مقالات

على طريقة الطنطاوي.. كيف نبسط الإسلام في ساعة؟

عابدة المؤيد العظم


قال الشيخ علي الطنطاوي مرة لتلاميذه: لو جاءكم رجل غير مسلم فقال لكم: إن لديه ساعة من الزمن يريد أن يفهم فيها الإسلام، فكيف تفهمونه الإسلام في ساعة؟

قالوا: هذا مستحيل، ولا بد له أن يدرس التوحيد والتجويد والتفسير والحديث والفقه والأصول، ويدخل في مشكلات ومسائل، لا يخرج منها في خمس سنين.

قال: سبحان الله، أما كان الأعرابي (البدوي) يقدُم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلبث عنده يوماً أو بعض يوم، فيعرف الإسلام ويحمله إلى قومه، فيكون لهم مرشداً ومعلماً، ويكون للإسلام داعياً ومبلغاً؟!

وعلاوة على ذلك، ألم يشرح الرسول الدين كله في حديث واحد، عندما سأله جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان؟ فلماذا لا نشرحه اليوم في ساعة؟ وعلى هذا الأساس وضع الطنطاوي كتابه المبسط الموجز “تعريف عام بدين الإسلام”، والذي نعيد إيجازه في هذا المقال.

وباختصار، كل ملة أو جمعية أو حزب لها مبادئ وأسس فكرية، ومسائل عقائدية تحدد غايتها وتوجه سيرها، وتكون كالدستور لأعضائها، فمن أراد أن ينتسب إليها نظر إلى هذه المبادئ، فإن ارتضاها واعتقد صحتها بفكره الواعي وبعقله الباطن ولم يبق عنده شك فيها، طلب الانتساب إلى الجمعية، فانتظم ووجب عليه أن يقوم بالأعمال التي يلزمه بها دستورها، ودفع رسم الاشتراك، وكان عليه بعد ذلك أن يدل بسلوكه على إخلاصه لمبادئها، ولا تصدر عنه أعمال تخالفها، بل يكون بأخلاقه وسلوكه مثالاً حسناً عليها وداعية فعلياً لها. وبناء على ذلك، سنوجز فيما يلي أهم مبادئ الإسلام والإيمان.

أسس الإسلام
تتلخص هذه الأسس في أن يعتقد المسلم أن العالم المادي ليس كل شيء، وأن الحياة الدنيا ليست هي الحياة كلها. فالإنسان كان موجوداً قبل أن يولد، وسيظل موجوداً بعد أن يموت، وهو لم يوجِد نفسه ولم توجده الكائنات من حوله، بل أوجده وأوجد هذه العوالم كلها من العدم إله واحد، هو وحده الذي يحيي ويميت، وهو الذي خلق كل شيء، وإن شاء أفناه.

وهذا الإله لا يشبه شيئاً مما في العوالم، قديم لا أول له، باق لا آخر له، قادر لا حدود لقدرته، عالم لا يخفي شيء عن علمه، عادل ولكن لا تقاس عدالته المطلقة بمقاييس العدالة البشرية، هو الذي وضع نواميس الكون التي نسميها قوانين الطبيعة، وجعل كل شيء فيها بمقدار، وحدّد من الأزل جزئياته وأنواعه، وما يطرأ على الأحياء وعلى الجمادات من تغيرات، ومنح الإنسان عقلاً يحكم به على كثير من الأمور، التي جعلها خاضعة لتصرفه، وأعطاه إرادة يحقق بها ما يختار، وجعل بعد هذه الحياة المؤقتة حياة دائمة في الآخرة فيها يُكافأ المحسن في الجنة، ويُعاقب المسيء في جهنم.

وهذا الإله واحد أحد، لا شريك له يُعبد معه، ولا وسيط يقرّب إليه ويشفع عنده بلا إذنه، فالعبادة له وحده خالصة بكل مظاهرها.

ولله مخلوقات مادية تُدرك بالحواس، ومخلوقات مغيبة عنا، بعضها جماد وبعضها حيّ مكلّف، ومنها الملائكة الخالصة للخير المحض، فهي غير مُكلّفة، وهناك ما هو مختلط، منه الصالح والطالح وهم الإنس والجن، فهم مُكلفون.

والله يختار ناساً من البشر، ينزل عليهم المَلَك بالشرع الإلهي ليبلّغوه البشر، وهؤلاء هم الرسل. وهذه الشرائع تتضمنها كتب وصحائف أُنزلت من السماء على هؤلاء الرسل، ينسخ المتأخر منها ما تقدّمه أو يعّله، وآخر هذه الكتب هو القرآن، وقد حُرِّفت الكتب والصحف قبله، أو ضاعت ونُسيت، وبقي هو سالماً من التحريف والضياع. وآخر هؤلاء الرسل والأنبياء هو محمد بن عبد الله العربي القرشي، خُتمت به الرسالات، وبدينه الأديان، فلا نبي بعده.

أركان الإسلام
والقرآن هو دستور الإسلام، فمن صدّق بأنه من عند الله، وآمن به جملةً وتفصيلاً سمي مؤمناً، والإيمان بهذا المعنى لا يطّلع عليه إلا الله، لأن البشر لا يعلمون ما في قلوب الآخرين، لذلك وجب عليه ليعدّه المسلمون واحداً منهم أن يعلن هذا الإيمان بالنطق بلسانه بالشهادتين، وهما: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.

وإذا نطق المرء بهما صار مسلماً، أي مواطناً أصيلاً في دولة الإسلام وتمتع بجميع الحقوق التي يتمتع بها المسلم، وقَبِل بالقيام بجميع الأعمال التي يكلفه بها الإسلام.

وهذه الأعمال (العبادات) قليلة، سهلة، ليس فيها مشقة بليغة، وليس فيها حرج.

أولها: أن يركع في الصباح ركعتين يناجي فيهما ربه، يسأله من خيره ويعوذ به من عقابه، وأن يتوضأ قبلهما؛ أي يغسل أطرافه، أو يغسل جسده كله، إن كانت به جنابة.

وأن يركع في وسطه أربعاً، ثم أربعاً، وأن يركع بعد غياب الشمس ثلاثاً، وفي الليل أربعاً (وتحديد وقتها وبيان كيفيتها يأتي لاحقاً).

هذه هي الصلوات المفروضة، لا يستغرق أداؤها كلها نصف ساعة في اليوم، لا يُشترط لها مكان لا تؤدَّى إلا فيه، ولا شخص معين (رجل دين) لا تصح إلا معه، ولا واسطة فيها، ولا في العبادات كلها، بين المسلم وربه.

الثاني: أن في السنة شهراً معيناً، يقدِّم فيه المسلم فطوره، فيجعله في آخر الليل بدلاً من أن يكون في أول النهار، ويؤخر غداءه إلى ما بعد غروب الشمس، ويمتنع في النهار عن الطعام والشراب ومعاشرة النساء، فيكون في ذلك شهر صفاء لنفسه، وراحة لمعدته، وتهذيب لخُلقُه، وصحة لجسده، ويكون هذا الشهر مظهراً من مظاهر الاجتماع على الخير، والتساوي في العيش.

الثالث: أنه إذا فضل (زاد) عن نفقات نفسه ونفقات عياله مقدار من المال محدود، وبقي سنة كاملة لا يحتاج إليه، لأنه في غنى عنه، كُلّف أن يُخرج منه بعد انقضاء السنة، مبلغ 2.5 في المئة، للفقراء والمحتاجين، لا يحس هو بثقلها، ويكون فيها عونٌ بالغ للمحتاج، وركن وطيد للتضامن الاجتماعي، وشفاء من داء الفقر الذي هو شر الأدواء.

الرابع: الإسلام رتب للمجتمع الإسلامي عدة اجتماعات دورية، وأولى هذه المجالس تكون بمثابة مجالس الحارات (المساجد)، تُعقد خمس مرات في اليوم، مثل حصص المدرسة، فتؤدى صلاة الجماعة ويوثق كل عضو فيها عبوديته لله بالقيام بين يديه، ويكون من ثمارها أن يعين الأقوياء الضعيف، ويعلّم العلماء الجاهل، ويسعف الأغنياء الفقير. ومدة انعقادها ربع ساعة. فلا تعطل عاملاً عن عمله، ولا تاجراً عن تجارته، وإذا تم الاجتماع وتخلف عنه مسلم فصلّى في بيته، لم يُعاقب على تخلفه ولكن فاته ثواب حضوره.

وهناك أيضا اجتماع لمجالس الأحياء، يُعقد مرة في الأسبوع، هو صلاة الجمعة، ومدة انعقاده أقل من ساعة، وحضوره واجب على الرجال.

وأخيرا اجتماع كالمؤتمر الشعبي العام، يُعقد كل سنة في مكان معين، هو في الحقيقة دورة توجيهية ورياضية وفكرية، يكلف المسلم بأن يحضره مرة واحدة في العمر، إذا قدر على حضوره، وهو الحج إلى مكة المكرمة وما حولها.

أنواع العبادة
تعد الأركان الخمسة السابقة بمثابة العبادات الأصلية التي يُكلَّف بها المسلم، ولكن العبادة لا تقتصر عليها، فكل عمل نافع، لم يمنعه الشرع، يعمله المؤمن ابتغاء ثواب الله، يكون عبادة؛ فهو يأكل ليتقوى على الطاعة ويكون أكله بهذا القصد عبادة، وينكح ليعف نفسه وأهله فيكون نكاحه عبادة، وبمثل هذا القصد يكون كسبه المال عبادة، وإنفاقه على أهله عبادة، وتحصيله العلم والشهادات عبادة، وشغل المرأة بأعمال بيتها، وخدمة زوجها، ورعاية أولادها عبادة، وكل عمل مباح إن قصد فاعله قصداً فيه رضا الله كان عبادة. فالعبادة يتسع معناها حتى يشمل كل أعمال الإنسان النافعة، ويحيط بها كلها، ولعل هذا هو المعنى المقصود بقوله تعالى: {ومَا خَلقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات: 56].

والمؤمن يستسلم لحكم ربه استسلاماً مطلقاً بلا تبرم ولا سخط، ولو لم يعرف الحكمة منه ووجه المنفعة، طالما كان مؤمناً بأن المتحكّم هو الخالق والعالم بوجوه الخير ومصاريف القَدَر.

وللعبادة روح وجسد، فروحها العقيدة التي دفعت إليها، والغاية التي عملت من أجلها، وجسدها عمل الجوارح، من لفظ اللسان، وحركات الجسم. فالصلاة مثلاً حركات وألفاظ، قيام وقعود، وركوع وسجود، وتلاوة وذكر وتسبيح، لكن هذا كله جسد الصلاة، فإن لم يكن الدافع إليه توحيداً صحيحاً وعقيدة سليمة، ولم يكن المقصود به امتثال أمر الله وطلب رضاه، كانت الصلاة جسداً ميتاً لا روح فيه.

ومن العبادات أن يمتنع المسلم عن أفعال معينة، وهي أفعال يُجمع عقلاء الدنيا على أنها شر، وأن الواجب الامتناع عنها، كالقتل بلا حق، والتعدّي على الناس، والظلم بأنواعه، والمسكر الذي يغيّب العقل، والزنا الذي يذهب الأعراض ويخلط الأنساب، والربا، والكذب، والغش، والغدر، والفرار من الخدمة العسكرية التي يراد منها إعلاء كلمة الله، ومنها بل من أشدها عقوق الوالدين، والحلف كاذباً، وشهادة الزور، وأمثال ذلك من الأعمال القبيحة الشريرة، التي تجتمع العقول على إدراك قبحها وشرها.

والله رحيم بعباده فإذا قصر المسلم في بعض الواجبات، أو ارتكب بعض الممنوعات، ثم تاب وطلب العفو فإن الله يعفو عنه، وإن لم يتب فإنه يبقى مسلماً معدوداً في المسلمين، ولكنه يكون عاصياً يستحق العقاب في الآخرة مؤقتا، فعذابه لا يدوم دوام عقاب الكافر إلى الأبد.

وقد يترك المسلم بعض الواجبات، أو يأتي بعض الممنوعات، وهو معترف بالوجوب والحرمة، فيبقى مسلماً، ولكنه يكون عاصياً، أما الإيمان فلا يتجزأ فلو آمن مثلاً بتسع وتسعين عقيدة، وكفر بواحدة فقط، كان كافراً.

وإذا أنكر بعض المبادئ أي العقائد الأصلية، أو شك فيها، أو جحد واجباً مجمَعاً على وجوبه، أو حراماً مجمَعاً على حرمته، أو أنكر ولو كلمة واحدة من القرآن، فإنه يخرج من الدين.

ولا يكون المرء مسلماً كاملاً حتى يسلك في حياته مسلك المسلم المؤمن فيتذكر في قيامه وقعوده، وخلوته وجلوته، وجدّه وهزله، وفي حالاتها كلها أن الله مطلع عليه، وناظر إليه، فلا يعصيه وهو يذكر أنه يراه، ولا يخاف أو ييأس وهو يعلم أنه معه، ولا يشعر بالوحشة وهو يناجيه، ولا يحس بالحاجة إلى أحد وهو يطلب منه ويدعوه، فإن عصى -ومن طبيعته أن يعصي- رجع وتاب، فتاب الله عليه. وهذا هو معنى الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

الإيمان
الإيمان بالله يتضمن أربع قضايا، هي: أن الله موجود بلا موجِد، وأنه رب العالمين، وأنه مالك الكون المتصرف فيه، فهو يقدر الرزق والأجل، وبمشيئته وحده يمضي القضاء والقدر. وأنه الإله المعبود وحده لا يُعبد معه غيره.

والاعتقاد بوجود الله من الأمور البديهية التي تُدرك بالحدس النفسي قبل أن تُقبل بالدليل العقلي، فهي لا تحتاج إلى دليل، وإن كانت الأدلة على صحتها ماثلة في كل شيء، وأكثر من أن تستقصى، والعالِم الحقيقي لا يكون إلا مؤمناً، كما أن العامي لا يكون في الغالب إلا مؤمناً، أما الإلحاد فيبدو في أنصاف وأرباع العلماء، فنحن نشعر من أعماق قلوبنا بأن الله موجود، نلجأ إليه في الشدائد والملمّات بفطرتنا وغريزة التدين فينا، ونرى الأدلة عليه فينا وفي العالم من حولنا، فالعقل الباطن يؤمن بوجوده بالحدس، والعقل الواعي يؤمن بوجوده بالدليل [انظر مقال وجود الله].

