مقالات

بناء الأسرة بين الكمال وغسيل الأدمغة!

كتبت قبل عدة سنوات عن وهم الشريك المثالي في محاولة لتوضيح دوافع الزواج والعوائق المتعلقة بالاختيار الصحيح، وقد بيّنتُ أن شريك الحياة حريٌّ به أن يقيَّم من منظور الزواج المثالي والعيش المتوافق، فكل من الزوجين مكمِّل للآخر بطبيعة الحال، فالغاية السامية كانت وما زالت هي التوفيق بين الأزواج وتوسيع دائرة التفاهم لحياة ممتدة بالرضا والسعادة.

بالرغم من هذا فإن ذلك لا يعني بالضرورة وجوب وحتمية نجاح الزواج في أول تجربة لكي نتجنّب الانفصال، كما أنه لا يعني أن الزواج المثالي قد يغني عن تكرار التجربة، وبالطبع فإنه لا خلاف على هذا شرعًا، ولكن المشكلة هي في غسيل الأدمغة المستمر.

المبادئ المنسيّة

على العموم فإنه من الملاحظ أن مبادئنا أصبحت أشبه بالمثاليات والشعارات التي تظهر وقت الحاجة فقط لكنها تختلف عمّا حُفِر في عقلنا الباطن خصوصًا وتوافقه أفعالنا وألسنتنا على نحو واضحٍ عمومًا، وها أنا أجد في نفسي الحاجة الملحّة اليوم للخوض في هذه الأسباب وعواقبها التي حدت بالمجتمع إلى جملة من المشكلات المتلاحقة كتغيير مفهوم الزواج بما فيه من طبائع بشرية متغيرة إلى مؤسسة قائمة على الشراكة الوردية، وقل مثل ذلك عن أمور تالية كتحقير الطلاق ومؤسسة الزواج الموحد “مونوغرامي” وبغض تعدد الزوجات.

لنتساءل بداية: كيف زُرِع مفهوم الشريك “الوردي” في عقولنا؟

إن الأمر باختصار شديد، البداية كانت في صُنعِ تصوُّرٍ إعلاميٍّ -عبر الأفلام والمسلسلات القديمة- عن روعة هذا الشريك بمجرد ذكر الزواج، والتركيز على إحدى صفاته الأساسية وهي الحب والهيام والعطف المغرِق، وما دامت هذه الصفة موجودة ومطلوبة بطبيعة الحال لديمومة الزواج، فإن الجيل القديم (الناشئ حينها) لم يجد حرجًا في سماع الأشعار وقصص العشق والأغاني على مر السنين، على افتراض حسن النية طبعًا.

إلا أن الأمر تطور إلى قولبة هذا الحب على هيئة صور رمزية وتمثيله في كلا الجنسين، من حيث الحسن والجمال، ومن ثم تحرّكت الصور وتجسّد الحب في شريكين جميلين يعيشان قصة حب طاهرٍ يتكلّل دائمًا بالزواج والحياة السعيدة المديدة والكلام والخجل والغزل والنظرات وغيرها من الأفعال التي سحرت القلوب وأغوت العقل منذ الصغر بوجود قرين في الحياة من الإنس بَهِيُّ الطلعة لابد أن ترتبط به وتنتهي بعدها القصة لأن النتيجة محسومة، ثم يكون -كما في المثل الشهير- (عاشوا في سبات ونبات وخلّفوا صبيان وبنات).

بعد حين من الزمن –أي حين تشبّعت الأنفس فكرة الحب المرتبط بحسن المحبوب-، بدأت تُدَسُّ الخلافات في قصص جديدة بين الأحباب، ويتوجّس المشاهِد، هل ما يراه هو الحبيب أم الخائن، مع توجيه الوعي الداخلي نحو فكرة احتمال تعثر الارتباط الدائم في حال غاب التعارف قبل الزواج، لذلك كان لابد من الاختبارات لقطع الشك باليقين فلم نعد نسمع العبارة المستهلكة (أنا قصدي شريف). وهذا يعني أن الحياة السعيدة المديدة كما وثقها الإعلام المرئي والمسموع على حد سواء، مرتبطة بأحداث العشاق من إثباتات مادية وتضحيات عائلية وتنازلات أخلاقية وتبديل ديانات –وربما- محاولات الانتحار!

تدرُّج الغواية!

دعني أمرّ سريعًا على عدة أمثلة لتوضيح وإثبات ما ذكرته أعلاه من تحوير مقاصد الزواج وحصرها في البحث عن الشريك المثالي وتداعيات الحصول عليه:

غنَّى أحدهم في الثمانينات قائلاً:

ياريت تعرف شو بصرلي … لتطل قبالي شي طلة

ها العقدة صار بدها حل … وصار لازم روح أحكي فيها

وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا، غنّت إحداهن قائلة:

خليني شوفك بالليل … الليلِ بعد الغروبِ

مش عيب “الملأى” بالليل … الليل بيستر العيوبي

أرأيت هذا التدرُّج؟

في الثمانينات، كانت المعضلة الرئيسية أمام زواج الأحباب في المسلسلات الدرامية هي الخلافات العائلية واختلاف الوسط الاجتماعي، وقد شاهدنا ذلك في كثير من المسلسلات مثل “الشهد والدموع”، “ليالي الحلمية”، و”المال والبنون”، أما الآن؛ فإنّ الزواج ذاته غير مهم بقدر ما هو مهم أن يكون الحبيب عاشقًا، حتى لو أحبّ المرء زوجة عمه مثلًا أو خيانة الحبيبة بمعاشرتها أخا الحبيب وهو المتزوج أصلًا إلا أنها تغويه لتستدرجه، كما عُرض ذلك في العديد من المسلسلات المدبلجة والعربية -للأسف-.

في أفلام الثمانينات: يحب الرجل ابنة رئيس العصابة إلا أنه شرطي، أو تحب الفتاة الفقيرة الابن الغني صاحب النسب والحسب ويحبها رغم الفقر والتشرّد، لتكون النهاية السعيدة في هذا النمط بالزواج.

لننظر الآن في أفلام اليوم: أزواج متنافرة لا تعدم كثرة العشيقات والعلاقات المحرّمة السرية أو العلنية، وقد تأتي هذه الأحداث على هامش الفيلم كجزء من الواقع المحيط وليست في الأصل الحبكة الفنية لقصة الفيلم.

