هل كان العثمانيون محتلين لبلادنا العربية؟

محمد عدنان شيط


عندما كنت صغيراً كانت مادة التاريخ التي تُدرس في بلدي سوريا تحدثنا عن الاحتلال التركي الذي دام 400 عام وعن لواء إسكندرون الذي كان يسمى في هذه الكتب “اللواء السليب” والذي أعطته فرنسا لتركيا في صفقة بينهما وحرمت سوريا منه.

كبرت قليلاً بعد ذلك لأتابع عدداً من المسلسلات السورية التي تتحدث عن ما كانت تسميه “الاحتلال العثماني” وتُصور الأتراك كوحوش بشرية تسرق أقوات الناس وتمتص دماءهم وتجرهم إلى الحروب. ومن تلك المسلسلات كان مسلسل اسمه “إخوة التراب”، ومن شاهده ربما لا ينسى مشهد الإعدامات بأبشع الطرق للهاربين من الجيش العثماني والمنضمين لما سمي بعدها بقوات الثورة العربية الكبرى.

ومنذ مدة أثناء خطبة الجمعة كان الخطيب يتحدث عن العثمانيين، وفي سياق حديثه أشار إلى أنهم لم يكونوا محتلين لبلادنا لتقوم مجموعة من الناس حولي بالرد على الخطيب في منتصف الخطبة وتقول: لا بل كانوا محتلين! وتفاجأت حينها من ردة فعل هؤلاء وتعجبت كثيراً إلى أي حد وصل تفكير بعض المسلمين. ولكن هكذا عملت حكومات ما بعد الاحتلال الأجنبي على تشويه صورة العثمانيين من خلال المناهج الدراسية وكتب التاريخ والمسلسلات، فلم تترك نقيصة أو نقطة سوداء في التاريخ العثماني إلا وسلطت عليها الضوء وأغفلت في المقابل عشرات المحاسن والصفحات البيضاء في تاريخ بني عثمان وسكتت عنها بتجاهل تام ومتعمد لهذا الأمر.

أتاتورك في مكتبه

ما الباعث على تشويه التاريخ العثماني؟
بعد سقوط الخلافة العثمانية على يد مصطفى كمال (أتاتورك)عام 1924، عملت القوى الكبرى على تقسيم تركة “الرجل المريض” حينها بما يرضي أطماعها؛ فأنشأت هذه الدول على أنقاض الخلافة العثمانية مجموعة من الدول العربية قسّمتها على مزاجها ليسهل السيطرة عليها، وعلى إثرها تولى أمر هذه الدول حكومات ذات نزعات قومية عملت على قطع صلة المسلمين بتاريخهم من خلال ربطهم بالفكرة القومية وشجعتهم على الانتماء للأرض وللحدود التي قسمتها الدول الأجنبية على حساب فكرة الانتماء للدين وللرابطة الإسلامية التي كانت ممثلة بالخلافة العثمانية.

ولهذا فأفضل طريقة لإنجاح هذا الأمر هو تشويه التاريخ العثماني بمجمله من خلال بث الأخبار الكاذبة وأخذ المرويات التاريخية الضعيفة والملفقة وحشو كتب التاريخ والمناهج الدراسية بها أو في أحسن الأحوال تسليط الضوء على جوانب معينة في التاريخ العثماني مع التغاضي المتعمد عن الجوانب الأخرى، ولهذا هبت بتشجيع من الحكومات جوقة من الكتّاب العلمانيين والقوميين هاجموا الدولة العثمانية وطعنوا فيها بكل السبل وهدفوا من وراء ذلك أن ينشأ جيل يكره العثمانيين ويصف فترة حكمهم في بلادنا بالاحتلال.


هل التاريخ العثماني ناصع البياض؟

بالطبع لا ولا يقول بهذا عاقل، فكل الدول لها ما لها وعليها ما عليها، وتاريخ دولة بني عثمان كتاريخ أي دولة إسلامية حكمت منطقتنا أو أي منطقة أخرى بعد الخلافة الراشدة لا يخلو من تجاوزات وأخطاء ونقط سوداء وهذه حالة مفهومة في السياق الإنساني.

وخاصة أنه مع طول فترة الابتعاد عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة فإن زاوية الانحراف تأخذ بالاتساع أكثر، كما يشير لهذا كثيراً المؤرخ محمود شاكر عند استعراضه للدول الإسلامية.

ولكن لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نطلق على فترة حكم العثمانيين بالاحتلال العثماني، والحقيقة أننا عندما ننتقد بعض الجوانب في الخلافة العثمانية فنحن ننتقدها من جانب شرعي وليس من جانب التعصب للعروبة أو للطعن في الخلافة الإسلامية بشكل عام، فالعثمانيون لديهم سلبياتهم التي لا نستطيع التفصيل فيها في هذا العجالة، ولكن نمر على أهمها بسرعة مثل عدم الاهتمام باللغة العربية وعدم الاتجاه لتعريب الدولة بشكل عام، وإكثار بعض السلاطين من الزواج من الأجنبيات، وقتل بعض السلاطين لإخوانهم، وعدم التركيز على دعوة أهل البلاد المفتوحة دعوة صحيحة للإسلام مثل بلاد اليونان وشرق أوروبا بالمجمل، والاستمرار بالحكم الوراثي بدلاً من إتباع الشورى التي يدعو لها الإسلام بالإضافة إلى تغليب الجانب العسكري على الجوانب الحضارية، وبعض السلبيات الأخرى، ولكن المنطلق لهذا الحديث عن بعض سلبيات العثمانيين هو منطلق ديني بحت وليس حقداً على الخلافة الإسلامية العثمانية أو رغبة في الطعن فيها تعصباً للعروبة كما بينت.

السلطان العثماني وحيد الدين في لحظة الوداع قبل أن يعين عبد المجيد الثاني في منصب خليفة شكليا ليشهد انهيار الخلافة

صفحات مشرقة في تاريخ العثمانيين
1-وقف العثمانيون سداً منيعاً في وجه غزوات الإسبان والبرتغاليين الاستئصالية على البلاد العربية وخاصة في شبه الجزيرة العربية وشمالي إفريقيا، ودافعوا عن هذه المناطق بكل شجاعة وبسالة.

2-أخّر الحكم العثماني للدول العربية سقوط معظم دولها بإيادي المستعمرين من الإنكليز والفرنسيين والهولنديين وغيرهم، والذين سيطروا في أوقات مبكرة على دول أخرى كالهند وإندونيسيا وماليزيا.

3-فتح العثمانيون القسطنطينية عام 1453 على يد محمد الفاتح -رحمه الله- محققين بذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أورده الإمام أحمد في مسنده “لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش”، وتوسعوا في الفتوحات في شرق أوروبا وطرقوا أبواب فيينا.

4-وقفت الدولة العثمانية سداً منيعاً أمام الدولة الصفوية في الشرق والتي عملت على نشر التشيع في الدول العربية وعدّت الخلافة العثمانية نفسها حامية أهل السنة، فخاضت الحروب العديدة مع الصفويين ودافعت عن العرب السنة وحمت مذهبهم.

5-رغم ضعف الدولة العثمانية في أيامها الأخيرة إلا أنها لم ترضى أن تفرط بأرض فلسطين، وسجل التاريخ بأسطر من ذهب موقف الخليفة العثماني عبد الحميد الثاني برفضه بيع أي شبر من أرض فلسطين رغم الضعف الداخلي والمغريات المالية الكبيرة التي عُرضت عليه، بينما رأينا بعدها الحكام الرافعين لشعارات القومية والعروبة وما فعلوه من جنايات بحق فلسطين سبقت نكبة 1948 ولم تنته بعدها.

6-وحّدت الدولة العثمانية شعث الدول العربية بعد الهجمات التترية والحملات الصليبية والتي جعلت الدول العربية مستنزفة إلى أقصى حد ومعرضة لكل الأخطار، وشكلت دولة ممتدة الأطراف يهابها الشرق والغرب على عكس ما حدث بعد الخلافة العثمانية من تفرق وتقسيم لكل الدول العربية.

 في النهاية، يبقى الحكم الأخير على الخلافة العثمانية وفترة حكمها للبلاد العربية مرتبطاً بمرجعية من يقوم بهذه العملية. فأصحاب المرجعية الإسلامية يعدّون الخلافة العثمانية امتدادا للخلافة الإٍسلامية، ويجدون في هذه الفترة الكثير من الصفحات المشرقة، ويرون في هذه الخلافة حتى في آخر فتراتها -رغم الضعف- عاملاً يمكن أن يكون موحداً وجامعاً للمسلمين ورادعاً لأعدائهم. بينما أصحاب الاتجاهات القومية والعلمانية فينظرون إلى تاريخ الخلافة العثمانية وحكمها للبلاد العربية بمناظير سايكس بيكو ونشوء الدولة الحديثة، ولهذا يعدّون هذه الخلافة احتلالاً للبلاد العربية وهذا ما حاولوا أن يروجوه ويزرعوه بين الناس.

لكن المنصف أقل الإنصاف يعلم أنه لا مجال للمقارنة أصلاً بين الاحتلالات الأجنبية للبلاد العربية وما فعلته من إجرام وإبادات وقتل ونهب للثروات بما لا تتسع صفحات مئات الكتب من تدوينه، وبين الخلافة العثمانية وفترة حكمها للبلدان العربية التي تحدثنا بعجالة عن بعض صفحاتها المشرقة وأقلها حماية بلاد العرب.

ومن يدري ربما لولا نشوء الخلافة العثمانية وتوحيدها للبلاد العربية تحت رايتها -كسبب رئيسي- لحدث لبعض سكان هذه البلاد العربية ما حدث للهنود الحمر، وهذا الكلام لا مبالغة فيه لأنه في نفس الوقت الذي كان يباد فيه الهنود الحمر وسكان أمريكا الوسطى والجنوبية كانت الخلافة العثمانية تشكل قوة عظمى في وجه تلك الهجمة الأوربية لاحتلال ما تصل إليه من أراض وتبيد على إثرها سكانها. فهل بعد هذا نتنكر لحقائق التاريخ فنظلم العثمانيين ونسميهم احتلالاً؟


مصادر

أحمد آق كوندز وسعيد أوزتورك، الدولة العثمانية المجهولة 303 سؤال وجواب توضح حقائق غائبة عن الدولة العثمانية.

محمود شاكر، التاريخ الإسلامي، المجلد الثامن، العهد العثماني.

عماد الدين خليل، مدخل إلى التاريخ الإسلامي.

 

 

لماذا صُب الموت على رؤوس المسلمين في نيوزيلندا؟.. مشاهدات من داخل مسجد النور

معـاذ أبـو النـور


“إن المسلمين ظاهرون للعيان، إنهم مجموعة كبيرة من الغزاة الذين يتمتعون بنسب عالية من الخصوبة، ثقة اجتماعية عالية، وتقاليد ثابتة قوية، هذه المجموعة تسعى إلى احتلال أرضي واستبدال شعبي عرقياً”.

بهذا التعليل السقيم، وضّح المجرم الجبان “برنتون تارنت” سبب اختياره للمسلمين دون غيرهم في نيوزيلندا ليصب الموت على رؤوسهم غدراً أثناء أدائهم لصلاة الجمعة في مسجدين في مدينة كرايستشيرش في يوم 15/3/2019، وينفذ فيهم واحدة من أبشع مذابح إطلاق النار الجماعية في العصر الحديث، سقط فيها 51 شهيداً بالإضافة لعشرات الجرحى (44 من الضحايا سقطوا في مسجد النور و7 ضحايا سقطوا في مسجد لينوود)، فالمسلمون في نظره وفي نظر من يقفون خلفه خطرٌ عظيم، يجب التخلص منهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، ليتركوا نيوزيلندا ويتوقفوا عن الهجرة إليها وإلى غيرها من بلدان الشعوب “البيضاء”.

هذا التعليل هو جزء من بيان مطول مكون من 74 صفحة قدم فيه “تارنت” (على فرض أنه من كتبه) قدم فيه ما يدّعي أنه تأصيل كامل للهجوم ودوافعه ودواعي ضرورة تقليده وتكراره حول العالم، لم يذكر “تارنت” في بيانه مجموعات دينية أو عرقية أخرى كأهداف إضافية محتملة في نيوزيلندا، بحيث يمكن استهدافها دفاعاً عن عرقه الأبيض وثقافته “البيضاء” المزعومة، لم يذكر مثلاً العمالة الهندية المدربة الماهرة التي أغرقت السوق النيوزيلندي، والقادرة نظرياً على الفوز بأي فرصة عمل يتم الإعلان عنها في أنحاء البلاد، ولم يذكر أيضاً التجار ورجال الأعمال الصينيين الذين يشترون الأخضر واليابس في نيوزيلندا برؤوس أموالهم الضخمة، والذين صار النيوزيلنديون يتذمرون ويشتكون من وجودهم بصوت مرتفع، بالرغم من أن الدولة ترحب بهم، حتى أن الاحتفال برأس السنة الصينية صار مناسبة وطنية شبه رسمية تعلق فيها الزينة وتطلق فيها الألعاب النارية بسخاء في احتفالات تكاد تقارب احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة، وكل ذلك بعلم وموافقة وترخيص السلطات المحلية، المهم، كل هؤلاء لم يلفتوا انتباه “تارنت” وأمثاله، أما المسلمون برأيه فهم خطر عظيم، بصرف النظر عن كونهم لا يتجاوزون واحداً بالمئة من المجتمع النيوزيلندي، بشيوخهم ونسائهم وأطفالهم، وأن جُلهم في ذلك البلد لا يَعدون أن يكونوا إما مهاجراً باحثاً عن لقمة عيش ومستقبل أفضل لأبنائه، أو لاجئاً هارباً من الموت وويلات الحروب، أو طالباً جاء باحثاً عن العلم والدرجة الأكاديمية. هذا الخوف غير المبرر من الإسلام والمسلمين يمكن فهمه بوجه أو بآخر إذا فهمنا ما هو المقصود حقيقةً بثقافة الشعب الأبيض، وهو ما سنتعرض له لاحقاً إن شاء الله.

لقد عشت في نيوزيلندا ثلاث سنوات أثناء دراستي وتحضيري لدرجة الدكتوراه، من نوفمبر 2015 إلى ديسمبر 2018، وكانت شقتي في مدينة كرايستشيرش تبعد أقل من 5 دقائق بالسيارة عن مسجد النور المنكوب بالمذبحة المروعة، وبالرغم من أني غادرت نيوزيلندا قبل وقوع المذبحة بثلاثة شهور، إلا أن وقع الصدمة كان ثقيلاً علي بعد الحادثة، فقد كانت صدمة متعددة الأبعاد بالنسبة لي، فالمجزرة وقعت في المسجد أثناء خطبة الجمعة، ذلك المسجد الذي كنت من أهله ومرتاديه، خصوصاً أيام الجمعة، والضحايا الذين سقطوا لم يكن لهم ذنب إطلاقاً سوى أنهم مسلمون، 51 شهيداً قضوا في المسجدين أعرف منهم 22 شهيداً، وقد تعرفت على هويات بعضهم فور مشاهدتي لمقطع الفيديو المروع قبل إعلان أسماء الضحايا وصورهم، مما ترك في نفسي أثراً عميقاً وحزناً كبيراً، ولكن بعد الحزن، يشعر الإنسان بحاجته للتأمل والتفكر في ما حصل، وكيف وصل الأمر إلى درجة إخراج المسلمين من دائرة الآدمية، واعتبارهم كائنات كريهة يجب التخلص منها.

