مقالات

خيارات الإسلاميين لتجاوز أزمة الحداثة

عبد السلام بوقدير


أصدر المفكر الجزائري د. عبد الرزاق بلعقروز في عام 2013 كتابه القيم “أزمة الحداثة ورهانات الخطاب الإسلامي”، ووضع في خلاصة نقده للمفكرين العرب الذين حاولوا الخروج من أزمة الخطاب الإسلامي عبر استعارة أدوات ما بعد الحداثة من الغرب، وقدم قراءة واعية لفكر إسماعيل الفاروقي وطه عبد الرحمن باعتبارهما نموذجين ناضجين لتجاوز أزمات الغرب وإحياء الحضارة الإسلامية، مركزا على مسائل الحداثة وأزمة الحقيقة والتعارف والعقلانية والكونية.

يتساءل الكاتب: ما الذى يملكه الخطاب الإسلامى المعاصر من أجل الإسهام فى التحولات المعاصرة؟ وهل يؤسس هذه الخطاب رؤاه الفكرية منفصلا عن خطاب الحداثة وما بعدها؟

ويقول بلعقروز إن مُمكنات الخروج من نفق الطور الحداثي المُظلم، وإصلاح العطب في هذا المشروع لن تكون ممكنة دون إعادة تفعيل التوجيه الديني وقيم الإيمان في بناء الإنسان وملء العالم بالمعنى من جديد، لأنه لا فتوحات ممكنة تلوح سوى بأربعة شروط، وهي:

1- أن يستفتح الإنسان من جديد، من أجل أن يفتح اللّه له، ويعيد ترتيب الصّلة معه، لأن الذات دون إيمان ودون معنويات تنتج أنماط الحياة التي لا تُطاق.

2- أن ينتهي الإنسان عن غيه وظلمه وتخريبه للعالم، أي تدمير المعنى والعالم المحسوس.

3- أن يحذر من السقوط في أزمات المشروع الحداثي الغربي، لأنه لن يثْمر إلا عودة المآزق وفقدان الأمن الوجود ونَسْبنة المعرفة واختزالها في المصلحة، واختلال التوازن القيمي، ومن ثم الوصول إلى العَمى الوجودي والعبث السُّلوكي والتَّخريب للأرض.

4- التَّفكير في الارتقاء إلى مستوى الحدث الحضاري من أجل فهم هذه المشكلة بعمق، أي فهم الحداثة الغربية بعمق والكشف عن الفقر المعنوي والأخلاقي الذي ينخر أساساتها، وإعادة ترتيب سُلّم القيم الضائعة وبلورة نموذج إدراكي جديد للعالم.

ويرى المفكر الجزائري أننا لم نتعامل مع الحداثة في طورها الغربي بشكل ناضج بعد، فنحن فاقدون للرؤية والمنهج والإرادة، كما أننا لم نفهم الحضارة الإسلامية بعمق وشمول حتى نبحث في تراثنا المعنوي والأخلاقي الضخم ونفسّره من جديد.

ويعتبر أن النهضة تبدأ بإعداد قادة في الفكر من أجل إنجاز وظيفة الفهم المزدوج للحضارة الغربية وأسسها بعمق، وفهم الحضارة الإسلامية بعمق أيضا.

ويسعى في كتابه إلى رصد جوانب الاجتهاد في الخطاب الإسلامي المعاصر الساعية إلى بلورة رؤى فاعلة مستقلة عن سياق الحداثة.

ومن مباحث الكتاب المهمة أنه بيّن حدود النظريات التواصلية الغربية التي تأثر بها الفكر العربي المعاصر، وشدد على الحاجة إلى الأخذ بالرؤية التَّعارفية التي اقتبسها من قوله تعالى {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}، مستندا في الأساس إلى المبدأ القرآني لرؤية الإنسان للوجود من خلال التوحيد، فوحدانية الله هي أساس كل شيء، ومن ثم انفصال الذات الإلهية عن الإنسان والعالم المخلوق دون حلول ولا اتحاد، وتأتي بعد ذلك الرؤية التعارفية بناء على مفاهيم: التَّكريم الإنساني {ولقد كرمنا بني آدم}.، ووِحدة الإنسانية (دون تمييز عرقي)، والاختلاف التّكاملي (وليس التفاضلي العنصري).

وفي نقده لأزمة الحقيقة والقيمة، يشرح بلعقروز كيف هيمنت الاتجاهات الارتيابية على الفلسفة الغربية فيما بعد الحداثة، ثم استعرض أفكار إسماعيل الفاروقي التي تتجاوز هذه الاتجاهات وتؤسس الرؤية على وحدة الحقيقة والقيمة والحياة، وتستمدها من وحدانية الله.

أما أزمة العقلانية فقد عرضها المؤلف في فكر محمد أركون، ثم استعرض نقد طه عبد الرحمن لأركون الذي فضح افتتانه بمناهج العلوم الإنسانية الغربية ومحاولته تطبيقها على المعرفة الإسلامية، حتى في نصوصه المقدّسة، حيث كشف طه أن ادعاءات أركون لا ترقى إلى تصورات الفقهاء، ويقول إنه لو كانت مذاهب الفقهاء فعلا امتدادا لتناحُرات السّياسيين لما اختصّت بالوفاء لشروط الاستدلال والبناء النّسقي، فالسّلطة لا تخاطب العقل بل تتوسل العاطفة.

وفي الفصل الخامس والأخير، ينقد المؤلف طرح “الفلسفة الكونية” لدى المثقفين الحداثيين العرب، ويطرح البديل المتمثل في “الفلسفة المقارِنة” التي تدرك العالم بالمعنى الاختلافي، معتبرا أن الفلسفة الكونية تؤدي للانغراس في أنماط فكرية أخرى لا تخرج من عمق معاناتنا ولا تستجيب لمشكلاتنا.

طائفة البهرة.. مقدمة تاريخية (1 من 3)

د. سامي عطا حسن


انقسمت الشيعة إلى ثلاث فرق رئيسة هي: الزيدية، والكيسانية، والإمامية، وأتباع جميع هذه الفرق متفقون على أن الإمامة لا تخرج عن أولاد علي كرم الله وجهه وأحفاده، وإن خرجت فبظلم من غيرهم، أو بتقية منهم، والإمامة عندهم لا تناط باختيار العامة، إنما هي قضية أصولية، تنصيصية (ينص السابق على اللاحق)، تعيينية.

أما الزيدية فتنسب للإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ت122هـ)، وقد انقسمت إلى ست فرق، وقيل: ثماني فرق، وقيل: عشر فرق، ويقال: إنهم قريبون إلى أهل السنة والجماعة.

وأما الكيسانية فتقول إن الإمامة ذهبت إلى محمد بن الحنفية بن علي بالاستدلال، لأن علي كرم الله وجهه دفع إليه الراية يوم موقعة الجمل، وقيل: بالوصية. وهناك من نسبها إلى كيسان –صاحب شرطة المختار الثقفي- ومنهم من نسبها إلى المختار الثقفي نفسه، والراجح أنها منسوبة إلى كيسان مولى علي بن أبي طالب.

وأما الإمامية فساقوا الإمامة إلى الحسن بن علي، فالحسين بن علي، فالإمام علي بن زين العابدين، ثم محمد الباقر، ثم جعفر الصادق، وهنا تفرقوا إلى فرقتين:
الفرقة الأولى: ساقت الإمامة إلى موسى الكاظم، فالإمام علي الرضا، فالإمام محمد الجواد، فالإمام علي الهادي، فالإمام الحسن العسكري، فالإمام الثاني عشر الغائب محمد بن الحسن العسكري، وهذه الفرقة تسمى بالإمامية الاثني عشرية، أو الجعفرية، أو الكاظمية، أو الموسوية، ويسمون في جنوب لبنان بالمتاولة، أي المتأولة.

الفرقة الثانية: قالت بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق بدلا عن موسى الكاظم، وهو الإمام السابع عندهم، فيسمون لذلك بالإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق.

وانشقت الإسماعيلية إلى فرقتين كذلك: الأولى نادت بإمامة مبارك مولى إسماعيل فسموا بالمباركية، وعنهم انشقت فرقة الخطابية الغالية. والثانية ساقت الإمامة من محمد بن إسماعيل إلى الحاكم بأمر الله الفاطمي، وهنا أوقفت طائفة الدروز الإمامة عند الحاكم بأمر الله وقالوا برجعته، وساق بقية الإسماعيليين الإمامة إلى المستنصر بالله، وهنا انشقوا بدورهم إلى فرقتين هما:
1 – الإسماعيلية النزارية (الإسماعيلية الشرقية): أتباع آغا خان حاليا، وهم الذين اعتقدوا بإمامة نزار بن المستنصر، وطعنوا في إمامة المستعلي أحمد بن المستنصر وقد نقل كبير دعاتهم الحسن بن الصباح الدعوة إلى فارس وكوّن دولة النزارية، التي عرفت باسم دولة الحشاشين.

2 – الإسماعيلية المستعلية (الاسماعيلية الغربية): وهم الذين قالوا بإمامة أحمد بن المستنصر (المستعلي)، ويعرفون باسم البهرة، وقد انشقوا كذلك إلى فرقتين هما: البهرة الداوودية، والبهرة السليمانية.

درس من دروس البهرة في الهند [alavibohra.org]

نشأة البهرة

ذكرنا أن طائفة البهرة هي الطائفة التي نادت بإمامة أحمد بن المستنصر الملقب بالمستعلي، وولي إمامة الإسماعيلية بعد المستعلي ولده أبو علي المنصور[1]. ونقل أبو المحاسن عن الذهبي قوله فيه: “كان رافضيا كآبائه، فاسقا، ظالما، جبارا، متظاهرا بالمنكر، واللهو، ذا كبر وجبروت”[2].

قتله النزاريون على الجسر إلى الجزيرة في القاهرة ، ولم يترك خلفا له، على قول أكثر المؤرخين، ولكن الإسماعيلية المستعلية ينكرون هذا ويقولون: إنه ولد له ولد أسماه: الطيب، وكناه: بأبي القاسم، وجعل الإمامة فيه.

وانقرضت الدولة الصليحية في سنة 511هـ، ولم يقم أتباع الدعوة الطيبية بأي نشاط سياسي بعد ذلك، بل ركنوا إلى التجارة، وعاشوا في محيط خاص بهم، وكان كثير منهم يتخذ التقية فلا يظهر إسماعيليته بالرغم من وجود داعية لهم ينوب عن إمامهم المستور في تصريف أمورهم الدينية.

وقد هيأت التجارة التقليدية بين اليمن والهند فرصة لنشر الدعوة الإسماعيلية الطيبية في الهند، ولا سيما في ولاية جوجرات جنوب بومبي، وأقبل جماعة من الهندوس على اعتناق هذه الدعوة حتى كثر عددهم هناك، وعرفت الدعوة بينهم باسم البهرة، وهي كلمة هندية قديمة معناها التاجر[3].

واستمرت الدعوة المستعلية في اليمن تشرف على أتباعها في جوجرات، إلى أن اضطرت الدعوة الإسماعيلية الدخول في دور الستر مرة أخرى، وظهرت سلسلة طويلة من الدعاة المستورين، حتى كانت سنة 999هـ/1591م وإثر وفاة داود بن عجب شاه الداعي السادس والعشرين في سلسلة دعاة دور الستر، حيث انتخب بهرة جوجرات داود برهان الدين بن قطب شاه خلفا له (1021- 1030هـ) وعرف أتباعه بالداودية، وداعيتهم الآن هو د. محمد برهان الدين بن طاهر سيف الدين، ويعد الداعي الثاني والخمسين ويقيم في مدينة بومباي بالهند. وهو برتبة الداعي المطلق، وصاحبها يتمتع بنفس الصفات التي كان يوصف بها أئمة الإسماعيلية، على أنها صفات مكتسبة وليست ذاتية.

يوسف نور الدين صاحب أحد أئمة البهرة

ومنصب الداعي ليس وراثيا كالإمامة بل مكتسب، إلا أن الدعاة المتأخرين لم يلتزموا بهذه التعاليم، فادعوا لأنفسهم العصمة كالأئمة سواء بسواء، وجعلوا منصب الداعي وراثيا في أبناء الداعي المهيمن على طائفة البهرة الداودية، بينما عارض بهرة اليمن ذلك، وعاضدوا رجلا آخر يدعى سليمان بن الحسن الهندي 1005- 1050هـ، وكان مقيما في أحمد أباد في الهند، مدعين أن داود بن عجب شاه عهد إليه بالدعوة بوصية منه، فانتقلت البهرة السليمانية إلى اليمن ثم تولى الدعوة من بعده أخوه علي الذي ألف كتبا كثيرة وانتقل بالدعوة مرة أخرى إلى الهند، وقبل وفاته سنة 1088هـ أوصى بإمامة الدعوة إلى إبراهيم بن محمد الفهد المكرمي فرجعت الدعوة إلى اليمن، واستقر الداعي في بلدة طيبة وعهد بالدعوة إلى حفيده محمد بن اسماعيل الذي حصلت بينه وبين طائفة الزيدية حروب هزم فيها، فخرج إلى القنفذة يريد الهرب إلى الهند، إلا أن إسماعيلية قبيلة يام في نجران وعدوه بالحماية، فذهب إلى نجران وسكن بلدة بناها أسماها الجمعة، وظلت مركزا للبهرة السليمانية الذين يعرفون بالمكارمة. وداعيتهم الآن هو الداعي حسين بن إسماعيل المكرمي.


الهوامش

[1]  للمقريزي: الخطط، ج2/ ص 290.

[2]  النويري: النجوم الزاهرة، ج5/ ص 170.

[3] د. محمد كامل حسين: طائفة الإسماعيلية، ص 50-51،   باختصار. وانظر: د. أيمن فؤاد سيد: تاريخ المذاهب الدينية في بلاد اليمن، ص 152-206.

مشكلة الشر ووجود الإله (1 من 2)

عرابي عبد الحي عرابي

 

تعود القيمة المحورية لقضية الشر إلى التصور المركوز في الأذهان عن عدالة الله وقدرته ورحمته، ولذا فإن مشاهد القتل والتهجير والآلام التي تحدث يوميًّا داعيةٌ ولا ريب إلى التساؤل عن الحكمة الإلهية في وجود هذه الآلام، ولعل نظرة سريعة إلى أحداث الثورة السورية وكمية الدماء البريئة التي أريقت ظلماً عدواناً جعلت مقولة “لمَ خُلِق هذا الشر؟” أهم أسئلة الناس المكلومة.

أطفال قُتلوا بالغاز السام في الغوطة بريف دمشق في 21 أغسطس 2013

ويمكن القول إن الإلحاد ودعاته يجعلون هذا السؤال -المتسرّب عن التعرُّض للشدائد- أداةً للتشكيك بجدوى الإيمان أو صحته من الجذور، ولذا فإن “مُشكلة الشَّرّ” في الغرب اليوم أهمّ شُبهة إلحاديّة تستخدم في المناظرات بين الدينيين والإلحاديين، حيث يراها الإلحاديون “البرهان” الذي يُغِيرُ على قواعد اعتقاد المؤمنين فيأتي عليها، إذ لا جدوى من الإيمان بوجود الإله الذي لا يمنع الظلم عن عباده ومخلوقاته[1]، فحجة وجود الشر في نظر الملاحدة هي “الصخرة” التي تَتَحَطَّم عليها حجج الإيمان، كما يرى الشاعر الألماني الملحد جورج بوخنر[2]، ذلك لأن “الاعتراضات على الإيمان بالله تظهر وتختفي، إلا أنَّ الفلاسفة يؤمنون أنّ أهم تحدٍّ جادٍّ لإثبات وجود الله في الماضي والحاضر والمستقبل، هو مشكلة الشر”[3].

إن هذا السؤال القديم الحديث حول مشكلة الشر هو أحد أسئلة الوجود التي حار فيها الإنسان ولم يجد فيها إجابة حاسمة، ولعل المفترض باللاديني أن لا يتكئ مرتاح البال بعد أن رمى بها في ملعب الديني، إذ إن أسئلة الوجود تقض مضجع الجميع، وهذا ما يجعلنا نرجح نظرية الإيمان على غيرها، فعلى الرغم مما يطرح عليها من الأسئلة إلا أنها دافعة إلى الاطمئنان واليقين العقلي أكثر مما سواها، وهكذا طبيعة المعارف الإنسانية؛ فإن إيجاد جواب معملي فيها أمر غير ممكن إلا أن اليقين يبنى فيها على الاتساق وعدم التناقض وتقديم الرؤية التفسيرية الشاملة لهذا الكون.

ملاحظة قبل البَدْء
اسمح لي سيدي القارئ أن أشير بدايةً إلى أن وجود الشر (المطلق أو النسبي) لا ينفي بأيِّ وجه من الوجوه المنطقية أو العلميَّة “وجود الإله”.

وذلك لأن إثبات وجود الإله لا يعتمد مطلقًا على جريان الخير أو الشر في الموجودات وإنما يعتمد على إثبات خلق الكون وإنشائه من عدمٍ على نحو متسق منظَّم يثبت وجود منظِّمٍ له، وبذلك تعد مسألة الخير أو الشر طارئة على ما بعد تحقق الوجود، وإن كان ثمة دليل يمكن به نفي وجود الإله فهو إثبات نشوء الكون ذاتيًّا بأي طريق كان إلا عن طريق موجدٍ له سبَّب حدوثه.

وأقصى ما يمكن التوقف عنده في مسألة وجود الشر عند المسلم إنما هو بحث الحكمة من وجود الله، ولدى  إثارة الشبه في عدل الله ورحمته وقدرته على النحو الذي يفصله أربابه.

وإن المثير ههنا حقًّا أن غالبية علماء اللاهوت المسيحي لم يبحثوا في بنية الشر وإنما اكتفوا في الدفاع عن اتصاف الله بالخيرية، وإثبات أن ما يجري من الشر خارج عن نطاق الخيرية الإلهية وأن الأب قدَّم ابنه –تعالى الله عن ذلك- ليتمكن من تخليص الناس من مشكلة الذنوب والبلايا التي تتبع انتشارها، بينما كان علماء الكلام المسلمين يبحثون “ماهية الشر” ضمن مباحث الحسن والقبح وتفرعاتهما التي تتطرق لموضوع الإيلام والأذى الذي يصيب المخلوقات، فكانت دراسات علماء الكلام والفلاسفة المسلمين أعمق وأجدى، من حيث الإشارة إلى بنية موضوع الشر والتسليم بواقعيته والسعي البارز لتنزيه الله عن النقائص ومحاولة استخلاص الحكمة من وجود هذه الشرور المنتشرة في الأرض.

لذا كان أقصى ما يمكن إنتاجه في تاريخ الشك عند فلاسفة المسلمين ما قدمه أبو العلاء المعري أو ابن الراوندي من شكوكٍ وشبهات في الحكمة من هذه الشرور، بينما أنتجت الثقافة الغربية الثائرة على المسيحية نقداً شاملاً لكل ما يتسم بالميتافيزيقية (الغيبية) مثل ماركس ونيتشه[4]، وعدمية محضة لا تتقبل القيمة المجردة للأشياء في هذا الوجود.

أصل السؤال
تعود الصياغة المنطقيّة الأولى لهذه المسألة -بحسب ما نقل الفيلسوف الإنكليزي ديفيد هيوم (ت1776م)- إلى الفيلسوف اليوناني أبيقور (ت270ق.م) فيما عُرف بمعضلة أبيقور وملخَّصُها الآتي:

أبيقور

إذا كان الإله كُلِّيَّ القدرة والعلم والخير فإنَّ الشر لا يمكن أن يوجد في خلقه، إذ إنَّ هذه الصفات الثلاث لا تجتمع في إله حكيم متصرف ثم يغفل عن وجود الشر في العالم، وبما  أن الشر موجود فذلك يعني أن الإله ليس كلي العلم، إذ لا يعرف ما يجري في خلقه من الشرور، أو أنه يعلم حصول ذلك إلا أن قدرته ناقصة فلا يستطيع رفع الشرور والآلام عن عباده، أو أنه يعلم الشر ويستطيع رفعه، إلا أن يريد له الاستمرار فتكون خيريته ناقصة، وعلى أيٍّ من هذه النواقص فإنه لا يمكن أن يكون إلهًا، لتحكُّم النقص فيه[5].

فما المقصود بالشر ههنا؟

يمكن اختزال الشر ضمن نوعين: “الشر الطبيعي” الذي لا يد للإنسان في إنشائه كالتشوُّه الخَلْقي والكوارث الطبيعية كالبراكين والأعاصير والزلازل، و”الشر الأخلاقي” الذي توصف به أفعال الإنسان ومبادئه من حيث الأذى والضرر كالعدوان والقتل والتعذيب وكل ما يؤلم الآخرين.

وسؤال الإلحاد ينصبُّ في البحث عن أنه كيف يمكن لله الرحيم أن يأذن بوجود هذا الكم من الشرور في عالمه أو يخلقه أصلاً؟

أساس الاستشكال
يستند الإلحاد في الاستدلال على رؤاه بجملة العلوم الماديَّة التي تستند في نتائجها إلى “النزعة التجريبيَّة” ولذا فإن أساس اعتماد الإلحاد في الاستدلال بالشر  على عدم وجود الإله ناتج عن فهم محدودٍ للإله فهو كامل العلم والقدرة والخيرية دون البحث في صفاته الأخرى من العدل والإرادة والحكمة.

أضف إلى ذلك سيدي الكريم أن الإلحاد لا يقدم تصوُّرًا يبين المقصود من “الشر” بوضوح، فهل “الشر” مفهوم مطلق أم نسبي، وهل قيمته ذاتية أم نسبية، وهل وجود الشر طاغٍ على وجود الخير، ثم هل يمكن للشر أن ينفي وجود الإله بحد ذاته؟

إن كلمتي “الشر والخير” في ذاتهما تدلان على عَرَضٍ خارجيٍّ يدل على نسبة بين شيئين، أي أن الحكم منتزَع من حيث التحقق أولاً وارتباط المحيط به ثانياً، فثورة بركان ما شَرٌّ على أهل المنطقة الواقعة بالقرب منه إلا أن فائدته للتربة مثلاً خير للأجيال اللاحقة، وكذلك “الموت” فإن فناء مليارات الجراثيم قد يكون شرًّا بالنسبة لها إلا أنها ذلك خير بالنسبة للكائنات التي تتأذى منها، وكذلك وجود السم في الأفعى فإنه خير بالنسبة لها إلا أنه شر بالنسبة لمن يلدَغ به، ومن ثم فإن وجود الشيء ليس ذا كفاية للحكم على قيمته من حيث الخير والشر.

وإذا تدبرنا ذلك فإن وجود هذه الثنائية في الكون بحد ذاتها محض خير، فانتفاء الخير يجعل من الوجود شرا محضاً وانتفاء الشر يجعل من الدنيا دار سعادة محضة وبذلك لا يمكن التوصل إلى معاني التفاضل والخيرية بين الناس أو إدراك المعاني الكبرى كالباطل والحق، وبذلك يكون وجود الشر ضرورياً لتدعيم معنى الخير، ووجود الباطل ضروريًّا لتدعيم معنى الحق.

ومن ثم يتوارد السؤال الآتي:

هل يمكن الحكم بالشر النسبي على وجود الإله؟
يشير د. سامي عامري إلى أن السؤال عن مشكلة الشر بحد ذاته يحوي دلالة أخلاقية لا مادية[6]، ولعل استشكال “الشر” في أصله دليل على تحقق الإيمان بالله في فطرة البشر، وهو الأمر الذي أكّده العديد من أئمة الإلحاد، ولعل أبرزهم العالم الأحيائي “أنتوني فلو” الذي كان يرى أن شبهة الشر كانت السبب الأول في إلحاده[7].

وبما أن المادة وتفرعاتها تعد أساس الإلحاد فإن الاستشكال الأخلاقي تجاه الشر يناقض الغاية التي قُدِّمت لأجلها، أي نفي وجود الإله وتصوير الكون على أنه محض مادة؛ وذلك لأن عقل الإنسان الذي تفاعل مع هذا السؤال جوهر غير مادي يرى للحياة قيمة ومعنى، إذ “لو كان الإلحاد حقًا، لما كان علينا أن نتوقع أن يكون الخير هو الرئيس أو أكثر أصالة من الشر، بل الواجب أن لا يكون هناك قِسما الخير والشر أصلاً”[8].

يُتبع..


الهوامش

[1] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي العامري، ص17-20، حيث نقل عدداً من المقولات في هذا الخصوص، تبيِّن مدى اهتمام الإلحاد بمقولة الشر.

[2]  Randy Alcorn: If God Is Good: Faith in the Midst of Suffering and Evil (Colorado Springs, Colo.: Multnomah Books, 2009), p.11

[3] مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص19 نقلا عن كتاب رونالد ناش، الإيمان والعقل، ص177.

[4] معضلة الشر بين علم الكلام والفلسفة، د. محمد بوهلال، ص35.

[5]  (David Hume. Dialogues Concerning Natural Religion, part 10) نقلا عن مقال د. هشام عزمي، وجود الشرور في العالم، مجلة منتدى التوحيد، العدد المعنون بـ الجواب عن مسألة الشر، ص14.

[6] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص55، 65، 62.

[7] مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص55، 56.

[8] مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، 58، 59، نقلاً عن دافيد بيك.

الأكوان المتعددة: علم أم خيال؟ (2 من 3)

بعد الحديث في المقال السابق عن أولى فرضيات الأكوان المتعددة وهي تفسير العوالم المتعددة في ميكانيكا الكم، نتابع هنا الحديث عن أهم تلك الفرضيات، تمهيدا لنقدها.

هيو إيفريت

فبعد فرضية هيو إيفريت، جاء ديفيد دويتش الفيزيائي البريطاني صاحب كتاب نسيج الواقع أو الحقيقة (the fabric of reality)، وبناء على فرضية إيفريت طرح دويتش فرضية تقول إن الأكوان المتعددة نشأت دفعة واحدة مع بعضها، ويُشبّه دويتش هذا الأمر بوجود مكتبات لانهائية العدد مليئة بنسخ من الكتب التي تشترك مع بعضها بنفس محتوى الصفحة الأولى ولكن تختلف في بقية المحتويات.[1]

ويقول دويتش إن “افتراض أن الديناصورات لم تنقرض، وأنها أسست حياة ذكية وحضارات، ليس مجرد خيال. بل هذا بلا شك موجود؛ حيث تقوم الديناصورات بتطوير المدن وبناء المسابر الفضائية والكمبيوترات المبنية على الرقائق المصنعة من السيليكون لأن هذا الأمر تخبرنا به قوانين الفيزياء…. وهذا الأمر يحصل في كون تكون فيه الذرات بحجم القطط”.[2]

الفارق بين فرضيتي إيفريت ودويتش أن الثاني لم يقل بالتشعب أو الانشقاق الذي قال به إيفريت، واعتمد على ما يسمى فكرة التواريخ البديلة (alternative histories)، حيث يشرح دويتش الفرق بافتراض وجود كتابين يتحدث كل منهما عن قصة بطل يريد اجتياز أحد الأنهار، فهو في أحد الكتابين يجتازه سباحة، وفي الآخر يجتاز النهر من فوق أحد الجسور، فلكل كتاب طريقة مختلفة، أي تكون النهاية متطابقة بينما تختلف التفاصيل، وعند إعادة دمج التفاصيل مع بعضها نعود إلى نفس البداية المتطابقة أيضاً، أما إيفريت فتختلف عنده النهاية مع التفاصيل ولا يمكن العودة إلى بداية أولى متطابقة.

وهناك فرضية أخرى تعود إلى نظرية التضخم الكوني (Cosmic inflation) التي طرحها العالم  الأمريكي آلان غوث، والتي جاءت بدورها كمحاولة للتغلب على المشاكل الموجودة في نظرية الانفجار العظيم (Standard big bang theory)، مثل مشكلة الأفق والتسطح وعدم وجود أقطاب مغناطيسية مفردة وغيرها من المشاكل. ويجدر بالذكر أن نظرية التضخم الكوني بنيت بدورها على نظرية أخرى لم يتم إثباتها علمياً حتى الآن وهناك اعتراضات عليها.

في البداية تفترض نظرية التضخم الكوني أنه بعيد بداية الانفجار العظيم وعند  ثانية من زمن بداية هذا الانفجار، مر الكون بمرحلة تضخم هائل وبسرعة أكبر من سرعة الضوء نفسها -سرعة الضوء تساوي حوالي 300000 كم في الثانية- واستمر هذا الأمر حتى مدة   من زمن البداية، وبعد هذه المدة تابع الكون توسعه ولكن بنسب أقل.

طورت النظرية من عدد من العلماء الذين افترضوا أنه في المراحل الأولى من فترة التضخم البالغة السرعة وُلدت أكوان عدة [3]، وسُمي هذا النموذج بالتضخم الأبدي (Eternal inflation).

المصدر: Yinweichenl/wikipedia

وبناء على نظرية التضخم الكوني اقترح الفيزيائي الروسي الأصل أندريه ليندا نموذج التضخم العشوائي، حيث يكون فيه الكون ذاتي التولد مكونا من أجزاء مختلفة، كل جزء منها يبدو ككون صغير ومستقل عما يحدث في بقية الأجزاء.

ومن الفرضيات الأخرى للأكوان المتوازية الفرضية المعتمدة على نظرية الأوتار (String theory)، حيث تفترض الأخيرة أن الجسيمات الذرية وتحت الذرية ليست جسيمات نقطية عديمة الأبعاد (أي نقاط صغيرة ذات بنية داخلية)، وإنما هي حلقات صغيرة مصنوعة من أوتار تتحرك وتهتز، وهذه الأوتار لها 10 أبعاد أو 11 بعدا حسب النموذج المستخدم من نظرية الأوتار، وهذه الأبعاد تنتج لنا عدد كبيراً من الأكوان قد يصل إلى ، وفقا لحسابات البريطاني ستيفن هوكنغ، وبعض هذه الأكوان مشابه جداً لكوننا الحالي.[4]

ووصل الأمر أخيرا بعالم الكونيات ماكس تيغمارك ليقول إن أي افتراض رياضي لوجود كون يعني أن هذا الكون موجود بالفعل في مكان ما؛ فالوجود الرياضي لشيء ما حسب رأيه معادل لوجوده الفيزيائي!

لي سمولين

بل وصل الأمر بآخرين -كالفيزيائي الأمريكي لي سمولين- إلى تطبيق بعض مبادئ نظرية التطور الداروينية على الأكوان المتوازية، فأدخل مفاهيم الانتقاء الطبيعي والصراع من أجل البقاء على الأكوان التي تتكيف لتبقى![5] ويعدّ سمولين وغوث من العلماء الذين يرون إمكانية نشأة كون جديد داخل ثقب أسود ويتوسع إلى نطاق جديد في “الزمكان” لا يمكننا الوصول إليه.

هنا نصل الى استعراض أهم الفرضيات حول الأكوان المتعددة، وفي المقال القادم إن شاء الله أتحدث عن أعم الاعتراضات والردود على هذه الفرضيات.

