image_print

فوز ثمين على حساب الرأي العام الدولي في الساحرة المستديرة 

صور نمطية مفزعة عن المسلمين والعرب سعى الغرب لترسيخها بكافة السبل في الرأي العام العالمي، ليست وليدة السنوات الأخيرة أو وليدة الصدفة والمواقف المفاجئة، بل تضرب جذورها في عمق تاريخي بعيد، فالعربي والمسلم من وجهة نظر الغرب هو الإرهابي غير المُتحضِّر، والشخص الذي يميل إلى العنف وإلغاء الآخر، إلى جانب وصفه بالمتعصب المنغلق على نفسه وفكره، وغير ذلك الكثير من الصفات.

العربي والمسلم.. أساطير وخيالات

“الشمال يجهل تماماً ما هو عليه الجنوب، في حين أنّ الجنوب يعرف الشمال تمام المعرفة”

توضح الأسطورة الشهيرة السابقة حقيقة الوضع فيما يتعلق بمعرفة الغرب للعرب والمسلمين بشكل يتناسب مع معرفة العرب للغرب، ففي الوقت الذي يندر فيه العودة للمصادر الحقيقية عن العرب والمسلمين، وقلما وجدنا من الغرب من تكبد عناء السفر وتعلم اللغة العربية للبحث والتعرف على حقيقة المعلومات من مصدرها كما يفعل العرب عندما يسافرون مشارق الأرض ومغاربها طلباً للعلم والمعرفة؛ تركت الساحة فارغة لوسائل الإعلام والقائمين عليها كمصدر وحيد لتشكيل الصورة المجازية عن العرب والمسلمين في ذهن الغرب.

أصل العداء الكامن لدى الغرب

لقد سعى القائمون على وسائل الإعلام إلى ترسيخ الصورة النمطية السيئة السابق ذكرها عن العرب والمسلمين، ليس جهلاً بالواقع، بل على العكس تمامًا، فقد تجد لديهم المعلومات اللازمة والحقيقية، لكنه العداء الحضاري والديني والعرقي طويل الأمد، حيث يرى المتتبع للتاريخ أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي استمر في مواجهة مع الغرب، إلى جانب انتشار التطرف اليميني، والإسلاموفوبيا ضد العرب والمسلمين وفي الوقت الذي يؤمن الغرب بأنه متفوق على غيره من الأعراق الأخرى وأي حضارة لا تنتمي لحضارته هي موضع ازدراء ورفض يكون ضرب من الجنون أن يسوق لغيره ويعاكس مبادئه القائمة على نكران الآخر، وبالتالي سعيه بكل الطرق لصناعة خطاب يزدري فيه الآخر مساهمًا في صناعة تيار يؤمن بـ “صدام الحضارات” وهو ما يشكل خطوط تقسيم وهمية بين الحضارات يبنى عليها مواقف تؤهل لحدوث صراعات وحروب باردة، وما حدث على مدار السنوات الماضية هو أحد ملامح تلك الحرب الباردة والتي شنت بهدف سحب بساط تنظيم المونديال من أرض عربية مسلمة بدافع عدائي.

صافرة بداية المونديال صافرة خسارة للحرب

يجمع المتابعون للإعلام الغربي على وجود ترسانة إعلامية تعمل في سياق متّحد بما تتفق عليه مختلف هذه الوسائل، بحيث يصعب مواجهتها واختراقها إلاّ بتشييد ترسانة موازية أو إرغامها على نشر الصورة الحقيقية.

هذا بالفعل ما فعلته قطر خلال مونديال 2022، فقد شكّل إقامة مونديال في أرض ينتمي أهلها إلى الهوية العربية والإسلامية، وبهذا الابداع والتميز بشهادة الخصم، أحد أهم القوى الناعمة التي ساهمت في تسديد ضرباتها النظيفة في شباك الخصم.

على الرغم من الحملات العنيفة وغير مسبوقة التي واجهتها قطر على مدار 12 عاما لمحاولة سحب تنظيم كأس العالم لكرة القدم من أول بلد عربي ومسلم، إلا أن صافرة بداية حفل افتتاح المونديال شكل صافرة نهاية لتلك الحملات الشرسة معلنة عن نصر دبلوماسيّ عربيٍّ وإسلاميٍّ سُمِع صداه في أرجاء العالم.

هدف قطر من تنظيم المونديال

سعت قطر من خلال فعاليات المونديال للحفاظ على الرمزية العربية الإسلامية وتوظيفها بكل ذكاء في مختلف فقرات الافتتاح وبث الصورة الحقيقية للعربي المسلم، ناسفة الصورة النمطية التي تبث منذ عشرات السنوات في الإعلام الغربي والذي كان من جهته ينقل الحدث مباشرة، ممّا شكل انبهاراً واضح المعالم من خلال ما نشر عبر أهم الصحف العالمية فقد كان  أبرز العناوين التي طرحت في الإعلام الغربي قد تحدثت عن تميز الفعاليات والتنظيم فقالت صحيفة ذا صن الإنجليزية “إن حفل الافتتاح كان مميز، ولن يُنسى مع الألعاب النارية والأجواء المميزة العربية والحضور الجماهيري الكبير، حيث إنه يعتبر من بين أفضل الحفلات الافتتاحية للمونديال تاريخيًا”، أما صحيفة NBC نيويورك الأمريكية فقالت “إن مورجان فريمان خطف الأضواء في حفل افتتاح كأس العالم 2022 المميز بقطر”، وصحيفة تليجراف الإنجليزية قالت “إن قطر نجحت في تنظيم حفل افتتاح مميز”.

تمكنت قطر من خلال ما قدمته وتقدمه في فعاليات المونديال ما لا يمكن أن تقدمه ترسانة إعلامية ضخمة فبدخول أكثر من مليون ونصف مشجع من مختلف أنحاء العالم ومختلف المعتقدات والمرجعيات، سمح لهم أن يتعرفوا على الصورة المحجوبة عن الواقع العربي الإسلامي المغيب من إعلامهم والتعرف على حجم التقدم والتطور والتحضر والنظام والأمن، إلى جانب التعرف على الشعوب العربية والإسلامية دون وسيط.

ناهيك عن الثغرة التي لعبت قطر على سدها فقد اهتمت بشكل خاص بالدين الإسلامي وتعريف الزوار به من خلال تدشين جناحٍ للتعريف بالإسلام وتعاليمه وترجمة الأحاديث النبوية واستعراضها أمام الزائرين، ودعوة دعاة من جنسيات مختلفة وتوزيع الكتب المطبوعة بلغات عدة للتعريف بالإسلام ورفع الحجاب عن أعين المتسائلين، إلى جانب عرض الثقافة العربية، في خطوة مميزة تمهّد وتوثق لبداية تشكيل رأي عام عالمي جديد في صالح العرب والمسلمين.

هدف نظيف في مرمى الرأي العام الغربي

ترى قطر من جهتها أنها حققت ما كانت تسعى له من خلال استضافة فعاليات كأس العالم لكرة القدم وتقديم تلك النسخة الفريدة من المونديال وهو تغيير الصورة النمطية عن المنطقة العربية والإسلامية، مما سيسهم في ترك أثرٍ دائمٍ على قطر والمنطقة بأكملها.

وفي سياق هذا كله لا يمكن أن يكون للإعلام الغربي بعد هذا الحدث مرجعاً لشيء ذي قيمة يضر الوطن العربي والإسلام، ولن يخرج من تلك الفعاليات إلا خالي الوفاض، ويكون رأيه والصورة التي سعى لترسيخها ما هي إلا دم كذب على قميص الحقيقة، فقد حان الأوان لخروج الصورة الحقيقية المشرقة عن الإسلام والعرب من غيابة الجب.

إصلاح التعليم بين التنظير والتنزيل

بعد الاطّلاع على أطروحات متنوعة لإصلاح التعلم أو منظومة التعليم، تبيّن -بالرغم من الجهود الحقيقية المبذولة- أنّ جميعها لا تخلو من أفكار يصعبُ جدًا تحققها في أرض الواقع، وأنّ تحديات الواقع الحالي تُشكِّل عائقًا حقيقيًا أمام المصلحين في كافة الميادين؛ ولذا فإني سأحاول في هذا المقال بإذن الله عرض وتفكيك بعض هذه التحديات لعل ذلك يفتح مسلكًا لأفكار أخرى فتظهر للوجود.

أصل الإشكال

إن كارثة المدارس الإلزامية لا تتوقف عند تجهيل الأجيال، وإنما تمتد إلى هدر حاضرهم ومستقبلهم، فعندما يدفع الشاب والفتاة حياتهم في تعليم دون تعلّم، أو مكاسب معلوماتية وأخلاقية واجتماعية حقيقيّة، ودون اكتساب مهارات كبرى في هذه الفترة الحرجة من حياة الإنسان، فهذا بمثابة إعلان على تخريج ملايين البشر المجوفين، الذين لا يعرفون معنى العبودية ومركزيّتها، ولا يملكون علمًا أو خبرة عميقة، أو مبادئ فكرية صحيحة، فمع أول جيل ينتجه هؤلاء،  سينتشر الفساد في الحياة الاجتماعية ويطغى في كافة جوانبها سواء في الحياة العامة أو الخاصة، وهنا تتبلور الكارثة الحقيقية التي تواجه المصلحين في هذه القضية، وهي أنّ كل خطاب إصلاحي موجه للناس ستكون القاعدة الكبرى المتلقية له جوفاء لدرجة تهدر أي جهد إصلاحي.

في جدوى بعض الأطروحات

  • فكرة التعليم المنزلي (التعليم غير النظامي):

مع إدراك الكثير من المصلحين حجم الفساد الذي طال المدارس الإلزامية، ومدى تأثيرها السلبي على المستوى الفكري والاجتماعي والنفسي؛ نرى أن عددًا كبيرًا منهم اتجه نحو التعليم المنزلي، واتخذوا هذا النموذج حلًّا يصلُح تعميمه في المجتمع، وبالرغم من الإيجابيات الحقيقية التي تمتاز بها هذه الأطروحة، إلا أنها تواجه ثلاثة تحديات أساسية:

الأول: طبيعة المجتمع الراهن.

إنّ تجربة التعليم المنزلي لا يمكن تعميمها في المجتمع الحالي، لأنّ نجاحها مرهون بالمستوى الثقافي وحركة الرواج العلمي التي تتبناها الحاضنة المجتمعية، وبالتالي يكون نجاح هذا النموذج مقتصرًا على الأسر التي تحمل مستوى ثقافيًّا وفكريًّا وتربويًّا يُمكّنّها من المواصلة في الارتقاء الديني والثقافي والفكري والاجتماعي للأبناء، وكذلك مواجهة التحديات الاجتماعية التي يفرضها العصر، والمثبطات التي لا حصر لها، إذ أنّ العقل الجمعي في المجتمع هشّ البنية، ذي الهُويّة المشوّهة، لا يقبل بسهولة أنّ يرى من يذكّره بحقيقته، أو يخبره بنمط حياته المقولَب الذي لا يستطيع الخروج عنه، أو حتى أولئك الذين يرون أنّ هذا إهلاك وتضييع للأبناء، وهذا أمر يحتاج إلى حكمة مع حزم لتخطي هذه العقبات.

بعد دوران عجلة المدارس الإلزامية مئات المرات، باتت هناك أجيال كاملة تكونت منها ملايين الأسر التي لا يجيد أربابها أيًا من الأساليب التربوية المستقاة من مرجعية الوحي فضلًا عن الثقافية أو الفكرية، وأصبحت المجتمعات تحوي نسبًا مرعبة من الأمية، سواء الأمية بمعناها المعروف أو أمية الوعي، وهذه أضل سبيلًا، فهذه الأجيال غير مهيّأة للتربية الصحيحة فضلًا عن حمل مسئولية التعليم كاملة.

الثاني: لا يزال الإشكال قائمًا!

عندما اطلعتُ على بعض تجارب التعليم المنزلي سواء المعتمد على شبكة الإنترنت أو الكتب، وجدت أنّ الأغلبية الساحقة لم تستطع كسر دائرة النظامية والمناهج المهندَسة عند ممارسة التدريس للأبناء، لأن القولبة التي تسببها المدارس الإلزامية ترسّخت في أذهان الحاضنة المجتمعية لطول عهدها بها، فبدلًا من الذهاب بهم إلى فصول المدارس، باتوا يدرّسونهم المناهج ذاتها بالطريقة ذاتها، ولكن في رحاب المنزل وبين غُرفه.

صحيح أن بعض الإشكالات النفسية والاجتماعية تمّ تلافيها، خصوصًا إذا كان الوالدان على وعيٍ كافٍ بها وحَرِصا على تعزيز هذه الجوانب بشكل صحيح، إلا أن السؤال يبرز: ماذا عن الإشكالات الفكرية التي ملأت أوراق تلك المناهج؟

إنه حتى لو تم تصفية بعض المواد من الإشكالات الصارخة كنظرية التطور الدارويني ونظريات نشوء الكون الإلحادية، فالمناهج في ذاتها تحمل نَفَسًا عالمانيًّا ودعوات واضحة في الانفصال عن الدين، فهي مُصمَّمَة لتحقيق مقاصد تختلف تمامًا عن المقاصد الإسلامية، ولا عجب في ذلك فهي نابعةٌ من النظام الغربي الحداثي وما يحمله من أيديولوجيات، لا من مرجعية إسلامية تضبط بوصلة المسلم، فيطوّع كل علم يدرسه لتحقيق مقاصد الدين.

الثالث: النظام التعليمي المنزلي غير مدعوم في أغلب الدول.

إنّ هذا إشكال حقيقي يواجه هذه التجربة، إذ إنّ الآباء الذين استطاعوا تجاوز التحديات السابقة بأمان، يسقط بعضهم عند شفا هذه الإشكالية، كما أنّ عدم حصولهم على شهادات رسمية من التعليم المدرسي يحرمهم من الدراسة الجامعية أو الانخراط الطبيعي في سوق العمل، ولعل البعض استطاع تخطيها من خلال الصعود الصوري في المراحل التعليمية المدرسية لعدم فقد هذا الجانب، وممّا شجّع الكثيرين على الاستمرار هو تواجد عشرات الفرص من الأعمال الحرة العالمية التي يمكن أن يحترفها الإنسان ويتكسّب منها دون احتياج إلى المدارس الإلزامية.

  • أطروحات إصلاح التعليم الإلزامي.

عند الاطلاع على الأطروحات التي عمدت إلى إصلاح المدارس الإلزامية، نجد أنّها انقسمت إلى قسمين:

الأولى: أطروحات تتجه إلى إصلاح التعليم بشكله الحالي.

وهذا من خلال توسيع النظر إلى الشخصية المتكونة من خلاله، فالأفراد يجب ألّا يكونوا مكسبًا للاقتصاد والسوق بمختلف فروعه فحسب، بل يجب توسيع الدائرة لتشمل الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، حيث تشير عشرات من التقارير الدولية إلى الرابط بين القصور في نظم التدريس من جهة، والبطالة ونقص الاستعداد لمواجهة التحديات الاقتصادية الوشيكة من جهة أخرى.

