image_print

محاكاة الطبيعة وتسليع الإنسان في العمارة

من النتائج الجيدة للحداثة هي اعتراف الانسان جزئيًّا بأنّه ليس المسيطر على كل شيء، إلا أن هذا الاستنتاج لم يكن كافيًا للإنسان حتى يكون تواضعه لله، وإنما لقوى الطبيعة، ومن ثم قرّر المعماريّ جعل عملية اتخاذ القرارات في التصميم تابعة لما تريده (الأم الطبيعة) –كما يقال-، وبالتالي فإن عليه التواضع الكامل والإنصات للصوت العلوي للطبيعة وعدم إبراز الاستياء، وكل من يحاول الاعتراض سيصنّف بأنه جاهل ولم يدرك الغاية الأسمى من عمارة الأرض.

الخط الزمني لأهم الفلسفات والعبارات الرنانة في العمارة*
بعدما تم نقد مبدأ المينيماليزم وأوضحنا أوجه الخلل فيه في مقال (باوهاوس والنمط العالمي الموحد)، حان الوقت لنقد الأوجه المعاكسة له وردات الفعل الحاصلة، والهدف ليس محض الانتقاد ورفض كل فكر جديد، وإنما تبيين مكامن الخلل في هذه الفلسفات التي تضر بالمبدأ الإسلامي الأهم أي “الوسطية” والسعي للوصول إليها، وذلك حتى لا تنجرف ردات فعلنا من خطأ إلى خطأ آخر، كما يجب التنويه أن مصطلح (ما بعد الحداثة) من الصعب تعريفه وتحديد أفكاره الخاصة وتوجهاته أو حتى الفترة الزمنية الخاصة به، كما أن فترة (ما بعد ما بعد الحداثة) متقاربة معها، وفيها تسربات مختلفة لبعض الأفكار والتوجهات، لكن سنوضح أوجه الاختلاف التي أوجبت تحديدها وتفريقها عن فترة ما بعد الحداثة بسبب سرعة التغيرات الطارئة.(1)

*تنويه: التصنيف خاص بهذا المقال وليس له مرجع محدد

العصر تاريخ قول العبارة القائل العبارة بالعربية العبارة بالإنجليزية الأسس الفلسفية لقب الحركة* توجه الحركة فكريًا واجتماعيًا وتنظيميًا**
الحداثة 1947 ميس فان دير روه الأقل هو الأكثر Less is More الانسانوية

Minimalism

التقليلية
اشتراكية
ما بعد الحداثة 1966 روبيرت فينتوري الأقل هو الأكثر ضَجَراً Less is a bore العبثية + العدمية

Maximalism

التكثيرية
رأسمالية وتمهيد للتعددية
ما بعد ما بعد الحداثة 2009 بيارك إنجلز نعم هو الأكثر Yes is More الانسانوية + نظرية الفوضى

Pluralism

التعددية
التعددية: اشتراكية جديدة تحكمها الطبيعة

* تنويه: قد لا يكون هذا اللقب مطلقًا من قبل نفس قائل العبارة، لكنه يلخص مفهوم هذه الحركة وتوجهاتها
** تنويه: من الممكن مثلا استخدام نمط التقليلية في بناء برج عملاق لشركة رأسمالية، لكنه ليس الهدف والأصل من منبع هذه الفلسفة

الماكسيماليزم (الاستهلاكية المفرطة) والمينيماليزم (البساطة المفرطة): قصة صراع بين الرأسمالية والاشتراكية

توضيح للصراع الحاصل بين اتجاهين معاكسين في العمارة. على اليمين روبيرت فينتوري وعلى اليسار ميس فان دير روه

توضيح للصراع الحاصل بين اتجاهين معاكسين في العمارة. على اليمين روبيرت فينتوري وعلى اليسار ميس فان دير روه

ما بعد الحداثة: الاستهلاكية المفرطة: الأقل هو الأكثر ضَجَراً
هذه العبارة من مقولات المعماري الشهير روبرت فينتوري في كتابه (التعقيد والتناقض في العمارة) وقد صنّفت هذه العبارة كردّة فعل للصرامة الشديدة في التصميم، حيث أراد للتصميم والفن أن ينزل إلى مستوى الشارع فيصبح شعبيًّا في مضمونه وشكله بهدف فهمه من قبل الناس، كما روّج لمفهوم “البشع العادي” والتواضع في الحياة للخروج من المثالية شبه المستحيلة في الفن والعمارة، خاصة في عصر السرعة والتغيرات الدائمة.

ومن المفيد التأكيد إلى أن توجهاته الفنية خالية تمامًا من أي سياق تاريخي، ويتم تحليلها حصريًا من أجل قيمتها التركيبية، كما أنه لا يولي أولوية كبيرة للقيمة الأخلاقية في التصميم، فما دام مؤديًا للغرض فهو مقبول كما في كتابه (التعلم من لاس فيغاس) الصادر عام (1972)، كما نُظِرَ لأفكاره على أنها نص تمهيدي لتيارات ما بعد الحداثة في العمارة، على الرغم من إصرار فنتوري باستمرار على كونه معماريًّا حداثيًا(2).

كان لهذا الاتجاه نتائج موازية في عالم الفن والموضة والتصميم من خلال المقولة: الأكثر هو الأكثر والأقل هو الأكثر ضَجَراً. فبالنسبة لآيريس أبفيل المختصة في الأزياء، فإن مقولة: “لا يوجد قواعد” هي القاعدة الذهبية لها، وتتحدث قائلة: لماذا تهتم؟ نريد كسر الأنماط فقط! (3)

 

قد يخطر ببال كثيرٍ منا اليوم، أننا بحاجة للروح الحرة في التصميم، خاصة عندما تبدو المباني السكنية الجديدة كالصناديق التي لا هوية فيها، وذلك يساعدنا على إنشاء “ممالك خيالية”.(4)

 

إلا أن الاستجابات العاطفية لم تكن إيجابية دائمًا، حيث انتقدت أدا لويز هوستابل -ناقدة الهندسة المعمارية الشهيرة في نيويورك تايمز- تيار ما بعد الحداثة بأنه ثقيل اليد ويفتقد الذكاء، كما وصف الناقد اللغوي والثقافي نعوم تشومسكي ما بعد الحداثيين بـ “الدجّالين المسلّحين”، في حين وصف روبرت ماكسويل، العميد السابق للهندسة المعمارية في جامعة برينستون، نظريات المهندس البريطاني جون أوترام بأنها “عمل من أعمال الإرهاب المعماري المطلق”(5)، ويمكن الإضافة على ذلك بأن ما بعد الحداثيين يعتزون بهويتهم المتغيرة بشكل أخرق وطفولي لا معنى له.

التصميم للأقليات في المجتمع في عصر ما بعد الحداثة
مثال آخر لنمط التكثيرية على مستوى الهوية الثقافية والدينية للأقليات، كما في الساحة الإيطالية في لويزيانا، في الولايات المتحدة الأمريكية. حيث أنشئت الساحة للتواصل مع هوية الأمريكيين الإيطاليين في المدينة وتزويدهم بمكان للاحتفال بعيدهم السنوي (سانت جوزيف).

لقد تحقّق الأمر حين أنشئ البناء وتوزعت المساحات على شكل خريطة ايطاليا، كما استخدمت أنماط من الثقافة الإيطالية تعود لحقبات تاريخية مختلفة لإيطاليا، ووضعت بركتان صغيرتان من الماء لمحاكاة البحر الأدرياتيكي والبحر التيراني. مع أن التصميم قد يعجب البعض ويراه مناسبا، إلا أن مفهوم الهوية ليس مختصًّا بالتزييف السطحي لرموز المكان، إذ إن الزائر أو الناظر لن يشعر أنه في إيطاليا عندما يكون توزيع المساحات على شكل خريطة إيطاليا، ولا عند استخدام كل الأنماط التاريخية بشكل مرصوص وفوق بعضه البعض، فهذا تسطيح لمفهوم الهوية.

تصميم لمحاكاة الطبيعة: اللجوء للكهف في مشروع (Amdavad Ni Gufa)
ما نراه في هذه الصورة ليس مجرد كهف أو مكان طبيعي وإنما بناءٌ من صنع الإنسان، وقد تم بناؤه وتصميمه من قبل بالكريشنا دوشي، وهو كبار المعماريين في الهند، حيث صمم هذا المبنى في أحمد آباد عام (1994)، وبُنيَ تحت الأرض وجعل سقفه مكانًا يمكن للزوار المشي عليه والجلوس والتفاعل مع بعضهم البعض، أما الجزء الداخلي للكهف، فانه يستخدم أعمدة غير منتظمة تشبه الرواسب المعدنية، وتوفّر -مثل الكهوف عادةً- ملاذًا متميّزًا من الحرارة في الهند(6).

مبنى Amdavad Ni Gufa

لقد أتاح نمط التكثيرية والمحاكاة مع الطبيعة ظهور فلسفات جديدة تتوجه إلى ما بعد ما بعد الحداثة، حيث نرى وجود توجه واضح وتغير من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، لكن إلى أين يتجه؟

هذا ما سيحتاج منا مقالاً آخر بإذن الله.


الهوامش

(1) تم الاستفادة من مقال (ما بعد الحداثة) على موسوعة السبيل
(2) https://cutt.ly/1h8liui
(3) https://cutt.ly/Eh8loXQ
(4) https://cutt.ly/Lh8lafJ
(5) المرجع السابق نفسه
(6) https://cutt.ly/jh8lYtK

مصادر الصور:

https://cutt.ly/Mh8ljcN

https://cutt.ly/Fh8llnP

https://cutt.ly/th8lz2s

https://cutt.ly/Th8lxL7

https://cutt.ly/qh8lcVY

https://cutt.ly/Ch8lv5Z

https://cutt.ly/4h8lbTh

https://cutt.ly/0h8lnRE

https://cutt.ly/nh8lmZi

كيف يتحول النقد الساخر إلى سخرية وتجريح؟

تصدرت في الآونة الأخيرة موجات متعددة من السخرية، سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال مقالات نقدية تُقَدَّم على بعض المواقع المتخصصة بهذا الشأن؛ متجاوزة النقد الطبيعي المنضبط كما هو معروف في النقد الساخر، إلا أن الأمر تجاوز ذلك إلى النيل من الأفكار، والشخصيات والمنظمات بطريقة تجريحية استهزائية.

باتت السخرية تقدّم صورًا نمطيَّةً، تصوّر المشهد السياسي والفكري والاقتصادي، بمشاهد لا تقبل التحليل أو التأويل، وتحوّلت السخرية إلى نمط يحكم سلوك الأفراد، من خلال توجيه أفكارهم وعقائدهم، وبتقديم هذا النوع الساخر على أنه فن هادف!

 فمتى يتحول النقد الساخر إلى تجريح وسخرية؟ وما الفرق بينهما؟

النقد الساخر
يوصل النقد الساخر رسالته دون إيلام أو تشويه، من خلال عرض الفكرة وما يقابلها من حقيقة أو رأي يدعيه القائل، ويتجنب النقد الساخر -بحدوده الطبيعية- الإخلال بصورة أي شخص، أو التعرض لمعتقداته لغرض التشويه، إضافة لتجنّب الاستهزاء بالصورة الخَلْقية لأي إنسان؛ فالهدف الأساسي من النقد الساخر يتمحور حول تفنيد الفكرة دون التعرّض للأشخاص بالكلام المسيء والتصوير الجارح.

 ويستعمَل النقد الساخر عادة، عندما تكون الفكرة المقابلة سطحية إلى درجة يصعب الرد عليها بطريقة علمية، فيتجنّب العالم الرد عليها بطريقة أكاديمية ويقوم النقد الساخر بإظهار إسرافها بالسطحية وعدم مطابقتها للواقع والمنطق ونذكر مثلًا الردود الساخرة على المؤمنين بعدم كروية الأرض واتهام ناسا بأنها تنشر هذه العقيدة كذبًا وبهتانًا..

وكذلك يستعمَل النقد الساخر عندما تصبح الأفكار السطحية ضارة بالمجتمع أو تشكل تهديدًا مباشرًا له كإيمان بعض الناس بأن لقاحات كورونا تحتوي على شريحة تنصّت ستغرَس في أجسادهم!.

وتظهر الأفكار السطحية في تفكير البعض، عندما يركزون على الفرع دون الأصل، والغرق في الجزيئات دون الكليات، والأفكار المثالية الزائدة دون النظر لحقيقة الواقع، عندها تدفع الأفكار السطحية أي شخصٍ إلى النقد الساخر، وخصوصًا عندما يتحول القائل إلى أسلوب الابتسار الحضاري من خلال جعل التقدم والعلوم شيئًا مقصورًا على العقل الغربي دون غيره، وطمس معالم الرقيّ والتقدّم في الحضارات الأخرى وإن كانت منجزاتها مما يؤثر في نشأة العلوم الحديثة، والترويج لأن الحضارة الغربية حضارة واحدة ناتجة عن جهود أبنائها وعلمائها الذاتيّة فقط وأنها المبدعة والرائدة ومركز الحضارات الأخرى الناقلة أو التابعة.

يكون النقد الساخر إبداعيًّا حين يصدر من الإنسان المهتم والمتابع والذي يملك دراية علمية وأدبية في الموضوع المستهدف، وللناقد أسلوبه المهذّب فلا يستخدم الرموز المصوّرة، ولا يسعى للتجريح أو شتم خصمه.

لهذه الأسباب كلها يمكن القول إن النقد الساخر أمر طبيعي وحقٌّ مكفول في مختلف الأعراف البشرية، طالما أنه لا يتجاوز على الآخرين حقوقهم بالرأي والتعبير، ولا يصادر منهم حق المعرفة أو التأويل، ولا يسخر من الشكل الخارجي ويجرح بأسلوبه.

