مقالات

أمسِك عليك نفسك ودينك!

ما كان لله سبحانه وتعالى بعد أن خلق عباده وصورهم وكرمهم ورزقهم أن يتركهم في تيه أو حيرة من خلقهم، أو أن يتركهم عُميًا عن نفوسهم التي ستكون لصيقة بهم طوال رحلتهم، وإنما بيّن لهم هذه النفس، وفصّل لهم أحوالها وآمالها وضعفها، وكذا عرّفهم أن هذه النفس قد تلتزم طريق الله فتسعد، أو أن تحيد عنه فتشقى. فكانوا على معرفة بها وبطريق هدايتها، والأدوات التي ستساعدها على التزام هذا الطريق، فالله سبحانه يقول: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس، ٧]، {وَهَدَيْنَاهُ النّجْدَيْنِ} [البلد، ١٠]، والذي سواها سبحانه وتعالى وهو أعلم بها منها، وألهمها فجورها وتقواها، وخلق فيها القدرة على إتيان ما تشاء منهما، وأن تسلك أي النجدين تريد، قد قرر لها دِينا تتنزل منه شرائع متتالية بحسب الزمان والمكان.

البحث عن الحق

إن من مقاصد الشرائع الربانية ورسالات الأنبياء أن تَعْلم النفوس الخير فتطلبه، والشر فتحيد عنه، وأن تقف على عوامل التزكية والتقوى فتسعى لملء كيانها بها، وتقوم على سياسة النفس الإنسانية وترويضها، لئلا تطغى وتُجرم في حق نفسها أو في حق غيرها، فإن لم تتهذّب الأنفس بترغيب في الثواب، هُذبت بتخويف من العقاب، وإن لم يُجْدِ التخويف بعذاب الآخرة، عوقبت في الدنيا بما يزجرها ويمنعها عن تكرار الخطأ.

فإذا رفضت النفس الالتزام بالدين الذي يضبط أفعالها وأقوالها، ويأخذ بفطرتها إلى حيث تنفع وتنتفع، ويحد من جموحها ويهذب نياتها وإرادتها، ويحدد لها أهدافا عالية، تترفع بها وتمتاز عن غيرها من المخلوقات، اضطرت في أحسن الأحوال إلى تقنين قوانين تحاول بها ضبط معيشتها، وتنزلها منزلة المأمور المطيع، فما خلق العبد إلا ليكون في ميدان الامتحان، مطيعًا ساعيًا للخلاص في أدنى المراتب، وطالبًا للتميّز والقرب في أعلاها، فإذا حاول العبد أن يتملّص من عبوديته لله، فإن خلاصه من هذه العبودية لن يكون بالإنكار أو السعي للتملّص كما يظن، إذ إن الإنسان لن يجد بُدًّا من العبودية لشيء ما آخر غير الله الخالق، طوعًا أو كرها، إذ إن هذا ما جُبل عليه الإنسان، فإما أن يكون مخبِتًا لله، أو أن تستعبده تفاصيل أخرى في هذا الوجود، وما أكثر ما يستعبد الإنسان في هذه الدنيا.

يقول الله سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم، ٣٠]. ومما ورد في تفسير هذه الآية ما ذكره الطبري في تفسيره بأن الله ينادي النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسدد وجهه نحو الوجه الذي وجهه إليه ربه ليكون رهن إشارته وطاعته، ومدار ذلك كله هو (الدين)، {حَنِيفًا} مستقيمًا لدينه وطاعته. {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}، أي صنعة الله التي خلق الناس عليها، أي أن الله يقول للنبي صلى الله عليه وسلم أقم وجهك للدين حنيفا فإن الله فطر الناس على ذلك فطرة وجعلها في أصل تكوينهم.

{ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}، إن إقامتك وجهك للدين حنيفا غير مغير ولا مبدل هو الدين القويم المستقيم الذي لا عوج فيه عن الاستقامة، {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، بأن الدين القيّم هو الدين الحق دون سائر الأديان غيره [جامع البيان عن تأويل آي القران، ج٦، ١٠٤].

ضبط أوتار الحياة

لنسأل أنفسنا، لو لم تكن هناك رسالات من الله إلى البشر، ولو لم يكن هناك أنبياء يبلّغون ما آتاهم الله للناس، فكيف ستكون أحوالهم وعباداتهم وعاداتهم؟

إن الناس بالرغم من وجود الرسل عاندوا وضلّوا وأضلوا، وسيكون حالهم بدون الدين أشد وأدهى، إذ سيكون تعاطي النفس البشرية مع المُجريات والظواهر حولها إما بضعف شديد أو بفجور شديد، وضعفها ينبع من هامشيتها في هذه الحال وعدم استنادها إلى منهاجها الذي قرره الله لتكتسب به القوة، فتكون منفعلة ومتأثرة على الدوام، بلا أثر ولا تأثير. ويكون فجورها نتيجة لأناها الكبيرة التي لا تعرف طريقا غير إرضاء شهواتها، فتفسد في الأرض وتقرر منهاجها الخاص الذي لا يرتضي إلا بالإنسان حكما وحاكما، ما يراه صوابا فهو الصواب وما يراه خطأً فهو الخطأ، وهذه هي بداية تشويه الفطرة والإفساد في الأرض.

إن خير دليل على ذلك، ما يُرى في أخلاقيات الإلحاد والملحدين ونزعات الإنسانوية المتطرفة وغيرها من انحرافات الإنسان عن هدي ربه، فكلها فضفاضة مائعة، تشكل الخير والشر والصواب والخطأ حسب رؤية الإنسان المتغيرة باستمرار بما يطوّع للإنسان تحقيق شهواته، ووضعه في المركز بعيدًا عن أي قبس إلهي، وهكذا فإن غياب الدين من حياة الناس يحط بهم إلى أسفل دركات الانحطاط، فلا هم يحيون الحياة على مراد الله، ولا هم يحيونها على مرادهم، فأي خير في ذلك؟

 

كيف يُروج للإلحاد في الرسوم المتحركة والألعاب الإلكترونية؟

تعيش المجتمعات الإسلامية حاليّاً مرحلة من الانفتاح غير المنظّم على كل التقنيات الحديثة، مما أدّى إلى إحداث فوضى والاختراق الفكري في عقول الجيل المسلمين، ولم يترك الملحدون وسيلة يمكن أن تصل إلى المسلمين إلا واستغلوها لبثّ أقوالهم وأفكارهم فيها، حتى إنك تراها في الألعاب الإلكترونية والتطبيقات الرقميّة وغيرها من الوسائل، مما يظهر أن هناك مجهودات كبيرة في تصميمها، والملايين من الدولارات المخصصة لترويجها، وهذا يظهر أن شبكات الإلحاد مستعدة لصرف الملايين لحرف الناس والترويج لأفكارهم.

الألعاب الإلكترونية والترويج للباطل

 اتجه الملاحدة إلى بث فكرهم في الألعاب عن طريق وضع رسائل مشفرة وخفية بها، ومن هذه الألعاب لعبة Assassin’s Creed التي تعني عقيدة القتلة، وقد اتخذ مروّجو اللعبة شعار حرف (A) الذي هو في الوقت ذاته شعار الإلحاد، كما أن اللعبة تحتوي في داخلها على العديد من العبارات التي تروّج لإبطال الدين والإيمان بالمطلق، مثل “عندما ينشغل الناس بالحقيقة فتذكر دائمًا أنه لا توجد حقيقة”،  ومثل عبارة “عندما يقيّد الناس بالأخلاق والشرائع تذكر دائمًا أن كل شيء مباح”.

شعار إحدى الألعاب الإلكترونية

بنيت هذه اللعبة على تفاصيل ومراحل كثيرة، وفي أحد أجزائها تدور الأحداث حول “تفاحة عدن” حيث يقصَد بها شيفرة حرية الإرادة، وبالسيطرة عليها تستطيع السيطرة على عقول البشر،  تدور المنافسة بين طرفين هم القَتلة وفرسان المعبد،  حيث يحرس القتلة التفاحة ويمنعون فرسان الهيكل من الحصول عليها بهدف الحفاظ على حرية إرادة البشر.

إن المسألة هنا لم تعد مسألة تسلية وإنما تجلٍّ للصراع بين المؤمنين بحرية الإرادة وبين من يرى الإنسان خاضعًا للتفاعلات الكيميائية، وهذه المشكلة بحد ذاتها معضلة فلسفية كبيرة عند الملحدين والماديين، فهم ينفون للإنسان حرية الإرادة، إلا أن الإرادة الحرة في هذه اللعبة ليست إلا “كود جيني” فلو استطاع الإنسان تعديله بالهندسة الوراثية فإنهم –كما يروّجون- سيكونون قادرين على إلغاء حرية الإرادة الإنسانية، لأن حرية الإرادة هي أساس الشر في العالم.

إلى جانب هذه اللعبة نرى أيضًا لعبة Fortnite المليئة بالرسائل الخفيّة، حيث يمارسها اللاعب لساعات طوال يختلي فيها مع أشخاص يحادثهم حيث يروّجون لأفكار الإلحاد، فضلاً عن الترويج لبعض العقائد الوثنية القديمة كرقصة عُبّاد الشمس. 

الألعاب والحض على التأليه

  وقد ظهرت في الآونة الأخيرة ألعاب أخرى أكثر صراحة في نشر أفكارها الإلحادية دون تلميح كالألعاب السابقة مثل لعبة  Doodle godحيث إن شعار هذه اللعبة مكوّن من مثلث بداخله العين الماسونية، وتنطلق اللعبة من المقولة الآتية “أطلق العنان لإلهك الداخلي وأنشئ الكون”، ومن هنا فإن فكرتها قائمة على تجسيد اللاعب ليكون هو (الإله) الذي يقوم بدور خلق الحيوانات والأدوات والعواصف والبراكين، ولا ريب أن في ممارسة هذه اللعبة حرمة شرعيّة لما فيها من مخاطر كبيرة وتشكيك وانتقاص في حق الذات الإلهية وصفاتها، ولما فيها من انتهاك لحرمات الله، وتبديد لما وقر في نفوس الناس من تمجيد لله تعالى.

  يدخل في الإطار ذاته نشر الكثير من الألعاب التي تدور حول التعظيم إلى درجة التأليه، حيث يحتوي معظمها على كلمة (God) مثل لعبة (إله النور،  وإله الحرب،  واختبار الإله،  وإله الخدع،  وإله المعركة..إلخ) وغيرها الكثير من الألعاب التي تروّج للباطل بشتّى وجوهه،  ولمواجهة هذه الألعاب ومعالجتها لا بد من محاربة الفكرة بالفكرة واللعبة باللعبة، فيتوجب بذلك تصميم ألعاب إلكترونية قادرة على مواجهة الإلحاد وقادرة على غرس العقيدة والتعاليم الصحيحة في عقول الأطفال والشباب،  وتوعيتهم من خطر هذه الألعاب، وحث الوالدين على متابعة أبنائهم عند انشغالهم بالألعاب الإلكترونية.

أفلام الكرتون وحِيَلُ الإلحاد

من الظاهر للعيان أن مروجي الإلحاد لم يتركوا فئة من المجتمع إلا واستهدفوها بخطابهم للترويج للعقائد المنحرفة –كلها أو بعضها- التي يؤمنون بها، مستفيدين بذلك من وسائل الإعلام التي تؤثر في عقول البشر.

لننظر إلى الرسوم المتحركة مليًّا، وسنرى الكثير من الرسائل المشفّرة فيها موجهة لأطفالنا، هدفها أن تفسد عقولهم ودينهم وعقيدتهم التي يجاهد الآباء في غرسها فيهم، إلى جانب المشاهد المخالفة للشرع التي لا يكاد فيلم يخلو منها، حيث يختزن الأطفال العديد من الأفكار والسلوكيات التي يرونها في الذاكرة، وتُحدث تلك المشاهد تراكمات داخلية تظهر بعد ذلك في شكل سلوكيات أو أفكار في وقت لاحق.

أمثلة ونماذج

  من الطبيعي أن تجد الأفكار المناقضة للدين منتشرة في أفلام الكرتون خاصة أن منشأها من بلاد الغرب حيث الانحلال والانفلات الأخلاقي والدعوات المستمرة لإنكار وجود الله، بالرغم من أن كل هذا لا يمثل إشكالًا عند عرضه على أطفالهم، وبالتالي ينشأ الأبناء على قصص وأساطير وصراعات الآلهة، وكل هذا تحت مسمى تنمية خيال الطفل، بل وربما عند موت البطل يبعث مرة أخرى حتى لا يجرح نفسية الطفل وليعزز عامل الإثارة والتشويق.

إن من أخطر ما يتلقاه أبناؤنا من تلك الأفلام ما يكرس النواقض العقدية مثل تكريس الإيمان بالسحر حيث لا يكاد يخلو فيلم من أفلام الكرتون من نوع من السحر، سواء في دور الساحر الشرير المتحكم بمجموعة من الأشرار، أو الساحر الطيب الذي يسخره لفعل الخير، حيث يَلْجَأ إليه لحل المشكلات، ومساعدة الأبطال ومنحهم القدرات الخارقة، ويمكن ذكر أمثلة عديدة على ذلك كأميرات ديزني، وخلطات بابا سنفور التي تعيد الحياة والصحة وتعيد الأوضاع إلى طبيعتها، وكما في مارلن ودورايمون ونوبي،  ودروبي مع دوري مي،  وبن 10،  وأدغال الديجيتال، وصولًا إلى فتيات القوة،  والتي قام البرفيسور بصناعتهن وخلقهن -حسب زعمهم- من تركيبات كيميائية، وهي المعلومة التي يؤكدون عليها ويذكرونها مع كل حلقة من حلقات المسلسل قبل بداية الحلقة.

إضافة إلى ذلك نرى العديد من أفلام الكرتون القائمة على فكرة مصارعة الآلهة، أو تخصيص الإدارة بين الآلهة ليقوم كل إله بإدارة جزء من الكون، وهذه الآلهة -في نظرهم- تُجَسِّم كأشخاص لهم بنية جسدية أكبر، أو نور في السماء، أو حتى أصنام؛ فلا يهم ذلك كله، ويمكن أن يمثل لذلك بكرتون يوجي يوم، والسنافر فلا يكاد يحدث حدث عظيم إلا ويتبعه بابا سنفور بشكر (الأم الطبيعة) على فضلها، ناهيك عن كون وجود آلهة للشر تنظر من السماء لتحرك الأشرار وتقودهم للتدمير والخراب ونشر الفوضى والقتل،  ثم إعادة من قُتل منهم إلى الحياة،  ليكمل دوره في الفساد في الأرض،  كما في مغامرات جاكي شان، ومات هارت، بالإضافة إلى الكثير من الأفلام التي تنشر الكريسماس وللهالوين.

أين الخلل؟

تغيب شعائر الإسلام عن أفلام الكرتون كمشهد الصلاة أو قراءة القرآن أو الحديث الشريف ولذلك نرى أن أفكار الأفلام الكرتونية المنقطعة عن بيئة المسلمين تجرّد الطفل بشكل غير مباشر من كل ما يربطه بالدين، ولن يكتفي أصحاب الأفلام بذلك بل يحاولون تَلويث العقيدة بأساطيرهم التي يملؤون بها عقول الأطفال والتي تختلف مع العقيدة الإسلامية مثل ادِّعائهم تعدد الآلهة والخارقين مثل إله النار وإله الخير وغيرها، وهي بذلك تهدم عند الطفل بعض مفاهيم العقيدة وأساسياتها فتعدد الآلهة يؤثر على فكرة التوحيد.