والمسلم لا يكتفي من الحياة بأن يأكل ويشرب ويعمل ويتسلى، بل يسأل نفسه: من أين جئت؟ وإلى أين أسير؟ وما المبدأ؟ وما المصير؟ ينظر فيجد أن حياته لم تبدأ بالولادة حتى تنتهي بالموت، وأن الله هو الذي أوجد العوالم الظاهرة لنا والمغيّبة عنا، أوجدها من العدم، ووضع لها النواميس العجيبة، التي لم نكتشف إلى الآن إلا القليل منها.

والناس جميعاً، المؤمن منهم والكافر، إذا ألمّت بهم ملمّة ضاقوا بها ذرعاً ولم يجدوا لها دفعاً، لم يعوذوا منها بشيء من هذه الكائنات، وإنما يعوذون بقوة وراء هذه الكائنات، قوة لا يرونها ولكن يشعرون بأرواحهم وقلوبهم وكل عصب من أعصابهم بوجودها، وبعظمتها وجلالها. يقع هذا لكثير من الطلاب أيام الامتحان، ولكثير من المرضى عند اشتداد الألم وعجز الطبيب. كلهم يعودون إلى ربهم، وعندما تغرق السفن، أو تشب النيران، أو يكون الخطر، تجد الملحدين يستغيثون بالله.

الآخرة
الاعتقاد بوجود الحياة الآخرة نتيجة لازمة للاعتقاد بوجود الله، فالإله لا يقرّ الظلم، ولا يدع الظالم بغير عقاب، ولا يترك المظلوم من غير إنصاف. ونحن نرى أن في هذه الحياة من يعيش ظالماً ويموت ظالماً لم يُعاقَب، فكيف يتم هذا ما دام الله موجوداً، والجواب أنه لا بد من حياة أخرى يكافأ فيها المحسن ويعاقب المسيء.

والدنيا دار بلاء، والامتحان فيها صعب، كما أن الالتزام فيها صعب، فالنفس البشرية طبعت على الميل إلى الحرية والانطلاق وراء اللذة، والدين يُقيّدها، فمن يدعو إلى الفسوق والعصيان يوافق طبيعتها؛ فدعاة الشر لا يتعبون ولا يبذلون جهداً، فلديهم كل ما تميل إليه النفس وما فيه متعة العين والأذن والقلب والجسد، ولكن التعب وبذل الجهد على دعاة الخير.

وأضرب مثلاً: إذا كنت مسافراً وحدك فرأيت أمامك مفرق طريقين: طريقاً صعباً صاعداً في الجبل، وطريقاً سهلاً منحدراً إلى السهل. الأول فيه وعورة وحجارة منثورة وأشواك وحُفر، يصعب تسلّقه ويتعسر السير فيه، ولكن أمامه لوحة نصبتها الحكومة، فيها: “إن هذا الطريق هو الطريق الصحيح الذي يوصل إلى المدينة الكبيرة والغاية المقصودة”. والثاني معبّد، تظلله الأشجار ذوات الأزهار والثمار، وعلى جانبيه المقاهي والملاهي، ولكن عليه لوحة فيها: “إنه طريق خطر مهلك، آخره هُوَّة فيها الموت المحقق، والهلاك الأكيد”، فأي الطريقين تسلك؟

لا شك أن النفس تميل إلى السهل دون الصعب، واللذيذ دون المؤلم، وتحب الانطلاق وتكره القيود، ولو ترك الإنسان نفسه وهواها، وانقاد لها، سلك الطريق الثاني، ولكنّ العقل يوازن بين اللذة القصيرة التي يعقبها ألم طويل، وبين الألم العارض المؤقت الذي تكون بعده لذة باقية.

هذا هو مثال طريق الجنة وطريق النار؛ فطريق النار فيه كل ما هو لذيذ ممتع، تميل إليه النفس، وفيه النظر إلى الجمال ومفاتنه والاستجابة للشهوة، وفيه أخذ المال من كل طريق، وفيه التحرر من القيود، أما طريق الجنة ففيه المشقات والقيود والحدود، وفيه مخالفة النفس والهوى، ولكن عاقبة هذه المشقة المؤقتة اللذة الدائمة في الآخرة، بينما ثمرة اللذة العارضة في طريق النار الألم المستمر في جهنم.

والله وضع الطريقين أمامنا، فقال {وهديناه النجدين} [البلد:10]، ووضع فينا مَلَكة نفرّق بها بينهما، كما أقام على طريق الجنة دعاةً يدعون إليه، هم الأنبياء والعلماء. وأقام على طريق النار دعاةٌ يدعون إليه ويرغبون فيه، هم شياطين الإنس والجن.

وقد قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في بداية مهمته: {إنا سَنُلْقِي عليكَ قولاً ثقيلاً} [المزمل: 5]. فالأهداف العليا ثقيلة على النفس؛ وترك العالِم مجالس التسلية والاشتغال بالقراءة والتعليم ثقيل، وترك النائم فراشه والنهوض إلى صلاة الفجر ثقيل، وهجر الرجل زوجته وولده ومشيه إلى الجهاد ثقيل؛ لذلك تجد الطالحين أكثر من الصالحين، والغافلين أكثر من السالكين سبيل الرشاد، {وإن تُطع أكثر مَنْ في الأرض يُضلُّوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116].

ولنفرض أننا عرضنا على شخص ما اتفاقية مدتها سنة، نحقق له فيها كل أحلامه، على أن نحكم عليه بالإعدام بعد انقضاء السنة، فهل يُعقل أن يوافق عليها؟ ألا يتصور أن الخوف من الإعدام المحقق سيسلبه لذة السنة كلها؟ فكيف ينسى بعضنا حقيقة الموت الذي سيكون النهاية الحتمية لحياة كل واحد منا مهما كانت ملأى بالملذات والشهوات؟ وكيف يرضى بعذاب الآخرة الدائم مقابل لذة زائلة؟

القرآن الكريم في الفكر الحداثي

عبد اللطيف المحيمد *


يمثل الفكر الحداثي أحد الأفكار التي بدأت بالتأثير على الساحة العربية المعاصرة، فهو الفكر الذي أعاد دراسة التراث العربي والإسلامي على أنه مادة قابلة للدراسة الموضوعية بعيداً عن المبادئ والمقدسات الإسلامية، أو الأصول الدينية التي تنظم الحياة الفكرية للمسلمين.

وينظر الحداثيون إلى التراث الإسلامي على أنه تراث مقلوب يمشي على رأسه، ولابد من تعديله لكي يسير على قدميه، وأعلنوا عن نظريتهم المبتدعة في دراسة جديدة للتراث الإسلامي، وهم يحاولون جاهدين نزع الجانب المقدس والإلهي (اللاهوتي) في التراث الإسلامي.

وأن يُنزع التقديس من بعض الأقوال الفقهية للعلماء المسلمين قد يفهم، ومن يفعل ذلك قد يجد له سلفا من علماء الأمة الإسلامية الذين دعوا إلى التحرر من التقليد الأعمى، أما أن يسعى الحداثيون إلى نزع القدسية عن القرآن الكريم فهذا يشكل انقلاباً على المفاهيم الإسلامية، فبناءً على ذلك يكون النص القرآني كأي نص في جريدة أو مادة قانونية وضعت من قبل البشر، فلابد من تسليط الضوء على موقفهم من القرآن الكريم.

تعريف القرآن عند الحداثيين
عرف الحداثيون القرآن الكريم تعريفات متعددة، فعرفه حسن حنفي في كتابه دراسات فلسفية بأنه تجارب الأمم والشعوب على مدى التاريخ، التراكم المعرفي الإنساني الشامل المتحقق مع مراجعة العقل والفطرة وكما تبدو في الحكم والأمثال والمأثورات والآداب الشعبية [ص 103].

وعرفه كذلك في كتابه “دراسات إسلامية” بأنه “مجموعة من المواقف التي طرأت على الواقع الإسلامي الأول والتي استدعت حلولاً وكل موقف يمثل نمطاً مثالياً يمكن أن يتكرر في كل زمان ومكان” [ص 408].

وتناول حنفي القرآن الكريم ضمن مشروعه العلمي الذي وسمه بالتراث والتجديد، فكان لا يتناوله على أنه كتاب منزل من عند الله تعالى، بل على أنه تراث وتاريخ لأمة من الأمم؛ ويقصد بهذا التعريف أن الكتاب وتأويل ما جاء به من أحكام وغيرها ليست ثابتة ومستمرة بل متغيرة حسب الزمان والمكان، وتواكب التطور التشريعي الذي حصل في المجتمعات.

علي حرب

أهمية التأويل المنفلت
القضية الأساسية التي يسعى الحداثيون إلى ترسيخها في أذهان الناس أن كل شيء في النصوص القرآنية يحتمل التأويل، ومن الممكن صرفه عن ظاهره إلى المجاز، وبالتالي نستطيع أن نجعل من الإسلام ديناً مرناً نسقط الكثير من أصوله التي توارثها المسلمون عبر الأجيال، ويستطيع المسلمون من خلال التأويل في كل عصر أن يفصِّلوا إسلاماً يناسب مصالحهم.

يقول علي حرب في كتابه نقد النص: “مع أن مبرر كل مفكر جدير بلقبه أن يمارس التفكير بطريقة مغايرة للذين سبقوه إذا لم يشأ أن يكون مجرد شارح مبسط، أو تابع مقلد، أو حارس مدافع عن العقيدة والحقيقة، والتفكير بصورة مغايرة، يعني: أن نبدل وننسخ، أو نحرف ونحور، أو نزحزح ونقلب، أو ننقب ونكشف، أو نحفر ونفكك، أو نرمم ونطعِّم، أو نفسر ونؤول، فهذه وجوه للتفكير وللقراءة في النصوص لا أزعم أني أقوم بحصرها واستقصائها” [ص 133].

وعلي حرب بهذا النص يهدم كل الضوابط التي وضعها العلماء لاستنباط الأحكام أو تفسير القرآن، وبالتالي لا يوجد نص مقدس منزه عن التأويل، إذ ينظر إلى القرآن على أن التاريخ هو من أسبغ عليه صفة القدسية، لا تنزيله من قبل الله تعالى.

ووضح الحداثيون أنه من خلال التأويل يتم اختراق النص بأفق اجتهادي تجديدي، ومن خلاله نقيم التوازن بين القرآن وبين الواقع المتغير.

وقد استدل نصر حامد أبو زيد على ضرورة التأويل في كتابه “[مفهوم النص، ص 256] وجعله أصلاً، أنه مرادف للتفسير، وأن من السلف من استعملهما بذات المعنى، فالنص القرآني عنده وعند غيره من الحداثيين لا يمكن أن يحتمل معنى واحداً فقط، فهذا النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً لا وجود له في الأرض، وقد يكون موجوداً في السماء، فكل نص قابل للتأويل إلى أكثر من معنى، وفق فهم القارئ له.

محمد أركون

أنسنة القرآن ونزع قدسيته
صرح الحداثيون بأن الحديث عن القرآن الكريم وعن غيره من النصوص متساو، فلا استثناء للقرآن، ولا قدسية للنص القرآني، وقد بنوا على ذلك أنه لا توجد لألفاظ القرآن الكريم معان ثابتة، ولا دلالات ذاتية من الممكن الكشف عنها من خلال اللغة واحتمالاتها، بل التاريخ والواقع الاجتماعي هما من يكشف عن معنى النص، فالنص في نظرهم عبارة عن فضاء دلالي، وإمكان تأويلي، ومأزق القراءة في العقل العربي والإسلامي مرجعه إلى النظرة الأحادية لمعنى ألفاظ القرآن الكريم، فلا حقيقة ثابتة للنص، وبالتالي دراسة القرآن الكريم لابد أن تكون إنسانية تاريخية لا إلهية مقدسة (!)، وما دام النص القرآني إنساني فلا يجوز لإنسان احتكار المعنى الحق أو الصواب، فلكلٍ صوابه وحقه، وهذا ما يعني ضياع المعنى بين المؤولين أياً كانوا!

يقول محمد أركون في كتابه “القرآن من التفسير” إن “التقديس للكتب المقدسة خلع عليها وأسدل بواسطة عدد من الشعائر والطقوس والتلاعبات الفكرية الاستدلالية، ومناهج التفسير المتعلقة بكثير من الظروف المحسوسة المعروفة أو تمكن معرفتها، وأقصد الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية” [ص 26].

وهو لا يستثني القرآن من هذا الكلام، بل يعممه على جميع الكتب المقدسة، إلا أنه يستثنيه في قضية فرعية، وهي أن أسباب تقديس القرآن غطت عليها الظروف السياسية والثقافية والتربوية، بحيث لم تكتشف بعد، ولم يحرف، أو يتلاعب بألفاظه، أو معانيه، على عكس الكتب المقدسة الأخرى، فالنص القرآني قدسيته تاريخية لا إلهية!

نقد النظرة الحداثية
لا شك أن الحداثيين يخالفون جمهور المسلمين وعلماءهم الذين يرون القرآن الكريم كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمعجز بنفسه، والمتعبد بتلاوته، المبدوء بالفاتحة والمختوم بسورة الناس، وأنه نص مقدس لا يجوز التعدي عليه بزيادة أو نقصان أبداً.

وما زال علماء الأمة يركزون على قدسية النص القرآني، ويفهمونه ضمن الضوابط التي وضعها علماء التفسير واللغة، فتفسير الحداثيين للقرآن الكريم يؤصل للتفسير الباطني والمنحرف، والذي يؤدي بدوره إلى ضياع الأحكام الشرعية، حيث يتم تفسيرها تفسيرات بعيدة عن حقيقتها المرادة، فمثل هذه التفاسير هي التي جرأت الفرق الباطنية كالإسماعيلية والدرزية والقاديانية لتحريف معاني القرآن وصرفها عن حقيقتها.

قال المفسر أبو حيان في مقدمته لتفسيره (1/104) مبيناً منهجه المتبع: “وتركتُ أقوال الملحدين الباطنية، المخرجين الألفاظ العربية عن مدلولاتها في اللغة، إلى هذيان افتروه على الله، وعلى علىٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وعلى ذُرِّيته، ويسمونه علم التأويل”.