 


الهوامش

[1] John Gribbin ,In search of the multiverse, John Wiley&SonsLInc,Hoboken,New Jersey,2009 p.63

[2] Ibid p.62

[3] Rupert Sheldrake, The science delusion,Hodder&Stoughton.,Uk company,2013 p.94

[4] John Gribbin ,In search of the multiverse, John Wiley&SonsLInc.,Hoboken, New Jersey,2009 p.167

[5] Ibid pp.189-190

لماذا نكتب في الإلحاد؟

نور الدين قوطيط

 

الإلحاد ليس حالة طارئة في العصر الحديث، بل هو حالة صاحبت الإنسان منذ القدم. لكن، بعد ثورة وسائل الاتصال بمختلف أشكالها، وفي إطار أجندات مختلفة، وبسبب عوامل متشابكة، انفجرت موجة الإلحاد في الشرق والغرب، ولم يكن العالم الإسلامي بمنأى عن هذا الانفجار!

ولقد كتب كثيرون حول الإلحاد بأساليب شتّى ومن زوايا مختلفة، ما بين مُسهب ومختصر، ومُكثر ومُقل. غير أن المتابع يدرك أن هناك حاجة مهمة لتقديم مزيد من البحوث والتحليلات لمنظومة الإلحاد بشتى جوانبها ولوازمها، ولمختلف آثارها المعرفية والنفسية والسلوكية!

في هذه المقالة سأذكر -بشكل مختصر- أربعة مبررات أراها كافية للنهوض بهذه المهمة بشكل متواصل واجتهاد دائم. هذه المبررات يمكن تلخيصها في التالي:

أولاً- تبليغ الرسالة
المسلم إنسان رسالي، بمعنى أنّه بمقتضى عهد الإيمان يجد نفسَه مدفوعاً للقيام بمهمة التبليغ والبيان للرسالة الخالدة التي يتضمنها الوحي الرباني. ولا شك أنّه حين ينصرف عن هذه المهمة المقدسة لأي مبرر يمكن أن يقدمه، فإنّه يكون مقصّراً تقصيراً بالغاً في التزام متطلّبات الإيمان!

ينبثق حس المسلم بضرورة تبليغ الرسالة عن اعتقاده أنّ الله سبحانه لم يخلق الإنسان عبثاً ولم يتركه سدى، بل بالحري أنه خلقه لغاية مقدسة: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون/15]. ولهذا، فالمسلم يعتقد أن الإنسان يستحق أن يعرف الحقيقة.. حقيقة الخالق والإنسان والحياة والمصير بعد الموت.

كما أن المسلم يعتقد -انطلاقاً من مرجعيّته الإسلاميّة- أن العقل يتضمن منظومة قواعد دلالية، تساعده على الاهتداء إلى الحق واستيعابه بشكل مجمل: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم/30]. وهنا فإن دور المسلم تجاه الآخر ينحصر في التبليغ والبيان.

لكن، بالرغم من أنّ جوهر الفطرة هو محبة الحق والانجذاب إليه، إلا أنّ الإنسان لديه قابليّة موازية تتمثل في السقوط في مستنقع الانحراف والضلال، بفعل عوامل مختلفة. كما جاء في الحديث القدسي: {إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم} (صحيح مسلم)، أي أتتهم الشياطين فصرفتهم عن فطرتهم وأغرقتهم في الأباطيل.

في هذا الإطار، يمكننا أن نفهم بأنّ مهمة الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم هي استنقاذ الإنسان من أوحال الضلال والانحراف، ومساعدته على العودة إلى أصول فطرته الربانية: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية/21]، {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [العنكبوت/18]. فإن شعلة الفطرة قد تخبو لكنها لا تنطفئ أبداً!

إذن، إن القيام للمساهمة في كشف الإلحاد وبيان أباطيل الملحدين يأتي في سياق عقيدة المسلم التي توجب عليه بيان الحق ليعرفه الناس وكشف الباطل ليجتنبوه، وهو ما يُعبّر عنه بشعيرة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. وإلا فإن التزام الصمتَ هو في الواقع مساهمة للترويج للإلحاد وإشاعة للمنكر ومحاصرة الحق وتغطية على براهين التوحيد وحقائق الإيمان!

ثانياً- معركة الأفكار
المعركة بين الحق الذي يمثل التوحيد و الإيمان و الإسلام، وبين الباطل الذي يمثل الشرك والكفر والجاهلية، قديمة جدّاً ترجع إلى لحظة إعلان الله سبحانه خلقه لآدم عليه السلام، وأمره تعالى للجميع بالسجود له تشريفاً وتكريماً، فأطاعت الملائكة عليهم السلام أمر ربهم، وعصى إبليس حسداً من عند نفسه واستكباراً: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة/34].

ورغم التاريخ الطويل للبشرية والموغل في القدم، ورغم ما شهده من أحداث، فلم يكن يعكس في الواقع سوى أبعاد تلك المعركة الكبرى، ولم يكن سوى مسرح لمختلف مظاهرها وتجلّياتها! إذ ما كان لإبليس اللعين -وقد عرف مآل استكباره وطغيانه وإعجابه بعقله- أن يستسلم ويترك الساحة خالية لهذا المخلوق البشري الذي تسبّب له في اللعنة الأبدية: {قالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر/39،40].

لقد خاض الأنبياء عليهم السلام هذه المعركة بكل قوة وحزم، ورسموا لأتباعهم ضد أتباع الباطل والشر والاستكبار إطار المعركة وأساليبها وبراهينها وحدودها وغاياتها، وبذل هؤلاء العظماء العرق والدم، كما ضحوا بالراحة والمتعة، نعم وصبروا على المشاق والضغوط، كل ذلك في سبيل الانتصار للحق الأزلي، للتوحيد والإيمان، للخير والصلاح والجمال، رغم الجهود الهائلة التي بذلها أتباع إبليس المفسدين في الأرض لصد الناس عن معرفة الحقيقة!

واليوم، ها نحن أولاء نشهد فصولاً جديدة من هذه المعركة الخالدة.. معركة الإيمان والإلحاد! وهي جديدة لا لأن المضامين تغيّرت، ولا لأن الغايات تبدّلت عما كان عليه الحال خلال التاريخ الطويل، بل لأن حجم الكيد والمكر، وعنف الشدة والضغط الذي يمارسه أتباع الباطل بسبب الامكانيات الهائلة التي يتمتعون بها، ليس له مثيل من قبل، خصوصاً القدرة الكبيرة على نشر المعلومة المزيفة عبر وسائل مختلفة: الجرائد والمجلات، والبرامج والأفلام، والمواقع والمدونات والفيديوهات!

ونحن في المرجعية الإسلامية لا تهولنا هذه المعركة رغم شراستها وضغوطها وامتدادها، كما لا يهولنا حجم المكر الذي يمارسه المفسدون في الأرض لمحاصرة الإيمان وإشاعة الإلحاد بشكل مباشر وغير مباشر. لا يهولنا كل هذا، لأننا نعلم أنّ هذه المعركة تتضمن الكثير جدّاً من أسرار الحكمة الإلهية في حياة الإنسان، في الدنيا والآخرة. ومن هنا، فهي سنة من السنن التي نحن مأمورون إسلاميّاً أن نتعامل معها بأسلوب الإيمان، إذ كان ذلك جزءاً أصيلاً من عقيدتنا المقدسة.

إن صناع القرار اليوم في الغرب والشرق لا يترددون في التصريح المباشر بأنهم يخوضون معركة تغيير القناعات وصراع الأفكار، ويمارسون هذه المعركة بشكل عملي بمختلف الوسائل الممكنة لهم، ماديّاً ومعنويّاً، ومن هنا، لا جرم أنه يجب علينا نحن حملة الرسالة المقدسة وأتباع التوحيد والحق الأزلي أن نقوم بدورنا في هذه المعركة بكل ما نستطيع، فهذا فرض الله سبحانه علينا: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة/251].

ثالثاً- شيوع الظاهرة
لا يمكننا إنكار حقيقة أن الإلحاد المعاصر لم يعد كما كان في الأزمنة الماضية، بل هناك اختلافات واضحة بين الإلحاد القديم والإلحاد المعاصر يمكن رصدها في التالي:

(أولاً) قديماً كان الإلحاد مجرد حالات شاذة هنا وهناك بين مختلف الأمم والحضارات بنِسب متفاوتة، أما اليوم في عصرنا الحاضر فهو أشبه بالظاهرة الاجتماعية والعالمية. ونقول بأن الإلحاد صار ظاهرة باعتبار الماضي، وإلا فالإحصائيات بل والواقع يؤكدان على أن نسبة الملحدين ضئيلة جدّاً مقارنة بنسبة المؤمنين.

(ثانياً) قديماً لم يكن للإلحاد الكثير من الآليات التي تساعده على الانتشار والذيوع، أما في عصرنا الحاضر فالإلحاد يعيش فترته الذهبية بفعل الامكانيات المادية الهائلة والوسائل المتعددة كالإنترنت والمجلات والكتب التي أتاحت له الانتشار والشيوع. ولهذا لم يعد الوصول إلى الجمهور بمختلف شرائحه مشكلة بالنسبة للإلحاد.

(ثالثاً) قديماً كان الإلحاد أقرب إلى قناعة شخصية يعيشها صاحبها ولا يعنيه كثيراً مشاركة الآخرين له فيها، أما في عصرنا الحاضر فالإلحاد صار يُقدم عبر خطط وآليات مدروسة على أنّه البديل الأفضل عقليّاً وأخلاقيّاً للأديان، أي إنّ الإلحاد اليوم يتبنى فكرة الصدام المباشر والمتعمَّد مع الإيمان لتحقيق أهداف معيّنة!

(رابعاً) قديماً كان الإلحاد في لحظة الدفاع والتبرير يعتمد على الجدل العقلي الفلسفي وعلى البُعد النفسي الأخلاقي، أما في عصرنا فالإلحاد لا يعتمد على هذين بقدر ما يستغل الهوس بالعلم الطبيعي لدى جمهور الناس لينال طابع المصادقة على صحته، خصوصاً وأنه يغطي قناعاته الإلحادية بالعلم على أساس أنها حقائق علميّة!

(خامساً) قديماً كان الإلحاد محصوراً بنسبة أكبر في دائرة ضيّقة جدّاً، هي دائرة المتعاطين للجدل والفلسفة، أما في عصرنا الحاضر بفعل عوامل متعددة كالحداثة والرأسمالية وتسطيح العقول وتنميط الرؤى والتخلف المادي الناتج عن طغيان الغرب على البلدان المتخلفة، فقد اتسعت الدائرة لتشمل حتى المراهقين والأميين وأشباههم!

(سادساً) قديماً كان الإلحاد ينطلق من دوافع شخصية منفصلاً عن أية سياقات اجتماعية وحضارية، أما في عصرنا الحاضر فلا يمكننا فصل الإلحاد في الفضاء العربي والإسلامي عن سياق معركة الأفكار وحرب تغيير القناعات التي يمارسها الغرب كجزء من استراتيجية الهيمنة ومحاصرة الإسلام، وهذا باعتراف صناع القرار الغربي ومراكز البحوث!

كانت تلك أهم معالم الاختلافات الجوهريّة بين الإلحاد القديم والمعاصر. وهي مبررات كافية لتقديم مزيد من البحوث حول الإلحاد، وتجديد أساليب العرض والبيان، لتكون محيطة بأوسع جوانب الظاهرة.

رابعاً- تفشي الأمية الشرعية
من السمات الواضحة في شبابنا المعاصر، ما يمكننا تسميته بالأمية الشرعية! والمقصود بها أن شريحة كبيرة من الشباب المسلم لا يعرفون من الإسلام سوى القشور ونُتف عابرة تلقفوها من هنا وهناك!

هذه الجهالة بحقائق الإسلام في الواقع لم تنشأ من فراغ وبدون أسباب، بل بالحري أن لها عوامل ساهمت في نشأتها وشيوعها ورسوخها، يمكننا تحديدها في التالي:

*حالة التخلف التي مرّ بها العالم الإسلامي في القرون الأخيرة قبل السقوط.

*الاحتلال الغربي لبلدان العالم الإسلامي وحرصه على فصل المسلم عن إسلامه.

*استمرار تنفيذ خطة الاحتلال الغربي من خلال وكلائه العلمانيين من خلال الإعلام والمقرر الدراسي.

*الانغماس في فضاءات الانترنت واللهاث المحموم وراء الأخبار والمنشورات وهو ما يستنفذ الوقت.

كل هذه العوامل أنشأت في الشباب المسلم قابلية كبيرة للتأث�� بالخطاب المنحرف، سواء تمثل في نسخته العلمانية أم في نسخته الإلحادية. فلا جرم أن يكون الواجب مضاعفاً على العلماء والدعاة والمفكرين تجاه هؤلاء الشباب، فهم مستقبل الإسلام، وإهمالهم وتركهم فرائس سائغة للخطاب الإلحادي وغيره، لا شك أنه ستكون له أضرار عظيمة فضلاً عن الخطيئة الكبرى في ميزان الله سبحانه.

التوفيق بين الفلسفة والدين عند الفارابي وابن رشد

 

إبراهيم إسماعيل

 

محاولة الفارابي (260 – 329هـ)
إن نزعة التوفيق بين الفلسفة والدين تعد نزعة أصيلة في الفارابي، وقد كان في طبعيه يميل إلى الالتقاء لا الاختلاف، لذلك حاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، رغم اختلاف مذهبيهما، على أن محاولة الفارابي هذه سببها ما نسب لأرسطو خطأ من كتاب “أثولوجيا” أو الربوبية، والكتاب في حقيقته ليس لأرسطو، بل لأحد تلامذة أفلوطين الاسكندري، ويمكننا تفهم صنيع الفارابي كون الفكر المترجم يومها لم يستوعب على حقيقته بعد، والمحافظون الذين توجسوا من الفلسفة، كان لا بد من العمل على تحقيق ما يدعم العقيدة والفلسفة معاً، وأهم الوسائل في نظر الفارابي إظهارها في مظهر موحد متفق عليه، وإثبات أنها تسعى لنفس الهدف الذي يسعى إليه الدين، فمحاولته التوفيق بين أفلاطون وأرسطو غايتها الدفاع عن الفلسفة من جهة، وتهيئة المنهجية لدعم الانسجام والاتساق بين الحقائق الموحى بها، والحقائق العقلية من جهة أخرى.

لاحظ الفارابي أن التوفيق بين الدين والفلسفة ضرورة لنهضة يتعاضد بها الطرفان للإسهام في سعادة الإنسان، لكنه في سبيل ذلك لجأ لتأويل الآيات حتى تنطق بالآراء الفلسفية التي يدين بها.

والحقيقة أن احتمالات التوفيق بين الدين والفلسفة، تجعل المحاولين إما أن يقفوا مع الفلسفة ويطوعوا النصوص لتؤدي فكرتهم المسبقة، وإما أن يجعلوا اليد الطولى للدين، وإما أن يضعوهما في كفتي ميزان متعادلتين، فالكندي أعلن تفوق الدين على الفلسفة ، بينما يكاد الفارابي يرى تكافؤ الفلسفة الصحيحة والدين الصحيح، فإن بدا تناقض؛ فهذا يدل على أن النظام الفلسفي المتناقض مع الدين يعتبر نظاماً واهياً لم تكتمل فيه البراهين المؤدية إلى اليقين.

وقد كان الفارابي مقتنعاً أن الحقيقة واحدة، والتعدد في الطريق إليها لا غير، لذلك لم يرى أي تناقض في أفكار أفلاطون وأرسطو، وهذا التوافق يفتح الطريق للتوفيق بين الفلسفة والدين، كما أسلفنا.

كما أنه كان يرى أن النزعة الإيمانية هي المنطلق للنظام الفلسفي، من خلال الإقرار بالصانع، فيجب البدء من العقيدة السليمة في توحيد الألوهية.

النزعة الدينية تطبع التوفيق
رأى الفارابي خطورة من الاعتداد المسرف بالتفكير النظري، دون مراعاة لبعض الحقائق الدينية التي قد تعي دقتها كبار العقول، وتتجلى محاولة الفارابي التوفيق بين الدين والفلسفة في كثير من بحوثه ومقالاته، ولعل أشهرها مبحث مكونات وشروط الرئيس الحاكم والحكيم الذي يحكم المدينة الفاضلة، وفي نظرته للنبوة والدفاع عنها في وجه خصومها.

الفكر السياسي للفارابي (المدينة الفاضلة)
يرى الفارابي أن المدينة بمثابة الجسد الصحيح الذي تختلف أعضاؤه في الوظائف، لكن فوقها جميعا القلب الذي هو مصدر الحياة، وعلى هذا الأساس اعتبر الفارابي رئيس المدينة السلطة العليا التي تستمد منها جميع السلطات، لذلك رسم لهذا الرئيس مثلاً في غاية الكمال، قل أن يدانيه إنسان، وتفوق شروط الفارابي شروط أفلاطون من حيث المدى والعدد، وتقع شروطه في مجموعتين، إحداهما فطرية، والأخرى مكتسبة، ويحدد الفطرية باثنتي عشرة خصلة وهي:

  1. تمام أعضاء الجسم
  2. جودة الفهم وحسن التصور لما يقال
  3. حفظ ما يراه ويدركه
  4. جودة فطنته وذكائه
  5. حسن عبارته وطلاقة لسانه وحبه للتعليم والاستفادة
  6. حبه للصدق وأهله وبغضه للكذب وأصحابه
  7. كبير النفس محباً للكرامة
  8. ليس همه حب المال
  9. يحب العدل وأهله، ويبغض الظلم وأهله
  10. يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه
  11. يؤتي من حل به الجور
  12. قوي العزيمة

وأما المجموعة المكتسبة فنلمح فيها آثار الثقافة الإسلامية، فإلى جانب ضرورة كون الحاكم حكيماً، يجب أن يكون عالماً بالشرائع والسنن حافظاً لها، جيد الاستنباط فيما لا يحفظ عن السلف فيه شريعة، وأن تكون له جودة رؤية وقوة للأمور والحوادث، وأن يتحرى فيما يستنبطه صلاح أمور المدينة، وأن يستنبط مما احتذاه الأولون، وأن يكون ذا مقدرة على القيام بالأعباء الحربية.

ويبدو من هذه الشروط أن مهمة الحاكم لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تشمل الديني والأخلاقي، لأنه قدوة يقلده الشعب.

ولعل أهم الشروط هو تسامي الحاكم في تدرجه الروحي التأملي حتى يصل إلى رتبة العقل الفعال، والعقل الفعال نوع من العقل المستفاد الذي تثبت فيه صور الموجودات ولكن ترتيبها فيه يختلف عنه في العقل بالملكة، أو العقل بالفعل، فقد كان الفارابي يرى أن العقل الفعال يقع خارج الإنسان، وأن الاتصال به لا يتم إلا عن طريق التصفية والتفكير والتأمل العميق الذي يحيل النفس إلى مبدأ شفاف حساس تنتقش فيه الحقائق، وهذا الشرط لم يشترطه أفلاطون لكن الفارابي أوجبه، وأضحت نظرية الاتصال بالعقل الفعال اللحن المميز لناشدي السعادة في الفلسفة الإسلامية بعد الجهود التي بذلها الفارابي في تشكيلها وشرحها لتفسير مشكلة المعرفة والسعادة والنبوة.

والعقل الفعال يمثل العاشر في سلسلة العقول المفاضة عن الأول في نظرية الفيض المشهورة، وبذلك تعتبر نظرية الاتصال بالعقل الفعال الذي تتحد فيه جميع العقول والصور وهي التطبيق الصاعد لنظرية الفيض التي تبدأ من الأعلى وهو “الواحد” وتنتهي بما تحت فلك القمر.

وهكذا يتطابق السبيلان (الصاعد والنازل) من حيث الوصول إلى الحقائق النهائية، وفي نقطة التقاء التأمل الصاعد بالفيض النازل، وهنا يتفق الفارابي وابن مسرة –وهما متعاصران- في هذا الموضوع.

والمهم في هذا الصدد أن بعض شروط الفارابي لرئيس المدينة أبعدته عن أفلاطون وقربته من الشريعة الإسلامية، بالرغم من التكلف أحياناً والخطأ في أحيان أخرى، ومما يؤكد ذلك نظرته للبشرية على أنها مجمع يسكن المعمورة وهذه النظرة الشاملة هي نظرة الإسلام، وهي على النقيض من نظرة اليونانيين الذين كانوا يفكرون ببدائل فعلية عن مجتمعاتهم الواقعية، دون تفكير في الأمم والشعوب الأخرى.

وبهذا العرض يرى الدكتور محمد كمال جعفر أن الفارابي كان متمسكاً بعقيدته الإسلامية، ويأسف لتهجم الكثيرين عليه وتكفيره وزندقته كما فعل ابن كثير، والغزالي الذي قصده أساساً مع ابن سينا في كتابه “تهافت الفلاسفة” ومثلهما فعل الشهرستاني والرازي وغيرهم.

فاستلهام الفارابي من القرآن دعاه لتأمل مصائر السابقين وعواقبهم للعظة والعبرة، فلم يقتصر في مدينته الفاضلة على النمط الأمثل، فقد تناول المدينة الجاهلة والفاسقة ومدينة الغلبة والبطش، وحكمه على هذه المدن تدل على استيعابه لمكارم الأخلاق كما قررها الإسلام، ويضوع أريج العقيدة الإسلامية في ثنايا فكره عند حديثه عن أدلة وجود الله، وحين يشير لتعدد أسمائه وصفاته مع توحده وتفرده، ويعزف الفارابي لحن الإيمان في أذن كل ملحد يتعلل بعدم وضوح إدراكه لله، فيبين أن ذلك راجع لضعف عقولنا وملابستها المادة والعدم، فإفراط كماله يبهرنا، فلا نقوى على تصوره على التمام.

وهذا عين التعليل الذي تبناه الغزالي في حديثه عن الألوهية وأنوارها الباهرة التي تعشي بصائر العقول فترتد حسيرة عاجزة عن الدنو المفضي إلى كمال المعرفة والتصور.

وبذلك فلم يكن الفارابي مفتوناً بالفلسفة لدرجة نسيان عقيدته، ولم يكن ممن يضحي بدينه في سبيل فكرته، ونلاحظ أنه حينما وضع الشروط التي ينبغي التقيد بها لطالب الحكمة جعل منها تعلم القرآن وعلوم الشرع أولاً، غير مخل بركن من أركان الشريعة وآداب السنة.

فلا محل إذن للاتهامات المتعلقة بنيته وقصده، فهذه الاتهامات لا يؤيدها دليل، ولا يدعمها برهان، بل هي حصيلة تخمين وظن، وسوء استغلال لنصوص الفارابي.

النبوة في نظر الفارابي
وهذا هو الموضوع الثاني الذي يتجلى فيه حرص الفارابي على عقيدته، ومحاولة تعزيزها بالتماس سند عقلي لأساسها ومصدرها الممثلين بالوحي والنبوة، ومع عدم موافقتنا لكل ما جاء به الفارابي، لكننا لا نغفل دافعه لهذه المعالجة، فقد اجتاحت موجة من الشك والإنكار لبعض أسس الإسلام في القرنين الثالث والرابع الهجريين، نتيجة لاختلاط المسلمين بعناصر مختلفة من ذوي عقائد متباينة، وقد بثت معتقداتها وأثارت الشبهات حول عقائد الإسلام، وبلغ الشك قمته مع التعرض لمصدر الدين وهو الوحي والنبوة، واشتغل علماء الكلام للذود عن العقيدة الإسلامية، وكان هذا هو الدور الإيجابي لعلم الكلام قبل انقلابه لسلاح يفتك بالوحدة الإسلامية، وتتابعت الردود على من أنكر النبوة، كما أنكر الدهريون الألوهية، ويتضح لنا أن فترة حياة الفارابي كانت مليئة بالمجادلات والسجالات حول أهم أصول الإسلام ومبادئه.

حجج منكري النبوة
في معرض الحديث عمن ينكر النبوة عادة ما يشار لرجلين وهما ابن الراوندي، والرازي الطبيب، فالأول من أصل يهودي، ويقال إنه انتمى للمعتزلة، ثم خرج عليهم وعلى الإسلام، وأقواله تبين اعتقاده بطلان النبوة وعدم الحاجة لها، فالعقل يغني عن الرسول، وقد يذهب منكرو النبوة لاعتبار إثباتها مجافياً للعدالة الإلهية، لما فيها من اختصاص وتفضيل لبعض الأشخاص، وأما الرازي الطبيب، فينسب إليه أنه تعلق بالآراء المزدكية والمانوية والمعتقدات الهندية، وينكر على الفلاسفة محاولاتهم التوفيق بين الفلسفة والدين، ويرى بالفلسفة وسيلة وحيدة للإصلاح، ويرى في الأديان تنافس على التطاحن والحروب، وتجدر الإشارة أننا لا نملك مصدراً صحيح النسب للرازي يبين صحة اتهامات بعض خصومه له، فمصدرنا حوله هم خصومه أصلا، خصوصاً من أتباع الحركة الإسماعيلية، وقد لمسنا المعادة والتجني عند دراستنا لسهل التستري فلاحظنا أن تهم خصمه الخوانساري له لا تثبت جميعا إلا واحدة وهي رفضه الانتماء للشيعة، لذلك فالأصل أن نتريث في نسبة كل هذه الآراء للرازي الطبيب.

تفسير الفارابي لظاهرة النبوة
لاحظ الفارابي أن منكري النبوة يدين أكثرهم بالبحث العقلي، ويتزعم معظمهم دعوى حرية الفكر، فاشتغل على جانبين أحدهما في رد الشبه، والثاني بالعمل على منح نظرية النبوة أساساً عقلياً ونفسياً يقبله الذين لا يرتضون إلا الأدلة العقلية، فيعودون إلى الدين، حين يقتنعون بأساسه، وهو الوحي والنبوة.

وتتصل نظرية النبوة عند الفارابي بنظريات المعرفة والسعادة والفيض لديه أيضاً، فقمة المعرفة هي قمة السعادة في نفس الوقت، تنم عن الاتصال بالعقل الفعال الذي احتل المرتبة الثالثة في الوجود في نظام الفارابي الفيضي الذي استقى عناصره من الأفلاطونية المحدثة، وحاول بكل طاقاته ص��غه صبغة إسلامية، والعقل الفعال أعلى مرتبة من العقل الإنساني، ويقع خارجه، وفيه توجد كل الصور والحقائق، وهو الذي يخرج العقل الإنساني من القوة إلى الفعل، وبذلك تكون المعرفة هبة وفيضاً آتياً إلى العقل الإنساني من الخارج، وليست حصيلة الاجتهاد والاكتساب.

أرسطو

أساس نظرية النبوة
لا يمكن أن ينكر أثر نظرية الأحلام عند أرسطو في نظرية النبوة عند الفارابي والكندي كذلك، وملخص النظرية أن النوم هو فقد الإحساس، والحلم ناتج عن المخيلة التي تعظم قوتها أثناء النوم لتخلصها من أعمال اليقظة كما يذكر أرسطو، فأثناء النوم تنشط المخيلة التي تختزن صوراً حسية كثيرة تحدث “الأحلام” فالأحلام ثمرة المخيلة ونتيجة من نتائجها، وقد تبنى الكندي والفارابي هذه النظرية، ومتابعتهما لأرسطو تتوقف عند هذا الحد، ثم ينفردان بالاتجاه الديني في تفسير الأحلام الهامة وغيرها.

والأحلام وردت في القرآن والسنة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤية إلا جاءت كفلق الصبح، على أن علماء المسلمين يميزون بين الرؤية الصادقة وأضغاث الأحلام، مما يشهد مرة أخرى بمستوى صاحب الرؤية النفسي.

وطالما أن الحواس تخمد أثناء النوم وتبرز الصور الذهنية للإحساسات المختلفة فيتشكل الحلم، فكيف يتم الأمر بالنسبة للنبوة؟

قبل ذلك لا بد لنا أن نقول إن أرسطو لا يفسر ما تصنعه المخيلة في النوم تفسيراً يتصل بالوحي الإلهي أو الإلهام الغيبي، لذلك لا مكان في مذهبه للتنبؤ بواسطة النوم، ولا يمكن اعتبار الأحلام نوعاً من الوحي الإلهي، بينما يرى الفارابي أن الإنسان يستطيع بواسطة مخيلته الاتصال بالعالم العلوي واختراق حجب الغيب، وإذا صح أن يكون لإنسان مخيلة جيدة يمكنها التخلص من ربقة الحس، فإنه قادر على الوصول إلى عالم المعرفة والاتصال بالعقل الفعال.

وعلى هذا فيبدو أن الفارابي جعل الأحلام تفسيراً يمكن أن تشرح النبوة والوحي، فالنبي إنسان وهب مخيلة ممتازة نفاذة عظيمة تمكنه من الحصول على الإلهامات السماوية في مختلف الظروف والأوقات، لذلك ليس الأنبياء بحاجة للنوم لتعطل حواسهم ليتم تفريغ المخيلة، بل يستطيعون ذلك حال اليقظة، لكن الأنبياء ليسوا وحدهم في هذا الميدان، فمعهم الفلاسفة الناضجون قادرون كذلك على الاتصال بالعقل الفعال بواسطة التأمل العميق، وتركيز اليقظة.

ويبدو أن الفارابي -بحسب أقواله-كان يرى أن للنبي طاقة أخرى تمكنه من التقاط الوحي واستيعابه، وعليه فلم يجعل الوحي عماد مخيلة النبي.

نقد النظرية
لهذه النظرية رصيد إيجابي يحسب للفارابي، بيد أن لها جوانب أخرى تعد من أخطر مثالبها، فيحسب لها الانتصار لمبدأ النبوة من حيث هي مبدأ في وجه المنكرين لها، لا بالنسبة للمؤمنين بها، ويلاحظ أن الفارابي خلع على العقل الفعال الصفات المأثورة لملك الوحي جبريل الذي أخبر عنه الإسلام، وهو بمجموع عناصر هذه النظرية (النفسية والتجريبية والدينية)، بنى الدعامة الفلسفية للنبوة والوحي ليثبت اتفاقهما مع العقل، ومن ثم لا يصح إنكارهما، وبذلك اطمأن الفارابي أنه وفق بين الدين والفلسفة، دون أن يلاحظ أنه يوفق بين الدين والفلسفة اليونانية بالذات، مع تعسفه بتأويل النصوص الدينية للوصول لذلك.

كما أن هذه النظرية تسوي بين النبي والفيلسوف، ويبدو أن الفارابي لم يأبه بذلك فالمعلومات سواء كانت مكتسبة بالفكر، أو بواسطة مخيلة، فلا فرق بينهما ما دام العقل الفعال مصدرها جميعاً، فقيمة الحقيقة لا ترتبط بالطريق بل بأصلها، والنبي والفيلسوف يرتشفان من معين واحد، على أن الفارابي يبين مقدرة النبي على الصعود للعالم العلوي عن طريق المخيلة أو عن طريق العقل القدسي، وبالتالي فلا مجال لتفضيل الفيلسوف عليه.

لقد توقف الفارابي عند تكافؤ النبي والفيلسوف من حيث المعرفة والرتبة، وهو بذلك يمهد الطريق لمن سيقول باكتساب النبوة، وهذا يتناقض مع كونها اصطفاء إلهي، كما أن النبوة ليست حصيلة نفسية مخترعة، بل تتمثل في تكيف طبيعة الوحي وسيره مع التسليم الكامل بوجود حقائق موضوعية عليا خارج النفس الإنسانية، وهذه النقطة تبقي الفارابي في حظيرة الإسلام، وهي النقطة التي أراد توكيدها لمنكري إمكان الوحي.