أما عن الأزياء والحجاب فحدّث ولا حرج، إذ تُعدم تمامًا أية مشاهد لبطلات في أفلام الكرتون ترتدي حجابًا، بل جميعهن يرتدين ملابس غير لائقة لأن ترتديها امرأة، فضلاً عن أن يراها طفل صغير، عدا عن المشاهد المخلة في مقاطع كثيرة كما في فيلم قُبلة الضفدع، وأميرات ديزني، وشريك والأميرة فيونا، والجميلة والوحش.

ما العمل؟

أول المشكلات التي تدفع أولادنا للضياع في وسائل الترفيه تكمن في انشغال الآباء والأمهات في أعمالهم، ومن ثمّ يتجه الأطفال إلى ملء أوقاتهم بوسائل التسلية من كرتون وألعاب إلكترونية وغيرها الكثير من الوسائل التي تكون معهم أمًّا وأبًا بديلين، إضافة إلى ذلك فإن الآباء لا يكادون ينتبهون لنوع المحتوى المقدم إلى أبنائهم، بينما كان من الواجب عليهم أن يتابعوا مضمونها قبل عرضها على أبنائهم، عملا بالواجب الذي تحتمه الأبوة والأمومة فكما يختار الوالدان الأصدقاء الصالحين ذوي الأخلاق الطيبة لأبنائهم ويبعدونهم عن أصدقاء السوء، فمن الواجب عليهم أيضاً اختيار المادة الكرتونية المحافظة على الأخلاق والتعاليم الدينية.  

كما يجب على الوالدين السعي للبحث عن بدائل للتسلية لأطفالهم تناسب أعمارهم، وقدراتهم ومهاراتهم كممارسة الرياضات البدنية والذهنية والبرمجة وأساسيات العلوم والفنون وحفظ القرآن والسُنة، وتعليمهم أصول دينهم.

فإما هذا، وإما أن نستيقظ وقد جالت قطعان الذئاب في الغنم!، وقد استولى مروجي الإلحاد على العقول بشكل كامل.

كذلك يجب على العالم الإسلامي تبني إنتاج مشاريع لمواد كرتونية ذات جودة عالية، وبُعدٍ ديني وقيمي وأخلاقي، وفيها من الإبهار والتشويق والحبكة والتسلية ما يجذب الطفل المسلم إليها، ولذا فإنه لا بد من حل مشكلة نقص الكوادر المؤهلة في إنتاج أفلام الكرتون والألعاب الإلكترونية بجودة عالية، وكذلك فرق إنتاج وإخراج وتصوير أفلام الكرتون وغيرها، ومحاولة تطوير هذا المجال كي نعتمد على إنتاجنا ونكون قادرين على المنافسة مع الإنتاج الغربي، وأيضًا يجب تخصيص مقدّرات مالية أعلى لإنتاج  محتوى عالي الجودة قادر على المنافسة العالمية وقادرة على جذب انتباه الأطفال لمتابعتها.

إن المنصات المنزلية قنوات الأطفال وأدوات الترفيه، لا تقل بحال عن مواقع ومنصات صناعة الوعي، فإذا لم يكن هناك اهتمام لائق بالنشء، فلا تنتظر مستقبلًا أفضل مما نعيشه، فالأطفال أمانة وضعها الله في أعناق آبائهم، وسيُسألون عنها أمام الله. وتركهم فريسة لقنوات الأطفال وأفلام الكرتون يؤدي إلى خلخلة أساسات البناء القيمي والأخلاقي ؛ نظرًا لطبيعة أفلام الكرتون المأخوذة من سياق تاريخي وثقافي وقيمي وديني مختلف.

 

رحلة مع الغزالي في المنقذ من الضلال

يعدّ أبو حامد محمد الغزالي (450- 505 ه) أحد أهم العلماء في تاريخ الإسلام ممن امتدّ تأثيره قرونًا طويلة بعده، وما يزال بأفكاره ومؤلفاته حاضرًا في العالم الإسلامي في مختلف الموضوعات والعلوم، خاصةً العلوم العقلية في جانبي علم الكلام والفلسفة، أو علوم التزكية كالأخلاق والتصوف، أو في الاجتهاد الفقهي والأصولي من خلال دوره في نقل علم أصول الفقه عن المدرسة الشافعية وتطويره فيه.

إنّ المتأمّل لما تركه الغزالي من كتب سيلاحِظ –لا ريبَ- التنوّع الواسع في موضوعات كتبه وعددها الكبير، فلا يوازي كتبه من -حيث الكمّ- سوى عدد قليل من العلماء، إلا أن أهمّ من ذلك الكمّ هو المنهجية التي أوصلت الغزالي إلى اتباع مدرسة التصوّف التربويّ –بعيدًا عن التصوف الوجوديّ الفلسفي الذي يمثّل الحلاج والششتري نماذج راسخة فيه- سبيلًا للجمع بين العقل والقلب، أو ما يعرف في حقل الدراسات الفكرية بـ “البرهان والعرفان”، وذلك بهدف البرهنة على ما يراه حقيقة لا يمكن إدراكها بالعقل بعيدًا عن عيشها بالذوق، فينتصر بذلك للتصوف الملهَم أو الكشف اللدنّي، معتبرًا إياه الغاية من العلوم، والسبيل الذي تنجو به الأقدام من مزالق الضلال؟

لكن كيف حدث ذلك؟

إن كنت قد وصلت في قراءة المقال إلى هذه النقطة، فإني أدعوك لأن تكمل قراءة ما تبقّى منه لتضع يدكَ على أهم مفاصل الرحلة، أقصدُ رحلة الغزالي التي وصلتنا في كتابه المميّز، “المنقذُ من الضلال والموصلُ إلى ذي العزّة والجلال”.

بين يدي الرحلة، إشارة لا بد منها

يرى نيل ديغراس تايسون أن الغزالي كان سببًا في انهيار الحضارة الإسلامية، وذلك من خلال ادعاءات عريضة أولها محاربة “الفلسفة” وليس آخرها افتراؤه على الغزالي بأن “الرياضيات” من عمل الشيطان، ولذا لا بدّ من تحريمها، ومع تحريمها تراجع المسلمون في العلم وتوقفت عجلة الاختراعات.. وبالتالي انهارت الحضارة الإسلامية!. (1)

وأسرد لك ههنا ملاحظة سريعة، وهي أنّ الغزالي رحمه الله لم يحرّم الفلسفة بإطلاقها، بل كان يحرص على التعمّق في كل علمٍ يطّلع عليه، ويدعو لذلك استكمالاً لضرورات المنهج العلمي، وأن الموقف الذي تشدّد فيه الغزالي لم يكن الفلسفة الطبيعيّة “علوم الطبيعة والفيزياء والكيمياء والطبّ” أو التحليليّة “المنطق” و”سائر العلوم الإنسانية” وإنما تشدّد في آراء بعض الفلاسفة التي تناقِض دين الإسلام في صفات الإله وخلق الوجودِ من العدَم، فكان يرى أن أقوال ابن سينا والفارابي في هذه المسائل كفرٌ يخالف شرعَ الله ونصّه..

وهنا أنتهز الفرصة لأؤكّد أن الفلسفة التي يدّعي لفيفٌ من مناهضي الدين أن الغزالي أنهاها لا تدخل في حقل الفلسفة بمنظورهم أصلاً، لأنها في رأيهم داخلةٌ في جملة الأوهام والخرافات، فوقوف الغزالي ضدها يجب أن يحسَب له لا عليه.

إن الأساس الذي يبني هؤلاء موقفهم من الغزالي ليس مضمونَ فكره وإنّما أساسه، فبما أنه أعلى من شأن العقل تحت سطلة النصّ الإلهي فإن ذلك يعني موتًا للعقلانية التي لا تعتمد على النصوصِ، في محاكاةٍ لما كان عليه الحال من صراع بين الكنيسة والعلم في إرهاصات النهضة وما بعدها في أوروبا، وبالتالي فإنهم يتبنّون نموذج الصراع الأوروبي بين “الدين والعلم” ولا ينطلقون في فهم الغزالي وعصره من منطلقات منهجيّة، فهم بكل اختصار يرون أن ما يُعتَبَر تقدّمًا في أوروبا ضروريٌّ ليكون معيارًا للتقدّم في تاريخ المسلمين، وبالتالي فقد أصبح كتاب “تهافت الفلاسفة” ومن قبله “مقاصد الفلاسفة” للإمام الغزالي بالنسبة لهؤلاء محطة مفصلية حقًا؛ ليس لأن الغزاليّ يزاوج فيهما -ببراعة لم يُسبَق إليها- بين منهجيّة الفلسفة ودقة العلم، بل لأنهم يعتبرون التهافتَ النقطة التي بدأ فيها هدمُ انتشار العقائد المشوّهة عن الله جل في علاه بناءً على آراء فلسفيّة مأخوذة من التراث الفلسفيّ اليوناني، وبذلك حُمّل الغزاليُّ وحدَه مسؤولية انحطاط الفكر العلمي العقلاني في الحضارة الإسلامية في هذه العصور اللاحقة –بحسب رأي هؤلاء- دون الوقوف على الأسباب السياسيّة والاجتماعيّة والسياقات التاريخيّة التي أظهرت فيما بعدُ تطوّرات الدول الغربية بفعل الاستعمار وحركة الكشف الجغرافيّة.

محطّات رحلة الغزالي

لا يمكن فهم أيّ مفكّر دون معرفة الظروف التاريخية والسياسيّة والاجتماعيّة التي عاشها وتأثّر بها؛ فالمفكّر ابن عصره، يؤثّر فيها ويتأثر بها، فكيف إن كان هذا المفكّر هو الغزالي، الذي كان له مقامٌ عالٍ لدى هرم الدولة، ونذر نفسه لمتابعة تيّارات الفكر المختلفة وكشف تحريفاتها وفضح الباطل الذي جاءت به.

لقد تميز عصر الغزاليّ باضطرابات سياسيّة ودينيّة وفكريّة حادّة، وكثير من مواقفه وكتبه ارتبطت بما يجري في عصره سواء كانت من صراعات الأسرة السلجوقية، أو تمرّد الحركات الباطنية، بموازاة تعصّب المدارس السُّنّية ومعاداتها فيما بينها، واشتعال الفِتَنِ بين السُّنة وطوائف الشيعة، إلى جانب وقوع أكبر حوادث العصر في زمنه أي انطلاق الحملات الصليبيّة التي ما زالت بعض آثارها مستمرّة حتى اليوم.

يشرح لنا الغزالي، اقتحامه لجّة هذه الأحداث منذ عنفوان شبابه حتى بلوغه الخمسين من العمر، فيتفحّص عقائد الفرق، ويتعمّق في آراء كل طائفة، وكيف لا وهو الذي يقول: “قد كان التعطش إلى إدراك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزةً وفطرةً من الله وُضعتا في جِبِلّتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلّت عني رابطة التقليد، وانكسرت على العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا” (2)

ولنقف عند شخصيّة الغزالي العميقة، يجب أن نعلم أنه إلى جانب ذكائه الحادّ فقد تتلمذَ على يدِ أهم علماء عصره، وكان من أبرزهم الإمام أبو المعالي الجويني الملقّب بـ “إمام الحرمين”، وقد كانت سعة اطلاعه وشدة ذكائه وشهرته في مناظراته سببًا في أن يوكّله “نظام الملك” وزير الدولة السلجوقية في عهد السلطانين “ألب أرسلان” وابنه “مَلِك شاه” بإدارة المدرسة النظاميّة في نيسابور..

لكن مهلاً، هل ترى أن الغزالي قد وصل إلى مراده؟

شهرة واسعة، وكتبٌ كثيرة، ومديرٌ لمدرسة ضخمةٍ بمقدراتها وأوقافها التي تساوي ميزانية جامعة مرموقة في هذا الزمان، وعلماءُ مرموقون ينتقلون من مختلف البلاد للجلوس بين يديه والسماع منه والعمل في مدرسته، كل هذا وهو لم يتجاوز بعدُ الخامسة والثلاثين، ألا يكفي كلّ هذا الغزاليّ الطَموح ليتوقف عنده..

في حقيقة الأمر فإن هذه الأجواء كانت الباعث لأن يمرّ الغزاليّ بأزمة روحيّة وفكريّة عصفت باستقراره النفسي، وهو في قمّة شهرته وأوج إنتاجه العلمي، وهنا نراه قبيل وفاته بسنوات قليلة –رحمه الله- يبتدرُ الكتابة بطريقة غير معهودة في ذلك العصر، فيسردُ أزمته بشكل أقرب للمذكّرات الشخصيّة والسيرة الذاتيّة بأمانة شديدة في كتابه “المنقذ من الضلال”.

أزمة الغزالي، معالمُ الضياع وخطوات اليقين

لندع الغزالي يقودُ دفّة الحديث، فهو أدرى بما عايشَ ورأى.

يذكر رحمه الله أن منشأ الأزمة جاء من تكرُّر سؤاله نفسه في تصدُّره التدريس، هل ذلك لله أم لغيره؟

نقدّر أن الأمر أخذ وقتًا وصراعًا منه، لكنه في ختام الأمر يقرّ بأن تدريسَه لم يكن خالصًا لوجه الله “بل كان باعثه ومحركه طلب الجاه وانتشار الصيت” وقاده هذا الجواب لأن يشعر بأنه بات “على جرفٍ هارٍ وأنه قد اقترب من النار”

عندما رأى الغزالي هشاشة حياته الروحيّة ترك منصبه المرموق، وانطلق للحج ومن مكّة اتجه إلى بلاد الشام بين دمشق والقدس فيعتزل الناس قرابة 10 سنوات في زاوية صغيرة في الجامع الأموي سنين عديدة، ليخرج من هناك بكتابه وسفره العظيم “إحياء علوم الدين” الذي يعيد قراءة العلوم الإسلامية المختلفة من مدخل روحانيٍّ نقديٍّ لأزمات تلك المرحلة، مبتدئًا الكتاب بالحديث عن العلم منتقدًا فيه علماء الدنيا، ومميّزًا بينهم وبين علماء الآخرة الذين يعتزلون المكاسب الدنيوية وظلّ السلاطين.

كتاب المنقذ من الضلال لصاحبه الغزالي

لا تقف أزمة الغزالي في “المنقذ” عند النطاق الروحي والنوايا الأخلاقية، بل تنتقل إلى أسس الفكر ذاته، فتغدو المسألة أكثر من معضلةٍ شخصيّة وأزمة روحيّة، متحوّلةً إلى هجمة شكٍّ يمكنها أن تهزّ أفكار أرسخ العلماء، فتدفعه لفحص أسس معرفته وعقائده.

هذا ما يذكره الغزالي الذي وصل للشكّ بكلّ شيء، فشكّ في الوجود الخارجي من حوله، وفي صحة الوسائل المستخدمة في العلوم الدينية والفكرية –سابقًا بذلك رينيه ديكارت في الشك بعدة قرون- ليصل بعدَ حوارات مطوّلة مع الذات إلى تأكيد أن العالِم ينطلق بالشك إلى المعرفة اليقينية على ضوء أدلّة العقل والإلهام الإلهي.

