مقالات

هل ثمة دور للعقل في الإيمان؟

شريف محمد جابر


هل هناك إيمان بناء على قناعات عقلية؟ أم الموقف من الدين هو مجرد استجابة للحالة النفسية أو الظروف المجتمعية؟ هذا سؤال اختلفت حوله الآراء المعاصرة، حتى ذهب بعضهم إلى إنكار دور العقل في الوصول إلى الإيمان، وذهب آخرون إلى قصر الإيمان على الأدلة العقلية بشروط خاصة!

 إذا تطرقنا إلى المقولة الأولى، فإنّ الفكرة التي تقول باستحالة وجود الإنسان المتجرّد لاتباع الحق بناء على قناعة عقلية هي فكرة رسّختها الحداثة. الحداثة التي خلطت بين “الإنسان” و”الآلة”، فصارت معايير دراسة كل منهما متشابهة إلى حدّ كبير، وبما أنّ معالجة المعطيات بشكل علمي محض دون أي انفعال أو قلق أو مشاعر هي من خصائص “الحاسوب” لا “الإنسان”، صار القول بالتجرّد العلمي في تداول الآراء محض خرافة عند هؤلاء؛ لأنّهم يحاكمون الإنسان بمعايير الحاسوب، فحتى نقول إنّ الإنسان قد اختار رأيا ما بقناعة تامّة وعن تجرّد ينبغي نزعه عن الإنسان الذي فيه وتحوله إلى حاسوب عندهم، وبما أنّ هذا مستحيل فإذن يستحيل وجود الإنسان المتجرّد! أي أنّهم نفوا إمكان الإيمان بناءً على قناعة عقلية لسوء تصوّرهم للقناعة العقلية، والظنّ بأنّها تستلزم التجرّد العلمي المحض كالحواسيب، ومن ثمّ أنكروا تحقق ذلك في الإنسان.

    وهذا الاستنتاج وهمٌ من أوهام بعض الحداثيين، والصواب أنّ القناعة العقلية عند الإنسان مفهوم مغاير للسلوك العلمي عند الحاسوب (إن جاز التعبير)؛ فحاسوب السيارة ذاتية القيادة مثلا يعالج المعطيات التي تصله من الكاميرات والمجسّات الأخرى ويتخذ قرار الانعطاف إلى اليمين، وهذا القرار هو قرار علمي محض مبني على حسابات علمية، لم تخالطه رغبات وأشواق وانطباعات ذاتية، بل لا وجود لهذه “الذات” الواعية للفعل ككلّ، بل هي مجموعة أجهزة مترابطة ميكانيكيّا وتعمل معًا.

    أما الإنسان فهو كائن عقلاني مشاعري، أي أننا لو أخذنا السلوك نفسه، فهو يتخذ قرار الانعطاف كقائد للسيّارة خوفًا من الاصطدام، وهذا “الخوف” شعور، ولكنه منسجم انسجامًا تامّا مع القرار العقلاني الذي يقضي بأنّ أحكمَ الاختيارات هو الانعطاف لاستمرار مسيرة السيارة وقضاء مصالح الشخص وعدم تخريبها عند الارتطام بالحاجز. فهذا سلوك عقلاني، وهو في نفس الوقت مختلط بالمشاعر، أي أن وجود الانفعال الشعوري لم يكن متعارضًا مع كونه خيارًا عقلانيّا.

    وهناك طرف آخر يقصُر الإيمان على الأدلة العقلية الصرفة، فهو يتعامل مع مسألة الإيمان كما لو كانت معادلة رياضية، أو كما لو كان الإيمان يأتي بالإخضاع والإفحام العلمي بعد بيان الأدلة ببساطة! وهذا وهمٌ أيضًا؛ فقد ذكر القرآن أشخاصًا تيقّنوا من الحقيقة ولكنهم ببساطة جحدوها {وجحدوا بها واستیقنتها أنفسهم ظُلمًا وعُلوّا}، فالتيقّن العلمي من صحة هذه الحقيقة لم يُنشئ إيمانًا بالضرورة، بل عارض ذلك النزوعُ النفسي الظالم المستكبر. ولهذا كتبتُ يومًا: “فليس الإيمان معادلة رياضية تقتنع بها العقول فتلتزمها، وإنما هو حقيقة نفسية يوفّقُ الله إليها من استجاب لنداء العقل والفطرة ولم يطمسْه باتّباع الهوى والشهوات”.

    أمّا الطرف الأول الذي ينفي أي دور للاقتناع العقلي في تحديد الموقف من المسائل الدينية، ويحيلها كلها إلى الظروف الاجتماعية والحالات النفسية، فالتديّن عندهم محض اختيار عاطفي أو تأثّر بالمحيط المجتمعي، وهذا ناتج عن كون معظم الناس ينحازون إلى آرائهم في الدين لأسباب نفسية أو اجتماعية.

    ولكن هذا الانحياز اللاعقلاني ليس ضربة لازب، وللعقل دورٌ عند الكثير من البشر، ولولا ذلك لَما خاطب القرآن الناس بالبراهين والبينات، ولَما ذمّ اتباعهم الأعمى لعادات المجتمع دون أن يعقلوا، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ}، ولَما وصف اللهُ نبيّه صلى الله عليه وسلّم بأنّه “برهان” والقرآنَ بأنه “مبين” {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا}، ولَما قال للكافرين {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}، ولَما قال حكاية عن الكفار {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ}، ولَما قال للناس {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، وآياتٌ كثيرة غيرها، وإنما ذكرتُ الآيات لأنّ من ينكر دور العقل في الموقف من الدين ويزعم أنه محض اختيار عاطفي مؤمنٌ بالقرآن، فها هو القرآن ينكر أن يكون الموقف من الدين مجرّد اختيار عاطفي لا دور للعقل فيه.

    فاتخاذ المواقف من الدين بناء على التفكير العقلاني والقناعة العقلية أمر أكّده القرآن وأكدت عليه تجارب الكثير من البشر الذين خالفوا مجتمعاتهم وضعفَهم النفسي واتخذوا موقفهم من الدين بناء على القناعة العقلية. ولو نفينا دور هذه القناعة العقلية في اتخاذ الموقف من الدين لكنّا نكذّب القرآن ونزعم أنه يخاطب بشرا وهميين ويطالبهم بالمستحيل؛ إذ هم بحسب زعمنا آنذاك كائنات جبرية تحكمها ظروفها الاجتماعية والمادية وانفعالاتها النفسية!

    ولكن من جهة أخرى فمفهوم هذه القناعة العقلية والعقل عموما لدى الإنسان هو كما ذكرتُ بعيد كل البعد عن أن يكون معادلة رياضية، فالتفكّر في محاسن شريعة الإسلام مثلا والأخلاقيات التي يدعو إليها ومحبّة هذا الدين بناء على هذا “التفكر” هو ممارسة عقلية بكل معنى الكلمة، حتى لو امتزجت بها المشاعر، فالآيات والهدايات القرآنية تدخل إلى نفس الإنسان من جميع منافذ التلقّي لديه؛ تخاطب تلك الفطرة القديمة العميقة في داخله فتحرّك وجدانه لمحبة هذا الدين، كما تخاطب عقله المفكر الواعي الذي يدرك قبح الشرك واللامعنى وفساد فكرة عدم وجود خالق لهذا الكون العظيم ولهذه الحياة البديعة وفساد الأخلاق الوضعية وغير ذلك من الأمور، لو تفكّر فيها محيّدا أهواءه قدر الإمكان.

    علمًا أنّ مسألة الإيمان مسألة مركّبة تتألف من عناصر عديدة كالصدق في طلب الحق، وتتأثر بعوامل أخرى كالظروف المجتمعية والحالة النفسية وغير ذلك. ولكنْ في القلب من هذه العناصر جميعا يكمن “العقل” بمفهومه الرحب الذي عرضه القرآن، لا بمفهومه المنطقي الذي عرضه الفلاسفة، ولا بمفهوم “الإثبات العلمي الملزِم” الذي يسيطر على بعض المعاصرين اليوم.

    وقديمًا تنبّه علماء المسلمين إلى هذا المفهوم الرحب للعقل، فقد سئل الحكيم الترمذي عن العقل فقال: “وسألتم عن العقل، فالعقل نور ومعرفة في الرأس ومعتمَلُه في الصدر على عيْنَي الفؤاد، وإنما سُمّي عقلا لأنّه يعقلُ به نفسه وجوارحَه عن الانتشار ومجاوزة الحدود إلى ما يشينه، فإنّ النفس إذا انبسطتْ شوّشت التدبير وأفسدت، فهذا النورُ عِقال النفس عن ذلك” (من مخطوط “الدر المكنون”). فانظر كيف ربط العقل بالإرادة وأعطاه بُعده القيمي الأخلاقي، ولم يعطِه تعريفًا منطقيّا صرفًا معزولا عن طبيعة الإنسان.

    ويوضّح محمد بن إبراهيم الوزير في إحدى قصائده كيف أنّ الإيمان له عدة عوامل ومداخل إلى نفس الإنسان، العقل منها ولكنه ليس المدخل الوحيد للإيمان، والعوامل النفسية منها ولكنها ليست الوحيدة:

مواهبٌ من يقينٍ غير ممكنة .. للخلق تهجُمُ في يُسرٍ وتهوينِ

ووارداتٌ من الإيمان ليس تُطيق النفسُ جحدَ هدًى منها وتبيينِ

تكون عند وقوع الخارقات وعند الفكرِ منها وبالإخبات واللينِ

وبالتضرّع عن ذلّ ومسكنةٍ .. تَمكَّنَ العبدُ منها أيّ تمكين

    فتأمّل أبياته هذه، وكيف جمع بين الدليل الحسّي والفكر من جهة، وبين الإخبات والتضرع من جهة أخرى، فالأول مسلك عقلي محض للإيمان، والثاني مسلك نفسي.

    وقد سئل الحكيم الترمذي عن الإيمان فقال: “وسألتَ عن الإيمان من المواهب ومن المكاسب، فالإيمان فعلُ العبد، يُقال: آمنَ يؤمنُ إيمانًا، ولو لم يكن من المكاسب لم يستحقّ الثواب، فأما الذي نال به الإيمان فالعقل فهو مواهب، وقبولُ العبد وطمأنينة نفسه إلى ما جاء به العقل وأورده على قلبه مكاسب وبه استحقّ الثواب” (من مخطوط “الدر المكنون”). فانظر كيف لم يجد تعارضًا بين النظر العقلي وطمأنينة النفس، وجعل الإيمان نتيجة للجانبين معًا، وكيف أنه رغم إقراره بأنّ الإيمان طمأنينة النفس لم ينكر الدور الجوهري للتفكير العقلي في حصول الإيمان.

كيف يصحح التوحيد كل المفاهيم؟

إبراهيم إسماعيل


يعتقد المسلمون أن جميع الأنبياء كانوا من حملة رسالة التوحيد، وأن أول من نزل بالتوحيد هو أبو البشرية آدم عليه السلام، واجتمعت كل دعوات الأنبياء على هدف واحد، وهو هداية البشر إلى التوحيد، وهو ما ذكرته الآية الكريمة: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}.

ويعتقد المسلمون كذلك أن القول بالتوحيد يتفق مع المنطق الضروري، ذلك أن وجود إلهين أو أكثر يعني عدم انتظام في مسيرة الكون، لأن كل إله سيسعى للانفراد بما خلق، وكل واحد منهم سيسعى للعلو على غيره، وهذا من الأمور المستحيلة التي نبه لها القرآن بقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}، ولن يكون للإلهة  المتعددة أي جدوى للإنسان إن لم يجهزْ أحدهم على بقيتهم أو يخضعهم لإرادته، فلا بد من توفر صفة الأعلى في الإله، لأنه لا يمثل الخير الأسمى والسلطة العليا والمبدأ الأخير غير مصدر مطلق، منه البداية وإليه المنتهى.

أما سلطة إله خاضع لغيره، أو إله معه آلهة أخرى، فهي موضع شك على الدوام، وهو مما يفسد انتظام الكون، وبذلك أشارت الآية الكريمة: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَـةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}. لذلك فليس بمقدور الكون أن يطيع سيدين، ولا أن يعمل بانتظام سنني ويكون على هذا التناغم الذى هو عليه، لو كان في الوجود أكثر من مصدر نهائي واحد تتلقى الموجودات المخلوقة منه أمرها[1]، لذلك يرفض الإسلام الألوهية في أشكالها التعددية والتثنوية، ويرفض الشرك والوثنية، وتنص شهادة الإيمان في الإسلام على التوحيد الذي أصبح رمز الدين الإسلامي وشعاره والعلامة المميزة للمسلم من غير المسلم”[2].

تمثال عملاق لأحد آلهة الهندوس في ماليزيا

يعتبر الإسلام أن الإنسان مفطور على التوحيد، وأن الشرك بكل صوره وتجلياته ومظاهره نتاج نظم فاسدة في التربية، وفعل التأويل والتاريخ[3]، فالوثنية والإشراك نهج خاطئ منحرف، وهو رغم ذلك لم يمنع الاعتراف النهائي بفكرة الألوهية {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}[4]، ذلك أن الوثنية تتوسل بآلهتها الصغرى، وترتقب الخير من التعلق بها -بوصفها ذات صلة خاصة بالإله الكبير- ولذلك يعتبر هؤلاء أن الشركاء شفعاء! والقرآن الكريم ينفى أن يكون لأحد عند الله شأن من هذا القبيل: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون*قل لله الشفاعة جميعا}[5]، لذلك رفع الإسلام من شأن التوحيد حتى جعل كلمة التوحيد أعلى شعب الإيمان، وبين أن الأمر كله بيد الله، فالله وحده هو الضار النافع، الذي يخذل أو ينصر، ويعطي أو يمنع، وليس لأحد بعده تعقيب على حكمه، وليس من شأن ملك في السماء أو نبي في الأرض التدخل في مشيئة الله.

ويرى علماء المسلمين أن التوحيد هو أول دافع للبشر نحو الإيمان، فأغلب الذين كفروا بالألوهية إنما كفروا بها على أنها أصنام أو أبقار أو تثاليث مبهمة، والكفر بالآلهة الخرافية جزء من حقيقة التوحيد، ذلك أن كلمة التوحيد تتألَّف من جزء سالب “لا إله” وجزء موجب “إلا الله”، فإنكار ألوهية البشر والحجر وما إلى ذلك نصف الحق، وكان يجب الاقتناع بالألوهية الصحيحة لتتم العقيدة الصادقة[6].

ويقرر علماء المسلمين أن التوحيد يمنح أتباعه نظرة صحيحة تجاه الله والكون والإنسان والسلوك البشري، ذلك أن القول بغير التوحيد يخلق نظرة مشوشة تضطرب فيها تصرفات الإنسان، وعلاقته مع غيره، وتفصيل ذلك في التالي:

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الله
يوضح إسماعيل راجي الفاروقي دور التوحيد في تصحيح نظرة الإنسان للإله، فيرى أن القول بالتوحيد يعني أن هنالك جنسين منفصلين، الله وغير الله، الخالق والمخلوق، في المرتبة الأولى لا يوجد سوى الله، لا شبيه له، وهو باق إلى الأبد، وفي المرتبة الثانية يوجد المكان، الزمان، الخبرة، الخليقة. والمرتبتان من خالق ومخلوق مختلفتان غاية الاختلاف من حيث طبيعة وجودهما كما من حيث كونهما ومساراتهما، ومن المستحيل قطعاً أن يتحد الواحد بالآخر أو يذوب فيه أو يتداخل أو ينتشر فيه، ولا يمكن للخالق أن يتحول وجودياً ليصبح المخلوق، كما لا يمكن للمخلوق أن يتسامى ليصبح الخالق بأي شكل أو معنى[7].