كيف يصبح الاستهزاء طريقًا للإهانة؟
إن نظرنا إلى السخرية والتجريح باعتبارها من طرق التعبير الجديدة، فإننا سنراها تقوم على أن يستعمل فيها الشخص ألفاظًا تقلب المعنى الحقيقي إلى عكس ما يقصده المتكلم، ويندرج الاستهزاء فيها حيث إن مراد المستهزئ هو الإضحاك بالتجريح، وغرض الساخر هنا ليس النقد، وإنما تصوير الشخص أو التيار أو المنظومة الفكرية في صورة استهزائيّة مضحكة، والذي يصل غالبًا إلى حد الإيلام المعنوي أو النفسي من خلال الاستهزاء بالعيوب الخَلْقية -كالطول، والقصر، والتلعثم- أو تركيب صورته على أجسام ورموز ضاحكة كما تطفح بها مواقع التواصل الاجتماعي.

النقد الساخر على وسائل التواصل الاجتماعي

وتكون السخرية بالافتراء على الناس، أو السخرية من أخطاء يعلم المتحدث أنها قد تحدث لكل الناس، ويكون ذلك من خلال تركيب الكلام على منشور ما أو تصريح صحفي، ثم التقوُّل على صاحبه بما لا يقصد، وتحميل الكلام أوجهًا مختلفة دون أن يقصد صاحبه أيًّا منها.

لقد درج في العادة أن يكون هذا السلوك على مواقع التواصل الاجتماعي بغرض لفت انتباه المتابعين، وزيادة أعدادهم، أو لتحقيق غايات شخصية تخصه، وهذا النوع منتشر كثيرا، خصوصا عندما يتم الحديث بالدين أو توضيح أحكام شرعية.

وتنتشر عادة السخرية والتجريح عندما لا يمتلك الشخص ردًّا حقيقيًّا على فكرة علمية، فيجد الشخص هنا أنه من الأسهل عليه الطعن بها وبصاحبها من خلال التشويه المتعمّد، وليس الحوار حول رفض الفكرة وعدم الإيمان بها أو الاعتراف بجهله!

لكن، لمَ يجب أن يغوص الساخر المستهزئ في بطون الكتب، ويبحث عن الحقيقة، طالما أن تقمّص دور الاستهزاء الساخر؛ سيجلب له المتابعين ويزيد من شهرته ويحقق له غايته في تسطيح العلم والوقائع، فهذه الطريقة – السخرية والتجريح – غير مكلفة؛ إذ كل ما على الساخر فعله، تركيب الصور، وتقطيع الكلمات، وتجزيء الأفكار بما يخدم قضيته، وعندها سيجد جمهورًا بالملايين، ومئات وربما آلاف مؤلفة من المعجبين الذين يتخذونه قدوة.

لقد بتنا نلاحظ في الآونة الأخيرة أنه صار للاستهزاء مساحات واسعة في مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام من خلال الترويج –على الأقل- لبرامج السخرية المنتشرة كثيرًا في الفترة الأخيرة.

ويلاقي أصحاب هذه المشاريع دعما كبيرا من المؤسسات الإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، ومن الجمهور المتعطش” للضحك”، الذي لا يهمه البحث والتمحيص وراء الفكرة المعروضة والتأكّد من صحتها وبطلانها هي صحيحة أم لا، بل يسلّم عقله للساخر المستهزئ بدون أدنى مقاومة.

السخرية.. نقيض للجدية وطريق للابتذال
يمثّل الرد الساخر المستهزئ نموذجًا للاجتزاء والاقتطاع؛ حيث يركز على الأفكار التي تخدم سخريته، فيقتطعها من سياقها الصحيح؛ وبالتالي تفشل كل محاولات الشخص المستهدَف للتوضيح أدراج الرياح -إلا إن سلك نفس طريقة السخرية والتجريح-.

 إذن فالسخرية -أسلوبًا استهزائيًّا- ليست نقدًا عاديًّا يمكن التعامل معه أو التغاضي عنه، بل هي اختزال للأفكار وتنميطها بقالب معين، وهي ليست أداة تعبير يمكن احترامها لما تحمله من إهانات لنُظُمٍ فكرية أو شخصيات اعتبارية.

تعبّر الجدّية عن البحث والتحقيق والدراية الكاملة، وهي ضدّ الضعف والهزل والتنميط، إذ تقتضي البحث والاستقصاء عن الموضوع المستهدَف، والعلمَ به وعدم السخرية منه، إلى جانب تقديم الأفكار بطريقة علمية، أو تفنيدها حسب الأصول المطلوبة، دون ابتذال أو تشويه.

 وكذلك فإن الإعلام الجدي يبحث عن المعلومة ويشخصها بالطريقة الصحيحة دون إسفاف، والشخص الجادّ يبحث عن مضمون الحديث وعن الرسالة الباعثة له والغاية المقصودة منه، أما السخرية والتجريح فإنها تهدف إلى استهداف المعلومة أو الفكرة أو الشخص بشكل مباشر، دون تقديم طريقٍ علميٍّ يسوّغ ذلك.

تتناول السخرية في مواقع التواصل والإعلام الكثير من المنظمات والأفكار والشخصيات المعروفة بطريقة تشويهية وانتقائية، دون البحث في أفكارهم ومصادر معلوماتهم، وحتى لو بحثوا فإنه غالبًا ما ذلك يُقدَّم في قالبٍ كوميديٍّ ساخر مثل استهداف المقدسات لدى المسلمين من خلال الاستهزاء المنظم، بهدف امتهان كرامتهم والإساءة إليهم من خلال ربط بعض الوقائع المعاصرة بسلسلة من الأحداث التاريخية.

النقد الساخر من المسلمين

يتجنب الأشخاص في فضاء التواصل الاجتماعي التعرّض في الغالب للمفاهيم المعقدة والتي تحتاج إلى بحث متواصل، فيلجأ هؤلاء إلى السخرية منها كونها تريح من عناء الاستقصاء، وتوفّر برامج السخرية، منصّات متخصّصة لاستقبال الباحثين عن السخرية والاستهزاء!

السخرية بشكلها الاستهزائي نقيضٌ للجدية، والرابط بينهما هو خيط رفيع يسهل قطعه وتجاوزه، وتستخدِم السخرية -سواء من خلال برنامج منتظم أو المنشورات على منصة فيسبوك- أسلوب الاستخفاف بالخصم والحط من قدرته المعرفية، من خلال “الرموز الضاحكة” والهجوم الساخر؛ فمع وضعِ صورة ساخرة ضد الأفكار المقدمة سيصبح الدفاع عن مبدأ ما أمرًا مثيرًا للضحك عند الغالبية العظمى من متابعي تلك البرامج.

لعل أشد نتائج السخرية والتجريح هو تحولها إلى طريق للابتذال؛ من خلال التكلف والتصنع اللذين يتعارضان مع السجيّة والتلقائية، إلى التضحية بالوقار في سبيل جلب الأنظار، مثل استخدام الأساليب التهريجية في نقد الخصم، وتقديم العبارات النابية تعبيرًا عن الإنسان الظريف!! لكن الواقع المؤكّد هو أن السخرية والتجريح تجبر أصحابها –مؤسسة أو أشخاصًا– على الغوص أكثر فأكثر في الابتذال، إلى حد مهاجمة البرنامج والساخر نفسه، وتحكم عليهم التجاوز في حق حرية الآخرين في الاعتقاد والممارسة، وتصبح مصادرة الآراء – عندهم – مجرد نكتة أو جولة ترفيهية.

خلاصة القول
يجب تحديد الحدود الرئيسية بين النقد الساخر الطبيعي المقبول، وبين السخرية والتجريح، التي تأخذ دور الحكم على الأفكار والأشخاص والمنظمات، وهذا لا يعني الدعوة للتوقف عن استخدام النقد الساخر المنضبط بما لا يخرج عن أوامر الإسلام ونواهيه، كونه يُسهِم في تنوع الطرق الإعلامية، وهنا لا بد من وضع ميثاق شرف يحدد طرق استخدام هذا النوع من التعبير، ويوجه طريقة استخدامه.

 قد يكون من المناسب في كثير من الأحيان استخدام السخرية في انتقاد السلطة السياسية بهدف إبراز جوانب الفساد والظلم فيها، إلا أن استخدام الإساءات الشخصية والأخلاقية دون راع وموجِّه، فلعل تجاوزه ومنعه أولى، وعليه فإنه يجب بكل بساطة تقنين النقد الساخر بما يحفظ حقوق الآخرين ويمنع من الوقوع في فخ التجريح.

لا تكن رجلا شرقيا!

”لا تكن رجلًا شرقيًّا” لطالما ترددت هذا الجملة على مسامعنا في الآونة الأخيرة، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو في المسلسلات الدرامية أو حتى –ربما- من أصدقائنا وأقرب الناس لنا في حياتنا اليومية.

فمن أين جاء هذا المصطلح؟

الرجل شرقي هو مصطلح جديد يطلق غالباً على الرجال الذين يحملون صفات معاكسة للرجل الغربي، إذ يقال إن الرجل الغربيّ يتصف بالانفتاح وعدم التزمّت واحترام حقوق المرأة، أما الرجل الشرقي فهو الذي يكبت المرأة من نيل حقوقها ويغار عليها سمعتها في المجتمع بشدة، ومن ثمّ فإنه يفرض رأيه عليها ويحرمها من حقوقها ويهينها.

أصبح اليوم هذا المصطلح وصمةً تلازم الرجل المسلم عامة والعربي خاصة [1] وبالرغم من البحث المطول عن تاريخ إطلاق هذا المصطلح إلا أنني لم أجد أي مقال يتحدث عن هذا الموضوع، ولكن لا أحسب أنه ثمة مانع من الإشارة إلى أن استدعاء المصطلح يتناسب مع أهداف الحركة النسوية –سأتطرق لذكرها لاحقاً-، ولذا يمكننا أن ننسب تاريخ اشتهاره مع بدء تسرب أفكار هذه الحركة إلى بلادنا والترويج لها.

لماذا يُروَّج لهذا المصطلح؟
لن يكون صادمًا أن يقال: إن تفكيك روابط الأسرة المسلمة من أحد أهم أهداف نشر هذا المصطلح، حيث قام الإعلام بتسليط الضوء على سادية ونرجسية الرجل مقابل الإصرار على إظهار -ما يرونه- معاناة المرأة منها بالرغم من أن معاناة الغربيات لم تكن سائدة في مجتمعنا الإسلامي حينها. ولكن وبسبب تضخيم هذه المشكلة بالمزامنة مع انحراف بعض الرجال في مجتمعات المسلمين وانتشار أفكار النسوية وضعف نظم الحكم الإسلامية، أدّى ذلك إلى تصعيد الدعوة لتمرد النساء.

وعلى صعيد التصرفات التي أدت لترسيخ هذا المصطلح في بلادنا ما اتصف به الكثير من الرجال كالشعور بالخجل إذا عرف أحد ما أسماء بناتهم أو أخواتهم أو أمهاتهم، أو ما بات يعرَف في أوساط كثير من المجتمعات أنه من المعيب على الزوج مساعدة زوجته في البيت! أو استمرار تهديد النساء بالتعدّد، فيقوم بكسر قلب زوجته (الصالحة) قاصدًا كان أو غير قاصد.

ولكن ماذا يقول الشرع عن واجبات الرجل تجاه أسرته؟

يقول الله سبحان وتعالى {ولكم في رسول الله أسوةٌ حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} [الأحزاب ٢١].

إذاً فلابد من اتخاذ رسول الله قدوة في جميع أمور حياتنا وأهمها الأسرة التي هي أصل المجتمع، حيث كان رسولنا الكريم خير الناس لأهله وهو ما أثبته لنفسه فقال عليه الصلاة والسلام (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) [أخرجه ابن ماجه في السنن برقم 1977]، وقد حدثتنا السيدة عائشة رضي الله عنها عنه حين سئِلت عن أعماله في المنزل، فقَالَت: (كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحلب شَاتَهُ، وَيَخدمُ نَفْسه) [أخرجه أحمد في المسند برقم 26194].

ولنضف ههنا أنه لو كان من العيب أن تعرَف أسماء نساء المسلمين بشكل عام لكان الرسول أحق بأن يكتم عن أسماء زوجاته عنا وهو قدوتنا.

من الصحابة الذين مشوا على خطى النبي عليه الصلاة والسلام الصحابي الجليل سعيد بن عامر، حيث ولاه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه على حمص، وحين زارها ليتفقد حال أهلها سألهم عن أميرهم فشكوه قائلين “لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار” فكان ردّه رضي الله عنه حين اجتمع به:

“أما قولهم: إني لا أخرج إليهم حتى يتعالى النهار، فو الله لقد كنت أكره ذكر السبب، إنه ليس لأهلي خادم، فأنا أعجن عجيني، ثم أدعه حتى يختمر، ثم أخبز خبزي، ثم أتوضأ للضحى، ثم أخرج إليهم” فتهلل وجه عمر وقال: الحمد لله” [3].

إن اللافت للانتباه أن الرسول عليه الصلاة والسلام خاصة والصحابة رضي الله عنهم عامة كانوا يحملون على عاتقهم هم الدعوة والجهاد بالإضافة إلى العمل لكسب الرزق ولكنه لم يذكَر بأنهم كانوا يتكبرون على زوجاتهم أو يهينوهنّ، بالرغم من أن هموم الرسالة التي يحملونها أكبر بكثير من همومنا في العصر الحالي.

القوامة تكليف أم تشريف؟
لا يخفى أن الله في القرآن الكريم قال: {الرّجالُ قَوّامونَ على النساءِ بما فَضّل اللهُ بعضَهُم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم…} [النساء:34] وقد أثيرت الشبه حول هذه الآية كما أن بعض التفسيرات جنحت بها إلى جعل بعض الرجال يتعالون على زوجاتهم بدعوى أن الله فضّلهم عليها في أصل الخلقة دون إدراك منهم أن الله يأمر في هذه الآية بالعدل وأداء الحقوق والواجبات.

القوّام –وفق الشيخ بسام الجرار- “هو من يكثرُ القيام”، وحين يقال “فلان صوّامٌ قوّامٌ”، فذلك يعني أنه كثير الصيام والقيام، وعليه فإنّ من أهم وظائف الرجال بنص القرآن كثرة القيام على شؤون النساء.