لعلّ أجمل ما في حوارات الغزالي صراحتُه، فهو لا يتوقف عند إلقاء الشبهات أمام الأديان الأخرى، بل يواجه نفسه بالشبهات ليبحث عن الحق، فعلى سبيل المثال حين يرى أن تديّن المجتمعات مغروس في أنفس الأطفال بفعل الآباء والأمهات، فإنه لم يتوقف هنا عند ضرب المثل باليهود والنصارى، وإنما ذكر إلى جانبهم المسلمين، لكنه يدعم هذا الاشتباه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه) [أخرجه البخاري] ومن هنا يرى أن التحرك لطلب الحقيقة مغروس في الفطرة الأصلية، وأن حقيقة العقائد العارضة آتٍ عن التقليد سواء للآباء أو المعلّمين وأن الحق يكون في البحث عن اليقين بالدليل.

يتجه الغزالي لعلاج الشكّ من خلال البحث عن حقائق الأمور، فـ “العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافًا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنُه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارنًا لليقين مقارنة لو تحدّى بإظهار بطلانه – مثلاً – من يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً، لم يورث ذلك شكًّا وإنكارًا” (3).

هنا يندفع الغزالي لتفتيش علومه، فكل ما خالف القاعدة السابقة يستبعده واحدًا تلو الآخر حتى يصل إلى نقض معارف الحواسّ وصولاً لبعض أفكار العقل الذي قد يخيّل للإنسان ما ليس بحقيقة كأنه حقيقة كرؤى الأحلام.

استمرت رحلة الشك شهران، إلا أن الغزالي وصل إلى اليقين الذاتي بدءًا من نفسه ثم وجود خالق له بفضلِ “نور قذفه الله تعالى في الصدر” (4)

صفوة القول، إن المنهج الشكي عند الغزالي يرتكز على محورين اثنين في تحقيق اليقين، أولهما، الإلهام الإلهي الذي يخصّ الله به عباده المتقين، وثانيهما: العلمُ اليقيني المبنيّ على الدليل، وهذه القاعدة –أي الثانية- كانت منهج الغزالي في تعلّم العلم، فهو القائل: “علمت يقيناً: أنّه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقفُ على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمَهم في أصل ذلك العلم، ثم يزيدَ عليه، ويجاوز درجته فيطّلع على ما لم يطّلع عليه صاحب العلم، من غوره وغائله، وإذا ذاك يمكن أن يكون ما يدّعيه من فساده حقًّا”. (5)

رحم الله الغزاليّ وعلماء المسلمين، ونفعنا بهم أجمعين.


الإحالات والمصادر:

(1) نيل ديغراس تايسون، يوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=pYn0uafJP-k

(2) المنقذ من الضلال، أبو حامد الغزالي، تعليق: د. عبد الحليم محمود، دار الكتب الحديثة، د.ت.ن. ط. ص: 110.

(3) المصدر السابق، ص: 111.

(4) المصدر السابق، ص: 115.

(5) المصدر السابق، ص: 126.

قراءة في كتاب “لماذا الدين ضرورة حتمية؟”

تمحورت كثير من كتابات د. هيوستن سميث اللاهوتي الأمريكي وأستاذ الفلسفة وعلم الأديان في عدة جامعات أمريكية، حول الأزمة الروحية الحاضرة لإنسان عصر الحداثة وما بعدها، وقدم في كتب متعددة دراسات نقدية وفلسفية واجتماعية وتاريخية تشرح ملامح تلك الأزمة وما أنتجته من تصور مادي للعالم يقلص وجود الإنسان ويحرمه من كل أبعاده الروحية، وما يتبع ذلك من اختناق روحي وفقدان للأمل وسيطرة للمادية والفردية والاستهلاكية والأنظمة القانونية المتنكرة للقيم الدينية والسياسات الحكومية المجردة من المبادئ الأخلاقية مشبهاً ذلك بنفق مظلم حبس فيه إنسان الحداثة الفاقد للإيمان.

نقصد في المراجعة الآتية التعرض لأحد أهم كتبه، “لماذا الدين ضرورة حتمية”[1]، باحثين عن أهم الأفكار التي نطقت بها كتاباته المدافعة عن الدين في وجه انبعاثات الإلحاد وامتداداته.

من هو د. هيوستن سميث؟
هو أستاذ الفلسفة وعلم الأديان في عدة جامعات أمريكية وصاحب مؤلّف “أديان العالم” أحد أكثر الكتب مبيعا ورواجا في الولايات المتحدة وعدة دول أخرى، وقد دافع في كتاباته ومحاضراته عن ضرورة وجود الدّين في حياة البشرية مؤكّدًا أنه الطريق الحتمي لمواجهة طغيان المادة وانحطاط الأخلاق، وركّز على في كتابه هذا على “بيان روح وحكمة أديان العالم وفلسفتها وجوهرها المشترك، ومخاطر عصر العلم والحداثة في ابتعاده عن الإيمان وخوائه الروحي الذي أغرق الغرب في نفق المادية المظلم وسجن الفردانية والأنانية التعيس.” كما يُلخّص ذلك مترجم الكتاب.

هيوستن سميث كاتب كتاب "لماذا الدين ضرورة حتمية؟"

هيوستن سميث

أعرب المؤلّف عن رفضه الشديد لفكرة انحصار النجاة بالديانة المسيحية التي تتردّد كثيرا في أوساط البروتستانتية، معتبرا إيّاها جهلا ذريعا بحقيقة ما يتضمنه معنى الدين الحقيقي من عُمق روحيّ أصيل، فقد أكسبت دراسة الكاتب للأديان الوضعية والسماوية آفاقًا متعددة في فهم دور الدين وضرورته في مواجهة التيارات المادية في الحضارة المعاصرة

أهمّ أفكار الكتاب:
ينطلق الكتاب من مقولة عالم الأحياء البريطاني “جوليان هوكسلي”[2] حوالي منتصف القرن الماضي أنّه عما: “قريب سيصبح من المستحيل لأي رجل أو امرأة ذكيّ ومتعلّم أن يعتقد بوجود الله كما هو من المستحيل اليوم الاعتقاد بأنّ الأرض مسطّحة” ومن ثمّ يبدأ بتفكيك هذه المقولة، ويؤكّد في سياقاته المختلفة قضية “لماذا الدين ضرورة حتمية؟”.

يشير الكاتب إلى أن الفكر المادي لا يتجاوز النظر فيما هو مادي محسوس إلى ما هو معنوي مُجرّد، وأنه يشبه إلى حدّ بعيد قدرات العقل في مراحل الإنسان الأولى حيث يسهل عليه استيعاب المفاهيم المادية ويصعب عليه إدراك المجرّد والمعنوي، إضافة إلى أن مقولة “جوليان” تتضمن الأفكار الثلاثة التي تقلقه –حسب تحليل مؤلّف الكتاب- وهي: نقد النظرية الداروينية، والاستدلال على أنّ الكون تمّ تصميمه بدقة عظيمة غير متناهية، والقبول بإمكانية أن يتدخّل الله في التاريخ.[3]

في معرض حديثه عن نظرية داروين، يقول الدكتور هوستن سميث: “في الواقع هناك نقاش مشتعل بشراسة بين العلماء أنفسهم حول نظرية دارون، وتغذّي ذلك النّقاش تعليقات مثل: “فريد هويل” المشهور اليوم، الذي يقول إنّ فرصة الاصطفاء الطبيعي لإنتاج إنزيم واحد تماثل فرصة أن يؤدي إعصار يهبّ على فناء صناعة إلى إنتاج طائرة بوينغ747، فنراه وغيره من العلماء متراصّين في دعم الداروينية عندما يظهر الدّين في الصورة.

الحاجة إلى بديل
لا شكّ أننا نحتاج إلى بديل، يحدث المؤلف قارئيه عن توماس تشارلمز الذي كان يلقي خطبه في الكنيسة، فتحدث في إحداها عن حادثة جرت معه عندما كان على متن عربة خيول تسير بهم في طريق جبلي، فعندما وصلت العربة إلى طريق ضيّق على حافة منحدر شديد، بدأ الحوذيّ (سائق العربة) بضرب خيوله بالسوط بشدة، الأمر الذي بدا لـ “تشارلمز” عملا خطيرا، لكن قائد العربة أوضح له أنّه كان عليه فِعْل ذلك ليصرف انتباه الخيول عن الخطر المُحدِق بهم في ذلك الطريق. إنّ لذع السياط جعلتهم ينشغلون بشيء آخر يُفكّرون به.

ينقل هيوستن عن تشارلمز قوله: إنّ الأمر لا يختلف بالنسبة للبشر. إنّ الناس لا يتخلّون أبدا عن عاداتهم المألوفة السيّئة بقوّة العقل ولا بقوة الإرادة، إنّهم يحتاجون إلى شيء جديد يُفكّرون به ويستجيبون له”، يعقب هيوستن في معرض استدلاله عن رأيه بأنه بدلًا من تضييع الوقت في تفنيد نظريات فرويد مثلا، فإنّ في فهم روعة البديل الآخر ما يُغنينا عن ذلك تماما كما فعلت لذعات السياط بالخيول.

بين التصوّر التقليدي والتصور المادي للعالم
هنا يستفيض هيوستن في الحديث عن مساوئ فكرة البديل إذا كان أسوأ من المستعاض عنه: فـ”إذا سعى شخص ما إلى صُنع مصيدة للفئران أفضل من المصائد المتوفّرة حاليا فإنّ هدفه مفهوم ومحترم ولا نملك إلاّ أن نرجو له التوفيق. ولكن إذا سعى أحدنا إلى صُنع مصيدة للفئران أسوأ من الموجود، فإنّ مسعاه قد يحتاج إلى تفسير يُقدّمه لنا طبيب نفساني. إذا نقلنا هذه الاستعارة إلى ساحة الإيمان بالغيبيات، فإنّ المعنى هو التالي: سواء كان التصور التقليدي للعالم حقا أم باطلا فإنّه تصوّر واضح وقابل للفهم على نحو شفّاف. أمّا التصوّر العلمي للعالم فإنّه ليس كذلك، لأنّه طالما أقصى العلة الأولى والنهائية من حسابه مطلقا، فإنّه يضعنا أمام طريق مسدود بشأن أسئلة ليس لديها أي إجابة عنها.” هنا يعلّق المترجم على هذا الكلام شارحا: لدينا تصور قديم للعالم  يعطينا إجابة عن كل شيء. سواء آمن به العلميون أم لم يؤمنوا، لا يحق لهم أن يطالبونا باستبداله إلاّ إذا كانوا بصدد إعطائنا تصورا أفضل منه.

لا يخفى أنّ هدف الكتاب الرئيسي هو تبيين قُصور التفسير المادي العلمي للعالم واقتناع صاحبه أنّ التفسير التقليدي (الديني) للعالم هو التفسير الأصحّ. فقد سعى الكاتب لحشد البراهين والنماذج الشاهدة على صحّة ما ذهب إليه.

فقد شبّه النظرة العلمية المادية للعالم بهذه الصورة في الحكاية الآتية:

تصوّر نفسك في بيت شعبي من طابق واحد في شمال الهند، وأنت أمام شباك زينة يُطلّ على منظر مدهش لجبال الهمالايا؛ إنّ ما فعلته الحداثة، في الواقع، مُشابه تماما لكونك تقوم بإسدال ستارة أمام تلك النافذة حتى مقدار بوصتين فقط فوق عتبتها وأرضيّتها. عندما أُمِيلت أعيُننا نحو الأسفل أصبح كلّ ما يُمكننا أن نراه الآن من الفضاء الخارجي هو الأرض التي بُنيَ عليها البيت.

في تشبيهنا هذا تُمثّل الأرض العالم الماديّ، ولكي نُعطي الأمور حقّها عندما تستحق ذلك بجدارة، نقول: إنّ العلم قد أظهر لنا العالم رائعا جدا بشكل لا يُصدّق. ولكن مع ذلك فإنّ هذا العالم الذي يظهر لنا، ليس جبل ايفريست.

إي إف سكيوماخر (من موقع جودريدز)

في موضع آخر ينقل حكاية عن دليل الحائر للكاتب “إي إف سكيوماخر” تحدث فيها عن تيهه وضلاله الطريق بينما كان يُشاهد معالم مدينة موسكو في العهد الستاليني. وبينما كان يبحث مرتبكا محتارا في خريطته، اقترب منه مرشد سياحي وأشار بأصبعه على الخريطة ليُبيّن له المكان الذي كانا يقفان فيه، فاعترض “سكيوماخر” قائلا:

– “ولكن أين تلك الكنائس الكبيرة التي نراها حولنا؟؟”

– أجابه المرشد السياحي بكل جفاف: “إنّها ليست مبيّنة على هذه الخريطة، نحن لا نُظهر مواضع الكنائس على خرائطنا.”

– “ولكن هذا غير صحيح، إنّ الكنيسة الموجودة هناك في زاوية الشارع، نجدها مُشارا إليها في الخريطة.” أصرّ “سكيوماخر” معترضا.

– أجابه المرشد السياحي: “أوه، هذه كانت كنيسة فيما سبق، أمّا الآن فهي متحف.”

ويُواصل “سكيوماخر” قائلا: حالتنا تشابه هذه القصة تماما. إنّ أغلب الأشياء التي اعتقد بها معظم البشرية، لا تظهر على خريطة الحقيقة التي حَصَلْتُ عليها من تعليمي في جامعة أكسفورد، أو لو ظهر شيء من تلك العقائد على الخريطة فإنّه يظهر كإشارات إلى متاحف، أي إلى أشياء اعتقد بها الجنس البشري في عهد طفولته (قبل أن ينضج)، ثمّ عندما بلغت البشرية سنّ الرشد، لم يَعُد الناس يؤمنون بها (صاروا ينظرون إليها كآثار الأسلاف كما ينظرون لآثار القدماء في المتاحف)” !!

 إنّ الغرض من هذه الحكاية ومن الصورة التي سبقتها: أن نستحضر في أذهاننا حقيقة أن العلم “في عملية إمطارنا بالمنافع المادية والمعرفة الهائلة بالكون المادي الطبيعي “محا وأزال الأمور الفائقة على المادة، من خريطتنا للحقيقة”

عندما ينكر العلماء –الماديون المقتنعون بالمادية- وجود أيّ شيء سوى الأشياء التي يمكنهم أن يُشغّلوا أدواتهم العلمية عليها، يجب أن يُوضّحوا أنّهم إنّما يُعبّرون في هذا الأمر عن آرائهم الشخصية كأيّ شخص آخر، ولا يدّعون حجية العلم في رأيهم هذا. ومن جهة أخرى، يجب على المتديّنين ألاّ يتدخّلوا في العلم طالما كان علما أصيلا لم يُنمّق ويُزخرف بالآراء الفلسفية التي هي من حقّ كل شخص.

ملاحظات وتنويهات عامة
يتألف الكتاب من جزأين وخاتمة ويتضمن كل جزءٍ عدداً من الفصول، أما الفصل الأول فيقدم تمهيداً تاريخياً متبعاً فيه المراحل التاريخية الثلاث التي أوصلتنا للمرحلة الحاضرة، ملقياً الضوء على الإنجازات والإخفاقات في كل عصر، والفصل الثاني يصف الأبعاد الروحية للعالم الذي كان يعيش فيه الناس قبل أن تحولهم القراءة الخاطئة للعلم الحديث إلى النفق المظلم وهي العبارة التي استخدمها المؤلف كاستعارة رئيسة في هذا الكتاب. وصف هذا النفق المظلم وجوانبه الأربعة يحتل الجزء الأول من الكتاب.