بيد أن هذا الفهم للمشكلة الذي يتركّز على الكيفية التي يتعيّن فيها على المدارس أن تهيئ الطلاب لمواجهة الوضع الاقتصادي يتسم _على الرغم من دقّته_ بضيق الأفق، فالإصلاح لا ينبغي أن يركّز على المدارس وحسب، بل على الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع التعليم، فالأمر لا يتعلق فقط بالتقدّم الاقتصادي وموقع العمل _رغم أهمّيتهما_ بل كذلك بالاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي.

وثمة ملمح آخر وهو نقد الصورة الحالية للمناهج الدراسية كمًا وكيفًا، فقد رأى النقاد أنه ينبغي عدم اقتصار الإصلاح على طرح سلسلة من التغيرات المحددة في المناهج الدراسية القائمة لتلبية احتياجات سوق العمل اليوم، بل لابد من أن يكون التركيز -بدلاً من ذلك- على بذل الجهد لدفع المجتمع، على جميع الأصعدة (من القيادة السياسية، والموظفين العموميين، والمدرّسين، والطلاب، والأهل، والمجتمع المحلي) إلى بلورة الرؤى حول التعليم في مجتمعاتهم، ويجب أن تقوم هذه الرؤى بدرجة أقل على المواد التي يجب تعليمها في المدارس، وبصورة أكبر على كيفية تطوير عملية تعليمية تدمج ما يجري في الصف وخارجه، وفي موقع العمل، وفي وقت الفراغ، ولفترة طويلة بعد التخرج.

كان من المُلاحَظ أنّ النظم التربوية العربية لا تشجّع -بل لم تُصمَّم لتشجّع- روح التشاركية والإخاء الأهلي في جوانبها كافة، وهي _بدلاً من ذلك_ تركّز على التعلّم بصفة عامة، ويشدّد أكثرها بصورة أضيق على اكتساب مادة معرفية محددة ومتفق عليها، وتُصمَّم النظم المدرسية لاستخدام مادة أكاديمية محددة.

نتيجةً لذلك، يشجَّع المدرسون على تعليم مهارات إدراكية متدنية (تقوم على التذكّر والاستيعاب) على حساب المهارات الأكثر رقيّاً (في مجالات التطبيق، والتحليل، والتوليف، والتقويم، والتفكير النقدي). ومن ثم تنتج تلك النظم خرّيجين يحملون المؤهلات، لكنهم لا يمتلكون منظومة المهارات الضرورية للتصدي للتحديات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي تواجه المجتمعات العربية، أو حتى لتلبية احتياجات موقع العمل، وهي الهدف المعلن لكثير من الجهود الإصلاحية الأخيرة.

وكذلك شملت بعض هذه الأطروحات نظرة الأهالي إلى المدارس التي اعتبروها مواقع يكتسب منها أطفالهم المقدرة على تحصيل الرواتب العالية، واكتساب المهارات التقنية، والتمتّع بمستقبل مهني مُجزٍ، وعندها تنحصر هموم كبار المسؤولين في إنتاج الخرّيجين الذين تزيد سيرتهم الذاتية من مكانتهم في سوق العمل.

مع محاولتهم بحث إشكالية أهلية المعلمين وضعف التمويل، وثمة أطروحة اعتبرتهما التحديين الكبيرين اللذَين يواجهان إصلاح التعليم، حيث إنّ ضعف تأهيل المعلّمين ووجود عشرات الألوف منهم ممن لم يتلقّوا أي تدريب على طرق ووسائل التعليم والتقييم الحديثة، مما يؤثر في ضعف العائد على الكلفة الباهظة للتعليم، والآخر هو ضعف تمويل برامج إصلاح التعليم، وبالتالي فإن وضع إصلاح التعليم على الطريق الصحيح يحتاج أولاً إلى بدء برنامج واسع ومكثف لإعادة تأهيل المعلمين القائمين حالياً، وإعداد المعلمين الجدد بمقاربة مختلفة عما يجري حالياً لمواجهة تزايد الطلب على التعليم، وكذا زيادة الإنفاق على التعليم وتحسين كفاءته.

إشكالات وتحديات

ورغم الجهود الجهيدة في هذه الأفكار، إلا أنني أرى فيها إشكالين رئيسيين:

الأول: إنّ هذه الأطروحات تصلح لترميم الأنظمة المدرسية المتهالكة في المجتمعات الغربية، التي ابتدأت هذا النظام أصلًا للحصول على عمال ماهرين -وتفصيل ذلك في مقال سابق– وصُمِّمَ لهذا النظام مناهج مناسبة له وتحقق مآربه، ولكن هناك تصادم حاد بين غايات ومقاصد المجتمع الغربي والمجتمع المسلم تُحتِّم وجود اختلاف جوهري في منظومة التعليم التي تنتج الأفراد الأكفاء لتحقيق تلك الغايات، وبالتالي فإن هذه الأطروحات لو تحقّقت ستؤدي إلى نشوء مجتمع عالماني مكتمل الأركان بالمقاييس الغربية، وهذا يعني أنّ هذا “الإصلاح” ما هو إلا مزيد من التوغل في البعد عن تحقيق العبودية لله عز وجل، بل إنّ من الأسباب التي جعلت المجتمعات المسلمة حتى الآن تحتفظ ببعضٍ من أصل الدين هو فساد هذا النظام التعليمي العالماني، فبدلًا من خروج فرد عالماني، يخرج فرد مجوّف، فمجموع الفرد الأول يجعل المجتمع ماديًا عالمانيًا محضًا، ومجموع الثاني يجعله مجتمع يرزح في الجهل، والعمل الإصلاحي في كلٍ من الصنفين يكون شاقًا للغاية.

الثاني: لا يمكن تحقيق هذه الأطروحات إلا من خلال جهات رسمية تملك الحل والعقد، وبالتالي فإن هذه الأطروحات تعتبر ضربًا من المثاليات لنشوئها في هذا العصر، وحتى القليل من الأطروحات التي يملك مديرو المدارس صلاحية تحقيقها، سوف تقتصر على المدارس المتواجدة في مناطق راقية ذات مستوى اجتماعي عالٍ تتمتع بقدر من الرفاهية الاجتماعية التي تسمح للطرفين (الأهل – المدرسة) القيام ببعض هذه الأدوار.

الثانية: أطروحات تدعو إلى استنساخ تجارب إسلامية ناجحة.

عند النظر إلى التاريخ الإسلامي سنجد تجارب تعليمية برّاقة كالمدارس النظامية السلجوقية مثلًا، والتي جمعت بين صناعة المسلم الحق، الخاضع لله والمحقق العبودية له تبارك وتعالى، والشمولي -كذلك- في طلبه لكل أنواع العلوم انطلاقًا من دوره الاستخلافي، وتحقيقًا لمقاصد العبودية، مُزكّى النفس، سليم التفكير.

ولكن يواجه هذه الأطروحة ذات الإشكال الثاني الذي يواجه أطروحة إصلاح المدارس الحالية.

إذًا، ما الحل الذي يناسب المجتمع عامة، وأهل الوعي خاصة؟

هذا ما أسعى للإجابة عنه في مقالٍ لاحق بإذن الله.

الوسائل الرقمية بين صناعة المحتوى وصناعة الفرجة

“أهل مكة أدرى بشعابها” مقولة عربية درج العرب على التلفظ بها عند الاستسلام للأمر الواقع أمامهم، وفي المثل المغربي هناك مقولة شعبية قريبة من الدلالة الأولى “سول المجرب لا تسول الطبيب”، هذه المقولات وغيرها كلها تصب في نبع واحد يخدمنا في الإجابة على عدة أسئلة.

 كيف تأثرت البيوت المسلمة بالوسائل الرقمية؟ ما الفرق بين صناعة المحتوى وصناعة الفرجة؟ كيف يتفادى المرء المحتوى السام؟

كيف تأثرت البيوت المسلمة بالوسائل الرقمية؟

في الآونة الأخيرة شهدت معظم البيوت العربية “تقريبًا” طفرة رهيبة في مجال الأجهزة الإلكترونية، حيث أصبح البيت ذو الدخل المتوسط والمحدود، يتوفر على عدد من الأجهزة الذكية، كالتلفاز، والهاتف الذكي، والآي باد، والتابلت، إلخ… الشيء الذي سرّع من غزو البيوت بالمحتوى الذي توفره هذه الأجهزة الإلكترونية على منصاتها الرقمية -كالفيسبوك، واليوتيوب، وتيك توك-.

انتشرت ولا زالت تنتشر هذه المحتويات بين البيوت المسلمة بأفرادها كانتشار النار في الهشيم، حتى أصبحت الأم تترك واجباتها ووظائفها نحو أبنائها وزوجها من أجل مشاهدة مقطع مصوّر لأشخاص لا يقدّمون إضافة تذكر غير عرض مقاسات أجساد زوجاتهم، حتى أصبح الابن يقول لوالديه (لا) بغية إتمام مشاهدة فيلم قصير أنتجه مجموعة من القاصرين.

هناك بعض الأطفال الذين تدهورت حالتهم الصحية بسبب طول جلوسهم أمام التلفاز، منهم من يعاني من صعوبة في النطق بسبب عزلهم وعدم الاهتمام بهم وإسكاتهم بالتلفاز أو الهاتف الشيء الذي تسبّب في تأخر نمو وظائفهم الحسية.

بعض قنوات “يوتيوب” التي تحمل أفكارا نسوية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ساهمت في نشر الفكر النسوي بين النساء، حتى أصبحت الأم تحتج وتتمرد، تريد أن تمتلك السلطة العليا على أفراد البيت.

ساهمت هذه القنوات في نشر الفكر المادي حتى أصبح عوام الناس لا يفرقون بين الحياة الواقعية وبين الحياة التي يعيشها أصحاب هذه القنوات، أو بعبارة أصح يحاولون التظاهر بعيش حياة مثل تلك التي تصوَّر لهم؛ مما شكّل نوعًا من عدم الرضا بالوضع المادي في البيوت.

كل هذا جعل هؤلاء المتابعين يفعلون أي شيء -التخلي على الأخلاق والقيم- في سبيل الحصول على تلك الحياة المادية المزيفة التي يروج لها أصحاب القنوات.

ظهور جنس من الرجال يتاجر في المرأة ويعرضها للآخرين من أجل جلب أكبر عدد من المشاهدات، هؤلاء غالبا ما يستترون وراء قنوات “الروتين اليومي” على اعتبار أن المحتوى يمثل روتين أسرة صغيرة تعيش حياة بسيطة مع بعضها البعض، لكن إن أمعن الانسان النظر فسيجدها عكس ذلك.

من هم المؤثرون في المنصات الرقمية؟

يمكن إعطاء تعريف شامل لهذا المفهوم الرائج من خلال القول بأن المؤثر هو كل شخص يمتلك مجموعة من الوسائل تجعله بطريقة أو بأخرى قريب من الرأي العام وقادر على التأثير من خلال تدوينة أو مقطع فيديو على صفحته الخاصة، ولا يمكن إطلاق تسمية المؤثر في هذه الحالة على الشخص ذي المصداقية العلمية أو مدى تمكنه من المادة العلمية التي يقدمها، بل يتم إطلاق التسمية انطلاقا من عدد المشاهدين، بحيث كلما زاد عدد المتابعين له صحّ نعته أو تلقيبه بالشخص المؤثر.

يرى أحد -المؤثرين العرب- أن المؤثر هو الذي يؤثر في طريقة كلام المتابع وفي شكل حلاقته وفي طريقة لباسه وفي تفكيره، بمعنى أن التأثير هو أن ينظر المتابع إلى شيء أعجبه في الشخص الذي يتابعه فيقلده لأنه يتمنى أن يكون مثله، أو أن يرى شيء في شخصية المؤثر توجد في شخصيته هو ما يجعله يحافظ عليها ويتباهى بها كونه يشترك معه فيها.

إن قول ما هو حقيقي وهادف وطرح الأفكار النافعة على المنصات الرقمية لا يقدم إضافة ولا يأتي بالمشاهدات، مما ينقص من المدخول الشهري للمؤثرين على حد زعمهم، الشيء الذي يجعل تقديم ما يريد المشاهد أولوية لهم وإن كانوا يعرفون أن ما يقدمونه سام وغير نافع للذين يتابعونهم.

ما الفرق بين صناعة المحتوى وصناعة الفرجة؟

كونك صانع محتوى يعني أنك لا بد أن تمتلك محتوى معينًا تقدمه للمتابع، وتختلف الصناعة من شخص لآخر على حسب اهتمامات كل شخص وما نشئ عليه، ويقدم هذا المحتوى غالبا على منصات التواصل الاجتماعي -الفيسبوك، تيك توك، انستغرام- إما على شكل تدوينات أو على شكل مقاطع مصورة.

يمكن تعريف صناعة المحتوى: على أنها عبارة عن الشيء الذي يتم التعريف عنه من خلال مجموعة من الوسائط والأساليب المعبرة، فيتم ذلك إما من خلال الكلام أو من خلال الكتابة أو الصور أو من خلال الفنون المعبرة أو من خلال فيديوهات تعبر عن المحتوى بالشكل المناسب، فمن السهل على أي شخص كان أن يقوم بصناعة محتوى معين ولكن من الصعب أن يكون هذا المحتوى معبِّرًا ويعطي المعنى الحقيقي للهدف المطلوب[1].

في صناعة المحتوى قد يتم إنتاج محتوى هادف عند البعض وقد لا يكون كذلك على حسب ما تم تقديمه عند البعض الآخر، لكن في نهاية المطاف يكون البناء في صناعة المحتوى على مادة علمية بغض النظر عن صحتها من غلطها.

تتجلى صناعة المحتوى في العديد من المنصات الرقمية من بينها على سبيل المثال لا الحصر “القنوات التعليمية” التي تسعى إلى تقديم مادة معرفية معينة لمتابعيها “تعليم الإنجليزية، تعليم قيادة السيارات، تعليم التربية الأسرية.. إلخ”، قد تكون هذه المادة المقدمة كما قلنا غير صحيحة في بعض الأحيان لكن يبقى هدفها في الأخير تعليميًّا.

صناعة الفرجة

هناك شخصيات مشهورة لا يهمها انتاج أو تقديم محتوى جيد للمتابعين، بقدر ما تهمها صناعة الفرجة وبيعها للمشاهد.

لا يهم أن يكون المقطع الذي أضعه بين يديك هادفا، المهم أن تستمتع بالفرجة ومقابل هذه المتعة التي حصلت عليها أتلقى الأجر الشهري من المنصة التي أضع فيها المقطع المصور، لا يهم إن استفدت في الأخير، ولا يهمني تقديم الفائدة لك أو حصولها، المهم حصولي على الأجر عند نهاية المقطع، سواء استدعى ذلك مني خلع الملابس أو جلب فتاة وتصوير مشاهد غير أخلاقية، أو تبادل السب والشتم مع شخص آخر يصنع الفرجة هو كذلك. هكذا يمكن لنا أن نعبر عن مفهوم صناعة الفرجة بشكل أدق.