أين الخلل؟

لعل تحديد الخلل المفصّل قد يحتاج لمؤلفات وشروح طويلة، إلا أن الخلل بمظهره العام في استساغة المجتمع للعبثية الأخلاقية الموجهة في تفكيك الأسر، -كما أشرت أعلاه من واقع العرض المؤسف- هو الطَّرْق المتواصل والمتزايد في الحدة، حتى إذا ما تأصّلت الفكرة في النفوس واعتادها المشاهد وأعادها في حياته إلى أن رآها طبيعيّة بوجهٍ ما، اختلفت المطرقة واختلف موضع الطَّرْق، إلى أن تأخذ عقولنا بعد حين من الزمن شكلاً غريبًا، لا يضع قِيم الزواج وأهدافه ومسؤولياته نصب الأعين مثلما يفعل للحب، وفي الوقت ذاته يرفض أمورًا عديدة في هذا الزواج، لعل أبرزها الطلاق والتعدد، وربما الحديث في حقوق الزوج ومفهوم الطاعة فيما أمر الله.

إن الطلاق يعارض النظرية المدسوسة للحياة المديدة السعيدة مع الحبيب الأول، كما أن التعدد يعارض النظرية الأخرى للقرين المخلوق لأجل المحب. والنتيجة المستقبلية أن مجتمعاتنا لن تختلف عن المجتمعات الغربية التي منعت قوانينها الطلاق والتعدد، وحينما اختلف الأزواج تعددت الخيانات واختلطت الأنسال.

إن المشكلة الأكبر ليست في نتائج غياب هذه القوانين، بل في تسهيل تعارف وتقارب الجنسين قبل الزواج (مثل الدراسة المختلطة) كوسيلة لتجنب النتائج السيئة السالف ذكرها، فكانت الطامة الكبرى بانحراف المراهقين وتعدد العلاقات الجنسية، والحمل المبكر خارج مؤسسة الزواج، وانتقال الأمراض الجنسية …إلخ. وما زالت الحلول تقترَح لتصبّ في الاتجاه ذاته، من خلال إقرار مواد تعليمية للجنس في مرحلة مبكرة لتثقيف النشء وتوعيته بالاحتياطات اللازمة لمنع الحمل وانتقال الأمراض الجنسية حال تعرفهم على الجنس الآخر.

سؤال لا بدَّ منه!

واليوم نسأل: كيف لمجتمع شرقي أصبح يقدس الحب قبل الارتباط الشرعي وينبذ الطلاق والتعدد بشكل عام، أن يختلف في كيانه عن المجتمع الغربي ومشاكله؟

الطلاق والتعدّد، أباحهما الشرع –بشروط- كأدوات إصلاح في ردء كيان المجتمع ودرء المفاسد عنه، وذلك تماشيًا مع ضوابط الدين في تنظيم حدود العلاقة بين الجنسين خارج مؤسسة الزواج ومحارم العائلة.

هذه الضوابط وجدت لتدعم أدوات بناء أفراد المجتمع وتهيئتهم لتأسيس زواج ناجح، كالتحلي بصفات الأدب والعفة والمروءة ومكارم الأخلاق، والاعتماد على النفس، والتراحم واحترام الآخرين وودهم ومعاونتهم وتقدير عونهم، والصدق ومهارات التواصل وغيرها. الأصل هو التركيز على أدوات البناء، فما أحسنت بناءه، قلَّت أعطاله. ولكن في حالة التقصير في بناء الأفراد وتعريفهم بمسؤوليات الأزواج، سينجم عن التطبيق الصارم لهذه الضوابط الدينية، اختلافات فردية في الزواج تتطلب تدخل أدوات الإصلاح. والعكس صحيح، في حالة الإخلال بضوابط الدين، قل تركيز الأفراد على أدوات البناء، وزادت فرص استخدام أدوات الإصلاح في الزواج. بمعنى آخر، تتضاءل احتمالية اختلاف زوجين تشاركا أدوات البناء ذاتها، وأي شذوذ عن هذه القاعدة، تتكفل دائما بتصحيحه أدوات الإصلاح، إما لخلق فرص جديدة بإعادة ربط الأفراد الصالحة أو تدعيم مؤسسة الزواج بفرد صالح جديد. هي منظومة متكاملة لتنمية مجتمع يعتمد على الزواج المثالي في تثبيته الترابط وخلق بيئة صالحة وصحية أخلاقيًّا لتربية لجيل القادم.

نظرات في التعدّد والطلاق

يعاني الكثير من الناس في قضية اختيار الزوج المناسب، هذا في الحالة الطبيعية، أما مع تصاعد الضخ الإعلامي الموجّه صار معيار الزواج لدى الكثيرين مقيّدًا بما يسمّى “الشريك المثالي” أو هو الرومانسي والعاشق المثالي، وقد أصبح البحث عن الحب -كما يروّج له- ليس من أدوات بناء أفراد المجتمع، خاصة إذا كان فيه من الإطناب ما يضرب باقي الأدوات بعرض الحائط.

أشرت في المقال السابق إلى أن الإنسان قد يقع تحت ضغوط متعددة فيكون مضطرًّا إلى التعدد أو إلى الطلاق، إلا أن ازدراء المجتمع للطلاق والتعدد جعل اعتبارهما أدوات قهر وظلم أمرًا بديهيًّا، وحينئذ لا يجد الفرد بدًّا من التضحية بضوابط الدين، في سبيل التأكيد على أهلية الشريك “الوردي” الذي سوف يحقق الحياة الزوجية السعيدة في الزواج الأول. وبالتالي، يخرج علينا منظرون يقولون عن الزواج: “مثله كمثل البطيخة” في سبيل تثبيت ضوابط الدين في العلاقة بين الجنسين، وهنا يصبح الملتزمون بدينهم بين نارين، نار الخوف من الطلاق لانعدام الحب قبل الزواج وهو الأساس الذي حقنت به الأجيال الناشئة، ونار مخالفة أوامر الدين ونواهيه.

إن أهون الأمرين هو المعتقد الفردي؛ لأن محاسبة الناس عند الأغلبية أقصى من محاسبة النفس في غياب الإيمان. فكم من فتاة سمعت طعن الناس للمطلقات بسكاكين ألسنتهم، فزادوا جراحهن آلامًا وتقطيعًا، ووُصِمن بالعار لمجرد أنهن ابتغين الحلال ووافقن ذويهم في اختيارهم. فتكون النتيجة، رضوخ بعض الفتيات لتقديم تنازلات قبل الزواج قد تكون بسيطة في بدايتها، ولكنها مؤسفة في نهايتها ويا ليتها انتهت بالزواج. وإن لم تنل من الشرف، نالت من القلب الموهوم بخلود الحب وسيطرته على الأفراد لتزويجهم، وبقيت حسرة في القلوب المكسورة.