أما الجزء الثاني من الكتاب فينظر للمستقبل الذي رمز إليه المؤلف بالنور في آخر النفق، حيث تلامس فصوله الأولى بعض التنبؤات، ثم تستقر على مهمتها الأساسية وهي وصف ميزات ومعالم الرواية الدينية الواسعة الثابتة غير المتغيرة. والاستراتيجية المتبعة هي المعالجة الواضحة والمباشرة.

لعل مما يلفت انتباه القارئ العربي في الكتاب هو كثرة استطراد الكاتب في سرد تجاربه الشخصية لأجل توضيح أفكاره ونتائجه التي يُريد الوصول إليها ممّا يجعل الفهم سهلا في بعض الأحيان و مستعصيا في أخرى.

يقوم الكتاب على منهج الاستعانة بالكتب في معظم الفصول والمباحث التي ألّفها؛ فيختار لكل فصل كتابا يدعم فكرته ومن خلال مناقشته للكتاب يُوصل رأيه بسهولة ويُسر. فهو يُضفي على النص ثراءً ويعرّف القارئ بعناوين جديدة.

تحدّث الكاتب كذلك عن مساهمة الإعلام والتعليم الجامعي والقانون في تكريس النظرة المادية للعالم، فهذه الفصول من الكتاب تُعطي فكرة مجملة عمّا وصل إليه التفكير في المجتمعات الغربية حول الدين والإيمان، وهي من بين أهم الفصول الواردة في الكتاب.

في خاتمة كتابه توجّه د. سميث بانتقادات، على شكل نداء، للعلميين الذين يعتبرهم مجرّد قلّة قليلة. ذكّرهم في ذلك بعظماء بينهم أفضل منهم يحترمون الدين ويولونه أهمية. فعليهم إذا أن يحترموا الدين كما يحترم المهتمون بالدين العلم موجهًا خطابه لهم “هذه القراءة الخاطئة للعلم هي المسؤول الأوّل والرئيس عن إدخالنا في النفق –أي نفق المادية المظلم-، لأنّها تُقلّل من شأن الفن والدين والحبّ ومعظم الحياة التي نعيشها على نحوٍ مباشر عندما تنكر قدرة تلك العناصر على أن تعطينا أية بصائر، نحتاج إليها لإكمال ما يمُدّنا به العلم. هذا الموقف يُشبه أن نقول إنّ أهمّ ما في الإنسان هيكله العظمي كما يظهر على لوحة الأشعّة السينيّة !. إنّ خروجنا من النفق يتطلّب من العلم أن يُشارك في مشروع المعرفة مع سائر المناهج والطرق المعرفيّة الأخرى بدرجة متساوية لا سيما مشاركته منهج المعرفة الذي يتّبعه “طالبو الله”.


[1]  الكتاب من ترجمة د. سعد رستم وقد ترجمه ترجمة رفيعة وأثراه بإضافة الهوامش والتعليقات الجانبية التي تسهّل على القارئ العربي عملية الاستيعاب والتعرّف على أسماء جديدة، وقد نشرت الكتاب دار الجسور الثقافية، سوريا.ط1، 2005.

[2]  جوليان هوكسلي(1887-1975) عالم أحياء بريطاني اشتهر بإيضاحه المفاهيم العلمية لعامة الناس، متخرّج من جامعة اكسفورد.

[3]   د.هوستن سميث: مصدر سابق، ص103.

الإلحاد بين القديم والجديد

كانت العقائد الدينية المنزّلة السليمة – وحتى المحرّفة- ذات دلالة واضحة وكافية على وجود بارئ للكون والإنسان، إلّا أنّ انغماس النّفوس الضعيفة في الترويج للباطل يحثّ الناس على التشبّث بروح التّمرد على الدين، مما يزيد حجم مخالفة البشرية لنداء فطرتها، ويسهم في ازدياد الإعراض عن آيات الله في كونه وجحده خالقًا بارئًا، مما يفسّر جزءًا من ظهور الملاحدة في كل عصر ينادون بأفكارهم الشّاذة والترويج لآرائهم المناقضة للمنطق، وممانعة الحقّ بإنكار وجود الله عزّ وجل والعمى عن رؤية آياته.

لقد أنزل الله عزّ وجل آياته تدعو إلى الحق، وسخّر رجالاً في كلّ عصر يحملون لواء الدفاع عن دينه، ويصدّون أفكار المتمرّدين على رسالات الأنبياء بالحكمة والموعظة الحسنة، منعًا لانتشار تُرّهاتهم بين الناس، وإيقافًا لتسرّب ضلالاتهم فتعمل على إفساد إيمانهم.

الإلحاد بين الصعود والخفوت
إذا أردنا أن نعود إلى أصل نشأة الإلحاد في البشرية، فإننا نجد أنّ المشكلات التي يواجهها الإنسان على مرّ العصور لطالما كانت تأخذ طابعاً أخلاقياً ينمّ عن وجود خلل عقدي في النفس البشرية، والإلحاد مشكلة عقدية من أعظم المشكلات التي واجهها العالم قديماً، ومازال يواجهها في العصر الحديث، وهو السبب الرئيس لجميع المشكلات الأخرى والاضطرابات التي تواجه العالم، ولم يستطع التقدّم الحضاري أن يجد حلاًّ نهائيا لهذه المشكلة، وقد كان للإسلام دور عظيم في معالجتها، فقد اعترف القرآن الكريم بوجود الدهريين وأمر المسلمين بحوارهم والردّ على شبهاتهم ، وسجّل صوراً من جدلهم فقال: {وقالوا ما هي إلاّ حياتنا الدنيا نموتُ ونحيا وما يهلكنا إلاّ الدّهرُ ومالهم بذلك من علمٍ إن هم إلا يظنّون* وإذا تتلى عليهم آياتنا بيّنات ما كان حجّتهم إلاّ أن قالوا ائتوا بآياتنا إن كنتم صادقين}[ الجاثية: 24-25].

وقد سبقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أفكار وفلسفات إلحادية، تَمثّلها من افترى التناقض بين الدين والفلسفة والعلم والعقل، وتطوّرت الأفكار الإلحادية مع الزمن إلى أن تبلورت بشكل مختلف تماماً عن حالها الأول، حيث أنشئت منظمات ومؤسّسات وجمعيات ومنتديات تجمع مفكّري الإلحادي تحت  مسمّى مذاهب وتيارات، وتبنّت الإلحاد دول عظمى –كالاتحاد السوفييتي المنحلّ- حرمت رعاياها من اقتناء أيّ كتاب مقدّس، وعدّت كل من اقتناها مجرماً يعاقَب قانونًا، مما جعل الملحدين يأخذون نفساً في كل مصرٍ وقطر، ويحاربون الدين باسم العلم ومن ورائهم دولٌ ومؤسسات ترعى حقوقهم.

شعار الاتحاد السوفييتي متبني الإلحاد

وها نحن نرى اليوم أن ملفّ الإلحاد لم يطوَ كاملاً، بل يلاحَظ أن حضوره يتصاعد وأن انتشاره يزداد منذ ركوب رجالاته وداعميه ثورة التكنولوجيا الرقمية وانتشار شبكات التواصل واستغلالهم أزمات البشرية وكوارث العالم للدعوة إليه وتشويه مبدأ التديّن والإيمان بالغيب تحت غطاء العقلانية.

دعاوى قاصرة حول الإلحاد
تواجه المجتمعات تحدّي انتشار ظاهرة الإلحاد اليوم، ويعود سبب كبير لهذه الظاهرة إلى غياب اهتمام أكثر المفكرين والعلماء عن إدراك أغلب المستجدات حيال هذا الملف؛ بل إن كثيراً منهم لا يكاد يخرج تصوّره عن واقع الإلحاد اليوم عن أحد تصورين:

الأول منهما يتلخص في القول: إن الإلحاد ما هو إلا مشهد استثنائي في البشرية وشذوذ نفسي، وأنه قلّما نجد ملحداً في مجموع الجنس البشري، فهم –برأيهم- قلة ضئيلة لا تكاد تذكر نسبتهم إلى مجموع البشر، وقد يسانَد هذا القول ببعض المقولات التراثية؛ كمقولة الإمام الشهرستاني: “أما تعطيل العالم عن الصانع العليم القادر الحكيم فلست أراها مقالة، ولا عرفت عليها صاحب مقالة، إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدّهرية”.

أما التّصور الثاني: فيقول إنّ الإلحاد ما هو إلا حالة اقترنت في العهد القريب بالحالة الشيوعية، ففي الوقت الذي تمددّت فيه الظاهرة الشيوعية تمددت فيه الظاهرة الإلحادية، وحين تقلصت الشيوعية تقلّص الإلحاد، وبالتالي يستغرب أصحاب هذا الوصف الاهتمام بملف الإلحاد في هذا الوقت الذي انحسرت فيه ظاهرة الشيوعية منذ سنوات.

وللإنصاف فإنّ الدول التي تحللت من قبضة الشيوعية شهدت عودة كبيرة للتدين وترك الإلحاد، ولكن دولًا أخرى شهدت تمدُّدًا وتصاعدًا في ظاهرة الإلحاد، وهذه الموجة تستدعي رصدها وتسليط الضوء عليها للحدّ من انتشارها، كما أن هذا التصور لا يمكن قبوله بشكلٍ مطلق إذا ما نظرنا إلى الإلحاد ببعدها التاريخي، إذ إنه موجود قبل وجود الشيوعية في الواقع وبعدها.

الإلحاد في الغرب قديماً وحديثاً
لقد كان الإلحاد عند الغرب ناتجاً عن سيطرة الفكر المادّي، ومع إقرارنا بأنّه لا تعارض بين الكشوفات العلمية وقضية الوجود الإلهي، إلا أن الإلحاد استقطب قطاعاً عريضاً من الفلاسفة والمفكّرين الغربيّين وشرائح من الجماهير منذ الجاهليّة اليونانيّة إلى العصر الذي نعيش فيه، ويعيد دارسو الفلسفة القديمة ظاهرة الإلحاد إلى الفيلسوف اليوناني ديموقريطس (460 -370 ق م) الذي أعاد تولد العوالم وموتها إلى الضرورة والصيرورة، دون أن تحتاج إلى خلق الإله لها، ولعلنا نجد أهميته بوصف كارل ماركس (1818-1883م) له، فهو أوّل عقل موسوعي بين اليونانيّين –بتعبيره-، أما لينين (1870-1924م): فيرى أنّه ألمع دعاة المادّيّة في العالم القديم.

كارل ماركس متبني الإلحاد

كارل ماركس

 لقد صار –الإلحاد- مع تطوّر الحضارة الغربيّة مذهباً فلسفيّاً، وبلغ ذروته مع الماركسيّة بمادّيتها الجدليّة والتاريخيّة التي هيمنت على أحزاب وحكومات ومجتمعات مثّلت أكبر ظواهر الإلحاد في التّاريخ الإنساني، إلى أن جاء سقوطها المدوّي أوائل العقد الأخير من القرن العشرين.

ولا يُنكر بحال من الأحوال بأنّ ولادة الإلحاد في الغرب كانت أقدم من الكنيسة، إلا أنه انتشر بشكل واضح وعلني بعد أن وضعت الكنيسة قيودها على عقول الشعب، وأحكمت علهم الضغوطات الدينية، ففي منتصف القرن الثامن عشر وحتى بداية القرن التاسع عشر أصبح الإلحاد منهجاً وفلسفة يُبشّر بها على أيدي فلاسفة مختلفين بدؤوا بتحليل الظواهر العلمية والنفسية والاجتماعية بطريقة جديدة لا دور للخالق في هذه الظواهر.

ومع القرن العشرين انتشرت الفلسفات الوضعية التي يعدّ أوجست كونت (ت:1857م) المؤسّس الأول لها، فهي تتعامل مع الظواهر والوقائع المادية فقط وتتبنى شعار (ما لا يمكن رصده، لا وجود له) رافضة كل تفكير في الغيبيات وعلى رأسها الإله.

إلحاد متنامٍ بين الواقع والأسباب
لا بد من الإشارة إلى أنّ كثيرًا ممن ألحد من شباب العرب وشيبها في العقود الأخيرة لم يكن عن نتاج بحث وطول نقد وتفكير، وإنما انجرارًا مع التيّار أو ضياعًا مؤكّدًا لمن لا أساس علمي له أمام الشبهات الملقاة عليه، فالإلحاد المتصاعد لدى كثير من شباب العرب اليوم بعيد كلّ البعد عن دعاوى العقل والبحث، لأنه لم ينبع منهما بكل بساطة، وإنما كان مرآة لتقليد الغرب وانكسارًا أمام الشبهات.

عودة على وصف الإلحاد بأنه قليل وأهله “شرذمة” كما ورد في كلام الإمام الشهرستاني، إلا أنه لا يمكن القبول بهذا الوصف عن الإلحاد في المرحلة التاريخية القديمة له، إذ إن الواقع العقدي الذي نشهده اليوم مختلف تماماً عن واقع هذه المقولة، فانتشار الإلحاد في العالمَين الغربي والعربي واتساع خارطته يشي بأن أهله يزدادون وأنشطتهم تتصاعد وتأثيرهم ينمو في الواقع، فبحسب كتاب حقائق العالم الصادر عن CIA فإن نسبة معتنقي الإلحاد تجاوز 2،01%من مجموع الجنس البشري، ويمثل اللادينيون 9،66% وذلك بحسب إحصائية صدرت عام 2010م، هذا وفي الوقت الذي يمثّل فيه اليهود 0،22% فقط من مجموع البشر.

أما بالنسبة للعالم العربي فقد كانت نتائج الإحصائيات مخيفة بحسب ما أعلن معهد غالوب الدولي عام 2012م، بعد أن أجرى استطلاعًا في عدد من الدول العربية شمل ألوفًا من مختلف شرائح الشباب في هذه المجتمعات، أوضح أن نسبة الملحدين قاربت 6%من سكان المملكة العربية السعودية لتكون بذلك أول بلد عربي يتجاوز الإلحاد فيه نسبة 5% مقابل 75%من المتدينين و19% ممن يرون أنفسهم غير متدينين.

وبطبيعة الحال فإنّ هذه الأرقام تقفز سريعاً وبشكل كبير في أيامنا الحالية في عصر الانفتاح الالكتروني وتبادل الأخبار والعلوم والأفكار بسرعة لم يكن العقل الإنساني يتخيلها. إلا أن هذه الأرقام تؤكد بدورها أن ثمّة تغيراً كبيراً في طبيعة التوزيع الديموغرافي للملاحدة اليوم، وأن الإلحاد لم يعد تلك الحالة الشاذة في المشهد العقدي.

إن من أبرز الأسباب التي ساعدت في انتشار الإلحاد في تلك الفترة هي الظروف السياسية والاجتماعية، التي أودت بالشباب إلى إنكار وجود مدبر لهذا الكون، أو منشئ له، والمتهم هو الإسلام كما يدعي الفكر الإلحادي العربي، وعلى رأسهم من اتبع ايديولوجيات غربية إلى حد الماركسية، أو القلّة منهم التي قلدت الفئة الوجودية.