من اللافت هنا أنّ الصيغة التي جاءت بها الآية هي صيغة تقرير مُشْعِرةٌ بأنّ الأمر قانون فطري بقوله “بما فَضّل اللهُ بعضَهُم على بعض” حيث يذهب كثير من أهل التفسير إلى أنّ المعنى المراد هو: “بما فضلهُم عليهنّ”. إلا أن النّص القرآني يشير إلى مراده بغاية الوضوح، فالتفضيل ليس لجهة دون أخرى أي أن التفضيل لكلا الطرفين فالرجل مُفضّل على المرأة، والمرأة مفضّلة على الرجل، وذلك في إطار أداء الأوامر واجتناب النواهي، إذ إن الفضل في اللغة هو الزيادة.

لا شكّ أنّ لدى الرجل زيادة شاءها الخالق الحكيم لتتناسب مع وظيفته، ولدى المرأة زيادة تتناسب مع وظيفتها. وعليه لا نستطيع أن نُفاضل بين الرجل والمرأة حتى نُحدّد الوظيفة، تماماً كما هو الأمر لدى الطبيب والمهندس؛ فإذا كان المطلوب بناء بيت فالمهندس أفضل، والطبيب أفضل لوصف دواء الأمراض، وهكذا [4] فأين الناسُ اليوم من إدراك هذا.

بكل تأكيد فإنه ليس جميع الرجال سيئين وكذلك فإن كل النساء لسن صالحات، فلكلً حقوقه وواجباته، ولإنشاء مجتمع إسلامي صالح مبني على نهج القرآن وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام لا بد من تكامل الطرفين، ومن ثمّ نقول لكل مسلم لا تكن رجلاً شرقياً كما يفهمون ويروّجون، ولكن كن مسلماً تقياً قواماً على النساء بما فضّل الله.


المصادر:

[1] ماهي صفات الرجل الشرقي وكيف تتعاملين معه؟، موقع ليالينا، تاريخ النشر: ٢٤/١١/٢٠١٩

[2] صفية بنت عبداللطيف با وزير, المرأة وقضايا الإعلام، موقع “وفا”، تاريخ النشر: ٠١/٠٩/٢٠١٦

[3] أسماء طباع، نجوم في فلك النبوة، ص: ٢٠١- 203.

[4] بسام الجرار، هل القوامة حق للمرآة، ٣٠/٧/٢٠١٨ منشور على موقع الشيخ بسام جرار.

 

مارينا تبسم.. حين تحوّل المسجد إلى متحف

“لا تحتاج المساجد إلى مآذن”، هكذا تقول المعمارية مارينا تبسم التي حصلت قبل مدة على جائزة الآغا خان للعمارة، وبرأيها فإن المسجد الذي لا يحتوي في الواقع على مئذنة ولا قبة تقليدية، يقدّم تفسيرًا معاصرًا للمساحة الدينية ويتخلى عن جميع رموز التعريف التقليدية.

لا أنوي في هذا المقال التوسع في الاستنكار على عدم وجود المئذنة أو القباب فقد تحدثنا عنها في مقال “جامع سانجقلار، هل تحقق عمارته طفرة روحانيةوبالرغم من أنها ليست وحيًا من الله أو أمرًا ثابتًا في الدين حقًّا إلا أنّها جزءٌ من الهوية الجمعيّة للمسلمين على مرّ تاريخهم، وعلى أي حال فإن هذا المقال بصدد مناقشة إشكالية التركيز على الضوء والظلال في مسجد بيت الرؤوف وتحوّله بالتالي إلى شيء أشبه بالمتحف من كونه مسجدًا لعبادة الله.

لأبتدئ بسؤال: هل هو مسجد حقاً؟ وهل يستوفي الشروط التي تؤهله ليُسمى مسجداً، صالحاً لصلاة المسلمين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله؟

بالرغم من القبة والمئذنة غير موجودتان في المسجد إلا أن هذا ليس الانتقاد الأساس، إنما السؤال: هل الصلاة موجهة لله تعالى وحده في هذا المبنى؟

تبيّن لنا عمارة هذا المبنى تشابهًا كبيرًا مع نمط عمارة كثير من معابد أخرى معاصرة، حيث تتفق هذه المعابد في استلهام نمط تصميم خاص.

لننظر لمبنى ومعبد كنيسة الموحدة في روتشستر للمعماري لويس كان، والذي أيضاً كان يركز على الضوء والظل في عمارته؟ ما نقاط التشابه وإلى ماذا تشير؟ لماذا المعمارية مارينا تبسم تستلهم الكثير من أنماط المعماري لويس كان، من مختلف تصاميمه كما سنرى..

أوجه التشابه في النمط بين تصاميم المعمارية مارينا تبسم والمعماري لويس كان

بالحديث عن هذه الكنيسة والمعبد، يقول لويس كان -مستخدمًا كنيسة الموحدين الأولى في روتشستر مثالًا- “إن المبنى العظيم -في رأيي- يجب أن يبدأ بما لا يمكن قياسه، ويجب أن يمر بوسائل قابلة للقياس عند تصميمه وفي النهاية يجب أن يكون غير قابل للقياس، ما لا يقاس هو الروح النفسية”

أشار لويس كان إلى أن “الشيء الأساسي، في الكنيسة هي الطقوس الشخصية، وأنها ليست طقوسًا محددة، ومن هذا تحصل على الشكل” (1).

بناء على هذا فقد منحت كنيسة الموحدين الأولى عند اكتمال تصميمها “هالة غير قابلة للقياس” من خلال الديكورات الداخلية المضاءة بنور الشمس مما أدى إلى مزيّة خاصة أخرى، كما يقول أحد النقاد المعماريين الذي وصف مبنى الكنيسة بالآتي:

“الضوء الذي يتسرب في التفكير من خلال هذه المكعبات التي تضرب بالجدران وتضيء بشكل منتشر يخلق منطقة كبيرة، تثير هذه المنطقة الشعور بالاحتواء المطلق بطريقة ما، فالضوء يجعل الغرفة تبدو وكأن كل شيء غامض وبعيد ومساميٌّ ومنفصل يفتقرُ إلى الإضاءة المباشرة، بدلاً من ذلك هناك ضوء منتشر نشأ من الزوايا والأشكال المترابطة.” (2).

سنركز على (المسامات) فهي كلمة مهمة جدا في هذا النقد، لنرى هل هي موجودة في تصميم مسجد بيت الرؤوف؟  ما المعنى منها وإلى ماذا تشير؟

كما أن استلهام تصميم بيت الرؤوف لم يكن مأخوذاً فقط من هذه الكنيسة، بل أيضاً من تصاميم أخرى للمعماري لويس كان، سنرى ترجمتها وتجلياتها كما جسّدتها المعمارية مارينا تبسم.

في الاقتباس التالي، نجد معلومات عن خلفية لويس كان:

“في عام 1967، تلقى لويس كان عرضًا لتصميم كنيس يهودي في القدس، وكان الغرض من الشكل هو إثارة مشاعر الرهبة التي تتناسب مع وظيفة المبنى، التي كان لها تأثيرات عميقة عليه، كتوجهه لتجنّب الزخرفة ودمج المربّعات والدوائر والأشكال الهندسية البسيطة الأخرى التي تم تحقيقها في الخرسانة اللامعة، أعمال لويس كان وصفها كثيرون بأنها روحية أو صوفية.” (3)

اقترح لويس كان هيكلًا داخل الهيكل، بحيث تكون الأبراج حاويةً تنغرس داخل الأعمدة، شأنُها شأن المسامّ والتجاويف لتأكيد التداخل بين ما هو داخل المبنى وما هو خارجه وفقًا لستيفن ك.بيترسون، وتُعرف ظاهرة مساحات الجيب داخل البناء أو الهيكل باسم Poche Architectural. وقد عُرِض نموذج لويس كان في متحف إسرائيل وبقي التصميم على الورق، (4) إلا أن هذه الظاهرة من النسيج والتداخل في التصميم سنذكرها آخر هذا المقال.

أما في مسجد بيت الرؤوف، نرى أن الضوء يلعب دورًا رئيسيًا في بثّ الجو الروحي، بشكل مرقط فوق قاعة الصلاة ومن خلال شق عمودي في الحائط يشير إلى اتجاه القبلة للصلاة. كما يتحرّك الضوء والريح خلال النهار بأشكال مختلفة بهدف جعل المبنى أشبه بالكائن الحي الذي يتنفس ويستجيب للتغيّرات الخارجية.

دمج المربع والدائرة، هل ترمز للروحانية العقلانية؟

التوافق بين نمط مسجد بيت الرؤوف وفلسفة المعماري تاداو أندو
عند دراسة فلسفة المعماري الياباني تاداو أندو في تصميم مساحة التأمل في فرنسا، نرى أن التصميم “مساحة مجردة توحي بالوحدة والحرية الروحية، وأن الطبيعة لها دور رئيسي في هذا العمل. لقد استخدم أندو العمارة وسيطًا بين البيئة الطبيعية والإنسان، بهدف إيجاد اللقاء المباشر بينهما، فالضوء والماء والهواء ضروريان لأفكار تاداو أندو، وذلك لغاية استحضار العالم الطبيعي.” إذ إن منطقة التأمل هذه ستغدو رمزًا للسلام ومكانًا يمكن للزوار الشعور فيه بالوحدة والاندماج مع العالم. (5)

صور مختلفة لمساحة التأمل في فرنسا للمعماري تاداو أندو

صور مختلفة لمساحة التأمل في فرنسا للمعماري تاداو أندو

أما بالنسبة للضوء، فنرى أنه يمكن عبور مساحة التأمل دون الحاجة إلى فتح أي أبواب؛ حيث تؤكد العتبة الفاصلة بين الضوء والظل على مرورٍ رمزي في هندسة وفلسفة تاداو أندو، وهذا الاستخدام الخفي للضوء مهم جداً بالنسبة لتاداو أندو، فهو يرتبط بالروحانية المواتية لمكان التأمل. (6)

هذه النقاط بمجملها نراها جليّةً واضحةً في تصميم مسجد بيت الرؤوف، ويظهر ذلك في هذا الفيديو:

التصميم المسامي المجوف (التداخل بين الداخل والخارج) في مسجد بيت الرؤوف
نرى في المبنى الكثير من التلاعب بين الأضداد (النور والظل، الداخل والخارج، الفراغ والكتلة)… وكأن المبنى مُجوَّف ويجعل الوجود مثل النسيج… فلا يعرف المصلي أهو في الداخل أم الخارج، أم أنه في العتمة أم النور أم الظل.. ومن هنا نحتاج أن نعرف هل يوجد أبعاد وآثار لهذا التصميم؟

البعد الباطني المحتمل لفكرة التصميم المسامي والنسيج بين التضاد
في فلسفات الباطنيين أفكار كثيرة عن أهمية التضاد حيث يصبح الداخل هو الخارج والجزئي هو الكلي والكلي يصبح الجزئي وهكذا.. ويمثّلون للتضاد بمرحلة البرزخ، ويعتبرون منطقة البرزخ هي المكان الذي فيه العلم اللدني، من خلال الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم وتفسير معناها باطنياً، كما في قوله تعالى: (مَرَجَ البَحرَينِ يَلتقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ) [الرحمن، 19،20]. وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) [الكهف، 60]، حتى إن ابن عربي يقول: إن “علم الوجود ضياؤه وظلامه نورٌ يمازجه كيان ظلام”.

وهنا ما زلنا نتساءل، هل يوجد توافق؟

ختاماً
في المبنى المدعو (مسجد بيت الرؤوف) الذي أصبح أقرب للمتحف من المسجد، يدخل ساحة الصلاة الرجال والنساء دون الحاجة للتستر اللائق بالمسجد، ودون وجود مكان مخصص للنساء دون الرجال. كل هذا نضعه جانباً ونسأل أنفسنا، لمن الصلاة في هذا المبنى؟ الآن لقد وصلنا الى معضلة، مَن سيُعبَد داخل هذا المسجد؟ هل نعبد النور أم التضاد من نور وظل؟ هل نتقرب للبرزخ؟ أم هل ستُعبَد الشمس؟ أم ربما نخلو ونتأمل بأنفسنا؟

مصلون في مسجد بيت الرؤوف

مصلون في مسجد بيت الرؤوف

المعمارية نفسها تساعدنا وتختصر لنا الطريق، ففي مقابلة معها عام 2018 تقول:

“يجلب هذا المبنى شعورًا هائلًا بالروحانية، هذا للتواصل مع كل ما تريد الاتصال به. التواصل مع الله.. والتواصل مع الطبيعة، والتواصل مع الشمس، كيفما تريد أن تفهمها، المهم أن هذا الاتصال موجود”. (8)

وهنا نقول: شكرا جزيلا لك يا أستاذتنا المعمارية، على هذا التوضيح.


الهوامش:

  1. https://cutt.ly/sh6otTI
  2. المرجع السابق نفسه
  3. https://cutt.ly/mh6osL9
  4. https://cutt.ly/lh6ojPy
  5. https://cutt.ly/dh6ocsX
  6. https://cutt.ly/zh6omG6
  7. https://cutt.ly/ah6oRUN
  8. https://cutt.ly/Yh6oOyq

مصادر الصور:

https://cutt.ly/Mh6atH5

https://cutt.ly/7h6aaKD

https://cutt.ly/bh6ahb4

https://cutt.ly/Ih6o52F

https://cutt.ly/Ch6pyhe

https://cutt.ly/ch6paQW

https://cutt.ly/jh6ph8D

https://cutt.ly/sh6aPBb

 

ماذا يكشف حدث  السوبر بول في الولايات المتحدة من نمط الحياة الأمريكية؟

تُقام في الأحد الأول من كل شهر فبراير في الولايات المتحدة الأمريكية لعبة السوبر بول Super Bowl، وهي مباراة البطولة في دوري كرة القدم الأمريكية الوطني (NFL).

