image_print

بين “في كل رطبة أجر” وبين “أنقذوا رالف”.. إلى أين تمضي البشرية؟

هزّ كثيراً من رواد وسائل التواصل الاجتماعي الفيلم الوثائقي القصير “أنقذوا رالف” الذي يستهدف إيقاظ الناس ولفت انتباههم لمعاناة الحيوانات التي يتم اختبار مستحضرات التجميل وغيرها من المواد الكيماوية على أجسادها وأعضائها، وما يتسبب به ذلك لها من آلام وإعاقات وتشوهات لا حاجة لها ولا فائدة منها في كثيرٍ الأحيان.

وبينما كثيرٌ من دول العالم اليوم تعاني الحروب والفقر والمجاعات، ولا يجد عددٌ كبيرٌ من البشر كفايتهم لعيشٍ كريم؛ يكاد يبدو غريباً أن نتحدث عن معاناة بعض الحيوانات، إلا أن حجم الإشكال ومساهمة معظم الناس فيه بغير علمٍ يدعونا كمسلمين لأن نتوقف ونتأمل ونسأل؛ كيف صارت الحيوانات جزءاً من ضحايا الشركات العملاقة؟ ما الذي يقوله ذلك عن إنسانية الحضارة الغربية وأخلاقيات الرأسماليات والفكر الذي بنيت عليه؟ وكيف يمكننا كمستهلكين مسلمين أن نبرأ من المشاركة بهذا النوع من الإجرام المجنون؟

صورة من فيلم "أنقذوا رالف"

من فيلم “أنقذوا رالف”
https://www.youtube.com/watch?v=oBZhGBAQoOI

قصة الدراسات الحيوانية.

من إطعام “منظفات” للأرانب، إلى إلقاء الفئران في الماء لتحاول السباحة حتى تستسلم وتغرق، وحتى إدخال مكونات من ملمّعات الزجاج أو الكحل في عيون الهامستر الصغيرة[1]، وغيرها من الممارسات التي يؤلم تخيلها أو توقع حدوثها في أي مكان في العالم ناهيك عن المختبرات؛ لا تكاد أي من الصناعات الكيماوية التي تمتلئ البيوت بمنتجاتها تخلو من التجارب الحيوانية المرعبة التي تتم دون أي مسكنات للآلام، وتتسبّب بتعذيب وقتل 26 مليون حيوان سنوياً في أمريكا وحدها في سبيل كماليات عاش البشر دونها آلاف السنين، ويمكنهم لولا شره الاستهلاك والربح وإدمان التنعم أن يستمروا بالعيش دون ما تؤدي إليه من إيذاءٍ وتلويث للهواء وإفساد للبيئة دون رقابة أو محاسبة.

وقد بدأ النوع الأول منها في الحرب العالمية الأولى عندما تم فحص الجرعة القاتلة من السم (LD50) على الجرذان والفئران، ورغم مرور عقود على دراسة هذا السم واستمرار المحاولات فيها، إلا أن أثره على البشر لم يتضح ولم يثبت بعد، بل إن تطبيق كل ما تظهره دراساته على البشر لا يعدو 65% في الدقة.[2]

هذا النوع من التجارب صار يعرف بتجارب “السُّمّيّة الحادة” لأنه يحاول معرفة خطر مادة كيميائية أو عنصر واحد منها عبر تعريض الحيوان لجرع عالية جداً منها إما بالإطعام الإجباري، الاستنشاق الإجباري، أو بتعريض مساحات من الجلد أو العين لها. وغالباً ما تنتهي هذه التجارب بمعاناة الحيوان من نتائج حادة سواء في الجهاز الهضمي، التقلصات العضلية، الشلل، نوبات الصرع، أو النزيف من الأنف أو الفم أو الأعضاء التناسلية إلى أن يموت أو يقتَل[3].

أما النوع الثاني منها فهو المعروف بفحص تخرّش وتهيج الجلد والعين الذي يعود لعام 1940، وفيه يتم إدخال المركب المدروس في عين الأرانب أو مسحه على جلدها المحلوق لمعرفة الضرر الذي قد يتسبب به، والذي عادةً يتضمن الحروق، الالتهابات الجلدية، النزف، ضبابية البصر، أو العمى، وذلك على أوقات متفرقة لمدة تصل إلى أسبوعين دون مسكنات[4].

About Animal Testing – Humane Society International

وتظهر الدراسات أن نتائج تلك التجارب تتنوّع ولا ترقى بالمصداقية لأن تطبّق على البشر أو تتوقع تفاعلات أعضائهم لأن عيون الأرانب مختلفة تشريحياً عن عيوننا، كما أن جلد الأرانب أكثر نفوذية من ذاك الذي لدينا، مما يجعل تلك الدراسات غير مجدية بصورة عامة. على سبيل المثال أظهرت دراسة مقارنة بيانات بين دراسات 65 مادة كيميائية والتعرض لها بين الأرانب والبشر أن 45% من تصنيفات المواد الكيميائية بناءً على فحص تخرش وتهيج الجلد والعين كانت غير دقيقة.[5]

وهناك أنواعٌ أخرى من تلك الدراسات تشابه سابقتها بالوحشية وتعذيب الحيوان، وتتضمن فحص حساسية الجلد الذي يُجرى على الخنازير الغينية بتركيزات متزايدة تدريجياً من المواد، كفحص الخلايا السرطانية الذي يجري على الفئران والجرذان على مر سنوات، وفحص سمية الإنجاب والنمو الذي يبحث عن آثار المواد على الخصوبة والصحة الإنجابية على أجيالٍ من حيوانات مختلفة كالكلاب والقرود.[6]

لماذا؟!

رغم أن جزءاً من الحيوانات المخبرية تُستخدم في الدراسات الصحية واختبارات الادوية المفيدة والضرورية لتقدم العلوم الصحية اليوم، إلا أن نسبة كبيرة منها تُقتل وتُعذَّب في سبيل إنتاج مواد استهلاكية كمالية لا تتوقف عندها حياة أو صحة الناس، ومن ذلك المستحضرات التجميلية المصنّعة من تركيبات كيميائية معقدة، ومواد التنظيف ومكوناتها، والمحسنات الغذائية أو المواد الحافظة، وغيرها مما تدخل المواد الكيميائية المصنعة في تركيبه، ومع زيادة استهلاك تلك المواد والطلب عليها وارتفاع سقف المتوقع منها، فإن عدد تلك التجارب يزيد سنوياً ليشبع متطلبات الزبائن، ويؤمن للشركات المنتجة الارتفاع المستمر والمتصاعد في المبيعات.

أما من حيث ضرورات تلك الدراسات، فإن قوانين بعض من الدول ومن ضمنها الصين تشترطها في أي مادة كيميائية تجارية، بينما معظم الدول الأخرى تسمح ببيع المنتجات المدروسة على الحيوان، أو تطلب وجود أي اختبار يدل على أمان المواد المكونة للمستحضرات كالحال في الولايات المتحدة مثلاً. ومنذ عام 1980 كانت جهود الناشطين في جمعيات كثيرة مثل People for The Ethical Treatment of Animals، Animal Free Safety Assessment Collaboration، Humane Society International، تعمل للضغط على الحكومات لمنع الدراسات الحيوانية، مع توعية المجتمعات عن حقيقة ما يجري فيها، وكذلك البحث المستمر عن بدائل مجدية وأكثر فعالية منها للتجارب وتطبيق النتائج على البشر.

وعام 2016 وضع الباحثون في مجتمع Non-animal Methods for Toxicity Testing لائحة طويلة من الاختبارات غير الحيوانية التي يمكن أن تنوب عنها في فحص المواد الكيميائية، وأرفقوها بدراسات تثبت دقتها، والقوانين التي توافق عليها في أوروبا والولايات المتحدة. لكن التكلفة الأعلى لتلك التجارب مقارنة باختبارات الحيوانات مازال يمنع تطبيقها في كثير من الصناعات الكيميائية، الأمر ذاته الذي يمنع الشركات من الإنفاق على مسكنات آلام للحيوانات المدروسة.[7]

بشرٌ بلا فطرة!

ولنا بعد النظرة للحال التي وصلت إليه البشرية اليوم مع هوس الاستهلاك والتمركز حول شهوات الإنسان ومحاولة الانتفاع منها بأي وسيلة لتغذية رؤوس الأموال بغض النظر عن الوسائل أو الأضرار أن نقارن ذاك كله بحال ديننا الحنيف الذي يقرّ بأن الحيوان مسخر للإنسان، ويعلّمنا أن الله كرم ابن آدم وأذن له بالانتفاع بالأنعام، لكنه في الوقت ذاته يحمله مسؤولية الاستخلاف، ويجعله جزءاً من هذا الكون ممنوع عليه إفساده أو الإساءة لغيره من المخلوقات فيه.

ولا أملك مع كل هذا الإجرام الذي أراه من تعذيب الحيوانات في سبيل أحمر اشفاه أو ملمع أرضياتٍ إلا أن أذكر رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر والشجر إذ سكّن أنين الجذع، وردّ السلام على الحجر، ورحمته حتى بالحيوان الذي أذن بأكله والانتفاع به إذ قال: (إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ). [أخرجه مسلم]. وأذكر إذ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطعام كل كبدٍ رطبةٍ أجر، وحكى أن الله غفر لبغِيٍّ من بني إسرائيل لما سقت كلباً ظمآناً.

فسبحان الله، كم خسرت كل مخلوقات الله بغياب شريعته الرحيمة المتوازنة، وكم انحدر البشر حين جعلوا إلههم هواهم فاستخفهم الشيطان وأضلهم حتى فقدوا أبسط مكونات إنسانيتهم وفطرتهم التي تستحسن الحسن وتستقبح القبيح وتعرف مكارم الأخلاق بمجرد أن تراها، فصاروا تائهين لا يعرفون طريقاً إلا أن يلهثوا وراء مزيد من اللذة الحاضرة كل يوم وبكل وسيلة، ولا عجب.

ولا حول ولا قوة إلا بالله..


[1] Toxic and Tragic Consequences of Product Testing on Animals, PeTA, Animals Are Not Ours.

[2] Organisation for Economic Co-operation and Development, “Guidance Document on the Recognition, Assessment, and Use of Clinical Signs as Humane Endpoints for Experimental Animals Used in Safety Evaluation,” OECD Environmental Health and Safety Publications, Series on Testing and Assessment 19 (2000).

[3]B. Ekwall, “Overview of the Final MEIC Results: II. The In Vitro–In Vivo Evaluation, Including the Selection of a Practical Battery of Cell Tests for Prediction of Acute Lethal Blood Concentrations in Humans,” Toxicology in Vitro 13 (1999): 665–673.

[4] M.K. Robinson et al., “Non-Animal Testing Strategies for Assessment of the Skin Corrosion and Skin Irritation Potential of Ingredients and Finished Products,” Food and Chemical Toxicology 40 (2002): 573–592.

[5] M.J. Bartek et al., “Skin Permeability In Vivo: Comparison in Rat, Rabbit, Pig, and Man,” Journal of Investigative Dermatology 58 (1972): 114–123.

[6] B. Magnusson and A.M. Kligman, “The Identification of Contact Allergens by Animal Assay. The Guinea Pig Maximisation Test,” Journal of Investigative Dermatology 52 (1969): 268–276.
G.F. Gerberick et al., “Local Lymph Node Assay (LLNA) for Detection of Sensitization Capacity of Chemicals,” Methods 41 (2007): 54–60.
K. Ennever and L.B. Lave, “Implications of the Lack of Accuracy of the Lifetime Rodent Bioassay for Predicting Human Carcinogenicity,” Regulatory Toxicology and Pharmacology 38 (2003): 52–57.
AltTox, “Toxicity Endpoints and Tests: Reproductive and Developmental Toxicity,” 21 May 2014 .

[7] TABLE OF VALIDATED & ACCEPTED ALTERNATIVE METHODS, Non-Animal Methods for Toxicity Testing, 2016

http://alttox.org/mapp/table-of-validated-and-accepted-alternative-methods/#3

 

 

 

النسوية بين الحقوق والقوانين والواقع

كان لانطلاق فكرة (النسوية) لتخليص المرأة من الاستعباد المجحف كبيعها واستغلالها بعضٌ من الحق في بادئ الأمر، ولكن كأي أفكار وحريات لا تحدّها حدود لا بُدّ أن يشوبها التطرف والغموض، فكان طلب النسويات في الموجة الأولى للمساواة في حق التصويت مغلفًا بطابع من العنصرية، حيث احتجت النسوية إليزابيث ستانتون على إعطاء حق التصويت للرجل الأسود قبل أن يعطى للمرأة بيضاء البشرة، وأعلنت ريبيكا فيلتون إحدى المؤسسات ذلك صراحة عندما قالت: “لايمكنني تحمل رؤية رجل أسود يصوت لحقوقي”.

الجانب المظلم من النسوية

كان ما تقدّم عبارة عن موجة أولى من النسوية المتلفّحة بالعنصرية ضد عرق بعينه، أما الموجة الثانية فقد ركزت على أن تشمل النساء من الأعراق الأخرى والديانات المختلفة وقد حاولت استبعاد الأمهات من نطاقها، حيث اعتبرت سيمون دو بوفوار إحدى أبرز المفكرات النسويات الأكثر تأثيراً في عصرها، أنّ المرأة التي تنجب طفلاً مضطهدةٌ لنفسها.

لعل أكثر ما ميّز الموجتين الثانية والثالثة (التي كانت حركة فردية مُركزة على حقوق المتحولات جنسياً)، هو محاولة تفسير اختلاف الأنثى بطريقة عشوائية، فأقرت سيمون دوبوفوار في كتابها بوجود الاختلافات بين الجنسين الفيزيولوجية والعاطفية والبيولوجية، ولكنها ادعت أنه ليس سببًا كافيًا لتعامَل المرأة بشكل مختلف، وقد كانت منطلقةً من اعتقادها بأن المرأة يمكن أن تختار جنسها بعد مولدها، وبسبب ضعف هذا المفهوم حاولت نسويات الموجة الثالثة تعزيزه بافتراض أن المجتمع هو من يجعل المرأة امرأة، وذلك بوضعها في قالب معين، مما جعل المؤسِسة مونيك ويتتينغ تقول أن المرأة ستعيش باستقلالية إذا كانت كالرجل.