لقد تناول الفارابي النبوة بشكل عام وبصورة تجريدية، على الرغم من أن كثيراً من منكري النبوة في عصره كانوا يقصدون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، تمهيداً لإنكار الدين الإسلامي برمته، فلو أولى فلاسفة الإسلام عنايتهم بإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لحققوا جميع الأغراض التي سعوا إلى بعضها ففشلوا، فإذا كان الفارابي منح النبوة أساساً عقلياً يحسبه مقبولاً، فقد سلبها أخص سماتها المتمثل بالاصطفاء.

نمط من الاستدلال على النبوة
يمكن تناول هذه القضية من جانبين، الأول تاريخي موثق، والثاني موضوعي مشاهد، أما الجانب الأول، فيتصل برجل أمي معروف، ادعى النبوة وقدم أدلتها، وألقى تعاليمه التي لا تخدم مصلحته الفردية أو العائلية، ونجح على سائر القوى المحيطة، ولم يكن متسلطاً، وترك حرية الاعتقاد، وأتى بكتاب يتضمن أخباراً وأحكاماً ونصائح ومواعظ، ولقد قام بعد متنبؤون عجزوا عن تقديم ما قدم.

وأما الجانب الموضوعي فيتمثل في القرآن الذي كان حاملاً أمانة تأديته، وتتصدر كثير من آياته بـ قل، ويسألونك وغيرها، ولم يتصرف بالوحي بأي طريقة كانت، بالإضافة لآيات العتاب وما شابهها، كل ذلك يؤكد أنه أدى الوحي كما هو.

وبالعودة لنظرية الفارابي فقد تبناها عدد من فلاسفة الإسلام ونسجوا على منوالها، فاعتنقها ابن سينا، وجعلها متنفسا لآرائه الميتافيزيقية، وكما قلنا إن غايتهم بالدرجة الأولى الرد على من ينكر مبدأ النبوة، وإمكان فهمها عقلاً، لذلك كتب ابن سينا بعنوان “في إثبات النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم”، ولا شك في أن محاولة جعل حقيقة النبوة أمراً ثابتاً مفهوماً شيء، ومحاولة سبر أغوارها وكشف أسرارها، والتوغل في جوهرها شيء آخر، فالمحاولة الأولى تقف عند حد إثباتها والبرهنة عليها وعرض شواهدها، بينما الثانية اقتحام حمى ليس للعقل طاقة به مهما بلغت قدرته.

ويختم الدكتور محمد كمال جعفر حديثه في هذا الباب بعرض أحد عشر نقطة جوهرية تتعلق بالنبوة كما يبينها القرآن.

 

تمثال لابن رشد في قرطبة

محاولة ابن رشد (520 – 595هـ)
ظفرت فلسفة أرسطو بعناية ابن رشد، فخصها بالشرح والإذاعة، ونقد علماء الكلام، ودافع عن الفلسفة باستماتة عله يعيد لها بعض الحياة بعد ن كادت تلفظ أنفاسها على يد الغزالي، واتُّهِمَ بالزندقة، واضطهد حتى نفي وطرد هو وابنه من المسجد ومنع من الصلاة مع الناس.

لقد سادت في المجتمع حينذاك موجة سخط على الفلسفة، وخصوصاً بعد حملة الإمام الغزالي، فكانت الفكرة الشائعة في المجتمع الأندلسي أن الفلسفة بعيدة كل البعد عن الإسلام، وكل من يشتغل بها أهل لأن يرمى بالإلحاد والزندقة، حمل هذا الموقف غير المنصف ابن رشد على الدفاع عن الفلسفة والتفلسف الصحيحين، وراح يثبت بالأدلة العقلية والنقلية أن لا تعارض ولا تناقض بين الدين والفلسفة، ولا يختلف ابن رشد عن جهود من اشتغلوا على قضية التوفيق بين الفلسفة والدين حيث أراد القول إن الفلسفة باعتبار أنها طريق اجتهادي وكسبي، تفضي إلى نفس الحقيقة التي دعا إليها الدين وطريقه الوهبي.

لقد كانت محاولة ابن رشد صعبة، فالفلسفة محرمة، والفلاسفة مضطهدون، وضربة الغزالي للفلاسفة من خلال “تهافت الفلاسفة” ما يزال أثرها فعالاً في ربوع العالم الإسلامي، فكيف يثبت ابن رشد اتفاق الدين مع نمط فكري أثبت الغزالي تكفير أهله في مسائل وتبديعهم في أخرى؟

واجه الكندي من قبل عداء الطاعنين للفلسفة، بيد أنه لم يواجه تأليفاً منظماً يهدم أسسها ويكفر أهلها، فكفاه مجادلة الطاعنين وبيان ضرورة التفلسف ونفعها، وأما ابن رشد فقد واجه مؤلَّفاً دقيقاً ينتقد بالتفصيل آراء فلاسفة المسلمين، ومؤلِّفه علم جليل من أعلام الأشعرية كلامياً، ومن أعلام الصوفية، وتلامذته منبثون في الآفاق، لهم وزنهم وتأثيرهم على طبقات المجتمع، فكيف السبيل لرد المكانة للفلسفة وتبرئة ساحتها؟

أدرك ابن رشد أن السبيل الوحيد لذلك، هو الرد بمؤلَّف يفند ما ورد بكتاب الغزالي فأسماه “تهافت التهافت” ولا بد من ملاحظة أن الغزالي لم يقصد هدم الفلسفة، وإلا لسمى كتابه “تهافت الفلسفة” وإنما أراد دحض وإثبات وتفاهة آراء الفلاسفة المسلمين وبشكل مخصوص الفارابي وابن سينا، لذلك سمى كتابه “تهافت الفلاسفة”، ومهما يكن من أمر فإن ابن رشد أراد أن يمهد لإعادة الثقة إلى الفلسفة.

إن عمل ابن رشد المتقن، جعل معالجته علمية تستند إلى البرهان، والتوفيق بين الدين والفلسفة عند ابن رشد لا يعني جعلهما شيئاً واحدا، فهو لم يغفل استقلال الدين عن الفلسفة، وإن كان ذلك لا يعني تناقضهما بالضرورة، ويمكن أن نلخص المبادئ الأساسية التي وضعها ابن رشد لمحاولته بالتالي:

  1. إيجاب الدين للتفلسف (التفكير).
  2. معاني الدين ذات مستويين أحدهما جلي قريب، وآخر خفي بعيد.
  3. لتأويل النصوص الدينية قواعد، حتى سائر الطرائق العقلية.
  4. تقدير قيمة العقل، وتحديد مدى قدرته وصلته بالدين.

ففي النقطة الأولى بين أن الفلسفة ليست أكثر من النظر في الموجودات باعتبارها تدل على صانعها، وهو بذلك يشبه ابن مسرة في معالجته، ويرد على من يقول إن الفلسفة تؤدي للكفر والغواية بالقول إن ما يقع من كفر وغواية لا يرجع لطبيعة الفلسفة وإنما لنقص نظرة الناظر، أو سوء ترتيب نظره في القضايا الفلسفية، وقد يكون ذلك من غلبة شهواته، أو أنه فهم خطأ لغياب المعلم المرشد،  ويستشهد ابن رشد بالحديث في مسألة الرجل الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسقي أخاه العسل لإسهال كان به.

ويؤكد ابن رشد أن الشرع أوجب النظر العقلي واستنباط المجهول من المعلوم من خلال القياس العقلي والبرهاني الذي حث عليه الشرع.

وفيما يتعلق بالمبدأ الثاني الي يشير إلى ازدواج النظرة إلى النصوص القرآنية على مستويين قريب جلي، وبعيد خفي لا يدرك إلا بالتأويل، فالأول يدركه العامة، والباطن له أهل الخاصة من ذوي البرهان، وابن رشد يقصد هنا أن المعنى الباطني لا بطريقته الصوفية، وإنما ما يتوصل إليه من خلال النطاق العقلي المستند لقواعد المنطق، وهو يقسم الناس إلى ثلاث طوائف: الخطابيون والجدليون والبرهانيون، فالأولى طائفة العامة يقتنعون بالأدلة الخطابية، والجدليون علماء الكلام، وهم أحسن من العامة ودون الفلاسفة، لأن الفلاسفة لا يقنعهم إلا الأدلة البرهانية اليقينية بحسب ابن رشد.

ويقرر ابن رشد أن ذوي الاقتناع الخطابي والجدلي عليهم أن يقبلوا النصوص الشرعية على ظاهرها، وليس لهم تأويلها، فذلك شأن البرهانيين وحدهم، وتلعب فكرة العامة والخاصة لدى ابن رشد دوراً رئيسياً في نظرته للتوفيق بين الدين والفلسفة، فللخاصة وحدهم حق التأويل لأنهم بطبيعتهم برهانيون أي فلاسفة، وهذا يعني أننا بحاجة للفلسفة للقيام بهذا الدور التأويلي، والحقيقة أن مبدأ التأويل عند ابن رشد دليل على هدفه التوفيق بين العقل والوحي، أو بين الدين والفلسفة.

التوفيق بين الفلسفة والدين عند الكندي وابن مسرة

إبراهيم إسماعيل

 

يرى بعض الباحثين أن الحركة الفكرية لمدارس علم الكلام الأولى هي الأب الشرعي للفلسفة الإسلامية، التي استقت فيما بعد من ينابيع أخرى على رأسها فلسفة اليونان، بينما يرفض آخرون هذا الرأي لأن علم الكلام –بحسب رأيهم- قد يشحذ الذهن، ويطور مهارة الجدل، غير أنه لا يقود للتفكير العقلي المنظم، ويستشهد هذا الفريق بالصراع بين الفلسفة وعلم الكلام، بالرغم من تبني علم الكلام للكثير من المصطلحات والمفاهيم الفلسفية، حيث كان ذلك كنوع من تبادل الأسلحة بين المتعارضين.

وثمة رأي آخر يرى أن الفلسفة الإسلامية ماهي إلا فلسفة يونانية بلسان عربي، زينت بأفكار أخلاقية أملاها الإسلام، لكن هذه الإضافات لا تبدل جوهرها، ولعل هذا أقرب الآراء للاعتدال، فالفلسفة اليونانية استمرت في المحيط العربي، مع ملامح جديدة للفكر الإسلامي، بيد أن هذه الملامح غارقة وسط الاقتباسات الكثير لأفكار اليونانيين، على أنه لا بد من القول إن الفكر لا يمكن أن يحتفظ بطابعه الأصلي عند انتقاله إلى بيئة أخرى.

موقف المسلمين من الفلسفة اليونانية
لم يكن الفكر اليوناني الذي بدأ بالدخول في المجال الإسلامي في بدايته صريح التعارض مع الإسلام، فقد ترجمت في البداية العلوم الفلسفية الطبيعية، والمنطقية، والأخلاق، واستقبلت البيئة الإسلامية ذلك بالترحاب، ولم يشتد الصراع بين الفكر الإسلامي والفلسفة اليونانية إلا عند ترجمة الكتب التي تتعرض للمشاكل الميتافيزيقية كالألوهية، ولم يتقبل علماء الكلام أن يكون النبي في كفة، مقارنة مع الفيلسوف في الكفة الأخرى، وأكثر ما أثار ثائرة علماء الدين المحافظين، ما فهموه من إمكان الاستغناء عن الوحي للحصول على معرفة مؤسسة من العقل وحده، والحقيقة أن التدليل على أحقية ما جاء به الرسول، بالقول إنه يمكن الوصول إلى مثله من طريق العقل، يعد في ذاته عملاً محموداً في نظر عالم الدين المتفتح الذي يسره أن يجد مبادئ دينه لا تعارض العقل، ولا تقف في سبيل الفكر، لكن هذا العالم المتفتح يؤكد على خصوصية النبوة فهي منحة إلهية لمصطفًى مختار، أطلعه مباشرة على الحقيقية، بصورة لا تحتمل شكاً ولا ارتياباً، والرسول ناقل أمين للحقائق الإلهية، ولو أمكن الفيلسوف فعل ذلك، فما من حاجة لمبلغ عن الله، وهنا جوهر المشكلة، حيث تبرز الحاجة لمعرفة مصدر أساس المعرفة أهو الدين أم العقل، وهذا الإشكال يوهم أن الدين لا يساير العقل، بل يخالفه، وهذا قول باطل بشهادة الدين نفسه، إن المشكلة تكمن في:

1- مدى وثاقة ما يوحى إلى النبي.

2- مدى أحقية العقل في مناقشة التعاليم والأفكار الدينية، بعد فرض صحتها.

3- أيهما أولى بأن يكون له اليد الطولى؟ الدين؟ أم الفلسفة والفكر الحر؟

للبحث في النقطة الأولى يتطلب التعرض لحقيقة النبوة ووظيفتها وضرورتها، وطبيعة الوحي، وأدلة إمكانياته، وبراهين صدقه…

والبحث في النقطة الثانية يستوجب عرض الأفكار والمبادئ والتعاليم ومدى قدرة العقل على تعليلها أو نقدها أو شرحها شرحاً يرضي الفكر، ويريح النظر، وينتج عن ذلك مشكلة التأويل التي قد تنتج فرقاً كثيرة، ومشكلة التأويل هي التي مكنت الفلاسفة المسلمين من التفكير في التوفيق بين الدين والفلسفة.

وقد يبدو غريباً أن يعمل الفكر ضمن تعاليم أصبحت عقيدة، ويوصف مع ذلك فكرها بالحر، وهنا نقول إن الحرية الفكرية المطلقة وهم وخيال، فالفكر لا يأتي من لا شيء، وثورة الفكر على مذهب معين تنتهي بالوقوع ضحية لمذهب آخر، وأشد الملاحدة ثورة على مبدأ الألوهية يقع فريسة لإلهه هو الذي اتخذه من الطبيعة أو الإنسان أو الحيوان ويشمل ذلك ذاته نفسها، ولنا أن نتأمل أن شك ديكارت بكل ما سبقه من أفكار وعقائد جعلته حبيساً لفكر مذهبه، الذي هو خليط من مذاهب أخرى، وليس مبتكراً سبقه العدم.

حتى الموقف اللاأدري بالرغم من عدم تحيزه لفكرة معينة، لا يمكن وصفه بأنه ينم عن حركة فكرية طليقة، لأنه أحجم عن ممارسة إيجابية فعالة، وبالتالي فحرية الفكر نسبية، تكثر أو تقل، تبعاً لاستعداد الفكر لرؤية الحلول الممكنة لمشكلة ما، ووجود الحلول لا يمنع الفكر من مناقشتها وقبولها.

لوحة تخيلية لمعبد أكروبوليس في أثينا من القرن التاسع عشر

استيعاب ومقاومة الفكر اليوناني
وجدت الفلسفة اليونانية مقاومة في المحيط الإسلامي، لا باعتبارها تمثل فكراً حراً منزها، بل لأنها تباين الروح الإسلامية، ونجد هناك من تابعها وجعل لها اليد الطولى، ومن أعجب بها وسعى إلى التنسيق بينها وبين الدين، ولقد كتب أحدهم كتاباً جمع فيه أحاديث في مكانة العقل، ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن الأحاديث التي تتحدث عن العقل ليست دعوة للفلسفة اليونانية، فهذا من الخلط.

وفي القرآن آيات تدعو إلى التفكير والتبصر والتأمل في صنع الله، وهذه من مواضع اعتزاز المسلمين بتبني الإسلام وتشجيعه للفكر البناء الهادف غير المتحيز، وللأسف فقد أصيب الإسلام من بعض أنصاره المتزمتين، وليتهم أدركوا أن محاربة الفكر المنحرف لا تكون بإخفائه بقدر ما تكون بإظهار عواره وكشف تهافته.

لقد كانت قضية العلاقة بين العقل والوحي، وبالتالي بين الحكمة والنبوة، أو الدين والفلسفة، أو العقل والنقل، قضية حاضرة في المحيط الإسلامي، وقد حاول المفكرون أن يظهروا التوافق بين المصدرين، لكن معظمهم أخطأ حينما ظن التوفيق بين الدين والعقل، يعني التوفيق بين الإسلام والفلسفة اليونانية.

وبالرغم من اتفاق فلاسفة الإسلام على وحدة الحقيقة الدينية والفلسفية إلا أنهم تباينوا من حيث تقديمهم لأحد الجانبين على الآخر، فقد قدم الكندي الوحي على الفلسفة، بينما سوّى الفارابي وابن سينا بينهما تقريباً، وكان لابن رشد رأي باستقلالهما من دون تعارض.

صور التوفيق بين الدين والفلسفة في الفكر الإسلامي
اتخذت محاولات التوفيق بين الدين والفلسفة صوراً شتى، فمنها ما أولى العناية للتركيز على الغاية، كبيان غاية الأخلاق في الفلسفة والدين من حيث سعادة الإنسان، ومنها ما تناول بالمقارنة العامة الخطوط الأساسية لكل من الدين والفلسفة –رغم اختلاف منهجيهما- ومنها ما صدر على هيئة رسائل تشرح سبل وصول الفكر الحر النزيه للحقائق الكبرى التي نادى بها الدين الحق، ومنها ما تبنى إلباس بعض المصطلحات والمبادئ الفلسفية ثوباً دينياً كما يظهر في نظرية الفيض عند الفارابي وابن سينا، ومنها ما اتخذ صورة الرمز والقصص المفضي إلى نفس الغاية من إثبات لقدرة العقل على الوصول إلى الحقائق التي دعا لها الدين، كقصة ابن طفيل “حي بني يقظان” وغيرها كما سيأتي معنا.

1- محاولة الكندي (185 – 256هـ / 801-870م)
كان الكندي فيلسوف العرب الأول الذي واجه لأول مرة الفلسفة اليونانية في المحيط الإسلامي، حيث خالف أرسطو في نقطة الخلق والرعاية واتصال الله بالعالم وإحاطته علماً بذلك، فقد كان أرسطو يرى أن لا علاقة بين الله والعالم إلا في جانب العلة الأولى التي بدأ بها الحركة والحياة في العالم، وبعد ذلك لا يليق بالمحرك أن يتصل بالعالم، وكأنه لم يبق للإله إلا التأمل في ذاته.

فحيث قال أرسطو بقدم العالم، قال الكندي بحدوثه، وحيث يقطع أرسطو الصلة بالله والعالم بعد ذلك، يحتفظ الكندي بتأكيد دوام الصلة والرعاية، ويستند الكندي في كثير من آرائه للقرآن للترجيح.

مؤلفاته
يلاحظ أن أغلب مؤلفات الكندي متصلة بالعالم الطبيعي وظواهره، ولم تظفر المسائل الميتافيزيقية برسائل كثيرة من إنتاجه، ولعل ذلك راجع لعدم قناعة الكندي بمعالجات الفلسفة اليونانية لهذه القضايا، لا سيما وأن الإسلام قد حسم هذه المشكلات الميتافيزيقية كأصل الكون، وحقيقة الخلق المباشر، والعناية الإلهية، وغيرها.

كما كان الكندي عالم كلام على مذهب المعتزلة، وهو بذلك مقتنع بالأدلة العقلية بشقيها المأثور الموجود في الوحي، وما أنتجته قرائح المتكلمين اهتداء بإرشاد القرآن، لذلك فكان للدين وللوحي والنبوة مكانة ترجح ما يأتي عبرها، على ما يأتي من سواها من فلسفات.

مهد الكندي للفلسفة في المحيط الإسلامي، وجعل الاشتغال بها ضرورة، لكنه لم يرجح آراء الفيلسوف على ما يأتي به النبي، ولم يفضل ما يأتي عن طريق الفلسفة على ما يأتي به الدين.

موقف الكندي من النبوة
لم يقصر الكندي وسائل المعرفة على الحس والعقل، بل أضاف إليهما الإشراق الذي تمثل قمته النبوة، ويؤكد أن هذا العلم خاص بهؤلاء الذين اصطفاهم الله، وهذا الاصطفاء ينأى أن يكون ما يأتي به هؤلاء مكتسباً بالبحث والدراسة، فلو أراد الفيلسوف الإجابة عن ذات الأسئلة التي طرحت على الرسل؛ فلن يتمكن من الإجابة عليها بمثل الوضوح الذي أجاب به الأنبياء، ويمثل لذلك برد الوحي على سؤال (من يحيي العظام وهي رميم؟) فكانت خلاصة الآيات تبين أن العظام قد وجدت بالفعل، بعد أن لم تكن، وعليه فمن الممكن إذا صارت رميماً أن توجد من جديد، فجمع المتفرق أسهل من صنعه من العدم، وإن تساوى الأمران بالنسبة لله تعالى، فالقوة التي ابتدعت، يمكن أن تعيد ما أبادت، إن هذا من أعظم الأجوبة برأي الكندي، وهو ما حجبت عنه العقول الجزئية، ويوضح الكندي لرواد الفلسفة أن النبوة ليست إلا مظهراً من مظاهر العناية الإلهية بهذا الكون.

ويظهر لنا أن الكندي أعلى من صوت الدين، وعليه فلم يفكر بالتوفيق بين الطرفين إلا بعد أن تيقن أن الفلسفة الحقة كما عرفها: “علم الأشياء بحقائقها” (علم الربوبية، وعلم الوحدانية، وعلم الفضيلة…) لذلك فصلتها قوية بالدين، فعلم الأشياء بحقائقها هي خلاصة المهمة التي جاء بها الرسل، وبالتالي فقد جمع الكندي بين الدين والفلسفة الحقة على أهداف وحقائق واحدة، ويرفض الكندي من وسم اقتناء الفلسفة بمعنى علم الأشياء بحقائقها بالكفر، ويرى أن دراستها واجبة على أن تسير في ركاب الدين، وأن تخدمه بإخلاص، عبر إثباتها بالأدلة العقلية ما جاء به الرسل، لتنتهي بعد كفاحها إلى ما انتهى إليه الدين، في الحقائق الكبرى المتصلة بالإله والعالم، وبقية الغيبيات.

 

قصر الحمراء في غرناطة بالأندلس

محاولة ابن مسرة (268-319هـ)
عاش ابن مسرة في القرن الثالث الهجري، وبينه وبين الكندي نصف قرن تقريباً، عاش في الأندلس، وتر��د إلى الشرق، واشتغل بالجدل والمناقشات الكلامية، وتجمع المصادر أن له لساناً يتوصل به إلى مراده مهما بعد، وتذكر أنه اتهم بالزندقة، ويعزى لابن مسرة نقل الفلسفة الممزوجة بالغنوص إلى الأندلس، ويعزى له تأسيس نظام باطني أدبي تحمل كلماته معاني غامضة لا يعيها إلا أعضاء مدرسته، وأنه كان مبعوثاً لتأسيس حزب فاطمي في الأندلس، وتذكر المصادر أنه زار البصرة ومكة والمدينة.

رسالة الاعتبار
أرسل تلميذ لابن مسرة رسالة لأستاذه يقول فيها إنه قرأ في بعض الكتب أنه “لا يجد المستدل بالاعتبار من أسفل العالم إلى الأعلى إلا مثل ما دلت عليه الأنبياء من الأعلى إلى الأسفل”، طالباً من أستاذه ابن مسرة شرح ذلك، فكتب رسالته المسماة رسالة الاعتبار، فبين في مطلعها أن العقول نور من نور الله، في فهم أوامره، تتفق مع الصفات التي أوحى الله بها لأنبيائه، ففي كل أرض وسماء ما يدل على الله، فالعالم كتاب يقرأه المستبصرون، ويستشهد بآيات التفكر في السموات والأرض الواردة في القرآن، لينتهي إلى أن كل ما خلق الله موضوع للفكرة، ومطلب للدلالة، وما يزال المعتبرون يتصعدون في العالم وخلائقه من الأسفل إلى الأعلى لينتهوا إلى ما وصف الأنبياء من الآيات العلا، فإذا فكروا أبصروا، وإذا أبصروا وجدوا الحق واحداً كما حكى الرسل، وكما وصفوا الحق سبحانه، فالاعتبار يشهد للنبأ ويصدقه (أي أن التفكير يصدق الوحي)، والنبأ يوافق الاعتبار ولا يخالفه، وبذلك تفضي القلوب إلى حقائق الإيمان، ويمثِّل ابن مسرة لكلامه بالنظر إلى النبات، فهو عود لا حياة فيه، لكن الغذاء يندفع من أسفل إلى أعلى، ويتوزع على الأجزاء المختلفة من عود وقشر وورق وثمر وغيره، هذا مع أن طبيعة الماء التحرك إلى أسفل، غير أنه يرى الغذاء يصعد، مما يدل على أن الصعود لم يصدر عن طبيعة الماء، فالنار وحدها من بين العناصر تتحرك إلى الأعلى، لكن الماء والنار ليس من طبيعتهما التقسيم والتفصيل على النحو الذي نراه في النبات من حيث الشكل والطعم والرائحة، ولا يكفي أيضاً لتفسير ذلك ضم سائر العناصر من هواء وتراب، لاتحاد ذلك في كل النبات، مع تباين الأخير وتعدد صنوفه، وجميع هذه العناصر تعد أضداداً لا تأتلف من نفسها، فلا بد لها من مؤلف يردها بقوته إلى ما هو خلاف طبيعتها، أي من التنافر إلى التآلف، يجب أن يكون المؤلف قوة أكبر من الطبيعة، وترتقى همة الباحث إلى أعلى فيطوف الكواكب والسموات ليتبين له أن كل ذلك مسخر منقاد، فالمفكر هنا يجوب أسفل العالم باحثاً عن مصدر التأثير والتسخير، وما يزال يحلق صعوداً إلى قمة الوجود، مسجلاً ملاحظاته في ضعف النفس الإنسانية وما يعتريها من شيخوخة وتحطم ومفارقة للبدن، ليبين أن عالم النفس لا يصلح لتفسير مظاهر التدبير والانسجام، ثم يترقى للوصول إلى الجانب العقلي الذي يمتاز بالشمول والإحاطة والصفاء والبساطة، لكنه خاضع لمؤثرات خارجية تعلو عليه ولا يعلو عليها، ويكمل ابن مسرة مشواره لينتهي إلى مبدأ متعال، لا مثال له، ولا نهاية له، ولا بدء له، ولا جزء له، ولا غاية له، فتعالى الملك الأعلى.

فجاء خبر النبوة من جهة العرش نازلاً إلى الأرض، فوافق الاعتبار الصاعد من جهة الأرض إلى العرش سواء بسواء، ويختم ابن مسرة بالتأكيد على ضرورة البحث العقلي الهادف، ويذم من يرفض أن يكون للعقل مجال في هذا الميدان مستشهداً بقوله تعالى: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا}.

بين محاولتي ابن مسرة وابن طفيل
كتب ابن طفيل قصة “حي بن يقظان” وجعلها وسيلة فنية ضمنها آرائه ومذهبه الفلسفي، وهي قصة تتحدث عن رضيع وضعته أمه في صندوق في البحر، فاستقر على شاطئ جزيرة خالية من البشر، فتبنته غزالة وأرضعته، ونما حي وراح يلاحظ ويتأمل فعرف كيف يقوم بحاجات نفسه، حتى وصل –بطريق الفلسفة- إلى إدراك أرفع الحقائق في الطبيعة وما وراءها، وحاول الوصول إلى بالله، فاعتزل في مغارة وصام أربعين يوماً متوالية، محاولاً التأمل ليتصل بالله، حتى أدرك ما أراد، وحينها لقي رجلاً تقياً اسمه أبسال جاء من جزيرة مجاورة، فعلمه الكلام، واكتشف أبسال أن طريق حي الفلسفي فيه تفسير للدين الذي يعتقده، إلى نهاية القصة، ويمكننا أن نستخرج منها بعض الأفكار التي أراد ابن طفيل تضمينها:

1- تدرج العقل في سلم المعرفة ابتداء من المحسوسات الجزئية المفرقة، إلى الأفكار الكلية العامة.

2- قدرة العقل على إدراك وجود الله، بدون أي مساعدة تعليمية أو تربوية، لأن تأمل مظاهر الوجود، تدل على الموجد.

3- مع التسليم بقدرة العقل، لكنه لو تجاوز حده يصيبه الكلل والعجز، كمحاولة تصور العدم المطلق أو الأزلية المطلقة وما يشبهها.

4- العقل مصدر إلزام خلقي، ندرك عبره أسس الفضائل، ونخضع له شهوات الجسد.

5- الناس متفاوتون في الإدراك، فهناك خاصة يكاشفوا بدقائق الحِكم، وعامة يخاطبون على قدر عقولهم.

عاش ابن طفيل في القرن السادس الهجري، وحياته لا تشبه حياة ابن مسرة بكثرة التنقلات، فقد كانت حياته مستقرة، ولعل ما يجمع الرجلين حب التأمل، لكن هدوء حياة ابن طفيل منحته قدرة أكبر على التأمل الهادئ، فرسالة الاعتبار كانت إجابة صريحة على سؤال محدد من تلميذ لم يستطع الاجتماع بأستاذه، وأما قصة ابن طفيل فتدرجت بالاستدلال من المحسوس إلى ما وراءه، فحي يبحث عن حقيقة النفس مع موت مرضعته، وبدأ يصعد حتى أدرك الفاعل المنزه عن الحس وأثره في كل شيء، والقصة لا تقتصر على الحس، بل كأنها تشير إلى العقل والإلهام والفيض، وتبين القصة اختلاف الأسلوب الموجه للعامة والوارد على لسان الأنبياء، عن أسلوب الفلاسفة والصوفية، فالأنبياء بينوا الحقائق، بينما كاشف الآخرون، لذلك أدرك أحد شخصيات القصة خطأه حين أراد تعليم الناس الحقيقة عارية عن التمثيل، فالحكماء والمصلحون بعد الرسل لم يعطوا للناس إلا ما ينفعهم ويحصل لهم السعادة.

مسكويه بتبع نفس السبيل
كان أحمد بن يعقوب -الملقب بمسكويه- يرى أن كل نوع يبدأ بالبساطة ثم لا يزال يتعقد ويترقى حتى يبلغ أفق النوع الذي يليه، قبل صورة الحيوان، وكذلك الحيوان يبدأ بسيطاً يترقى حتى يصل مرتبة قريبة من مرتبة الإنسان، والإنسان نفسه لا يزال يترقى ويزداد ذكاء وصحة في التفكير حتى يتعرض به لأحد المنزلتين، إما أن يديم النظر في الحقائق لتلوح له الأمور الإلهية، وإما أن تأتيه تلك الأمور من الله من غير سعي منه، وصاحب المنزلة الأولى هو الفيلسوف، والثانية هو النبي، ويصدق أحدهما الآخر، لاتفاقهما في تلك الحقائق.

بين النبي والفيلسوف
تجب الإشارة إلى أن اتفاق الفيلسوف والنبي على ما لديهما من حقائق قد فهم عند البعض تسوية مطلقة بينهما، بل عد بعضهم الفيلسوف أرقى لأنه جاهد وكافح وتأمل وتفكر، بينما وصلت الحقائق للنبي وهو في دعة وراحة، والحقيقة أن تلاقي الفيلسوف والنبي في عرض الحقائق، لا يعني تساويهما، فشؤون النبوة وأحكام الشريعة فهذا مما لا يدركه الفيلسوف وحده، لكنه أسرع إلى تفهمه إذا عرضت عليه.