 المباراة التي صادفت الأحد الفائت يحضرها عادةً ما يزيد على 100 مليون متابع أمريكي[1] وبذلك تعتبر الحدث التلفزيوني الأكثر مشاهدةً في البلاد لا لمجرد شعبية اللعبة، لكن أيضاً انتظاراً للعرض “الترفيهي” الذي يقام في منتصفها، وللإعلانات التي تظهر في أوقات الاستراحات والتي تكون الأعلى ثمناً وتكلفةً وفعاليةً في العام.

ولأنّ لهذا الحدث أهمية خاصة وشعبية كبيرة في الولايات المتحدة، وجدت أن أخصص هذا المقال للتعريف ببعض الإحصاءات والظواهر المتعلقة به وما تعنيه وتبرزه للناظر عن نمط الحياة الأمريكي والغربي بشكل عام.

استهلاك مرضي
ترتبط متابعة المباراة النهائية عند الأمريكيين بالاجتماع مع الأصدقاء وتناول كم كبير من الأطعمة والخمور أثناء متابعة المباراة وتشجيع أحد الفريقين، وقد أُجريت الكثير من الإحصاءات لرصد استهلاك الأغذية في هذا الحدث، وظهر من خلالها وجود ارتفاعٍ حادٍ في استهلاك الأطعمة الجاهزة غير الصحية (junk foods) في هذا الأحد الخاصّ، حيث يتم تناول ما يزيد على 1.4 بليون قطعة من جوانح الدجاج المقلية، وقرابة 11 مليون باوند من رقائق البطاطا، و325 مليون غالون من خمر البيرة في ليلة المباراة وحدها.

السوبر بول والاستهلاك المرافق له

في هذا الصدد قالت شركة دومينوز إنها تبيع ما يزيد على 21 مليون قطعة بيتزا في ليلة المباراة، كما وجدت الإحصاءات أن استهلاك البرغر وصل إلى 14 بليون قطعة، واستهلاك معجنات البرتزل وصل إلى 4 مليون باوند من المطاعم والأسواق التجارية المختلفة في تلك الليلة فقط[2].

والعجيب في هذا ليس مجرد ارتباط الأطعمة غير الصحية ثقافياً بمتابعة المباراة، وإنما الاستهلاك المفرط لها أثناء المشاهدة، والآثار المرضية المعروفة لهذا الاستهلاك على جسد الفرد وحياته وعلى بيئة الكوكب كذلك، ومن ثمَّ تجاهل هذا الأثر بشكل متكرر كلّ عام بحجة أنه يومٌ واحدٌ في السنة وأن ذلك لن يضر.

 فازدياد مبيعات أدوية الحرقة المعدية التي تصل إلى 20% في اليوم التالي للعبة تظهر جزءاً من آثار هذا الاستهلاك المفرط المباشرة[3]، وكذلك جراء ارتفاع استهلاك الطعام -ذي المصدر الحيواني تحديداً- الزائد عن الحاجة في البلاد أحد الأسباب الرئيسية لكونها في المرتبة الثانية عالمياً في إصدارات غاز ثنائي أوكسيد الكربون.[4]

من اللافت أن هذا الاستهلاك على كثرته يأتي في المرتبة الثانية من حيث الأيام الأكثر شَرَهَاً في البلاد بعد عيد الشكر -الذي يصل استهلاك الديك الرومي فيه إلى 3 باوند لكل أمريكي!-، أما من حيث استهلاك الخمر في هذه الليلة فإنه يأتي في المرتبة الثانية بعد ليلة رأس السنة، ثم عيد القديس باتريك، في الرابع من يوليو، ثم الهالوين وخمس أعياد وطنية أخرى.[5]

ولا شك أن آثار شعبية الأطعمة غير الصحية وفرط تناولها لدى الفرد الأمريكي بشكل عام واضحةٌ جلية في مؤشرات الصحة الوطنية وإحصاءات الإصابة بالأمراض المزمنة وارتفاعها منذ التسعينات وحتى الآن، إذ إن كل اثنين من ثلاث أمريكيين اليوم يعانون من البدانة أو زيادة الوزن، في ازدياد لمعدل البدانة في البلاد من 30% عام 2000 إلى 42% عام 2018. إضافة إلى ذلك فإن واحداً من كل 10 أمريكيين بالغين كان مصاباً بسكري النوع الثاني في 2020، إضافة إلى هذه الإحصاءات فإن أمراض القلب، والسكتات الدماغية، وكثير من أنواع السرطانات، وغيرها من الأمراض المرتبطة بنمط الحياة غير الصحي تشهد تزايداً مستمراً مع الوقت. [6]

على العمل وفي الشارع
وجدَتْ دراسة نشرت في مطلع العام الحالي أن 16 مليون أمريكي قد يتغيبون عن عملهم يوم الاثنين التالي لمباراة السوبر بول Super Bowl، بينما 10 مليون آخرين ينوون التأخر بضع ساعات عن دوامهم في ذاك اليوم، ورغم عدم وضوح أسباب ذلك تماماً، فقد رجح الخبراء ارتباطها بالتعب المرافق لتناول كميات كبيرة من الطعام والخمور أثناء متابعة المباراة، إضافة إلى السَّهَر مع الأصدقاء وإقامة الحفلات في تلك الليلة.[7]

من ناحية أخرى فإن التجمّع للاحتفال باللعبة وما يرافق ذلك من شرب للخمر يُنتِج ظاهرة ارتفاع نسبة القيادة تحت تأثير الخمر إلى قرابة 22% مقارنة بالأوقات الأخرى خارج ليلة المباراة.

وقد وجدت إحصائية مخيفة أن نسبة حوادث السيارات في الساعات الأربعة التالية للمباراة ترتفع 40% للحوادث القاتلة، و46% للحوادث غير القاتلة، وتكون النسب أكثر ارتفاعاً في ولاية الفريق الخاسر. ورأى الفريق الذي نشر الدراسة أن هذا الارتفاع متعلق بشرب الخمور أثناء المتابعة، الغضب أو الفرح الشديدين لنتيجة اللعبة، والتعب الذهني والبدني بعد متابعة اللعبة الطويلة. وتطلق شرطة المرور في شتى المقاطعات تحذيرات سنوية بخصوص القيادة تحت تأثير الكحول في ليلة المباراة، وقد كانت حملتها هذه السنة بعنوان “Fans don’t let fans drive drunk”.[8]

وماذا يعنيني؟
لعلَّ القارئ بعد كل هذه الحقائق والأرقام المهولة يسأل عن السبب الذي نسوقها لأجله، ويرى أنه في قارّة بعيدة عن كل هؤلاء وممارساتهم فلا يعنيه عنهم شيء، وهذا صحيحٌ فعلاً لولا العولمة المفترسة التي يشهدها عالم اليوم، حيث غزت الثقافة الغربية ونمط الحياة الأمريكية كل بيت من خلال تلفازه وحاسوبه وطعام أهله وهواتفهم ولغتهم، فصار الطفل الصغير في قريته المتواضعة يشاهد كرتون ديزني فيضيق عليه بيته المطمئن ويحلم بالسكن في بيت ذي طوابق عدة وحديقة خلفية وكراج خاص.

أما شبابنا فقد انبهر كثيرٌ منهم بتلك الأمم ورأوا المثالية والأسوة في حياتها، بل غدت نموذج النجاح والسعادة الذي ينتهي السعي والجهد عنده، بينما الحقيقة أشمل وأوسع من اللقطات المختزلة التي وصلتهم بكثير، فكما أن في ثقافات الغرب مكونات جيدة يمكننا توظيفها، فإن فيها كثيراً من المحاذير والإشكالات التي نتجت من تقديس الإنسان وتمركزه حول متعه الدنيوية ورغباته الآنية، حتى بات يصنع أخلاقياته الخاصة ويختار قوانينه وممنوعاته.

إننا نرى في حياة الغربيين نتائج اختيار الإنسان الضعيف المستعلي بذاته منذ بداية تنحية أمر الله تبارك وتعالى وبناء مجتمعه على رفاهية جسده، فاستغنى بقدراته القليلة وعلمه المحدود عن الاستعانة بمولاه واتباع شرعه وقانونه، وكانت النتيجة التعاسة لغالب الأفراد وتحويلهم إلى آلات تعمل لتنتج ثم تستريح حين يؤذن لها بذلك، فتكون أجساداً منهكة وأرواحاً مهملة، قد تحولت إلى مستهلك لا يعقل ما يفعل ولا يوجّه نشاطه إلا لخدمة الشركات الكبرى وزيادة أرباحها وملء جيوب مديريها، وفي ذلك مصداق قوله تبارك وتعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه:124]، نسأل الله أن يجعلنا من عباده الذاكرين الشاكرين.

والحق أننا لا نذم الأمريكيين كشعبٍ، ولا نهدف لبثّ بغضهم وكراهيتهم بين المسلمين، ولا ذاك هو منهج العدل الذي أمرنا ديننا الحنيف باتباعه، لكن ندعو لرؤية الثقافات والشعوب الأخرى بعين التكامل والشمولية التي ليس فيها أبيض مثالي ولا أسود قاتم، فننتفع بخيرها ونعي شرها ونحذر منه، ونرى في ضوء الوحي المنزّه عن كل خطأٍ نتاجها وما يمكن لشعوبنا أن تستفيد به منه، قال سبحانه وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة:8].


الهوامش

[1] Super Bowl 2021 Ratings: How Many People Will Watch Kansas City Chiefs vs. Tampa Bay Buccaneers? (ibtimes.com)

 [2] Millions of Chicken Wings Eaten Super Bowl Sunday—Here’s Why | Time

Do You Know These Shocking Super Bowl Consumption Statistics? | HuffPost Canada Life (huffingtonpost.ca)

Interactive: What is the climate impact of eating meat and dairy? | Carbon Brief

Super Bowl 50 food by the numbers | Fox News

[3]  Millions of Chicken Wings Eaten Super Bowl Sunday—Here’s Why | Time

[4] Each Country’s Share of CO2 Emissions | Union of Concerned Scientists (ucsusa.org)

[5] 7 Thanksgiving Day Food Facts (spoonuniversity.com)

Booziest Holidays | Alcohol.org

[6] Managing Overweight and Obesity in Adults: Systematic Evidence Review from the Obesity Expert Panel | NHLBI, NIH

National Diabetes Statistics Report, 2020 | CDC

[7] 16 million employees nationwide say they plan to miss work on the day after the Super Bowl (abcactionnews.com)

[8] Car Crashes Soar After Super Bowls – CBS News

Avoid becoming a drunk driving statistic during Super Bowl 2019 (intoxalock.com)

Super Bowl Sunday | Fans Don’t Let Fans Drive Drunk | NHTSA

 

الضوء والظل في العمارة وفلسفات الإشراق.. هل يوجد توافق؟

عُرِف المعماري لويس كان بلقب سيد الضوء، لاعتماده على تصميم العمارة بناء على تمازج الضوء والظل، فلقد كان الضوء عنصرًا مركزيًا مهمًا في فلسفة لويس لأنه اعتبره مانحًا أساسيًّا للوجود، فهو بالنسبة إلى لويس، صانع المادة، والغرض من المواد هو إلقاء الظل، ويلاحظ في فلسفته المعمارية، أنه غالبًا ما يجعل الضوء كمصدر خلف فتحات التهوية أو الجدران الثانوية أو المشربيّات(1). فهو يركّز على كيفية تشكيل الضوء والتلاعب بالظل وعلى تأثير الضوء بدلًا من تركيزه على مصدر الضوء نفسه.

تتمحور رؤية لويس حول تقليل الاعتماد على الضوء بهدف إدراك ظلمة المكان، وأن وجود الظلام يحتاج لوجود الضوء والعكس بالعكس.

الضوء والظل في تصميم الجمعية الوطنية في دكا، بنغلاديش من تصميم لويس كان

الجمعية الوطنية في دكا، بنغلاديش من تصميم لويس كان

العمارة وفلسفة النور والظل والجمال
يقول الفيلسوف ادموند بيرك في كتابه “(ن الذوق: الذوق الرفيع والجميل، خواطر عن الثورة الفرنسية): “فيما يتعلق بالنور، فلجعلها قضية قادرة على إنتاج السمو، يجب أن تحضر مع بعض الظروف، إلى جانب ملكيتها المجردة لإظهار المادة. إن الضوء المجرد هو شيء شائع جدًا لا يجعل انطباعه قويًا في العقل، وبدون انطباع قوي لا شيء يمكن أن يكون ساميًا” (2) إذن فإحدى أهم اعتمادات فلسفة الضوء في العمارة هي: إلقاء النور على الحياة، وبالتالي فإنّ ربط الحياة بالنور هو أول عمل سامٍ حصل في الوجود.

وبالرغم من أن المعماريين لا يمكنهم خلق النور، إلا أن كلّ ما بين أيديهم القدرة على التلاعب بطريقة ورود النور أو توجيه الضوء في البناء، وعند القيام بذلك يمكن للمهندس تغيير صفات الضوء، وبذلك فإن أن تصميم الظلام والظل والنور هو الطريقة الوحيدة للمعماريين –في نطاق عالميّ- لإظهار وتقديم السمو في العمارة.

استخدام الضوء والظلال كمادة بناء
المعماري الأمريكي ستيفين هول يقول عن فلسفة بنائه: “سألني أحدهم عن مادتي المفضلة في البناء، فقلت: الضوء، فأنا أؤمن حقًا أنه يمكنك النحت بالضوء، وأعتقد أن الهندسة المعمارية يجب أن تتصل، كما يفعل معبد البانثيون، بالجو والفصول وضوء الشمس، في الهواء إلى الريح، وهذا بالنسبة لي أمر أساسي”(3).

الضوء والظل في قاعة سيمونز في جامعة  MIT من تصميم ستيفين هول

قاعة سيمونز في جامعة MIT من تصميم ستيفين هول

متحف اللوفر أبو ظبي
صُمّمَ متحف اللوفر أبو ظبي بشكل مستوحى من المشربيات العربية القديمة، وذلك بهدف جعل الزائر يستشعر سقوط النور عليه، وتمتد الأعمال الفنية والتحف الموجودة إلى الوجود البشري بالكامل، كما يحتوي المتحف على معرض مخصص للأديان العالمية، علمًا أن المتحف من تصميم جان نوفيل.