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الكون والطبيعة
الطبيعة وما أودعها الله من موارد، جعلها مذللة للإنسان ليستخدمها ويستفيد منها، والقول بغير التوحيد قد يبدل الحال، فيجعل الإنسان خاضعاً للطبيعة وبعض محتوياتها، فتتعطل بذلك الطاقات التي كان الأصل بها أن تستثمر، ويضرب سعيد حوى مثالاً لذلك بتقديس المرء للأبقار، حيث لا يستفاد من لحمها ولا لبنها، وتعيش هي على حسابه فلا يتعرض لها، وفي سنوات القحط بدلاً من أن تكون عاملاً من عوامل سد الفاقة، فإنها تزيد من مشاكل الجوعى بالأكل من محاصيلهم دون أن يعترض أحد، وبهذه النظرة المختلة يبدو أن البشر تحوّل إلى مسخّر لخدمة البقر لا العكس[8].

ويلاحظ محمد خليفة حسن أن التقدم الفكري للإنسان عامل مهم في تحول نظرته للطبيعة، فكلما فهم الإنسان الطبيعة قلت درجة قداستها واحتلت وضعها الطبيعي في الفكر الديني[9].

وهذا الرأي قال به أيضا كافين رايلي مؤلف كتاب «الغرب والعالم»، إذ يشير إلى أن نظرة الغرب للطبيعة وربطها بالمجتمع الصناعي، سبقها نظرة لاهوتية، وينقل عن أرنولد توينبي أن التوحيد مثل نهياً عن الأشكال القديمة لعبادة الطبيعة، وأن التسليم بالتوحيد اقتضى بالضرورة تحول الإنسان من عبادة الطبيعة إلى تسخيرها واستغلالها، وقبل التوحيد لم تكن الطبيعة كنزا من الثروات بل كانت آلهة بصور مختلفة[10].

وشبيه بذلك ما تحدث به الفاروقي في كتابه «أطلس الحضارة الإسلامية»، حيث أفرد فصلاً تحدث فيه عن نظام الطبيعة[11].

لوحة تخيلية للصلب من القرن السادس عشر

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الإنسان
إن النظرة للإنسان بعيداً عن التوحيد تخلق مشكلة مزدوجة، ذلك أنها تعلي من مقام بعض البشر وتصل بهم إلى القداسة، وتضع من قيمة بعضهم حتى تصل بهم إلى النجاسة، ويمثِّل إسماعيل راجي الفاروقي لذلك بالمسيحية التي حطّت من قدر الإنسان بدعوى الخطيئة الأصلية، واعتبرته كائناً هابطاً، لدرجة أن تصحيح هذه الخطيئة يستلزم موت الإله على الصليب، وكذلك صنفت الهندوسية البشر في طوائف اجتماعية منغلقة، ووضعت أغلبية البشر في أدنى الطوائف في طبقة المنبوذين أو الملوثين من الوجهة الدينية، ولا مجال أمام الطبقة الدنيا والملوثة للارتقاء إلى مصاف طبقة البراهمن المحظوظة السامية في هذه الحياة الدنيا، فمثل هذا الانتقال ممكن فحسب عبر تناسخ الأرواح بعد الموت، أما في هذه الحياة الدنيا فلا مفر من أن ينتمى الإنسان للطائفة التي ولد فيها، وكذلك ذهبت البوذية إلى القول بأن حياة البشر وكل الكائنات الأخرى عبارة عن معاناة وبؤس دائمين، بل إن الوجود ذاته شر، وواجب الإنسان  الوحيد الذى له معنى هو سعيه إلى التخلص منه عبر الانضباط والجهد العقلي.

ويقابل البشر المستحقرين في هذه الديانات، بشر مقدسون، وصلت القداسة ببعضهم حد التأليه، وفي هذا التفاوت في قيمة الإنسان كانت إنسانية التوحيد وحدها –كما يؤكد الفاروقي- هي الأصيلة، التي تحترم الإنسان بصفته إنساناً مخلوقاً، دون تأليه أو تحقير، وهى الوحيدة التي تحدد قيمة الإنسان بمناقبه، وتبدأ تقييمها له من نقطة إيجابية لتسليمها باستواء الفطرة التي فطر الله كل البشر عليها، لإعدادهم للقيام بمهمتهم النبيلة، وهى الوحيدة التي تحدد  فضائل ومثاليات الحياة الإنسانية بمحتوى مماثل للحياة الفطرية، وليس بالتنكر لها، مما يجعل إنسانيتها غير زاهدة في الحياة وأخلاقية في آن واحد[12].

لقد أهدرت النظرة غير التوحيدية قيمة الإنسان وطاقاته، وجعلت شعباً من البشر مسخّراً كله لخدمة فرد منه، كما حصل مع فرعون مثلاً، لذلك كانت غاية رسالة التوحيد -كما لخصها الصحابي ربعي بن عامر-  إخراج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد.

التوحيد وتصحيح النظر في السلوك البشري
هناك قواسم مشتركة بين البشر وهي: وحدة الإله ووحدة الدين، ووحدة البشرية، ووحدة الغاية من الوجود، فالله خلق البشر في أحسن تقويم لعبادته، والتوحيد هو عقيدة البشر منذ بداية الخليقة، والبشر إخوة يعودون إلى أصل واحد هو آدم وحواء عليهما السلام، فهناك درجة من القرابة تربط البشرية ببعضها البعض مهما اختلفت ألوانهم ولغاتهم وثقافاتهم وأديانهم، وهذه الاختلافات أملتها البيئات المتنوعة واختلاف الأمكنة والأزمنة والمناخ[13]، وبذلك فالإنسان الآخر هو أخ للمسلم في الإنسانية، وهو مشروع موحِّد في أي لحظة قد يقرر فيها خلع الشرك والوثنية، لذلك كانت الأخلاق في الإسلام متعدية كما قال تعالى {لا يجرمنكم شنئان قوم الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى}، وذلك بعكس بعض الديانات التي قصرت الأخلاق الحسنة على أتباعها، وجعلت من جماعتها جماعة مميزة عن بقية البشر، كزعم اليهود أنهم شعب الله المختار، فلم يربط الإسلام مبدأ المساواة بثقافة أو حضارة بعينها، فالمبادئ الأخلاقية التكوينية للإنسانية في المنظور الإسلامي ثابتة ومسلم بها لأي إنسان حتى لو كان  منتمياً إلى دين غير الإسلام، أو إلى حضارة أخرى، أو حتى لو كان عبداً رقيقاً نتيجة تبعات فعل قومه في التاريخ[14]، فدين التوحيد لا يفاضل بين البشر إلا من خلال أعمالهم ومكتسبات أيديهم.

لقد أعاد الإسلام للبشرية مبدأ التوحيد بعد أن أوشك على الذبول والتلاشي تحت وطأة المسيحية الرومانية الشاردة عن أصولها الصحيحة[15]، ولم يبق إلا الإسلام كمعبِّر حقيقي عن التوحيد الكامل، فاليهودية قبلت التعدد عندما خصصت الإله الواحد لبني إسرائيل وسمحت به لغيرهم، كما غيرت المسيحية التوحيد تغييراً جذرياً من خلال عقيدة التثليث[16].


[1] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. ترجمة السيد عمر، القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية 2014، ص65

[2] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، دار الثقافة العربية: 2002 ص283

[3] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص17

[4] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان، الدوحة: دار الثقافة، الطبعة الأولى 1985، ص94

[5] محمد الغزالي، الاستعمار أطماع وأحقاد، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة الرابعة2005، ص128

[6] محمد الغزالي، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة الثالثة 2005، ص91

[7] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية، ترجمة: عبد الواحد لؤلؤة. الرياض: مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى 1998ص132

[8] سعيد حوى، الرسول، القاهرة: دار السلام، الطبعة الثانية 1990، ص370

[9] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، مرجع سابق، ص 34-35

[10] كافين رايلي، الغرب والعالم، ترجمة: عبد الوهاب المسيري وهدى حجازي، القسم الأول، من إصدارات عالم المعرفة 1985 ص 250-251

[11] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية. مرجع سابق ص 451.

[12] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص128-129

[13] انظر: محمد خليفة حسن، الحوار منهجاً وثقافة. من مطبوعات وزارة الأوقاف القطرية، الطبعة الأولى 2008 ص117

[14] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص149

[15] محمد الغزالي، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة السادسة 2005، ص100

[16] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، مرجع سابق، ص246-247

كيف نواجه موجة الإلحاد الجديد؟

عرابي عبد الحي عرابي


قد يكون هذا العنوان أحد أقصر الأسئلة المتعلقة بقضية الإلحاد وأوسعها!

تدور حول قضية الإلحاد عشرات الحوارات والمناظرات والمؤتمرات، وتعلن كثير من الشخصيات العلمية الشهيرة السير في فلكها، مما يشير إلى محورية البحث في هذه القضية والحديث عنها، وبطبيعة الحال فإن النقاشات العلمية عن الإيمان والإلحاد لا تنبني على أساس الشبهات والردود، بل إن هذه القضايا في ذاتها معضلات عميقة ذات جذور ضاربة في تاريخ الإنسانية، وبالمقابل فثمة من يميل إلى عدِّها قضايا مجردة لا ترتبط بالبحث العلمي بل هي اختيارات إنسانية عميقة([1]).

وعلى الرغم من الإقرار بكونها قضايا وجودية تتعلق البشرية بها، إلا أن نفي الدليل العلمي على إثباتها ترحيل قسري نحو المجهول الفكري، فنفي دليل وجود الله مثل نفي أزلية المادة والتطور، فَلِمَ نُرجّح صحة اعتناق أحد الجانبين ونخطِّئ نقيضه!

أي إلحاد نقصد؟
ثمة أنواع عدَّة للإلحاد:

1- الإلحاد الوثوقي (القطعي): و هو الذي يعتقد صاحبه بعدم وجود الخالق، وبالتالي يتنكَّر لكل الأديان والنبوات.

2- الإلحاد المُتَرَدِّد، (الـلاأدري): ولا يعتقد صاحبه الإيمان بالخالق أو إنكاره، ويحتجُّ لذلك بعدم كفاية الأدلة في أيٍّ من الرأيين، فهو (متوقِّف) ههنا لا يميل.

3- الإلحاد المَرِن، (الربوبية): وهو الإيمان بوجود ربٍّ لا مُتصرّف، فلا ينكر صاحبه وجود خالق للكون إلا أنه ينكر صلته بهذا الكون، فالخالق بذلك “خلق العالم ثم تركه”، وبالتالي فهو منكر للدين الإلهي والنبوات.

يدور الجواب هنا عن مواجهة (الإلحاد الجديد) الذي يتزعمه تيَّار من العلماء الغربيين، كما هو الحال مع خطاب عدد من كبار الكُتَّاب المُلحدين.

حيث يمكن التأريخ لهذه الظاهرة مع بدايات القرن الجديد، إثر هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2002، والتي ابتدأت مع سلسلة من الكتب لعل من أهمها كتاب سام هاريس (نهاية الإيمان: الدين والإرهاب ومستقبل العقل) ويذكَر أنه حظي بمبيعات مليونية وظل في قائمة الكتب الأفضل مبيعًا مدة 9 أشهر تقريبًا -بحسب تصنيف النيويورك تايمز-، وقد أعقبه صدور كتاب الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري (مانفستو الإلحاد)، ليظهر في عام 2006 أشهر كُتُبِ كَهَنَةِ الإلحاد الجديد، أي ما سمّاه ريتشارد داوكنز بـ (وهم الإله) الذي بيعت منه ملايين النسخ، ثم لحقه كتاب (الله، الفرضية الفاشلة) للفيزيائي فيكتور ستنجر،  إضافةً لكتاب الفيزيائِيَّيْن الشهيرين ستيفن هوكينج وليوناردو ملودينوو (التصميم العظيم، إجابات جديدة عن أسئلة الكون الكبرى) الصادر في عام 2010([2]).

أبرز مزايا “الإلحاد الجديد”
1- النزعة العدائية: وهي السمة الأبرز التي ينتهجها كهنة الإلحاد الجديد تجاه الدين، فلا يمكن القبول بوجوده، بل ثمة ضرورة ملحة لمواجهته ونقده وتفنيده أينما ظهر، “فقد ذهبت أيام الإلحاد المؤدب” ، ولذلك فقد غدت السخرية من الأديان ووصفها بكل مقيت أمرًا طبيعيًّا، بل إن الساحة العلمية باتت مسرحًا لمهاجمة العلماء الذين يقرون بوجود خالق للكون، فقد وصف الملحد (بي زي مايرز) العالمَ فرانسيس كولنز رئيس مشروع الكشف عن الجينوم البشري، بأنه: “مهرِّج، يؤمن بفكرة الخلق، وأنه ضد النظريات العلمية، وأن طريقة تفكيره في العلم كالقمامة”.

داوكنز
(David Shankbone)

2- الدعم المالي الواسع والانتشار الإعلامي: لم تعد دعاوى الإلحاد مقتصرة على خطاب القلم، فقد أضحى الانتشار الإعلامي أحد أهم سمات الإلحاد الجديد وذلك بانتقاله من ساحة الخطاب الفكري إلى النهج التبشيري أو الدعوي، ولا أدل على ذلك من إنشاء المؤسسات المؤثرة مثل مؤسسة ريتشارد داوكنز لدعم العقل والعلم والتي أسسها في عام 2006، ومشروع “عقل” الذي أسسه سام هاريس وزوجته في 2007، وذلك لتكون –بتعصب واضح- منبرًا داعيًا له، إضافة لطبع مئات الكتب -المنكرة للأديان والخالق- التي بيعت منها ملايين النسخ، إضافة لتخصيص كتب تبشيرية إلحادية موجَّهة للأطفال، والدعوات العامة للتطبيع مع الإلحاد وإنكار الأديان سواء بدعوة الملحدين إلى الاستعلان أو نشر الإعلانات الصريحة أو عبر تمرير الأفكار الإلحادية في أعمال فنية ذات شهرة واسعة([3]).

3- الاطمئنان للاختيار الإلحادي: “إن كان للإلحاد الجديد من ملمح معنوي يقيم صلب سائر الملامح الأخرى فهو ملمح الثقة، أو “الاطمئنان” حيث يبدي الملحد الجديد ثقة تامة بقراره في الإلحاد، وفي مسؤوليته تجاه الرسالة التي يحملها للعالم، فالإلحاد هو الخيار الذي لا يسع عاقلاً أن يتجاهله”([4]).

