image_print

انهزامية بالسُكَّر

قرابة قرنٍ من الزمان مرّ على سقوط آخر دول الخلافة الإسلامية، حيث أصبحت الأمة الإسلامية في آخر القائمة الأمميّة سياسيًّا بعد تخلّفها فكريًّا، فكانت الخاتمة الطبيعية للبعد عن سنن الله في الحضارة والصعود والهبوط، فبينما كانت أراضي المسلمين تمتد من الأندلس غربًا الى الهند شرقًا، أضحى ذلك الحال تاريخًا يُروى ولم تعُد للدول الإسلامية مكانتها السابقة، بل لم يبق لها من الأمر شيءٌ، وإنما أصبحنا أمةً منقادةً فكريًا وحضاريًا وثقافيًا.

ابن خلدون وقانون العمران

وضع العالم المسلم ابن خلدون في مقدمته الشهيرة قانونًا اجتماعياً مستنبطًا من تاريخ الأمم في العمران، حيث اعتبر أن الأمة المهزومة تقلّد وتتبع الأمة الغالبة التي هزمتها أو احتلتها، وعلّل ذلك بقوله: “والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه إمّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي وإنما هو لكمال الغالب”.

فالسبب في تلك الانهزامية النفسية والاقتداء بالأمة الغالبة هو ظن المغلوب أن الكمال مع الغالب، وهذا -لشديد الأسف- ما نراه في أحوال الأمة الإسلامية التي لم تسلم من تحقّق ذلك القانون السُنَني والمجتمعي فيها.

ولا شك أن مظاهر التغريب الثقافي حاضرةٌ بقوةٍ في مجتمعنا المعاصر، من تقليد لملابسهم وهيئتهم، وحتى في اتخاذ قصات شعرهم وتقليدها كنوع من أنواع اتباع الصيحات العالمية المنتشرة المسمّاة بـ “الموضة”.

وليتوضح لك أن هذا التقليد والاتباع نوع من أنواع الهزيمة النفسية التي أشار لها ابن خلدون، عُد بالزمن قليلًا مدة عشر سنوات أو خمس عشرة سنة وانظر الى منظور المجتمع العربي والإسلامي بشكل خاص الى إطلاق اللحية وارتداء السراويل (البناطيل) القصيرة، حيث ستجد أنه شيءٌ غير مقبول على المستوى العرفي وممنوعٌ في كثير من أماكن العمل ولا يتصف بهذه الهيئة إلا “الملتزمون دينيًّا” كما يطلق عليهم، ثم ألقِ نظرةً على الوقت الحاضر وكيف أصبح عددٌ كبيرٌ من الشباب ممن يرتدون تلك (البناطيل) القصيرة ولهم لحىً كثيفة، وذلك فقط لأن الغرب تسامح مع هذا المظهر واتخذه نوعًا من أنواع “الموضة” فانساق كثير من الشباب المنهزم نفسيًا وراءهم وقلدهم –وإن كان بلا وعي أو شعور لهذا التقليد-.

التأثر بالتغريب الفكري والسياسي

من الطبيعي أن انكسر المسلمون عسكريا وثقافيًّا وسياسيًّا أن يغيبوا عن ساحة الفعل والتأثير، خاصّة أن مشاريع النهوض الفكرية لا تلقى الدعم المناسب لإنجاحها، وكذا فإن الواقع السياسي أوهنَ المجتمعات الإسلاميّة وفتح أبوابها على مصاريعها أمام الانحطاط الثقافي والمعرفي والتخلف في جميع مناحي الحياة، فضعفت المناعة الذاتية والفكرية أمام الأمم التي لها الغلبة، وأخذوا يشربون من أفكارهم ظنًا منهم أن هذا التقليد سيوصلهم إلى ذلك التقدم والازدهار المدنيّ والعمراني والتقني الذي تعيشه تلك الأمم.

لقد كان من مظاهر تلك الانهزامية النفسية هو التأثر العميق بالتيارات الفكرية الغربية، كالتأثر المعاصر بالحركة النسوية التي تدعو إلى المساواة الكلية بين الرجال والنساء في إطارٍ من التمرد الواضح لدعاة النسوية على الاختلاف الواضح بين الجنسين، وهنا لم تعدم بلاد المسلمين ظهور بعض من النسويات –في مواقع التأثير- لتدعو إلى التمرد الداخلي ضد العرف والمجتمع والدين، فكانت الدعوة للمساواة المطلقة في الميراث وإلغاء القسمة الشرعية التي تنص -في بعض حالاتها- على أن نصيب الرجل ضعف نصيب المرأة، ولا عجب أن يتمّ إصدار قانون ينص على المساواة في الميراث بين الجنسين في عدة دول –كما في تونس سنة 2018 وإن لم يتم التصديق عليه بعد-.

وهنالك من تأثر بالتيار الوجودي الذي يعظّم من شأن الإنسان كوحدة الوجود، فزعموا أنه تزداد قيمة الإنسان بمقدار خدمته للإنسانية فقط، حتى أن بعض شباب المسلمين ترحّموا على العالم الملحد “ستيفن هوكنج” بعد وفاته، وذلك تقديرًا لمساهماته العلمية (الإنسانية) الكثيرة، مع أن ذلك شرعًا غيرُ جائزٍ، ولكن الإنسانية أو الوجودية تركت في نفوسهم أثرًا، أدركوا ذلك أم لم يدركوه، ولستُ هنا لبيان ضلال تلك الفكرة ولكن لتوضيح تداعيات ذلك على الأفراد وإظهار مدى تأثر البعض الفكر الغربي المهيمن.

ونجد على سبيل المثال -أيضًا- تصاعدًا واضحًا للنزعة العِلموية التي تقدس من التجارب الحسية وكل ما يقدمه العلم المادي فقط، إلى جانب التفاخر بإمكانية التحدث باللغات الأجنبية –على أهميتها- مقابل الاستهزاء بالعربية، حيث إنه من المفترض أن تكون تلك اللغات مجرد آلةٍ أو أداةٍ يُستعان بها على تحصيل العلم، ولكن الوضع تغير وأصبح تعلمها غايةً في حد ذاته، لما له من آثار في إظهار هالة معيّنة لأصحابها.

زاد انبهار المسلمين بحضارات الغرب المهيمن حتى ظنوا أن اتباع أنظمتهم السياسية والاقتصادية سيؤدي لنفس النتيجة التي انتهى إليها الغرب، فرفع البعض شعار الاشتراكية التي تحلم بالقضاء على الطبقات الاجتماعية بهدف منح الفقراء حياة كريمة وإعطاء طبقة العمال الكادحة حقها المسلوب، ورأى البعض أن العلمانية حلٌ لدولة متقدمة متحضرة يتساوى فيها كل الأفراد ويحكمها قانون مدني يفصل الدين عن إدارة وسياسة البلاد، وهنالك الكثير من التيارات الفكرية والسياسية التي تم استجلابها من الغرب، كالليبرالية وغيرها، وذلك سعيًا -من أصحاب النفوس المنهزمة- لنهضة الأمة الإسلامية والعربية على نفس المسار الذى اتخذه الغرب سابقًا، عسى أن يصلوا إلى ما وصل إليه الغرب، ولكن “ما هكذا تُورد الإبل”.

انهزامية بالسُكّر

إذا أزعجتك مرارة القهوة، فما عليك إلا أن تضيف عليها القليل من السُكّر!. وهكذا الأفكار المرّة، تحتاج إلى القليل من الإضافات أو السُكّر ليتقبلها المجتمع.

هكذا سعى المنظّرون لتطويع الإسلام بما يناسب أفكارهم ومنطلقاتهم التي اكتسبوها بهزيمتهم النفسية وتقليدهم للغرب الغالب، حيث كان ذلك أكثر خطرًا من أن تُنشر تلك الأفكار مجردةً دون إدخال أي رابط إسلامي بها، فالفكرة المجردة يمكن تبيين ضلالها إذا ما قورنت ووُزِنَت بميزان الشرع، أما إذا ما خلطتها أو شرعنتها بالدين فذلك تلبيسٌ لكل أهل هذا الدين وإضلال لهم، لاعتقاد الشخص المتبنّي لها أنه لا يعارض الشرع، ويصعُب بعد ذلك إيضاح ضلال تلك الأفكار.

ومن النماذج التي يمكن التمثيل بها هذه القضية هي ظهور بعض النسويات اللواتي يرتدين -مجازًا- عباءة الإسلام ويستدللن على أفكارهن بمقتطفات القصص النبوية التي تظهر قيمة النساء ومكانتهن في الإسلام، أو قصص النساء اللاتي خرجن مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وإذا وجدن ما يخالف فكرهن أوّلوه أو ادّعوا أن ذلك الحكم كان لفترة زمنية معينة وانتهى بانتهاء تلك الفترة.

ولا ريب أن هذا الاستشهاد وما لحقه من التأويل هو السُكّر الذي يوضع في مقالتهن ليسهل على الناس تقبل أفكارهن.

وقسْ على ذلك كل ممثلي التيارات الفكرية من مختلف الخلفيات الإسلامية؛ فالتيار الوجودي يدعمه الإسلام الذي اهتم بحرية الإنسان في عقيدته، ويستشهدون بقوله تعالى: {لكم دينكم ولي دينِ} [الكافرون: 6] أو قوله: {لا إكراه في الدّين} [البقرة: 256]، وأن الإسلام هو دين العفو والسلام والكرامة، وكل هذه القيم تُعلي من قيمة الإنسان والإنسانية.

وجاء غيرهم ليزعم أن الاشتراكية إسلامية المنشأ؛ فالإسلام يحث على دفع الصدقات للفقراء، وفرض الزكاة على الأغنياء أو الطبقة الرأسمالية، وكانت تلك الأموال تُقسّم على طبقة الفقراء الذين هم من طبقة العمال حسب ما يدّعون، أما عن العلمانية التي تُقرّ بفصل الدين عن سياسات الدولة، فإن بعضهم يسوّغها بأنها مهمّة لحفظ الدين المقدس بعيدًا عن ألاعيب السياسة القذرة!

وهكذا يستمر بعض متبنّي هذه الأفكار في إضافة القليل من السُكّر لإيجاد قبول لها في أوساط المجتمعات الإسلامية.

الإسلام متبوعٌ لا تابعًا

من الضروري الاعتقاد بأن الإسلام دين متبوعٌ وليس تابعًا لغيره من الأفكار، وأن الأصل يكون باتباع ما جاء به، فإذا عارضه أمر ما فمن التسليم -الذى هو أساس الإسلام- أن نترك ذلك الأمر ونتجنّبه، ومن الخطأ الكبير أن ينحاز المرء لفكرةٍ ما أولًا ثم يحاول البحثَ والتنقيبَ في السنة والقرآن عمّا يناسب تلك الفكرة ليسوّغها ويدعو لشرعنة ما افترضَ من صحتها مسبقًا.

إن الأصل –إذًا- بأن نجعل نقطة البداية والميزان في الإسلام والشريعة؛ فنزن عليهما كل الأفكار المستحدثة، فإن وافقت الإسلام فلا حرج وإلا وجب رفضها والنهي عن اتباعها.

الاستعلاء بدين الله

ومن البديهي هنا أن نسأل بعض الأسئلة: مثل، كيف تنهض أمتنا دون الاستعانة بعلوم الغرب الحديثة؟ وما المقدار الذي يكفينا من تلك العلوم دون أن ينعكس بالسلب على أمتنا؟!

الحقيقة أني لست هنا لأسرد لك خطةً خمسينيةً تستطيع بها الأمة أن تعود لمجدها السابق، ولكن يمكنني أن أشير لك على فترةٍ زمنيةٍ مرّ فيها المسلمون بما مررنا به الآن من ضعفٍ وتشتتٍ، ولكن قاموا وأقاموا الدنيا عمارةً وحضارةً دون التخلي عن مبادئهم الأولى، وتمسكوا بمعتقداتهم التي تعلموها على يد خير معلمي الناس الهدى محمد صلى الله عليه وسلّم، وأقتبس هنا من كلام الأستاذ محمد قطب –رحمه الله-:

“لقد كان المسلمون في نشأتهم الأولى في طور من البداوة لا يملكون شيئًا مما يملكه المتحضرون من حولهم من أسباب الحضارة المادية أو من العلوم، وكان لزامًا عليهم إذا أرادوا الحضارة المادية والعلم أن يأخذوا أسبابها من الدولتين العريقتين عن يمين وشمال، فارس والروم. وقد صنعوا ذلك بالفعل.. ولكنهم لم يحنوا رؤوسهم أبدًا، ولم يشعروا بالانبهار، وكانوا هم الأعلَين؛ لأنهم كانوا هم المؤمنين”[محمد قطب، واقعنا المعاصر]

وهنا يتضح الفارق بين أمةٍ منهزمةٍ نفسيًا تبحث عمّا ينتشلها من التيه ولو كان في جحر الضبّ، وأعينها مذهولةٌ منبهرةٌ بالغرب المهيمن، وبين أمةٍ مستعليةٍ بدين الله؛ فرغم حاجتهم لعلوم الكفار المادية ولكنهم لم ينكسروا تحت سطوة التقدم المادّي فأخذوا منهم ما ينفعهم وتركوا ما يعارض عقيدتهم وإيمانهم.

وهذه المنهجية في أخذ علوم الغرب هي التي نحن بحاجةٍ لها الآن، فينبغي أن ننتقيَ من العلوم التي تُعين على قيام إقامة المجتمعات والمقاصد الإسلامية، وترك كل ما يخالف عقيدتنا ومبادئنا الإسلامية، وهذا لا يتم -في وجهة نظري- إلا بتأسيس القاعدة الشرعية السليمة على فهم سلف الأمة، والتي تؤهل الأفراد لتنقيح ما يتم استيراده من أفكارٍ تؤثر بالسلب ولا تنفع عامّة المسلمين، وعلى العلماء الشرعيين دورٌ كبيرٌ في الاطّلاع على تلك الأفكار من أجل تبيان أضرارها وتحذير الناس منها.

في الختام فإني أؤكد على ضرورة الاعتزاز والاستعلاء بدين الله، وبدلًا من البحث عن أسباب التقدم المادي في ظل السلطة الغربية الماديّة والثقافية المهيمنة، فإنه ينبغي علينا أولًا أن نرجع إلى الوراء قليلاً لنتلقّى العلم بمنظور ومنهجية سلفنا الصالح، الذين عمروا الأرض وأقاموا الدين والدنيا بلا تعارض، فقد علِموا أنهم على حق وأن ما يوحى إليهم هو النظام الإلهيّ الذي له العزّة وليس لأنظمة الأمم المهيمنة، فلم ينكسروا أمام سطوة الأقوياء، ولم ينساقوا خلف أفكارهم، ولم يهنوا ولم يحزنوا، لأنهم كانوا هم المؤمنين. فالله تعالى يقول: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[آل عمران: 139]

 

ماذا بعد اجتياح “كورونا”؟

أدّى انتشار وباء “كورونا” إلى تغيرات هائلة في جميع مناحي الحياة، وقاد إلى تحولات في مجالات مختلفة، فترك آثاره في مختلف القطاعات الاقتصادية والصناعيّة، وكان لأساليب التعامل مع هذا الوباء أثرها الواضح في ظهور عادات اجتماعات جديدة، كما أن العمل نفسه تغيّر نحو الاعتماد على الإنجاز عن بعد، وبات نمط حياة كثير من الناس والأعمال مختلفًا بشكل لا يمكن معه العودة لما قبل انتشار الوباء.

وفي ظل استمرار انتشار فيروس كورونا، يجدر بنا أن نسأل أنفسنا بعض الأسئلة، لعل الإجابة عنها تقودنا إلى سبيل الحق –بإذنه تعالى-، كالتساؤل: ماذا لو استمر هذا الفيروس بالتفشي؟ ماذا لو استمرّ العالم باتخاذ الإجراءات الوقائية الصارمة باستمرار؟ وماذا لو بقي التباعد الاجتماعي فرضًا على جميع الناس؟ ماذا لو أن حالنا اليوم ازداد سوءًا غداً وبعد غد؟ ماذا لو أصبح نمط الحياة التي فرضتها علينا الإجراءات “المؤقتة” هي الحياة “الطبيعية”؟ ألا يجدر بنا هنا أن نتفكر في حياتنا ونتخذ بعض الخطوات للأمام؟ ألا يجدر بنا أن نُنمّي “عضلاتنا” الفكرية والنفسيّة ونتكيّف مع الوضع؟

والآن اسمح لي أن أستدرك هذا الاسترسال في افتراض الأسئلة عن المستقبل، وأتساءل: ألا يجدر بنا أن نعود بأدراجنا قليلاً ونُوقف عجلة حياتنا فنتأملها قبل أن ننطلق بعدها؟

وما مَثَلي في هذا إلا كمثل أغلبنا، فإننا عندما نشاهد مقطعًا مرئيًّا على اليوتيوب، بالتوازي مع ضعف الاتصال بشبكة الإنترنت، فيحدث أن نضغط للإيقاف “pause” حتى يكتمل تحميل الفيديو، ثم نضغط على التشغيل ” play” لنتابع!

