مريم زهران
لا يمكن للإنسان أن يفهم حاضره أو يحدد موقعه في هذا العالم ما لم يكن متصلًا بهويته، واعيًا بجذوره، مدركًا لمعنى انتمائه. فالهويّة ليست مجرد شعار يستحضره الإنسان وقت الملمّات، وإنما منظومة قيم، وعقيدة، ومنهج حياة، تحدد طريقته في فهم الوجود، والانتماء الديني والروحي والحضاري، وتضبط البوصلة الأخلاقية والفكرية للأفراد والأمم.
الهوية وعيٌ حيٌّ يسكن الضمير، ويُشكّل البوصلة التي يهتدي بها الإنسان في زحمة الطرق المتشابهة. والهوية الإسلامية، على وجه الخصوص، لم تكن يومًا عبئًا على التاريخ، ولا عائقًا أمام العمران، بل روحًا ناظمةً لحركة الإنسان، ومعيارًا يزن به الحق من الباطل، والعدل من الهوى.
إن المتأمل في واقع الأمة اليوم يلحظ شرخًا عميقًا في صلتها بذاتها؛ لم يبدأ من ميادين القتال ولا من أسواق الاقتصاد فحسب، وإنما من داخل الوعي، حيث تراجعت الثقة بالانتماء، واستُبدلت المرجعيات، وأصبح الانسلاخ عن الأصل يُقدَّم بوصفه وعيًا، بينما يُصوَّر التمسك بالهوية تخلّفًا وانغلاقًا.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الكلمات لا لتبكي أطلال الماضي، ولا لتجلد الحاضر، بل لتسائل هذا التيه الهادئ، وتبحث في أسبابه، وتذكّر بأن الأمة التي فقدت وعيها بذاتها لا يمكنها أن تصنع مستقبلها، مهما امتلكت من أدوات القوة الظاهرة.
أول القول
لا تغيبُ عن عيني أمجادُ أمتنا، ولا يغيبُ أجدادي عن ذاكرتي، وكيف يغيبون؟ وقد صالوا وجالوا في تلك البقاع يومًا من الأيام؛ لتكون كلمةُ الله هي العُليا، وليكون الدينُ كلُّه لله، وليُخرجوا الناسَ من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، وليملؤوا الأرضَ رحمةً وعدلًا كما لم يفعل أحدٌ من قبلهم ولا من بعدهم.
أتراهم قاتلوا في سبيل الدنيا، أم في سبيل أهوائهم يومًا من الأيام، لا.. بل كان محياهم ومماتهم ونسكهم وجهادهم لله وحده، ولذلك نصرهم. استغاثوا به فاستجاب لهم، وأمدَّهم بالملائكة، وألَّف بين قلوبهم، وبدَّلهم من بعد خوفهم أمنًا، وجعل أمتنا باقيةً إلى قيام الساعة.
لماذا بعد ذلك جاءت أجيالٌ من الأمة تضيّع هويتها وتغيب عنها قضية قرآنها؟ يتبارزون في جعل الدنيا أكبر همِّهم وغاية قصدهم، وأكثر من ذلك خطورة أن يتبرأ أحدهم من هويته الإسلامية، ويخجل منها، ويحاول أن يفعل أيَّ شيءٍ ليدفن هويته تلك، آملاً أن ينسى الناس انتماءه، أو ينسى هو انتماء نفسه..
إن هويتنا الإسلامية لم تنتهِ، ولن ينتهي أمرها بمرور الوقت كما يرى هؤلاء، فهي الأحقُّ بالاتباع؛ لأنها الأكثر صدقًا وعدلًا، وميزانها ومنهجها لم يُوضَعا حسب الأهواء ولا البشر، وإنما تعاليم الإله وأنبيائه، ولو اتبع الحقُّ أهواءَ أحدٍ لفسدت السماواتُ والأرضُ ومن فيهن، وهذا ما رأيناه، وما يشهد عليه التاريخ من فسادٍ ودمارٍ في الأمم السابقة؛ وذلك لأن منهجهم كان أرضيًّا بشريًّا يتبع الأهواء، ومنهجنا كان وما زال سماويًّا ربانيًّا خاليًا من الأهواء، فاندثرت وفسدت أممهم، وبقيت أمتنا.
هل يمكن العلوّ بغير منهج الله؟
في كل الأزمنة تظهر أمةٌ من الناس تحاول أن تُثبت أنها قادرة على أن تعلو بغير منهج الله ورسوله، فيُعلي الله من شأنها، ويجعل ذلك فتنةً لأصحاب القلوب والنفوس الضعيفة؛ ليُمحِّص الله الذين آمنوا، ويمحق الكافرين.
أما الذين آمنوا، فيعلمون أن تلك الأمم مهما ارتفع شأنها، ومهما تجبّرت، فإن ذلك كلَّه يؤول إلى الدمار والفناء إن لم يتركوا عبادة أهوائهم، ويتخلصوا من مركزيتها، فالمركزية في الوجود كله لله وحده، وهو الحكيم الخبير، وخالق الإنسان، ومنزل الشرائع له؛ لتكون له منهجًا في إعمار الأرض، فهو منهجٌ ربانيٌّ لا نقصان فيه ولا عيب.
ولأخبرك في هذا المقال عن بعض الأسباب التي تجعل بعضَ الشباب في الأجيال الحالية يتبعون تلك الأمم، ويتبرؤون من هويتهم العظيمة، ويتبعون المناهج الفاسدة لتلك الأمم الضالّة.
غياب القدوة الصالحة
يُعتبر غيابُ القدوة من أهم أسباب فساد الأجيال وضياعها وتشتتها؛ فالطبيعة البشرية تميل دائمًا إلى اتخاذ قدوة في أمورها الدنيوية والأخروية، وكذلك من أهم وسائل تربية الأجيال وضعُ القدوات لهم في مراحل حياتهم المختلفة.
