مقالات

تهافت مروجي الإلحاد على مواقع التواصل

محمد عدنان شيط


في كل زمان ومكان لا يكتفي أهل الباطل بما هم عليه من انحراف عن جادة الصواب، بل يعملون ليلا نهارا لنشر باطلهم وتزينيه في عيون الناس علّهم يلتحقون بركب الباطل وأهله، قال تعالى {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً}، ولا يختلف أهل الإلحاد العرب عن باقي إخوانهم من أهل الباطل في كل مكان، فهم أيضاً لا يكتفون بإلحادهم بل يتجهون لنشره بين الناس والعمل على محاربة الأديان بأي طريقة يستطيعونها.

الملاحظ في حالة الملاحدة العرب أنهم ينقسمون إلى قسمين رئيسيين في عرض أفكارهم: القسم الأول هم السذج وبسطاء التفكير ممن ألحدوا ولا يدرون شيئا عن الإلحاد أو عن الأديان الأخرى، فهم ركبوا موجة الإلحاد المنتشرة ويريدون دعوة غيرهم للإلحاد، ويبدو هذا من أحاديثهم وتصرفاتهم الغريبة في الفيديوهات، وهؤلاء لا يستحقون التوقف عندهم كثيراً. أما القسم الثاني فهم أذكى نوعاً ما ويعيدون اجترار شبهات المستشرقين ضد الإسلام أو حجج مشاهير الملاحدة مثل دوكينز وهاريس، ويعرضونها إما في حوارات مطولة يديرونها بين بعضهم أو من خلال فيديوهات مركزة ومكثفة جدا مع صور أو موسيقى تصويرية أو مقاطع من مسلسلات وأفلام، بالإضافة للسخرية والفكاهة المصطنعة على طريقة مشاهير اليوتيوبرز.

كل هذا أشبه ما يكون بالصدمات المتتالية لمحاولة إحداث أكبر خرق ممكن في عقل المتلقي، وخاصة إذا لم يكن يمتلك خلفية عقديّة قوية ليخرج من هذه الفيديوهات متسائلاً: هل هذا ديني حقاً؟ ما كل هذه الشبهات والتناقضات؟ فهم على طريقة من يلقي القنابل الضوئية والصوتية ثم يهرب وينتظر إحداث الضرر بعد حين!

وسأعرض فيما يلي بعض صفات وأقوال مروجي الإلحاد العرب لمعرفة طريقة تفكير هؤلاء ليسهل علينا الحد من خطرهم، فاليوم أصبح من السهل أن ينشر أهل الباطل ما يريدونه وأن يجدوا آذاناً صاغية تستمع إليهم ممن لا يملك العلم الكافي وأدوات النقد والتفكير الصحيح، فكل شيء أصبح متاحاً بنقرة زر واحدة:

1- ادعاؤهم أن الدين ينتقل بالوراثة فلولا أنهم ولدوا في عائلات تعتنق الإسلام لما كانوا مسلمين، والقرآن يرد على هذا الأمر بعدة مواضع ويذم التقليد الأعمى، وأكتفي هنا بآية من سورة البقرة تؤكد هذا المعنى، قال تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}.

2- أغلب هؤلاء الملاحدة تحدثوا عما يمكن تسميته “طفولتهم الخارقة”، فهم منذ سنواتهم الأولى يطرحون الأسئلة الفلسفية العميقة عن الوجود والإله والجنة والنار والأنبياء ولا يجدون إجابات مقنعة عليها!

3- أغلبهم يحمل فكراً استئصالياً خطيراً لمخالفيهم، فهم يعيبون على أوروبا استقبالها للاجئين المسلمين ويصفونهم بالقنابل الموقوتة التي ستدمر أوربا وحرياتها في المستقبل، ولهذا فهم يدعون أوروبا لاستقبال اللاجئين من الملاحدة والمرتدين والشواذ فقط؛ يعني هم ملكيون أكثر من الملك. وهذا يوضح بعض جوانب الفكر الإلحادي بشكل عام، فهو فكر إقصائي واستئصالي، إذ لا يحمل مرجعاً ولا قيماً ومرجعيته الداروينية والبقاء للأقوى.

4- حديثهم عن أن الدين أمر ممل ومكرر، وأن خطب الجمعة والمواعظ والدروس الدينية تعيد نفس الكلام وتكرر نفس الآيات والأحاديث. والطريف أني سمعت من أحدهم يقول إنه لا يوجد في الدين تحديث update على عكس العلم الذي يقدم لنا دائماً اكتشافات وأشياء جديدة! وهؤلاء الملاحدة مثال واضح على عقلية القردة أو monkey brains التي أصابت إنسان ما بعد الحداثة والتي تبحث عن القفز السريع من أمر إلى آخر والتجديد المستمر حتى على حساب أية قيم أو مبادئ.