آخر الدواء الكيّ

لا خلاف أن الطلاق قد يهدم البيوت، ويشتت الأفراد ويوقع حسرة في النفس، فهو الحل النهائي غير المرغوب للعائلة، لكنه –كالدواء المرّ العلقم- يبقى حلالًا إن ابتغي به الإصلاح لكلا الفردين، وبالأخص إن كانا حديثي عهد بالزواج من دون ثمرة.

وبالرغم من مشروعيته، يصر ذووا الفتيات إلى المغالاة في المهور وطلبات الحفل وشهر العسل والمؤخر لفرض قضيّة التأبيد في الزواج -حتى وإن كان دون توافق-، ولو ركزوا على بناء فتياتهم لزواج صالح، وبحثوا في بناء المتقدمين الصالح لهن لكان خيرًا للجميع، وما كان لأحد حاجة في الطلاق. ولكنها نظرة المجتمع السيئة وتجاوزه عن المطلقات في الزواج كأنهن من القواعد. سبحان الله!

تلجأ البكر لحكم أبيها في اختياره الزوج المناسب، والثيب قد علمت ما تريد بفضل زواجها الأول فأهديت النطق بالرضا تنفيذًا لحكمها على المتقدم وليس حكم غيرها، فمن لديها فرصة أفضل للاختيار الصحيح وقدرة على التعامل مع زوج جديد؟ هذه مشيئة الله تعالى بالتوفيق يهبها لمن يشاء، فلم نحاول تغليب رغباتنا على مشيئة الله بتعارف الأزواج فيما أحله ونرتضي ما حرمه تجنبا لهمز المجتمع ولمزاته؟

وإن قال أحدهم، إنما التعارف من خلال المساكنة والانفصال دون عقد، كالتعارف من خلال عقد النكاح والطلاق، فهذا القول مثل قول أهل الجاهلية في الربا حين قالوا: {إنما البيع مثل الربا} ورد الله تعالى عليهم {أحل الله البيع وحرّم الربا} [البقرة: 275]، فإنك لو أحكمت قِيَم الزواج ومسؤولياته في كلا الزوجين، فإنه الطلاق لن يتكرّر كما يتضاعف الربا وكما تتكرر العلاقات المحرمة التي ما إن رست على شريك العمر، تاقت النفس بعدها للتغيير كما اعتادت بين حين وآخر، فلا هي أبقت العهد الجديد بالالتزام، ولا استطاعت طرد ما عهدت من قلوبها.

إلا أنه في حال الطلاق -بعد اختبار مسؤوليات الزواج بنية صادقة- فإن الأزواج المنفصلين سيجدون مرادهم سريعًا بإذن الله، كما أوحت بذلك الآية: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعًا حكيمًا} [النساء: 130]، وقد يعود بعض الأزواج لبعضهم البعض، فـ {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229]، إن كان هذا الأمر للزوج، فأين هو المجتمع من هذا الإحسان للمطلقات؟

فطرة الحياة بين الرجل والمرأة

أما التعدد، فلا بد هنا من مقدمة مختصرة في الحكمة من ورائه ودوافعه، قبل استعراض التشويه الممارس ضده، فقد اقتضت مشيئة الله –سبحانه- خَلقَ الذكر وجعله واهب النطف بينما كانت الأنثى المستقبِل الذي يحتضن هذا اللقاح في سبيل حفظ النسل البشري، فقد كانت أعداد البشر وبالأخص المواليد معرّضة على مرّ العصور للأمراض والأوبئة والحروب والكوارث الطبيعية وغيرها، فكان من الطبيعي أن يقترن الرجل بأكثر من امرأة تجنّبًا لتعطيل قدرته على الإخصاب خلال فترات الحمل والرضاعة الطويلة.

وبما أن الرجل عقلاني بالدرجة الأولى ليقدر حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه حال اقترانه بامرأة جديدة، فقد كانت غريزته المرتبطة بالتناسل هي الدافع الأقوى لاتخاذ هذه الخطوة دائمًا، فقد جبل الله تعالى فطرة الرجل على خلاف فطرة المرأة في أمور كثيرة حتى يتحقق التجاذب بين الطرفين، وبالوقت نفسه تعينه خصائصه وتكوينه على تحمل مسؤولياته بفاعلية أكبر من الطرف الآخر. ومن هذه الأمور، اختلاف علاقة الحب بالجنس عند الزوجين واحتياجات كل منهما.

فالمرأة -كإنسان يقدم القلب على العقل- تنظر للمعاشرة الزوجية كنتيجة طبيعية لحبها للرجل، واحتياجاتها من الجنس عاطفية أكثر منها غريزية. لذلك تعتبر معاشرة الزوج كمؤشر على حبه لها، حيث تشبع به عاطفاتها الباحثة عن الاهتمام والأمان وتعكس هذه العاطفة على أطفالها ومنزلها، وهو ما يتماشى مع دورها كحاضنة. بينما كان الرجل -كإنسان يقدم العقل على القلب- يمارس الجنس إشباعًا لغريزته وحفظًا لنسله، أما تعبيره عن حبه فيأتي عمليا وبشكل أساسي في تحمل أعباء ومسؤوليات الزواج، فيضحي بجل وقته وجهده وماله لأجل عائلته بعيدًا عن فتن الحياة ومغرياتها، وهو ما يتماشى مع دور رب الأسرة؛ لذلك، لا تتفهم المرأة رغبة الرجل في الزواج مرة أخرى، وتعتبره نوعًا ما تراجعًا في حب الرجل لها، بالرغم من أنه قائم على مسؤولياته بما يحفظ حقوقها ويصون كرامتها.

لنفترض جدلًا أن فطرة الرجل كانت كالمرأة (كلاهما يقدم القلب على العقل) ستكون النتيجة حتمية بفناء الجنس البشري بعد حين من الدهر في ظل الظروف السابق ذكرها وذلك لعدة أسباب.

أولًا: سيكون كلا الطرفين مترددا في اختيار الآخر ومعاشرته، أما ثانيًا: ففي حال كانت المرأة عقيمة، لن يرتضي الرجل ذرية من زوجة أخرى. ثالثًا: إن كانت المرأة تشكو من علة تحول دون المعاشرة، امتنع الرجل عن الزواج من الأخريات. رابعًا: تقل فاعلية الرجل في تلبية احتياجات الأسرة، لأن العواطف الجياشة لا تندمج مع خصائصه من حيث التكوين والبناء العضلي، فلا يستطيع توظيف قدراته الفكرية والجسدية على الوجه المطلوب. خامسا وهو الأهم، تنشأ الأفراد الجديدة في جو مشحون عاطفيًّا بالكامل، محدثًا خللًا في توازن التربية، فينتج نسل جديدٌ غير مستقر عاطفيا ومضطرب عقليًّا.

