مقالات

تفرّقت أيادي سبأ!

سمعتَ من قبلُ بقول العرب: “تفرقت أيادي سبأ” أو “تفرقت شذر مذر”.. وكيف تُراها ردة فعلك إن علمتَ أنهم تمنَّوا ذلك الشتاتَ حتى ابتُلوا به فعلاً!

جاءت قصة سبأ مرويّةً على لسان ربّ العزة في كتابه الكريم وفي سورةٍ خاصةٍ باسم هذه الأمة “سورة سبأ”، ضمنَ سياقٍ متسلسلٍ قد يبدو غريباً للوهلة الأولى، ذو انطباعٍ أوليٍّ دافعٍ لإطلاقِ حكمٍ بالسذاجةِ أو حتى الغباء المستنكِرِ جدّاً لتصرِّفٍ بشريٍّ كهذا.

بدأ السياق بوصف حياتهم ونعيمهم، بوصف جنّتَي سبأ:

{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ:١٥]

كان المطلوبُ التنعّمَ والشكر، أو لعلّنا نستطيع أن نقول: التنعّم وأقل واجباتِ الامتنان، الحمد للمنعمِ المتفضل، فما الذي جرى؟

 يستمر السياق بوصف كفرهم وإعراضهم حتى بدّل الله جنتَيهم بجنتين فاسدتَين كريهتين، جزاءً على قدر الفعل.. ويبدو الأمر مألوفاً في النص القرآنيّ؛ أمّةٌ عاصية وربٌّ عدل، يجازي الكفر بالعذاب.

يأخذنا السياق في بحره إلى وصف تفصيلٍ خاص من أوجه النعم التي اختصّ بها الله المعطي قوم سبأ وهي قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} [سبأ:١٨]

تصف الآية حالةً من الرخاءِ الذي عاشته سبأ إن أرادوا السفر تحديداً؛ وهي أنّه كان يسيراً هيّناً.. فقد وصف ابن كثير ذلك في تفسيره بقوله: “إنَّ مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمراً، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم”[1]   أي أنّ قرىً حيّةً كانت موجودةً على امتداد مسار سفرهم، فلا يصيبهم ما يصيب المسافرَ أو ابنَ السبيل من مشقةٍ أو انقطاع أو حاجةٍ لحمل الزاد، وقد قال البغوي في تفسيره: “كان مسيرهم على قدر نصف يوم، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا إلى قريةٍ ذات مياه وأشجار”[2]

{ربَّنا باعد بين أسفارِنا}
جاء ردُّ سبأ هنا مخالفاً للمعتاد فهم قد طلبوا المشقّةَ من الله الكريمِ طلباً! وذكروها باسمها ذكراً صريحاً بكامل إدراكهم، {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} [سبأ:١٩]، وهذا ينقل ذاكرتَنا دون مقدماتٍ إلى ذاتِ الفعل المتناقض الذي مارسه بنو إسرائيل حين طلبوا استبدال محصول الأرض بخيراتِ السماء، والتعب عوضَ الرخاء، وكما ذكرنا سالفين؛ يبدو الأمرُ ساذجاً للوهلة الأولى ولكنّه يستحقُّ النظرَ ليُفهَمَ ويفسَّر..

يمكن أن نقول إن نظرتهم للنعيم لم تكن حينها نظرتنا المتّزنةَ هذه، بل إن سرَّ تناقضهم هو استخدام منظورٍ مختلٍّ يبدّل الرؤية، حتى رأوُا النعمةَ نقمة، والبراحَ سجناً.

إن تعامُل الإنسان مع ملك اليدِ على أنّه أمرٌ مضمون، قد يصل به للشعور بالملل، للخروج من حيز رؤيته كنعمة، إلى حيز رؤيته أمراً تمتلكه النفس وتريد سواه، إلى اعتبار الطير على الشجرة، أفضل مما في اليد، وإن كان ما في يده صقراً قوياً أو طاووساً بهيَّ الألوان! فتتجاوز النفس بذلك مساحةَ الحكم على كونِ المراد أفضلَ أم أسوأ، إلى حيز مجرد امتلاكه.

وقد يقصّر الأمر الرؤية حتى تنكبّ على الأمر دون سواه، وقد لا ترى سواه أصلاً، بل تستمر تكوّراً على النعمة، عبثاً بها، وخروجاً من مساحةِ جحود شكرها، إلى تمني زوالها حتّى.

واستبدالها بالدون المختار! بالتربّص بها، وإيقاع العيوب فيها، وإقامة الحجج المنهارة للدفاع عن ذلك الخلل النفسيّ الجليّ، والبطر العيان.

هذا وقد تصل بالنفسِ السفاهةُ أن تغفل حتى عن آثار نعمتها الموجودة -بالتعامل معها كمعطياتٍ ثابتة- فلا تدرك غيابها حقّ الإدراك، ولا تقدّر ذلك تقديراً صحيحاً، وقد فسَّر البعض طلب سبأ هذا تفسيراً اقتصادياً؛ حيث أرادوا ذلك حتى لا تكون طريق التجارة مسهّلةً للجميع، فيتميّزوا في قطع المشقات وتحصيل الأرباح دوناً عن سواهم، ناسينَ بذلك طبيعةَ هذه المشقّات، وصعوبةَ المسافات أمام حيَلهم الضعيفة، ظانّين نعيمهم الحاليَّ ملكاً أصيلاً عندهم وقدرة.

شتاتُ سبأ
جاء وصفُ شتاتهم على لسان القابض الباسط بليغاً يصف قسوةَ المآل؛ {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ..}! [سبأ:١٩] فقد باتوا العبرَةَ الحقّة التي أصبحَ الناس يتعظون بها في سمرهم وحديثهم، كان شتاتهم في حالةٍ من ذُرى العشوائية والتفرقة، انتزعهم من الوحدةِ والأنس إلى ذلِّ الغربة، كانَ تمزّقاً كما اختارَ الله أن يصفَه، انكسارُ اللُّحمَةِ ويباسُ النعيم. كانَ السبب الذي أرسله الله لانهيار تلك المملكة هو سيل العرم، الذي تسبّبَ بانهيار سدّ مأرب العظيم، أكبر ما شيّدت تلك المملكة وأنجزت، فأغرقَ الزرع والبساتين والجنّات وأتلفها جميعاً.

القرآن والذي يحتوي سورة سبأ

بعد أن جُعلوا عبرة، مَن المعتبِرونَ الذين خصَّهم الله بالانتفاع من ذلك؟ هم أناسٌ أدركوا هفوةَ سبأ فاجتنبوها {.. إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [سبأ:١٩]

هو الصبر؛ صبرٌ على النعم والنقم على حدٍّ سواء، الصبرُ الذي يقتل التملّل في مهده، ويطهو على نارِ التؤدةِ ثماراً حصادها الخيرُ والحكمة، واستخدام النعم على الوجه الذي يرضي المنعم. وهو الشُّكرُ؛ لسانُ عباد الرحمن مديمي الحمد والثناء، متبصّري الاصطفاء الساعين لأداءِ حقّه الليل والنهار.

أُسدلَ الستار بوصفٍ مُهينٍ، وبغطاءٍ أسودٍ سَمتُه الخزي؛ {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سبأ:٢٠] بأن كانوا ورقةً رابحةً لظنون إبليسَ اللعينة، وجنداً خاسراً من جيشهِ الذي توعّد بإضلاله.. كانت مَهمته سهلة؛ {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ..} [سبأ:٢١]، أضلّهم بتمويه النعم، وتزيين الجحودِ والنقم، إغواءٌ وضلال وسطَ جنّاتٍ غضّة، ورفاهٍ وبنين، لم يكن له سلطانُ قهرٍ أو إجبار، بل بمحض الاختيار، ويا لخيبةَ الاختيار إن كانَ المرءُ متبطِّراً، والنفس فاسدة.

تفرّقت أيادي سبأ” أي تفرقوا تفرقاً لا اجتماع بعده، جاء في تهذيب اللغة للأزهري: “وقولهم: ذهب القوم أيدي سبأ، وأيادي سبأ: أي متفرقين، شبهوا بأهل سبأ لمّا مزقهم الله في الأرض كل ممزق، فأخذ كل طائفة منهم طريقا على حدة. واليد: الطريق”[3] [تهذيب اللغة، ص٧٢ ]

فيا لخيبةَ سبأ وأيادي سبأ!


المراجع:

 ابن كثير، دار طيبة، السعودية، ١٩٩٩م

الحسين بن مسعود البغوي، دار طيبة، السعودية، ١٩٩٠م

محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي،

https://al-maktaba.org/book/7031/3704#p5

 

[1] ينظر تفسير ابن كثير في تفسيره لهذه الآية.

[2]  ينظر تفسير البغوي، في تفسيره هذه الآية.

[3] ينظر تهذيب اللغة دار إحياء التراث العربي، بيروت، ٢٠٠١م، ط1، 27.

كونوا معَ الصّادقين

لا تأتي أهمّية القدوة من كونها النبراس الذي يضيء لنا في عتمات الضياع فحسب، بل تمتاز بأنها تعلّمنا كيف تنيرُ حياتنا بعمل القلب الحقيقيّ الذي ينعكس نوره على سلوك الجوارح.

يركن المرء إلى القصص ليستلهم منها الدروس والعِبر، فيتعلمها ثُمّ يحيلها إلى عملٍ، وربما تلهمنا قصص الناجحين كيفية الخروج من الصعوبات بأحسن مِمّا كنا عليه.

مع كعب بن مالك
لا تنطلق هذه الكلمات من قصص أحد الناجحين المُعاصرين، وإنّما يغوص بنا مئات السنين إلى الوراء حيثُ العُظماء الذين ربّاهُم خيرُ الخلق بتعاليم الوحي الإلهي العليم بالنفس البشريّة.

يروي لنا كعب بن مالك حكايته، بدءًا من مبايعته في العقبة واشتراكه في معارك النبي صلى الله عليه وسلم، وصولا إلى تخلفه عن غزوة تبوك.

وهنا نقف قليلاً، فنستحضر مشهداً لإنسانٍ مسلم قد أذنَب ذنباً في حق الله وفي حق نفسه، فنراه في تلك اللحظة يبدأُ جَلداً بهذه النفس مُتناسياً أنّها تُصيب و تُخطئ، و أنّه إن أخطأَ اليوم فقد أصابَ قبله و يستطيع أن يرجع عن ذنبه طالما أنّه حيّ، فكثيرٌ منا حينما يُذنب يبدأُ بمحاسبة نفسه حساباً غير مُنصف، مما يجعله يغرس قدميه أكثر في وحل الذنب، فالندم مطلوبٌ، وكذلك محاسبة النفس مطلوبةٌ، إلا أن جلدها وتناسي ما فعلت من خير لا يُصلحها بل قد يزيد الأمر سوءًا.

يقول كعب: “وأَقُولُ في نَفْسى: أَنا قَادِرٌ علَى ذلِكَ إِذا أَرَدْتُ، فلمْ يَزلْ يَتَمادى بي حتَّى اسْتمَرَّ بالنَّاسِ الْجِدُّ، فأَصْبَحَ رسولُ الله ﷺ غَادياً والْمُسْلِمُونَ معَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جِهَازي شيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَم أَقْض شَيْئاً، فَلَمْ يزَلْ يَتَمادَى بِي حَتَّى أَسْرعُوا وتَفَارَط الْغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِل فأَدْركَهُمْ، فَيَاليْتَني فَعلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذلِكَ لي”.

ألا تشعر أيها القارئ ههنا بالصدق الشديد مع النَفس، كأنّنا نرى إنساناً يحمل همةً للذهاب إلى الغزو، ثُمّ يؤجّل، تُحدثه نفسه أن يذهب مِراراً، ثُمّ يتراجع، يصدق في نيّته، ولكنّهُ في ذات الوقت لم يشرع بالعمل وِفقاً لما نَوى.