5-معظم هؤلاء الملاحدة يركزون هجومهم على الإسلام والمسلمين دون غيره من الأديان، وهذا يعود لسببين: الأول أن غالبيتهم نشأ في عوائل إسلامية، والثاني أن الإسلام هو الدين الحيوي الوحيد القادر على التفاعل مع حياة الناس في الحيز العام على عكس بقية الأديان التي أصابتها العالمانية بمقتل وأصبحت مجرد طقوس وعادات ومظاهر ثقافية مكانها دور العبادة والأعياد الموسمية.

6-وصف عموم المسلمين بالجهل العام بتاريخهم ودينهم وعدم قراءة كتب تراثهم وعقيدتهم، ومن يستمع لهذا الكلام يظن هؤلاء الملحدين وكأنهم تعمقوا في القرآن وقرأوا في كتب التفاسير فأدركوا معاني القرآن ثم عرجوا على كتب الحديث فدرسوا علومه ثم طافوا على كتب أصول الفقه والفقه المقارن والتشريع والتاريخ الإسلامي، ثم استنتجوا أن المسلمين لا يقرأون تراثهم وأنهم لو قرأوه لألحدوا! والحقيقة أن هؤلاء الملحدين معظمهم لا يدري شيئاً عن التراث الإسلامي ومعظم معلوماتهم نسخ وقص ولصق من غوغل يشكلون بها معظم بضاعتهم المزجاة التي يعرضونها على عوام الناس.

7- ربما لا يوجد مقطع فيديو لهؤلاء الملاحدة إلا وهو مليء بالسباب والشتائم والسفه، والمفارقة أن هؤلاء الملاحدة دائماً يتغنون بالعقلانية واحترام آراء المخالفين، وهذه ادعاءات فارغة تكذبها شتائمهم القبيحة وإسفافهم المتواصل في هذه المقاطع، هذا عدا تدخين التبغ والحشيش والخمور أثناء تقديم حلقاتهم، وهذا يكشف الكثير عن نفسيات وعقليات هؤلاء القوم.

8- تحدي الله تعالى بمنطق طفولي سخيف، فالعديد منهم برر إلحاده بأنه تحدى الله تعالى بأن يحرقه أو يميته إذا كفر بالله أو مزق ورقات من المصحف أو شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله تعالى لم ينتقم منهم! وبعضهم الآخر تحدث أنه دعا الله تعالى ولكن لم يستجب له. وهذه دلائل على عدم وجود الله تعالى على حسب ادعاءاتهم! وكأنهم يعتقدون أنه لو شتم طفلٌ صغير أباه في السوق فأجّل الوالد عقاب ابنه حتى عودتهما إلى المنزل فالأب غير موجود!

9- اتهام المؤمنين بالببغائية وتكرار الأقوال الجاهزة، ولكن هؤلاء الملحدين لا يحدثوننا عن ببغائيتهم وتكرارهم لحجج المستشرقين التي يلوكونها.

10- كلامهم مليء بادعاءات المظلومية والاضطهاد، فهم يلعبون على هذا الوتر الذي يوافق ويعجب العقلية الغربية التي تقف مع الأقليات في أي مكان وتعمل على دعمها بالباطل أو بالحق بأي طريقة، ولكن الواقع في بلادنا العربية يثبت أنهم يفعلون ويقولون ما يشاؤون دون أي حسيب أو رقيب، بينما الدعاة والمصلحون من المسلمين معظمهم في السجون أو مطاردون أو مضيق عليهم!

11- ترديد المغالطات المنطقية بشكل كبير وتوسيع قياسها بأكثر مما تحتمل، فكل رأي يخالفهم يعتبرونه مغالطة منطقية، ولو أخذنا بهذا الكلام على عمومه لأصبح كل العلم قائما على المغالطات المنطقية، فمثلا هناك قاعدة علمية تقول أن المعادن تتمدد بالحرارة ولو وسعنا مفاهيم المغالطات المنطقية كما يفعل ملاحدة اليوتيوب فسوف نقول عن هذه القاعدة إنها مغالطة التعميم لأننا لم نستقرئ جميع المعادن في الأرض وهذا مستحيل. وفي النقاشات المنطقية عملية الاستقراء الناقص لا تفيد اليقين.

في الختام يبقى الإلحاد المنتشر اليوم بين بعض الشباب العرب أشبه ما يكون بالموضة الفكرية، وهو غير قائم على أسس فكرية قوية بل ربما تأثيره لا يقارب تأثير الجانب الإلحادي للشيوعية في القرن الماضي والذي كان يستند إلى بعض المقومات والأسس الفكرية؛ وعلى هذا فإن الإلحاد اليوم قائم بشكل رئيسي على الضجة الإعلامية التي يحاول إحداثها، وهذا أمر مشاهد في مؤتمرات دعاة الإلحاد الجدد في الغرب وعلى خطاهم يحاول الملاحدة العرب الترويج لبضاعتهم الإلحادية بنسخة مكررة ورديئة.