سيمون دو بوفوار من رواد النسوية

سيمون دو بوفوار

ومنذ تلك اللحظات بدأ فكر النسوية بالانحراف عن مساره أكثر وأكثر وهاجمت النسويات بعضهن بعضًا لعدم المنطقية في كثير من أفكارهن، مما دفع فيرجينا وولف (كاتبة انكليزية، معاصرة ومفكرة نسوية) لتقول: “لماذا لا يجب أن نصبح نسويات؟ النسوية مطلوبة عندما لا تستطيع المرأة أن تصنع حياة لنفسها، أما الآن مع وجود الحقوق لم يعد لكلمة النسوية أيّ معنى”

وعلى الصعيد العربي يظهر تناقض هدى الشعراوي رائدة الحركة النسوية عندما كانت أشد المحاربين لزواج ابنها من المطربة فاطمة بسبب الفروقات الاجتماعية واستخدمت نفوذها لتهديدها ومحاولة التأثير سلبا على قضية إثبات نسب حفيدتها لعائلة الشعراوي.

الموجة الرابعة ومشكلة في القياس

   من صحيفة Prospect

كتبت شيريل ساندبيرغ المديرة التنفيذية لشركة فيسبوك في كتابها الأكثر مبيعاً Lean In: “اعتقدت بالمجمل أن النساء في قرون الستينات والسبعينات قد قاموا بالعمل الأصعب في تحقيق حقوق المرأة لنساء جيلي، اعتقدنا أنا وصديقاتي فعلا بل ربما بسذاجة أننا لم نعد نحتاج لحركات النسوية بعد الآن”.

ما زال النقاش في قضايا المرأة مستمراً وقد اضطرت المرأة في القرن الواحد والعشرين من تحويل التركيز على تحقيق المساواة القانونية إلى موجة من محاربة التمييز ضد النساء وتحقيق المساواة المجتمعية، والذي يعد أمراً صعباً، فمع 40 سنة من النضال مازالت المرأة في كثير من الدول الغربية لا تحصّل نفس الأجر ولا حتى نفس فرص العمل التي يحصلها الرجال، وليست هذه المشكلة فقط، فثلث النساء الأوروبيات ما زلن يتعرّضن للعنف المنزلي والجنسي، فضلا عن الضغط الساحق الممارَس على المرأة للالتزام بمعايير الجمال التي تحددها الشركات والإعلام والتي كتبت عنها ناتاشا وولتر “أن كثيرًا من الفتيات والنساء الصغيرات من الجيل الجديد يرين أن المساواة في القوانين لم تترجم إلى مساواة على أرض الواقع”

تعتقد غالبية النساء أن النسوية كانت لفئة معينة كما كتبت ميكي كندال في التايمز: “النسويات ركزن على المشاركة في المناصب وتجاهلن المشاكل الحقيقية لغالبية النساء”، وقد ذكر مارك مانسون مؤلف وصاحب الكتب الأكثر مبيعا في نيويورك تايمز: “كان لانطلاق الحركة النسوية معنىً، والمساواة لايجب أن تكون محل نقاش للجميع، أما النسوية كجمعية أصبحت مؤسسة رجعيّة في كثير من الحالات”، وأكمل في مقاله: “في الموجة الرابعة أصبحت الأمور أكثر تعقيداً، فطلب المساواة في القوانين والعمل كان منطقياً أما المساواة المجتمعية في الأفكار والمعتقدات فإنه أمر معقد وصعب، فهناك مشكلة في القياس لدى فكر النسويات، ولنضرب مثلاً إذا قامت شركة بطرد ثلاث موظفين اثنتان منهم من النساء، فكيف سيحددون السبب فهناك الكثير من الأسباب وكيف سيعرفون ما فكّر به صاحب العمل هل سيعتبرونها مساواة أم عنصرية جندرية؟ يجب الآن على المرأة التوقف عن إطلاق الحملات هنا وهناك والاحتجاج على مواقع التواصل الاجتماعي، إذا أردت فرصا للنساء أكثر في العمل أسسي عملا لك وللنساء”

لنذكر في هذا الإطار دراسة قامت بها جامعة أوهايو لمحاولة فهم عدم وجود كثير من النساء في مواد STEM (العلوم والهندسة والرياضيات) حيث سُئِل ما يقارب 2.700 طالب وطالبة، على أي أساس يختارون المهن، فكان جواب معظم الرجال أنهم يختارون المهن ذات الرواتب العالية، أما النساء فتميل لما يناسبهن أكثر مع تفضيل مساعدة الآخرين، وللمفارقة أيضا فهناك وظائف يكاد وجود الرجال فيها معدوما، فمهما حاولوا التغيير فإنه لا يمكن أن يغيروا الطبيعة التي خلقت وجبلت عليها النساء والرجال.

المنسيون والفئات المهمّشة

ذاك الصوت الضعيف الذي يبحث عن مكانه في قافلة الأصوات المرتفعة والنقاشات المتضاربة، فأعداد المتعرضين للعنف من الشريك مازالت في ارتفاع لتشير إحصائيات في الولايات المتحدة عن تعرض 10 ملايين شخص من الرجال والنساء خلال سنة للاعتداء الجسدي من قبل الشريك، أما أوروبا فقد سجلت أعلى الأرقام لتصل في انكلترا إلى 280 امرأة معنفة مقابل 22 رجل معنف لكل 100 ألف من السكان، و وصلت الأعداد الذروة خلال جائحة كورونا في أغلب دول العالم لتكون النسبة الأكبر من النساء والأطفال، فباتت ملاجئ النساء في ألمانيا مثلا تشتكي من عدم وجود أماكن تكفي للأعداد المتزايدة.

أما الفتيات اليافعات -الذي ضجّ العالم مستنكراً زواجهنّ ليُسنّ قوانين مختلفة لمنع الزواج قبل سن الثامنة عشر في دول عدة- هن أنفسهن الفتيات اللاتي يستخدمن موانع الحمل بنسبة 83% بين عمر15 و19 في الولايات المتحدة مثلًا، وهنّ الفتيات اللواتي اضطررن للعمل بالبغاء –إذ إنّ قوانين الدول الأوروبية التي تسمح بممارسة هذه المهنة- فلوبيّاتها والمُتربّحون منها يجدون في هؤلاء الفتيات والنساء الضعاف والفقيرات صيداً ثميناً، وكانت الأسباب أحياناً أنها مجرد انسياق مع (موضة) منتشرة، مثلما نقلت 24France بالإنكليزية عندما قامت الشرطة الفرنسية بتفكيك شبكة دعارة أغلبها من اليافعات، وذُكر أنه بين 6000 إلى 10000مراهقة تمارس هذا العمل في أنحاء البلاد.

ومشكلة العائلة أحادية المعيل وبالأخص الأم المعيلة التي لم يستطيعوا حلّها إلى الآن ومنها دول غنية مثل الولايات المتحدة وألمانيا، فهم فئة مهددة بالفقر ومنهم من هم تحت خط الفقر بحسب الدراسات، والأسباب تعود غالبا لقلة فرص العمل وعدم المساواة في الأجور ويزداد الأمر صعوبة إذا كانت من النساء غامقات البشرة أو ممن ترتدي الحجاب، فضلا عن حق الرعاية للأم لمدة معينة، وفي محاولة منهم لصنع التوازن بدأ فرض قانون يشمل حق الرعاية للأب حتى تحصل المرأة على فرص أكثر في العمل، إلا أنه لم يتغير الكثير.

يُنسى، يُباع، يُؤجّل، الأطفال المُتخلًّى عنهم والظلال الأخرى للحرية

هذا هو عنوان بحث لجامعة بوخوم شرح مساوئ الحرية على الأطفال، وتحدث تقرير لقناة SPIEGEL عن فاجعة تخلّي الأهل وأكثرهم من الأمهات المعيلات لوحدهن عن أطفالهم بعد انهيار جدار برلين، فقد تم التخلّي تقديريا عن عشرات آلاف الأطفال وأكثر، والمؤسف أن أكثر الأسباب كانت للبحث عن الحرية والحظ في مكان آخر كما ذُكر، ولا يوجد أرقام محددة عن عدد الأطفال المُتخلّى عنهم child abandonment في العالم، إلا أن دراسة أجريت في جامعة نونتغهام لاحظت أن الأغلبية منهم في أوروبا الوسطى والشرقية.

أما بيع الأطفال، فهي أفظع الجرائم، والحديث هنا ليس عن بيعهم من قبل مافيات في السوق السوداء المنتشرة في الصين، بل عن بيعهم من قبل أهلهم، فهذه ظاهرة متصاعدة في دول مثل بلجيكا وبلغاريا، حيث تقوم الأم ببيع طفلها وهو ما يزال جنينا في رحمها حتى تلد فتعطيه للعائلة الجديدة إما لعدم الرغبة به وإما بسبب الفقر.

وما هذا الذي ذُكر إلا غيض من فيض، فمن ينظر لواقعهم عن قرب يجد مشكلات مجتمعية واجتماعية شتى والتضارب في معالجتها.

ماذا فعلت القوانين الوضعية؟

ربما حقّقت بعض القوانين بعضاً من المساواة إلا أن بعضها زاد الأمر سوءاً، فالقوانين ضرورية ورادعة والرقابة مهمة، وهذا ما يدفع كثيرا من الدول لمحاولة تغطية أكبر مساحة ممكنة بالكاميرات ولكن ماذا إن اختفى كل هذا؟ ولم يكن هناك رادع أخلاقي واستشعار لرقابة الله، أو كانت حرية الإنسان بلا نهاية؟

سنجد الجواب فيما يحدث في الولايات المتحدة وبعض الدول، فمع كل انقطاع للتيار الكهربائي ترتفع معدلات الجريمة أثناء انقطاعه بشكل ملحوظ، فلا يمكن التخلص من الجريمة بشكل كامل إلا إن كان للإنسان رادعٌ من نفسه.

وهناك أمراض تنتشر بسبب الفقر والجهل، وعلى المثل من ذلك هناك أمراض أخرى منشأها الحضارة والتمدن والغنى، إلا أنها تبقى أمراضًا يكون حلها الأمثل بالوقاية منها! وهل من الممكن أن يوجد أعظم من الوقاية والدواء الذي كرمنا الله بإعطائه إيانا؟

فلا يمكن لقانون أن يضاهي قوانينه سبحانه لأنه أعلم بخلقه، فقوانين البشر مقتصرة على عقلهم المحدود وقصر نظرتهم وشموليتها، ينتظرون نتائج قوانينهم، ثم يتدارسون قوانين جديدة، ولكن بعد ضياع كثير من الحقوق.

وهل يجتمع قانون أصله باطل بقانون أصله حق؟ فلا يمكن أن تُشاب قوانين الله بقوانين البشر فإن اختلط الحق بالباطل أصبح باطلاً، ولا يُستمدّ هذا من ذاك، فإما اتباع لقوانين البشر التي أصلها في كثير من الأحيان باطل ولا يمكن إلا أن يظلم بها كثير من الناس، أو التطبيق التام لقوانين الله وشريعته، الذي لا يُظلم بها أحد، مع الإقرار الكامل بأنه أعطى كل ذي حقٍّ حقوقه من المرأة والرجل والأسرة والمجتمع، فكان المنظومة الأفضل من العدل والمساواة والحكمة والرقابة، وهنا يجب علينا أن نفرق بين الأعراف والتقاليد وقوانين البشر وبين دين الله وقوانينه التي حاشى له سبحانه أن يظلم بها أحدًا، يقول تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[الأحزاب:36].

وصدق الله القائل:} وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً] {الإسراء:81]، فالباطل يزهق لا لأنه لا يحمل عناصر البقاء في ذاته، بل لأن دعائمه تضعف، وتتخلخل عوامله أمام الحق، فما يكون منه إلا أن يتهاوى وينهار.

أما الحق فإنه يستمد عناصر وجوده من ذاته، وقد تقف ضده الأهواء وتقف الظروف، ولكن ثباته واطمئنانه يجعلان العقبى له ويكفلان له البقاء، فهو الحق من عند الله، وكفل له البقاء ما بقي البشر في الأرض }ومن أوفى بعهده من الله]{التوبة:111 [


المراجع

Everything-about-fourth-wave-feminism-prospect

HIDDEN-DARK-SIDE-OF “FEMINISM”

What’s-the-Problem-with-Feminism?-mark-manson

Why-women-select-college-majors-with-lower-earnings-potential-ohaio

ضحايا-العنف-في-دول-الأوروبية.

احصائيات-ضحايا-العنف-من-الشريك-أمريكا.

ضحايا-العنف-خلال-جائحة-كورونا

أعداد-النساء-المستخدمة-لموانع-الحمل.

نسبة-النساء-المعيلات-لوحدهن-الفقيرات-وأغلبهن-من-الأمهات-العاذبات

Single-mothers-much-more-likely-to-live-in-poverty

البغاء-للفتيات-في-المراهقة

الحجاب-والعمل-في-الولايات-المتحدة

Child-abandonment -University-of-Nottingham

Child-abandonment -University-of-Bochum

الأطفال-المتخلى-عنهم-بعد-انهيار-جدار-برلين

sociology-of-electrical-power-failure

 New-York-power-outage

Roma-mothers-sell-newborn-babies

Parents-sell-babies-on-the-Internet

بين-الحق-والباطل-صحيفة-البيان..

Poverty-rate-of-Black-single-mothers .

من-خالفك-في-المرجعية-فقد-خالفك-في-الدين-(الليبرالية،النِسوية…-د.سامي-عامري

هدى-شعراوي-رائدة-الحركة النسوية-تعارض-زواج-ابنها-وترفض-نسب-حفيدتها

بدون-حماية-كيف-تخلت-ألمانيا-عن-النساء-المعنفات

ميكي-كندال-التايم

 

كيف أصبح ازدراء الهوية وسيلة للترفيه؟

خلال العقود الأخيرة من الزمن، خاصة بعد تحسن الظروف الاقتصادية والاجتماعية في الدول الغربية، كأمريكا وكندا ودول أخرى أوروبية، صارت شعوب تلك الدول متعطشة لكل ترفيه وتسلية، فسطع نجم البرامج الكوميدية، على غرار برامج “الستاند-آب كوميدي”، حيث يقف الفكاهي أمام جمهور غفير ويقوم بإلقاء النكت، وسرد الحكايات الهزلية والطرائف، بالإضافة إلى برامج “التوك-شو الهزلية”. وللمفارقة، فإن الكوميديين الذين فازوا أكثر بضحكات الجماهير لم يكونوا من أبناء تلك الدول الغربية، فمَن هم؟ وما هي الأداة (الخبيثة) التي استغلوها لتحقيق ذلك النجاح.

الترويج لتفوق العرق الأبيض

كان تحسن ظروف المعيشة في الدول الغربية إلى جانب انتشار الحريات السياسية والفكرية فيها، من أهم الأسباب التي جعلتها قبلة لمختلف الأجناس، كالعرب والهنود والأفارقة وأعراق أخرى، منهم من هاجر بحثا عن رغد العيش أو هربا من الفقر والحروب والمآسي الإنسانية، ومنهم من هاجر مغرما بنمط الحياة في الغرب، ومنهم من لم تكن الهجرة خياره لكونه مولودًا فيها هناك لوالدين مهاجرين.