ساعةُ الصدق
جاء المتخلفون إلى الرسول -عليه الصلاة و السلام- يعتذرون إليه، وهنا يُكمل كعباّ حديثه فيقول: “فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قدْ أَظِلَّ قَادِمَاً زاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ حَتَّى عَرَفتُ أَنِّي لم أَنج مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَداً ذَلك جَاءَهُ الْمُخلَّفُونَ يعْتذرُون إِليْه وَيَحْلفُون لَهُ، وَكَانُوا بِضْعاً وثمَانين رَجُلا فَقَبِلَ منْهُمْ عَلانيَتهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتغفَر لهُمْ وَوَكلَ سَرَائرَهُمْ إِلى الله تعَالى. حتَّى جئْتُ، فلمَّا سَلَمْتُ تبسَّم تبَسُّم الْمُغْضب ثمَّ قَالَ: تَعَالَ فجئتُ أَمْشي حَتى جَلَسْتُ بيْن يَدَيْهِ، فقالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَك، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنِّي واللَّه لَوْ جلسْتُ عنْد غيْركَ منْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَني سَأَخْرُج منْ سَخَطه بعُذْرٍ، لقدْ أُعْطيتُ جَدَلا، وَلَكنَّني وَاللَّه لقدْ عَلمْتُ لَئن حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذبٍ ترْضى به عنِّي لَيُوشكَنَّ اللَّهُ يُسْخطك عليَّ، وإنْ حَدَّثْتُكَ حَديث صدْقٍ تجدُ علَيَّ فِيهِ إِنِّي لأَرْجُو فِيه عُقْبَى الله، واللَّه ما كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، واللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسر مِنِّي حِينَ تَخلفْتُ عَنك.

قَالَ: فقالَ رسولُ الله ﷺ: أَمَّا هذَا فقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضيَ اللَّهُ فيكَ”

يقف المخلّفون أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون عن تخلّفهم، فيقبل علانيته ويوّكلُ سريرته إلى الله، فلا يُعاتب، فالعتابُ لم يكُن إلا من نصيب من لم يعتد الرسول هذا الأمر منه، وها هو كعبٌ يجلس بين يدي رسول الله، يرى النبي يتبسم تبسّم المُغضب له ويُعاتبه، فتضطرم نيران الندم في قلب كعب، فهو ليس كغيره مِمّن تخلفوا.

في تلك اللحظات الصعبة، بعدما رأى كعب قبول الرسول اعتذار وحُجج المُخلفين، يظهر معدنه الأصيل، وقد عهدناه صادقاً مع نفسه في بداية الحديث ومن يصدُقُ مع نفسه لابُدّ أن يصدق مع غيره، فها هو يعترف بأن لا حُجةَ له أبداً، ولأن الله أراد لقصتهِ أن تحيا، أنزلها في وحيٍ محفوظ، تُرددَ على ألسنة البشر إلى يومنا هذا.

يقول له الرسول: فقُم حتى يقضيَ اللهُ فيك، فيتبعه رجالٌ من بني سلمة يقولون له: “واللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذنْبتَ ذَنْباً قبْل هذَا، لقَدْ عَجَزتَ في أنْ لا تَكُون اعتذَرْت إِلَى رَسُول الله ﷺ بمَا اعْتَذَرَ إِلَيهِ الْمُخَلَّفُون فقَدْ كَانَ كافِيَكَ ذنْبكَ اسْتِغفارُ رَسُول الله ﷺ لَك. قَالَ: فَوالله ما زَالُوا يُؤنِّبُوننِي حتَّى أَرَدْت أَنْ أَرْجِعَ إِلى رسولِ الله ﷺ فأَكْذِب نفسْي، ثُمَّ قُلتُ لهُم: هَلْ لَقِيَ هَذا معِي مِنْ أَحدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ لقِيَهُ مَعَكَ رَجُلان قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقيلَ لَهمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لكَ، قَال قُلْتُ: مَن هُمَا؟ قالُوا: مُرارةُ بْنُ الرَّبِيع الْعَمْرِيُّ، وهِلال ابْن أُميَّةَ الْوَاقِفِيُّ؟ قَالَ: فَذكَروا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْن قدْ شَهِدا بدْراً فِيهِمَا أُسْوَةٌ. قَالَ: فَمَضيْت حِينَ ذَكَروهُمَا لِي”

حتى ضاقت عليهم الأرض
هُنا يبدأُ البلاءُ الكبير، وتتوالى الدروس واحداً تلوَ الآخَر، وتنقل إلينا مشاهدها مُستشعرين عِظمَ تربية سيدنا محمدٍ -عليه الصلاة و السلام- لنفوسِ أصحابه.

يستكمل كعب فيقول: “وَنهَى رَسُول الله ﷺ عَنْ كَلامِنَا أَيُّهَا الثلاثَةُ مِن بَين من تَخَلَّف عَنهُ، قالَ: فاجْتَنبَنا النَّاس أَوْ قَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرت لِي في نَفْسي الأَرْضُ، فَمَا هيَ بالأَرْضِ الَّتي أَعْرِفُ، فَلَبثْنَا عَلَى ذَلكَ خمْسِينَ ليْلَةً. فأَمَّا صَاحبايَ فَاستَكَانَا وَقَعَدَا في بُيُوتهمَا يَبْكيَانِ وأَمَّا أَنَا فَكُنتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنتُ أَخْرُج فَأَشهَدُ الصَّلاة مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ في الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحدٌ”

إن حصول الذنب لا يعني القعودَ عن العمل والاستغراق في الندم، لقد ضاقت الأرض بما رحبت على كعب، إلا أن ذلك لم يمنعه من شهود الصلاة مع المسلمين والطواف في الأسواق، والسعي في طلب الرزق، وإن كان يعلمُ بأنّ الله لم يقضي فيه أمراً بعد، إلا أنه مدركٌ أن لابُدّ من القيام، بل إن حُبّه يُظهرُ لرسول الله نَدمه، ويصف لنا هذا في بقوله:

“وآتِي رسولَ الله ﷺ فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُو في مجْلِسِهِ بعدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ في نفسِي: هَل حَرَّكَ شفتَيهِ بردِّ السَّلامِ أَم لاَ؟ ثُمَّ أُصلِّي قَريباً مِنهُ وأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقبَلتُ عَلَى صلاتِي نَظر إِلَيَّ، وإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتى إِذا طَال ذلكَ عَلَيَّ مِن جَفْوَةِ الْمُسْلمينَ مشَيْت حَتَّى تَسوَّرْت جدارَ حَائط أبي قَتَادَةَ وَهُوَا ابْن عَمِّي وأَحبُّ النَّاسَ إِلَيَّ، فَسلَّمْتُ عَلَيْهِ فَو اللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلْت لَه: يَا أَبَا قتادَة أَنْشُدكَ باللَّه هَلْ تَعْلَمُني أُحبُّ الله وَرَسُولَه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم؟ فَسَكَتَ، فَعُدت فَنَاشَدتُه فَسكَتَ، فَعُدْت فَنَاشَدْته فَقَالَ: اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ”

وبينما هو كذلك يُبتلى بابتلاءٍ جديد فيطلبهُ نبطيٌّ من نبط أهل الشام فيدفع له كتاباً من ملكِ غسان يقول فيه: “أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بلَغَنَا أَن صاحِبَكَ قدْ جَفاكَ، ولمْ يجْعلْك اللَّهُ بدَارِ هَوَانٍ وَلا مَضْيعَةٍ، فَالْحقْ بِنا نُوَاسِك، فَقلْت حِين قرأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيْضاً مِنَ الْبَلاءِ فَيمَّمْتُ بِهَا التَّنُّور فَسَجرْتُهَا “

يظهر أمثال هذا الملك في لحظات ضعفنا، يعرِضُ علينا مالاً أو منصباً أو فِردوساً أرضياً يدّعيه و يُغرينا به في صورٍ كثيرة، فيأتي من منافذ وأبواب قد لا نتخيلُها، إلا أنه حتماً بلاء وامتحان، فإن كانَ القلبُ فارغاً سقطَ في الاختبار، و إن كان قلباً مُمتلئاً بمحبة الله و صادقاً اجتاز البلاءَ بقوّةٍ كما فعل كعب.

يؤمر المخلّفون الثلاثة باعتزال نسائهم، ومع اشتدادِ الأمرِ عليهم تضيق الأرضُ أكثر فأكثر، ويوقنون أن لا ملجأ من الله إلا إليه مع كُلِ بلاءٍ يُصيبهم، وتكملُ الليالي الخمسون و هم في حالهم هذا، يظهرُ النورُ فجأةً.

أبشِر بخيرِ يومٍ مرَّ عليك
يقول كعب: “ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاَةَ الْفَجْرِ صباحَ خمْسينَ لَيْلَةً عَلَى ظهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبينَا أَنَا جَالسٌ عَلَى الْحال الَّتي ذكَر اللَّهُ تعالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِى وَضَاقَتْ عَليَّ الأَرضُ بمَا رَحُبَتْ، سَمعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أوفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ، فخرَرْتُ سَاجِداً، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ فَآذَنَ رسولُ الله ﷺ النَّاس بِتوْبَةِ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا حِين صَلَّى صَلاة الْفجْرِ”

يُكمل كعب حديثه عن مشهد التوبة و القارئُ للحديث يفرحُ لفرحه و كأنّهُ بين الناسِ يُهنئ كعباً، و كأنّهُ في مجتمع الصحابة يفرح لما يستحقُ الفرحَ حقاً “وانْطَلَقتُ أَتَأَمَّمُ رسولَ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهَنِّئُونني بِالتَّوْبَةِ وَيَقُولُون لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ، حتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رسولُ الله ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طلْحَةُ بْنُ عُبَيْد اللهِ رضي الله عنه يُهَرْوِل حَتَّى صَافَحَنِي وهَنَّأَنِي، واللَّه مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهاجِرِينَ غَيْرُهُ، فَكَان كَعْبٌ لاَ يَنْساهَا لِطَلحَة”

لنقف عند هذه الجملة: “وكان كعبٌ لا ينساها لطلحة”، ففي مثل هذه المواقف أيضاً تظهرُ محبةُ الناس للشخص بأبسط الأفعال وقد يُفاجَأ الإنسان بوقوفِ أشخاصٍ معه يفرحون لفرحه و يُؤازرونه، فكأنّ طلحة كان يشعر بما شعر به كعب و كان يعدُّ الأيّام عدًّا معه، فمُصافحة طلحة لكعب قد تكون عملاً بسيطاً، إلّا أنّه ينبئ عن حُبٍ يكنه المسلم لأخيه، فكعبٌ لم ينسَ الموقف هذا، بل هو يتذكره و يرويه لنا واصفاً تأثيره فيه.

أمّا المشهد الأهم، فهو الذي كان كبعث الحياة في قلب شخص، وذلك حين تأكد كعب أنّ بشارته قد جاءت من الله:

“فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ، قَالَ: وَهوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُور “أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ، مُذْ ولَدَتْكَ أُمُّكَ” فقُلْتُ: أمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُول اللَّهِ أَم مِنْ عِنْد الله؟ قَالَ: لاَ بَلْ مِنْ عِنْد الله، وكانَ رسولُ الله ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنارَ وَجْهُهُ حتَّى كَأنَّ وجْهَهُ قِطْعَةُ قَمر، وكُنَّا نعْرِفُ ذلِكَ مِنْهُ”

وهنا، لا شيء يُقالُ أمامَ هذا المشهد العظيم.

وينتهي الحديث بقوله: “يَا رَسُولَ الله إِن الله تَعَالىَ إِنَّما أَنْجَانِي بالصِّدْقِ، وَإِنْ مِنْ تَوْبَتي أَن لا أُحدِّثَ إِلاَّ صِدْقاً ما بَقِيتُ، فو الله مَا علِمْتُ أَحَداً مِنَ المسلمِين أَبْلاْهُ اللَّهُ تَعَالَى في صدْق الْحَديث مُنذُ ذَكَرْتُ ذَلكَ لرِسُولِ الله ﷺ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلاَنِي اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهِ مَا تَعمّدْت كِذْبَةً مُنْذُ قُلْت ذَلِكَ لرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفظني اللَّهُ تَعَالى فِيمَا بَقِي، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ حَتَّى بَلَغَ: إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ حَتَّى بَلَغَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:117-119]

يا لعظم العمل القلبيّ الذي نزلت لأجله آياتٌ من الله، فالقصة بدأت بتخلّف كعب عن غزوة تبوك وانتهت برفعه إلى درجة الصادقين في آياتٍ تُتلى في قُرآنٍ قد تكفلَ اللهُ بحفظه تشهدُ على صدق هذا الصحابيّ، آياتٌ وأحاديثَ عظيمة نستلهم منها النجاح والفلاح الذي يبدأ في الدنيا ويستمر للدار الآخرة.