لماذا انتشر الإلحاد بين المهاجرين السوريين؟

محمد عدنان شيط


مع دخول الثورة السورية عامها التاسع، أصبحت تداعياتها أكثر وضوحا على كافة الأصعدة، لا سيما التغيرات الاجتماعية الطارئة على السوريين الذين اضطرتهم الحرب إلى الهجرة.

فوفق إحدى الإحصائيات لمعهد بيو الأمريكي يبلغ عدد السوريين الذين هاجروا بسبب الحرب حوالي سبعة ملايين سوري؛ أكثر من مليون منهم اتجهوا نحو أوروبا وشمال أمريكا[1]. ومع بلوغ السوريين المهاجرين هذه الأعداد الكبيرة أصبحت هناك العديد من الظواهر التي تستحق الدراسة والتتبع كارتفاع نسب الطلاق بين الأزواج وحالة ضياع الهوية والتفكك الأسري، بالإضافة إلى الخوف على أطفالهم ومستقبلهم ووجود حالات من التنصّر والإلحاد وخلع الحجاب وغيرها من الظواهر، وسيركز هذا المقال على ظاهرة انتشار الإلحاد بين بعض السوريين المهاجرين، وخاصة من فئات الشباب.

 في البداية لا بد من الإشارة إلى أنه لا توجد إحصائيات أكيدة حول أعداد الملحدين بين المهاجرين السوريين، ولكن يبدو أن أعدد الملحدين في ازدياد سواء داخل سوريا أو خارجها.

وعند البحث عن الأسباب والدوافع لا بد من التأكيد أولاً على أن هذه المحاولة في البحث تفسيرية وليست تبريرية، وثانياً أن هناك أسبابا عامة قد تدفع إنساناً ما للإلحاد في أي مكان أو زمان، فضلا عن أسباب خاصة متعلقة بالبيئة الاجتماعية السورية وظروف نشأتها في العقود السابقة.

الصدمة الحضارية
يبدأ الإنسان المهاجر لحظة وصوله إلى الغرب بعقد المقارنات بين البلد المهَاجر إليه وبين بلده الأصلي، فالمعاينة عن قرب غير معاينة الشاشات. فشوارع الغرب نظيفة مرتبة، ومعاملهم تنتج أحدث التقنيات والآلات، وهم يختارون حكامهم بسلاسة ويعبرون عن آرائهم بكل حرية.

بالإضافة إلى هذه النظرة الاختزالية والأحادية للمشهد في الغرب ومع مقارنة هذه الأمور بأوضاع بلادنا؛ تحدث الصدمة الحضارية لدى البعض وخاصة إذا ترافق الأمر بهزيمة نفسية وجهل بالتاريخ و الحضارة أو إذا كان البعض لم يخرج من قريته أو مدينته في السابق ولا يدري إلا اليسير جداً عن باقي أنحاء العالم، وهنا يأتي الاستنتاج الخطير الذي يصل له البعض: هم متقدمون لابتعادهم عن الدين ونحن متأخرون بسبب ديننا فالحل إذا هو الإلحاد حتى نلحق بركب الحضارة والتقدم.

غياب التأسيس العقدي
هذا بحرٌ متلاطم الأمواج تتفرع منه معظم أسباب الإلحاد، لأن النفوس إذا لم تتشرب أسس العقيدة الصحيحة والإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله أصبحت معرضة لأن تعصف بها أي شبهة كبيرة كانت أو صغيرة.

يسمي الدكتور عبد الله الشهري هذا السبب بالقابلية للإلحاد، أي استعداد النفس لهذا الأمر وهذا مصطلح تمّ سكه على منوال مصطلح القابلية للاستعمار الذي تحدث عنه المفكر الإسلامي مالك بن نبي رحمه الله تعالى.[i]

فلو تشربت النفوس أسس العقيدة الصحيحة بأن هذا الكون لم ينشأ من عدم وأن له خالقاً حكيماً وأن هذا الخالق الحكيم أرسل الرسل إلى البشر ليهدوهم سواء السبيل وأن خاتم هؤلاء الرسل هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي أيده الله تعالى بالقرآن الكريم لما اهتزت النفوس مع كل شبهة جاء بها مستشرق أو ملحد من هنا أو هناك. 