نيوزيلندا بلد وادع بعيد معزول عن بقية العالم، سكانه تغلب عليهم البساطة، وهم بالمجمل يرحبون بالمهاجرين ويتقبلون التنوع، أحد أصدقائي العرب المقيمين في نيوزيلندا منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي قال لي ذات مرة: “عندما جئت إلى نيوزيلندا عام 1996، كنت أذكر أن الناس كانوا ودودين جداً، كانوا يبتسمون بحماسة عندما يعرفون بأني مهاجر قادم من الشرق الأوسط، وكانوا يسألونني عن المسافات والطقس في بلادنا وفارق التوقيت، ويذكرون كم هم مهتمون بزيارة ذلك الجزء من العالم، ولكن كل شيء بدأ يتغير بالتدريج بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، بدأت ألمس ذلك في تعامل زبائن المطعم الذي كنت أديره”. وحتى بالرغم من تزايد ظاهرة الخوف من الإسلام بعد ظهور ما يسمى بتنظيم الدولة (داعش) عام 2014، إلا أن النيوزيلنديين لم يظهروا عداءً ظاهراً للمسلمين، بالرغم من بضعة حوادث كانت تحصل هنا وهناك بين الحين والآخر، مثل ترك رؤوس خنازير مذبوحة على باب مسجدنا (مسجد النور) عام 2016، إلا أن أحداً لم يكن يخطر بباله إطلاقاً أن دماً مسلماً قد يُراق في نيوزيلندا بدافع الحقد والكراهية، حتى جاء الأسترالي “تارنت” وأثبت خطأ الجميع، وكأنه يريد أن يوقظ المتطرفين النيوزيلنديين من سباتهم، ويرفع أصواتهم، ويشحذ عزائمهم، ويقوي شوكتهم، وذلك ما لمسه الجميع على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام، وحتى في الأماكن العامة، حتى أن رئيسة الوزراء النيوزيلندية لمست ذلك بنفسها بعد أن وصلتها تهديدات بالقتل بسبب ما أظهرته من تعاطف مع المسلمين بعد المذبحة.

مسجد النور كرايستشيرش (السبيل)

إن قيام مجرم متطرف أسترالي بجريمة فظيعة خارج حدود بلاده يثير في النفس شكوكاً وتساؤلات، خصوصاً عندما نتذكر أن الذي قام بحرق المسجد الأقصى عام 1969 هو متطرف أسترالي أيضاً، كما أن اختياره لنيوزيلندا لتنفيذ هذه المذبحة يشير أيضاً للرسائل المبطنة التي يريد من خلالها أن يسيء لنيوزيلندا وشعبها بصفتهم متسامحين نسبياً مع الإسلام والمسلمين، شأن نيوزيلندا بذلك شأن كندا التي تعرض أحد المساجد فيها أيضاً لمذبحة عام 2017، ومن المعروف لدى مجتمع المهاجرين أن نيوزيلندا وكندا لا زالتا تظهران تسامحاً نسبياً مع المسلمين خصوصاً والمهاجرين عموماً، بعكس أمريكا وأستراليا، حيث تنامى فيهما شعور الخوف من الإسلام ومعاداة الهجرة إلى حد بعيد.

لقد كان دعم النيوزيلنديين وتعاطفهم وتضامنهم مع الضحايا والجرحى وأسرِهِم والمسجدين والمجتمع المسلم في نيوزيلندا ملفتاً للغاية، سواءً على المستوى الشعبي أو المستوى الرسمي، ففي الجمعة التالية للهجوم أقيمت صلاة الجمعة في حديقة “هاغلي بارك” المقابلة لمسجد النور، آلاف من النيوزيلنديين غير المسلمين كانوا جالسين خلف صفوف المصلين لحضور الصلاة والاستماع للخطبة، كما أن العديد من النساء غير المسلمات كنّ يرتدين الحجاب تضامناً مع المسلمين، كما أن الأذان والخطبة تم بثهما على الهواء مباشرة من الحديقة عبر وسائل الإعلام الرسمية المرئية والمسموعة، لقد كان مشهداً تاريخياً إنسانياً مؤثراً يثير في النفس التساؤل: إذا كان كل هؤلاء الناس من غير المسلمين قد ساءهم الهجوم كما ساء المسلمين، فلمصلحة من يُنشر الخوف من الإسلام والمسلمين وكراهيتهم وشيطنتهم في المجتمعات الغربية؟

لقد كثر الكلام عن المجرم “تارنت”، وترددت أقاويل عن ارتباطه بجماعات دولية، من ضمنها جهاز الموساد الإسرائيلي، وبالرغم من أنه أكد في بيانه المنشور أنه يمثل نفسه فقط وأنه غير مرتبط بأي جهة، إلا أن تقارير إعلامية إسرائيلية أكدت فعلاً قيامه بزيارة إسرائيل عام 2016، وأنه قام أيضاً بزيارة أكثر من دولة في أوروبا، وبالمناسبة فإن نظرية ارتباط “تارنت” بالموساد تلاقي بعض القبول حتى عند النيوزيلنديين أنفسهم، نظراً للحادثة الشهيرة التي وقعت قبل بضع سنوات، عندما كشفت الصدفة المحضة وجود جواسيس من عملاء جهاز الموساد الإسرائيلي داخل نيوزيلندا، ففي عام 2011 وقع زلزال قوي في مدينة كرايستشيرش أدى إلى سقوط أكثر من 180 قتيلاً، بالصدفة تسبب الزلزال بسقوط شرفة أحد المباني على مركبة مركونة في أحد الشوارع كان فيها أربعة أشخاص، مما أدى إلى مقتل أحدهم، تبين فيما بعد أنهم جميعاً إسرائيليون، وأن القتيل يمتلك خمسة جوازات سفر مختلفة، الثلاثة الناجون قاموا بمغادرة المركبة فوراً وتصويرها، قم قاموا بمغادرة نيوزيلندا خلال 12 ساعة، الحادثة أثارت كثيراً من الضجة وقتها، وكادت أن تؤدي إلى أزمة دبلوماسية بين نيوزيلندا وإسرائيل، لولا قيام رئيس الوزراء النيوزيلندي آنذاك، اليهودي “جون كي” بلملمة الأزمة والتقليل من شأن التقارير، والادعاء بأن التحقيقات جارية ولكن الخوض في تفاصيلها “يضر بالأمن القومي لنيوزيلندا”، بالرغم من أن التحقيقات أظهرت أن هؤلاء الجواسيس كانوا يحاولون اختراق الأنظمة الالكترونية للشرطة النيوزيلندية، هذه الحادثة وغيرها، برأيي، لا يمكن إخراجها من بعض السياقات السياسية المتعلقة ببعض مواقف نيوزيلندا كدولة، مثل موقف نيوزيلندا المعارض لغزو العراق عام 2003، ومواقف نيوزيلندا الداعمة للقضية الفلسطينية في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولا ننسى طبعاً حنق الإسرائيليين الكبير أواخر عام 2017 عندما قامت المغنية النيوزيلندية “لورد” بإلغاء حفلها في تل أبيب استجابةً لمطالب حركة مقاطعة إسرائيل (بي دي أس).

خلاصة القول، وعلى أقل التقديرات، يمكن القول بأن نيوزيلندا وإسرائيل لا تتمتعان بعلاقات “دافئة”، مما يعزز من وجاهة الاعتقاد بأن “تارنت” مرتبط بمثل هذه الجهات الخارجية، ولكن على كل حال، وأياً كان الأمر، فإن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن “تارنت” يمثل اليمين المتطرف والخطاب الشعبوي واستعلاء العرق الأبيض الذي يقوم على تخويف الناس من الآخرين الذين لا يشبهونهم، ثم يتصادف أن هؤلاء الآخرين الغرباء الدخلاء هم ليسوا إلا مسلمين، وهنا تظهر المفارقة العجيبة، فداعش التي تدعي أنها تدافع عن الإسلام والمسلمين هي لا تقوم إلا بالإضرار بهم من خلال تشويه صورة الإسلام وقتل الأبرياء وتأليب شعوب الأرض على المسلمين، واليمين المتطرف في الغرب الذي يدعي الدفاع عن القيم الغربية يقوم صراحةً بشيطنة المسلمين وإراقة دمائهم، وكأن الاتجاهين اللذين يبدوان متضادين يعملان لصالح أجندة واحدة، فلمصلحة من يعملان؟!

لقد أثارت مذبحة نيوزيلندا تعاطفاً كبيراً مع المسلمين حول العالم، فكانت أفضل طريقة للتخفيف من هذا التعاطف هو عمل إرهابي كبير يقوم به “المسلمون” أنفسهم، ليتذكر العالم من هو الإرهابي “الحقيقي”، فجائت أحداث سيريلانكا بعد نحو خمسة أسابيع من أحداث نيوزيلندا، وسارعت داعش لتبني الهجوم، وسارعت وسائل الإعلام للادعاء بأن هذا الهجوم هو رد على أحداث نيوزيلندا، ويبدو أن هذا النمط من توافق الأحداث صار أمراً معتاداً، ففي عام 2016 مثلاً، وقعت أحداث نادي الشواذ في أورلاندو في الولايات المتحدة بعد أسبوع واحد فقط من جنازة الرياضي المسلم الأمريكي الأسود المحبوب محمد علي كلاي، تلك الجنازة التي حظيت بتغطية إعلامية وتفاعل كبيرين، فأطلت داعش برأسها بعد الجنازة بأسبوع لتقول للعالم: “لا تنسوا أن الإسلام دين إرهاب وقتل وعنف وكراهية، ولا تتعاطفوا مع أي مسلم إطلاقاً”.

في أحد أيام رمضان من العام الماضي (2018)، وقبيل الإفطار بدقائق، قمت بتصوير هذا المقطع القصير داخل مسجد النور، كنا نتناول إفطارنا كل يوم في المسجد، وكنت أعلم أنه سيكون آخر رمضان أصومه في نيوزيلندا، فأحببت أن أحتفظ ببعض الذكريات، ولكني لم أكن أعلم حينها أن هذا المسار الذي كنت أسير به داخل المسجد أثناء تسجيلي للمقطع سوف يشهد مذبحة فظيعة تسيل فيها دماء المصلين ليغرق بها السجاد الممزق بالرصاص، ولم أكن أعلم أن اثنين على الأقل من الأشخاص الظاهرين في المقطع سوف يكونا شهيدين من ضمن عشرات الشهداء الذين ارتقوا في تلك المجزرة، أما الآن، فكلما شاهدت المقطع قلت في نفسي: كم كان المسجد هادئاً، وكم كانت جميلة تلك الأجواء من السكينة والمحبة والألفة والتراحم والتكافل الاجتماعي بين من هم في المسجد، فلماذا قُتل الناس هناك؟! ثم أتذكر بيان السفاح القاتل “تارنت”، فأستدرك على نفسي وأقول: هُم أصلاً لم يُقتلوا إلا بسبب ذلك!

النسوية.. نموذج الحياة الواحدة

آلاء بهجت الحاجي


“كوني امرأة حرة.. احصلي على وظيفة.. سافري.. إن لم تحققي أحلامك فلن يحققها لك أحد”، عبر كلمات كهذه أطرت النسوية نموذج الحياة الذي ستسير عليه النساء وتقيِّدن به حياتهن، كلمات صارت هدفًا أسمى للأجيال الحالية من الفتيات ولطفلات اليوم اللواتي لا يعرفن نموذجًا آخر للحياة سوى هذا.

حاولت النسوية عبر ذاك الخطاب الذي وُجه عالميًا عبر وسائل الإعلام -بوسائطها المتعددة- تكريسه وجعله النموذج الأوحد الذي يجب على النساء أن يتبَعنه، خطاب بات فردانيًا ويصعب فصله عن شعارات التنمية البشرية الساذجة كتحقيق الذات والإنجازات الشخصية وغيرها، وتفضيلها على الأسرة والأبناء وجعلها هدف الحياة الأسمى كأن تأسيس الأسرة وإنجاب الأبناء ليسا مسؤولية مختارة بحد ذاتها أيضًا، حتى صارت النظرة المجتمعية لمن تتخلى عن هذا النموذج لصالح النموذج الذي يناسب حياتها وحياة أسرتها، وتفضل حياتها الاجتماعية على المهنية والعلمية، نظرة ازدراء وتحقير، بحجة أنها امرأة فارغة بلهاء سلمت قياد نفسها للرجل ورضيت البقاء في المنزل وهدمت طموحاتها.

كيف وضعت النسوية نموذجًا لحياة واحدة؟
كان للتركيز على الجانب الاقتصادي للأسرة ونقد اعتمادها على الرجل الذي يجلب الدخل وبالتالي يتحكم بها، والمطالبات بمساواة المرأة في فرص العمل والأجور، وربط تحقيق الذات بالعمل المأجور خارج المنزل، وعدم تقدير أي عمل غير مأجور ماديًا كالرعاية، والتأكيد على فكرة المساواة وأن المرأة باستطاعتها العمل في أي مجال كما الرجل، كل ذلك كان له تأثير كبير في دفع النساء للعمل خارج المنزل كأنه سيكون المحرر لهن من استعباد الرجل في منظومة الأسرة.

وبالطبع فإن دخول سوق العمل سيتبعه الكثير، أولها المؤهلات التعليمية الموحدة بين الذكر والأنثى وتوجيه النساء لاختيار تخصصات بعينها تتطلب فيما بعد عملًا بشروط معينة لا تسمح لها بأخذ حياتها الأسرية والاجتماعية بعين الاعتبار، وثانيها الاستمرارية وعدم الانقطاع، فانقطاع المرأة عن سوق العمل للحمل والولادة والاعتناء بأطفالها حديثي الولادة سيجعلها تخسر مكانًا قد لا يتاح لها في السوق لاحقًا، بالإضافة لخسرانها سنوات من الخبرة ومن مواكبة سوق العمل ومعرفة التغيرات التي تحصل في عالمنا السريع.

وهكذا صارت فرص الحياة محصورة في الدراسة الجامعية ثم دخول سوق العمل في أي وظيفة كانت، حتى بات هذا يلعب دورًا في رفضها أو قبولها لتكوين أسرة أولًا وفي إنجاب الأطفال ثانيًا على حساب مهنتها، وعلت أصوات تدعو لرفض الإنجاب مقابل الاكتفاء بنجاح في سوق العمل وفي جلب الدخل والسفر حول العالم وما يسمى بـ “تحقيق الأحلام الشخصية”.

ماذا قدم لنا النموذج الواحد؟
كان أبرز سيئات تطبيع هذا النموذج حول العالم هو عدم مراعاته للاختلافات الفردية بين النساء -كما هو حال أي نموذج أوحد يحاول أن يفرض على البشرية فرضًا- وكون الاختلاف عمود الحياة فما يناسب امرأة لا يناسب أخرى في اختيار الأفضل لها ولعائلتها في العمل خارج المنزل أو داخله، في تفضيل الحياة الأسرية وجعلها أولوية أو اختيار المسار المهني في المقابل.

وهذا النموذج المادي من الحياة جعل الكثير من ربات البيوت محبطات يحسبن أنهن ضيعن حياتهن ومستقبلهن بالبقاء في المنزل والاعتناء بأطفالهن، ولم يحققن ذواتهن. وهنا على هؤلاء الأمهات طرح هذا السؤال على أنفسهن: هل صار تحقيق الذات مساويًا للعمل خارج المنزل وجلب المال؟

ولسنا بحاجة لذكر أن هذه الاتهامات الموجهة للمرأة غير العاملة في الخارج تتعامل مع سوق العمل على أنه المكان الذي يراعي النساء وقدراتهن النفسية والجسدية، ونحن نعلم حق العلم أنه مكان يطحن الرجال قبل النساء برأسماليته وأهدافه الربحية والإنتاجية غير الإنسانية، “ناهيك عن أن الواقع المتخفي خلف النموذج الجديد هو واقع معدلات الأجور المُحبِطة وانخفاض الأمن الوظيفي وانخفاض المستويات المعيشية والارتفاع الحاد في عدد ساعات العمل مقابل وقت الاهتمام بالشؤون المنزلية، وازدياد الأعمال ذات الورديتين والتي أصبحت تصل إلى ثلاث ورديات أو أربع، وانتشار الفقر وخاصةً في أوساط الأسر التي تعيلها نساء”[1].