والفكرة التي أراد الفلاسفة التركيز عليها هي إمكان الوصول إلى الإيمان بوجود الله عن طريق التأمل الصحيح، والحقيقة أن هذا الإيمان العقلي يؤيده الشرع، لكن الوصول لهذه الحقيقة لا يقتضي الاستغناء عن النبوة، لأن الفئة القادرة على التأمل الصحيح بمثابرة وإخلاص نادرة، والنبوة رسالة لكافة الناس، هذا عدا عن أمور التشريع التي أسلفنا ذكرها، وهي مما يأتي به النبي.

وفي الخلاصة نجد أن أغلب الفلاسفة المسلمون كانوا أوفياء لعقيدتهم، ويمكننا تفهم أقوالهم، وما من داعٍ لإساءة تأويلها.

لماذا يبدو الخطاب الديني متناقضا؟

هادي صلاحات

 

تبرز إحدى أكبر المشاكل التي يواجهها المتلقي للخطاب الديني في التناقض الكبير فيما يتلقاه، فأحدهم يدعي أنّ الحجاب عادة جاهلية، وآخر يشكك بصحة السُنّة.. ناهيك عن داعش ونهجها.

ويتلقى الناس كافة المتناقضات مُغلفة بغلاف الدين، فكيف يمكن اجتماع كل هذه المتناقضات؟ ليكون الدين مجرد غلاف يمكن أن يحوي أي شيء، حتى كاد صحيح الدين أن يصبح ضبابياً، فكل ثابت من ثوابت الإسلام يظهر أحد ما ليخالفه، وبطريقة إقناع قد تبدو منطقية.

الجواب ببساطة أنّ الدين جملة علوم قائمة بذاتها؛ وبالتالي ففي كل علمٍ من علوم الدين يجب اتباع المنهج العلمي للوصول لنتائج صحيحة. وأما حمل الألقاب الأكاديمية، أو إصدار بعض الكتب، فلا تخوِّل صاحبها ليُفسر ويُفتي كيفما شاء، إن لم يتبع منهجاً علمياً قويماً.

فقد أصبح كل من تمكن من الظهور على الشاشات مفتياً ومفسراً وفقيهاً، وباستغلال جهل العامة (أي من غير ذوي الاختصاص) يُمكن إقناعهم بأي شيء، فبانعدام العلم عند المتلقي، يصعب عليه تمييز المنهج العلمي القويم، بالتالي يصبح أي شيء ممكناً، ويمكن التوصل لأي نتيجة يريدها صاحب الخطاب الديني.

وهذا أمر طبيعي يمكن إيجاده حتى في العلوم التجريبية البحتة، فبغياب المنهج العلمي القويم يمكن أن يكون ناتج تفاعل الهيدروجين والأكسجين هو ثاني أكسيد الكربون (مثلاً) وليس الماء، وذلك بالتلاعب بظروف إجراء التجربة ومكوناتها (أي بما يخالف المنهج العلمي)، وبالتالي سيقتنع المتلقي أنّ ثاني أكسيد الكربون ينتج عن تفاعل الهيدروجين والأكسجين.

مما سبق يتضح أنه وبغياب العلم المسبق تزداد أهمية مصادر المعلومات، إذن ما العمل؟ كيف يتعين علينا نحن العامة اختيار مصدر معلوماتنا الشرعية والدينية؟

أظن أنّ الخطوة الأولى هي بناء أساس علمي بسيط وضروري -لا يستلزم الاختصاص- مما لا يسع المسلم جهله، قائم على تعريف المسلمين بأساسيات دينهم وتثبيتها في نفوسهم، فرغم كل محاولات التضليل والتمييع، تبقى ثوابت الدين العامة واضحة المعالم فلا داعي لعلم متخصص لتعلم أنّ الصلاة أو الحجاب هي أحد فرائض الدين، ومن ينادي بغير ذلك فهو شاذ عن القاعدة ويحتاج كلامه إلى نظر.

لكن ما الذي يدعو الشباب للانقياد خلف الأقوال الشاذة دون التأكد من مدى صحتها وسلامة نهجها؟

أحد أهم الأسباب لذلك هو إغفال الشباب للمكانة العلمية للمتلقّى عنه؛ فللعلماء مراتب واختصاصات يكمّل كل منها الآخر، وهناك الدعاة الذين ليس بالضرورة أن يكونوا أصحاب علم. وأخيراً هناك الدخلاء على العلم الشرعي، وهم من يتخذون الدين وسيلة للحصول على المال أو الشهرة ونحوه، فمنهم من يتخذ الآراء الشاذة سبيلاً لتحقيق الشهرة، ومنهم من يرضخ لإرادة أصحاب وسائل الإعلام، أو يكون أداة في يد أصحاب النفوذ والسلطة وما إلى ذلك. وفي كثير من الأحيان يشمل ذلك أئمة المساجد؛ ليكونوا مجرد أشخاص درسوا في كليات تقبل أقل شروط القبول بغية الحصول على وظيفة، وفي هذه الحالة هم موظفون وحسب، ليسوا مصدراً للعلم الشرعي ولا أهلاً للخطاب الديني.

التقليد والتجديد
يتهم الشباب الخطاب الديني بالضعف، فمع حال أئمة المساجد آنفي الذكر، وفي ظل ما تعانيه الأمة من انهزام وما يقوم به الإعلام من تزييف للحقائق، وما يعانيه الشباب من جهل بالعلم الشرعي وغياب للاستعلاء الإيماني، أصبح الشباب يهرولون نحو كل من يدّعي التجديد. فيأتي مدّعو التجديد هؤلاء فيُسمّون الخطاب الديني بـ”الخطاب التقليدي”، ويميعون الدين ويضيعونه، في محاولتهم لأسلمة قيم الرأسمالية والعلمانية والعولمة، مستغلين انجذاب الشباب إليهم لدسّ ما يحلو لهم من أفكار.

وهؤلاء الداعون للتجديد أصحاب خطابٍ ومخاطَبين، يُعاملون الدين معاملة العلوم التجريبية؛ فيفترضون أنّ الدين يتقدم بمرور الوقت، وعليه فيجب استحداث اساليب جديدة لأنَّ كل قديم عفا عليه الزمن. وهؤلاء قد نسوا -أو تناسوا- أنّه من الطبيعي -بالعموم وليس بالإطلاق- وبمرور الزمن أن يقل فهمنا للوحي المُنزل منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، بسبب قلة العلم بأسباب النزول وبعلوم اللغة وغيرها من ضروريات فهم الوحي من جهة، وضعف منظومة تعليم العلم الشرعي -المشار لها سابقاً- من جهة أخرى.

ولنعد لما يتعلق بالادعاءات الشاذة؛ حيث يتوجب على المسلم المهتم بهذه الادعاءات مقارنتها بما لديه من ثوابت عامة وأساس علمي -تمت الإشارة لضرورته فيما سبق- وإنّ الحق سيكون جلياً من خلال قوة الحجج ومدى انسجامها مع الوحي سواء لدى صاحب الادعاء أو من يردُّ عليه.

وبالتالي إن ثبت أنّ أحدهم يعاني الجهل ويتحدث فيما لا يفقه، أو أنه يستخدم التدليس والخداع لإثبات رأيه، فهذا كفيل بإسقاط ادعاءاته المستقبلية مباشرة بسقوط المنادي بها. وبالمقابل إن وجِد آخر ثبت أنه يتبع منهجاً علمياً موضوعياً ويحيل الأمور لأهل الاختصاص، فهذا كفيلٌ بجعله ثقة للأخذ عنه.

هذا وليس كل غريب على العوام غريب على العلماء، وهنا يكمن الفرق بين الادعاءات الضالة المضللة، وبين صحيح الدين غير المألوف لدى العامة. ففي الحالة الأولى؛ يكون الادعاء مثيراً للجدل ويستهجنه العلماء ويردون عليه، ويصدر من أدعياء العلم؛ وأما الحالة الثانية، فهي العكس تماماً. وبالعودة لتفاعل تكوّن الماء، فإنّ “خليط” الأكسجين والهيدروجين -وبنفس النسب- يُستخدم في اللحام ومعالجة المواد الحرارية، أمر قد يستغربه العوام لكنه بديهي لأهل الاختصاص.

والتثقف العام بالدين لا يمنع أن تجول في بال المسلم أسئلة وشبهات، لكن المهم هو محاولته إيجاد الإجابات من المصادر الصحيحة؛ فلا يتعرف على دينه من خلال شبهات المُضللين، وعلى السؤال أن يقترن بيقين وجود الإجابة، فيكون سؤالاً بغرض طلب العلم، لا بغية مهاجمة الدين أو التشكيك به. لكن هل هذا يعني عدم وجود مسائل جزئية خلافية؟

بالطبع لا، فالعلوم الإنسانية عموماً فيها أمور خلافية؛ فإذا كان علم كالمحاسبة -وهو أقرب العلوم الإنسانية للعلوم البحتة لتعامله مع أرقام وكميات- فيه اختلافات شاسعة تتجسد في المرونة العالية والخيارات الكثيرة التي توفرها المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، فكيف بالعلم الشرعي الذي يضبط كافة نواحي الحياة للفرد المسلم؟!

لكن الخطاب التجديدي يتخذ فكرة الخلاف ذريعة لجعل كثير من أمور الدين خلافية حتى الثوابت منها؛ فتطغى على العوام النسبية السفسطائية المطلقة والمفضية إلى العدمية، فتُسلب الحقائق قيمتها وتصبح ثوابت الدين “وجهات نظر”.

وأما الخلافات السائغة فتُترك للعلماء، فلا يصح أن يتجادل العامّة، بأمور اختلف فيها أهل الاختصاص. وعلى المسلم ألا ينشغل إلا بما يفيده ويَمضي في حياته فيما يحقق الخير له ولأمته، دون الانشغال فيما لا يفقه أو فيما لا يساعده على العمل والتأثير والإنجاز.

وختاماً؛ فإنَّ الله تعهد هذا الدين بالحفظ، مهما بلغت محاولات تمييعه وتضييعه، ومهما اشتد الحكّام سطوة واشتدت أبواقهم خنوعاً. ويكمن واجبنا في تحري الحق وعبادة الله على مراده، سائلين الله أن يرزقنا علماءً يسعون إلى الحق دون غايات مضمرة أو محاباة لأي أحد، لا يقصدون تعنتاً ولا تساهلا بل يتحرون مراد الله سبحانه، ويقدمون نموذجاً للخطاب الشرعي الصحيح، يسعون لنشره ليكونوا منبراً للحق منارةً للهدى.

مصادر المعرفة

أحمد دعدوش


تعريفات
المعرفة: مصطلح يدل على إدراك صور الأشياء أو صفاتها أو إدراك المعاني المجردة (مثل الصدق والحرية) سواء كان لها وجود موضوعي أو في الذهن فقط.

العلم: حسب تعريف أهل المنطق هو إدراك الشيء أو المعنى على ما هو عليه في الواقع، أي أنه المعرفة الصحيحة التي تتطابق فيه الصورة الذهنية للشيء مع واقع هذا الشيء. أما “العلم” بالاصطلاح الشائع اليوم فهو ترجمة غير دقيقة لكلمة science التي تتعلق بنتائج العلم التجريبي فقط.

الخبرة Experience: هي تراكم المعارف التي يكتسبها الإنسان في حياته عبر نشاطه الذاتي وتفاعله مع عناصر البيئة المحيطة به، فهي مجموع المعارف العملية لكل فرد على حدة، وتعد لدى المدرسة البراغماتية المصدر الأساسي للمعرفة الإنسانية.

اليقين: هو الجزم بأن معرفة الشخص لأمر ما هي مطابقة للواقع قطعا (أي علم) مع وجود الدليل القاطع على ذلك. واليقين يورث الطمأنينة في القلب لأنه لا يحتمل وجود النقيض، وهو ما طلبه إبراهيم عليه السلام عندما قال {رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أولم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260].

الاعتقاد: هو الجزم بأن المعرفة مطابقة للواقع قطعا ولكن دون تقديم دليل قاطع، وهذا هو “الإيمان”. وفي حال كون الاعتقاد خاطئا أصلا فهو “اعتقاد فاسد”، ولكنه قد يكون صحيحا بالرغم من عدم تقديم الدليل.

الظن الراجح: هو الذي يكون أقل وثوقية من اليقين، فتتراوح نسبة الوثوق فيه ما بين 99% و51%.

الشك: هو الذي تتساوى فيها الاحتمالات تساوياً تاماً، فلا يكون لبعضها رجحان على بعض، وتكون نسبة الوثوق فيه 50%.

الظن المرجوح: هو الظن الوهمي، ويسمى “وهماً”، وهو ما كانت نسبة الوثوق فيه أقل من 50%، وإذا وصلت النسبة إلى الصفر فهو باطل بيقين.

هل المعرفة ممكنة؟
قبل بحثنا عن المعرفة وأدواتها، يجدر بنا التعرف على آراء الفلاسفة في إمكانية الوصول إلى المعرفة أولا، حيث اختلفت العقول كعادتها في الإجابة عن هذا السؤال إلى درجة تقديم أطروحات في غاية الغرابة.

ربما كان السفسطائيون في اليونان هم أول من شكك في إمكانية تحصيل المعرفة، وكانوا على ثلاثة آراء، هي:

1-  اللاأدرية: هم الذين يشكّون في إمكانية معرفة وجود الأشياء وخواصها، فهم يعتبرون أن التوصل إلى اليقين أمر مستحيل ويقدحون في كون الحواس والعقل مصادر موثوقة للمعرفة، وهكذا يمتنعون عن الجزم بأي شيء.

2- العِنادية: هم الذين يقولون إن أي قضية بديهية أو نظرية لا بد أن يكون هناك ما يعارضها، فيجزمون بأنه لا توجد حقائق في الكون.

3- العِندية: هم الذين أنكروا حقائق الأشياء، وزعموا أنه لا توجد حقيقة موضوعية، فما يراه أي شخص موجوداً فهو عنده موجود، ولا يصبح موجودا عند غيره حتى يراه كذلك، فالوجود والعدم والحق والباطل والمعايير كلها نسبية تتعلق بكل شخص على حدة، وهو ما يلخصه بروتاغوراس بقوله “الإنسان هو معيار كل شيء”.

بيرون

يعد الفيلسوف بيرون من أشهر الشكاك في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، فقد رحل مع جيش الإسكندر الكبير إلى الهند، وتلقى الفلسفة هناك على يد طائفة من الهندوس تسمى “الفلاسفة العراة”، الذين ما زال لهم وجود حتى اليوم في الهند وهم لا يرتدون أي ملابس تستر عوراتهم، ويُعتقد أنه أخذ عنهم بعض آرائهم عن التشكك ثم نقلها إلى اليونان.

رأى بيرون أن جميع الأديان والأساطير من حوله غير مقنعة، فقرر بذلك أن الحقيقة لا يمكن الوصول إليها وأنه ينبغي على الفيلسوف أن يبحث عن الطمأنينة لا الحقيقة، وكي لا يبقى الإنسان بلا عقيدة نصح أتباعه بأن يقبلوا الأساطير السائدة في بلادهم وزمانهم دون اكتراث لمدى صحتها.

انتهى الأمر بفلسفة بيرون إلى السلبية، حيث قرر أن أفضل ما يفعله الإنسان هو أن يقبل الحياة كما هي دون أن يحاول إصلاح العالم، وحتى دون أن يبذل جهدا في تجنب الأخطار ومعالجة الأمراض.

ومع أن النزعة الشكية انتشرت في اليونان وكادت أن تخرب العقول إلا أن الفيلسوف سقراط تمكن من الرد عليهم وتسخيف منهجهم، ثم تصدى لهم من بعده أفلاطون وأرسطو، فأنقذوا بلادهم من السقوط في العدمية، إذ يمكننا أن نتخيل مصير أي مجتمع ينتشر فيه هذا النوع من الشك الذي ينفي اليقين ويجعل المعرفة أمرا مستحيلا، بل ويترك معيار الحكم على الأخلاق والمعارف إلى الفرد ذاته بنسبية مطلقة.

السفسطائية “sophism”
هي حركة فكرية انتشرت في اليونان، وتحديدا في مدينة أثينا، خلال النصف الأخير من القرن الخامس قبل الميلاد، واشتهرت بنقل اهتمامات الفلاسفة من التأمل في القوانين الطبيعية والكونية إلى شؤون الإنسان الأخلاقية والسياسية، حيث كان الإنسان موضع اهتمام الأدباء وليس الفلاسفة، وتزامن ذلك مع قيام حروب دامية بين اليونان والفرس وبين أثينا وإسبرطة، وتزعزع الحكم الديمقراطي الأثيني، وتسلط الأرستقراطيين على الحكم مما جعل الأخلاق والسياسة وحقوق الناس هي القضايا المصيرية التي تستحق اهتمام الفلاسفة.

هنا ظهر فلاسفة الجماعة السفسطائية، وعلى رأسها “بروتاغوراس” و”غورجياس”، الذين سخِروا من الاهتمام بالقضايا الميتافيزيقية (الدينية والأسطورية) وركزوا اهتمامهم على السياسة والفصاحة والنجاح الدنيوي، وأصبح معيار الحق والعدل لديهم مرتبط بمدى قدرة الإنسان على المناظرة والجدل والمواهب الخطابية في إقناع الجماهير.

ميشيل دي مونتين

في القرن السادس عشر، أعاد الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين إحياء مذهب الشك، وكان له أثر كبير في إدخال الشك في فكر الحداثة، حيث تأثر به بعض المفكرين الذين انتهى بهم الحال إلى العدمية، ثم طوّر الفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم (توفي عام 1777م) فكرة الشك وقال إن المعرفة ليست مؤكدة بل مبنية على تصور الإنسان وإدراكه للأشياء.

استبعد هيوم مفهوم المعرفة الفطرية والمبادئ العقلية (البديهيات) وزعم أنها مكتسبة من العادة والتجربة وليست فطرية، كما أنكر الرابطة الضرورية بين السبب والمسبب (السببية) وحولها إلى رابطة ظاهرية ناتجة عن الألفة والعادة، فيقول مثلا إننا نعتقد بأن قطعة الفحم تشتعل عندما تُلقى في النار لأننا اعتدنا على رؤية ذلك كلما جربناه، ولكن ما الذي يضمن لنا أن التجربة ستنجح في المرة التالية؟

ومن الواضح أن نفي السببية يعني السقوط في نسبية مطلقة واستحالة الوصول إلى معرفة حقيقية أو يقينية، ما دفع بعدد من كبار الفلاسفة للرد على هيوم، وعلى رأسهم الألماني إيمانويل كانط (توفي عام 1804م) الذي يُعتبر اليوم بمثابة المنقذ للعقل الغربي من السقوط في الشك العدمي.

وفي مناقشة طويلة ومعقدة، أقام كانط حجته على أن شكية هيوم لن تؤدي إلى الشك في قيام عالم موضوعي بل إلى زعزعة اعتقادنا بضرورة السببية فقط، فينبغي أن ننطلق من مسلّمة بوجود تعاقب موضوعي بين الحوادث مستقلا عن إدراكاتنا الحسية، ثم نسأل: كيف نميز بين التعاقب في أفكارنا والتعاقب في الحوادث الموضوعية؟

الرد على الشك الفلسفي
وللرد على الشكاك والريبيين، نقتبس بإيجاز من كتاب الدكتور راجح الكردي “نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة” النقاط التالية:

1- ركز الشكاك طعنهم في الحواس كمصدر وحيد للمعرفة وأنها أساس البديهيات، وقد رد عليهم أفلاطون بأن أخطاء الحواس لا يصح الإستناد إليها في إنكار العلم لأنه يمكن تصحيحها، سواء باستخدام حاسة أخرى أو بالتجربة مع العقل والبرهان. كما أنه من الممكن جدا تصحيح أخطاء الحواس والتمييز بين حواس كل شخص على حدة بمنهج عقلي سليم تمحص فيه الحقيقة، فما تقدمه الحواس المختلفة من نتائج قد تكون مختلفة ولكنها ليست متناقضة، بينما يزعم الشكاك أنها متناقضة.

2- اختلاف الآراء جائز ولكن اتفاق الناس على أمور أساسية من البديهيات والمسلمات المعقولة والمبادىء ليس مستحيلا، مثل الاتفاق على الفضائل الأخلاقية والحقائق الرياضية.

3- هناك قضايا تتضح صحتها في العقل بمجرد تصورها بدون برهان، وهي قضايا بديهية أولية ومطلقة، فمن ذا الذي لا يصدق أن الكل أكبر من الجزء؟ ومن الذي يطلب دليلا عليه؟

أما الشك المطلق الذي ينفي إمكانية التعرف على الحقيقة نهائيا، فيردّ عليه الدكتور الكردي بما يلي:

1- إذا أراد الشاك إثبات مذهبه والبرهنة على صحة قوله فهذا يتطلب منه الاعتراف بأنه يستطيع أن يعلم شيئا علما يقينيا، وهذا يناقض دعواه بامتناع اليقين.

2- الشاك إما أن يعلم وجوب الشك في كل شيء وهذا يعني أنه يعلم علما يقينيا بأنه ينبغي أن يشك في كل شيء، ويعلم من ثم علما يقينيا بأنه لا ينبغي الشك في كل شيء، وإما أن يعلم علما يقينياً أن مذهبه راجح فقط، فلديه مرجح يأخذ به. وإما أن يعترف بأنه لا يعلم علما يقينيا ولا راجحا وحينئذ فهو لا يضع الشك كمذهب ويقر بالعجز.

3- الشك نفسه يتضمن ثلاث بديهيات يأبى العقل الشك فيها، وهي: وجود الذات المفكرة (ذات الشخص الشاك نفسه فهو يعلم يقينا أنه موجود ويفكر)، وعدم جواز التناقض (لأنه يعلم ما الشك وما العلم وما الجهل وما اليقين وما الإنسان… إلخ، فهو يقر أن اليقين غير الشك وأنه من غير المستطاع أن يجمع بين الإثبات والنفي معا)، وكفاية العقل لمعرفة الحقيقة (فهو يعول على عقله في طرح مذهبه).

لودفيغ فتغنشتاين

يقول الفيلسوف النمساوي لودفيغ فتغنشتاين إن الشك يستلزم مرجعاً، ما يعني أن الشك المطلق لغو، فهو استخدام خاطئ لكلمة الشك التي يستخدمها الشخص العادي عند المقارنة مع اليقين. وعندما كان يتحدث هيوم عن الشك مستخفاً بوجود العالم المادي وبالمعرفة الإنسانية فهو لم ينتبه إلى أنه قد تعلّم الشك نفسه من لغة الإنسان العادي، وكان عليه أن يستخدم لغة أخرى خاصة لا يفهمها إلا هو بناء على مفهومه المطلق للشك.

الشك المنهجي
إذا كان الشك الفلسفي -الذي تحدثنا عنه أعلاه- مذهبا مستقلا يقوم على إنكار المعرفة فإن الشك المنهجي يجعل من الشك مجرد وسيلة للوصول إلى اليقين، ويتطلب ذلك من الباحث أن يجرد عقله عن كل المعلومات والأفكار والمعارف، وينطلق تدريجيا بالتأمل والتفكير نحو اكتساب الحقائق المجردة.

أرسطو

أوصى أرسطو (توفي عام 322ق.م) في وقت مبكر بضرورة الشك المنهجي، وقال إن هناك علاقة ضرورية بين الشك والمعرفة الصحيحة، لأن المعرفة التي تعقب الشك أقرب إلى الصواب.

كان أبو حامد الغزالي (حجة الإسلام المتوفى عام 1111م) أيضا من رواد هذا الشك، ففي كتاب “المنقذ من الضلال” تحدث عن تجربته مع الشك عندما بدأ بالشك في الحواس لعدم قدرتها على كشف الكثير من مظاهر الزيغ، ثم أخذ يشك في العقل نفسه إزاء نتيجة خوضه في المناظرات الفكرية العميقة مع شتى التيارات الفكرية السائدة، حتى وصل به الأمر إلى المرض النفسي والجسدي (الاكتئاب)، حيث كان يعاني من صعوبة في الكلام وفقدان الشهية للطعام، واستمر على هذا الحال ستة أشھر، ولم ينته إلا بعد أن قذف الله في صدره نور الحقيقة، فاستعاد عقله الثقة بالبديهيات والحقائق الأولى، ورجع إليه إيمانه بالمحسوسات والمعقولات. وقد دفعته هذه التجربة إلى الميل نحو الكشف الصوفي بعد أن كان من المؤيدين للمنهج العقلاني، لكن الأرجح أن تخلى عن المنهج الصوفي في المرحلة الأخيرة من حياته.

في القرن السابع عشر سار الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت على خطا الغزالي، وقال إنه ينبغي علينا أن نطرح كل ما في داخل عقلنا من معارف، ونشك في جميع طرق العلم وأساليبه، حتى نصل إلى العقل مجردا خالصا. وقد مارس بنفسه هذا النهج في التأمل وطرح الاعتقاد بوجود كل شيء، حتى وصل إلى حقيقة واحدة يجب الإيمان بها وهي أنه يفكر، واستنتج منها المقولة الأولى للمعرفة “أنا أفكر، إذن أنا موجود”، ثم استنتج من تلك الحقيقة حقيقة وجود الله وبقية الحقائق الأخرى.

طبيعة المعرفة
بعد الانتهاء من نقض الشك الفلسفي المطلق، والاعتقاد بإمكانية المعرفة واليقين، تفرعت مذاهب الفلاسفة في طبيعة معرفة الإنسان للأشياء وكيفية إدراكه لها إلى تيارين رئيسين، ثم حاول البعض إنشاء تيار توفيقي ثالث، ونوجزها بما يلي:

1- الواقعية: هو تيار يشمل مذاهب عديدة، وتعتقد جميعها بوجود عالم خارجي للموضوعات (الأشياء) مستقل عن الذات العارفة (الإنسان)، فمعرفة العقل للأشياء مطابقة للاشياء كما هي في الواقع، وهذا يعني أن المعرفة هي الصورة المنعكسة للعالم الخارجي في العقل.

ومن مذاهب هذا التيار الاعتقاد بصحة إدراك الحواس بشكل تام، وهو ما ثبت خطؤه بالتجربة، فالحواس قد تكون خادعة أحيانا مثل خدعة السراب.

ومن مذاهبه أيضا الواقعية النقدية التي تخفف من غلو الاعتقاد بصحة مدركات الحواس وترى أن المعرفة ليست مطابقة لهذه المدركات بل هي صورة معدلة في العقل، وهذا هو مذهب “الوضعية” الذي يرفع من قيمة العلم التجريبي ويجعل الفكر مجرد انعكاس للوجود المادي.

2- المثالية: أصحاب هذا التيار لا يرون وجودا إلا للفكر وتصوراته، فالمادة والأشياء كلها تابعة لما يفكر به العقل، ولا وجود للشيء إذا لم يدركه العقل، حتى أصبح العالم الموضوعي لدى بعضهم مجرد أفكار وخواطر، وهو تطرف غير منطقي وتنكره التجربة، فهناك أشياء موجودة في الكون ولا يدركها أي عقل، وهناك أشياء كانت موجودة منذ ملايين السنين ولم تُدرك إلا في وقت متأخر، ما دفعهم إلى القول إن تلك الأشياء كانت موجودة في “عقل إلهي” ثم استقبلها العقل البشري منه.

إيمانويل كانط

3- التيار النقدي: وضع الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط مذهبا نقديا للتوفيق بين الواقعية والمثالية، فميز بين الظواهر العقلية السابقة على التجربة وبين الظواهر التي تكتسب بالحواس، وقال إن المعرفة لا تكتسب إلا بالحس والعقل معا، فنحن لا نعرف الأشياء كما هي بل كما تظهر لنا فقط، ومعرفتها تتم عبر نقلها بالحواس إلى الذهن ثم مطابقتها للمقولات والمبادئ العقلية.

منذ بداية القرن التاسع عشر، أصبح مذهب كانط بمثابة المرجع الأساسي للفكر الغربي، حيث أعاد للعقل بعض التوازن باتخاذه موقفا وسطيا والاعتقاد بوجود مبادئ فطرية وضرورية في العقل، لكن مذهبه لم يتمكن من إلغاء النظرة الوضعية لأنه جعل استخدام المبادئ الفطرية في غير المحسوس أمراً مستحيلاً، مما جعل إدراك العقل للحقائق الجزئية بمثابة حقيقة كلية، فقد ميّز كانط بين ما أسماه بالعقل النظري والعقل العملي، وأنكر قدرة العقل النظري (الخالص) على الوصول إلى “معرفة راسخة للحق العلوي”، فالعقل حسب رأيه لا ينتج معرفة ما لم يتصل بالأشياء المادية والتجارب الحسية التي تمدُّه بالمادة والمضمون عبر قوة الفهم، ومع ذلك فقد رأى كانط أنه لا بد من الاعتقاد بوجود إله ويوم آخر لتأسيس فعل أخلاقي.

وهذا يعني أن كانط لم يكن متوازنا ووسطيا بالفعل، بل أعطى المادة قيمة أكبر ولم يعترف بقيمة المبادئ الفطرية العقلية إلا بشكل تابع للمادة، حتى لم يجد مبررا لوجود الإله إلا من حيث الضرورة لتبرير الأخلاق، وهكذا أصبح الدين في العقل الغربي مسألة نفسية ذاتية خارجة عن مفهوم الحقائق، وأصبحت الوقائع تابعة لمصلحة الإنسان بدلاً من اعتماد العقل للبحث عن حقائق الأشياء [انظر مقال البراغماتية].

والمفارقة أن العقل الغربي الوضعي، الذي يعتقد أن المعرفة الدينية تحتاج إلى إيمان غيبي غير عقلاني، لا ينتبه إلى أن معرفته الوضعية المادية ليست أقل غيبية، فهو يجزم بمرجعية المادة وحدها دون برهان مع أنها مجرد خيار واحد من بين خيارات أخرى ممكنة.

ويجدر بالذكر أن المذاهب الحداثية كلها فقدت الكثير من بريقها في القرن العشرين مع ظهور تيارات ما بعد الحداثة وفيزياء الكم، بما فيها المذهب النقدي لكانط، حيث أدرك الكثيرون أن الأسس التي صاغت المعرفة الغربية نشأت داخل حركة تاريخية متأثرة بتسلط الكنيسة السياسي ومحاربتها للعلم، وهناك اعتقاد شائع اليوم بين فلاسفة العلم والعلماء التجريبيين أن المعرفة الكلية مستحيلة، وأن المعرفة العلمية المادية ليست يقينية.

مصادر المعرفة

بعد استعادة الإنسان ثقته بإمكانية التوصل إلى المعرفة، سيجد نفسه أمام عدة تيارات فكرية يؤمن كل منها بأولوية أحد المصادر أو الوسائل المؤدية للمعرفة، فهناك من يرى أن المعرفة لا تتحقق إلا بوسيلة واحدة، وهناك من يؤمن بمصادر أخرى غير أنه يثق بواحدة منها للتوصل إلى اليقين.

وسنتحدث فيما يلي عن خمسة مصادر رئيسة للمعرفة، وهي الإلهام والحدس والكشف، العقل، الحس، الإجماع، والوحي. ويجدر بالذكر أن مدارس الفلسفة الحداثية وما بعد الحداثية والعلماء التجريبيون لا يعترفون بالوحي والكشف، دون أن يمنع ذلك عشرات الملايين في الغرب من التمسك بإيمانهم بالوحي المسيحي-اليهودي وبالكشف على الطريقة الباطنية الغنوصية. وسنستعرض فيما موجزا لهذه المصادر الخمسة.