الضوء والظل في تصميم متحف اللوفر أبو ظبي على يد جان نوفيل

تصميم متحف اللوفر أبو ظبي على يد جان نوفيل

مسجد بيت الرؤوف
يُلقّب بمبنى سيمفونية الضوء وقد حاز على جائزة آغا خان للعمارة. تقول المعمارية مارينا تبسم “الضوء بالنسبة لي مادة جميلة للعمل بها، خاصة إذا كان بإمكانك استخدامها بشكل صحيح، مثل كيفيّة جلب الضوء، أعتقد أنه يمكن أن يجعله روحيًا وتأمّليًا للغاية” (4).

الضوء والظل في تصميم مسجد بيت الرؤوف من تصميم مارينا تبسم

مسجد بيت الرؤوف من تصميم مارينا تبسم

محمية الموجب للمحيط الحيوي
يقول عنها المعماري د. عمار خماش: “في هذا الفراغ يقوم الزائر باختراق ألواح متقاطعة من ضوء الشمس، تحضن بينها أعمده مربعةً من الظلال، أعمدة الظلال هذه تحمل القبة” (5).

الضوء والظل في مركز زوار وادي الموجب في الأردن- الجمعية الملكية لحماية الطبيعة

مركز زوار وادي الموجب في الأردن- الجمعية الملكية لحماية الطبيعة

المقبرة الإسلامية في النمسا
في المصلّى التابع للمقبرة الإسلامية في النمسا -الحائز على جائزة آغا خان للعمارة أيضًا- نرى في تصميمه ترميزًا لحياة البرزخ والمرحلة الانتقالية بين المادة والنور، وبين الوجود الحسي إلى الوجود غير المرئي أو من المرئي عالم الجسد إلى اللا مرئي عالم الروح.

الضوء والظل في تصميم مصلى تابع للمقبرة الإسلامية في النمسا

مصلى تابع للمقبرة الإسلامية في النمسا

كاتدرائية النور
كاتدرائية النور أو (الليختدوم) من تصميم المعماري ألبرت سبير، والتي كانت سمة جمالية رئيسية لتجمعات الحزب النازي في نورمبرغ من عام 1934 إلى عام 1938، والتي لا تزال تعتبر من بين أهم أعمال سبير، وقد ظهرت تأثيرات جمالية مماثلة في الحفل الختامي للألعاب الأولمبية لعام 1936 في برلين بالتعاون مع ألبرت سبير ومعماريين آخرين.

الضوء والظل في تصميم كاتدرائية النور من تصميم ألبرت سبير

كاتدرائية النور من تصميم ألبرت سبير

وصف سبير التأثير في كاتدرائية النور بقوله: “كان الشعور بالغرفة الفسيحة، حيث كانت الحزم الضوئية بمثابة أعمدة قوية لجدران خارجية ذات إضاءة لا متناهية”. كاثلين جيمس تشاكرابورتي، أستاذة تاريخ الفن ومؤرخة معمارية، وخبيرة في الحداثة الأمريكية والألمانية، تقول: “اللحظة الأكثر دراماتيكية وتأثيرًا في مسيرات الحزب النازي لم تكن عرضًا عسكريًا أو خطابًا سياسيًا، بل كانت الليختوم، أو كاتدرائية النور” (6).

بانثيون في روما
يأتي اسم البانثيون من الكلمة اليونانية بان ثيون (Πάνθεον) والتي تعني (معبد جميع الآلهة)، وعلى الرغم من أن الاسم الأصلي للمعبد غير معروف، فمن المرجح أنه آتٍ لكونه استُخدِم لعبادة جميع الآلهة الرومانية. في البانثيون يسقط الضوء من الثقب المركزي الكبير (العين) في الجزء العلوي من القبة، مما يؤكد منحنى السقف من خلال تلاعب الضوء والظل. ويعبر الضوء ليؤكد رمزية ارتباط السماء بالعالم الأرضي (7).

الضوء والظل في تصميم معبد بانثيون وتحرك الضوء فيه بأوقات مختلفة من اليوم

معبد بانثيون وتحرك الضوء فيه بأوقات مختلفة من اليوم

تجليات مبدأ وحدة الوجود في بعض فلسفات المتصوفة
عن مفهوم النور والعلم والوجود، يتكلم ابن عربي عن وجود عمود والشمس فوقه مباشرة، في هذه الحالة الوجود الوحيد هو للعمود (الواحد)، أما عند تحرك الشمس، فإن ذلك يصنع الظل (وهو الآخر)، وذلك لشرح فلسفة وحدة الوجود وكيف تشكّل الجزئي والكلي من منبع واحد (8).

وهنا يرسم لنا هيوستن سميث الخط الأفقي والخط العمودي عند دعاة الحكمة الخالدة –كما في الرسم البياني- وذلك لتوضيح مفهوم وحدة الأديان المتعالية –لدى القائلين بها-، حيث إن النور فيها واحد لكن أشكاله مختلفة، أي أن المِلل –عندهم- تشير لحقيقة واحدة بمظاهر مختلفة (9).

رسم بياني لما يسمى بـ “وحدة الأديان المتعالية”

 

على اليمين: جزء من المتحف الاستقلال في بنغلاديش من تصميم كاشف شودري ومارينا تبسم.
على اليسار: المعبد في ألمانيا Crematorium Baumschulenweg

عند قراءة سيرة حياة المعماريين المعاصرين، نرى أن الضوء الذي دخل البانثيون ألهم المعماري لو كوربوزييه في عام1911، والذي صمم عدة كنائس في فرنسا ظهر فيها الضوء بأبعاد ومعانٍ ميتافيزيقية، وعند زيارة معبد بانثيون، قرر تاداو أندو -صاحب تصميم كنيسة النور في اليابان- أن يصبح مهندسًا معماريًا في عام 1965. (10) مما يستدعي النظر في ماهية فلسفة الضوء والظل ولماذا نتج منها كل هذه الإلهامات المختلفة؟

لكن السؤال الذي يقدّم في هذا الإطار هو: هل يوجد علاقة بين فلسفة النور والظل مع فلسفة الصوفية لوحدة الوجود؟

إن الإجابة على هذا السؤال ستستغرق منا مقالاً آخر بإذن الله..

يتبع..


الهوامش

(1) https://cutt.ly/VhMcgU2

(2) https://cutt.ly/rhMcvNc

(3) https://cutt.ly/mhMvaRv

(4) https://cutt.ly/UhMvciD

(5) https://cutt.ly/dhMvngB

(6) https://cutt.ly/HhMWPLr

(7) https://cutt.ly/8hMbEAM

(8) https://cutt.ly/LhMbJX7

(9) https://cutt.ly/lhMbXrC

(10) https://cutt.ly/xhMb1n9

مصادر الصور:

https://cutt.ly/KhMQ6Cu

https://cutt.ly/ThMWwHl

https://cutt.ly/HhMWr0O

https://cutt.ly/zhMWy2B

https://cutt.ly/UhMWomE

https://cutt.ly/ThMWpJv

https://cutt.ly/NhMWWgi

https://cutt.ly/yhMWE8E

https://cutt.ly/KhMWIPa

https://cutt.ly/HhMWPLr

https://cutt.ly/chMWJ8B

https://cutt.ly/vhMWZXY

 

اعتراضات حول الأمومة.. لا نريدك شمعة تحترق لتضيء للآخرين!

كثيراً ما تأتينا ردود صادمة عند الحديث عن تقدير الأم والأمومة، والثناء على التفرغ لتربية الأبناء، فبين من ترفض ذلك لئلا تذوب شخصيتها في البيت، وأخرى تقول إنها لا تريد أن تحصر معارفها في تربية الصغار، وأخرى تريد عملاً مؤثراً يثبت ذاتها ويسلط الضوء على إمكاناتها وقدراتها، وغير ذلك من ردود تظهِر بمجملها أن هناك خللاً واضحاً في التصور الذي يحمله كثيرون عن الأمومة وأدوار الأم في تربية أبنائها وأداء حق زوجها وكونها ربة بيتها بشكلٍ عام.

فهل المقصود من مدح الأمومة هو الدعوة إلى أن تكون المرأة شمعة تحترق لتضيء للآخرين؟ أم هل تقتضي الأمومة حصر المعارف في مجال واحد؟ وهل المطلوب من الأم أن تدور في فلك زوجها وأبنائها حتى تنسى نفسها حرفياً في سبيلهم؟ أم أنّ العمل خارج البيت يعني إثبات الذات ضرورةً، بينما البقاء فيه يساوي محوها وانعدام تأثيرها؟

إزاحة التصورات الخاطئة
مع الأسف، فإنّ كثيراً من القرّاء حين يرون كلاماً عن الأمومة يتبادر إلى ذهنهم مباشرةً كمٌّ كبير من الصور الإعلامية التي ألفوها عن الأم “التقليدية” التي غالباً ما تكون في ثوب مهترئ، شعثاء الشعر، تركض وراء طفلٍ وتصرخ على آخر ليهدأ، متعبة طوال الوقت، لا تنام إلا بضع ساعات، وجل اهتمامها هو فيما يلبسه أبناؤها وما يملؤون به بطونهم!.

هي صورة كئيبة لربة البيت التي لا تعرف من التربية إلا تأمين حاجات البقاء عند أبنائها من غذاء ودواء ونوم ونظافة ولا تعرف من الحياة إلا واجبها تجاه أسرتها، ولا تعرف هذا الواجب أيضاً إلا بصفته قائمةً طويلة من المهام المادّيّة المملّة، ولا تقضي الوقت الزائد عن ذلك إلا بتزيين البيت والتجوّل في المحالّ التجارية ولغو الحديث مع الجارات والصاحبات الذي غالباً ما يكون غيبةً للزوج أو نميمة لغيرها من النساء!

الصورة النمطية حول الأمومة

إضافة إلى ذلك فقد زرعت الثقافة الشعبية في النساء فكرة تمجيد “التضحية البطولية” التي صارت منوطة بدور الأم المتفانية، تلك التي تعتني بترتيب البيت أكثر من عنايتها بإتمام خشوع الصلاة، وتلك التي تتقن كل فنون الطبخ وتحضير الولائم، ولا تكترث بواجب طلب العلم المفروض عليها، أو إجابة ما يدور في خلدها من شبهات وتساؤلات حول وجودها وهويتها. إنها أم مثالية بنظر مجتمعها لأنها ذات أبناء مهذبين مرتبين على الدوام، بينما هي نفسها جاهلة بالسبب الذي يجعلها تنهك نفسها في سبيل إرضاء كل الناس إلا نفسها التي بين جنبيها والتي هي مناط اختبارها وسبيل نجاتها {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10].

ولنتوقّف أولاً لنقول إنه ينبغي أن نلف هذه الصور النمطية التعيسة والبعيدة كل البعد عما يريده منا خالقنا تبارك وتعالى بكل ما فيها من خداع ومزج بين الحق والباطل في حزمة واحدة ونرميها إلى مقبرة النسيان، وننظّف فكرنا وتصوراتنا عن الأمومة منها، ثم نبني فهمنا لمهام التربية ودور الأم التي جعلها الله أحق الناس بحسن الصحبة كما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأننا إن كنا لم نأت لها العالم بإرادتنا، ولم نخلق أنفسنا ولا اخترنا الزمان ولا المكان الذي ولدنا فيه، فإن العقل يفرض علينا أن نتلقى وظائف وجودنا من خالق الأكوان تبارك وتعالى لتكون الإجابات الصحيحة لدينا حين نُرَد إليه ونسأل عن عمرنا فيم أفنيناه وجسدنا فيمَ أبليناه.

خطوتان إلى الوراء
ينبغي أن نتذكر في حديثنا عن دور الأم أنها أمة لله قبل أن تكون أمّاً وزوجة، هي نفسٌ إنسانية وضعها الله في هذا الكون من أجل الاختبار كما قال جلّ وعلا {ليَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [النّبأ:2]، فهي تشترك مع كلِّ البشر بأنها ممتحنة في أن تؤمن الله وتتوجه إليه وتستكثر من الصالحات ما عاشت، وتشترك معهم كذلك في أصول هذا الابتلاء، من كونه متعلقاً بتزكية النفس لتقوم بما أمرها به خالقها خشيةً سخطه ورجاء رضاه وحباً له جل وعلا، والأبناء والزوج في ذلك فروعٌ عن الأصول، فهم طريق لطاعة الله والتقرب منه بكل كلمة ونظرةٍ ولحظة تقدمها من نفسها لهم، كأي مسلمٍ يجتهد في عبادة الله، ويخدم أمّه المريضة كجزء من هذه العبادة متقرباً بها إلى مولاه سبحانه.

والمشكلة في موضوع الأمومة -كما أرى- بدأت حين توقفنا عن استحضار الغيب في الأعمال الروتينية وغاب عنّا ذكر الموت والآخرة في الحياة اليومية، وصار همّ الناس محصوراً في النفع المادي الحاضر العاجل من أي سلوك، ولأن تربية الأبناء قد تعطي ثمرةً متأخّرة وقد لا تفعل (فالله يهدي من يشاء).

لقد حوّل المجتمع هدف الأمومة من كونه جزءاً من تحقيق العبودية لله إلى تحصيل المديح والثناء المجتمعيّ على ما يظهر للناس من الأعمال، وسبحان الله الذي افتتح صفات المفلحين المهتدين في سورة البقرة بإيمانهم بالغيب وختمها باليقين بالآخرة الذين ينبني عليهما تحديد أولويات المرء ومن ثمّ الأعمال التي تشغل جدوله اليومي، قال تبارك وتعالى: {ذَلِكَ الكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة:2-5].