ما السبيل إذن لمواجهة الإلحاد الجديد؟
إن تسطيح القضية الإلحادية حجر عثرة في فهم الإلحاد ونقده، فاختزال أسباب الإلحاد وظهوره إلى جزئيات تفصيلية –مثل ردّه إلى كون الملحدين طلاب شهرة أو أنهم مرضى نفسيون- ليس سبيلاً قويمًا أو سلوكًا موضوعيًّا، وقد يرتد هذا على الإيمان المتردِّد بالسوء وزيادة الشك، فكم تجد من الشباب المتحمس أو الأئمة والخطباء أو غيرهم يتّكئ في نقد الإلحاد على كلمات عاطفية لا ترقى لدرجة النقد المتّزن ويعتمد على معلومات مغلوطة خالية عن التمحيص والتثبُّت، فحين يقال: إن الملحدين وحدهم من يتمسك بنظرية التطور وإن العلم نقض نظرية التطور ونفض يديه منها، فاعلم أن المتحدث إما مخادعٌ لمن يخاطبُ، أو أنه حاطب بليلٍ لا يميز بين صحة ما يسمع وما هو عليه الحال.

“والحق أن هذه النظرية شديدة الحضور والسطوة في المجتمعات الغربية –العلمية وغيرها- بل هي النظرية المقبولة في أغلب الدوائر الأكاديمية هناك، وقوائم المؤمنين بها من الأكاديميين طويلة جدًّا مقارنة بغيرها من النظريات”.

لقد سمَّى المفكر المصري عبد الوهاب المسيري الحداثة الغربية بالحداثة الداروينية؛ نظرًا لتحكم القضية المادية والإيمان بتبعات هذا التطور على مفاصل الحياة اليومية في المجتمعات الغربية([5]).

الإيمان أكثر عقلانية من الإلحاد
إن التركيز على كون الإيمان بالخالق ذا مصداقية منطقية وعقلية مقارنة مع الإلحاد، يعد بالنسبة لي فاتحة للتعامل معه؛ فيمكن البدء بهذه النقطة (ذاتيًّا وإعلاميًّا ودعويًّا ومجتمعيًّا… إلخ)، فالحجج الأبرز للإلحاد تدور حول (عدم عقلانية الدين) أو (عدم عقلانية الإيمان بالخالق)، فما البديل الذي يقدمه الإلحاد في الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى، مثل: (ما مصدر وجود العالم)، (ما مصدر وجود البشر)، (كيف ظهرت الحياة)، (ما هي القيم) (كيف ينبغي التعامل مع الآخر)؟

لقد فسّر الإلحاد (القديم) و(الجديد) هذه القضايا بناءً على (مادِّيَّة الكون) مع وصف هذه المادية بأنها ذاتية.

وبناءً على هذا، فقد ظهر الكون تلقائيًّا، بلا صنع صانع له، وكذلك ظهرت الحياة ذاتيًّا من المادة الطبيعية عبر تطورها المستمر، ولا حاجة لفهم شيء اسمه روح أو عالم آخر غير العالم المادي الذي نعيشه، وبالمختصر: لا إله ولا حاجة للإيمان بأي من مقولات الأديان([6]).

ستيفن هوكنغ

وبما أن المنطلق الأساس لمقولات الإلحاد قائم على أساس المادة الناشئة تلقائيًّا، أو (الخلق الذاتي) كما يقول ستيفن هوكنغ في كتابه: (التصميم العظيم)([7]) أو بمنطق الصدفة بناء على فرضية الأكوان المتعددة التي يميل إليها ريتشارد داوكنز([8])، ولا يخفى أن الإيمان بمنطق الصدفة في استحقاق وجود كوننا من بين مئات مليارات الأكوان، وتخصيص الأرض ليمكن استنبات الحياة فيها من بين مئات مليارات الكواكب والنجوم في هذا الكون، فرضية لا يمكن منحها أي نسبة يقين صادقة عقلًا، ويمكن الاستشهاد ببرهنة (القرد اللامتناهية) التي أجرتها جامعة بليموث البريطانية عام 2003 لحساب الاحتمالية الرياضية والتي تنصُّ على أننا لو تركنا قردًا لعدد لا متناهٍ من السنين  يضرب على آلات الطباعة فهل سيتمكن من إنتاج نص أدبي كقصيدة مثلاً، فكان الناتج أن ستة قرود اخُتبروا لمدة شهر فلم يكتبوا كلمةً واحدةً ذات معنى([9])، فَقِسْ على ذلك نسبة احتمال قُدرةِ الصدفة على خلق إنسان واحد، فما بالك بخلق حياة موّارة في الأرض بل خلق كون كامل، إن هذاسخفٌ لا يستحق التأثُّر به بعد التفَكُّر فيه.

الواجب الفردي
ليس من الممكن أن نلتمس من جميع الناس البحث في أدلة الاعتقاد التي ترد على الإلحاد، إلا أن الأقل المتاح الذي نستطيع طلبه من عموم الأفراد أن يفعل كل واحدٍ منهم ما بوسعِه، فلعلَّ موقفًا أو حجةً أو دليلاً يُذكرُ أمام إنسان واعٍ لها قد تُغيّرُ تفكيره تجاه الإلحاد ومفرزاته، ولعل هذا الواجب الفردي على المسلم يرتكز على نقاط كثيرة؛ منها:

1- تثقيف الفكر بقراءة الكتب العلمية التي تناقش الإلحاد ومستنداته، والاطلاع على المناقشات التي يقوم بها الدعاة الدينيون (مسلمون وغيرهم) والعلماء الغربيون الأكاديميون مع الملحدين، والاستفادة من الحجج التي يقدمونها في نقد أسس الإلحاد.

2- الحذر من (التفاعل المعرفي الخاوي) فأسس الإلحاد وظروف التحوُّل إليه تختلف بحسب الشبهات التي تثار والشكوك التي تبحَث، خاصة وأن الأسئلة التي يقدمها الملحدون تصدر عن مقولات علمية تجريبية في الظاهر، مما يدفعنا للتعمق في فلسفة إنتاج العملية المعرفية وسبل الاستدلال بها.

3- التحصين الأسري للأفراد بالعلم والأدلة المنطقية والمناقشات المناسبة لعقول الأطفال والكبار وتفهيمهم الأسباب التي تدفع الإعلام والأفراد لنشر الإلحاد.

4- التأسيس الصحيح لرؤى الأفراد عَقَدِيًّا مع الحث على البحث فيها، فإن الثقة العمياء بالمكتسبات التقليدية ستدفعهم يومًا إلى الانفتاح على أي فكرة مخالفة حال نقض الطرف الآخر لها، والمشكلة الحقيقية أن حالة الثقة هذه ليست ناشئة عن معطًى ح��يقي وإنما هي حالة تقليدٍ عاطفية قابلة للانهيار مع التماسِّ الأوَّل مع الإشكالات المقابلة.

الواجب المؤسساتي
إذا كان العمل الفردي كافيًا بنسبة ما للأفراد المتفرقين، فإن هذا يوجب وجود العمل المؤسساتي لـ (عموم الأمة) في إنتاج المعرفة (الإيمانية) اليقينية والدفع عنها الشبهات التي تعترضها من قبل (الآخر) أيًّا كان منهجه، فما الذي يجب أن تقوم به هذه المؤسسات في حال وجودها؟ سنوجز الإجابة بما يلي:

1- تجديد لغة الاستدلال الديني وأسلوبه ومرتكزاته: فإن كان التفكر المحض في الماضي دافعًا للإيمان في حق كثيرين، إلا أنه الآن قد لا يفي، فلا بد من التحول من الاتكاء على مقولات (علم الكلام) الجوهرية، إلى إنتاج خطاب (برهاني) يعتمد على منتجاتنا العلمية ومنتجات مؤسسات العلم الأكاديمية أيًّا كانت توجهاتها الإيديولوجية؛ بل لا بد –في حال شُكِّلت مثل هذه المؤسسات- من الانتقال من التلقِّي المعرفي إلى الإنتاج، لئلا نكتفي بكوننا مستَقَرًّا للمنتَج أو مستخدمين له لا غير لدعم رؤيتنا في نقد ما نراه داعيًا للإلحاد([10]). ولا نغفل في هذا السياق عن التذكير بضرورة القراءة الفلسفية المعاصرة وفهم سياقات الاستدلال الإلحادي والإيماني، للخلوص إلى أسلوب الفريقين وإمكان التعامل معهما بكفاءة، فمن أبرز الوجوه الغربية التي تواجه الموجة الإلحادية الجديدة (بناء على التعاطي الفلسفي) الفيلسوف وليام لان كريغ -أستاذ الفلسفة في كلية تالبوت اللاهوتية وجامعة هيوستن-  والحائز على الدكتوراة في فلسفة الدين من جامعة برمنغهام عن دراسته للبرهان الكوني (الكوزمولوجي) على وجود الله عند المتكلمين المسلمين الكندي والغزالي والمتكلم اليهودي العربي الفيومي- عبر “البرهان الكوزمولوجي الكلامي” حيث طوّر البرهان الوجودي (الكوني، أو الكوزمولوجي) على وجود الله بدعم المنطق الحديث؛ بناء على دراساته الموسَّعة لعلم الكلام الإسلامي([11]).

2- الانتقال من حال الرد إلى النقد: فليست قضية الإيمان بالخالق أمراً هامشيًّا وإنما هي أساس التعاطي مع الوجود كله، والتوقف عند الرد معضلة توحي بالانهزام والفراغ العلمي؛ إذ إن “التيار الإلحادي تيار هدمي؛ يسعى أفراده إلى هدم التصورات الدينية دون أن يقدموا فلسفتهم الخاصة للوجود، ومتى ما سعوا في ذلك فمن السهل ملاحظة حالة التعجل والسطحية والحيدة عن مواضع الإشكال، وهو ما يكشف عن مشكلات كثيرة تعصف بهذا الخطاب”([12]).

إن النسق الإلحادي عمومًا يوقع نفسه في العديد من المآزق العقلية التي لا ينبغي المرور عليها دون التوقف عندها وتناولها تشريحيًّا والتشهير بها، كمسألة القيمة الأخلاقية، والإرادة الإنسانية الحرة، والموقف من أساس وجود الكون ذاتيًّا بالصدفة، وقضية الوعي والإدراك، ومعضلات تناقضات نظرية التطور([13]).

في الختام لا بد من الإشارة إلى بعض الحالات الفردية والمؤسسات ذاتية التمويل (غير الربحية) التي أسهمت في الرد على الإلحاد الجديد بالمنطوق العربي أو بالترجمة إليه، ولعل أشهرها محاضرات د. عدنان إبراهيم، ومن أشهرها سلسلة “مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد”. فعلى الرغم من الانتقادات الموجهة إلى عدنان إبراهيم إلا أنه من المتابعين الجيدين لتطور الإلحاد في الساحة الغربية،إضافة لمحاولات طبيب الجراحة المصري د. عمرو شريف، في كتبه، مثل: خرافة الإلحاد، الإلحاد مشكلة نفسية، رحلة عقل، كيف بدأ الخلق.

أما في جهة المؤسسات فقد ظهرت بعضها –قريبًا- على نطاق ضيق، ومنها تجربة مركز (براهين)، ومركز (دلائل)، ومركز (تكوين)، ومركز (الفتح) للبحوث والدراسات، حيث اعتمدت ترجمة الكتب العلمية الغربية التي تنقد الإلحاد إلى اللغة العربية مع نشر الكتب العربية ذات المحتوى الرصين في الحقل ذاته، مع العمل على نشر دوريات إلكترونية في كل ما يرتبط بموضوعات الإلحاد، إضافة لقنوات فعّالة على يوتيوب تتوزع أعمالها بين الترجمة والإنتاج.


الهوامش

([1] )  ينظر مقال همام يحيى على مدونات الجزيرة: محاربة الإلحاد، المشروع الفاشل، http://blogs.aljazeera.net/blogs/2016/10/31/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B4%D9%84 ، وينظر أيضًا سلسلة أحمد خيري العمري حيث يرى أن لا دليل علمي على وجود الله في سلسلته (أنتي إلحاد) الحلقة الثانية youtube.com/watch?v=7X7yvc0gBdk.

([2] )  عبد الله بن صالح العجيري، ميليشيا الإلحاد، مدخل لفهم الإلحاد الجديد، مركز تكوين، السعودية، ط2، 2014. ص 19- 28. وللتوسع في التعرف على متزعمي حركة الإلحاد الجديد ينظر هذا التقرير المترجم (3 أجزاء): https://www.sasapost.com/atheism6/ https://www.sasapost.com/atheism7/ https://www.sasapost.com/atheism8/

([3] ) ينظر: ميليشيا الإلحاد: 29- 42.

([4] ) عبد الله بن سعيد الشهري، ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان، مركز نماء، بيروت، ط1، 2014، ص 16- 17.

([5] ) ينظر: ميليشيا الإلحاد: 120- 121. وينظر مقال المفكر عبد الوهاب المسيري: حداثة داروينية أم حداثة إنسانية، http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2009/10/10/%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%85-%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9

([6] ) عمرو شريف، رحلة عقل، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط4، 2011، ص 21.

([7] ) ينظر ستيفن هوكنغ، التصميم العظيم، ترجمة أيمن أحمد عيّاد، دار التنوير، بيروت، ط1، 2013. ص 215- 217، وينظر رد البروفيسور جون لينكس على ستيفن هوكينج: https://www.youtube.com/watch?v=LALhUZiZg5s

([8] ) ينظر مقال الغارديان الذي يذكر هذه المقولة التي ذكرها ريتشارد في حوار له مع ستيفن واينبرج: Richard Dawkins, told the eminent biologist: “If you discovered a really impressive fine-tuning … I think you’d really be left with only two explanations: a benevolent designer or a multiverse.”، https://www.theguardian.com/commentisfree/belief/2008/dec/08/religion-philosophy-cosmology-multiverse وينظر  بعض مقاطع يوتيوب ومحاضراته مترجمة عن الإنكليزية إلى العربية: https://www.youtube.com/watch?v=nzM9L5VusnI ، https://www.youtube.com/watch?v=H0A320svRB4

https://www.youtube.com/watch?v=nzM9L5VusnI]

([9] ) ينظر [ميليشيا الإلحاد: 134، 135] ومقالة أفردته قناة (بي بي سي) عن تجربة جامعة بليموث البريطانية: http://news.bbc.co.uk/2/hi/3013959.stm ، ومقالة على موقع “الباحثون السوريون” عن مبرهنة القرد اللامتناهية: http://www.syr-res.com/article/1605.html

([10] ) ينظر: مقال همّام يحيى محاربة الإلحاد.. وتنويهه على وجوب تمتع هذه المؤسسات برأس مال حر ورسالة أكاديمية تسمح بتعدد الآراء.

([11] ) ينظر محاضراته المترجمة في يوتيوب عن تطويره لهذا الدليل وكيفية استخدامه في الرد على الإلحاد: https://www.youtube.com/watch?v=bMxhl5F7QII، وهنا حوار عن هذا الدليل: https://www.youtube.com/watch?v=ZN3cBItb2S0.

([12] ) ينظر: ميليشيا الإلحاد:148.

([13] ) للتوسع في هذه القضايا ينظر ميليشيا الإلحاد: 148- 175، وخرافة الإلحاد: 278- 314.

“نظرية كل شيء”.. حقيقة أم أسطورة؟ (2 من 2)

محمد عدنان شيط


استعرضنا في الجزء السابق موجزا لنظرية كل شيء، ونبدأ الآن بسرد مجموعة من أهم الاستنتاجات والاعتراضات على وجود نظرية لكل شيء:

1- على مدار التاريخ -وخاصة في القرنين الماضيين- أعلن العديد من العلماء المشهورين أننا نكاد نصل الى تفسير لكل شيء نظرياً ولم يتبق أمامنا سوى بحث التطبيقات العلمية، ومن هؤلاء ألبرت ميكلسون وكلفن وستيفن هوكينغ وستيفن واينبرغ.