المصدر الأول: الإلهام والحدس

الإلهام هو ما يلقيه الإله في الروع، وبحسب المتصوفة فهو الإيقاع في القلب من العلم غير القائم على الاستدلال، أما أتباع المذاهب الباطنية الغنوصية الذين يؤمنون بوجود ما يسمى بالعقل الفعال، مثل ابن سينا، فيقولون إن الإلهام هو ما يلقيه العقل الفعال في نفس الإنسان المؤيدة بشدة الصفاء.

وحدوث الإلهام يسمى بالإشراق والكشف والذوق لدى المتصوفة، أما الجزء البشري الذي يحدث فيه هذا الإشراق فيسمونه بالبصيرة، وهو يرى حقائق الأشياء وبواطنها كما يرى البصر ظواهر الأشياء المادية.

أما الحدس فهو الانتقال السريع للذهن من المبادئ إلى المطالب، ويعرّفه ديكارت بأنه عمل عقلي يدرك به الذهن حقيقة ما بشكل تام وبزمن واحد، أي بدون تدرج في الاستدلال، فهذا النوع من المعرفة يحصل تلقائيا في الذهن بمجرد تصور أمر ما ودون استدلال منطقي، ويضرب أهل المنطق على ذلك مثالا بقولهم إن مجرد رؤية أحدنا لشعاع ضوء يتسلل من ثقب في جدار يدفع الذهن للاعتقاد مباشرة بأن هناك مصدرا للضوء وراءه دون تفكير ولا تأمل.

هنري برغسون

أما الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (توفي عام 1941م) فقد وضع مذهبا فلسفيا جديدا في القرن العشرين على مفهوم الحدس، معتبرا أن الحدس عند الإنسان يشبه الغريزة عند الحيوان، وهو أمر لا يمكن التعبير عنه بالكلمات بل يجب تذوقه ومعايشته واختباره من قبل كل شخص على حدة حتى يكتسب به المعرفة. وبما أنه فيلسوف غربي من أصل يهودي فلم يكن ميالا إلى الإيمان بالإله المجرَّد بالرغم من أفكاره التي تبدو صوفية للوهلة الأولى، بل جعل الحدس معرفة منبثقة من داخل الإنسان وليست مصدرا للمعرفة التي تهبط عليه من الإله.

كان هنري برغسون يرى أن الحياة انطلقت من خزان كبير وانتشرت بين الكواكب، ثم اتخذت أشكالا متنوعة على شكل مادي، ومن الواضح أن هذه الفكرة الميتافيزيقية (الغيبية) لتفسير نشوء الكون والحياة لا يؤيدها أي دليل.

يضع برغسون المادة والحياة في موقعين متقابلين، فالحياة انطلاق وحرية، والمادة سكون وخضوع للقوانين الفيزيائية، وكلما اكتسب الشيء قدرا أكبر من الحياة كان أسمى، وهو ما يفسر سمو الإنسان على بقية الموجودات، وهو يختلف عن التطوريين (أتباع نظرية داروين) في أن لكل كائن حي قدره الخاص من الحياة والمادة منذ البداية، وإذا كان الحيوان يمتلك غريزة للتوصل إلى معرفته الخاصة فإن الإنسان يمتلك عقلا بالمقابل، كما يمتلك أيضا وجدانا أو بصيرة يتوصل بها إلى الحدس الذي هو أسمى أنواع المعرفة.

يضع برغسون أيضا الزمان والمكان في موقعين متقابلين، فالزمان متغير وحر، والمكان جامد ومقيد. والزمان هو الواقع الحقيقي وهو الحياة، وبما أن الكائنات الحية تعيش في حالة صيرورة دائمة بالانتقال من حال إلى آخر فإن علاقتها بالزمان هي “الديمومة”.

والتغير المستمر للأحياء هو حالة من التطور الخلاق، وهذه الحياة المبدعة هي الإله نفسه برأيه، فهي التي توجد الأشياء وتتابع تتطورها، وهي نفسها في حالة تطور. أما المعرفة الحقيقية لهذا الواقع الحي المتطور فهي الحدس، لأن العقل لا يستطيع أن يدرك الحياة بخصوصيتها، وعلى كل حي أن يندمج مع الحياة الباطنة ليتوصل إلى هذه المعرفة اليقينية المطلقة.

ويرى بعض المفكرين أن برغسون لم يأت بجديد، وأنه أعاد صياغة الباطنية اليهودية (القبالاه) في صورة جديدة تناسب العصر، وأنه تأثر أيضا بكل من أفلاطون وديكارت ومالبرانش وباسكال [مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا، ج. بنروبي، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ص 176].

ويبدو أن طغيان الاتجاه المادي في القرن التاسع عشر على الفكر الغربي كان له أكبر الأثر في جنوح برغسون نحو الحدس، ليضع فلسفة معاصرة تعيد الاعتبار للروح، إلا أنه تطرف أيضا في اتجاهه الروحي كتطرف الوضعيين في المادية، فألغى الواقع العملي وقلل من شأن المعرفة العقلية المجردة، كما أن فلسفته لا تعدو قدر الفلسفات الغربية الأخرى في تناولها للقضايا الميتافيزيقية (الغيبية)، فالحدس ليس سوى جزء من الإنسان ومحدود بدائرتي المكان والزمان كمحدودية الإنسان نفسه، ولن يستطيع تجاوزهما حتى في خياله.

من جهة أخرى، يرى الباطنيون أن الحدس هو قبول الإلهام الذي يلقيه العقل الفعال في النفس، ويرى المتصوفة أن الحدس (الكشف) لا يتم إلا بعد رياضة روحية ومجاهدة نفس بطرق مدروسة وممنهجة، وهو ما اقتبسوه كما يبدو من الديانات الباطنية كالهندوسية والبوذية، أما عند الفلاسفة العقليين فالحدس والإلهام مصطلحان لشيء واحد، وهو حسب رأيهم المعرفة المباشرة دون استدلال وتجربة.

ويؤمن الباطنيون والمتصوفة بأن البصيرة لا تعمل عملها باكتساف المعرفة (سواء من الإله أو العقل الفعال أو الحقيقة الكونية) إلا بعد الاعتقاد بأن الجانب المادي من الإنسان هو عائق للروح والبصيرة، كما يعتقدون أن الحواس والعقل لا تتوصل إلا إلى حد معين من المعرفة لا يمكنها تجاوزه، وأن الحقائق لا تُكتسب إلا بالحدس والإلهام بعد القضاء على المادية. وقد يختلف الباطني مع المتصوف في الطريقة لكن الهدف واحد.

هل يكفي الحدس للمعرفة؟
سنناقش في مقال “الصوفية” مبدأ الإلهام كمصدر رئيس للمعرفة في مجال العقائد والشرائع لدى المتصوفة المسلمين، ونكتفي هنا بتوضيح ما يراه ابن تيمية من أن الإلهام مصدر معتبر، وأن إنكار كونه طريقا من طرق المعرفة هو خطأ يماثل خطأ الذين جعلوا طريقا شرعيا على الإطلاق، فيقول إن مذهب السنة الوسطي هو أن يكون الإلهام في الأحكام الشرعية محصورا بما لم تأت فيه أدلة شرعية نقلية أو عقلية، فيكون الإلهام هنا من باب الترجيح والفهم المنضبطين بالقواعد المتفق عليها [فتاوى ابن تيمية 10/473]، وهذا الفهم هو ما تؤيده حوادث الإلهام التي وقعت للصحابة والتابعين، وتدخل فيه الكرامات التي لا تخالف النص.

أما أهم الانتقادات الموجهة للحدس والإلهام كمصدر للمعرفة فنوجزها في النقاط التالية:

1- البصيرة لدى الإشراقيين ليست سوى إحدى ملَكات الإنسان، فهي محدودة القدرة والمدى ولا يمكن بأي حال أن تحصر العلوم بها.

2- حتى في حال عدم اعتماد البصيرة مصدرا وحيدا، والاكتفاء بالقول إنها المصدر الرئيس للمعرفة، فليس هناك أي ضمان لسلامة البصيرة من الزيغ والضلال، فالمعرفة المستفادة من الكشف تخص صاحبها فقط ولا يمكنه شرحها ولا نقلها للآخرين فضلا عن إثباته صحتها لهم.

3- يعترف كبار الإشراقيين بأن إلهاماتهم جاءت متاثرة بثقافتهم العامة، فكان فلاسفة الإشراق في اليونان ومصر يرون في مكاشفاتهم ما يؤيد أساطيرهم الوثنية، وهو ما حدث أيضا لفلاسفة الإشراق المسلمين (مثل الفارابي وابن سينا) الذين كانوا يشاهدون ما يسمى بالعقول العشرة التي اقتبسوها من نظرية الفيض اليونانية [انظر مقال الباطنية]، بينما يرى المتصوفة المسلمون ما يوافق عقيدتهم أثناء استغراقهم في الذكر، فلو كانت البصيرة مجردة عن هوى النفس وتأثيرات الثقافة كان ينبغي ألا ترى إلا الحقيقة المجردة التي يشترك فيها كل البشر.

4- ليس هناك أي ضمان عقلي أو نقلي أو حتى كشفي يثبت لنا أن ما يستقر في نفس الإنسان من مكاشفات هو من مصدر موثوق، سواء كان إلهًا أو حقيقة كونية أو الزمان الحيوي (لدى برغسون) أو حتى خيال الإنسان وأوهامه، فما الذي يمنع أن تكون الجهة التي تتصل بالعقل الباطن للإنسان هي شيطان خبيث؟

وفي الإسلام نصوص صريحة تحذر من اللبس الذي قد يحدث لدى البعض في الخلط بين الإلهام الرباني ووساوس الشياطين وأوهام العقل الباطن، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم “الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه في اليقظة” [صحيح البخاري: 8/72، صحيح مسلم 4/1773]، وسيأتي تفصيل هذا النقد في ظل المفهوم الإسلامي ضمن مقال “الصوفية“.

ديفيد آيك بين أنصاره

5- بدأت تظهر في العقود الأخيرة ادعاءات كثيرة من قبل شخصيات باطنية غربية تزعم أنها تتصل بالتخاطر مع كائنات فضائية، وأقيمت بناء على هذه المزاعم أديان ومذاهب وتيارات فكرية يتبعها الملايين من الناس، ومن أهم المنظّرين لهذه الفكرة البريطاني ديفيد آيك الذي زعم في كتابه “السر الأكبر” وجود كائنات فضائية من الزواحف العاقلة تعيش تحت قشرة الأرض وأنها تسيطر على البشر بطرق عدة، وقال إن الكثير من تفاصيل هبوط الكائنات إلى الأرض قد تلقاه بالإشراق الباطني الذي يتلقاه منها مباشرة، ودون أن يقدم أي دليل على صحة وجود هذا الإشراق الذي لم يختبره أحد سواه، ودون أن يثبت لنفسه -فضلا عن غيره- أن تلك الإشراقات التي يتلقاها صحيحة وصادقة فعلا وليست من قِبل شياطين يعبثون به.

المصدر الثاني: العقل

يصنف العقل لدى الفلاسفة القدماء إلى صنفين: الأول غريزي، وهو الملَكة التي يعلم بها الإنسان الضروريات، فهو غريزة تمتلك علوما أولية أو مبادئ ثابتة. أما الثاني فهو مُكتسب، وهو الذي يفهم به الإنسان ويفكر.

ويتفق الفلاسفة الحداثيون مع هذا التصنيف، فيقول الفيلسوف الفرنسي أندريه لالاند إن العقل ينقسم إلى عقل منشئ وعقل مُنشأ، فالأول قوة فطرية تجريدية ثابتة، أما الثاني فيتكون على يد الأول بعد إعداد طويل، وبتراكم الحقائق المكتسبة والمقولات التي كرسها الاستعمال والقيم المقبولة من قبل المجتمع. [المعجم الفلسفي: 2/87].

إسبينوزا

وبحسب اعتبار بعض الفلاسفة لأولوية العقل، ظهر المذهب العقلي الذي وُجد داخل الكثير من الأديان، ففي المسيحية واليهودية يؤمن العقليون -مثل سبينوزا وشتراوس- بأن العقل مقياس لحقائق الوحي، في مقابل أتباع مذهب خوارق الطبيعة الذين يرون أن حقائق الوحي لا يمكن عرضها على العقل لأنها ليست في متناوله. وفي الإسلام نجد أيضا أن المعتزلة والفلاسفة يصرون على بناء عقيدة قائمة على العقل ورفض ما يرونه مناقضا له مما يرد في الوحي من نصوص، بينما يقول أهل الحديث وعلماء الكلام إن النقل أولى من العقل عند التعارض، كما يؤكد من تخصص منهم في العقائد أنه ليس هناك تعارض أصلا، وهذا ما قرره ابن تيمية في كتابه المشهور “درء تعارض العقل والنقل”.

أما أتباع المذهب العقلي من العلمانيين فلا يلتفتون إلى الوحي، ويجعلون المفاضلة بين العقل والحس والحدس فقط، بحيث يكون العقل هو الأولى باليقين، أو يكون هو المصدر الوحيد للمعرفة.

وعند دراسة أقوال ومناقشات هذه المذاهب، نرى أن مفهوم العقليين للعقل ليس خاصا بالعقل الغريزي بل يتعلق بالعقل المكتسب، فهو عقل تشكل في ظل التأثيرات الثقافية لكل عصر، حيث نرى أن العقليين داخل الأديان اليهودية والمسيحية والإسلامية متأثرين بالمنطق اليوناني وفلسفته العقلية، بينما يتشكل عقل المعاصرين بما أحدثته الثورة العلمية من اكتشافات.

الأوليات العقلية
تنقسم الأوليات إلى قسمين، الأول هو التصورات: وهي الإدراكات البسيطة مثل اللون والحرارة، والمركبة مثل تصور جبل من ذهب. والثاني هو التصديقات: وهي الإدركات التي تنطوي على حكم، أي تتضمن نسبة بين طرفين، مثل قولنا إن النار محرقة.

ويؤمن بعض أتباع المذهب العقلي بأن الأصول الأولى للمعرفة تعود كلها إلى التصورات، بينما يؤمن آخرون من العقليين بأنها تعود للتصديقات، حيث يرى الفريق الآخر أن التصورات قد تكون مجرد خواطر ووساوس وليست مبادئ أولية.

ويقول الفلاسفة إن العقل مفطور على أربعة مبادئ أولية، تنبثق منها المبادئ الأخرى، وهي:
1- مبدأ الهوية: الشيء لا يكون غيره، وبلغة المنطق يقال “ما هو هو، وما ليس هو ليس هو”.

2- مبدأ عدم التناقض: الشيء الواحد لا يمكن أن يكون وألا يكون في وقت واحد.

3- مبدأ نفي الثالث (الوسط المرفوع): أي شيء هو إما (أ) أو ليس (أ) ولا يمكن أن يكون لا هذا ولا ذاك، فمثلا إما أن يكون العدد زوجيا أو فرديا ولا يمكن أن يكون إلا أحدهما.

4- مبدأ العلية: لا يمكن أن يحدث شيء دون علة محددة، سواء كانت علة واحدة كافية للتفسير أو بالاشتراك مع علل أخرى.

تتصف المبادئ الأولية بصفتين رئيستين هما:
1- الفطرية: فالعقل البشري يولد وهي مفطور عليها، وقد تغيب عنه بفعل التربية أو الغفلة أو لقلة الذكاء، لكن تذكير العقل بها يساعد على استحضارها والتيقن بصحتها، وهذا يستلزم أيضا أن تكون بدهية فهي بارزة في العقل دون مقدمات وبراهين، ويصفها بعض الفلاسفة أيضا بأنها قبلية وأولية لأنها لا تحتاج إلى تجربة تؤكدها.

2- العمومية: حيث يرى العقليون أن تلك المبادئ معروفة لدى كل العقول، فكان ديكارت يقول إن العقل أحسن الأشياء توزعا بين الناس بالتساوي، حتى جعل معيار الحقيقة هو وضوحها في الذهن، وهو ما قاله أيضا بعض علماء الكلام المسلمين من الأشاعرة والمعتزلة، لكن آخرين يرون أن الناس يتفاوتون في العقول، فيقول الغزالي “أما الأصل وهو الغريزة فالتفاوت فيه لا سبيل إلى جحده” [إحياء علوم الدين 1/88]، ويرى ابن تيمية أيضا أن المبادئ الفطرية قد تضمر في العقل بسبب تفاوت الناس في قوة الذهن مثل تفاوتهم في قوة البدن.
ويمكن القول إن هذا التفاوت لا يعني أن المبادئ نفسها نسبية في دلالتها على الحقيقة بل من حيث صلة الناس بها، وذلك نظرا لتفاوت قدراتهم العقلية وغفلة بعضهم، فلا يمكن لعقل سليم أن ينكر مثلا أن النقيضين لا يجتمعان.

هل يكفي العقل وحده؟
اختلفت آراء العقليين بحسب الثقافة السائدة على مر العصور، فعندما سادت ثقافة الباطنية في الهند وفارس وبعض المناطق اليونانية كان الكهنة يزعمون عدم الحاجة للوحي، على اعتبار أن العقل الذي يتلقى الفيض من الإله (الحقيقة الكونية بحسب مفهومهم) في غنى عن تلقي المعرفة نفسها بالوحي المباشر على يد الأنبياء، وتأثر بهذا المفهوم الفلاسفة العقليون الذين نشأوا في البيئة نفسها، كما لحق بهم بعض فلاسفة الإسلام مثل الطبيب الرازي المتوفى عام 313هـ.

ومن الأمثلة المشهورة لهذا المنهج في البيئة الإسلامية، رواية “حي بن يقظان” للفيلسوف الأندلسي ابن طفيل، التي تحكي قصة طفل ينشأ وحيدا في جزيرة نائية، حيث يبدأ بالتأمل في ذاته وفي الكون والحقائق الوجودية دون تربية ولا توجيه، فيصل إلى المعرفة بعقله دون حاجة للوحي.

وعندما بدأت ترجمة الفلسفة اليونانية العقلية وشبيهتها الإسلامية إلى اللغات الأوروبية ظهرت أفكار مماثلة لدى الأوروبيين، فاعتبر سبينوزا أن العقل أوثق من الوحي لأن دلائل صدقه متضمنة فيه بينما يحتاج الوحي إلى المعجزة لإثبات صدقه، كما سار لايبنتز على نفس النهج، وحاول الاثنان في القرن السابع عشر إقامة دين جديد تحت مسمى دين الطبيعة، بحيث يُحتكم فيه إلى العقل دون الوحي، ثم دعم الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط هذا التوجه في القرن التاسع عشر.

ديكارت

ويبدو أن الفلاسفة العقليين في عصر النهضة الأوروبية كانوا يسعون إلى رد الاعتبار للعقل ضمن صراعهم مع كهنوت الكاثوليكية من جانب، وضمن صراعهم أيضا مع فلاسفة المذهب الحسي، ولكن ديكارت نفسه (وهو رائد هذا المذهب) اعترف بأن هناك حقائق ميتافزيقية (غيبية) لا يمكن للعقل الخوض فيها، ثم جاء أتباعه من بعده ليحصروا المعرفة في العقل وحده.

لم يكن هناك فصل آنذاك بين الفلسفة وعلوم الاجتماع والنفس والطب، ما سمح للعقليين بمنح العقل تلك المنزلة العالية، لكن الكثير من الدراسات الاجتماعية التي ظهرت في القرن العشرين أكدت أن الفطرة لا يمكن أن تبقى مصونة عن الزيف بعد وقوعها تحت تأثير الوراثة والبيئة [محمد تقي الأميني، عصر الإلحاد، ص74]، فمن شبه المستحيل التوصل إلى نتائج عقلية مجردة في العلوم الضرورية التي تقوم على الأوليات العقلية (الفطرة)، وهو ما يؤكده الفليسوف الألماني كولبه بقوله “إنه من الصعب أن نضع حدا فاصلا بين الأحكام الأولية للعقل وبين الأحكام المكتسبة من التجربة”.

وصعوبة تجرد العقل البشري تنبع من طبيعة الإنسان، حيث يستحيل عليه التحول إلى آلة صماء كأجهزة الحاسوب المبرمجة على التسلسل المنطقي، فالتداخل بين العقل والنفس هو جوهر الإنسان منذ بدء خلقه.

كما أن وضع منهج معرفي متكامل للعقل من خلال العقل نفسه أمر متعذر، فلا يمكن للآلة أن تدرك ذاتها والمؤثرات المحيطة بها على وجه التمام، وأن تحدد بدقة حدود قدراتها ومنتهاها، ثم تضع منهجا يضبط عملها ويصحح مسارها فيه دون حاجة لمرشد خارجي. لذا اضطر ديكارت منذ بداية وضعه لمنهج المعرفة العقلي أن يسلّم بوجود إله خالق ومرشد كخطوة ضرورية وتلقائية بعد تسليمه بالحقيقة الأولى، وهي أن يعقل ذاته، وكأن العقل لا يستطيع أن يخطو خطوته الثانية دون مصدر علوي يستند عليه.

نتيجة لذلك، تعاني جميع المناهج العقلية من عيوب ونواقص لا تزال تظهر عمليا بعد إخضاعها للتطبيق، ومن أبرزها منطق أرسطو الذي تعرض للنقد على يد عدد من كبار العلماء المسلمين قبل أن يُنقد لاحقا في أوروبا، ومن أبرزهم ابن تيمية الذي أبرز في كتابه “الرد على المنطقيين” عجز المنطق عن التوصل إلى حقائق يقينية في الميتافيزيقيا، فالاستدلال بالقياس ينطلق من المقدمة الكلية إلى النتائج، مع أن الكلي لا يدل إلا على القدر المشترك من الأشياء الكلية، بينما تكون قضايا العقيدة معيّنة ولا يمكن للقياس الكلي أن يدل عليها.

ومن عيوب المنطق أيضا “قياس الغائب على الشاهد”، فمن خلال البحث في العلة المشتركة بينهما يمكن فقط للعقل أن يستنتج الحقائق، وهذا يؤدي إلى قياس الإله على الإنسان، وهو افتراض غير مبرر أصلا. يقول ابن تيمية إنه لا يجوز أن يدخل الإله مع غيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها، وعندما فعل علماء الكلام والفلاسفة ذلك تناقضت أدلتهم ولم تبلغ اليقين.

وهذا القصور في المنهج، وفي الأداة نفسها (العقل)، تظهر آثاره في كل الفلسفات العقلية التي بحثت في الإلهيات والميافيزيقيا بلا استثناء، بل نجده واضحا أيضا في المدارس العقلية التي نشأت داخل الأديان، سواء لدى علماء الكلام (المتكلمين) والفلاسفة المسلمين أو لدى فلاسفة اللاهوت المسيحي في القرون الوسطى، حتى تراجع بعضهم عن التزام المنهج العقلي كله في الإلهيات بعد أن بلغ غايته في البحث والتبحر، مثل الرازي والآمدي والشهرستاني والغزالي.

ويُنقل عن أفضل الدين الخونجي (توفي عام 646هـ) قوله “أموت وما عرفت شيئا”، كما ينقل عن معاصره شمس الدين الخسروشاهي أنه قال عند موته “والله ما أدري ما أعتقد”، وقد سبقهما بذلك سقراط عندما قال “لا أعرف سوى شيء واحد، وهو أني لا أعرف شيئا” [العقيدة الطحاوية، ص 227-228].

ومع ذلك، فلا نقول إن العقل أداة عاجزة عن الوصول إلى الحقيقة، بل ينبغي التفريق بين وجود حقائق العقيدة وبين كنهها وتفاصيلها وما هي عليه، فالعقل قادر على إثبات وجود الحقائق الكبرى والبرهنة عليها، لكن التخبط يبدأ عندما يخوض في محاولة تعقل الكيفيات التي تكون عليها الحقائق الغيبية لأنها غائبة عنه وعن الحواس، ولا يستطيع النفاذ إلى عوالمها المفارقة للزمان والمكان مهما اشتط به الخيال، لذا قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن أثبت للناس وجود الخالق وصفاته “تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا” [صححه الألباني]، وهذا ليس حَجرا على العقل بل حفظ له من الخوض في ما لا يقدر عليه.

أبيقور

المصدر الثالث: الحس والتجربة

يفرق علماء المنطق بين القضايا الحسية التي يجزم العقل بوجودها لمجرد تصورها، مثل وجود الشمس عند الإحساس بحرارتها أو رؤية ضيائها، وبين القضايا التجريبية التي يدخل فيها الحس ولكنها تتطلب المزيد من الملاحظة والتجربة.

والمذهب الحسي في الفلسفة هو الذي يقول أتباعه إن المعرفة محصورة بما تتلقاه الحواس الخمس، فكل التصورات العقلية مقتبسة من المعلومات التي تقدمها له الحواس، أما المنهج التجريبي فيقول أصحابه إن التجربة هي المصدر الوحيد للمعرفة من خلال توظيف المدرَكات الحسية في التجربة، ومن المعلوم أن التجربة تتطلب تدخل الباحث في الموضوع لاختباره ولا تكتفي بالملاحظة.

ابتدأ التيار الحسي بالظهور في اليونان على يد أبيقور خلال القرن الثالث قبل الميلاد، ووافقه على ذلك الرواقيون الذين حصروا المعرفة بالحس مع أنهم لم ينفوا فاعلية العقل تماما.

وفي أوروبا، تأثر الفيلسوف الإنجليزي روجر بيكون (توفي عام 1349م) بأفكار الحسن بن الهيثم وابن رشد بعد ترجمتها، وحاول نقل المنهج العلمي التجريبي عن ابن الهيثم (توفي عام 1040م) رغم رفض الكنيسة له، ثم تبنى هذا الاتجاه من بعده فرانسيس بيكون.

فرنسيس بيكون

ويعد الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (توفي عام 1704م) من رواد المذهب الحسي، حيث انطلق في وضع نظريته للمعرفة دون الالتفات إلى ما أقره ديكارت ومعظم الفلاسفة من ثنائية النفس والجسم، وأنكر وجود الفطرة والأوليات العقلية بناء على ملاحظته لتنوع الخبرات البشرية، فقال إن ما هو فطري لدى البعض ليس كذلك لدى البعض الآخر، وهكذا أخذ يبحث في انعكاس المعرفة على الذهن من إحساسات وإدراكات وأفكار وكلمات، وانتهى إلى القول إن العقل البشري يولد كصفحة بيضاء خالية من أي علامات موروثة أو فطرية، ثم تكتب عليها الخبرة التجريبية ما تتلقاه من المعرفة من خلال الحواس.

ظهر ديفيد هيوم بعد وفاة لوك ليأخذ المذهب الحسي إلى غايته القصوى، فأنكر فاعلية العقل تماما حتى وصل إلى الشك كما ذكرنا في موضع سابق من هذا المقال، فبعد أن كان لوك يعترف بأن للعقل دور في المضاهاة والجمع والتجريد للمعرفة التي يتلقاها عن الحس لم يقر هيوم بأي دور للعقل بل جعه مجرد موطن للانفعالات الحسية.

ديفيد هيوم

وفي أواخر القرن الثامن عشر، وضع أوغست كونت الفلسفة الوضعية على أساس الثقة المطلقة بالعلم التجريبي، فقد ساد في تلك المرحلة الاعتقاد بأن الإنسان بلغ ذروة التقدم مع تكاثر الاختراعات والاكتشافات بأسرع وتيرة عرفها التاريخ، ما دفع بأنصار هذا المذهب إلى الاعتقاد بأن العلم التجريبي هو المصدر المعرفي الوحيد الذي سيجيب على كل الأسئلة.

تصور كونت أن البشرية تطورت طوال تاريخها عبر ثلاث مراحل، الأولى هي المرحلة اللاهوتية التي كان الإنسان يفسر فيها ظواهر الطبيعة بإعادتها إلى موجودات غيبية، سواء كانت إلهاً واحدا أو عدة آلهة، والثانية هي المرحلة الميتافيزيقية التي صار الإنسان يتوهم فيها وجود علل ذاتية داخل الظواهر بدلا من الآلهة، وفي المرحلة الثالثة صار الإنسان يفسر كل شيء بمنطق العلم التجريبي.

وقد رد كثير من الفلاسفة على هذه النظرية بأنها مجردة من البرهان التجريبي أصلا، فهي ليست سوى رواية ميتافيزيقية لتطور المجتمعات البشرية، واستقراء التاريخ يثبت عكسها، فالأوضاع الثلاثة التي تخيل أنها مراحل متعاقبة ما زالت قائمة حتى اليوم، وكانت متعايشة أيضا في مراحل قديمة من التاريخ.

تفسير مبدأ العلية والاستقراء
يقول العقليون إن السببية (العلية) مبدأ فطري كلي، فهو موجود في العقل بالفطرة ويمكن تعميمه على كل التجارب والأحداث في الكون بحيث يجزم العقل بأن لكل حادثة سببا ولكل معلول علة، لكن الحسيين انقسموا في تفسير العلة إلى ثلاثة اتجاهات، هي:

1- اتجاه الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل الذي آمن بمبدأ السببية والعلية إلا أنه ردّه إلى الحس والتجربة بدلا من العقل، فرأى أن الإنسان يتعلم من التجربة أن كل حادثة في الطبيعة تسبقها أسباب وعلل، واعتبر هذا الارتباط ضروريا مع أن الضرورة لا ينبغي أن تكون إلا بالعقل، وهو يرفض منح العقل أي فاعلية. وقد وافقته الفلسفة الماركسية المادية في هذا التفسير.

2- الاتجاه الذي أخذ به فلاسفة الوضعية المنطقية يرى أن تعميم الاستقراء لا يعطي حكما يقينيا، فتكرار التجربة والحوادث لا يتجاوز دوره تقديم احتمال بالوصول إلى النتيجة المطلوبة، مثل احتراق الخشب كلما تعرض للنار.

3- رأي هيوم الذي ينفي أي قيمة موضوعية للاستقراء، والذي يعتبر أن الربط بين العلة والمعلول مجرد انطباع نفسي ناشئ عن العادة دون أي ضرورة، فالسببية بين النار واحتراق الخشب ليست ضرورية ولا حتمية بل موجودة داخل نفوسنا بسبب تكرار العادة. وقد سبقه الغزالي إلى القول بهذا الرأي، كما أخذ به علماء النفس في المدرسة السلوكية الحديثة.

هل تكفي الحواس والتجربة مصدرا للمعرفة؟
لا يمكن لنا أن نسلّم للتجريبيين بحصر مصدر تصورات العقل كلها بالحس والتجربة، فقد يتصور الذهن تصورات مفارقة للمادة تماما مثل الوحدة والكثرة، لكن هذا لا يعني بالمقابل أنها تصورات عقلية محضة، لأنها ليست من البديهيات، بل هي نتيجة لتفاعل الحس والعقل.