وقد بين محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون (4/49) خطأ هذا المنهج الذي اتبعه الحداثيون اليوم، واتبعه قبله الفرق الباطنية حيث قال: “ومن هنا بدأ الخروج عن دائرة الرأي المحمود إلى دائرة الرأي المذموم، واستفحل الأمر إلى حد جعل القوم يتسعون في حماية عقائدهم، والترويج لمذاهبهم، بما أخرجوه للناس من تفاسير حملوا فيها كلام الله على وفق أهوائهم، ومقتضى نزعاتهم ونحلهم”.

وفي كلام الحداثيين المنقول مغالطة كبيرة وفهم أعوج، فالتفسير وفي مقابله التأويل لهما ضوابط فصلت في كتب علوم القرآن والتفسير، ولا يجوز لأي قارئ ان يطرح رأيه ويفسر القرآن الكريم على هواه، ولذلك نجد الكثير من العلماء اتبعوا التفسير بالمأثور، ففسروا النص بالنص، ومن عمد إلى التفسير بالرأي فإنه فسره وفق الضوابط والرؤية الإسلامية للنص، ووفق مقاصد الشرع وحدوده، فتأويل الإسلام ينبغي أن يكون تأويلاً منضبطاً لا تأويلاً منفلتاً فوضوياً.


المراجع والمصادر

مفهوم النص، نصر حامد أبو زيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993م.

قضايا في نقد العقل الديني، آركون، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط:1، 1998م.

نقد النص، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

نقد الحقيقة، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

دراسات فلسفية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دراسات إسلامية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

منهج حسن حنفي، فهد بن محمد السرحاني القرشي، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط: 1.

التراث والتجديد، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر، ط: 3، 1987م.

تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، 1422 هـ، 2001م، ط: الأولى، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض.

التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة، د/ط.

* عبد اللطيف المحيمد: باحث في مقارنة الأديان من العراق

مذكرات بحّار.. إبحار أندلسي في مغارات العقل

أحمد دعدوش


أبو بكر غاييغو، كاتب أسباني متميز، اعتنق الإسلام بعد رحلة طويلة ومثيرة في البحث عن الحقيقة، ابتدأها في سن السابعة عشرة عندما قرأ كتابه الأول في نقد الكاثوليكية، فالتحق بكليتي الحقوق والتاريخ في جامعة سَراقسطة، وسرعان ما وجد نفسه -تحت تأثير المد اليساري- في أحضان الشيوعية، ولكن الحس الجمالي الذي يفيض من أعماقه دفعه للفرار من طغيان الجنرال “فرانكو” إلى باريس لدراسة الأدب والفلسفة في السوربون، حيث قُدر له أن يلتقي بأحد أقطاب البوذية فأسلم له العقل والروح، وترجم معظم كتبه إلى الأسبانية، ثم لم يلبث أن تابع رحلاته في أنحاء أوربا، ليلتقي بزوجته في وارسو عاصمة بولندا ويعود بها إلى موطنه، بيد أن أسئلة كثيرة ظلت معلقة في ذهنه دون إجابة، ليعود مجدداً إلى المسيحية بعد أن طعّمها ببوذية الزن “Zen”.

لم يجد صاحبنا في المذهب الجديد سوى المزيد من المتاهات الصوفية الأسطورية، حتى عجزت مرشدته الروحية عن الإجابة على أسئلته العميقة مما اضطرها إلى مواجهته بالقمع، فاتخذ قراره الصارم باعتزال مجتمعه الذي اغترب عنه، ومنع ولديه من متابعة الدراسة في المدارس الرسمية ليتولى تعليمهما بنفسه، حتى وصل به الحال إلى التفكير جدياً باللجوء إلى إحدى قبائل الهنود الحمر في أمريكا بحثا عن عقيدة تروي ظمأه للمعرفة!

ولكن يد العناية الإلهية مهدت له الطريق نحو غايته، ففي رحله عائلية قام بها إلى غرناطة وجد نفسه بالصدفة أمام المسجد الكبير ليفتح له باب اكتشاف دين لم يخطر بباله من قبل، فكان قراره الحاسم باعتناق الإسلام مع زوجته وولديه، ثم هجرته إلى الشرق ليقيم في إسطنبول بضع سنوات، قبل أن يحط رحاله في دمشق مع مطلع الألفية الجديدة، ويبدأ مشروعه الفكري في علّية داره الدمشقي- الأندلسي، حيث التقيته غير مرة قبل نحو عشر سنوات، مبحراً معه في تأملاته النقدية لكل من الحضارة الغربية والركود الإسلامي على حد سواء، وقد استوقفني كتابه الصغير “مذكرات بحار” طويلاً، لما وجدت فيه من عمق الطرح وروعة الأسلوب والإيجاز البليغ.

البدء بتجريد العقل
يأتي الفصل الأول تحت عنوان “أفكار ومعتقدات”، ويتعرض المؤلف فيه لقضية مهمة في نظرية المعرفة، إذ يبين أن الأفكار لا تزيد عن كونها مجرد خواطر يتبناها الفكر كعناصر قابلة للتبديل حسب الظروف، وهي تحتمل درجات مختلفة من الحقيقة، فتتفاوت بين الخرافة والحقيقة العلمية. أما المعتقدات فلا تلتمع في الذهن بهذه السرعة، كما أنها لا تُبنى بفعل تفكيرنا الخاص أو بناء على خواطرنا وتبريراتنا، بل تمثل محيط الحياة الذي نعيش فيه والقاعدة الأساسية التي تقوم عليها قراراتنا.

لذا فإن الرجل المثقف الأبيض- على سبيل المثال- قد يكرر على أسماعنا الكثير من المواعظ في نبذ العنصرية تجاه السود وضرورة المساواة، بينما تجده يثور غضبا إذا ما تقدم شاب أسود لخطبة ابنته، فنبذُ العنصرية عنده لا يعدو أن يكون مجرد فكرة أو خاطرة قد يطول دفاعه عنها، دون أن تمسّ قاعدة معتقداته الراسخة في أعماقه.

وقد أدرك الإمام الغزالي هذا التمييز بعد رحلته الفكرية الشاقة، إذ وجد أن المبادئ الأولى (الضرورات العقلية) لا تحتاج إلى أي سند عقلي للبرهنة عليها، وأن تجريد هذه المبادئ- والتي أسماها بالنور الذي يقذفه الله في الصدر- عن الأفكار والخواطر التي نكتسبها من التربية والبيئة هو الكفيل بإنقاذ العقل من عجزه عن الوصول إلى الحقيقة، وهذا هو بالضبط المنهج الذي اعتمد عليه ديكارت فيما بعد.

ويبدو أن بعض الأنبياء خاضوا بأنفسهم هذه التجربة قبل أن يوحى إليهم، إذ نشأ إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام في مجتمعات وثنية، إلا أنهما قاما بإعادة قراءة هذا الموروث في سن النضج، فبدأ إبراهيم عليه السلام بطرح الأسئلة على قومه، واعتكف محمد صلى الله عليه وسلم في غار حراء فترات طويلة للتأمل. ولعل الأفكار والخواطر تراكمت تحت تأثير ظروف معينة في كل من أور ومكة لتحل محل المعتقدات التي لم تتفق مع فطرتهما السليمة، تمهيدا لنزول الوحي على النبيين بالحقيقة الجلية.

ومن هنا تأتي ضرورة مراجعة المعتقدات الموروثة بعرضها على المبادئ الأولى (البديهيات) التي يتفق عليها جميع الناس، وهو ما يقوم به الوحي في حثه العقلَ على إعادة البناء، لذا نرى أن البيئة التي تطبق تعاليم الإسلام تكاد تخلو من التناقض بين الأفكار والمعتقدات، لأن معتقداتها مبنية في الأصل على الفطرة، فالمسلم ذو البشرة البيضاء الذي ينشأ منذ طفولته على نبذ العنصرية لن يكون مضطرا لمجاهدة نفسه إزاء أي تناقض قد يطرأ بين ما يقوله أو يؤمن به، إذ لا يستبطن أصلا في كيانه أي موقف تجاه السود يخشى من ظهوره أو التفكير فيه.

تشويه الحقائق
في الفصل الثاني الذي يحمل عنوان “حضارة وبربرية”، ينتقد الكاتب ظاهرة التنميط التي يستخدمها الطرف الأقوى غالبا لقلب المفاهيم وتغيير مجرى الأمور لصالحه، فتقسيم العالم مثلا إلى عالمين، متحضر ونامٍ، يختزل الكثير من الحقائق التي تحكي واحدةً من أبشع صور الاستغلال في التاريخ، ويضرب مثلا طريفا لهذه الظاهرة عندما يفترض أن الكلاب تمكنوا في عصر ما من السيطرة على مملكة الحيوانات، ثم يسهب في سرد تفاصيل الثقافة التي سيعممها الكلاب لإثبات أنهم الفصيلة الأفضل من بين جميع المخلوقات، وأن أعداءهم القطط هم الأسوأ على الإطلاق، إذ ستزرع وسائل الإعلام في عقول العامة حقيقة البربرية التي تتمثل في اصطياد الفئران والعصافير، وذلك الجهل التام الذي يعنيه أكل أشواك السمك في مقابل الطبق المتحضر والعلمي الذي يتألف من عظام فخذ البقرة اللذيذ!

وتتجسد هذه المهزلة على نحو أكثر خفاء في حياتنا نحن البشر عندما يميل الأقوى لتعميم قيمه المطلقة على الطرف الأضعف، وللمزيد من التوضيح يسرد الكاتب حوارا شائقا بين “جاهول” المتعطش للمعرفة، والحكيم “فطرونيوس”، يميز فيه الأخير بين المعوز الذي يعيش حياة كريمة بالرغم من قلة متاعه وبين الفقير الذي لا يجد شيئا، ويبين أن الإسلام قد تمكن في بعض مراحله من القضاء واقعيا على الفقر، بينما يفترش مئات المشردين الجرائد في شارع “ماركت ستريت” الراقي في سان فرانسيسكو للنوم إلى جانب ناطحات السحاب.

أما التجسيد المعولم لهذه الظاهرة فنجده في انتشار القيم الغربية وثقافتها في كل الأمم بالرغم من تناقضها مع ظروف البيئة ومستلزمات الحياة، فالملابس العربية القديمة -على سبيل المثال- كانت قد صُممت بما يتناسب مع مناخ المنطقة الحار والجاف، بينما تفرض العولمة اليوم على الجميع ارتداء زي موحد، والأمر نفسه يمتد ليشمل كافة مظاهر الحياة، إذ بات على الجميع أن تُنمط تفاصيل حياتهم اليومية كي لا يبقوا خارج هذه “الحضارة”، تماما كما تفعل القطط التي تضطر للعيش في مجتمع يحكمه الكلاب!

شامان من روسيا

شامان من روسيا

بين العقل والوحي
يستعرض المؤلف في الفصل الثالث “نبوة وشامانية” تاريخ الصراع بين الأسطورة والوحي، وبين الشامان -أي الساحر في العصور الغابرة- والنبي، ثم يقرن الساحر بالفيلسوف الذي يدعي العقلانية، إذ يسعى كلاهما للسيطرة على الكون، سواء بالخرافة والوهم أو بالعلم، بينما يستمد النبي معرفته من خالق الكون نفسه.

الشامان- الساحر أو الفيلسوف- يؤلّه نفسه، ويقود العالم لتقديسه، فهو الغاية وبيده الوسيلة، وعلى البقية أن يطيعوا أمره ويكفوا عن طرح الأسئلة، وأن يقنعوا بوسائل الترفيه والإلهاء التي يضخها إليهم باستمرار، وقد يكون مدركاً للحقيقة التي يخفيها عن الناس، إلا أنه غير مستعد للتنازل عن لذة السيطرة.

النبي في المقابل لا يدعي لنفسه شيئا، بل هو وسيط بين الإله والبشر، قد يتعرض للإهانة والأذى، ومع ذلك ينسحب راضيا من المشهد ليُبرز الإله الذي لا يُعبد سواه، فهو لا يُخفي الأرواح ليدعي القدرة الخارقة، ولا يحتكر العلم للسيطرة على الناس، بل يبذل قصارى جهده لإيصال الرسالة إلى الناس بكل تواضع، كما أنه لا يستخدم المخدرات والرقصات الصوفية، ولا يخفي أياً من الممارسات والأسرار للوصول إلى المعرفة، ولا يتكبر على أتباعه أو يحتكر لنفسه زياً أو مظهراً يميزه عن غيره. الصلاة عنده ركوع وسجود وتجريد للقلب عن كل ما سوى الله، يستوي فيها الصغير والكبير، الغني والفقير، ولا تستدعي قربانا ولا نيرانا، ولا هلوسات تدخل الرهبة في القلوب.

وبهذا التأمل الوجداني الشفيف يُبحر كاتبنا الأندلسي في جداول المعرفة، ليجمع أصنافا شتى من التوابل لتكوين وجبة فكرية ممتعة، ويقدم للقارئ العربي خلاصة تجربته في طبق شهي يرضي كافة الأذواق، ويدفع العقل لإعادة التفكير في الكثير من الأفكار الخاطئة.

عرض كتاب “الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان”

إبراهيم إسماعيل


الكتاب عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها الدكتور محمد عبد الله دراز على طلبة كلية الآداب في خمسينيات القرن الماضي، في جامعة القاهرة التي كانت تسمى جامعة فؤاد الأول.

يبدأ المؤلف مقدمة كتابه بتمهيدٍ رَسَم من خلاله خريطة تاريخية عن مكانة الدين في الحضارات القديمة في مصر واليونان وبلاد الرومان، ثم في العصر المسيحي، والعصر الإسلامي، وانتهى إلى العصر الحديث، وأسهب في شرح حال الدين في مختلف هذه العصور والمراحل، وأشار لقضايا الشك والتسامح في هذه الحِقَب.

والحقيقة أن ثمة مشكلة منهجية يقع بها الكثير من دارسي الأديان، ذلك أنهم لا يعرِّفون الدين فتراهم يخلطون بين ما هو دين، وبين ما هو خرافة أو فلسفة أو عادة اجتماعية أو تقليد قبلي.