كذلك الأمر بالنسبة لحياتنا، علينا أن نفعل بين فينة وأخرى وضعية التوقّف “Pause” لنعيد حساباتنا، ونواجه ما اقترفنا من أخطاء، ونفكّر في مرحلتنا الحالية وآفاقها القادمة، وعلينا أن نختلي بأنفسنا ونقول لها: “تعالي، ما دوركِ الذي استخلفكِ الله فيه على هذه الأرض؟ أأمٌّ أنا أم طالبة أم زوجة أم أخت أم معلمة؟ هل أنا قريبة من هدفي أم لا أزال تائهة لا أعلم ما أريد؟

عليّ -وعلى كل امرئ- أن نسائل أنفسنا: أنحن راضون عنها؟ هل حقق كلٌّ منا ما يروم تحقيقه أم هناك ما ينقصنا؟”.

إننا إذا أردنا أن نرمي رمحًا لمسافةٍ ما، فإن علينا أن ندفعه إلى الخلف ثم نرميه بقوة كي ينطلق بسرعة كبيرة، ولكن مع ذلك، ألا ينبغي أن نسدد ونقارب؟ هل يهمّنا أن يسبق هذا الرمح الرماح الأخرى دون الوصول للهدف المراد؟ أم أن الأولى أن نسدد ونقارب مصداقًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم: (لو تَعلمون ما أعلَمُ، لضحِكتُم قَليلًا، ولبكَيتُم كَثيرًا، ولكنْ سَدِّدوا، وقارِبوا، وأبشِروا) [أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، ورقمه: 10029]

الفرق بين النجاح والفلاح

ثمّة فرق واضح بين لفظتي “النجاح” و”الفلاح” فالأولى تختلف عن الثانية، وفي القرآن لم يرد لفظ النجاح البتة، بخلاف مشتقات الفلاح التي وردت بكثرة.

تخبرنا المعاجم اللغوية أن النجاح يعني الظفر وإدراك الغاية [المعجم الوسيط]، بينما يشير الفلاح إلى الفوز [المعجم الوسيط]، فالكلمتان –إذًا- متفقتان في الدلالة على الإدراك، إلا أن الفرق بينهما في الاتساع، فأحدهما يغطي الدلالة الماديّة والأخرى تغطي دلالة الدنيا والآخرة، فالفلاح –بحسب الإمام المناوي- “دنيوي وأخروي، فالدنيوي الظفر بالسعادة التي تطيب بها حياتها، والأخروي على أربعة أشياء: بقاء بلا فناء، وعز بلا ذل، وغناء بلا فقر، وعلم بلا جهل” [مادة الفلاح: التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي].

من هنا نستطيع القول: إن النجاح ليس بالضرورة النجاح الذي يقود إلى حسن الختام في الآخرة، فالغاية من النجاح قد تكون دنيوية محضة، فكم رأينا من أناس ملحدين وكفّار وشذاذٍ حقّقوا المراتب العليا والمناصب، {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104] فهم بموتهم على حالهم تلك ليسوا من الناجين، فالنجاح -كلّ النّجاح- هو الذي يقودكِ –أختي المؤمنة- للفلاح في الآخرة، وإن أدّى ذلك لخسرانكِ في الدنيا.

ألم تتفكري في كلام المؤذن حين يقول: “حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح”؟ لمَ لمْ يقل “النجاح”، بل قال “الفلاح”، كما أنه ذكر الصلاة قبل الفلاح؛ في دلالة على أن الصلاة الخاشعة سبب مباشر للفلاح -أي الفوز-، ونستذكر هنا ذلك الرجل الذي سأل النبي عن العمل الذي يدخله الجنة بشكل مباشر كما في الحديث (قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: قل: آمنت بالله، ثم استقم) [أخرجه مسلم، ورقمه 38]، فالإيمان موجب للاستقامة، كما أن الصلاة موجبة للفلاح.

عزيزتي المؤمنة، عليكِ أن تدركي أنكِ لو صعدتِ القمم وأنتِ مقصّرة في دينك، فإنك لن تبلغي الفلاح والفوز العظيم، فإذا وصلتِ لنهاية السباق في ركوب الخيل –مثلاً- ولكن في طريق آخر-ليس طريق السباق الصحيح-، فأنتِ هنا لم تفوزي بل لم تنالي –في الأصل- شرف المحاولة. أما اذا كنتِ في المسار الصحيح، فحتى لو لم تفوزي فقد نلتِ شرف المحاولة، فأنتِ مسؤولة عن السعي لا النتيجة، {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النّجم: 39]

أسئلة لا بدّ منها

ربما على كلّ منّا أن يتوقف هنيهة ويسأل نفسه: من أنا؟ ولمَ أنا موجود؟ وماذا أريد؟ وما هي سبل الرشد؟

أنتِ –وأوجّه خطابي للفتاة المؤمنة- يا من تخرجين إلى جامعتك أو عملكِ في روتين يوميّ ممل، ألم تشعري حين تغيّر نمط الحياة بعد كورونا، أنكِ في فراغ وعليكِ إشباعه؟ ألم تفكري بأن هذا الحال قد يطول بكِ فعليكِ التهيؤ بما هو أسمى وأحقّ أن تفكري فيه؟ ألم تتدبري قول الله تعالى {بل تؤثرون الحياة الدنيا} [الاعلى: 16]؟ ألم تخافي ممن كانوا يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة؟ ألم يحن الوقت لتشمري عن ساعديكِ وتخطي أولى خطوات الفلاح؟ فإننا جميعًا في سباق دائم، وإذا لم نغتنم هذه الفرصة للبدء من جديد، فمتى تتخذين هذه الخطوة؟

ألم نؤجل مرات عدة البدء بتلاوة القرآن أو الحجاب أو قراءة كتاب نافع بحجج واهية؟ ألم ننتظر هذه المادة وتلك من الانتهاء وانتهت ثم لم نباشر؟ ألم نقل حين تستقر أموري، وحين ينتهي هذا الفصل، وحين أتخرج وحين….؟ إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث! ألم نعد أنفسنا بكل ذلك ثم ما لبثت أن انتهت الحجج حتى عدنا إلى ما كنا عليه وربما أسوأ؟ ألم نقرن القرآن بالعطلة الصيفية؟ ألا يثير غيرتك أنكِ تعظمين الجامعة والمدرسة و”نفسيتك” التي لا تستقر وتتأرجح في معظم الأحيان على حفظ كتاب الله وتلاوته وتدبره؟ ألا تشعرين بالتناقض حين يسألونك ما غايتك فتقولين أن أرضي ربي وأنت لم تحاولي التقرب منه على وجه حقّ مرة قط؟

تجربة شخصية

مررتُ بصراع لمدة سنة، وقد كان سببه أنني أبتغي التقرب من الله، إلا أني لم أجد القوة أو المعينَ الذي يشجعني على المضيّ في الطريق، بل وجدتُني تارة أشرعُ في علم ما (تفسير، فقه..إلخ) ومن ثم أتقاعس وألوذ بالفرار.

استمرّ هذا الصراع حتى وجدت الجواب المناسب وأرجو أن تأخذيه بعين الاعتبار: لم أكن صادقة مع نفسي، وكذا فإني لم أكن صادقة مع الله، فلم أستعن به كما نقرأ في آياته {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5]، ولم أبحث على صحبة أصبر نفسي معها وأدعو الله معها في الغداة والعشيّ، بل مكثتُ مع صحبة لا تسمن ولا تغني من جوع، فبقيت كالمعلقة: لا إلى هنا ولا إلى هناك.

لم أصبر على العبادات، رغم أن الله يقول لنا: {واستعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 45] فوجدتني أقفز من عبادة لعبادة دون إمساك وتوقف ومحاولة المواظبة والمداومة على أقل القليل. تذبذبت في هذا الصراع حتى رُزقت بمن يعينني على ديني (سلسلة مع نفسي، دورة فقه النفس)، ورزقت بصحبة صالحة، وعلم نافع يضعني على الطريق الصحيح (البناء المنهجي)، والأهم من ذلك أنني صدقتُ العهد مع الله والحمد لله.

من هنا أنصحكِ أختي الباحثة عن الحق بأن تنتقي الصحبة الصالحة، وأن تنقّبي عن العلم الذي ينفعك في دينك ودنياك وعاقبة أمرك، وأن تجددي العهد مع الله وتستعيني به على العبادة فهو الصمد الذي تصمد له جميع الخلائق.

فطوبى لمن عرف فالتزم.


مراجع إثرائية:

[سلسة مع نفسي، الدكتور عبد الرحمان ذاكر الهاشمي]

https://youtu.be/HTG87X8n_jE

[محاضرة من أنا؟ ولما انا؟ لماذا خلقت؟ هويتي.. وظيفتي.. هدفي..، الدكتور عبد الرحمان ذاكر الهاشمي]

https://youtu.be/CN8yQRmkLTw

[سلسلة سكينة، نورا سوبرة]

https://youtu.be/RbKSOfSZGuQ

الشباب بين التكليف ووهم المراهقة

لم تخلَق للألم!

بلا شك سبق لك أن شهدت طفلًا برفقة أمه وهي تحوطه بأقصى درجة من الرعاية والاهتمام، ليبلغ الأمر حد منعه من اللعب والتمرغ في الوحل كباقي الصغار خشية أن يصاب بمكروه أو أذى، حتى إذا ما أصيب تعالى صراخه ووصِّفت حالته بأوصاف مضخّمة أكبر مما هي عليه حقيقة، وذلك بشكل مبالغ فيه لا يتلاءم البتة مع حالته ووضعه، وكأن لسان حالها: لم تخلق للألم ومكابدة الصعاب يا ولدي!.

هذا المشهد ما هو إلا تصوير بسيط لما أصبحت عليه حياة الشباب اليوم، إذ أصبح لديهم في الأساس التعامل غير الراشد في تعاطيهم مع مشاكل الحياة ومنعرجاتها اليومية، فتجد أن نفسياتهم غدت قابلة للكسر عند أول معترك يعترض سبيلهم، وتحت أقل درجات الضغط.

إن هذا التعاطي الطفولي المزمن ما هو إلا نتاج وتحصيل حاصل لرؤية مشوهة عن طبيعة الحياة وسنة الله في الخلق، كان مبتدأها طفل لم يتعلّم كيف يسير وسط الوحل، ولم يعلم أن السقوط والشعور بالألم جزء من المرحلة بل من رحلة السير كلها.

أريد أن أعيش في جلباب صباي

جيل رقائق الثلج، هكذا اصطُلح على الجيل الجديد، وجاءت هذه التسمية كما أشار د. إسماعيل عرفة في كتابه الهشاشة النفسية لسببين اثنين:

الأول: أن رقائق الثلج هشة جدًّا، وسريعة الانكسار، لا تتحمل أي ضغط عليها بأي شكل من الأشكال، إذا تعرض هيكلها الضعيف لأدنى لمسة خارجية له ستجعله يتفكك وينكسر بالكامل. وهكذا هو جيل رقائق الثلج هشٌّ نفسيًّا، وتركيبته النفسية خالية من أي هيكل صلب يقويها ويدعمها ويساعدها في مواجهة مشاق الحياة.

أما السبب الثاني فهو شعور كل فرد من هذا الجيل بالتفرّد، فالنظرية العلمية السائدة تقول إن رقائق الثلج لها هياكل فريدة، ولا يمكننا أن نجد رقيقتين متشابهتين أبدًا. [الهشاشة النفسية، إسماعيل عرفة]

وهكذا نجد أن الفتاة أو الشاب الذي يسير بيننا اليوم، ما هو إلا طفل-على أفضل تقدير- في تصوراته وفقهه لحقيقة الأشياء وطبائع الأمور، وكأنه ما زال يقبع في جلباب صباه، تعرّيه الضغوطات مهما صغرت أو كبرت، عظمت أو تفهت، كفراق حبيبة أو قدوم امتحانات مدرسية أو جامعية، أو وفاة أحد الأقارب، وتنمّر بعض الأصحاب… وغيرها كثيرٌ من المحطات الحتمية في حياة كل فرد.

لقد غدا التباين واضحًا بين مواجهة شباب اليوم للمصاعب، ونظرتهم لها من زاوية قاتمة ومعتمة، تودي بهم أخيرًا إلى عدم القدرة على الصبر والاحتمال، وبين جيل آبائنا وقدرتهم الهائلة على الصبر والتجلّد أمام مشاقّ الحياة.

بل إن تصوير الأشياء البسيطة وتوصيفها اختلف بين اليوم والأمس، وهذا ما يظهر جليا فيما حدث للكاتبة البريطانية كلير فوكس مع ابنتها، حيث إنها بينما كانت تقوم ببعض الأعمال المنزلية، فوجئت بدخول ابنتها منهارة وغارقة في دموعها، فسألتها الأم عن هذا البكاء الشديد! فقالت: “لقد تعرضتُ للتنمّر”، ومن الطبيعي أن الأمّ ظنت أن ابنتها قد ضُرِبت، أو استحوذ أحدهم على مصروفها اليومي، أو أن هناك من أرغمها على التمرغ في الوحل!

لكن الحقيقة أنها لم تتعرض لشيء البتّة من ذلك، فغاية ما في الأمر أن صديقاتها قد ذهبوا إلى السينما دون إخبارها. [الهشاشة النفسية، إسماعيل عرفة]

إن هذه الرؤية الهشة -الآيلة للسقوط- هي التي مهدت السبل أمام هذا الجيل لرفض النضج، وتولي مسؤوليات مرحلة الرشد، وكأن لسان حالهم: لا أريد أن أكبر، أريد أن أعيش في جلباب صباي ومراهقتي!

  دعه إنه مراهق!

إن الناظر المتفحص لأحوال من سبقونا، يدرك أن ما نعيشه اليوم ما هو إلا ضرب من ضروب الوهم، حيث غدت عبارة: “إنه مراهق” عذرًا كافيًا لكل ما يصدر عن هذا المراهق-المكلّف حقيقة- من أفعال طائشة متهورة، وكأنه غير مسؤول عما يصدر عنه، و كأن حسابه سيؤجل إلى أن يتجاوز مرحلة الزيف هاته!، وبذلك أصبحت المراهقة -على هذا النحو- وكأنها صكّ للنجاة لا يؤاخذ الشاب بموجبها ولا يحاسب!

غير أن للواقع شواهد كثيرة تضرب بهذه الرؤية الواهمة عرض الحائط، ابتداءً من خير الأزمان وانتهاءً بجيل ليس عنـا ببعيد!

فهذا أسامة بن زيد يولِّيه الرسول صلى الله عليه وسلم قيادة جيش من كبار الصحابة، وهو لمَّا يبلغ العشرين عامًا، و ذاك معاذ بن جبل بعثه الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى اليمن بعد غزوة تبوك، ليعلم الناس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن، وشيّعه ماشيًا في مخرجه وهو راكب، وهذا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وثلة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم كانوا حماة للإسلام ودرعا له أمام صناديد قريش و كبرائها، وهم ما يزالون شبابًا لمّا يتزوّج معظمهم آنذاك.

 أين الامتحان؟

إن غياب مفهوم الامتحان، يجعل من الحياة صعبة لا تطاق، فكيف لذهن طُبع في ثناياه أن الهدف من وجودك هو الاستمتاع بالحياة، أن يتعايش مع الألم ومتطلبات المعيشة وخشونتها؟

هذا التغييب يتحمل الحصة الأكبر منه الأهالي، حيث إن الطفل يُنشّأ على أنه لا يستحق إلا الأفضل، ولا يتوقع من الآخرين إلا التعامل الجميل الراقي، فهو لا يغفر أي خطأ في حقه وشعاره:  اعتزل ما يؤذيك!