ويشبه حال هؤلاء العلماء حال ذاك الطفل الصغير الذي تعلم جدول الضرب في علم الحساب فظن أنه بلغ أقصى ما قد يبلغه إنسان، وأنه امتلك ناصية كل العلوم، ولكن في كل فترة نتفاجأ باكتشافات جديدة تزيد معها حيرة العلماء وتتزايد معها أسئلتهم حول الكون.

بول ديفيز

2- وصف بول ديفيز البحث عن نظرية كل شيء بأنه أصبح شيئاً كالبحث عن الكأس المقدسة للفيزيائيين وأن فكرة كهذه بلا شك مضللة. واستخدم ديفيز هنا عبارة الكأس المقدسة كناية -بل استحالة- إيجاد مثل هذه النظرية.

فالعلماء مثلاً حتى الآن عاجزون عن وضع نظرية تشرح آلية عمل بعض أجهزة جسم الإنسان، فكيف يريدون فهم كل شيء في الكون من خلال هذه النظرية.

3- هناك اعتراضات على نظرية كل شيء من علماء كبار في الفيزياء لهم وزنهم، فكما مر معنا في الجزء السابق فإن أحد من ساهم بتوحيد القوى النووية الضعيفة مع القوى الكهرومغناطيسية هو العالم الباكستاني محمد عبد السلام، ولكن هذا العالم نفسه يؤكد أنه لن يكون باستطاعتنا الحصول على نظرية كل شيء لأننا لا نستطيع اختبارها، فيقول: “أن نكون قادرين على الحصول في يوم ما على ما يسمى نظرية كل شيء، فأنا شخصياً لا أعتقد ذلك. فعلى كل حال يجب ألا نؤمن بوجود نظرية تصلح حتما فيما يتعدى إمكان اختبارها”[1]. ثم يتحدث عن أن إجراء مثل هذا الاختبار يتطلب إنشاء معجل جسيمات يبلغ طوله عشر سنوات ضوئية على الأقل! وهنا تظهر إجراء مثل هذا الاختبار.

من المعترضين أيضاً على وجود مثل هذه النظرية العالم الشهير ريتشارد فاينمان صاحب الإسهامات الكبيرة في ميكانيكا الكم، والذي يؤكد أن فهم الحوادث يختلف عن تحليلها ومعرفة ماهيتها ويشبهها بلعبة الشطرنج فيقول: “الإنسان يستطيع أن يتعلم كل قواعد الشطرنج لكن هذا لا يكفي كي يلعب جيداً، وكذلك يستطيع أن يتعلم كل قواعد الفيزياء، والواقع أننا نعرفها بدقة كافية فيما يخص الظواهر العادية على الأرض. لكن هذا لا يعني أننا نستطيع تحليل كل شيء”. وهذا رد هام على هوكينغ الذي يدّعي في نهاية كتابه التصميم العظيم أننا بمعرفة نظرية كل شيء سنفهم التصميم العظيم لهذا الكون!

ستيفن واينبرغ

4- على عكس عبد السلام وفاينمان فإن الفيزيائي الملحد المشهور ستيفن واينبرغ يؤيد وجود نظرية لكل شيء بشدة وأنها متخفية بين الذرات والمجرات وتنتظرنا لاكتشافها، ويثق بأن العلماء سيكتشفونها قريباً حيث يقول: “حسب تخميني الشخصي توجد نظرية نهائية ونحن قادرون على اكتشافها. وقد تعطينا التجارب التي سوف تستخدم المصادم الفائق نتائج جديدة يستطيع النظريون أن يستكملوا بها المعلومات عن النظرية النهائية… حتى أننا قد نستطيع أن نجد من بين النظريات الوترية نظرية مرشحة لمنصب نظرية نهائية”[2].

ولكن الفيزيائي الآخر فريمان ديسون يرد على ادعاءات واينبرغ فيقول: “أنا لا أثق بأحكام واينبرغ عن الأسئلة الفلسفية لأنني أعتقد أنه يبالغ جداً بتقدير استطاعة أو مقدرة العقل البشري لإدراك مجمل الطبيعة… أنا أجد أن فكرة نظرية نهائية هي فكرة بغيضة لأنها تنتقص من غنى الطبيعة وغنى المصير الإنساني على حد سواء. ثم يشير فريمان إلى قول نيوتن الرائع: “أنا لا أعرف ما أبدو عليه أمام العالم ولكنني بالنسبة لنفسي فأنا مثل طفل صغير يلعب على شاطئ البحر مسلياً نفسي بإيجاد حصاة أنعم أو صدفة أجمل من المعتاد بينما محيط عظيم من الحقيقة يرقد غير مكتشف أمامي.”[3]

5- هذه النظرية تتعلق بالفيزياء فقط فكيف تم إغفال باقي فروع العلم؟ وكيف تم اختصار كل شيء بالفيزياء فقط؟ كيف يدعي بعض الفيزيائيين أنهم سيضعون نظرية لكل شيء من خلال ميدان الفيزياء فقط؟ من أعطاهم الأولوية لهذا الأمر؟ يقول روبرت شيلدراك صاحب كتاب (وهم العلم): “قد يدعي أصحاب دراسات الوعي أن لهم الأولوية -أي بوضع نظرية لكل شيء- لأن الفيزياء تنتج من قبل الدماغ البشري وتعتمد بشكل كلي على الوعي البشري. فمعادلات ماكسويل ونظرية الأوتار الفائقة ليست موجودة كحقائق مستقلة: إنها بنى عقلية”[4]

هذا يدخلنا في جدل الاختزالية (Reductionism) حيث يعترف واينبرغ بهذا الأمر بصراحة فيقول: “فيزيائيو الجسيمات العنصرية هم الأكثر عرضة أن يدعوا اختزاليين، وغالباً ما كان كره الاختزالية سبباً في سوء العلاقات بينهم وبين العلميين الآخرين.”[5]

والاختزالية بتعريفها البسيط هي محاولة تفسير النظريات أو الظواهر الطبيعية من خلال وصف أبسط لشروطها أو لمكوناتها الأساسية، وحسب المنهج الاختزالي فإن بعض الحقائق أكثر أهمية من حقائق أخرى، فمثلا فيزيائيو الجسيمات يعتقدون أن الكيمياء يمكن إرجاعها للفيزياء وكذلك يعتقد بعض علماء البيولوجيا الاختزاليين أن دراسة حمض الدنا (DNA) ذات أهمية أكبر من باقي فروع البيولوجيا لأنها ستقودنا إلى سر الحياة بزعمهم، وما يهمنا في الموضوع هنا أن نظرية كل شيء تجسد الاختزالية بأبهى صورها بلا شك. ففي السابق وحتى الآن وُجهت العديد من الانتقادات لهذا المنهج الاختزالي في العلم، والكثير من العلماء يعتقدون أن فيزياء الجسيمات ليست هي الفرع الأشد أهمية في العلوم وأن هناك علوما أخرى ذات أهمية كبرى أيضاً، كما أن هذا المنهاج سيؤدي بالضرورة إلى الانتقاص من بقية الفروع العلمية، وكما هو معروف يتطلب هذا المجال إنفاقاً هائلاً وخاصة عند بناء المصادمات عالية الطاقة التي يكلف إنشاؤها مليارات الدولارات.

جيمس جينز

6- أخيراً يقول عالم الكونيات جيمس جينز، وبعقلانية شديدة وبكلمات تختصر الموضوع: “إن مراجعة الفيزياء الحديثة أظهرت لنا أن كل المحاولات لوضع نماذج أو صور ميكانيكة قد فشلت ولا بد أن تفشل، لأن أي نموذج أو صورة ميكانيكية لا بد أن يمثل الأشياء على أنها تقع في المكان والزمان، بينما اتضح مؤخراً أن العمليات النهائية للطبيعة لا تقع في المكان والزمان ولا تسمح بالتمثيل فيهما  وعلى هذا يكون فهم العمليات النهائية للطبيعة محرماً علينا إلى الأبد، فلن يمكننا أبداً –ولو في الخيال- أن نفتح مظروف هذه الساعة لنرى كيف تتحرك تروسها، والهدف الصادق للدراسة العلمية لن يكون أبداً حقائق الطبيعة؛ بل مشاهداتنا الخاصة للطبيعة وحسب”[6].


الهوامش

[1] بول ديفيس جوليان براون، الأوتار الفائقة نظرية كل شيء، ترجمة أدهم السمان، دار طلاس،1993 ص157

[2] ستيفن واينبرغ، أحلام الفيزيائيين بالعثور على نظرية نهائية جامعة شاملة، ترجمة أدهم السمان، دار طلاس، الطبعة الثانية 2006 ص184

[3] Freeman Dyson ,Dreams of earth and sky, The New York review of books, Hudson street ,2015 p.154

[4] Rupert Sheldrake, The science delusion,Hodder&Stoughton.,UK company,2013 p.324

[5] ستيفن واينبرغ، أحلام الفيزيائيين بالعثور على نظرية نهائية جامعة شاملة، ترجمة أدهم السمان، دار طلاس، الطبعة الثانية 2006 ص51

[6] جيمس جينز، الفيزياء والفلسفة، ترجمة جعفر رجب، دار المعارف،1981 ص237

“نظرية كل شيء”.. حقيقة أم أسطورة؟ (1 من 2)

محمد عدنان شيط


في عام 1849، وبعد عدد كبير من التجارب الفاشلة لتوحيد قوة الجاذبية المكتشفة من نيوتن مع القوى الكهربائية، كتب العالم الشهير مايكل فاراداي في دفتر يومياته: “هنا تنتهي التجارب التي أقوم بها في الوقت الحاضر، النتائج سلبية. ولكنها لم تهز شعوري القوي بوجود علاقة بين الجاذبية والقوى الكهربائية حتى وإن لم أجد دليلاً على وجود مثل هذه العلاقة.”[1]

كانت هذه من أولى المحاولات العلمية لتوحيد قوى الطبيعة في نظرية واحدة تفسر لنا؛ لماذا تتصرف القوى الأساسية في الكون على هذا النحو، ومحاولة فارادي هذه كانت في وقت لم تُكتشف فيه القوى النووية الضعيفة والقوية بعد كمكونات أساسية لقوى الطبيعة.

بناء على أعمال فاراداي السابقة وضع الفيزيائي البريطاني جيمس كليرك ماكسويل معادلاته الشهيرة التي تصف سلوك المجالين المغناطيسي والكهربائي، وهكذا وحّد القوى الكهربائية مع القوى المغناطسية في قوة واحدة سميت القوى الكهرومغناطيسية.

أينشتاين

جاء الدور بعدها على أحد أعظم فيزيائيي القرن العشرين، ألبرت أينشتاين، ليحاول توحيد قوى الجاذبية مع الكهرومغناطيسية على نفس الأسس الهندسية تحت اسم نظرية المجال الموحد (Unified field theorey)، ولحوالي أربعة عقود من عمره وحتى موته عام 1955 باءت كل محاولاته بالفشل؛ بل قال بعض منتقديه إنه كان على أينشتاين أن يعمل بصيد السمك بدلاً من البحث عن مثل هذه النظرية!

وفي تلك المدة أيضاً أصبح هناك جو من الهوس العالمي يحيط بهذه النظرية، فالصحف الكبرى مثل نيويورك تايمز كانت تتحدث دائماً عما يمكن لأينشتاين فعله لإيجاد مثل هذه النظرية، ووصل الأمر ببعض قساوسة الكنائس لإعلان أن إيجاد هذه النظرية هو دليل على وحدة العالم كما جاء في رسائل بولس![2]

مع بداية القرن العشرين وانطلاق ثورة ميكانيكا الكم لتسبر أغوار الذرة والجسيمات الذرية، أضيفت كل من القوتين النووية الضعيفة والقوية إلى القوى الرئيسة في الطبيعة ليصبح عددها أربع قوى وتصبح على الشكل التالي:

1- قوة الثقالة أو الجاذبية وهي أضعفها ولكن تأثيرها شامل.

2- القوى الكهرومغناطيسية.

3- القوى النووية الضعيفة وهي المسؤولة عن النشاط الإشعاعي.

4- القوى النووية القوية وهي التي تمسك البروتونات والنيترونات معاً في نواة الذرة وتمسك الكواركات المكونة لهذه البروتونات والنترونات كذلك.

في عام 1967 تم توحيد القوى الكهرومغناطيسية مع القوى النووية الضعيفة بفضل جهود العالمين الباكستاني محمد عبد السلام والأمريكي ستيفن واينبرغ، ومنحا جائزة نوبل لمساهمتهما في هذا الإنجاز عام 1979.

وهنا يجدر القول إن الصعوبة الكبرى عند إيجاد النظرية الموحدة تتعلق بقوة الجاذبية، فالقوى الأخرى يمكن توحيدها بنظرية واحدة ولكن عندما يتم ضم الجاذبية إليها فإن الأمر يصل إلى طريق مسدود.

كان هذا سرداً موجزاً لأهم المحطات على طريق إيجاد نظرية كل شيء فما هي هذه النظرية؟

بشكل مبسط هي محاولة لتوحيد قوانين ميكانيكا الكم التي تصف الأشياء الدقيقة والميكروسكوبية في الكون (كالجسيمات الذرية وتحت الذرية) مع نظرية النسبية العامة لأينشتاين والتي تصف الأشياء الضخمة والكبيرة في الكون (كالنجوم والكواكب)، وهذا التوحيد يتم من خلال دمج القوى الأربعة الكبرى في الكون مع بعضها لتشكل نظرية كل شيء.

ويشير ستيفن هوكينغ في نهاية كتابه التصميم العظيم الى أن التوصل إلى مثل هذه النظرية سيمكننا من فهم الدقة والضبط الموجودين في الكون، وأن هذه النظرية ستكون نموذجاً للكون الذي يخلق نفسه![3].

نبدأ الآن تفصيلاً حول هذه النظرية، بداية من نظرية الأوتار التي يصفها ستيفن جابسر بقوله: “يعتبر ادعاء نظرية الوتر أن المكونات الأساسية التي تكون كل المادة ليست جسيمات، ولكنها أوتار. وتشبه الأوتار قطعة دقيقة من المطاط لكنها رفيعة جداً جداً ويُفترض أن يكون الإلكترون حقيقة وتراً يتذبذب ويدور بمقياس صغير للغاية يمنعنا من سبر كينونته حتى بأحدث مسرعات الجسيمات تطوراً حتى وقتنا هذا”.[4]

ففي الطبيعة الجسيمات الأولية المكونة لكل شيء في هذا الكون –طبعاً المكتشفة حتى الآن- تنقسم إلى نوعين:

1-بوزونات (Bosons) وهي الجسيمات التي تحمل الطاقة في المادة، ومن أمثلتها الفوتونات التي تحمل القوى الكهرطيسية، والغرافتونات التي تحمل القوة الثقالية أو قوة الجاذبية وغيرها.

2-فيرمونات (Fermions) والتي تنقسم إلى نوعين: كواركات مكونة للبروتونات والنترونات، ولبتونات كالإلكترونات وغيرها.