الشهوات ملاعب الشيطان
الدين يحرم الخمر والزنا والشذوذ، وهذه أمور لا اختلاف عليها في الإسلام، وهنا يأتي دور الشيطان ليوسوس للإنسان وخاصة في البيئة الغربية التي تغوص في هذه الشهوات؛ الحل إذن بترك هذا الدين وحينها يصبح كل شيء مباحا، وبعد إتباع الملحد لشهواته الجسدية كيفما شاء فهو لا يحتاج لتأنيب الضمير أو الشعور بالوازع الديني، فهو استخدم حيلة نفسية كي لا يؤمن بالدين أصلاً الذي يحرم هذه الأمور.

هناك نوع آخر من الشهوة غير الشهوات الجسدية وهي شهوة حب الظهور والشهرة، وهذه الشهوة سهلة التحقق في عالم اليوم، فكل ما يلزم أدوات تصوير مناسبة واتصال بالإنترنت ومحتوى على طريقة من بال في بئر زمزم، وبعدها ينتشر المقطع انتشار النار في الهشيم ويصبح صاحبه من المشاهير!

العلموية وتأثيرها
قبل ثورات الربيع العربي انتشرت العديد من المواقع وصفحات الفيس بوك العلموية التي عملت على تروج الإلحاد والداروينية باسم العلم من خلال دس السم في العسل، فجعلت الدين والعلم ضدين لا يجتمعان، فإما أن يؤمن الإنسان بالدين فيكفر بالعلم وإما أن يؤمن بالعلم فيكفر بالدين، والحقيقة أن ادعاء هذه المواقع والقائمين عليها أنها لا تعادي الدين هو ادعاء تكذبه منشورات ومقالات هذه المواقع.

وقد تأثر الكثير من الشباب السوريين كما حال بقية الشباب العرب بما تنشره وتروج له هذه المواقع والصفحات ومثلت هذه المواقع محطة رئيسة على طريق إلحاد البعض.

الثورة السورية وأحداثها
مع اندلاع الثورة استحرّ القتل وبدأت سلسلة من المجازر والأحداث المأساوية وأصبحت صور القتلى والجرحى تملأ وكالات الأنباء، بل حتى الهاربون من جحيم الحرب لم يسلموا من الغرق أو الموت، وتأخر النصر على النظام المجرم وتناحرت فصائل الثورة فيما بينها وظهر تنظيم الدولة بوحشيته وإجرامه وتآمرت معظم دول العالم على إفشال الثورة.  ومع كل هذه المشاهد وُضع سؤال الشر على طاولة بحث الكثيرين وأصبح مدخلاً رئيساً للإلحاد.

في النهاية، قد لا يكون هناك سبب رئيسي واحد لإلحاد المرء بل قد تتضافر مجموعة عوامل وأسباب مع بعضها، ويترافق هذا مع الضخ الإعلامي من مسلسلات وأفلام أجنبية تدعو لأفكار إلحادية بالإضافة إلى الحملات الإعلامية الممنهجة لتشويه المسلم ووصفه بالإرهاب والرجعية والتخلف مما يشكل الأرضية الأولى لإلحاد المهاجرين، علما بأن هناك العديد من الملحدين في الداخل السوري الذين ينتظرون اللحظة المناسبة للإعلان عن إلحادهم.


أهم المصادر

[1] http://www.pewresearch.org/fact-tank/2018/01/29/where-displaced-syrians-have-resettled/

https://newhumanist.org.uk/articles/4898/the-rise-of-arab-atheism 

 https://www.youtube.com/watch?v=q6boKunEG84

“الشك العبثي” قاطرة جيل ما بعد الثورات إلى المجهول

عاتكة عمر


في جولة سريعة بين منصات التواصل الاجتماعي وفي داخل المجموعات التي يبثّ فيها الشباب همومهم بعيدًا عن الخطاب المسجدي التقليدي، يعرضون شكوكهم فيها بحرية، ولا سيما أن هذه المنصات تضمن لهم حرية الكلام طالما أنهم متسترون خلف حجاب الاسم المستعار؛ إذ إنّنا ما زلنا نعاني من صعوبة في تفهم عرض النظريات المغايرة، ويتسرع بعض منّا بإطلاق الأحكام على منكري ما نعتقده بأنهم طلّاب شهرة، أو جهّال، فحزمة التهم جاهزة على الدوام، متنقّلين بين طرفين “نحن، هم”، وتبقى محاولات إزالة البُعد المفترض “بيننا” و”بينهم” خجولة.

هذا الشباب المثقل بالهموم التي أفرزها تحويل بوصلة ثوراتهم، التحويل الذي أتى على كل مقدّس بدأً من الإنسان وليس انتهاءً بالعقائد والمسلّمات، ليجد الشباب أنفسهم وسط فوضى الاغتراب وضياع الانتماء وسقوط القدوات، وفريسة لعذابات لا تنتهي، يقف العقل أمامها حائرًا عن استيعابها، فضلًا عن إيجاد أجوبة للأسئلة الوجودية التي يكرّرها الشباب اليوم، تبدأ من وجود الله، ولا تنتهي عند أسئلة الغاية والمعنى.