لكن لنتساءل بعيدًا عن طبيعة هذا الأذى، وهل يصب في مصلحة الإنسان أم لا؟

إن الرؤية الهشّة لشباب وأطفال اليوم يغذّيها الإعلام ويدعمها، ابتداءً من المسلسلات التي ترسم سيناريوهات مثالية -غير واقعية- للحياة، يسيل أمامها لعاب المُشاهد وهي تلعب على أوتار مشاعره، حيث تصور له الحياة مزخرفة و بسيطة سهلة، لا عقبات فيها! وبالتالي فما إن تخرج الفتاة أو الشاب إلى معترك الحياة الحقيقي ومنعطفاتها، حتى يغرقوا في الشعور بالتحطم الروحي، والإنهاك النفسي.

لقد أصبحت فكرة اختبار الإنسان في الحياة ثقيلة شاقة على ظهورهم. فإحدى نتائج هذه الهشاشة هو تضخيم أي مشكلة في الحياة إلى درجة تصويرها بوصفها كارثة وجودية لا حول لك ولا قوة أمامها. [تدليل العقل الأمريكي،جوناثان هايدت، جريج لوكانيوف].

آثَر ما ينبغي إيثاره

إن الألم هو ما يجعلنا نكبر وننضج ونتحمل مسؤوليات الحياة، الألم هو الفيصل إن صح القول بين مَن فقِه دوره على هذه الأرض، وبين من اختار السير بلا هدف أو بوصلة، إذ إن غاية غاياته أن يستمتع!.

وفي كلتا الحالتين الألم حاضر موجود، إذ إنه أمر حتمي لا مناص منه ولا هروب. غير أن من يألم ليحقق عبوديته، ليس كمن يألم استجابة لنداء الطين ونوازع الشهوة بداخله! “ومن عرف قدر التفاوت آَثَر ما ينبغي إيثاره ” [الفوائد، ابن القيم]

وأخيرًا، فإن كلماتي هذه ليست من باب الجلد والتقريع، فأنا شابة لا أنكر أنني سلكت ذات السبل ولَكَم ضخمت وهوّلت من آلامي، غير أن معرفة المشكلة هي جزءٌ أصيل من الحل، لفك التطبيع الحاصل مع هذه الظاهرة في أوساطنا نحن الشباب، بل جميعنا نحن بني آدم الذين استخلفنا الله على هذه الأرض ومدنا سبحانه وتعالى بحبل منه نستهدي به لبلوغ دار الخلود.

“فهلمّ بنا نشتري أنفسنا: فالسوق قائمة والثمن موجود!” [الفوائد، ابن القيّم]

البحث العلمي جوهر التنمية وصانع النهضة

يعدّ البحث العلميّ الغاية الأهم من وجود الجامعات والمدارس الأكاديمية والركن الأسمى في عملها والمؤسسات التربوية الحاضنة للعلم والمعرفة، كما أن الجامعات الرائدة في واقعنا المعاصر، هي التي أدركت أهمية البحث العلمي في عالم متغير وسريع، وعاصف بالأزمات المتنامية، وتستطيع من خلال منظومة شاملة في البحث العلمي أن تواكب التطورات التي تنشأ في بيئة الأعمال وتواجه الأزمات والتحديات المتعاظمة التي تعصف بمكونات المؤسسات والمجتمع.

يعتبر الاهتمام بالبحث العلمي والتوجه نحو ترسيخ وجوده وتعزيز آليات التعامل معه من أهم مكونات العمل الاستراتيجي للمؤسسات وأبرز ملامح ومعالم الفكر المعاصر، فتقدم الأمم والدول يقاس بمدى التقدم البحثي، والذي يحسب دائما كأحد وأهم نتائج تطوير وتقدّم الدراسات العليا، والتي بدورها تمثل المورد الأهم للبحث العلمي حيث الأسلوب المثالي لتكوين وصناعة العلماء والباحثين والمفكرين.

تعزيز الجدّية .. الأهميّة والضرورة

يأتي تطوير البحث العلمي والاهتمام به على قائمة الاستراتيجيات الأهم كون ذلك مرتبط بالتنمية الشاملة في المجالات المختلفة وإلى جانب توظيفه لحل المشكلات المطروحة أمام المؤسسات وظروف المجتمع وأحوال الأمم، ولذا فإن تعزيز البحث العلمي سينعكس إيجابًا على مكونات المجتمع بشكل متكامل، ويعتبر أحد المفاتيح التي تجد الجامعات اليوم نفسها على مفترق الطرق عنده ولا سيما في السنوات الأخيرة، وبالتالي فإن مشاركة البحث العلمي في مواجهة المشكلات الخاصة بالتنمية والتصدي للأزمات المختلفة أصبحت أولوية قصوى لدى صناع القرار، والعمل على إنتاج كوادر علمية تخدم قضايا التنمية والعمل على إحداث نقلة نوعية في الدراسات المختلفة تكون محورًا ومرتكزًا أساسيًّا للتقدم وتعزيز التنمية وتحقيق النهضة.

تهتمّ الدول المتقدمة بالبحث العلمي وتولي له أولوية كبيرة في خططها التنموية، وتخصص نسبة كبيرة من دخلها القومي لتمويل البحث العلمي في الجامعات ومراكز الأبحاث التي تعتبر الحاضنة المركزية للإبداع والابتكار، ولذلك نرى أن مقدار ما تخصصه الدول المتقدمة للبحث العلمي بالنسبة لدخلها القومي مرتفع، كما أن المتتبع للتطور الذي حققته دول جنوب وشرق آسيا يرى أن اهتمامها بالبحث العلمي هو المحرك الرئيس لهذا التطور، إذ أولت هذه الدول أهمية متزايدة للبحوث والتطوير والابتكار، وتجربة كوريا الجنوبية وماليزيا خير مثال وتجربة مدروسة ومخطط لها، فبفضل السياسة البحثية العلمية والتقنية، حققوا إنجازات حافلة ومتقدمة عالمياً، وتعظيم الجهود الوطنية للتنمية الصناعية والمنافسة على المستوى العالمي في المشاريع البحثية المستقبلية.

إنه من المهم إعطاء الأولوية للتنمية العلمية التي أصبحت الدعامة الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بدلًا من الدوران حول الذات وتكرار ما ينتجه الآخرون، فالجامعات والمراكز البحثية العربية بحاجة ماسة لأن تقوم بتقييم واقع البحث العلمي ومدى مساهمته في التنمية، فبدون تقدم علمي  لن تكون هناك تنمية قوية، والأبحاث والدراسات العلمية لا تنحصر في مجال الاختراعات ومجالي العلوم والهندسة، بل تشمل جميع المجالات العلمية بما فيها الاقتصاد والإدارة والاجتماع، ولتحقيق ذلك يجب تشكيل هيئة عليا للبحث العلمي ترعى تحقيق هذا الهدف، وتنسج منظومة عمل متكاملة لتطوير وتعميق البحث العلمي في مؤسساتنا عبر استراتيجية وطنية وخطط فاعلة، ومن ثم وضع الخطط الدقيقة لإحداث قفزات كمية ونوعية في مجال البحث العلمي حتى نصنع حضارة مشرقة.

صناعة الأفكار

وُلدت أولى مراكز التفكير والبحث العلمي –السياسيّة والفكرية- تاريخيًّا في الولايات المتحدة، وبات عدد مراكزها يزيد الآن عن 1500 مركز، تؤسّس لشبكة قوية ومهمة بين نحو 5465 مركزٍ يعمل في 170 بلدًا، وهذا يشير إلى أنّ نسبة المراكز الأمريكية في العالم تصل إلى 58% من مجموع مراكز التفكير الاستراتيجي، وجلّ هذه المراكز أنشئ بعد إسقاط جدار برلين، أي في السنوات الثلاثين الماضية.

تستثمر الولايات المتحدة في “سوق الأفكار” أكثر ممن سواها، فقد أنفقت في عام 2008 نحو 561 مليون دولار على ثمانية من المراكز العشر الأوائل التي لديها، مقابل 112 مليون دولار أنفقت على معظم المراكز الاستراتيجيّة في أوروبا، ويلف المؤلف إلى أن أعداد الباحثين في هذه المراكز يفوقون نظراءهم في أوروبا، فباحثو مركز راند الشهير يتفوق عددهم على الباحثين في كافة المراكز الأوروبية بالرغم من أن ميزانية مركز راند أقل من ميزانية مراكز أخرى في الولايات المتحدة كمركز ميترا التابع لوزارة الدفاع الأمريكية والذي يخصص له سنويا قرابة مليار و300 مليون دولار.

بالرغم من ذلك فإن هذه المراكز تعمل على بحث عُقَد محددة دون فهم كافة التيارات والمذاهب والأفكار الموجودة في هذه النقاط الجغرافية، مما يجعل حكمها القيمي على هذه المناطق متحيزًا [صناعة العدو، بيير كونيسا، ص:59- 61]

آمال وآفاق

في ظل جائحة كورونا تعاظمت المسؤولية على صعيد جامعاتنا العربية ومراكز التفكير والدراسات، وذلك بهدف تقديم الحلول المناسبة والاقتراحات الملائمة لتجاوز الخلل الاقتصادي والفكري والطبي الذي سببه هذا الوباء، كما أننا بحاجة لذلك كله لنتعلم الدرس جيداً.

إلا أن نتاجنا البحثي ما زال ضعيفًا ومتأخرًا، ولا بد لتجاوز ذلك من العمل وفق منظومة فاعلة ونظرة استشرافية للمستقبل، مع البدء بنقل التقنيات الحديثة للجامعات العربية وتوطين مناهج البحث الرصينة وتسخير ذلك كله لتلبية حاجات المجتمع وتحويل المجتمعات الأكاديمية إلى مجتمعات بحثية رائدة.

وهنا يجب على الجامعات العربية والمراكز البحثية مضاعفة جهودها لتصل إلى مستوى لائق من الشراكات المحلية والعالمية لخدمة المجتمع المعرفي ونشر ثقافة البحث العلمي في المجتمع العربي، والاستثمار في صناعة وتطوير المعرفة، إضافة إلى توفير البيئة المناسبة لإجراء الأبحاث العلمية المجدية وتوفير فرص الاستثمار المتنوعة لخدمة الاقتصاد، وسيسهم ذلك كله في تحقيق توجه الجامعات العربية والمجتمع العربي نحو التحول إلى مجتمع معرفي متكامل يحقق مزيدًا من الاهتمام بالعلم والأبحاث، ويعزز الدور الذي يمكن أن تؤديه مؤسساتنا العلمية من أجل الاستفادة منها في التطبيقات الصناعية والتجارية، كما يهدف إلى المساهمة الفعالة في تطوير اقتصاد المعرفة، عبر تعزيز الشراكة بين المؤسسات التعليمية ومجتمع الأعمال والاستثمار على أسس تجارية، من خلال الاستثمار في المشاريع المشتركة التي تصقل الخبرات والتطبيق العملي لطلبة الجامعات وأساتذتها.

إن الظروف مواتية لتعظيم البحث العلمي والانطلاق نحو فجر جديد وعالم آخر مختلف، والانتقال إلى صفوف البلاد المتقدمة التي استخدمت أساليب البحث العلمي ضمن رؤية مستقبلية واضحة لتغيير أحوالها، وكان لديها الإيمان الواسع بأهمية هذه الأساليب، وامتلكت الثقة بقدرتها على تحقيق خططها، ولديها الاستعداد الكامل والرغبة الحقيقية للاستفادة من عقول أبنائها ومهاراتهم.

فتنة الفطنة

إن حاولَ الواحد منّا تحديدَ شعوره وحالته الفكريّة إزاء آخر قضيّةٍ خلافيّةٍ سمعها سواءً كانت اجتماعية أو معرفية في حقلٍ معين، سيجد أن فكرة التحديد تلك بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ صعبةٌ إلى حدّ ما، تدخل فيها خلفيّاته المعرفية وجهله، واهتماماته ورغباته وميوله، وحتّى نزعاته وانحرافاته النفسية -أحياناً- مؤثرةً على أحكامه، ما يجعل الأمرَ معقّداً محتاجاً إلى الضبط والتحديد بأداةٍ قابلةٍ للبناء السليم للوصول إلى حكمٍ صحيح. فضلاً عن كون الحالة الفكريّة والشعوريّة المتعلقة بالخلاف في بعض القضايا غير موجودةٍ لدينا أصلاً في بعض الحالات، وذلك عند الحديث عن بعض المساحات التي لا نرى أنفسنا معنيّين بها إلى حدٍّ كبير. ولكن ما الأداة الحاكمة في اعتبار هذه المساحة مهمّةً لنا دون غيرها؟ وما الأداة الحاكمة في ترتيب المهمّ من مساحات معرفتنا واهتمامنا تبعاً لأولويّتها في حياتنا؟

تداخل العلوم

رغم اجتماع أنواع العلوم المختلفة في العالِمِ الواحد من علماء المسلمين الأفذاذ قبل مئات السنين، إلّا أنّ تداخل مساحات العلوم المختلفة سويّاً كدوائر كثيفة يتخلّل بعضها البعض لم يكن كما هو الآن وبهذا التعقيد، كان للعلم الواحد مساحته التي تكاد تكون مستقلةً لا يؤثر فيها تقدم العلم الآخر، ولا يزاحم أساساتها معارف مكتشفة في حقول أخرى. أما هذه الأيّام فعالِم النفس يحاول معرفة أسباب الأزمات الاقتصادية متمثّلةً بنفوس قادة الاقتصاد العالميّ وكباره، وخبير الحاسوب والأنظمة الذكيّة يحاول تصنيع ما يسعف الطبّ وعلوم الصيدلة في حلّ بعض أزمات جسم الإنسان وأمراضه، وعالم الطبيعة يحاول التشكيك في الأديان وهدم أساساتها، والفيلسوف يقف ندّاً أمام خبير العلوم التجريبية المختلفة، والكثير الكثير من التداخلات والعلاقات التي تتجاوز الحصر، وبصرف النظر عن تقييم التداخلات الصحيحة والخاطئة منها.

المراد إيصاله هو أن استخدم العقل متمثّلاً بالقدرات التي ميّزنا الله بها من وعيٍ وإدراك وقدرةٍ على المقارنة والتمييز وتجريد المفاهيم من صورها لاستنباط المعاني الأصيلة بحضور العلم والإرادة؛ هو الخطوة الفارقة والأداة القادرة على إصدار الحكم بعيداً عن النوازع الأخرى وذلك إن تمّ بناء فكره وتوظيفه بكيفيّةٍ سليمة طبعاً. وممّا تثبته الظواهر والمشاهدات الآن هو أنّ توظيف العقل بجدّيّة في عصرنا هذا قد بات أمراً لا فرار منه قطعاً، وإن تمّ اعتباره رفاهيةً أو ثقافةً زائدة في عصرٍ ما كان الاعتماد فيه على أشكال القوى الأخرى -كالبدنيّة مثلاً-، فهو ضرورةٌ وحاجةٌ ملحّة واجبة الحضور والاستخدام الآن في هذا الزمان.

هل تختلف الكفاءات في توظيف العقل؟

إن اتّفقنا على أهميّة الحضور العقليّ ذاك في فهم المسائل وتحليلها وتعلّمها والحكم عليها، فإن من التساؤلات التي قد تحضر في الذهن هو كوننا متفاوتين فيما أوتينا، فما يستوعبه هذا الشخص لا يفهمه ذاك، وما يسهل على فلان من الناس يصعب على أخيه وهلمّ جرّاً، فكيف نُطالَب بالاحتكام إلى أمرٍ لسنا متساوين في امتلاكه بنفس الكفاءة والقدرة؟ خاصةً إن كان هذا الأمر هو الأداة الأساسيّة في تحديدنا لأضيق دائرة -على الأقل- من المجالات التي تكفي الواحد منّا مؤونته المعرفية وتعينه في مواجهة صراعاته المهمّة في حياته وبعد مماته، ستبقى فكرة الفطنة والذكاء واختلاف كفاءة الأدوات تلك مدعاةً للقلق، وهنا نحتاج وقفةً نستطيع فيها تعريف المفاهيم المختلفة لنكون على وضوحٍ وبيّنة.