أن تعيش وسط مجتمع ليبرالي غربي، فإن انسلاخك عن مبادئك وثقافتك ودينك، واعتناقك لنمط حياتهم، سيزيدان من فرص تقبل ذلك المجتمع لك، وسيقال عنك إنه “ناجح في الاندماج مع المجتمع على الرغم من أنه صيني”، أو “استطاع في تكوين صداقات في المدرسة على الرغم من أنه عربي”، وغيرها من العبارات التي تستبطن العنجهية المتعالية ضد كل ما هو غير غربي، حيث يلمَّح إلى تفوق العرق الأبيض الغربي، ونظرتهم العنصرية تجاه الشعوب الأخرى واعتبارهم كبشر من الدرجة الثانية، أما إذا ما قمت بازدراء أصولك ومهاجمتها، فإن ذلك سيجعلك محبوبا في أعينهم أو ربما بطلا يكسر القيود ويحطم الصناديق المغلقة.

ذلك ما فهمه بعض الكوميديين من المهاجرين في بلاد الغرب، فجعلوا السخرية من شعوبهم أداة خبيثة للظهور والنجاح في أعين الغربيين.

كيف استغلوا تلك الأداة؟

اكتسح بعض المهاجرين البرامج الكوميدية بقوة[1]، وما ميزهم عن الكوميديين الغربيون، هو أنهم دوما ما يجلبون الجديد المضحك للجماهير الغربية من وراء البحار، وغالبًا ما تكون القصص والنكت والفيديوهات من أوطانهم الأصلية. فتجدهم في أغلب عروضهم يتناولون بسخرية واستهزاء، الدين والثقافة والتقاليد واللغة والسمات العرقية والخلقية لشعوبهم كمادة أساسية في عروضهم لصناعة الضحك، وكمحاولة إثباث للجماهير الغربية بأنهم النخبة التي لم تحمل تلك الصفات من شعوبها. داعمين بذلك عجرفة الغربي وقناعته القائمة على أن شكله ولونه وثقافته ولغته وتاريخه هو الأسمى، وكل ما غير ذلك فهو متخلف ورجعي وبشع.

ركز الإعلام الغربي المتطرف ليبراليا -على مر العقود الأخيرة- على تفكيك وطمس كل ما له علاقة بالدين والفطرة الإنسانية السليمة، وعلى توحيد كل شعوب العالم تحت غطاء الليبرالية. ولتحقيق ذلك، انتهج لعبة تزوير الحقائق وتشويه الواقع، وطريقة تناوله للإسلام والمسلمين خير مثال عن ذلك، حيث صورهم للمشاهد الغربي على أنهم همج وأغبياء ومتخلفون وإرهابيون. إلى جانب الإعلام الغربي، لعب أولئك الكوميديون المهاجرون دور الجسر بين الغرب وشعوبهم، حيث ساهموا في تعريف المجتمعات الغربية بشعوبهم وثقافاتهم، ولكن بطريقة مشوهة أيضا، فدعموا بذلك ما يروج له الإعلام الغربي من تشويه وازدراء واحتقار للشعوب غير الغربية.

نمر أبو نصار، كوميدي لبناني مقيم بأمريكا

هل هم حقّا موهوبون في الكوميديا؟

لا يشترط –في الغالب- لمن يركب موجة الاستهزاء أن يكون ذا خبرة طويلة، يمكنه اكتساب مهارة الإضحاك من دورات معينة وتدريبات مستمرة، ومن الاستفادة من عدد كبير من المعدّين في هذا المجال، إلى جانب أنه من السهل أن تجعل الغربي المتعجرف يقهقه، يكفيك أن تذكر له بعض سمات أو ممارسات الشعوب التي يتعالى عليها ويحتقرها لترى فاه ينفتح ضاحكا حتى وإن لم يكن ما قلته مضحك، خاصة إذا كان سياق كلامك نكتة أو تسلية أو ما شابه ذلك. حتى إن الكوميديين من أبناء الغرب فهموا ذلك، فأخذوا أيضا يتناولون الشعوب الأخرى بازدراء في عروضهم الكوميدية، لحصد ضحكات الجماهير الغربية.

وهنا لا بد من التأكيد إلى أن في المجال العلمي مثلا، قد لا يمر يوم إلا وتظهر شخصية عربية ومسلمة تقدم إنجازًا أو إضافة علميّة للبشرية مما يسهم في حل مشكل أو تجنب آخر، وهكذا هناك الكثير من الشخصيات المتفوقة على علماء الغرب على الرغم من أنها شخصية “غير غربية”، وأقول ذلك ليس لتفوق الغير على العرب ذهنيا، ولكن للتأكيد على أنهم متفوقون ماديا وأداتيًّا، كما أن سياساتهم وقوانينهم تشجع على الابتكار والإبداع على عكس الوطن العربي.

بناء على ذلك، فإن المواطن العربي يستحق من الثناء والتقدير على إنجازه، أكثر مما يستحقه من توفرت له الموارد والظروف لتحقيق نفس الإنجاز. وهنا يتبين أن العمل الكادح والمنافسة هما أساس التفوق على الغير، وبطريقة أخلاقية.

لكن في بعض المجالات، مثل الفن والإعلام والسنيما، فإذا أردت أن تظهر وتكبر في أعين مجتمع يبرمج الفرد منذ نعومة أظافره، على أن عرقه وثقافته ولغته ونمط حياته هو الأسمى، وأن سائر الأعراق الأخرى بشر من الدرجة الثانية، ومن دون أي مجهود يذكر، فما عليك إلا أن تنسلخ عن أصلك ومبادئك، وأن تنتقدها وتسخر منها وتنكل بها. وأن تظهر الولاء والتعظيم لذلك المجتمع ومقوماته.

كوميديا التفاهة وخطرها على الأمة؟

قد يقول كثيرون: إن هؤلاء الكوميديون “لا يمثلون إلا أنفسهم”، وقد يقول آخرون: إن عملهم مهنة كوميدية لجلب الرزق لا أكثر، وغير ذلك من الاختزالات التي تسودها براءة مفرطة، فهؤلاء الكوميديون يمثلون خطرًا على شعوبهم والشعوب الغربية ذاتها.

أما خطرهم فكريًّا: فإن الكوميديين المشهورين في بلاد الغرب خاصة المنحدرين من دول مسلمة، يلقون قبولًا واسعًا في مجتمعاتنا المسلمة خاصة بين شرائح الشباب، وربما تكون جماهيرهم بالملايين، وككل شي يتعوّده الناس تدريجًا، فإن تعود الناس على سخرية الكوميديين من أمتهم وتتفيهم لمقومات حضارتها، وتحقيرهم مبادئ العزة فيها، فإن ذلك سيؤثر –ولو بالتدريج- في نظرة كثير من الشباب لأنفسهم، وسينتج عندنا أجيالًا تجد من نفسها الحرج في الانتماء لأمة الإسلام.

تثبت الدراسات والتجارب في علم النفس أن الطفل –مثلاً- إن نشأ في منزله وهو ينادى بـ “الغبي”، فإنه سيعتاد على ذلك بمرور الوقت إلى أن يصل إلى الإيمان بأنه غبي حقًّا، مما سيؤثر على آلية تفكيره وطريقته في حل ما يعترضه بالرغم من أنه قادر على ذلك، لإيمانه المسبق بأن محاولته لن تجدي نفعًا، ومن هنا فإن لأولئك الكوميديين أثر مباشر في نشر العطالة الفكرية والحقد على تاريخ الأمة بين شبابها.

من ناحية أخرى فإن دعم أولئك الفكاهيين للصورة المغلوطة التي يروج لها الإعلام الغربي حول بقية شعوب العالم دليل صريح إضافيٌّ على صحة تلك الأكاذيب في نظر الجماهير الغربية، وهذا مسلك يمكن اتباعه لتسويغ الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية من قبل القوى الغربية في حق الشعوب المستضعفة، والحجة هنا “إنهم شعوب همجية والإرهاب يجري في دمائهم بالفطرة، وسيهاجموننا حينما تكون لهم القدرة على ذلك، فيجب مهاجمتهم واستنزاف ثرواتهم مسبقا قبل أن يخربوا العالم”.

نماذج من الصور النمطية للعرب والمسلمين في الإعلام الغربي

إن صورة الإسلام المشوهة في الإعلام تمنع الكثير من الناس من اعتناقه، وهذا ما يسهم فيه هؤلاء، حيث يدعمون الصورة النمطية للإسلام في الغرب، مما يجعل الكثيرين من البسطاء يتأخرون عن اعتناق الإسلام أو يحرمونهم من دخوله.

بكل تأكيد فإن تحقير الشعوب الأخرى يزيد من نزعة العنصرية والسخرية والكراهية تجاه الأقليات التي تعيش في المجتمعات الغربية سيمنح العنصريين منهم المسوغات للشقاق الاجتماعي الذي قد يصل إلى حد العنف والتطرف.

ختامًا فإني أظن أنك تتفق معي الآن في أن الكوميديين المشهورين في بلاد الغرب، خاصة أولئك الذين يمتهنون السخرية والافتراء على شعوبهم بهدف الإضحاك المتصنّع، فإنهم ليسوا مجرد “كوميديين”، بل هي آلات تخريب يمتد أثرها على المستوى الفكري والاجتماعي والديني، بقصد منهم أم عن غير قصد.

 


[1]  يمكن التمثيل لذلك بالآتي:

نمر أبو نصار، كوميدي لبناني مقيم بأمريكا، https://youtu.be/hPdViA7kOgg

راسل بيترز، كوميدي من أصول هندية مقيم بكندا ، https://youtu.be/oSzgCDIUzq0

فلاق، كوميدي جزائري مقيم بفرنسا، https://youtu.be/SsIsL2d27Kk

 

أبناؤنا في المهجر.. إلى أين ينتمون؟

إن كان لأحد دور في إنشاء الإنسان سويًّا منذ صغره، فإن هذا الأمر منوط بالدرجة الأولى بالأب والأم والأسرة، فللأسرة الدّور الأكبر في إنشاء الطفل السويّ، بعيداً عن القسوة والإهانة والتّعنيف، وبالاهتمام بصحّته الجسديّة والنفسيّة، وبتعليمه ووقايته من كل مصابٍ، والوقوف إلى جانبه عندما تعترضه مشكلة ما.

إنّ كثيراً من الأسر المهاجرة أصابها القلق من أن يتأثّر أبناؤهم بالثّقافة الجديدة، فتعصّبوا لوطنيّتهم وتقاليدهم، مع أنّ كثيراً منها ليس من الإسلام في شيء، فأحاطوا أنفسهم خوفاً عليها بأسوارٍ تعزلهم عن المجتمع الجديد، لدرجة ألّا يتعلّموا لغة المهجر الذي لجأوا إليه رغم أنها باتت لغة أطفالهم أيضاً، ونسوا أنّ أبناءهم يقضون أكثر أوقاتهم خارج هذه الأسوار، فهم لم يحاولوا فهم ثقافة تلك البلاد ليفسّروا لابنهم طبيعة الاختلافات التي بينهم، ولم يتعلّموا مالهم من حقوق ليدافعوا عنها ويستردّوها إن تعرّض أحدٌ منهم لظلم، فاستحالت هذه الأسوار مع الأيام إلى حاجز بينهم وبين أطفالهم، فالطّفل قد صار أجنبيّ اللّغة والملبس والثّقافة، بينما أهله مازالوا على لغتهم وثقافتهم، وكأنّهم حفروا خندقاً حول السّور ليبقى ولدهم حبيساً فيه متخبّطّاً لا يعرف كيف يخرج من أزمته، ولا إلى أيّ طرفٍ يجب أن يذهب.

ما الوطن؟

فكرة الوطن نابعة من حاجة الإنسان للمكان وارتباطه به، وهو أمرٌ فطريّ، كما يمكن للأوطان أن تتبدّل وتتغيّر، وأن يكون للإنسان وطنان، فيهاجر إلى وطن آخر ويَحيى فيه عمره ومن الممكن أن يموت فيه، وتدور معاني الكلمة في معاجم اللّغة حول المكان الّذي يقيم فيه الإنسان، وُلد به أم لم يولد.

أعطى الله في القرآن للإنسان الحقّ أن يدافع عن أرضه ودياره ليستردّها، ووصف الإخراج من الديار كخروج الروح من البدن، فقال: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [النساء:66].

إن حبَّ الإنسان للوطن والانتماء، لا يتعارض مع الانتماء للإسلام، الذي هو انتماء أكبر وأعمق من الانتماء إلى الأرض أو المكان، فالانتماء إلى الوطن قَدريٌّ وجَبريّ لا اختيار للإنسان فيه، ولكن الانتماء الآخر الذي هو لله ولرسوله وللأمة التي تشاركه هذه العقيدة نابع عن اختيار الإنسان وحريته؛ إذ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10]، ولعله لا يخفى مدى غلوّ النزعة الوطنية الحديثة والمعاصرة، التي جعلت المسلم يفكِّر في وطنه قبل عقيدته، وفي شعبه قبل أمَّته، ويعتبر المسلم من غير بلده أجنبياً.

إن الدين مقدَّم على الوطن في حال التعارض، إذ للمكان أو الوطن بديل، بينما لا بديل للدين، والإنسان مأمور بمغادرة وطنه إذا مُنِع من تأدية شعائر الإسلام فيه، حيث بيَّن القرآن الكريم في مفاصلة واضحة وحاسمة: أنّ دين المسلم أعزُّ عليه، وأحبُّ إليه من كلِّ شيء سواه، مما يعتزُّ به الناس ويحرصون عليه، وذلك في قوله تعالى في سورة التوبة: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24].

الانتماء للدين هويّة الأنبياء والرُّسل

كلّما بدأ الإنسان بالتَّفكّر في خلقه وأصله، توجَّه بنظره إلى السّماء والأُفق باحثاً عن خالقه وربّه، ليَأتيه جواب الله في قرآنه: }إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه:14[، وبأنّه خالقنا وإليه مَرجِعنا فقد قال: }خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ*{ [التغابن: 3].