تقول النِّسوية نانسي فريجر: “إن النِّسويات اللاتي كنّ يرفضن في السابق المجتمع الذي يروّج للوصولية أصبحن الآن ينصحن النساء بالتماهي معه. الحركة التي كانت في السابق تمنح الأفضلية للتكافل الاجتماعي، أصبحت الآن تحتفي بسيدات الأعمال. المنظور الذي كان في السابق يمنح قيمة للرعاية والاعتماد المتبادل أصبح الآن يشجع الارتقاء الفردي والاستحقاقراطية”[2] كانت الكاتبة في هذا المقال تناقش كيف صارت النسوية تخدم الرأسمالية دون أن تشعر فأخرجت النساء من تحت الدلف إلى تحت المزراب كما يقال، وهذا يوضح كيف صارت النسوية مستغلة من مختلف الأطراف كل حسب مصلحته.

إن النماذج التي يمكن للمرأة وللإنسان عموما أن يسلكها متعددة ولا يمكن حصرها، فالعلم مثلا لا يمكن التوقف عن تحصيله بانتهاء المرحلة الجامعية مثلا ولا يصح حصره في الجامعة والشهادات العليا أساسًا، فما يزال المرء في استزادة من العلم من مختلف المصادر مهما تقدم في العمر أو زادت مسؤولياته كل بحسب وقته وحاجته وأولوياته، وحتى العمل إن رأى أنه بإمكانه تقديم شيء للمجتمع يفيد منه ويستفيد فإنه لا عمر يحده، إذ لا نموذج واحد للحياة يشمل الجميع. والخيارات المفتوحة المرنة الآن كالعمل على شبكة الانترنت أو التعلم عن بعد يتيح للنساء مجالًا كبيرًا بديلًا عن ساعات العمل الطويلة التي تلزمها بالتخلي عن جزء كبير من حياتها الاجتماعية وأن تَكِل مسؤولياتها إلى الغير.

وكما نرفض التنمر الذي تمارسه النسويات على نساء المجتمع اللواتي فضلن الحياة الأسرية فإن هذا لا يعني أن نمارس نفس التنمر على من اختارت حياة العمل بإرادتها لحاجة نفسية أو مادية فالشيء بالشيء يذكر. أقول أننا -كنساء- ركبتنا أحلام ليست لنا، والحياة أوسع من أن نحاكم أنفسنا لما يحاول غيرنا أن يفرضه علينا ولكل مرجعيته وأولويته في الحياة، وأي محاولة للسيطرة على هذا الاختلاف ستبوء بالفشل ولن تورث سوى الإحباط لمن لا تستطيع تحقيق نموذج “السوبر وومن” للمرأة التي تترقى في درجات العلم وتنخرط في سوق العمل وتحقق النجاحات والإنجازات وقد كَونت أسرة صُوِّرت على أنها “ناجحة” وجعلوها قدوة ومثالًا يحتذى.

_______________________________________________

[1] – من مقال مترجم للكاتبة نانسي فريجر نشر على موقع حبر:

https://www.7iber.com/politics-economics/feminism-capitalist-handmaiden-neoliberal/

[2] – المرجع نفسه.

عشر خطوات على طريق النهضة

زكاء محمد مردغاني


“وقف الإنسان من الحضارة، ذلك الإنجاز الذي يُعدُّ أعظم إنجازٍ بلغته جهودُ البشريّة، موقفين متباينين: الرهبة والعجز، أو التفهّم والتخطيط”[1]، وإذا كنّا نذهب مع عديدٍ من دارسي الحضارات إلى المذهب الثاني مؤكّدين أنّ النهضة اختيار، ولكنّه اختيار جماعة وتيار؛ فإنّا نورد هنا عشر خطوات عمليّة بإمكانها أن تلخّص للشباب صفات جيل النهضة على صعيد الأفراد، لتكون بمجملها خطوةً أولى تُمكّن المُتعطِّش لنهضة أمّته من أن يخطوها، لعلّها تتحوّل إلى ظاهرةٍ ويتبنّاها تيّارٌ شبابيٌّ واثقٌ فيصنعَ تلك النهضة المنشودة بإذن الله.

1- الإيمان المطلق أوّلاً وقبل كل شيء كن مؤمناً؛ آمن إيماناً مطلقاً بالله، ولا تكتفي بأن تكون مسلماً. كن على يقين مطلق بالله، وليكن لديك إيمان العجائز أو إيمان الصحابة أو إيمانك أنت. الإيمان الذي يجعلك تجابه الباطل وتحق الحق، الإيمان الذي يهون عليك المصائب ويهون الدنيا كلها في عينك، الإيمان الذي يعينك على النهضة ويرقى بك وبالأمة. وهذه الخطوة تدعمها خطوة الصحبة الصالحة وقراءة سير الصالحين والدعاء ثم الدعاء. كن مؤمناً بفكرة التوحيد التي نهضت بأمة الإسلام قروناً؛ وآمن أنّ إيمانَك هذا سيؤثر بحدّ ذاته في النهضة، فالتاريخ في جوهره تاريخ الأفكار، ومحرّكه الأساسيَ ليس أكثر من فكرة!

2- اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ، لتبتني تلك الفكرة السليمة، ولتدعم ذلك الإيمان العميق اقرأ القرآن واقرأ المصادر القديمة فاطلع على أصول الأفكار ولا تسمح لأحد أن يبني عقلك بقراءاته، اقرأ واستجب لذلك الأمر الإلهيّ الأوّل الذي وضع حجر أساس النهضة حين نادى جبريل بمحمّد عليهما السلام (اقرأ).

3- الالتزام الديني: الالتزام بالمظهر الديني ليس محض ترف لجمع الحسنات، إنّه انعكاس لباطن مؤمن بالله أولا، واثق بأحكامه ثانيا، والشريعة في أصلها جاءت لبناء الحضارة فكل ما فيها يبتني الحضارة من جهة، الصلاة تنظم وقت المسلم وبذلك تكون قد قامت بتهيئة الانضباط بالمجتمع لا سيما صلاة الجماعة، والصيام يفرض على الصائم الإحساس بسواه من الجائعين، والزكاة هي الاقتصاد الإسلامي المثالي وهكذا.

4- أمتنا هي الأمة المسلمة كلها شئنا أم أبينا؛ فإذا أردنا لهذه الأمة أن تنهض فعلينا حقا أن نزهر حيثما زرعنا الله، وأن نتعصّب للأمة المسلمة بالولاء الذي يعمّق هذه الفكرة في النفوس، والبراء الذي يحمي الأمة ويحصّنها ممن يمكر بها مكراً.

5- لا للترف فالترف مفسدة، بعضنا تقتصر أحلامه على ثوب جديد وبنطال جديد وقبعة جديدة ولا بدّ للمسلم الذي يطمح لنهضة أمته أن يرتقي بأحلامه، وأن تكون نهضة الأمة والارتقاء بها جوهر أحلامه ومحرك سلوكه وغاية غاياته.

6- الصعوبة والتحديات، إذا كانت التحديات التي تخوضها أيّة أمة تؤثّر إيجاباً في نهضتها بل إذا كانت تلك التحديات شرطاً أساسياً للحضارة عند بعض دارسي الحضارات[2]، فإنّنا نقترح صناعة التحديات على الصعيد الشخصيّ آليّةً لصناعة رجل الحضارة، فكما أن جسم الإنسان يتدرب على الرياضة بالتمرين المستمر وبالتدرج وكلما كان قادرا على أداء التمارين الصعبة كان أكثر صحة وسلامة فكذلك عقله وروحه، فإذا رأيت كتابا صعبا، على صعيد المثال، لا تتركه بل ابحث عمن يساعدك في فهمه. اقرأه لمرات واقرأ لكاتبه كتاباً آخر، خض تحدياتٍ مع نفسك واستعن في ذلك بقصص العلماء الأوائل والمجاهدين المخلصين من الذين جعلوا عدمَ الخضوع للنفس وتربيتها ديدناً.

7- لا تترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتلك واحدة من أهم المشاكل التي تسقط الأمم والتي ضيّعت أمتنا في الآونة الأخيرة خصوصاً كما أسقطت بني إسرائيل من قبل[3]. فإذا رأى أحدكم منكراً فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، كما ورد في الحديث الذي أمر بتغيير المنكر صراحةً، واعلم أنّ مباردتك تلك ستخجل مرتكب المنكر ستشعره أنه منكر وليس كل الناس تعمله وأنّ الحياة فيها صلاح باق ما بقيت السموات والأرض، ولعل هذا أن يكون رادعا له عن منكره، ولقد كانت هذه الفريضة هي الآلية التي أكسبت أمّة المسلمين المناعة الداخليّة للاستمرار على طريق النهضة فإذا انهارت هذه الفريضة انهار الجهاز المناعيّ الذي يُصلح ما فسد

8- اجمع حولك الصحبة الصالحة التي تعينك على مشروعك، وانهض بنفسك وبهم، لا تترفّع وإيّاهم بصفتكم نخباً، بل اعتبروا أنفسكم ممثّلين حقيقين عن الأمة، إنّ أمّة المسلمين يسعى بأمرهم أدناهم، وذلك كان من أهم مقوّمات وجودهم، فمن يحمل همّ هذه الأمة يمثّلها، وكلٌّ يمثّلها في موقعه، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلك.

9- كن مربياً صالحاً، وهذا باب واسع جم، لكن عليك أن تدرك أنّك ستكون أباً أو أماً في يوم من الأيام وأنّ هذه التجربة تحتّم عليك أن تكون في غاية الصلاح لتمشي خطوة على طريق النهضة مع أسرتك الصغيرة التي تعيلها وتمثّل قدوتها. وفي كلّ الأحوال كن فرداً صالحاً في أسرتك.

10- ابتعد عن الفساد والفاسدين وهدر الوقت والمال فيما لا ينفع، ولا تنخدع بأن هذا لساعة واحدة أو ليوم واحد أو استراحة، فالصالح صاالح دائما يريح نفسه بما لا يخرج على شرع الله.


[1] بتول جندية: على عتبات الحضارة، دار الملتقى.

[2] أرنولد توينبي، مختصر دراسة التاريخ 1/233.

[3] {لعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة].

التحرش.. من وجهة نظر أنثى

ديمة مصطفى سكران


سواء في الشارع أو في العمل ، في الجامعة أو في مدخل البناء، تعد تجربة التحرش الجنسي من أسوأ التجارب التي يمكن أن تمر بها المرأة، ومن الصعب أن يشعر أي رجل بما تحس هي به في مثل هذه المواقف، أو أن يتخيل حجم المذلة والمهانة والغضب الذي ينتابها جراء استضعافها بهذا الشكل المذل، ولعل أسوأ ما في هذا الأمر كله هو عدم القدرة على الاحتجاج وتأكد الجاني مسبقا من أنه سيهرب بفعلته بدون أي محاسبة.

بالرغم من أن التحرش الجنسي يعرف بأنه إكراه على فعل جسدي، أو ابتزاز مقابل فعل جنسي، أو تلميحات جنسية أو أي صيغة من الكلام التي تنتهك خصوصية المرأة وتجعلها تشعر بالخوف والإهانة ودنو القيمة، إلا أن التحرش يختلف جزئيا من ثقافة إلى أخرى، حيث تعد ممارسات كالمغازلة في بعض المجتمعات أمورا مقبولة أو يمكن غض الطرف عنها بسبب عدم قدرة الرجل على تمييز موقف المرأة منه في مجتمعات فيها نوع من التساهل في العلاقات، في حين يتحول الإصرار بعد الرفض إلى جرم يعاقب عليه القانون.

عربيا وإسلاميا يختفي الحد الفاصل بين التحرش والمغازلة، فأي نوع من أنواع التقرب من امرأة أجنبية مهما كان بسيطا يعد أمرا مرفوضا دينيا واجتماعيا على الرغم من شح القوانين الضابطة لهذا الأمر، ولكن الرفض الاجتماعي والديني وحده لم يكن كافيا لردع المتحرشين وحماية المرأة من التحرش بسبب ضعف الوازع الديني أولا وبسبب طبيعة الفعل ذاته الذي تحدث في غفلة عن عيون المجتمع في الشوارع الخالية أو الممرات المعتمة أو أثناء التعاملات المباشرة المختلفة.

كما أن المغازلة التي لا تتجاوز الحدود، ومع أنها غير مقبولة دينيا، إلا أن لها أساس ثقافي ونفسي قد يجعلها شائعة ومقبولة لدى الجنسين، وكثيرا ما تمارس بالسر دون أن تفهم أبعادها السلبية الحقيقية.

التحرش البراق وترسيخ دونية المرأة
والمغازلة التي تتعرض لها المرأة في سياقات غير مبررة كسياق العمل أو التواصل لأغراض محددة أو عندما تكون متزوجة، والتي يقترفها الرجل بدون أن يقصد بها التحرش الجنسي بل التقرب العاطفي من امرأة غير متاحة للارتباط، هو شكل آخر من أشكال التقليل من شأن المرأة.

إن أي حديث أو تواصل عقلاني يتم حرفه من قبل الرجل إلى المستوى العاطفي فيه نوع من الإهانة لعقل المرأة وشخصيتها، والتي يعتقد الرجل أنه يملك سلطة التأثير عليهما عند مبادرته بتحريك المشاعر وطرق أبواب القلوب دون استئذان من منطلق كونه رجلا ومن منطلق كونها امرأة. محاولات الهيمنة العاطفية وإثبات الذات تلغي العقل من المعادلة وتقزم دور المرأة بحصره بجنسها “العاطفي” غير القادر على تحكيم العقل، وتجعل التعامل بين الجنسين ينحدر إلى مستوى أدنى تفقد فيها المرأة فعاليتها كإنسان في المجتمع ليتمحور وجودها حول غرائز ورغبات وعواطف عمياء.

وللأسف فإن معظم النساء اللواتي يتعرضن لهذه المواقف يقعن في فخ الاستسلام للإغراء العاطفي، ويعطلن عقولهن بإرادتهم، مستسلمات لعملية غسل دماغ تتعرض لها الفتاة منذ طفولتها لوضعها في قالب معين يتقبل هذا الواقع بل ويتفاعل معه برضا، حين تعتقد المرأة أنها لا يمكن أن تشعر بقيمتها الحقيقة إلا من خلال إعجاب رجل واهتمامه. إذا هو شكل آخر من أشكال الفوقية والهيمنة التي يمارسها الرجال على النساء لإرضاء غرور وإشباع حاجة نفسية معينة في سياق آثم خارج العلاقة الزوجية، لكنه شكل خفي وبراق تغفل عنه النساء، وتبرره الثقافة السائدة على الرغم  من ترسيخه لدونية المرأة وعجزها أمام الرجل وتدني كفاءتها بالمقارنة معه.