كان الطرح الأول لنظرية الأوتار في الستينات مع نظرية الوتر البوزونية (Bosonic string theory)، وجرى استبعاد هذه النظرية لاحقا لأنها تتنبأ بوجود البوزونات فقط كأوتار مع أن العديد من الجسيمات الأولية في الحقيقة هي فيرمونات كما بينت في التقسيم السابق.

ولكن في الثمانينات التي عُرفت فيما بعد بثورة الأوتار الفائقة الأولى، دخل مصطلح التناظر الفائق في سياق نظرية الوتر، وهو عبارة عن نظرية تربط قوة الجاذبية مع بقية القوى الكبرى بافتراض وجود علاقة ربط بين الجسيمات الأولية من فيرمونات وبوزونات.

وبعد ظهور التناظر الفائق، ظهرت على السطح خمسة نماذج جديدة لنظرية الأوتار ذات عشرة أبعاد، كل منها كان مرشحاً ليكون هو نظرية كل شيء.[5]

وفي منتصف التسعينات مع الثورة الثانية للأوتار الفائقة، أظهرت التجارب والنتائج أن كل النظريات أو النماذج الخمسة السابقة للأوتار هي أجزاء من إطار أكبر موحد لها أطلق عليه اسم نظرية إم (M-theory) وهي ذات أحد عشر بعداً، واحد منها زماني والبقية أبعاد فضائية، وتم إضافة هذا البعد الأخير ليصبح الوتر شبيها بالغشاء، أي غشاءً ببعدين وليس وتراً خطياً ببعد واحد، ومن هنا أصبحت النظرية النهائية ذات أحد عشر بعداً. وانضمت إليهم أخيراً نظرية الجاذبية الفائقة (Supergravity theory) ليصبح لنظرية إم أو نظرية كل شيء ستة أضلاع رئيسة يشبها الفيزيائي الأمريكي براين غريين بنجم البحر ذي الستة أذرع.[6]

وسنستعرض في الجزء الثاني أهم الانتقادات الموجهة لهذه النظرية.


الهوامش

[1] George Gamow ,the great physicists from Galileo to Einsten,Harper&Brothers,1961 p.149

[2] والتر إيزاكسون، أينشتاين حياته وعالمه، ترجمة هاشم أحمد، كلمات عربية للترجمة والنشر ،2010 ص 350 وما بعدها

[3]  ستيفن هوكينغ ليونارد ملودينوو، التصميم العظيم، ترجمة أيمن أحمد عياد، دار التنوير للطباعة والنشر،2013 ص216، 217 بتصرف

[4] ستيفن جابسر، الكتاب الموجز لنظرية الوتر، ترجمة إيمان طه أبو الذهب، المركز القومي للترجمة ،2016 ص7 وما بعدها

[5] John Gribbin ,In search of the multiverse, John Wiley&SonsLInc.,Hoboken, New Jersey,2009 p.152

[6] برايان غرين، الكون الأنيق، ترجمة فتح الله الشيخ، المنظمة العربية للترجمة،2005، ص315 وما بعدها.

هوامش على مسألة الترحم على الملحد

الهادي حافظ


بقدر وضوح الحق عبر العصور، بقدر كثرة الدخن الحائم به في هذا الزمان! فكلما هبت عاصفة على أرض عقول شبابنا في هذا الفضاء الأزرق أبانت للأسف عن اتكائها على جذوع بالية توشك أن تسقط إن لم تتعهدها أمطار الإيمان وريّ تصحيح المفاهيم والمسلمات الإيمانية.

ومن أشد تلك الجذوع وهْنًا هو ما أبانت عنه حادثة موت الفيزيائي البريطاني الملحد ستيفن هوكينغ مؤخرا، فمن الغرابة أن تجد شابا ضرب في صغره على حفظ آيات الوعيد في المشركين، ومع ذلك يَقسم لمن كان يجحد وجود الخالق من رحمة الخالق في الآخرة الذي أختص بها الموحدين. والأغرب أن تجد من يحاضر ويعتلي المنابر باسم العلم يردد دعاء الرحمة في حق من كان ينكر صاحب الرحمة.

قرأت ذلك في تدوينة للدكتور عدنان إبراهيم هداني الله وإياه، كما قادتني موجات هذه الفضاء إلى قراءة ومحاورة من تربى على مبادئ القرآن وضرب على حفظه ومع ذلك يُفهم من كلامه أن الإسلام ليس شرطا للجنة، وهذا أمر في غاية الخطورة أعاذنا الله ويحتاج إعادة صيانة لمرتكزة المفاهيم..

عدنان إبراهيم

طبعا تدوينة الدكتور عدنان وأمثاله هي السوسة التي نخرت في جذوع مسلمات شبابنا حتى استطاعت أن توصل ضوء الحضارة الزائف إلى أماكن في عقول شبابنا كانت في السابق حكرا على نور القرآن الخالد! فحدث الخلل للأسف وتاهت عقول في فيافي “نورانية” الحضارة المعاصرة!

الحادثة كشفت عن حالة مرضية يتداخل فيها عجز أجهزة متعددة، من خلل في مفهوم حصر الرحمة في الأخرى على أهل التوحيد أو بعبارة أدق صدق الوعيد بالنار لمن لم يمت على التوحيد، ثم خلل في مفهوم العلم هل هو من الشخص لكي يعتد له به أم يرجع إلى قدرات منحها الله له بفضله -والحالة التي بين أيدينا أكبر شاهد- وخلل آخر متعلق بالفضول الزائد أو “الترشة” في الدخول بين الرب وحكمه العادل في عباده ويخشى على صاحبها إن لم يتدارك.

الخلل الأول
روي في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم “العلم علمان: علم على اللسان فذلك حجة الله تعالى على خلقه وعلم في القلب فذلك العلم النافع”، وكثيرة هي أحاديث طلب العلم وكفى بكلمة الافتتاح إقرأ من مثال على ذلك.

وبالتالي لا خلاف في تحفيز الإسلام على طلب العلم، بل إن الإسلام لم يأت سوى بمرجحين اثنين: العلم والتقوى! فجعل التقوى عملة الآخرة الوحيدة، وترك العلم بدلالته الواسعة قسما بين أهل الدنيا وهو السلالم التي تتفاضل أبناء البشر بمختلف أديانهم وأجناسهم بها، وما ذاك إلا لرحمته تعالى بخلقه، فلو ربط العلم بالإسلام لعاش غير المسلمين في شقاء هنا وهناك أو لأسلم الناس جميعا وكان ذلك إكراها لهم: {لا إكراه في الدين}.

أذكر ذات مرة أنني كنت في مكتبة جامعية أحاول أن أراجع بعض الدروس -على كسلي- وفجأة جلست على طرف الطاولة الآخر متبرجة وأخرجت دروسها وبدأت في المراجعة! فما كان من الشيطان إلا أن قال لي وأنا الذي تربيت على ربط العلم بالتقوى حيث حفظت في الصغر: “شكوت إلى وكيع سوء حفظي… فأرشدني إلى ترك المعاصي”. بدأ عليه لعنة الله يحاول أن يدخل من باب أن ما تراه عيني يناقض مسلمتي، يريد أن ينسف المسلمة بالواقع: مافي البصيرة بما يرى البصر! ولكن الله سلم حين قاد الخاطر إلى أن العلم بمفهومه الواسع وخاصة ما يتعلق بتطور الحياة لم يربط بالإيمان لكي لا يكون في ذلك إجبارا للناس على الإسلام، وأن العلم الدنيوي وضع في الوسط من الجميع ويختلف نفعه باختلاف حامله، مثله مثل الشراب والإناء! فقد يصلح الشراب ويفسد الإناء فيفسد الشراب! ثم إن التي أمامي قد يكون أذن لها في تحصيل العلم رأفة ورحمة بعيال ستعيله ربما انتظرها لسنوات.

ولكن المسلم خاصة لا يراد منه إلا أن يكون كالشراب الصالح في الإناء النظيف! ولو كان متعلمو الأمة وخاصة في العلوم المعاصرة بتلك الميزة لكنا في مقدمة الأمم!

ومما حز في نفسي مرة وأنا في حصة لأستاذ لعب الشيب برأسه وقد أتاه الله علما ولكنه لما أراد أن يعطي مثالا على الرشاقة في درس عن مشكلة السمنة، لم تسعفه ذاكرته أمام طلابه في ذكر غير الفنانة هيفاء وهبي!

فرضي الله عن الفاروق حين يقول: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم. قالوا: وكيف يكون منافقاً عليماً؟ قال: عليم اللسان جاهل القلب والعمل.

الخلل الثاني
ذكر العلم وكأنه من صاحبه، فأصحابه يقرئهم السلف السلام حين كانوا إذا رأوا نعمة على شخص قادتهم للمنعم ولا يحجبهم نورها الظاهر على المنعَم عليه عن مانحها، فما روي عنهم سوى: آتاه الله علما، وأوتي فهما، وفتح الله عليه.

الخلل الثالث
والأخطر حيث يلعب البعض دور “حبة الفلجة” بين حكم الخالق العادل على مخلوقه، ويصور له الشيطان أنه أرحم حشىً، حين يدخل في الرحمة من أخرجه الرحمن منها أعاذنا الله، ففي الموسوعة الفقهية “اتفق الفقهاء على أن الاستغفار للكافر محظور، بل بالغ بعضهم فقال: يقتضي كفر من فعله”، ونقل الإجماع كذلك النفراوي في شرحه للرسالة، وهذا الذي عدوه مبالغة، نص عليه الجصاص الحنفي، القرافي المالكي وأيده ابن أمير حاج الحنفي وغيرهما. وأصحاب هذا الطرح يقرئهم الصديق رضي الله عنه السلام حيث أجاب ابنه وفلذة كبده أنه لو كان التقى به في غزوة بدر لقتله تقربا إلى الله.

ويقرئهم السلام عبد الله بن عبيد الله بن أبيّ حين وقف على باب المدينة يريد أن يقطع رأس أبيه، فعلى كل من وجد في قلبه ترددا وعدم طمئنية بحكم الله إذا صدر أن يتدارك قبل فوات الأوان.

وكل علم لا يزيد إلى الله قربا فصاحبه كالآلة التي ينتفع بها ولاتنتفع بسر نفعها! والحقيقة التي لاتقبل النقاش هي أن كل من لم يؤمن بالحبيب صلى الله عليه وسلم لا مطمع له بالنجاة والرحمة، فلا أقل من حين غلبتنا أهواؤنا نحن معشر المسرفين فلم نستطع أن نطبق الإسلام بأفعالنا فإيانا وإيانا أن لا نعيشه بقلوبنا!

ثم إيانا أن ينفذ إلى صورته المنطبعة في قلوبنا انبهارنا من أي شيء ليغير في قاعدة بياناتها ويجعل فيها: لوحة تحكم غير الإسلام! لا قدر الله.

رزقنا الله الثبات على الحق ووفقنا للعيش بالإسلام وللإسلام ونجانا من الفتن ماظهر منها وما بطن، وعجل الله بالفرج عن أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم.

هوكينغ يرحل قبل أن يفهم “عقل الإله”!

أحمد دعدوش

 

أثبت لنا تاريخ العلم الحديث عجز العقل عن تصديق دعوى استغنائه عن البحث في أسئلة الوجود الكبرى، بل ظل القلق ملازما له حتى في مراحل الرخاء التي مر بها بين حملاته الدموية الرهيبة.

وشهد التاريخ المعاصر حالات كثيرة من الردة نحو الخرافة والأساطير، بل إن كثيرا من العلماء لم يتخلوا بسهولة عن بعض المفاهيم البائدة، فقد ظل أينشتاين مصراً على إيمانه بالحتمية التي تخلى عنها علماء الكم (الكوانتم)، فصرّح قبل وفاته للعالم الدانمركي نيلز بور بإيمانه بأن “الله لا يلعب النرد”، إذ كان يعتقد بأن الله الذي خلق هذا الكون المؤطر في حدود الزمان والمكان لا بد أن يسيّره بقانون كامل ومتناسق، وأن العقل البشري لن يعجز عن اكتشاف هذا القانون.

ويبدو أن الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ ظل متمسكا لمدة أطول بهذه الفكرة الجريئة، وبالرغم من تخليه عنها في سنواته الأخيرة فقد ظل مصرا حتى وفاته على ما هو أكثر جرأة، وهو رفض وجود الإله نفسه!

حمل هوكينغ لواء البحث عن ذاك القانون معظم حياته، وازدات ثقته عندما نجح كل من غلاشو وواينبرغ ومحمد عبد السلام في تطوير نظرية تجمع بين القوتين الكهرطيسية والنووية الضعيفة[1] في سبعينيات القرن الماضي، وكذلك عندما ظهرت عدة محاولات لدمج هاتين القوتين مع القوة النووية القوية، إذ أمكن جمع هذه الأخيرة مع القوة النووية الضعيفة في نظرية “النموذج المعياري”، وتسمى النظرية المتوقع اكتشافها لتوحيد القوى الثلاث بالنظرية الموحدة الكبرى GUT. ولو تم ذلك، كان من المقرر أن يتابع هوكينغ المهمة لتكميم نظرية الجاذبية -الخاضعة لنظرية النسبية- أسوة بالقوى الأخرى، وإيجاد جسر يربط بين نظريتي الكم والنسبية العامة، ومن ثم توحيد القوى الأربع في نظرية واحدة سوف يطلق عليها اسم “نظرية كل شيء”، الأمر الذي يصفه هوكينغ بإدراك “عقل الإله”!

ففي ختام كتابه الشهير موجز تاريخ الزمن “A Brief History of Time” الصادر عام 1988 يقول: “وعلى كل حال لو اكتشفنا فعلاً نظرية كاملة، فإنه ينبغي بمرور الوقت أن تكون قابلة لأن يفهمها كل فرد بالمعنى الواسع وليس فقط مجرد علماء معدودين. وعندها فإننا كلنا فلاسفة وعلماء وأناساً عاديين سنتمكن من المساهمة في مناقشة السؤال عن السبب في وجودنا، نحن والكون. لو وجدنا الإجابة عن ذلك، فسيكون في ذلك الانتصار النهائي للعقل البشري لأننا وقتها سنعرف عقل الله”.

 

هل يمكن أن نفهم كل شيء؟
في كتابه “هوكينغ وعقل الإله” “Hawking and the Mind of God” الصادر عام 2000، ينتقد أستاذ الفيزياء الكونية في جامعة نوتينغهام “بيتر كولز” زميله هوكينغ في أطروحته، ويرى أن مجرد طموحه لبلوغ هذا الهدف يعد أمراً خارجاً عن العلم، ويسرد لذلك أسباباً عدة، نلخصها كما يلي:

1- إن العالَم الذي نقوم بدراسته اليوم ونصوغ المعادلات الرياضية والقوانين الفيزيائية لتفسيره ليس هو العالم الواقعي على حقيقته، ويفسر الفيزيائي إدوين شرودنغر ذلك بأننا لا نستطيع التعرف على الشيء دون التدخل الذي قد يؤدي إلى تغيير في بعض خواصه، مما يعني استحالة إدراكه على ما هو عليه في حقيقته، وبالتالي فإن معرفتنا عن العالم أو حتى عن ذواتنا ليست موضوعية مئة بالمئة، بل تتدخل فيها الذات تدخلاً جوهرياً لا يمكن تجنبه.