إنّ الإلحاد موجود بين البشر وليس بغريب عنهم؛ فهو ظاهرة قديمة متجددة تنمو تتطور بواقع الحال، ويجب أن نقرّ بوجودها إلا أنها حالةٌ غير شرعيّة لروح البشرية، وشذوذ عن الفطرة السليمة، ونشاز في تناغم الإنسان مع مطالب الروح، ولا بدّ من بذل الجهد في البحث عن أسباب هذه الظاهرة ووضع الحلول المناسبة لمكافحتها.


المصادر والمراجع:

  • الله والإلحاد، القس الدكتور أمير ثروت، النشر p t w ، مطبعة سان مارك.
  • الإلحاد في الغرب، رمسيس عوض، سينا للنشر، القاهرة، الانتشار العربي، بيروت ط1،1997م
  • الإلحاد مشكلة نفسيّة، عمرو شريف،ط1 نيوبوك للنشر والتوزيع، القاهرة، 1437ه/2016م
  • نظرات في الفكر الإلحادي الحديث، مشير عون.
  • الإلحاد في العصر الحاضر وموقف العقيدة الإسلامية منه، عبد العزيز المحمدي.
  • الملل والنحل، الشهرستاني، ت: محمد الكيلاني.

الإلحاد ومبدأ التشويه

لا يُعَدّ الإلحاد الفرديّ ظاهرة طارئة على الفكر الإنسانيّ، إذ إنّه –بالرغم من ضعف انتشاره بشكلٍ عام في مختلف البلاد الإسلاميّة- موغِلٌ –كنزعات فرديّة- في التاريخ، بخلاف ظاهرة التديّن ذات الطابع الجماعيّ، إلا أنّه في شأنه التاريخيّ قديمٌ كشأن البحث والحديث في الإيمان والألوهيّة.

تتنوّع ركائز الإلحاد –بطبيعة الحال- بتنوّع الرؤى والسياقات والبواعث النفسيّة والاجتماعيّة التي تحيط بالشخص المتوجّه نحو “الإلحاد”، إلا أنه بالرغم من ذلك فإنّ انتشاره ظاهرةً متفشّيةً لم يرصَد تاريخيًّا إلا بالتوازي مع ظروف اجتماعيّة وتشوّهات معنوية ونفسيّة معينة، كما في انتشار ظاهرة الإلحاد والتفلّت من المعنى المطلق إلى النسبيّة المطلقة وظهورها في مدارس أدبية وفكريّة متعددة بالتوازي مع تصاعد الحروب مطلع القرن العشرين وانعكاساتها على الفكر البشري، أو كتسارع الوقوع في الشبهات مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضيّة في قرننا الحالي المتوازية مع الكوارث البشرية والطبيعية في العقدين الأخيرين .

الإلحاد وتشويه اليقين
يلاحَظ من خلال متابعة وفحص مقولات الإلحاد –بما هو موقف معرفيّ رافض للإيمان بوجود إله- وجود سمات مشتركة في خطاب الإلحاد باعتباره عقيدةً للتبرّؤ من الدين والإيمان بالغيبيات، وأبرز هذه السمات هي تشويه مرتكزات الخطاب الإيمانيّ، بدءًا من تشويه مبدأ الألوهية والإيجاد من العدم، مرورًا بتشويه العلم باستغلال منجزاته وتأويلها في سبيل تدعيم الحجج العقلية المتناقضة لرفض الإله وصولاً إلى تشويه الأخلاق والمرجعية الدينيّة المشتركة لها، وذلك في إطار السعي لإضفاء مشروعيّة للإلحادِ، باختراع افتراضات أغرب من الخيال، كفرضية الأكوان اللانهائية.

يبدأ الإلحاد بتشويه الميتافيزيقا والإيمان بالغيبيات، وتوجيه النظر إلى التفكير المادّي، ووصف العالم الطبيعي بأنّه خارج عن نطاق الإيمان، وتشويه البراهين اليقينية لوجود الإله وإدخالها في حيّز الفرضيات، واقتراح بدائل أرضيّة/مادّيّة لها، ثم تدعيم هذه الفرضيّات بالتطبيع والترويج المستمر ليغدو الإيمان بوجود الإله وجهة نظر قابلة للدحضِ لا يقينًا معرفيًّا وروحيًّا، وبالتالي سلب المعرفة أحد أهمّ أسبابها اليقينيّة، أي سلبها القدرة على الترجيح؛ إذ إن اليقين سواءً كان دينيًّا أو علميًّا يستند على البراهين العقلية الخارجة عن نطاق الحسّ ذاته، وبذلك فإن رفضها ونقضها تمهيد لنقض العلم نفسه بنفسه.

لا تقتصر آثار تشويه اليقين عند قضيّة الإيمان بالله، بل يمتدّ الأمر لتشويه الوعي والعمل على صناعة وعي زائف بواقع الحياة ومنظومة العلاقات التي تحكمها، وهذا ما نراه ماثلاً أمامنا من خلال التأثر المتصاعد بالشخصيات “الخطابية” التي تظهر إعلاميًّا منافحة في الندوات عن الإلحاد بالتوازي مع الضخ المنظّم لأفكارهم في المسلسلات والسينما والروايات بهدف تطبيع الأجيال الناشئة معها والوصول إلى مجتمعات ضائعة، مشوّهة الفطرة، خائبة المسعى.

تشويه الأخلاق
حسنًا؛ إن استطاع الإلحاد تشويه العقل وإفساد مبادئه، فالطريق الآن أهوَنُ أمام هدف تشويه سلوك الإنسان، فقد تحطّم أو تخلخل الأساس الذي تستند إليه قِيَم السلوك، بتفريغ الدين من الالتزام بأوامره ونواهيه الأخلاقية، وهو ما نراه جليًّا بإلقاء اللوم في مآسي البشرِ الناتجة عن الحروب والفقر والفساد البشري على مضامين العقائد الدينيّة، وبالتالي دفع الناس إلى بغض الدين وحذف الإيمان بمصدره من سجلّ الحياة، أو دفعه إلى أضيق زواياه في حال كان تحقيق الهدف الأول مستحيلًا.

إن السؤال الذي يفرض نفسه ههنا: في حال إزاحة الدين عن تصورات الفرد، فمن أين –إذن- يستمدّ الإنسان مبادئ تعامله مع الآخر، وطريقة عيشه مع نفسه ومن حوله؟

أَمِن العقل وحده؟ فعقول الناس لا تتناهى ولا تكاد تتفق دون سنَدٍ تنضبط إليه.

أم يُترَكُ الأمر على عواهنه دون مسار واضح فلا يُعلَم من المظلوم ولا الظالم، ولا يعرَف المذنبُ من البريء؟

يقرّ عامّة الملحدين بأن الطبيعة لا تخضع لحتميّة الخير أو الشر، فهي وجودٌ محضٌ محايدٌ لا يبالي بالبشر وتحوّلاتهم، ومن ثمّ فإنّ الإنسان –بحسب كهنوت الإلحاد- ليس إنسانًا أخلاقيًّا بطبعه، وإنما يتشكّل فهمه للعلاقات ومبادئها والأخلاق وآثارها ضمن المجتمع الذي ينشأ فيه.

هذا الادعاء ينطوي على تناقض داخلي يتجلّى بالنظر إلى مقدمة الكلام وخاتمته، فإن كانت الطبيعة أو المادة خالية من ثنائية الخير والشر، غير خاضعة لهما، فكيف يمكن القول بأن مصدر الأخلاق هو المجتمع الذي هو نتاج الطبيعة، فإذا ما كان الإنسان مادّةً أو ناتجًا عن مادّةٍ، فلماذا لا يتشكّل هو الآخر خاليًا عن ثنائية الخير والشر؟

وإذا ما كان مفهوم الأخلاق مستندًا إلى نسبية البشر وأفكارهم المتفاوتة، فإن ذلك يوصلنا إلى أن إصدار حكمٍ بتخطئة جهة ما أمر أقرب إلى الاستحالة، فيستوي نضال مانديلا بتعذيب سجّانيه، وجبروت هتلر بدماء مقتوليه، وهو ما اعترف به ريتشارد دوكنز بقوله: “داخل العالم الإلحادي المادي الحتمي لا يمكن تخطئة هتلر”[1]، ومن هنا نجد أنّ دوكنز يتّسق مع إلحاده ويلتزم بمآلاته، فيرفض صبغ الوجود بأيّ صفة قيميّة على الإطلاق، ففي هذا العالم لا يوجد شرّ ولا يوجد خير، لا يوجد سوى لامبالاة عمياء وعديمة الرّحمة، ويقرّ في الوقت نفسه أنه من العسير جدًّا الدفاع عن الأخلاق المطلقة على أسس غير دينيّة[2].

ما البديل لأخلاق الوحي
إن المصدر المطلق للقيم والأخلاق الدينية هو الوحي أو الرسالة التشريعية العامة التي أنزِلت إلى الأنبياء لهداية البشر، ولذلك فإن القدر المشترك والقيم الثابتة فيها يمكن أن تستغرق التاريخ كله، وتصلح لكل إنسان بصرف النظر عن جنسه وزمانه ومكانه ونوعه، أما مصدر القيم النظرية فهو العقل أو العرف، ومن ثمَّ فإنه لا يستنكَر فيها تغيّرها من مجتمع لآخر ومن إنسان آخر.

وإذا كان الإنسان المؤمن بالإله يرى قوة الإلزام الأخلاقي في الوحي نابعة من وجود الله وإيمانه به، فإنّ قوة الإلزام في القيم البشرية لا تستند لمبدأ العدالة وإنما إلى السياق الذي يفرض نمطًا معينًا من الأفكار والتوجّهات لدى نخبة من الناس، حيث يستندُ الفَرض إلى السلطة من وجه، وإلى القوة من وجوه أخرى.

هذا البديل المشوّه عن “أخلاق الفطرة” ينتج لنا مآسي لا تكاد تنتهي، بدءًا من تشويه الفطرة، وإباحة كلّ شيء –كما يقول دوستويفسكي-[3]، وصولًا إلى عدم التخطئة ودعم الشذوذ وكل ما يمكن فرضه بمنطق القوة، دون استنادٍ للحق أو العدل، وذلك تحت يافطة المساواة التي تصنَّعُ صنعًا في مطابخ التوجيه والترويج والتطبيع.

إن مبادئ الأخلاق من الأمانة والرحمة والصدق والعطف على الضعيف قد أودعها الله في فطرة المرء وغريزته منذ لحظات تكوينه الأولى، ويأتي دور الدين ههنا ليشذّبها ويدعّمها، وهو ما أشار إليه خاتم الأنبياء بقوله: (إنما بعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق) التي هي جزءٌ أصيل من الرسالة الربانية للبشر.

بهذا يتضح لنا أن مصدر الأخلاق إلهيّ؛ لأن الأخلاق ظاهرةً واقعية في الحياة الإنسانية، لا يمكن تفسيرها تفسيرًا عقليًّا، ولعل في هذا الحجّة الأولى والعملية للدين، فالسلوك الأخلاقي إما أنه بلا معنى، وإما أن له معنى في ظل الإيمان بوجود الله، وليس هناك اختيار ثالث. فإما أن نسقط الأخلاق باعتبارها كومة من التعصُّبات، أو أن نُدْخِل في المعادلة قيمةً يمكن أن نسميها الخلود، فإذا توافر شرط الحياة الخالدة، وأن هناك عالماً آخر غير هذا العالم، وأنّ الله موجود، بذلك يكون لسلوك الإنسان الأخلاقي معنىً وتبرير[4]

 ماذا بعد؟
ليس الأمر كما يشيع لدى بعض الناس، فقد يكون الإنسان ملحدًا وصاحب أفعال حسنةٍ وتعامل خلقيٍّ محترم بين الناس، إلا أنّ ذلك لا يستند –بالضرورة- إلى تشريعٍ إلحاديّ للأخلاق، وإنما إلى طَبْعٍ جبِل عليه المرء ذاته، أو إلى مؤثّرات أخرى، إذ إن التخطئة الأخلاقية في بنية الإلحاد أمر غير وارد، وما ينبغي التأكيد عليه هو أن الإلحاد بذاته ليس أخلاقيًّا ولا يمكن أن ينتج منظومة أخلاقيّة عادلة.

يصطدم الإلحاد –على الدوام- بأمرين لا مفرّ منهما، الإيمان بالإله والغيبيات، إضافة إلى رفض التعاليم الأخلاقية في الأديان، وذلك يقتضي هدم الأسس التي بني عليها الأمران، أي عقيدة الإيمان بوجود “الإله” المطلق، وذلك يوصلنا إلى التشويه الكامل لكل ما يمكن أن يجمع البشر.

إن الأصل في طبيعة الوجود الإنساني أنه لا وجود لأي انفصال بين الحياة والدين والأخلاق والواقع عملاً بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162- 163] ومن ثمّ فإنه لا يمكن للوجود الإنساني ومعارفه أن يصل إلى سويّة النضج واليقين إلا باستناده على الإيمان بالخالق الذي أنشأ الوجود، ولا يمكن أن نصل إلى الخلاص الدنيوي إلا باتباع التعاليم الإلهية التي تحدّد لنا الأفق الحضاري الذي يجب أن نتحرّك فيه، وإلا غدا الوجود عبثيًا بانقطاعه عن الصلة بالله.


[1] ينظر الرابط الآتي: https://bit.ly/37GB22J

[2] نقلاً عن: الأخلاق والإلحاد، إسماعيل عرفة، http://midan.aljazeera.net/intellect/philosophy/2017/9/19

[3] إذا لم يكن الإله موجودًا فكل شيء مباح، على لسان “إيفان” الملحة في رواية الإخوة كارمازوف.

[4] ينظر: الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزة بيغوفتش، ص: 178.

تجربة مع الموت: وصايا وعبر (4)

ما مررت به من تجربة مرضية خلال الأيام الأولى[1] وما تضمّنته من اختلاط المشاعر، وتزاحم الخواطر، حيث تمنيت لو أستطيع أن أمسك بكل شعور أو خاطرة وأدوّنها، إلا أنّ شعوري الأساسي الذي تمسّكتُ به وتحدثت عنه كثيرًا هو الشعور بقوة السند الذي آوي إليه، قوة الله عز وجلّ، فقد آويت “إلى ركن شديد”، حتى صرت أنظر إلى الدنيا من قمة عالية، وأشعر بتفاهة ما فيها من لذّات ومتاعٍ زائل، كما جَسَّدَها الباري عز وجل بقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:20] ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد:26]، ﴿وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:35] ولم تَعد الكلمات تفي وصف بؤس وفقر هذه الحياة الدنيا، خاصة إن انطلق الإنسان من شعوره تخيلوا هذا بالنظر باستخفاف إلى كل ما حوله وكأنه في قمة السماء.

إنّ العبد الذي يلوذ بجناب الله عز وجل يأوي إلى ركن عظيم ذي مَنَعة وعزة وغنىً مطلق، وبذلك فإنه يصبح عبداً ربانياً ﴿وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:79] فإن مات أو عاش، أو شُفي أو مرض، فإنما هو في قبضة الله عز وجل ومُلْكه، بين يدي عظمته وجبروته، لم يبق ثمة دنيا وآخرة، وموت وحياة، بقي الله عز وجل وحده ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:27]، وعبده المدلل المستكين بين يديه، المستسلم لأمره، المستميت أمام عظمته، يبدو كالطفل الضائع الهائم الذي وجد حضن أمه.