لذلك أصر دراز رحمه الله في البحث الأول على تجلية هذا المفهوم تجنباً للخلط، وأراد أن يتحدث عن الدين بمفهومه العام لا الأديان السماوية فقط، ولا الأديان الصحيحة فقط، وإنما ظاهرة الدين بحد ذاتها أياً كانت، وحاول فهم الأمر ابتداء من اللغة ومعاجمها، وانتهى إلى خلاصة لغوية في معان متقاربة، ويدور بعضها حول بعض، بعد ذلك طاف على تعريفات الكثير من الفلاسفة والمفكرين وتناولها بالنقد والتمحيص الذي أظهر من خلاله أن ثمة قصوراً في الكثير من هذه التعريفات.

واستطاع المؤلف في نهاية تطوافه وبحثه أن يصل إلى تعريف يرتضيه وهو:

“الاعتقاد بوجود ذات -أو ذوات- غيبية علوية، لها شعور واختيار، وتصرُّف وتدبير في الشؤون التي تعني الإنسان، اعتقاد من شأنه أن يبعث الإنسان إلى مناجاة هذه الذات، رغبةً ورهبةً في خضوعٍ وتمجيد”.

وناقش قضية الألوهية في الأديان، واستحالة استبعادها من أي دين، وفرَّق بين تقديس الإنسان للإله، وتقديسه لشيء آخر كتقديس العرض أو الشرف مثلاً، وبين أنه لا يمكن للدين أن يقف عند الحس، ويمتنع عن التفكير في ما وراء الطبيعة، لذلك يعيش المتدين حالة من الثقة بمعبوده، ولا يقف عند العادة الجارية كما يفكر الطبيعيون، ففي الأديان نزعة إلى الأمل والحرية والاختيار، وهذه النزعة تمهد للعلوم لتتقدم وتفكر أكثر من حدود الواقع.

ويعيب دراز على بعض العلماء الغربيين الذين يحذفون الروحية والألوهية من فكرة الدين، بأنهم يحذفون الأساس المميز للدين، والذي يعني أن ما يسمى ديناً عند هؤلاء بعد سحب هذين العنصرين منه يمكن أن ينطبق على أي نشاط اجتماعي، لا سيما إن كانت عادات متوارثة، كرفع الأعلام في الأعياد، وأناشيد السلام الوطني، ولبس السواد في الحداد وغير ذلك.

وذهب في البحث الثاني للحديث عن علاقة الدين بأنواع الثقافة والتهذيب (الدين والأخلاق، الدين والفلسفة، الدين وسائر العلوم)، فذكر أولاً علاقة الدين بالأخلاق وتناولها من ناحيتين، الأولى “التجريدية”، وخلص فيها الى أن الدين والأخلاق في أصلهما حقيقتان منفصلتان في النزعة والموضوع، متلاقيتان في النهاية، فينظر كل منهما للآخر من وجهة نظر مختلفة من جهة، متفقة من جهات أخرى، فالنظر للدين من حيث هو نظرة للحق الأعلى وتوقيره، والخلق من حيث هو قوة النزوع إلى الخير وضبط النفس عن الهوى.

والناحية الثانية هي”الواقعية”، والتي لم ير فيها تشابها أو علاقة وثيقة بين كل من الدين والأخلاق لا من حيث المنشأ ولا التكون والتطور في النفوس، بيد أن الشعور الأخلاقي عند الطفل مثلاً سابق للشعور الديني، لذلك فهو يستحسن بعض السلوكيات ويستهجن أخرى، بينما لا يتفطن إلى تعليل ظواهر الكون وتقديس سر الوجود إلا بعد دور ثان يكون فيه أنمى عقلاً، وقد لا تستقى القوانين الأخلاقية من وحي الدين، وإنما من قوانين العقل، أو وحي الضمير، أو سلطان المجتمع، أو المصالح والمنافع كما تفعل بعض الدول، فهي تسن القوانين الأخلاقية دون العودة للدين.

أما في المحاورة العصرية فيرى أن الدين والخلق، متداخلان تارة ومستقلان تارة أخرى، ويمثِّل لذلك بقولنا فلان ذو دين وخلق، واختلاف الدلالة فيما لو قيل ذو دين فقط، أو ذو خلق فقط.

وذكر بعد ذلك علاقة الدين بالفلسفة، ورأى علاقة أوثق بينهما، فكلاهما يبحثان الغاية نفسها: معرفة أصل الوجود وغايته، ومعرفة السبيل إلى سعادة الإنسان العاجلة أو الآجلة. ولكن بالرغم من أن غاية كل من الدين والفلسفة واحدة في هذا المجال الا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن يتفقا في النتيجة، ويشير إلى الاختلاف في الفلسفة نفسها، وصولاً للتعارض والتضارب بين الفلاسفة أنفسهم، ويستعرض تفريق علماء الغرب بين الدين والفلسفة، ويناقشها وينقدها، ويصل بنفسه إلى إيجاد الفرق بين الدين والفلسفة، وهو أن الفلسفة ذات غاية “نظرية” حتى في قسمها العملي، تعرفنا ماهية الخير والشر ، ولا يعنيها بعدها موقف الانسان منهما. وهي بكل صورها عمل إنساني. مبيناً أن غاية الفلسفة المعرفة، وغاية الدين الإيمان، ومطلب الفلسفة فكرة جافة ترتسِمُ في صورة جامدةٍ، ومطلب الدِّين روحٌ وثَّابة وقوة محرِّكة.

أما الدين فغايته “عملية” يعرفنا الحق ليس فقط للمعرفة وإنما للاتباع والعمل وتكميل النفوس به. وهو صنعة إلهية ومنحة منه إلينا، لتكتمل حياتنا بها، فالفلسفة بالنهاية هي عمل إنساني، بينما الدين صنعة إلهية، وذكر كيف أن بعض الفلسفات تناقض الدين تماماً  كالفلسفة المادية.

أما العلاقة الثالثة فهي علاقة الدين بسائر العلوم، وأسهب في الحديث حول هذا الموضوع، فتحدث عن مراتب العلوم وغاياتها وفسَّر المصادمات بين حملة الأديان وحملة العلوم، بسبب وقوف أحد الطرفين موقف الرافض التام لما عند الآخر، لا على حجة ولا برهان، وإنما مجرد رفض اعتباطي، ورأى أن من واجب الأديان أن تهادن العلوم ولا تنابذها، وعلى العلوم أن تفسح المجال للأديان لتتم ما فيها من نقص، فإن لم تفعل فلا أقل من أن تلتزم الحياد، ولا تعلن العداوة وتنكر الأديان جملة، لأن هذا الإنكار هو إنكار لأمور واقعية تحتويها الأديان ولا تحتويها العلوم ألا وهي عناصر الإيمان.

وأمر آخر أن عدم العداوة بين الدين والعلوم مساعد في بيان صحة الدين، فالأصل أن يتفق الدين مع العلم الصحيح، والعقل السليم، لذلك فالدين الحق والعلم يتناصران ويتصادقان، أما إن تخالفا وتخاذلا فلا شك أن أحدهما باطلاً.

و في البحث الثالث تحدث عن “نزعة التدين” ومدى أصالتها في الفطرة، فكان حديثه حول أربع نقاط:

1- مدى أقدمية الديانات في الوجود، حيث أنكر على بعض علماء الغرب الذين قالوا إن الظاهرة الدينية ظاهرة مستحدثة، وإن البشرية عاشت لفترات طويلة حياة مادية بحتة، ورأى أن هذه النظرة الساخرة للأديان ليست جديدة بل هي ترديد لمجون أهل السفسطة من فلاسفة اليونان القدماء، حيث روجوها دعماً لمذهب الشك، وفي رده على هؤلاء لا ينكر وجود عقائد معينة قد تكون استحدثت، بيد أن الحقيقة تقول: لم توجد أمة بغير دين.

2- مصير الديانات أمام تقدم العلوم حيث بين أن كثيراً من الجهلاء قد يكونون جاحدين، وكثير من العلماء قد يكونون مؤمنين، ورد دعوى “أوغست كونت” في شيخوخة الأديان، فذكر أن التدين نزعته خالدة في النفس البشرية بشهادة كبار العلماء، وأن التحليل العلمي دائما ما ينتهي إلى الانتصار لقضية الغيب من حيث الأسباب والغايات وأن نهاية العلم ليست إلى اطفاء غريزة التدين بل زيادة إشعالها.

3- ينابيع النزعة الدينية في النفس البشرية: فأوضح أن هذه النزعة هي تعبير عن حاجات النفس البشرية، فكما أن الإنسان يمكن أن يعرف بأنه حيوان مفكر، فهو يصلح لأن يعرف بأنه حيوان متدين بطبعه، ومرجع تدينه يعود لنفسه، التي لا تفتأ تتطلع إلى الأسباب والغايات والجزاء، وأن وجدانه في جهد لإشباع العواطف النبيلة، وهذا ما يجعل له إرادة تنمي فيه البواعث والدوافع اللازمة لذلك.

4-وظيفة الأديان في المجتمع: فتحدث عن حاجة المجتمعات للدين والأخلاق وبين أن الدين وحده هو ما يضمن تماسك المجتمع، ذلك أن قوة الدين لا تدانيها أية قوة في مجال احترام القانون، ويساهم الدين بربط معتنقيه برباط من المحبة والتراحم، فالعلوم والثقافات ليست كافية لتحقق السلام فالعلم سلاح ذو حدين يستعمل في الهدم والتدمير، كما يستعمل في البناء والتعمير، ولا يضمن حسن استخدامه إلا الدين، ذلك أن الإنسان ينساق من باطنه لا من ظاهره، فقوانين الدولة ليست كافية لإنشاء المجتمع الفاضل.

وفي المبحث الرابع والأخير، وهو الأطول بين مباحث الكتاب، وأكثر فصول الكتاب عمقاً وإشكالية حيث يبحث في نشأة العقيدة الإلهية أو نشأة الدين لا من حيث البحث التاريخي، بل من حيث تشكل الظاهرة الدينية في الإنسان في أي زمان ومكان.

يرى أن قانوني السببية والغائية متى فُهما أوصلا إلى عقيدتي التوحيد والخلود، فقانون السببية يجعل من المحال أن يوجد شيء بلا مسبب، وقانون الغائية يقول إن كل موجود متناسق لا يمكن أن يحدث بلا قصد، وإن كل قصد يجب أن يهدف إلى غاية.

يُلقي الشيخ دراز نظرة جامعة على النظريات والمذاهب المفسرة لنشأة العقيدة الإلهية ويعرض ما فيها من إيجابيات (وهو تأكيد أصحاب هذه المذاهب على صحة نظرياتهم)، وسلبيات (وهو إنكار أصحاب كل مذهب لمسلك المذاهب الأخرى)، ومن ثم يعرض الأدلة والآيات من القرآن الكريم التي تبرهن على عالمية كتاب الله عز وجل باحتوائه على كل المناهج التي يتبعها البشر باختلاف ميولهم وطبائعهم للوصول إلى الحقيقة.

تحدث الشيخ أيضا عن نشأة العقيدة الإلهية ودعائمها في العقل والغريزة وعواملها في الوعي والشعور عن طريق ذكر الاسباب التي أدت إلى إيقاظها في النفوس.

وعندما عرض لكل مذهب حاول تفسير “علة” منشأ هذه العقيدة وذكر الإشكالات التي أثيرت حول هذه النظريات وقدم نقداً لكل نظرية منها، فذكر نظريات كل من: المذهب الطبيعي ورائده ماكس ميلر، المذهب الروحي ورائداه تايلور وهربرت سبنسر، المذهب النفسي ورواده ساباتييه وبرغسون وديكارت، المذهب الأخلاقي ورائده إيمانويل كانت، المذهب الاجتماعي ورائده إميل دوركهايم.

وأورد تلخيصاً في نظرة جامعة لهذه النظريات محاولاً التوفيق فيما بينها، بعد طرحه الاختلافات، فغدا الاختلاف بينها اختلاف “تعاون وتكامل لا اختلاف تعاند وتناقض” على حد قوله.

وتمت إضافة ملحق صغير (من عشر صفحات) للكتاب يبحث “موقف الإسلام من الديانات الأخرى وعلاقته بها”، والحقيقة أنه اقتصر على بحث علاقة الإسلام بالمسيحية واليهودية دون غيرهما، حيث ذكر أن الإسلام ليس اسماً لديانة خاصة، بل هو دعوة جميع الأنبياء والرسل، واستشهد بآيات على لسان الرسل في دعوتهم للإسلام، وبناء على ذلك فالإسلام بالمعنى القرآني لا يُسأل عن علاقته بالأديان الأخرى، إذ كيف يسأل عن علاقة الشيء بنفسه، بيد أن استعمال كلمة الإسلام بحد ذاتها، صارت لها دلالة على ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فالحديث عن علاقة الإسلام –بمعناه العرفي الجديد- بالأديان الأخرى، أي علاقة المحمدية بالموسوية والعيسوية، فيبين أن العلاقة مرت بمرحلتين، الأولى مرحلة التصديق، ويشير هنا إلى ما يدل على وحدة المصدر من خلال بعض التشريعات والأوامر الأخلاقية، والمرحلة الأخرى بعد تقادم العهد والتطور والتحرر بسبب طول العهد في تلك الديانات.

 ما هكذا تستمر السيرة.. نظرات في كتاب “السيرة مستمرة” (2 من 3)

فداء ياسر الجندي


نتابع في هذا المقال ما بدأناه في مقالنا السابق، حول الرد على تشكيك الدكتور أحمد خيري العمري بوقوع حادثة انشقاق القمر، وقد بينا في المقال الماضي أن الحادثة متواترة وهناك إجماع من كل المفسرين عليها وأن زعم العمري بأن إنكارها كان (سائدا ومتداولاً) منذ عهد التابعين لا أساس له من الصحة.

وقد توقفنا عند قول العمري: “أليس غريباً مع حادثة بهذا الحجم أن لا يكون هناك شاهد عيان من الصحابة إلا شاهد واحد فقط هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؟ ألا يوجد صحابي واحد آخر قال بسند صحيح حضرت حادثة انشقاق القمر؟”[1]
وقلنا إن هذا هذا كلام خطير وغير مقبول وينطوي على تشكيك في الحادثة، وتشكيك في عدالة وضبط رواتها والمحدثين الذين أخرجوها، ووعدنا قراءنا الكرام ببيان ذلك في مقالنا هذا.