ولنقف عند وصيّة لقمان عليه السّلام الأولى لابنه، حيث أمره أن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا. }وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{ ]لقمان:13. [

كل هذا يوجب علينا القول: إن أوّل ما يُلقّن الطّفل الصّغير هو اسم الله، ليُسلِمَ له بالفطرة الّتي أودَعها سبحانه فيه، فيَعرف من خَلقه وإلى أين ومن ينتمي وأين سينتهي، أمّا الأوطان المكانية والهويّات القوميّة فما هي إلّا جزءٌ من صنع الإنسان، حيث يُصنّف نفسه في جماعات لا تحدِّدُ انتماءه وأصله النهائي إلّا بمقدار ما يراد له أو يثبتُ وجوده المادي، فهي بمثابة وثائق، يُجبَر عليها لتُثبت دائماً أصله.

يصنعُ الإيمان بالله دِرع حماية للإنسان والطفل، تَقيه من كلّ ضياع وتخبّط، فإن رُفض الطّفل ممّن حوله لسبب ليس له ذنبٌ فيه، فإن قلبه وعقله يخبرانه أنّ الله سيقبله كما هو بلونه وعرقه وشكله وحتّى مع ذنوبه ومعاصيه مالم يُشرك به، فهناك قوّة تولج في القلب والجسد تُعزّزها جذور الإيمان القويّة وحبّ الله ورسوله، تشبه تلك القوّة التي جعلت بلال الحبشيّ رضي الله عنه يَصرخ من تحت الصّخرة الطّاحنةِ أحشائه، ولاتُزال إلّا بكُفره بالله: أَحدٌ، أَحد.

كيف تعزز انتماء الطفل للإسلام؟

لتَنمو جذور هذا الإيمان وتمتد، فإنها بحاجة إلى سقاية ورعاية من الأهل وتشذيبٍ مستمرٍّ وعناية فائقة، لتتحوّل إلى شجرة باسقةٍ لا تَهتزّ بإعصار، فيتعلّم الطفل والشاب والفتاة استحضار الخوف من الله وتَعظيم شعائره التي أهمّها الصّلاة، والحرص على علوم الشّرع والتفقّه بالدين ومعرفة الحلال والحرام، فيكون الدّين مَنارتهم في هذه الحياة.

ومما يُساعد أيضاً في تعزيز الهويّة الإسلاميّة، تَعلّم اللّغة العربيّة الفصيحة ليفهموا كلام الله والتزام الجاليات الإسلاميّة وبيوتِ الله، ومن المهمّ أيضاً تعلّم أساليب المجادلة والإقناع بالحجّة ليَردّ عنه كل مستهزئٍ ويُبعد الشكوك عن قلبه وعقله، فهو يعيش في مجتمع محاطٍ بالفِتن والشّبهات، كما أنّ من الجميل الاحتفال بأعياد المسلمين وإشعار الطفل بالفرح في تلك المناسبات وترسيخها بالذكريات الطيبة وإن كان من خلال إقامة احتفالات بسيطة، والحِرص على إيجاد الصُّحبة الصَّالحة، وإبعاد الأبناء قدر الإمكان عن الفراغ واللّهو فيما يُضيّع الأوقات، ودفعهم في الانخراط ببعض النشاطات المناسبة للأطفال والشبان والفتيات التي تخلو من المحرّمات، وذلك بهدف فَهم المجتمع الذي يعيشون فيه أكثر.

دلني على الطريق

كلّ ما ذُكر آنفًا، ليس بسهل التّطبيق بكل تأكيدٍ، فمحضُ الالتزام بالتّعاليم الإسلاميّة في بلدٍ لا يؤمن به أو يحاربه هو جهاد، كما أن بعض المدن تخلو من المدارس الإسلاميّة مع ضَعف وجود وأثر الجالية الإسلاميّة فيها، إضافة إلى أن مشاقّ الحياة ومصاعبها على الأهل التي تتضاعف في المَهجر مع عدم وجود معينٍ وضيق الوقت تصعّب المهمّة أكثر، وهذا يزيد من ثقل المهمّة على عاتق الوالدين ويجعلها على عواتقهم بشكل شبه كامل.

هذه المهمة على صعوبتها، ليست بالمهمّة المستحيلة إن أَخلص العبد النيّة ودعا الله وتوكّل عليه، فلا بد أنه تعالى سيكون مُعين المرء وهاديه وناصره، إلى جانب أن محاولة التّخطيط وتنظيم الوقت وتعليم الأطفال حتى لو بالقليل كلّ يوم، واستغلال العُطل والإجازات ستؤتي أكلها بنتائج مُرضية بإذن الله.

من الجيّد عند المقدرة، محاولةُ تقليل عدد السّاعات التي يقضيها الطّفل في دور الرّعاية خارج منزل الأهل عند عدم الحاجة لذلك، وهنا نؤكد على أهميّة تعليم الطفل العلوم الشرعية التي تمكّنه من امتلاك مفاتيح فهم الدين، فبحمد الله بات من السهل في عصر الثّورة الرقميّة طلب العلوم الشرعيّة وتعلّم كلّ ما هو مفيد من اللّغة العربية وقراءة القرآن عن بعد على يدِ علماءِ متخصصين.

إن حَرص الإنسان على ما يَقيه من نار جهنَّم وغضب الله، وما يُفيده في دينه ودنياه واهتمّ بما سيُسأل عنه يوم القيامة، فَاز فوزاً عظيماً، وكلّ ما يُترك مرضاةً لله يُعوّضُ الله بخير منه، ولايكلّف الله نفساً إلّا وسعها.

ختامًا، لا بد من القول: يجب أن نجابه الخوف في المهجر، لئلا يكون سبباً للانعزال، إلى جانب أن رفض الأوروبيين أو الغربيين لنا، ليس مسوّغًا لتمييع ديننا والابتعاد عنه ليَرضوا عنّا فإنهم (لن يَرضوا)، ونحن الأقوياء ما دمنا ثابتين على الحق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير). [أخرجه مسلم في صحيحه]

ماذا خسر شباب المسلمين بعزوفهم عن القراءة؟!

يقول ابن القيم رحمه الله: “نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل” [الوابل الصيب، 82]، والباطل ليس طريقا واحدا يُسلك، ولكن طرق ومساحات ومدارات شتى، لا يُعرف لها أول من آخر. فإن لم تكن على طريق الحق، فحتما أنت على طريقٍ للباطل. وطريق الحق دائمًا وأبدًا يبدأ بـ{اقْرَأْ} بكل ما لها من معـنى، وفي كل مرحلة من الطريق لا بد من {اقْرَأْ}، ستواجهها بشكل أو بآخر، لذا كانت الأمر الأول وبها بدأ الوحي. أمّة يبتدئُ بناؤها بهذا الأمر، تكون أنجع طريقة لهدمها تجهيلها، وأقصر طريق لأمة جاهلة، شباب لا يقرأون. ولواقع الحال الذي يبصره كل أحد، سنناقش نقاطا رئيسية، في محاولة لتبيين ما خسره الشباب خاصة، وما خسرته الأمة بتخليها عن القراءة.

القراءة كنافذة على العالم ولغة اتصال معه

قبل ظهور الإعلام المرئي والتكنولوجيا، مَثّلت المكتبات والمسارح والفنون بأنواعها قنوات الاتصال مع العالم، لحاضر الشعوب وماضيها، ولمن أراد الاطلاع على العلوم والآداب والتاريخ عموما.

كان إنشاء المكتبات والمطابع مع كل حركة نهضة في مختلف الأقطار ركنا جوهريا، وسلّما لآفاق الوعي والارتقاء بالشعوب. ومع انتشار الإعلام المرئي، ومن بعده ظهور التواصل الاجتماعي ومنصاته، حيث انحسرت القراءة شيئا فشيئا، وأخذت تتضاءل أعداد القراء، حتى إنه ليصعب إيجاد قارئٍ حقيقي في وقتنا هذا.

لقد وحلّ بديلا عن القراءة، نشرات الأخبار والمقاطع المرئية والترفيهية، وألعاب الفيديو وغيرها، وكل يوم تزيد البلوى بإنتاج تطبيقات تحث الإنسان على زيادة سرعته في كل شيء لمواكبة كل تطور، وتسرق من وقته أكثره، فلا يبقى له من الوقت ما يصرفه في أساسيات حياته فضلا عن استثماره في قراءة ونحوها، وتُدخِله في عالم من الوهم بالتكنولوجيا التي تعمل ضده لا لصالحه في أحيانٍ كثيرة.

وبالنظر إلى مدخلات تلك المنصات، تجد المتابع لها لا يرى إلا ما يُبَث خصيصًا ليُوهِم المشاهِد بواقع غير حقيقي، أو جوانب أقرب إلى المثالية منها إلى الواقع، فلا يرى العالم على حقيقته، أو يرى صورًا مكذوبة لا تمت للواقع بِصِلة، وهنا يدخل في دوامة من التصورات المشوّهة عما يدور حوله، ويحكي كل طرف حكايته كما يحب ووفقا لأيدولوجيته، وتملأ الأكاذيب الشاشة. وبدل أن يَعمَد الشاب إلى الكتب الرصينة، وإلى كتب التأريخ لينهل منها ما يُعينه على إقامة وعي صحيح، يسلم نفسه لشاشة تعج بروايات كل الأطراف، فيمسي بلا رؤية لواقعه، أو رؤية مشوشة تضره أكثر مما تنفعه.

منصات البث الرقمي ملهيات عن القراءة

القراءة مفتاحًا للعلم وأساسًا للثقافة

أبقت الحضارات القديمة على جزء كبير من أمجادها عن طريق حفظه بالكتابة والتدوين، ولولا ما عُثر عليه من مخطوطات ومجلدات لغابت عنا للأبد حِقبٌ كاملة من التاريخ. ولولا المراجع والكتب في مختلف العلوم والفنون وتتابعها وبناء بعضها على بعضها، لما تمّت العلوم التي نعرفها اليوم ولما تشعبت ولا صارت بهذا الشكل الذي نراه، وبالأحرى ما كانت لتقوم حضارة من الأساس. فالكتاب هو مبدأ كل علم، وكل أدوات العلم والتثقيف على تنوعها تأثيرها محدود وضعيف بجانب الكتاب، والتحصيل من القراءة أكبر في المجموع من تحصيل الأدوات الأخرى، وهذا لا ينفي الفائدة الحاصلة من ورائها. فالفهم في أعمق مستوياته يتأتى بالقراءة، والفارق كبير جدا بين المكتوب وبين ما هو مرئي ومسموع، فالمشاهَد والمسموع في أحسن حالاته سيكون عرضا أو تبسيطا للمقروء الذي هو في الأصل بين دَفات الكتب، وكثيرا ما يمتنع التحصيل من غير المقروء إلا بتدوينه (إلا إذا كان مما يحتاج تطبيقا عمليا فقط)، إذ يكتب على الصفحات لتعاوده بالقراءة إذا نويت إمساكه.

أما ما عدا ذلك فإما أنه لضعفه لا يَعلَق بوعي متلقيه إلا أقل القليل، أو لا يلبث حتى يذهب كما أتى ولو طال بقاؤه زمنا. ولا مانع من التلقي من مصادر أخرى لجماليات فيها أو تبسيط أو ميّزات ثانوية لكن سيبقى الكتاب هو الأصل، ولا يُتصور تحقيق علم بغير تدوين كتاب أو البحث في كتاب أو البدء بقراءة كتاب.

على غير الكتاب لا تقوم ثقافة، فمن أين تأتي بمثقف لا يقرأ؟! أما اليوم فتجد كثيرين ممن يسمون أنفسهم قُرّاءً لا يعمدون إلى كتب أصيلة لقراءتها، وإنما لملخصات كتب ومقاطع مرئية لا تكاد تسمن ولا تغني من جوع، بل من أسوأ آثارها وهم المعرفة الناتج عن المرور السريع على كل فكرة، دون تقليبها واستكشاف إن كانت تستحق تمحيصا أم يكفيها مرور سريع، والثقافة الجوفاء التي تروج دائما لكل ما هو شائع وسريع الإنتشار ويلاقي قبولا عند الجمهور، فيصنع عندهم ثقافة مضطربة ومتهالكة.

القراءة جزءًا من الهوية

إذا كان القرآن الكريم وآياته جزء من هوية كل مسلم، فقطعًا إن كلمة {اقْرَأْ} ستكون من صميم هوية المسلم، وإذا أراد هذا المسلم أن يعلَمَ عن دينه أمرًا صَغُر أو كَبُر، فعنده من الكتب بحورٌ يمكن إفناء عمره فيها. وإذا أراد لمَنْطِقِه لغة سليمة مصقولة فعنده من كتب التراث والأدب ما يكفي حاجته ويزيد. وعند إغفال كتب التراث والأدب، وما يلحقهما ويخدمهما، تُفقَد غاية كبرى من غايات القراءة، ألا وهي الاصطباغ بصبغة هذا الدين ولغته، من خلال قراءة كتبه وأدبياته، بما تمثله من مشارب للدين وأصول للغة. فهذه الكتب هي أصل كبير، ومن ورائها كل ما يخدم علما دنيويا ويحققه، وفي كلّ خير، أما فقدان القراءة ككل ففقدان للغة، وفقدان اللغة فقدان الهوية.

وحينما تعود القراءة شغلا شاغلا في حياة الشباب، فهنيئا للأمة بعودة روحها من جديد.

الأمومة وأزمة الشعور بالإنجاز

كثيراً ما تعاني الأمهات من مشكلة الشعور بعدم الرضا عن الذات؛ وذلك بسبب ما يسمينه قلة الإنجاز في الحياة اليومية، فرغم أن إحداهنّ تمتلئ حباً لأولادها وتحمد الله على أن وهبها إياهم وتستمتع بعنايتها بهم، إلا أنها تصل في نهاية يومها لسؤال: ماذا عني أنا؟ فتشعر أنها صارت بكلّيتها لبيتها وأبنائها وزوجها، تدور في فلكهم، وتعمل لأجلهم، ولا تحقق لذاتها شيئاً، فلا هي راضية عن نفسها ولا هي مستريحة في خضم الأعباء اليومية الكثيرة التي تحملها.

تقول: “ها أنا ذا بعد سنين من كوني أماً، لا حصّلت شهادة ولا امتلكت مهنةً ولا غيّرتُ في عالمي شيئاً، كأن العالم كله يسير ويتقدّم، وأنا ههنا متوقفة في مكاني، فما الحل؟”

ولأهمية هذا السؤال وتكراره وجدت أن أفرد هذا المقال لإجابته من تجربة شخصية، ونظر في تجارب غيري، وقراءات في الواقع العملي للأمهات، ناظرة إلى ذلك كله بعين الوحي ما أمكن، فهو الذي يصوّب كل ما يرى ويضعه في مكانه الصحيح الذي ينتمي إليه.