الإلحاد وسؤال الموت
حين كان يأتيني الشعور بحال العبد المؤمن بالله عز جل في تلك اللحظات، كنت أتسائل بحال الملحد، ما هو حاله ولمن يلجأ ويلوذ؟ وبمن يستجير في هذه اللحظات الصعبة؟

لا يستطيع الإنسان أن يتكبر ويتنكر في هذه اللحظات، مهما كان متجبراً ومتكبراً، لا بد أن تستيقظ في داخله عبوديتُه شاء أم أبى؟ اختيارا أو اضطرارا، لا بد أن يستيقظ ضعفُه، وتستيقظ هويتُه اليائسة، وتصحو طبيعته البائسة الحزينة، ربما يستطيع أن يستمر في التجاهل والنكران، ولكن إلى متى؟  لن يستطيع الاستمرار، لا بد أن تدمعَ عيناه، وتخورَ قِواه، ويستسلمَ لضعفه، ويبدأ بالبحث عن الملجأ والملاذ، كما قال الله عز وجل: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: 22]

إلى من تلجأ في مثل هذه اللحظات حين يحيط بك الموت أخي الملحد؟

في الإجابة عن هذا السؤال لا بد من التنبيه إلى أن الملاحدة نوعان، نوع متكبرٌ، متجبرٌ متعالٍ على قضية وجود الإله، ومتعالٍ على الحقيقة، فلا يبحث عنها ولا يهتمّ لها أصلًا، بل وضعَ بينه وبين الحقيقة سدًّا من الكبر والطغيان، فنرى بعضهم -لشدة طغيانه- يطلب من الله عز وجل أن يَرميَ به جهنم، وأنه لا يريد معرفة الحقيقة ولا تهمُّه .

ونحن إذا نظرنا في القرآن الكريم سنجد أن هذا النوع من الملاحدة والكفرة المتكبرين هم الذين يُبكِّتهم القرآن ويتوعّدهم، ويتهدّدهم بالعذاب، ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:146] وأنه سبحانه تَوعَّدَهم بالإضلال والخذلان، لأنهم يرفضون البحث عن الحقيقة والقبول بها من حيث المبدأ.

أما النوع الثاني من الملحدين فهم الملاحدة المتواضعون الباحثون عن الحقيقة، الذين يبحثون عن أجوبة شكوكهم واسئلتهم بكل صدق، فتراهم يبحثون عن الله بكل تواضع دون أن تحجزهم الأهواء والمصالح والشهوات، وهؤلاء غالبًا ما يصلون إلى الإيمان بالله عز وجل، وغالباً تنتهي حياتهم بالهداية، وعلى كل الأحوال حتى لو ماتوا وهم يبحثون عن الحقيقة بصدق فإن نرجو من الله عز وجل أن يرحمهم وأن لا يُعذبهم، فَنَكِلُ أمرهم إلى الله عز جل فإنه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:23].

هذا النوع من الملحدين هم إخواننا في الإنسانية نرجو لهم الهداية والرشاد، ونرجو من الله عز وجل أن يهديهم، ولو في آخر لحظة من حياتهم، وأن يتوبَ عليهم، ويدخلهم الجنة، فهذا يَسرُّ كل مؤمن، ولا يضيّق علينا في جنة عرضها السماوات والأرض.

لهؤلاء أتوجّه: في لحظات الموت الأخيرة التي لا يبقى فيها إلا الإنسان وهو يواجه مصيره الحتمي والنهائي، ماذا تنتظرون؟ إلى من تلجؤون؟ بمن تستجيرون؟ كل الذين كانوا يحبونكم ويحترمونكم سيقفون بعيداً عنكم، سيقولون: لروحه السلام، أو لروحه الخلود أو غير ذلك ثم ينسونكم؟!

كل الذين أشادوا بكم وبإلحادكم، وأجزلوا لكم الوصاف كلقب المفكر الكبير، والفيلسوف العظيم، والشجاع المتمرّد ضد المعتقدات البالية، أين هم الآن؟

كل هؤلاء انتهى دورهم، وأصبحتم وحدَكم في مواجهة الحقيقة، فماذا أنتم قائلون؟

إن حقيقة الموت تتسامى على كل حقائق الحياة الماديّة، وفي خوضها لا تنفع المكابرة والمغامرة، إذ إن سلطان الموت طائل كل مخلوقات الدنيا، فلا مفر منه. 

ليس العدم هو المصير، فهو نقصٌ لا يليق بمبدأ وجود الإنسان، ولا بعدل الله، وما حبانا الله عز وجل به من نعم ودلائل وبراهين، فكيف يليق العدم إذا ما انتقل العقل إلى رحابةٍ أوسع من التفكير بالكون وعظمته وتاريخه وما يحمله من دلائل وعبر وعقل وعظمة ؟!

العدل والحياة الدنيا
لم يَعِدِ اللهُ عز وجل الإنسانَ في نصوص وحيه بأن الدنيا ستكون دار العدل والخير المطلق، بل جعل ذلك للآخرة ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:39] ولمْ يَعِدْ ربنا سبحانه بأن الحياة الدنيا ستكون هي الحياة الحقيقية النهائية بل الآخرة  ﴿ وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:64] إذن فإن ربنا سبحانه وتعالى منسجم مع رسله وأنبيائه وتعاليمه التي أرسلها لكل رسله وأنبيائه بلا تفريق بينهم، على مدى كل الشعوب والأنبياء والأمم .

ومن ثمّ ندرك ههنا أهميّة وصف الدنيا بأنها دار ابتلاء واختبار وامتحان بكل ما يتضمنه ذلك من قسوة وصعوبة، إذ ربما لا تحتملها العقول والقلوب، أما الآخرة فهي دار الجزاء، دار الكمال والعدل والسعادة المطلقة.

فما يبحث عنه الملحدون ويطمحون إليه من القيم المطلقة كالعدل والسعادة هو عين ما يبحث عنه المؤمنون بالله، إلا أنّ يقيننا وإيماننا يخبرنا أن هذه الأمور سنراها في الدار الآخرة في ضيافة رب العالمين ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 54- 55] هناك القضاء العدل والسعادة الأبدية، والشعور بالرضا والطمأنينة:﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:75] وهناك الكثير من الأشياء التي لا نعلمها والتي لم تخطر لنا على بال ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:17] وفي الحديث الصحيح : ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر )) ([2])

أخي الباحث عن الحقيقة وإن كنت ملحدًا، حتى لا تبقى وحيداً فريداً في مواجهة سلطان الموت، تتلفّت باحثًا عن النجاة والمعنى، باحثاً عن نفسك وإنسانيتك التي أهملتَها وضيَّعتَها، لا تزال هناك فرصة أمامك، فالله عز وجل يريدك، ويمدُّ إليك الخير وحبله المتين لينتشلَك من وهدة الضياع والشرود والضلال، وما عليك إلا تتَمَسَّكْ به وستجد أنك أقوى، وأنك ذلك الإنسان العظيم الذي كان ضائعًا، وأنك وُلدتَ من جديد.

وأختم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ )) ([3])   لو يعلم الملحد كم في هذا الحديث من المعاني التي ترفع من شأنه، وتُعلي من إنسانيته، وتَشُدُّه إلى ربه، لذاب خجلاً من الله عز وجل، وعاد إليه باكياً نادماً جاثياً بين يديه، حاثياً التراب على رأسه .


الهوامش

[1] كتبت هذه الخاطرة في 6/12/2020 –  – الساعة التاسعة ليلا – الأحد. مشفى مدينة كلس التركية

([2]) صحيح البخاري (4/ 118)3244، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة .

([3]) صحيح مسلم (4/ 2104)7 – (2747) ، باب: في الحض على التوبة والفرح بها .

قنيبي والدحيح… أحد وجوه صراع العلمانية والدين

“لقد جاء القرآن بشكل واضح بتأسيس مركزية الآخرة في مقابل مركزية الدنيا هذا الأمر واضح في القرآن.. جاء القرآن ليحول الدنيا من غاية إلى وسيلة”[1].

قبل مدة وجيزة رد الدكتور إياد قنيبي على إحدى حلقات الدحيح التي تتحدث عن فرضية الأكوان المتعددة ووضّح الفكرة الإلحادية في هذا الطرح. وعاد قنيبي مرة أخرى وبيّن بفيديو تفصيلي آخر لما يعرضه برنامج الدحيح من أفكار إلحادية ومادية، ومنذ ذلك الوقت انبرى الكثيرون للهجوم والرد عليه بكل السبل.

في هذا المشهد وما تلاه من ردود أفعال نحن لسنا فقط أمام دكتور جامعي وداعية إسلامي يرد على حلقة لشاب من مروجي pop-science  أو العلوم الشعبية عبر اليوتيوب؛ بل نحن أمام مشهد أوسع واستقطاب أكبر بين تيارين تزداد ملامحهما وضوحاً مع مرور الوقت. فما بين تيار إسلامي متمسك بدينه ويعلم دور العلم فلا يرفعه فوق قدره، ويؤمن بمركزية الآخرة في حياة الإنسان في جميع الجوانب، وبين تيار آخر يغلب عليه الطابع العلماني، وهو خليط يضم أطيافاً عديدة، منها من أعلن إلحاده ومنها من هو على وشك ذلك، ومنها من يعمل على هدم الدين من داخله، ومنها المنهزم حضارياً أمام التفوق المادي للغرب فهو وإن بقي على الإسلام إلا أنه يحاكم الإسلام على القيم الليبرالية والعلمانية مقتطعاً من الإسلام ما يناسب تلك القيم ورافضاً ما سواها بتأويل أو تدليس على الدين. وبين التيارين ربما نجد بعض من يصنفون أنفسهم أنهم حياديون أو غير مكترثين لهذا الصراع بالأصل.

هذا المقال لا يتكلم عن الدكتور قنيبي أو الدحيح بشخصيهما ولا يرد على أحد منهما وطرحه العلمي، وإنما هو عرض لبعض النقاط الرئيسية والملاحظات السريعة عن المشهد الأوسع والذي هو أحد أوجه المعركة المستمرة بين تياري الدين والعلمانية[i].

مسلمون يدافعون عن العلمانية أكثر من أصحابها!
“أين تجد واحداً من غير رجال الدين يقرأ شرحاً أو تفسيراً للكتب الدينية باللغة اللاتينية؟ من منهم يدرس الأناجيل؟ آهٍ. إن كل المسيحيين الشباب الذين يلفتون إليهم الأنظار ببراعتهم لا يعرفون إلا اللغة العربية والأدب العربي.. ولو حدثّهم أحد عن الكتب المسيحية محاولاً إقناعهم بالاحتجاج بها، فأنهم يجيبونه باستخفاف بأن هذه الكتب لا تستحق تقديرهم.  يا للمصيبة؟! نسي المسيحيون حتى لغتهم”.[2] [أسقف قرطبة ألفارو يرثي لوضع المسيحيين وهزيمتهم الحضارية أمام المسلمين في الأندلس].

أليس مستغرباً أن يصطفّ مسلمون للدفاع عن العلمانية أو أن يقفوا على الأقل بين بين؟ أليس مستغرباً أن يكون خطابهم شديداً قاسياً على إخوانهم المسلمين بينما ليناً رخواً أمام العلمانيين بل ومتبنّياً لخطاب العلمانية في بعض الأحيان؟ لكن هذا الاستغراب يقلُ إذا علمنا ما تعنيه الهزيمة الحضارية؛ إنها أسوأ أنواع الهزائم لأنها هزيمة نفسية من الداخل لا يستطيع بعدها من تلقّاها أن يرد كيد عدوه. بل ربما يتحول بعدها مدافعاً عن عدوه ومواجهاً لمن كانوا في الأمس إخوة الدين والعقيدة.

لكن رغم سوداوية هذا المشهد يجب أن ندرك أن هذا الأمر طبيعي، فلطالما تكرّر تقليد المغلوب للغالب. جاء في مقدمة ابن خلدون الفصل الثالث والعشرون:” فصل في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزّيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده؛ والسبب في ذلك أن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه: إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه؛ أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب”[3].

إذن فالأمر مفهوم إلى حد ما. ولكن ما هو غير مبرر وغير مفهوم أبداً هو حفلات جلد الذات اليومية التي يقوم بها بعض المسلمين أمام التقدم الغربي المادي والتي أقل ما يقال عنها أنها تعبّر عن عقدة نقص فادحة واهتزاز حقيقي في ثقتهم بعقيدتهم ودينهم.

نابليون (ويكيبيديا)

مسلسل الهزيمة الحضارية هذا لم يبدأ الآن بل هو مستمرٌ منذ اليوم الذي رست فيه سفن نابليون في مصر زارعاً فيها بذور العلمانية، والتي أنتجت بعد ذلك مفكّرين وكتاّباً مسلمين هُزموا حضارياً أمام سطوة الغرب وتحولوا لدعاة للقيم العلمانية رغم أنهم يعلمون علم اليقين مصادمتها مع الإسلام.

والآن بعد مرور كل هذه السنين على تلك الحملة المشؤومة ها هي ثمارها أينعت حنظلاً، وها هي قوافل من المسلمين تنتصر للقيم العلمانية.

وإن كان البعض يجد العذر في السابق مع بدايات القرن الماضي لانهزام بعض المفكرين حضارياً أمام الغرب فإن هذا الأمر الآن هو موضع ذمٍ بالفعل، فقد أثبتت الأيام أن التقدم المادي والعلمي ليس حكراً على العقول الغربية وها هي دول شرق آسيا، وأبرزها الصين واليابان، تضاهي التقدم المادي العلمي لدى الغرب، وربما في قادم الأيام ستسبقهم هذه الدول وأولها الصين.

ومن خلال فهم هذا الأمر يسهل استيعاب حقيقة أن للأمم دورات حضارية تعلو فيها وتتقدم ثم ما تلبث أن تتراجع وتنتكس. وعليه فالمسلمون ليسوا مضطرين لتبني عقائد الآخرين بما فيها العلمانية وتقليد طرائق عيشهم كي نلحق بتقدمهم العلمي المادي فلا رابط بين الأمرين.

المظلومية العلمانية وادعاء الإصلاح
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ( [سورة البقرة: 11]

يظن العلماني العربي نفسه غاليليو أو برونو القرن الحادي والعشرين المُضطهد الذي لا يستطيع أن يعبّر عن أفكاره، رغم أن العلمانيين أنفسهم يحتكرون معظم وسائل الإعلام ويبثون فيها ما يريدون ويروجون عبرها للإلحاد والشذوذ والإباحية ويدعون لإبعاد الإسلام عن الحياة العامة بطرق مباشرة وغير مباشرة. لكن رغم هذا هم يحبون دائماً أن يظهروا بمظهر الحمل الوديع أمام الناس، فمن ينشر الأفكار الإلحادية تحت راية العلوم الشعبية يصورونه شاباً مبدعاً وهب نفسه للعلم لا يريد إلا أن يبسّطه للناس، ومن ينكر معلوماً من الدين بالضرورة مستخدماً آيات وأحاديث بتدليس واضح لا يريد إلا النهضة بالمسلمين.