الإفصاح عن التحرش تجربة أكثر سوءا من التحرش نفسه
وبالعودة إلى التحرش الجنسي المتعارف عليه فإنه بالرغم من غياب الاحصاءات يكاد يُجزم بأن الغالبية العظمى من النساء في العالم العربي تعرضن في حياتهن لشكل من أشكال التحرش، وتتزايد نسبة التعرض باضطراد مع زيادة فاعلية المرأة في المجتمع كأن تكون طالبة أو عاملة أو مسؤولة عن التسوق في الأسرة، لكن حالة من الصمت المطبق تغلف مثل هذه الحالات بسبب تحول الضحية إلى متهمة تضطر بعد إفصاحها عن حادثة التحرش إلى الإجابة عن ألف تساؤل متعلق بمكان وجودها وهيئتها والتساهل الذي أبدته للجاني حتى تجرأ وتعرض لها. ردة الفعل غير المتعاطفة هذه تصدر للأسف حتى من أقرب المقربين بسبب التصاق المرأة بشرف الأسرة الذي تكون أسهل طريقة للمحافظة عليه هو التضييق عليها ومساءلتها والتكتم على ما تعرضت له عوضا عن محاسبة الجاني خوفا من تنمر المجتمع.

ولا توجد للأسف أي ضمانات حتى الآن يمكن أن تحمي المرأة من تجربة الإفصاح عن التحرش والتي قد تكون أسوأ من التحرش نفسه حتى في أكثر المجتمعات انحيازا للمرأة ، مما يتسبب بتزايد الظاهرة ويزيد من جرأة المتحرش الذي أمن العقاب فأمعن في استضعاف الضحية.

مفاهيم مشوهة ساهمت في استشراء الظاهرة
وفي ظل الصمت المطبق عن هذه الظاهرة المصحوب بتشويه لمفهوم الرجولة تصبح معادلة التحرش في نظر المتحرش معادلة قوة فقط أشبه بقوانين الغاب، فالقوي فقط هو صاحب الحق، والضعيف يجبر على الخضوع لرغبة القوي والسكوت عن اضطهاده له.

تفوق طبيعي للرجل على المرأة يعطيه حقا مزعوما بالاعتداء على جسدها أو كرامتها الإنسانية بما يحقق متعته ليس الجنسية فقط بل والنفسية أيضا من خلال إثبات رجولته المشوهة. رجولة يُثنى عليها ليس في سهرات المراهقين المغلقة وجلسات سرد البطولات بل وحتى في الأفلام والأغاني التي تروج للتحرش في إطار من الرومنسية الشائهة أو الكوميديا السمجة.

إن صبغ التحرش بهذه الصبغة الرجولية أو الرومنسية أو بشيء من الظرافة يجعل المتحرشين في بعض الأحيان، خاصة صغار السن قليلي الوعي منهم، غير مدركين في الحقيقة لطبيعة فعلتهم هذه، يجترحونها بناء على دوافع قد تكون بنظرهم هم ليست بذلك السوء، حيث تتسع الفجوة بين نظرتهم عن أنفسهم وتقييمهم لفعلتهم وبين رد فعل الطرف الآخر وتلقيه للتحرش، ويتحول التمنع إلى دلال، ولاءات الاحتجاج إلى دعوة للاستمرار، وعبوس الوجه والصرخات المكتومة إلى علامات للرضا والاستمتاع.

على صعيد آخر يمكن للضحية نفسها أن تتعرض للتحرش غير مدركة تماما لمعنى ما تتعرض له. يحدث ذلك عند صغر السن وقلة الوعي والفارق العمري بينها وبين المتحرش الذي قد يستغل جهلها وسذاجتها فيمارس فعلته دون إيضاحات أو يقنعها بأن تحرشه بها هو تعبير عن الحب مثلا أو علامة على التقدير.

في حالات أخرى وهي الأكثر شيوعا تشترك الضحية نفسها مع المجتمع في إلقاء اللوم على نفسها واتهامها بسبب طبيعة التربية التي خلفت شعورا بالعار مرتبطا بالهوية الأنثوية. لوم الذات وتأنيب الضمير هذين يتركان آثار بالغة على الحالة النفسية متمثلة بالكآبة والقلق وقلة الثقة بالنفس وصعوبة تكوين علاقات صحية مع الجنس الآخر والانسحاب الاجتماعي من النشاطات والفعاليات الاجتماعية خوفا من تكرار التجربة.

ملصق لإحدى الحملات التي تشجع المرأة على التصدي للتحرش

أسوأ تجارب التحرش
أما أسوأ أنواع التحرش على الإطلاق هو التحرش الذي يكون المتحرش فيه مدركا تماما لطبيعة فعلته وآثارها على الضحية، يمارس عليها شعورا كبيرا بالفوقية فيه نزعة سادية، مستمتعا برفضها ونفورها، ضاربا بعرض الحائط كل رسائل التوقف متماديا في سلوكه الذي طوره بعد سنوات من الخبرة، فأصبح عالما مسبقا بردود الفعل المختلفة وقادرا على التعامل معها جميعها بما يضمن له متعة أكبر ويحقق للضحية أكبر قدر من الأذى والإذلال.

ومن المؤسف أن هذا النمط من التحرش ليس الأقل شيوعا إن لم يكن الأكثر، واستضعاف المرأة بهذا الشكل اللاإنساني يولد شعورا مريرا بالقهر والإهانة والضغط النفسي الذي يترك آثارا طويلة الأمد، خاصة وأنها تعرف أنها غير محمية في محيطها ذاته، غير قادرة على الاحتجاج أو الرفض، وأن كل هؤلاء الناس المحيطين بها، أقرباء كانوا أم غرباء، سيتحولون فجأة إلى قضاة قساة يحاكمونها هي لو باحت لهم بما تتعرض له، وسيبلغ الأمر منتهى المذلة حينما يهاجمها المتحرش نفسه متهما إياها بما لا يليق للدفاع عن نفسه.

لم يكون التحرش في العمل هو الأكثر تعقيدا؟
التحرش في أماكن العمل هو التحرش الأنيق بربطة عنق وبذلة رسمية وعطر فواح، والذي يمارسه بشكل خاص الرئيس على مرؤوسته.

هذه العلاقة في الأساس تتميز بنوع من سيادة الرئيس وطاعة المرؤوس، فإذا كانت المرأة في موقع المرؤوس صارت العلاقة أكثر تعقيدا، حيث يصعب التمييز بين حدود ما هو في سياق العمل وما له غايات وأبعاد أخرى.

لذا فأي إطراء تتلقاه المرأة من رئيسها في العمل فيما يتعلق بعملها يكون مصحوبا بخوف خفي من أن تكون لهذا المديح أغراض غير معلنة، كما أن أي وعود بالترقية أو المكافآت تكون مريبة لو جاءت بصيغة غير واضحة أو بمطالبات مبطنة يصعب إثبات إدانتها، ويصعب أحيانا رفضها أو الاحتجاج عليها لو جاءت صريحة بسبب حاجة المرأة الملحة للعمل في بعض الأحيان، حتى أن المزاح الذي يمكن أن يلقيه الرئيس على مرؤوسته لا يكون مصدرا للمرح بقدر ما هو مصدر للقلق لدى المرأة، فقد يستخدم لقياس مدى سهولة مراسها أو صعوبته.

قلق عارم من كل هذه الاحتمالات المفتوحة يرافق المرأة لدى كل تجربة عمل، مما يجعل بيئة العمل عدائية غير مريحة، تعجز فيها المرأة عن تقديم أفضل أداء لها وتخشى باستمرار من فقدان مكانتها واحترام الزملاء لها سواء استجابت أم لم تستجب، تظاهرت بعدم الفهم أم لم تتظاهر، ففي الحالتين هناك خسارات فادحة، وأي محاولة للكشف عن التعرض للتحرش تتبعها غالبا افتراءات على الضحية وتشهير بها.

هكذا تدافع المرأة عن نفسها ضد التحرش
في غياب الدعم المجتمعي والأسري، تطور النساء بأنفسهن دفاعاتهن الخاصة في مثل هذه المواقف، كل بحسب شخصيتها وطريقة تربيتها أو قسوة التجارب التي تعرضت لها.

فالكثيرات منهن للأسف تعرضن لتربية تهدف إلى جعلهن نموذجا للفتاة ” اللطيفة المؤدبة الخجولة” التي تحاول أن ترضي الجميع، ولا تقول لا للأكبر سنا حتى لو كان الأمر يضايقها، ولا يسمح لها حياؤها برفع الصوت أو الاحتجاج. هذه المرأة ترتكس في مواقف كهذه بالصمت التام أو التظاهر بعدم الفهم أو يكون احتجاجها ورفضها خجولا جدا، مما يغري المتحرش للتمادي معتبرا ضعفها واستسلامها هذا على أنه علامة عل القبول والرضا، على الرغم من أن دواخل هذه المرأة تكون أشد ما تكون ألما واستنكارا ��ما تتعرض له، لكن فهمها لمفهوم “الأنوثة والحياء” الذي تربت عليه يجعلها عاجزة عن أن تخرج من قالبها لتتخذ أي ردة فعل حازمة.

نساء أخريات يذهبن إلى الطرف الآخر من ردود الفعل التي تكون غالبا استباقية بأن يُشعن حول أنفسهن هالة من الاسترجال والخشونة بغرض حماية أنفسهن. امرأة كهذه للأسف اضطرت للتخلي عن جانب شديد الأهمية من شخصيتها كأنثى، ولهذا تبعاته المؤذية على نفسيتها ومشاعرها بسبب التناقض بين الظاهر والباطن قد ينتهي بالتماهي مع هذه الشخصية الجديدة بكبت المشاعر وإنكارها، فلا ينفر منها المتحرشون فقط بل حتى الخطاب المحتملون.

شاهد فتاة مصرية تتصدى لشاب تحرش بها

تجربة صعبة!
إن أقل ما يقال عن هذه التجربة أنها صعبة، من الصعب وصف تفاصيلها، من الصعب التحدث عنها حتى لأقرب المقربين، من الصعب إثبات حدوثها، من الصعب نسيانها، من الصعب التغلب على رواسبها النفسية طويلة الأمد، من الصعب الشفاء مما تتركه من فجوات في الثقة وحالات القلق وكراهية النفس، من الصعب التنفيس عن شعور الرغبة بالانتقام من الجاني وكل ما يمت بصلة إليه أو يذكّر به، من الصعب ألا تترك أثرا في العلاقة مع الجنس الآخر، من الصعب أن يتقبلها الأهل، من الصعب أن يدافع فيها المجتمع عن الضحية، من الصعب تقبل فكرة أن يفلت الجاني بفعلته، من الصعب النظر في عينيه بعد الواقعة، من الصعب تحمل المذلة والمهانة، من الصعب وصف النفور والاشمئزاز منه، من الصعب تقبل خيبة الأمل برجال محترمين يتحولون فجأة إلى متحرشين في الظروف الملائمة، من الصعب الشعور بالأمان في بيئة العمل، من الصعب ألا يؤثر ذلك على الأداء الدراسي والمهني لدى الضحية من الصعب العودة بسرعة إلى الحياة الطبيعية بعد المرور بتجربة مماثلة، من الصعب التظاهر بأن شيئا لم يحدث!

شعار “وأنا أيضا” تحول إلى حملة عالمية لمكافحة التحرش

المعادلة المستحيلة
وبسبب عدم وجود الإحصاءات وصعوبة الحديث عن هذا الأمر، لا يزال يكتنف التحرش الكثير من الغموض في العالم العربي، ولا يزال يحتاج إلى كثير من الدراسة والبحث في محاولة لمعالجته.

في الغرب بالمقابل يتم البحث في هذا الشأن باستمرار، ونسمع عن حملات كل فترة وأخرى تتناول هذه الظاهرة، آخرها حملة MeToo التي كشفت عن استشراء التحرش في المجتمعات الغربية على أعلى الأصعدة، لكن الكثيرين لا يزالون هناك يعترفون بصعوبة التعامل مع هذا الأمر حتى مع توافر البيئة المشجعة على الإفصاح بسبب صعوبة إثبات الواقعة واستخدام هذه التهمة أحيانا كوسيلة للابتزاز والنيل من الخصوم.

كما تم الاعتراف أيضا بالعجز عن ضبط مثل هذا الأمر في ظل نمط الحياة المعاش في الغرب وحرية التعري والعلاقات المفتوحة بين الجنسين والتي تجعل حتى تعريف التحرش أو إثباته أو الحد منه أو مكافحته على الرغم من وجود قوانين صارمة أمرا أقرب إلى المستحيل. فمن المستحيل فعليا التمسك بنمط حياة فيها هذا القدر الكبير من التحلل دون مواجهة هذا القدر الكبير من السلبيات.

في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وعلى الرغم من تفشي ظاهرة التحرش، إلا أن لدينا قاعدة دينية وأخلاقية وثقافية صلبة تجعل الحد منه ومحاربته أمرا ممكنا جدا. فالتمسك بالضوابط الشرعية في اللباس وبالحدود الواضحة المنصوص عليها للتعامل بين الجنسين هي عوامل وقائية شديدة الفعالية، لكن يجب التشديد على أنها غير كافية بدون رفع الوعي بين الشبان والشابات بهذه الظاهرة ومحاربة النظرة الدونية للنساء أو تشييئهن، والعودة إلى جوهر الإسلام الحقيقي في رفع القيمة الإنسانية للمرأة مجددا بما يعلو على قيمتها الجنسية والجسدية ويصحح مفهوم علاقتها مع الرجل. وهناك إجراءات أخرى قد تزيد من مستوى الأمان لو تم تبنيها من قبل الحكومات والجهات المختصة كزيادة الرقابة على الأماكن العامة وأماكن العمل وجعل المدن صديقة للمرأة من خلال معالجة مشكلة الشوارع شبه المهجورة أو ممرات العبور والأنفاق غير المضاءة بشكل كافي ووضع قوانين صارمة تجرم التحرش وتحفظ كرامة المرأة وخصوصيتها حين تقديمها للشكوى.

وحتى ذلك الحين ما يمكن أن نفعله نحن كأفراد هو المطالبة بالتغيير، ومحاولة نشر الوعي ضمن دائرة تأثيرنا والانتباه إلى تربية الفتيات والشبان تربية متوازنة يتمتعون فيها بقوة الشخصية واحترام أجسادهم وأجساد الآخرين، واحتواء الضحية وتشجيعها على الكلام ضمن نطاق الأسرة بما يضمن تجاوزها للأزمة النفسية في جو صحي داعم ومن ثم محاسبة الجاني لو أمكن دون الإضرار بها.

فاعلية الأفكار في الحضارات

عرابي عبد الحي عرابي


لمصطلح “الحضارة” بريق لا تخفي العقول انبهارها به، فغالبية “العلوم الإنسانية” تسعى لامتلاك حقيقة هذا المفهوم ويمضي علماؤها دهورًا في البحث عن الفاعلية التي تنشئ الحضارات.

بدو من الجزيرة العربية

وهذا ما نجده عند ابن خلدون في المقدمة التي خصصها لبحث “العمران وبداياته وأسباب انهياره”، والفيلسوف الألماني أوزوالد شبنغلر (ت 1936م) في كتابه “انحلال الغرب” الذي بحث مفهوم الحضارة والمدنية وتعمق في دراسة مظاهر المدنية الغربية ومآلاتها، والمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (ت 1975م) في “الحضارة في الميزان” و”الحضارة على المحك”، والمفكر الأمريكي صمويل هنتجتون (ت 2008م) في كتابه “صدام الحضارات”، والمفكر الفرنسي روجيه غارودي (ت 2012م) في كتابه “حوار الحضارات”، وعشرات الأمثلة الأخرى التي شغلت مساحة واسعة من علم الاجتماع والآداب والأنثروبولوجيا (علم الإنسان) وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا.

وقد تكون الحالة الحضرية المقابل لحالة الترحال لدى قبائل البدو وتتطور لتصبح الإنتاج الفكري والأنظمة الأخلاقية والاقتصادية والآثار العمرانية التي تنتمي إلى حقبة أو جماعة أو دولة ما[1] فتشمل بذلك الدين واللغة والعلم وكل ما يمت لهذه المفردات بصلة.