الأمومة عند الأم المسلمة

فالأمومة إذن لا تنحصر في مهام مادية بسيطة، بل تتعداها إلى أداء حق النفس من حيث تزكيتها وتعليمها وفهم هويتها وغايتها والترويح عنها لتتمكن من طاعة ربها وتمثيل القدوة السعيدة المطمئنة لأبنائها، وإعطائهم من عاطفتها وفائض نفسها، ولئلّا تتعلّق بهم بشكلٍ مرضيٍّ يغلب عليها ويتعبها، إضافة إلى ذلك فهناك تربية هؤلاء الأبناء، وقد شرح د. إياد قنيبي مكونات التربية في الفيديو المعنون “بس تربية؟”[i]، حيث وضح أنها تعني بناء الإنسان الذي يعمل لتحقيق العبودية بمفهومها الشامل لصلاح الدنيا والآخرة. وهناك كذلك القيام بحق الزوج الذي جعل الله السكينة والمودة والرحمة التي تجمعه بزوجه من آياته تبارك وتعالى في الدنيا. فهذه هي الوجوه الثلاث التي ينبغي أن نرى الأمومة من خلالها، وهي ثلاثتها تنضوي في مفهوم عبادة الله تبارك وتعالى والنجاح بالامتحان الذي وُضِعْنا فيه، وذلك تطبيقاً لكلمة سلمان الفارسي رضي الله عنه التي أقرها النبي صلى الله عليه وسلم (إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعطِ كل ذي حق حقه) -أخرجه البخاري-.

ماذا عن تحقيق الذات؟
هل من الممكن أن تقوم المرأة بكل ذلك ثم لا تشعر بتحقيق ذاتها؟ هل يمكن أن ترى أنها في كل لحظة تملأ ميزان حسناتها عند الله تبارك وتعالى وتزرع بذوراً لمجتمع أفضل، ثم تحس بأنها إنسانة ناقصة لا شخصية لها؟ وإن كانت تشعر بذلك فعلاً، فهل ستجد الحل لذلك في مجرد وظيفةٍ خارج بيتها؟  

الحقيقة أن للعمل عدة جوانب إيجابية، وقد يكون ضرورياً بالنسبة لكثير من الأمهات في عالم اليوم، لكنه وبلسان معظم الموظفين لا يقدم إجابة لقضية تحقيق الذات، بل إنه يصعب إيجاد تعريف منضبط لتحقيق الذات، لكن الأكثر رواجاً له هو التعبير الحر عن النفس وإحداث التغيير، فمعظم الموظفين يعملون في جداول روتينية محصورة في تنفيذ رؤية إدارة الشركة وتكرار ذلك على أيام الأسبوع ومن ثم الشهور ليتقاضوا مرتبات يدفعون بها أجرة بيوتهم وفواتيرها، ولا يتاح لهم في ذلك إبداء رأي أو إحداث تغيير، وهذا ما تثبته الإحصاءات، فقد وجد تقرير بيانات لـGallup أن 13% فقط من الموظفين حول العالم يحبون الوظائف التي يعملون بها، ويستيقظون متحمسين للقيام بها كل صباح![ii]

وليس المقصود من ذلك النهي عن العمل خارج أو الدخول في فتوى حله أو حرمته، إنّما فصل مفهوم الوظيفة عن مفهوم تحقيق الذات، وتوضيح أن الأم التي تعرف ما لها وما عليها وتقوم به تكون محققة لذاتها وإن لم تتقاضَ على كل فعلها فلساً واحداً من أحد، فلكلّ امرأة ظروفها وقدراتها وحاجاتها التي تعرفها هي من نفسها، وليس في الأمر منافسة ولا سباق مع أحد، إنما هو طريقٌ إلى الله يسلكه كل منا بحسب ما يمكنه.

إذًا لا توجد قائمة مهام شاملة وافية تسري على كل الأمهات إن حققنها تيقنّ رضا الله عنه، لكنها خطوط عامة من الأولويات والأساسات التي تنظر لكل شيء على أنه جزء من العبودية لله، وهذا ما نلمسه في الاختلاف الذي وجد في نمط حياة الصحابيات اللواتي منهن من كانت تعمل في حقل زوجها وتساعده، ومنهنّ من كانت تبقى في بيتها مع بنيها، ومنهن من كانت تخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للجهاد، ومنهن من كانت تعلم النساء القراءة والكتابة، وهكذا..

ثم ماذا؟
بعد أن قررنا أن هناك نظرة مجتمعية خاطئة تجاه الأمومة وظالمة في التعاطي مع مستحقاتها ومفهومها، وأن هناك ترسبات وعوالق كثيرة في النفوس حول هذا الموضوع، نجد أنفسنا –نحن الأمهات- أمام خيارين: أولهما أن نعيش دور الضحية، فنختلق الأعذار، ونعيش مع الذكريات، ونضيع العمر في ذم الزمان السيء الذي ولدنا فيه، ثم نأتي يوم القيامة وقد فرّطنا بفرصتنا الوحيدة في النجاة الأبديّة -معاذ الله من ذاك الخسران العظيم- أو نلجأ للخيار الثاني حيث بإمكاننا التوقف والتفكر في أن الموت قد يأتي في أي لحظة، وفي أننا سنأتي يوم القيامة أفراداً لا يمكننا لوم أحدٍ على أعمالنا، ولا تعليق أخطائنا بغيرنا، فنفهم أننا أفراد من هذا المجتمع نملك القدرة على تزكية أنفسنا وتربية جيلٍ متحرر من جاهلية المجتمع وإعلامه الذي تعرضنا نحن لها.

ولا ننسى نهايةً أن ننبّه إلى أن دور الأمومة جزء من مسؤولية رعاية البيت التي تتشاركها الأم مع الأب، فمن الضروري أن يعلم الرجل عِظَم المسؤولية التي أوكل الله إليه، فيطلب ما لا يسعه جهله من العلم المتعلّق بتربية الأبناء في واقعه، ويستشعر حاجة زوجته لدعمه وتقديره أمام سيل المادية والنسوية والشبهات الذي يواجه ثباتها على ثغرها، فالرجل راعٍ في البيت قبل المرأة، وهنا تبرز حاجتها لقوامته وولايته وحمايته لتوجّه الأسرة وتركيزها على هدفها الثابت وهو تحصيل رضا الله وجنته تبارك وتعالى.


[i] د. إياد قنيبي. بس تربية. (6) “بَس تربية؟” – YouTube

[ii] Jena McGregor. Only 13 percent of people worldwide actually like going to work, 2013. The Washington Post.

Only 13 percent of people worldwide actually like going to work – The Washington Post

كيف تضيع الأخلاق؟

أن يكون هذا الزمن متطورا في مختلف النواحي المادية والتقنية والصناعية فإن ذلك لا يعني علوّ سويّة الأخلاق والقيم والإنسانية فيه، بل إن هذا التباين الحاصل مؤشر واضح على وجود خلل في تركيبة الإنسان المعاصر، وهو دليل قاطع على حالة الانحدار السريع نحو تلاشي القيم الأخلاقية وضمور الحس الإنساني، لأن أصل الصلاح البشري ليس بلوغ التطور المادي وإنما التوفر على فكر سليم وروح نقية وقيم نبيلة، وفي حال غياب ذلك أمام الاستفحال المادي الواقع في عصرنا فإن الانحدار الأخلاقي حتمي وسيكون مصير البشرية الذي لا مفر منه قاتما.

خطوات في طريق الانحراف
“كانت النصرانيات واليهوديات من أهل الشام يلبسن قبل الحرب الأولى الملاءات[1] الساترات كالمسلمات، وكلّ ما عندهن أنهن يكشفن الوجوه ويمشين سافرات، وجاءت مرة وكيلةُ ثانوية البنات إلى المدرسة سافرةً، فأغلقَت دمشق كلها حوانيتَها وخرج أهلوها محتجّين متظاهرين، حتى روّعوا الحكومة، فأمرَتها بالحجاب وأوقعَت عليها العقاب، مع أنها لم تكشف إلاّ وجهها، ومع أن أباها كان وزيراً وعالِماً جليلاً وكان أستاذاً لنا”[2].

علي الطنطاوي

هكذا يحكي الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله عن الحال التي كانت عليها بلاد الشام، كانت النساء المسلمات متسترات تمام التستر، حتى أن غير المسلمة كانت تُعرَف بسفور وجهها، وكان الرجال يغارون أشد الغيرة على أعراضهم وعلى أخلاق مجتمعهم، كل ذلك كان قبيل عام 1914م، ولأن طبيعة هذا المجتمع تبعد الشباب عن الانشغال بالمغريات والالتفات للشهوات، لم يكن هنالك ما يلهي ويصرف الشباب عن التعلم والبناء، فكان إزالة تلك الحواجز بين الشباب وما يلهيه هي الخطوة الأولى لهدم كيان المجتمع عن طريق هدم شبابه، وبدأ ذلك في فترة الاحتلال الفرنسي لسوريا حيث بدأوا بجعل المدارس مختلطة وبإدخال المدرسين من الرجال على البنات بحجة فقد المدرّسات القادرات، ثم احتجوا بالرياضة فكشفوا من أجلها ما كان مستورًا من الأجساد[3].

عقود تلو عقود، وهذه الحوادث وغيرها تتصاعد مع مرور الزمن ويزداد الفساد أكثر فأكثر، فبعد أن كان الناس حريصين على أن تصبح الأخلاق الحسنة هي السمة العامة لمجتمعاتهم وأن يكون من يخالفها شاذا عنها منبوذا منها، أصبح الالتزام بالأخلاق من عدمه أمرا اختياريا مرهونا بإرادة الفرد، وما زلنا نشهد الحملات الممنهجة لنشر الفوضى في الأخلاق وتضييع القيم الاجتماعية بإماتة الحياء والغيرة.

نماذج على طريق الضياع
استوقفتني مقاطع مصوّرة بثتها إحدى الصفحات السورية التي تجاوز متابعوها المليون على منصة يوتيوب، وما هي إلا دقائق حتى ظهر فيها ما يندى له الجبين وتقشعر منه الأبدان، فمحتوى الفيديوهات المصوّرة لا يوحي بأنها صُوّرت في مدينة محتشمة حيث إن كل ما فيها يثير الغرائز ويحرك الشهوات ويظهر تدنى مستوى الحياء وذهاب فكرة الغيرة على الأعراض من عقول الناس بشكل علني جهارا نهارا.

يقف مقدم المحتوى في الشارع يستضيف المارة ثم ينثني إليهم بأسئلة ملؤها الميوعة، ووصل به الأمر أنه تحدى إحدى الفتيات “المحجبات” بأن تلحق أحد الرجال طالبةً منه أن يخطبها، ويا له من مشهد مؤلم أن يكون الاستهتار بالحياء أمرا سائغًا ومضحكًا ما دام في إطار كوميدي جذاب.

لنفترض حسن الظن بالصفحة وأن القائمين عليها ليسوا من رعاع الناس، وأنهم لم يختاروا أحياء معينة دون أخرى ليقوموا بمقابلاتهم فيها، وأن هدفهم هو فقط رسم البسمة على وجوه الناس، وحَـمْلهم على حسن الظن كان لأن وجود أمثالهم ليس هو المصيبة الآن، إنما قبول عامة المجتمع لهذا النوع من الأفكار وكأن ما يقومون به نوع من الترفيه المباح هو المصيبة بعينها.

ماذا يبقى من المجمع إن هدِمَت الأخلاق
من المؤكد أن الأخلاق تشكل ركنًا أساسيًّا في أي مجتمع، فهي الضامن لاحترام الناس بعضهم لبعض، وهي السبيل لتمتين العلاقات وتعزيزها بالمحبة والأدب، وهدم أخلاق المجتمع يتخذ أشكالاً مختلفة وينطلق من نقاط متعددة، كالانحلال الشهواني أو تفشي الفساد المالي، وباجتماع هذه الآفات كلها تكون أركان الأخلاق في المجتمع قد نقضت واحدة تلو الأخرى.

إن كون انتهاء الأمة مقرونا باتباعها لشهواتها وانتشار الفسق فيها هو سنة الله في الكون، فقد قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]، حيث يرى المفسرون أن معنى الآية هو تسلّط الأشرار فيها حيث يصعّدون من معاصيهم فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب[4].

يروي لنا التاريخ حادثة لمروان آخر خلفاء بني أمية حيث مرّ براهب وهو هارب من العباسيين، “فاطَّلَع عليه الراهب فسَلَّمَ عليه فقال له: يا راهب هل عندك علم بالزمان؟ قال: نعم! عندي مِن تلَوُّنه ألوان. قال: هل تَبْلُغ الدنيا من الإنسان أن تجعله مملوكا بعد أن كان مالِكا؟ قال: نعم! قال: فكيف؟ قال: بحبه لها وحرصه على نيل شهواتها”[5].

ومن ذلك ما حدث في عصر سقوط الأندلس، حيث “إن الأندلسيين في أواخر أيامهم، ألقوا بأنفسهم في أحضان النعيم، وناموا في ظل ظليل من الغنى والحياة العابثة، والمجون وما يرضي الأهواء من ألوان الترف الفاجر، فذهبت أخلاقهم كما ماتت فيهم حمية آبائهم البواسل، لقد استناموا للشهوات وللسهرات الماجنة والجواري الشاديات، وبحكم البديهة فإن شعبا يهوي إلى هذا الدرك من الانحلال والميوعة والمجون، لا يستطيع أن يصمد رجاله لحرب أو جهاد، أو يتكون منهم جيش قوي كفءٌ للحرب والمصاولة”[6]، وقد أشار المستشرق كوندي إلى سبب انهيار الحضارة الإسلامية في الأندلس ورضوخها آخر المطاف لسلطة ممالك إسبانيا النصرانية بقوله: إن العرب سقطوا عندما نسوا فضائلهم التي جاؤوا بها، وأصبحوا على قلب متقلب، يميل إلى الخفة والمرح، والاسترسال بالشهوات”[7].

الأخلاق وسُنن التاريخ

مالك بن نبي

في إطار دراسة ابن خلدون لتاريخ السقوط والنهوض في الأمم السابقة توصّل إلى ارتباط انهيار الملك في دولة ما بفساد رؤسائها وركونهم إلى فاسد العمل، فقال: “إذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل، وسلوك طرقها، فتُفقد الفضائل السياسية منهم جملة، ولا تزال في انتقاص إلى أن يخرج الملك من أيديهم ويتبدل به سواهم”[8]

ويقول مالك بن نبي في الإطار ذاته: “دورة الحضارة إذن تتم على هذا المنوال، إذ تبدأ حينما تدخل التاريخ فكرة دينية معينة، أو عندما يدخل التاريخ مبدأ أخلاقي معين على حد قول (كيسرلنج)، كما أنها تنتهي حينما تَفقد الروحُ نهائيا الهيمنة التي كانت لها على الغرائز المكبوتة أو المكبوحة الجماح”[9].