تشكيك في رواية عبد الله بن مسعود
نقول بعد الاتكال على الله: هذا الاستغراب فيه تشكيك في الرواية كلها، ولا يفهم منه إلا أنه اتهام لهذا الصحابي الجليل رضي الله عنه بأنه متوهم أو ملفق أو (حاشاه) كاذب؟ حتى لو فرضنا جدلاً أن الحديث لم يروه إلا سيدنا عبد الله بن مسعود، وذلك لأسباب عديدة:

أولها: أن طرق رواية الحادثة عن ابن مسعود رضوان الله عليه، متواترة، فقد أخرج الحديث  البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنن، كل منهم بأسانيد عديدة صحيحة تصل لسيدنا ابن مسعود، فلا يمكن التشكيك إطلاقاً في نسبة الحديث إلى سيدنا عبد الله بن مسعود، فالتشكيك في الحديث تشكيك في صحابي جليل.

وثانيها: أن سيدنا ابن مسعود قال في نص الحديث: (كنا مع رسول الله) فقوله هذا الذي وصلنا بالتواتر عنه رضي الله عنه دليل على أن الحادثة شهدها جمع من الناس وليس ابن مسعود وحده.

وثالثها: أن كثيرا من الأحاديث والحوادث شهدها عدد  من الصحابة وأحياناً جموع منهم، ولكنها لم تصل إلينا بسند صحيح إلا من صحابي واحد أو اثنين، لأسباب عديدة، مجال بحثها علم مصطلح الحديث،[2] فهل يريد العمري منا أن نشكك بكل حديث حضره جمع ولم يروه إلا صحابي واحد حتى لو كان سنده ورواياته في غاية القوة إلى الصحابة مثل هذا الحديث؟ وحتى لو رواه صحابة كثر بعضهم عن بعض؟

ولأن هذا الأمر الأخير لا يخفى على العمري، فقد تابع التشكيك فقال: “كل من ذكر الأمر من الصحابة في أحاديث أخرى، ذكروها على ما يبدو نقلاً عن ابن مسعود، أو ربما سواه، لكن لا نعرف بالضبط”[3]

دعونا نلاحظ لغة التشكيك في السطر السابق، (على ما يبدو، ربما، لا نعرف بالضبط)، ونقول: بل نعرف بالضبط، نعرف أن الصحابة إن نقلوا عن بعضهم فنقلهم لا نشك فيه، سواء كان عن ابن مسعود أو عن غيره، ونعرف أن هناك روايات أخرى للحديث عن صحابة آخرين، منهم ابن عمر وحذيفة بن اليمان وجبير بن مطعم، ونعرف أن الصحابة تناقلوا هذه الحادثة في حياته عليه الصلاة والسلام وحياة الصحابة من بعده فما أنكرها أحد.

التشكيك في إجماع الصحابة
يتابع العمري تشكيكه فيقول: “أنس بن مالك (وحديثه متفق عليه)، لم ير انشقاق القمر في مكة لأنه كان في المدينة، وكان عمره يوم جاء الرسول عليه الصلاة والسلام مهاجراً عشر سنوات فقط، والحادثة حدثت قبل الهجرة بسنوات، (وأنس بن مالك هو الوحيد الذي قال إن انشقاق القمر قد حدث بعد طلب المشركين آية)، ابن عباس ذكر أيضاً الحادثة[4]وكذلك ابن عمر، وكلاهما لم يحضرا الأمر، (لعدم ولادة الأول في تلك الفترة، وصغر سن الثاني)”[5].

وهذا تشكيك آخر في الحديث لا أساس له من الصحة، هل يريد العمري أن يشكك في رواية ثلاثة من كبار الصحابة، لأنهم لم يشهدوا الحادثة بأنفسهم؟ لماذا رووها إذن؟ هل اخترعوا الحادثة من بنات أفكارهم أم سمعوها من الصحابة المهاجرين؟ ومن قال لك إن ابن عمر لم يشهد الحادثة عندما كان طفلاً؟ وهل أضاف أنس بن مالك بنفسه أن الحادثة حدثت بعد طلب المشركين؟ أم سمع ذلك من غيره من الصحابة؟ الصحابة يروي بعضهم عن بعض، ولا نشك أبدا في أنهم  قد سمعوها من صحابة آخرين، بل إن رواية كل من هؤلاء الثلاثة، ابن عمر وابن عباس وأنس  وغيرهم وبأقوى الأسانيد إلى كل منهم بالإضافة لرواية ابن مسعود، دليل على أنها كانت رواية مسلماً بها وشائعة بين الصحابة في عهد النبوة، ولو مشينا على منهج العمري، فعلينا أن  نشكك في حديث بدء نزول الوحي الذي روته السيدة عائشة، فهي حادثة حدثت قطعاً قبل أن تولد.

للمزيد عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها انشقاق القمر، يرجى العودة إلى مقال نبوة محمد في موسوعة السبيل.

أين بقية نص الحديث الشريف؟
يتابع العمري تشكيكه، ليوهم القارئ من جديد أن الحديث الشريف منقول عن صحابي واحد هو ابن مسعود، فيسقط عشرات الروايات الصحيحة الأخرى،  وينفي أن المشركين طلبوا آية فانشق القمر كما جاء في روايات أخرى متفق عليها، فيقول: “كل ما قاله ابن مسعود هو أن النبي كان مع مجموعة من المؤمنين في منى، وأن القمر انشق، وأن الرسول قال لهم اشهدوا، فقط، لا شيء آخر”[6].

كلا، هناك شيء آخر هام  قاله ابن مسعود في روايتي البخاري ومسلم، تجاوزه العمري هنا، وهذا نص لفظ مسلم: “بينما نحن مع رسول الله، إذا انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه”[7]، وأهمية هذه الرواية الصحيحة التي التي تجاهلها العمري، أنه قال بعد أن أشبع الحادثة تشكيكاً: “لا نكذب حديث عبد الله بن مسعود أو أي من الصحابة الكرام الذين نقلوا الأمر عنه”، وهذا أمر عجيب، يطرح الشك بعد الشك، ثم يقول: لا نكذب! ويبرر ذلك برأي هو من أشد ما جاء به تهافتاً، وهو قوله بعد ذلك: “الصحابي الجليل رأى ظاهرة وسماها هو انشقاق القمر، قد تكون خسوفاً وقد تكون انعكاساً للقمر على الغيوم”[8]. نستطيع الآن أن نفهم لماذا حذف العمري قول عبد الله بن مسعود: “فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه”، لأن هذه الإضافة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ما رآه ابن مسعود وغيره كان انفلاقاً  للقمر، ولم يكن كسوفاً أو انعكاساً على الغيم، وعشرات الروايات الصحيحة التي وردت للحديث، عن ابن مسعود وعن غيره،  فيها واحد من لفظين: (انشق شقتين) أو (انفلق فلقتين)، وأن الجبل كان بين الفلقتين، فكيف استنتج العمري أن ما حصل كان كسوفاً؟ هل نصدق من شاهدوا الحادثة عيانا ونقلوها لنا بأصح الألفاظ وأدق الأسانيد؟ أم نصدق  العمري الذي لم يشاهدها ويزعم اليوم رجماً بالغيب  أن الأمر كسوف أو انعكاس ضوء؟

ثم يزيد من تشكيكه فيقول: “ولاشي مما رواه ابن مسعود شاهد العيان الوحيد باعتبار أن الصحابة الآخرين نقلوا عن آخرين، يدل على أنه عليه الصلاة والسلام قال إن هذا انشقاق للقمر”. تكرار ثم تكرار ثم تكرار للإصرار على أن الحادثة  ما شاهدها إلا صحابي واحد، وهذا غير صحيح قطعاً، فهو يناقض نفسه عندما يقول (الصحابة الآخرين نقلوا عن آخرين)، من هم الآخرون الذين نقل عنهم الصحابة؟ أليسوا صحابة أيضاً؟ ولماذا يشترط أن يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: “هذا انشقاق القمر؟”، هل قال موسى هذه العصا قد شقت البحر أم ألقاها ورأى الناس المعجزة؟ هل قال عليه الصلاة والسلام: هذه أصابعي ينبع منها الماء فيسقي جيشاً، أم فعل المعجزة ورآها الناس؟ ما هذا الشرط العجيب الذي لم نسمع بمثله قبل العمري!

(حس بديهي) يجعل الانشقاق كسوفاً
يختم العمري كلامه عن الحادثة فيقول: “أن تفسر حديثاً صحيحاً بطريقة تتوافق مع القرآن الكريم، ومع الحس البديهي، لا يعني أبداً أن تكذبه”.

ونقول: عجيب أنه بعد أن يلقي كل تلك الشكوك،  يكرر مرة أخرى أنه لا يكذب الحديث، (ولا تخفى دلالة هذا التكرار!)، أما قوله إن  تفسيره يتوافق مع القرآن الكريم،  فإن كان العمري يقصد زعمه أن قوله تعالى “اقتربت الساعة وانشق القمر” هو “استخدام الفعل الماضي للدلالة على ما سيحدث يوم القيامة”[9]، وهو مشابه في الحديث عن يوم القيامة  لقوله تعالى “وأزلفت الجنة للمتقين”، وقوله تعالى “ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد”، وقوله تعالى “ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا”، فقد أخطأ خطأ كبيراً، ولن تنطلي هذه الخدعة على أحد، وذلك لأن الآيات التي استشهد بها على استخدام الماضي للمستقبل، في كل منها دلالة قاطعة على أنها تتكلم عن يوم القيامة، فيها نفخ في الصور، وإزلاف للجنة، وحوار بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وهذه الدلالة القاطعة شرط يجب أن تتوفر حتى نصرف الزمن الماضي إلى المستقبل، وهو ما لا يتوفر في آية سورة القمر.

وإن كان يقصد ما زعمه من أن الله لم يذكر تلك المعجزة إلا مرة واحدة في القرآن الكريم، بينما ذكر معجزة موسى وغيرها  مرات عديدة،[10] رغم تكرر الطلب من كفار قريش بطلب المعجزات، وأن ذلك يلقي بالشك على الحادثة، فنقول: تلك حجة أوهى من أن يرد عليها، بل هي حجة لك لا عليك، الله تعالى قد ذكر معجزة الإسراء  مرة واحدة أيضا، ولم يكررها، وهل نكذب الخبر الصادق لأنك وحدك (من بين كل كتاب السيرة والمحدثين والعلماء والمفسرين) تظن أن الحادثة لو وقعت لكان على الله أن يكرر ذكرها كلما طلب الكفار آية؟!

وأما قوله إن تفسيره يتوافق مع (الحس البديهي)، فلا ندري ما المقصود بذلك، هل المقصود استنتاجه بعد خمسة عشر قرناً أن ما حدث كان كسوفاً أو ظلا للقمر على الغيوم، رغم أن كل من رأى بأم عينه وروى الحادثة قال إن هذا (انشقاق) أو (انفلاق)؟ ومتى كان (الحس البديهي) بديلاً عن الخبر الصادق واللفظ الواضح والدليل القاطع والسند شبه المتواتر والنص القرآني؟

تناقض صارخ في اعتماد الرويات
 لقد استغرق العمري ثمان صفحات من سيرته في محاولة نراها فاشلة تماماً للتشكيك في حادثة قطعية الثبوت برأي المحدثين والمؤرخين[11]، ، ولنا هنا سؤالان للعمري:

الأول: لماذا استغرقت ثمان صفحات من كتابك تحاول التشكيك في هذه الحادثة الصحيحة شبه المتواترة، وفي الوقت نفسه قبلت رواية أن الطير الأبابيل نقلت مرض الجدري لمكة، وقبلت رواية أخرى منقطعة واهية،  لدعم رواية الجدري الواهية، وهي أن  السيدة عائشة رأت في طفولتها سائق الفيل وسائسه أعميين في مكة،[12] رغم أن هذه الرواية   في غاية الضعف، أسانيدها منقطعة،  ولم ترد في أي من كتب الصحاح والسنن، ولم يروها أي صحابي آخر، أين توافق هذه الروايات مع القرآن الكريم في سورة الفيل؟ وأين توافقها مع (الحس البديهي)؟ هل فات (الحس البديهي) أن الجدري لو جاء مع الطيور لانتشرت العدوى في أهل مكة، وأن رؤية السيدة عائشة لسائق الفيل وسائسه في مكة عندما كانت طفلة أمر أقرب إلى الخيال، لأن ذلك معناه أن السائس والسائق امتد بهما العمر أكثر من خمسين سنة بعد حادثة الفيل، ولكن لم يرهما أحد من أهل مكة فيروي رؤيتهما سوى طفلة صغيرة رأتهما بعد أن بلغا من الكبر عتياً! وكيف تقبل رواية منقطعة عن السيدة عائشة عندما كانت طفلة وتبني عليها، وترفض رواية صحيحة متفقاً عليها، وصلتنا بسند قريب من التواتر عن الفتى ابن عمر حول انشقاق القمر، تؤيدها عشرات الروايات الأخرى، بحجة أنه كان طفلاً؟ أهذا هو المنهج التاريخي الذي بنيت عليه سيرتك؟  رواية واهية منقطعة لا تتوافق مع القرآن ولا مع الحس البديهي، تقبلها وتثبتها وتمر عليها مرور الكرام وكأنها حقيقة واقعة، ورواية قاطعة مثبتة تتوافق مع القرآن الكريم وأجمع على صحتها العلماء والمحدثون والمفسرون، تحشد لها شكوكاً واهية لا قيمة لها في ميزان العلم والتحقيق والتاريخ والتفسير؟ هذا التناقض يعطي فكرة عن المنهج الانتقائي المتاقض الذي اتبعه العمري في اختيار الروايات التاريخية التي بنى عليها سيرته المستمرة.