تشويهُ شرعِ الله

إذًا هذا هو التكوين الأسري الفعال في المجتمع، الصامد أمام العقبات بضمه أفراد جدد، ليستمر في إنتاج أفراد صالحة، مع حفظ مصالح وحقوق كل القائمين على مؤسسة الزواج. فكما هو الحال مع أي مدير ناجح لمؤسسة، قد يأخذ على عاتقه تكوين مؤسسة جديدة، وربما يدمجهما في مؤسسة واحدة، أو يكون قائمًا على مجموعة شركات. مقياس النجاح هنا الإدارة المتوازنة، لذلك فإنه ليس بمقدور الجميع أن يكون على هذا القدر من الكفاءة لتحمل هذه المسؤولية.

لكن صعوبة التطبيق في هذه الأيام، لها أسباب أخرى متعلقة بما ذكرناه في المقال السابق من أفلام ومسلسلات وغير ذلك من أساليب الفن المغشوش، الذي يعمم أفكار شاذة على المجتمع من خلال سرد قصص وأحداث فردية متعللين برسالة الفن. فأي عبرة أخذناها من درس (اكسر رأس زوجتك بزوجة أخرى!) أو (خلفي منه عيّل قبل ما يجبلك ضرة تاخذ نص اللي عنده ويمكن تكوش على كل حاجة)!

لقد بات من الطبيعي أن ينظر المجتمع إلى المعدّد وكأنه أشبه بزير نساء، بينما إن كان الأعزب صاحب علاقات واسعة فإنه سيسوّغ له بأنه يبحث عن زوجة مناسبة. كما يشفق هذا المجتمع المريض على الزوجة الأولى ويعتبرها مسكينة، إن لم يعتبرها ناقصة ومقصرة في مسؤولياتها. حتى أن المصطلحات المستخدمة للتعبير عن هذا الفعل مشينة في معناها “يتزوج عليك!” أو “تنزل على ضرة!” وكأنه ضرر وشر. وفي ظل هذا الانحراف عن غاية الزواج، تعتبر كثير من النساء أن نية الرجل بالتزوج مرة أخرى أشبه بالكفر البواح الذي يهدر بسببه الدم، بل حتى قد يصل الأمر بالبعض، أن يرتضين علاقات أزواجهن السرية طالما أن لا امرأة جديدة ستشاركها في اسم زوجها وماله ولن تتعرض لكلام المجتمع القادح، فليس ثمة مجال للزواج الثاني، فيجد بعض الرجال أنفسهم بين نارين، نار الخوف على النفس من الخيانة الزوجية والمعصية، ونار الغريزة التي لا تكاد تنطفئ حتى تتأجج بكثرة الفتن من حولها.

إنني لا أشجع على استغلال الطلاق ولا أدعو إلى تعدد الزوجات لغير ضرورة، لكني أردت توضيح أن ضوابط الدين الإسلامي وتشريعاته لم تنزل لتضغط على العباد، بل جاءت لتحقق مآربهم بما يتوافق مع مصالح المجتمع ككل، وأن أهواء الأفراد المخالفة للدين تشكل خطرًا على المجتمع. وهذه الأهواء لم نستحدثها، بل فرضت علينا تِباعًا دون أن نشعر، بدءاً من كوميديا الحموات وانتهاءً بكوميديا الخيانات.

إن التغيير للأفضل لن يبدأ بالمجتمع، بل بالأفراد الذين بكثرتهم يميل المجتمع للاستقامة، ولذا يجب أن يأخذ هؤلاء الأفراد خطوة في الاتجاه الصحيح، في وجه الرفض الصريح لما أحكم هذا الدين في أمره.

إن التعدد الآن عرف شبه مندثر بسبب الضغط الذي أوجب ذلك، وهنا ينبغي إعادة النظر في النتائج التي صدرت عن هذا الضغط، وقبل هذا وذاك، ينبغي تربية الأفراد الناشئة على ثقافة جديدة للزواج مستمدة من أحكام الدين، والتعريف بأهدافه ومسؤولياته بعيدًا عمّا يصوره الإعلام.

إن طبقنا هذه الثقافة من الأساس وأحيينا هذا العرف في المجتمع، أصبح من السهل الالتزام بضوابط الدين، وعادت المروءة للمجتمع الإسلامي وأصبح كالحصن المنيع أمام فتن الحياة ومؤامرات الغرب، تتربى داخله أفراد مصلحة لشؤون حياتها الاجتماعية كافة دون تدخل سافر، تعتز بإسلامها ويعتز الإسلام بها.

التعددية الزوجية في الغرب

ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة بالحديث والتعليق على ما يسمى بــ”قضية الاغتصاب الزوجي” حيث يقضي الرجل حاجته الجنسية مع زوجته وهي غير راغبة لهذا الفعل، أو مكرَهة عليه.

بالعودة إلى الفقه الإسلامي فقد أوضح العلماء أن المرأة لها أن تمتنع عن زوجها إذا امتلكت العذر الشرعي، سواءً كان العادة الشهرية أو التعب أو المرض أو الحزن القاهر، وإذا ما تحقّق ذلك، فإنها لا تكون آثمة، أما إن لم يكن شيء من هذه الأعذار فإنها آثمة.

أما مصطلح الاغتصاب الزوجي، فقد وضعته النسويات ليبقى الأمر مناطاً برغبة الأنثى وإرضائها وسعادتها ومزاجها، فإن حصل وأن مارس الزوج علاقته معها وهي كارهة أو لم تكن في تمام الرغبة، فإن هذا “اغتصاب” بحسب ادّعاء النسوية!

نشر أحد المشايخ ردّاً حاسماً سرعان ما حذفه بأن الامتناع هو من النشوز وتُضرب عليه المرأة ضرباً غير مبرح، لتعود لجادة الصواب!