لن يخوض المقال في متاهات تحديد المصطلح وأثره في الدراسات النظرية المتعلقة بحقوله العلمية، ولعل التطور التاريخي الذي ارتبط بالمفهوم مع الخلفيات الفكرية المتنوعة لدارسيه (كاللغة أو التأريخ أو الجغرافيا) جعلت ضبطه بتعريف مقتضب أمرًا أقرب إلى العسر من اليسر، إضافة إلى وجوب التنويه إلى أن هذه التعريفات إما أنها ولدت داخل الإطار الغربي أو أنها وضعت للوعي الديني التوحيدي[2].

مالك بن نبي

الفكرة والحضارة
يسعى المقال لاختصار أهم ما بُحِث عن أثر الأفكار في نشوء الحضارات وتطوُّرها، ولا يخفى أن الخوض في ذلك يستدعي البحث في مسألة السبق، فهل الحضارة أسبق أم الأفكار؟

إن القطع بأي من القولين يعني الوقوع في معضلة السبب والمسبِّب كما في مثال الدجاجة والبيضة، ولذا فإن المسألة معقدة جداً، ولعل مما يسهم في فهمها البحث المدقِّق في التطور الفكري وأثره في الحضارة وأثر تطور الأدوات في حياة الناس وبالتالي أثر تغير حياة الناس في الفكر ومن ثم عودة الدورة لتحقق نفسها مرة أخرى بسبل أخرى، وبذلك تتغير أحوال الحضارات باستمرار.

وعلى أيٍّ؛ فإن كل حضارة محكومة بقانون كلي ينبغي البحث عنه وتحليل عناصره وفهمها، وهو ما سعى لرصده وتحليله المفكر الجزائري مالك بن نبي (ت1973م) “حيث يؤكد مالك رحمه الله أن التصدي لبناء أي حضارة ينبغي في التوجه إلى البحث في سنن الأمر وشروطه، سواء في قيامها أو انهيارها”[3] .

انطلق ابن نبي في دراسته لنشوء الحضارة من عدة جوانب كجانب بنية الحضارة وعناصر تركيبها، أو جانبها الوظيفي الذي يتعمق في فهم الغاية التي تؤديها الحضارة –بنُظُمها- في المجتمعات التي تنتشر أفكارها فيها، ليتوصل في النهاية إلى تحليل طرق نشوء الحضارة وتطورها وغايتها الرسالية التي تحققها[4].

ويجمل ابن نبي مفهوم “الحضارة” من حيث النشوء والدوام والانحطاط في المعادلة الآتية: “الحضارة = إنسان + تراب + زمن” وتحت هذا الشكل تشير الصيغة إلى أن مكونات الحضارة تعود إلى ثلاثة عناصر أولية: الإنسان، التراب، الوقت[5]، وهو ما يصطلح عليه أحياناً بثلاثية الأشياء والأشخاص والأفكار.

ولكي تقوم الحضارة فإن الواجب يتمثل في حل مشكلات هذه العناصر الثلاثة من أساسها من خلال التفاعل بين الإنسان صاحب الجهد المنجز، وعنصر التراب (أي مصدر الإنجاز) المادي، وعنصر الزمن الذي هو الشرط الأساسي لأي عملية يقوم بها الإنسان[6]. يوضح ابن نبي أن القانون الكلي للحضارة مقتصر على مدى العلاقة بين الأشياء (أي كل ما ينتجه هذا المجتمع من آثار مادية وزراعة وصناعة وغير ذلك) والأشخاص (العلاقات والنظم وقواعد التواصل التي تنظم حياة الأشخاص الذين يكونون المجتمع) والأفكار (المعتقدات والمبادئ والتصورات التي تحتويها عقول المجتمع في لحظة ما) مع بعضها بعضًا وتأثيرها في بعضها أيضًا، حيث تتعايش هذه العوالم جنبًا إلى جنب، وحين يتفوق أحدها على الآخر فإن صبغة المحور الغالب تطبع المجتمع بصبغتها وهو ما سيرد باختصار في مراحل الحضارة.

فالتأثير الحضاري -إذن- مرتبطٌ بتوجيه الأفكار للمجتمع، ولذا لا بد من فكرة تطبع الحضارة فتميزها في التاريخ، وليظهر ابن نبي تأثير الفكرة في الحضارة فإنه يفصل الحديث في الفكرة المركبة -ويمثل لها بالفكرة الدينية- التي تعدُّ أساس القيم الاجتماعية، والمُعبِّر عن روح المبادئ التي تسري في أفراد المجتمع، وتحتاج العناصر الثلاثة للشرارة الفكرية المركبة التي تسير بمركبها قدماً فتحقق علاقات التبادل والتكامل بين العناصر وتطور الحضارة، هذه العلائق هي ما يسميه ابن نبي بـ”شبكة العلاقات الاجتماعية” التي تتحقق بوجود الجهد الإنساني في صورة إنجاز حضاري في التاريخ، والحضارة من هذه النظرة الفاحصة تقوم على عناصر الإنسان والتراب والزمن، في وجود شبكة من العلاقة الاجتماعية التي تشكل الميلاد الحقيقي للمجتمع في التاريخ وبداية إنجازه التاريخي على ضوء الفكرة الدينية[7].

أرسطو

تأثير الفكرة في الحضارة
أي حضارة ما ناتجة عن فكرة جوهرية تطبع المجتمع في مرحلة ما قبل التحضر وتدفعه لدخول ميدان التاريخ بحضارة واثقة، فقد أخرجت الفكرة المسيحية أوروبا إلى مسرح التاريخ، وبنت عالمها الفكري انطلاقا منها، وقد تغيرت فكرتها مع استعادة عصر النهضة أدبيات الإغريق وفلسفات أفلاطون وأرسطو[8] لتصبح حضارة المادة لا الروح، بينما كان الباعث الفكري للحضارة الإسلامية هو الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وما زالت جماهير المسلمين تحن إلى روح هذه الحضارة، وبذلك يتجلى نموذجان فكريان يسيطران على مسير الحضارة:

1- السيطرة التقنية وتتمثل في الفكر الغربي الذي يجنح إلى الدوران حول الوزن والكم ويصل إلى المادية عند الانحراف والمغالاة.

2- الحضارة الأخلاقية المؤمنة بالغيب، وتتمثل بالحضارة الإسلامية في ذروة حضورها،حيث يدور الفكر الإسلامي في مداره الأول حول مبدأي حب الخير أو كره الشر، إلا أنه في عصور أفول فاعلية حضارته فإن المغالاة تدفع المسلمين إلى التقليد الأعمى والانبهار الكبير بأشياء الغرب[9].

ودور الأفكار لا يمثل الزينة أو الزخرفة التي تزين الواجهة الحضارية بل يمثل الباعث للحضارة وقائدها نحو التقدم، فتكون الأفكار هنا الباعث الوظيفي للقيام بمهمة الحضارة[10]، والفكرة الباعثة للحضارة تمر مع الحضارة بمراحل ثلاثة: مرحلة الروح التي تعد تمثيلاً أولياً “لإشعاع الفكرة الدينية التي تتمكن من النفوس فتبنيها بناء مرصوصا” ويندفع معتنقوها للدعوة إليها ونشرها، ثم مرحلة العقل حيث تنزل الروح  إلى عالم العقل فتساعده على الفهم وتحفزه على الأخذ بالعلم لخدمة الفكرة، فيدير الشؤون المدنية والاجتماعية ويوافق ما بين الحاجات المادية ومتطلبات الروح للمجتمع ضمن إطار الأفكار التي أنشأت الحضارة، ثم مرحلة الغريزة، حيث تبدأ العلاقات الاجتماعية المتشكلة عن الحالة الأولى بالتحلل فربما تنسل إلى همهمات التصوف أو تنحدر إلى عالم العجائب الذي هبت منه روح ألف ليلة وليلة، أو التقليد الأعمى لمنتجات الغرب بدعوى التحضر، وبالتالي تتكدس الأشياء والأدوات الاستهلاكية والمنافع الخاصة على حساب الأفكار، وبالتالي فإن العقل يجيِّر المادة لخدمة الغريزة، بينما كانت الروح والعقل يجيرانها لخدمة الأفكار [11].

وبكل تأكيد فإن طغيان عالم الأشياء سيوقف فاعلية الحضارة وستنتقل قيم المجتمع من مرحلة التميز الفكري إلى الاستهلاك وتكديس المنتجات المادية وتقليد الآخر، وحين يطغى الأشخاص فإن المثل الأعلى سيتجسد في شخص ما على هيئة (وثن) حيٍّ حيث يشير علماء الاجتماع إلى أن التعامل مع (الوثن) أسهل من التعامل مع الفكرة، إذ يسهل استغلال النفوذ مع الأشخاص مقابل استحالته مع الفكرة.

المجتمعات الإسلامية الراهنة
بحسب تصنيف مالك بن نبي فإن المرحلة التي تمر بها عموم المجتمعات الإسلامية تشهد تداخلًا بين طغيان الأشياء والأشخاص على الأفكار، ولذا فإن لب مشكلة “المجتمع الإسلامي” ليست في الوسائل التقنية أو الصناعية وإنما في المناهج والأفكار التي تتعامل مع المشكلات الحضارية، كما أن مجتمع ما قبل التحضر وما بعد التحضر لا يفتقر للوسائل (الأشياء) وإنما يفتقر للأفكار، حيث يعجز أولاً عن تطوير ما لديه من الأفكار ويعجز ثانياً عن إيجاد بدائل لها.

إن عالمًا مسلماً بعد ابن خلدون لم يدرس المجتمعات الإسلامية والأمراض التي تصيب حضاراتها من منطلق استطلاعي رصين مثل المفكر الجزائري مالك بن نبي، وكما أن ابن خلدون لم يغدُ ظاهرة في البلاد الإسلامية فقد نال “بن نبي” المصير ذاته، فعلى الرغم من شهرة الرجلين وتداول كتبهما إلا أن المؤسسات الرسمية لا تولي لأطروحتيهما في دراسة المجتمعات الإسلامية كبير اهتمام.

وإن كان الحال في فهم الأفكار ودورها في بناء الحضارات هو الأساس للنهضة، فإني أختم المقال بهذا الاقتباس عن ابن نبي: “لا يمكن لشعب أن يفهم مشكلته ما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها، وما الحضارات المعاصرة والحضارات الضاربة في ظلام الماضي والحضارات المستقبلة إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر القرون إلى نهاية الزمن، فهي حلقات لسلسلة واحدة تؤلف الملحمة البشرية منذ أن هبط آدم على الأرض إلى آخر وريث له فيها”[12].


الهوامش

[1]  المعجم الفلسفي، د. مراد وهبة، دار قباء، القاهرة، 2007، مادة “حضارة”. ص280.

[2]  في مفهوم الحضارة، د. بدران بن الحسن، مجلة نوافذ: اتجاهات فكرية، 25 /12/ 2003.

[3]  الظاهرة الغربية في الوعي الحضاري، د. بدران بن الحسن، سلسلة كتاب الأمة، العدد 73، ط1، 2000، ص69، 70.

[4]  في مفهوم الحضارة، د. بدران بن الحسن.

[5]  المرجع السابق.

[6]  شروط النهضة، مالك بن نبي، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986، ص41، والظاهرة الغربية في الوعي الحضاري، ص70، 71.

[7] حديث في البناء الجديد، مالك بن نبي، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، د.ت.ط، ص100-101.

[8] مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مالك بن نبي، ترجمة: بسام بركة، أحمد شعبو، دار الفكر، دمشق، 2002، ص41.

[9]  المرجع السابق، ص24.

[10]  المرجع السابق، ص42.

[11]  هذا ملخص عن المرجع السابق ص43-48.

[12]  شروط النهضة، ص19، 20.

كيف تكسر حلقات الإدمان في ثمان خطوات؟

محمد عدنان شيط


لو أجرى أي شخص منا جرد حساب لسنواته الماضية وعاد بالزمن عشر سنوات أو ربما أكثر إلى الوراء لوجد حرقة في القلب، فكم من أهدافٍ وُضعت ولم يتحقق منها شيء حتى الآن؟ وكم من مشاريع خُطط لها ولم يُنفّذ منها شيء وأصبحت طي النسيان؟ فالعمر يمضي والزمن يتقدم والوقت يضيق كلما زادت مسؤوليات الإنسان. وفي كل هذا هناك عامل خطير في حياة أي إنسان قد يؤخره كثيراً عن بلوغ أحلامه وأهدافه، وقد يمنعه من صعود سُلّم النجاح فتمضي السنون وهو مراوح في نفس المكان نهاره كليله ويومه كأمسه مقيدٌ بسلاسل شديدة لا يستطيع الانعتاق من أسرها.

الإدمان هو المدمر الأكبر لأحلام الناس والمتهم الرئيسي بقتل آمالهم وطموحاتهم، وعادةً يُقسم المختصون الإدمان إلى نوعين: الأول هو الإدمان المادي الذي تسبب فيه مواد معينة الإدمان لصاحبها ومنها الكوكايين والحشيش والتبغ وغيرها. والثاني هو الإدمان السلوكي، حيث تتحول سلوكيات معينة يقوم بها الفرد إلى إدمان يصاحبه ويضطره إلى إعادة فعلها في كل مرة، مثل إدمان القمار أو مشاهدة الأفلام الإباحية والاستمناء واللعب بألعاب الفيديو، أو إدمان التسوق أو الطعام تدخل في تصنيف الإدمان السلوكي.

التخلص من الإدمان وكسر عاداته يمر بمحطة أولى وهي فهم طبيعة الدماغ وكيف تتشكل عاداتنا وسلوكياتنا التي نكررها ويتحول بعضها بعد فترة إلى نوع من أنواع الإدمان، ومن أفضل الكتب لفهم هذا الأمر كتاب “قوة العادات” لتشارلز دويج والذي يشرح بالتفصيل كيفية تشكُل عاداتنا كبشر من خلال عدد من القصص الواقعية والأبحاث التي نُشرت في السابق. فبحسب الكاتب يمر تشكل أي عادةٍ في أدمغتنا بثلاث مراحل تتكرر في كل مرة:

المرحلة الأولى: يتلقى الدماغ الإشارة أو الحافز الأولي والذي يعتبر الشرارة الأولى لأي فعل وهنا يضعف دماغنا العقلاني ويبدأ الإنسان بالتصرف حينها دون إدراك حقيقي.

المرحلة الثانية: يتجه الإنسان لفعل الأمر الروتيني.

المرحلة الثالثة: يتلقى الدماغ المكافأة عن طريق إفراز الدوبامين.

ومع تكرار هذه الخطوات الثلاث في كل مرة تترسخ العادة في دماغنا حتى تصل في مراحل متقدمة إلى نوع من أنواع الإدمانات سابقة الذكر. فلو أخذنا أي نوع من الإدمانات لوجدناها تتشابه بهذه الخطوات الثلاث، فالمدخن مثلاً يتلقى إشارة من الدماغ عند شربه لفنجان قهوة أو شعوره بالغضب، فيسارع إلى أخذ سيجارته وإشعالها وبعدها يتلقى المكافأة. وكذلك مدمن الأفلام الإباحية فهو يتلقى الإشارة أو الحافز في ساعات الملل أو الفراغ فيبدأ حينها بمشاهدة هذه الأفلام ويتلقى المكافأة بدفقة من الدوبامين من دماغه وهكذا مع كل أنواع الإدمانات الأخرى التي تتشارك في هذه الخطوات الثلاث دائماً.