الثمرة المرة للتشكيك 
السؤال الثاني وهو الأهم، وهو الذي من أجله كتبنا هذا المقال والذي قبله في تفنيد تشكيك العمري في حادثة انشقاق القمر: ما تأثير هذا التشكيك على فئة من الشباب الناشئ الذي لم يطلع على علم مصطلح الحديث،  ولم يراجع الحادثة في المراجع التاريخية وكتب الحديث، ولم يطلع على ما جاء في كتب التفسير، هل سيعود من قراءة بحثك هذا إلا بشك في كلام المفسرين للقرآن الكريم، وشك في دلالة الآيات القرآنية، وشك في ضبط الصحابة الكرام وعدالتهم، وشك في طريقة رواية الحديث ووصوله إلينا؟
نعم، هذه الثمرة المرة  هي محصول تشكيك العمري في تلك الحادثة، سواء قصد ذلك أم لم يقصد، ومن أجل هذه النتيجة المؤسفة، بسطنا القول في تفنيد تلك الشكوك في هذا المقال والذي قبله، لأن الموضوع ليس مجرد حادثة نثبتها أو ننفيها، بل موضوع تشكيك في الصحابة والحديث والمحدثين والرواة والمفسرين.
لم ينته الكلام عن سيرة العمري المستمرة، ولنا معها وقفة ثالثة وأخيرة، فانتظرونا في المقال القادم إن شاء الله.

_________________________________________

الهوامش

[1] السيرة مستمرة، ص 245

[2] من ذلك باختصار شديد، التحري الشديد للمحدثين في التحقق من صحة الحديث بحيث يسقطون أي سند فيه انقطاع أو  شك، ومنها أن المكثرين من رواية الحديث من صحابة رسول الله، هم أولئك الذين كانوا شباباً على عهده عليه الصلاة والسلام، وامتد بهم العمر بعد انتقاله للرفيق الأعلى، وكانوا ممن يجلس للتدريس والرواية، وسيدنا عبد الله بن مسعود واحد من هؤلاء.

[3] السيرة مستمرة، ص 245

[4] وحديث ابن عباس أيضاً  متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم.

[5] السيرة مستمرة ص 245

[6] السيرة مستمرة، ص 246

[7] صحيح مسلم، حديث رقم 288

[8] السيرة مستمرة، ص 246

[9] السيرة مستمرة، ص 243

[10] السيرة مستمرة، ص 241 وما بعدها

[11] قد بسطنا القول حول  قطعية ثبوت الحادثة ذلك في المقال السابق، ويمكن مراجعة ما نقله ابن كثير في تفسيره لسورة القمر من عشرات الروايات والأسانيد

[12] السيرة مستمرة، ص 36

الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم (2 من 2)

محمد الريس


إنَّ أشق ما يواجه الكاتب هو أن يكتب مقالاً عما كُتِبت فيه كتبٌ ومجلدات، وأن يعمد إلى أعظم كتابٍ في الكون فيتحدث عنه، وهو الكتاب الذي اعترف ببلاغته وقوة بيانه الكافر قبل المؤمن، وقد قيل: “إن الحق ما شهدت به الأعداء”.

الكتاب الذي أعجز الإنس والجن وكان وما زال حجة عليهم، متحدياّ لهم منذ قرابة أربعة عشر قرناً وإلى يومنا هذا ثم إلى يوم القيامة.

وما أدراني بأن ذلك سيستمر إلى يوم القيامة؟ إن الذي جعلني متيقناً من كلامي إنما هو نزول القرآن على العرب وتحديهم بأن يأتوا بسورةٍ من مثله وهم أهل اللغة العربية وأهل البلاغة والبيان، فعجزوا وحق لهم أن يعجزوا وهو كلام خالق الكون. فعندما يعجز أهل الشيء عن أمرٍ ما أفنتوقع من غير أهله سوى العجز؟!

تناولت في المقال السابق صورتين من صور الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم، وهما: خطاب العامة وخطاب الخاصة، وإقناع العقل وإمتاع العاطفة. والآن سأتطرق إلى وجهين آخرين من وجوه بلاغة القرآن الكريم، أولهما: القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى، وثانيهما: البيان والإجمال.

القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى
تقرأ كتاباً فتصل إلى إحدى فقراته وتقول مستنكراً: هلّا أوضحها بمزيدٍ من التفصيل، بحججٍ وبراهين، أو بأرقامٍ وإحصائيات، أو بدأها بتمهيدٍ أو ختمها باستنتاجٍ ولم يجعلها مبتورةً لا تشبع عقل القارئ ولا تروي قلبه. وتصل إلى فقرةٍ أخرى فتقف عندها ضجراً متسائلاً: لم كل هذا الإسهاب والتفصيل وقد وصلتني الفكرة من السطر الأول؟ أيريد أن يزيد عدد صفحات كتابه أو كلمات مقاله؟ أم يريد أن يطلعنا على غزارة علمه وسعة ثقافته؟ أم ينظر إلينا نظرةً دونيةً فيعتقد بأننا لا نفهم إلا إذا شرح وعاد وزاد؟!

ولن تجد كتاباً يوصل إليك المعاني المرادة دون إسهابٍ في مكانٍ وبترٍ في مكانٍ آخر، ويجمع بين دفتيه كلا الغايتين -القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى- على تمامهما إلا الكتابُ الذي أنزله الله عز وجل على نبيه محمد عليه الصلاة والسلام. “ضع يدك حيث شئت من المصحف وعد ما أحصته كفّك من الكلمات عدّاً، ثم أحص عدتها من أبلغ كلام تختاره خارجاً عن الدفتين وانظر نسبة ما حواه هذا الكلام من المعاني إلى ذاك. ثم انظر: كم كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها من هذا الكلام دون إخلال بغرض قائله؟ وأي كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها هناك؟ فكتاب الله -كما يقول ابن عطية- “لو نُزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم توجد”. بل هو كما وصفه الله {كتابٌ أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير}. [هود: 1]” [النبأ العظيم، ص142 ].

البيان والإجمال
إن الناس في هذه الحياة إما أن يحددوا مقصدهم في حديثهم بدقة فلا يُفهم من كلامهم أي معنىً آخر غير الذي بيّنوه، أو يكون منهجهم بالحديث مع الناس قاعدة “إن اللبيب من الإشارة يفهم” فيتحدثون بشكلٍ مجملٍ يجعل كلامهم غامضاً عن الذي تلقاه، فلا يفهمه على وجهه الذي أرادوه.

أما أن يجتمع بيانٌ وإجمالٌ في كلامٍ واحدٍ، فهذا لا تجده إلا في القرآن الكريم، إذ تقرأ آيةً واحدةً فتجد أن معناها وصلك دون أدنى تعبٍ وتظنُّ بأن لا معنىً لها سوى ما قد وصلت إليه، فتقرأها في يومٍ ثانٍ وإذا بك تعثر على معنىً ثانٍ، وتقرأها في كتابٍ في تدبر القرآن فيطرح الكاتب معنىً ثالثاً ورابعاً وخامساً لها! 

“ومثالٌ بسيطٌ على ذلك، اقرأ قوله تعالى: {والله يرزق من يشاء بغير حساب} [البقرة: 212] وانظر هل ترى كلاماً أبين من هذا في عقول الناس. ثم انظر كم في هذه الكلمة من مرونة. فإنك لو قلت في معناها:

  • إنه سبحانه يرزق من يشاء بغير محاسب يحاسبه ولا سائل يسأله لماذا يبسط الرزق لهؤلاء ويقدره على هؤلاء، أصبت.
  • ولو قلت: إنه يرزق بغير تقتير ولا محاسبة لنفسه عند الإنفاق خوف النفاد، أصبت.
  • ولو قلت: إنه يرزق من يشاء من حيث لا ينتظر ولا يحتسب، أصبت.
  • ولو قلت: إنه يرزقه بغير معاتبة ومناقشة له على عمله، أصبت.
  • ولو قلت: يرزقه رزقاً كثيراً لا يدخل تحت حصر وحساب، أصبت.

فعلى الأول يكون الكلام تقريراً لقاعدة الأرزاق في الدنيا، وأن نظامها لا يجري على حسب ما عند المرزوق من استحقاق بعلمه أو عمله، بل تجري وفقاً لمشيئته وحكمته سبحانه في الابتلاء، وفي ذلك ما فيه من التسلية لفقراء المؤمنين، ومن الهضم لنفوس المغرورين من المترفين.

وعلى الثاني يكون تنبيهاً على سعة خزائنه وبسطة يده جل شأنه.

وعلى الثالث يكون تلويحاً للمؤمنين بما سيفتح الله لهم من أبواب النصر والظفر حتى يبدل عسرهم يسراً وفقرهم غنى من حيث لا يظنون.

وعلى الرابع والخامس يكون وعداً للصالحين: إما دخولهم الجنة بغير حساب، وإما بمضاعفة أجورهم أضعافاً كثيرةً لا يحصرها العد.

ومن وقف على علم التأويل واطلع على معترك أفهام العلماء في آية رأى من ذلك العجب العجاب.” [النبأ العظيم، ص147، 148].

أخيراً اعلم أن القرآن الكريم لو لم يعجز العرب لما أحجم أبا سفيان عن تجنيد جيش من شعراء الجزيرة وأدبائها لمعارضة القرآن -رغم تحدي القرآن المستمر للكفار على الإتيان بسورةٍ من مثله- في حين جدّ في تأليف جيش من عشرة آلاف مقاتل يخاصم النبي وحزبه، كما قال العلامة هبة الدين الحسيني، وقد كانت كلفة الخيار الأول أخف عليهم مالاً وجهداً، ولكنها لمّا أعجزتهم لم يجدوا من الخيار الآخر بدُّ.

الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم (1 من 2)

محمد الريس


في كل زمانٍ ومكانٍ يدّعي أناسٌ النبوة، وقد قيل: “إن مدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم”، وهذا أول ما يدل على صدقه في دعواه للنبوة، ثم يأتي بالمعجزة، والتي تتحدى القوم فيما نبغوا فيه.

وفي هذا لجوابٌ عن سؤال: لِمَ لم تكن معجزة النبي موسى في الطب ومعجزة النبي عيسى في السحر! والجوابُ أن قومَ موسى برعوا في السحر فجاءت معجزته أن انقلبت عصاه إلى حيةٍ فإذا هي تلقف ما يأفكون، وبرع قوم عيسى بالطب فجاءت معجزته بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله.

والأمر ذاته بالنسبة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام فقد جاء قومه بمعجزة القرآن الكريم متحدياً لهم بالإتيان بسورةٍ واحدة مثله في عصرٍ كانت العرب فيه أمة البلاغة والفصاحة، فكان التحدي حجة عليهم. وهذا المعنى -مجيء المعجزة بما نبغ فيه القوم- أشار إليه الشيخ الشعراوي رحمه الله.

وقد انبهر مشركو قريش ببلاغة القرآن الكريم وأسلوبه، لكن استكبارهم واعتراضهم على كون حامل القرآن فقيرٌ يتيمٌ ليس بسيِّدٍ ولا بارزٍ في قومه جعلهم يرفضون الإيمان به.

ويلتمس بلاغة القرآن كل من قرأه، فهو بليغ الكلامِ، عظيم الوقعِ في النفس، لا فيه حشوٌ مملٌ ولا نقصٌ معيب، ولكن القليل من يُدرك وجوه هذا الإعجاز، فسأركز في هذا المقال على صورتين منه:

خطاب العامة وخطاب الخاصة
إن أشق ما يعانيه الخطيبُ هو أن يوكل إليه مهمة إلقاء حديثٍ إلى جمهورٍ نصفه من العوام ونصفه الآخر من المثقفين، فلا يعلمُ أيُضَمِّن حديثه بالسهل البسيط الذي يألفه العوام ويمقته المثقفون، أم بالبليغ المعقّد الذي يهواه المثقفون وتعجزه عقول البسطاء، إذ لكل فئةٍ خطابٌ يناسبها، وإن أي خطيبٍ يريد التواصل مع جمهوره أو مؤسسةٍ تريد التواصل مع عملائها، فإن أول خطوةٍ يخطوانها هي دراسة الجمهور بالنسبة للخطيب ودراسة العملاء بالنسبة للمؤسسة فيحددان عمر الجمهور/العملاء وجنسهم ومستواهم الثقافي والاقتصادي وجميع ما يتعلق بهم، ليختاروا بعد ذلك الحديث الذي يأتي على مقاسهم فيأثر بهم ويحدث ردة فعل إيجابيةٍ عندهم.    

“فأما أن جملة واحدة تُلقَى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك، فيراها كل منهم مقَدَّرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته فذلك ما لا تجده على أتمِّه إلا في القرآن الكريم. فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم، لا يلتوى على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء. مُيسَّرٌ لكل من أراد {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدَّكر} [القمر: 22]” [النبأ العظيم: 143].

“انظر إلى قوله تعالى، وهو يلفت النظر إلى النار وفوائدها في حياة الإنسان: {أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون، نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين} [الواقعة: 70-73].

فإن “مقوين” التي هي جمع مقوٍ تأتي بمعنى النازل في القواء، أي الصحراء، وتأتي بمعنى الجائع، وتأتي بمعنى المستمتع.

فأما الأعرابي الذي يعيش في البيداء فيتبادر إلى ذهنه المعنى الأول، ذلك أن النار تعتبر متعة كبرى للمقيمين في الصحراء، إذ بها تتعارف منازلهم، ويضيئون ما حولهم. ومن حولها يتكامل ناديهم. وأما الرجل العادي من أهل المدينة فيتبادر إلى فكره المعنى الثاني، إذ إن أعظم فوائدها عندهم يتمثل في كونها وسيلة لا بد منها لإنضاج الطعام وتحضيره، فهي متاع ضروري هام للمقوين أي الجائعين. وأما المعنى الثالث فهو عبارة عن بطاقة مفتوحة مع تطورات العصر والأزمنة، فما من لون من ألوان المتعة والفائدة التي تهتدي إليها المدنية أو العلم من النار وخصائصها إلا ويستوعبه قوله تعالى في وصفها: {متاعاً للمقوين} وهذا المعنى مما يمكن أن يفهمه الرجل العصري للآية دون أي تكلف في فهمها أو تأويل.” [أبحاث في القمة، محمد سعيد البوطي، ص229، 230].

إقناع العقل وإمتاع العاطفة
إنك إذا أردت علماً تغذي به عقلك ويرشدك إلى الحق فحينها تلجأ إلى الكتب، وإذا أردت مشاعراً تغذي بها روحك وتحرك بها عواطفك فحينها تلجأ إلى الشعر والروايات.