2- إن معرفتنا بالعالم المادي مصاغة على هيئة معادلات وقوانين وضعية من صنع البشر، ويحق لنا أن نتساءل هنا إن كانت حقيقة هذه الطبيعة رياضية حقاً، كما يحق لنا ألا نكتفي برد العلماء والفلاسفة الذرائعيين بأن القوانين المتاحة ليست أكثر من وصف مفيد للطبيعة، وأن دلالتها ترتبط بجدواها التي ما زالت تتأكد كل يوم. إذ ما الذي يمنع من تحقق افتراض عدم جدواها في ظرف ما يمكن أن يقع في المستقبل؟ بل حتى في ظرف مماثل للذي يتكرر كل يوم؟ وما الذي يعطي تفسيراتنا هذه الحتمية سوى اعتيادنا عليها كما يقول ديفيد هيوم والغزالي؟

3- إن افتراضنا لإمكانية التوصل إلى نظرية كل شيء قد يتعارض مع احتمال اختلاف قوانين الفيزياء التي كان الكون يخضع لها في بداية نشأته، إذ تشير الدراسات الحديثة إلى أن المراحل المبكرة من عمر الكون -الأقرب إلى لحظة الانفجار العظيم- تتقارب فيها القوتان الكهرطيسية والنووية الضعيفة على نحو يصعب فيه التمييز بينهما، ومع أن هذا التغير محكوم بقانون آخر يعرف بنظرية الكهرباء الضعيفة، فإنه لا يمكن لنا التأكد من إمكانية تطبيق النظريات المعروفة اليوم على المراحل المبكرة لنشأة الكون حتى مع افتراض تمكننا من رسم صورة كاملة للتغيرات في الحرارة والطاقة التي مر بها، إذ لا نملك أي دليل على صحة تطبيق هذه النظريات في تلك الظروف الموغلة في القدم.

4- إن اعتقاد هوكينغ بأن مجرد التوصل إلى نظرية كل شيء سيؤدي إلى فهمه لـما يسميه “عقل الإله”، يقوم على افتراض أن وضعنا لأي قانون فيزيائي هو بمثابة فهمنا للأسرار الباطنة لهذا الكون، مع أن الكثير من العلماء يقرون بأن القوانين والنظريات ليست إلا وصفاً للحقيقة، وأنها تقتصر على وضع التنبؤات وتفسير المشاهدات والظواهر دون الغوص فيما هو أبعد من ذلك.

5- لم تعد النظريات الفيزيائية تحظى بالثقة التي تمتعت بها في السابق بعد أن تعرض المنطق الرياضي والهندسي لعدد من التطورات، مما ألقى بظلال الشك على قدرة الفيزياء القائمة على أسس رياضية على الكمال، وقد برهن النمساوي كيرت غودل عام 1931 عبر نظرية “عدم الاكتمال” على أن أي نظرية رياضية لا بد أن تحتوي على عناصر لا تقبل البرهنة من خلال النظرية ذاتها. ويلخص الفلكي جون بارو هذه الحقيقة بقوله إن العلم مبني على الرياضيات، ولا يمكن للرياضيات أن تكتشف الحقيقة كلها، فلا يمكن للعلم أن يكتشف الحقائق كلها.

لماذا كل هذه الضجة إذن؟
في الفصل الأخير من كتابه، يتساءل كولز عن سر الشهرة الكبرى التي تحيط بهوكينغ في الأوساط العامة، وذلك بالرغم من تواضع موقعه في الوسط الأكاديمي. ففي شهر ديسمبر من عام 1999، نشرت مجلة “عالم الفيزياء” Physics World نتائج استطلاع طُلب فيه من 130 من كبار فيزيائيي العالم تسمية خمسة فيزيائيين يرون أنهم أفضل من قدم إسهامات مهمة في مجال الفيزياء، وقد جاء أينشتاين على رأس القائمة بحصوله على 119 صوتا، تلاه إسحاق نيوتن، ثم جيمس كلارك ماكسويل، نيلز بور، وفيرنر هايزنبرغ، وجميعهم كانوا من الأموات. ولم يحل هوكينغ أولاً في قائمة الأحياء بعد الخمسة الأوائل، بل كان هانز بيث صاحب هذا الشرف، والطريف أن هوكينغ لم يحصل إلا على صوت واحد من بين 130 إجابة، مع أنه من أكثر الفيزيائيين شهرة في العالم اليوم!

يرد كولز هذه الشهرة الطاغية إلى ما تلعبه وسائل الإعلام من دور في صياغة الرأي العام، فصورة هوكينغ على هيئة رجل مقعد على كرسيه المدولب، والذي يتواصل عبر جهاز حاسوب صمم خصيصاً لمحاكاة صوته الخافت، لعبت دوراً في تحويل الرجل إلى أسطورة، ويمكننا أن نستشهد هنا بالهالة التي أحاطت أينشتاين في منتصف القرن العشرين لكونه ذاك العبقري الذي قلب موازين العلم، بالرغم من عجز رجل الشارع العادي عن فهم حقيقة تباطؤ الزمن مع تزايد السرعة التي جاءت بها نظرية النسبية، بل إن محاولة أينشتاين الأخيرة قبل وفاته بإصدار “نظرية كل شيء” كانت محط اهتمام الصحفيين حتى قبل صدورها، وما لبثت مسودة النظرية أن انتشرت بمجرد إعلانه عنها، إلى درجة تعليق صاحب أحد متاجر لندن صفحاتها الست على واجهة متجره الزجاجية كي يراها المارة، مع أنه لم يفهم منها شيئا!

وفي تقرير لصحيفة إندبندنت بتاريخ 11 أكتوبر 2011 تحت عنوان “العالم المجنون بستيفن هوكينغ”، يقول كولز إن العلماء الفيزيائيين يتداولون في جلساتهم الخاصة نفس النتائج التي جاء بها استبيان المجلة، إلا أنهم يعترفون بأنه من الصعب انتقاد هوكينغ علناً، لأن النقد سيُفسر تلقائيا على أنه غيرة وتحاسد بين الأقران[2].

ويقول أستاذ علم الفلك في كلية كوين ماري في لندن برنارد كار، وهو صديق هوكينغ، إنه يقر بأن هوكينغ فيزيائي عظيم إلا أن القول إنه أعظم العلماء بعد أينشتاين هو مبالغة، وهذا يعود إلى شهرته الجماهيرية، حسب قوله.

أما المحرر في مجلة عالم الفيزيائيين بيتر رودجرز فيقول إن هناك فرقا بين وجهات النظر داخل مجتمع الفيزياء وخارجه، ففي الداخل يُعترف بهوكينغ لكونه أنجز بعض الأعمال المهمة، إلا أنه لا يقترب من منزلة نيوتن، أما في الخارج فهو مشهور جدا بسبب كتابه المشهور “موجز تاريخ الزمن” الذي بيعت منه أكثر من 10 ملايين نسخة وتحول إلى مسلسل تلفزيوني.

وتقول صحيفة إندبندنت إن مراجعات المختصين لكتابه عند ظهوره لم تكن مشجعة، لكن الحملة الإعلامية الضخمة التي رافقت نشره هي التي جعلته أيقونة، خصوصا مع تركيز الناشرين على أنه كتاب علمي مبسط ومفهوم وأنه يحمل رؤى علمية تكشف ألغاز الكون وتتنبأ بفتح آفاق المستقبل، إلا أنه -بحسب الصحيفة- من الكتب التي يشتريها الناس دون أن يقرؤوها بل لتكون جزءا من مكتبة المنزل الاستعراضية.

أوباما يكرّم هوكينغ في البيت الأبيض

وتميل الصحيفة إلى القول إنه لولا إعاقة هوكينغ البدنية ما وصل إلى هذه الشهرة، حيث تهافت عليه منتجو الأفلام وصار نجما تلفزيونيا وهوليوديا، وظهر في مسلسلات “ستار تريك” و”سمبسونز” و”نظرية الانفجار العظيم”، وتلقى وسام الإمبراطورية البريطانية عام 1982، وأجرى مناقشات مع الرئيس الأميركي بيل كلينتون عام 1998، ثم تلقى وسام الحرية من الرئيس الأميركي باراك أوباما في 2009 أمام كاميرات العالم، وقدمت هوليود أخيرا سيرته في الفيلم العالمي “نظرية كل شيء” عام 2014 الذي حاز على جائزة أوسكار من بين خمس ترشيحات، بينما كان معظم زملاء هوكينغ يعملون بصمت على وضع نظريات ذات نتائج عملية تستحق التقدير، في حين لم تثبت فرضياته النظرية حتى اليوم.

قد لا نبالغ إذن في القول إن اختيار هوكينغ لعبارة “معرفة عقل الإله” لم تكن أكثر من فرقعة إعلامية، فبعد حصوله على أعلى درجات النجومية أصبح هوكينغ خبيراً في دور اللغة في لفت الأنظار، و��كفي أنه اعترف بنفسه أنه وضع تلك العبارة في ختام كتابه الجماهيري لزيادة أرباح الكتاب وأنه لو حذفها لانخفضت الأرباح إلى النصف[3].

 

اعتراف هوكينغ
لم يكن اعتراف هوكينغ باختياره لتلك العبارة التسويقية هو الأهم، فقد اعترف أيضا بأن الأبحاث في علوم الفيزياء والرياضيات لا يمكن أن تكتمل، تصديقا لمبدأ عدم الاكتمال لغوديل الذي أشرنا إليه، وهو ما صرح به في محاضرة بعنوان “غوديل ونهاية الفيزياء” عام 2002[4].

وكان هوكينغ قبل ذلك قد أشعل الأوساط العلمية ووسائل الإعلام بتصريحات تؤيد نظرية-إم M-theory معتبرا أنها ستكون مقدمة لنظرية كل شيء، بينما رد عليه عشرات العلماء بأن نظرية-إم ليست سوى رؤية فلسفية لا يمكن اختبارها، وأن مجرد الإيمان باحتواء الحقائق كلها في قانون نهائي شامل هو مقولة غير علمية.

وإذا كان اعتراف هوكينغ بالفشل ينم عن تواضع يُحسب له، فمن العجيب أن يصر الكثير ممن انبهروا بكتبه الجماهيرية على المضي قدماً في سبر أغوار الكون وكشف أسرار الوجود عبر الرياضيات وحدها، فهذه ليست سوى استعادة لمحاولات فيزيائيي العقلانية الكلاسيكية في استبدال الرياضيات بالوحي، وهي أفكار أكل عليها الزمان وشرب.

والأعجب من ذلك أن البروفيسور هوكينغ نفسه لم يتخلى عن الكثير من رواسب تلك الأفكار البالية، ومن أهمها رؤيته للوعي والوجود القاصرة على إطار المادة، وهو ما أكده في مقابلة لصالح صحيفة الغارديان [15 مايو 2011] عندما قال “أنا أعتبر الدماغ كجهاز كمبيوتر سيتوقف عن العمل عندما تفشل مكوناته. لا توجد جنة أو آخرة للحواسيب المعطلة؛ هذه قصة خيالية للأشخاص الذين يخافون من الظلام”[5].

وهذه النظرة التبسيطية للإنسان تنم عن جهل واضح بالوعي البشري وبثنائية العقل والجسم، فالوعي ما زال من أسرار العلم التي لم تُحل، وتشبيه العقل بالكمبيوتر ليس سوى انتكاسة لوجهات النظر المادية القديمة حول آلية عمل العقل البشري، فحتى لو قصرنا العقل والوعي على الدماغ المادي فنحن أمام كيان يتمتع بقدرات استثنائية على المعالجة المتوازية، وليست المتسلسلة كما تفعل كل الآلات “الذكية”.

ومما يغيب عن أذهان قراء هوكينغ غير المختصين أن معظم أطروحاته التي تثير الضجة الإعلامية هي أفكار فلسفية لا علمية، وهي في أحسن حالاتها تُناقَش ضمن أطر فلسفة العلم، بينما يزعم هو في مقدمة كتابه “التصميم العظيم” أن “الفلسفة ماتت… وعلماء الطبيعة باتوا هم حملة شعلة الاكتشاف في رحلتنا نحو المعرفة”، وكأنه يوهم قراءه بأن ما يطرحه من آراء إلحادية هي من نتائج العلم المثبتة بالتجربة والرياضيات، مع أن نظرياته العلمية نفسها عن الثقوب السوداء لم تثبت بعد، فضلا عن الفلسفية.

لذا يختتم الفيزيائي كولز كتابه قائلا “قد يتحقق الفيزيائيون عند وضع نظرية كل شيء من قصورها أيضاً عن بلوغ ذلك الهدف، وعندئذ قد يعمد علماء الكونيات إلى السعي وراء أسس ميتافيزيقية قد تكون مرضية أكثر مما عثروا عليه حتى الآن”.

ولكن للأسف، توفي البروفيسور هوكينغ في سن السادسة والسبعين قبل أن ينجح في فهم “عقل الإله”، وقبل أن تبلغ جرأته الاعتراف بوجود ذاك الإله الذي عجز هوكينغ عن الإحاطة بأسرار خلقه.


الهوامش

[1] يجمع العلماء اليوم على ردّ كافة القوى الموجودة في الطبيعة إلى أربع قوى رئيسة، هي الكهرطيسية، النووية القوية، النووية الضعيفة والجاذبية.

[2] http://www.independent.co.uk/news/science/the-crazy-world-of-stephen-hawking-9250150.html

[3] هوكينغ، الثقوب السوداء والأكوان الطفلة، ترجمة: حاتم النجدي، دار طلاس، ص38

[4] http://www.damtp.cam.ac.uk/events/strings02/dirac/hawking/

[5] https://www.theguardian.com/science/2011/may/15/stephen-hawking-interview-there-is-no-heaven

لماذا نعود إلى الله في لحظاتنا الحرجة؟

إيمان محمد

 

في أحلك اللحظات التي مررت بها خلال سنوات الثورة السورية التي مضت، وفي التجارب القاسية التي عايشتها أو شهدتها ومازلت، كانت تلفتني مسألة كبيرة، تدفعني للتساؤل والتأمل والتفكير، ما الذي يدفع الإنسان لذلك الاتصال العميق بالله؟ ولماذا في أشد اللحظات الحرجة يسأله، مهما كان بعيداً عنه في حياته العادية؟ ولماذا يعود إليه عندما يصبح وحيداً في زنزانة منفردة، أو جريحاً في مشفى ميداني، أو منزوياً على سريره ينتحب بعد أن فقد عزيزاً؟ ما ماهية الاتصال بالله؟ ولماذا يُعبد؟ هل الأمر تابع لملء فراغ نفسي؟ أو طمأنة عقل عجز عن إجابات لتساؤلاته فقبل بالتسليم بفكرة وجود إله؟

والحقيقة الأولى في هذا الأمر أن الله تعالى جل جلاله غني عن العالمين، لا تنفعه عبادة خلقه له، كما أنه لا يضره تركهم عبادته. قال تعالى: “يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد” [فاطر: 15].

فهو الغني عن سائر الخلائق، وهو العظيم الرحيم، حين يأمرهم بعبادته فلأنه يريد لهم الخير والصلاح، فالعباد في حاجة دائمة لله لا تنقطع، فكل عبادة يقدمها الإنسان فثمرتها عائدة إليه، وتصبّ في صالح دنياه وآخرته، وترفعه عند الله، وتثقل ميزانه. قال تعالى في كتابه الكريم: “ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم” [النمل: 20].