وعلى كل حال، فإن هذا التعامل -وإن حُذف هذا الكلام وتراجع عنه- مع الأسف واقع تعيشه الكثير من النساء في مجتمعات مختلفة من بلادنا الإسلامية، وهنا نتساءل: أي رغبة تلك التي ستعود للمرأة بالضرب -إلا في الحالات المرضية التي تتلذذ به- وأي بيتٍ سليمٍ هذا الذي تُعاش اللحظات السابقة للعلاقة الحميمية بالضرب، ومن سيقرر كونه مبرحاً أم لا؟

اقترح باحثون وكتّابٌ آخرون أن يعمد الرجال إلى “التعدد”، إلا أن الأمر لم يسلم من النقاش العقيم للنسويات اللاتي يَعُدن في كل حوار إلى مسلّمةِ تأليه المرأة، وجعل الكون يدور حول مزاجها ورضاها.

وهنا تركت عالمنا التواصل الاجتماعي الافتراضي العربي الذي لا يكاد ينتهي الجدل فيه، -عسى أن يكون هذا الصخب فيه نفعٌ للناس ولو بعد حين- وذهبت أختلس النظر وأتصفّح آراء الغرب في التعدد.

الزواج الأُحاديّ

في مقال لمايكل كاسلمان Michael Castleman على موقع Psychology Today   عنون له بـ: Why is infidelity so common لماذا تنتشر الخيانة بكثرة؟ أشار إلى أن ممارسة الزنا بعد الزواج –وهو ما يسمّى بـ الخيانة الزوجية- ظاهرة متفشّية بشكل كبير في الولايات المتحدة، بالرغم من أن معظم الأمريكيين يطالبون بالاكتفاء بشريك واحد ويدّعون المحافظة على الوفاء والإخلاص في علاقة الزواج الأحادية Monogamy، ويعتبر مخالفة هذا الشرط أشبه بالكارثة الأخلاقية والاجتماعية، وترسخ هذه الصورة النمطية لفداحة التعدّد، كلٌّ من وسائل الإعلام والأفلام والقصص والروايات…إلخ، كما أنه يؤدي غالباً إلى الانفصال والطلاق أو الاستمرار -على الأقل- في علاقةٍ أصيبت بشرخ كبير.

يتساءل الكاتب إن كان الإنسان بطبيعته وفطرته يميل إلى الزواج الأحادي “المنوغومي” طيلة حياته؟ هنا يجيب الكاتب في المقال بأنه: في الوقت الذي يصر فيه العديد على أنّ زواج “المونوغومي” هو الطبيعي، يُلاحظ أن ٩% من عموم الثدييات تميل إلى هذا النمط من الحياة الزوجية، كما يؤكد أن انتشار ما يسمى بـ”الخيانة الزوجية” بين البشر يطمس كل الادعاءات بأن التفرد الجنسي أمرٌ فطري.

في هذا الإطار يستدلّ ببضع براهين من نصوص الإنجيل والتاريخ، حيث يذكر الإنجيل وجود تعدّد لزوجات الأنبياء مثل يعقوب الذي كان له زوجتان: ليا وراشيل، وجاريتان: بيلها وزيلفا، كما أن الوصايا العشرة تدرج الزنا في ثناياها، وتؤكد على أنها من الخطايا الكبرى، بل تنص عليها ضمن أنحاء متعددة فيجب البعد عن جريمة الزنا عمومًا، وألا يشتهي الإنسان زوجة جاره، وألّا يفعل ذلك أو يفكر فيه حتى، وعلى الفور ينتقل الكاتب للخطوة المنطقية التالية، -ولنتساءل معًا- لو كان القدماء مكتفين بزوجة واحدة، أكان من الممكن والطبيعي مراعاة هذه الوصايا؟.

يشير الكاتب إلى أن المسيحيين المورمون كانوا من معدّدي الزوجات بشكل علني حتى عام ١٨٩٠، وما زال بعضهم كذلك، أما اليوم وفي نفس البقعة الجغرافية التي تقدّس المونوغومية أو الزواج الأحادي، فإنه ليس من الغريب أن توجد الكثير من المدن والأرياف التي تتفاخر بعدد نوادي الجنس المحرّم بأشكاله المختلفة –الطبيعية والشاذة والجماعيّة- المتاحة للمتزوجين وغيرهم.

يستفيض الكاتب في شرح آثار تطبيق هذه المثالية على المجتمع، وأنه قد حاور الآلاف من الناس على مدار ٤٦ عامًا حول آرائهم عن الحياة الجنسية، وأصدر العديد من الكتب، وكتب أكثر من ٢٠٠٠ مقال لعشرات المجلات والصحف والمواقع الالكترونية بما فيهم Psychology Today و مجلة New York Times وغيرها، ليخلُص إلى أنه من حقّ الجميع المطالبة بأحاديّة الزواج، ورفع شعار الشريك الواحد الوفي المخلص، مع التأكيد على أن تطبيق الأمر في واقع الحال ليس بنفس التصور الوردي والرومنسي الحالم للناس.

لكن، أليس هناك العديد من الأزواج غير المعدّدين وهم سعداء بحياتهم مع شريكهم؟

يجيبنا الكاتب بأنه عرف العديد من الأزواج السعداء الذين اكتفوا بشريك واحد رسميٍّ على مر العقود، إلا أنهم كانوا يمارسون رذيلة الزنا أو ما يسمى بـ “الخيانة الزوجية”، والعجيب أن كثيرًا من هذه الحالات كانت بقبول وموافقة من الطرف الآخر، الزوج أو الزوجة، وذلك بشكل دوري خلال المناسبات المتكررة، مثل أعياد الميلاد السنوية، أو في فترة سفر العمل، أو حتى في عطلات نهاية الأسبوع، ويستكمل عرض إحصاءات عن نسبة الخيانات بين الأزواج، إلى جانب سردِ حجج تصب كلها في حقيقة استحالة الاكتفاء بشريك واحد في معظم الحالات.

يذكر في مثال صادمٍ أن إحدى الزوجات تعلن مرارًا أنها تحب زوجها منذ أزيَدَ من ٣٠ سنة، إلا أنها مقتنعةٌ بأنه من “الصحي” لكليهما أن ينفّسا عن رغباتهما الجنسية “باللعب” في الخارج بين الفينة والأخرى، بدعوى أن ذلك يحافظ على حياتهم الزوجية ويُديم فيها روح المتعة والمرح.

من الملفت –بحسب الكاتب- أن الإنسان المليء بالعيوب والنقائص التي لا يؤاخذه عليها المجتمع، إلا أنه عندما يتحول الحديث عن الزواج، فإنه يُفرَض عليه –وهو الخطّاء المليء بالعيوب- أن يحيا على مبدأ “المونوغومية” التي تشبه حالة قصوى من الكمال الذي يعجز عنها الإنسان، ولو افترضنا أنه يصبر عليها فإنها لا تدوم.