إما إذا أردت كلاماً يتضمن علماً تنتفع به ومشاعراً تملؤ بها قلبك فهذا ما لا تجده على أتمه عند أي بَشرٍ كان، فإذا وجدت حكيماً يأتيك بالجملة العلمية المتضمنة المشاعر العميقة فإنك ستجده بجملٍ أخرى يلقي إليك الحكمة ولا يبالي أمتضمنةً مشاعراً أم غير متضمنة، وكذلك الأمر إذا وجدت شاعراً يعطيك البيت العاطفيّ المتضمن حكمة عظيمة فإنه سيلحقه بأبياتٍ كثرٍ مليئةٍ بالعواطف لا يبالي أفيها حكمةٌ أم لا سبيل لها إلى عقلك.

“أَمَا إنَّ أسلوباً واحداً يتجه اتجاهاً واحداً ويجمع في يديك هذين الطرفين معاً، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقاً وأزهاراً وأثماراً معاً، أو كما يسري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر، فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية.

فمن لك إذاً بهذا الكلام الواحد الذي يجيء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين. ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين؟

ذلك الله رب العالين. فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن. وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معاً بلسان. وأن يمزج الحق والجمال معاً يلتقيان ولا يبغيان. وأن يخرج من بينهما شراباً خالصاً سائغاً للشاربين، وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت:

  • ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟
  • أوَ لا تراه في معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب؟

أقرأ مثلاً قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى: الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] وانظر:

  • الاستدراج إلى الطاعة في افتتاح الآية بقوله: {يا أيها الذين آمنوا}.
  • وترقيق العاطفة بين الواترين والموتورين في قوله “أخيه” وقوله: “بالمعروف” وقوله “بإحسان”.
  • والامتنان في قوله: “تخفيف من ربكم ورحمة”.
  • والتهديد في ختام الآية.

ثم انظر في أي شأن يتكلم؟ أليس في فريضة مفصلة وفي مسألة دموية؟ وتتبع هذا المعنى في سائر آيات الأحكام حتى أحكام الإيلاء والظهار. ففي أي كتاب من كتب التشريع تجد مثل هذا الروح؟ بل في أي لسان تجد هذا المزاج العجيب؟ تالله لو أن أحداً حاول أن يجمع في بيانه بين هذين الطرفين ففرق همه ووزع أجزاء نفسه، لجاء بالأضداد المتنافرة.” [النبأ العظيم: ص143، 145، 146].

هذان وجهان من وجوه بلاغة القرآن الكريم. وهي المعجزة التي أُلفت فيها كتبٌ ومجلداتٌ، فقد كتب فيها مصطفى صادق الرافعي ومحمد الغزالي ومحمد دراز وسعيد رمضان البوطي وسيد قطب ومحمد الشعراوي، وقد سبقهم في ذلك الإمام الخطابي وفخر الدين الرازي وابن أبي الأصبع، أما أول من ألف في ذلك فقد كان الجاحظ في كتابه “نظم القرآن”.

وقد عجز المقال عن أن يتضمن أكثر من وجهين من وجوه بلاغة القرآن الكريم، لذلك سأتبعه بآخر يتطرق إلى وجهين آخرين من هذا الإعجاز.

خيارات الإسلاميين لتجاوز أزمة الحداثة

عبد السلام بوقدير


أصدر المفكر الجزائري د. عبد الرزاق بلعقروز في عام 2013 كتابه القيم “أزمة الحداثة ورهانات الخطاب الإسلامي”، ووضع في خلاصة نقده للمفكرين العرب الذين حاولوا الخروج من أزمة الخطاب الإسلامي عبر استعارة أدوات ما بعد الحداثة من الغرب، وقدم قراءة واعية لفكر إسماعيل الفاروقي وطه عبد الرحمن باعتبارهما نموذجين ناضجين لتجاوز أزمات الغرب وإحياء الحضارة الإسلامية، مركزا على مسائل الحداثة وأزمة الحقيقة والتعارف والعقلانية والكونية.

يتساءل الكاتب: ما الذى يملكه الخطاب الإسلامى المعاصر من أجل الإسهام فى التحولات المعاصرة؟ وهل يؤسس هذه الخطاب رؤاه الفكرية منفصلا عن خطاب الحداثة وما بعدها؟

ويقول بلعقروز إن مُمكنات الخروج من نفق الطور الحداثي المُظلم، وإصلاح العطب في هذا المشروع لن تكون ممكنة دون إعادة تفعيل التوجيه الديني وقيم الإيمان في بناء الإنسان وملء العالم بالمعنى من جديد، لأنه لا فتوحات ممكنة تلوح سوى بأربعة شروط، وهي:

1- أن يستفتح الإنسان من جديد، من أجل أن يفتح اللّه له، ويعيد ترتيب الصّلة معه، لأن الذات دون إيمان ودون معنويات تنتج أنماط الحياة التي لا تُطاق.

2- أن ينتهي الإنسان عن غيه وظلمه وتخريبه للعالم، أي تدمير المعنى والعالم المحسوس.

3- أن يحذر من السقوط في أزمات المشروع الحداثي الغربي، لأنه لن يثْمر إلا عودة المآزق وفقدان الأمن الوجود ونَسْبنة المعرفة واختزالها في المصلحة، واختلال التوازن القيمي، ومن ثم الوصول إلى العَمى الوجودي والعبث السُّلوكي والتَّخريب للأرض.

4- التَّفكير في الارتقاء إلى مستوى الحدث الحضاري من أجل فهم هذه المشكلة بعمق، أي فهم الحداثة الغربية بعمق والكشف عن الفقر المعنوي والأخلاقي الذي ينخر أساساتها، وإعادة ترتيب سُلّم القيم الضائعة وبلورة نموذج إدراكي جديد للعالم.

ويرى المفكر الجزائري أننا لم نتعامل مع الحداثة في طورها الغربي بشكل ناضج بعد، فنحن فاقدون للرؤية والمنهج والإرادة، كما أننا لم نفهم الحضارة الإسلامية بعمق وشمول حتى نبحث في تراثنا المعنوي والأخلاقي الضخم ونفسّره من جديد.

ويعتبر أن النهضة تبدأ بإعداد قادة في الفكر من أجل إنجاز وظيفة الفهم المزدوج للحضارة الغربية وأسسها بعمق، وفهم الحضارة الإسلامية بعمق أيضا.

ويسعى في كتابه إلى رصد جوانب الاجتهاد في الخطاب الإسلامي المعاصر الساعية إلى بلورة رؤى فاعلة مستقلة عن سياق الحداثة.

ومن مباحث الكتاب المهمة أنه بيّن حدود النظريات التواصلية الغربية التي تأثر بها الفكر العربي المعاصر، وشدد على الحاجة إلى الأخذ بالرؤية التَّعارفية التي اقتبسها من قوله تعالى {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}، مستندا في الأساس إلى المبدأ القرآني لرؤية الإنسان للوجود من خلال التوحيد، فوحدانية الله هي أساس كل شيء، ومن ثم انفصال الذات الإلهية عن الإنسان والعالم المخلوق دون حلول ولا اتحاد، وتأتي بعد ذلك الرؤية التعارفية بناء على مفاهيم: التَّكريم الإنساني {ولقد كرمنا بني آدم}.، ووِحدة الإنسانية (دون تمييز عرقي)، والاختلاف التّكاملي (وليس التفاضلي العنصري).

وفي نقده لأزمة الحقيقة والقيمة، يشرح بلعقروز كيف هيمنت الاتجاهات الارتيابية على الفلسفة الغربية فيما بعد الحداثة، ثم استعرض أفكار إسماعيل الفاروقي التي تتجاوز هذه الاتجاهات وتؤسس الرؤية على وحدة الحقيقة والقيمة والحياة، وتستمدها من وحدانية الله.

أما أزمة العقلانية فقد عرضها المؤلف في فكر محمد أركون، ثم استعرض نقد طه عبد الرحمن لأركون الذي فضح افتتانه بمناهج العلوم الإنسانية الغربية ومحاولته تطبيقها على المعرفة الإسلامية، حتى في نصوصه المقدّسة، حيث كشف طه أن ادعاءات أركون لا ترقى إلى تصورات الفقهاء، ويقول إنه لو كانت مذاهب الفقهاء فعلا امتدادا لتناحُرات السّياسيين لما اختصّت بالوفاء لشروط الاستدلال والبناء النّسقي، فالسّلطة لا تخاطب العقل بل تتوسل العاطفة.

وفي الفصل الخامس والأخير، ينقد المؤلف طرح “الفلسفة الكونية” لدى المثقفين الحداثيين العرب، ويطرح البديل المتمثل في “الفلسفة المقارِنة” التي تدرك العالم بالمعنى الاختلافي، معتبرا أن الفلسفة الكونية تؤدي للانغراس في أنماط فكرية أخرى لا تخرج من عمق معاناتنا ولا تستجيب لمشكلاتنا.

طائفة البهرة.. مقدمة تاريخية (1 من 3)

د. سامي عطا حسن


انقسمت الشيعة إلى ثلاث فرق رئيسة هي: الزيدية، والكيسانية، والإمامية، وأتباع جميع هذه الفرق متفقون على أن الإمامة لا تخرج عن أولاد علي كرم الله وجهه وأحفاده، وإن خرجت فبظلم من غيرهم، أو بتقية منهم، والإمامة عندهم لا تناط باختيار العامة، إنما هي قضية أصولية، تنصيصية (ينص السابق على اللاحق)، تعيينية.

أما الزيدية فتنسب للإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ت122هـ)، وقد انقسمت إلى ست فرق، وقيل: ثماني فرق، وقيل: عشر فرق، ويقال: إنهم قريبون إلى أهل السنة والجماعة.

وأما الكيسانية فتقول إن الإمامة ذهبت إلى محمد بن الحنفية بن علي بالاستدلال، لأن علي كرم الله وجهه دفع إليه الراية يوم موقعة الجمل، وقيل: بالوصية. وهناك من نسبها إلى كيسان –صاحب شرطة المختار الثقفي- ومنهم من نسبها إلى المختار الثقفي نفسه، والراجح أنها منسوبة إلى كيسان مولى علي بن أبي طالب.

وأما الإمامية فساقوا الإمامة إلى الحسن بن علي، فالحسين بن علي، فالإمام علي بن زين العابدين، ثم محمد الباقر، ثم جعفر الصادق، وهنا تفرقوا إلى فرقتين:
الفرقة الأولى: ساقت الإمامة إلى موسى الكاظم، فالإمام علي الرضا، فالإمام محمد الجواد، فالإمام علي الهادي، فالإمام الحسن العسكري، فالإمام الثاني عشر الغائب محمد بن الحسن العسكري، وهذه الفرقة تسمى بالإمامية الاثني عشرية، أو الجعفرية، أو الكاظمية، أو الموسوية، ويسمون في جنوب لبنان بالمتاولة، أي المتأولة.

الفرقة الثانية: قالت بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق بدلا عن موسى الكاظم، وهو الإمام السابع عندهم، فيسمون لذلك بالإسماعيلية نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق.

وانشقت الإسماعيلية إلى فرقتين كذلك: الأولى نادت بإمامة مبارك مولى إسماعيل فسموا بالمباركية، وعنهم انشقت فرقة الخطابية الغالية. والثانية ساقت الإمامة من محمد بن إسماعيل إلى الحاكم بأمر الله الفاطمي، وهنا أوقفت طائفة الدروز الإمامة عند الحاكم بأمر الله وقالوا برجعته، وساق بقية الإسماعيليين الإمامة إلى المستنصر بالله، وهنا انشقوا بدورهم إلى فرقتين هما:
1 – الإسماعيلية النزارية (الإسماعيلية الشرقية): أتباع آغا خان حاليا، وهم الذين اعتقدوا بإمامة نزار بن المستنصر، وطعنوا في إمامة المستعلي أحمد بن المستنصر وقد نقل كبير دعاتهم الحسن بن الصباح الدعوة إلى فارس وكوّن دولة النزارية، التي عرفت باسم دولة الحشاشين.

2 – الإسماعيلية المستعلية (الاسماعيلية الغربية): وهم الذين قالوا بإمامة أحمد بن المستنصر (المستعلي)، ويعرفون باسم البهرة، وقد انشقوا كذلك إلى فرقتين هما: البهرة الداوودية، والبهرة السليمانية.

درس من دروس البهرة في الهند [alavibohra.org]

نشأة البهرة

ذكرنا أن طائفة البهرة هي الطائفة التي نادت بإمامة أحمد بن المستنصر الملقب بالمستعلي، وولي إمامة الإسماعيلية بعد المستعلي ولده أبو علي المنصور[1]. ونقل أبو المحاسن عن الذهبي قوله فيه: “كان رافضيا كآبائه، فاسقا، ظالما، جبارا، متظاهرا بالمنكر، واللهو، ذا كبر وجبروت”[2].

قتله النزاريون على الجسر إلى الجزيرة في القاهرة ، ولم يترك خلفا له، على قول أكثر المؤرخين، ولكن الإسماعيلية المستعلية ينكرون هذا ويقولون: إنه ولد له ولد أسماه: الطيب، وكناه: بأبي القاسم، وجعل الإمامة فيه.

وانقرضت الدولة الصليحية في سنة 511هـ، ولم يقم أتباع الدعوة الطيبية بأي نشاط سياسي بعد ذلك، بل ركنوا إلى التجارة، وعاشوا في محيط خاص بهم، وكان كثير منهم يتخذ التقية فلا يظهر إسماعيليته بالرغم من وجود داعية لهم ينوب عن إمامهم المستور في تصريف أمورهم الدينية.

وقد هيأت التجارة التقليدية بين اليمن والهند فرصة لنشر الدعوة الإسماعيلية الطيبية في الهند، ولا سيما في ولاية جوجرات جنوب بومبي، وأقبل جماعة من الهندوس على اعتناق هذه الدعوة حتى كثر عددهم هناك، وعرفت الدعوة بينهم باسم البهرة، وهي كلمة هندية قديمة معناها التاجر[3].