والعبادة لله تابعة لطبيعة مهمة الإنسان على الأرض، والغاية من خلق الإنسان، وعاقبة ذلك كله في الدنيا والآخرة.

ليست العبادة فقط لجلب طمأنينة النفس وسكينة الروح، فالإنسان بفطرته دائماً ما يشعر بالحاجة لله، كما أن شعوراً بالخواء والضياع ينتابه في حال فكر أن الكون يمكن أن ينشأ من دونه. قال تعالى: “حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين”. [يونس: 22].

وفي هذا نماذج نلمسها في واقعنا لكثير ممن قضوا حياتهم في معاص ولهو وغياب شبه كامل عن حقيقة عبوديتهم، نجدهم في لحظات الشدة والكرب يعودون فطرياً لله ويلتجئون إليه بالدعاء والرجاء ليخلصهم مما ابتلوا به، وحتى إن كانت تلك ردود فعل وقتية تزول بزوال الأسباب، إلا أنها دلالات واضحة عن حقيقة النفس البشرية ونزوعها للفطرة السليمة في اللحظات العصيبة، فتسلم نفسها لله، وتعود إليه وكأنما تعترف أن لا مخلص لها إلا هو.

أما المؤمن ففي لحظات الشدة يتذوق حلاوة لم يذقها سواه، وقد حدثني أحد الإخوة الذين ذاقوا تجربة الاعتقال عن سعادة وجدها في منفردته، فقال:

“قد تعجبين من كلامي لكنني أصدقكِ القول، لقد كانت السويعات التي قضيتها في تلك المنفردة، وقد انقطعت أسباب الرجاء إلا بالله، وأظلمت الدنيا حولي، وضاقت، كانت أسعد لحظات قضيتها في حياتي، فقد فُتح لي باب الدعاء، وبدأت ألهج لله تقرباً وحباً ورجاء، وشعرت بقرب لم أشعر به طوال حياتي، وبسكينة عجيبة وأنس بالله كبير، لقد خرجت حينما فرّج الله عني وكأنما ولدت من جديد”.

عبادة الله كرامة وتكريم
أما وقد شهدنا في عصرنا هذا كل أنواع الظلم، ورأينا بأعيننا كيف يذل العبد للعبد، وكيف تُمتهن كرامته، وكيف تغيب إنسانيته، ليكون سلعة بلا أدنى قيمة، بل كيف تذل الشعوب تحت سوط الاستعباد، وكيف تتلاشى الإنسانية تحت جور القهر والظلم، لابد أن نفكر في الأسباب التي تدفع الإنسان لاستعباد أخيه الإنسان، والأسباب التي تدفع المستعبد لقبول الاستعباد، سنجد الإجابة واضحة، فكلما تعمق معنى الحرية والكرامة في نفس الإنسان ازدادت مقاومته للذل والقهر، ولنا أن نتذكر قول الصحابي ربعي بن عامر لرستم قائد جيش الفرس معبراً عن الإسلام في كلمات موجزة: “نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”.

فتلك هي رسالة الإسلام الحقيقية وجوهر دعوته، تخليص الناس من العبودية للبشر، ودعوتهم لعبادة رب البشر وخالقهم جل جلاله، وفي هذا قمة السمو والرفعة والكرامة، فعباد العباد أذلاء إلى يوم الدين، لأنهم محكومون بالأهواء البشرية، أما عباد الله فهم محكومون بعدالته وعظمته ورحمته.

مشكلة الشر ووجود الإله (2 من 2)

عرابي عبد الحي عرابي

 

بعد تبيين الأصل التاريخي وأساس الاستشكال الذي بنيت عليه “معضلة الشر” في المقال السابق؛ فإن اللازم الآن تبيين جوانب الشبهة وما يقدمه الإيمان من حلول في سبيل فهمها.

مفهوم الشر فلسفيًّا
هل يعد وجود الشر  ذاتيًّا محضاً أم أن وجوده ظرفيٌّ بحسب الواقع المحيط به؟

ينبغي الإشارة إلى أن هذه التقسيمات تعود في أصلها إلى مسألة تحديد مفهوم الشر من حيث كونه ذاتيًّا محضًا أو نسبيًّا يتحقق بتبعيته لطرف آخر سابق عليه.

لايبنتز

بالعودة إلى فهم الفيلسوف الألماني لايبنتز (ت 1716م)  للشر نرى أنه قد صنَّفه ضمن أنواع ثلاثة، أولها: الشر  الميتافيزيقي (المجرَّد) ويقصد به النقص التام في وجود المخلوقات بسبب تناهيها إضافة لكونها ناقصة بالمقارنة مع وجود الله، ثم الشر الطبيعي وتدخل فيه الآلام الجسمانية والكوارث الطبيعية، وثالثها: الشر الأخلاقي الكامن في الخطيئة[1]، وحين ينظر في مسألة الشرين الطبيعي والأخلاقي فإنهما بالضرورة يدخلان تحت الشر المجرد أي النقص المتحقق فيهما، ويشار إلى أن الليبراليين وسعوا من إطار الشر الأخلاقي ليتضمَّن أي أذية للآخرين في حريتهم أو منعهم من تحقيق رغباتهم شرًّا أخلاقيًّا[2].

يرى ابن قيم الجوزية (ت751ه) أن أحوال الموجودات بأسرها لا تخرج عن حالات أربع هي: حالة الخير المطلق، أو الشر المطلق، أو حالة التنازع بين الخير والشر فيكون الخير إما مستوياً مع الشر أو راجحًا عليه أو العكس، أو حالة عدم القيمة، فلا يكون فيه خير أو شر، ويتحقق القسم الأوّل بوجود الخالق فقط والذي هو خير محض، ولا يوجد من بقيّة الأقسام في وجودنا إلّا ما كانت المصلحة والحكمة والخير في إيجاده أكثر من المفسدة، أي ما كان “خيره راجحًا على شرّه”، وأمّا الشر المحض الذي لا خير فيه فلا حقيقة له لأنه عدم محض[3].

 

وجود الله ووجود الشر
أبدأ هذه الفقرة بالسؤال المعهود: هل يتعارض وجود الشر مع وجود الإله؟

يؤكد الإلحاد –كما تقدَّم في الجزء الأوَّل- على عدم إمكانية اجتماع وجود إله قادر رحيم مع وجود الشرور –كالتي نراها على الأقل-.

بينما يؤكد علماء الدين الإسلامي ورجال اللاهوت من الأديان الأخرى على عدم التعارض أصلاً، ويقدمون في سبيل ذلك حججًا عديدةً لتبيين ضعف المنطق الإلحادي وتناقضه، سواء من حيث أساس اعتراضه، أو في تفسير حقيقة الإشكال وتأويله.

ثمة سؤال يمكن تقديمه في هذا المعرض مفاده: هل يجب على الإله الخيِّر القادر أن يمنع الشر[4]؟

ويمكن الاعتراض على هذه الصيغة “الله قادرٌ على كل شيء” بالعديد من المغالطات المنطقية والمناقشات التي لا تتعدى باب اللعب باللفظ، فأسئلة من قبيل: هل يسَعُ اللهَ خلق صخرة يعجز عن حملها، أو هل يقدر الله على أن يخلق إلهًا مثله، أو هل بإمكانه رسم مربعٍ مستديرٍ ، هي أسئلة تناقض ماهية الشيء في ذاته، “فالصخرة مهما بلغ حجمها متناهية، وقدرة الله غير متناهية، والإله ليس مخلوقًا بالضرورة، فلا يصحّ منطقيًا افتراض إله مخلوق، والمربَّع لا يكون دائرة بالضرورة، فلا يصحّ افتراض اجتماعهما”[5].

وبالمحصِّلة فإن كمال القدرة الإلهية إما أن يعني: القدرة على فعل كل شيء وإن كان ضمن دائرة الاستحالة المنطقية أو فعل الأشياء الممكنة منطقيًّا فقط، وبما أنَّ تصوُّر المستحيل ممكن لأنه عمل ذهني غير واقعي إلا أن وقوعه في الوجود أمر غير ممكن لتناقضه مع شروط الوجود أوَّلاً، ولأن القدرة الإلهية -حسب ما يقرره علماء العقائد- لا تتعلَّق بغير الممكن منطقيًّا، فتكون اعتراضات الإلحاد في جوهرها عن تناقض وجود الشر مع وجود الإله “مخادعات لفظيّة لا يمكن أن يكون لها وجود في غير عالم اللغة”[6]؛ لأنَّ سماح الله بوجود الشرّ في ملكه لا يلزم منه الانتقاص من قدرته، فالشر البشري ناتج عن حريَّة الاختيار  بين فعل الخير والشرّ؛ والقول بوجوب زواله يحتوي على تناقض منطقي، لأن الله قد وهب البشر حريّة الإرادة لامتحان إلهي أفعالهم، ولا تتعلّق قدرة الإله -على كمالها- بإزالة هذا الشرّ لأنه من غير المنطقي أن يمتحن الله عباده بالخير والشرّ ثم يجبرهم على فعل الخير دون الشر أو العكس [7]، وهو ما أشار الله إليه في قوله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون} [الروم:41] فجعل الفساد (أي الشرور الأخلاقية) عائدة إلى اختيارات الناس وأفعالهم، ولعله من المفيد الإشارة إلى أن التعلل بالشر الأخلاقي في نفي الإله غير مجدٍ.

بلانتينغا

في هذا المعرض يجدر الإشارة إلى رأي الفيلسوف الأمريكي اللاهوتي ألفن بلانتينغا (وُلد عام 1932) القائل: إنّ حريّة الإرادة عند الإنسان من أهم المسوّغات العقلية لنفي التناقض المدّعى بين وجود الإله الكامل مع وجود الشر؛ إذ إنّ الشر الأخلاقي نتيجة لممارسة الإنسان لاختيارات إرادته الحرّة، فالشر هنا ضريبة لازمة ومنطقيّة ومرضيّة لنعمة الإرادة الحرّة؛ وبذلك ينتقض الاعتراض على عدل الله أنّه يسمح للشر بالوجود، فلا معنى لوجود كائن حر يملك إرادة الاختيار ضمن الطبيعة البشريّة المحضة، ثم هو لا يفعل إلّا نوعًا واحدًا من الأفعال، فالمخلوقات الحرّة تزلّ أحيانًا وتفعل الخير أحيانًا، ولا يمكن أن تكون هذه الاختيارات ضد وجود قدرة الله الكليّة ولا ضد خيريّته؛ لأنّه ليس بالإمكان أن يُمنع وقوع الشر الأخلاقي إلّا بمنع إمكانية الخير الأخلاقي[8].

 

الشر المادِّي والمجَّاني؟
ينقل د. حسن المرسي عن ريتشارد دوكينز قوله في أن الشر  لا يمكن أن ينفي أو يثبت وجود الإله[9]،  ولذلك مال العديد من رموز الإلحاد إلى تكثيف الاسشتهاد بما سمّوه (الشر المجاني) أي الألم الذي لا فائدة خلفه، وله مثالان شهيران هما: “الموت البطيء لغزالة في حريق داخل غابة، واغتصاب طفلة ثم قتْلها على يد عشيق أمّها”[10] إذ إن على “الإله العليم، كامل الخيريّة أن يمنع وقوع كلّ معاناة شديدة إلّا أن يؤدّي المنع إلى تفويت خير أعظم من هذه المعاناة أو السماح لشر يوازيها أو يربو عليه، وبالنتيجة فإن ذلك واقع فلا يوجد –إذن- إله قدير، عليم، كامل الخيريّةِ”[11].

ثمة عدة مسالك يمكن التصدي بها لمشكلة الشر بأنواعها إجمالاً وتفصيلاً، “كالدفاع الإيماني الذي يفسر الشر على ضوء الحكمة الإلهية والعناية الربانية، أو بيان سبب العجز عن الإجابة على السؤال كليًا أو جزئيًا: للقصور المعرفي للإنسان، أو البحث في السؤال والعمل على تعديله[12]“.

وعلى ضوء التكامل بين هذه المناهج يشير عدد من الباحثين في نقد الإلحاد إلى أهمية السؤال عن الشر المجاني بصيغة: هل هناك شر مجاني فعلاً؟

إنّ مقتضى البحث العقلي أن يصار أولاً إلى البحث عن البناء المنطقي للحجة المقدَّمة لنقض وجود الإله وهي (الشر المجاني موجود، وعليه  ينفي وجوده وجودَ الإله)؛ وبما أنه لا يمكن لأحد إثبات قطعية (الشر المجاني) في الظواهر المضروبة لذلك، وبعبارة أخرى، نسأل: هل يعجز الإله أن يجعل وراء كلّ ما يبدو شرًا مجانيًا، حكمةً وتعويضًا؟

قول الإلحاد هنا منحصر بمنع وجود الحكمة أو إثباتها التي نفترضها للإله، فإنّ العقل لا يمنع من وجود هذه الحكمة وهذا التعويض للمبتلى؛ فيسقط اعتراضه، وإذا قال إنّ هذا الأمر ممتنع عقلًا؛ طولب بالدليل العقلي، ولا دليل؛ فيظهر بذلك قُصور فهمه لكمال الألوهيّة. فتنقلب المعادلة من:

الترتيب الآتي: 1. وجودُ الشرّ المجاني أمر يقينيٌّ، 2. وجود الإله فرضية بحاجة إلى بحث، 3. وجود الشرّ المجاني حجّة على نفي وجود إله؛ 4. إذن لا وجود لإله.

إلى: 1. الأدلّة المادية والعقلية تثبت وجود الإله، 2. وجود الشرّ المجاني فرضية بحاجة إلى بحث، 3. الإيمان بالإله يقتضي الإيمان بكماله وعدله وحكمته فيكون قادراً على جعل ما يبدو شرًا مجانيًا حكمةً وخيرًا، 4. إذن لا وجود لشرّ مجانيّ[13].

 

فرويد

وقفة أخيرة
في خضم المناقشات المنطقيَّة في مسألة الشر قلّما يتنبّه الباحثون إلى البحث عن مصدر الاستشكال، فبما أن العقل البشري قاصر في إدراك خصائص المحيط الخاص به فإنه بالقفز إلى القطع في إحدى أهمِّ المسائل الوجودية يختزل ظاهرة الشر دون الفهم الكامل لكل جزئياتها. فما مردُّ هذا الاستعجال؟

يشير مقال ما بعد الحداثة في موسوعة السبيل إلى تطوُّر الآراء والظروف التي مرت بها الذهنية الغربيَّة، ولعل من أبرز ما يُستشهد به هنا قول الفيلسوف روجيه غارودي في كتابه “البنيوية فلسفة موت الإنسان” نقلاً عن فرويد بأن نظريته في التحليل النفسي ألحقت بكبرياء البشرية ثالث إذلال كبير لها، وذلك بعد الثورات العلمية على يد كوبرنيكوس التي أنهت كون النص الديني المركز الذي تقاس إليه الأمور، ثم رؤية داروين التي حوَّلت الإنسان إلى حيوان بيولوجي يصارع من أجل البقاء[14].

وهكذا ظهرت العدمية التي أفرزت مظاهر اللامعنى وغياب الثبات ورفض معنى الإله الخالق وتأطير القيمة، فالوجود خالٍ في خاتمة المطاف من المعنى، ولعل هذا التصوُّر هو ما نراه في اللامبالاة والظلم البشري وعدم المسؤولية في أحداث عظيمة كالأحداث المستمرة في سورية منذ سبع سنوات.