هذه الأسئلة وإن كانت تنشط في خضم الأزمات فإنها ليست بالجديدة، فمذ وجد الإنسان على هذه الأرض وهو لا يألو جهدًا في البحث عن المعنى والغاية -وليست نشأة الفلسفة ببعيدة عن هذا المعنى من البحث- يعيش البعض ويمضي وهو مسلّم مقلّد، ويثور البعض على التقليد ويجعل من ثورته قاعدة انطلاق في رحلة البحث عن الحقيقة والغاية، كما فعل الإمام أبو حامد الغزالي الذي يُعَدُّ المقعد للفلسفة الشكوكية في كتابه “المنقذ من الضلال”، وكما فعل الفيلسوف ديكارت أبو الفلسفة الحديثة في كتابه” تأملات ميتافيزيقية”، وكما فعل مصطفى محمود في “رسالة إلى صديقي الملحد” و”رحلتي من الشك إلى الإيمان” وغيرها، فهؤلاء وجِدت لديهم دوافع الشك ومحركاته وهذا ما يلزم على الإنسان العاقل أن يحذوه، أن يقابل شكوكه بالبحث شرط أن يؤمن بداية بإمكانية بلوغ المعرفة، هذه الأوضاع قسمت الشباب العربي اليوم إلى:

من اهتزّت ثوابته، وهو مؤمن بإمكانية المعرفة والوصول إلى الحقيقة وأن لكل سؤال لا بدّ من جواب، فهو مدرك أنه أمام رحلة بحث ليست سهلة، فحالة الشك عنده حال مؤقتة تعتمد على أسس واضحة، فالغاية هي الوصول إلى يقين لا يداخله شك، وهو ما اصطلح على تسميته “الشك المنهجي”، وبين من اتخذ قراره بالإنكار مُغلقًا بذلك الباب على مناقشة الشكوك لأنه اختار وانتهى، وبين من اتخذ من الشك غاية وهو ما اصطلح على تسميته فلسفيًا بالشك المذهبي أو الشك الريبي، ومع التغيير الذي أعاد تشكيل المصطلحات بما في ذلك مصطلح “الشك” ومع ما أضفى إليه التيار العبثي أمكننا أن نسميه اليوم “الشك العبثي”.

صناعة الشك (الشك لأجل الشك)
الحديث عن جيل تعامل مع الشكوك على أنّها محركة للبحث والتنقيب وبالتالي جيل مؤمن بإمكانية الوصول إلى المعرفة هو حديث عن جيل يقف قبالة الجيل الذي شهد التيارات التي أفرزتها مرحلة ما بعد الحداثة، تتمثل بحالة فوضى المفاهيم وعبثية الكون والحياة، أو عدميتها والتي تركت مسحة على كل جوانب الحياة، في العمارة والأدب والفن والفكر، في رد فعل على الآثار التي خلّفتها الحداثة، وهو الملمح الذي أشارت إليه الأستاذة هبة رؤوف عزت في تقديمها لكتاب الحداثة السائلة، بقولها إن الحداثة غيرت مقومات العيش الإنساني وأعادت تعريف الزمان والمكان لتمنحهما معان أكثر اقترانًا بالرأسمالية في مراحلها المتتالية، بالتالي أعادت طرح “ماذا تعني الإنسانية وما هي خصائصها”[1].

فإذا كانت الحداثة تطرح أسئلة الغاية والمعنى لتصل إلى الحقيقة والمعرفة، مؤلهة العقل ومجنّبة ما هو غيبي، لتحرير الإنسان من سلطة ما وراء الطبيعة، ناقلة بذلك الإنسان من سلطة الغيب إلى سلطة الأشياء، فإن تيارات ما بعد الحداثة تتسم بأنها فلسفات عدمية وفوضوية، تقوم على تغييب المعنى، وتقويض العقل والمنطق والنظام والانسجام. فهي فلسفات لا تقدم بدائل عملية واقعية وبراغماتية، بل عبثية لا معقولة، تنشر اليأس والشكوى والفوضى في المجتمع.[2]

وهي في إنكارها الجدوى والغاية والقيمة تنكر وجود خالق كتحصيل حاصل، فطالما أنه لا وجود للقيمة أصلًا فكيف يمكن أن تكون هنالك قيمة لوجود إله، وتنكر بالتالي وجود وسائل للمعرفة، فما بعد الحداثة نسبية لا تثق بالعقل وتجعل من المستحيل على أي فرد أن يعتقد في مستقبل أفضل أو وجود حل للمشكلات المجتمعية الرئيسية ويبدو البحث بوعي في التغيير والسياسة بشكل عام فاقدًا لكل معنى.[3]

