالمي worldometers، ولا يخفى على أحد أن عدد حالات الإجهاض وتقطيع الأطفال في أرحام أمهاتهم لم يصل لهذه الأعداد الجنونية لولا ازدياد العلاقات العابرة والغير شرعية بشكل غير مسبوق! ولا أدري إن كان ثمة عاقل يحتمل تنفيذ قسوة الإجهاض في جنين يحمله في أحشائه.. كما يعرضه هذا الفيديو.

تخيل أن كل هذه المصائب وكل هذا الإجرام نتيجة لهذه الحرية الشخصية التي لا تضر أحدًا، فما بال المغيبين في مجتمعنا يدافعون عنها، منهم بجهل ومنهم حتى يظهر بمظهر الشخص العقلاني المتحرر، ثم إنك إن أنكرتها فأنت شخص يقال عنك الكثير “مكبوت” “تكره الحب” “متخلف” إلخ.. والأمثلة كثيرة ولكن لا مجال لذكرها هنا.

الاحتكام إلى المعيار الثابت

قد نتساءل ما هو المعيار الذي نقيس إليه الأفعال والأفكار لندرك منها الضار والنافع؟

هنا فإننا نقول: إن الله أنزل رسوله برسالة الحق وأيد هذه الرسالة بالأدلة والبراهين القاطعة لكل باحث عن الحق، وإن من الأهداف الرئيسية التي أنزل الله من أجلها رسالته هي تحديد ما يضر البشر وما ينفعهم. فجعل ما يضرهم حراما وما ينفعهم حلالا، وقد قال الحكيم العليم: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] وقال تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} [طه: 123].

إن كل ما حرمه الله ضار –لا محالة- بالبشر، وإن كانت بعض العقول القاصرة لا ترى ضرره، هذا إن كانت هذه العقول تحكم بالحق أصلا، فكم من إنسان يحكم بما يهوى وبما يحب ثم يدعي بأن هذا هو الذي يمليه العقل، وخذ حالة الرئيس الفرنسي “ماكرون” حين دافع عن الرسوم المسيئة للرسول ﷺ بحجة أنها حرية تعبير، إلا أنه نفسه رفع دعوى على رسام لأنه رسمه بشكل قريب من صورة هتلر. فأين هي حرية التعبير؟!

ولن أنسى تلك المحادثة التي سمعتها بين مراهقين في الحافلة، حيث يقول أحدهما للآخر: “جاري يطلب مني أن أخفض صوت الأغاني المنبعثة من غرفتي ليلا، فقلت له أنا أشغل الأغاني في بيتي وليس في بيتك، ولا علاقة لك ببيتي”. ولا يخفى على أي عاقل على أن هذا الكلام غير عقلاني أبداً، ولكنه الهوى حين ينطق بلسان العقل. لهذا لا يمكن لـ “معيار الضار والنافع” أن يحدده إلا من يملك هاتين الصفتين: العلم المطلق، والحكم دون تأثير المؤثرات البشرية والنقائص الإنسانية وحظوظ الأنفس، وهذه الصفتان لا تجتمعان في مخلوق، وتصدران ذاتيًّا عن الله عز وجل ذي الكمال المطلق.

المسلم والحرية الشخصية للعاصي

إنه من المستغرَب أشد الاستغراب من المسلم الذي يعتبر المعصية حرية شخصية، فهو يقع حينها في 3 تناقضات دون أن يشعر، إذ الأصل في المسلم أولاً أنه يؤمن بقول الله: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] فكيف يقول مسلم عن “الخبائث” التي تهدم المجتمعات إنها حرية شخصية، ومن ناحية أخرى فإن الأصل في الإنسان المسلم أن يكون قد استسلم لأمر الله، فلا أدري كيف يقول مسلم عن أمر حرمه الله بأنه حرية الشخصية.

ألم يؤمن هذا الشخص بأن الإنسان “عبد” لله؟ فكيف يكون حراً وعبداً في الوقت نفسه؟ ألم يعلم بأن الله ذكر “الحرية” مرة واحدة في القرآن الكريم وكانت بلفظ “الخِيرة” فقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].

أما التناقض الثالث فهو أن الأصل في المسلم أيضا أن ينكر المنكر، لا أن يدافع عنه، فقد قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 110]، وقد لُعن بنو إسرائيل لأنهم تركوا الإنكار على المنكَر، وذلك كما في قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة:78 – 79].