الأمر السيء بما يتعلق بالإدمان أن عاداتنا السيئة لا تُمحى من الدماغ أبداً، فقد تشكل لها مسارات خاصة فيه لكثرة تكرارها ، ولكن الخبر الجيد أننا نستطيع تشكيل ممرات جديدة في الدماغ نستعملها بدلاً من الممرات القديمة، وحال هذا الأمر يُشبه مرور شخص ما في طريق عشبي معين كل يوم فمع كثرة تردده على هذا الطريق تنطبع آثار خطوات أقدامه ويصبح الطريق واضح المعالم سهل الممشى بالنسبة إليه ، ولكنه لو حدث وأن قرر أن يستعمل طريقاً جديداً فسيبقى الطريق القديم لكن مع مرور الزمن سيعود سيرته الأولى وبهذه الحال فسيصعب على الإنسان العودة إليه وسيختار سلوك الطريق الجديد الذي مهده لنفسه عوضاً عنه.

للتغلب على الإدمان لا بد من اتخاذ خطوات عملية عديدة قد تتغير بتغير الشيء المُدمن عليه، ولكنني هنا أسرد بعضاً من الخطوات العملية المتنوعة والتي تتلاءم مع معظم حالات الإدمان على اختلافها:

1- ترك الشيء لله واحتساب الأجر عليه:
وهذه الخطوة ليست من باب رفع العتب بل هي خطوة أساسية ورئيسية في ترك الإدمان، فكما هو معروف بعد الأيام الأولى من الإقلاع عن الإدمان يعاني المدمن من رغبة شديدة في العودة إلى سلوكياته السابقة أو إلى تعاطي المواد الإدمانية، وقد يعاني من أعراض انسحابية كما هو معروف كالصداع والقلق والتوتر وعدم الرغبة بفعل اي شيء ، وهنا يأتي الدور المهم لهذه الخطوة فمع هذه المرحلة الصعبة يكون حال استشعار احتساب الأجر على الله هو المُصبّر الأول والمعين للنفس على تجاوز هذه المدة حتى الإقلاع النهائي، وأما ترك الادمان لله فهو دافع كبير للإنسان يمنحه الحافز اللازم لمواصلة طريقه في كفاح الإدمان والحديث النبوي معروف والذي رواه أحمد:( إنك لن تدعً شيئاً لله عز وجل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه)

يقول ابن القيم رحمه الله:” إنما يجد المشقة في ترك المألوفات والعوائد من تركها لغير الله فأما من تركها صادقاً مخلصاً من قلبه لله؛ فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلة؛ ليُمتحن أصادق هو في تركها أم كاذب؟ فإن صبر على تلك المشقة قليلاً استحالت لذة”[1]

2- القضاء على الوحدة والخروج إلى الحياة:
أكبر صديق للإدمان هو الوحدة والابتعاد عن الحياة الاجتماعية، فالإنسان مخلوق اجتماعي بتكوينه يحب الاختلاط بالناس ويفضّل الصداقات. ولكن الإدمان يجعل الإنسان منكفئاً على نفسه ولهذا فمن أفضل الحلول لمواجهة الإدمان هو الاستعانة بالصحبة الصالحة والجلوس مع الأهل وزيارة الأقارب وتجنب الوحدة –قدر المستطاع-وخاصة في الأيام الأولى للإقلاع عن الإدمان فهذه الأمور تعين الفرد على كسر حلقات إدمانه بشكل كبير.

3- تركّيز الجهود:
إذا كان الإنسان مُدمناً لعدة أشياء في وقت واحد فلا يجب عليه فتح جميع الجبهات في نفس الوقت للقضاء على جميع سلوكياته الإدمانية والأفضل أن يركّز جهوده على شيء واحد ينهي إدمانه فيه، وبعد أن يتأكد من هذا الأمر ينطلق للقضاء على شيء آخر يعاني من إدمانه، ومع قدوم رمضان ولأهمية هذا الشهر بتربية النفس وكبح جماح شهواتها فالأفضل للإنسان أن يختار أصعب شيء تعوّد الإدمان عليه وأن يركّز جهوده للتخلص منه وفترة ثلاثين يوم كافية وحاسمة للقضاء على إدمان أي شيء فإن استطاع الإنسان الصبر فيها كان ما بعدها أسهل إن شاء الله.

4- تكريس النفس لفكرة عظيمة:
لا يجب أن يبقى الإنسان دون هدف في الحياة ودون أن يعرف غاية وجوده فإذا غابت هذه الأشياء عن ذهن الإنسان غرق في عالم المادة وامتلكته الأشياء بدلاً من أن يمتلكها هو؛ حتى يصل إلى حالة الإدمان عليها ومن أفضل الحلول للابتعاد عن الإدمان أو التخلص منه هو أن يكرس الإنسان نفسه لفكرة عظيمة أو هدف نبيل فتعلو حينها همته ويستشعر أهمية وجوده في الحياة.

هذا الفيديو للدكتور وليد فتحي يوضح كثيراً حول هذه الفكرة:

5- التأمل والكتابة:
هاتان خطوتان هامتان جداً فالتأمل يزيد من فرص الشخص المدمن على كبح نفسه بدرجة عالية وليس المقصود هنا ما يسمى باليوغا أو ما يتعلق بها من خرافات ؛ بل التأمل هو الجلوس مع الذات لدقائق معدودة يحاول الإنسان فيها الخلو بنفسه والابتعاد عن ضغوطات الحياة وقد يكون التأمل في مخلوقات الله أو في الطبيعة وجمالها وحسن إتقان الله سبحانه وتعالى لصنعها ،وأما الكتابة فأمرها هام لأنها تعين الإنسان على التعلم من أخطائه لمحاولة عدم تكرارها كما تُفرّغ كثيراً من الضغوطات على النفس وتجعل الإنسان يخرج ما بداخله حتى وإن كان على الورق.

6- التوقف مع النفس:
في كل مرة يأتي فيها الباعث أو الحافز على تكرار السلوك الإدماني، فعلى الإنسان أن يتوقف مع نفسه وأن ينظر إلى نفسه في المرآة مخاطباً إياها بكلمات مناسبة، وهذا يساهم في زيادة درجة الوعي في دماغه ويعزز دماغه العقلاني الذي يستطيع من خلاله كبح شهوة الفعل الإدماني -أياً كان-وقد دلت الكثير من الدراسات والتجارب الحديثة على أهمية هذه الخطوة وهذا الفيديو يوضح بشيء من التفصيل كيفية القيام بهذا الأمر.

7- استبدال الدوبامين الحرام بالدوبامين الحلال:
يرتبط الإدمان دائماً مع الدوبامين وكما بينت في السابق فإن المرحلة الثالثة في حلقة الإدمان أو تشكل العادة هي المكافأة التي يحصل عليها الدماغ، والتي تكون مركباً كيميائياً يدعى الدوبامين وإفراز هذا المركب بعد كل أمر روتيني هو الذي يدفع الفرد لإعادة وتكرار الفعل في كل مرة؛ حتى ولو كان يعلم أن هذا الفعل يدمره نفسياً أو جسدياً بعد مدة ولذلك لا يتعلم المدمن من أخطائه ويكررها. من أهم العوامل لكسر حلقات الإدمان هو استبدال المرحلة الثانية في حلقة الإدمان فمثلاً بالنسبة للمدخن عند الشعور بالغضب أو شرب فنجان قهوة فلا داعي للمسارعة إلى إشعال سيجارة بل استبدال هذا الفعل بالخروج في نزهة قصيرة أو تناول قطعة صغيرة من الحلوى كنوع من المكافأة للدماغ ونفس هذا الأمر ينطبق على الإدمانات الأخرى. وهنا قد يغير الإدمان حياة الإنسان بشكل جذري نحو الأفضل إذا عرف كيف يستبدل العادات السيئة بعادات مفيدة له. يشير دويج في كتاب قوة العادات إلى أهمية هذا الأمر بما يطلق عليه القاعدة الذهبية لتغيير العادات:” إذا استخدمت الدليل نفسه وقدمت المكافأة نفسها يمكنك تغيير الأمر الروتيني، وبالتالي تتغير العادة. ومن الممكن تحويل أي سلوك إذا ظل الدليل والمكافأة على حالهما”[2]

8- عدم جلد الذات ومعرفة حقيقة الوحش الإدماني:
يجب أن يعلم الإنسان أن التخلص من الإدمان ليس بالأمر الهين والسهل؛ وخاصة إذا ترسخت العادة كثيراً في دماغه وإيضاح هذا الأمر ليس تيئيساً للإنسان بل لمعرفة حقيقة ما يمكن أن نسميه بالوحش الإدماني الذي يواجهه ويتحداه، ولكيلا يستسهل الأمر كثيراً فيعاود الفشل مع كل مرة. فإذا حدث وفشل الإنسان أو انتكس بعد فترة من الإقلاع عن إدمان معين فلا داعي لجلد الذات بل المطلوب فقط الشعور بالندم وطلب الاستغفار من الله تعالى ومعاودة المحاولة من جديد بثقة وتفاؤل كبيرين وبعزم على التخلص من الإدمان بإذن الله.

قبل الختام أريد أن أتحدث عن تجربة شخصية متواضعة مع أحد أنواع الإدمان وهو إدمان التدخين فقبل عام ونصف قرر العبد الفقير إلى ربه كاتب هذه السطور أن يقلع عن التدخين وبعد محاولات لمدة نصف عام تقريباً باءت جميعها بالفشل؛ جاء الوقت المناسب للإقلاع عن هذا الإدمان بقدوم شهر رمضان في العام الماضي، وقبل يوم من بدايته أطفأت آخر سيجارة لي وقررت حينها الإقلاع النهائي عن التدخين. مر الأسبوعان الأول والثاني بشكل صعب وقاسي، ومر ب��دها الأسبوع الثالث أقل صعوبة وانتهى بعد ذلك رمضان ومر عام كامل دون تدخين وبفضل الله تعالى أقلعت عن هذا الإدمان وأصبحت الآن أكره رائحة التدخين واستبدلته بالرياضة المنتظمة. والآن مع قدوم رمضان هذا العام فقد جاء الوقت المناسب للإقلاع عن أي إدمان بعون الله تعالى وبالصبر ومجاهدة النفس واحتساب الأجر على الله تعالى. فلعلّ نفحةً من نفحات هذا الشهر الكريم تقضي على إدمان المرء ولعلّ ركعتين ودعاءً صادقاً في جوف الليل ببركة هذا الشهر تُخرج الإنسان من حياة الإدمان -أياً كان نوعه-إلى حياة ملؤها الطمأنينة والسعادة والبحث عن رضا الله تعالى في الدنيا والفوز بجنته في الآخرة فلماذا لا يكون رمضان ثورة على عادتنا السيئة وعلى إدماننا؟ ثورة ًعلى كسلنا وتسويفنا وتقصيرنا في حق الله وحق أنفسنا، ثورة تغيرنا وتغير حياتنا معها للأفضل إن شاء الله.


[1] ابن القيم الجوزية، الفوائد، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع ص156

[2] تشارلز دويج، قوة العادات، مكتبة جرير ص62

كيف ندرب أدمغتنا على اكتساب العادات الجيدة وترك السيئة؟

إيهاب حنفي وأحمد دعدوش


منح الله تعالى أدمغتنا القدرة على الاعتياد، وجعل لهذه القدرة جانبين على النقيض، فهي ميزة جيدة عندما يوظفها الإنسان في الاعتياد على ما ينفعه، وهي أيضا ابتلاء صعب قد تتعلق بما هو ضار، ولا سيما عندما تصل حد الإدمان.

كشفت دراسة أجرتها جامعة ديوك Duke University عام 2006 أن نحو نصف تصرفات الإنسان اليومية هي عادات يكررها باستمرار، بحيث لا يشعر بتكرارها وكأنه ينفذها آلياً[1]، وهذا أمر جيد لأنه يريح الإنسان من عناء التخطيط لكل ما يقوم به من تصرفات روتينية، كما يوفر عليه مهمة التوجيه والمراقبة والحذر في كل تصرف، فالعادة تجعل من السهل علينا أن نستحم ونرتدي ملابسنا ونعدّ قهوتنا وطعامنا دون تركيز.

قد يحدث أمر مفاجئ في حياتنا فيكسر الروتين المعتاد بشكل غير متوقع، فمثلا قد نعوّد أنفسنا على الالتزام بالطعام الصحي في حمية غذائية طوال شهر كامل، ونقاوم كل العروض المغرية بالتهام الحلوى، ثم يعرض علينا شخص ما قطعة حلوى بشكل عابر فنعجز عن المقاومة.

وفي المقابل قد نكتسب عادة جديدة بسرعة مفاجئة، وبأقل قدر من الجهد والتدريب، حتى يصبح من الصعب التخلص منها. لكن الأصل في آلية عمل الدماغ هو أنه لا يعتاد على الشيء دون تكرار ورغبة وإرادة، كما أنه لا يتخلى عن العادات السابقة دون عزيمة.

 

21 يوما؟!
في الستينات انتشر كتاب للمؤلف ماكسويل مالتز يزعم فيه أنه يمكن لأي فعل أن يتحول إلى عادة في الدماغ بمجرد إجبار النفس على تكراره لمدة ثلاثة أسابيع، أي 21 يوما، لكن هذه الوصفة التي تتكرر كثيرا في دورات التنمية البشرية ليست صحيحة، وثبت مؤخرا خطؤها، فمثلاً بعض السلوكيات الصحية البسيطة مثل شرب كأس من الماء قبل كل وجبة قد يتطلب تكراره 18 يومًا فقط حتى يتحول إلى عادة طبقًا لإحدى الدراسات الحديثة، بينما تحتاج بعض العادات الأخرى مثل ممارسة الرياضة إلى التكرار لعدة شهور، وربما تصل إلى عام[2].

ويقول عالم النفس جيرمي دين في كتابه “صنع العادات وكسر العادات” Making Habits, Breaking Habits إن نظرية تكوين العادة خلال 21 يوماً هي مجرد خرافة، ويضيف أن العادة تستغرق في المتوسط 66 يوماً لتتشكل. بينما تتطلب العادات الأصعب، مثل التعود على تمرين عضلات البطن خمسين مرة كل صباح حوالي 84 يوماً، وذلك وفقا لدراسة أجرتها جامعة لندن.

لكن هذه الأرقام قد  تختلف من شخص لآخر كما يقول “دين”، فالاعتياد يتعلق بقدرة كل شخص على استيعاب سلوكه وبظروف بيئته وصحته الجسدية ونمط غذائه، وعلى تأثير هذه العوامل مجتمعة على دماغه.

 

خطوات تشكيل العادات الجيدة
1- ضع إشارات لدماغك كي يتصرف تلقائياً: عليك أن تدرب دماغك على تكرار العادة الجديدة عبر تشكيل سلسلة من الأحداث قبل أن يبدأ تنفيذ العادة، فالتكرار يتسبب في قطع سلسلة استجابات دماغك من الذاكرة، والدماغ لا يتعامل مع العادة لوحدها بل يربطها بشبكة من التصرفات، وعند قيامك بهذه التصرفات مع تكرار يومي فإنها تتحول إلى عادة تلقائية.

فإذا أردت أن تعوّد نفسك مثلا على الركض فلا تؤجل هذا الفعل إلى أوقات الفراغ التي تتخلل واجباتك اليومية، فقد تطرأ عليك أمور أخرى تشغل وقتك، بل ضع برنامجا محددا لتوقيت الركض كل يوم، واترك حذاءك الرياضي في مكان بارز ليبقى دماغك مستعدا، ومارس تمارين الإحماء قبل بدء وقت الركض، واشرب كأسا من الماء في وقت محدد أيضا استعدادا للركض، وهكذا تتحول سلسلة هذه الأفعال إلى محفزات تخبر عقلك أنه “حان وقت الركض”، حتى يصبح الركض عادة روتينية[3].