تدلُّ الفطنة لغةً: “على ذكاءٍ وعلم بشيء. والفِطْنَة والفَطَانَة كالفهم، وهي ضِدُّ الغَباوة” (1). وعرّف أبو البقاء الكفوي الفِطنة في كشّافه بأنها: “التَّنَـبُّه للشَّيء الذي يُقْصد معرفته” (2)، ومن هذه التعريفات يتّضح لنا أنّ الفطنة التي نطالَب بها إنما هي إعمال العقل وتوظيفه بوعيٍ كاملٍ وعن علمٍ لا عن جهالة، لئلا يكون المرء ساذجاً أو غبيّاً في تعاطيه للحقائق أو الأخبار وتعامله معها. وفي تحديد الكفويّ لمواطن التنبّه بقوله “للشيء الذي يقصد معرفته” توجيهٌ لصبّ الاهتمام والتنبّه والتركيز على ما يعني المرء وما يقصد فهمه لا على ما هبّ ودبّ من الأمور. وبهذا التعريف للفطنة نحن نستبعد ما قد يتفوّق به شخصٌ على آخر ولا نوجب توافره عند الجميع، وهذا التفوّق والاختلاف المذكور هو ما يقع ضمن ما نسميه الذكاء.

قال العسكري: “الذَّكاء تمام الفِطْنَة، من قولك: ذَكَت النَّار إذا تمَّ اشتعالها، وسُمِّيت الشَّمس ذكاءً؛ لتمام نورها. والتَّذكية: تمام الذَّبح، ففي الذَّكاء معنى زائدٌ على الفِطْنَة” (3)، وعليه فلا يستوجب علينا جميعاً أن نكون أذكياء فتلك هباتٌ يعطيها الله بقدرٍ من يشاء، إن وُجِدَت فذاك فضل من الله وابتلاء يستوجب حسن التوظيف والاستخدام ومنفعة النفس والعباد به، وإن لم توجَد فيكفي المرء أن يكون فطِناً واعياً عالماً متعلّماً وذاك ما حبانا الله به جميعاً بأن كرّمنا بمنحة العقل والمنطق وعلى الله التوفيق والاتكال.

أفي الإيمان فطنة؟

  جاء مفهوم الإيمان والأمر به في كتاب الله العزيز مقترناً بإقامة الحجج الدامغة للعقول والحث على التأمل فيها وفهمها، وعلى ذكر آيات الله البديعة في خلقه والدعوة إلى تدبر عظيم صنع الله وقدرته في ذلك الخلق المحكَم، أي أنّ ذاك التصديق الجازم الذي أمرنا به العزيز الحكيم كان مترتّباً على أسباب البحث والفهم والتفكير العميق حتى يأتي اليقين راغماً بالأدلّة المقنعة على أنّ لهذا الكون خالقاً عظيماً واجب الوجود، وإلهاً مستحقاً للعبادة والتسليم.

ولكن مع هذا البعد عن مصدر التشريع، والتلقّي الجامد للمفاهيم الإيمانيّة دون تدبّر لمعانيها، نجد أنَّ الإيمان في النفوس قد بدأ يخفت حتى بات يخيفنا السؤال، ويرهبنا التفكير لنطرده كما نطرد الوساوس، لذا فإننا في الميادين الإيمانية أحوج ما نكون إلى الفطنة لتأصيل لإيمان في تلك النفوس التي تعيش الصراعات على الدوام، المهتمّة باليقين والوصول لمرتبة إيمانٍ حقيقيٍّ لا اعتقادٍ مجمَل، وفهم المعاني الأصيلة لا التقليديّة الملقّنة، تلك النفوس الملفوحة بحرّ الشبهات والمكائد في هذا الزمان، المتعرّضة لمحاولات التشكيك في العقائد والإيمانيّات على الدوام ورغماً عنها غالباً، نحتاج فهماً وإيماناً يحمله أصحاب تلك النفوس قويّين به، مستنيرين بفهمه، ينقلونه من حيز الاعتقاد إلى حيز التطبيق العمليّ الحقيقي مواجهين به العالم أجمع.

وللفطنة تجلّياتٌ بديعةٌ ناهضةٌ بالسلوك والأخلاق إلى مستوى رفيع جداً يحقّق الإيمان، وذاك حين يوازن المؤمن بين المعطيات المختلفة فيختار أفضلها متنبّهاً إلى تبعات المغالاة والتفريط، فلا المؤمن بالقاسي المتجبّر ولا المسكين المهضوم. وما هو بالمغفّل المستغفَل ولا المتتبع لإخوانه على كلّ هفوةٍ وزلّة، إنما هو المدرك لواجبه وحقّه، الحليم الذي قد أدرك بفطنته أنّ هذه الدار إنما دارُ اختبار فأعطاها قدرها دون زيادةٍ أو نقصان. وما هذا الفهم والإدراك المتّزن إلا قوةٌ في شخص المؤمن وفكره، والمؤمن القويّ خيرٌ وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف!

أين تكمن الفتنة إذن؟

عند التأمل في آثار إعمال العقل في الأحكام مستنداً على العلم والفهم والإيمان، يكاد نصف الكأس الفارغ يوهمنا بامتلائه، غافلين عمّا لتلك العملية من جوانب قد تتسرّب إليها ذيول الفتنة.

لقد تطرّقنا في الأعلى إلى فكرة تحديد المساحات التي ينبغي للإنسان أن يشغل فيها نفسه ويُعمل فيها عقله متجنّباً خطر استغفاله فيها قدر الإمكان، وإنّا إن أردنا تفصيل ذلك لأمكننا القول بأنها مساحات تحتاج فطنةً في اختيارها أصلاً توقّياً من السقوط في الفتنة. إنه الاختيار الذي ينبغي على الإنسان فيه الموازنة بين خيرَي الدنيا والآخرة، بل على وجهٍ أدقّ؛ أن يعمل للآخرة، ويحصّل من خير الدنيا ما يصبّ في خير الآخرة والفوز فيها. وممّا يحسن التطرق إليه هنا هو أنّ لذلك الفوز ثمناً باهظاً قد يتطلب التعب والمشقة في محاولة تحصيل القدر الكافي الشافي من العلوم، والمشقّة في إخلاص النوايا للّه تعالى بعد تحصيل تلك العلوم. فما أكثر من تعب واجتهد في تحصيل علمٍ عظيمٍ ما، ثم نثر أجر ذلك السعي في مهبّ الريح بعد أن سيطرت عليه انتفاخات الكبر، وغرور المعرفة، وإغراءات الجدل اللامنتهي لأجل إرضاء النفس وفرض الرؤى الشخصيّة فقط، لا لأجل الوصول للحقيقة والمنفعة.

صورة تعبر عن اختيار الأولويات وهذا من الفطنة

وبالعودة لفطنة اختيار المساحات فإنّ أوّل المساحات المهمّة هي أن يكون المرء فطناً في أخذه العلمَ الشرعيّ، مستقياً من وحي العليم الحكيم فهماً يزرع في القلب يقيناً لا يتزحزح بهذا الدين، ويجعله واقفاً على برّ الأمان وإن كثر الهرج والخلاف، فطِناً يفهم الصحيح ويعرفه، أو فطِناً يعرض عن ذلك الخلاف إن كان نفعه أكثر من ضره، المهم ألّا يكون ذلك الإنسان إمّعةً، سائل الملامح الفكريّة، يتغيّر شكل اعتقاده ومبدئه ويتحوّر مع كلّ حملة تشكيكٍ وانتقادٍ تُشنّ على هذا الدين القويم.

وثاني المساحات المطلوبة هي علمٌ يجعل الإنسان قويّاً في معرفةٍ يختصّ ويتميز فيها سواءً كمجال عمل أو منبر نفعٍ للبشريّة ولهذه الامة تحديداً، وكم تحتاج هذه الأمة للعلماء والخبراء والأفراد الأفذاذ الأقوياء الذين يجمعون العلم والإيمان، والفهم والتواضع، ونفع النفس والغير بما علموا، علّهم يُعرَفون بالإسلام ويُعرَف بهم، وينتشلون هذه الأمة من وحل التغييب والاستغفال والتّهم الملقاة على دينها جزافاً.

الفطن هو الذي يعي أولويّات كهذه، ويتبحّر بعد التمكّن من كل مساحةٍ على مبدأ الأَولى فالأَولى، والمفتون هو الذي تجتره هيبة العلم في مساحةٍ ضيّقة إلى التعدّي في مساحاتٍ أخرى، آخذاً من هذا العلم رشفة، ومن ذاك قضمةً للتذوق، مفتياً هنا مستنكراً هناك، خالطاً المساحة في أختها لا عالماً بهذه ولا بتلك. تلك هي فتنة المساحات التي تجعل من الفطنة -إن وجدت- نقمةً على صاحبها وعلى أمته ممن يسمعونَ لغطه أو يتعلّمون منه.

أما الفتنة الأخرى للفطنة فهي الاتكال إليها والاعتماد عليها والاغترار بها حتى لا يعود المرء يصدّق سوى ما يرى، ولا يؤمن إلا بما يستطيع عقله المحدود تحليله وفهمه، مسدلاً الستار على الروح متناسياً إياها، مُغشياً عقله عن الوصول إلى منتهى الأمور ومبتدى الوجود، رامياً بدراسة الدين والمنطق عرض الحائط منتفخاً بأدواته القاصرة، وتلك الفتنة هي الأشد نقمةً والأعظم أخذاً بصاحبها إلى الهاوية، وتحضرني في هذا المقام مقولةٌ لفيرنر هايزنبرج صاحب نظرية ميكانيكا الكم الحائز علي جائزة نوبل في الفيزياء عام ١٩٣٢: ” إن أول جرعة من كأس العلوم الطبيعية سوف تحوّلك إلى ملحد ولكن في قاع الكأس ستجد الله في انتظارك”.

خلاصة الأمر أنّ فتنة الفطنة؛ الطمع والغرور. طمعٌ بالتصدّر في مساحاتٍ أكثر، وجدلٍ أكثر، وكلامٍ دونَ فائدةٍ أكثر، وغرورٌ بالأدوات مَغشيّاً بالوسيلة عن الغاية، وبالطريق عن محطة الوصول.


الإحالات والمراجع

[١]: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس (4/510)

[٢]: الكليات (1/456)، ومعه التَّعريفات، الشريف الجرجاني، 143))

[٣]: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري،(1/85)

تأثر النسوية بالثورات العربية.. فرصة لإعادة التوازن

إن ما يطفو على السطح الآن من أفكار النسوية في العالم العربي، لم يكن وليد الساعة، بل كنا نتشرب تلك الأفكار منذ الصغر، حتى باتت كثير من الفتيات نِسويَّات دون أن يشعرن. وآخر ما لَفت نظري للتغير الكبير الطارئ على الفتيات والنساء من الأجيال الجديدة ما كتب في مقال مترجم[1] بعنوان “تايلور سويفت تؤكد وجهة نظري عن ضرر النسوية على جيل الألفية”، وذلك بإشارة الكاتبة لردود أفعال الفتيات المبالغ بها على ما كان طبيعياً من مقارنات بين المرأة والرجل، مما أكد لها تأثر فتيات الجيل الجديد بأفكار النسوية تأثراً سلبياً حتى بتن يَرَين عدم المساواة تلوح في الأفق في كل فعل وقول.

تشير بعض الأقوال إلى أن النسوية العربية بدأت منذ قرن أو أقل مع نظيرتها الغربية، بمساعدة برنامج ممنهج لنشر فكرها في العالم الإسلامي والعربي الذي مكَّن من تحقيق الهدف خلسة وساهم في ذلك كثير من العوامل[2]، لعل أبرزها الإعلام[3] والتعليم وساحات التواصل الاجتماعيّ الافتراضية، لأنهم بذلك أسهل وصولاً للنساء، مُستغلين بعض المظالم المجتمعية والقانونية الممارسة عليهن ليتلاعبوا بمشاعرهن وعاطفتهن ويُلوّثوا أفكارهن، وساهموا برسم صورة نمطية للفتاة لا يَسهُل الخروج منها.

 الإعلام والنسوية العربية

أشار الأستاذ الهيثم زعفان في بحثه عن العلاقة الوطيدة بين الإعلام والنسوية العربية فكتب: “يعد الإعلام المرئي والمسموع والمقروء من أكثر الأدوات التي تستخدمها الحركة النسوية في العالم العربي من أجل خلخلة المجتمع وهز ثوابته القيمية لصالح الأجندة النسوية، وفي سبيل ذلك يتم الدفع بمئات المسلسلات، الأفلام، البرامج، الإعلانات، المقالات، الحوارات، والتحقيقات؛ وجميعها تصاغ مادتها الإعلامية وفق ماتهدف إليه نشيطات الحركة النسوية” [ظهور الحركات النسوية في العالم العربي ومشروع تحرير المرأة]

فيتمكن الإعلام والمسلسلات خاصة[4] من رسم أنماط معينة للنساء وحصرها بالشكل المنفر من الفتاة المتدينة والمحجبة، وبالشكل الجميل الجذاب للفتاة المراد منها أن تكون قدوة، كما ربطوا القوة بالتخلي عن الدين والتمرد على الأهل والمجتمع وكل ذلك مع التأكيد على عدم حاجتها للرجل البتة.

ولكن مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي ظهرت أنماط أخرى من النساء المراد منهن قدوات، ورُموز نسائية يُسلط الضوء عليها في كل قضية محتدمة[5]، أولئك اللائي يجمعن بين نقيضين من مظاهر تدين إسلامية ومن أفعال وأفكار تخالف هذا الدين.

النسوية كرمز

فوضى النسوية في ظل الثورات العربية

سأنقل أولًا رأي جاياواردينا كوماري (ناشطة نسوية وأكاديمية سريلانكية) ثم رأي المستشرقين الغربيين في النسوية العربية[6] فهم ينظرون للحركة العربية بأنها تَقمّصٌ للنسوية الغربية وقيمها، مما جعلها حركة غير مقبولة في الوسط العربي وغير واضحة الأهداف، لأنها لم تنطلق من حاجات المرأة العربية وقضاياها، ومن ثم تفرض عليها قيماً غربية لا تناسب المجتمع المسلم والشرقي أبدًا.

كما أن الجماعات النسوية العربية ليست موثقة بشكل كامل في المنظمات العالمية على عكس الحركات النسوية الأخرى بسبب صراع الشرق والغرب، وبما أن الحركات النسوية العربية تتلقى دعمها من المنظمات الغربية فهذا يؤثر بالتالي على أجنداتها، فلا يقدم الدعم إلا للأهداف الموافقة لقيم الحركة الغربية، ولا تأخذ قضايا المرأة المسلمة أي اعتبار لديهم.

وبنظر يوليانا ميتزيغر(صحفية وخريجة علوم إسلامية) أن الحركة النسوية العربية تعرضت لأزمة بسبب الثورات العربية ومع أنها ترى ذلك فرصة لتجتمع النسوية العربية تحت سقف واحد، إلّا أن الهيثم زعفان يرى خلاف ذلك لأنها فقدت سيطرتها السياسية مع سقوط بعض الأنظمة وبالتحديد مع تلاشي نموذج السيدة الأولى[7].

ويلاحظ بناء على ما سبق تحَوّل النسوية العربية من حركة غير واضحة المعالم والأشخاص والأهداف إلى فوضى حقيقية عبثية، لجأت إلى تشكيل رموز لا ترقى لأن تكون رموزاً، فلم يعد لها إلا مواقع التواصل الاجتماعي والشاشات للظهور، وأصبحن يعتمدن على المناشير العاطفية لحشد الفتيات وتَوجيههن في مجموعات افتراضية نسائية، التي تتميز بأفكار النسوية الخفيّة والتي يَغيب عنها الرقيب والحسيب، وهي البيئة الحاضنة للسموم المتبنية لفكر واحد والمعارضة للمخالف والمُعينَة للفتيات على التمرد.

تأثير العبثية النسوية

بالرغم من هذه الفوضوية، إلا أن احتلال هؤلاء الرموز لوسائل التواصل الاجتماعي والتضارب الكبير بينهم بالأفكار والآراء، كان له تأثير قوي ليوجد تَصوّراً يوحي بنَسونة جميع النساء، وأنّ العقلانية تَغيب عند عامتهم، حتى يعتقد المرء أنه لا توجد امرأة في فضاء العالم الافتراضي تتحدث بحكمة وحيادية عن النساء، ولا تستخدم العويل وإلقاء اللوم على الآخرين وتُجيِّشُ لحرب ضد الرجل، ولكن ببحث أكثر في ذلك الفضاء تتضح الصورة بشكل أفضل، فنجد أيضاً بعض الفتيات الرافضات لفكرالنسوية، ولكن متطلبات الإعلام والظهورعلى وسائل التواصل الاجتماعي المخالفة لأحكام الشريعة من جهة المرأة، وسياساتهم المُقيِّدة، تجعل ظهور الفتيات المُخالفات خَافتاً مُقيّداً بالكتابة أو محدوداً بمجموعات نسائية صغيرة، بالإضافة إلى قلة الدعم المقدم لهن سواء ماديا أو معنويا، والذي لا يضاهي قوة الدعم للطرف المخالف، ونزيد على ماسبق الخوف من الحرب الشعواء التي تقام من النسويات على الناقد لحركتهن.