وهكذا يتحول هؤلاء إلى ما يشبه الملائكة الأبرياء وما يفعلونه يصبح إصلاحاً وهداية للمسلمين، وكل من ينتقد أو يتكلم عن حقيقة أفعالهم فهو مؤمن بنظريات المؤامرة ورجعيٌ محتدٌ!

العلمانية والعلموية العربيتان: ما الرابط بينهما؟
“إن جوهر العالمانية هو الانصراف إلى العالم كلياً أو جزئياً، وهذه النزعة المادية لا بد أن تؤدي إلى الانغماس في هذا العالم، مادةً وقوانين حاكمة”[4].

ربما العلمانية من أكثر الألفاظ المختلف على تعريفها منذ نشأتها وكلٌ يعرفها حسب فهمه، ولا يعنينا كثيراً هنا التعريف النظري لها ولكن القضية الجوهرية في العلمانية كما يبدو من سياقاتها عبر التاريخ هي التمركز حول الدنيا أو العالم وإنكار كل أِشكال الغيب أو الميتافيزيقا في حال التطرف العلماني الموصول بالإلحاد، أو على الأقل جعل أمور الغيب أموراً طقوسية ثانوية في حياة البشر لا تدخل في أمور حياتهم السياسية والثقافية والاقتصادية.

في السياق العربي نشأت العلمانية وتمّ الترويج لها مع قدوم الاحتلالات الأجنبية إلى البلدان العربية على أيدي بعض الكتّاب والمفكرين النصارى العرب. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن كان مشروع العلمانية العربية الرئيسي هو تنحية الإسلام عن الحياة العامة في المجتمعات العربية ونقد الإسلام والهجوم عليه بأي طريقة. ولهذا نجد العلمانيين العرب يقفون مع أي إيديولوجيا تناهض الإسلام في المنطقة متبنيين إياها بما فيها الاشتراكية والليبرالية.

أما العلموية -كما يعرّفها روجيه جارودي بعد أن يؤصل إلى أنها نوع من الأصوليات التوتاليتارية (الشمولية)- فهي:” المصادرة القائلة إن (العلم) يمكنه حل المسائل كلها. وإن ما لا يمكن للعلم أن يقيسه ويختبره ويتوقعه، هو شيء غير موجود”[5]، فالعلمويون يقررون أن مصادر المعرفة حسية فقط وأن التجربة هي سبيل المعرفة الوحيد.

في السياق العربي كانت العلموية إحدى ثمار انتشار العلمانية، فالعلمانيون والعلمويون العرب بعضهم أولياء بعض منذ البداية حين أخذت أفكار الفلسفة الوضعية في الانتشار مع بدايات القرن الماضي. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن نجد العلمويين والعلمانيين يتبادلون المواقع في الهجوم على الإسلام، فالعلمويون يمهدون الطريق للأفكار العلمانية الرئيسية، ويكمل العلمانيون الطريق بعدها في الهجوم على الإٍسلام.

إضاءات سريعة

الصورة النمطية للمسلمين على غلاف مجلة نيوزويك

– يحاول العلمانيون صنع صورة نمطية للمسلم على الشاشات وفي عقول الناس، فهو الإرهابي الجاهل الذي يحارب العلوم الدنيوية ويرفضها ويدعو للدروشة والخرافات؛ فكيف بعد هذا يأتي شيوخ إسلاميون تخرّجوا من أفضل الجامعات الغربية ليتحدثوا بأدلة علمية رصينة يردون بها على تشغيبات الملحدين والعلمويين؟ ألا يستدعي هذا نفيراً علمانياً عاماً؟

– بعض الإسلاميين -وعن حسن نية-لا يرون في بعض الخطابات العلموية نشراً للإلحاد، وهؤلاء لا يصح التقريع بهم ووضعهم في التيار المعادي للإسلام أبداً بل يُرد عليهم بالدليل والبرهان. ولكن على هؤلاء أيضاً أن يعلموا أن المختصّ بالأمر يدرك بعض العواقب مما قد لا يتنبه إليها غير المختص. فمن درس الملف الإلحادي وقرأ عن تاريخ الإلحاد لسنوات هو أدرى بطرق نشر الإلحاد من غيره.

– صنع العلمانيون قالباً فكرياً مشوهاً يطبقونه في كل حالات صراعهم مع الإسلاميين؛ فهم يدّعون أن كل إٍسلامي يتحدث بالأدلة عن شخص بأنه يروج لأفكار إلحادية أو علمانية فهذا يستلزم تكفيره تمهيداً لقتله بعد ذلك. وبهذا يظن العلمانيون أنهم من خلال شيطنة الخصم وتشويه صورته ينتصرون عليه.

– عندما يتحدث إسلاميون عن الخلفيات الإيديولوجية لبعض العلماء الغربيين الذين يحاولون إثبات أمور توافق الأيديولوجيا الليبرالية الغربية مثل الشذوذ والداروينية يهب العلمويين العرب مباشرة مؤكدين أن الأفكار المسبقة لا دخل لها في البحث العلمي. ولكن للمفارقة إذا كان المتحدث إسلامياً فهنا لا بد للعلمانيين أن يفرغوا كل حمولتهم الإيديولوجية المعادية للإسلام مستحضرين عقيدة وهوية مخالفهم دون أن يتطرقوا للأدلة العلمية.

– بعض الناس للأسف ينظرون لهذا الصراع بين العلمانية والدين من باب التسلية و”قصف الجبهات”، والأمر ليس هكذا أبداً، إنما هو صراع حق وباطل بل وقضية كل فرد وهدفه في الحياة بين أن يعرف غاية وجوده من خلال دين الإسلام وحقائقه الكبرى وبين أن يضيع في دوامات العلمانية والعدمية والغرق في الدنيا.


الهوامش

[1]  إبراهيم السكران، مآلات الخطاب المدني، دار المعرفة للنشر والتوزيع،2016، ص57

[2] زيجريد هونكه، الله ليس كمثله شيء، المركز القومي للترجمة،2010، ص82-83

[3] عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار نهضة مصر،2017، الجزء الثاني، ص505

[4] سامي عامري، العالمانية طاعون العصر، مركز تكوين، 2017، ص71

[5]  روجيه جارودي، الأصوليات المعاصرة أسبابها ومظاهرها، دار عام ألفين ،2000، 24

[i] العَلمانية بفتح العين وسيأخذ المقال بهذا اللفظ لانتشاره مع التنبيه إلى أن هناك من يعمد إلى اللفظ الخاطئ بكسر العين لربط العلمانية بالعلم وهذا تدليس واضح. هناك ألفاظ أخرى جيدة لترجمة كلمة Secularism مثل عالمانية، دنيوية، أو التمركز حول الدنيا والعالم المادي.

هل ثمة دور للعقل في الإيمان؟

هل هناك إيمان بناء على قناعات عقلية؟ أم الموقف من الدين هو مجرد استجابة للحالة النفسية أو الظروف المجتمعية؟ هذا سؤال اختلفت حوله الآراء المعاصرة، حتى ذهب بعضهم إلى إنكار دور العقل في الوصول إلى الإيمان، وذهب آخرون إلى قصر الإيمان على الأدلة العقلية بشروط خاصة!

إذا تطرقنا إلى المقولة الأولى، فإنّ الفكرة التي تقول باستحالة وجود الإنسان المتجرّد لاتباع الحق بناء على قناعة عقلية هي فكرة رسّختها الحداثة. الحداثة التي خلطت بين “الإنسان” و”الآلة”، فصارت معايير دراسة كل منهما متشابهة إلى حدّ كبير، وبما أنّ معالجة المعطيات بشكل علمي محض دون أي انفعال أو قلق أو مشاعر هي من خصائص “الحاسوب” لا “الإنسان”، صار القول بالتجرّد العلمي في تداول الآراء محض خرافة عند هؤلاء؛ لأنّهم يحاكمون الإنسان بمعايير الحاسوب، فحتى نقول إنّ الإنسان قد اختار رأيا ما بقناعة تامّة وعن تجرّد ينبغي نزعه عن الإنسان الذي فيه وتحوله إلى حاسوب عندهم، وبما أنّ هذا مستحيل فإذن يستحيل وجود الإنسان المتجرّد! أي أنّهم نفوا إمكان الإيمان بناءً على قناعة عقلية لسوء تصوّرهم للقناعة العقلية، والظنّ بأنّها تستلزم التجرّد العلمي المحض كالحواسيب، ومن ثمّ أنكروا تحقق ذلك في الإنسان.

وهذا الاستنتاج وهمٌ من أوهام بعض الحداثيين، والصواب أنّ القناعة العقلية عند الإنسان مفهوم مغاير للسلوك العلمي عند الحاسوب (إن جاز التعبير)؛ فحاسوب السيارة ذاتية القيادة مثلا يعالج المعطيات التي تصله من الكاميرات والمجسّات الأخرى ويتخذ قرار الانعطاف إلى اليمين، وهذا القرار هو قرار علمي محض مبني على حسابات علمية، لم تخالطه رغبات وأشواق وانطباعات ذاتية، بل لا وجود لهذه “الذات” الواعية للفعل ككلّ، بل هي مجموعة أجهزة مترابطة ميكانيكيّا وتعمل معًا.

أما الإنسان فهو كائن عقلاني مشاعري، أي أننا لو أخذنا السلوك نفسه، فهو يتخذ قرار الانعطاف كقائد للسيّارة خوفًا من الاصطدام، وهذا “الخوف” شعور، ولكنه منسجم انسجامًا تامّا مع القرار العقلاني الذي يقضي بأنّ أحكمَ الاختيارات هو الانعطاف لاستمرار مسيرة السيارة وقضاء مصالح الشخص وعدم تخريبها عند الارتطام بالحاجز. فهذا سلوك عقلاني، وهو في نفس الوقت مختلط بالمشاعر، أي أن وجود الانفعال الشعوري لم يكن متعارضًا مع كونه خيارًا عقلانيّا.

وهناك طرف آخر يقصُر الإيمان على الأدلة العقلية الصرفة، فهو يتعامل مع مسألة الإيمان كما لو كانت معادلة رياضية، أو كما لو كان الإيمان يأتي بالإخضاع والإفحام العلمي بعد بيان الأدلة ببساطة! وهذا وهمٌ أيضًا؛ فقد ذكر القرآن أشخاصًا تيقّنوا من الحقيقة ولكنهم ببساطة جحدوها {وجحدوا بها واستیقنتها أنفسهم ظُلمًا وعُلوّا}، فالتيقّن العلمي من صحة هذه الحقيقة لم يُنشئ إيمانًا بالضرورة، بل عارض ذلك النزوعُ النفسي الظالم المستكبر. ولهذا كتبتُ يومًا: “فليس الإيمان معادلة رياضية تقتنع بها العقول فتلتزمها، وإنما هو حقيقة نفسية يوفّقُ الله إليها من استجاب لنداء العقل والفطرة ولم يطمسْه باتّباع الهوى والشهوات”.

أمّا الطرف الأول الذي ينفي أي دور للاقتناع العقلي في تحديد الموقف من المسائل الدينية، ويحيلها كلها إلى الظروف الاجتماعية والحالات النفسية، فالتديّن عندهم محض اختيار عاطفي أو تأثّر بالمحيط المجتمعي، وهذا ناتج عن كون معظم الناس ينحازون إلى آرائهم في الدين لأسباب نفسية أو اجتماعية.

ولكن هذا الانحياز اللاعقلاني ليس ضربة لازب، وللعقل دورٌ عند الكثير من البشر، ولولا ذلك لَما خاطب القرآن الناس بالبراهين والبينات، ولَما ذمّ اتباعهم الأعمى لعادات المجتمع دون أن يعقلوا، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ}، ولَما وصف اللهُ نبيّه صلى الله عليه وسلّم بأنّه “برهان” والقرآنَ بأنه “مبين” {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا}، ولَما قال للكافرين {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}، ولَما قال حكاية عن الكفار {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ}، ولَما قال للناس {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، وآياتٌ كثيرة غيرها، وإنما ذكرتُ الآيات لأنّ من ينكر دور العقل في الموقف من الدين ويزعم أنه محض اختيار عاطفي مؤمنٌ بالقرآن، فها هو القرآن ينكر أن يكون الموقف من الدين مجرّد اختيار عاطفي لا دور للعقل فيه.

فاتخاذ المواقف من الدين بناء على التفكير العقلاني والقناعة العقلية أمر أكّده القرآن وأكدت عليه تجارب الكثير من البشر الذين خالفوا مجتمعاتهم وضعفَهم النفسي واتخذوا موقفهم من الدين بناء على القناعة العقلية. ولو نفينا دور هذه القناعة العقلية في اتخاذ الموقف من الدين لكنّا نكذّب القرآن ونزعم أنه يخاطب بشرا وهميين ويطالبهم بالمستحيل؛ إذ هم بحسب زعمنا آنذاك كائنات جبرية تحكمها ظروفها الاجتماعية والمادية وانفعالاتها النفسية!

ولكن من جهة أخرى فمفهوم هذه القناعة العقلية والعقل عموما لدى الإنسان هو كما ذكرتُ بعيد كل البعد عن أن يكون معادلة رياضية، فالتفكّر في محاسن شريعة الإسلام مثلا والأخلاقيات التي يدعو إليها ومحبّة هذا الدين بناء على هذا “التفكر” هو ممارسة عقلية بكل معنى الكلمة، حتى لو امتزجت بها المشاعر، فالآيات والهدايات القرآنية تدخل إلى نفس الإنسان من جميع منافذ التلقّي لديه؛ تخاطب تلك الفطرة القديمة العميقة في داخله فتحرّك وجدانه لمحبة هذا الدين، كما تخاطب عقله المفكر الواعي الذي يدرك قبح الشرك واللامعنى وفساد فكرة عدم وجود خالق لهذا الكون العظيم ولهذه الحياة البديعة وفساد الأخلاق الوضعية وغير ذلك من الأمور، لو تفكّر فيها محيّدا أهواءه قدر الإمكان.

علمًا أنّ مسألة الإيمان مسألة مركّبة تتألف من عناصر عديدة كالصدق في طلب الحق، وتتأثر بعوامل أخرى كالظروف المجتمعية والحالة النفسية وغير ذلك. ولكنْ في القلب من هذه العناصر جميعا يكمن “العقل” بمفهومه الرحب الذي عرضه القرآن، لا بمفهومه المنطقي الذي عرضه الفلاسفة، ولا بمفهوم “الإثبات العلمي الملزِم” الذي يسيطر على بعض المعاصرين اليوم.

وقديمًا تنبّه علماء المسلمين إلى هذا المفهوم الرحب للعقل، فقد سئل الحكيم الترمذي عن العقل فقال: “وسألتم عن العقل، فالعقل نور ومعرفة في الرأس ومعتمَلُه في الصدر على عيْنَي الفؤاد، وإنما سُمّي عقلا لأنّه يعقلُ به نفسه وجوارحَه عن الانتشار ومجاوزة الحدود إلى ما يشينه، فإنّ النفس إذا انبسطتْ شوّشت التدبير وأفسدت، فهذا النورُ عِقال النفس عن ذلك” (من مخطوط “الدر المكنون”). فانظر كيف ربط العقل بالإرادة وأعطاه بُعده القيمي الأخلاقي، ولم يعطِه تعريفًا منطقيّا صرفًا معزولا عن طبيعة الإنسان.