قولٌ على قول

من نافل القول التأكيد على أن مقال مايكل مليءٌ بالأفكار التي لا نقبلها، ففيه تلميح واضح لحق النساء أيضًا بالتعدد، وهذا مما يناقض شرعنا وشرع من سبقنا من الأنبياء، ويخالف نموذج الحياة البشرية الفطرية المستقرة، إلا أنه –بقراءة ثانية- حجةٌ على نمط الحياة الغربي المنفصم التابع بامتياز لأهواء البشر وفردانيتهم الذاتية والرافع لشعارات وهمية براقة يبيعونها للقاصي والداني ولكل من هو راغبٌ بالعيش على نمط الحياة الغربية أو “التأمرك”، وها هم أنفسهم يعلنون أنها لا تُطبّق عندهم.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الخيانة في الغرب تثار بشكل خاص في سياق الحديث عن ممارسة الجنس، أما مشاهدة الأفلام الإباحية والجلسات والسهرات واتخاذ الصديقات والمحادثات الخاصة، فإن هذا كله ضمن دائرة الحرية الشخصية التي تتغاضى عنها الزوجة، وتعتبره من طيش الرجال.

إن مفهوم الزنا في ديننا واسع، وقد حرم الإسلام مقدماته حرصًا على روح الإنسان من الكدر، وتأكيدًا على شموليّة مقاصده الروحية والحياتية، فأمر بغض البصر وسمّى نقيضه بـ “زنا البصر” وكذا “زنا السمع” وحتى “زنا الأنف” كما في حديث الخارجة (بعطرها على الملأ) [أخرجه الإمام أحمد في المسنَد] وأشار الوحي في عدة مواضع إلى الأمر باجتناب كل ما قد يؤدي أو يوفّر أجواء الخلوة التي لا يسلم من السقوط بعدها حتى أشدّ الرجال ورعًا، في المقابل نجد منظومة الزواج مفصّلةً منضبطة تحفظ لكلّ حقه والأهم من ذلك أنها تراعي حاجات الإنسان وغرائزه بشكل آدمي يرفعه عن البهيمية التي بات الغرب يروّج لها جهاراً.

إنّ نظام الأسرة في الإسلام، بقواعده الشرعية والأخلاقية، هو العمدة في بناء المجتمع الفاضل والمواطن الصالح، بل إن الأسرة المسلمة الناشئة على مقاصد الدين وأحكام الشريعة هي الآن خط الدفاع الأول في وجه الاستهداف، ويتزيى بالشعارات البراقة، فما أحرانا أن نزيد روابط الأسر توثيقاً، وأن نشد بنيانها، ونعلي أركانها على المنهاج القويم الذي يبلغنا سعادة الحياة الدنيا وصلاح العقبى، والله المستعان.

المصادر:

https://www.psychologytoday.com/us/blog/all-about-sex/202102/why-is-infidelity-so-common?fbclid=IwAR1V6jj6nUiwcxVvAoR2UFkqGvu1cei5d8SJj8VN8ZGF9VhjXqo5gRFvPlc

النسوية ومعاداة الأسرة.. من المسببات إلى الواقع

“إن أجندات النسوية لا تسعى نحو المساواة بين الرجل والمرأة فحسب، وإنما هي حركة سياسية اشتراكية مضادة للعائلة وتشجع على تدميرها!”[1] بهذه الكلمات انتقد الواعظ بات روبرتسون الفكر النسوي، وكذلك قام كثيرون غيره ممن وجدوا لمآلات هذا الفكر خطرًا كبيرًا على أصغر وأهم وحدة في المجتمع، فما حقيقة هذه الاتهامات؟ وهل النسوية -فكرً وفلسفةً ونتائج- معادية فعلًا لبُنية الأسرة؟

نماذج من الموجة النسوية الثانية
كانت مطالب الموجة النسوية الأولى (1848) متركزة على تحصيل حقوق أساسية كانت المرأة في أوروبا وأمريكا محرومة منها كحق الانتخاب والتملك والاستدانة، أما الموجة النسوية الثانية –أي ما بعد 1960- فقد كان تركيزها على التحرر والمساواة المطلقين المتضمّنين المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة من حيث الواجبات والمستحقات، وتحرر المرأة والرجل من أي قيود متعلقة بالجسد أو الممارسة الجنسية[2].

سيمون دو بوفوار

كانت سيمون دو بوفوار إحدى أكثر الشخصيات النسوية تأثيرًا؛ تحديدًا كونها قررت كثيرًا من شعارات الموجة النسوية الثانية وأهدافها في كتابها الفلسفي “الجنس الآخر” عام 1949 الذي يعتبره المؤرخون ملهم الموجة الثانية ومشعل فتيلها[3]، فلم تكتف دو بوفوار بمطالباتها مساواة المرأة بالرجل، وإنما قررت ضرورة معاداته ومن ثم الاستغناء عنه كونه أساس النظام الأبوي الذي يمنعها حريتها ويجعلها ملكًا للذكر عبر الدين والقانون، ولكي تتخلص من كل سلطة تمتلك جسدها لم تجد بدًا من التخلي عن الأمومة التي تجبرها على الخضوع لغير رغباتها[4].

يمكن النظر إلى جزءٍ مما كتبته دو بوفوار باعتباره مثالًا على فكرها النسوي، فـ”إن أي دور تقليدي للمرأة ينبغي أن يرفض، فالأمومة لا تحقق ذات المرأة ولا تفتح أي آفاق جديدة للمستقبل، إنما هي مجموعة من المهمات الروتينية التي كانت النساء تفعلها منذ القدم، فلا الإنجاب يقدم للعالم شيئًا ولا الحياة تتوقف على ترتيب السرير ولا ذاك يعبر عن النفس أو يحققها”[5].

الغريب –حقًّا- أن هذا الفكر انتشر في الغرب كالنار في الهشيم وحمله النسويون ونادوا به طوال عقود من الزمن مع أنه يهمل أهمية التربية والإنجاب العظيمة، ويتغاضى عن كون المرأة تنشئ وتبني الجيل الذي سيقوم بكل المهمات في المجتمع في المستقبل من خلالهما ، فأي تحقيق للذات أكبر من هذا؟

والحقيقة أن أي عمل لا يمكن أن يخلو من روتين وتكرار بالنسبة للرجال والنساء على السواء، فمعظم الوظائف لا تحقق الذات بالصورة التي يصفها النسويات -من حيث إحداث التغيير والتعبير عن النفس-، إنما هي عبارة عن روتين لا يسمح للموظف أن يبدي رأيه ولا يغير في بنيته المحددة له مسبقًا، بينما الحلم الذي تقدمه النسويات للمرأة هو أن أي عمل ستحصّله بمجرد خروجها من البيت سيكون مثل الذي تفعله الناشطات اللواتي يقضين يومهن بالكتابة وحضور الحفلات والاجتماعات والمناظرات والظهور في اللقاءات الرسمية وتقديم الندوات والمحاضرات!