2- كافئ نفسك: أظهرت دراسة صادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT عام 2005 أن العقد القاعدية basal ganglia، وهي منطقة في الدماغ ترتبط بالعادات، تكون أكثر نشاطاً في بداية ممارسة العادة وعند نهايتها، لذا يبنغي تحفيز دماغك قبل البدء عبر سلسلة المحفزات المذكورة سابقا، ثم تقديم مكافأة لنفسك في النهاية لترتبط العادة بشيء محبب إلى نفسك[4].

لذا ننصحك بأن تكافئ نفسك في نهاية المهمة لتحويلها إلى عادة، فمثلا بعد ممارسة رياضة الركض قدم لنفسك مشروبا منعشاً تحبه، أو مارس أي هواية ترتاح لها نفسك. والمهم أن تأتي المكافأة في نهاية المهمة مباشرة حتى ترتبط بها في دماغك وتحفزك عليها.

 

خطوات ترك العادات السيئة
1- ابتعد عن كل ما يحفز العادة السيئة، فمثلا إذا كنت معتادا على التدخين على شرفة منزلك، فابتعد عن الشرفة في الفترة التي تحاول فيها الإقلاع عنه.

في دراسة أُجريت على جنود أميركيين عادوا من حرب فيتنام تبين أن 20% منهم كانوا مدمنين على الهيروين عندما كانوا يخدمون خارج البلاد، ولكن 5% فقط واصلوا الإدمان بعد عودتهم للوطن، فالتغير في البيئة هو السبب الأهم.

2- استبدل النمط القديم بنمط آخر جديد، فإذا تخليت عن مشاهدة التلفاز الذي كان يقدم لك وسيلة للاسترخاء فيمكنك أن تخصص فترة الاسترخاء للتأمل أو القراءة كي لا تخسر مشاعر الراحة التي كان التلفاز يوفرها لك.

يقول تشارلز دويغ في كتابه قوة العادات The Power of Habit “إذا لم تتعمّد العمل على مكافحة العادة  السيئة لديك، أي ما لم تجد روتيناً جديداً، فإن نمط العادة السيئة سيهيمن تلقائياً”.

3- ضع أهدافا واقعية يمكنك إنجازها، فلا تقل مثلا إنك ستقلع عن كل عاداتك السيئة خلال يوم واحد، ففي مطلع كل عام يعزم نصف الأمريكيين على تغيير عاداتهم، وثلث هؤلاء يرغبون بإنقاص وزنهم وأن يكونوا أكثر تنظيمًا أو أن يقعوا في الحب، لكن إحدى الدراسات تقول إن 8% فقط منهم يستطيعون تحقيق أهدافهم للعام الجديد، بينما يستسلم ربعهم بعد أول أسبوع[5].

4- استغل الأوقات المناسبة، مثل شهر رمضان وموسم الحج، فهذه أوقات ترتفع فيها قوة الإرادة وتتهيأ الأجواء المحيطة للتغيير، ما يمنح الصيام للنفس إرادة مضاعفة لترك الشهوات لأن الصائم يتخلى عن ملذاته الجسدية كلها لأكثر من نصف اليوم وعلى مدى شهر كامل. كما يمكن استغلال الإجازات مثلا للتخلي عن عادة مشاهدة التلفاز، واستغلال فترة الامتحانات ليتخلى الطلاب عن اللعب بألعاب الفيديو.

المهم هو أن يضع الإنسان في ذهنه أنه سيتخلى عن العادة السيئة كي يكون واعيا بالتغيير، وليقطع الروابط في دماغه بين المتعة والعادة السيئة، حتى لا يعود إليها عندما تزول تلك الفترة التي تخلى فيها عن عادته.


[1] https://www.dornsife.usc.edu/assets/sites/208/docs/Neal.Wood.Quinn.2006.pdf

[2] https://www.washingtonpost.com/opinions/five-myths-about-our-habits/2015/12/31/1f3ab244-ad93-11e5-9ab0-884d1cc4b33e_story.html?noredirect=on&utm_term=.62edeeb31b3b

[3] https://www.fastcompany.com/3035099/how-to-trick-your-brain-to-hold-on-to-positive-habit-changes

[4] http://news.mit.edu/2005/habit

[5] https://www.washingtonpost.com/opinions/five-myths-about-our-habits/2015/12/31/1f3ab244-ad93-11e5-9ab0-884d1cc4b33e_story.html?noredirect=on&utm_term=.62edeeb31b3b

هل نحن عاجزون بيولوجياً أمام شهواتنا؟

إيهاب حنفي وأحمد دعدوش


صار من المتداول اليوم بين الشباب كثيرا أن ميولنا وشهواتنا ورغباتنا تنشأ أصلا من دوافع بيولوجية ووراثية، وكأن الإنسان يُخلق مجرما أو سويّا أو عفيفا أو متهتكا، لكن الأبحاث التي يستندون إليها ليست نهائية، بل هناك ما ينقضها بقوة.

البعض يستشهد بقصة تم توثيقها عام 2003 لشخص اكتشف أن لديه ميولا جنسية نحو الأطفال، وهي الحالة المسماة في علم النفس “بيدوفيليا”، وتم تشخيصه لاحقا بأنه مصاب بورم في المخ. وبناء عليه، حاول الكثير من علماء الأعصاب الربط بين ميول كهذه وبين إصابات في بعض مناطق الدماغ، لكن هناك أبحاثا أخرى أثبتت أن ليس كل من يصاب في نفس تلك المناطق يجد ميولا مماثلة[1].

على سبيل المثال، قدم الأستاذ في جامعة نيويورك سبرامونيام مادهوسودانان ورقة علمية في عام 2014 أوضح فيها أنه لا توجد علاقة بين مكان الورم في الدماغ و بين الآثار النفسية[2].

وعليه فإن الطب لا يقدم دليلا على أن إصابة منطقة معينة من الدماغ بورم ستؤدي إلى ظهور ميول البيدوفيليا أو الشذوذ الجنسي أو أي سلوك آخر؛ لكن الورم قد يغير المزاج العام ويؤدي إلى الاكتئاب والأرق وفقدان شهية وأعراض أخرى.

وقاحات جديدة
في مقال نشره بمجلة “ريدرز دايجست” بعنوان “وقاحات جديدة”[3]، يقول ويليام لي ويلبانكس إن الإرادة وحدها قادرة على تخليصنا من أعتى العادات السيئة.

ويستشهد بمحاكمة شهيرة جرت في الولايات المتحدة للنظر في قضية رجل اعتدى جنسيا على فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، حيث حكم القاضي بإخضاع المتهم لدورة تأهيلية لتصحيح إفراز الهرمون الذكري “تستستيرون” لديه بحجة أن فرط إفراز الهرمون هو الذي يمنعه من مقاومة المغريات، ويعلق الكاتب “ولكن معظم الذين يعانون من هذه المشكلة لا يعتدون على الآخرين، وما قام به القاضي ليس إلا واحدا من أوهام الوقاحة الجديدة، والتي نرددها باستمرار لنصيب بها صميم إنسانيتنا عبر تلفظنا بعبارات من قبيل: لا يمكنني أن أتمالك نفسي”.

ويضيف أن وصفنا للمدخنين بأنهم مدمنون يوحي بعجزهم عن الإقلاع عن التدخين، مع أن الكثير منهم تمكنوا من ترك هذه العادة دون علاج.

ثم يذكر مثالا آخر عن الغضب، فيقتبس من كتاب “الغضب: عاطفة يساء فهمها” للأخصائية كارول تافريس قولها إننا نحن من يقرر أن نغضب عندما نعتقد بأننا تلقينا معاملة غير عادلة، فالعدوانية ليست طبعا بيولوجيا قسريا في داخلنا، بل هي طريقة مكتسبة نلجأ إليها للتعامل مع من يدفعنا للغضب، مع أنه بمقدورنا أن نختار طرقا أخرى مكتسبة أيضا مثل كظم الغيظ والترويح عن النفس بالبوح بما يغيظنا أو حتى الصراخ، والدليل على قدرتنا على التحكم بأعصابنا عند الغضب هو أننا نادرا ما نثور على مدرائنا في العمل، في الوقت الذي نفقد فيه السيطرة عند التعامل مع أصدقائنا أو أفراد عائلاتنا.

ونحن نوافق على هذا، فلو كان الغضب أمرا خارجا عن السيطرة لما أمر الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من جاء يطلب منه الوصية بقوله “لا تغضب”، ومكررا وصيته ثلاث مرات.

وفي سيرة عمر بن الخطاب مواقف كثيرة تشير إلى أنه كان شديدا قوي البأس، ومع ذلك كان وقافا عند حدود الله ومسيطرا على أعصابه، فعندما أساء إليه أحد العامة -وهو الخليفة- همّ به ليوقفه عند حده لولا أن بادر أحد جلسائه بتذكيره بقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]، فأقلع على الفور وعفا عنه.

وفي قصة مشابهة، أخطأ أحد غلمان الخليفة العباسي هارون الرشيد وآذاه، فلما نظر الخليفة إلى الغلام غاضبا سبقه الفتى بقوله: “والكاظمين الغيظ” فهدأ الخليفة وقال: قد كظمت غيظي، فتابع: “والعافين عن الناس” فقال: قد عفوت عنك، فأكمل الغلام: “والله يحب المحسنين” فقال: أنت حر لوجه الله.

الإرادة تكفي
ويتحدث الكاتب ويلبانكس عن تجربة شخصية مر بها عندما كان طالبا في المدرسة الثانوية، إذ كان مقتنعا بأن طباعه غير سوية، إلى أن طلب منه مدرب كرة السلة في المدرسة أن يواجه أحد زملائه في التدريب، فكان كلما فوّت فرصة في التسديد ضرب الأرض بقدمه متذمرا، فحذره المدرب من الطرد إن عاد إلى هذا التصرف مرة أخرى. وبما أن المدرب كان حازما فإن الفتى لم يجرؤ على القول “ولكني لا أستطيع أن أتمالك نفسي يا أستاذ”، بل أقلع عن تلك العادة على الفور لعلمه المسبق بأن عقابا صارما سيواجهه.

ويعلق بالقول إن الإرادة الحازمة قادرة على الإمساك بزمام الأمور، مشيرا إلى أن الكثير من مدمني المخدرات تمكنوا من الخلاص منها دون علاج، ولا ينسى التذكير بأن العلاج ضروري شريطة أن يسبقه التذكير -وليس التعليم- بأن الإرادة هي السلاح الأول، فالإدمان مشكلة أخلاقية بالدرجة الأولى وليست طبية، وفق رأيه.

ويضيف أن المعالجين أخذوا يطلقون صفة الإدمان على كل العادات السيئة حتى على المراهنين ولاعبي القمار، حتى باتوا يعتبرون من يتخطى الحدود في المقامرة شخصا مريضا فاقدا للسيطرة على نفسه، مما يفتح الباب واسعا أمام الانحراف السلوكي، ويجعل من الجناة أشخاصا يستحقون الشفقة بدلا من العقاب.

وإذا كان هذا المقال قد كُتب في أواخر الثمانينات للتنديد بما أسماه “وقاحات جديدة” فماذا يقول إذن عما انتهى إليه الحال اليوم بعد نحو ثلاثين سنة؟ فمع أن العديد من الأبحاث تنفي ارتباط السلوك المنحرف بالهرمونات وأضرار الدماغ كما ذكرنا في بداية المقال إلا أنه أصبح من الشائع كثيرا الركون إلى المقولات المضادة، لا سيما في الأوساط الإلحادية المادية التي تميل إلى الفلسفة الجبرية واعتبار الإنسان مجرد آلة مسيَّرة محدودة الإرادة، وما نراه من انحلال أخلاقي في الغرب اليوم هو إحدى نتائج هذه الفلسفة.

هوس التبرير
ومن الأمثلة المتزايدة على الهوس الطبي في البحث عن دوافع بيولوجية لكل سلوك منحرف، تصنيف أطباء النفس لظاهرة التسوق المبالغ فيها ضمن الأمراض النفسية القابلة للعلاج، وربطها بانخفاض مادة سيروتونين في المخ، والذي يسبب أعراضا أخرى مثل إدمان لعب القمار أو اللهو بإشعال النار والتسبب في الحرائق.

ومن الأمثلة أيضا اعتبار مشاهدة التلفاز المبالغ فيها حالة من حالات الإدمان، حيث ربطت دراسة نشرت في مجلة “أميركان سيانتيست” بين الانبعاث المتواصل الذي يطلقه الدماغ لموجات “ألفا” ومشاعر الارتياح النفسي لدى مشاهدة التلفاز، لكن هذا الارتياح الذي يشعر به معظم الناس الطبيعيين لا يعني بالضرورة أنهم سيعانون من الإدمان وفقدان الإرادة!

أما التدخين فحاول فريق علمي من جامعة أكسفورد أن ينسب الاعتياد عليه إلى جين وراثي قال إنه مسؤول عن الإدمان على النيكوتين، مؤكدا أن الأشخاص الذين لا يحملون الجين يمكنهم الإقلاع عن التدخين دون استعمال الوسائل التي تستخدم النيكوتين (مثل لبان النيكوتين ولصقة النيكوتين على الجلد)، لكن وجود هذا الجين لا يعني حتمية التدخين، فهو لا يعدو كونه استعدادا أوليا يمنح الشخص قابلية إضافية للتدخين، كما هو الحال مع اشتهاء الإنسان لنوع ما من الطعام أكثر من غيره، لكن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى فقد الإرادة.

وكل ما في الأمر هو أن مجاهدة النفس لمنعها عما تشتهيه تكون أصعب أمام إغراء الإعلانات وتشجيع المجتمع، لذا تمتلئ كتب التزكية والزهد في تراثنا الغني بقصص مجاهدة النفس لدى كبار الزهاد عن أبسط الأمور، لمنع النفس من التمادي حتى في اشتهاء الحلال فضلا عن المنكرات. لكن التساهل في التعاطي مع المكاره والمحرمات قد يتحول مع مرور الزمن عادة مستعصية، فتبررها النفس الأمارة بالسوء ووساوس الشيطان بالعجز والإدمان.

وقد يصل الأمر فعلا لدى البعض إلى وسواس قهري يسلب الشخص إرادته، وهذه تحديدا حالية مرَضية مرتبطة بعوامل بيولوجية، لكن العلاج في معظم الحالات يكون بالإيحاء النفسي السيكولوجي دون تدخل الأدوية والعقاقير.


[1] https://jamanetwork.com/journals/jamaneurology/fullarticle/783830

[2] https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1586/14737175.7.4.343

[3] Reader’s Digest, Mars 1989.

مكة بين ذوبان الروح وتغوّل الحداثة

عرابي عبد الحي عرابي


لا يُعرف عن مدينة مكة تاريخ مؤكَّد سابق على بناء البيت الحرام، ولذا فإن مكانة مكة تاريخياً عند العرب، وحاضرًا عند المسلمين، مرتبطة برمزها الديني المقدَّس، أي الكعبة المشرفة التي بناها آدم عليه السلام، ثم أقام قواعدها بعد اندثارها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، والتي يصفها الله في مواضع عديدة في القرآن بأجلّ الأوصاف وأسماها، كقوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96-97].