ثم ألم يقل رسول الله: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [أخرجه مسلم]

خلاصة القول

بناء على ما سبق، فإن الحرية الشخصية تكون في الأفعال التي لم يحرمها الله، كاختيار تخصصك الدراسي مثلا، أو الطعام الذي تحب، أما المحرمات -كالشذوذ والمساكنة وشرب الخمر- فليس فيها تسويغ للحرية الشخصية، فالحجاب ليس حرية شخصية كما أصبح شائعا عند كثير من المسلمين للأسف، بل هو فرض من الله الحكيم العليم، وكل معصية مهما كانت فهي ليست حرية شخصية، وستعود هذه المعصية بالضرر على المجتمع والفرد عاجلا أو آجلا، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]

تأليه الإنسان والمعايير السائلة!

تشكّل النسبية موضوعًا مهمًا في مختلف المدارس الفلسفية المعاصرة، كما أنه موضوع يناقَش باستمرار خارج نطاق الفلسفة كما هو الحال عند السياسيين –على سبيل المثال- إلا أن نشر النسبية في مختلف المجالات لا يوحي بمزيد من الصلابة المعرفية والأخلاقية والفلسفية بقدر ما يوحي بمزيد من السيولة وغياب المعيارية، وربما الاندفاع المستمر في تأليه آراء الإنسان وإقصاء أوامر الله في رسالاته إلى البشرية.

تظهر سيولة المعايير المعاصرة في كثير من الأفكار التي بدأت تغزو عقول الشباب ومنازل الآباء والأمهات، كما هو الحال في الدعوات لتقبل الشذوذ، أو تجديد الفكر الإسلامي ليتطابق مع معايير معيّنة من تيارات النسوية!

القوامة بمنظور نسوي تجديدي!

لو أننا سألنا أي نوع من النسـويات أفضل؟ وضربنا مثالًا بين زوج يدعم زوجته ويشجعها على ” تحقيق ذاتها” واستقلالها المادي، وآخر يمنعها من العمل –إلا لضرورة- لأنه يؤمن بمركزية الوحي الذي أمر النساء بالقرار في البيت، وعزز من أهمية دورها الذي خلقت له، وبه تستقيم الأسرة؟
أو بين زوج يتقاسم مع زوجته الأعمال المنزلية كالتنظيف وإعداد الطعام والغسيل والكيّ… إلخ، ويشاركها في المصاريف كنظام مساواتي، وآخر يُعيل زوجته في كافة شؤونها إلا أنه لا يؤدي معايير المساواة في تدبير المنزل داخليًّا؟

ما الجواب الذي ستقدمه نسويّات الزمن المعاصر –من ذوات النفَسِ الديني-؟

على الأغلب فإنها سترى أن من يشجع زوجته على العمل ومن يشاركها في أعمال المنزل أفضل من النماذج المقابلة، لكنك –على أي حال- ستجد أنها لا توافق على النظام المساواتي كاملًا، فهي تريده خاضعًا لرؤية النسوية في مشاركته لها بالتنظيف والطبخ، بينما –على الأغلب- لا توافق على مشاركتها له في التكاليف المنزلية، وستحتكم هنا إلى الأصول الدينية في المجتمع الذي تنتمي له، وهي ذاتها ستوافق على العمل في بيئة تناقض نفس الأصول الدينية، بل إنها تخالف فطرتها وصفاتها الأنثوية تلبية لشعارات “صنم الاستقلال المادي”، وسنراها تُقحِم النصوص الشرعية وتحرفها لتؤكد على صواب رؤيتها، فتستشهد بعمل السيدة خديجة –مثلاً- لكنها لن تمر بعين الرضا على ما كانت تفعله السيدة خديجة مع الرسول صلى الله عليه وسلم من رعاية للمنزل وتدبير لشؤونه وهي التي قد بلغت من العمر قرابة 60 عامًا، فكانت تذهب له بالطعام إلى غار حراء رغم وجود بناتها، وقد جاءه جبريل بالبشارة لها بالجنة كما في الحديث، (أتى جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام، أو طعام، أو شراب، فإذا هي أتتْك فاقرأ عليها السلام من ربها، ومنِّي، وبشِّرْها ببيت في الجنة مِن قصب، لا صخبَ فيه ولا نصب) [أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وسنده رجال الصحيح].