لكنني أود بدايةً أن أذكر نفسي ًوغيري من الأمهات بضرورة شكر الله على أن رزقنا هؤلاء الأبناء وقذف في قلوبنا محبتهم والشفقة عليهم والحرص على مصالحهم، وتلك مِنَنٌ عظيمةٌ حُرِمها كثيرون، وحُرِم استشعارها أكثر، خصوصاً أننا نعيش في عالم مادِّيٍّ، لا يقيس معطياته إلا بالمال والفائدة المباشرة والرفاهيات الدنيوية المتتابعة، ونكاد نفقد فيه معاني العطاء المخلِص لله، والاستمتاع به وبملاءمته لطبائع نفوسنا وحاجاتها، وأذكر هنا قول امرأة فرعون لما رأت الصغير ورقّت فطرتها السليمة له: {قرّة عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} [القصص:9]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وصف فيض مشاعره لسبطيه رضي الله عنهما: (إنّ الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا) (أخرجه البخاري)، ولله وحده الحمد والمنة والفضل.

الأسرة والأمومة

ما هو الإنجاز؟

ينبغي في بداية النقاش أن نوضح مفهوم الإنجاز الذي يبحث عنه كل مسلم أياً كان دوره وموضع استخلافه في الدنيا، فالمؤمن لا يهدف لمجرد الإنجاز بمفهومه العام الذي جعله ماسلو قريباً من قمة هرم الحاجات الإنسانية، إنما يبحث عن إنجازٍ يقرّبه كل يوم من مولاه ويزيده إيماناً ويرفعه منزلةً عنده، فيحمد الله ويشعر بالنجاح إن قدّم أيًّاً من ذلك، ويسارع بتدارك نقصه إن لم يفعل، وكل ذلك انطلاقاً من العبودية لله والتسليم والانقياد له، والتوجّه نحو رضاه وجنته، كغايات عظمى ينبغي أن يقرّب كلّ ما دونها منها، إضافة إلى العلم بالمسؤوليات والقدرات الفردية وما يوافقها من مستحقات. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: من فقه العبد أن يعلم أمزداد هو أو منتقص.[i]

ولعل العودة لمفاهيم الإنجاز الأصيلة يبدو صعباً وبعيد المنال في عالم يحصر النجاح بالوصول للقبٍ وظيفي ظاهريٍّ –بريستيج-، أو امتلاك سيرة ذاتية مليئة بتاريخ من العمل في أشهر الشركات والمؤسسات، أو تحصيل راتبٍ مالي معتبر في آخر الشهر، فلا اعتبار فيه لما لا يدخل في معطيات السوق، ولا نظر عنده لقيمة الإنسان من حيث هو روح وجسد يحتاج الطمأنينة والسكينة، ويفتقر لحضنٍ آمنٍ يسمع شكواه ويحتويه ويوجهه.

أما المؤمن الذي يقيس نجاحاته وإنجازاته بمعايير الوحي المنصفة فسيجد حاجة الإنجاز لديه محققة إن قدّم أقلّ القليل من أداء الفرائض والامتناع عن المحرمات واغتنام الوقت في يومه وليلته، سيرى الأب نفسه منجزاً إن حكى قصةً هادفة لابنه -مثلاً-، وسيحسّ الموظف بالنجاح إن قاوم شيطان الرشوة طيلة يومه، وستشعر اليافعة بتقدير النفس إن تمكّنت من إمساك لسانها عن الغيبة خلال مجلسٍ مع الصديقات، ولا علاقة لذاك كله بمكانٍ، أو رأي أحدٍ من البشر، أو وجود مقابل مالي للعمل من عدمه.

وهذا ينطبق على المرأة القائمة بدور الأمومة بشكل طبيعي إذ كلّ ما تقدمه من عمل صالحٍ بقلبها أو جوارحها، تجاه خالقها ونفسها وزوجها وأطفالها هو تقديمٌ لنفسها أولاً، ويدخل في باب ازديادها من الخير وملء ميزانها من الحسنات إن أخلصت نيّتها لله وعملت على النحو الذي يرضي الله سبحانه؛ وبذلك يكون عملها مع أبنائها جزءاً من إنجازها اليومي وطريقاً لها نحو الأجر والرفعة بإذن الله، وتستمتع معهم بكل لحظة وهي عالمةٌ أنها نجاح خاص بها تخبئه لآخرتها، لا عائق لها عن تحقيق ذاتها وأحلامها التي قررها لها من لا يعرف عنها شيئاً.

الأمومة

ترتيب الأولويات فسحةٌ للنفس

بعد تعريف الإنجاز وبيان ما يدخل فيه؛ ينبغي التفريق بين الاعتراف بوجود مشكلة الدوران في فلك الأبناء التي تحسّ بها كثيرٌ من الأمهات وبين قبول أي حلٍّ مشهور لعلاجها، فبينما لا ينبغي أن تفقد الأم خصوصيتها وتشعر أنها مملوكة لأبنائها، مهملةٌ لحق نفسها -كما وضحت في مقالِ سابق[ii]-، فإن الحلول العولمية الجاهزة ليست بالضرورة ما تحتاجه الأم.

فالمرأة التي تعاني من غياب حق النفس لن تشبِعَه إن فُرض عليها الخروج لوظيفةٍ، أو التوجه لتحصيل شهادة جامعية يختارها الآخرون لها، بل إن ذلك سيكون ثقلًا إضافيًّا على كاهلها لا تحتاج لحمله ولا تنتفع به على الحقيقة، خصوصاً ونحن نتحدث عن امرأةٍ تذهب لهذه الأمور من أجل إجابة مشكلة محددة، لا من أجل حاجة حقيقية لديها، فقضية الشهادة والعمل ينبغي أن ترجع إلى سلّم الأولويات، وتحديداً إلى أسئلة متعددة مثل: ماذا، لماذا، وكيف.

فلا نريد أن نسعى لهذه الأمور طلباً لرضا الناس عنا ولا استغراقاً في التنافس معهم، لأن هذا مما يزيد إرهاق النفس وتعبها، ولا نريد أن نترك ذلك لنثبت قوتنا وتفردنا لهم أيضاً، فنعود للمعيار، حيث تسأل الأم نفسها بصدق: ما هو واجبي أنا في هذا المكان وفي هذه اللحظة؟ ما هو العلم الذي أحتاج لطلبه؟ وما هي المهمات التي تحتاجني وأحتاج فعلاً للقيام عليها؟ ما هي خياراتي وكيف أرتبها كما يريد الله سبحانه منّي؟ ماهي مهاراتي وقدراتي التي يمكنني أن أغتنم وقتي الإضافي فيها؟ وهل يدخل الذي أريد فعله ضمن الواجب، أم المندوب، أم المباح؟

إن كان الفعل داخلًا ضمن الواجب فعلَتْه مباشرة، وإن كان ضمن المندوب أخَّرَتْه إلى أن تنهي الواجب، ثم قدّرت نفسها على إنجازها بعد إنهاء كل واجب وبعد تحقيق المطلوب منها في أي يوم، ثم التفتت للمندوب ومن بعده المباح ناظرة إلى ذلك كله بعين التوجه لله بالقول والفعل وأداء الأمانات التي وُكِّلَت بها من علم وقدرة ورعيّة هي مسؤولة عنها أمام الله تبارك وتعالى.

ومن المهم في كل ذلك أن نرتب الخيارات بالشكل الصحيح انطلاقًا من فهم حقيقة الابتلاء في الدنيا والعبودية لله فيها، وهذا ممّا يريح النفس ويطمئنها، إذ تدع كثيراً من الأعباء الملقاة عليها من أجل تحقيق صور المرأة المثالية أو المرأة الخارقة الجامعة لكل المحاسن والأدوار التي يصورها المجتمع لها، كما تتجاوز المقارنة مع غيرها، وتكف عن جعل آرائهم وتعليقاتهم معياراً لما تريد أن تفعله وتحققه.

فكل أم مختلفة عن الأخرى، وحاجاتها وظروفها وطبيعة حياتها وطاقتها وسنّ أبنائها وحالتهم الصحية تختلف كذلك، فلا يمكن رسم جدول يومي لما يجب على كل أم أن تقضي فيه يومها، إنّما هو سلم أولويات أساسه أن الله سبحانه هو الأول في حياتنا، فلا نعمل إلا لرضاه ونعطي نفوسنا حقها طلباً لرضاه، ونقوم بواجباتنا تجاه الخلق توجهاً إليه وحده، ومن إحسان الأم لنفسها أن تعتني بأبنائها وهي عالمةٌ أن هذا عمل لوجه الله، لا لوجه الأبناء، وطمعٌ في ثواب الله لا في رؤية الثمرة الدنيوية فيهم، أو عودتهم لها بالحمد والشكر والثناء حين يكبرون (وإن كانت رؤيتها تثلج الصدر ولا شك، لكنها ليست الهدف).

ختاماً.. أنصح نفسي أولاً وكل أم بإغلاق كل البوابات المسيئة المفتوحة على قلبك وفكرك، استغني عن أي نظرة تدفعك للمقارنة والشعور بالنقص أو الدونية، استشعري إنجازك العظيم اليومي إن أدّيت ما فرضه عليكِ مولاك، وتذكري أنك تعملين لنفسك فعلاً مع هؤلاء الأبناء، تذكري سلم أولوياتك ومعياريتك، وانطلقي بعدها في خياراتك حسب طاقتك وظروفك وحاجاتك.

ونسأله وحده أن يعين الأمهات والآباء والمربين على ما يحملون من مسؤوليات ثقيلة في ظل فتن عالم اليوم، وعسى وحده يثبتهم على دربه وينير بصيرتهم ويؤنسهم ويجعل أبناءهم قرة عين لهم في دنياهم وآخرتهم، وله الحمد أولاً وآخرًا.


[i] ابن تيمية رحمه الله. كتاب الإيمان. ص211.

[ii] انظر مقال “مناقشة اعتراضات حول الأمومة.. لا نريدك شمعة تحترق لتضيء للآخرين!” للكاتبة على مدونة السبيل اعتراضات حول الأمومة.. لا نريدك شمعة تحترق لتضيء للآخرين! • السبيل (al-sabeel.net)

السوبر ماما بين حمل القشّة والجبال!

حين يتسارع العالم من حولنا، نقف مشدوهين أمام التحوّلات التي تصيب أركانه بالعطب، وهنا نقف أمام لبنة أساسية لابدّ أن نحرص على عدمِ إصابتها بالتغيّر نحو الأسوأ، أو نسيان الماهيّة والوظيفة ومعالم الهداية، ولذا فإنه يجب أن تُسقى باستمرار لتسقيَ أرواح من تعول زلالَ الماء، إنها الأمّ، فالأمّ مفهوم عهدناه قليل الحروف كثير القطوف، فهل انقلبت الموازين وصار الأثر قليل الثمر؟

إننا نجد الخطر عند بعض الأمّهات إذ إنهم غير مستعدّات لحمل أدنى مسؤولية، وعلى الجانب الآخر نجد مصطلح (السوبر ماما) حيث تكون الأم فيه النموذج والشكل المتكامل الذي لا يشوبه ثغرة ولا نقص، إلا أن في هذه الرحلة خسائر تتساقط على جانبي الطريق، قد تكون هي الأمّ نفسها، أو أولادها..

الأمهات ومفهوم اللامبالاة

اللامبالاة سلوك اجتماعي، يسبّب مشاكل مجتمعية عمومًا وداخل الأسرة بشكل خاص، لاسيما إذا كان صفة تلازم أحد الوالدَين، حيث يظنّ البعض أن اللامبالاة وسيلة للتخلص من ضغوط الحياة ومتاعبها، ويكون مقتنعاً بأنه لا شيء في الحياة يستحق أن يبذل جهداً من أجله.

ولابدّ أنّ الانشغال الزائد بأمور الحياة خارج الأسرة كالعمل، وجمع المال وتحقيق الذات، يشكّل عاملاً أساسياً لانهيار بنيان الأسرة، فالسفينة كي تصل للمرسى لابدّ من ربّان يحسن القيادة والتوجيه.

إلا أننا نرى كثيراً من الامّهات تعتمد هذا الأسلوب وهن جاهلاتٍ بعواقبه، يشترين الرّاحة المؤقّتة لبيعِ بناء كيان أودعه الله تعالى بين أيديهن، حتى إن إحداهنّ لا طاقة لها على حمل قشّة مهمّا خفّ حملها.

كيف تسلّل مفهوم (السوبر) للأمّهات

في عصر التسارع التكنولوجي باتت الأمّ كقصّة باخوم الذي أورده تولستوي في إحدى قصصه، باخوم الذي ربح كلّ شيء وخسر نفسه، باتت الأمّهات يحاولن الإحاطة بالمجد من جميع أطرافه بين عمل خارج المنزل وعمل داخله وتربية للأطفال وابتكار مستمرّ لكلّ جديد، ناهيك عن الصورة الاجتماعية المثالية التي تحرص أغلب الأمّهات على الحفاظ على إظهارها للآخرين.

في بادئ الأمر أنوه إلى أني لا أدعو لأمّ متصلّبة غير مرنة، وإنما أحاول تسليط الضوء على الرحلة نحو المثالية المرهقة.

فالمثالية مصطلح حارق للنفس ومحرق للغير، وهو مصطلح يسبّب عقدة دائمة من الشعور بالذنب في حال عدم الوصول للمراتب العليا التي يرسمها الشخص لنفسه، ويسبب قلقاً في حال الوصول للقمّة، وأرقًا دائمًا لإيجاد السبل للمحافظة عليها، وتُعرف هذه الظاهرة بـ (الاحتراق النفسي) الذي يتوزّع على ثلاث مراحل: أولها: الإجهاد الانفعالي ثم تبلّد المشاعر ثم نقص الشعور بالإنجاز الشخصي، لذلك يغدو مصطلح (النموذجيّة) هو المصطلح الأفضل، فهناك نماذج ناجحة كثيرة، من الأمهات ممن تراهنّ نموذجاً ناجحاً من ناحية ما، إلا أنهن يعانين من ناحية أخرى، فلا كمال مطلق.

إن السعي اللاهث خلف الإحاطة بكلّ النماذج سينتج أمّهات يعانين من الهشاشة الداخلية، وهذه الهشاشة مترتبة على محاولة الحصول على كلّ وسام شرف، والطامّة الكبرى تكمن في أنّ هذه الشخصية التي ستتولّد وراء السعي نحو كلّ شيء والظفر بلا شيء ستؤثّر في تربية الأولاد، فتجد أمّهات يعجبهنّ تفوق أولاد فلانة بالحساب الذهني فتراها تسرع لتعليم أولادها الحساب الذهني، وما إن يبدأ الطفل بالسعي نحو الهدف، حتى يصطدم بوالدته التي ترى هدفاً آخر لامعاً فتطالب أولادها بالعمل عليه، مما سيجعل من الطفل شخصية غير متوازنة لا تعرف ما تريد.