هذا الصدق يبدأ بأن نكون صادقين مع أنفسنا، مُنصفين بالتعامل معها، مدركين ضعفنا وبأنّ الضعف الذي نواريه ونخجل منه هو من يرفعنا إن فهمناه وأحسنّا التعامل معه، وأن نكونَ صادقين مع غيرنا وإن ظننا لوهلةٍ أنّ الكذب يُنجي وتوفرت أمامنا سُبُل الكذب، ونتعلم أنّ البلاء قد يدل على محبة الله لعبده فحاشاه تعالى أن يُعذّب عباده، إنّما يبتليهم ليُمحصهُم ويُطهر قلوبهم و يُخرجَ أفضل ما فيهم.

فلنلجأ لمداواة نفوسنا بالوحي.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) } يونس.

آداب الحوار في القرآن.. حوار موسى والخضر نموذجًا

اقـتضت حكمة الله أن يجعل البشرية أمماً وشعوباً ليتعارف بعضها على بعض، وقـد حثـّنا في مواضع كثيرة من قرآنه العظـيم على طلب العـلم، كما أمرنا بنشر الحق الذي نزل على رسوله الكريم، وعند تدبّر النصوص القرآنية إجمالاً فإنه لن يخفى على عاقل ما أتى به القـرآن من أساليب يمكننا أن نستعملها لتنفـيذ هذه الأوامر، إلا أن أكثر ما نراه فيها هو أسلوب الحوار الذي عجّت به القصص التي أوردها الله في كلامه المنزل.

وإذا أردنا إدراك أهمية ومكانة هذا الأسلوب في الخطاب القرآنـي، فما علينا إلا أن نقف عند الحوارات العظيمة التي تجلّي لنا حقائق الإيمان من خلالها، مثل حوار الله مع ملائكته قبل خلق آدم عليه السلام، ثمّ حـوار الله مع إبلـيس عندما أبى السجود لمن خُلق من طين، وحوار الله مع آدم وحواء بعدما فعل ما نهاه الله عنه، وغير ذلك الكثير من الحوارات التي استعملها الأنبياء في هداية أقوامهم لطريق التوحيد.

الحوار في اللغة مأخوذٌ من الحـَور، وهو الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، والمحاورة هي المجاوبة، والتحاور معناه التجـاوب، نقول عن مجموعة أنهم يتحاورون أي بمعنى يتراجعون الكلام1، وأما الحوار في الاصطلاح فمضمونه يشير إلى النقاش المتبادَل بأسلوب أدبيّ محسّن، فهو بذلك جزءٌ من الأدب وأسلوب من أساليبه، “وهو يعني مراجعة الكلام بطريقة مؤدبة وبألفاظ حسنة فيها نوع من الود والحب“2.

موسى والخضر أحداثٌ مسطورة في القرآن
تبدأ القصة بخُطبةٍ لموسى في بني إسرائيل، دفعت أحد الناس ليسأله بعدها، “من أعلم الناس” فأجـاب موسى: أنا، فعـتب الله عـليه وأوحى إليه أن له عـبداً في مجـمع البحرين هو أعلم منه، فقال موسى: يا ربّ وكيف لي به؟ فأمره الله أن يأخذ حوتاً فيجعله في سلّة وحيثما يفقد الحوت فإن مكان فَقده هو مكانُ وجود الخضر، وحين يجده فعليه أن يصحبه ليستفيد من علمه.

تقصّ آيات القرآن في سورة الكهف هذه الحادثة بما فيها من تفاصيل

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا  (82). [الكهف: 60- 82]

فوائد وعبرٌ
لقد عرّفنا هذا الحوار الدائـر بين موسى والعبد الصالح الذي انطلق موسى من أجله برحلته المثيرة، وكابد فيها العـناء والجهـد، ليصل إلى أسمى الغايات وهي غاية طلب العلم، فقد عرض موسى على الخضر أن يتبعه بكل أدب وتواضع نبوي عظيم بعـد أن أقـر على نفسه بعـدم المعرفة وعلى الخضر بالعـلم وهذا ما دلـت عليه الآية (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً).

وتحثنا هذه الآيات على ضرورة الصبر في طريق العلم الشـاق، وهذا يظهر لنا شيئًا من الطبيعة البشرية التي خُلقنا عـليها، وهي أن الإنسان لا يستطيع تحمل رؤية الظواهـر التي لا يحيط علـمه بها، وميله للتعجّل في إطلاق الأحكام عليها قبل التحقـيق في مضامينها والبحث في السياق المحيط بها والإمعان فيها، وهو ما جرى مع موسى عليه السلام عندما رأى أفعال الخضر الثلاثة.

عرّجت الحوارات على سمة النسيان، حيث هي جزء من نقائص الطبيعة البشرية، وتوضّح الآيات لنا أن النسيان تذكيرٌ بضعفنا وحاجـتنا إلى الله تعالى على الدوام.

ورد هذا النقص في موضعين ضمن القصة، الأول عندما نسي خادمُ موسى أن يخـبره بهروب الحـوت من السلّة ومضيّه في طريق البحر، والثاني عندما نسي موسى عهده مع الخضر بأنه سيصبر على ما يراه مما لم يحط به خبراً.

لقد عجّت الآيات بآداب وأخلاقـيات ليست غريبة على دين الإسلام، فنجد أن التواضع في طلب العلم وترك الاعتراض على المعلم في مقدمتها، ووجوب الوفاء بالعهود، والاعتذار عند مخالفتها كما فعل موسى، ويمكننا أن نفهم من الحوار الذي أعقب بناء الخضر للجدار القول بوجوب ضيافة المرتحلين، فقـد بدا على موسى الاستغـراب من عـدم ضيافة أهـل القرية لهم.

لا شك في أن القرآن يذخر بالكثير من الحقـائق والأخلاقـيات التي وردت بأساليب عـدة إلا أننا نجد أن القـرآن قد تميّز -ويكاد يتفـرّد- بكثرة اعتماده على أسلوب الحوار وتعليمه للناس ودوره في إيصال المعاني السامية، حيث يمكن من خلالها ترسيخ قيم الإسلام في نفوس أهله وترتقي بهم إلى أعلى مستويات الحضارة.


المراجـــــع

  • معجم لسان العرب
  • الخفاجي، مصطفى فاضل كريم، عقيل محمد صالح، ((مفهوم الحوار مع الآخر وأهميته في الفكر الإنساني))، مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية، 2017، المجلد 7، العدد :4.
  • ابن الأثير، النهاية، الجزء الثاني، الصفحة 356.
  • كلمات القرآن، الشيخ حسنين محمد مخلوف.
  • تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، مج3، الصفحة 99.
  • تفسير النسفي المسمى بمدارك التنزيل وحقائق التأويل، دار الفكر، الجزء 3 الصفحة 22.
  • التفسير المنير، الزحيلي، الجزء 16، الصفحات 11 و12.

أسلوب مؤمن آل فرعون في الدّعوة

تعرّف الدعوة بأنها بذل الجهود المتنوعة والمحاولات المتعددة لتبليغ القضية التي يؤمن بها الإنسان لغيره من الناس، وكذلك حال الدعوة إلى دين الإسلام، فإنّه يجب على المسلم بذل الجهود لتبليغ ما اشتمل الإسلام من عقيدة وشريعة وأخلاق للناس، وحثهم على تطبيقه والاستقامة على صراطه، فيكون لهم الفوز في الدنيا والثواب في الآخرة.

إن الدعوة للإسلام دعوة هادفة لها غاية ومساعٍ وأساليب، أما الغاية فتبليغ الناس الإسلام على اختلاف مراتبهم وتنوع أقسامهم، وأما المساعي فتكون بمختلف الأدوات التقنيّة والوسائل المساندة المتاحة التي تحقق للداعي كفاءة عالية في التبليغ، وأما الأسلوب فهو الحال المقنع عقلاً وعاطفة ويملك التأثير في المدعوّين بسموه ووضوحه.

لقد أخبرنا الله أنّ الدعوة إلى دينه من أشرف الأعمال عنده، فقال في كتابـــه العزيز: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]

وقد امتدح الله هذه الخصلة في عباده، بدءًا بالأنبياء وصولاً لمن يسلك طريقهم، فقال {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45، 46] وبلّغ أمته بقوله {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

وقد وضّحه النبي صلّى الله عليه وسلّم بقوله (مَنْ دَعَــا إِلَى هُدىً كانَ لهُ مِنَ الأجْر مِثلُ أُجورِ منْ تَبِعهُ لاَ ينْقُصُ ذلكَ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئًا)[1].

القرآن وأساليب الدعوة
وضّح الله عزّ وجلّ لنا أســاليب مختلفة للدعوة إليه في أكثر مـن موضع فـي القرآن الكريم، ولعلّ أسلوب مؤمن آل فرعون الّذي ذكره الله عزّ وجلّ في سورة غافر خير نموذجٍ يقتدى به للدّعوة إلى الخالق عزّ وجلّ.

قف معي عند سرد الله لقصته بدءًا من قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَـــاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّـــكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} حتى تصل إلى قوله {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}  [غافر: 28- 44].

حين تقرأ هذه الآيات فإنها ستأخذ بيدي ويدك لخطوط عامة مهمّة في الدعوة إلى الله:
وأول ما تنبئنا به هو أن الدّاعي الحكيم من يتكتّم حتى يختار الوقت والمكان المناسبين اللّذين يمكن للمتـلقّي أن يستجيب له مـن خلالـهما، فالنّبي صلّى الله علـيه وســلّم مكث الثّلاث السّــنوات الأولى في مكّة دون أن يجاهر  بالدّعوة إلى أن جاء الوقت المناسب بأمر الله فأعلن عن دعوته، ثم انتشرت حتى استجاب له البشر من كلّ فجٍّ عميقٍ، وكذلك مؤمن آل فرعون فقد أخبرنا الله عـزّ وجلّ أنه كان كاتماً لإيمانه إلى أن أتى الوقت المناسب فأظهر إيمانه وراح يدافع عن المؤمنين {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر: 28]

أما الأسلوب الثاني المستفاد فهو محاورة المتلقّي ودفعه بفطرته وعقله السّــليم للتراجع عن أفكاره ومعتقداته الخاطئة، وقد اســتخدم صلّى الله عليه وسلّم هذا الأسلوب مرارًا، فانظر إليه صلّى الله عليه وســلّم حين يسأل الصحابة (أتدرون من المفلس) وهنا يتناقش الصحبُ الكرام فيه، حتى يمنحهم الرسول صلى الله عليه وسلم معنىً غاب عن عقولهم فالمفلس من “يَأْتي يَومَ القِيامَةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، وقدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْضَى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهُمْ فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ”[2]

وكذلك فعل مؤمن آل فرعون، حيث تساءل عن سبب توجههم لقتل موسى عليه السّلام، حين قال لهم: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ}

إلى جانب التساؤل، فقد علمنا الله أسلوب التذكير بالنعم، فما من عبد إلّا وقد أنعم الله عليه بنعمٍ لا تعدّ ولا تحصى (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [النحل: 18] فعلى الدّاعي أن يكون دائم التّذكير بفضل الله ونعمه على العباد أجمعين.