هذه النسوية التلفيقيّة ستأتي بآراء ترفض خدمة الزوجة لزوجها، وستسعى لتضع مفاهيم جديدة لفكرة القوامة بهدف جعلها أكثر مناسبة لمعايير العصر النسوي، إلا أنها للأسف ستخرج بصورة نافرة عن الخط الذي في الإسلام وأكثر قربًا أو أقل مصادمة للثقافة الغربية “التمركز حول الأنثى”.

لا تدري أيهم أقرب إلى الله .. “الخلل في المعيار”

لعلك أيها القارئ الكريم تسأل دعاة النسوية “المتأسلمة” من الأفضل برأيك، المرأة المنتقبة أم المتبرجة، أو تتساءل أمامها عن الأفضلية بين الشخص الملتحي الذي ظاهره التدين والشخص غير المتدين؟

وهنا أخبرك أن كثيرًا منهن ستُجيبك ألّا أحد أفضل من الثاني، بل إن منهن من ستتهم الذي ظاهره التدين بالنفـاق وأنه يمكن للمنتقبة أن تأكل مال اليتيم وتخطف الأطفال وتتاجر بأعضائه.

وربما تخبرك أن المتدين الملتحي قد يكون متشدِّدًا أو تكفيريًّا أو عضوًا في جماعة مصنّفة على القوائم السوداء، أو أنه ممن يضرب زوجته بسلك الكهرباء وأنه شهوانيٌّ يميل للتعدد -لا سمح الله- وأنه رجل ظالم –إذ لا رجلَ يعدّد ويعدل أصلاً- وهكذا إلى غير ذلك من الأفكار التي لم تكُ يومًا إلا ثمرة من ثمار تغلُّب العولمة والثقافة الليبرالية، ولعلها ستقول لك إنه ينبغي عدم التعرض لحرية المــرأة سواء من حيث حرية الجسد، أو أكّدت على نسبية الأخلاق.

أصول ومبادئ

بعد ما تكلمنا عن تلك النماذج يبقى لنا فهم الأصول لتلك المبادئ، فالنسـوية تقلل من القيم والأخلاق، وتصفها بأنها نسبية، وأنها يمكن أن تتغير إن غيّرنا في المجتمع، لذا تسعى النسوية بالمجهودات الجماعية في تغيير القوانين والتصورات والهيكلية الأسريةـ حتى وإن كان ذلك سيسبب ضرر أكبر لها ولمن حولها وللمنظومة الأسرية!

ولأنها متمركزة حول ذاتها فهي تريد ما تهواه نفسها ولو كان ذلك مناقضًا للفطرة والأخلاق، ولهذا لم تضع حدودًا، وإنما أظهرت أفكارها وما تريده من انفلات الضوابط ثم حاربت الحدود ورفعت السقف! وذلك المبدأ أو تلك المبادئ الثلاث تعارض الإسلام، لأنه وضع ضوابط للإنسان فيها الصلاح له، وإن كان لا يهواها.

نعلم أن ضروريات الدين تتركز حول حفظ النفس والعرض والمال والعقل والنسل، فما يخالف هذه الأصول الخمسة فإنه مرفوض ولا يعتد ولا يحتج به إلا لدى من يسود هواه على عقله وقلبه!

مشكلة تأليه الإنسان

إن المعضلة هنا تكمن في تأليه الإنسان وتعظيم دوره وجعله مركزًا للكون، مقابل تحجيم مركزية المعايير المطلقة و”الإله” و”الوحي” أو ربما أنسنتها لتوافق المعايير الغربية، فنغض الطرف عن أوامر الله ونواهيه و نخترع أوامر ونواهي من عندنا عامة ما تتناسب مع النسوية والإنسانوية والليبرالية ونستبدل دين الله بها، ونُلبسها  قدسية ننزعها عن دين الله نفسه.