إن حالة “غياب المعنى” التي يعيشها الملحد تدفع للتساؤل: لمَ يبحث الملحد عن المعنى وراء الشر أو الخير؟ فالإيمان بـألا قيمة للوجود تدفع حتماً لتفسير أحداث الوجود بذات الرؤية التي فُسِّرت به بدايته، أي “العشوائية والمادية”، فتفسير الشر الذي يحدث في العالم -ضمن هذه الرؤية- يجب ألا يعدو تحليلاً كتحليل رؤيتنا للوحة الموناليزا مثلاً، وك��لك الحروب والأعاصير والكوارث المادية، لأن التفاعل مع الألم الطاغي في هذه الظواهر لا يستند إلى قيمة أخلاقية وإنَّما إلى رؤية عدمية، وهذا بحد ذاته تناقض صارخ.

ومن هنا فإن التعامل مع مشكلة الشر بحسب الرؤى المختلفة في تفسيرها عائد إلى رؤيتين، أولهما: عدّه جزءًا من النظام الكوني المتصف بالنقص في ذاته لكونه حادثاً والإله وحده الكامل. والثاني: النظر الديني إلى الشر على أنه ابتلاء واختبار في هذه الظواهر ويستلزم منا البحث عن الحكمة التي يقتضيها فعل الله وعدله، وفي الحالتين ليس ثمة ما يُتَوجّه به لنفي وجود الله أصلاً.

إذن فالسؤال المهم حقًّا هو: لمَ كان الوجود أصلاً؟ والبحث في أصل هذا السؤال سيقود الملحد إلى الانهيار حتمًا.[15]


الهوامش

[1] ينظر تاريخ الفلسفة، فريدريك كوبلستون، المركز القوم للترجمة، ترجمة سعيد توفيق، ط1، 2013، ج4 ص437.

[2] ينظر ملف مشكلة (الشر) على شبكة (معابر) الفلسفية، من مقال ندى الحاج، تأمُّلٌ في الشر الإنساني، http://www.maaber.org/issue_october03/perenial_ethics1.htm

[3] ينظر شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ابن قيم الجوزية، تحقيق محمد بدر الدين، دار الفكر، ط1، 1978، ص 181-182، ويقارن بـ مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص 98، 99.

[4] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص 112.

[5] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص115.

[6] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص 114.

[7] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص115.

[8] ينظر محاورة جاري كينتغ مع ألفن بلانتينغا بعنوان: هل الإلحاد لا عقلاني، ترجمة: د. عبد الله الشهري، نشر مركز براهين، ص5، وينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص120، نقلاً عن كتابي ألفن بلانتنجا: الله، الحرية والشر، وكتابه: The nature of necessity

[9] ينظر الكتاب الإلكتروني الجواب عن مشكلة الشر، مقال د. حسن المرسي، انفكاك الجهة بين وجود الخالق ومسائل الحكمة والخير والشر، 131، 132

[10] نقلاً عن ويليام رو، ينظر د. سامي عامري، مشكلة الشر ووجود الله، ص 146.

[11] ينظر المصدر السابق ص146-147.

[12] ينظر المصدر السابق 147.

[13] ينظر المصدر السابق، ص 151، 152.

[14] البنيوية فلسفة موت الإنسان، روجيه غارودي، ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، ط3، 1979، ص12-14.

[15] استفدت الخاتمة الأخيرة: من مدونة (أنا مسلم، أنا أفكر) وسقت ملخِّصًا بعضًا من نقدها لمسألة الشر على الرابط: https://iammuslimiamagainstatheism.blogspot.com.tr/2013/10/blog-post_20.html

مشكلة الشر ووجود الإله (1 من 2)

عرابي عبد الحي عرابي

 

تعود القيمة المحورية لقضية الشر إلى التصور المركوز في الأذهان عن عدالة الله وقدرته ورحمته، ولذا فإن مشاهد القتل والتهجير والآلام التي تحدث يوميًّا داعيةٌ ولا ريب إلى التساؤل عن الحكمة الإلهية في وجود هذه الآلام، ولعل نظرة سريعة إلى أحداث الثورة السورية وكمية الدماء البريئة التي أريقت ظلماً عدواناً جعلت مقولة “لمَ خُلِق هذا الشر؟” أهم أسئلة الناس المكلومة.

أطفال قُتلوا بالغاز السام في الغوطة بريف دمشق في 21 أغسطس 2013

ويمكن القول إن الإلحاد ودعاته يجعلون هذا السؤال -المتسرّب عن التعرُّض للشدائد- أداةً للتشكيك بجدوى الإيمان أو صحته من الجذور، ولذا فإن “مُشكلة الشَّرّ” في الغرب اليوم أهمّ شُبهة إلحاديّة تستخدم في المناظرات بين الدينيين والإلحاديين، حيث يراها الإلحاديون “البرهان” الذي يُغِيرُ على قواعد اعتقاد المؤمنين فيأتي عليها، إذ لا جدوى من الإيمان بوجود الإله الذي لا يمنع الظلم عن عباده ومخلوقاته[1]، فحجة وجود الشر في نظر الملاحدة هي “الصخرة” التي تَتَحَطَّم عليها حجج الإيمان، كما يرى الشاعر الألماني الملحد جورج بوخنر[2]، ذلك لأن “الاعتراضات على الإيمان بالله تظهر وتختفي، إلا أنَّ الفلاسفة يؤمنون أنّ أهم تحدٍّ جادٍّ لإثبات وجود الله في الماضي والحاضر والمستقبل، هو مشكلة الشر”[3].

إن هذا السؤال القديم الحديث حول مشكلة الشر هو أحد أسئلة الوجود التي حار فيها الإنسان ولم يجد فيها إجابة حاسمة، ولعل المفترض باللاديني أن لا يتكئ مرتاح البال بعد أن رمى بها في ملعب الديني، إذ إن أسئلة الوجود تقض مضجع الجميع، وهذا ما يجعلنا نرجح نظرية الإيمان على غيرها، فعلى الرغم مما يطرح عليها من الأسئلة إلا أنها دافعة إلى الاطمئنان واليقين العقلي أكثر مما سواها، وهكذا طبيعة المعارف الإنسانية؛ فإن إيجاد جواب معملي فيها أمر غير ممكن إلا أن اليقين يبنى فيها على الاتساق وعدم التناقض وتقديم الرؤية التفسيرية الشاملة لهذا الكون.

ملاحظة قبل البَدْء
اسمح لي سيدي القارئ أن أشير بدايةً إلى أن وجود الشر (المطلق أو النسبي) لا ينفي بأيِّ وجه من الوجوه المنطقية أو العلميَّة “وجود الإله”.

وذلك لأن إثبات وجود الإله لا يعتمد مطلقًا على جريان الخير أو الشر في الموجودات وإنما يعتمد على إثبات خلق الكون وإنشائه من عدمٍ على نحو متسق منظَّم يثبت وجود منظِّمٍ له، وبذلك تعد مسألة الخير أو الشر طارئة على ما بعد تحقق الوجود، وإن كان ثمة دليل يمكن به نفي وجود الإله فهو إثبات نشوء الكون ذاتيًّا بأي طريق كان إلا عن طريق موجدٍ له سبَّب حدوثه.

وأقصى ما يمكن التوقف عنده في مسألة وجود الشر عند المسلم إنما هو بحث الحكمة من وجود الله، ولدى  إثارة الشبه في عدل الله ورحمته وقدرته على النحو الذي يفصله أربابه.

وإن المثير ههنا حقًّا أن غالبية علماء اللاهوت المسيحي لم يبحثوا في بنية الشر وإنما اكتفوا في الدفاع عن اتصاف الله بالخيرية، وإثبات أن ما يجري من الشر خارج عن نطاق الخيرية الإلهية وأن الأب قدَّم ابنه –تعالى الله عن ذلك- ليتمكن من تخليص الناس من مشكلة الذنوب والبلايا التي تتبع انتشارها، بينما كان علماء الكلام المسلمين يبحثون “ماهية الشر” ضمن مباحث الحسن والقبح وتفرعاتهما التي تتطرق لموضوع الإيلام والأذى الذي يصيب المخلوقات، فكانت دراسات علماء الكلام والفلاسفة المسلمين أعمق وأجدى، من حيث الإشارة إلى بنية موضوع الشر والتسليم بواقعيته والسعي البارز لتنزيه الله عن النقائص ومحاولة استخلاص الحكمة من وجود هذه الشرور المنتشرة في الأرض.

لذا كان أقصى ما يمكن إنتاجه في تاريخ الشك عند فلاسفة المسلمين ما قدمه أبو العلاء المعري أو ابن الراوندي من شكوكٍ وشبهات في الحكمة من هذه الشرور، بينما أنتجت الثقافة الغربية الثائرة على المسيحية نقداً شاملاً لكل ما يتسم بالميتافيزيقية (الغيبية) مثل ماركس ونيتشه[4]، وعدمية محضة لا تتقبل القيمة المجردة للأشياء في هذا الوجود.

أصل السؤال
تعود الصياغة المنطقيّة الأولى لهذه المسألة -بحسب ما نقل الفيلسوف الإنكليزي ديفيد هيوم (ت1776م)- إلى الفيلسوف اليوناني أبيقور (ت270ق.م) فيما عُرف بمعضلة أبيقور وملخَّصُها الآتي:

أبيقور

إذا كان الإله كُلِّيَّ القدرة والعلم والخير فإنَّ الشر لا يمكن أن يوجد في خلقه، إذ إنَّ هذه الصفات الثلاث لا تجتمع في إله حكيم متصرف ثم يغفل عن وجود الشر في العالم، وبما  أن الشر موجود فذلك يعني أن الإله ليس كلي العلم، إذ لا يعرف ما يجري في خلقه من الشرور، أو أنه يعلم حصول ذلك إلا أن قدرته ناقصة فلا يستطيع رفع الشرور والآلام عن عباده، أو أنه يعلم الشر ويستطيع رفعه، إلا أن يريد له الاستمرار فتكون خيريته ناقصة، وعلى أيٍّ من هذه النواقص فإنه لا يمكن أن يكون إلهًا، لتحكُّم النقص فيه[5].

فما المقصود بالشر ههنا؟

يمكن اختزال الشر ضمن نوعين: “الشر الطبيعي” الذي لا يد للإنسان في إنشائه كالتشوُّه الخَلْقي والكوارث الطبيعية كالبراكين والأعاصير والزلازل، و”الشر الأخلاقي” الذي توصف به أفعال الإنسان ومبادئه من حيث الأذى والضرر كالعدوان والقتل والتعذيب وكل ما يؤلم الآخرين.

وسؤال الإلحاد ينصبُّ في البحث عن أنه كيف يمكن لله الرحيم أن يأذن بوجود هذا الكم من الشرور في عالمه أو يخلقه أصلاً؟

أساس الاستشكال
يستند الإلحاد في الاستدلال على رؤاه بجملة العلوم الماديَّة التي تستند في نتائجها إلى “النزعة التجريبيَّة” ولذا فإن أساس اعتماد الإلحاد في الاستدلال بالشر  على عدم وجود الإله ناتج عن فهم محدودٍ للإله فهو كامل العلم والقدرة والخيرية دون البحث في صفاته الأخرى من العدل والإرادة والحكمة.

أضف إلى ذلك سيدي الكريم أن الإلحاد لا يقدم تصوُّرًا يبين المقصود من “الشر” بوضوح، فهل “الشر” مفهوم مطلق أم نسبي، وهل قيمته ذاتية أم نسبية، وهل وجود الشر طاغٍ على وجود الخير، ثم هل يمكن للشر أن ينفي وجود الإله بحد ذاته؟

إن كلمتي “الشر والخير” في ذاتهما تدلان على عَرَضٍ خارجيٍّ يدل على نسبة بين شيئين، أي أن الحكم منتزَع من حيث التحقق أولاً وارتباط المحيط به ثانياً، فثورة بركان ما شَرٌّ على أهل المنطقة الواقعة بالقرب منه إلا أن فائدته للتربة مثلاً خير للأجيال اللاحقة، وكذلك “الموت” فإن فناء مليارات الجراثيم قد يكون شرًّا بالنسبة لها إلا أنها ذلك خير بالنسبة للكائنات التي تتأذى منها، وكذلك وجود السم في الأفعى فإنه خير بالنسبة لها إلا أنه شر بالنسبة لمن يلدَغ به، ومن ثم فإن وجود الشيء ليس ذا كفاية للحكم على قيمته من حيث الخير والشر.

وإذا تدبرنا ذلك فإن وجود هذه الثنائية في الكون بحد ذاتها محض خير، فانتفاء الخير يجعل من الوجود شرا محضاً وانتفاء الشر يجعل من الدنيا دار سعادة محضة وبذلك لا يمكن التوصل إلى معاني التفاضل والخيرية بين الناس أو إدراك المعاني الكبرى كالباطل والحق، وبذلك يكون وجود الشر ضرورياً لتدعيم معنى الخير، ووجود الباطل ضروريًّا لتدعيم معنى الحق.

ومن ثم يتوارد السؤال الآتي:

هل يمكن الحكم بالشر النسبي على وجود الإله؟
يشير د. سامي عامري إلى أن السؤال عن مشكلة الشر بحد ذاته يحوي دلالة أخلاقية لا مادية[6]، ولعل استشكال “الشر” في أصله دليل على تحقق الإيمان بالله في فطرة البشر، وهو الأمر الذي أكّده العديد من أئمة الإلحاد، ولعل أبرزهم العالم الأحيائي “أنتوني فلو” الذي كان يرى أن شبهة الشر كانت السبب الأول في إلحاده[7].

وبما أن المادة وتفرعاتها تعد أساس الإلحاد فإن الاستشكال الأخلاقي تجاه الشر يناقض الغاية التي قُدِّمت لأجلها، أي نفي وجود الإله وتصوير الكون على أنه محض مادة؛ وذلك لأن عقل الإنسان الذي تفاعل مع هذا السؤال جوهر غير مادي يرى للحياة قيمة ومعنى، إذ “لو كان الإلحاد حقًا، لما كان علينا أن نتوقع أن يكون الخير هو الرئيس أو أكثر أصالة من الشر، بل الواجب أن لا يكون هناك قِسما الخير والشر أصلاً”[8].

يُتبع..


الهوامش

[1] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي العامري، ص17-20، حيث نقل عدداً من المقولات في هذا الخصوص، تبيِّن مدى اهتمام الإلحاد بمقولة الشر.

[2]  Randy Alcorn: If God Is Good: Faith in the Midst of Suffering and Evil (Colorado Springs, Colo.: Multnomah Books, 2009), p.11

[3] مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص19 نقلا عن كتاب رونالد ناش، الإيمان والعقل، ص177.

[4] معضلة الشر بين علم الكلام والفلسفة، د. محمد بوهلال، ص35.

[5]  (David Hume. Dialogues Concerning Natural Religion, part 10) نقلا عن مقال د. هشام عزمي، وجود الشرور في العالم، مجلة منتدى التوحيد، العدد المعنون بـ الجواب عن مسألة الشر، ص14.

[6] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص55، 65، 62.

[7] مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص55، 56.

[8] مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، 58، 59، نقلاً عن دافيد بيك.