 لقد كان لقوم فرعون الملك العظيم والسّلطة الواسعة، وقد راح مؤمن آل فرعون يذكّرهم بأنّ الله أنعم عليهم بهذا الملك والظّهور في الأرض بالكلمة النّافذة والجاه العريض فلا بد من مراعاة هذه النّعمة بشكر الله تعالى وتصديق رسوله[3]   قال تعالى: {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا} [غافر: 29]

فإن لم يجد الدّاعي تلك الاستجابة بالتّذكير بنعم الله فعليه “أن يطرق القلوب بإيقاعٍ آخر لعلّها تحسّ وتستيقظ وترتعش وتلين، فيذكّرها بمصارع الأحزاب قبلهم فهي شاهدةٌ ببأس الله في أخذ المكذبين والطّغاة”[4]

وقد ذكّر مؤمن آل فرعون قومه بذلك، {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)} [غافر]

الترغيب والتودّد بابًا للدعوة
إن كان ضرب الأمثلة والتحاور بالاستفهام هما المدخل العقليّ فإنّ التودّد والّلين مدخلان للقلب، فمهمّة الدّاعي أن يفتح القلوب لا أن يغلقها، وقد أخبر الله نبيّه محمّد صلّى الله عليه وسلّم أن يدعوَ بالّلين والرّحمة وحسـن الخلق وأن يبتعد عن الفظاظة وقسـوة القلب قال تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159] وأمر موسى وهارون عليهما السّلام أن يدعُوَا فرعون بالقول الّلين قال تعالى {اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ (44)[طه] وعن عائشة رضي الله عنها عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال : (إنّ الله يحبّ الرِّفق في الأمر كلّه)[5] وكذلك مؤمن آل فرعون قد دعاهم بالّلين وذلك بمخاطبته لهم بقوله (يا قوم) والّتي تكرّرت خمس مرّاتٍ في القصّة.

وإلى جانب ترهيب المتلقّي وضرب الأمثلة له، فإن على الداعية أن يرغّب ويبيّن الأجر الكبير في اتّباع أوامر الله وهدي نبيّه ليس له جزاءٌ إلّا الجنّة والله تعالى قد رغّبنا مرارًا في القرآن كما قال (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 133]

لقد دعا مؤمنُ آل فرعون قومه إلى النّجاة ورغّبهم بثواب الله على الأعمال الصّالحة، ووصف لهم فساد الدنيا وبقاء الآخر {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)}[غافر]

التوكّل في البَدء والختام
على المرء أن يلزم نفسه بالتوكّل على الله في كل كلماته وحركاته وسكناته، فالداعية حين يقوم بضرب الأمثلة ويذكر الترغيب والترهيب ويتودّد لمن يسمعه بشتى الأساليب، فإن عمله لن يكون خالصًا لله إلا بكمال التوكّل عليه، إذ لا يستطيع أحدٌ أن يهدي  أحداً إلّا بإرادة الله ومشيئته، وهذا حال النّبي صلّى الله عليه وسلّم الذي قال الله له (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص: 56] وهذا مؤمن آل فرعون حين جهر بإيمانه أعلن في مواجهة فرعون وملئه بلا تردّدٍ ولا تلعثم أنه مؤمن وأنه قد فوّض الأمر لله وقد ذكر لهم أنهم سيذكرون كلماته في يوم لا تنفع فيه الذّكرى والأمر كلّه إلى الله {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 44]

إنّ الدّعوة إلى الله من أحبّ الأعمال عند الله وهي أمرٌ للأنبياء ومن تبعهم وقد ذكر الله في كتابه آيات تدلّ على أساليب ومناهج الدّعوة إليه ومنها أسلوب مؤمن آل فرعون في دعوة قومه الّتي يمكن أن نستنبط منها خطوات عمليّة في الدّعوة إلى الله، إذ على الدّاعي أولاً أن يستغلّ الوقت المناسب للدّعوة وأن يطرح الأسئلة ويضرب الأمثلة التي تخاطب العقل وتقنع المتلقّي ولا ينسى الأسلوب اللّطيف اللّين في دعائه وتحفيز وتشويق من يدعوه من خلال تبيين الجزاء العظيم في اتباعه وأخيراً التوكّل على الله وتفويض الأمور إليه.


[1] أخرجه الإمام مسلم في الصحيح، رقمه: 2674

[2] أخرجه الإمام مسلم في الصحيح، رقمه: 2581.

[3] تفسير ابن كثير

[4] من كتاب (في ظلال القرآن) صفحة 3874

[5] أخرجه البخاري في صحيحه، رقمه: 5678

تدبُّر الدعاء في كلام الله

يعدّ الدعاء أحد أهم مظاهر العبودية التي تربط العبد بخالقه ورازقه، وتترجم حاجة المخلوق لله تعالى وثقته به، فالمرء يلتجئ لربه بالدعاء في الشدة والرخاء، واثقًا بالإجابة والعطاء، ومتأكدًا من سعة فضل الخالق وإجابته، ليحقّق بذلك شكلا من أشكال العبودية القلبية الواثقة بالله تعالى.

يعرّف اللغويون الدعاء بأنه تعبير عن الطلب، وهو قريب من معناه الشرعي، حيث يقصد بالدعاء طلب العبد ربه عز وجل العناية واستمداده منه العون، وإظهار الافتقار إلى الله تعالى والتبرؤ من الحول والقوة، واستشعار الذلة البشرية.

الدعاء والعبادة
الدعاء أساس العبادة وسر قوتها وروح قوامها؛ لأن الداعي إنما يدعو الله وهو عالم يقينًا أنه لا أحد يستطيع أن يجلب له خيرًا أو يدفع عنه ضرًّا إلا الله جلّ وعلا، وهذه هي حقيقة التوحيد والإخلاص، ولا عبادة أعظم منهما، فقد وردَ عن النعمان بن البشير رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدعاء هو العبادة، ثم قرأ قوله تعالى “وقال ربكم ادعوني أستجب لكم”[غافر: 60]، فتساءل الناس “أي ساعة ندعو؟ فنزل قوله تعالى في سورة البقرة {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186]).

وليس بعيدًا عن ذلك وصف الله لعباده المقربين منه في سورة الفرقان، وذكر أنهم يتضرعون إلى الله بالنجاة من عذاب النار، {والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما} [الفرقان: 65]، فهم يطلبون من الله أن يصرف عنهم العقاب والعذاب وَجَلًا منه وحَذَرًا، حيث إنهم لشدة ورعهم وخوفهم من الله تعالى توقعوا دخول النار، وأيقنوا أن أعمالهم لا تكفي لتجنبها، فتضرعوا إلى ربهم بالدعاء أن يصرفها عنهم بشكل دائم مستمر.

يتابع تعالى وصف عباده بقوله {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما} [الفرقان: 74]، حيث يستمدّ منه ضرورة الدعاء في الشؤون الدنيوية، حيث يرى المؤمن زوجته وولده يطيعون الله، ويحسنون عبادته، ولا يجرون عليه الجرائر، ويسألون الله أن يجعلهم أئمة التقوى يقتدي بهم من خلفهم.

إن الدعاء دليلٌ على توكّل المسلم على ربه واستمراره في اللجوء إليه، وسرّ التوكل على الله هو اعتماد القلب عليه وحده، فالداعي يستعين بالله، ويفوّض أمره له، وهو وسيلةٌ لعلوّ الهمة، فالداعي يلجأ إلى ركن شديد، يستعين به على كافة أموره، وهو باب لمناجاة العبد ربه، وباب للخشوع والخضوع لله، وهو عبادة دالة على الإيمان بالله، واعتراف بربوبيته وأسمائه وصفاته واستحقاقه للعبادة.

ومن الأدعية الجامعة للخير قوله تعالى في سورة البقرة {ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} [البقرة: 204]، فقد جمعت الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر، فالحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية وسعة في الرزق وعلم نافع وعمل صالح وثناء جميل، والحسنة في الآخرة فهي دخول الجنة والأمن يوم الفزع ويسر الحساب يوم العرض والنجاة من النار، والتوفيق لاجتناب المحارم والآثام، و”من أعطي قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وجسدًا صابرًا، فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار”.

العبدُ وضرورة الدعاء
يقال: “إذا أردت أن تخاطب الله فادعه”، وهذا مفهومٌ من قوله تعالى {ادعوا ربكم تضرّعًا وخفية} [الأعراف: 55]، وهذا طلب من الله بأن نلجأ إليه ونظهر له الانكسار والخضوع.

يذكر الله لنا في خواتيم سورة البقرة -على لسان المؤمنين- دعاءهم: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}.

هذه الآيات تدفعنا للتفكّر في ضرورة الدعاء للإنسان لينقّي نفسه من أكدار الذنوب، فطلب العفو والمغفرة والرحمة تتضمن الوقاية من شر الذنوب والإقبال على رضا الله تعالى، والرحمة تشمل الإحسان والفضل والبر، وتعني النجاة من الشر والفوز بالخيرات، والنصر على الأعداء يعني التمكين والقدرة على إعلان العبادة وإظهار الدين، ولذا نرى أن خاتمة الآية كانت اعترافًا بولاية الله تعالى عليهم فهو الناصر والكافي والمعين والمجيب، وذلك بمثابة التعليم للخلق كيفية الدعاء.

وفي المقام ذاته وعد تعالى بقوله “قل أؤنبكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد”، فإن تساءلنا من هم جاءنا الجواب بأنهم {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار} [آل عمران: 15- 16]، وذلك من جوامع الدعاء، ففيه طلب المغفرة من الله، والإقرار والشهادة بالعبودية لله تعالى، وطلب الوقاية من النار وعذابها.

إن حاجة الإنسان للدعاء كحاجته لأن يحيا بكرامة، ففيه الخطاب المباشر مع الله، والحبل المتين الذي يشعر الإنسان به قوة الصلة بخالقه، ولذلك كان الدعاء طريق وصول العبد لربه، ولا بدّ فيه من تضرع القلب لله تعالى والوجل بين يديه والتواضع له والقنوت في محرابه، وسؤاله سؤال الموقن بإجابته.


المراجع:
تفسير الطبري.
تفسير ابن كثير.

 

 

 

نبراسٌ لغدٍ مشرق.. وقفة مع خواتيم سورة البقرة

لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت” ما أعظمها من قاعدة هادية للحياة كلها، وكيف لا يكون ذلك وهي من كلام العزيز العلّام.

هذه الكلمات جزء من الآيات المباركات التي ختم الله بها سورة البقرة، والتي وصفت بأنها “تكفي الإنسان من كل شر إذا صحبها في صباحه ومسائه”، وهي التي فُتِح لها بابٌ من السماء لم يفتَح من قبلُ قطّ، لينزل منه ملاكٌ كريم يبشر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول: “أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أُعطِيتَه”(1)

تزخر خواتيمُ سورة البقرة بقواعد حياتية مهمة، ومعانٍ عظيمة يجب أن تقوم عليها حياة المؤمن الحق، خاصة الشباب الذي يجب أن ينشأ وقلبه معلّق بالإيمان.

بشائرُ وقواعد للحياة
إذا ما حاولنا الإبحار في بطون التفاسير لنفهم معاني هذه الآيات فإننا سنجد خيراً كثيراً، أوّله أن هذه الآيات تمتلئ بمعاني الرحمة حتى أنّ آية “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” جاءت لتطمئن قلوب المؤمنين بأن آية “وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله” قد رُفعَ حكم العمل بها، ومن ثم فقد انغرست الطمأنينة في قلوب الصحب الكرام بعد طول اضطراب، فقد مرت الأيام والليالي عليهم يتساءلون قائلين: من ينجو من عقاب الله على الوساوس والأفكار التي تخالط القلب أحيانا وهي خارجة عن سيطرتنا في أحايين كثيرة (2)

وثاني بشائر هذه الآيات نراه في مضامين قوله تعالى: “وقالوا سمعنا وأطعنا” ففيه درسٌ لنا يعلمنا ضرورة تغليب طاعة الله على هوى النفس، وقبول أوامره وتنفيذها مع الشعور بالتقصير عن توفية حمد نعم والثناء على آلائه، فلا نكون جاحدين أو منكرين، فالغفران لا يأتي إلا بالخضوع والاستسلام لأمر الله (3) فهلمّوا نفعل ذلك.