صورة تعبر عن تأليه الإنسان

تحت شعارات أن الله هو من يحاسب ولا تنصب نفسك إلها للكون، يناقض  أمثال التنويري والليبرالي أنفسهم ويعطونها حق محاسبة الناس حقًّا فيدخلون الجنة من يريدون حتى ولو كان ملحدًا أو محاربًا لدين الله ولمز نبيه عليه الصلاة والسلام، وذلك لمجرد أنه معتنق للفكر النسوي أو اللبيرالي، ويدخلون النار من يريدون رغم أنف الأدلة والبراهين اتباعا للهوى الخاضع لثقافة السلطة الغالبة، وهنا نستذكر قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الجاثية: 23- 24] يقول الإمام البغوي في تفسير الآية: إن الموصوفين بأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا، إنما جاء لبعدهم عن طريق الحق رغم وضوحه، فالبهــائم تهتدي لمراعيها ومشاربها وتنقاد لأربابها الذين يتعهدونها، بينما لا يعرف الكفار طريق الحق، ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم.

وهنا نرى أن النسوية “المتأسلمة” يتبعون هذا السبيل الذي وصفته الآية على نحو مختلف، فهذه النسوية تأتي بالمبادئ الغربية ثم تعمل على أسلمتها، ثم إنها تتدثر بالتراث رغم ذلك، فتسعى بكل الطرق والبحث في التراث والأصول، لإخراج تلك المبادئ من الإسلام نفسه، فتقع في التحريف والتأويل، والتعطيل، والتمسك بالشذوذ وتشذيب الإسلام.

إن دين الله لا يخضع لأهواء الناس، وتعاليمه تتوافق مع الفطرة السليمة التي لم تحرفها دعاوى العصور المتغيرة، بل إن تعاليمه تريد من الحضارات الإنسانية الحرة أن تتخلص من عبودية غير الله –أي الهوى- وأن كل ما دون وحي الله باطل.

“إن إنجازات حركة التحرير النسائية لم تكن إلا انتصارات كاذبة، فقد فقدت المرأة كل ما تمتلكه في سعيها إلى الوصول إلى هذه المساواة الوهمية”. [كتاب المساواة المطلقة ليست عدلًا، ص82]

الخضوع للثقافة الغالبة

كل ما نحن فيه الآن ليس من كثرة الشبهات وتأثيرها وإنما التأثر بسلطة الثقافة الغالبة والإنهزامية، وقد جاء إشارة إلى ذلك في الحديث النبوي الشريف، (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ) [متفق عليه]

لذلك يروج المبشرون بما عند الغرب كالأعمى الذي لا يرى ماذا جنى الغرب من معيارية الهوى وحرية الجسد التي خلفت فشو الزنا والإجهاض والعلاقات، وكيف انحدر الأمر إلى مبادئ الجندر والعلاقات المثلية والبيدوفيليا قريبًا، ناهيك على ماخلفته تلك المعيارية إلى هدم الأسرة وعجز الغرب عن سد تلك التجاهات، وازدياد من مشاكل تزعم النسوية حلها مثل التحرش.

إن النسوية الإسلامية تستند إلى مرجعية مادية نفعية تساعدها لتكون متمركزة حول ذاتها، ترى كل شيء نسبي ولكنها ترى الحرية المطلقة، والأعجب هو أنها تحاول التوفيق بين تلك المبادئ والإسلام! وتحصرها بكل سطحية في الدفاع عن التحرش لحشد النساء بشكل سطحي، وكأن مبادئها قللت من التحرش في منبع الفيمنزم، لكنها تسعى سعيًا حثيثًا إلى تمرير تلك المبادئ وغيرها عن طريق تلك القضايا: فربما شخص رآك عطشانًا يقول لك “تفضل اشرب ولا أريد منك أي مقابل”  فيعطيك كوب ماء به سُم، فتموت. لكن {اللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27] أي أن دعاة الشيطان يريدون من الناس أن ينحرفوا عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم والضالين. يريدون أن يصرفوهم عن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان، وعن التزام حدود من السعادة كلها في امتثال أوامره، إلى مَنْ الشقاوةُ كلها في اتباعه. فإذا عرفتم أن الله تعالى يأمركم بما فيه صلاحكم وفلاحكم وسعادتكم، وأن هؤلاء المتبعين لشهواتهم يأمرونكم بما فيه غاية الخسار والشقاء، فاختاروا لأنفسكم أوْلى الداعيين، وتخيّروا أحسن الطريقتين.