ويظهر خلل الحسية التجريبية أكثر في مجال الميتافيزيقيا والأخلاق، فقد رد أصحاب هذا المذهب كل الأخلاق إلى التجربة وحاولوا دراستها سلوكيا كما يدرس العالم المخبري أي ظاهرة طبيعية، إلا أنهم لم يتمكنوا من تقديم تفسير مقنع، فالشكاك هيوم اعتبر أن الأحكام الأخلاقية لا تعبر عن حقيقة موضوعية بل تنشأ عن مشاعر الاستحسان والاستياء، ودون أن يقدم تفسيرا مقنعا لأصل هذه المشاعر. وعندما حاول الماركسيون ربط الأخلاق بالاقتصاد والصراع الطبقي داسوا على قيم العدالة تماما وحوّلوا الإنسان إلى جزء مسحوق في آلة المجتمع الجارفة.

جون لوك

ويبدو أن جون لوك قد وضع كل أتباع المذهب العقلي في خانة واحدة واعتقد أنهم يرون المبادئ العقلية صورة عن عالم المُثل الخيالي الذي تخيله أفلاطون، حيث كان الأخير يفترض أن الإنسان يحتاج فقط إلى تذكر الحقائق بعد ولادته لأنها موجودة كلها في عقله، لكن معظم العقليين كانوا يعترفون بدور الإدراكات الحسية بعد أن تعود إلى الأصول الثابتة في العقل، لتتحول إلى معرفة علمية.

من جهة ثانية، ينتقد التجريبيون الخطأ الذي يقع فيه بعض العقليين عندما يخلطون بين العقل الغريزي والعقل المكتسب (سبق توضيحهما)، وهو الخطأ الذي بدأ في اليونان وانتقل إلى الكثير من المتكلمين والفلاسفة المسلمين عندما اعتبر كل منهم أن مذهبه هو العقيدة الصحيحة التي يتوافق فيها العقل والنقل. وإذا كان هؤلاء قد ظنوا أن العقل كله غريزي فقد رد عليهم التجريبيون باتخاذ الموقف المعاكس والقول بأن العقل كله مكتسب، ومن ثم فهو يتأثر بالبيئة والمشاعر والخواطر النفسية، ولا يستحق أن يكون مصدرا للمعرفة. والواقع أن كلا الرأيين تطرف في موقفه.

ومن نتائج هذا التطرف المادي المتصاعد حتى بداية القرن العشرين، ساد في الغرب الاعتقاد بأن الإنسان نفسه ليس سوى مادة متطورة، فبعد أن وضعت الحسية التجريبية في عصر النهضة الإنسان بمركز الكون ليحتل موقع الإله نفسه، انزلق الإنسان المادي تدريجيا تحت ضغط الاكتشاف المتزايد لأسرار الكون المادي، لتصبح المادة هي الأساس والمركز، ويتحول الإنسان إلى موضوع تافه وهامشي، حتى ظهرت مدارس ما بعد الحداثة التي أنكرت كل مصادر المعرفة العقلية والحسية وأعلنت نهاية المدارس الفلسفية الكبرى والعودة إلى شك السفسطة، وهي نتيجة طبيعية لتفكيك الإنسان وتشييئه (تحويله إلى شيء مادي).

واللافت أن الحسيين والتجريبيين في عصر النهضة كانوا يؤمنون بالميتافيزيقا وبوجود الله، بل كان بعضهم من رجال الدين مثل جورج باركلي (توفي عام 1753)، إلا أن حصرهم للمعرفة بالحواس فتح الباب أمام الوضعيين والماركسيين إلى حصر الوجود كله بالمادة، وإذا كان موقف الحسيين الأوائل مجرد افتراض فلسفي ولم يرق إلى درجة العلم؛ فلن يجد الوضعيون والماركسيون والماديون دليلا علميا على إنكار وجود الغيبيات [انظر مقال “وجود الله“].

هل يجيب العلم التجريبي على كل الأسئلة؟

أينشتاين

شهدت بداية القرن العشرين ثورات علمية هائلة، ومن أبرزها نظرية النسبية لألبرت أينشتاين، ثم مجموعة نظريات شكلت مفهوما جديدا للفيزياء تحت مسمى الكمّ (كوانتم)، فضلا عن التطور في الطب وعلوم الأحياء، وكان لهذه الفتوحات وآثارها العملية التكنولوجية دور كبير في ظهور العالِم التجريبي في صورة خارقة وكأنه الوحيد القادر على الإجابة على الأسئلة الوجودية بدلا من الفلاسفة، فضلا عن “رجال الدين”، لذا طالب العالم الفرنسي المعروف لويس باستور السلطات برعاية المؤسسات العلمية بصفتها “مؤسسات مقدسة” وقال إنها ستكون “معابد المستقبل”، كما وافقه على ذلك الفيلسوف الفرنسي ليكومت دي نوي عندما قال “إن ثقة الناس بعلماء الطبيعة اليوم هي ثقتهم بالكهنة في العهد القديم” [دي نوي، مصير الإنسان، 1967، ص275].

يقول الفيزيائي البريطاني المعاصر ستيفن هوكنغ في كتابه التصميم العظيم “الفلسفة ماتت… وعلماء الطبيعة باتوا هم حملة شعلة الاكتشاف في رحلتنا نحو المعرفة” [ص 13]، ويقول الفيزيائي الأميركي لورنس كراوس “إن الفلسفة حقل يذكرني للأسف بالنكتة القديمة لوودي آلن (ممثل كوميدي): أولئك الذين لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا يدرّسون، والذين لا يستطيعون أن يدرّسوا يدرّسون الرياضة”.

وبالرغم من إنكار الكثير من العلماء -الذين يحظون بالاحتفاء الإعلامي- أهمية الفلسفة وتنديدهم بها، فإن نظرياتهم الكبرى تقوم أساسا على مواقف أيديولوجية مفلسفة. فعلى سبيل المثال، يقول الفلكي البريطاني كارل ساغان في افتتاحية برنامجه “الكون” Cosmos -الذي حقق أعلى نسب المشاهدات بدعم من شبكة بي.بي.سي- إنه “لا يوجد ولم يوجد ولن يوجد شيء سوى الكون (أي المادة فقط)”، وهذا تعبير فلسفي وليس تصريحا علميا، فليس في وسع العلم التجريبي أصلا أن يجري تجربة مادية تنفي وجود عوالم أو كائنات غير مادية طالما أنها لا تخضع لأدواته، ومقولة ساغان هي تعبير صريح عن جوهر الفلسفة الطبيعية، والتي يعرّفها ستيرلنغ لامبرت بأنها موقف فلسفي ومنهج تجريبي يعتبر أن الوجود محكوم بعوامل عشوائية داخل نظام شامل في الطبيعة.

يقول عالم الوراثة في جامعة هارفارد ريتشارد ليونتن إن “استعدادنا لقبول المزاعم العلمية التي تخالف الحس السليم هو مفتاح فهم الصراع الحقيقي بين العلم وما هو ميتافيزيقي (غيبي)، فنحن نميل إلى صف العلم رغم ما يشوب بعض أفكاره من عبث… والمجتمع العلمي يتسامح مع القصص التي تُقبل دون برهان لأننا ملتزمون مسبقا بالفلسفة المادية، فمناهج العلم لا تجبرنا على قبول تفسير مادي للعالم بل التزامنا البديهي بالمادية هو الذي يجبرنا على إنتاج تفسيرات مادية مهما كانت مناقضة للحدس” [العلم ووجود الله، ص 62].، وليس هناك ما هو أوضح من هذا الاعتراف بتعصب العلماء الماديين للفلسفة المادية على أساس أيديولوجي بحت.

هوكنغ

ومن نتائج تبني هذه الفلسفة -المنكرة للتفلسف أصلا- أن التصورات الفلسفية للكثير من العلماء التجريبيين لم تعد تجد أي حرج في خرق المنطق، وهو ما يؤكده الاقتباس السابق عن ليونتن نفسه، كما يقول هوكنغ “إن الكثير من المفاهيم العلمية الحديثة تخالف المنطق السليم المبني على التجربة اليومية، أما طبيعة الكون فتكشف عن نفسها من خلال عجائب التكنولوجيا” [التصميم العظيم، ص 15]، كما يكرر الفيزيائي ميشيو كاكو في صفحات عدة من كتابه “فيزياء المستحيل” أن نظرية الكم تغير قوانين العقل الأساسية، وإلى درجة إسقاط مفهوم المستحيل من الوجود.

ويأتي الإشكال أولا من خرق نظرية النسبية لما هو مألوف ومعتاد، فقد كان يُعتقد أن الزمن ثابت كوني لا يتأثر بأي عامل من العوامل، لكن المعادلات الرياضية أثبتت أن سرعة الضوء هي الثابتة وأن الزمن نسبي، فعندما يتحرك جسم ما بسرعة كبيرة جدا فإن الزمن الخاص به يتمدد (يتباطأ)، فمثلا تقيس الساعة الموضوعة على صاروخ خارق السرعة مدة زمنية أقصر مما تقيسه ساعة أخرى على الأرض مثلا، وهذا أمر لم يكن ليخطر على بال أحد، وقد أثبتته التجارب العملية بالفعل.

ونتيجة لذلك بدأ كتّاب الخيال العلمي بالتجرؤ على خرق المنطق وطرح رؤى خيالية، فظهرت روايات السفر عبر الزمن كنوع من الخيال ثم لحق بهم الفيزيائيون النظريون (فئة من العلماء تدرس الآثار الفلسفية للعلم) على اعتبار أن الرياضيات لا تنكر تلك التخيلات، وظهرت معضلات فلسفية في العديد من الكتب العلمية “الرصينة” لتتساءل ما الذي سيحدث إذا عاد شخص بالزمن إلى الوراء وقتل والده مثلا، فهذا يعني أنه لن يُخلق أصلا، ثم ظهرت نظريات عدة لمناقشة هذه المشكلة دون أن ينتبه كثير من العلماء إلى التناقض العقلي في هذه العودة إلى الماضي.

والحقيقة أن نظرية النسبية العامة ليست معنية بما هو أبعد من دراسة تباطؤ مرور الزمن على اﻟﺠسم اﻟﻤتحرك بالنسبة ﻟﺠسم آخر ثابت، وهي لا تتعلق بالبنية اﻟﻤادية ﻟلجسم اﻟﻤتحرك كما هو اﻟﺤال ﻓﻲ نظرية الكم، ومن ثمّ فإن “منحنى الزمكان” ليس أكثر من مفهوم مثاﻟﻲ تخيلي، وتعبير “انحنائه” لا يعني أكثر من انحناء مسار حركة الجسم مع تمدد الزمن اﻟﻤقاس عليه بالنسبة إﻟﻰ ﻤراقب خارجه، وحتى ﻓﻲ حال انغلاق منحنى الزمكان فهذا لا يعني أن يدخل اﻟﺠسم ﻓﻲ مرحلة زمنية سابقة، بل غاية الأمر أن يعود للتحرك ﻓﻲ خط سيره من النقطة التي انغلق عندها اﻟﻤسار مع الاستمرار ﻓﻲ تباطؤ تغير حركته إﻟﻰ درجة الانعدام والدخول ﻓﻲ حالة “التفردية اﻟﻤركزية” التي لا يمكن اختبارها ﺗﺠريبياً، فضلاً عن ثبوت استحالة تحقق هذا الانغلاق فيزيائياً.

وعندما ظهرت فيزياء الكم التي تدرس أبسط عناصر الوجود على المستوى دون الذري (مكونات الذرة) كان فهمها أكثر صعوبة، لكن غموضها المشابه لغموض النسبية دفع بعض العلماء للمضي في وضع المزيد من السيناريوهات الخيالية. فيقول جون ويلر “إذا لم تكن حائرا إزاء مكانيكا الكم فإنك لم تفهمها”، ويؤيده روجر بينروس بقوله إن “ميكانيكا الكم لا معنى لها إطلاقا”، كما يقول ريتشارد فينمان “يمكن القول بثقة إنه لا أحد على الإطلاق يمكنه أن يفهم فيزياء الكم”.

ومن الأمثلة التي يطرحها الفيزيائيون لنقض المنطق العقلي أن تجارب فيزياء الكم أثبتت إمكانية وجود الإلكترون في مكانين في وقت واحد، وهذا يخالف بوضوح أحد أهم مبادئ العقل الأولية. وأن الإلكترونات والفوتونات وغيرها من المكونات تبدي سلوكا مغايرا في التجارب، فتبدو أحيانا في صورة جسيمات بينما تظهر على أنها موجات في أحيان أخرى.

والجواب أنه لم يثبت أصلا أن الإلكترون يوجد فعلا في مكانين معا كما هو حال الأجسام التي نعرفها، بل تظهر التجارب أن هذا الكائن الذي لا يُمكن أن يُرى بأي مجهر حتى الآن (لأنه أصغر من الموجة الضوئية) والذي يبدي سلوكا متقلبا بين الجسيمات والموجات يترك أثرا في مكانين معا، كما أن فيزياء الكم تنص وفقا لنظرية عدم التأكد على أنه لا يمكن فصل عملية المشاهدة عن سلوك المُشاهَد، فالإلكترون يتأثر برصدنا له أثناء خضوعه للتجربة ولا يقدم لنا سلوكا طبيعيا، فلسنا متأكدين إذن من حقيقة نقضه للمنطق عندما نرصد سلوكه العجيب.

ومن المغالطات التي نتجت عن سوء فهم فيزياء الكم وجود تعارض بين السببية وميكانيكا الكم، والحقيقة أن السببية موجودة أيضا في العالم دون الذري، لكن الجسيمات الذرية لا تقدم ردود الفعل المتوقعة دائما بل يكون سلوكها قائما ضمن احتمالات الدوال الموجية، حيث يقول الفيزيائي الألماني ماكس بورن في كتابه “ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻁﺒﻴﻌﻴﺔ ﻟﻠﻌﻠﺔ ﻭﺍﻟﻤﺼﺎﺩﻓﺔ” إن فيزياء الكم لا تنقض السببية بل الحتمية فقط، أي أن كل الموجودات –حتى دون الذرية- تخضع للسببية والاطراد .

ويبدو أن تزامن الفتوحات العلمية وظهور نتائجها التكنولوجية مع سقوط النظريات الفلسفية الكبرى في عالم ما بعد الحداثة قد شجع العلماء على تجاوز لعب دور الفلاسفة إلى النكوص للسفسطة والشكوكية العدمية، حتى دعا كثير منهم إلى اعتبار صورة العالم عند الإنسان العادي صورة وهمية، مثل قول العالم البريطاني آرثر إدينغتون إن تصور الرجل العادي للمنضدة يختلف عن تصور العالِم لها، فالأول يراها جسما له لون وملمس وشكل وصلابة وثبات مكاني وديمومة زمنية، بينما يراها العالِم مجموعة ذرات بينها خلاء وتصدر عنها شحنات كهربية خاطفة. لكن الخلط بين اللغة التي تستخدم استخداما سليمًا للتعبير عن الأشياء التي نتعامل معها وبين اللغة المستخدمة لغرض المناقشة الفلسفية والعلمية لن يؤدي سوى إلى الفوضى.

ومن الأمثلة المشهورة على القصور الفلسفي لدى بعض كبار الفيزيائيين، نذكر النظرية التي طرحها النمساوي إرفين شرودنغر لقطة نضعها (فرضيا) في صندوق مغلق، ومعها عداد غايغر (لحساب الإشعاع) وكمية من مادة مشعة، بحيث يكون احتمال تحلل ذرة واحدة خلال ساعة ممكنا وغير مؤكد، فإذا تحللت الذرة سيطرق عداد غايغر مطرقة تكسر زجاجة تحتوي غازا خانقا فيقتل القطة، ويقول شرودنغر إننا لن نعرف وضع القطة حتى نفتح الصندوق بعد ساعة، وهي قبل ذلك من وجهة نظر ميكانيكا الكم تعتبر في حالة مركبة من الحياة والموت، أي أنها تجمع حالتين متناقضتين. واعتبر علماء الفيزياء النظرية هذا المثال بمثابة “دليل” على اجتماع النقيضين، وهذه سفسطة.

رسم توضيحي لتجربة قطة شرودنغر (Dhatfield)

يقول أليستر راي في كتابه “فيزياء الكوانتم: حقيقة أم خيال؟” إن القارئ عندما يقرأ أن فيزياء الكوانتم تقول بأن القطة نصف حية ونصف ميتة، سيستنتج أن هذه سخافة تافهة، وسيلقي بالكتاب وينسى كل هذا الجنون. والحقيقة أن استعارة المصطلحات والمفاهيم من عالم ما دون الذرة لضرب الأمثلة على العالم المحسوس هو أصل المشكلة، فالفيزيائي بالكاد يستطيع أن يرصد آثار سلوك الجسيمات غير المرئية فتبدو له في لحظة ما وكأنها تجمع نقيضين، ولكن هذا لا يعني أنها كذلك في الحقيقة [فيزياء الكوانتم: حقيقة أم خيال؟، مركز براهين، ص 126].

ويسعى بعض فلاسفة العلم المعاصرين اليوم إلى تبني اتجاه يدعى بالأداتية، يطالبون من خلاله بإعادة النظر ﻓﻲ الكثير من التصورات العلمية الناشئة عن نقل المفاهيم الرياضية اﻟﻤجردة إلى الحقائق المتشخصة على أرض الواقع، مثل تخيل “نسيج الزمكان” على هيئة حقيقية يمكن لها أن تنحني وتتداخل.

وبالنتيجة، إذا حاولنا الإجابة على سؤال هذه الفقرة “هل يجيب العلم على كل الأسئلة؟” فسنوجز الجواب بنقطتين:

النقطة الأولى: الملاحظة العلمية ليست مستقلة، حيث أثبت العالم فرنسي بيير دويم أن التجربة الفيزيائية ليست مجرد ملاحظة، بل هي أيضا تأويل للظاهرة التي تدرسها، ويقول مؤلف “نظريات العلم” آلان شالمرز إن ما يلاحظه العالِم يتوقف في جانب كبير منه على تجربته الماضية ومعارفه [شالمرز، نظريات العلم، دار توبقال، ص 36]. كما أن وضع الفرضيات لتأويل الظواهر الفيزيائية يخضع بدوره في الكثير من الأحيان لخلفية الباحث وتوقعاته. فعلى سبيل المثال، كان الفيزيائي ماكس بورن يقر بأن ما أنجزه في حقل اكتشافات المكونات الذرية كان مجرد تعميمات فلسفية لا فيزيائية، وما زالت الفرضيات المعتمدة اليوم لفهم عالم الذرة غير مثبتة تجريبيا إلا أنها مقبولة كأحد التأويلات الممكنة، والأمر ذاته ينطبق على نظرية التطور الدارويني.

والاستقراء مبدأ فطري، وتبريره فطري، لكن تحديد لحظة الانتقال من الخاص إلى العام قابل للخطأ، والكثير من العلماء المعاصرين يرفضون ذلك بسبب سوء فهمهم لمعنى الفطرة، فغالبية كتب فلسفة العلوم لا تناقش التبرير الفطري أصلا، فهو أمر مستبعد من العلم المادي التجريبي، وهو خلل في مفهوم “المعقولية” أو التأسيس لها. [الإجماع الإنساني، ص 139].

ويقول جون هوت “عند نقطة معينة في سلسلة التحقق من كل فرضية، لا بد من قفزة إيمانية تُعد مكونا أساسيا في العملية، وعنصر الثقة هو عنصر أساسي في كل بحث بشري عن الحقيقة، وإن وجدت نفسك تشك فيما قلتُه الآن فهذا لأنك في هذه اللحظة بالذات تثق في عقلك بما يكفي للتعبير عن شكك في كلامي، فلا يمكنك التخلص من الثقة في عقلك حتى عندما تساورك الشكوك، وأنت لا تطرح أسئلتك النقدية إلا لأنك تؤمن بأن الحق يستحق البحث، فالإيمان بهذا المعنى، وليس بمعنى الخيال الجامح، يكمن في جذور كل دين حقيقي، وكذلك في جذور العلم… وهذا يؤكد أن محاولات الإلحاد الجديد لتخليص الوعي البشري من الإيمان هي مجرد محاولة عبثية” [العلم ووجود الله، ص 107].

وبما أن العلم التجريبي قائم على الملاحظة والتجريب والاستقراء ثم تعميم النتائج على الظواهر الكونية، فهو إذن قائم على الاحتمال، حيث لا يمكن للعالِم أن يجزم بأن الشمس ستشرق غدا كما كانت تشرق كل يوم، ويقول بول ديفيز إن التقدم العلمي يتطلب “فعلا إيمانيا” للاعتقاد بوجود انتظام في الطبيعة، كما يقول الفيلسوف الإنجليزي روجر تريغ “من أجل أن يتولى العلم مهمة تقديم التفسيرات لجميع الأشياء فنحن بحاجة إلى ما يبرر لنا الوثوق بالعلم” [Rationality and Science, p. 9].

“مع أن التزوير مخالف لأهداف العلم كنشاط ثقافي، إلا أنه متوطن بنيويًا في العلم المؤسس لمجتمعاتنا المعاصرة”.
أستاذة علم الاجتماع دينا فينشتاين.

كما يؤكد مبدأ “عدم اليقين” للفيزيائي فيرنر هايزنبرغ استحالة الحصول على نتائج دقيقة مئة بالمئة عند دراسة خاصيتين معا لشيء واحد من بين جملة خواص كمومية، أي أن معرفتنا للعالم ستبقى منقوصة حتما.

وبالرغم من جنوح خيال ميشيو كاكو في كتابه “فيزياء المستحيل” نحو ما يشبه تأليه العقل البشري، فإنه يعترف بأن “نظرية الكم مبنية على رمال من المصادفة والحظ والاحتمالات، وأنها لا تعطي أجوبة محددة” [العلم ووجود الله، ص276].

يعتبر الكثير من العلماء اليوم أن العلم هو الطريق الوحيد للحق وأنه قادر على تفسير كل شيء، وهذا ليس سوى موقف أيديولوجي مسبق اصطلح الفلاسفة المعاصرون على تسميته بالمذهب العلمي scientism، فليس هناك دليل علمي يثبت أن الوجود مادي بحت وأن التجربة هي المصدر الوحيد لاكتشافه.

يقول الفيلسوف البريطاني برتراند رَسل إن كل ما لا يمكن للعلم اكتشافه لا يمكن للبشرية أن تعرفه، وهذه عبارة متناقضة، فكيف عرف رَسل ذلك طالما أن عبارته ليست مثبتة علميا أصلا؟ ما يعني أنها ليست صحيحة بناءً على موقفه نفسه [العلم ووجود الله، ص106].

النقطة الثانية: حتى إذا اعتبرنا أن الرياضيات هي المصدر العلمي الموثوق للأجوبة على الأسئلة الوجودية، طالما أن الملاحظة الفيزيائية ليست نزيهة بالمطلق، فقد أثبت النمساوي كيرت غودل في عام 1931م أن هناك مقولات صادقة في الرياضيات لا يمكن البرهنة عليها، فعلى سبيل المثال ما زالت حدسية غولدباخ الموضوعة منذ عام 1742م غير مبرهنة، وبات الرياضيون يؤمنون اليوم بأن حلم فيثاغورس بفهم العالم كله عبر الأرقام والحساب مستحيل.

واستنتج الأمريكي المعاصر فريمان دايسون من نظرية “عدم الاكتمال” لغودل أن عالم الفيزياء والفلك غير قابلين للاكتمال أيضا، فمهما ابتعدنا في المستقبل فسيكون هناك دائما أشياء جديدة تحدث ومعلومات ترد وعوالم جديدة تُكتشف. ويلخص الفلكي جون بارو هذه الحقيقة بقوله إن العلم مبني على الرياضيات، ولا يمكن للرياضيات أن تكتشف الحقيقة كلها، فلا يمكن للعلم أن يكتشف الحقائق كلها.

لذلك اقتنع هوكنغ أخيرا باستحالة اكتشاف “نظرية كل شيء” التي تجمع النسبية مع الكم وتلخص كل ظواهر الوجود في معادلة واحدة، فالأمر لا يتعلق بنقص الأدوات وضيق الوقت فقط، بل لأن الملاحِظ (الباحث) سيظل أبدا جزءا من الكون نفسه ومن موضوع البحث، ولن يصبح “إلهاً” منفصلا عن الكون ليكتشفه على حقيقته التامة.

يقول البروفسور بيتر مدوّر في كتابه “نصائح لعالم شاب”: إن أسرع طريقة يسيء بها العالِم إلى سمعته هي أن يصرح بكل جرأة ودون مبرر بأن العلم يعرف أو سيكتشف قريبا الأجوبة على كل الأسئلة، وأن الأسئلة التي لا تقبل الأجوبة العلمية هي أسئلة زائفة وساذجة… لكن محدودية العلم تتضح في عجزه عن الإجابة على الأسئلة البدائية الوجودية، مثل البحث في كيفية بدء الخلق وغاية الوجود ومغزى الحياة. [Advice To A Young  Scientist, harper & row, 1979, p. 31].

ويقول في كتابه “حدود العلم”: من المحتمل أن هناك أسئلة يعجز العلم عن تقديم إجابات عنها نظرا لمحدوديته، كما لا يمكن لأي تطور علمي متوقع أن يؤهله لذلك. إنها الأسئلة التي يطرحها الأطفال، والأسئلة النهائية لكارل بوبر، ولدي أيضا أسئلة من قبيل: كيف بدأت الأشياء، لماذا نحن موجودون هنا؟ من أي شيء تم خلقنا؟ ما هي غاية الحياة؟… فليس في وسع العلم أن يجيب على اسئلة تتعلق ببدايات الأشياء ونهاياتها، والذي يجيب عليها هو الميتافيزيقيا والأدب والدين. [The Limits of Science, Oxford, 1984, p. 60].


المصدر الرابع: الإجماع

ربما لا تعتبر الكثير من المراجع الإجماع الإنساني بمثابة مصدر مستقل للمعرفة، إلا أننا ارتأينا تخصيصه كمصدر على أساس بعض الأبحاث الحديثة التي تعطي المجتمع دورا جوهريا في بلورة المعطيات الحسية والنفسية التي يتلقاها الإنسان منذ طفولته لتتحول إلى معرفة.

اهتم المفكر الإسلامي ابن تيمية في القرن الرابع عشر الميلادي بالمعنى الاجتماعي لتعريف “العادة الإنسانية الصحيحة”، فكان يرى أن تصحيحها يستند إلى انتشارها بين كافة المجتمعات البشرية، وكونها عادة نفسية واجتماعية أصيلة في البشر، فضلا عن تعبيرها عن حاجة ضرورية.

وعندما أعاد هيوم نشر فلسفة الشك السفسطائية في القرن الثامن عشر الميلادي، تصدى له الفيلسوف الأسكتلندي توماس ريد وأكد أن إجماع الأمم من العامة والمتعلمين ينبغي أن يكون له على الأقل سلطان كبير، إلا إذا استطعنا أن نثبت وجود تحيز ما من العموم لإجماع ما، فالأصل في الإجماع أن يكون مبررا بنفسه وأن المشكك هو الذي ينبغي أن يثبت وجود التحيز.

واعتبر ريد أن خصائص المشتركات الإنسانية هي: الإدراك بالحدس، الميل النفسي للتصديق بها في بنية الإنسان، الشعور بالحيرة عند الشك فيها، وأن تكون ضرورية للتعامل مع العالم بنجاح.

وأيضا تصدى كانط لشكية هيوم كما أسلفنا أعلاه، ورأى أن التعاقب الموضوعي ناشئ عن مبدأ عقلي أولي، فأعطى بذلك لما أسماه بالعقل الفعال دورا جوهريا في المعرفة.

وفي بداية القرن العشرين أحيا الفيلسوف البريطاني جورج مور فلسفة ريد وانتصر للفطرة السليمة، كما تصدى لمن يشكك بوجود العالم الخارجي بمناقشات شهيرة، ومن أشهر ردوده عليهم: حين أرفع يدي إلى أعلى وأقول: هذه يد، ثم أرفع يدي الأخرى وأقول: هذه يد أخرى، فبذلك أكون قد برهنت على وجود العالم الخارجي.

جون سيرل (FranksValli)

ثم أصدر الفيلسوف الأمريكي جون سيرل كتاب “العقل واللغة والمجتمع” الذي يعد من أهم الكتب المتخصصة في الانتصار لموقف الإنسان العادي، وقال فيه إن معيار المواقف التلقائية هو الثبات البشري العام على التمسك بها خلال التاريخ الطويل المليء بالدواعي الكاشفة للحقيقة، فطالما أن هذه القضايا لم تُكذب مطلقا فهذه قيمة موضوعية، كما اعتبر أن المواقف التلقائية سابقة على أي رؤية ذوقية فهي تتمتع بالكثير من الموضوعية.

ويعد الفيلسوف النمساوي لودفيغ فتغنشتاين (توفي عام 1951م) من أهم المفكرين الذين لفتوا النظر إلى أهمية المجتمع في تكوين المعرفة من خلال دراساته في اللغة، وقد أكدت العديد من الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة نظريته، فكان ينكر إمكان تمييز المعطيات الحسية والحالات النفسية دون ربط مجتمعي لكل حالة بلفظ معين، فالإنسان يتعرف على نفسه وعلى العالم من خلال علاقة إشارية موضوعية، ومن المستحيل عليه أن ينشئ لغة خاصة به من خلال المعطيات الحسية. والمعيار الأصلي هو الجماعة لا الذات، فالجماعة توفر له المعرفة الصحيحة بعلاقات واضحة ورمزية بشكل أفضل بكثير من المعيار الفردي الذي يفهم به الطفل الوليد قبل أن يتعلم اللغة، .

لودفيغ فتغنشتاين

وبحسب فتغنشتاين فنحن نتصور الألم من خلال اللغة، وبدون لغة سنتألم دون وعي بالألم. وبالخلاصة فلا يمكن الحديث عن أي “معقولية للعالم” بدون قواعد معيارية نكتسبها من الجماعة، ولا يمكن لأحد أن ينشئ لغة خاصة به (استبطان) دون استناد إلى معايير عامة يفهمها الناس.

ويقول فيلسوف العلم الأميركي المعاصر إرنست ناغل إن اللغة التي نستخدمها لوصف تجاربنا المباشرة هي اللغة المعتادة للتواصل الاجتماعي، فتطابق المباني اللغوية الأساسية في كافة المجتمعات مع اختلاف التجارب والمناخ والمعتقدات يبرهن على أن هناك بنية إنسانية عامة.

وهذا يعني أن المجتمع هو الذي يحدد شروط معرفتنا، ويوجه حواسنا منذ طفولتنا لنرى العالم كما نراه، والحاجة النفسية العميقة (الفطرية) هي التي تدفع الطفل للمسارعة في اتباع القواعد الإنسانية العامة وتعلم طرق التصنيف الإنساني والإيمان باطراد الحوادث. وقد لخص ناغل شروط تحقق الفطرة في نقطتين: أن تكون شرطا للعبة الجماعة البشرية، وأن تعبر عن حاجة اجتماعية ونفسية.

ويستنتج العالم البريطاني “ألفرد جول آير” أن حواس الإنسان ليست خاصة به بل محكومة بالتجربة الجماعية العامة، ولذلك لا نقول عن شيء إنه قابل للإدراك إلا إذا كان من الممكن وصفه من خلال مجموعة أشخاص على الأقل [The problem of knowledge, p.85].