وثالث هذه القواعد نراه في قوله تعالى: “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” ففيه رحمة عظيمة تأخذ بأيدينا إلى التبصُّر بسرّ التشريع الربّاني، فالأصل في الأوامر والنواهي أنها غذاء للأرواح، ودواء للأبدان، فالله تعالى أمر العباد رحمة وإحسانًا لهم، وهذه الآية تعالج النفوس المؤمنة حتى لا يخدعها شيطانها بعجزها، وتطمئن إلى رحمة الله وعدله وتتلقّى خلافة الله لها في الأرض، وتؤمن بأنّ خالقها أعلم بحالها ولا يكلفها بما يزيد عن طاقتها، فتهمّ للسعي والعمل دون أن تستثقل تكاليفه، كما أن فيها استنهاض لعزيمة المؤمن للقيام بتكاليفه وهو يحس برحمة الله به وأنه لا يكلفه بشيء يعجزه فمهما اشتد عليه أمر فإنه يعلم أن هذا من ضعفه هو لا من صعوبة التكليف الربّاني (4)

رابعًا: لو أيقن المؤمن بأنه مسؤول عن نفسه، وأن كل نفس لن تنال إلا ما كسبت، وأنها لن تحمل إلا ما اكتسبت، وأنه راجع إلى ربه فرداً بصحيفته الخاصة وأعماله، وأنه لن تزر وازرةٌ وزر أخرى، وأنه لا ينفع المؤمن أياً من كان.

حينها سيدرك الناس أن كلام البشر وأفعالهم يجب أن لا تؤثر عليهم وأنه ينبغي أن لا يلتفت إليها ما دام الإنسان مؤمنًا بالحق مدافعًا عنه حتى وإن عودي من الناس كلهم.

إن أبسط مثال على ذلك ما يحدث لنا جميعًا، فجميعنا يخضع لامتحانات الدراسة عبر الانترنت ولا رقيب علينا سوى الله، فهل ترضى بأن تغش وتضيع حق الله وتنسى مراقبته لك كما يفعل كل من حولك؟ أم تثبت وتعلم أنك ستحاسب يوم القيامة فرداً لا ينفعك كلام الناس ولا نظرتهم ولا درجاتك كلها.

خامساً: لنقف قليلاً عند الأدعية التي تملأ الآيتين، هنا يتمثّل لنا حال المؤمنين الصادقين، حيث افتقارهم وضعفهم والتجاؤهم لربهم، ولا ريب في ذلك فهو وليهم وإلههم منذ أوجدهم وأنشأهم كما أن نعمه متصلة متوالية ولا حصر لها (5) وفي هذا صفعة قوية لمن يوهمون الناس بأنهم كائنات خارقة فهذا ينادي في الناس أطلق قدراتك الكامنة وهذا ينادي فيهم أخرج الوحش الذي بداخلك ليقلب الدنيا رأسا على عقب!

أي وحش هذا وأي قدرات تلك التي إن لم يعنه بها الله انقلبت وبالاً عليه!

ففي قول المتنبي:

إذا لم يكن عون من الله للفتى                   فأول ما يقضي عليه اجتهاده

وعليه فإن على الإنسان أن لا يسلّم لهذه الشعارات الخادعة عقيدته، فهي شعارات خواء، يبيع بها أصحابها الوهم..

إن طبع الإنسان وجبلّته مبنيّة على الضعف، فقد “خلق الإنسان ضعيفاً” (6) وقد تمثّل الإمام ابن تيمية هذه الحال فكتب في وصيته لتلميذه ابن القيم:

أنا الفقير إلى رب السماوات          أنا المسكين في مجموع حالاتي (7)

وفي دعائهم “ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا” طلب بالعفو والسماح من الله، وفيه أدب بالغ لا تبجّح فيه أو تعالٍ عن الطاعة والتسليم أو الضلال عن قصد وقد رفع عن المسلمين الخطأ والنسيان رحمة من الله بهم، فالمذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء على الدوام: عفو الله عنه فيما بينه وبينه، والستر عن عباده، فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في الذنب الذي يهلكه (8)

خلاصة الكلام
لقد عاش صحابة رسول الله وأبناؤهم في هدي القرآن ونوره، ولا عجب في ذلك، فقد علمنا عنهم أنهم لا ينتقلون من آية لأخرى حتى يتموا ما بها من أحكام وتدبّر وأعمال وأخلاق، ومن ثمّ فقد انعكس القرآن واقعًا في حياتهم وخُلُقًا في سلوكهم، وأقاموا أجيالاً قوية تعبُد الله على حق.

وهنا نسأل ونتساءل:

متى يعود شباب المسلمين إلى القرآن لينهلوا من معانيه ويتخلّقوا بأخلاقه وتستنير حياتهم ويكونوا خير أمة لخير كتاب!

هلموا لنقرأ القرآن ونتدبّر آياته، ففي آيتين من القرآن وجدنا مبادئ تزخر بمعاني الرحمة والموازنة بين الضعف والقوة والافتقار لله والمسؤولية.

فإذا ما طبّق المسلم هذه المعاني فقط من حياته لَعَلَمَ وعايَنَ كيف يكون التغيّر بالقرآن وآياته.. جعلنا الله وإياكم من أهل القرآن حقًّا وأصحابه صدقًا وبلّغنا شفاعته يوم الدين.


المصادر:

[1] أخرجه مسلم (806)، والنسائي(912) باختلاف يسير.

[2] تفسير ابن كثير(28/570)

[3] في ظلال القرآن (16/343)

[4] في ظلال القرآن (27/344)

 [5] تفسير السعدي ص (208)

[6] يراجَع مادة (المخلوقية والضعف) من مادة فقه النفس د. عبد الرحمن ذاكر الهاشمي

[7] مدارج السالكين (2/470)

[8] تفسير السعدي (1/324)

مفاتيح رحلة بناء الروح.. تأمّلات في قصّة نبي الله نوح

أيّها الشابّ المسلم، إنّك الآن تخطو نحو مهمّة عظيمة، وهي أن تكون نسيج نفسَك لتنسجَ بخيوط من ذهب مستقبل أمّةٍ كريمة.
وكي تضمن أن تسلّم لنفسك البوصلة لتهديك نحو السبل القويمة، يجب أن تكون نفسك موافقة لمراد الله تعالى بأن تكون نبراساً يُستضاءُ به لا أن تكون فريسةً لصنوف الجهل التي تغزو هذا الكوكب.

وإن سألت عن رحلتك أين مبتدأها ومنتهاها، فاعلم أنّ الرحلة تبدأ من الدّاخل للخارج، لا من الخارج للدّاخل، فإن أردتّ قطع الصعابِ بالنور، فيجب أن تكون نجماً وضّاءً لا كوكبًا غائبًا، فكلّ إناء بما فيه ينضح، والنّبيه من يفحص ما حوله وينخلُه فيأخذ ما يبنيه، ولا يسمح لما يهدمه من التغلغل إليه.

 رحلة النهوض تبدأ من الذات، إذ إنّ من كان عاجزاً عن إدارة ذاته فهو عن أيّ شيء سواها أعجز.

اربط الحزام، لتبدأ الرحلة نظرياً، ثم اخلُ بينك وبين نفسك واسأل هل أطبّق قواعد البناء على نفسي فعليّاً أم لا؟

منبع قواعد الإدارة والقيادة
خير قواعد للإدارة تبدأ من آيات الذّكر الحكيم، فإن تشابهت الطرق وتحيّرتَ بين القويم والأقوم، فخذ الآتي قاعدة لك: إن كلّ أمر إِنْ لم يكن ربّانيّ المنبع يجفّ، والهديُ الذي يستقي نورَه من اللهِ يكون أهدى وأَدْوَم، فقواعد الدرب تتجلّى من ملازمة فهم آيات القرآن الكريم إذ قال الله تعالى: {إِنّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] وآيات الله التي تعطينا خريطة إدارة الذّات نبعٌ دفّاق، إذ أنّها في كلّ مرّة تقدّم فهماً جديداً لمن اختار أن يكون خليفة الأرض كما أراده الله تعالى، فلا يزعزعه سرور ولا يزلزله حزن أو دمع؛ إذ إنّ من امتلك همّة التغيير فَقِهَ علّة الوجود، وأسلَم نفسه لمراد صاحب الفضل والجود.

ركائز رحلة الذات
ترتكز رحلة إدارة الذات ومعالجة الروح على محورين أساسيين، المحور الأول هو “ركائز الانطلاق” والثاني “أساليب المواجهة”

أما ركائز نقطة الانطلاق فتعتمد على الاستعداد النفسي: أي امتلاك القابلية لإيجابية التغيير، وامتلاك الرغبة في التطوير، طالما أنّ الإنسان مستقر في حفظ الله العلي القدير، إضافة إلى نبذ كلّ شيء لا يكون على مراد الله، لتكون النهاية مشرقة لا يعتريها الألم والفشل، ويدل على ذلك قول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ  *وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود:36-37]

إضافة إلى الاستعداد النفسي فإنه لا بدّ من تعزيز التفكير الإيجابي وذلك بامتلاك القناعة الدّاخلية بضرورة المتابعة في هذا التغيير، والجزم بأنّك طالما مستمدّ ثقتك من الله تعالى فالمآل إلى خير بإذن الله، مع الأخذ بالحسبان بأنّ الظروف قد لا تسمح لك دوماً أن تتخطى الصعاب وكأنك تسير على بساط من حرير، فإن لم تكن القوّة نابعة من ثقتك بالله تعالى فلن يكون منحى المواجهة يسيرًا. وتذكر وأنت في هذا المقام قول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} [هود:38-39]

أما المحطة الثانية فهي مواجهة تحدّيات منتصف الطريق في الرحلة وذلك يحتاج من المؤمن أن يبني استراتيجية للسير عليها ويكون أولاً بالبدء من نقطة سليمة: وهنا ينبغي أن نعرف ما يضرّنا في المرحلة القادمة وما ينفعنا، لنبتعد عمّا يُساهم برجوعنا للوراء ونصحب ما يعضد نيّة الانطلاق وهدف الوصول معنا حيث يقول تعالى في كتابه الكريم: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]

إضافة إلى الاستراتيجية فإن على المؤمن الإقرار بالقوّة الفاعلة في المُنطلَق والمآل: إذ إنّ العون يُستقى من فضل الله تعالى، وكلّ مرحلة يقطعها الإنسان وهو مقرٌّ بهذه المسلّمة فإنه يرتقي بفؤاده نحو السموّ. ونستصحب ههنا قوله تعالى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [هود:41]

وإلى جانب ما تقدّم فإن على المرء إزالة المعتقدات التي تقف حائلاً في وجهه نحو هدفه: إذ إنّ التمسّك بأهل الفضل والفهم يسمو بالأرواح والعقول، والميل لجهة القلب إن لم يكن ممّا يرضي الله تعالى فإنه سيعيد الإنسان إلى الجهة التي أراد الابتعاد عنها.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المعتقد قد يكون فكرة صنعها الإنسان من بنيان ذي قواعد هشّة إلا أن طول الاعتياد جعله مسلّمة لا تقبل النّقاش ولا التغيير، وكذلك العلاقات قد تكون علاقة لزوم واعتياد إلا أن رحلة التغيير قد تتطلب من الإنسان الابتعاد عنهم لشدة الاختلاف وافتراق المصير.

تذكر أن الله في القرآن صوّر لنا حوار نوح مع ولده والعاصفة ترفع منسوب المياه وابنه يبتعد عنه دون التفات، فقال لنا: { وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ *  وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَادَىٰ نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ *  قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ* قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [هود:42-43-44-45-46-47]

نهاية الرحلة بداية لطريق جديد
إن المؤمن –كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “كيّسٌ فطِن”، فإذا ما آنس ناراً أو حكمة أو علمًا وأدبًا اختار المضيّ نحوه بهمّة قويّة، ومَن كان هذا دأبه فإنه الله لا يضيّعه، خاصة إن كانت الخطوات في هذا الطريق مرافقة لصفاء النيّة.

إن خشيتَ –أيها المؤمن- أن يصيبك وهن أو ضعف خلال الرّحلة، فدواء ما يعتري الرحلة من وهن أو تعثّر متجذّر في الثّقة بالله واستحضار نيّة الانطلاق والعزم على المضيّ والاستمرار.

وتأتي النهاية لتمسح ما كان عائقاً في العزم على التغيير، وطالما غيّرت نفسك واتّبعت ألف باء المسير، فأبشِر بوصول بهيّ وعقل مدرك فطنٍ ذكيّ.