 ويمكن القول إن الشك العبثي هو أحد مفرزات الثورة على كلّ المسلمات، فلم يعد الشك حالة طارئة مؤقتة، وقاطرة للعبور إلى المعرفة والتخلص من سلطة الوساوس بل صار صنعة بحد ذاته، تبدأ القصة بعرض القوالب الصلبة لنار التجديد، فكلّ شيء قابل لإعادة النظر، كل مقدس يمكن إعادة النظر إليه لتتكون لدينا بذلك وجهات نظر، فالإيمان والكفر وجهتا نظر، والشذوذ والعلاقة الطبيعية وجهتا نظر، وتأييد القاتل وتأييد المقتول وجهتا نظر، الفتح والاحتلال وجهتا نظر، الإنسانية برمتها أعيد تعريفها لتصبح المتناقضات وجهات نظر.

البيئة التي ينشط فيها الشك العبثي
تعتبر الانتكاسات الإنسانية وطغيان ثقافة القوة وإخضاع القوي للضعيف، وغياب العدالة، والتقلبات الزمانية والمكانية والاجتماعية التي تطرأ على حياة الفرد فجأة، أضف إلى ذلك تعدد التيارات الفكرية والانفتاح على المعتقدات الدينية السماوية منها والوضعية، جميعها تدفع بالفرد لسلك بداية طريق المساءلة عن القضايا الكبرى التي تمسّ خلق الإنسان والخالق والعالم الخارجي، وفي ظل هيمنة المؤسسات المشيخية والتي تحرّم الأسئلة من أصلها فضلًا عن أن تناقشها، أمكننا أن تنبأ بأن مرحلة ما قبل الانفتاح الذي شهدته العشرية الأخيرة أخرج هذه التساؤلات من قمقمها، فهي موجودة خاملة، وما عادت الإجابات الكلاسيكية مقنعة وشافية لها.

لا تكمن مشكلة الشباب اليوم في انجراراهم وراء الفلسفة العدمية أو التشاؤمية أو غيرها، فبالرغم من أن هذه التيارات تركت آثارها على كل جوانب الحياة، إلا أن هذه الآثار لم تتأصل في جيل اليوم، يحاول البعض تقمصها لكنه لا ينجح في ذلك، إما بسبب غياب الرؤية الواضحة لما يريد، فلربما يلزمه إعادة ترتيب لحياته، وتنظيم أسئلته ليتمكن من إيجاد أجوبة لها، أو بسبب تبعيته لمنظومة دينية أو خلفية اجتماعية تشكّل لديه حالة من الانتماء، فالحديث ليس عن الجيل الذي اتخذ قراراه بإنكار الغاية إنما عمن يتخبط بين النظريتين، ويجد أن الإقرار بوجود صانع يبقى خيارًا منطقيًا يرجّحه على عبثية الكون، فالإقرار بوجود الصانع قاعدة، إذ يتركز البحث عنده لا على وجود الخالق بل على الحكمة، هو فقط يريد أن يدرك الحكمة من كل شيء، ويجعل من إدراكها شرطًا لئلا يختار العبث على المنطق، فلو سأل لم خلقنا الله وقلت له “لنعبده”، قال “ولم نعبده”، وهو يفترض أنه بالحدس والتجربة يستطيع إدراك الحكمة من كل شيء، وهنا مربط الفرس، إذ أن العقل بما أوتي من أدوات؛ له محطّات يقف عندها وهذا مثبت بالتجربة والبرهان، فنظرية مكيانيكيا الكم التي حطمت نظريات الفيزياء التقليدية تنقض اليوم ما توصل إليه العلم البارحة. يقول الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والتر ليوين في حديثه عن الفيزياء الكمية “من المستحيل استيعاب فيزياء الكم وهذا أغرب ما فيها، ولا تسألني حتى لماذا، لا تسألني كيف ستثبتها وكيف تعمل لأن هذا السؤال ممنوع، كل ما يمكننا قوله إنه على ما يبدو هذه هي الطريقة التي يمشي بها الكون”[4].

بهذا المنطق يمكن القول إن الحكمة من خلق الخلق لا تستطيع أن تصل لأبعد مما صرّح به الخالق نفسه، فهنا أنت تجهد العقل ليعمل خارج النطاق المسموح له، والانشغال بالبحث عن الحكمة وراء كل شيء لا يؤدي إلى نتائج مفيدة دائمًا، يستطيع الشباب اليوم أن يجد توازنه بين الواقع السوداوي الذي يعيشه وبين البحث عن الحكمة، باقتناعه أولًا بإمكانية الوصول إلى المعرفة، واقتناعه أن لكل سؤال لا بدّ من جواب، عدا تلك الأسئلة التي يقف العقل عندها، فما وجده كان به، وما لم يبلغه سلّم بما وصله عن الخالق.

