فوزي مصباح
تُعدّ الاتفاقيات والمعاهدات الأممية من أهم الأدوات القانونية التي اعتمدها المجتمع الدولي لتوحيد القوانين وتنظيم العلاقات بين الدول في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والإنسانية والاجتماعية. وتنبثق هذه الاتفاقيات عادةً عن هيئات الأمم المتحدة أو عن مؤتمراتها الدولية التي تُعنى بتقنين المبادئ العامة، وصياغة التزامات دولية تُسهم في تحقيق العدالة والسلم العالميين. وتكتسب هذه المعاهدات قوّتها من كونها تعبيرًا عن إرادة جماعية للدول الأعضاء، إذ تُصاغ وفق إجراءات قانونية معقّدة، ويُصادق عليها بما يجعلها ملزمة للدول الموقّعة عليها.
تاريخ واختصاصات
نشأت هذه المنظومة القانونية الحديثة مع تأسيس الأمم المتحدة سنة 1945، بعد أن خرج العالم من الحرب العالمية الثانية منهكًا ومتوجّسًا من تكرار الكارثة. وقد تم توقيع ميثاق الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو في السنة نفسها، ودخل حيّز التنفيذ في أكتوبر من العام ذاته، ليصبح المرجعية القانونية الأولى في العلاقات الدولية بعد الحرب. وقد نصّ الميثاق على عدد من الأهداف التي تتمثل في حفظ السلم والأمن الدوليين، وتنمية العلاقات الودية بين الدول، وتحقيق التعاون الدولي في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية، وتعزيز احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.
ومن أبرز المجالات التي تنظمها هذه الاتفاقيات: حقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، وقانون البحار، ومكافحة الجريمة المنظمة، وحماية البيئة، والحد من تغيّر المناخ. وتقوم الأمم المتحدة، عبر أجهزتها المتخصصة، بدورٍ محوري في صياغة هذه النصوص، وتدوينها، ومتابعة تنفيذها، من خلال لجان ولجان فرعية تراقب مدى التزام الدول الأطراف بتنفيذ التعهدات التي قبلت بها طوعًا عند المصادقة. ومن أمثلة هذه الاتفاقيات: اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية سيداو الخاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، فضلًا عن اتفاقيات الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة، واتفاقية باريس للمناخ وغيرها.
هل توافقت الأهداف مع السياسات؟
إن الواقع الذي تلا التأسيس كشف عن مفارقات عديدة بين الأهداف المعلنة والممارسات الفعلية، فمع مرور العقود، بدأت تتضح هيمنة القوى الكبرى على القرار الدولي داخل مجلس الأمن والجمعية العامة، وهو ما جعل كثيرًا من المراقبين يعتبرون أن الأمم المتحدة تحوّلت تدريجيًا من منظمة جامعة للدول إلى أداة لتكريس ميزان القوى القائم بعد الحرب الثانية، بحيث تمكّنت الدول المنتصرة من فرض رؤيتها وإرادتها على سائر الدول تحت مسمى “الشرعية الدولية”.
ومع تطوّر العلاقات الدولية، وازدياد النفوذ الاقتصادي والسياسي للغرب، أصبحت العديد من الاتفاقيات الدولية تُستخدم وسيلة ضغط وأداة للابتزاز السياسي والتغيير الثقافي تجاه الدول الضعيفة أو الخارجة عن النسق الغربي.
ومن هنا، نشأت قناعة متزايدة في الأوساط الفكرية والسياسية في العالم الإسلامي مفادها أنّ وراء هذه المنظومة القانونية أهدافًا غير معلنة، تتصل بإعادة صياغة القيم الاجتماعية والأخلاقية والثقافية وفق مقاييس الحضارة الغربية. إذ باتت بعض الاتفاقيات الأممية تحمل في طياتها أحكامًا تتصادم مع المنظومة القيمية للمجتمعات الإسلامية المحافظة، سواء في مسائل الأسرة، أو الميراث، أو الحريات الشخصية، أو قضايا المرأة.
فعوضًا من أن تكون الأمم المتحدة فضاءً للتنوّع الحضاري، غدت منبرًا لتعميم نموذج ثقافي واحد تحت مسمى “الحداثة” و”العولمة” و”حقوق الإنسان العالمية”.
لقد تبيّن أن هناك أشياء أخرى “غير معلن عنها” من وراء إنشاء هذه الهيئة الأمميّة التي أصبحت تمثّل هيئة رسميّة لممارسة أنواع الابتزاز من طرف الدول العظمى التي خرجت منتصرة من الحرب الكونية الثانية. وكذلك وسيلة لتمرير القوانين والاتفاقيات “المشبوهة” التي صارت تشكّل خطرا على المجتمعات المحافظة خاصّة، وتبيّن أن من وراء هذه القرارات المشبوهة، منظّمات عديدة مؤثّرة تعمل على إحباط كل محاولة لتجريم إسرائيل -على سبيل المثال- وغيرها من الجهات التي تضغط على المسلمين وأرضهم وأسرهم.
هل نحن في حاجة لاتفاقيات الأمم المتحدة؟
إننا في الحقيقة، بوصف الأمة الإسلامية أمة ذات شريعة سمحاء متكاملة، لسنا في حاجة إلى تشريعات خاصّة مخالفة للنص الدّينيّ، ولا إلى اتّفاقيّات مشبوهة تفرض علينا من مرجعيات خارجة عن الملّة؛ باعتبار أن الأحكام التي جاءت بها الشّريعة الربّانية، هي أحكام إلزامية غير قابلة للإثراء ولا للنّقاش. وعدم العمل بها يعتبر كفر وفسوق.. مثل ما هو الأمر بالنسبة لقانون الأسرة والميراث، الذي يريد بعض التغريبيّين تعديله باسم الحضارة ومواكبة العصر ونصرة الأنثى.