وبناء على هذه المعطيات الحديثة، يمكن أن نجري بعض التعديلات على نظرية كانط بشأن “العقل الفعال” التي تعرضنا لها سابقا، فقد كان يرى أن المبدأ الكلي الضروري لا يصدر عن حس خالص أو معطيات حسية بل هو من طبيعة العقل الإنساني الفردي، والتجارب الحديثة تثبت أن القاعدة لا يمكن أن تنشأ من عقل واحد ولو كان فعالا، وأن الطفل لا يكتسب اللغة من ذاته بل في إطار اجتماعي تقبله الغريزة بمجرد الاحتكاك بالقواعد.

ومن الخطأ الخلط بين مغالطة الاحتكام إلى الأكثرية [انظر مقال المغالطات المنطقية] وبين استنباط البنية الطبيعية لإدراك البشر من خلال اتفاقهم الفطري رغم اختلاف الظروف والعادات بين المجتمعات.

المصدر الخامس: الوحي

يعرّف ابن فارس في “معجم مقاييس اللغة” الوحي بأنه أصل يدل على إلقاء علم من أحد لغيره، وقيّده البعض بأنه خفي وسريع. ونجد في القرآن الكريم صورا للوحي لا تتقيد بالمعنى الديني، فهو يشمل الإلهام الغريزي للحيوان: {وأوحى ربك إلى النحل} [النحل: 67]، والإلهام الفطري للإنسان: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} [القصص: 7]، والإشارة السريعة من شخص لأشخاص آخرين: {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبّحوا} [مريم: 11]، ووسوسة الشياطين: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} [الأنعام: 121].

لكن المقصود بالوحي هنا هو الذي يوحي به الله إلى أنبيائه ورسله: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به} [الأنعام: 19]، وهو الوسيلة التي أبلغ الله بها رسله برسالتهم وطالبهم بتبليغها للناس: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} [النساء: 163].

وإذا تجاوز الإنسان مرحلة الشك وآمن بوجود الله، سواء عن طريق العقل أو الكشف، أو بالتحقق من صدق الأنبياء ومعجزاتهم، فمن البدهي أن يعتبر الوحي الإلهي أعلى درجات مصادر المعرفة، وأن يعتبر كل ما يصدر عنه بمثابة العلم اليقيني. وبما أننا ما نزال في بداية طريق البحث عن الحقيقة فسنؤجل الحديث عن ضرورة اللجوء إلى الوحي بعد أن نتحقق من وجود الله أولاً، ثم سنتعرض في مقال “نبوة محمد” وما يليه لتفاصيل هذا المصدر المعرفي.

وما يهمنا بالدرجة الأولى في مصدرية الوحي للمعرفة هو الجانب الميتافيزيقي، فبعد أن ثبت لنا عجز العقل عن الخوض في عوالم الغيب، وعدم امتلاكنا لأي برهان يضمن صدور المكاشفات الحدسية -بشأن الغيبيات- عن مصدر موثوق، واستحالة التوصل إلى العالم الغيبي بالحواس لأنه مفارق للحس أصلا، وعجز التجربة والرياضيات عن الإحاطة بحقائق الكون المادي نفسه فضلا عن العالم الغيبي، فلن يبقى لدينا سوى اللجوء إلى الوحي بعد التحقق من صدق نسبته إلى الله.

ويجدر بالذكر أن الوحي بوصفه مصدرا للمعرفة يُصنف لدى علماء المسلمين تحت باب أوسع هو النقليات أو الخبريات، والذي يشمل كلا من: الخبر الصادق القطعي المثبت بالتواتر (القرآن الكريم والسنة والأخبار المتواترة)، والخبر الظني (روايات التاريخ والأحاديث التي لم تبلغ درجة التواتر)، والأساطير.

أما الفلاسفة المنكرين للوحي فيعتدون بمصدرية الخبر عندما تتحقق شروط الثقة في نقل الرواية، وإلا فلا قيمة لعلم التاريخ ولكل ما يصل إلينا من معارف وأخبار غابت عن حواسنا. فعلى سبيل المثال لا يمكن لأحد في العالم أن يرى بعينه كل مدن العالم بما فيها من سكان ومنازل وأسواق، إلا أنه يصدّق بوجود أي منها إذا تواترت الأخبار التي يتداولها الناس بوجود تلك المدينة ولو كانت في أقصى أصقاع الأرض ويصعب عليه التحقق شخصيا من وجودها.

ولم يخل تاريخ الفلسفة من منكري قيمة النقل، فالتيار السفسطائي الشكي في اليونان ممثلا بغورجياس كان يرى أنه لا يمكن معرفة شيء، وإن أمكن فلا يمكن نقل المعرفة للآخرين.

تمثال زيوس كبير الآلهة اليونانية

مواقف الفلاسفة من الوحي
إذا اعتبرنا اليونان مهداً للفلسفة، فسنبدأ عرضنا التاريخي من مواقف فلاسفتها تجاه الوحي، وسيأتي ذكر نشأة الأديان والأساطير هناك في مقال الوثنية، ونكتفي هنا بالإشارة إلى أن ما وصلنا من تراث فلاسفة اليونان قد لا يدل في الظاهر على أن الوحي بلغهم في ظل سيادة الأساطير على المشهد، ولذلك لم يصلنا من تراثهم الفلسفي شيء عن البحث في مسألة الوحي، سواء في المرحلة العقلانية الأولى على يد طاليس وأنكسيماندر، أو في مرحلة السفسطة، أو حتى في مرحلة سقراط ومن بعده ممن أعادوا الاعتبار للعقل، وذلك بالرغم من إيمانهم بوجود إله خالق من منطلق الضرورة العقلية. لكن التحقيق يرجح أن الأساطير الإغريقية نفسها لم تكن سوى تحريف لرسالة الوحي، حتى انقلبت الملائكة إلى آلهة تسكن جبل الأوليمب، ومع ذلك فالأثر الباقي في تراث الفلاسفة يبدو خاليا من آثار الوحي لأنه لم يبق لديهم منه شيء.

وقد أدى افتقار الإغريق للوحي إلى تخبط واضح في المسائل الميتافيزيقية، فيقال إن سقراط ناقش مع مجموعة من أتباع فيثاغورس قضية خلود النفس البشرية، حيث حاولوا أن يدافعوا عن نظريتهم في التناسخ انطلاقا من خلفيتهم الباطنية، فاثبت لهم سقراط تهافت النظرية، فاقترحوا القول بخلودها بعد موت الجسد، فناقشهم أيضا في هذا الطرح ولم يتمكنوا من البرهنة عليه، وعندئذ سكت الجميع برهة، وقال أحدهم ويدعى سيمياس إن العلم بحقائق هذه الأمور ممتنع أو عسير جدا، ومن الجبن اليأس في البحث حتى الوصول إلى آخر حدود العقل، وإذا لم نستوثق من الحق فعلينا أن نكتشف الدليل الأقوى ما دام أنه لا سبيل لنا إلى بلوغ اليقين بالوحي الإلهي [يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص91].

وعندما انتشرت المسيحية في أوروبا، رأى قسم من الفلاسفة أن الفلسفة والدين متغايران ولا يمكن جمعهما، وأن الدين لا يُعتنق إلا بالإيمان الأعمى دون تعقل، بينما رأى غالبية فلاسفة القرون الوسطى أن الوحي والعقل كلاهما من الله فلا يمكن أن يتعارضا، وقالوا إن ما جاء في الأناجيل من غيبيات لا يمكن للعقل أن يدركه بنفسه، فعليه أن يصدّق به كما جاء في تلك الكتب.

وفي القرن الثالث عشر بدأت فلسفة أرسطو العقلانية بالانتشار، واستفاد منها القديس الإيطالي توما الأكويني في محاولة إثبات ما جاء في الأناجيل بالمنطق، ثم ظهر من الفلاسفة من يقدم العقل على النقل ويرى أنه في حال تعارضهما فلا بد أن يكون العقل هو الأولى، ومن هؤلاء جون سكوت وآلان ديليل. وعندما انطلق عصر النهضة في القرن الرابع عشر كان الفلاسفة قد حسموا أمرهم في الفصل بين الفلسفة واللاهوت، واعتبروا أن “الوحي” مناقض للعقل ولا يدعمه الدليل العلمي.

ويجدر بالذكر هنا أن الوحي الذي كان موضع البحث لم يكن هو إنجيل عيسى عليه السلام، بل مجموعة الأناجيل الأربعة التي أقرها مجمع نيقية في القرن الرابع الميلادي، وقد فقد فلاسفة عصر النهضة الثقة بها عندما شرعوا في نقدها تاريخيا وتبين لهم احتواؤها على الكثير من التناقضات، فضلا عن عدم وجود أي دليل على صحة نسبتها إلى عيسى نفسه [انظر مقال المسيحية]، لذا أقر بعض الفلاسفة في القرن السابع عشر وما بعده -مثل سبينوزا- بأن هناك وحيا نزل بالفعل على النبيين موسى وعيسى عليهما السلام إلا أن الكتاب المقدس المعترف به من قبل الكنيسة ليس سوى نسخة محرفة، بينما قرر فلاسفة نزعة “التنوير” التخلي عن الإيمان بالوحي والاكتفاء بمصدرية العقل أو الحس أو الحدس.

ومن الواضح أن نقد فلاسفة الغرب للوحي صادر عن اعتقادهم بأنه يقتصر فقط على الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، بينما لا يكاد يتعرض أحدهم للقرآن في بحثه، وقد وضعوا الأديان كلها في سلة واحدة من خلال منظورهم للدين من زاوية تراثهم اليهودي-المسيحي فقط، ولم يميزوا بين القرآن وغيره لانطلاقهم في دراسته -إن فعلوا- من أبحاث المستشرقين الذين أقر معظمهم أن القرآن ليس وحيا إلهيا أصلا.

وفيما يتعلق بالإسلام، فسنبحث في مقال مستقل مرجعية الوحي الإسلامي ومصداقية نسبته إلى الله، ونكتفي هنا في سياق العرض التاريخي بالإشارة إلى أن مواقف فلاسفة الإسلام من مصدرية الوحي للمعرفة تنوعت كتنوع المواقف في أوروبا، فكان المعتزلة يحاولون إثبات حقائق الوحي بأدوات المنطق مع تقديم العقل عند “التعارض” مع النقل، بينما كان الأشاعرة يستخدمون الأدوات نفسها لإثبات عدم التعارض، كما وضع ابن رشد كتاب “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال” لإثبات توافق العقل والنقل من خلال مفهومه الخاص للعقل والذي يقتصر على المنطق الأرسطي، ثم وضع ابن تيمية في القرن الرابع عشر الميلادي كتاب “درء تعارض العقل والنقل” ليثبت أيضا عدم التعارض، ولكن دون قصر العقل على فلسفة أرسطو.


أهم المراجع
برتراند رسل، تاريخ الفلسفة الحديثة، ترجمة محمد فتحي الشنيطي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1967.

يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، مؤسسة هنداوي.

عبد الرحمن حبنكة الميداني، ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، دار القلم، دمشق، 1993.

عبد الرحمن الزنيدي، مصادر المعرفة في الفكر الديني والفلسفي: دراسة نقدية في ضوء الإسلام، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1992.

علي سامي نشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، دار النهضة العربية، بيروت، 1984.

محمود قاسم، المنطق الحديث ومناهج البحث، مكتبة الأنجلو المصرية، 1949.

ميشيو كاكو، فيزياء المستحيل، ترجمة سعد الدين خرفان، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، أبريل 2013.

رضا زيدان، الإجماع الإنساني، مركز براهين، 2017.

لؤي صافي، إعمال العقل من النظرة التجزيئية إلى النظرة التكاملية، دار الفكر، دمشق، 1998.

طه عبد الرحمن، سؤال العمل: بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2012.

راجح الكردي، نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1992.

جون لينوكس، العلم ووجود الله، ترجمة ماريانا كتكوت، الناشر خدمة كريدولوغوس، 2015.

عبد الله العجيري، ميليشيا الإلحاد: مدخل لفهم الإلحاد الجديد، مركز تكوين، 2014.

عبد الرحمن الحاج، مقال “أزمة المعرفة في سياق الحداثة”، موقع إسلام أونلاين، 23 نوفمبر 2002.

إسماعيل عرفة، مقال “خائنو الحقيقة.. كيف يخدع علماء الطبيعة الجماهير؟”، موقع ميدان، 2 سبتمبر 2017.

J. Ayer, The Problem of Knowledge, Penguin, New York, 1956.

Sterling Lamprecht, The Metaphysics of Naturalism, Appleton Century Crofts, New York, 1960.

Roger Trigg, Rationality and Science, Oxford: Blackwell, 1993.

http://www.almasalik.com

المغالطات المنطقية

أحمد دعدوش


مقدمة
بالرغم من المزايا العظيمة لثورة المعلومات والاتصالات التي نعيشها، فإن الفوضى الفكرية هي إحدى أبرز ملامحها، فالأجيال التي نشأت في ظل هذا الانفتاح غير المسبوق في التاريخ باتت تتعرض يوميا لسيل هائل من المعلومات.

ومع تزايد الدفق المتواصل للأفكار والأخبار، يزداد نهم المتلقي للاطلاع السريع والسطحي على أكبر قدر من المحتوى المطروح، فيفقد الكثير من قدراته الدفاعية للمغالطات، ويمتلئ عقله لاشعوريا بالأفكار والمعلومات الخاطئة والمضللة التي قد تقلب عقيدته بالكامل.

وبما أن الشباب يعيش حاليا في ظل اضطرابات سياسية وتدهور اقتصادي في العديد من الدول العربية، فهو يشهد بعينه تزايد الاحتقان والاستقطاب بين أتباع الطوائف والأديان المختلفة، حتى بات الكثير منهم معرضا لضغط التمحيص في أفكاره ومعتقداته.

أرسطو

وإذا كان أرسطو قد لاحظ أن القادة السياسيين يكتسبون شرعيتهم وشعبيتهم من قدراتهم الخطابية وليس من التزامهم بقواعد المنطق، فقد لاحظ الفيلسوف غوستاف لوبون بعد دراسته للثورة الفرنسية أن القائد الذي يلجأ للمنطق في خطابه الجماهيري يضحي بشعبيته، مما دفع كبار السياسيين في الغرب خلال القرن العشرين للاستفادة من كتابه “سيكولوجية الجماهير” بطرح الجدل المنطقي جانبا والاهتمام بإلهاب حماس الجماهير وإثارة عواطفها.

المشكلة هنا لا تكمن في استغلال المشاعر بل في توظيفها لتحقيق مصالح ذاتية على حساب المنطق وبما يخالف العقل، ولا نقصد بالمنطق هنا المجادلات الفلسفية التي تقبل الأخذ والرد، بل القواعد العقلية المتفق عليها. ويقع هذا الاستغلال المغرض عندما يتعمد أحدهم ارتكاب مغالطات منطقية بهدف التضليل والإيهام.

تعود أصول المنطق الصوري إلى أرسطو في القرن الثالث قبل الميلاد، وهو منطق لم يسلم من النقد على يد بعض العلماء المسلمين، إلا أنه لعب دورا جوهريا في وضع أسس المنطق الرياضي والمنطق العملي في العصر الحديث، حيث يهتم بعض المختصين في المنطق اليوم بتطبيقات هذه القواعد في مجالات اللغة وعلم النفس والبرمجة ووسائل الاتصال والإعلام.

ويُعد مبحث “المغالطات المنطقية” من أهم تطبيقات المنطق العملي اليوم، فهو يساعدنا على كشف أساليب الخداع والتضليل التي نتعرض لها عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وحتى الكتب التي يفترض بها أن تكون أكثر عمقا، ما يجعل من دراسة هذه المغالطات وتعميمها ضرورة حتمية.

القضايا
يتكون كلامنا في العادة من نوعين من الجُمل هما:

1- الجُمل الإنشائية، كالتي تقوم على الأمر والنهي وإنشاء العقود، وهي لا تحتمل الصدق ولا الكذب، فلا يهتم بها المنطق.
أمثلة: اكتب لي رسالة، لا تذهب إلى السوق، زوجتُك ابنتي.

2- الجمل التامة الخبرية، وهي التي تتضمن أحكاما موجبة أو سالبة، فهي تحتمل الصدق أو الكذب، وهي التي يهتم بها المنطق لمعرفة حقيقتها، لذا يُطلق عليها في علم المنطق اسم القضية.
أمثلة: كتبتُ لك رسالة، ذهبتُ إلى السوق، فلان هو زوج فلانة.

وتتكون القضية من عدة عبارات، أولها المقدمة –وقد تتضمن القضية عدة مقدمات- وتليها النتيجة. وتنقسم القضايا إلى حمْلية وشرطية، ولكل منهما أشكال متعددة.

مراتب الحجج
صنّف علماء المنطق الحجج المنطقية إلى خمس مراتب بحسب قوة إلزامها، وهي كالآتي:

1- الحجة البرهانية: هي التي تفيد اليقين، ويتحقق ذلك إما بالاستدلال المباشر٬ أو بالقياس الصحيح على قضية يقينية أخرى.

مثال: العدد 4 ينقسم إلى عددين متساويين٬ وكل عدد منقسم بمتساويين هو عدد زوجي، إذن فالعدد 4 زوجي.

2- الحجة الجدلية: هي حجة تتكون من مقدمات مشهورة يعتقد عامة الناس بصحتها بدرجة تقترب من اليقين٬ أو تكون مقدماتها من المسلّم بها عند الآخرين ولكن لا ترقى إلى مرتبة اليقين التام، وهي تشمل معظم القضايا التي نتداولها في القوانين والمبادئ الأخلاقية والنظريات العلمية.

3- الحجة الخَطابية: هي حجة غير ملزمة ولكنها تفيد الظن الراجح٬ فهي تعتمد على مقدمات ظنية، ومن أمثلتها الأحكام الفقهية التي تكتسب عند صاحبها صفة الرجحان.

4- الحجة الشعرية: هي الحجة لا تفيد ظنًّا راجحا لاعتمادها على مقدمات وهمية، إلا أن صاحبها يتلاعب بمشاعر الآخرين فيتأثرون بها. ومن أمثلتها الحجج التي يطرحها الشعراء والخطباء والقادة السياسيون لإشعال الحماس في الجماهير، وكثيرا ما تنتشر في وسائل الإعلام لحشد الرأي العام بما يوافق مصالح السلطات.

5- الحجة الباطلة: هي التي تقوم على الغلط أو المغالطة: فإذا تضمنت مقدمات الحجة خطأ غير مقصود فهي “غلط” منطقي، ويجب على صاحب القضية أن يصححه. أما إذا تعمد صاحبها وضع هذا الغلط قصداً بهدف التضليل فيسمى عمله هذا “مغالطة”، ولا خلاف على أن هذا التعمد يُعد عملا منافيا للأخلاق والشرائع.

أشكال المغالطات

الاستدلال الدائري
هو أن يضع المغالِط حجته في حلقة مفرغة، فالمقدمة التي يطرحها لا يمكن إثباتها قبل إثبات النتيجة. وهي مغالطة شائعة جدا وتأخذ أشكالا عدة، حيث يتعمد المغالِط إيهام الناس بأنهم يصدقونه بتقديم ادعاءاته على أنها مسلّمات وأنهم لا يشككون فيها، فيضطر المتلقي تحت تأثير الوهم للتصديق، وربما يعتقد لاشعوريا بأن الجميع من حوله يصدقون.

مثال: يقول شخص ما إن “الكاهن فلان صادق، لأنه أكد أنه لا يكذب”، ويسمى هذا الاستدلال الخاطئ في المنطق بالدَّور، فنحن هنا أمام حلقة مفرغة.

المصادرة على المطلوب
هي من أشكال الاستدلال الدائري، حيث يجعل المغالِط النتيجة التي يريدها في المقدمة نفسها، أو يضمنها في المقدمة جزئيا بشكل غير صريح، وهو لا يبرهن عليها بل يفترض صحتها بإعادة صياغتها في النتيجة بطريقة توهمنا بأننا حصلنا عليها كنتيجة للمقدمة.

مثال: يقول أحدهم “إن الإسلام يجرّم المثلية الجنسية، والمثلية حق طبيعي لدى فئة من الناس، إذن الإسلام يدعو للتمييز ضد الأقليات”.

فالقائل هنا انطلق من مقدمة متفق عليها وهي تحريم الشذوذ الجنسي، إلا أنه أراد أن يضع النتيجة في المقدمة الثانية وهي أن الشذوذ ليس سوى حالة طبيعية تتعلق بالجينات فقط، وهذا ادعاء غير مبرهن عليه، فالنتيجة إذن لا يمكن التسليم بها.

التعميم المتسرع
تستند معظم معارفنا العلمية على التعميم الاستقرائي، فالنظريات العلمية تدرس تجريبيا حالات عشوائية للظاهرة وتستخرج منها نتيجة ما تعممها على بقية الحالات المشابهة، فيتفق العلماء على اعتمادها نظرية صحيحة مع بقاء احتمال تكذيبها يوماً ما في حال اكتشاف حالات مشابهة لا تخضع لهذا التفسير.

ولا تصح التجارب التي تُعتمد لصحة النظرية ما لم يكن اختيار الظواهر المدروسة عشوائيا وواسعا بحيث يشمل عددا كبيرا من كل أصناف الحالات المقصودة، لكن عندما يقوم الباحث بالانتقاء فلن تكون نتيجة تجاربه صحيحة، كأن يُجري بحثا في علم الاجتماع ويوزع استبيانات على طبقة معينة من المجتمع دون غيرها، فيحصل على نتائج لا تمثل المجتمع كله.

ومغالطة التعميم المتسرع هي تجسيد عملي لهذا البحث الفاشل، ومعظم الناس يمارسونها في حياتهم اليومية بناء على مشاهداتهم الشخصية.

أمثلة:
1- يرصد صحفي غربي وضع المرأة في أفغانستان فيجد أنها محرومة من التعليم ومن حقوق أخرى، فيكتب تقريرا صحفيا يقول فيه “إن شريعة الإسلام مطبقة في أفغانستان وإن المرأة الأفغانية مضطهدة، إذن فالإسلام يظلم المرأة”. فالكاتب هنا جعل من التطبيق الأفغاني للشريعة مقياسا وحيدا يعممه على الإسلام في العالم كله.

2- يقول كاتب أوربي: “إن رجال الكنيسة في القرون الوسطى كانوا يجبرون الناس على الإيمان الأعمى بالنص المقدس، لذا فالدين يقوم أساسا على معارضة العلم والعقل”. فالكاتب هنا يعمم خبرته بالدين المسيحي في عصر ما على مئات الأديان الأخرى دون أن يقدم الدليل.

التعميم المطلق
يرتكب البعض هذه المغالطة عندما يصرون على تعميم حكم ما ليشمل كافة العناصر المعنية به دون السماح بأي استثناء، وهذا غير مقبول منطقيا ولا علميا، فقد يكتشف الإنسان في المستقبل وجود استثناء للقاعدة.

أمثلة:
1- يقول أحد المعلقين “إن أتباع إحدى الطوائف الدينية مؤيدون لنظام دكتاتوري في جرائمه ضد الأكثرية من أتباع دين آخر، والمؤيدون لجرائم النظام تجب محاسبتهم، إذن علينا محاسبة كل من ينتمي لتلك الطائفة”.

2- يقول كاتب لاديني “إن حرية التعبير تعني حق الجميع بالإفصاح عن قناعاتهم، وأنا مقتنع بأن المقدسات الدينية ليست سوى خرافة، إذن يحق لي أن أشتم تلك المقدسات كما أشاء وعبر وسائل الإعلام”.

وقد تأتي هذه المغالطة بطريقة معكوسة، حيث يعمد المغالِط إلى تعميم حكم واحد سبق حدوثه استثنائيا، فيعتبره حكما عاما يطبق على جميع الحالات، وهذه من أكثر المغالطات فحشاً.

مثال: يقول أحدهم “إن أحد المسلمين في بلد ما فجّر نفسه داخل محطة قطارات وقتل العشرات، إذن فالإسلام هو الإرهاب”.

كارل ماركس

ويمكن أن نصنف ضمن هذه المغالطات بعض التطبيقات المتطرفة للنظريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حيث يرى أصحابها أن هناك تفسيرات حتمية لمسار التاريخ لا يمكن الخروج عنها، وتسمى النظريات التي تحكم على المستقبل بهذه الدرجة من اليقين بالنظريات الحديدية. ومن أوضح الأمثلة عليها نظرية كارل ماركس لصراع الطبقات وحتمية صعود الشيوعية في نهاية المطاف، ونظرية نهاية التاريخ التي أطلقها فرانسيس فوكوياما أواخر القرن العشرين وأكد فيها حتمية صعود الرأسمالية كنهاية للتاريخ البشري، ونظريات المؤامرة التي تنسب كل شيء إلى الكائنات الفضائية واليهود وأقطاب رؤوس الأموال في العالم وتستبعد وجود استثناءات خارجة عن معاييرها.

مغالطة التركيب
تتضمن هذه المغالطة نوعين:
الأول هو زعم أن الصفات المشتركة بين معظم أو بعض أشياء أو أشخاص ينتمون لفئة ما يجب أن تنطبق على كل شيء أو شخص ضمن هذه الفئة على حده.

مثال: “بما أن معظم أتباع الهندوسية لا يأكلون لحم البقر، إذن فهذا الشخص الذي يأكل لحم البقر لا يمكن أن يكون هندوسيا”، وهذا ليس ضروريا فقد يكون أحد الهندوس غير ملتزم بهذا الشرط الذي يفرضه عليه دينه.

النوع الثاني هو زعم أن صفات الأشياء أو الأشخاص يجب أن تطبق على المجموع، أي على الشيء الذي تتركب منه الأشياء أو على المجتمع الذي يضم الأشخاص.

مثال: “كل جنود الجيش الفارسي في معركة القادسية كانوا مسلحين ومدربين، إذن الجيش لن يهزم”، لكن الجيش هُزم أمام جيش المسلمين الذي لا يقارن حجمه الصغير أمام ضخامة جيش الفرس، لأن التدريب والتسليح على المستوى الفردي لا يكفي لتحويل الجيش بمجموعه إلى قوة ضاربة.

وهذين النوعين من المغالطة غير لازمين منطقيا في كل الأحوال لكنهما قد يصحا في أحوال أخرى عندما يكون هناك مسوغ منطقي، وذلك بناء على طبيعة الصفة التي نتحدث عنها، لذا علينا أن نميز بين الصفات المطلقة التي لا تتضمن مقارنة مثل اللون والخامة والجنس، في مقابل الصفات النسبية التي تتضمن المقارنة مثل الطول والمقاس والحجم وصفات الشخصية.

وتقع المغالطة عندما يتعمد المغالط تعميم صفات الأجزاء لجعلها صفة للمجموعة كلها في حال كونها صفات نسبية، لكن هذا التعميم مقبول في الصفات المطلقة، فيجوز مثلا أن نقول إن السرير خشبي لأن جميع أجزاءه مصنوعة من الخشب، ولكن لا يجوز القول إن السرير رخيص لأن كل قطعة منه على حدة رخيصة الثمن.

مغالطة التفكيك
هي عكس المغالطة السابقة بنوعيها، حيث يتم فيها الانتقال من الكل إلى الأجزاء.

مثال النوع الأول: “معظم الأديان تتضمن مؤسسة دينية كهنوتية، إذن كل دين يجب أن يكون كهنوتيا”.

مثال النوع الثاني: “إن المجتمع الإيماني هو مجتمع متكافل، إذن كل مؤمن يتكافل مع أقرانه”.

التحريف
يتعمد البعض تحريف الكلمات لتغيير معانيها بما يحقق أهدافه، وقد يكون ذلك بالتصرف في حركات الكلمة أو حروفها.

مثال: “إن العِلمانية مشتقة من العِلم فهي لا تصطدم بالدين بل تسعى للاحتكام إلى المنهج العلمي التجريبي بدلا من الاعتقاد بنفي السببية عن سنن الكون”.

تكمن هذه المغالطة في لجوء صاحبها إلى التحريف عندما زعم أن مصطلح العلمانية (بكسر العين) مشتق من العِلم، مع أنه يُنطق في الأصل بفتح العين اشتقاقا من العالَم الدنيوي كما هو الأصل في اللغات الأوربية التي تُرجم المصطلح عنها، فالعَلمانية تعني الدنيوية التي تقف على النقيض مع الدين.

الألفاظ الملغومة
يقول ابن جني في كتابه “‏الخصائص‏” إن الكلام لا يسمى لغة إلا إذا تم العقد (الاتفاق) على مصطلحاته الدلالية بين المتكلم والسامع‏، وبذلك تأخذ اللغة صفة‏ العقود الدلالية المتفق عليها بين طرفين.

وكثيرا ما تحمل الألفاظ معاني مترادفة تختلف مدلولاتها بحسب مقصود القائل، ‏فإذا كانت‏ لإحدى الكلمات احتمالات متساوية في المعنى المراد منها‏ وجب التوقف في تفسيرها‏ والرجوع في ذلك إلى معرفة مراد المتكلم، كما يقول ابن جني. وهذا أمر متفق عليه بين علماء اللغة والتفسير وأصول الفقه والمنطق.

وقد وضع بعض مفكري ما بعد الحداثة نظريات جديدة في العقود الأخيرة تعطي المتلقي الحق في التفسير والفهم كما يشاء، وما زالت هذه النظريات تلقى الكثير من النقد، وهي تبقى على أي حال ضمن دائرة الاجتهاد الأدبي في قراءة النص ولا تعني تغير المنطق العقلي وقواعده.

إذن فعندما يحاول المغالِط استخدام بعض الألفاظ “الملغومة” بما تحمله من معاني متعددة لصرف الانتباه عن الحجة فهو يرتكب مغالطة منطقية.

مثال: “الديمقراطية تعني حكم الشعب، أي منح الشعب سلطة التشريع، والتشريع لا يكون إلا لله، إذن فالديمقراطية كفر”، لكن مصطلح الديمقراطية في الأدبيات السياسية بات يحمل تطبيقات وأشكالا كثيرة، وهو لا يستلزم هذا المعنى بالضرورة.

السؤال الملغوم
يتعمد المغالِط في هذه الحالة طرح سؤال يتضمن بذاته اتهاما غير مبرَّر، فيضع خصمه أمام خيار صعب بحيث تصبح إجابته اعترافا ضمنيا بالتهمة، وهذه الصياغة يستخدمها المحققون في العادة لتوريط المتهم عملا بالقاعدة المغلوطة “المتهم مدان حتى تثبت براءته” بدلا من العكس، وينبغي لمن يشارك في مناظرة فكرية ألا يجيب على مثل هذا السؤال عندما يتعرض له وأن يكشف المغالطة التي تكمن فيه.

مثال: شخص يسأل خصمه لإحراجه “هل توقفت عن تأييد الإرهابيين؟”، فحتى لو أجاب الآخر بقوله “نعم” فهو يعترف ضمنيا بأنه كان يؤيدهم سابقا.

ويجب على المسؤول أن يوضح للسائل أن سؤاله مركب من سؤالين، هما: هل كنت تؤيد الإرهابيين؟ وإذا كنتَ تؤيدهم فهل توقفت عن التلقي؟ ويكفي أن يجيب عن السؤال الأول بالنفي ولا يوقع نفسه بمأزق.