لماذا اشتُهِرت صناعة الفرجة؟

هذا الصنف من المقاطع أو التدوينات، لا يحتاج إلى جهد كبير ولا إلى سعة اطلاع في المجال الذي تشتغل به، لا يحتاج إلى قراءة كتب من أجل التعبير عن قضية معينة، ولا يحتاج إلى تعلم مهارة من أجل نقلها إلى شخص آخر، ولا يهتم بالمستوى العلمي للشخص، يكفي أن يمتلك الجرأة ويستغني عن القيم والأخلاق من أجل صناعة الفرجة، أشياء بسيطة تجعله يتصدر المشهد العام بسرعة فيما يسمى “البوز” ذلك أن الغالبية العظمى التي تتصدره في عصر طغيان التفاهة لا تمتلك أي شيء غير أنها تبيع الفرجة للذي يشاهدها.

صناعة الفرجة تؤدي لزيادة عدد المتابعين بشكل أسرع بالتالي الحصول على فرجة أكبر مما يسجل نسبة بيع أكثر من غيرها، نلاحظ بذلك أن كل شيء قائم على الدرهم والدينار عند هؤلاء، قال رسول الله ﷺ : (تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط). [أخرجه البخاري]

كيف يتفادى المرء المحتوى السام؟

يقول البشير عصام المراكشي في إحدى تدويناته: ليس المطلوب منك أن تسميها “تفاهة”، وأن تشاهدها ثم تعلق عليها بالاستهزاء والتحقير والإنكار؛ ولكن المطلوب منك شيء واحد فقط: ألّا تشاهدها مُطلَقًا! الأمر سهل، ولكنك لا تفعله.. فهنيئا لأهل التفاهة بك، فإن متابعتك إياهم تنفعهم، وأما تعليقاتك عليهم فلا تضرهم. فمتى تفهم؟!

لا يمكن أن تتفادى هذا المحتوى التافه إلا إذا اشتغلت بما هو نافع، ولا يمكن إدراك قيمة هذا المحتوى إلا عندما تتجرع من مشاربه وتقف على مكنوناته.

معرفة خطورة المحتوى السام وكيف يؤثر على الفرد والمجتمع طريقة من طرق تفاديه وعدم الاشتغال به، فلا يقترب من النار من أصابه لهيبها.

مراقبة الأهل مراقبة جدية والاهتمام بهم وملء ذلك الفراغ الذي يجعلهم يولون وجوههم شطر المحتوى التافه من أجل سد الفراغ الروحي والنفسي.

الاهتمام بالجانب الروحي من بوابة القرآن الكريم وهذا يعد من أهم الطرق لتفادي كل ما هو تافه بحيث أن القرآن الكريم يجعل المقبل عليه انسان إيجابي يسعى لجلب المنفعة ودفع المفسدة.

عدم إعطاء ذلك الاهتمام الزائد بمواقع التواصل الاجتماعي لأنه فضاء مليء بالأشخاص التافهين، يقول الفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو بقوله: “إنَّ أدوات وسائل التواصل الاجتماعي تمنح حقّ الكلام لجيوش من الحمقى، ممن كانوا يتكلَّمون في الحانات فقط بعد تناول كأسٍ من النبيذ، من دون أن يتسبَّبوا بأيِّ ضرر للمجتمع، وكان يتمّ إسكاتهم فوراً. أما الآن، فلهم الحقّ في الكلام، مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنَّه غزو البلهاء”[2].

وبالجملة فإن إعطاء تعريف للفرق بين صناعة المحتوى وصناعة الفرجة قد نختلف في بيانه، لكننا لا بد وأن نشترك في الأخير على أن المحتوى التافه سم قاتل ينخر جسد الأمة، وجب التعرض له ومحاربته تنظيرا وتطبيقا.


[1] https://www.alwefaak.com/blog تعريف صناعة المحتوى

[2] https://www.alqabas.com/article/4128-%D8%BA%D8%B2%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D9%87%D8%A7%D8%A1 إقبال أحمد

الضعفاء بين ميزان الموت الرحيم وصبغة الإسلام

الموت: خيارك الأوحد.. قالت وهي تحول مفاصلها المؤلمة بعسر على مقعد خرساني مغمور بأشعة الشمس، وتلفه مساحات خضراء شاسعة: “إنه لتجاوُر مثير للإعجاب أن تشعر-كما أفعل الآن- بالرغبة الكبيرة في الحياة، في المزيد منها.. لكنك تختار على الجانب الآخر السير نحو الموت، والحال أنك تخطط لكيلهما على حد سواء.. الآن وبينما لا تزال لدي القدرة والقوة، أريد أن أستمتع بكل تفصيل.. أن أحقق أكبر قدر ممكن من قائمة الأمنيات خاصتي، تلك التي وجدتني أميل إليها ببطء بفعل التجاور المتناقض ذاك”..

كانت هذه كلمات لسيدة في أواخر الثلاثينات -كات- مصابة بأمراض مزمنة جعلتها بالمعايير المادية-الاستهلاكية غير منتجة وهي تحكي عن تجربتها في الوصول “لرعاية الموت” بعدما تحدثت بمرارة على cctv كيف باءت كل محاولاتها وسعيها لفترة طويلة في الحصول على الرعاية التلطيفية أو أي شكل من أشكال الدعم لتخفيف معاناتها بالفشل والرفض، وأوضحت كيف أن طلبها في الحصول على الموت الرحيم قوبل بسهولة وترحيب أكبر من رغبتها في “العيش” بمعاناة أخف، بعد التأكد من أن حالتها تدخل ضمن: “المعاناة التي لا تُطاق” والتي تعدّ المحدد القياسي لوصف الخطورة وبالتالي لقبول طلب القتل الرحيم أو الانتحار بالمساعدة الطبية [1].

إن موقف “كات” وتوجهها لإنهاء حياتها بهذا الشكل ليس موقفًا طارئًا وليد اليوم، بل هو تراكمات وامتداد لفكرة تجذّرت وضربت في الأعماق على نحو خبيث في نفسية الإنسان المعاصر بشكل عام والفرد الغربي بشكل خاص؛ إنها جدوى الحياة في ظل اللا إنتاجية والشعور بالعبء حين الاضطرار إلى الحاجة للآخر وإزعاج راحته، صنم الاستقلالية وشراك الاستهلاكية.. وكلّه تحت مظلة: مَن له الأحقية والأسبقية في الحياة على حساب مَن؟

 

المنحدر الزَّلق: من الطوعية إلى واجب الموت!

على هذا غدت عبارات سائلة فضفاضة من قبيل: “الموت بكرامة” أو “الانتحار المدعوم” بمثابة الطوق المُخلّص من عار الضعف -كما يُصوّر- والهروب من اللا إنتاج، لا سيما عندما يتم ربطها بدائرة أخلاقية حريصة على تقييم درجة المعاناة للخلوص إلى أن الموت هو الخيار الأرحم الوحيد، بغض النظر عن كيف تم تقييم هذه المعاناة وما الذي جعلنا على درجة من اليقين من أنها كذلك، ما هي محدداتها، شكلها، وصورها؟ والأهم: ما محلّ الإنسان الضعيف من: كبير السن، والفرد المعاق أو المريض بشكل مزمن، وحديث الولادة غير المرغوب فيه في هذا العالم الراكض خلف الأرباح؟

كانت هولندا وتليها بلجيكا (٢٠٠٢) من أولى الدول التي كان لها السبق في تقنين القتل الرحيم بشكل طوعي، حيث اعتُبرت الطوعية والاستقلالية الفردية في طلب القتل الرحيم إلى جانب الشعور بألم لا يُطاق من أهم الشروط اللازم توفرها في الشخص المعني بالقتل، كما تم وضع ضمانات ومعايير وإجراءات للسيطرة على الممارسات العملية بهذا الشأن، ومنع إساءة استخدام القتل الرحيم والانتحار المدعوم من قِبل الأطباء، على رأسها: الموافقة الصريحة من قبل الشخص الذي يطلب القتل الرحيم، والإبلاغ الإلزامي عن جميع الحالات، والإدارة فقط من قبل الأطباء (باستثناء سويسرا)، والتشاور من قبل طبيب ثان.[2]

لكن مع ذلك لم تخفض الأصوات الرافضة لتشريعه، إذ طُرحت تساؤلات كبيرة حول مدى قدرة هذه القوانين والضمانات في السيطرة على التجاوزات والانتهاكات الوارد حصولها في حق المرضى، أو بعبارة أخرى الانزلاق من الاختيار الطوعي المستقل إلى القتل غير الطوعي ومن ثم جرف الإنسان من “الحق في الموت” بملء إرادته إلى وضعه تحت ضغط “واجب الموت” وهو ما أطلقوا عليه: المنحدر الزّلق، وهو مفهوم قانوني وفلسفي معقد، ويعني بشكل عام أن استثناء واحدًا لقانون ما، سيتبعه المزيد من الاستثناءات حتى يتم الوصول إلى نقطة كان من الممكن أن تكون غير مقبولة في البداية[2].

وفي هذا قال جون هاردويج موضّحًا: “يصبح واجب الموت أكبر مع تقدمنا في السن، حيث يتكبد أحباؤنا المزيد والمزيد من التكاليف لرعايتنا، هناك حين يختفي الجزء المحبوب منك قريبًا أو يتعرض للضرر بشكل خطير “. لنفترض أن وجهة نظر هاردويج قد تم تبنيها من قبل مريضة تقترب من نهاية حياتها – هل يمكننا أن نقول إن “اختيارها” للموت سيكون حقًا مستقلاً وحرًا؟ أم أن اختيارها في الواقع سيخضع للإكراه من قبل عدد من العوامل الاجتماعية الأساسية، بما في ذلك واجبها المتصور للموت والتنحي عن طريق عائلتها والمجتمع الأوسع؟ [3].

جون هاردويج

بالإحصائيات والأرقام

عام 1996، نشر فان دير ماس وفان دير وال نتائج مسح شامل لقرارات نهاية الحياة من قبل الأطباء الهولنديين في عام 1995، حيث سعى بشكل خاص إلى التأكد من القيام بتعجيل متعمد لوفاة المرضى من قبل الأطباء [4].

يؤكد الاستطلاع أن من بين 4500 حالة تمّ إنهاء حياة 900 شخص بشكل متعمّد من قبل الأطباء دون طلب صريح من قبل المريض وهو ما يمثل 0،7% من مجموع الوفيات، ثمّ ذُكر أن السبب الرئيس وراء عدم مناقشة أو استشارة المرضى هو عدم كفاءة المريض لإصابته بالخرف مثلا، بالإضافة إلى أن إنهاء الحياة كان في مصلحة المريض من وجهة الطبيب الشخصية. إلا أنه-بحسب ما ورد في الاستطلاع- 50% من المرضى كانوا مؤهلين ولديهم الكفاءة لاتخاذ القرار والمناقشة، علاوة على ذلك في 17٪ من 900 حالة، يُعتقد أن العلاج البديل متاح من قبل الطبيب المعالج.

ورد في الاستطلاع نفسه أن في 20000 حالة (وفقًا لمقابلات الطبيب) أو 25800 حالة (وفقًا لمسح شهادة الوفاة)، تم إعطاء الأدوية الملطفة بجرعات تقصر الحياة بشكل شبه مؤكد. وفي حوالي 27300 حالة تم إيقاف أو سحب العلاج (14.200 منها لم تتضمن طلبًا صريحًا من المريض).

أما عن حديثي الولادة فقد كشف الاستطلاع أنه فيما لا يقل عن 41٪ من 1000 حالة، تم سحب العلاج أو حجبه عمدا بنية صريحة لتعجيل الوفاة، كما كشف أن في حوالي خُمس هذه الحالات لم يكن هناك نقاش مع الوالدين![4].

 في بلجيكا لم يستغرق الأمر سوى ست سنوات بعد تقنينه سنة 2002 حتى يجمعوا بين قتل المرضى وشراء أعضائهم للزراعة، حيث يتجول الأطباء البلجيكيون الآن في جميع أنحاء أوروبا ويقدمون عروضًا تقديمية باستخدام PowerPoint يوضحون عدد الأعضاء عالية الجودة التي يشترونها بهذه الطريقة[1].

في هذا قال ويسلي سميث: “اقتلاع الأعضاء بقتل الرحمة يخلق دافعًا عاطفيًا قويًا للانتحار، لا سيما للأشخاص الذين يعانون من انخفاض الثقافة والاكتئاب، والذين قد يشعرون بالقلق من أنهم يمثلون عبئًا على أحبائهم والمجتمع. يمكن أن تصدق الحالة العقلية بسهولة (أو يتم إقناعها) بأن طلب القتل الرحيم والتبرع بالأعضاء سيعطي معنى لموتهم لا يمكن أن يكون لحياتهم أبدًا “.

بهذا الشكل بعد أن كان القصد المبدئي منح الحق للآخرين -بالمقياس الليبرالي- في اختيار متى وكيف وعلى يد مَن يموتون، توسعت هذه الممارسة لتشمل حديثي الولادة والأطفال والأشخاص المصابين بالخرف وكل مَن لا فائدة من أنفاسه!

جذور وامتدادات

إن القيمة الفردية للأشخاص على أساس قدرتهم على المساهمة في المجتمع بل وأحقيتهم في الاستفادة والعيش على حساب موارد الأقوى والأصلح في ميزان الإنتاج، هو تصور قديم تعود بعض أصوله إلى نظرية روبرت مالتوس السكانية التي قرر فيها أن التزايد السكاني أكبر بكثير وبغير حدود من قدرة الأرض على إنتاج وسائل العيش. وذكر مقولته المشهورة بأن الزيادة السكانية تتبع متوالية هندسية، بينما زيادة الغذاء تتبع متوالية عددية أو حسابية..

وبذا فإن الأولى -بحسبه- صرف الموارد لمن هو أحقّ بها، ولذا اعتبر أن المجاعات والأوبئة وكل أنواع الدمار هو مؤشّر إيجابي لأنه يودي إلى ارتفاع معدّل الوفيات، لذا فقد كان من أشد معارضي إغاثة الفقراء لئلا يتشجعوا على الإنجاب ويكثر النسل غير المرغوب فيه![5]

وبالرغم من أن السياق التاريخي وما حصل من التقدم الاقتصادي فنّد نظرية مالتوس، إلا أن فجرها عاود البزوغ بأشكال مختلفة بل إن الداوينية الاجتماعية والصراع لأجل البقاء هي تطبيق عملي لما جاء به مالتوس، وهو كما ورد في الفصل الثالث (الصراع من أجل البقاء): “الصراع من أجل البقاء ينجم حتميّاً عن المعَدَّل العالي الذي تميلُ جميع الكائنات العُضوية لأنْ تزدادَ وِفقه على مبدأ الزيادة الهندسية، سوف تصبح الأعداد كبيرة جداً بسرعة بحيث لا يستطيع أي بلد تحمّل النّاتِج. وبالتالي، وبسبب إنتاج أفراد أكثر من الذين يمكنهم البقاء، فلا بد في كل حالة أن يكون هناك صراعٌ من أجل الوجود… إنه مَذهَبُ مالتوس مُطبَّقاً بقوّة متعدّدة الأوجه على كامل المملكَتَين الحيوانية والنباتية؛ لأنه بهذه الحالة ليس ثمّة زيادة اصطناعية للطعام، ولا امتناعٌ مُتَعقِّلٌ عن التزاوج”.

روبرت مالتوس

آكلون عديمو الفائدة!