لذلك قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]
ولكن للأسف الشديد، غفل كثيرٌ من المربين عن تلك الآية الكريمة، وغفل كذلك كثيرٌ من الشباب عنها، فأصبحوا يتخذون من هو أكثر مالًا وشهرةً قدوةً، ونسوا الخصال الكريمة في القدوات، مثل النخوة، والمروءة، والعزة، والشرف، والإيثار، والكرم، والشجاعة، وهي صفات تجلّت كلُّها في قدواتنا، ابتداءً بالنبي محمد ﷺ، ثم الصحابة، ثم التابعين، ثم الصالحين، ثم من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
ترى كثيرًا من الفتيات يتخذن ممن تخضع بالقول، وتتمايل، وتعرض نفسها كأنها سلعةٌ للجميع قدوةً، ويتركن أمهات المؤمنين وسيدات الصالحين مثل أمنا عائشة، ومريم ابنة عمران، وهاجر رضي الله عنهن جميعًا، واللاتي كنَّ وسيظللن إلى قيام الساعة رمزًا للعفة، والكفاح، والصبر، وتحمل المسؤولية، وأداء الرسالة على أكمل وجه.
جهلًا بتاريخ أمتنا العظيم
تتعرض أمتنا في هذا الزمان إلى أكبر حملةٍ ممنهجة تهدف إلى تشويه تاريخها وحاضرها، وتضعيفها، ثم إسقاطها أخيرًا. ومن أهم وسائل تضعيف الأمم وغزوها فكريًّا وإسقاطها: تشويه تاريخها ومحوه من الأذهان؛ فالأمم لا يمكن أن تنهض بغير تاريخ.
بدراسة تاريخ أمتنا نزداد عزًّا وفخرًا بها، وتتأصل هويتنا الإسلامية فينا أكثر، وتكون صلبةً أمام الشبهات، ولا تُكسر أمام سخرية البعض وكيد أعداء الدين. وبدراسة التاريخ أيضًا نتجنب أخطاء السابقين، ونقتدي بما رأيناه سببًا في ازدهار الأمة، ففي التاريخ عبرةٌ لأولي الأبصار، ونجاةٌ لأولي الألباب، فما غضّت أمةٌ الطرفَ عن ماضيها، وأهملته، ونسيته، إلا ضيعت مستقبلها، ودمّرت حاضرها.
تعلق القلوب بالدنيا
نذكر هنا أن من أهم الأشياء التي حذّر منها النبي الكريم ﷺ طوال فترة دعوته، وفي خطبة الوداع، هي تعلّق القلوب بالدنيا؛ حيث قال ﷺ: (فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكنّي أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم) [متفق عليه]
وكان من دعائه ﷺ: “لا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا مبلغ علمنا” وهذا لا يعني ترك العمل، وطلب العلم، والرزق، وغيرها من أمور الدنيا؛ فقد حثّ الإسلام على إتقان تلك الأعمال، وهي من أسباب خلق الله للإنسان: “تعمير الأرض”. ولكن لا يجوز تقديم الدنيا على الدين؛ لأن هذا الأمر من المُهلكات.
في هذا السياق ترى أبناء المسلمين -إلا من رحم ربي- في حالة سكونٍ تامٍّ أثناء صلاة الفجر، ثم إذا جاءت ساعات الليل تبدّل حال البيت إلى النشاط؛ لأنه وقت السهر والسمر أو العمل، ثم ترى الجميع اليوم يتنافسون على الشهرة، واقتناء أكثر الأشياء غلاءً، وغيرها من الأمور التي أصبحت أساسيةً ومحوريةً بعد أن كانت فرعية، وكان ذلك مكانها الصحيح والمناسب.
وإذا حدّثت كثيرًا منهم عن أحوال الأمة وتفلتها من دينها، اكتشفت أنهم يرون ذلك من الأمور الفرعية التي ينبغي الصمت عنها أو تجنب الحديث عنها؛ ولذلك ترى كثيرًا من أبناء الأجيال المعاصرة قد بدأوا بالانسلاخ من هويتهم الإسلامية، واتجهوا إلى تلك الهويات والمناهج الدنيوية التي توافق الأهواء، وتضمن لهم السعادة اللحظية فقط.
ختام القول
إن أزمة الهوية التي تعيشها أمتنا اليوم ليست إلا انعكاسًا لانقطاعٍ مؤلم بين الإنسان ورساليته، وبين الأمة ومنهجها الذي منحها ذات يوم القدرة على الجمع بين الإيمان والعمران، وبين العبادة والاستخلاف، غير أن هذا الانقطاع، على قسوته، لا يُنهي الحكاية، ولا يُغلق باب العودة.
فالهوية الإسلامية، بما تحمله من عمقٍ عقدي، وعدلٍ تشريعي، وتوازنٍ إنساني، ليست شيئًا قابلاً للاندثار، وإنما معنى قابل للتجدد كلما وُجد من يحمله بصدق، ويترجمه سلوكًا ووعيًا ومسؤولية، واستعادة الهوية لا تبدأ من الشعارات، ولا من الصدام مع العالم، وإنما من إعادة بناء الإنسان من الداخل، فيعرف القلب وجهته، وليدرك العقل مرجعيته، ولتفهم النفس مآلات التحرر من عبودية الهوى، وحين تعود الأمة إلى وعيها بذاتها، تغدو شاهدةً بالحق، حاملةً للأمانة، فاتحة للحاضر آفاقًا جديدة، ومانحة المستقبل معنى يستحق أن يُعاش. فالله الله في ذلك.