ومن المؤسف أن ظهور الصورة الواحدة هذه للنساء لعقد من الزمن مع مُخلَّفات أفكار النسوية قبل تَشَتُّتِهم، وضعف أسس العقيدة الإسلامية عند الكثيرات، أثّر تدريجيًّا وبشكل كبير على الفتيات لتظهر الأزمة الحقيقية مؤخراً في فكر كثير منهن، خاصة بعد موت نوال السعداوي، حيث رأينا الازدواجية في أجلى صورها بإظهار الحزن على من رفضت الإيمان بربهم ورب العالمين، وكَثُر منهن من تُهلِّل لكل من يمجد المرأة بصرف النظر عن خلفيَّته الإيمانية ومُراده من خطاباته.

نوال السعداوي

أسلمة النسوية وتفاقم المشكلة

ولا أعني بهذا النسوية الإسلامية أو المُحافِظة كما تسمى والتي تنادي بإيجاد تفسير جديد للقرآن فقط، ولكن للإشارة أيضًا إلى محاولة جذب الفتيات لدفعهنَّ بعيدا عن الأفكار الغربية بالتركيز على بعض الأحاديث والشواهد الإسلامية، التي تتحدث عن المرأة وقصص الصحابيات المجاهدات والعاملات، ويتجاهلن أحاديث وآيات أخرى عن أهمية التربية وطاعة الزوج والأحكام الأخرى، فهذا مما يزيد الفتاة حيرة وشكًّا لأن خِطَابها يدور في فلك النسوية وينطلق من الطريقة الغربية في تفسير الأمور وتحديد الأولويات، ويبقيها في دائرة التمركز حول النفس والتمجيد بالأنثى حتى أَنسَوها أنها أَمَة لله سبحانه وتعالى ستقف أمامه عز وجل يوم الحساب وستحاسب وستُسأل عن كل قول وفعل وتقصير في حق الله والعباد.

وأما التذكير بحكم شرعي منسيٍّ أو مَسكوت عنه يَخصُّ المرأة، وعلى الرغم من إيجابيته، إلا أن الاكتفاء بذكر الحكم مع عدم التفصيل والشرح أو محاولة مقاربته لعقول الفتيات يزيد الأمر تعقيداً، ويُحوّل الحُكم إلى ألعوبة في أيدي النسويات يفسرنها كما يَشأن[8]، وتُعزى المشكلة في الغالب، بعيداً عمن يكون مستقصداً للتضليل والتشويش بذكر الحكم مَنقوصاً، إلى الفجوة الكبيرة بين الأجيال، فعندما كانت البديهيات والمُسلَّمات عند الجيل السابق ليست محل نقاش، فقد مُسحت عند الجيل المعاصر وتَبدَّلت، لذا بات من الأفضل عند التكلم عن الأحكام الشرعية العامة أو المختصة بالمرأة، مراعاة التغيرات الحاصلة والتطرق للبديهيات والشرح والتفصيل والإلمام بكل الجوانب والأسئلة التي من الممكن أن تخطرعلى بال الفتيات والنساء حتى يُسدّ كل ثغر أمام المُفسدين.

نقيضان لا يجتمعان

الباحث في فكر النسوية يوقن تماما أن أبسط مبدأ فيها لا يمكن أن يجتمع مع الإيمان بشريعة الله، استحالة اجتماع نقيضين متنافرين كالكفر والإيمان، والفتاة المسلمة التي تحمل أفكار النسوية، والكثير منهن غير مدركات لذلك، تعيش بفكرين متناقضين وبصراع حقيقي بين التزامها بأوامر ربها وبين أفكار من المجتمع والمحيط تُفرض عليها، ستصل إلى مرحلة ستنبذ فكراً من أحدهما لتصل للطمأنينة وإما ستنبذ الدين وإما النسوية، وهناك فتيات مؤمنات بالله تأثرن بهذه الأفكار دون معرفتهن بالمشكلة الحقيقية، وبمجرد توضُّح الأمور لهن سيحاولن جاهدات الاقتداء بأوامر ربهن.

مناسبة طريقة الخطاب الديني للمتغيرات

إن حالة التشتت التي تعاني منها النسوية العربية وسهولة إسقاط رموزها مع أول نقاش منطقي عقلاني، وأيضا عدم وجود قبول لهم بين الناس بسبب دعوتهم للفجور والانحلال يجعل مهمة نقدهم وكشف ضعفهم أكثر سهولة، أما النسوية الإسلامية أو المُحافظة التي تشكلت كردّ فعل على النسوية العربية المتقمّصة للغربية، فهي أخطر أثراً وأكثر قبولاً من الفتيات، ولذا لا بد من العودة إلى التأصيل الممنهج في التكلم عن قضايا المرأة وتصحيح المفاهيم ليكون هناك حد فاصل وواضح في تمييز الحق من الباطل[9].

ويتوازى تبيان خللهم وردّ شبهاتهم مع وجود خطاب إسلاميّ موجه للمرأة المسلمة، منطلق من كونها مخلوق خلقه الله وأعطاه نعمة العقل ليَزِن الأمور بنفسه وفرض عليها العبادة والتسليم لأمره، بعيدا عن التعظيم والتمجيد لمجرّد أنها إمرأة وعن مقاربة التفسير والتبيان من الأهواء.

ومن ثم مناسبة طريقة طرح هذا الخطاب للمتغيرات الحاصلة وتقريبه للواقع[10] فعلينا أن نقر بأن نظرة فتيات الجيل المعاصر للأمور ومفاهيمهن قد تغيرت، ولهذا تُقابل كل حركة مضادة للنسوية بهجوم عنيف حتى من الفتيات والنساء المسلمات، وليس ذلك بالضرورة انتصارا للنسوية، ولكن بسبب أثرها المُتجذِّر، فالكثير من الفتيات اليوم لا يقبلن بزواج قبل إنهاء الدراسة الجامعية أو يحددنه بسن معينة، ويَستهجنّ الأمر بطاعة الرجل ويَرين الأمومة عائقا لنجاحهن، فلم يعد الدين هو المعيار والمنطلق.

يجب ألّا تستهين المرأة بدورها في نبذ هذا الفكر وتفنيد الشبهات وتقريب الخطاب للفتيات، والمساهمة في تعزيز مفهوم عدم النظر للواقع بعيون وسائل التواصل الاجتماعي وبأنه ليس المكان الذي يؤخذ منه العلم، وإيجاد حلول لهن من وحي الإسلام ومساعدتهن في تحقيق الطمأنينة في حياتهن والتقرب إلى الله بأي طريقة تجيدها فالمرأة أمٌّ ومعلمة ومربية، فيكون دورها مساعداً مناصراً للرجال الذين لهم الصدارة في هذا الخطاب كونهم الأقدرعلى الظهور، وإن لم يكن الخطاب ذا أثر كبير بين الأجيال المعاصرة فسينقذ فتيات الجيل القادم بإذن الله.


[1] سوزان فينكر – Suzanne Venker. .أثارة

[2] الهيثم زعفان. (2015). ظهور الحركات النسوية في العالم العربي ومشروع تحرير المرأة، التقرير الاستراتيجي الحادي العشر (الصفحات 121-134). مصر: مركز الاستقامة للدراسات الاستراتيجية.

Ameri, د. س. (2019). محاضرة: الغزو الفكري وسبل مواجهته. youtube: رواسخ.

[3] باحثات.مركز باحثات لدراسات المرأة.مقال:الإعلام والأسرة من https://bahethat.com/report/r23465/

[4] د. عبد الله العابد أبو جعفر.(8 9, 2008). المسلسلات المدبلجة..آثار تربوية وثقافية مدمرة. الجزيرة.

[5] أ.أحمد دعدوش. (22 4, 2019). صناعة المرأة الرمز. السبيل. https://www.youtube.com/watch?v=3RtBaZH1jU8

[6] CHAUDHARY, S. (2021, july 23).Idea of Arab Feminisim. the citizen.

[7] المصدر 3.مستقبل الحركة النسوية العربية في ظل ثورات الربيع العربي.

[8] كمثال انتشر: القول بعدم وجود نص يُلزم المرأة بـأعمال المنزل من دون تفصيل وشرح، كان كافيا ليخلق مشاكل عديدة في الأُسر.

[9] بدأت المبادرات الإسلامية الموجهة للمرأة وبوسائط مرئية ومكتوبة ومسموعة وبخطاب تأصيلي متوازن.

[10] سارة سجود طالب.(13 مايو,2020). تأملات في سمات الخطاب النقدي لقضايا “الفيمينزم”. المحاورون.

اللغة وسلوك الإنسان .. هل للغة دورٌ في التفوق العقلي؟

تشير نظريات اللسانيات المعاصرة إلى أن للغة وبنيتها وعلاقتها بالتفكير دورًا مهمًّا في سلوك الإنسان، وقد كان الطريق لذلك التعمق في ربط علم اللسانيات بعلم الأعصاب والنفس الحديثين، وقد ناقش البروفيسور “ديريك بيكرتون” عام 1992 في جامعة واشنطن دور اللغة في التفوق والسلوك والذكاء في ثلاث محاضرات جُمعت لاحقًا في كتابه “اللغة وسلوك الانسان”، ليصل إلى أن عملية التفكير والذكاء لم تكن لتتحقق دون امتلاك الإنسان للّغة بشكلها الإنساني.

لكن ما هي اللغة؟ وهل هي مجرد أداة تواصل، وما دورها في التفكير وتطور الذكاء البشري، وهل الذكاء يُعزى حقاً إلى نمو حجم الدماغ أم أن الأمر عائد لوجود اللغات البشرية؟

اللغة ودورها في التفكير والذكاء

يرى ديريك بيكرتون في كتابه المشار إليه أن السلوكيات الغريزية لأغلب الكائنات تتصف بأنها نفعيّة تلبي الحاجات الرئيسية للنوع كالتكاثر والبحث عن الطعام والشراب ومواجهة الخصوم بهدف البقاء، في حين أن الإنسان يستطيع القيام بالعمليات الحسابيّة ويتميز على تلك الكائنات بالوعي العميق، فلديه الفن والأخلاق والقيم، ويتحدث عن المنطق والجدل ولا يتوقف عن البحث ودائماً ما يتساءل من هو.

تساءل بيكرتون: هل للغة دور في كل هذا؟ وهل امتلاكنا للّغة بشكلها المعقد والقواعد النحوية التي تتضمنها دورٌ في ذلك؟ وهل هناك فرقٌ بين الأصوات التي تستخدمها الحيوانات والبنية اللغوية للإنسان؟

عالم اللغة ديريك بيكرتون

ديريك بيكرتون

الإجابة هي نعم، فالحيوانات عندما تستخدم صرخات الإنذار، فإنها تعبر عن خوفها الغريزي، وتعطي إشارات إنذارٍ باقتراب الخطر، أما اللغات البشريّة فإن الإنسان يستطيع النطق والقول بكل بساطةٍ إن خطرًا قادم.

فالفرق بين صيحات القرود مثلاً واستخدام الإنسان للغة يكمن في أن استجابة الحيوان لحظيّة والصيحة لا تعني حقيقةً سوى أن هناك شروط بينها وبين الخطر القادم، لكن الإنسان لا يكتفي بالتحفيز الشرطي، بل يستطيع توليد مفاهيم متعددةً عن تلك العبارة، فجملة “هناك خطر” قد تجعل الإنسان يطرح سؤالاً عن نوع ذلك الخطر وطبيعته، وهل هو خطر حقاً، ويستطيع توظيف الحدث ليتسأل لماذا نشأ هذا الخطر، فالإنسان دائماً ما يستطيع إضافة موضوعات معرفيّة جديدة ويبحث عنها..  وهذا المجال المفتوح هو التميز الذي يفرضه الوعي الإنساني.

ولفهم الموضوع بشكل أكبر، دعونا نأخذ الصور الذهنيّة ونطابقها مع عملية الإدراك: فعندما يقال: هناك قطة على السجادة، فإن كلاً من صورة القطة والسجادة سترتسم في الذهن، وقد نستطيع رسمها أيضاً، لكن لو سئلنا مثلاً: ما حجم السجادة؟ وهل القطة سوداء أم بيضاء؟ أو هل هي ساميّة أم فارسيّة؟ ومتى كانت على السجادة وهل نهضت وماهي جهتها بالنسبة لنا؟

هنا هل سنقول هي مجرد قطة وسجادة فقط؟ بالتأكيد لا، وهذا عائد لطبيعة البشر الفكرية وخصائصهم الذهنية الكثيرة، وهذا يؤكد الحاجة للغة من أجل التعبير عن مختلف المقولات والأحوال كالزمان والمكان والجهة والحجم.

النحو والقواعد الدور والحاجة!

يشير ديريك إلى أن بعض التجارب أثبتت وجود قدرة بسيطة لبعض الحيوانات على تشكيل قضايا لغوية بدائية، فمثلاً استطاعت الحيوانات من خلال التلقين تركيب كلمات من مثل “أنا آكل برتقالة”، وللوهلة الأولى تبدو هذه الجملة وكأنها مرتبة إذ أنها تتضمن كلاً من الفعل والفاعل والمفعول به، لكن هل ستستطيع الحيوانات إذا افترضنا أنها فهمت المعنى من الجملة، فهم كلمات من مثل “أنا البرتقالة آكل”، أو “آكل البرتقالة أنا” أو “البرتقالة أنا آكل”؟  بالتأكيد لا، لكن بالنسبة لنا فإننا لا نرى اختلافاً كبيراً بين هذه الجمل نظراً لامتلاكنا النظام النحوي لكثير من الصيغ بالفطرة.

وكذلك بالنسبة لاستخدام كلمات مثل “إذا ولكن وإن” فإن جميعها واضحة جداً بالنسبة لنا، وهناك أيضاً قدرتنا على الإضافة ما لانهاية، فجملة مثل “كلب كبير”، يمكننا أن نضيف عليها لتصبح مثلاً “كلب كبير أحمر اللون”، وأيضاً: كلب كبير جداً ذو لون أحمرٍ جالسٌ على الأريكة… إلخ..

كذلك فإن منطق القواعد النحوي يعيننا على استيضاح العلاقة بين السبب والنتيجة والفعل والآخر، وهنا تستخدم العديد من الأدوات، مثل: إذا – فإن – لن – إلا إذا.. إلخ

إن النحو الذي يمتلكه الإنسان يساهم –ببنيته- بشكل كبير بازدياد ذكائنا وتميز اللغة البشرية عن اللغة الحيوانية البدائية.

وقد يقول بعض الناس إن قواعد النحو وضعها بعض الأفراد العباقرة!، لكن لو ذهبنا نبحث في بنية لغات الشعوب والعالم مع الاختلاف الكبير بين الثقافات والمجتمعات، سنجد تشابهاً واضحاً بينها، بل إن كلاً من اللغة الصينية والأمريكية مثلاً وعلى الرغم من اختلاف كلٍ من البيئتين والمجتمعين، فأننا سنجد أنهما متقاربات في البنية، يقول “إدوارد سابير”: “أما فيما يخص اللغة فإن لا فرق بين أفلاطون يمشي مع راعي الماشية المقدوني”.

والملفت للانتباه أن هناك تجارب أقيمت على أطفال من الصمّ تلقوا إيماءات لغوية، فاستطاعوا تكوين بنية لغوية متكاملة، كذلك استطاع أطفال قد تلقوا خليطاً من لغتين في هاواي تطوير لغة مزيج خلال جيل واحد!  وكأن النحو نموذج واحد موجود في جميع العقول وهو يبرمج العقل دائما لإعادة تنظيم ما يتلقاه.

وهذا يدفعنا للقول: إن الاعتقاد الشائع بأن اللغة هي مجرد وسيلة للتواصل قد أثبت خطأه، فالتواصل ما هو إلا استعمالٌ واحد من استعمالاتها.