إنها الحجة الاقتصادية التي بموجبها ظهرت الفجوة في التصورات بعد الحرب العالمية الأولى-في ألمانيا- بين مَن خاض الحرب وبين نزلاء دور الرعاية والإعاقة الذين لم يساهموا بل وشكلوا عنصرا مكلّفا، ضعيفا، وبلا جدوى، وفي خط تاريخي طويل-لا يتسع المقام للتفصيل فيه- علَت النقاشات الأخلاقية حول القتل الرحيم والتعقيم والقيمة الإنسانية السلبيّة [6].

لقد تمت إعادة ضبط المفاهيم على معيار: الأحقية لمِن؟ هناك حيث اكتسب مفهوم الكائنات التي لا تستحق الحياة أوجه مجسدا من قِبل Binding وHoche -وهما أستاذان جامعيان- حين دعوا إلى قتل الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السّن على اعتبار أنهم “أغبياء غير قابلين للشفاء” وأنهم “مجرّد قشور بشرية فارغة” وظيفتها المجتمعية الوحيدة هي استهلاك الموارد الثمينة مع عدم المساهمة في المجتمع في المقابل! وفي دعوتهم الصريحة للقتل الرحيم غير الطوعي كتب Binding وHoche: “حياتهم لا معنى لها على الإطلاق، لكنهم لا يعتبرونها لا تطاق. إنهم يشكلون عبئًا ثقيلًا ورهيبًا على أقاربهم وعلى المجتمع ككل. لن يخلق موتهم حتى أصغر فجوة – ربما باستثناء مشاعر أمهاتهم أو الممرضات المخلصات. (بيرلي، 1994، ص 17).

توقُّف!

ربما ونحن نقرأ-في هذا الشأن-نقلّب الأرقام، والنسب، والإحصائيات؛ هذا أدنى وهذا أعلى، هذا أيّدَ وذاك رفض.. يتسلل إلى دواخلنا جمود الشعور بقيمة النفس البشرية، لأنّ النّفَس الليبرالي بقي حاضرا وبشدة في منطلق مَن عارض القتل الرحيم على نحو قد يجعلنا بشكل ما نتعاطف مع مبدأ القتل؛ إذ إن مُنطَلَقهم لم يبرح مبدأ التمركز حول الإنسان، وكان مناط الرفض فيه هو سَلب الاستقلالية والإرادة المحضة منه على اعتبار أنه هو “مالك أنفاسه” وهو “صاحب القرار” في الاستمرار أو التوقف عن الحياة! أي كان الإشكال فقط في عدم تصريح المريض طوعيا أنه يريد القتل الرحيم كخيار لإنهاء حياته! وإلا فالقتل الرحيم كمبدأ لا لبس فيه!

إنها من جديد المرجعية ونظارة الحكم التي نرتديها لقراءة ما يحدث ومن خلالها نقول: هذا مقبول وذاك لا..
ونحن كمسلمين حين نرتدي نظارة “اقرأ باسم ربك” لا نرى بالأساس أن الروح ملك للإنسان حتى يتصرف فيها كما يشاء على هواه، بل هو نفسه عبد مملوك ومُمتحن في هذه الروح التي بين جنبيه والذي لا حقّ له في إنهائها متى شاء.

إلا بضعفائكم

إن ما يجمع بين الفئات التي ذُكرت أعلاه من المعاقين وكبار السن ومن أصيب بالخرف منهم، والأطفال، وأصحاب الأمراض المزمنة المقعِدة عن العمل-مثل كات- هو: الضّعف! بهذا الشكل نظرت المادية الرأسمالية للإنسان الضعيف؛ إنه عبء وآكل عديم الفائدة لا يستحق الحياة.

ولنا بعد النظر إلى ما آلت إليه أحوال الإنسان في عالم مغرق في الاستهلاك والإنتاج أن نتوقف مع رسالة {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء:١٠٦]، أن نتساءل كيف يتسنى لِمن يرى في الضعيف أنه يأكل حصته أن يبرّه ويحسن إليه؟ كيف سيوقر الصغير ويحفظ حق الكبير؟

لنا أن نتفكر في صبغة الإسلام وكل ذرة فينا تستشعر الحمد والامتنان للذي كرم بني آدم-عزّ وجلّ- حين الضعف والقوة والرحمة الحقّ التي لا تضطر الإنسان إلى الشعور بالعبء في هذا الكون الفسيح المُسخّر كل ما فيه لمهمة العبودية التي لأجلها ذرأ الله سبحانه وتعالى الخلق إنسهم وجانّهم.

إنه الإسلام حيث تختلف الموازين ولا يسير فيها الركب بمعادلات رياضية أو متواليات هندسية وحسابية نقرر من خلالها مَن يبقى ومَن يُقتل!؟ بل الأمر فيها كله لله يحكم ما يريد بحكمته ورحمته!

صبغة التكليف والابتلاء التي بموجبها لا ينظر الشاب لأبيه المسنّ كعقبة كؤود تعيقه عن تحقيق ذاته وطموحاته، بل كل شيء في حياته يدخل ضمنَ دائرة التسليم والاختبار والتسخير حيث يقول الحق سبحانه: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون} [الفرقان: ٢٠] وقال تعالى: {وجعلنا بعضكم لبعض سخريا} [الزخرف: ٣٢].

بل على خلاف ما نظّر إليه مالتوس ومن تبعه فإن الضعيف في الإسلام هو أحد سبل الرزق والنصرة كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنهما- قال: (رأى سعد أن له فضلاً على من دونه، فقال النبي ﷺ: هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟) [صحيح البخاري].

حريّ بنا التدبر وإعادته في قوله سبحانه وتعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:151، 152، 153].

ختامًا

“عندما يتم تقنين القتل الرحيم في الثقافات التي تسود فيها قيم الاستقلالية والاستهلاك، فإننا سرعان ما ينتهي بنا المطاف بأنواع الوفيات التي لا يريدها أحد تقريبًا. ننتهي أيضًا بثقافة لا يريدها أحد تقريبًا.. ثقافة تدفع كبار السن المستضعفين، ليس فقط إلى هامش المجتمع، ولكن حتى إلى نقطة الموت من أجل إفساح المجال للشباب والقوة والإنتاجية. هذا الاتجاه، طالما أن الاستقلالية والنزعة الاستهلاكية تهيمن في الغرب، لا يمكن أن تفعل شيئًا سوى الاستمرار [3].


المصادر:

[1] https://bc.ctvnews.ca/easier-to-let-go-without-support-b-c-woman-approved-for-medically-assisted-death-speaks-out-1.5937496

[2] https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3070710/

[3] https://www.abc.net.au/religion/right-to-die-or-duty-to-die-the-slippery-slope-argument-against-/10099044

[4] http://graphics.tudelft.nl/~rafa/pl/jochemsen.htm

[5] http://m-abuzaid.com/index.php?option=com_content&view=article&id=106:2013-02-17-20-43-37&catid=85&Itemid=556#_ftn7

[6] https://www.catholicculture.org/culture/library/view.cfm?recnum=7019

الزواج بين مطرقة الصّراع وسندان الماديّة

من الملاحظ في زماننا أنّك تحسب بعض الزّيجات سجالًا لا اكتمال فيها، فتجد الطّرفين قبل الخطو في هذا المشروع المقدّس والعلاقة السّامية محمّلين بمجموعة من الأفكار المغلوطة، التي تكون في غالب الأمر نتاج تجارب فاشلةٍ، ووعظٍ مذمومٍ، واستنتاجاتٍ باطلةٍ خلص إليها العقل بعد طول احتكاكٍ بنماذج أساءت الاختيار، أو لم تمتلك الخيار.

الزواج بوصفه صراعًا لإثبات الأقوى

لم يكن الزّواج يومًا معركةً بغالبٍ ومغلوبٍ، بل هو علاقةٌ ساميةٌ أساسها الاحترام والتّقدير، عنوانها التفاهم والتّفهّم، هو مشروعٌ يتعاون فيه الطّرفان معًا على النّهوض به وإنجاحه، فإذا ما ظنّ الواحد منّا أنّه من خلال تشبّثه بأفكار ومعتقدات المجتمع الخاطئة والمنتشرة في الوسط العامّ، سيستطيع المضيّ قدمًا في شأنه فإنه لا جرم مخطئٌ لأبعد حدّ.

من البديهيّ أن تجد الفرد قبل خطوه في هذا الطريق، مسلّحًا بأفكارٍ متشعّبةٍ، ومعتقداتٍ غير صائبةٍ، وخوفٍ يجعله مستعدّا لردّ الصّاعٍ صاعين وكأنّه في معركةٍ داميةٍ وليس في رابطةٍ ساميةٍ؛ وذلك لأنّ الفرد لكثرة استماعه لأشخاص سلبيين، وتعمّقه في واقعٍ مريرٍ يصوّر إلا القبح والسّوء فيما شرّعه الله وأحلّه لعباده، وذلك بغرض التنغيص والتّنكيص على كلّ مقبلٍ إلى الحلال، وتسهيل وتزيين الحرام كمفرٍّ لتجنّب ما لا يحمد عقباه.

لم يكن الزواج يومًا علاقة سطوةٍ وسلطةٍ بحاكمٍ ومحكومٍ، ولا علاقة ربحيّة لتقاسم المصاريف واحتساب العوائد، والخوض فيه بقلمٍ وورقةٍ لمعرفة ما على الطرفين أداؤه أواخر الشّهر. ولا علاقة مثالية ورديّة تتراقص على أمواجها حوريّات الحبّ، وتزقزق في سمائها عصافير العشق، وتلثم صباحاتها قبلات الشّمس، فحتّى السّنة جعلها الله بأربعة فصولٍ، فلا تشرق شمس الرّبيع في صباح الشّتاء، ولا صباح الخريف قد يحلّ على صباح الصّيف إلاّ بأمر من الله.

وكذا الزوّاج تطرأ عليه فصول متغيّرةٍ، وطقس تارةً يكون بهيجًا دافئًا، وتارةً ينقلب عاصفًا باردًا، إلا أنّ الله جعل في المودّة والرّحمة ربيعًا يحلّ بعد شتاءٍ قارسٍ فيعمّ الدّفء والسكينة، والخريف ما هو إلا غمامةٌ عابرةٌ تشتدّ به الأواصر وتقوى، وليست الاختلافات مذمومة؛ بل إن الله لم يجعلنا متطابقين متشابهين إلا لحكمةٍ أرادها، ولولا ذلك لما جعل للذكر حاجة للأنثى  ولا حاجة للأنثى للذكر، وما جعل من ذكرٍ وأنثى حينها {وليس الذّكر كالأنثى} [آل عمران:36] كما أتى في كتابه العزيز، ولا الأنثى كالذّكر، فهما مختلفان متفرّدان اختصّ الله كل واحد منهما بميزاتٍ خاصّة، وأعطى كلّ منهما ما يليق به ويناسبه.

لقد جعل الله القوامة للرجل، واختصّ الأنثى باللّين والسكينة ليسكن إليها، فالحال خارج أسوار بيت الزّوجيّة ليس مفروشًا بالورد والرّيحان، وليس محاطًا بالأمن والأمان، بل إنّه قاسٍ وصعبٌ على رقيق الطّباع والقلب أن يتحمّله أو يألفه، كما أنّ الغلظة والقسوة مطلوبتان لمجابهة العالم بالخارج. لهذا جعل الله الخشونة في الرّجل ولم يجعلها في الأنثى لئلا تنتكس رقّتها وأنوثتها.

من يظنّ الزّواج سبيلًا لإثبات القوامة بالعنف والسّلطة، ما هو إلا مخطئٌ تشبّع بأدران الذّكوريّة المناقضة لأوامر الله، ومن ظنّت أنّ طاعة الزّوج بالمعروف تخلّفًا، وخدمته وأطفالهما ذلًّا يحلّ بها، ما هي إلا مخطئةٌ تشبّعت بأدران النسويّة المقيتة، فليست القوامة بالعنف، ولا الطّاعة ذلًّا وضعفًا، وما تلك إلا أفكارٌ متوارَثة عن جهلٍ وبغضٍ، وما يريد المشرّع لها إلا فسادا بالذكر والأنثى. فانظر واعتبر، فإن تسهيل الحرام وتصعيب الحلال ما هو إلا سبيلٌ ليعمّ الفساد وتتهدّم الأسرة، وتتشتّت الروابط الأسريّة، وتختلط الأنساب، وتنتشر الفواحش، ويغدو الفرد كالبهيمة تحرّكه شهوته دون تحكمّ، وأينما حلّ يقضي وطره دون عقدٍ أو إبرامٍ أو محلّ.

هذا في مفهوم الزّواج المعمول به فكرًا وفهمًا واستعدادا من لدن بعض المقبلين عليه، ليس الزواج أيّ مما ذكر سالفًا، ولن يكون كذلك مهما حاولوا تشويه مفهومه وصورته لكلّ مقبلٍ ومدبرٍ، فإن من خلق آدم لحوّاء لحكمةٍ، وسنّ الزواج للحياة سنّة، قادرٌ على التّصدي لكلّ من سوّلت له نفسه تشويه هذه السّنة وتدنيس ميثاقها الغليظ المقدّس.

الماديّة وانتهاك حرمة الزّوجية

مما لا شكّ فيه أنّ الماديّة طغت على معظم الأوساط إن لم يكن جلّها، فأضحى المرء يصوّر حياته من كل الجوانب ويفخر بما ملك وإن لم يملكه، حتى أقدس ميثاقٍ أصبح في وقتنا الرّاهن موقعًا للتّبختر والتّغنّج وحصد الإعجابات وتحويلها إلى أموال، وليس أسوأ من العزوف عن الزّواج، إلا انعدام المروءة والرّجولة، وهتك العرض مقابل المال، وهذا هو النّمط الرّائج في الوسط حاليًّا.

أستغرب كلّ الاستغراب ممّن سوّلت له نفسه أن يضع من زوجته إطارًا لحصد الإعجابات والمشاهدات مقابل دخلٍ ماديّ تجود به التطبيقات مثل تيك توك ويوتيوب وانستغرام على مستخدميها النّشطين، فتجد المرء يصور مقطع رقصٍ وتمايلٍ على إيقاع الموسيقى لينال المشاهدات وإن كان على حساب عرضه وكرامته، ليس هذا وحسب،  بل ينفطر القلب حسرةً وشفقةً على من اختار نشر خصوصياته كأوراق ممزقة متاحةٍ للعامّة، فتجد الواحد يستغلّ خصوماته وزوجه ويصوّرها خفيةً أو عن طيب خاطرٍ، ليرفقها بعنوانٍ لافتٍ، جاذبٍ لمحبّي الفضائح والمشاكل تحت ذريعة “ربّ ضارة نافعة”

لا يوجد أسوأ ممّن فقد غيرته إثر احتكاكه بعالم السوشال ميديا المريع، ولا أقبح ممّن يستغلّ عرضه وشرفه لجلب المال كمصدر ربحٍ سهلٍ يسيرٍ لا يتطلّب من المرء إلا أن يضع رجولته في صندوقٍ ويلقيه في غيابات الجبّ، وذلك بعد التّأكد من إرفاقه بالحياء والأنوثة ليستأنسا معًا في الظّلمة بعيدًا عن أصحابهما.