وهنا يأتي سؤال لا بد منه، وهو: كيف وصل الغرب إلى هذه الحضارة مع قلة انتشار الأخلاق فيه؟
لعل من أهم أسباب بقاء الغرب متحضرا إلى الآن هو تمسكه ببعض القيم القانونية والأخلاقية التي تضمن تماسك بنية الدولة واستمرار تقدّم دورة العلم والمال فيها، لكن هذه الظاهرة لا تنفي مساوئ تحول العلم من معرفة إلى صانع للمادة، فقد أدى ذلك إلى الإسهام في انتشار الإلحاد واندثار كثير من القيم الأخلاقية، وهو أمر مؤذن بقرب نهاية دورة الحضارة فيها[10].

إن للحضارة شقان: شق مادي، وشق ثقافي، فهم الآن في أوج عصور حضارتهم المادية، ولكن على صعيد الثقافة والأخلاق فهم على شفا جرف هار، أما المسلمون فقد تهدّم بنيانهم المادي وضاع شقهم الثقافي، وطريق الخلاص من ذلك يبتدئ بإعادة بناء منظومة الأخلاق بما يرضي الله الذي قال: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27].

                   وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت *** فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

إن من أهم الواجبات على المؤثرين في الشعوب المسلمة أن يعملوا على تنمية فطرتهم الطيبة قبل أن يأتي من يستعملها لحظوظ نفسه ولأفكار متطرفة لا تمت للإسلام بصلة، وأن يسعى لإصلاح الأخلاق وتقويمها فهي عماد ثبات المجتمع، وهي بداية عودتنا إلى أفضل مما كنا عليه إن شاء الله، {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].

[1] أي العباءات.

[2] ذكريات، علي الطنطاوي (5/ 291).

[3] ينظر: ذكريات، مرجع سابق، (5/ 271).

[4] التفسير المنير للزحيلي (15/ 37).

[5] البداية والنهاية ط الفكر (10/ 48).

[6] مصرع غرناطة، شوقي أبو خليل ص94 بتصرف.

[7] عوامل النصر والهزيمة، شوقي أبو خليل ص110.

[8] مقدمة ابن خلدون ص130، ط دار الشعب، ت علي عبدالواحد وافي.

[9] شروط النهضة (ص: 70).

[10] للمزيد انظر كتاب الإسلام والغرب للشيخ البوطي ص21، وكتاب نحن والحضارة الغربية لأبي الأعلى المودودي ص30، ومقال “الأخلاق ودورها في سقوط الحضارات” لمحمد عدنان شيط.

كم من حليمة؟

بنهاية شهر نوفمبر من عام 2020، ظهر منشور لعارضة الأزياء الأمريكية من أصل صومالي حليمة عدن- والتي اشتهرت بأنها عارضة أزياء عالمية محجبة- على حسابها بموقع إنستغرام تعلن فيه اعتزالها تلك المهنة لأنها تخالف قيمها الدينية وما تربّت عليه، وذكرت أن توقفها عن العمل بعد جائحة كورونا قد منحها وقتا للتفكير والمراجعة واتخاذ القرار، ونشرت معها بعض تفاصيل وخلفيات اتخاذها لهذا القرار.

 لله درك يا حليمة، أدمعتِ عيني وأثرتِ بالقلب شجونا…

نعم، أعادتني رحلتكِ إلى واقع مزر طمست حقيقته مظاهر تخلب العيون وتفقد الألباب صوابها، واقع عالم اليوم يأخذ بناتنا إلى عالم سحري، إلا أنه مسموم، عطري الرائحة لكنه موبوء، فدعينا نحدث بناتنا من خلالك أيتها العاقلة التي أبصرت النار قريبا فولَّيتِ قبل أن تحترقي وتصيري ذكرى بائسة..

لا ريب أن تصريحات حليمة وكلماتها حملت دروسا أحببت أن أتأملها وأهديها لبناتنا اللواتي تتشوق كثيرات منهنّ لتجربة الشهرة التي مرّت حليمة بها، ظنًّا أن فيها رفعة ومكانة ونجاح، فتتوق كثير من فتياتنا ونسائنا الملتزمات أو اللواتي نشأن في بيئة محافظة أن يجدن أنفسهن أو من يشبههن في ذلك الموقع الذي كانت فيه حليمة وفي أنماط أخرى لا يليق بالمرأة عموما والمسلمة خصوصا الوجود فيها كالتمثيل مثلا وعروض الأزياء والرياضات المشهورة وغيرها. لذلك كان حريا أن ننظر في كلمات واحدة ممن خضن هذه التجربة، لنرى ما وراء الصورة واللقطة المبهرة.

 الصدق مع النفس نجاة
يقول ربنا في كتابه العزيز {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ* وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 14- 15]  لكن الإنسان كثيرا ما يُسقط تلك النفس في أغوار عميقة كثيفة الشباك، يخفيها عن وعيه، فلا يكاد يدرى عنها شيئا أو يلتف عليها هروبا أو مخادعة.

تذكر حليمة بداية أثر ذلك الوباء الذي اجتاح عالمنا في اتخاذ قرارها الصائب؛ جلوسها في البيت، وابتعادها عن دائرة التأثير والتأثر لفترة، فأجرت مع النفس حوارَ مصارحة أَثْمَرَ خيرًا، وفي هذا تنبيه ووقفة تستحق ألا نتغافل عنها.

إن النفس بطبيعتها خداعة، ومن اليسير عليها أن تجذبك إلى طريقها الموهوم بحيل شتى قد لا تفطن لها إذا لم تكن واعيا. لذلك يكون من الواجب ألا يركن الإنسان إليها مطمئنا ظانا أنه إنما يتحرى الحق ويسعى نحو الفلاح وقد يكون في الطريق المعاكس له، فأصعب أنواع الصدق هو الصدق مع النفس لأنه يتطلب نفسا سوية لا تخشى المواجهة ولا تتخذ التجاهل سبيلا، والطريق الأقصر إلى حياة مطمئنة راضية تنتهي بالفوز والرضوان لن يكون إلا بالتصالح مع تلك النفس السويّة والجلوس إليها، وفهم ما ترمى إليه وسؤالها الدائم عن وجهتها وعن سبيلها.

إذا كانت حليمة قد صدقت تلك المرة في مواجهتها للنفس وإدراك ما هي حقا عليه، فإن الاستمرار في تلك المراجعة ومتابعة الخطوات وسؤال النية والهدف من أعظم السبل التي ينبغي علينا سلوكها كي لا ننخدع بنفس مضطربة أو فكرة متزينة أو مبدأ ملتو لا يثبت مع الفقه والعلم.

 لا يأتي الموج دفعة واحدة
إننا قد ندوس بخطواتنا الشوك الكثيف ولا نتبيّنه بينما تتورم أقدامنا وتسيل على الأرض دماءنا حتى تتخدر وتأخذنا حيث تريد.

قالت حليمة: إن حجابها قبل اثني عشر عاما كان شرعيا.. نعم، كان ذلك ما ترضى عنه وتعرفه، وحين دخلت عالم الصورة والأثر، قبلوا بحجابها أول مرة، لا بأس لديهم إذا كانت ما تحته يوافق صورتهم..

في كل مرة كانت تختلف الصورة الأصلية وتهتز جوانبها، تنقص شيئا ما، لم يطلبوا نزع حجابها ولن يطلبوا، فهي أو غيرها من المحجبات في هذا الطريق هي من ستفعل..

إحدى منشورات حليمة على حسابها على إنستغرام

ستجد البون شاسعا، تكبلها تلك القطعة من الثياب، فهي لا تليق بها على بنطال تضيق حوافه وتلتصق بما يليها، أو قميص منتفش الأوداج ستتوقف إحداهنّ كثيرًا أمام ياقته التي لابد أن تظهر، ويختفي معها بقايا غطاء كان ينسحب في السابق على ما يلي الياقة بكثير..

لن يكون مناسبا يا صغيرتي أن يعلو الثوب الرقيق المنضبط بالتمام على كل جزء فيكِ، قطعة ضافية ساكنة بلا تغيير..ستتحول تدريجيا إلى لفافة أو عمامة تغطي الخصلات وتبقى النحر مكشوفا وتظهر ما يتزين به الأذن..

مررتِ بذلك كله يا حليمة فأدركتِ كم يصبر الزيف على زيفه حتى يستطيل ويظهر كحقيقة موثقة، أدركت كيف يأخذنا الهوى عبر درجاته المدروسة خطوة خطوة، لا يغمرنا الموج يا حليمة دفعة واحدة فنرى الغرق مؤكدا وندفع بكل قوتنا لننجو، بل موجة إثر موجة، رقيقة أولا ثم تعلو شيئا فشيئا حتى لا نكاد نشعر بها فلا نقاوم لأننا نظن أنها كسابقتها لطيفة تداعبنا ثم تترك، خفيفة لن تأخذ منا إلا القليل، وتمنحنا في المقابل دغدغة وانتعاشا يطول أمده حتى نستعذبه ونظنه الأصل الذي يجب أن يكون ويظل ولا يغادر أو نغادره.

الأضواء فتنة
ما الذي أوصل حليمة إلى ذلك التدرج الذي قصصنا خبره في الفقرة السابقة؟

إنها تلك الجمرة الناشبة في الأعماق وبين الضلوع، جمرة الشهرة أو الظهور على الملأ، والظمأ لأن ترى وتُعرف وتصير نموذجا يعرفك الناس بشيء، فيتطلعون لك ويغمرونك بثناء وربما بحب، باتباع أحيانًا وخصومة وعداء في بعض الأحيان، فتلك الآفة لا تخص شخصا بعينه، بل هي سحر يتخلل مشاعر المرء ويجرى في أعصابه، وهي فتنة لا يسلم منها إلا من عصمه الله.

 دخلت الباب صاحبتنا فتزحزحت عن موقعها وكادت ألا تسلم، وكيف تسلم وقد صارت صورتها على أغلفة مجلات الموضة وإن تلونت ببعض الطلاء الذي يُسكن يقظتها، ذلك اللون الإسلامي أو الملصق الذي نضعه أحيانا لنخرج من حشرجة الصدر إلى مساحة الغفلة الواسعة.

تطارد الشهرة بناتنا اليوم ما بين طاهية حاذقة وقائدة رحالة أو خبيرة جمال أو صانعة محتوى أيا كان لونه ومادته، وتنتظر على أبواب تلك الطرق جميعها ألغام ومنحدرات خطرة، والحق أن دخول هذا العالم يتطلب ضوابط خاصة ويحتاج نفوسًا سوية تعرف ما لها وما عليها فإن آنس أصحابها زورا أو وجدوا انحدارا في خطها الغائي المرسوم قبلا سحبوا أنفسهم ليزيلوا عنها آثار السقطات وليجدوا الطريق الأوضح والأزكى.

الصورة خادعة
كنت ترين صورتكِ فتعرفين وتنكرين، أما غيركِ فقد كان يرى وينبهر، أو يرى ويتمنى، أو يرى ويسكت، ويجد في نفسه نكتة، تلك التي تدفعه للاقتراب شيئا فشيئا من زيف الصورة.

فتياتنا اللواتي أرحمهن لأنهن يتطلعن فلا يجدن في مواطن النظر سوى ذلك التيار الهادر الذي يسحب من خلفه عيونهن المتطلعة وأمانيهن المتدفقة، ولكني كذلك أعتب عليهن إذ لم يتفقدن مواطن أخرى هادئة كسيل القطرات إذا تجمع والتقى، مواطن فيها النور لا الظلمة، والصحة لا الزيف، والصدق لا ما نرغم أنفسنا على تصديقه.

قد كنتِ يا حليمة في تلك الصورة، تلك التي ترى مثلها بناتنا فتقول: فاتني الكثير، لست إلى هذه ولا تلك.. معلقة أنا بين من تحرروا ومن توسطوا، تعوقني قطع من القماش الغليظ من الأعلى والأسفل.. وها قد جاءت رسالتك تضع لهن وسامًا وتقول لهن: قد فزتن إذ لم تغادرن المواقع الأولى.. فالتحرر في عالم اليوم يراد به التحرر عن الرقيّ والغاية والمبدأ، إنه تحرُّرٌ يجعلك عبداً، لا لصاحب الخلق والأمر، بل لشيء رخيصٍ في داخلك كان من الأجدر أن يكون لك تابعا، فإذا به يكبر ويتضخم حتى يصير حاكمًا على سيرك وتوجهك..

من منشورات حليمة على إنستغرام

إنه الهوى الذي ما إن تتحرر على طريقة أهله حتى يأخذك بمركبه إلى ساحلهم فتكاد أن تغرق إذا لم تستعد أنفاسك وتولي نفسك هاربا، أما التوسط الذي يطلبون فإنه وقوف على حافة طريقين مترددا، عيناك عند كل منعطف لاجئة، تكاد تقفز في كل لقطة خادعة ومع كل صورة زائفة، ثم تفيء حينا، ولا تكاد تجد نفسك إلا قليلا، فما أبشع الصورة التي لها ظاهر وباطن، باطن مقهور يئن من وجع الروح وألم البعد وظاهر مبتهج يواصل الصعود نحو المنى.