___________________________________________

الهوامش

[1] سيولة الحداثة

[2] مدخل إلى مفهوم ما بعد الحداثة، جميل حمداوي
https://www.alukah.net/publications_competitions/0/38509/

[3] جورج لارين، الأيدولوجيا والهوية الثقافية الحداثة وحضور العالم الثالث، ص 207

[4] لقاء لصالح ناشيونال جيوغرافيك https://www.youtube.com/watch?v=KYUR9x0tzLQ

هل الملحد ملحد حقاً؟

حسام شاكر


هل يكفي رفع لافتة أو التباهي بشعار ليقطع هذا بالانبثاق عنهما أو الالتزام بمقتضاهما؟ وهل يصح التسليم بصدق الموقف إن أعلن أحدهم أنه يؤمن أو لا يؤمن؟ يتشبّث بعضهم بوصف “الإلحاد”، فيحبسون وعيهم في مقولات منسوجة بعناية خشية أن يتخطوْها إلى آفاق الإيمان. ترتهن النزعة الأيديولوجية في هذا المنحى لمقولات صارمة تفرض سطوتها على العقل والقلب، لكن بأي شيء يؤمن أحدهم في أعماقه إن أعلن أنه “لا يؤمن”؟

عقيدة رفض الاعتقاد
إن بلغ رفضُ الاعتقاد مرتبةً اعتقادية ألا تكون هذه “عقيدة رفض الاعتقاد”، أو ديناً يعلن التبرّؤ من الدين؟ فالذين يتباهون بالتنصل من “الدين”، يتقمصون ملامح اعتقادية يفرّون عبرها من المعتقد إلى المعتقد. وإذ يضيقون ذرعاً بالمقدس فإنهم ضالعون في التقديس، فلا تبقى مساحة المقدس في وعي الإنسان شاغرة بأي حال. إنهم يقدسون قناعات وشعارات، ومقولات وأنظمة، أو يعظمون وجوهاً وأسماء، ولو على طريقة الذين طمسوا الدين من حولهم ثم نحتوا الأصنام بأحجام شتى لماركس وإنجلز ولينين، فنصبوها في الميادين والمكاتب والمنازل، وجعلوا “المانيفستو” كتاباً مقدساً في هيئته وهيْبته وطبعوا منه نسخاً مجهرية لتغدو تعاويذ مثل تذكارات المزارات الدينية.         

ولو أزيحت المقدسات جميعاً من الوعي، فقد يكون الإنسان ذاته هو الذي تألّه، مثل إشارة أحدهم التلقائية إلى رأسه كناية عن تعظيم شأنه وتقديس اختياراته. قد نرى في انشغال بعضهم الدائم بوجود الله في مسعى النفي والنقض، كنايةً عن صراع مع إيمان مكبوت في الأعماق، وهو كبت تساهم فيه ثقافة عصر تأخذ بالألباب كل مأخذ وتهيمن على الوعي من حيث لم يحتسب، فيرى الإنسان نفسه في مركز الكون وإن كان لا يُرى بالعين المجردة من رؤوس الجبال. يميل إنسان الحاضر إلى تأكيد ذاته، وتضخيمها، والتعالي بها، وتصويرها ذاتياً على نحو صنمي ونرجسي، حتى يتطلّع بعضهم لأن يشغَل بنفسه موقع الألوهية وإنْ بصفة لا شعورية، فلا يرى شيئاً يعلوه سوى منظومة ضوابط وقوانين وأعراف صاغها البشر أنفسهم وقد لا يترددون في تجاوزها. أي شعور يخامر أحدهم لدى التمرد على مرتبة المخلوق والسعي إلى مناجزة خالقه؟ أليس هو الإنسان ذاته الذي يتضعضع إزاء مديره في العمل، أو يتقلص في حضرة المخالفة المرورية، أو تعلو صرخاته في عيادة الأسنان؟