هذا النّوع من الزّواج من جهةٍ أخرى، هو وباءٌ يفتك بأهله وكلّ من يأنس به، فلا يبقى الأمر مقتصرًا على طرفين معًا، بل تتسع دائرته ليشمل المتابعين البالغين واليافعين، وكلّ من عشّشت التّفاهة بواطن عقله ليغدو بذلك هدفًا ومبتغىً يطمح إليه كل مشاهد ومتابعٍ وفيّ، وهب ما قد يحصل إذا ما تفشّت التّفاهة في الوسط، وغدا السفيه والتافه قدوةً للكثير، إنّ العاقبة لا شكّ تكون وخيمةً.

هما نوعان طغا في الوسط العامّ، وأصبح من الضّروريّ التصدّي لهما بما أوتي الواحد منّا من قوةٍ وطاقةٍ وجهدٍ، فالأول تشويهٌ لجمالية الاقتران بشريك حياةٍ نمضي قدما برفقته، نخطّ دروب الحياة معًا حتى المشيب، يسند أحدنا الآخر في ضعفه، ويحنو عليه في أوج حاجته، ويكون الطرف للآخر ملجأ وسندًا، فليس العيب أن يكون الزّوج زوجًا، وأبًا، وأخًا، وصديقا، وحبيبًا، ولن يزيده ذلك إلا حلمًا ورجولةً، ليس العيب أن تكون الزوجة لزوجها زوجةً، وأما، وأختا، وصديقةً، وحبيبةً، ولن يزيدها ذلك إلا رقّةً وأنوثةً.

ليس النّوع الثاني سوى انتكاس للفطرة، فما خلق الله الأنثى إلا والأنوثة والحياء منها ولها، وما خلق الذّكر إلا والغيرة والرجولة منه وله، وما تخلّى أحدهما عمّا حباه الله به إلا بملك إرادته وتمام قبوله، فمن قبل بانتكاس فطرته عاش ذليلًا بين أقرانه، لا يرفّ له طرفٌ، ولا ينغص عليه القلب، فإمّا أنّه قد مات ضميره فيحييه الله بأمره، وإمّا أنه لا حياة له، فإنّا وإنّه لله وإنا إليه راجعون، نعوذ به من انتكاس الفطرة، وموت الضمير والفؤاد.

رمزيّة الزواج ودور كلّ من الرجل والمرأة داخل أسواره

إنّ الزواج لم يكن سجالًا، ولا معركة هازمٍ ومنهزم، وليست الرابطة بين الذكر والأنثى في بيت الزوجيّة كعلاقة المالك بالرقيق، بل هما جزآن يكملان بعضهما بعضًا، وما أكثر ما تجد من مهرطقين لا يرون في المرأة إلاّ آلةً لإشباع غريزتهم، وأنّها كائنٌ لا يستحقّ إلا الخشونة والزّجر لكيلا تطغى على زوجها، أو تكون في مرتبةٍ قريبةٍ منه، بل أنّها لا شكّ أدنى منه مرتبةً وعقلًا، وأنّه هو صاحب الشّأن الذي تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه وإن لم يكن بالمعروف، فتجده إذا ما دخل البيت هابه أهله، وهرب كل منهم بجلده، وكأن الذي عاد طاغيةٌ متجبّر، وليس أبًا وزوجًا.

كم من زوجٍ تخافه زوجته وتطيعه في أمره خشية أن يحلّ عليها وابلٌ من السبّ والضرب منه، وكم من أبناءٍ لا يرجون من حياتهم إلا خلاصًا من أغلال العنف والتوبيخ التي تطالهم من أبيهم، وما أكثر المهرطقات ممن تجدهنّ يقضين معظم أوقاتهنّ في تصفح المواقع الخليعة ومتابعة المسلسلات التي تحرّض على الانحلال الخلقي، حتى إذا ما حضر الزوج بعد طول عملٍ وتعبٍ وجد البيت في فوضى عارمةٍ، وحالها كحال العائد من موتٍ وشيكٍ، فإذا ما حدّثها عما شغلها عن القيام بواجباتها المنزليّة، انفجرت في وجهه تجهّما وغيظًا أنّها ليست بخادمةٍ ولا منظفةٍ ولا طبّاخةٍ، وأنّها ليست ملزمة للقيام بشأنه وإن كان جلّ يومها يمضي في تفاهةٍ وسفاهةٍ.

كثيرات تجدهنّ يطالبن بالمساواة وحفظ الحقوق والقيام بالواجبات، وهنّ أكثر من يهتكن الحقوق، ويتغاضين عن الواجبات، وما هكذا يكون الزواج، وما هكذا يكون مربّي الخلف الذين سيُباهى بهم السّلف.

لينظر الواحد منا في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وليتعلّم ويعتبر، فهو النبيّ الرسول حامل الرسالة السماويّة، والمنزّل عليه الوحي بالقرآن الكريم، كان ليّنًا رحيمًا بأهله، يعطف ويحنو على الصّغير والكبير، ويستشير أهله في أمره فيأخذ منهم الرأي، ويأخذون منه المشورة ويطيعونه في كلّ أمره.

وبالمقابل تجد من الأزواج من يعامل زوجته بدلالٍ وعطف، فيرقّ قلبه خشيةً عليها، وينقبض صدره إذا ما أصابها مكروهٌ، يعينها في شؤون بيتهما تخفيفا عليها، ويحرص على تربية أطفالهما معًا، فلا يلقي كلّ الحمل عليها، ولا يؤاخذها بتقصير حصل بتعبٍ سهوًا منها، إذا حضر البيت هبّ كل من فيه يستقبله بحفاوةٍ وسعادةٍ بعودته، وإذا خرج رافقته الألسنة والقلوب بالدعاء له بالحفظ من كل شر ومكروه.

ومن الزوجات من تجدها تدلّل زوجها أيّما دلالٍ اهتمامًا به، تقوم بشؤون بيتها وتعتني بأطفالهما، فلا يدخل ليجدها متجهّمة الوجه بل باسمةً جميلةً نظيفةً تنتظر عودته، يتجاذبان أطراف الحديث بالنقاش والذكر والتّرتيل، في جلسةٍ أسريّةٍ ملؤها العطف والمودّة، تحفظ عرضه وسرّه، لا تتأفّف لضيقٍ حلّ بهما، بل يحتسبان أجر الصبر عند خالقهما.

إنّ الزّواج جميلٌ فحرص كثيرٌ من المفسدين على أن يقبّحوه، وبدل عدّ محاسنه حرصوا على طمسها تضليلًا وتزييفًا، ومثلما ساهموا في تشويه صورته بكلٍ الطرق، سلكوا كذلك السّبل الممكنة لترهيب الشباب منه، فصوّروه ببشاعةٍ لا يتّصف بها، فالفطن من عرف سمّ مكائدهم، واللّبيب من تخلص من مسعاهم، وليس المغلوب على أمره إلا من اتبّع هواهم فأضلّوه السّبيل والتّفكير، وغدا فردًا من قطيعهم المتمرّد على الفطرة، نسأل الله إلا سلامة الفطرة والهدى والتّقى، وإنّ له الحكمة البالغة، فالأمر له من قبل ومن بعد، وإنّ له في خلقه شؤونٌ.

المآلات النفسية والاجتماعية للمدارس الإلزامية

عند النظر إلى عدد من الظواهر الاجتماعية المؤثرة في حياتنا مثل شيوع الفردانية والبراغماتية، نجد أنَّ بعض أسباب انتشارها مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمدارس الإلزامية وما تحمله من أساليب مؤطرة لها، إذ إنها تمس جوانب كثيرة من حياة الفرد بدءًا من تكوينه الفكري من خلال المناهج المدروسة فيها -وهذا أشرتُ إليه في مقال سابق- مرورًا بإشكالات نفسية تتكون في الطفل، وصولًا إلى ظواهر اجتماعية منتشرة من بواعثها الحيوية هذه المدارس، سأحاول بعون الله في هذا المقال تتبع بعض هذه الإشكالات والوقوف عليها.

أهمية الجو الأسري في مرحلة الطفولة

تُعَدُّ الأسرة من أهم المؤسسات التي تسهم في التنشئة الاجتماعية لأفراد المجتمع وأعظمها تأثيرًا في حياة الأفراد والجماعات، وقد ظلت قديمًا -لقرون طويلة- المضطلع شبه الوحيد بتربية الناشئة، وكان من غايتها أن يعلم الكبار الصغار سبل العيش والسلوك بالإضافة إلى توفير الحاجات الجسمية والنفسية والضرورية لأفرادها، وقد تقوم بوظائفها في الحدود التي يسمح بها نطاقها وبالقدر الذي تقتضيه حاجاتها الاقتصادية والخلقية والتربوية، فكانت المركز الأساسي في حياة الأفراد ولذا فقد كانت تتمحور مهامها حول عمليتين رئيسيتين:

الأولى: الإعداد اللازم للحصول على ضروريات الحياة العملية بصورة آلية مباشرة.

والثانية: تتمثل في التدريب على الطرق والقيم المقبولة والمألوفة في حياة الجماعة بطريقة عرضية وطبيعية من خلال مشاركة الصغار مع الكبار أفعالهم وأحاديثهم في مواقف الحياة المحسوسة.

‌فالتربية الأسرية لا يختلف على أهميتها اثنان، لضمان التنشئة السليمة للطفل، وتعتبر السنوات الأولى التي يقضيها الطفل في منزله من أكبر المؤثرات المسئولة عن تشكيل مستقبله فهي أول وسط ينمو فيه، ويتشرب الأحكام الأخلاقية والتقاليد والعادات والأعراف السليمة من خلال الجو العاطفي الذي يتفاعل معه في الأسرة، فتفعيل الوظائف التربوية لا يتحقق إلا بتكاتف جهودها، فتقوم بأدوار وواجبات عديدة أهمها إشباع حاجات الطفل النفسية وتوسيع مداركه وزيادة معارفه، وحتى تتمكن الأسرة من القيام بدورها التربوي لا بد من إعدادها بشكل سليم.

كما أن الأسرة تحظى بمكانة تربوية كبيرة بين المؤسسات الأخرى، باعتبارها مؤسسة تربوية غير نظامية، ولا يمكن أن تتحقق التربية المتكاملة للطفل إلا إذا بدأت منها، كونها اللبنة الأولى التي ينشأ فيها الطفل، وأساس المجتمع المترابط، الذي بني من أول لحظة على التوافق والتراحم والانسجام والتشارك في الحقوق والواجبات، بل جعل المنهج الإلهي الأسرة مسؤولة عن نفسها وغيرها، أو من هو في محيطها الأسري بكثير من الاهتمام والرعاية بالأطفال بصورة متكاملة.

كيف تضعف المدرسة دور الأسرة؟

يصف الإمام الغزالي -في معرض حديثه عن التربية- الطفل بأنه “قابل لكل ما نُقِش عليه، ومائل إلى كل ما يُمال إليه، فإن عُوِّد الخير وعُلمه نشأ عليه وسعد، وإن عُود الشر وأُهمل شقي وهلك” [إحياء علوم الدين]، والمتأمل في مقولة الإمام الغزالي يجد أن عملية التربية مكتسبة يكتسبها الطفل من البيئة التي تهيَّأ له، فإن كانت حسنة فإنها تجعله ينشأ نشأة صحيحة، وإن كانت سيئة أدت به إلى أن يكون فردًا غير صالح في المجتمع، لذا كانت مرحلة الطفولة من أهم المراحل التي يجب العناية بها في حياة أبنائنا.

فعندما يذهب الطفل إلى المدرسة يقع عليه ضغط نفسي حيث إنه يكون مُطالبًا بالتكيُّف أو التأقلم مع وضع جديد بكيفية معينة، وسلوكيّات محددة، ومن الممكن أن يكون البدء في نشاطات جديدة له أثر إيجابي وتغيرات جيدة، ومن الممكن أيضًا أن يكون مرتبطًا بتغيرات سلبية، إذ إنه يتم التعامل مع النشء ذوي العقول الغضة التي يسهل التأثير عليها وبالتالي تتحكم المدرسة في قدر كبير مما يصل إلى عقول الأطفال.

فبقاء الطفل ساعات طويلة مستمرة في بيئة تتوارد عليها أخلاقيات مختلفة وأحيانًا متضادة حتمًا ستؤثر فيه سلبًا خصوصًا في المراحل العمرية الأولية، حيث إنّه يتطبع بصفات الأطفال الآخرين السيئة التي لا نحبها في أبنائنا كالعنف، والتنمر، واللامبالاة، وعدم الطاعة.

 وكذلك ابتعاده عن والديه اللّذَين تعلّق بهما يُدخله في نفق الانفصال عنهما، حيث إنّ قلق الانفصال لدى الأطفال يمر بمراحل هامة وهي:

  1. المرحلة الأولية، الاحتجاج والبحث، وفيها يحاول الطفل جاهداً أن يحتج ويبكي على انفصاله عن الأب أو الأم، مع إصراره على البحث عنهم أو حتى اللحاق بهم إذا أمكن.
  2. مرحلة اليأس، وهنا يدرك الطفل أن الأب أو الأم غير موجودين، وأنه لن يتمكن من اللحاق بهم، حيث تظهر ملامح اليأس والإحباط عليه، ويرفض فيها الاستجابة للآخرين من حوله.
  3. مرحلة الانفصال، وفيها يبدأ الطفل بفصل جميع المشاعر والروابط العاطفية والانفعالية بالشخص الذي ابتعد عنه، كما أنه يقلل من تفاعلاته الاجتماعية مع الآخرين، ويقلل من اهتمامه بهم خوفاً من أن يبتعدوا عنه هم أيضاً.

وأكثر الأطفال معاناة من قلق الانفصال هم الأطفال من الشهر السادس وحتى سن ثلاث سنوات، ومن المتوقع أن يقل قلق الانفصال كلما كبر الطفل، لأنه يصبح أكثر اعتمادًا على ذاته. ولقدرته المعرفية على التذكر بأن مقدم الرعاية إذا ذهب سيعود، مما يخفّف من شعوره بالقلق.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الأطفال بعد سن الخامسة وكذلك المراهقين قد يعانون من قلق الانفصال، وأنّ من يتعرض للانفصال تظهر عليهم علاماته كاليأس والإحباط والخوف، وقد يعانون من مشكلات سلوكية كالتبول اللاإرادي والكوابيس [مجلة كلية التربية بالإسماعلية. مصر، عدد 22: 85-126].

 وكذلك نلاحظ وجود العنف بين الأطفال في المدارس، إذ كثيرًا ما يكون هناك تعارك بين الطلاب في المدرسة أو اعتداءات مختلفة، الأمر الذي قد يؤدي أحيانا إلى نتائج مؤذية لهم على العديد من الأصعدة النفسية والجسدية، وتؤثر على شخصياتهم مستقبلًا.

ونتائج العنف عادة ما تؤدي إلى إحداث خلل في عملية نمو الطالب في المجتمع، الأمر الذي يفضي إلى خلق شخصيات تعاني اضطرابات نفسية أو خاضعة ومنقادة وغير قادرة على اتخاذ قرارات إيجابية بناءة لمواجهة مشاكلها المختلفة.

وقد اخترقت الظاهرة مناعة المجال المدرسي وأصبحت تشكل سياقًا يتبادله جميع المتعايشين داخل الفضاء المدرسي وصار هذا المعجم اللفظي البذيء في السنين الأخيرة من أكثر أشكال التعبير استعمالًا سواء بين التلاميذ أو بين التلاميذ والمربين.