الرفقة حصن
ولقد وقفت أمام تلك الصورة الحقيقية التي لم يتم فيها خداع الروح أو تغطيتها.. صورة تلك الرفقة الآمنة التي تأخذ بيدكِ فإن فاتتها اليد أشارت إلى العلامات على الطريق، هنا خطر فتنبهي، هنا لغم فارجعي.. رفقتك يا حليمة كانت دليلاً لكِ عندما غابت لديك الرؤية.. فأي رفقة لمن يراك كي يرتدع فيعود عن الخطو نحو الوقوع؟

إن الرفقة الآمنة يا بنيتي هي تلك التي لا تتركك لهواك وإن خسرتكِ ظاهرا، تلك التي تذكرك من أين أنا وإلى أين.. تلك التي كانت لها معك وقفات وجلسات صالحة، تلك التي يجمعها رباط الإيمان والخوف عليه، تلك التي تبصر نهاية الطريق وتريد أن تجتازه معا. تلك الرفقة ستكون لكِ الحصن وقد كانت، ستكون لمن يريد بريد الرجوع، لكنها لتكون كذلك لابد أن تبني على ذلك، فيكون فيها ذكرُ الله حاضرا، والتواصي بالصبر والمرحمة والحق معلمًا، حتى إذا انفلّ واحد خارجها، ذكّروه فتذكر. أما الأخرى التي لم يجمعها إلا اللهو ولم تجلس مرة مجلس حق، فأنى تكون منها الذكرى..

ليس مثل الأم الصالحة
تركت ذلك العنوان إلى آخر الرسائل يا حليمة رغم أنه كان أولا في رسالتك ليكون الختام مسكا كما علمنا ربنا.. وأي مسك أطيب ريحاً من سيرة أمّ لا تمل من نصح بضعتها إذ تراها سلكت غير ما تحب. إنها تلك الأم التي وجهتها الله، وهي المرأة التي لا يصرفها جمال ابنتها واجتماع النظرات المعجبة على صورتها عن رفض ما لا يقبله إيمانها ودينها.

إنه امتحان ليس من السهل على كل أم في تلك الديار المتزينة اجتيازه، ذلك الحب لبضعة القلب، ذلك الإعجاب بها ولها، ذلك الخوف أن ينكر عليها أحد أو ينظر إليها شزرا، فتصمت عن فرض الله وتتناساه شيئا فشيئا صونًا لابنتها عن أي أذى نفسي أو جسديّ تتوقعه، وتنسى أن من أمر هو من يحفظ وهو الأعلم والأحكم.

كان ذلك الاختبار يسيرا أنهته الأم الصالحة مبكرا في مرحلتك الأولى عندما جعلت حجابك الساتر جزءا لا يتجزأ منكِ. لكن امتحانا آخر متقدما تعرضت له كانت فيه أشد صمودا حتى أثابها الله بعودتك سالمة نقية.

إنه امتحان الهوية القلقة، إثبات الذات بين قوم لا يقدرون، الاندماج المطلوب، إثبات التفوق، أصوات ترتفع وتصفق، رياضية مسلمة، سياسية عربية، عارضة محجبة، وألقاب أخرى جاذبة وخادعة.

إن الأم المتفوقة حقا لم تُخدع، لقد أبصرت نهاية الطريق وأخبرتكِ.. كانت تذكركِ بمن تكونين، وما يليق بك وما لا يليق.. وقد نفع الله بتذكرتها فعافاكِ من الغوص بعيدا في الاندماج البئيس، وعدت تذكرين فضلها وكرم الله لكِ بها. ألا فلتصابر كل أم، ولتتلمس كل فتاة أشعة الشمس من وراء كلمات الأمهات الصالحات.

تلك رسائل ألهمتنا بها عودة حليمة، عارضة الأزياء المسلمة الأمريكية، من طريق ظنته منتهى آمالها، فإذ به يخرج بها عن جادة الطريق فيلهها الأمل ويغري بها عن السبيل..

نسأل الله أن يثبتها، وأن تبقى على الطريق الذي آمنت بصحته فإن الاختبارات حتما قادمة، فليحفظ الله عليها إيمانها وصدقها، وكم لدينا من حليمات انطلقن ولم يعدن أو ما زلن يتأرجحن بين موج الزبد وبين نهر يتدفق بالخير لا يتوقف، فليتهن يقرأن ويأخذن القرار الأصوب.

ذُهان العصر

من الملاحَظ أن معيار نجاح أي عمل فني هو قدرته على إيصال رسالة أو فكرة معينة للمتلقي دون الحاجة إلى شرح أو تفصيل، كما يعتبر ناجحاً عندما تكون الرسالة مفهومة وواضحة لمختلف شرائح البشر في المجتمع، فنرى أن تذوق الفن المعقد أصبح شبه معدوم، وذلك بسبب تراجع وجود منظومة فكرية ثابتة لدى الإنسان الحداثي، فلا تحليل ولا محاولة لإدراك المعنى العميق للأعمال الفنية، حيث إن هدف الفن البصري الشعبي هو التركيز على ردات فعل الإنسان الطبيعية، حتى تكون النتائج شبه مؤكدة وفعالة.

قد يكون معيار النجاح (غير الرسمي) للتصميم -مما هو منتشر بين عوام الناس- هو إثارة الدهشة، أو الضحك، أو التأثير في الوعي والخلط بين الحقيقة والوهم، وهذا بحسب ما يذهب إليه الفيلسوف هيجل، الذي رأى أن الضحك ينشأ نتيجة لوجود التناقض بين المفهوم والمعنى الحقيقي الدفين الذي يقدمه هذا المفهوم.

الصورة على اليمين: عمل فني يتحدى مسلمات الإنسان الأولية. الصورة على اليسار: عمل فني يخلط بين ما هو مألوف وما هو خيالي.

وعادة ما تكون معايير نجاح الفن بعيدةً عن اعتبار المعايير الأخلاقية، فأصبحت إثارة الخوف والفزع بين المواطنين –مثلاً- عملًا مقبولًا وجائزًا لدى من يؤمن بنسبية الأخلاق، كما سنوضح بالأمثلة.

مع أن لهذه الثورة في الفن بعض النتائج الجيدة، حيث أصبح الفن يتكلم عن نفسه، فيصبح أقرب للفهم بغض النظر عن المستوى الثقافي للمتلقي. كما بات الفن مفيد جداً لطرح أسئلة وجودية لمن ضعف عندهم الوازع الديني، فتكون هذه الرسائل الفنية تنبيهًا للحقائق الوجودية التي لم يأخذوها بالحسبان مسبقًا في خضم الحياة المتسارعة، وهذا يوضح أهمية الفن وتأثيره في الإنسان.

إلّا أن اعتماد هذا النمط وحده من التعبير الفني قد يمحو الرقي في الفنّ تماماً بسبب تغيّر طرق استثارة المشاعر عند الإنسان الحديث، الناتج عن إهمال المسلمات الأولية للعقل، وذلك كما سنفصله في الأمثلة التالية:

هدم السياق لإيصال رسالة وجودية
نرى في الصورة الأولى مرآة موضوعة على عتبة درج في إحدى الطرقات، مما يوهم الماشي أنه سيسقط ويهوي في السماء، وبالرغم من أن هذا العمل الفني لا ضرر فيه من منظور مادي بحت، إلا أنه يعتبر جريمة أخلاقية يبث الخوف في الإنسان وإن كان لا تؤدي الى ضرر مادي مباشر على الماشي.

الصورة على اليمين: تم وضع لوح مرآة زجاجية على عتبة درج عام. الصورة على اليسار: لقطة لمشهد سريالي لإيصال رسالة وفكرة معينة.

الباطنية: الظاهر لا يدل على الباطن
لعله من الممكن تحريف المثل الشهير: قل لي من تصاحب أقل لك من أنت، إلى “قل لي ماذا تأكل، أقل لك من أنت”.

في الصور الآتية كعكات تم تشكيلها بأشكال غير اعتيادية، هنا نتساءل: هل يؤثر ذلك في وعينا أم هو شيء ظريف يستحق الضحك والمزاح؟

تصميم كعكات الحلويات على أشكال غير اعتيادية

يقول الفيلسوف هنري برغسون في وصفه الضحك بأنه عادة ما يكون مصحوبا بانعدام الإحساس “Insensibilité” فالعدو الحقيقي للضحك هو العاطفة، لذا فلكي نضحك ينبغي أن نكون غير مبالين، ومن هنا يدعونا برغسون إذن إلى التجرد من عواطفنا والتسلح باللامبالاة كي تتحول الأحزان أمام أعيننا إلى أفراح.

 ناصية كاذبة خاطئة
تعرّف الناصية بأنها مقدمة الرأس وتقول دراسات مختلفة إنها مكانٌ في المخ مسؤول عن اتخاذ القرارات والقيام بالخداع والكذب أيضًا، وهي كذلك كناية عن الرضوخ والخضوع، ومن ثم نستشهد بقول الإمام الرازي: “واعلم أن العرب إذا وصفوا إنسانا بالذلة والخضوع قالوا: ما ناصية فلان إلا بيد فلان”.

مثال على كتيب تعليمات لإحدى الآلات

إن التفكير في القرارات التي يتخذها الإنسان يزداد مع ازدياد تعقيد المسألة واحتياجنا لتحليل القرار بعمق إضافة للحصول على معلومات خارجية لدعم صحة قرارنا، أما القرارات العابرة مثل فتح الباب والجلوس على الكرسي، فتحدث مباشرة معتمدة على الحدس دون الحاجة للتفكير غالبًا، فلا نرى كثيرًا من الناس يدرسون كفاءة استعمال الكرسي ويحسبون الطريقة المناسبة للحصول على الراحة القصوى، أو الزاوية المناسبة لرؤية الغرفة بأكثر صورة شاملة، أو يحسِب الموقع والمقعد الأكثر كفاءة لوصول الصوت بوضوح في الغرفة الدراسية، لأن دراسة مثل هذه الأمور ليست من الأولويات عندهم، فالإنسان الطبيعي يعتمد على الحدس في اتخاذ هذه القرارات العابرة.

 كثرة رؤية التناقضات في المحيط المادي تؤدي إلى تخبط في ردات الفعل وفقدان الثقة بالظاهر، كما قد تدفع إلى تعطيل المسلّمات الأولية للإنسان ومبدأ اعتماد الإنسان على الحدس أيضًا. حينها سيصبح الإنسان بحاجة لورقة وكتيّب تعريفي فيه تعليمات معينة يوضح له الهدف من وجود المادة وطريقة استعمالها، حتى نقرؤه ونفهمه قبل استعمال كل أداة ومادة في حياتنا. لكن السؤال هو، من سيعطينا هذه التعليمات؟

إعادة برمجة للحدس
هل حاولت في مرة من المرات أن تفتح علبة ما أو تستعمل آلة ولم تعرف كيف؟ في بعض الأحيان نحن نتكاسل عن قراءة دفتر التعليمات ونحاول من خلال الحدس إدراك الكيفية التي تستعمل بها الآلة، وقد يضحك أحد ما فيقول: “لا، هذه ليست الطريقة لاستعمال هذه الآلة، دعني أُرِك كيف شرح المصمم طريقة تستعملها، فأنت لا تعرف”!

هنا نسأل: في حقيقة الأمر وواقعه، ناصيتنا بيد مَن؟
أليس كتيب التعليمات المسؤول عن كيفية استعمال المادة موجود أصلاً في الكائن الحي؟

نقصد بذلك الفطرة السليمة والحدس البشري بكل تأكيد.

ونعود لنتساءل أيضًا: هل هذه محاولة لمسح الفطرة والحدس الطبيعي وتبديله بكتيّب تعليمات جديدة من صنع البشر؟ هل الغاية أن نفقد الثقة بالحدس ونضع ثقتنا بيد المصممين؟

لكن هذا الأمر قد لا يخطر على بالنا، لكن من يدري، فعند استعمال أداة ما، وإثر العبث في تصميم الآلات والمواد قد نرى تؤثرًا في أفكار بعض البشر وعقائدهم؟

إنها مبالغة! هذا ما سيقوله كثيرٌ من الناس، بل قد يقولون: لا تعقّدوا الأمر، إنها مجرد قطعة كعكة لنستمتع بأكلها أو آلة معينة نريد استعمالها، فلا داعي لكل هذه الفلسفة والكلام المُعقّد، بل أنتم لا تعرفون الاستمتاع بوقتكم.

نماذج عابرة
قد يظهر لك في هذه الصورة بعض الأشياء المرمية التي لا قيمة لها، لكن انتبه، هذه قيمة فنية مجهّزة للعرض في مؤسسة فنية وليست أي شيءٍ يمكن إدراكه بسهولة، ربما يأتي عامل التنظيف فيرمي هذه الأشياء وحينها قد يصبح بحاجة للخضوع إلى تحقيق دوري للإفصاح عن علمه الباطني، وشهادة تثبت بصره النافذ و”رهافة إحساسه”، وقد يتعرض للمحاكمة إذا أطلق حكمًا على المادة وتصرف على أساسه دون أخذ موافقة المسؤولين.

(عمل فني) جاهز للعرض في مؤسسة الشارقة للفنون

خدعة مضحكة.. لا داعي للتشدد
لماذا غاب عن أذهان الناس قول الرسول عليه الصلاة والسلام: “لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً” [أخرجه أبو داود] وقوله صلى الله عليه وسلم أيضاً: “من أخاف مؤمناً كان حقاً على الله أن لا يؤمنه من أفزاع يوم القيامة” [أخرجه الطبراني]، ربما تم تطبيع عقولنا مع النسيان وعدم الاهتمام بالبحث عن خلفيات الأمور، لربما نسينا هذه الأحاديث وقلنا إن الموضوع لا يحتاج مواعظ كبيرة، فهي مزحة لطيفة خفيفة في النهاية.

لعبة تستعمل للخدعة على شكل علكة

لا بد من التأكيد أن التساهل والعبث بالهدف من وجود المادة بدأ مع عقولنا منذ أيام الصبا والدخول إلى المدرسة، عندما كنا أطفالًا ونخدع أصدقائنا بجعلهم يأخذون منا قطعة العلكة لنضحك حين ينصدمون أنها لعبة فيها لسعة كهربائية.


الصور:

https://cutt.ly/VjaB53X

https://cutt.ly/6jaNwI8

https://cutt.ly/kjaNtkT

https://cutt.ly/wjaNu7x

https://cutt.ly/DjaNhsd

https://cutt.ly/VjaNkUo

https://cutt.ly/IjaNzRD