إدوارد سابير

العلاقة بين الذكاء اللغوي وتطوّر التفكير

يتركّز حديث ديريك هنا على مستويين، هما: زيادة حد الذكاء، وإيجاد الشكل المميز في طريقة تفكير البشر.

تشير الدراسات إلى أن الذكاء البشري يزداد مع اللغة، وأن ذكاء الإنسان يزداد من خلال خوضه في مجاهيل اللغة.

قد يقول البعض: إن ذكاءنا هو بسبب امتلاكنا أدمغة كبيرة متطوّرة، لكن دعونا نلقي نظرة على ما تقوله نظرية التطور بهذا الموضوع وماهي الإجابات المقدمة من قبلها:

إذا أخذنا “الهومينيد” كما تدّعي نظرية التطور -وهو أحد أصناف القردة العليا- فإن دماغه يبلغ ضعف حجم دماغ القرد، ومع ذلك لا تظهر الفوارق بين الدماغين بشكل واضح، ولو اقتربنا أكثر وقارنّاه بالفترة التي ما قبل مليوني عام  فإن الأدوات التي صنعها “هومو هابيليس”  ظلّت بدائية لا تنم عن فوارق وظيفيّة واضحة، والأدوات التي صنعها “هومو اركتوس” و الفأس الأكوينية التي تُعد أشهر أدواته لم تكن أداة مكتملةً صُنعت لتؤدي غرضاً معيناً، وحتى مصنوعاتُ ما قبل الإنسانِ ضيقة المجال إلى أبعد الحدود، وهذا طبعاً جدَل تابع للتسليم أساساً بصحة النظرية الدراوينية، ورغم أن دماغ “هومو أركتوس” بلغ نطاق الأدمغة البشرية منذ حوالي مليون ومئتي عام، فإن “إنسان النياندرتال” قد امتلك دماغاً أكبر من دماغ الإنسان الحديث، وحتى الأدوات التي صنعها لا تمثل تقدماً مهماً على الفصائل السابقة مع أنه كان يمتلك قدرة بسيطةً على التعلم، لكن.. ليس هناك أيُّ دليلٍ على قدرته على الاختراع.

لقد ظهر الإنسان الحديث ودماغه أصغر، وظهرت معه كم هائلٌ من الأدوات الجديدة والمتنوعة مما ساعد الإنسان على بناء هذا العالم الذي يعج بالصناعات في يومنا هذا.

وبناءً على المعطيات السابقة يرى ديريك أنه لا يمكننا أن نعزي الذكاء البشري إلى نظرية التطور أو نمو حجم الدماغ، فلا بد من حدوث تبدّل جذري في طريقة تنظيم الدماغ، وربما تكون اللحظة السحرية –برأيه- هي تلك اللحظة عندما نُطقت أول عبارةٍ ذات معنى، واستجاب لها الإنسان المقابل بشكل ملائم.

إن الحيوانات -كما أُشيرَ سابقاً- ترتبط صيحاتها بمحفز سلوكي، ويتخذ الدماغ ردة فعل فورية بسبب تحفيز المناطق التي تتحكم بالسلوك، فلو صرخت القرود بأن هناك نمراً قادم، فإن أغلب القرود ستتسلق الأشجار، أما الإنسان فإنه إذا سمع صراخ كلمة “نمر”، فإن هذه الكلمة لا تقوم -بالضرورة- بتحفيز أي شيء ومن الممكن أن تدخل بمجالٍ غير محدود من الاحتمالات التي قد نفكر بها، بمعنى أن هناك انقسام حقيقي حصل داخل بنية الدماغ حيث أن هنالك انفصال بين المناطق التي تتحكم في السلوك الحركي، فردة فعل الإنسان تعبر عن وجود مناطق من الدماغ ليست على اتصال مباشر مع مراكز الحركة، وليس لهذا سابقة بتاريخ التطور أو الكائنات.

إن هناك ثلاثة مبادئ أساسية حكمت الكائنات منذ وجودها وهي: إذا حدث شيء مهم فافعل شيئاً ما تجاهه، وإذا لم يحدث فوفر طاقتك.. وهذين المبدأين نافذان على مستوى الحيوانات.

أما المبدأ الثالث الذي غير وجه العالم وهو: إذا رأيت شيئاً قد يكون مهماً فلا تتصرف على الفور بل فكر بالأمر لعلك تستطيع التصرف فيما بعد. وهذا الأمر لم يكن ليحدث من دون وجود لغة بشرية.

يظهر تاريخ الإنسان اللغوي على مرحلتين، الأولى: تحتوي على معجم لغوي أو ذاكرة مفردات بدون قواعد نحوية، والثاني: مرحلة إنتاج بلا حدود لها بوجود القواعد النحوية، فمثلاً استطاعت القرود المدربة عبر التجارب والتلقين على إنشاء بعض الكلمات التي كانت وظيفتها ترتبط شرطياً بالمحفزات لكن قل ما نجد قرداً يتحدث من تلقاء نفسه إلا نادراً عندما يريد التعبير عن أمور عاطفيّة بسيطة أو الإشارة إلى شيءٍ بالبيئة المحيطة، ولم يحدث أبداً أن كان دافع الحديث هو المبادرة بإعطاء معلومات غير مطلوبة أو استرجاع أحداث ماضية كما يفعل البشر مع لغتهم.

ثمة مستويان من اللغة كما يقول ديريك، وهما: اللغة البدائية التي تستخدمها الحيوانات للتعامل مع محطيها حسب ما تمليه الظروف ويسميه بالتفكير الموصول ويشترك البشر مع الحيوانات في هذا المستوى، إلا أنهم يزيدون عليهم بالمستوى الآخر الذي يشكل أساس الوعي والتفكير، وهو التفكير منفتح الآفاق، الذي نستخدم به الجدل ونتجاوز لحظتنا التاريخية من خلاله ونفكر بالمستقبل ويُطلق عليه التفكير المفصول.

التفكير الموصول والتفكير المفصول

بما أن للغة مستويات فكذلك للتفكير عدة مستويات يندرجان ضمن التفكير الموصول والمفصول.

التفكير الموصول: هو الذي يرتبط بالبيئة المحيطة بالفرد مباشرة ويتفاعل من خلالها مع ما يراه ويسمعه ويدركه من خلال حواسه وهذا التفكير ضروري للبقاء على قيد الحياة.

أما التفكير المفصول: فهو التفكير الذي لا يتحفز من خلال الحواس بل يعمل داخليًّا من تلقاء نفسه، ولا علاقة له باللحظة الحالية التي يعيشها الفرد، ولا بالمحفز الخارجي المباشر، وهذا التفكير هو أساس تقدم المعرفة الإنسانية.

ولتبسيط الأمر نقدم المثال التالي:

هل رأيتم من قبل نمراً يتدرب أو أي حيوان آخر، على التمارين الرياضية؟

بالطبع لا؛ وذلك لأن سلوك النمر والحيوانات مرتبط بالغريزة والمحفز فقط، أما الإنسان فيتدرب ويقوم برياضات عديدة وعملية التدريب نفسها عملية تحليل وتركيب، ومنها يستنبط معياراً ويقوم بالتحسين عليه، بحيث يتفاعل مع حياته ويوظفها لأجل غاية داخله.

ولنتخيل الموقف التالي، إنسان ما في سيارته يقودها ذاهباً إلى اجتماعٍ ما، على الأغلب فإنه يفكر بماذا سيقول وماذا سيفعل وكيف سيكون الاجتماع، و فجأة تتوقف العربة التي أمامه، هنا سوف يختفي الاجتماع من عقلي مباشرةً ويضغط على المكابح، وحينما يقوم بإيقافها قد يخمن أن هناك طفل صغيراً خرج أمام العربة التي تسير أمامه أو حدث شيء ما مما اضطرها إلى التوقف، وبعد انتهاء هذا الحدث ربما يعود ليفكر بالاجتماع من جديد.

إن داخل هذا الموقف نوعين من التفكير، تفكيراً قد تجاوز اللحظة الحالية (تفكير بالاجتماع)، وتفكير مبني على معطيات سابقة وعلى السببية وذلك عندما خُمِّن سبب الحدث، هذا بالإضافة إلى التفكير الموصول وذلك عند الضغط على المكابح.

أخيراً

استنتاجاً للسابق يمكننا القول إن التفكير المفصول هو أهم ما يميز عملية التفكير عند البشر، وهذا النوع من التفكير لا يمكن أن يوجد بدون اللغة التي مكنته وذلك من خلال حفظ الذاكرة للمعاني والأحداث واستحضارها متى يشاء، وكذلك فإنه يمتلك النحو الذي يساعده على توليد القضايا المعقدة، ولا يمكن الفصل أبداً بين اللغة والذكاء والوعي وعملية التفكير، إذ أنها عملية متضافرة يحتاج الجميع فيها إلى بعضهم البعض وأساسها اللغة.

إن اللغة نعمة عظمى من الله، ومزيّة كبرى ميّز الإنسان بها، ولها قيمتها في جميع مجالات الحياة البشرية، وهي الخاصية التي تميز بها الإنسان عن سائر الحيوان، ولو أن البعض قد عدها وسيلة فإن ذلك قصورٌ عن الحقيقة إذ إنها جزء من هوية الإنسان تربط بين الفكر والعمل، وبفضل هذه النعمة –وغيرها- أصبح الإنسان كائنا مثاليًّا على وجه الأرض.

كيف تمنعنا الأسباب الخارجية من النهوض والتغيير؟

التغيير والنهوض والتحضّر، هي كلمات أصبحنا كثيرًا ما نردّدها، وأصبحت حلم المجتمعات العربية ولكن هنالك عوائق في الطريق لا بدّ لنا من تأمّلها حتى نفهم سبب تأخّرنا وانتكاسنا الحضاري.

قمنا في مقال سابق بوصف الأسباب الداخلية المانعة للنهوض والتغيير والتى تتلخص في قابليتنا للتخلف والجمود وغياب الثقة في النفس والشعور بالعجز واليأس واستسلامنا للواقع ولكن هنالك أيضا أسباب خارجية تمنع مجتمعاتنا من كسر قيود الجهل والتأخر الحضاري، وتتمثل هذه الأسباب في القوى العالمية التي تسعى لحماية مصالحها على حسابنا ومواصلة هيمنتها الحضارية عن طريق إعادة تشكيل ثقافة المجتمع وترسيخ فيه المبادئ التي تتوافق مع نظرتهم للحياة.

إن كثيرًا منا لا يزال يؤمن بأسطورية المؤامرات الخارجية وأنّها حجة نستخدمها للهروب من تحمل المسؤولية وإيجاد الحلول العملية لمشاكلنا الكبرى، والحقيقة أنّ التدخل الخارجي هو حقيقة لا مفر منها وهدفه هدم كلّ مُحاولة للنهوض أو للإصلاح تُغيّر من حالنا وتجعلنا أمة واحدة قوية ومتحضرة من جديد، وخير دليل على ذلك التقرير الذي قدّمته مؤسسة راند الأمريكية سنة 2002 والذي عُرِض على وزارة الدفاع الأمريكية تحت عنوان الاستراتيجية الكبرى للشرق الأوسط، حيث نجد فيه “إن العراق يجب أن يكون المحطة الأولى التي ينبغى أن يحدث فيها التغيير، ومن بعد ذلك تأتي السعودية ومصر وهكذا بالنسبة لبقية البلدان” (1).

إننا نعلم مأساة الوضع الكارثي الذي وصل إليه العراق من صراعات طائفية ومن تأخر وضعف على جميع المستويات وتفتيت للمجتمع، ولا يخفى علينا أيضًا التحول الذي يَشهده المجتمع السعودي بدفعه للانسلاخ من مبادئه والإقبال على الثقافة الغربية وقبول الحفلات الماجنة والتعرّي والاختلاط الفوضوي بدون قيود! ولا ننسى أيضًا ما وصلت إليه مصر اليوم من اضطهاد واستبداد وخضوع للقوى المهيمنة وقبولها للتطبيع المطلق مع الكيان الصهيوني، وكلّ هذا يدخل تحت استراتيجية التغيير في الشرق الأوسط حيث تقوم المراكز الأمريكية والغربية بدراسة مجتمعاتنا والإعداد لكيفية تغيير معالمها والتأثير فيها بينما نحن في غفلة وننفي عنهم فكرة المُؤامرة ونتهجّم على كلّ من يذكر هذه الحقيقة ويُحذّر منها.

مؤسسة راند أحد الأسباب الخارجية التي تمنع التغيير في مجتمعاتنا

القوّة النّاعمة

كان التدخل العسكري المباشر هو السلوك الأعنف الأول من أجل إحداث تغيير داخل المجتمعات وفرض السيطرة عليها ولكن هذه الإستراتيجية اليوم لم تعد ناجعة حيث استنتجت القوى العالمية أن الحروب ستؤدى إلى خسائر مادية وبشرية فادحة وقد تكون نتائجها عكسية بتوحيد صفوف المجتمع المستهدف وإيقاظه من غفلته من أجل المقاومة وإعادة البناء من جديد وأصبحت هي الحل الأخير المطروح.

هذه الاستراتيجية قديمة، إلا أن مقالا نشرته سنة 2003 صحيفة الفايننشال تايمز يوضح أهدافًا عميقة من هذه الاستراتيجية، حيث يقول: “من أجل كسب السلام، يتعين على الولايات المتحدة أن تظهر براعة كبيرة في ممارسة القوة الناعمة، كما أظهرت براعتها في ممارسة القوة الصلبة في الحرب”(2)، والقوة الناعمة تحقق أهدافها على مدى طويل يتم فيه اختراق المجتمعات وتغيير طِباعهم ببطئ وبثّ الأفكار التي يُريدونها وبرمجة الأفراد عليها سوى عن طريق الإعلام أو الجمعيات الناشطة أو النُّخب المُثقفة أو عن طريق رجالات الدولة الموالين لقوى عالمية معينة أو عن طريق مناهج التعليم.

فمثلا عندما توجد مجتمعات محافظة وملتزمة بدينها مع وجود توجه إسلامي في الحكم فإنه المجتمع الدولي يراها مجتمعات رجعية ومصدر تهديد لمصالحه داخلها، فإذا أراد إفشالها فإنه لن يستهدف المبادئ الإسلامية مباشرة بل سيقوم بتمويل ودعم كل من يروج لأفكاره المنحلة في مختلف المجالات حتى يألفها الأفراد وتنحل عرى الدين بينهم رُويدا رُويدا، وإذا ما انتشرت الرذيلة والفساد الأخلاقي داخل هذا المجتمع وبدأ في الابتعاد عن ثوابته سيحصل داخله تصدع وتصارع حول هوية المجتمع وثقافته.

بكل تأكيد فإن هذه الصورة ستنعكس على الجانب السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومن هنا تبدأ ملامحه في التغير وفق الاستراتيجية الغربية والأمريكية وسيكون في واجهة هذا التغيير أفراد ينتمون إلى هذه المجتمعات بدون ملاحظة القوى الخفية التى تحركها وهذا ما أكد عليه الكاتب جوزيف ناي حيث قال في كتابه استراتيجية أمريكية بعيدة المدى تقوم على دبلوماسية الرأي العام: “والأهم من ذلك كله هو الاستراتيجية البعيدة المدى التى يجب أن تبنى من خلال تبادلات ثقافية وتعليمية، تهدف إلى تأسيس مجتمع مدنى أكثر انفتاحا في منطقة الشرق الأوسط. ومن أجل تحقيق تلك الغاية فإن أفضل من يتحدث باسمها يجب ألّا يكون الأمريكيين أنفسهم، بل أناس من أهل تلك الدول تابعون لأمريكا يتفهمون قيمها وأخطائها”(3).

مظاهر التدخّل الخارجي

تبدأ تدخلات الغرب في تغيير مفهوم الإسلام وتمييعه وإعادة تشكيله حتى يصبح دين بلا روح في عزلة عن الحياة غير مؤثر فيها، وخير دليل على ذلك ما قاله الجنرال ويسلي كلارك قائد حلف الناتو: “من يظن أننا ذهبنا إلى أفغانستان انتقاما لأحداث 11/9 فليصحح خطأه، بل ذهبنا لقضية أخطر هي الإسلام، ولا نريد أن يبقى الإسلام مشروعا طليقا يقرر فيه المسلمون ما هو الإسلام، بل نحن من نقرر من هو الإسلام”(4)، ونحن نعلم جميعا كيف سيُقرّر الغرب مفهوم الإسلام حيث سيحرصون على نقض مبادئه والتّرويج للفساد الجنسي والأخلاقي وجعله يتوافق مع أهوائهم ومع نظرتهم المادية للحياة، بل من شدة هذا التمييع للفهم الصحيح للإسلام الذي أساسه الشمولية لمختلف ميادين الحياة أصبح من بنى جلدتنا من يتهجم على شريعة الإسلام ويحاربها ويرفض تطبيقها في واقع الحياة ظنًّا منه أنّه يملك الفهم الصحيح للدين الإسلامي الذي غرسه فيه الغرب عن طريق المنابر الإعلامية وعن طريق العلماء الكاذبين الذين يخدعون الناس في ما ينقلونه لهم!