العزلة الاجتماعية

عند النظر إلى طبيعة سير العملية التعليمية التي تتبعها المدارس الإلزامية نجد أنّها تُهيكل حياة الإنسان لتصبح مقتصرة عليها فقط، ويتم عزل الطفل بل حتى الشاب عن الكثير من الأنشطة الاجتماعية الأساسية بحجة الدراسة والتعليم، وتُكرَر على مسامعه من أهله عبارات مثل “أهم شيء دراستك”، “اصرف واشتري ما شئت من أغراض وكتب ولا تبالي بأمر المال”، “لا تفكر في الزواج الآن، يمكنك ذلك بعد إنهاء دراستك الجامعية”، “دعك من الهوايات التي تعطلك في الدراسة”… إلخ، ومع كثرة تكرار هذه العبارات من جهات متعددة وبأنماط وطرق مختلفة، يشعر الشاب والفتاة بالأمان حيال معارك الحياة ويصبان همهما بالفعل في الدراسة أو في أي شيء آخر لا مسئول، لأنهما غير مطالبَين بالمسؤولية، ثم تحدث الصدمة بعد التخرج، فيجدان أنفسهما لا يعرفان شيئًا عن مهارات الحياة ولا عن مسئولياتها، والطامة الكبرى أنّ ذات المجتمع يطالبهم بتحمل المسئولية وأنّ هذا العمر المناسب لحملها، فتكون النتيجة هي الإقدام على خطوات حياتية تحت الضغط المجتمعي دون استعداد كافٍ لها، وبالتالي الكثير من الصدمات والتخبطات والقرارات الخاطئة، وتظل هذه الدائرة في المجتمع لأن هذا النظام التعليمي هو سبب رئيس في وجودها، ولا يزال قائمًا.

البراغماتية والعملية التعليمية

عند إلقاء نظرة على العلاقة بين الطالب والمعلم في التراث الإسلامي نجد أنّ هناك علاقة وثيقة متبادَلة بين الطرفين، ونجد أنّ فكرة ملازمة الطالب للمعلم فكرة منتشرة بين طلاب العلم، فنجد _مثلًا_ أنّ ملازمة الإمام بن القيم رحمه الله لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله استمرت ستة عشر عامًا، حيث إنه التقى به سنة (712هـ) للهجرة، ولازمه إلى سنة (728هـ)، أي إلى أن توفي رحمه الله تعالى تقريبًا، وغيرهم الكثير، بل إننا نجد أنّ ملازمة التلميذ لشيخه من القرائن التي يُعتد بها في علم الحديث.

أما الطريقة المُتّبَعة اليوم في التدريس من مرور الطالب في اليوم الواحد على عدة معلمين مختلفين لوقت محدد وتنتهي علاقة الطالب بالمعلم غالبًا بانتهاء الفصل الدراسي تجعل العلاقة الجامعة بينهم علاقة نفعية محضة، والمعلم كذلك يعمل تابعًا لمؤسسة تؤطّر دوره وحدود وقته مع الطالب، وتحدّد وظيفته معه، ومع تواتُر تلك التبادليّة البراغماتيّة بينهم؛ تتعزّز النزعة الفردانية في المجتمع، إذ إنّ الأفراد نشأوا في تسلسل دراسي يمحورهم حول تحقيق ذواتهم من خلال السلم الدراسي مع تغيُّر متتابع ومستمر فيمن يتلقّون عنهم، فيخرج للمجتمع فرد تضخمت ذاته في ناظريه، وأصبحت مصالحه الشخصية مُقدَمة دائمًا، ويصعُب عليه النظر لمصلحة الغير وتحقيق خُلُق رفيع كالإيثار مثلًا.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله “الشعور مراتب، وقد يشعر الإنسان بالشيء ولا يشعر بغالب لوازمه، ثم قد يشعر ببعض اللوازم دون بعض” [درء تعارض العقل والنقل] فبسبب اعتياد هذا النمط التعليمي أصبح تصور وجود رابط بين إشكالات اجتماعية كشيوع الفردانية وبين النظام التعليمي أمرًا مستبعدًا، ويتم رد هذه الظواهر إلى أسباب أخرى وحصرها فيها دون ملاحظة لوازم الأمور وبقية الأسباب، فمثلًا تُعزى نشوء الفردانية إلى ما حدث في نفسية الجماهير بعد صدمة الحرب العالمية الثانية، حيث نزع الناس إلى التمحور حول الذات والميل إلى الفردانية بسبب خيبة الأمل التي أصابتهم بعدما كانوا ينتظرون رغد العيش نتيجة التقدم التقني.

نعم هذا سبب ممتد ويتجدد جرّاء صدمات أخرى، لكن يجب ملاحظة البواعث الأخرى المُعززِة لهذه الظاهرة، حيث إنّ عدم الشعور بنمو الفردانية من خلال هذه الثنائية البراغماتية، وأنّ كون العلاقة بين الطالب والمعلم باتت براغماتية بحتة، لا يعني عدم وجودها، فالفردانية من لوازم هذه الثنائية البراغماتية.

ختامًا

إنّ موضوع التعليم وعلاقته بالمجتمع سواء من الناحية الفكرية أو النفسية والاجتماعية أمرٌ بالغ الأهمّيّة لكونه يشكّل الوعي العام في المجتمع، والعناية به ومحاولة تفنيد آثاره والبحث عن حلول له من القضايا المركزية الأولى التي يجب أن تكون نصب أعيننا، فكل يوم يمر دون الوصول لحلول حقيقية لهذه القضية يعني تمامًا قولبة المزيد من العقول وطمس الكثير من العبقريات في المجتمع وتعزيز للعديد من النزعات التي تمزق نسيج المجتمع مثل الفردانية أو غيرها من التأثرات الفكرية، وبالرغم من تواجد بعض الأطروحات التي تحاول وضع تصور لحل هذه القضية، إلا أنّ الأبعاد المؤثرة عليها تجعلنا نسأل سؤالًا مشروعًا وهو: في ظل هذا الواقع، ما جدوى هذه الأطروحات؟

هذا ما أسعى للإجابة عنه في مقالٍ لاحق بإذن الله.

مصيبة الموت: بين الصبر والجزع

جعل الله تعالى الحياة الدنيا دار فناء وزوال، لا تصفو ولا تدوم لأحد، فإذا حلت أوحلت، وإذا أراحت أتعبت، وما ولدت إلا ويتّمت، وما سرَّت إلا وأحزنت، وما جمعت إلا وفرقت، فمصير كل مخلوق فيها الموت، وكل حي فيها يموت، وكل مخلوق فيها يفنى، مصداقا لقوله تعالى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ {الرحمن: 26، 27}

إنها الحقيقة التي لا ينجو منها مخلوق ولا ينكرها أحد، فلم يستثنَ منها أحدٌ، لا نبي مرسل، ولا ملك مبجّل، ولا فقير مذلّل، فكل أهل البسيطة سيذوقون كأس الموت الذي لا يعرف السن، فإنه ينال الصغير والكبير. ولا يعرف الحالة فينال الصحيح والسقيم، ولا يعرف المنزلة فينال الوزير والفقير، ولا يعرف المكان فينال أهل المشرق والمغرب وأهل الشمال والجنوب، الكل سيرحل يومًا ما ويفارق هذه الدار، فلا دوام إلا لله الواحد الأحد، فلو دامت لغيرنا لما وصلت إلينا، مات أشرف الخلق الأنبياء والمرسلون، والأولياء والصالحون؟ ولو كانت الدنيا تدوم لأهل الفضل لكان رسول الله حيًّا باقيًا.

 أين المفرّ

قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ {النساء: 78}، فلا يستطيع أحد أن يفر من الموت، فقد قهر الجبابرة، وأدرك أصحاب البروج المشيدة، وكل من حان أجله وانقضى عمره، فلن يتأخر ساعة ولو اجتمع له أطباء العالم كله، فهذه الدنيا دار ابتلاء واختبار، وأحزان وأكدار. يمتحن فيها الإنسان بالمصائب والأقدار المؤلمة.

ومن أعظم المصائب التي يُصاب بها الإنسان مصيبة الموت وفقد الأحبة، ويشترك في هذه المصيبة المسلم والكافر، والبر والفاجر، ولكن شتان بين المؤمن والكافر، وبين الصابر والساخط، فعن أبي يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ) [أخرجه مسلم في صحيحه] يقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله إن الواجب على كل مؤمن ومؤمنة عند المصيبة، الصبر وعدم الجزع، فهذه أمور كتبها الله وقدرها لا حيلة فيها، فالواجب عند المصيبة الصبر وعند النعمة الشكر، وهذه دار الابتلاء والامتحان ولهذا يقول جل وعلا: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] ويقول سبحانه: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46] ويقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل:127]

 والمؤمن لا بدّ أن يبتلى تارة في نفسه وتارة في أولاده وتارة في أقاربه تارة في أحبائه وتارة في المسلمين، لا بدّ من الصبر.

هكذا المؤمن صبور عند البلاء شكور عند الرخاء، والصبر عند البلاء وهو أن يكف لسانه عما لا ينبغي ويكف جوارحه عما لا ينبغي ويكون قلبه مطمئنًّا منشرحًا لا جزِعًا فهذا هو الصبر.

 

احذر من ترك الصبر

أما الجزع فلا يرد عن صاحبه شيئًا ويأثم بلا فائدة ومثال على ذلك شق الثوب، ولطم الخد والصياح والنياحة، فكل هذه منكر ولا ينفع يأثم ولا ينفعه؛ ولهذا يقول ﷺ: (ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية) [متفق عليه]، وأخذ على النساء عند البيعة ألا ينحن على أمواتهن، ولما اشتد به الكرب عند موته عليه الصلاة والسلام أصابه شدة عند موته عليه الصلاة والسلام وكان يضع يده في الماء ثم يرفعها ويقول: (إن للموت لسكرات) عليه الصلاة والسلام فلما رأت ذلك فاطمة قالت: واكرب أبتاه! يعني وشدة كربته، فقال ﷺ: ليس على أبيك كرب بعد اليوم! يعني نهاية الكرب الدنيا، ما يقع عند الموت من الشدة وبعدها المؤمن في راحة في قبره، وبعد ذلك في الجنة.

 الابتلاء والامتحان

يقول الله سبحانه ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 – 157].

 وقد قال بعضهم عندما مات ولد له: “والله لو أن الدنيا وما فيها لي، فأخذها الله عز وجل مني، ثم وعدني عليها شربة من ماء، لرأيتها لتلك الشربة أهلًا، فكيف بالصلاة والرحمة والهدى؟”.

فيا من ابتُلي بفقد حبيب أو قريب، اصبر واحتسب الأجر من الله وارضَ بقضاء الله، واعلم أننا كلنا لله وأننا إليه راجعون، وعن هذه الدنيا راحلون، وردّد: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وأبشر بالخير، فسيعوضك الله خيرًا مما فقدت؛ فقد ثبت عن أم المؤمنين أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم اؤجرني في مصيبتي، وأَخْلِفْ لي خيرًا منها، إلا أَجَرَه الله في مصيبته، وأَخْلَفَ له خيرًا منها) قالت: (فلما تُوفي أبو سلمة، قلتُ كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله لي خيرًا منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم) [أخرجه مسلم]، والمعنى: أن الله أكرمها بأن تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والبشرى لمن صبر على البلاء والحزن والألم بتكفير السيئات، ورفعة الدرجات في جنات الخلد فقد صحّ عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا همٍّ ولا حزن، ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه)؛ [أخرجه البخاري في صحيحه] وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصبي لها فقالت: يا نبي الله، ادعُ الله له؛ فلقد دفنت ثلاثة قبله، فقال صلى الله عليه وسلم: دفنتِ ثلاثة؟ – مستعظمًا أمرها – قالت: نعم، قال: لقد احتظرتِ بحِظارٍ شديد من النار)؛ أي: لقد احتميتِ بحمًى عظيم من النار.

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا، ثم احتسبه، إلا الجنة) [صحيح الجامع]

 فيا من فقد حبيبًا غاليًا أو صفيًّا مقربًا، اعلم أنك لست وحدك من ابتليت بهذه المصيبة، فغيرك قد ابتلي بأعظم من مصيبتك، فمن الناس من فقد ابنًا وأكثر، ومن الناس من فقد حبيبه وأنيسه، ومن الناس من تكالبت عليه مصائب كثيرة وهموم متتالية، وما من أحد إلا وقد أصيب بمصائب، والفراق في الدنيا لا فرار منه ولا زيغ عنه؛ فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جاءني جبريل فقال: يا محمد، عِشْ ما شئت فإنك ميت، وأحبب مَن شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه…) [صحيح الجامع].

 ومن عظيم كرم الله ورحمته بعباده المؤمنين بأنه لم يجعل الفراق فراقًا أبديًّا سرمديًّا فبشّر الله المؤمن بلقاء أهله وذريته وأحبابه من المؤمنين في الجنة، فسيجمعك الله بمن فقدت في اجتماع أبدي لا فراق بعده إذ يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ {الطور: 21}، وقال جل وعلا :﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ﴾ {الرعد: 23}

القرضاوي رحمه الله في مواجهة التطرف

رحل سماحة الدكتور يوسف القرضاوي عن هذه الدنيا بعد أن قضى عمره في خدمة الإسلام، تاركًا وراءه مشروعًا فكريًا متكاملاً للإسلام عقيدة وشريعة وحضارة، وإذا كانت الوسطيّة بالمعنى الإسلامي الجامع المميز تُعتبر أخصّ خصائص هذا الدين، فإنّ الوسطيّة الإسلاميّة الجامعة قد شغلت حيزًا كبيرًا من مشروعه الفكري، بل إنّ القرضاوي بحقّ، يعدُّ رائد مدرسة الوسطيّة الإسلاميّة والتجديد الإسلاميّ المعاصر، حتّى غدت الوسطيّة أصل مشروعه الفكري والمعيار الذي انطلق منه في اجتهاده وتجديده.

بعيدًا عن الإفراط والتفريط

وإذا كانت الوسطيّة الإسلاميّة تعني: البراءة من غلوى الإفراط والتفريط، والجمع والموازنة بين عناصر الحقّ والعدل والاعتدال في كلّ ميادين الفكر الإسلامي، فإنّ معالجة قضيّة الغلوّ والتطرف قد شغلت حيزًا كبيرًا من مشروع القرضاوي الفكري، بل لعل القائل لا يخطئ إن قائل: إنّ أثر القرضاوي في مواجهة التطرّف الديني لو وضع في كفّة، ووضعت جهود العالم بأسره في كفّة أخرى لرجحت كفّة القرضاوي.

من خلال استقراء مشروعه الفكري، فإنّ العلّامة القرضاوي يضع يده على الجرح، ويحدّد مظاهر هذه الثمرة المرّة التي ابتلينا بها في واقعنا الإسلامي، فتمثّلت بالتعصب للرأي، وإلزام الجمهور بما لم يلزمهم الله به، والتشديد في غير محلّه، وسوء الظنّ بالناس، والغلو في التكفير.