بكل تأكيد فإن هذه ليست دعوة للتخلّي عن السعي نحو الأفضل، فمن لا يتجدّد يتبدّد، ولكن يبقى تحديد الأولويات هو الفارق الأهمّ بين النجاح والفشل في التربية.

ألف باء التربية

من المعروف أن 80% من شخصية الطفل التي تصحبه بقيّة عمره تتشكّل في الخمس سنوات الأولى من حياته، وباقي النسبة يستمدّها طوال رحلته في الحياة.

هذه النسبة تحتاج لقلبٍ واعٍ وعقل مدرك لمهمّة التربية، وتبدأ التربية بالقدوة إذ إنّ الطفل لا يبنيه التلقين، وإنّما يبنيه ما يراه مترجماً أمامه على أرض الواقع في هيئة أفعال، وهنا لا بدّ من الإشارة أنّ الأمّ يجب أن تكون على دراية وانتباهٍ لكلّ ما يصدر عن أولادها، والتحلّي بالحكمة باختيار الفعل المناسب في الوقت المناسب.

وينبغي للأمّ أن تبتعد عن المقارنة إذ إنّه عندما تبدأ الأمّ بمقارنة أولادها مع بقيّة الأطفال التي تراهم حولها، فإنه ستتسبّبُ بتضييع أولادها وعدم مساعدتهم على تحديد ما يريدون تماماً، إذ إن الطفل ليس حقل تَجارِب، وإنّما هو كيان إنساني يجب على من يسقيه أن يتعلّم متى وكيف يسقيه، وهنا لابدّ للأمّ أن تتزوّد بالاطّلاع ونخل ما ينفع وما لا ينفع.

الأمّ بين الواقعية والمثالية في وسائل التواصل

ثمة نقطة مهمّة يجب على كلّ أمّ بشكل خاص وعلى كلّ متصفّح لوسائل التواصل بشكل عام أن يعرفها، إنها الصورة التي يتمّ بثّها من قِبل أحد ما، إذ إنها إنّما أُخِذَت من زاوية مُنتقاة، اختار أحدهم أو اختارت إحداهنّ تسليط الضوء عليها، فلا أحد يعرف ما وراء هذه الصورة من نواقص، حيث يستطيع أي إنسان أن يظهر بالطريقة التي يريدها، وأن يقوم بالدور الذي يحبّه، وهنا لا يمكن تلقي أية إشارات للحكم على مدى مصداقية تلك النماذج من عدمها.

من المحال أن يكون ثمّة شخص متفوّق بكلّ شيء، ومن هنا فإنه يجب على الأمّ ألا تجلد ذاتها بالسعي الحثيث لاصطناع نسخة تحوي جميع ما يتمّ تسليط الضوء عليه، وإنّما أن تحرص على ريّ نقاط القوّة بداخلها من أجل الهدف لا من أجل لفت الأنظار، والهدف لا يأتي من طرق متشعبّة، وإنّما يأتي من طريق واضح جليّ، وفق خطّة مدروسة وأولويات مرتبة مصفوفة.

السوبر ماما على وسائل التواصل

هوس التفكير بالشهرة والثروة

هي ظاهرة بدأت تنتشر، حيث تشكو كثير من الأمّهات أنّها تصل لمرحلة يُسقَط في يدها ولا تعلم كيف تتعامل مع أولادها، ها قد بدأت الفجوة بين الجيلين بالاتساع، ومعها تجد الأمّ نفسها بين خيارين:

إمّا التشبّث بأفكارها التي لم تقم بتحديث لها وفق مقتضيات العصر، تحديثاً لا يشوب الثوابت والمبادئ، وإما أن تجد نفسها تلجأ إلى المسايرة السلبية والاستسلام لما يريده أولادها.

وتصبح الأم بين تضييع وتمييع، فلا هي قادرة على التحكّم بزمام الأمور ولا هي قادرة على حياكة الثوب بما يرضي جميع الأطراف.

وقد تتحدّث مع أمّ تقول لك: إن الزمن أصبح صعباً للغاية، فلا قدرة لنا على ضبط البوصلة، ولا ترشيد اتجاهِ الأبناء.

وكيف نضبط البوصلة إن لم تبدأ منذ الشهقة الأولى للطفل! وكيف نتحكّم باندفاع الماء إن لم نحفر المجرى باتجاه صحيح منذ أن كانت مياه النهر ما زالت ساقيةً تخطو بنعومة! أيعقل أن نعالج الأمر عندما يحطّم اندفاع الماء السدّ!

تلك تساؤلات ينبغي أن تقف عندها كلّ أمّ لتعلم أنّ درهم وقاية خير من قنطار علاج.

يأتي الطفل الآن مع المدّ الجنوني في كافة وسائل التواصل الاجتماعي، يحمل بيده وسيلة من وسائل الاتصال، وقد يرمّم لك بمعرفته أسرار هذه التطبيقات ما قد ينقصك من معلومات.

طفل يرى أقرانه يقومون بإنشاء قنوات خاصّة بمحتوى تافه ويحصدون ملايين المتابعات، ذاك الطفل من له إن كانت الأمّ قد صمّت آذانها وأغلقت عيناها عن الإدراك!

فأمّهات جعلن من أبنائهن رأس مال يدرّ عليها الأرباح، وأمّهات يتباهين بعدد المتابعات، وأشياء لا يتسع المقام لذكرها.

وإن استفهمتَ من إحداهنّ، تراها بين العجز عن التصرّف أو الإعجاب بتطوّرها ودعمها لأولادها.

ربّما تختلف العصور، إلا أن هناك –على الدوام- قصص مشابهة، تلقّن الأمّهات فيها معنى التربية الحقّ، تعلمهم معنى المرونة دون تمييع، وإرخاء الحبل بقدر دون تضييع.

أمّي أريد أن أصبح مغنّياً!

يقول الإمام مالك بن أنس: (نشأت وأنا غلام فأعجبني الأخذ من المغنّين، فقالت أمي: يا بنيّ إنّ المغنّي إذا كان قبيح الوجه، لم يُلتفَت إلى غنائه، فدعِ الغناءَ واطلب الفقه، فتركتُ المغنّين وتبعتُ الفقهاء فبلغ الله بي ما ترى)[1].

هل سارعت أمّ الإمام مالك بن أنس لصقل موهبته، وتقديمه لسوق يُعنى بإطلاق المواهب! وهل كانت من رهافة الإحساس لتبكي عند فوزه على أقرانه لتفوّقه بالغناء!

لم تلجأ لذلك وإنّما كانت مرحلتها الأولى: أن رشّدت مسير الماء كي يغدو زلالاً يروي وينفع.

فقالت له: (يا بنيّ إنّ المغني إذا كان قبيح الوجه، لم يُلتفت إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه)

مع العلم أنّ الإمام مالك لم يكن قبيح الوجه، وإنّما كان وسيماً ذا شقرة، فلم تقل لولدها أنّه قبيح الوجه، وإنّما طرحت قضيّة غير حاصلة على سبيل الإيحاء والتلطّف لصرفه عن عزمه.

وكانت مرحلتها الثانية: تأمين المراسم الشكلية، فالإنسان ابن بيئته وابن ما يُزرع فيه، فألبسته ثياب العلماء من قلنسوة وعمامة وأرسلته لطلب العلم.

يقول الإمام مالك: “فألبستني ثيابًا مشمرة، ووضعت الطويلة على رأسي -يعني القلنسوة الطويلة- وعمَّمتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن!”[2]

 وكانت المرحلة الثالثة: اختيار المنبع الصافي، فاختارت له الأستاذ، فواجب الأهل أن يدرسوا مكان وضع أولادهم، وأن يختاروا خير المعلّمين، وكان أشهرهم آنذاك ربيعة بن أبي عبد الرحمن فتقول له: “اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه”[3] ومقصدها بالطبع هو تعلُّم العلم والأدب جميعًا.

وبذلك ابتدأ الإمام مالك رحلته في درب العلم حتى صار نجماً فيه، حيث يقول الإمام الشافعي: “إذا ذُكر العلماء فمالك النجم، ومالك حجة الله على خلقه بعد التابعين”[4].


[1] مصطفى الشكعة: الأئمة الأربعة، دار الكتاب المصري – القاهرة، دار الكتاب اللبناني – بيروت، الطبعة الرابعة، 1998م، ص: 6، 7.

[2] الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ابن فرحون، ص: 9.

[3] ترتيب المدارك وتقريب المسالك (130/1)

[4] المصدر السابق ذاته.

حياة المهجر.. بين الثبات وضياع الهوية!

قدّر الله لآدم أن يهبط إلى الأرض بعد أن خلقه من ترابها، ليستخلفه في الأرض وذريّته من بعده، ويقوم على إعمارها لحكمةٍ هو يعلمها سبحانه وتعالى {وإذْ قال ربّك للْملائكة إنّي جاعلٌ في الْأرْض خليفةً ۖ قالوا أتجْعل فيها من يفْسد فيها ويسْفك الدّماء ونحْن نسبّح بحمْدك ونقدّس لك ۖ قال إنّي أعْلم ما لا تعْلمون} [البقرة: 30]، وفي الحديث النبوي يقول صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيّب والسهل والحزن وبين ذلك). [رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وصححه الألباني]

فكان من ذريّة آدم الأنبياء والرسل والصّالحين كما المتجبّرين والمتكبّرين، وجميعهم غطّت أجسادهم التراب ودفنوا فيها، فهم بشرٌ خُلقوا بأمر الله وانتقلوا إلى عالم البرزخ بأمره، ثمّ تعود الرّوح إلى الأجساد بأمره، ومرجعها يوم الحساب لتسأل كلّ نفسٍ عن صنيعها في أرض الله، فكلّ شيء في هذا العالم يشيخ ويكبر ويهيّئ نفسه للزّوال إلّا الحيّ القيّوم.

خلق البشر من تراب، يولدون ويموتون، إلا أن نزعة الكبر تغزوهم، فيتكبّر الإنسان على أخيه الإنسان، فصارت الألوان والأعراق والأنساب والأموال والشهادات واللّباس المعايير التي تحدّد مقام الإنسان وعلوّه لا التقوى والأخلاق والمبادئ والقيم.

يتعالى الناس بعضهم على بعض، ويحاربون من يسمّوه مختلفاً عنهم لدرجة البغض، فيعطون الحقّ لأنفسهم بإهانته وإذلاله وتشريده واستحالة أمواله ودياره وحتّى قتله، قال الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ] الحجرات:13[، وجهلوا آخر ما وصّى به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في خطبة الوداع، فقد قال: (أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربيٍ على عجميٍ فضلٌ إلّا بالتقوى)

الهوية الهجينة والمسلم المعاصر

لعل أكبر مصابٍ مني به العالم الإسلامي كان بانهيار وحدة المسلمين، وتفرّقهم وضعفهم، فقد فتك الاستعمار بهم فتكاً، وغرق العالم من بعدهم بالحروب والعنصريّة والانحلال، وأصبحوا غرباء حتّى في أوطانهم، وتشتّت الكثير منهم في أقطار الأرض.

لقد كان لانتهاء الحرب العالميّة الثانية أثر كبير في استقطاب فقراء المسلمين وأثريائهم –على حد سواء- إلى أوروبا، بهدف إعادة الإعمار وتدوير عجلة الصناعة، فاحتاجوا للعمالة رخيصة اليد من بلاد المسلمين والدول الفقيرة، مستغلّين معاناتهم من مراحل الاستعمار، كما أنهم لم يلقوا بالاً لدينهم، فإذ بهم يتفاجؤون بالإسلام ينتشر بينهم، وتقام المساجد والمنظمات الإسلاميّة على أراضيهم، فبدأ الخوف ينتشر بينهم من أسلمة أوروبا والعالم، ليكتشفوا أنّ هناك فجوة بينهم وبين المسلمين الذين يعيشون ويتربّون بينهم.

أظهر مشروع أبحاث لجامعة برلين سميّ Heymat -أي نماذج الهوية الأوروبية الإسلامية الهجينة-، والذي أقيم لدراسة حال شبان وفتيات الجيل الثاني والثالث للمهاجرين المسلمين إلى ألمانيا، وجودَ مشكلةٍ في اندماج الكثير منهم، فهم لا يشعرون بانتمائهم لألمانيا ولا لموطن آبائهم، ممّا أدّى ببعضهم إلى رفض الاندماج في المجتمع الذي تربوا فيه تماماً، فلجأ بعضهم للعنف والتطرّف أو المخدّرات كطريقةٍ للتّنفيس عن معاناتهم وانكسارهم النفسي.

صنّف البحث هويات المهاجرين ضمن هويّتين واضحتين بين الشباب، فأكثرها ظهوراً هي الهويات الهجينة (Hybrid identity) * وتعني شخصاً يحمل ثقافتين أو أكثر، يظهر كصورةٍ جديدة مهجّنة، تشكّلت من تلاصق قطعٍ من أوراق أصليّة مختلفة، لتضيع ملامحها، فلا يميّز أيّهما هو الأصل وأيّهما الفرع.

أما الإسلام الحداثي (Neo islam) وهي الهويّة الثانيّة، فقد كانت محاولةً لصنعِ هويّةٍ خاصّة بالفرد من أصول مهاجرة، عن طريق المحافظة على بعضٍ من هوية الدين الإسلامي التي ورثها كعادة وعرف عن أهله، إلى جانب خضوعه لسياسة الأغلبيّة في ألمانيا حتّى يتمّ قبوله في مجتمعه ومحيطه، ولا يوجد سمات موحّدة لهكذا هويّة، فكلّ فردٍ يجد هويته الخاصّة به، لنجد منهم مثلاً المسلم (الكيوت) والمسلم (المغنّي) إلى المسلمة (الفيمينست) والمسلم الذي يدعو للتطبيع مع أفعال قوم لوط.

مسبّبات ضياع الهويّات

استنتج البحث العديد من الأسباب التي تفرض ضياع الهوية، أهمها:

عدم اهتمام الحكومة بدمج الجيل الأوّل وآبائهم بالمجتمع الجديد، حيث اعتبرتهم آنذاك مجرّد عمالةٍ أتوا لأداء مهمّة معينة وسيعودون، إضافة إلى معاملة هذه الأجيال الألمانية من أصولٍ مهاجرة كحال الغرباء، فيغيب عنهم التساوي بفرص العمل والدّراسة مع الفرص التي يحصّلها نظراؤهم من الألمان الأصليّين، فالمهاجرون وخاصة المسلمين منهم هم عرضة لعدم الحصول على عمل بسبب أصولهم العرقية أو حتّى أسمائهم.