قال الله تعالى في كتابه الكريم: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود:48]

أخبرنا عن رحلتك
إن بنيت يوماً سفينة التغيير، فشارك من حولك بها، وتكلم عن طريق الرحلة وكيفية إدارة ذاتك نحو السموّ، لعلّها تكون إلهاماً لكثير ممّن عزم على التغيير نحو الأفضل إلا أنه لم يلتقِ بأخٍ من أقرانه يحكي له عن مسارات الطريق.

قبساتٌ من نورِ الدعاء

يقتبسُ الإنسان المفردات والألفاظ من تفاعله مع الآخرين ومن الكتب ومن أقوالٍ سمعها من مكانٍ ما، وبذلك يستطيع صياغة الأحاديث، لكن إن كان حديثه خاصًّا مع خالقه، فما المصدر لصياغة الكلام؟
لقد أودع الله صيغاً لهذا الحديث في القرآن، وقام الأنبياء وسائر الناس باتباعها ولعلّ أبرز النماذج عن الحديث بين المؤمن وبين الله هو الدعاء، الذي أفردت له آياتٌ من القرآن توضّح لجوء الناس والأنبياء إليه، وتعلم الإنسان أسس مخاطبة الله من خلاله.

هنا ينبغي أن نعي فكرةً هامةً وهي أن صيغة الدعاء ليست مهمة بقدر أهمية السبب الذي نعتمد من خلاله على هذه الصيغة دون غيرها وما جاء فيها من معانٍ وقيم، وكيفية تحقيق الغاية منها بعيداً عن ترديدها اللفظي فقط.

افتتاح الدعاء لله
يردد المصلّون كل يوم سورة الفاتحة حوالي سبع عشرة مرة بندائهم الله تعالى (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: 5]، طالبين منه أن ينور دربهم بالاستقامة والهداية، هذا الرجاء الكبير ينطوي على ما يريده الإنسان من الإرشاد والوعي والفكر النيّر على أصعدة الحياة كلها كالدراسة والعمل وتكوين الشخصية ومواجهة المشاكل ..الخ.

هنا يجب أن نقول: إنّ التعمّق بالبحث عن الصراط المستقيم يفضي إلى آفاقٍ بعيدة مركزها اتباع مسار الدين الذي لا اعوجاج فيه، إلا أننا قبل أن نصل إلى ذلك علينا أن نعلن (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة: 1] ثناءً وشكراً للخالق على نعمه وخيره  -وبلا شك ذلك واجبٌ على كل مؤمن-، وهنا يحلق الدعاء بعيداً عن مفهوم الرجاء المتعارف عليه ليصل إلى بحر الامتنان، حيث نجد أدعية التيسير والتوفيق التي يلفظها الناس تعبيراً على شكر بعضهم بعضاً وهذا ما يدفع المدعوّ له للاستمرار في البذل والعطاء، فكما أن الله يُحمد فيزيد النعم فإنّ الله قد غرس في الإنسان سمة البذل عندما يدعو له الآخرون، فعندما يرى دعوة من أحد كتبها الله له فقد يسارع إلى مزيدٍ من الإنجازات تدفع الحياة والإنسانية قدماً.

هنا ننوه أن كلمات الدعاء بلغت من الشأن ألا تكون كلمةً حسنةً بمثابة صدقة فقط بل إنّها تشجع على الإبداع وتقوّي الإيمان بفعل الأفضل دوماً.

الدعاء دافع للصبر والرضا
نرى في الدعاء فضيلة لا بد من الوقوف عندها، وهي قدرته على إدارة الحياة ودفعنا لالتماس فرص جديدة بعد الوقوع بالأخطاء أو تقصيرٍ في الأعمال، فالمؤمن عندما يقف متحيراً يلجأ إلى الله لعلمه أن الدعاء له يطمئن قلبه ويدفعه للابتعاد عن الحيرة، وهذا ما جاء في آخر آيةٍ من سورة البقرة (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ )، [البقرة: 286]حيث يؤول معناها إلى طلب المؤمن من الله عدم المؤاخذة في نسيان فرضٍ ما، أو عدم تأدية عملٍ مطلوب منه بوجهه الشرعي، ولا ينطوي هذا الدعاء على هذه الفكرة المهمة فحسب، بل إنّ الإنسان إذا نظر في الشيء بإمعان لأبدع في استخدامه وهكذا الدعاء ففيه “العون” والمدد، ابتداءً بالتوجيه للصواب من الأمور وانتهاء ببث الطمأنينة في القلب.

لا يقتصر التمثيل لهذا من نهاية سورة البقرة بل ينطبق على أكثر من صيغة دعاء وردت في القرآن الكريم ونشاهد هذا التداخل الفريد في استخدام نفس كلمات الدعاء بصيغها المعهودة في أكثر من دعاء ولأغراضٍ عديدة أمثال دعاء السفر والأكل وقبيل النوم وعند الصباح ودعاء الوتر وفي خطبتي الجمعة والعيد .. إلخ .

الدعاء وحياة المجتمع
من ناحيةٍ أُخرى نجد العديد من القضايا الاجتماعية عولجت في بعض صيغ الدعاء، كالآيات التي تتحدث على بر الوالدين، حيث دلّت على أن الدعاء بالرحمة للوالدين من البر إليهما، وجاءت صيغة الدعاء مزامنةً لصيغة الطلب والأمر (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)، فالدعاء للوالدين جزء من برهما، والرحمة جزءٌ من رضا الله، فبرهما والدعاء لهما تحقيق للرحمة التي أمرنا الله بها.

وردت في القرآن –أيضًا- آياتٌ كثيرة تضمّنت أدعية متتابعة لأفكارٍ مختلفة وبالإمعان بالنظر نجد تأكيد الله على استجابته للدعاء أو بالمجمل أن الله سريع الاستجابة ومن أبرز تلك الآيات دعاء موسى لله حين أمره بالذهاب إلى فرعون في سورة طه [الآيات:25-36] (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي *وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ) وما جاء بعد ذلك في قوله تعالى (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) [طه: 36]

الدعاء معونة للحياة والإنسان
لنتوقّف هنا أمام الهدف والمعنى السامي من الدعاء وهو كونه عوناً للإنسان، وجرعة قوية المفعول لتقوية الإيمان وترسيخه، حيثُ يكون أداةً شرعها الله وشجع عليها لتؤدي بمشيئة الله إلى تفريج الكربات أو تحقيق الآمال، وبالتالي يمكن القول إنّ العودة إلى الله ربما تبدأ باللجوء إليه والتضرع له.

يحمل الدعاء طابع الاستمرارية وهذا ما يشجع الناس على استدامة القيام به، ففي القرآن حمل دعاء سيدنا إبراهيم عندما طلب من الله جعل مكة آمنةً من الخوف وسفك الدماء معظم الاوقات وأن يمن الله على أهلها بالخيرات ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ ) فحفظها الله قبلةً للمسلمين جميعاً، وتأكدت رغبة إبراهيم عليه السلام حين جعلت مكة حرمًا آمنًا بأمر الله.

لكن الإسقاط هُنا يعبر عن دعاء نبي وأدعية الأنبياء مستجابة في العادة فماذا عن استمرارية دعاء المسلم؟

حسناً، إن المسلم حين يدعو ابتغاءً لنيل شيءٍ من نعم الله فإنّ الله لن يخيبه ويقطع نعمته إلا ليختبره أو ليثبت ايمانه أو منعاً لفساد نفس الإنسان أو امتحانًا له، لكن نظراً لتحقيق أنواعٍ محددة من الدعاء غدا الدعاء مستمراً بطريقةٍ متفاوتة بين الناس.

لقد أرشد الله عباده من خلال نبيه الكريم ﷺ والقرآن الكريم إلى الأوقات المثالية للدعاء وأهمها وأشهرها شهر رمضان المبارك تحديداً ليلة القدر منه وعند إفطار الصائم، بالإضافة إلى يوم عرفة وسائر الأيام عند السحر من الليل وعند هطول المطر ويُستحب الدعاء عند السفر وأثناء السجود لكن لم يربط الله الدعاء بوقتٍ محدد بل قال ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ ) [البقرة: 186] تأكيداً على صلاحية الدعاء في أي وقت بعيداً عن ساعةٍ معينة وتذكيراً للعباد بأن الله قريبٌ يستجيب دون تحديد نقاط زمنية حصرية، أما الأوقات السابقة فهي أوقات تفضيلية للدعاء نظرًا لما تتضمن من رحمات وبركات إلهية.

سر الدعاء
لقد جاء عن النبي ﷺ أن “الدعاء مخّ العبادة” –رواه الترمذي- وهذا يدفعنا لقراءة هذه الصلة بين الإنسان وربه على ضوء مفهوم أوسع، ألا وهو العبادة التي ينال بها الإنسان رضا الله والمواظبة على طاعته، ومن آداب الدعاء أن يكون لعامة المسلمين كما قال أبو الأنبياء إبراهيم (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) [إبراهيم: 41] وأن لا يدعى به في الإثم كقطيعة الرحم أو ما شابه ذلك، كما ينبغي أن لا يستعجل الإنسان إجابة الدعاء، حيث إن الله مستجيبٌ حتماً ولو بعد حين، وفي التأخير حكمة، ولعل في عدم الإجابة عطاءٌ يفوق الإجابة الفورية..

إن القيمة العظيمة للدعاء بيّنها الله في القرآن، وفي حال لم يتنبه المسلم إلى أهمية الدعاء لحياته من خلال تدبر كتاب الله فعلى الأقل يجب أن يفعله اقتداء بالأنبياء والصالحين حيث كان الدعاء دأبهم ومنهجاً يستخدمونه في حياتهم وهذا يدل على فهمهم لهذا المفهوم العظيم الذي شرعه الله.

خلاصة القول إنّ الرغبة في الدعاء دليل على تعلق القلب بالله ويقينه بالاحتياج المطلق له، لكن هذا الدعاء لا ينتقل ليكون علاقةً بين الخالق والمخلوق إلا إنْ تفكر الإنسانُ بالدعاء كأداةٍ فعالة يستخدمها في حياته ويدّخر بعضاً منها لآخرته

 

 

الدروس المستفادة من حوار إبراهيم مع أبيه وقومه في القرآن الكريم

الخلاف في هذا الكون سنة الله في خلقه، خلاف الآراء، والعقائد، والأفكار، والأذواق، قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118، 119].

ولأنَّ الخلاف منتشرٌ في كلِّ الأزمنة والأماكن كان لابد من وسيلة لنبذه أو التقليل منه، وهذا لا يكون إلا بالحوار، فالمتدبِّر للقصص القرآنية يرى أنَّ الحوار هيمن عليها، وهذا دليلٌ على أهمِّيَّة الحوار وفاعليَّته في الخطاب بين الناس.

فالحوار هو (مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين، وعرَّفه بعضهم: بأنه نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين يتمُّ فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافِئَةٍ، فلا يتأثُّر أحدهما دون الآخر، ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة والتعصُّب)[1] .

فالأسلوب الجيد والأنفع لقبول الأفكار هو الحوار والجدال بالتي هي أحسن، قال سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ} [النحل: 125].

فلذلك أولى الإسلام الحوار أهميًّة فريدة، فترى القرآن الكريم حافلاً بالحوارات، إمَّا بين الله تعالى وبين عباده مثل حواره مع الملائكة، أو بين نبيٍّ وكافر مثل حوار إبراهيم مع أبيه، وغير ذلك من الحوارات.

نشأة إبراهيم عليه السلام
يروى عن ابن عبَّاس أن إبراهيم نشأ بغوطة دمشق، ولكنَّ الصحيح أنَّه نشأ في بابل في العراق وهذه الرواية الأصح[2]. وكان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام، وكان أبوه أيضًا مشركًا، وهذا ما ذكره القرآن الكريم، قال تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 52، 53].

وكان إبراهيم قد أوتي رشداً منذ صغره، قال سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 51]. وقد أوتي أسلوبًا بليغًا في الدعوة، وهذا ما ظهر في حواره مع قومه وأبيه، حين دعاهم إلى فطرة التوحيد ونبذ عبادة الأوثان، وتوجَّه إليهم بالبرهان السَّاطع، والحجَّة البالغة.