استخدام المتشابِهات
الألفاظ والعبارات “المتشابهة” هي التي تحمل أكثر من معنى ويصعب التحقق من مراد قائلها، كما تُطلق على الألفاظ التي لا يمكن إدراك معناها وفقا لتعريف الجرجاني، ويقابلها في الضد الألفاظ المُحْكمة، أي التي تحمل معنى واحدا لا لبْس فيه.

وقد وردت بعض العبارات والألفاظ المتشابهة في النص القرآني الكريم، ولعل الحكمة من ورودها هي الامتحان والإعجاز، إذ تقول الآية الكريمة {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7].

وعندما يذكر المغالِط عبارة متشابهة كمقدمة وهو يقصد بها معنى ما، ثم يستخرج منها نتيجة بناءً على معنى آخر فقد ارتكب مغالطة منطقية.

وكثيرا ما يلجأ المنجّمون والدجالون لهذه الحيلة كي تبقى نبوءاتهم الكاذبة حمّالة أوجه، فيتمكنون من تأويلها لتتوافق مع مستجدات المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله، ولعل أوضح مثال على هذه الخدعة نبوءات نوستراداموس.

مثال: يقول شخص غير مسلم “إن القرآن يخاطب دائما المؤمنين بقوله يا أيها الذين آمنوا، والإيمان صفة عامة تشمل كل من يؤمن بالله، فلماذا يصر البعض على تكفيرنا لمجرد كوننا غير مسلمين؟”. فالمتحدث هنا استشهد بمقدمة صحيحة عن ورود صفة الإيمان في القرآن الكريم، ثم ادعى دون دليل أنها تشمل أديانا أخرى غير الإسلام، ليصل إلى نتيجة باطلة.

(Owain.davies,Wikimedia)

سمكة الرنكة الحمراء
هناك خلاف بشأن أصل هذه التسمية، ومن أرجح الأقوال أنها تعود لاستخدام سمكة الرنكة الحمراء من قبل الفارين من العدالة والصيادين بسحبها على الأرض وراءهم في البراري والغابات، وذلك لتضليل كلاب الحراسة برائحتها فلا تتمكن من تمييز رائحتهم وتعقبهم، ثم استُخدمت هذه الاستعارة في المنطق أوائل القرن التاسع عشر في بريطانيا.

ويتعمد مرتكب هذه المغالطة صرف اهتمام الآخرين بالحديث عن قضية أخرى وإثارة مشاعرهم بها للتغطية على قضيته التي يعجز عن إثباتها، وهذه مغالطة أكثر تضليلا من السابقة (تجاهل القضية) فالمغالِط هنا لا يسعى لإثبات قضية أخرى صحيحة بتجاهل قضيته بل يقفز إلى قضية مغايرة لإثارة المشاعر، وقد تكون أيضا خاطئة.

مثال: قد يُسأل شخص ما أثناء مناظرة دينية عن الأخطاء التي يمارسها الكهنة في دينه، وبدلا من الدفاع عنهم يحاول الحديث عن أخطاء الكهنة في دين خصمه، وذلك لإثارة حنق الخصم فقط وقلب الطاولة عليه، مع أن أخطاء الآخرين لا تبرر أخطاءه.

التفسير بالتسمية
يرتكب المغالط هذه المغالطة عندما يقفز فوق أسباب المشكلة ويكتفي بتسميتها بطريقة لا تخلو من التضليل، فقد تكون هناك أسباب عدة ولا يكفي الاقتصار على التسمية.

فمثلا عندما يقول أتباع الباطنية (الغنوصية) إن المرض النفسي أو الجسدي الذي يصيب شخصا ما ناشئ عن خلل في “الطاقة الحيوية”، فهذا مجرد افتراض قائم على اعتقاد غيبي، وإطلاق تسمية الطاقة على شيء غير مثبت هو مجرد مغالطة.

المغالطة البهلوانية (مهاجمة رجل القش)
كان الجنود الأوربيون في القرون الوسطى يتدربون على المبارزة والرمي بمهاجمة دمية كبيرة مصنوعة من القش، وقد اشتُقت هذه المغالطة من تلك المبارزة لأن المغالِط يهدف فيها إلى مبارزة خصم مزيف بدلا من خصمه الحقيقي، فهو يحيد عن القضية الأساسية ويناقش بعض أجزائها الضعيفة أو يضرب عليها أمثلة جزئية لا يصح تعميمها، ثم يصرف الانتباه إلى مجادلاته تلك بعيدا عن جوهر القضية.

وتعد هذه المغالطة من أكثر المغالطات شيوعا في الحوارات التلفزيونية والمناقشات المتبادلة في مواقع التواصل، حيث حاول الكثيرون تسليط الضوء على جانب أو مثال أو قصة ما ليسارعوا إلى التعميم واستدرار المشاعر تجاه قضية أكثر شمولا.

مثال: قد يقول أحدهم لشخص آخر إن جمعية الحكمة الإلهية (الثيوصوفيا) هي إحدى الجمعيات السرية الباطنية التي تقوم أساسا على عبادة الشيطان “لوسيفر”، وبدلا من أن يحاول الآخر نفي العلاقة بين الجمعية وبين عقيدة عبادة الشيطان، فإنه يبدأ بتعداد حسنات الجمعية مثل الدعوة إلى السلام وتجميع الشعوب تحت مظلة واحدة وغير ذلك، وهي أهداف قد تكون صحيحة ظاهرية إلا أنها قد تكون كذلك غطاءً لهدف آخر، أو يكون لها تفسير مختلف، وهي بكل الأحوال لا تنفي الافتراض الذي طرحه الشخص الأول والذي يجب أن يكون موضوع النقاش.

مغالطة وماذا عن؟
هذه المغالطة تشبه المغالطة السابقة، ويستهدف فيها المغالط صرف النظر عن الموضوع الأصلي إلى موضوع آخر مشابه للتهرب، وهي أيضا مغالطة شائعة للغاية في الحياة اليومية.

مثال: قد تجادل شخصا في المجازر التي ارتكبتها الشيوعية بحق شعوب الاتحاد السوفييتي، وخصوصا في عهد ستالين، فيرد عليك بسؤال: وماذا عن مجازر الأمريكيين بحق السكان الأصليين (الهنود الحمر)؟ فالمنطق يقتضي ألا نخلط بين الأمرين، فإقرارنا بالمجازر الأولى لا ينفي الثانية بالضرورة.

مغالطات الشخصنة
كثيرا ما يتعمد المغالِط الطعن في شخصية صاحب القضية بدلا من الانشغال بتفنيد القضية نفسها، وتأخذ هذه المغالطات ثلاثة أشكال معروفة وشائعة:

1- القدح: عندما يطعن أحد المتحاورين في الخصم مستحضرا تاريخه وأخطاءه، وقد يكون هذا مقبولا عندما يتعلق الطعن بالقضية نفسها ويشكك في مصداقية قائلها، ولا سيما عندما يكون هذا القائل ناقلا لرواية ما وهو شخص غير مؤهل للثقة في النقل، لذا اهتم علماء الحديث المسلمون بالجرح والتعديل في تصنيف الرواة حسب عدالتهم وقدرتهم على الحفظ والضبط.

2- التعريض بالانتماء: عندما يلجأ المغالِط للغمز واللمز بشأن انتماءات خصمه وميوله السياسية وخلفيته الطبقية أو الأيديولوجية.

مثال: يقول أحدهم لخصمه “كيف لي أن أصدق ما تقول وأنت تنتمي أصلا إلى دين يتضمن كتابه المقدس الكثير من الأكاذيب؟”، فالمتحدث هنا يحاول إثبات خطأ قضية ما بناء على انتماء قائلها مع أن القضية قد تكون صحيحة.

3- أنت أيضا تفعل ذلك: عندما يتهرب المغالِط من تهمة ما بمحاولة اتهام خصمه بها، فهو لا يناقش التهمة نفسها بل يكتفي بإثبات أنه ليس وحده المخطئ، مع أن خطأ الخصم لا يبرر خطأ المغالِط، كما أن الخصم قد يكون تائبا عن خطئه.

الاحتكام إلى السلطة
كثيرا ما نلجأ في أحكامنا وقراراتنا ومعلوماتنا إلى الخبراء والمتخصصين وأصحاب النفوذ، وهو أمر مقبول عندما يكون احتكامنا إليهم في مجال تخصصهم وخاليا من التقديس، لكن المغالطة تقع عندما يعمد أحدهم إلى القول بأن صحة القضية ترتبط فقط بصدورها عن سلطة ما سواء كانت علمية أو سياسية أو مشهورة، وذلك وفقا للحالات الآتية:

1- عندما يكون الاحتكام إلى السلطة في قضية تقع خارج اختصاصها: مثل الاستشهاد بآراء دينية شاذة يطرحها عالم كبير في مجال الطاقة النووية، فكونه مرجعا في الفيزياء لا يجعله مؤهلا للإفتاء في الدين.

2- عندما تكون السلطة مجهولة: كأن يقول أحدهم “إن الكثير من المؤرخين الكبار أنكروا وقوع حادثة ما”، فالمغالِط لم يذكر أسماء المؤرخين واكتفى بوصفهم بالكبار، دون أن يقدم دليلا على صحة قوله.

3- عندما تكون السلطة منحازة وغير محايدة: مثل الكهنة العاملين في سلك الكهنوتية الرسمي لدولة ما، فآراؤهم السياسية لا تكون نزيهة بالضرورة.

4- عند تجاهل الخلاف بين السلطة المُحتكَم إليها وسلطات أخرى مماثلة: فقد يلجأ شخص مثلا إلى فتوى لأحد الفقهاء في قضية خلافية بما يناسب رأيه، معتبرا أنها هي الحكم الشرعي الصحيح، ويتجنب الإشارة إلى آراء فقهاء أخرى مخالفة.

5- عندما يكون رأي السلطة قديما وبحاجة للتجديد: فعلى سبيل المثال قد تكون بعض الفتاوى الدينية المتعلقة بأنظمة سياسية واجتماعية اندثرت قبل قرون غير صالحة للتطبيق اليوم.

الاحتكام إلى الأكثرية
يلجأ المغالِط إلى رأي الأكثرية بدلا من الحجة، وقد يكون رأي الأكثرية صحيحا بالفعل، كما يمكن أن يكون خاطئا. وقد نُقل عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله “الجماعة ما وافق الحق؛ ولو كنت وحدك”.

والاحتكام إلى الأكثرية ليس خطأ بذاته، فالحكم الديمقراطي قائم على اختيار الأغلبية في صناديق الاقتراع، والتجارب العلمية تأخذ صفة النظرية عندما تتحقق بالتكرار، كما يُحتكم في الشريعة إلى رأي جمهور الفقهاء عادةً، وعندما يتحقق الإجماع (أي موافقة جميع الفقهاء في عصر ما) على أحد الآراء يُصبح ملزما، لكن هذا الاحتكام الذي يصح عادة في مجالات السياسة والعلم والقانون والفقه لا يعني بالضرورة أن يؤدي إلى نتيجة عقلية صحيحة، بل هو مجرد اتفاق على تطبيق نتائجه عمليا.

يتحدث الفيلسوف البريطاني جوليان باجيني في كتابه “هل تحكم على الكتاب من عنوانه؟” عما يسميه “خديعة الحكمة”، وينتقد الاستخدام اليومي للأمثال والمقولات المأثورة على أنها بمثابة حقائق يُجمع عليها الناس، مع أنها قد تكون خاطئة ومضللة.

الاحتكام إلى سلطة الآباء والتقاليد
هذا الغلط شائع جدا ولا يكاد ينتبه إلى ارتكابه معظم الناس، لذا أوضح القرآن الكريم في عدة آيات أن تقليد الآباء هو السبب المشترك للضلال بين الأمم، ومنها قوله تعالى {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23].

التجريم بالتبعية
يرتكب البعض هذه المغالطة عندما يحكمون على قضية ما بأنها باطلة لمجرد أن إحدى الجهات تؤيدها، فقد تكون آراء تلك الجهة خاطئة في أمور كثيرة لكن هذا لا يستلزم أن يكون موقفها من القضية المعنية خاطئا بالضرورة.

مثال: “الحدث الفلاني ورد ذكره في الكتاب المقدس، وهذا الكتاب محرّف ومزيف، إذن فالحدث لم يحدث أصلا”.

ويجدر بالذكر أن سقوط مصداقية بعض المصادر قد يكون مبرِّرا لنفي صحة ما يصدر عنها، ولكن هذا يتطلب تقديم أدلة كافية لإثبات انعدام مصداقيتها في كل ما يصدر عنها مئة بالمئة، كي نحصل على نتيجة منطقية تفيد اليقين.

فإذا قال علماء الحديث على سبيل المثال إن شخصا ما “متروك الحديث” بعد أن تيقنوا من كذبه، فهذا يعني أنه لا يمكن اعتماد شيء مما يرويه من الأحاديث لوجود شك فيها، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن كل ما يقوله حتماً كذِب.

وقد تأخذ هذه المغالطة شكلا آخر، حيث يتهم المغالِط شخصا أو جهة ما بالانتماء لجهة أخرى لمجرد إثبات توافقهما بالآراء في قضية أو عدة قضايا، لكن هذا الاتهام يتطلب إثبات الانتماء نفسه وليس التوافق في الرأي.

مثال: “المؤرخ الفلاني أثبت وقوع ذاك الحدث، والكتاب المقدس تحدث أيضا عن وقوع نفس الحدث، إذن فالمؤرخ يؤمن بذلك الكتاب ويدين بدينه”.

مغالطة المنشأ
في هذه الحالة يحكم المغالِط بصحة أو خطأ القضية بناء على مصدرها، فإذا كان هناك رأي ما قد صدر عن جهة يبغضها سارع إلى الحكم ببطلانه، والعكس صحيح.

مثال: “إن فكرة ظهور المخلّص في آخر الزمان وردت في التوراة المحرّفة، إذن هي فكرة يهودية خالصة وتأثر بها أتباع أديان أخرى”.

الاحتكام إلى الحداثة
يحاول المغالِط في هذه المغالطة إيهام خصمه بأنه متخلف عن ركب الحداثة، كي يجبره لاشعوريا على الاقتناع بحجته، فيكتفي المغالِط بالقول إن رأيه هو الأحدث ومن ثم فهو صحيح، مع أن الحق لا يرتبط بالقِدم ولا الحداثة.

مثال: “نظرية التصميم الذكي (الخلق) تتعارض مع نظرية التطور الأكثر حداثة، إذن نظرية الخلق خاطئة”، فالمغالِط هنا لم يناقش أدلة النظريتين واحتكم إلى معيار الحداثة فقط.

الاحتكام إلى الاشمئزاز
يحاول المغالِط هنا اللعب على وتر الغرائز والمشاعر فيربط بين القضية التي يريد تفنيدها وبين أمور أخرى تثير الاشمئزاز أو النفور، دون أن يطرح حجة منطقية، وهذا ما تفعله الأعمال الكوميدية ورسوم الكاريكاتير أيضا.

مثال: “معظم المتدينين في مدينة ما من الطبقات الدنيا، ومعظم الملحدين أغنياء، إذن الدين مرتبط بالفقر”، فالمغالط لم يناقش الدين ولا الإلحاد، بل اكتفى بربط الدين بالفقر.

الاحتكام إلى الشفقة
يستند المغالِط في هذه الحالة إلى استدرار عطف الآخرين لإثبات قضيته بدلا من اللجوء للحجة العقلية، ومع أن التعاطف مع المظلومين والمنكوبين ضروري أخلاقيا إلا أنه ليس حجة لإثبات أو تفنيد أي قضية.

مثال: “الضحية الفلانية تعرضت للقتل على يد أقاربها في جريمة شرف، إذن يجب التخلص من مفاهيم الشرف والعار”، فالمغالط لم يناقش القضية بكل أبعادها، ولم يذكر ما فعلته الضحية قبل أن تتعرض للقتل، بل اكتفى باعتبارها ضحية لتسليط الضوء على جانب واحد وهو مفهوم الشرف.

الاحتكام إلى الأُمنية
قد نرتكب هذه المغالطة في حياتنا اليومية كثيرا دون أن نشعر، فنحن نرفض أو نقر بعض الخيارات بناء على أمنياتنا بدلا من تبريرها منطقيا، وإذا كان هذا مقبولا من الناحية النفسية أو العملية في بعض الأحيان فهو غلط منطقي لا يؤدي إلى نتائج عقلية صحيحة، وقد يصبح مغالطة عندما يتعمد أحدنا استغلالها للمحاججة.

مثال: “الله رحيم بعباده، ونحن بشر ناقصون، إذن الله لن يعذبنا”. وهذا ليس ضروريا بالمنطق، فرحمة الله لا تتعارض مع إنزاله العذاب بمن يستحق.

الاحتكام إلى الجهل
يزعم المغالِط أن قضية ما صحيحة أو خاطئة طالما لم يستطع خصمه أن يثبت العكس، فهو يحتكم بذلك إلى جهل الخصم بالدليل، مع أن الدليل قد يكون موجودا ولكن الخصم نفسه لا يعرفه. وربما يخيره بين أمرين فيقول: إما أن تسلّم بكلامي أو تأتي بأفضل منه، وهذا ليس ضروريا، فيمكنك أن تبطل حجة المغالِط وتبثت مثلا أنه دجال في ادعائه بأنه قد اخترع علاجا لمرض عضال دون أن يكون مطلوبا منك اختراع علاج بديل.

ومن القواعد المعروفة لدى علماء المنطق أن عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود، أي أن عدم علم أحد من الناس (أو الناس جميعا) بوجود شيء ما فهذا لا يعني أنه غير موجود، فقد تكون هناك عوالم غيبية لا نشعر بها ولم يُحدثنا عنها الوحي، لكن جهلنا بها لا يعني أنها ليست موجودة.

الاحتكام إلى القوة (التهديد)
يكتفي المغالِط باللجوء إلى منطق التهديد والتخويف، متجاوزا بذلك عبء البحث عن حجة، لذا تُسمى هذه المغالطة أيضا بمغالطة التلويح بالعصا.

وليام جيمس

الاحتكام إلى النتيجة
يتهرب المغالِط من مناقشة الحجة بالحديث عن نتائجها، محاولا إثباتها لأن نتيجتها جيدة، أو تفنيدها لمجرد أن نتيجتها سيئة.

والاحتكام إلى النتائج في الحياة العملية أمر مقبول، فالعاقل هو من يتعظ بغيره ويستفيد من التجارب، لكن النتيجة لا تكون حجة عندما يكون السؤال نظريا ويبحث في الحق والباطل.

مثال: كان الفيلسوف البراغماتي وليام جيمس يعتقد أن الإيمان بوجود الله يحقق نتائج مُرضية تُساعد الإنسان على تحسين وضعيته الواقعية وترتقي بحالته النفسية، لذا فالإله بحسب رأيه موجود.

وهذا احتكام إلى النتيجة فقط، مع أن وجود الله موضوعي وليس شأنا ذاتيا، لكن البراغماتية تقوم أساسا على ربط الحقائق بالنتائج.

التجربة الذاتية
يفترض المغالِط أن الطريقة الوحيدة لإثبات أي قضية هي التجربة الشخصية فقط، فيقول إنه لا يستطيع أن يؤمن بما يقوله الخصم ما لم يجربه هو بنفسه. ولو كان هذا الزعم صحيحا لما آمن الناس بغالبية حقائق الوجود، فنحن مثلا لم نحلّق في الفضاء لنشاهد كروية الأرض بأعيننا، ولم نرافق العلماء في مختبراتهم لنتحقق من صحة تجاربهم الفيزيائية والكيميائية.

المنزلق الحدِر
يتخيل المغالِط سلسلة من النتائج التي يؤكد أنها ستحدث تبعا للمقدمة، ليصل في النهاية إلى نتيجة مفادها إثبات أو تفنيد القضية، فهو يحتكم إلى النتيجة ولكن عبر سلسلة من الأحداث التي تترك انطباعا جيدا أو سيئا دون احتكام إلى الحجة المنطقية.

فعلى سبيل المثال، تكرس عدة وسائل إعلام غربية صورة نمطية للإسلام ترتبط بالعنف والتخلف، فنجد مثلا في الفيلم الهوليودي الكوميدي American Carol “ترنيمة أمريكية” (2008) تبريرا لما كان يسمى بالحرب على الإرهاب عبر تخويف المشاهد الأمريكي من احتمال سيطرة المسلمين “إرهابيين” على الحكم، وذلك في سلسلة مشاهد متخيلة تتضمن قمعا للنساء وفرضا للحجاب عليهن.

الحلول الكاملة
يصرّ المغالط على أن أي حل للمشكلة التي يتم بحثها يجب أن يكون كاملا ولا تشوبه شائبة، وإلا فهو حل مرفوض. وهذا غير منطقي لأن الحل الجزئي قد يخفف المشكلة، وقد يؤدي إلى انتهائها بعد زمن ما.

مثال: “إن انتشار الحجاب بين النساء في المجتمع لم يؤد إلى القضاء على ظاهرة التحرش، فلماذا يحاول الدعاة إقناعنا بجدوى الحجاب؟”، فالمغالط يفترض أصلا أن الحكمة من فرض الحجاب هي القضاء على المشكلة كلها، وبما أنه لن يحلها فهو يرفضه بالجملة.

الأبيض أو الأسود
يضع المغالِط خيارين لا ثالث لهما أمام خصمه، وكأنه يفترض مسبقا عدم وجود خيارات أخرى، وقد يكون المغالط أكثر تطرفا عندما يضع خصمه أمام خيار واحد فقط دون مبرر منطقي.

وكثيرا ما نسمع هذه المغالطات الديماغوجية في خطابات السياسيين، ولا سيما عندما يتحدث مسؤولون غربيون عن ضرورة “اندماج” الجاليات المسلمة بالثقافة الغربية، بما يتضمن أحيانا إكراه طالبات المدارس على خلع الحجاب، وقد يصل الأمر إلى درجة التصريح بمقولة “من لم يكن معنا فهو ضدنا”.

التماس المديح
قد يتعمد المغالط كيل المديح لخصمه أو للمتلقي عبر وسائل الإعلام بهدف إحراجه ودفعه لاشعوريا للاقتناع برأيه، دون أن يقدم الحجة والدليل.

وتكثر هذه المغالطة أيضا في الخطابات السياسية، مثل كيل المديح للشعب والأمة في سياق دفع الرأي العام باتجاه ما، وقد يستخدمها المغالط في الحوار فيقول لخصمه “أنت شخص عاقل ولا يليق بك أن تقول كذا”.

العلة الزائفة
يحاول المغالِط تزييف الحجة عبر ربط القضية بعلة غير صحيحة ليصل إلى نتيجة خاطئة، وذلك في أحد الأشكال الأربعة الآتية:

دير بحيرا الراهب في بصرى الشام

1- خلط السببية بالمصادفة: قد يتصادف وجود حدث ما مع حدث آخر في الزمان والمكان دون أي علاقة سببية بينهما، لكن المغالِط يتعمد الربط بينهما للتضليل.
مثال: اتهام بعض المستشرقين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنه تلقى قصص الأمم السابقة عن أهل الكتاب، ويمكن صياغة هذه المغالطة كالآتي “محمد التقى بحيرا الراهب أثناء صباه في بصرى الشام، وبحيرا الراهب كان حافظا للروايات التوراتية، إذن فمحمد تلقى عنه تلك الروايات ولم يأخذها عن الوحي”.

2- المغالطة البَعدية: قد يأتي حدث ما بعد حدث آخر فيربط المغالِط بينهما مؤكدا أن الأول لا بد أن يكون سببا للتالي، مع أن التعاقب الزمني لأي حدثين لا يستلزم بالضرورة وجود سببية بينهما.
مثال: “الآثار تؤكد أن الأساطير التي وصلتنا من القرون السابقة أقدم من الكتب الإبراهيمية، إذن فالأديان الإبراهيمية مقتبسة من الأساطير الوثنية وليست وحيا من السماء”. وهذا افتراض لا دليل عليه، فمن حيث المنطق يمكننا افتراض نزول الوحي على أنبياء قبل إبراهيم ثم حُرفت ووصلت إلينا على هيئة أساطير، بينما ظلت الكتب الأخيرة محفوظة من التحريف جزئيا أو كليا، وحتى في حال حدوث الأساطير أولاً فإن الباحث لم يقدم أي دليل على أن الأنبياء اقتبسوا عنها كتبهم.

3- إغفال أسباب أخرى مشتركة: قد يكون الربط بين السبب والنتيجة صحيحا لكن المغالِط يتعمد إغفال أسباب أخرى.
مثال: “نسبة مشاهدة الأفلام الخليعة مرتفعة في المجتمعات المحافظة، إذن التدين يؤدي إلى الهوس الجنسي”، فالمغالط قد يكون مصيبا في المقدمة، إلا أنه أغفل أسبابا أخرى أدت إلى ارتفاع نسبة المشاهدة، ثم توصل إلى نتيجة غير مثبتة منطقيا.

4- الاتجاه الخاطئ للسببية: يتعمد المغالِط هنا عكس العلاقة السببية بجعل السبب نتيجة والنتيجة سبباً.
مثال: “التشدد الديني ينتشر في الشرائح الاجتماعية الأقل تعليما، إذن فالتشدد يؤدي إلى الجهل”، فالمغالط لم يثبت الانتقال من السبب إلى النتيجة، فقد يكون الجهل هو الذي أدى إلى التشدد وليس العكس.

مغالطة المقامر
تعود هذه المغالطة إلى اعتقاد لاشعوري بأن الأمور تجري في الكون بما يجعل الأمور الاحتمالية تميل إلى التعادل تلقائيا، فإذا رمى شخص ما عملة معدنية تسع مرات مثلا وسقطت في كل مرة على أحد الوجوه فسيميل لاشعوريا للاعتقاد بأن المرة العاشرة ستأتي بنتيجة مختلفة، وهذه مغالطة منطقية، فليس هناك سبب منطقي يدفعنا للاعتقاد بأن سقوط العملة 99 مرة مثلا على أحد الوجوه سيجعلها في المرة التالية تسقط على وجه آخر، ففي كل مرة نرميها يكون احتمال سقوطها على أحد الوجهين هو 50 بالمئة، وليس واحدا إلى مئة.

الاحتكام إلى العادة
تستند هذه المغالطة أيضا إلى ميل نفسي لاشعوري يدفعنا للاعتقاد بأن الأمور تسير في الحياة على مجرى العادة، فنتوقع تكرارها دائما بالطريقة نفسها.

وقد يكون هذا الشعور مقبولا من الناحية العلمية في الظواهر الكونية الكبرى، فتكرار شروق الشمس من المشرق هو أمر اعتيادي مازال يتكرر منذ أقدم العصور، ومن الطبيعي أن نتوقع استمرار هذه العادة إلى ما شاء الله، لكن المنطق العقلي المجرد لا يجزم بأن يحدث شروق الشمس في اليوم التالي بالطريقة المعتادة نفسها.

وتقع المغالطة عندما يتعمد المغالِط استخدام هذا الميل النفسي في أمور لا تسير وفقا لأي قانون فيزيائي، كما يخلط الملحدون بين الجانبين العقلي والفيزيائي عندما يعتقدون أن سيرورة الكون وفقا لقوانين القوى الأربعة (بما فيها الجاذبية) المتواصلة منذ ملايين السنين تكفي للاستغناء عن الإله.

التشبيه والتشييء الخاطئين
نميل في العادة لتشبيه الكثير من الأمور بأمثلة نقتبسها من مشاهداتنا وتقاليدنا وتجاربنا السابقة، كما نقوم أحيانا بتجسيدها وتشييئها (تحويلها إلى أشياء مادية نتصورها في أذهاننا)، وقد يكون التشبيه والتشييء مفيدين للتبسيط والفهم والوعظ، حيث نجد للتمثيل الصوري أمثلة كثيرة في النصوص الدينية والأعمال الأدبية، لكن المغالطة تقع عندما يتحول التشبيه والتجسيد إلى مطابقة تامة، فيأتي القياس بنتائج خاطئة.

ومن الأمثلة الشائعة تشبيه “الطبيعة” بكائن حي، ثم وصفها بصفات الوعي والقدرة والإرادة لتقوم بانتخاب الأقوى كي يبقى ويتطور، ولتحافظ بنفسها على التوازن البيئي وتجدد الموارد.

إثبات التالي
تتكون القضية الشرطية من قضيتين تكون إحداهما شرطا للأخرى، ويسمى القسم الأول من القضية مقدَّماً (وهو الشرط)، بينما يسمى الثاني تالياً (وهو ما يلزم عن الشرط).

يعمد المغالِط إلى عكس المعادلة، فيبدأ بإثبات تحقق التالي ليستنتج منه صحة الشرط وتشير بعض الدراسات إلى أن ثلثي الناس لا ينتبهون إلى هذه المغالطة ويقعون ضحية لمرتكبها بسبب غموضها.

مثال: “إذا ارتكب فلان معصية كبرى فيحق للبابا أن يعاقبه بالحرمان الكنسي، وبما أن البابا طبق عليه الحرمان الكنسي، فلا بد أن فلانًا ارتكب المعصية”.

ويتضح التضليل هنا عندما نلاحظ أنه كان ينبغي إثبات أن الشخص ارتكب المعصية لنقتنع بحق البابا في معاقبته، إلا أن المغالط قفز إلى ما فعله البابا ليعتبره دليلا على معصية الشخص.

إنكار المقدَّم
في هذه المغالطة ينكر المغالِط المقدم (الشرط) ليستنتج من ذلك نفي التالي، وهذا غير لازم، فالقضية الشرطية تؤدي إلى إثبات التالي بناء على إثبات المقدم ولكنها لا تقول إن عدم إثبات المقدم سيؤدي بالضرورة إلى نفي التالي.

مثال: “إذا تحقق القصاص العادل من الطاغية الذي قتل ملايين البشر قبل موته فهناك إذن عدالة إلهية، ولكن الطاغية مات على فِراشه بسلام، إذن فكيف تقولون إن هناك عدالة؟”. فالشرط الذي وضعه المغالط في البداية صحيح، ولكن عدم تحقق الشرط لا يعني أنه سيحصل على نتيجة معاكسة بالضرورة، فقد يموت الطاغية دون قصاص في الدنيا ثم يقتص المظلومون منه في محكمة الآخرة، ويتحقق بذلك العدل بالتمام دون نقصان.


أهم المراجع
عبد الرحمن حبنكة الميداني، ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، دار القلم، دمشق، 1993.

عادل مصطفى، المغالطات المنطقية: طبيعتنا الثانية وخبزنا اليومي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2007.

م.نيل براون وستيوارت م.كيلي، طرح الأسئلة المناسبة: مرشد للتفكير الناقد، ترجمة نجيب الحصادي، ومحمد أحمد السيد، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2009.

علي سامي نشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، دار النهضة العربية، بيروت، 1984.

محمود قاسم، المنطق الحديث ومناهج البحث، مكتبة الأنجلو المصرية، 1949.

عبد الرحمن بدوي، المنطق الصوري والرياضي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1997.

أبو الفتح عثمان بن جني، ‏الخصائص‏، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999.

Stephen Downes Guide to the Logical Fallacies Website: http://onegoodmove.org/

The Skeptics’ Guide to the Universe Website: https://www.theskepticsguide.org

Logical Fallacies Website: http://www.logicalfallacies.info/

42 fallacies, Dr. Michael C. LaBossiere, A Philosopher’s Blog: http://aphilosopher.files.wordpress.com/