ولا تغيب عن المسلمين الأحاديث التي جاءت في فضل مكة وحرمها وعظمة ثواب الصلاة في مسجدها وحب النبي صلى الله عليه وسلَّم لها، ممَّا جعل احترام مكَّة مرتكزاً في الأذهان، وثابتًا في القلوب والأرواح، فهي مهبط الوحي، ومبدأ الرسالة، ومأوى الأفئدة المؤمنة بالله، والهويَّة التي دفعت كثيرًا من الرحّالة غير المسلمين للتنكُّر بغية استكشاف هذا المكان العظيم والتعرُّف إلى أسرار جذبه الروحي لملايين الناس.

رحلة جول جرفيه كورتيلّمون
في رحلته إلى المشرق العربي وإلى أرض الحجاز تحديدًا، رسم الرحَّالة الفرنسي جول جرفيه كورتيلِّمون (ت 1931م) لوحة دقيقةً فائقة التميُّزِ عن المدينة الأقدس في تراث المسلمين.

وفي سبيل إتمام رحلته، أظهر جول إسلامه، وارتحل بجواز سفر سمّى نفسه فيه “عبد الله بن البشير”، متجها نحو مكة عام 1894م، وتاركاً خلفه وثيقة مهمة في وصف الديار الحجازية إبَّان تلك الأيام.

من ذلك كلماته الآتية التي تأخذنا إلى واقعٍ مفعم بالصور عن الحرم المكِّي الشريف: “عند ظهور ضوء النهار اجتزنا بوّابة المدينة المقدَّسة، إنها بوّابة مؤلفة من عمودين يشبهان أعمدة بوابة مزرعة… لقد مررنا بأسرابٍ لا تحصى من طيور الحجل وعندليب الصحراء، تهرب مهرولة أمامنا دون أن تتنازل وتطير، كانت تطير حولنا بأعداد هائلة العديد من مجموعات الحمام وكأنها غيوم، في الحقيقة هذه الحمائم مصدر احترام كبير لغالبية سكّان مكة.

فجأةً عند مفترق طريق، دخلنا إلى المدينة المقدَّسة، لا شيء يجعلك تتوقع مدى قربها، إنها تختبئ بين جبلين قريبين جدًّا من بعضهما، وعندما تجتاز الشارع الأول تدرك أنك وصلت، لا منظر شامل للمكان، كل الأماكن متشابهة، حتى تصل إلى الجامع الكبير المستقر في أخفض مكان في المدينة، مختبئاً عن الأنظار، وكأنه بيضة وسط عشٍ”[1].

ثم يقول: “ها هي الكعبة بهيئتها الملكية مرتدية كساءها الأسود الثمين، ليست الكعبة –كما كنَّا نظنُّ- قبرًا للنبي محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم، إنها بيت الله الحرام بالنسبة إلى جميع المسلمين”[2]، إلى أن قال “لقد بقيت مع تأملاتي أفكِّر في أقاربي في فرنسا وفي هذه الرحلة العجيبة إلى هذه المدينة الغامضة حيث أشعر أن معجزة ما تسيِّرني… أكون بمنتهى الفرح عندما أذهب لأحلم عند الجامع الكبير، لا يمكن لبشر حين يسمع صوت الأذان في هذا المكان أن يحلم بإنجاز لحن بهذه الرقة والتناغم، أي تنميق مدهش هذا”[3].

أقام جول في مكة أياماً عديدة وجال في أزقَّتِها يدرس معالمها ويتعرف على أسواقها وأشكال عمرانها، ليتأتى لنا عبر هذه الرحلة أن نتعرف إلى صورة مكة الاجتماعية والعمرانية في أواخر العهد العثماني، مشيراً باهتمام بالغ إلى الحِرَف المهنية التي اختصت بها أسواق دون غيرها، فثمة سوق للصاغة وآخر للأخشاب، وثالث للقماش وهكذا دواليك، التي تشبه في شكلها العام شوارع دمشق أو القاهرة القديمة”فالجامع الكبير المستقر في أخفض إلا أن الاندهاش بلغ قمته بالنسبة إليَّ حين مررت على كلماته الآتية: “يعتني السكَّان بأنفسهم بنظافة الشوارع التي تشبه في شكلها العام شوارع دمشق أو القاهرة القديمة”[4]، وموضع الاندهاش آتٍ من تشبيهه مكةَ بدمشق والقاهرة، فالصورة النمطية عن مكة تلك الأيام موحٍ بافتقارها إلى الترتيب والاعتناء العمراني، إلا أنها بحسب شهادته شبيهة بالتنظيم والترتيب المعروف عن دمشق والقاهرة أي دُرَّتَي بلاد الشام ومصر، وهو ما لا نجده في مكة –من الجانب التراثي- هذه الأيام حتماً.

أين الجذب الروحي لمكة؟
يتحدث د. علي عبد الرؤوف عن حادثة تعرَّض لها أثناء إعداده كتابه الشهير “من مكَّة إلى لاس فيغاس: أطروحات نقدية في العمارة والقداسة” قائلاً: “لم يستوقفني وأنا أُعدُّ دراسات كتابي الصادر في القاهرة، أكثر من إعلان فندقي به صورة سرير أبيض بشراشف حريرية عليه وردة حمراء كُتب أسفله تمتَّع بشهر العسل وأنت مُطلٌّ على الحرم!

لقد صدمتني فكرة استغلال الإطلال على الحرم المكي ليس فقط لتبرير دفع مئات بل آلاف الدولارات لقضاء ليلة واحدة، بل تصعيد الاستغلال إلى التحول بعيدًا عن الهدف الروحاني إلى الترويج الفندقي الفج لجناح العرائس المطل بنوافذه العملاقة من ارتفاع شاهق على الكعبة التي تقزَّمت أمام هذا العملاق الخرساني البغيض المسمَّى برج الساعة”[5]، لقد تعاظمت الصدمة –والكلام له- عندما أدرك أن مكة باتت تشبه بأبنيتها الفاخرة وتسارع الوقت فيها مدينة لاس فيغاس الأمريكية، ولعلّ تأثير الصدمة الأولى يزداد “عندما ندرك أن لاس فيجاس ليست مجرد مدينة أمريكية، ولكنها تسمى (مدينة الرذيلة) في مقابل (المدينة المقدسة) مكة، وثمة صدمة أخرى فاجأته عند زيارته دولة الفاتيكان، وذلك لدى رؤيته التناسق المعماري مع الحفاظ على الهوية، واحترام الكنائس والمقر البابوي، والإصرار على جعله أهم وأكبر المباني، وصاحب المركز المسيطر المرتفع في النطاق البصري للمدينة.

وثمة صدمة أخرى، وهي التي تخص مدينة القدس، الأكثر مدعاة للحزن والألم. فعلى الرغم من وقوعها تحت الاحتلال الإسرائيلي وبرغم المحاولات الدائمة لتهويدها، إلا أنه لم يصبها ما أصاب مكة من تشويه معماري وعمراني، وما زالت القدس تحافظ على هويتها المعمارية، وشخصيتها الفريدة، وعبقها التاريخي، الذي يبدو جليًّا في وضعها الراهن الموثق في أدبيات متعددة”[6].

يبدو أن الدعوى المذكورة آنفًا تثير في النفس بعض التهكُّمِ الممزوج بالفضول والاستغراب!

كيف يحق الادعاء بهذا، وقد أنشأت حكومات المملكة السعودية أفضل شبكات الطرق والأنفاق الضخمة والجسور والتوسعات المتعددة لأرض الحرم وما حوله، إضافةً إلى الكثير من المشاريع الإعمارية لتسهيل استيعاب ملايين الحجاج كل عام دون وقوع حوادث تؤذيهم أو تعكر صفو عبادتهم أو تودي بحياة العشرات منهم.

طغيان الحداثة وثقافة الاستهلاك
“إذا كانت أولى زيارتك لإحدى المدن وكان في مدى بصرك مبنيان؛ أولهما بارتفاع 14 متراً، والآخر بارتفاع  600 متر، تعلوه أكبر ساعة في العالم وتحيط به أبراج شاهقة، فأيُّ المبنيَين تعتقد أنه يجذب انتباهك ويستحوذ على كل مجالك البصري: ناطحة السحاب أم ذلك المبنى الذي لا يتجاوز ارتفاعه 4 طوابق”[7]؟

إن المسألة التي نتوقف عندها ههنا ليست توسيع مساحة الاستيعاب للحجاج والمعتمرين في الحرمين الشريفين أو تحديث شبكة الخدمات فيهما، وإنما تغيير الحالة الثقافية للروح التي تسكن المدينتين واندثار الهوية الروحية التي تميز هذه المدن المقدسة، فلم تعد زيارة المدينة المنورة أو مكة المكرمة مظهراً من مظاهر التساوي بين المسلمين وإنما باتت خاضعة للبهرجة التجارية وطغيان الثقافة الاستهلاك والابتزاز العولمي الصارخ.

إن السؤال آنف الذكر يقال لمن يزور مكة في هذا العصر الذي طغت فيه قيم العولمة والصورة الاستهلاكية، ولذا لا عجب في أن يكون الجواب متوجهاً في الغالب بالإشارة إلى البناء الأعلى والمطل كعين مادية ناظرة تراقب كل شيءٍ منخفض عنها، وبالطبع فإن كل ذلك جارٍ على حساب الكعبة، إذ تبدو صغيرة للغاية أمام هذه الأبراج العملاقة، وبالتالي تخضع جموع المسلمين إلى صورة القيمة الدنيوية على حساب القيمة الأخروية التي تمثلها الكعبة المشرفة التي قصد زيارتها طالبًا التقرب بها إلى الله[8].

هنا ترى قلب المدينة منفصلاً عن غايته الروحية في محيط حداثيٍ يقطع صلته بالقلوب التي اتجهت إليه، فلا يؤثر ذلك بالروح العمرانية فقط، وإنما بالروح التي يملكها زوار هذه الأماكن وقاطنوها[9].

لقد كانت الدول المتعاقبة على حكم الحجاز في غاية التنبه لواقع مكة الروحي، فبخلاف ما فعلته دولة القرامطة -بقيادة أبي طاهر القرمطي- من أخذهم للحجر الأسود وإعادته بعد عشرين سنة، لم تقم هذه الدول بتغيير معالم الحرم أو إزالة أجزاء منه بل كان التعظيم والاعتناء بالآثار المتبقية من الحرم ماثلاً مدة بقائها، فلم يشهد المسجد الحرام توسعةً تذكر بعد الخليفة المقتدر بالله طيلة حكم الفاطميين، والأيوبيين، والمماليك، والعثمانيين، وإنما اقتصر العمل في المسجد خلال هذه الحقبة على الترميم والإصلاح[10].

غياب الذات وحضور العولمة
يتساءل د. مشاري عبد الله النعيم: “أين هي الهوية المعمارية لهذه المدن، فعلى الرغم من أن تراثها المعماري عميق للغاية إلا أن الملمح الذي يقود لاكتشاف الهوية الخاصة بهذا التراث مفقودة”[11]، ولا يمكن إنكار أن بعضاً من آثار الماضي حاضرة إلا أنها تبدو كمن يقبع في زاوية الذاكرة أو ما يكاد يصل إلى النسيان.

إن الناظر لحال مكة المكرمة والمدينة المنورة الآن يتوقف مليًّا عند غياب المظاهر الروحية في مقابل تغوُّل الحداثة في أزقة وشوارع المدينتين، حيث تتعرضان -ومنذ وقت ليس بالقصير- إلى تحديات تغيير الوجه الثقافي بدعوى استيعاب الحجاج والزيادة السكانية المتزايدة في المدينة، لتختلف مكة في الوقت الحاضر بشكل كامل عن حالها قبل خمسين عامًا مثلاً، إذ محيت معظم المعالم العمرانية التاريخية التي ورثتها دول الخلفاء المتعاقبة في مواجهة طوفان التطوير العقاري المتباين أصلاً مع هوية المكان التاريخية ونمط التطوير المعولَم الذي يجري تنفيذه، فما أعجب أن تمحى معظم الآثار الموروثة عن عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، بل ما أعجب أن لا تكون لمكة والمدينة بصمتهما المعمارية (الإسلامية)، وأعجب من كل ذلك أن تكون أبنية كلٍّ منهما مستنسخة عن أبنية نيويورك أو لاس فيغاس، بل إن اللغة العربية تكاد تنمحي من اللافتات وأسماء العمارات الشاهقة، ليحل محلها أنتركونتننتال أو الميريديان  أو هيلتون، أو غيرها من الفنادق التي تتعالى على المسجد الحرام والمسجد النبوي.

ترفيه أم تطهير!

المسجد النبوي

يمكن وصف البناء المستمر الذي يغير وجه مدينتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه استغلال عمراني لفرض سيطرة نماذج “مدن الإسمنت” على القلب النابض لروح المدن الإسلامية.

كانت قوافل الحجاج تمضي شهورًا أو سنوات في سفر متواصل للوصول إلى أقدس الأماكن لأداء فريضة الحج ثم الإياب بالأجر والتطهر الروحي إلى بلادها، في رحلة مضنية جسميًّا مُغنيةٍ معنويًّا، يرى فيها الحاج تحقق التساوي بين الأغنياء والفقراء والأمراء والرعية، أما اليوم فإننا نرى “لمحو تاريخ مكة المعماري أثراً في الحج نفسه، إذ انقلب إلى رحلة سياحية ترفيهية، فلم يعد الحج تجربة روحية لا تتكرر، بل أصبح ممارسة اعتيادية -سنوية لكثيرين- يختلط فيها التسوق بممارسة الطقوس والشعائر الدينية، فمكة صورة مصغرة للعالم الإسلامي، وكل ما يحدث فيها يؤثر بعمقٍ على المسلمين في كل مكان، وها هي الآن تغرق في الحداثة، وقد أُفرغت من تاريخها، وأصبح الاستهلاك هو الهدف الأسمى من زيارتها”[12]، فلم يعد الحاج أو المعتمر يمتلك من خواطر رحلته شيئاً ذا بال مقارنةً بذكريات السكن في فندق الهيلتون، والغداء في ماكدونالدز، والتسوُّق في كارفور، مع الانبهار منقطع النظير ببرج الساعة الشهير.

فمتى تعود مكة للأرواح “قبلةً” والمدينة المنورة “منورةً”؟


الهوامش

[1] رحلتي إلى مكة، جول جرفيه كورتلمون، ترجمة: أحمد إيبش، دار الكتب الوطنية، أبو ظبي، ط1، 2013، ص69، 70.

[2] المصدر السابق، 70.

[3] المصدر السابق، 73، بتصرف.

[4] المصدر السابق، 97.

[5] تدوينة د. علي عبد الرؤوف المعنونة بـ “مكة المكرمة والوردة الحمراء والساعة العملاقة” عبر الرابط الآتي: http://blogs.aljazeera.net/blogs/2017/3/19/%D9%85%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B1%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9

[6] المصدر السابق.

[7] من مكة إلى لاس فيغاس، كيف استطاعت القيم المادية التغول على الروحية، مقال منشور على هافنغتون بوست بالعربي، عبر الرابط الآتي: http://www.huffpostarabi.com/2017/09/01/story_n_17885042.html

[8] من مكة إلى لاس فيغاس: أطروحات في العمارة والقداسة،د. علي عبد الرؤوف، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، ط1، 2014، ص117.

[9] مقال د. مشاري عبد الله النعيم  نواة الهوية الثقافية والعمرانية على الرابط الآتي: http://www.alriyadh.com/1637000

[10] مقال: التوسعات التاريخية للحرم، موقع بوابة الحرمين، عبر الرابط الآتي: http://www.alharamain.gov.sa/index.cfm?do=cms.conarticle&contentid=5942&categoryid=1024

[11] مقال عبر الرابط الآتي: http://www.alriyadh.com/1637000

[12] مقال ضياء الدين سردر المنشور على شبكة (نون بوست): https://www.noonpost.org/content/3881