بيتي فريدان

وقد وافقت الكاتبة والناشطة النسوية الأمريكية بيتي فريدان على أفكار سيمون من قبلها، وقدّمتها للأمريكيين في كتابها المبسط “الغموض الأنثوي” حيث انطلقت فريدان من فكرة محورية في كتابها وهي كون ربّات البيوت -جميعهنّ- تعيسات مكتئبات، يعانين الملل والإحباط، ولا يقضين يومهُنَّ إلا مشغولات بتوافه الأمور التي تسليهنَّ عن مأساتهن، بينما هنّ جاهلات ومحتاجات إلى منقذٍ يخرجهن من هذه المعاناة إلى النجاة التي تنتظرهنّ في سوق العمل.[6]

تحدّثت فريدان في الكتاب عن تجربتها في الزواج والإنجاب فبيّنت أنّها عاشت مراحل الأنثوية النمطية، لكنها لم تجد ذاتها في أي منها، فقرّرت تركها وتحقيق طموحاتها في تحرير أمثالها عبر النشاط السياسي والاجتماعي.[7]

إن من أهمّ معضلات النسوية -كما نرى- حصرها قضية تحقيق الذات في العمل المدرّ للربح المادي المباشر، حيث اعتبرت أي امرأة لا تمتثل ذلك إنسانةً ناقصة البشرية وسلبيةً فارغة، لا هوية لها ولا طموح ولا أحلام،[8] وأغفلت في هذا كله مشاعر النجاح الكبيرة التي تشعر بها المرأة إن تمكنت من تعليم طفلها القراءة أو رأته يجيد الحساب لأول مرة، وتجاهلت كذلك أن كثيرًا من النساء لا يحتجن العمل خارج البيت ولا يخترنه، وأنّهنّ راضيات وسعيدات بحياتهن البسيطة داخله، يعرفن حق نفوسهن، ويملأن يومهن بما ينفعهن وأسرهن، وههنا لا بد من ذكر ما قالته فريدان -حرفيًا-: “لا أعرف أي امرأة تمكنت من استخدام عقلها، أداء دورها في الحياة، وفي نفس الوقت أنجبت وأحبت أطفالها!”[9]

لا شكّ أنّنا نرى هنا خلطًا واضحًا لهذا الفكر، وتعميمًا كبيرًا يمارَس على النساء جميعهنّ، فقد جعلهن هذا الكلام أشخاصًا فارغين روحيًا يتشابهون في نمط الحياة والنشاطات اليومية، كما خلط بين تحصيل المال وبين الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى في الحياة كسؤال الغاية والهدف من الوجود.

تقول فريدان: “حتى حين تكون الأم آمنة دافئة في بيتها محاطة بأولادها تلبس الحرير والمخمل والجواهر، فإنها حتمًا ستطلب ما هو أبعد من ذلك.”[10] وفريدان ههنا تشير إلى شعور الغائية الذي لم تتمكّن من تفسيره، والذي لا يختلف فيه رجل أو امرأة ولا يجيب عنه العمل المربح مادّيًّا كما لا تملؤه الأمومة إن لم يكن للإنسان غاية حقيقية يعيش لأجلها –رضوان الله والجنة في الإسلام-، أما جعل تحصيل المال نفسه غاية وتحقيقًا للذات فهذا لا يملأ ذاك الفراغ الذي تصفه النسويات، إنما قد يشغل المرء عنه مؤقتًا لا أكثر.

ولنتأمّل التوازن الذي قدمته المنظومة الإسلامية لحياة الفرد والمجتمع حين لم تطالب أحدًا بالعيش لغيره، فلا الزوج يعمل في سبيل أبنائه، وليس مطلوبًا من الزوجة أن تحترق لأجل أسرتها، بل لفت فكر الناس إلى أن غاية العمل كله رضا الله تبارك وتعالى، وأن لكل فرد واجباته الخاصة المرتبطة بظروفه وابتلاءاته يؤديها مستحضرًا مراقبة الله سبحانه له وحده بصرف النظر عن ناتجها الدنيوي وتقييم المجتمع لها. والمرأة قد تعمل خارج البيت وقد لا تفعل لأسباب خاصة بها، بينما هي في كل ذلك تعرف ما لها وما عليها شرعًا، وتميز بين واجباتها واختياراتها.

هدم الأسرة النووية
لقد رأت رائدات الموجة النسوية الثانية متمثلة بحركة تحرير المرأة في الولايات المتحدة ضرورة تخليص المرأة من سجن الزواج الذي وصفته فريدان بأنه قفص سنجاب مجمّل تدور فيه المرأة دون توقف[11] كما انتشرت مقولة غلوريا ستاينم “المرأة بحاجة للرجل كما السمكة بحاجة لدراجة” ساخرةً فيها من منظومة الزواج والعلاقة التكاملية فيه[12].

وكذلك هاجمت النسوية الليبرالية الحياة الزوجية بطريقة منمقة أو ساخرة، أما النسوية الراديكالية في أصوات مثل كيت ميليت، جيرماين غرير، وشولاميث فايرستون فقد وجهت سهامها نحو بنية الأسرة بشكل مباشر. تقول جيرماين غرير في كتابها “The Female Eunuch”:

“إن الحياة الزوجية قائمة على تعنيف النساء والإساءة إليهن وإهانتهن، ولذلك يجب التخلص من مؤسسة الزواج وإيجاد البديل عنها في حياة لا تجبر المرأة على السكن مع الرجل وفق علاقة محكومة بالقوانين والعقوبات الاجتماعية”[13].