الجنرال ويسلي كلارك

ولنا أن نتساءل هنا لماذا اتخذ الغرب من الإسلام عدوًّا له؟! تأتينا الإجابة من وزير خارجية بريطانيا السابق روبن كوك: “الغرب بحاجة إلى عدو، ومادامت الحرب الباردة قد انتهت، فإن الإسلام سيأخذ مكان الاتحاد السوفييتي القديم، وسيصبح هو العدو”(5)، فإذا كانت نظرة الغرب لنا كمسلمين تقوم على العداوة فإنهم لن يُقدّموا لنا أيّ خير بل سيحرصون فقط على مصالحهم ولن يسمحوا للمسلمين للنهوض من جديد، ومن هنا يأتي تدخل الغرب في سياسة دولنا الإسلامية.

لاحظنا خاصّة بعد الثورات العربية وصول الاتجاه الإسلامي للحكم حسب إرادة الشعوب ولكن بعد فترة لم ينجحوا في الحكم لأسباب داخلية ومن ثم لأسباب خارجية التي نحن في صدد الحديث عنها، فالغرب لن يسمح لأيّ مشروع إسلامي يجعل الشريعة مرجعية له في مختلف مجالات الحياة لأنّهم يعلمون جيدًا بالإسلام وحده سينهض المسلمون وسيتّحدون من جديد وسيكسرون قيود الاستعمار والتبعية والاستغلال الخارجى لهم وسيُحاربون الظلم والفساد المنتشر في العالم فلا غرابة أن تصدر مؤسسة بروكينغز في تقريرها ما يلي :” لا مانع من المرجعية الدينية ولكن بدون دولة إسلامية”(6)، والمقصود هنا أنّ لأي دولة مسلمة الحق في تنظيم المؤسسات وحياة الأفراد من الناحية الدينية ولكن بدون أن يكون للدين دور في إصدار قوانين تشريعية تمنع ما حرمه الله من رذائل وبدون التدخل في حياة الناس بأمرهم بالصلاة أو الحجاب بل لا بد من وجود فصل بين الدين والدولة ولهذا نجد أنّ أغلب الأنظمة عندنا تميل للاتّجاه العلماني!

وعلى المستوى الاجتماعي تظهر التدخلات الخارجية في قضية المرأة وعلاقتها بالأسرة ودورها في المجتمع حيث يقول الرئيس الفرنسي ماكرون في خطابه لافتتاح الدورة الـ 17 للفرنكوفونية سنة 2019 في بثّ تلفزيوني: “على الفرنكوفونية أن تكون نسوية، ونحن نشجع الرئيس التونسي، في ظل ظهور الجماعات المظلمة ذات القراءة الدينية الخاطئة، الذي اعتمد نصوص قانونية تضمن حرية المرأة في الإرث والزواج وفي الحياة وفي المساواة بين الجنسين، وعلينا أن نقف بجانبه في هذا النضال”، والقوانين التي تمّ عرضها في تلك السنة تنصّ على حرية النوع الاجتماعي وعلى أنّ للمرأة حريّة اختيار ميولاتها الجنسية إلى جانب الاعتراف بما يُسمّى الأمهات العازبات وغيرها من القوانين المفسدة للعائلة وإذا تمّ تفكيك الروابط الأسرية عن طريق إفساد المرأة والتلاعب بها باسم الحقوق والحريات فإنّ المجتمع سينهار وسينشأ جيل بلا هوية وبلا أخلاق وبلا هدف في الحياة فقط جيل مطبوع على الثقافة التي رسمها الغرب له!

الرئيس الفرنسي ماكرون

ولا ننسى أيضا أننا نعيش اليوم حالة من الغزو الاقتصادي حيث يبدأ الأمر عن طريق منح قروض دوليّة ذات فائض ربويّ مرتفع للبلدان النّامية عن طريق صندوق النّقد الدّولي أو عن طريق مؤسّسات دوليّة أمريكيّة أو أروبيّة الهدف منها إحداث تنمية اقتصاديّة داخل هذه البلدان والنّهوض بها، ويُوظّف خبراء اقتصاديّون من ذوي الخبرات العالميّة من أجل إعداد مخطّط تنموي اقتصادي شامل، يحتوى على مؤشّرات تنمويّة مضخّمة وزائفة في أغلب الأحيان، الهدف منه إغراء واقناع حكومات هذه الدّول بفكرة إنشاء مشاريع تنمويّة لشعوبهم مع المحافظة على مكانتهم كحكومات ودعمهم سياسيًّا واقتصاديًّا، وعندما تتمّ الموافقة على هذه المشاريع وأخذ القروض تسند مهمّة إنشاء هذه المشاريع إلى الشركات الأوروبيّة والأمريكيّة العالميّة من أجل تحقيق ربح مالي لهم وإعادة ضخّ هذه القروض من جديد للبلدان التي قامت بإقراضنا عن طريق شركاتهم الصّناعيّة. وعندما يأتي وقت سداد الدّيون تجد نفسها الدّول المقترضة عاجزة عن السّداد بسبب فائض المديونيّة المرتفع فتكون النّتيجة أخذ قروض جديدة من أجل تسديد القروض القديمة مع فرض شروط من الدّول المقرضة على ضحاياها من أجل السيطرة عليها مثل قبول التطبيع مع الكيان الصّهيونيّ، فليس من العجب أن نجد دول إسلاميّة ذات قوّة اقتصاديّة صاعدة مثل تركيا لها تعاملات تجاريّة مع هذا الكيان لأنّ أصل نهضتها استند على دعم صندوق النّقد الدّولي لها وقد تمكّنت تركيا مؤخّرًا من سداد ديونها لصندوق النقد كاملة، وهي من الدّول القلائل التي تمكّنت من تحقيق ذلك والخلاص من المديونيّة الخارجيّة للدول، ومثل إنشاء قواعد عسكريّة على أراضي هذه الدّول ومثل ضمان التّصويت لهم في مجلس الأمن والأمم المتّحدة وموالاتهم ومثل استغلال مواردهم الطّبيعيّة بأبخس الأثمان ومثل القبول بقوانين هم قاموا بصياغتها وما على الدول المقترضة إلاّ تطبيقها حرفيّا في داخل أراضيها.

إنّ التدخّلات الخارجيّة تكون خاصّة في الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي عن طريق إثارة قضيّة المرأة، وعلينا بعد معرفة مُختلف مظاهرها أن نكون واعين بأنّ طريق التّغيير والنّهوض لن يكون سهلًا بل هناك عوائق داخليّة وجب إيجاد الحلول لها ووضع الاستراتيجيات المناسبة لمواجهتها من قبل الحكومات من جهة، ومواجهتها كأفراد مُجتمع واحد وعدم الاستسلام لها، فطريق التغيير يحتاج إلى صبر وعمل وتضحيّات ووعيٍ حتّى ننهض من جديد!


الإحالات:

(1) التبرج المسيس، عبد الله بن عبد الرحمان الوهيبي، مركز تكوين للدراسات والأبحاث، الطبعة الأولى سنة 2014، ص 31

(2) المصدر السابق، ص: 40- 41.

(3) المصدر السابق نفسه.

(4) المسلمون والحضارة الغربية، سفر بن عبد الرحمان الحوالي، ص: 36.

(5) المصدر السابق، ص: 45- 46

(6) المصدر السابق نفسه

هل يمكن للفنّ أن يتجاوز التحيّزات؟

للفن صلة وثيقة بتاريخ الإنسانية منذ العصور القديمة، سواء كان في صورة مناظر طبيعية مرسومة أو منحوتة، فالفن المرئي أو المسموعُ يمس حياة الناس بطريقة أو بأخرى، ويعدّ الفنّ -في تاريخ البشرية- شكلاً من أشكال المقاومة أو التعبير عن الكوامن الإنسانية، لما له من تأثير كبير في حياة الإنسان والمجتمع.

إن جمال الفنّ يزداد عندما يذكّر الإنسان بالمغزى من وجوده، إنه إذ ذاك يبعد عنه الترهل بكل أشكاله ويجعله يواجه الواقع بكل ما فيه من تحديات، وهذا يفرض على الإنسان عن أن يجيب عن الأسئلة الآتية: لماذا نرسم؟ ولمَ ننتج الفنّ؟ ما الهدف منه، بل ما هو أصلاً؟ هل هو إنتاج للأشكال ودمج للألوان؟ أم هو إيصال لمعنىً ما بطريقة لا كلام فيها ولا لغة محكية؟

الكيف وليس الكم

من أجمل ما كُتب عن الفن أنه “مرتبط ومعنيٌّ بالكيف، وليس الكم” ولذا فإنه لا يمكن قياسه بميزان الخضار، فالفن ليس عملية إنتاج بالمعنى الصناعي، إنما هو تفاعل داخليٌّ قد ينتج عنه تقويم أو تحريف للمادة والإنسان معًا.

إن الفنان الحقيقي هو من يعيش الفنّ وينحت أفكاره ووجوده وتطلّعاته بشكل متجرّد متجاوز لكل لغات العالم. وبالرغم من أن الفنّان له رؤيا خاصة وغير عامة للوجود، وأن الفن نابع من انطباعات شخصية في الغالب ولذا يكون متحيزًا لإنتاج فكرة ما، إلا أن مما يجعل العمل الفني الصادق مميزًا ومختلفًا عن طرق التعبير الأخرى أنه شامل التأثير في كل من يتأمله بصدق.

أقتبس هنا من علي عزت بيغوفيتش قوله: “الفن هو اﻹبداع، أي النشاط اﻹبداعي بحد ذاته، واﻷخلاق هي النية المنعقدة في القلب، وهي التي تمنح العقل قيمته الحقيقة حتى لو كان محاولة فاشلة أو تضحية لم تصل إلى نتيجة. فإننا عندما ننحي جانباً كل ما هو عرضي وغير جوهري في اﻷخلاق والفن والدين، إذا اختزلناها إلى جوهرها فحسب، فسنجد اﻹلهام والرغبة والنية، أو في كلمة واحدة مختصرة “الحرية” هي المحتوى النهائي واﻷصيل. وهكذا فإن خلاصة اﻷخلاق والفن والدين واحدة، وهي اﻹنسانية الخالصة.” [الإسلام بين الشرق والغرب].

الفنّ لغة دفاعية

مثال على الفنّ كلغة دفاعية

Source: Reddit – u/professorrigby

نرى في الصورة تعبير رمزي لصورة المسجد وذلك لتعزيز وجوده في الأذهان والتأكيد على أهميته. لولا تعمق صورة المسجد في أذهان الناس وارتباطه بمكان وسياق معين وهوية جمعية، هل كان بالإمكان إنتاج هذه الرسمة؟ والتي تأثر فيها الناس من حول العالم، لما تحمله من معنى شريف وراقٍ واضح الغاية والهدف.

إن أهمية هذه الصورة تنبع من قدرتها على تعزيز الهوية الجمعية حيث توضح هذه الرسمة أهمية وجود صورة في أذهان الناس ترتبط بهويتهم، وبالرغم من أن مفهوم الهوية معنوي غير ملموس –في الدرجة الأولى- ، إلا أن للارتباط بالهوية نتائج وظواهر يمكن تتبّعها بشكل منطقي، فيظهر لنا أن من أصل الهوية أن نتمسك بالمضمون والشكل معاً. فالتمسك بالمضمون دون الشكل قد لا يتمكن من الاستمرار بشكل مستدام ومتواصل وذلك لضعف النفس البشرية وكثرة نسيانها، فتحتاج لما يشجّعها ويذكّرها بالمعنى من الوجود. كما أن التمسك بالشكل دون المضمون يتلاشى وينهار مع التحدي الأول، ومن ثم ندرك أن كلاهما –الشكل والمضمون– مهم ومؤثر في النفس البشرية ولا يمكن تناولهما منفصلين عن بعضهما البعض.

الفنّ معايشةٌ للجمال

من المهمّ النظرُ والتفكير في الكيفية التي يتحول بها عنصر القهر إلى عنصر قوة، وذلك من خلال إعادة تشكيل بقايا الرصاص والألم وتحويله إلى عنصر جمالي يحمل رسالة سامية ومعنى يتفهّمه كل من لديه قلب. “اجلس واعمل على إنتاج الجمال، هذا غير ممكن. لكن يمكنك معايشة الجمال” هذا ما قاله المهندس الألماني فراي أوتو Frei Otto في مقابلته عند ترشحه لجائزة بريتزكر العالمية للعمارة، والذي توفى بيوم واحد قبل استلام الجائزة. يقول بالمقابلة: “يوجد عندي حلم واحد فقط، وهو أقدم حلم للبشرية في الزمن: حلمي هو الجنة”.(1)

فراي أوتو

هل لنا طاقة اليوم؟

من خلال تأمل عبارات هذا المهندس، نتأمل أن معايشة الجمال شيء وجداني لا يمكن إنتاجه ولا شراؤه ولا استهلاكه، بل يحتاج لوعي الإنسان ويحتاج مداومة التطلع لما هو سامٍ في الفكر والعمل والسلوك. فهذا المهندس يعمل بجد وإخلاص، حتى آخر أيام حياته يقول: “أنا لست متطلع للنوم، سوف أعمل كل يوم، وهذا هو الجمال. تعلمت من عائلتي مفهوم الجمال”.(2) ومع أننا لدينا الكثير من الأمثلة لشخصيات من تراثنا لتقول لنا مفهوم الجمال والإخلاص، وقد يتصور للبعض أننا لسنا بحاجة لسماع مواعظ ممن لا أولوية ثقافية لكلامهم، خاصة في عصر تمجيد الغرب والتقليل من شأن تراثنا. إلا أن كلمات هذا المهندس تنبض بإشكاليات وتحديات هذا العصر بالتحديد، وبالخصوص لمفهوم الجمال في عصر الاستهلاكية والصناعية وقلة وجود المعنى في الواقع العملي والمهني. فندرك أن مع وجود المعنى والغاية السامية.

علينا أن نقوم بواجبنا على أكمل وجه متسلحين بالإيمان الواعي الذي يفتح لنا آفاق الرؤية الإنسانية الشاملة والذي يدفعنا للمبادرة لتقديم منهج يكون له دورٌ فاعل في حضارة العالم في عصرنا، مدركين أن التبنّي الموضوعي للفكر والثقافة الإسلامية هو الطريق الأمثل الذي يجنّبنا الوقوع في التبنّي السلبي التابع لأعمال الآخر المنحازة ضد الإسلام ومبادئه وقيمه، وهذا الهمّ والسعي يبشّرنا بولادة ثقافة وفنّ مستمسك بأصوله، التي يؤدي الإسلام ومبادئه فيها دورًا فاعلاً فيها. فهل لنا طاقة بذلك؟ هنا نقول: بالتأكيد لنا طاقة، اليوم وكل يوم، بإذن الله وفضله.


  • مقابلة مع المهندس فراي أوتو عند ترشحه لجائزة بريتزكر للعمارة. https://www.youtube.com/watch?v=VAGigUhA91U&t=1116s تبدأ المقابلة من دقيقة 14:20 إلى 18:35 من الفيديو.
  • المصدر نفسه

 

لماذا نعجز عن النّهوض والتّغيير؟!

أبتدئ هذا المقال باقتباس عن الإمام ابن الجوزي يقول فيه: “ينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يُتصوّر للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوّة تُحصّل بالاجتهاد رأيت المقصّر في تحصيلها في حضيض”(1).

يقودنا كلام هذا العالم المتبحّر في العلوم الإسلامية، إلى أنّ على المسلم بذل أقصى جهده من أجل الوصول للإبداع والرّيادة في مختلف المجالات، فالحقيقة التي يجب أن تقال إنّ الجمود والتخلّف هو نقيض للإسلام ومبادئه، فلا يُمكن لمجتمع أن يخدم رسالته في الحياة وأن يَنصر قيمه وعقيدته وأن يدافع عن مقدّساته، بينما يستسلم غالبية أفراده للظلم ويخضعون الفساد والاستبداد، ويرضون بواقع الجهل والتأخّر عن ركب الحضارة.