ويوضّح محمد بن إبراهيم الوزير في إحدى قصائده كيف أنّ الإيمان له عدة عوامل ومداخل إلى نفس الإنسان، العقل منها ولكنه ليس المدخل الوحيد للإيمان، والعوامل النفسية منها ولكنها ليست الوحيدة:

مواهبٌ من يقينٍ غير ممكنة .. للخلق تهجُمُ في يُسرٍ وتهوينِ

ووارداتٌ من الإيمان ليس تُطيق النفسُ جحدَ هدًى منها وتبيينِ

تكون عند وقوع الخارقات وعند الفكرِ منها وبالإخبات واللينِ

وبالتضرّع عن ذلّ ومسكنةٍ .. تَمكَّنَ العبدُ منها أيّ تمكين

    فتأمّل أبياته هذه، وكيف جمع بين الدليل الحسّي والفكر من جهة، وبين الإخبات والتضرع من جهة أخرى، فالأول مسلك عقلي محض للإيمان، والثاني مسلك نفسي.

وقد سئل الحكيم الترمذي عن الإيمان فقال: “وسألتَ عن الإيمان من المواهب ومن المكاسب، فالإيمان فعلُ العبد، يُقال: آمنَ يؤمنُ إيمانًا، ولو لم يكن من المكاسب لم يستحقّ الثواب، فأما الذي نال به الإيمان فالعقل فهو مواهب، وقبولُ العبد وطمأنينة نفسه إلى ما جاء به العقل وأورده على قلبه مكاسب وبه استحقّ الثواب” (من مخطوط “الدر المكنون”). فانظر كيف لم يجد تعارضًا بين النظر العقلي وطمأنينة النفس، وجعل الإيمان نتيجة للجانبين معًا، وكيف أنه رغم إقراره بأنّ الإيمان طمأنينة النفس لم ينكر الدور الجوهري للتفكير العقلي في حصول الإيمان.

كيف يصحح التوحيد كل المفاهيم؟

يعتقد المسلمون أن جميع الأنبياء كانوا من حملة رسالة التوحيد، وأن أول من نزل بالتوحيد هو أبو البشرية آدم عليه السلام، واجتمعت كل دعوات الأنبياء على هدف واحد، وهو هداية البشر إلى التوحيد، وهو ما ذكرته الآية الكريمة: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}.

ويعتقد المسلمون كذلك أن القول بالتوحيد يتفق مع المنطق الضروري، ذلك أن وجود إلهين أو أكثر يعني عدم انتظام في مسيرة الكون، لأن كل إله سيسعى للانفراد بما خلق، وكل واحد منهم سيسعى للعلو على غيره، وهذا من الأمور المستحيلة التي نبه لها القرآن بقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}، ولن يكون للإلهة  المتعددة أي جدوى للإنسان إن لم يجهزْ أحدهم على بقيتهم أو يخضعهم لإرادته، فلا بد من توفر صفة الأعلى في الإله، لأنه لا يمثل الخير الأسمى والسلطة العليا والمبدأ الأخير غير مصدر مطلق، منه البداية وإليه المنتهى.

أما سلطة إله خاضع لغيره، أو إله معه آلهة أخرى، فهي موضع شك على الدوام، وهو مما يفسد انتظام الكون، وبذلك أشارت الآية الكريمة: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَـةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}. لذلك فليس بمقدور الكون أن يطيع سيدين، ولا أن يعمل بانتظام سنني ويكون على هذا التناغم الذى هو عليه، لو كان في الوجود أكثر من مصدر نهائي واحد تتلقى الموجودات المخلوقة منه أمرها[1]، لذلك يرفض الإسلام الألوهية في أشكالها التعددية والتثنوية، ويرفض الشرك والوثنية، وتنص شهادة الإيمان في الإسلام على التوحيد الذي أصبح رمز الدين الإسلامي وشعاره والعلامة المميزة للمسلم من غير المسلم”[2].

تمثال عملاق لأحد آلهة الهندوس في ماليزيا

يعتبر الإسلام أن الإنسان مفطور على التوحيد، وأن الشرك بكل صوره وتجلياته ومظاهره نتاج نظم فاسدة في التربية، وفعل التأويل والتاريخ[3]، فالوثنية والإشراك نهج خاطئ منحرف، وهو رغم ذلك لم يمنع الاعتراف النهائي بفكرة الألوهية {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}[4]، ذلك أن الوثنية تتوسل بآلهتها الصغرى، وترتقب الخير من التعلق بها -بوصفها ذات صلة خاصة بالإله الكبير- ولذلك يعتبر هؤلاء أن الشركاء شفعاء! والقرآن الكريم ينفى أن يكون لأحد عند الله شأن من هذا القبيل: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون*قل لله الشفاعة جميعا}[5]، لذلك رفع الإسلام من شأن التوحيد حتى جعل كلمة التوحيد أعلى شعب الإيمان، وبين أن الأمر كله بيد الله، فالله وحده هو الضار النافع، الذي يخذل أو ينصر، ويعطي أو يمنع، وليس لأحد بعده تعقيب على حكمه، وليس من شأن ملك في السماء أو نبي في الأرض التدخل في مشيئة الله.

ويرى علماء المسلمين أن التوحيد هو أول دافع للبشر نحو الإيمان، فأغلب الذين كفروا بالألوهية إنما كفروا بها على أنها أصنام أو أبقار أو تثاليث مبهمة، والكفر بالآلهة الخرافية جزء من حقيقة التوحيد، ذلك أن كلمة التوحيد تتألَّف من جزء سالب “لا إله” وجزء موجب “إلا الله”، فإنكار ألوهية البشر والحجر وما إلى ذلك نصف الحق، وكان يجب الاقتناع بالألوهية الصحيحة لتتم العقيدة الصادقة[6].

ويقرر علماء المسلمين أن التوحيد يمنح أتباعه نظرة صحيحة تجاه الله والكون والإنسان والسلوك البشري، ذلك أن القول بغير التوحيد يخلق نظرة مشوشة تضطرب فيها تصرفات الإنسان، وعلاقته مع غيره، وتفصيل ذلك في التالي:

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الله
يوضح إسماعيل راجي الفاروقي دور التوحيد في تصحيح نظرة الإنسان للإله، فيرى أن القول بالتوحيد يعني أن هنالك جنسين منفصلين، الله وغير الله، الخالق والمخلوق، في المرتبة الأولى لا يوجد سوى الله، لا شبيه له، وهو باق إلى الأبد، وفي المرتبة الثانية يوجد المكان، الزمان، الخبرة، الخليقة. والمرتبتان من خالق ومخلوق مختلفتان غاية الاختلاف من حيث طبيعة وجودهما كما من حيث كونهما ومساراتهما، ومن المستحيل قطعاً أن يتحد الواحد بالآخر أو يذوب فيه أو يتداخل أو ينتشر فيه، ولا يمكن للخالق أن يتحول وجودياً ليصبح المخلوق، كما لا يمكن للمخلوق أن يتسامى ليصبح الخالق بأي شكل أو معنى[7].

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الكون والطبيعة
الطبيعة وما أودعها الله من موارد، جعلها مذللة للإنسان ليستخدمها ويستفيد منها، والقول بغير التوحيد قد يبدل الحال، فيجعل الإنسان خاضعاً للطبيعة وبعض محتوياتها، فتتعطل بذلك الطاقات التي كان الأصل بها أن تستثمر، ويضرب سعيد حوى مثالاً لذلك بتقديس المرء للأبقار، حيث لا يستفاد من لحمها ولا لبنها، وتعيش هي على حسابه فلا يتعرض لها، وفي سنوات القحط بدلاً من أن تكون عاملاً من عوامل سد الفاقة، فإنها تزيد من مشاكل الجوعى بالأكل من محاصيلهم دون أن يعترض أحد، وبهذه النظرة المختلة يبدو أن البشر تحوّل إلى مسخّر لخدمة البقر لا العكس[8].

ويلاحظ محمد خليفة حسن أن التقدم الفكري للإنسان عامل مهم في تحول نظرته للطبيعة، فكلما فهم الإنسان الطبيعة قلت درجة قداستها واحتلت وضعها الطبيعي في الفكر الديني[9].

وهذا الرأي قال به أيضا كافين رايلي مؤلف كتاب «الغرب والعالم»، إذ يشير إلى أن نظرة الغرب للطبيعة وربطها بالمجتمع الصناعي، سبقها نظرة لاهوتية، وينقل عن أرنولد توينبي أن التوحيد مثل نهياً عن الأشكال القديمة لعبادة الطبيعة، وأن التسليم بالتوحيد اقتضى بالضرورة تحول الإنسان من عبادة الطبيعة إلى تسخيرها واستغلالها، وقبل التوحيد لم تكن الطبيعة كنزا من الثروات بل كانت آلهة بصور مختلفة[10].

وشبيه بذلك ما تحدث به الفاروقي في كتابه «أطلس الحضارة الإسلامية»، حيث أفرد فصلاً تحدث فيه عن نظام الطبيعة[11].

لوحة تخيلية للصلب من القرن السادس عشر

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الإنسان
إن النظرة للإنسان بعيداً عن التوحيد تخلق مشكلة مزدوجة، ذلك أنها تعلي من مقام بعض البشر وتصل بهم إلى القداسة، وتضع من قيمة بعضهم حتى تصل بهم إلى النجاسة، ويمثِّل إسماعيل راجي الفاروقي لذلك بالمسيحية التي حطّت من قدر الإنسان بدعوى الخطيئة الأصلية، واعتبرته كائناً هابطاً، لدرجة أن تصحيح هذه الخطيئة يستلزم موت الإله على الصليب، وكذلك صنفت الهندوسية البشر في طوائف اجتماعية منغلقة، ووضعت أغلبية البشر في أدنى الطوائف في طبقة المنبوذين أو الملوثين من الوجهة الدينية، ولا مجال أمام الطبقة الدنيا والملوثة للارتقاء إلى مصاف طبقة البراهمن المحظوظة السامية في هذه الحياة الدنيا، فمثل هذا الانتقال ممكن فحسب عبر تناسخ الأرواح بعد الموت، أما في هذه الحياة الدنيا فلا مفر من أن ينتمى الإنسان للطائفة التي ولد فيها، وكذلك ذهبت البوذية إلى القول بأن حياة البشر وكل الكائنات الأخرى عبارة عن معاناة وبؤس دائمين، بل إن الوجود ذاته شر، وواجب الإنسان  الوحيد الذى له معنى هو سعيه إلى التخلص منه عبر الانضباط والجهد العقلي.

ويقابل البشر المستحقرين في هذه الديانات، بشر مقدسون، وصلت القداسة ببعضهم حد التأليه، وفي هذا التفاوت في قيمة الإنسان كانت إنسانية التوحيد وحدها –كما يؤكد الفاروقي- هي الأصيلة، التي تحترم الإنسان بصفته إنساناً مخلوقاً، دون تأليه أو تحقير، وهى الوحيدة التي تحدد قيمة الإنسان بمناقبه، وتبدأ تقييمها له من نقطة إيجابية لتسليمها باستواء الفطرة التي فطر الله كل البشر عليها، لإعدادهم للقيام بمهمتهم النبيلة، وهى الوحيدة التي تحدد  فضائل ومثاليات الحياة الإنسانية بمحتوى مماثل للحياة الفطرية، وليس بالتنكر لها، مما يجعل إنسانيتها غير زاهدة في الحياة وأخلاقية في آن واحد[12].

لقد أهدرت النظرة غير التوحيدية قيمة الإنسان وطاقاته، وجعلت شعباً من البشر مسخّراً كله لخدمة فرد منه، كما حصل مع فرعون مثلاً، لذلك كانت غاية رسالة التوحيد -كما لخصها الصحابي ربعي بن عامر-  إخراج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد.

التوحيد وتصحيح النظر في السلوك البشري
هناك قواسم مشتركة بين البشر وهي: وحدة الإله ووحدة الدين، ووحدة البشرية، ووحدة الغاية من الوجود، فالله خلق البشر في أحسن تقويم لعبادته، والتوحيد هو عقيدة البشر منذ بداية الخليقة، والبشر إخوة يعودون إلى أصل واحد هو آدم وحواء عليهما السلام، فهناك درجة من القرابة تربط البشرية ببعضها البعض مهما اختلفت ألوانهم ولغاتهم وثقافاتهم وأديانهم، وهذه الاختلافات أملتها البيئات المتنوعة واختلاف الأمكنة والأزمنة والمناخ[13]، وبذلك فالإنسان الآخر هو أخ للمسلم في الإنسانية، وهو مشروع موحِّد في أي لحظة قد يقرر فيها خلع الشرك والوثنية، لذلك كانت الأخلاق في الإسلام متعدية كما قال تعالى {لا يجرمنكم شنئان قوم الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى}، وذلك بعكس بعض الديانات التي قصرت الأخلاق الحسنة على أتباعها، وجعلت من جماعتها جماعة مميزة عن بقية البشر، كزعم اليهود أنهم شعب الله المختار، فلم يربط الإسلام مبدأ المساواة بثقافة أو حضارة بعينها، فالمبادئ الأخلاقية التكوينية للإنسانية في المنظور الإسلامي ثابتة ومسلم بها لأي إنسان حتى لو كان  منتمياً إلى دين غير الإسلام، أو إلى حضارة أخرى، أو حتى لو كان عبداً رقيقاً نتيجة تبعات فعل قومه في التاريخ[14]، فدين التوحيد لا يفاضل بين البشر إلا من خلال أعمالهم ومكتسبات أيديهم.

لقد أعاد الإسلام للبشرية مبدأ التوحيد بعد أن أوشك على الذبول والتلاشي تحت وطأة المسيحية الرومانية الشاردة عن أصولها الصحيحة[15]، ولم يبق إلا الإسلام كمعبِّر حقيقي عن التوحيد الكامل، فاليهودية قبلت التعدد عندما خصصت الإله الواحد لبني إسرائيل وسمحت به لغيرهم، كما غيرت المسيحية التوحيد تغييراً جذرياً من خلال عقيدة التثليث[16].


[1] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. ترجمة السيد عمر، القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية 2014، ص65

[2] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، دار الثقافة العربية: 2002 ص283

[3] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص17

[4] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان، الدوحة: دار الثقافة، الطبعة الأولى 1985، ص94

[5] محمد الغزالي، الاستعمار أطماع وأحقاد، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة الرابعة2005، ص128

[6] محمد الغزالي، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة الثالثة 2005، ص91

[7] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية، ترجمة: عبد الواحد لؤلؤة. الرياض: مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى 1998ص132

[8] سعيد حوى، الرسول، القاهرة: دار السلام، الطبعة الثانية 1990، ص370

[9] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، مرجع سابق، ص 34-35

[10] كافين رايلي، الغرب والعالم، ترجمة: عبد الوهاب المسيري وهدى حجازي، القسم الأول، من إصدارات عالم المعرفة 1985 ص 250-251

[11] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية. مرجع سابق ص 451.

[12] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص128-129

[13] انظر: محمد خليفة حسن، الحوار منهجاً وثقافة. من مطبوعات وزارة الأوقاف القطرية، الطبعة الأولى 2008 ص117

[14] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص149

[15] محمد الغزالي، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة السادسة 2005، ص100

[16] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، مرجع سابق، ص246-247