كانت أغلب الأسباب متعلّقة بازدياد ظاهرة “الخوف من الإسلام” -إسلاموفوبيا- في أوروبا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث يصبح الخوف من كلّ مسلم –ولو كان مسلمًا بالاسم فحسب- أمراً طبيعيّاً يعزّزه الإعلام والسياسيّون، وسياساتهم ضدّ الدّول المسلمة، وبالذات تركيّا التي لم يسمح لها بالانضمام لدول الاتحاد الأوروبيّ بعد.

لذا يؤكّد باحثو المشروع على أنّ الإسلام وأجياله من الأصول المهاجرة ينتمون لأوروبّا وليسوا مجرّد غرباء، كما أن لديهم من المزايا ما يجعلهم فاعلين بشكلٍ إيجابيٍّ في مجتمعهم، بحيث يمكن لهم أن يشكّلوا جسوراً تسهّل التّواصل بين ثقافات أوطانهم وبين ثقافات البلاد التي لجأوا إليها.

أبناء المسلمين بين وطنٍ يرفضهم ومهجر ينكرهم

“لا أنا لا أشعر بأنّي ألمانيّة ولا عربيّة، ولكنّي واثقة بأنّي مسلمة، أنا مثلك تماماً يا أمّي أقف في الوسط بين الثّقافتين، فهنا في ألمانيا لديّ أيضاً مشاكلي لأنّي محجّبة، لست بيضاء، إنني مختلفةٌ عنهم، وعندما أزور مسقط رأسك لا أفهم ثقافتكم جيّداً وكأني غريبة عن وطنكم أيضاً، فأشعر بأنّي خليطٌ غريبٌ من الثّقافتين، لديّ 10% من كلّ منهما، فهناك شيءٌ ينقصني”.

صورة تعبر عن ضياع الهوية

هكذا أجابت فتاةٌ من أصول مهاجرة عربيّة أمّها عند سؤالها “ماذا يربطك بالوطن والعائلة؟” في حوار مرئيٍّ بينهنّ، نشر على منصّة ألمانيّة إعلاميّة، وربّما سمع البعض عن ردّ اللّاعب الألمانيّ من أصل تركيّ مسعود أوزيلMesut Özil على انتقادات طالته بسبب التقاطه صورة مع الرّئيس رجب طيّب أردوغان فقد قال ” لقد التزمت الصّمت لوقت طويل، أشعر أحياناً بأنّي غير مرغوبٍ به، لم يحاول أحدٌ من زملاء النّادي الّذي أنا عضوٌ فيه أن يدافعوا عني، فعندما أقوم بعمل مشرّف أنا ألماني، وعندما أخطئ أنا مهاجر”

وعلى الرغم من أنّ هذه الأجيال من أصول مهاجرة لا يعرفون وطناً غير هذا الوطن الذي ولدوا ونشأوا فيه وربما لا يتكلّمون سوى لغته، إلّا أنّهم يعاملون فيه في كثير من الأحيان كالغرباء، وهذا حال الكثير ممّن يولد وينشأ في دول الغرب وربّما في بلاد العالم أجمع، فمن الغريب بالنّسبة للأوروبيّين أن تقول لهم أنا منكم بعينين بنيّتين وشعرٍ أسود لتتهافت عليك الأسئلة مستفسرة عن أصلك الحقيقيّ.

ويبدو السّؤال عن الأصل سؤالاً عادياً فضوليّاً فقط، إلا أنّه مع مرور الوقت يتحوّل لسؤالٍ مزعج يثير المشاعر المتضاربة في نفس من يُسأل، ويولّد صراعاً في تحديد الانتماء، فيوجب عليه تحديد انتمائه لجماعة ما، “فكيف لي أن أنتمي لوطن يرفضني لأنّي مختلف اللّون والعرق عنهم مع أنّي نشأت بينهم؟، وما هو الوطن الآخر الّذي يحدّثني عنه والديّ؟، فأنا لا أعرفه جيّداً وأشعر بأنّي غريبٌ بينهم أيضاً ” .. هكذا يقال.. وهذا -لا ريب- شكلٌ من أشكال الصّراع الدّائم الذي يعايشونه منذ الطّفولة ملازماً لهم، ينشأ ويكبر معهم؛ فهذه التّساؤلات لم تكن لتوجد، لو لم يرفَض اختلافهم، أو لو لم يكن هناك تفرقةٌ وتمييزٌ عرقيٌّ وتعصّب للقوميّة.

إن أشدّ رفضٍ نشهده الآن هو رفض من يتّبع دين الله، فالقوانين العالميّة التي وضعت لحماية حقوق الإنسان وحريّته التّامة بالمقام الأوّل تستثني أحياناً الكثير من الفئات، ومن أهمها المسلمون، فنراها تتغيّر عندما يشعرون بالتّهديد، ولعلّ ما نشهده الآن في فرنسا من محاربة للمسلمين مع أنّ الكثير منهم من الأوروبيّين الأصليّين هو أكبر مثال، فبعضهم مازال يحمل شيئاً من جنون نابليون، وصدق قول الله تعالى }ولن ترْضىٰ عنك الْيهود ولا النّصارىٰ حتّىٰ تتّبع ملّتهمْ ۗ قلْ إنّ هدى اللّه هو الْهدىٰ ۗ ولئن اتّبعْت أهْواءهم بعْد الّذي جاءك من الْعلْم ۙ ما لك من اللّه من وليٍّ ولا نصيرٍ] { البقرة: 120[

 

العفاف الاجتماعي.. عقبات وتحدّيات

إذا أردت تدمير مُجتمع ما والسيطرة على أفراده، فعليك أوّلًا نشر الانحراف والانحلال الأخلاقي داخله، ومن ثمّ سيُصبح كلّ فرد مُتّبعًا لشهواته وساعيًا لإشباع غرائزه بنهمٍ، وسيُصبح ذلك محور حياته.

وقد تسرّب لنا نحن المسلمين اليوم هذا النوع من الانحراف وأصبح هنالك فساد في العلاقة بين الجنسين، وتسابقٌ من أجل إشباع الغرائز، وفقدنا بوصلة الإيمان التّي تُوجّهنا إلى الطّريق المُستقيم في الحياة، وانعكس ذلك كلّه على الفرد وعلى المُجتمع الذّي غشاه الوهن والضعف.

صورة تعبر عن الوقوع تحت أسر الغرائز والشهوات والتي تناقض العفاف الاجتماعي

هذا الحال الذي وصلنا إليه لم يكن موافقًا لما روّجه بعض بني جلدتنا المُنتمين للنّخب المُثقّفة بأنّ الانفتاح على الفكر الغربيّ بكلّيّته سيوصلنا للتقدّم العلميّ والحضاري، إلا أن هذا الأعمى لم يزدنا –في الحقيقة- إلاّ تخلّفًا وعُبوديّة وتقديسًا للغرب، إلى جانب تأخرنا في العمل المُثمر ومن دون تحقيق أيّ تغيير واقعي يُذكر.

إنّ الفرد منّا اليوم يجد نفسه حائرًا لا يدري أين الحقّ من الباطل في ظلّ هذه الفوضى الفكريّة التّي نعيشها، خاصّة في باب العلاقات بين المرأة والرّجل، فنجد أصواتًا مُتعاليةً من هنا وهُناك، كلٌّ يُناقض الآخرـ بين من يدع ولانفتاح غير محدود، وبين انغلاق تامّ على الذات مُؤدٍّ –ولا ريب- للكبت والانهيار.

فساد العلاقة بين الجنسين في الغرب

كانت بداية الانحراف قد ظهرت في العصور الوسطى في أوروبا أي مع بداية انحراف المسيحيّة وتسلّط الكنيسة على النّاس واستعبادهم باسم الدّين، حيث كانت الفكرة الشائعة في ذلك الزّمان أنّ الجنس شيء دنِس في ذاته، وأنّ المرأة مخلوق شيطانيٌّ يجب الابتعاد عنها، وأنّ الزّواج غريزة حيوانيّة ينشغل بها عامة النّاس، وأن من أراد السّعادة والتّقوى فعليه مُجاهدة نفسه والتخلّي عن فكرة الزّواج، وفي المُقابل كان هنالك الفجور والفواحش المُنتشرة فرارًا من هذا الكبت والقيود الواهمة.

 واستمرّ هذا الانحراف حتّى انفضحت الكنيسة بفسادها الجنسي بين الرّهبان والرّاهبات، ومع الانقلاب الصّناعي في أوروبا، والمُطالبة بالتحرّر المُطلق من كلّ شيء، ظهر فساد آخر سرعان ما انتشر وتصاعد مُتمثّلاً في التوجه نحو الإباحيّة الكاملة والتبذّل الأخلاقي والحريّة الجنسيّة.

ومما أسهم في ذلك ظهور السينما والتلفزيون والتحرّر من الأخلاق الضابطة، والاختلاط الماجن، ودور الأزياء والصّحافة، وأصبح البغاء والعلاقات المشبوهة والزّنا أمرًا عاديًّا في أوروبا، كونه داخلاً في الحريّات الشخصيّة التي لا ترتبط بالدّين والأخلاق والتّقاليد.

 وصل الأمر اليوم في أوروبا من شدّة هذا الانحراف إلى إعلان وزيرة المواطنة الفرنسيّة مؤخّرًا على أنّ قانون منع تعدّد الزّوجات في فرنسا لن يُؤثّر على حريّة ممارسة الجنس الجماعي، وتعدّد العشيقات، بل وصل بهم الانحراف والضّلال بأن يُعلن مجلس الشّيوخ الفرنسي السّماح بمُمارسة الجنس مع الفتيات في سنّ13 سنة إن كان ذلك بالتّراضي!

فأيّ انتكاس للفطرة وانحراف عن العفاف والحياة الطاهرة بعد هذا؟!

على الرغم من هذا الانفلات من الأخلاق والضّوابط والتّقاليد إزاء العلاقات الجنسيّة التّي أصبحت تُقام في يُسر وتحت حماية القانون من دون قيود، فإنّ شهوة الفرد داخل هذه المُجتمعات الحديثة لم تشبع بعد ولم تهدأ، وإنما واصل الإنسان الانحراف في تنفيسها إلى حدّ الملل الجنسي، حيث أبيحَ الشذوذ، وأصبحنا نرى -دونما تحرّج- حفلات زفاف تُقام لشخصين من نفس الجنس!

زواج المثليين من نتائج غياب العفاف الاجتماعي

فقد أثبتت نتائج بعض الدّراسات في استقصاء لمواطني الدّول الأوروبيّة قابليّتهم لهذا الأمر سنة 2015 حيث كانت النّسب كالآتي: 66% لكلّ من ألمانيا وفنلندا والنّمسا و55% في إيطاليا(2)، وفي تقرير فرنسي حديث صادم كُشِف عن أنّ أكثر من 10 آلاف طفل تعرّضوا للتحرّش الجنسي في الكنائس الفرنسيّة منذ 1950 وأنّ القساوس المُصابون بشذوذ اشتهاء الأطفال يتجاوز عددهم 1500(3)!

ولا ينتهي الأمر ههنا، إذ صدر أخيرًا كتاب “العائلة الكبيرة” الذّي هزّ المُجتمع الفرنسي للخبيرة الدّستورية “كاميل كوشنير” كشفت فيه أنّ رئيس مجلس إدارة معهد الدراسات السياسية المرموق بباريس، قد اعتدى جنسيًّا على شقيقها التوأم، وأسفر ذلك عن خروج الكثير من الأشخاص عن صمتهم وظهرت كثير من الفضائح الجنسيّة وزنا المحارم للعديد من المشاهير في الفنّ والسّياسة والإعلام.

وفي النّهاية أدّي هذا الانفتاح الجنسي، المُتجرّد من كلّ القيم الإنسانيّة، إلى هَوَسٍ ونَهَمٍ غير محدود وإلى غياب الأمن النّفسي والاستقرار الاجتماعيّ، وبالتّالي أصبح يُعاني البعض في هذه المجتمعات من ضغط عصبي وقلق وجنون قادهم إلى الاغتصاب والجريمة، حيث نشرت مجلّة “مادموزيل” الفرنسية سنة 2019 أنّه يتمّ اغتصاب امرأة كلّ سبع دقائق في فرنسا(4).

 واقعنا والعلاقات بين الجنسين

عندما قلدّنا الغرب بطريقة عمياء، انحرفت مُجتمعاتنا عن قيم العفّة والحياء رويدًا رويدًا، فأصبح الإعلام عندنا يستخدم فكرة التسوّل الجنسي، حيث يتمّ تشجيع المرأة والرّجل على الاقتداء بالنّموذج الغربي تحت عنوان مواكبة العصر والحداثة، فعلى المرأة أن تكون أكثر جاذبية وإثارة فور خروجها من بيتها سوى في العمل أو في الدراسة أو عند ذهابها للتسوّق، وعلى الرّجل أن ينساق وراءها ويُغازلها، ويبني صداقة معها من باب المُتعة واللّهو.

كما يتمّ في الأفلام والبرامج والمُسلسلات التّركيز على عرض العلاقات المُحرّمة وكأنّها التعبير الوحيدُ عن الحبّ والرّومانسيّة، ويتمّ إظهار مُرتكبيها على أنّهم ضحايا يجب التّعاطف معهم، أو الترويج لأنّ ما قاموا به من حرّيتهم الشّخصيّة، ولا يخفى أن الترويج للتعرّي وكشف مفاتن الجسد بات أمرًا لازمًا لهذه الأفلام، وذلك بدعوى شعور المرأة بأنوثتها، ومع تكرار الإعلام هذه الصّور والمشاهد والبرامج، صار المُتلقّي مهيّأ لقبول هذه المُمارسات داخل مُجتمعه ولا يُنكرها عند حدوثها.

الإعلام يحارب العفاف الاجتماعي

ولا ننسى أيضًا دور النّخب المُثقّفة عندنا التّي تسعى ليلاً نهارًا لتقويض مبادئ الإسلام داخل المُجتمع، وإعطاء كلّ وافد غربي إلينا طابعًا فلسفيًا وعلميًّا؛ لتبريره وإقناع العامّة بقبوله، أو لاستخفاف عُقولهم وأفكارهم، وها قد بتنا اليوم نسمع مُصطلحات غريبة عنّا كالأمّهات العازبات أو النّوع الاجتماعي وصار مرتكبو فعل قوم لوط يُطالبون بتشريع حقوق خاصة لهم علنًا في مُجتمع دينه الإسلام!