أمّا عن أسباب هذه الظاهرة فإنّ الجهل بروح الدين، والظاهرية في فهم النصوص، والإسراف في التحريم مع التباس المفاهيم، واتباع المتشابه وترك المحكم، وضعف المعرفة بالواقع والتاريخ وسنن الله في الكون، ومصادرة الحريّات، ولجوء الديكتاتوريات إلى القمع والعنف والتعذيب، كلّ هذه الأسباب متضافرة أدت إلى إفراز ظاهرة الغلوّ الديني.

وإذا كانت جماعات التطرّف المسلّح تنطلق في حركتها على أرض الواقع من فهم أعرج وفكرٍ أعوج.. فإنّ العلّامة القرضاوي عمل على تقويض هذا الفكر من جذوره في كتابه (فقه الجهاد) بالأدلة الناصعة والحجّة البينة، وذلك كما نبيّنه في السطور الآتية.

الفتنة لا تعني الشرك

مما يستند عليه دعاة الحرب على العالم كلّه آية: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة} [الأنفال: 39]، حيث يقولون إن كلمة فتنة تعني الشرك، مما يعني أنّ القتال مأمورٌ به حتّى يزول الشرك من الأرض، ويخلص العالم كلّه لدين الله، مستندين بذلك إلى كلام أبي بكر الرازي في تفسير الفتنة، الذي يرى أنّ آية: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين} [البقرة: 190] منسوخة بقوله تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} [البقرة: 191]. فيقول القرضاوي: “إنّ النهي عن الاعتداء لا يُتصوّر أن يُنسخ، لأنّه معلل بعلّة لا تقبل النسخ وهي قوله تعالى: {إنّ الله لا يحبّ المعتدين}، وهو خبر عن صفات الله تعالى لا يُنسَخ.

ويستدلّ العلّامة القرضاوي بكلام العلّامة الشيخ جمال الدين القاسمي الذي فسّر الفتنة بالفتنة عن الدين، بالتعذيب والإخراج من الوطن والمصادرة بالمال.

جمال الدين القاسمي

حديث البعثة بين يدي الساعة

يستدلّ دعاة الحرب على العالم كلّه بحديث: (بُعِثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك) [أخرجه أحمد في المسند] في استعمال القوّة الماديّة والعسكرية في التغيير والإصلاح حصرًا، بدعوى أنّ الإسلام دين السيف.

يرد القرضاوي على استدلالهم بهذا الحديث بوجود بعض الاستفهامات في سنده ومتنه، ففي سنده عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان، الذي قال عنه الإمام أحمد إن أحاديثه مناكير، وقال عنه النسائي ضعيف وليس بثقة، وضعّفه ابن الجوزي وعبدالله بن الجنيد وعثمان بن سعيد الدرامي وغيرهم، وقد ذكر الذهبي انّ الرجل قد رُمي بالخروج في آخر حياته، ومثل هذا الراوي لا يؤخذ منه حديث يحمل هذا المضمون الخطير: الإسلام دين السيف!

أمّا متن الحديث منكرًا ولا يتفق بحال مع ما قرره القرآن بخصوص ما بُعث به النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فهو رسول الهدى والرحمة المبشر النذير.

حديث الأمر بقتال الناس

تيّار التطرف والغلوّ يرى أنّ كلمة الناس تعني البشر جميعًا، وهذا غلطٌ بإجماع أهل العلم، فكلمة الناس عامّة تفيد الخصوص، وهم مشركو العرب الذين ضنوا على الإسلام وأهله بحقّ الحياة ولم يحترموا معاهدة مبرمة ولا موثقًا مأخوذًا، واللام في كلمة الناس للعهد كما قال الله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] وقوله تعالى: {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا} [النصر: 2] .

الإسلام لا يُقاتل إلّا من قاتله

إن ابن تيميّة المظلوم من قبل تيّارات الغلو الذين يقتصّون من كلامه ما يوافق هواهم من غير دقّة علميّة ولا موضوعيّة يُثبت في رسالته (قاعدة في قتال الكفار) أنّ الإسلام لا يقاتل إلّا من قاتله إذ يقول: “ليس المراد: أني أمرت أن أقاتل كلّ أحد إلى هذه الغاية – أي دخول الناس في الإسلام – فإنّ هذا خلاف النصّ والإجماع، فإنّه – أي الرسول – لم يفعل هذا قطّ بل كانت سيرته أن من سالمه لم يقاتله”.

الكفر ليس علّة القتال

ويستدل بهذا ابن تيميّة في تعقيبه على حديث “ما كانت هذه لتقاتل” بقوله: “القتال لأجل الحرب لا للكفر هو الذي يدل عليه الكتاب والسنّة وهو مقتضى الاعتبار.. ذلك أنّه لو كان الكفر الموجب للقتل، لم يحرم قتل النساء”، ويقول أيضًا: “لا نكره أحدًا على الدين، فلو كان الكافر يُقتل حتى يُسلم لكان هذا أعظم الإكراه على الدين”، ويقول أيضًا: ” فهو لم يبدأ احدًا من الكفار بقتال، ولو كان الله أمره بقتل كلّ كافرٍ لكان يبتدئهم بالقتال”.

آية السيف

يدّعي تيّار الغلو أنّ آية السيف نسخت 120 آية من آيات القرآن، والقرضاوي يناقش قضيّة النسخ من جذورها ويفنّد هذه الدعوى في كتابه، لا مجال لعرضها هنا، فمن شاء أن يراجعها في كتابه فقه الجهاد الجزء الأول (267-314).

إن من أهم ما يميز القرضاوي رحمه الله أنه عالم لا يجنح إلى الغلو ولا يميل إلى التسيّب، بل كان قصدًا يسعى لتحقيق هدي الإسلام بلا إفراط أو تفريط، ودون عنف أو ميوعة، وليس معنى الوسطية عند القرضاوي الإمساك بالعصا من المنتصف، بل الموقف المبني على الدليل، وكلما كانت لديه فرصة للميل للتيسير يسر على الناس.


المراجع

يوسف القرضاوي، فقه الجهاد، مكتبة وهبة، الطبعة الأولى سنة 2009م

يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلاميّة بين الجحود والتطرف، طبعة القاهرة سنة 1994.

محمد عمارة، الدكتور يوسف القرضاوي المدرسة الفكرية والمشروع الفكري، طبعة دار نهضة مصر سنة 1997.

وكلّها ثغور!

تتأثّر نهضة الأمم بشكل كبير بإدراك أبنائها للثغور الشاغرة التي تحتاج إلى سدّها، وكذا قدرتهم على معرفة الأَوْلى منها دون إغفال أيٍّ منها، وهذا يتوقّف على طبيعة المقوّمات التي تتمحور حولها هذه الأمة، والمعاني العظمى التي ترنو الوصول إليها، وعلى التكوين النفسي لأفرادها.

وطالما أن الأمة الإسلامية هي مناط البحث فيجب تحرير هذه المقوّمات، لقد جاءت الشريعة الإسلامية لترسّخ نظامًا محكمًا للبشرية متمحورًا حول تحقيق العبودية لله عز وجل بمعناها الشمولي، فتضبط علاقة الإنسان بالله عز وجل كقاعدة كبرى يتفرّع عنها ضبط علاقة الإنسان بشتّى الميادين الأخرى، ممّا يجعل السؤال عن الثغور التي تحقّق هذه الغاية سؤالًا مشروعًا بل يجب طرحه والبحث عن إجابته.

أساس النهوض

إنّ نهضة الأمة الإسلامية لا يمكن أن تُحقَق عن طريق استيراد منظومات خارجيّة بمحرّكاتها الفلسفيّة كي نقيم من خلالها نهضة حضارية، إذ الحضارة السائدة لا يمكن أن تنشأ إلا في ظل تمايزها، وبالتالي يجب قيامها منطلقة من منظومتها القيميّة ومن منظورها العقدي.

عند محاولة النظر إلى سلّم النهوض الحضاريّ الإسلاميّ على مر العصور سنجد عوامل مشتركة يجب أن تتحقّق بدايةً حتى يتجلّى ذاك النهوض، فلو اتخذنا الأنموذج النبوي لنستشف من مسيرته هذه النهضة الحضاريّة وما تميّزت به انطلاقًا من منظورها العقدي سنجد أنّ أول ما عني به صلّى الله عليه وسلّم هو تكوين الإنسان وتربيته، فقضى صلوات الله وسلامه عليه ثلاثة عشر عامًا لا يفعل إلا المهمة النبوية التربوية عن طريق تلاوة القرآن وتعليم القرآن والسنة والتزكية.

 قال الله عز وجل {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ}[١٦٤- آل عمران] فتكوّنت تلك النفس العظيمة المذعنة لله رب العالمين والخاضعة له، إنها النفس التي ضبط الوحي ميزانها لدرجة مذهلة حتى نجد جيلًا لا يحيّره سؤال عن أعظم آية في كتاب الله.

عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا المُنْذِرِ، أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ معكَ أعْظَمُ؟ قالَ: قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ. قالَ: يا أبا المُنْذِرِ أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ معكَ أعْظَمُ؟ قالَ: قُلتُ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]. قالَ: فَضَرَبَ في صَدْرِي، وقالَ: واللَّهِ لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِر) [صحيح مسلم] لو تفكّرنا لحظة في هذا الموقف لعلمنا قدر التربية النبوية لهذا الجيل، ولعلمنا سبيل نهضتنا نحن ونهضة الأمة في أيّ عصر، هذا الصحابي الجليل علم مقصد الرسالة ومركزيات الوحي فلمّا وُضِعَ أمام آي القرآن يُسأل عن أعظمها، لم يتردّد في معرفة الإجابة التي يكمن فيها تعظيم الله عز وجل وصفاته وأنّ الأمر كله بيديه مما يقتضي الإذعان له وتمام التسليم له سبحانه وتعالى.

فعندما يُبنى هذا الإنسان يكوّن حصانة أمام الأفكار الهدّامة في الحضارات الأخرى مهما بدَت ساحرة وقوية، وأمام الفلسفات التي تحملها ودعاوى التمدّن والعولمة التي تروج لها، ومن هنا تبدأ التمايزية الحضارية في تبلورها والتي تؤهل أصحابها أن ينطلقوا بعدها من القرآن إلى العمران، فيؤسسوا حضارتهم باستقلالية تامة في المرجعية والهُوية، وهذا لا يعني الانعزال عن الحضارات الأخرى وعدم الإفادة منها في مختلف المجالات البشرية التي تدخل في سياق قوله صلى الله عليه وسلم “أنتم أعلم بشئون دنياكم”، ولكن بعد أن تكون تلك الحضارة خرجت من مرحلة المهد إلى الرشد في شتى منطلقاتها فتكون تلك الإفادة بمثابة التبادل الثقافي المرغوب بين الحضارات وليس بمثابة الولع بثقافة غالبة أو بسبب خواء حضاري فكري يدفع تلك الأمة دفعًا لاستيراد ما يملأ هذا الخواء طامسةً به ملامحها وتمايزيتها.

 

ما هي الثغور المركزيّة التي يجب العمل عليها؟

بناءً على النظرة السابقة يتضح لنا أن إصلاح علاقة الإنسان مع الله سبحانه وتعالى هو العمل المركزي الأول في ميدان سدّ الثغور، بل إن كل عمل يُعرِّج بعيدًا عن هذا الثغر وتلك الغاية فهو ضرب من العبث يزداد به الواقع تعقيدًا وصعوبة على المصلح في شق طريق النهضة.

وتتحقّق هذه الغاية بتزكية النفوس وإعدادها لتلقي الوحي واستيعابه والرضوخ والتسليم له، مع مِران النفس على مخالفة الهوى، وإخلاص الدين لله سبحانه وتعالى، فعندما يتشكّل هذا الإنسان الذي تلقّى هذه التربية نكون قطعنا شوطًا كبيرًا في معالجة الكثير من إشكالات الواقع الحالي، إذ إنّ العديد من إشكالاته ترجع إلى افتقاد جمع غفير من أبناء الأمة الإسلامية لتلك النفس المزكّاة التي تخضع لمرجعية الوحي وتعمل بمقتضاه ولو أفضى ذاك المقتضى لما يخالف هواها.

إن إعداد النفوس للتسليم بالوحي يجب أن يتوازى مع إقامة الأدلة والبراهين والاستدلال عليها بشكل صحيح، فعندما تتوازن هاتان الكفّتّان نكون وضعنا أقدمنا حقًا على طريق النهضة الصحيح الذي لا يتماهى مع فلسفات الآخر ولا يخضع لمخرجاته.

عقولٌ نهضوية.

يمكننا أن نسأل بعد معرفة الثغرين المركزيين المتمثلين في إصلاح النفوس وإعدادها لتلقي الوحي والعمل بمقتضاه مهما كان، وإقامة الأدلة والبراهين والاستدلال عليها بشكل صحيح، هل يمكن أن نكتفي بهذا القدر لتحقيق نهضة شاملة؟

إنّ هذين الثغرين يمثّلان حجر الأساس في صرح النهضة، ولكن كي يكتمل البناء يجب تشييد الأعمدة والجدران التي تُهيكل هذا الصرح، وكذا يجب طرق كل الأبواب والثغور التي ستقيم هذه الأعمدة والجدران ووضع تصور واضح لها، ويمكن ترك كماليّات البناء حسب مجريات المرحلة، فبعد إعداد هذا المسلم الرباني نحتاج تشكيل المنظومات التي نحقق بها التمايزية الحضارية، فلو اتخذنا _على سبيل المثال_ مشروع أسلمة المعارف، هذا المشروع لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع إذا عُمِلَ عليه من زاوية واحدة، لأنه يعتمد على رسم خريطة تكوينيّة جديدة لكل علم، فلا يمكن أن يُختزَل فضاء العمل فيه على العقل الشرعي الفكري، لأن طبيعة هذه المعارف التي تحتاج إلى هيكلة إصلاحية إسلامية “أسلمة” تسبح في فضاءات بعيدة من الناحية النظرية والتطبيقية عن الفضاء الذي يعمل فيه المفكر الإسلامي.

إننا نحتاج من أبناء الأمة من يقف على ثغور كل فن من الفنون وعلم من العلوم ويتخصص فيها ويعلم مظانّها ومداخلها ومخارجها حتى يتمكّن بمعاونة المفكر الإسلامي على وضع تصور لمنهج هذا العلم طبقًا للتصور الإسلامي، وكذا لا يمكن تصور هذا المشروع إذ اعتمد على المتخصص في علمٍ معين دون أن يعرف مجريات الواقع ويملك خلفية شرعية تمكّنه من وضع تصوّر صحيح وكذلك فهم المآلات الشرعية الفكرية التي يطرحها الأصولي والمفكر الإسلامي، إذ أنه بمفرده ودون إدراك الفكرة المركزية التي لأجلها تم وضع مشروع أسلمة المعارف لن يستطيع التحرك وتشكيل تصور صحيح، بل ربما لن يجد إشكالًا أصلًا في وجود منظومات مستوردة.