 دعوة إبراهيم لقومه
حتى تنال الدَّعوة القَبول يجب ان تبنى على أسس صحيحة ومتينة، ولا شكَّ أنَّ إبراهيم قد امتلك أدوات الحوار اللَّازمة، وهذا مهم لكل داعية (فبمقدار ما يكون الدَّاعية متمكناً من الحوار محيطاً بآدابه وأساليبه، يكون أقدر للنجاح في دعوته، ولذلك لا بدَّ من دراسة هذا الموضوع والعناية به وتأصيله، ومن ثمَّ الرجوع إليه بين الحين والآخر، ليحاكم الداعية طريقته في النقاش وأسلوبه في عرض الدعوة فيحسن أداءه ويصلح أخطاءه)[3] .

وفي خطاب إبراهيم لقومه تظهر أسسٌ عدَّة أقام حواره معهم على أساسها:

١-المحاججة وإقامة البينة: لا بدَّ لمن أراد الدعوة أن يقيم الحجَّة بالبرهان والبيِّنة، (يقول ابن القيم: إنَّ البينة ليست محصورة في شهادة الشهود بل هي إحدى أنواع البينة، فالبينة هي كل ما يبين الحق)[4].

وإبراهيم جاء قومه بالبينة والحجة المقنعة، ويتجلى خطاب الحجاج في سورة الشعراء: {إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين} [الشعراء ٧٠-٧١]، فسألهم سؤال المستنكر عليهم، ثم أتاهم بالبينة الصارمة: {قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}[الشعراء ٧٢-٧٤]. فحينها بُهِتوا واقتنعوا بكلامه، وأقرُّوا بأنَّ الأصنام التي يعبدونها لا تسمع ولا تبصر، واحتجُّوا بأنَّهم وجدوا آباءهم يعكفون عليها، وبأنَّهم ظلُّوا على كفرهم كبرًا وعنادًا حتى مع إقامة الحجة عليهم، فحينها لجأ إبراهيم لأسلوب أخر لعله ينفع.

٢-الشدة والإنكار عليهم: بعد أن لقي إبراهيم من قومه الغلظة والتكذيب كان لابدَّ من الشدة عليهم، وهذا ما أخبر عنه القرآن على لسان إبراهيم: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [ الشعراء ٧٥-٧٧]. حينها ظهرت العداوة بين إبراهيم وقومه، فلم تنفع الشدة معهم، فانتقل لأسلوب جديد.

3-تغيير المنكر باليد: بعد أن صدَّ القوم عن دعوته قام إبراهيم متسلِّلًا إلى معابدهم فكسر الأصنام وأبقى الكبير فيهم، وبعد أن علموا بالأمر جاؤوا إليه واتَّهموه بذلك، ولكنَّه استثمر الموقف وأقام الحجَّة عليهم جميعًا، وهذا ما يصوِّره القرآن: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 62 – 65].

وهنا تظهر قوَّة الخطاب الإقناعي، وكيف استطاع إبراهيم أن يبهت القوم ويحاججهم، فكانت النتيجة أن عاقبه قومه وطالبوا بتحريقه ونصر الآلهة، {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين} [الأنبياء ٦٨].

وبذلك يكون الحوار قد وصل إلى طريقٍ مسدود، لأنَّهم عاندوا إبراهيم، ورفضوا ما أتاهم به من الحق، لا لأنَّهم لم يقتنعوا بكلامه، بل بسبب كبرهم واستعلائهم على الحق.

دعوته لأبيه
بعد أن دعا إبراهيم قومه كان لابد من دعوة أبيه بِرًّاً به وإقامةً للحجَّة عليه، ولكن لابد من اختلاف أسس الدعوة معه.

كان والد إبراهيم في مقدمة عابدي الأصنام، بل كان ينحتها ويصنعها لقومه، فعزَّ ذلك على إبراهيم لأنَّه كان يحبُّه ويرغب بهدايته، وقرَّر مخاطبة أبيه بتلطُّفٍ وتتودُّدٍ، {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 42 -45].

فيتوجَّه له مشفِقًا عليه، ويحاول بما اصطفاه الله أن يبلِّغ ما أمره ربُّه بتبليغه، فقد جمع الله بإبراهيم الصديقية والنبوة، فهو الصادق في أقواله وأفعاله وأحواله وهو أفضل الأنبياء كلهم بعد محمد صلى الله عليه وسلم.

{يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم ٤٢]. ففي هذا إنكارٌ على أبيه وهو في الوقت نفسه إعلان ببطلان عبادة الأصنام العاجزة.

ثم توجَّه له قائلًأ: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم ٤٣] وفي ذلك إعلامٌ بالنبوَّة التي خصَّه الله بها، فهو موحى إليه من ربِّه، ولا يتكلَّم بهوى نفسه.

ثم ينتقل في خطابه إلى النَّهي عن الشرك وعن اتباع الشيطان: {يا أبتِ لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا} [مريم٤٤]، فهو لم يعبد الشيطان بل عبد الأصنام، ولكن بعبادته لها كان قد استجاب لأمر الشيطان، وذلك كان في الخطاب نوع من التهويل والمبالغة لغرض التحذير والتخويف: {يا أبت إني أخاف أن يمسَّك عذاب من الرحمن}[مريم ٤٥]،وهنا تكمن البلاغة في أسلوبه الخطابي فلم يقل: سيصيبك عذاب من الله ولكن أشعره أنه خائف عليه ليستميل قلبه، فهو يستعمل الخطاب العاطفي مع الخطاب العقلي لغرض التأثير والإقناع.

فماذا كان جواب آزر بعد هذا الخطاب البليغ؟

ما كان منه إلا أن غضب وقال: {أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنتهِ لأرجمنك واهجرني مَليا} [مريم ٤٦].

فقد رد عليه بغلظة وأجابه إجابةُ فظَّة بسبب الكبر الذي أعمى قلبه، ولكن لم يترك إبراهيم الدعوة مع كل هذه الظروف بل صبر، وأراد تغيير الواقع بآلية أخرى تمهِّد لحوار جديد، وهي تحطيم الأصنام كما تمَّ ذكره سابقًا، حيث كانت خطوة مهمة، لأنَّ الهدم أوَّل خطوة للبناء، فكان لا بدَّ أن يهدم معتقدهم ليقيم لهم معتقدًا آخر صحيحًا.

بعض الدروس والعبر
تجلَّت في حوار إبراهيم مع أبيه وقومه في القرآن الكريم دروسٌ كثيرة، من الأهمِّيَّة عرض بعضها، ومن ذلك:

١-ضرورة الصدع بالحق: فما النفع إن كان الإنسان يعلم الحق ويخفيه؟ فهذا إبراهيم صدع بالحق ووقف بوجه قومه وأبيه.

٢- اتخاذ الأساليب يكون حسب رؤية الداعية : فأسلوب إبراهيم اختلف بين قومه وأبيه، فهو مع قومه كان في العموم أشدَّ منه مع أبيه، حيث رقَّق في بعض المواقف خطابه لأبيه تألُّفًا له وتليينًا لقلبه.

٣-كل من يحمل دعوة فإنه معرّض للخطر والإيذاء، فهذا إبراهيم قد حاربه قومه وآذوه وشتموه وانتهى بهم المطاف لرميه في النَّار.

٤-الصبر على الدعوة، فلا ينبغي للداعية ترك الدعوة إن رأى قومه لا يستجيبون له، وهذا ما قام به إبراهيم حين هدَّده أبوه فأجابه إبراهيم: {سلام عليك سأستغفر لك ربي}.

٥-الهداية من عند الله تعالى، فعلى الداعية أن يدعوَ إلى الله، وعلى الله الهداية، فرغم كلِّ محاولات إبراهيم لهداية أبيه إلا أنَّ أباه رفض دعوته، وتكبَّر عليها.

٦-جاهزيّة الداعية للرَّدِّ على دعوات المبطلين وشبهاتهم بما يتوفَّر له من أدوات وطرق للإقناع، فإبراهيم حاول التوجُّه بخطاب عقلاني للقوم، ثم بعد التكذيب حاول تغيير الواقع بيده عبر تكسير الأصنام، قال تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80].

7- دِينُ المسلم أعظم من الأرحام والأحباب والمكاسب، فإن خُيِّر المسلم بين دينه ودنياه فعليه اختيار الدِّين لأنَّ فيه صلاح دنياه وآخرته، وهذا ما فعله إبراهيم.

خاتمة
وهكذا كان إبراهيم بدعوته مدرسة في الحوار، ورمزاً من رموز الخطاب، فصحيح أنه لم يستجب له إلا القليل من قومه ولكنَّ الله أثنى عليه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [النحل: 120] لأنَّه واجه الباطل وحده، وحطَّمه بيده، وتبرأ منه ومن أصحابه، وعلى الداعية أن يتدبَّر الأساليب الدعوية التي توخَّاها إبراهيم ليحاجج قومه، حتَّى يكون على نهجه وطريقته.


[1] الحوار آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسُّنَّة، يحيى بن محمَّد حسن بن أحمد زمزمي، دار التَّربية والتُّراث، مكَّة المكرَّمة، ط1، 1414هـ-1994م، ص22.

[2] قصص الأنبياء، ابن كثير، تح: مصطفى عبد الواحد، مكتبة الطالب الجامعي، مكَّة المكرَّمة، ط3، 1408هـ-1988م، ص156.

[3] الحوار آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسُّنَّة، ص32.

[4] الحصانة كأساس لرفض البيِّنة المقبولة في الإثبات، أسماء الحمزة، تح: حافظ الشيخ الزاكي، جامعة الخرطوم، د.ط، 1425هـ-2004م، ص14.

في الدعوة: آداب وأحكام

قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِۚ﴾ [آل عمران، 104] قال ابن كثير: “والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه” (تفسير القرآن العظيم، ص387)

ولكمال حكمة الله، ورحمته، وعدله فإنه شرع للمؤمنين منهجا متكاملا، وسبيلا واضحا للدعوة إليه، واستنقاذ الناس من براثن الشرك، وأدران المعاصي، وقد تراءت معالم هذا السبيل بإرشادات نيرات، ونفحات عطرات من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء، تناثرت كالدر في آي القرآن، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِۚ﴾ [النساء، 165]

الأصل الجامع لكل الأصول في الدعوة:
قَالَ تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِۖ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل، 125]. وهذه الآية الكريمة منهج رباني متكامل،وأصل جامع لأساليب الخير وسبل الرشاد في الدعوة إلى الله،ومعظم القواعد الأخرى الواردة في القرآن الكريم إنما تعود إليها وتنبثق عنها،وللسعدي كلام نفيس في تفسير هذه الآية،يقول: “أي ليكن دعاؤك للخلق مسلمهم وكافرهم إلى سبيل ربك المستقيم المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح “بالحكمة” أي: كل أحد على حسب حاله وفهمه وقوله وانقياده.

من الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل، والبداءة بالأهم فالأهم وبالأقرب إلى الأذهان والفهم،وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين فإن انقاد بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة: وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب. إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها، والنواهي من المضار وتعدادها، وإما بذكر إكرام من قام بدين الله، وإهانة من لم يقم به، وإما بذكر ما أعد الله للطائعين من الثواب العاجل والآجل، وما أعد للعاصين من العقاب العاجل والآجل، فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق، أو كان داعيه إلى الباطل فيجادل بالتي هي أحسن: وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا. ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها فإنه أقرب إلى حصول المقصود،وألا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها ولا تحصل الفائدة منها،بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق،لا المغالبة ونحوها (تفسير السعدي، ص452).

******

وتفصيلا لما سبق، وتتبعا لآيات القرآن الذي لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي حكمه، نجد من الأساليب الدعوية ما يلي:

استنطاق الفطرة:
فلما كانت النفوس مجبولة على توحيد الله تعالى والإيمان به، وجهنا الله لمخاطبة هذه الفطرة، وندائها، ومسح غبار الشرك المتراكم عليها، حتى تستيقظ من غفوتها، وتعود بصاحبها إلى بر الأمان، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًاۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاۚ﴾ [الرّوم،30]

وفي قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف،39] نرى عفوية الخطاب، وفطريته، ومباشرته، وكأنه من المسلمات وهو كذلك.