ماذا جرى؟

بعدما أن كنّا أمّة واحدة قادت العالم بحضارتها الإنسانيّة الراقية، أصبحنا نعيش تحت قيود الاستعباد والعجز والتّقليد الأعمى للأمم الغالبة، فمالذي أصابنا؟!

لقد بدأ الأمر بفصل الإسلام وشريعته عن الحياة وجعل النّظام العلماني والرّأسمالي منهج حياتنا الاجتماعيّة، وهنا تحوّل الإيمان إلى مجرد شعائر نقوم بها وعقيدة تتوارثها الأجيال بدون التزاماتٍ، ومن هنا فقد المجتمع ركيزة أساسية في وجوده لأنّ الأصل أن يجتمع أفراده حول فكرة مُعيّنة تُمثّل عقيدتهم ومبادئهم ليعيشوا بها ومن أجلها، وتستمرّ قوّة هذه الفكرة بين الأجيال فإن فَقدت بريقها وتشتّتت التوجّهات حصل التصدّع داخل المجتمع واستسلم أفراده لهيمنة المجتمعات الغالبة عليه، وانحلّ داخل ثقافتهم الوافدة عليه بدون تمحيص أو انتقاء لما هو نافع لنا أو ضارّ بنا.

وقد تعمّقت الأزمة اليوم عندنا وتآلفت نُفوسنا على الجمود والركود حتّى أصبحت لدينا قابلية للتخلّف وتركنا العمل من أجل التغيير ولم نعد نحسن إلاّ الثرثرة التى لا تَبني فكرًا ولا تُحدِث نهضة.

القابليّة للتخلّف

يقول الكاتب والناقد الفرنسي بلزاك: “أوليس عجبا أن أتجه إلى إصلاح الوطن، بينما عجزت عن إصلاح فرد في هذا الوطن”(2)، إن هذا حقًّا من أكثر ما نقع فيه عندما نتحدث عن التغيير والإصلاح بأن نتجه لإصلاحات تنظيمية أو إدارية لا تعتني بإصلاح الإنسان داخل مجتمعه الذي هو القلب النابض لكل وطن، فإن مرض هذا القلب أو تخلّف عن أداء وظيفته فإنها ستكون النهاية الحضارية لكل مجتمع. فكيف لمجتمع ما أن ينهض ويبني أمجاده وقد أصاب أبناءه الجمود والكسل والعجز؟!

بلزاك

هل سيكونون قادرين على الإنتاج والتصنيع وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مختلف الميادين إذا ما كانت تطغى عليهم ثقافة الإستهلاك والبحث عن الرّاحة والرّفاهية فقط؟!

الإجابة ستكون بالنفي –بطبيعة الحال- وما نحتاجه اليوم هو تشخيص حالة الفرد المسلم المعاصر الذى يشتكي من قابليّته للتخلّف والجمود وهذا أخطر ما أصابنا بأن استسلمنا لضعفنا وجهلنا واكتفينا بنظرة المنبهر العاجز أمام المجتمعات المتحضرة!

وأوّل ما يخطر في بال كلّ فرد منّا إذا تحدثنا عن التغيير والانتاج والحضارة هو بأننا قوم ينقصنا العلم ويطغى علينا الجهل واللاّوعي في مختلف مجالات الحياة ومن هذه الفكرة يُصيبنا الاحباط ونتوقّف عن مُجرّد المُحاولة أو التّخطيط للعمل والنهوض. فإن كان واقعنا يتسّم بالجهل والفوضى بسبب التّراكمات التى أصابتنا عبر التاريخ من فترات الاستعمار الذي سلك طريقًا ممنهجًا لنُصبح سوقًا استهلاكية له وتابعين عميًا لثقافته وما يروجون لنا من فساد أخلاقي، ومن فترات الاستبداد المتواصلة إلى اليوم والتي تسعى لنشر الجهل واللاوعي بين أفراد المجتمع من أجل إبقائهم خاضعين لحكم الطاغية المستبد، فعلينا أن نواجه هذا الجهل ونعالجه.

هنا يظهر دور النخب المثقفة عندنا، وهذا يدفعنا لنتساءل: ماذا قدّمت لنا هذه النخب في مواجهة جهلنا؟! أم أن دورها كان عكسيًّا في زيادة طمس هوية المجتمع وتغريبه وتركه تائهًا بلا هدف في الحياة؟!

إن الأصل أن تهتمّ هذه النّخب بإصلاح الإنسان وتثقيفه وجعله واعيًا بدوره في الحياة وكما وجب عليها الاهتمام بالاصلاح التعليمي الذي يجب أن يقدم لنا مُختصّين في مختلف المجالات يحملون داخلهم شُعلة التّغيير والثقة بالنفس مع الكفاءة العلمية اللازمة من أجل التقدّم والعمل ونحن بحاجة اليوم إلى مُراجعة نظامنا التعليمي ومواكبة العصر وتطوير آلياته حتى يصبح عنصرًا فاعلاً في الإبداع والابتكار. ومن أخطائنا في مُحاولة إصلاح التّعليم ربطه بثقافة تغريب المجتمع وتكوين إنسان لا صلة له بدينه أو بتاريخه لا يخدم إلاّ مصالح القوى العظمى المُستغلّة لنا، فعلى سبيل المثال محاولة إدخال منهج جديد في نظام التعليم بتونس مُتمثّل في التربية الجنسيّة للأطفال في سنواتهم الأولى في المدرسة والمُشرف على هذا المنهج الجديد هي منظّمات الأمم المُتّحدة وعند الاطّلاع على مُحتواه سنجد فيه دفعًا الأطفال للتطبيع مع فساد الأخلاق منذ الصّغر.

ولنا في تجارب الأمم السابقة خير دليل حيث عندما عزموا على النّهوض وتغيير مُستقبلهم بدؤوا بإصلاح التعليم وتطويره مع المحافظة على هويّة المجتمع وكيانه ولقد أكد على هذا المعنى الباحث بونعمان في وصفه للتجربة اليابانيّة فقال: “لقد انطلق روّاد الإصلاح من الحاجة الملحّة لتطوير النظام التّعليمي الياباني ليواكب مستجدّات العصر ومناهجه، مستحضرين الخبرة الحضاريّة التّاريخيّة المراكمة خلال مرحلة توكوغاوا، لكنّهم سعوا إلى تجاوز منطقها المنغلق على الذات، وفي الوقت نفسه عدم إحداق قطيعة مع التّراث الثقافيّ الياباني. إنّها تلك القدرة التفكيكيّة المبدعة في الاستفادة من الرّوح العامّة السّائدة في فترة ما قبل الميجي وتطوير الإمكانات الكامنة بداخلها والتجديد الجذري في المضامين والمناهج والأشكال دون السّقوط في التقليد الغبيّ أو استنساخ التّجارب الفاشلة أو التغريب الاستلابي اتجاه الآخر”(3).

العجز ومشكلة الفقر

من الأفكار التي تجعلنا عاجزين والتي نستتر ورائها هي مشكلة الفقر والعجز المادي، ولنا أن نتساءل كم يوجد من أغنياء ورجال أعمال داخل مجتمعاتنا المسلمة؟! والسؤال الأهم ما هي فاعليتهم الاجتماعية وماذا قدموا لأوطانهم؟!

إن مشكلة الأثرياء عندنا بأنهم أصابتهم العطالة والسّرف ولم يُوجّهوا رؤوس أموالهم نحو الاستثمار النّاجح الذي يبني المجتمعات بل هدفهم هو زيادة ثرواتهم بأقل جُهد مُمكن وتحقيق الرّفاهية المُطلقة، ومن العجائب أن تُنفَق الأموال الطائلة من أجل تنظيم أو حضور حفلات غنائية ماجنة، فعلى سبيل المثال أعلنت السعودية وفق خبر نقلته وكالة الأنباء الفرنسيّة على أنّها ستستثمر 240 مليار ريال (نحو 64 مليار دولار) في قطاع الترفيه في غضون عشر سنوات بدءًا من سنة 2018.

إن الترفيه المقصود هنا هو ما نراه اليوم من إقامة حفلات غنائيّة يُقدّمها مشاهير العالم في هذا المجال مع إقبال شعبي فاق التوقّع! فهل الإنفاق المسرف في هذه الحفلات سيكون ركيزة أساسيّة في نهضة المُجتمع؟! في حين أن الطابع العام لدولنا هو التهرب من إنفاق هذه الأموال من أجل إصلاح الفرد وتثقيفه وتربيته ومن أجل دعم حركة الإنتاج والصناعة بدلاً من الحفاظ على نمط الاستهلاك! ومن هنا فإن علينا إعادة تنظيم نظرتنا للثروة وجعلها أساسًا لدعم العمل ودفع الإنسان نحو التغيير مع استغلال الوسائل المتاحة من أجل مواجهة عجزنا المادي.

هل ضعفنا نتيجة مؤامرة فقط؟

من الأفكار الشائعة التى تزيدنا ضعفًا وجمودًا هي حصر سبب تخلّفنا في الطرف الآخر من القوى العظمى المهيمنة علينا، فهي تفتك بنا وبثرواتنا وتستغلها لمصالحها، إلا أن هذا لا يعتبر إلا أثرا من آثار قابليتنا للجمود والضعف، فإنهم لم يتجرؤوا على مُجتمعاتنا ويتسلّطوا عليها إلاّ بسبب استسلامنا الفكري والثقافي لهم وقُبولنا بالضّعف أمامهم، فلو أنّهم وجدوا مجتمعًا مترابطًا واضح المعالم، يجتمع أفراده على الإيمان باستخلافهم في الأرض وتحقيق العدل فيها ونشر الحقّ بين الناس، فإنّهم سُرعان ما سيرفعون أيديهم عنا ولن تُجدي محاولتهم لإخضاعنا.

إن المشكلة تبدأ من داخلنا عندما ننهزم نفسيًّا ونظن أنّ حياتنا لن تستقيم إلا بالرّجوع للغرب ورؤاه، والاتّكال على تقدُّمهم الحضاري، والعيش على ما يُقدّموه لنا من قروض وإعانات تزيدنا تبعيّة وأسرًا لهم!

إن المسلم اليوم مطالب بالتخلّص من قيود قابليته للتخلّف وللضعف، وبأن يكون سبَّاقًا من أجل حيازة مُختلف الوسائل المُتاحة التّى تُنمّي شخصيّته وتُطوّر من قدراته العلمية والفكرية والثقافية، وأن يفكر في استخدام ما يملكه الآن من وسائل بطريقة مؤثرة يستطيع من خلالها تغيير مجرى تاريخه، مع بذل أقصى الجهد من أجل رفع مستوى حياته، وهو مطالب أيضًا بتسخير وقته واستغلاله من أجل هذه الأهداف العالية وعدم التفريط فيه في العطالة.

انعكاسات التخلف والجمود

أبرز انعكاسات ما –ذكرته آنفًا- تظهر في الشق السياسي بمفهومه الشامل، فالسياسة تخطيطٌ لحياة الأفراد، ومشروع لتنظيم ظروف حياتهم وتسيير أوضاعهم. والخطأ في سياسة العالم الإسلامي منذ عقود عديدة، أنّها كانت عن اقتباس لقوالب جاهزة غير ملائمة لحياة مجتمعاتنا، إلى جانب الاقتداء الأعمى بكل وافد غربي.

لقد أدّى ذلك إلى التحلّل من مبادئنا الإسلامية، ولا يَكمن أصل المشكل هنا فقط، بل حاولنا رسم منهج للنهوض وتناسينا أنّ الأفراد الذي سيكونون سببًا في نجاح أيّ استراتجيّة يخضعون للقابلية للتخلف والجمود والاستسلام لواقعهم، ولا يستطيعون العيش إلاّ تحت ظلال الغرب والقوى العالمية والقبول بما يُقدّمونه لهم عن طريق حصر مفهوم الدّين في الشعائر الدينية ونقض الشريعة والقيم الإسلامية باسم الحرية والتخلّص من الرجعية! والأكثر غرابة أنّنا نلتمس وسائل النهضة من الدول التى تريدنا البقاء تحت قبضتها والتى تستغلّ ثرواتنا لصالحها وصدق المفكر مالك بن نبي حين قال:”وعجيب أمر الأسير يطلب مفتاح سجنه من سجانه”(4).

عندما يستعيد الإنسان المسلم ثقته بنفسه في النهوض والعمل وبذل أقصى الجهد وتسخير طاقته لتغيير واقعه وحسن إدارة وقته فإنه يحتاج وقتها إلى تسخير ما في وطنه من خيرات ومواد أولية وثروات لجعلها ركائز القوة عنده، وممّا لا شكّ فيه أنّ أوطاننا العربية تزخر بالمواد الخام من الغاز والنفط والفوسفات والملح والحديد ولكن لا يتمتّع بفوائدها إلاّ القوى العالمية التي رضينا بالخضوع لها سياسيّا وفكريّا وثقافيّا، في شرود واضح عن قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13] فقمّة التخلف أن يكون مفتاح النجاح بين أيدينا متمثلا في الوحي الإلهى ومن ثُمّ نُدير ظهرنا لقيمه ومعانيه، ثم نتساءل: لماذا أصبحنا هكذا بعد أن كنّا من أعظم الحضارات المؤثّرة في التاريخ الإنساني؟!

لنا في ذي القرنين عبرة

ولنا منهج واضح في مراحل السياسة التى يجب علينا اتّباعها في قصة ذي القرنين عندما وجد قومًا مستسلمين يشعرون بالضعف واليأس داخلهم ينتظرون الحماية وتغيير الحال من الخارج بسبب خطر يأجوج ومأجوج الذي يهددهم ويظهر ذلك في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} [الكهف: 93- 94].

لقد كانت الخطوة الأولى التي اتّخذها ذو القرنين في سياسته هي التّوافق مع الوسائل المتاحة عن طريق حسن توظيف طاقة الفرد الموجود وإعادته للنشاط وإخراجه من جموده ومن ثم استغلال الثروات الموجودة عندهم داخل حدود أراضيهم ومن ثم حسن إدارة الوقت في توزيع العمل والمهام ويدل على ذلك قوله تعالى: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف: 95]، وأمّا المرحلة الثانية فهي إيجاد وسائل جديدة خاصة بهم عن طريق تطويع المواد الأولية المتاحة وجعلها قابلة لبناء سدّ منيع كان سببًا في تغيير حالهم كما في قوله تعالى: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} فكانت النتيجة {فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} [الكهف: 96- 97].

إن سياساتنا اليوم تخلو كذلك من معاني الأخوة الإسلامية، فحكّامنا لا يهتمّون بالاجتماع والعمل المشترك من أجل النهوض بالأمة الإسلامية، بل لا نكاد نرى إلا نِزاعات حزبية أو ملكية هدفها التّكالب على المصالح الضيقة وتلبية شهواتهم في الحكم والترف!

ليس من الغريب –والحال هكذا- أن نجد من يُطبّع مع الكيان الصهيوني من أجل توسيع سيطرته على مناطق معينة أو من أجل البقاء في الحكم ونيل دعم خارجي يُغطّي جرائمه، وليس من الغريب أن نجد حُكمًا استبداديًّا ظالمًا يَستعبد النّاس لصالحه ويقتل فيهم الضمير الإنساني من أجل حياة كريمة حرة، ويَطبع فيهم الأنانيّة واللاّمبالاة بقضاياهم الكبرى وكل هذا يؤدي إلى فوضى سياسية تعكس حالة مجتمعاتنا.

ولعلّ من أبرز أسباب فشل الثورات العربية التى أطاحت بالحكومات المستبدة هو بقاء الفرد على حاله ولم تقع له ثورة داخلية نفسية تخرجه من قابليته للعجز والجمود والاستهلاك ولم تضع الحكومات الجديدة استراتيجية دقيقة تأخذ بعين الاعتبار واقع المجتمع والوسائل المتاحة من أجل النهوض به.


الإحالات:

(1): مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، محمد الغزالي، سلسلة كتاب الأمة، ص: 41.

(2)،(4): وجهة العالم الإسلامي، مالك بن نبي، ص: 65 ،97.

(3): التّجربة اليابانيّة دراسة في أسس النموذج النهضوي، للباحث: سلمان بونعمان، ص: 113.