واستمرت الدعوة المستعلية في اليمن تشرف على أتباعها في جوجرات، إلى أن اضطرت الدعوة الإسماعيلية الدخول في دور الستر مرة أخرى، وظهرت سلسلة طويلة من الدعاة المستورين، حتى كانت سنة 999هـ/1591م وإثر وفاة داود بن عجب شاه الداعي السادس والعشرين في سلسلة دعاة دور الستر، حيث انتخب بهرة جوجرات داود برهان الدين بن قطب شاه خلفا له (1021- 1030هـ) وعرف أتباعه بالداودية، وداعيتهم الآن هو د. محمد برهان الدين بن طاهر سيف الدين، ويعد الداعي الثاني والخمسين ويقيم في مدينة بومباي بالهند. وهو برتبة الداعي المطلق، وصاحبها يتمتع بنفس الصفات التي كان يوصف بها أئمة الإسماعيلية، على أنها صفات مكتسبة وليست ذاتية.

يوسف نور الدين صاحب أحد أئمة البهرة

ومنصب الداعي ليس وراثيا كالإمامة بل مكتسب، إلا أن الدعاة المتأخرين لم يلتزموا بهذه التعاليم، فادعوا لأنفسهم العصمة كالأئمة سواء بسواء، وجعلوا منصب الداعي وراثيا في أبناء الداعي المهيمن على طائفة البهرة الداودية، بينما عارض بهرة اليمن ذلك، وعاضدوا رجلا آخر يدعى سليمان بن الحسن الهندي 1005- 1050هـ، وكان مقيما في أحمد أباد في الهند، مدعين أن داود بن عجب شاه عهد إليه بالدعوة بوصية منه، فانتقلت البهرة السليمانية إلى اليمن ثم تولى الدعوة من بعده أخوه علي الذي ألف كتبا كثيرة وانتقل بالدعوة مرة أخرى إلى الهند، وقبل وفاته سنة 1088هـ أوصى بإمامة الدعوة إلى إبراهيم بن محمد الفهد المكرمي فرجعت الدعوة إلى اليمن، واستقر الداعي في بلدة طيبة وعهد بالدعوة إلى حفيده محمد بن اسماعيل الذي حصلت بينه وبين طائفة الزيدية حروب هزم فيها، فخرج إلى القنفذة يريد الهرب إلى الهند، إلا أن إسماعيلية قبيلة يام في نجران وعدوه بالحماية، فذهب إلى نجران وسكن بلدة بناها أسماها الجمعة، وظلت مركزا للبهرة السليمانية الذين يعرفون بالمكارمة. وداعيتهم الآن هو الداعي حسين بن إسماعيل المكرمي.


الهوامش

[1]  للمقريزي: الخطط، ج2/ ص 290.

[2]  النويري: النجوم الزاهرة، ج5/ ص 170.

[3] د. محمد كامل حسين: طائفة الإسماعيلية، ص 50-51،   باختصار. وانظر: د. أيمن فؤاد سيد: تاريخ المذاهب الدينية في بلاد اليمن، ص 152-206.

مشكلة الشر ووجود الإله (1 من 2)

عرابي عبد الحي عرابي

 

تعود القيمة المحورية لقضية الشر إلى التصور المركوز في الأذهان عن عدالة الله وقدرته ورحمته، ولذا فإن مشاهد القتل والتهجير والآلام التي تحدث يوميًّا داعيةٌ ولا ريب إلى التساؤل عن الحكمة الإلهية في وجود هذه الآلام، ولعل نظرة سريعة إلى أحداث الثورة السورية وكمية الدماء البريئة التي أريقت ظلماً عدواناً جعلت مقولة “لمَ خُلِق هذا الشر؟” أهم أسئلة الناس المكلومة.

أطفال قُتلوا بالغاز السام في الغوطة بريف دمشق في 21 أغسطس 2013

ويمكن القول إن الإلحاد ودعاته يجعلون هذا السؤال -المتسرّب عن التعرُّض للشدائد- أداةً للتشكيك بجدوى الإيمان أو صحته من الجذور، ولذا فإن “مُشكلة الشَّرّ” في الغرب اليوم أهمّ شُبهة إلحاديّة تستخدم في المناظرات بين الدينيين والإلحاديين، حيث يراها الإلحاديون “البرهان” الذي يُغِيرُ على قواعد اعتقاد المؤمنين فيأتي عليها، إذ لا جدوى من الإيمان بوجود الإله الذي لا يمنع الظلم عن عباده ومخلوقاته[1]، فحجة وجود الشر في نظر الملاحدة هي “الصخرة” التي تَتَحَطَّم عليها حجج الإيمان، كما يرى الشاعر الألماني الملحد جورج بوخنر[2]، ذلك لأن “الاعتراضات على الإيمان بالله تظهر وتختفي، إلا أنَّ الفلاسفة يؤمنون أنّ أهم تحدٍّ جادٍّ لإثبات وجود الله في الماضي والحاضر والمستقبل، هو مشكلة الشر”[3].

إن هذا السؤال القديم الحديث حول مشكلة الشر هو أحد أسئلة الوجود التي حار فيها الإنسان ولم يجد فيها إجابة حاسمة، ولعل المفترض باللاديني أن لا يتكئ مرتاح البال بعد أن رمى بها في ملعب الديني، إذ إن أسئلة الوجود تقض مضجع الجميع، وهذا ما يجعلنا نرجح نظرية الإيمان على غيرها، فعلى الرغم مما يطرح عليها من الأسئلة إلا أنها دافعة إلى الاطمئنان واليقين العقلي أكثر مما سواها، وهكذا طبيعة المعارف الإنسانية؛ فإن إيجاد جواب معملي فيها أمر غير ممكن إلا أن اليقين يبنى فيها على الاتساق وعدم التناقض وتقديم الرؤية التفسيرية الشاملة لهذا الكون.

ملاحظة قبل البَدْء
اسمح لي سيدي القارئ أن أشير بدايةً إلى أن وجود الشر (المطلق أو النسبي) لا ينفي بأيِّ وجه من الوجوه المنطقية أو العلميَّة “وجود الإله”.

وذلك لأن إثبات وجود الإله لا يعتمد مطلقًا على جريان الخير أو الشر في الموجودات وإنما يعتمد على إثبات خلق الكون وإنشائه من عدمٍ على نحو متسق منظَّم يثبت وجود منظِّمٍ له، وبذلك تعد مسألة الخير أو الشر طارئة على ما بعد تحقق الوجود، وإن كان ثمة دليل يمكن به نفي وجود الإله فهو إثبات نشوء الكون ذاتيًّا بأي طريق كان إلا عن طريق موجدٍ له سبَّب حدوثه.

وأقصى ما يمكن التوقف عنده في مسألة وجود الشر عند المسلم إنما هو بحث الحكمة من وجود الله، ولدى  إثارة الشبه في عدل الله ورحمته وقدرته على النحو الذي يفصله أربابه.

وإن المثير ههنا حقًّا أن غالبية علماء اللاهوت المسيحي لم يبحثوا في بنية الشر وإنما اكتفوا في الدفاع عن اتصاف الله بالخيرية، وإثبات أن ما يجري من الشر خارج عن نطاق الخيرية الإلهية وأن الأب قدَّم ابنه –تعالى الله عن ذلك- ليتمكن من تخليص الناس من مشكلة الذنوب والبلايا التي تتبع انتشارها، بينما كان علماء الكلام المسلمين يبحثون “ماهية الشر” ضمن مباحث الحسن والقبح وتفرعاتهما التي تتطرق لموضوع الإيلام والأذى الذي يصيب المخلوقات، فكانت دراسات علماء الكلام والفلاسفة المسلمين أعمق وأجدى، من حيث الإشارة إلى بنية موضوع الشر والتسليم بواقعيته والسعي البارز لتنزيه الله عن النقائص ومحاولة استخلاص الحكمة من وجود هذه الشرور المنتشرة في الأرض.

لذا كان أقصى ما يمكن إنتاجه في تاريخ الشك عند فلاسفة المسلمين ما قدمه أبو العلاء المعري أو ابن الراوندي من شكوكٍ وشبهات في الحكمة من هذه الشرور، بينما أنتجت الثقافة الغربية الثائرة على المسيحية نقداً شاملاً لكل ما يتسم بالميتافيزيقية (الغيبية) مثل ماركس ونيتشه[4]، وعدمية محضة لا تتقبل القيمة المجردة للأشياء في هذا الوجود.

أصل السؤال
تعود الصياغة المنطقيّة الأولى لهذه المسألة -بحسب ما نقل الفيلسوف الإنكليزي ديفيد هيوم (ت1776م)- إلى الفيلسوف اليوناني أبيقور (ت270ق.م) فيما عُرف بمعضلة أبيقور وملخَّصُها الآتي:

أبيقور

إذا كان الإله كُلِّيَّ القدرة والعلم والخير فإنَّ الشر لا يمكن أن يوجد في خلقه، إذ إنَّ هذه الصفات الثلاث لا تجتمع في إله حكيم متصرف ثم يغفل عن وجود الشر في العالم، وبما  أن الشر موجود فذلك يعني أن الإله ليس كلي العلم، إذ لا يعرف ما يجري في خلقه من الشرور، أو أنه يعلم حصول ذلك إلا أن قدرته ناقصة فلا يستطيع رفع الشرور والآلام عن عباده، أو أنه يعلم الشر ويستطيع رفعه، إلا أن يريد له الاستمرار فتكون خيريته ناقصة، وعلى أيٍّ من هذه النواقص فإنه لا يمكن أن يكون إلهًا، لتحكُّم النقص فيه[5].

فما المقصود بالشر ههنا؟

يمكن اختزال الشر ضمن نوعين: “الشر الطبيعي” الذي لا يد للإنسان في إنشائه كالتشوُّه الخَلْقي والكوارث الطبيعية كالبراكين والأعاصير والزلازل، و”الشر الأخلاقي” الذي توصف به أفعال الإنسان ومبادئه من حيث الأذى والضرر كالعدوان والقتل والتعذيب وكل ما يؤلم الآخرين.

وسؤال الإلحاد ينصبُّ في البحث عن أنه كيف يمكن لله الرحيم أن يأذن بوجود هذا الكم من الشرور في عالمه أو يخلقه أصلاً؟

أساس الاستشكال
يستند الإلحاد في الاستدلال على رؤاه بجملة العلوم الماديَّة التي تستند في نتائجها إلى “النزعة التجريبيَّة” ولذا فإن أساس اعتماد الإلحاد في الاستدلال بالشر  على عدم وجود الإله ناتج عن فهم محدودٍ للإله فهو كامل العلم والقدرة والخيرية دون البحث في صفاته الأخرى من العدل والإرادة والحكمة.

أضف إلى ذلك سيدي الكريم أن الإلحاد لا يقدم تصوُّرًا يبين المقصود من “الشر” بوضوح، فهل “الشر” مفهوم مطلق أم نسبي، وهل قيمته ذاتية أم نسبية، وهل وجود الشر طاغٍ على وجود الخير، ثم هل يمكن للشر أن ينفي وجود الإله بحد ذاته؟

إن كلمتي “الشر والخير” في ذاتهما تدلان على عَرَضٍ خارجيٍّ يدل على نسبة بين شيئين، أي أن الحكم منتزَع من حيث التحقق أولاً وارتباط المحيط به ثانياً، فثورة بركان ما شَرٌّ على أهل المنطقة الواقعة بالقرب منه إلا أن فائدته للتربة مثلاً خير للأجيال اللاحقة، وكذلك “الموت” فإن فناء مليارات الجراثيم قد يكون شرًّا بالنسبة لها إلا أنها ذلك خير بالنسبة للكائنات التي تتأذى منها، وكذلك وجود السم في الأفعى فإنه خير بالنسبة لها إلا أنه شر بالنسبة لمن يلدَغ به، ومن ثم فإن وجود الشيء ليس ذا كفاية للحكم على قيمته من حيث الخير والشر.

وإذا تدبرنا ذلك فإن وجود هذه الثنائية في الكون بحد ذاتها محض خير، فانتفاء الخير يجعل من الوجود شرا محضاً وانتفاء الشر يجعل من الدنيا دار سعادة محضة وبذلك لا يمكن التوصل إلى معاني التفاضل والخيرية بين الناس أو إدراك المعاني الكبرى كالباطل والحق، وبذلك يكون وجود الشر ضرورياً لتدعيم معنى الخير، ووجود الباطل ضروريًّا لتدعيم معنى الحق.

ومن ثم يتوارد السؤال الآتي:

هل يمكن الحكم بالشر النسبي على وجود الإله؟
يشير د. سامي عامري إلى أن السؤال عن مشكلة الشر بحد ذاته يحوي دلالة أخلاقية لا مادية[6]، ولعل استشكال “الشر” في أصله دليل على تحقق الإيمان بالله في فطرة البشر، وهو الأمر الذي أكّده العديد من أئمة الإلحاد، ولعل أبرزهم العالم الأحيائي “أنتوني فلو” الذي كان يرى أن شبهة الشر كانت السبب الأول في إلحاده[7].

وبما أن المادة وتفرعاتها تعد أساس الإلحاد فإن الاستشكال الأخلاقي تجاه الشر يناقض الغاية التي قُدِّمت لأجلها، أي نفي وجود الإله وتصوير الكون على أنه محض مادة؛ وذلك لأن عقل الإنسان الذي تفاعل مع هذا السؤال جوهر غير مادي يرى للحياة قيمة ومعنى، إذ “لو كان الإلحاد حقًا، لما كان علينا أن نتوقع أن يكون الخير هو الرئيس أو أكثر أصالة من الشر، بل الواجب أن لا يكون هناك قِسما الخير والشر أصلاً”[8].

يُتبع..


الهوامش

[1] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي العامري، ص17-20، حيث نقل عدداً من المقولات في هذا الخصوص، تبيِّن مدى اهتمام الإلحاد بمقولة الشر.

[2]  Randy Alcorn: If God Is Good: Faith in the Midst of Suffering and Evil (Colorado Springs, Colo.: Multnomah Books, 2009), p.11

[3] مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص19 نقلا عن كتاب رونالد ناش، الإيمان والعقل، ص177.

[4] معضلة الشر بين علم الكلام والفلسفة، د. محمد بوهلال، ص35.

[5]  (David Hume. Dialogues Concerning Natural Religion, part 10) نقلا عن مقال د. هشام عزمي، وجود الشرور في العالم، مجلة منتدى التوحيد، العدد المعنون بـ الجواب عن مسألة الشر، ص14.

[6] ينظر مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص55، 65، 62.

[7] مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، ص55، 56.

[8] مشكلة الشر ووجود الله، د. سامي عامري، 58، 59، نقلاً عن دافيد بيك.