استنطاق العقل:
فللعقل السليم مبادئ ضرورية لا يستطيع تجاوزها أو الفرار منها، لذلك وجه الله سبحانه النبي صلى الله عليه وسلم لإقامة البراهين العقلية الحتمية على المجادلين، إشهادا لعقولهم عليهم بالحق، ففي قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُۖ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍۖ﴾ [يس،78-79]

دحض الله إنكار المشركين للمعاد، بأنه هو الذي خلقهم أول مرة بعد أن كانوا عدما، وهذا قياس بالأولى، وهو مسلك عقلي سليم. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور،35] وفي هذا تقسيم وسبر، يشهد العقل بعده بفساد كل تصور إلا الإيمان بالله.

و يدخل في هذا الأسلوب: الاستدلال على العباد بالآيات الكونية، ومظاهر الربوبية، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصّلت،53] وما أكثر الآيات التي تعدد عجائب صنع الله في هذا الكون، وتبين بديع خلقه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران،190]

إظهار تناقضات المخالف وبهتان حجته:
قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُۗ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران،183] فبين الله كذب أهل الكتاب، وكفرهم بتناقض دعواهم مع ما فعلوه بأنبيائهم لما أتوهم بالحجج والبراهين وبالذي قالوا.

الترغيب والترهيب:
قَالَ تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأنعام،48-49] فالله سبحانه أمر مرسليه أن يبشروا عباده الذين استجابوا له وأطاعوه بالجنان ونعميها، وأن ينذروا من كفر وعصى من النار وسعيرها، والآيات التي تفصل في وصف الجنان وسكانها، والنار، وأهلها كثيرة في كتاب الله.

 ومما يدخل في هذا الباب، ترغيب أهل الإيمان بما يحصل لهم من نور وطمأنينة في دنياهم، قَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد،28] وترهيب أهل الشرك والمعاصي بما يحصل لهم من التخبط في الضلالات، والغرق في الظلمات، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِۗ﴾ [الأنعام،39]

الإنذار والوعيد بعد الحجة والبيان:
وذلك بعد أن يبين الله لعباده الحق بالحجة، ينذرهم من عذاب شديد إن هم كفروا، وأعرضوا عن الحق إلى الباطل، قَالَ تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصّلت،13]

الدعوة للاعتبار من حال الأمم السابقة:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿۞أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [غافر،21] فالإنسان قد يغشاه من الكبر ما يغشاه، فإذا سار في الأرض، ورأى ما حل بالأمم السابقة من عذاب وهلاك لما عصوا الله، فقد يعرف قدر نفسه فتنزاح غمامة الغرور عن بصيرته، فيبصر الحق، فيؤمن به. وقد قص الله في القرآن من أنباء الأقوام الظالمة كعاد وثمود وغيرهم ما فيه عبرة للبشر.

التذكير بنعم الله سبحانه على العباد:
وهذا ينفع في دعوة المسلمين خاصة، فالمسلم حين يتذكر ما أنعم الله عليه من نعم غزيرة، ويرى كيف هو يكفر هذه النعم بمعصية الله، وعدم استخدامها في طاعته، ويتخيل ما سيؤول إليه حاله لو حرم من هذه النعم، لربما يرق قلبه حينها، ويرعوي عما هو عليه من معصية الله، قَالَ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَۖ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك،23].

******

ومن القواعد الواجب اتباعها، واللازم توافرها في الدعوة حتى تؤتي ثمارها:

الالتزام بمنهج النبي ﷺ:
فمن حاول أن يلتمس سبيلا غير سبيله، أو ينهل من غير معينه لأي سبب وفي أي زمان ومكان، فلا أحسبه إلا أخرق ترك أنهار الجنة ليغرق في مستنقعات الدنيا، قَالَ تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِۚ﴾ [الأنعام،153]

الوضوح واليقين:
أي أن يكون منهج الدعوة واضحا مستبينا مبنيا على العلم واليقين، وكذلك الهدف وهو إدخال الناس تحت مظلة التوحيد، قَالَ تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِيۖ﴾ [يوسف،108] 

عدم الرضوخ للأهواء:
قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَۖ﴾ [المائدة،49]

يقول الشيخ إبراهيم السكران: “ولا أشد على العامل للإسلام من تلك الفتنة التي حذر منها نبيه صلى الله عليه وسلم وهي فتنة استمالة المدعوين، والرضوخ لهوى المكلفين، والانصياع لضغوط مألوفاتهم، وتوجيه التعاليم الإلهية بالشكل الذي يرتاحون به، ويميلون إليه” (مآلات الخطاب المدني278)

التجرد لله تعالى:
وذلك بأن يعتقد الإنسان اعتقادا جازما أن الدعوة التي يقوم بها ليست لذاته، ولا لمصلحته، ويتحرك في جميع أحوال دعوته وهو يعتقد أنه يأوي إلى ركن شديد قادر على تأييده. قَالَ تعالى: ﴿۞يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِۗ﴾[المائدة،67] ويظهر التجرد لله في الآيات التي تذكر النبي ﷺ أنه مبلغ ومنذر وليس له من الأمر شيء، قَالَ تَعَالَىٰ:﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِۗ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد، 7]

ومن التجرد لله عدم الحزن، أو الشعور بالمشقة إن أعرض الناس عن دعوة الله بعد أن تقوم عليهم الحجة، فالداعية ليس حفيظا على الناس،وإنما هو مجرد مبلغ للرسالة، وأما الهدى فعلى الله وحده، قال تَعَالَىٰ: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام،35]

ومن التجرد ألا يكره الداعية الناس على الإسلام، لأن الحق بين، والهداية بيد الله وحده، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس،99]

الدعوة للجميع:
فلا ينشغل المسلم بدعاء القوي ويترك دعاء الضعيف، فالغرض من الدعوة هداية البشر إلى الحق، واستنقاذهم من النار أيا كانوا، والدين لم يأت ليستقوي بأصحاب النفوذ أو يعتز بهم، بل الدين هو الذي يبث العزة في قلوب حامليه، فيرفع بالاستقامة من وضعتهم قوانين البشر، ويذل من رفعتهم أعرافهم، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام،52].

المشورة والرفق واللين في الدعوة:
قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِۖ﴾ [آل عمران،159] قال السعدي: أي برحمة الله لك و لأصحابك، من الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك، وأحبوك، وامتثلوا أمرك. ﴿ولو كنت فظا﴾ أي: سيء الخلق، ﴿غليظ القلب﴾ أي: قاسيه، ﴿لانفضوا من حولك﴾ لأن هذا ينفرهم، ثم أمره الله تعالى أن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه صلى الله عليه وسلم، ويستغفر لهم في التقصير في حق الله، فيجمع بين العفو والإحسان. ﴿وشاورهم في الأمر﴾ أي الأمور التي تحتاج إلى استشارة، ونظر، وفكر، فإن في الاستشارة فوائد، منها: أن فيها تسميحا لخواطرهم، فإن من له الأمر على الناس–إذا جمع أهل الرأي والفضل، وشاورهم في حادثة من الحوادث–اطمأنت نفوسهم، وأحبوه، وعلموا أنه ليس بمستبد عليهم، فبذلوا جهدهم في طاعته لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذلك. (تفسير السعدي، باختصار ص154)

التنويع في أساليب الدعوة:
فإن الناس قد تختلف أحوالهم وأفكارهم، فمن الحكمة أن ينوع المسلم في الأساليب المشروعة في الدعوة إلى الله، فها هو نبيُّ الله نوح عليه السلام يدعو قومه بالسر والعلن، يرغبهم بمغفرة الله، ويحذرهم من عذابه، ويذكرهم بنعمه، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا* ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح، 8-9].

******

ومن الآداب التي يجب على الداعية أن يلتزمها في نفسه:

الإخلاص لله تعالى:
أي أن يكون الإنسان محتسبا أجره عند الله، هدفه أن يرضى الله عنه، وأن يبلغ رسالة الهداية، لا الشهرة بين الناس وثناءهم، أو جني الأموال، وغير ذلك من حطام الدنيا، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًاۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِيۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [هود،51]

الإكثار من العبادة:
قَالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ*قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا*نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا*أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا*إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزّمّل،1-5]. فانظر كيف أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعبادة الليل وقراءة القرآن ثم علل ذلك بأنه سيلقي عليه قولا ثقيلا العمل به، وفي مقدمة ذلك الدعوة إلى الله، فلا بد للعامل للإسلام من تهيئة نفسه وتربية، روحه في مدرسة العبادة قبل البدء بهذا الجهاد العظيم وخلاله.

الصدق:
قَالَ تَعَالَىٰ:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة،119] فالداعي إلى الحق لا يليق به أن يكذب في سبيل دعوته، فهذا يصد الناس عنها، بل هي ليست بحاجة لكذبه، كيف وهي تنادي بالحق وعلى الحق قامت؟!

ويجب على الداعية أن يتحرى الصدق ويتمثله في أخلاقه ومعاملاته، وليس في مجال الدعوة فحسب بل في كل مجال، حتى يكون ثقة عند الناس، فالنبي صلى الله عليه وسلم عاش عمرا في قريش لم يشهدوا عليه كذبا قط، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ:﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس،16]

الصبر:
فطريق الدعوة طريق محفوف بالمكاره، مفروش بالأشواك فلا بد للداعية إلى الله من الصبر على أذى الناس، وإعراضهم، وقد أرشدنا سبحانه إلى وسائل تعين على الصبر، منها:

تذكّر حفظ الله لعباده، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَاۖ ﴾ [الطور،4]

الاقتداء بسير الأنبياء-خير دعاة إلى الله، قَالَ تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ…﴾ [الأحقاف،35]

الذكر والاستغفار، قَالَ تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر،55]

التوكل على الله:
قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود،88]، فالداعي إلى الله يتوكل عليه في كل شأنه ويسأله أن يهديه ويهدي به، فلا هادي إلا الله، ولا موفق إلا هو.

التواضع:
قرآنقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًاۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ* وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَۚ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان، 18-19] فالنفس البشرية لا تقبل التكبر عليها، ولا تستجيب لمن أهانها ولو علمت أن ما يدعو إليه حق، ومن صور التواضع :القصد في المشي، وخفض الصوت في الحديث؛ تأدبا مع الله، ثم مع الناس، ومن التواضع: ألا يسخر الداعي إلى الله من عامة المسلمين لتقصيرهم، بل عليه الاجتهاد في دعوتهم، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات،11].

ومن التواضع: ألا يزكي الإنسان نفسه فالله أعلم بالمتقين، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء،49]

الهمة والنشاط:
فانظر إلى سيدنا نوح عليه السلام كم قام في قومه يدعوهم إلى الله دون كلل أو ملل مع إعراضهم، وتكبرهم، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت، 14]

الصمت إلا عن الخير:
فلا يكثر من الكلام، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، ولا يكون حديثه إلا مثمرا ينير دربا، ويقوّم فعلا، قَالَ سُبْحَانَهُ:﴿۞لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِۚ) [النساء،114]

الأدب في الحديث:
فلا يليق بمن يدعو إلى الله العظيم الحكيم: أن يتلفظ بما ساء وخبث من القول، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿۞لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَۚ﴾ [النساء،148]

التمثل بما يدعو الناس إليه:
فحري بمن يدعو الناس إلى الخير أن يبتدئ بنفسه، ثم كيف يستجيب الناس له إن رأوا من أقواله وأفعاله ما يناقض دعوته، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿۞أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة،44]

الحذر من الغيبة:
فقد يزين الشيطان للعامل للإسلام ذلك الذنب العظيم، ويلونه بصبغة شرعية، وهذا منزلق عظيم يجب على المسلم الحذر منه، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًاۚ﴾ [الحجرات،12]