تستغلّ المنظّمات التغريبية ضعف الأنظمة العربية، باعتبارها أنظمة شمولية غير شرعية، لتمرير بعضا من هذه الاتفاقيّات المشبوهة التي تخدم أغراضها الخبيثة في محاولة لتفكيك الأسرة العربية المحافظة التي هي النواة الأولى في المجتمع، وذلك من خلال فرض اتّفاقيات دوّليّة تدعم المرأة أو الأنثى وتمنحها مزيدا من الحريّة الإباحيّة، لتحرّضها على المجتمع المحافظ؛ وهو ما حدث مع اتّفاقيّة (سيداو) التي شكّلت ولا تزال تشكّل جدلا واسعًا في أوساط كثير من الشعوب الإسلامية إلى هذه الأيام، فهذه الاتفاقية، رغم إعلانها الدفاع عن كرامة المرأة ومساواتها في الحقوق، تتضمّن مواد تدعو إلى تجاوز الضوابط الشرعية.
إنّ الإشكال الجوهري لا يكمن في مبدأ التعاون الدولي ذاته، بل في مضمون الاتفاقيات وآليات فرضها. فالأمم المتحدة، بدعم من الدول الغربية الكبرى والمنظمات غير الحكومية المموّلة منها، تمارس ضغطًا متزايدًا على الحكومات العربية والإسلامية لحملها على تبنّي تشريعات تتوافق مع تلك الاتفاقيات، حتى وإن تعارضت مع القيم الدينية، وغالبًا ما تستغلّ هذه القوى ضعف الأنظمة العربية وافتقارها للشرعية الشعبية لتفرض عليها تنازلات تحت عنوان “الالتزامات الدولية”، فيتحول التوقيع إلى إذعان، والمصادقة إلى خضوع، والمراقبة إلى وصاية.
وفي هذا السياق، تستغلّ بعض المنظمات ذات النفوذ المالي والإعلامي –التي يُنظر إليها على أنها مرتبطة بمراكز القرار الغربي والصهيوني– حالة التفكك الداخلي للدول العربية، لتعمل على تفكيك البنية الاجتماعية المحافظة من داخلها، عبر ما تسميه “تمكين المرأة” أو “إصلاح قوانين الأسرة” وبهذا الشكل، تغدو الاتفاقيات الأممية وسيلة لإعادة تشكيل المجتمعات ثقافيًا وقيميًا، تحت غطاء القانون الدولي وحقوق الإنسان، علمًا أن الأمة ليست في حاجة إلى تشريعات مستوردة تناقض نصوص الوحي ومقاصده. فالشريعة الإسلامية جاءت بأحكام شاملة تنظم حياة الإنسان من جميع جوانبها، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهي أحكام ملزمة لا تخضع للمساومة أو التبديل. ومن ثمّ، فإنّ محاولة استبدالها بقوانين وضعية بحجة مواكبة العصر تمثل خروجًا عن الملة وتحديًا لمصدر التشريع الإلهي.
لقد مثّل الجدل الدائر حول تعديل قانون الأسرة والميراث في بعض الدول العربية مثالًا واضحًا على هذا الصدام بين المرجعية الدينية والغايات الدولية التي تبتغي تغيير فكر الأمة، فالدعوات المطالِبة بمساواة مطلقة بين الجنسين في الإرث أو إلغاء القوامة الشرعية أو تقنين العلاقات خارج الزواج، تندرج ضمن مشروع التغريب الثقافي الذي يسعى إلى سلخ المجتمعات عن هويتها الإسلامية.
إنّ الخطورة لا تكمن فقط في النصوص، بل في منظومة القيم التي تروّج لها هذه الاتفاقيات. فهي تسعى – بوعي أو بغير وعي – إلى إعادة تعريف مفاهيم الأسرة، والحرية، والكرامة، والهوية، بعيدًا عن التصور القرآني والنبوي لها. ولذلك، فإنّ الواجب يقتضي من العلماء والمفكرين والهيئات الشرعية في العالم الإسلامي أن يتصدّوا لهذا الانحراف، وأن يبيّنوا للناس حقيقة ما يُراد بهم تحت مسميات براقة كـ”المساواة” و”الحرية الفردية”
ختامًا
لا يمكن إنكار أن بعض الاتفاقيات الدولية أسهمت في بعض الجوانب الإيجابية كحماية البيئة، لكن من الضروري التعامل مع بقية الاتفاقيات بوعي نقدي، وفهم سياقاتها السياسية والاقتصادية والثقافية، حتى لا تتحول إلى أداة لاختراق منظومتنا القيمية أو المساس بثوابتنا الدينية.
إنّ الأمم المتحدة كيانٌ مرهون بالمصالح، فهي ساحة صراع بين القوى، ومن لا يمتلك القوة والمناعة الفكرية والقانونية سيجد نفسه تابعًا لمن يصوغ القوانين. ومن ثمّ، فإنّ تحصين الهوية الإسلامية والأخلاقية للمجتمعات العربية يمرّ عبر بناء وعي قانوني راسخ، يُدرك الفرق بين التعاون الدولي المشروع، والخضوع الثقافي الموجّه باسم “الشرعية الأممية”