لا شك في أن كثيرًا من مكونات نظرة النسوية للحياة الزوجية منبثقة من أفكار فلسفية راسخة في تاريخها منذ أيام سيمون دو بوفوار التي قدست الحرية الفردية المطلقة المبنية على الاعتبار الوجودي للحياة حيث لا يجد الإنسان الراحة إلا بكونه حرًا بشكل مطلق.[14]

تقول دو بوفوار: إن المرء لا يكون محققًا لماهيته إلا حين يمتلك الاختيار المطلق الذي لا يحده أي وازع خارجي، وهذا شأن الرجل، أما المرأة فإنها تعيش حياتها في خدمة غيرها ضمن أعمال لا تسمو بها ولا تمنحها استقلاليتها ولا تثبت أصالة وجودها، ولذلك فإن على المرأة أن تعيش لذاتها مهتمة بإثبات نفسها متخلية عن قيد الزواج الذي يمنعها من ذلك.[15]

يبدو واضحًا من خلال قراءة أدبيّات النسويّة ونتاجها أن هناك هوسًا متعبًا لدى هؤلاء بالمساواة والمنافسة بين الجنسين في كل السياقات مما أدى بهم إلى إخفاء مفهوم الأنثى والتعويض عنه بمشابهة الذكر، إضافة إلى تجريم الذكورة وما يتعلق بها من صفات ضرورية في الأب والزوج بشكل عام.

يقول سلطان العميري: لقد أصبحت المجتمعات الإنسانية جراء هذا التصور مكونة من معسكرين متحاربين على الدوام، معسكر الرجال ومعسكر النساء، كل منهما يظن في الآخر ظن السوء، ويرى أن حياته معارضة لحياة المعسكر الآخر وحقوقه تتناقض مع حقوقه، وهذا التصور تشاؤمي ناقص، وهو ناتج عن توهّمات باطلة مخالفة لطبيعة الوجود، ونحن لا ننكر أن الصراع موجود في الحياة، ولكننا ننكر تعميمه على كل مظاهرها، والحكم به على العلاقة بين الرجل والمرأة بالخصوص، فمظاهر الوجود متنوعة كثيرًا، منها ما يعيش مع غيره بعلاقة التكامل والتعاضد، ومنها ما يعيش مع غيره بعلاقة التدافع والتصارع.[16]

وتظهر نتائج هذه النظرة جلية واضحة في التفكك الأسري الذي يشهده الغرب اليوم حيث تنتهي 55% من حالات الزواج في فرنسا بالطلاق،[17] ويعيش ربع الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية في أسر أحادية الوالد.[18]  هذه الأسر التي تتفاقم باستمرار تقود الأمهات 86% منها، ويعيش قرابة 3 من كل 10 منها تحت خط الفقر.[19] وتظهر إحصائيات كثيرة أن مستوى سعادة أفراد الأسر أحادية الوالد أقل بكثير منه في الأسر التقليدية، كما أن الأبناء يعانون بسبب غياب الأب وتظهر نتائج ذلك في تحصيلهم العلمي وصحتهم النفسية[20].

إن مهاجمة النسوية لمؤسسة الزواج وتجريمها لكل ما يمكن اعتباره دورًا تقليديًا للرجل أضر بالمرأة أولًا وبالمجتمع كله ثانيًا، فالرجال في الغرب اقتنعوا بضرورة تخلّيهم عن كل دور نمطي عرفوه بعدما صار عارًا وذنبًا لهم، وقبلوا بالتخلي عن مسؤوليتهم التي وصفتها النسوية بالتسلط والأبوية، وبالتالي انقلب الأمر بؤسًا على النساء اللواتي بتن -في كثير من الحالات- مجبرات على لعب دور الأب والأم في ظل مجتمع ظالم لا يعطيهن أيًا من حقوقهن الأصلية تحت مسميات التحرر والمساواة.


الهوامش والإحالات

[1] Elizabeth Schuett, Pat Robertson has odd take on feminism. Seattle Pi. 2004.

Pat Robertson has odd take on feminism (seattlepi.com)

[2] John Olson, Feminism. History. 2019.

Feminism’s Long History – HISTORY

[3] History and theory of feminism. GWA Net Central Asia.

History and theory of feminism (cawater-info.net)

Linda Napikoski, Simone de Beauvoir and Second-Wave Feminism. ThoughtCo. 2019.

How Simone de Beauvoir Inspired Second Wave Feminism (thoughtco.com)

Alice Schwarzer. “After the Second Sex: Conversations with Simone de Beauvoir.” New York: Pantheon Books, 1984.

[4] د. البشير عصام المراكشي، النسوية.

(19) برنامج النسوية – YouTube

[5] Simon de Beauvoir. “The Second Sex.” Trans. Borde, Constsance and Sheila Malovany-Chevallier. New York: Random House, 2010.

[6] Betty Friedan. The feminine mystique. WW Norton & Company. 2010.

[7] (المصدر السابق)

[8]Betty Friedan. The feminine mystique. Page 99-107. WW Norton & Company. 2010.

[9] Betty Friedan. The feminine mystique. Page 99. WW Norton & Company. 2010.

[10] Betty Friedan. The feminine mystique. Page 105. WW Norton & Company. 2010.

[11] (المصدر السابق)

[12] Hollie Petit, A Woman Needs a Man Like a Fish Needs a Bicycle. MuddyUm. 2020.

A Woman Needs a Man Like a Fish Needs a Bicycle | by Hollie Petit, Ph.D. | MuddyUm | Medium

[13] Greer, Germaine, and Andrew Inglis. The female eunuch. London: Paladin, 1971.

Karl Thompson, Feminist Perspectives on the Family. Revise Sociology. 2014.

https://revisesociology.com/2014/02/10/feminist-perspectives-family/

[14] [14] Simon de Beauvoir. “The Second Sex.” Trans. Borde, Constsance and Sheila Malovany-Chevallier. New York: Random House, 2010.

وانظر مقال: ما بعد الحداثة، قسم: الوجودية على موسوعة السبيل، بقلم عرابي عبد الحي عرابي. 2018.

ما بعد الحداثة • السبيل (al-sabeel.net)

[15] Simon de Beauvoir. “The Second Sex.” Trans. Borde, Constsance and Sheila Malovany-Chevallier. New York: Random House, 2010.

[16] سلطان بن عبد الرحمن العميري. ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث. مركز تكوين. 2018.

[17] Abayomi Jegede, Top 10 countries with highest divorce rates in the world. Trendrr. 2020.

Top 10 Countries With Highest Divorce Rate in The World 2020 | Trendrr

[18] Stephanie Kramer, U.S. has world’s highest rate of children living in single-parent households. Factank. Pew Research Center. 2019.

U.S. has world’s highest rate of children living in single-parent households | Pew Research Center

[19] Single Parent Statistics Based on Census Data. Very Well. 2020.

The Single Parent Statistics Based on Census Data (verywellfamily.com)

[20] Mona Charen, Feminism has destabilized the American family. NY Post. 2019.

https://nypost.com/2018/07/07/feminism-has-destabilized-the-american-family/