وانعكس ذلك سلبًا على الأسرة التّي لم تعد راحة وسكنًا حيث ارتفعت نسب الطّلاق، وأصبح كِلا الزّوجين يبحث عن صديق أو شريك يلجأ إليه باسم الصداقة، وأصبح البيت والأطفال عبئًا على كليهما، فانهار نظام الأسرة، وانجرّ عن ذلك ضياع الأبناء وشتاتهم النّفسي، ومع بلوغهم سنّ المُراهقة يجدون أنفسهم في مُجتمع مُنفتح على الإباحيّة فيبدؤون باتّخاذ الخليلات وقد يصل بهم الأمر للوقوع في الفاحشة مع طول الابتعاد عن منهج الله وترك تعاليم دينه.

ضرورة نشر العفاف الاجتماعي

اهتمّت الشريعة الاسلاميّة بنشر العفاف داخل المجتمع ووضعت له ضوابط مُعيّنة حمايةً له من الانحراف والفساد، وإنّنا لن نجد في العالم تشريع بشري يصل لهذه الدقّة ويهتمّ بهذه التّفاصيل من باب الحفاظ على فطرة الإنسان وضمان حياة سليمة له ولبنيه. فقد ضبط الشّرع لنا البصر وأمرنا بغضّه عن المُحرّمات رجالاً ونساء عملاً بقوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 30- 31]، وضبط لنا طريقة الكلام ونهى المرأة عن النّعومة المُفتعلة في نبرة صوتها فقال الله لها: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]، وضبط طريقة اللّباس للمرأة وللرّجل وجعل لهما عورات وجب سترها، فعن عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما: (رَأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَخِذَ رَجُلٍ خارجةً فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: غَطِّ فَخِذَكَ فإنَّ فَخِذَ الرَّجُلِ عَورتُه) [أخرجه أبو داوود والترمذي في السنن]، وأمر الله في كتابه المرأة فقال: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31]، وضبط طريقة مشية الرّجل والمرأة، فوجّه الله النساء قائلاً: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} [النور: 31]، وأمّا الرّجل فجاء الأمر على لسان لقمان بأن: {اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} [لقمان: 19].

 وكما أنّ اليوم لقاء الرّجل والمرأة أمرٌ واقع لا مفرّ منه، سواء في العمل أو الدّراسة أو أي مكان آخر، فلا بدّ أيضًا من مُراعاة أمرين:

أوّلهما: أن يكون للّقاء هدف ومصلحة فيها إصلاح ونفع للأفراد والمُجتمع، وليس لقاءً ماجنًا لا هدف وراءه سوى إرضاء شهوة النفس، وثانيهما: أن يكون هنالك التزام بالضوابط الإسلاميّة التّي ذكرناها آنفًا.

ولنا في قصّة سيدنا موسى عليه السّلام أسوة حسنة، عندما وجد امرأتان لم تستطيعا السقاية بسبب وجود عدد كبير من الرّعاة حول الماء وامتنعتا عن مزاحمة الرّجال والاختلاط معهم والاحتكاك المُباشر بهم حياء منهما فخاطبهما نبي الله موسى عليه السّلام بكلمة واحدة {مَا خَطْبُكُمَا}، ولم يبحث عن افتعال مُحادثة معهما التزامًا بالعفّة وابتعادً عن مسالك الفتنة فذهب للمقصد مُباشرة، وكان جوابهما أيضًا مُختصرًا لا زيغ فيه حيث {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}. فقام موسى {فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}. أي أنه أدى واجبه ثم انصرف ولم يستغلّ ضعفهما لإشباع غريزته ومُماطلتهما، وعندما أخبرا والدهما بذلك عادتا على استحياء يدلّ على عفة كلٍّ منهما {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} [الآيات من سورة القصص: 23- 25] وهذا هو الأصل في اجتماع الرّجل والمرأة.

إن مدار العفّة إذًا الامتناع عن كلّ فعل قبيح لا يليق بكرامة الإنسان كما حدّده شرعنا الحنيف، وإذا أردنا حماية مُجتمعاتنا من الانحلال المدمّر والمُهلك لروابط المُجتمع فعلينا العودة لمنهج الله والالتزام بمبادئ ديننا والتخلّق بآدابه وتربية الأجيال عليها، فإن لم نفعل فستلتَهمُنا الإباحية وينخر في جسد مجتمعاتنا الفساد!


الهوامش:

(1): جاهليّة القرن العشرين لمحمد قطب، دار الشروق للنشر بتاريخ 1993، ص 189.

(2): موقع أورونيوز، مقال بعنوان دول الاتحاد الأوروبي وزواج مثليي الجنس بتاريخ 13 جويلية 2017.

  (3): نفس المصدر، مقال بعنوان تقرير يكشف تعرض ما لا يقل عن 10000 طفل لاعتداءات جنسية في كنائس فرنسا منذ عام 1950 بتاريخ 3 مارس 2021.

  (4): موقع فرنسا24، مقال بعنوان العنف ضد النساء: اغتصاب امرأة كل 7 دقائق في فرنسا بتاريخ 25 نوفمبر 2019.

 

 

نوال السعداوي.. خطاب نسوي علماني أم عقيدة شيطانية؟

حفلت مواقع التواصل بالتعليق على وفاة الكاتبة نوال السعداوي، عن عمر يناهز التسعين عاما، ومما لفت نظري أن كل من ينتقدونها استوقفتهم شعارات مكررة في خطابها، تندرج جميعها تحت مظلة النسوية والعلمانية، وهذا ليس بجديد ولا فريد، فأمثالها في المجتمع العربي كُثر، وقد سبقوها إليه قبل أن تولد، وكان يجدر بالنقاد العودة إلى الجذور.

نوال اشتهرت في شبابها بالنضال النسوي من داخل الإسلام، وساعدتها سذاجتها وهوسها بالتحدي على الظهور في دور البطلة التي تتحدى السلطة بكل شجاعة، وكأن الإسلاميين هم الذين حكموا مصر أو أي بلد عربي ولم يكونوا هم ضيوف السجون والمنفى منذ مئة سنة!

من فرط السذاجة التي تمنح الحمقى دور “الشجاعة” قالت في إحدى المقابلات: “أنا أهم من العقاد وطه حسين، أعلم في القرآن أكثر من الشيخ الشعراوي”. هذا التهريج الثقافي يعجب كثيرا وسائل الإعلام، وعندما يكون صاحبها أنثى فهذا أكثر إثارة، وعندما تكون هذه الأنثى سفيرة للفكر الغربي المتغلب فكيف لا ينال الصدارة؟

في منتصف السبعينات، طرحت نوال فكرها النسوي في كتاب “الأنثى هي الأصل”، مكررةً أسطورة نشأة الحضارة على مبدأ تقديس الأنثى في مجتمعات أمومية رومنسية لا تعرف الحرب. وفي منتصف الثمانينات، طرحت نقدها للذكورية في كتاب “إيزيس” لتنتصر للإلهة الأنثى في وجه الإله «رع»، لأنه أمر بالختان والإِخصاء ضد المستضعفين فقط، وهم النساء والعبيد.

كتاب من كتب نوال السعداويفي بداية التسعينات بدأت الصورة تتضح، فمع إصرارها على أنها تريد إصلاح الإسلام من داخله، لا سيما أنها “أكثر معرفة به من الشعراوي”، لكن العقيدة الخفية بدأت بالظهور مع كتاب “جنّات وإبليس”، ﻓجنَّات هي المرأة التي تعاني من القهر وتطرح أسئلتها البريئة عن الدين والمرأة، وإبليس (شخصيا ودون تورية) هو الشاب الذي يعاني من تهمة الشر الظالمة، وما زال يتمرد على والده الذي يرمز للإله، ويظل الصراع قائما حتى يموت الشاب البريء فيعلم والده متأخرا أن ولده لم يكن شريرا بل الناس هم الذين ظلموه.

ظلت نوال تخرّب عقول الأجيال الفارغة، ومن داخل الإسلام، كما يفعل كل الوكلاء عندنا بترديد مطالب المستشرقين والملحدين مع الإصرار على النطق بالشهادتين. وكانت شعاراتها المكررة والطفولية تكفي ليتململ منها بعض العلمانيين، أذكر مثلا صاحبة برنامج ثقافي حواري على قناة أبو ظبي استضافتها في بداية هذه الألفية ولم تستطع كتمان غضبها بعد كل إجابة، حتى أنهت الحوار بطريقة مستفزة، لكن المفاجأة كانت عندما استضافتها في حلقة أخرى لتجلس أمامها كالتلميذة وتسمح لها بطرح كل سخافاتها. استنتجتُ آنذاك أن الأوامر جاءت باستقبالها مرة أخرى وإعادة الاعتبار لأفكارها التي يجب نشرها بأي ثمن.

غطاء النفاق

في 2006 استضافها الإعلامي الدرزي سامي كليب في برنامجه “زيارة خاصة”، وحاول أن يدير الحوار بدبلوماسية، وفي النهاية قالت له إنها ما زالت تحلم بأن تقول كل ما في خاطرها لتكسر “التابوهات” (أي المحرَّمات) التي نخاف منها، فسألها وهو يضحك: هل بقي شيء لم تكسريه؟ فأجابت: هو أنا كسرت حاجة لسه؟

في السنة نفسها، بلغت بها السذاجة -لسبب لا أعرفه- أن تكشف غطاء النفاق، وكتبت مسرحية -لا تمت إلى الأدب بصلة- بعنوان “الإله يقدم استقالته في اجتماع القمة”، انتصرت فيها نوال لإبليس (لوسيفر) صراحةً، وقدمت الإله في صورة الطاغية. حاول الأزهر أن يقاضيها، لكن -ويا للعجب- لم ينجح في استخدام “سلطته”. زعم أمثالها أنها كانت ترمز للحكومة فانتقدت الإله نفسه كي لا تقع في ورطة، ولم يشرحوا لماذا يكون انتقاد الإله أسهل من انتقاد الطاغية طالما كانت السلطة متواطئة مع الكهنة؟!

الآن، من ستصيبه الدهشة أو يطرح الأسئلة عندما يرى اسم السعداوي في قائمة مجلة تايم الأمريكية لأهم 100 امرأة في العالم؟ هي لم تقف مثل آلاف الفتيات في ميادين سورية ومصر وليبيا واليمن لتطالب بإسقاط الطغاة في مواجهة الرصاص الحي، هي وقفت فقط في وجه الإسلاميين الذين يرميهم الطغاة في السجون حتى الموت.

في آخر مقابلة لها، بثتها القناة الفرنسية الحكومية (فرانس24)، قالت نوال وهي على وشك الموت، وبكل وضوح بعدما تخلصت من نفاقها: إن المرأة مقهورة في كل الأديان. استدركت مُحاورتها -مع أنها تعمل للقناة الفرنسية نفسها- لتقول: “هم طبقوا الأديان غلط”، فأكدت نوال: لا، لن أخدعك في آخر عمري، ولن أدور في الفلك الذي يبرر للدين. تقاطعها المحاورة مرة أخرى، فتؤكد نوال أن الكتب السماوية المنزلة من عند “ربنا” هي الظالمة، وتعترض على المنطق الذي يبرئ الرئيس ويلصق التهمة برئيس الوزراء، وهو الذي نكرره بتبرئة الإله وإلصاق الشر بالشيطان.

مع كل كفرها الصريح، لدينا اليوم أجيال من “النسويات الإسلاميات” المعجبات بشجاعتها، ومعيار الإيمان والكفر ليس على قائمة الأولويات عند هذه الطائفة، فالمهم لديهن هو الانتصار على الذكور، وقريبا ستجدون قناع النفاق يسقط عن وجوه بعضهن واحدة تلو الأخرى. احتفظوا فقط بمقالي هذا واسترجعوه عندما تصدمكم الحقيقة.

الغنوصية الشيطانية

بعد هذا كله سأعود إلى نقطة البداية، فهل ما زالت الصورة مشوشة لدى أصحابنا؟ نحن لسنا أمام خطاب نسوي علماني فقط، ولا حتى أمام حالة إلحادية بحتة. ما قدمته نوال في السنوات الأخيرة هو العقيدة الباطنية الغنوصية الشيطانية التي تتبناها الجمعيات السرية، والتي أخرجتها للعلن مؤسِّسة جمعية “الثيوصوفيا” الروسية هيلينا بلافاتسكي في كتابها “العقيدة السرية” عام 1888، وهو الذي كشفت فيه عقيدتهم الصريحة في الإيمان بألوهية إبليس الندية للخالق نفسه، وبالانحياز لإبليس (لوسيفر) في مقابل الإله الذي خلق الكون وأنزل الشرائع وأرسل الأنبياء.

هذه العقيدة هي التي تتبناها جذريا كل الجماعات السرية، الماسونية وأخواتها، وهي التي يجب أن يفهم الإسلاميون أن الصراع معها أولا، ثم مع الإلحاد والمسيحية والبقية.

الساحرة بلافاتسكي نشأ على يديها جيل من النسويات الشيطانيات، وعلى رأسهن أليس بايلي، مؤسِّسة جمعية “لوسيفر ترست” التي تغير اسمها لاحقا إلى “لوسي ترست” والتي تعتمد عليها الأمم المتحدة نفسها في مطبوعاتها وبعثات سفراء “النوايا الحسنة”.

بقية التفاصيل تجدونها في كتابي الجديد “مستقبل الخوف“، وهذه كلها حقائق منشورة في مواقع رسمية وليست نظريات مؤامرة.

هذه كانت إضاءة عابرة على شخصية عابرة لم يفهمها الكثيرون. وبما أنها هلكت في “يوم الأم”، فسأختم بموقف طريف من ذاكرتي يعود إلى نفس سنة صدور المسرحية (2006)، عندما خرجت ابنتها النسوية المتطرفة منى حلمي بفكرة الانتساب إلى الأم من باب المساواة، وكتبتْ مقالا يعلن أن اسمها صار ينتهي بعائلة السعداوي. وحتى تتحول هذه المهزلة إلى فرقعة إعلامية استضافها أحد الإعلاميين وسألها عما تريد، فملأت الحلقة بالصراخ الذي كان يعلو على أصوات كل الذكور في الاستديو، نجح المُحاور أخيرا في تهدئتها كي تشرح لنا ما الذي تريده، فقالت إنها فكرت في تقديم هدية ثمينة لأمها في يوم الأم، وبدلا من تقديم بطاقة معايدة بخمسين قرشا قررت أن تهديها شرف الانتساب لها، لتفوز بذلك في جولة إضافية على الذكورية الطاغية. كنت أتمنى أن يسألها حينئذ: لماذا يحظى يوم الأم بكل هذا الاحترام في عالم يحكمه الذكور، بينما لا نكاد نسمع بيوم الأب؟!