ما سبق بمجمله يجعلنا ندرك أهمية “العقول النهضوية” التي تشبعت وتخصصت في جانب معين مع إدراكها لمجريات الجوانب الأخرى وحمل هم هذا الدين وقضيته وحلم نهضته، وما أحوجنا لتلك العقول، مما يجهش النفس بالحزن عندما ترى من أبناء الأمة ممن عندهم من الاستعداد العقلي والموهبة ما يجعلهم يحلّقون في هذا الفضاء وعندهم قدرة على استيعاب علوم متعددة ثم تجد زهدًا منهم يحزنك، فبعضهم يكتفي بالعلوم الشرعية ولا ينتقل بها إلى فضاءات أخرى حاملًا إياها وهو على ذلك قادر، بدعوى أنّ العلوم الأخرى لن تنفعه في آخرته! والبعض الآخر يتعلم علومًا في تخصصات مختلفة ولا يكلف نفسه حتى معرفة ما لا يسع المسلم جهله في دينه وهو على ذلك قادر.

إن السبب الرئيس في هذه الإشكالية هو عدم حمل هم الدين وقصور في تصور الواقع وكذا عدم إدراك مركزية الإصلاح، فلا يليق بالمؤمن أن يتوقف عند عتبة الصلاح وهو بمقدوره أن ينطلق إلى ميدان الإصلاح، وكذلك الجهل بدأب السلف الصالح في هذه القضية، فنجد أنهم كانوا يوصون بإدمان النظر في العلوم الدقيقة مثل الجبر والمواريث والهندسة من أجل تعميق ملكات التحقيق والبحث والتحليل، وهذه سنة سلفية مهجورة، فنجد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: “النظر في العلوم الدقيقة يفتق الذهن ويدربه ويقويه على العلم، فيصير مثل كثرة الرمي بالنشاب وركوب الخيل، تعين على قوة الرمي والركوب، وإن لم يكن ذلك وقت قتال، وهذا مقصد حسن، ولهذا كان الكثير من علماء السنة يرغبون في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص الفرائض والوصايا والدور لشحذ الذهن” [الرد على المنطقيّين] فعندما يستوعب المسلم أهمية هذه العلوم سواء في ذاتها لشحذ الذهن أو في سد الثغور التي تحقق للأمة تمايزها الحضارية، إذ لا يُتصَور وجود حضارة مستقلة لا تملك منطلقاتها المعرفية، وعندما ندرك أنّ عقلًا نهضويًا واحدًا يمكنه تحقيق نهضة حقيقية إذا حرّك المياه الراكدة بالانطلاق الصحيح المبني على مرجعية قوية ومتوجهة بشكل صحيح طبقًا لطبيعة المجريات الحاصلة في هذا الوقت، حينها نشعر بأهمّيّته ومسؤوليته في العمل لهذا الدين والنهوض بأمّته.

وهل ذلك يسع الجميع؟

ربما تبادر إلى ذهن القارئ أنّ المسلم لا يمكن أن يقف على ثغر يدور بعيدًا عن هذه الثغور، والبشرى هنا أن كل عمل يقوم به المسلم يمكن أن يكون ثغرًا إذا صدق النية في عمله واحتسبه، وكلٌ حسب مقدوره ووسعه، وأن كل الأعمال التي تبدو متفرقة وبسيطة هي في حقيقتها تدور في فلك نهضة الأمة إذا وُجهت بشكل صحيح، بل إنّ بعض الأعمال وإن بدت بديهيّة جدًا لكونها موجودة على نطاقات واسعة جدًا مثل تربية الأبناء، فإنها تمثل ثغرًا مركزيًّا في بناء طريق النهضة.

إن التربية الصحيحة التي تغرس في الطفل معاني العبودية لله عز وجل والتزكية وحمل هم الدين هي من تصنع تلك العقول النهضوية، فنظرات محمد الفاتح المتتالية على القسطنطينية وحمل هم هذا الفتح العظيم الذي طالما جاهد المسلمون قبله لتحقيقه، أحيَتْ بداخله تلك القضية وأشعلتها وأصبحت شغله الشاغل والذي به بعد فضل الله سبحانه وتعالى حقق هذا الحلم العظيم الذي كان بذرته التربية.

فاستعينوا بالله وابذلوا وسعكم فيما تستطيعونه، والخير قادم بإذن الله.


مصادر للاستزادة

١- الفطرية بعثة التجديد المقبلة – د. فريد الأنصاري رحمه الله.

٢- عصر النهضة – زكي الميلاد.

٣- بوصلة المصلح – الأستاذ أحمد يوسف السيد.

https://youtube.com/playlist?list=PLZmiPrHYOIsQuuotMlJIPcmuEnYQ78a_p

عالمنا الإسلامي ومشكلة الوعي

نعاني اليوم في عالمنا الإسلامي من مشكلة غياب الوعي الشامل والمتكامل، ولهذا أسباب عديدة، ولعل أبرز ما تتجلّى فيه هو انحسار طموحات الإنسان المسلم -بشكل قسريٍّ وجبريٍّ- من الوصول لأعلى المراتب الفكرية أو العلمية إلى السعي الدائم المضني لضمان لقمة العيش وإيجاد مكان آمن يسكن فيه ربما لن يتحقّق إلا بشق الأنفس وبعد أعمار مديدة.

من جملة ما يبرز فيه غياب الوعي المتكامل أن عموم نخبنا ومجتمعاتنا بعيدة عن الفعل المؤثر على المستوى العالمي بل أصبحنا نمثل المثال الأفضل للمجتمع المستهلك الجامد المنتمي للعالم الثالث وأصبحنا نعيش على هامش الحياة.

بحثًا عن المفهوم

ما نحتاجه اليوم هو إيقاظ مفهوم الوعي بيننا ولكن لنا أن نتساءل أولًا ما هو الوعي؟

في تفسير الوعي في لسان العرب نرى الآتي: “الوعي: حفظ القلب الشيء. وَعَى الشيء والحديث يعيه وعيًا وأوعاه: حفظه وفهمه وقبله، فهو واعٍ، وفلان أوعى من فلان أي أحفظ وأفهم. وفي الحديث: نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فرب مبلغ أوعى من سامع. قال الأزهري: الواعي الحافظ الكيِّس الفقيه. وفي حديث أبي أمامة: لا يعذب الله قلبًا وعى القرآن؛ قال ابن الأثير: أي عَقَلَه إيمانًا به وعملًا، فأما من حفظ ألفاظه وضيع حدوده فإنه غير واعٍ له”(1).

ينبئنا هذا النص عن المقصود بالوعي، وهو في مقامنا هذا الفهم، وبالأخصّ فهم الواقع، أيْ الفهم لما يدور حولنا ومتابعة الأحداث وتحليلها، وهو أيضا فهم دورنا في الحياة والقيام به، ومن نواقض الوعي أن ننغلق على أنفسنا ولا نهتمّ بما يَحصل داخل مجتمعاتنا أو خارجها ولا نُبالي بالتغيّرات المتسارعة التي يعيشها عالمنا اليوم وأن نكون سلبيين في تفاعلاتنا مع من حولنا، فغياب الوعي من مجتمعاتنا لم يأتِ صدفة بل له أسباب مهَّدت لذلك وأدّت إلى تغييبنا عن الحياة.

أسباب غياب الوعي

   إن الحكومات المستبدّة والظالمة لحقوق شعوبها والتي لا تراعي إلا مصلحتها وتسعى للخضوع والخنوع لأعداء الأمة والتطبيع معهم سيكون من مصلحتها تغييب الوعي داخل المجتمع حتمًا، فتجعل الفرد تحت تهديد غلاء المعيشة والسعي المضني وراء لقمة العيش وتفتح له أبواب الشهوات حتى ينغمس فيها.

ومن يسعى منهم لتتبع الأحداث وفهم واقعه وتوعية من حوله بما يحصل من مفاسد واضطهاد وخيانة للقضايا الكبرى فسيكون مصيره التشويه واتهامه بالإرهاب وفي مرحلة أخرى يتم سجنه حتى يصمت صوت الوعي الذي ينادي به بين الناس، لأنه إذا انتشر الوعي وأصبحت العامة تتابع تحركات من يحكمه وقراراته وسياساته الداخلية والخارجية فإنها سوف تتكوّن قوة شعبية تتحرّك بقوة لنقد السلطة وتصحيح مسارها ومحاسبتها ومنعها من تنفيذ مخططاتها واتفاقياتها المهدرة لثروات الشعوب مع القوى الغربية.

 وخير مثال على ذلك عندما أرادت السلطة في السعودية تغيير مناهج التعليم وتمييعها من المبادئ الإسلامية مع تغيير نمط الحياة إلى الحداثة كان في البداية هنالك دعاة ومُصلحين يحاولون نشر الوعي بين الناس وتنبِيههم بخطورة ما يحدث وعدم الانخراط في تيّار الحداثة فكانت النتيجة إسكات صوت الوعي وسجن هؤلاء الدعاة والمصلحين والتضييق على من يتبنّى فكرهم وصوتهم!

ومن الأسباب أيضًا المباشرة في غياب الوعي هي الإعلام، الذي دوره الأصلي يكون بإيصال الحقائق للناس بكل أمانة ونقل لهم ما يحدث في واقع الحياة بلا محاباة لجهة معينة حتى يفهم الجميع ما يحصل داخل مجتمعه أو خارجه ومن ثمّ يتخذ موقفًا واضحًا يصدع به، ولكن في مجتمعاتنا أصبح الإعلام يشغل العامة بالتفاهة ويقحمهم في جدالات جانبيّة تبعدهم عن المشاكل الكبرى التي يعانون منها وكذلك يقوم بإعادة بناء العقول وفق السياسة المرجوّة من السلطة الحاكمة.

ولا ننسى أيضًا دوره في قلب الحقائق وتزييفها وأضف إلى ذلك دوره في نشر الرذيلة والتعرّي بين الناس تحت غطاء المسلسلات والأفلام والبرامج الترفيهيّة، وبالتالي ستكون النتيجة بناء أجيال غير واعية ومغيبة عن واقعها، فعلى سبيل المثال عندما حصل الانقلاب العسكري في مصر تم تصوير المعارضين له بأنهم مجموعة من المجرمين الإرهابيين الذين يقتلون من يواجههم ومن ثم قامت القوات العسكرية بناء على ذلك بنيل ثقة بقية الشعب وتحوّل الأمر إلى مذبحة وتنكيلٍ بالمتظاهرين الأبرياء ولكن بعد برهة من الزمن انكشفت الحقيقة بما تم توثيقه من شهادات وفيديوهات نشرت على الانترنت تثبت العكس ولكن حصل ذلك بعد فوات الأوان!

   إنه عندما يغيب الوعي عن الشعوب فإنها ستفقد قوّتها في التّغيير والإصلاح وفي التعبير عن رأيها بكلّ حرية وستصبح خاضعة ومنقادة لا إرادية لما تُمليه عليها السياسات الداخلية والخارجية.

بناء الوعي

   إن اللبنة الأولى في صناعة الوعي هي النظر في الهزائم التي حلت بنا في كل الميادين وأن نبحث عن أسبابها الرئيسية وكيفية النهوض من جديد، فنحن اليوم بعد أن كنا الحضارة الأولى في العالم أصبحنا تبعا لقوم لا يتبعون إلا أهواءهم.

ولنا أن نتساءل لماذا حصل ذلك؟ وكيف وصلنا إلى هنا؟!

ولو بحثنا بصدق وبفهم لتتابع الأحداث لوجدنا أن السبب الرئيسي لهذا الانحطاط الذي نعيشه هو اتساع الفجوة بيننا وبين ديننا الذي لم يعد هو دستور حياتنا وبوصلتنا المرشدة للحق!

إننا بحاجة لبناء الوعي بدورنا في الحياة أوّلا ولا يُمكن تحديده إلاّ بالعودة لتكاليف الرسالة التي شرفنا الله بها، حيث يقول لنا الله عز وجل: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُون} [آل عمران: 104]، فتحديد الخير الذي يجب أن ندعوا إليه لا يكون إلا بالعودة لشريعة الإسلام وتطبيقها في واقعنا ومن ثم يمكننا القيام بهذا الدور بأن نكون حرَّاسًا لكل خير وأن نأمر بكل معروف في مختلف المجالات وأن ننهى عن المنكر سوى داخل مجتمعاتنا أو خارجها فأين نحن اليوم من رسالة الإسلام؟! فليعرض كل فرد منّا نفسه على مبادئ ديننا وقيمه ولينظر مكانه منها وليسأل نفسه ما هو مدى التزامه بها وما هو مدى تطبيقه لها في حياته اليومية وفي عمله وداخل أسرته وفي تعاملاته؟!

   وتعليقًا على هذه الآية يقول الشيخ محمد الغزالي: “إن عمل الخير والدعوة إلى الخير سمات الأمة الظاهرة، وملكاتها الباطنة، ووظيفتها الدائمة، وشهرتها التي تملأ الأفاق و إجابتها عندما تسأل عن منهجها وغاياتها…الذي يبدو لي أن المسلمين شعوبا وحكومات هبطوا دون المستوى المنشود بل هبطوا دون مستوى غيرهم ممن لم يشرفهم وحي و يكلفوا بحمل الرسالة!!…فنحن المسلمين الآن في العالم الثالث على حين أمسك بزمام الحضارة من ينكرون الألوهية أو من يتخيلونها “عائلة مقدسة”(2)، فالخطوة الأولى في صناعة الوعي بأن نوقظ في نفوسنا حقيقة أننا أصحاب رسالة وجب الالتزام بها وأن نكون خير قدوة لمختلف الأمم وأن نمسك بزمام العالم في مختلف المجالات وبأن نقوده للحق والعدل والنجاة وأن نبين الحقائق.

وعندما يتحقّق هذا الوعي فإننا سنصبح بطريقة آلية واعين جميعا بقضايا الأمة الكبرى ولعل من أبرزها المسجد الأقصى وتحريره من اليهود الغاصبين وسنصبح واعين بضرورة إنشاء اقتصاد إسلامي موحد يضمن لنا الاستقلالية وأن نتمتع نحن بثرواتنا الباطنية وسنصبح واعيين بقيمة العلم وضرورة تطوير التعليم لنكون رائدين في مجال الصناعات والاكتشافات، فالوعي برسالة الإسلام هو المفتاح لكل شئ!

ولكن هل ينتهي الأمر هنا بأن نعي دورنا في الحياة؟! لا بل يجب أن يُنتج هذا الوعي حركة ملموسة وتغيير عملي في أرض الواقع وأن نبدأ بأنفسنا في مرحلة التغيير وأن ننشر هذا الوعي في من حولنا فيتحول وعينا إلى ثورة فكرية وعمليّا نستطيع بها تغيير وجهتنا والعودة لحضارة الإسلام من جديد، ومن ثمّ علينا أيضًا من باب الوعي أن نواصل المُراقبة والمُتابعة ونحن في طريقنا للعودة لمستوى الرسالة التي كلفنا الله بها فيجب أن تُبنى لدينا ميزة النقد الذاتي حتي نتدارك عثراتنا وهفواتنا ونُراجع أنفسنا في ما نفعله وهل يتوافق مع ما يجب أن نكون عليه كأفراد أو كمجتمع مسلم وإلا فإنّنا سنظلّ الطريق وقد نقع في الغرور والجمود والفوضى من جديد على أن تبقي مرجعيّتنا الأولى في النقد والمراجعة هي شريعتنا.


الإحالات:

(1): لسان العرب لابن منظور، حرف الواو، وعي، ص 246، جزء 15.

(32): كتاب الطريق من هنا لمحمد الغزالي، دار القلم للنشر، الطبعة الخامسة 2019، ص76 -78 .