لا تأتي الحالات على لون واحد، فبعضهم يتخذون الإلحاد سبيلاً لأنّ أسئلة ظلت معلقة في وعيهم بلا إجابات مقنعة. ومأزقهم أنّ اقتناع أحدهم من عدمه لا يقضي دوماً بالصحة أو البطلان، فالاقتناع لا يحصل من الناس جميعاً بالمقولة الواحدة على منسوب محدد أو بكيفية واحدة. وقد يحصل الاقتناع بما هو هش أساساً أو متناقض للغاية، وهذا ضمن ملابسات تدفع بوعي زائف. ولا يخضع الاقتناع للعقل “المحض” وحده، بل هي حالة يتفاعل إنتاجها مع الوجدان، فملابسات الواقع والشحنات المعنوية والمؤثرات المصاحبة، وبعضها غير ملحوظ أساساً، تغري بالاقتناع بخيارات لا مصلحة فيها. ولا يندر أن يقتنع البشر بالشيء ونقيضه، وفقاً لمُدرَكات ومؤثرات ومشارب وأفكار مسبقة وتحولات نفسية واجتماعية وثقافية متضافرة، فكيف إن اتسمت المرحلة الراهنة بتحولات متسارعة وهزات جسيمة وأزمات طاحنة وتضعضع البنى القيمية التقليدية؟ إنّ العقل الذي يحتج به أحدهم، هو ذاته الذي يتفنن خبراء التسويق والترويج والدعاية و”حرب الأفكار” في استمالته وإخضاعه والهيمنة عليه، لدفعه إلى قناعات واهية وشراء ما لا يحتاج وانتخاب الفاسدين. وإن “قرر” بعضهم العدول عن الإيمان لأنّ أسئلة بقيت عالقة في وعيهم، فهل سيعني هذا أنّ اختيارهم النقيض يجيب على الأسئلة جميعاً بصفة متماسكة ومتسقة؟ ألا يمكن افتراض أنّ منطق “عجز النقيض” الذي يبرر به بعضهم الإلحادَ، من شأنه تسويغ الإيمان بالأحرى. فهل الإلحاد قادر أساساً على تقديم رؤية كونية شاملة ومتماسكة ذات قدرة تفسيرية سابغة حقاً؟ وهل يفسر الإلحاد لصاحبه الوجودَ بما يحتويه، تفسيراً منسجماً ومتماسكاً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟      

يستبطن الإلحاد روحاً عدمية، تصرّ على نفي ما فوقها وما وراءها وما يعقبها، ومن تفاصيلها مثلاً أنها تنفي النبوات وتقدح بالرسالات، وتحطِّم تاريخ المؤمنين وتنزع عنه الشرعية وتُنكر مغزاه الرسالي وجدواه القيمية، ولا يغدو ذلك كله، إن تم الاعتراف به أساساً، سوى تروس في حركة تاريخ يفقد معناه ودورات في عجلة زمن يؤول من عدمية إلى عدمية، وعناصر عابرة في تدافع بشر لا ينتظرهم حساب على ما قدموا. تفرض رؤى الإلحاد على الإنسان تعبئة فراغ كبير أحدثته، كي يتملّص من عدميتها، وقد يمضي بمعتقده “الجديد” هذا إلى التألّه إن فعل، عبر تقديس ذاته وتمجيد عقله وتعظيم انفعالاته، ومن المألوف أن يمنح هذه الحظوة لمن يعدّهم دون غيرهم طلائع الفكر وفلاسفةَ البشر ورواد التاريخ.

يتجلى تأليه الذات في تعبيرات فجة جاء بمثلها أحدهم في برنامج عربي للفرجة بقوله “هنا الله”، وأشار إلى عقله بعد أن انعطف الحديث إلى الدين. وكيف يَقوى المتسامرون على مناقشة المتحدث الجسور عبر البث المباشر؟ ومن بوسعه مقاومة الاعتداد بالعقل؟ يجوز التساؤل إن كان جليس الشاشة يعني “عقله” الذي يترنح بأثر شراب متخمر، أو تمسك بخطامه شهقة من مسحوق أبيض، ثم يخامره النعاس كل ليلة بما يكبح قدراته التحكمية على الأقل؟

ملحد يكبت إيمانه
يرفع بعضهم لافتة الإلحاد بما يملي عليهم كبت إيمانهم. إنهم يؤمنون في أعماقهم، لكنهم يطمرون إيمانهم ويحجبونه بعيداً كي لا يزعزع موقفاً بات سمة من سمات تصوّرهم لهويتهم الذاتية وحضورهم في الوسط المجتمعي. قد تتهيأ فرصة ما تتحرر فيها روح مؤمنة من قفصها في لحظة وعي داهمة بالحقيقة؛ لحظة تنقشع فيها حُجُب كثيفة تراكمت على الأسماع والأبصار.          

يبدو بعض “الملحدين” أوفياء حقاً لإيمان عميق يكبتونه، إن أعادوا النظر في حقائق الوجود المرئية وباشروا تشغيل عقولهم بلا تحفظات، أو تأرجحت بهم طائرة في الأجواء، أو علا بهم الموج في عرض البحر، أو خفقت قلوبهم في انتظار خبر مصيري بين يدي طبيب يعكف على تشخيص حالة مُريبة، أو احتضنوا بين أذرعهم مواليدهم الأوائل الذين هم آية من آيات الله تعالى.

إغراء الهالة المجيدة 
ترسم خطابات رائجة، هالةً إيحائية مجيدة حول من يُعلن إنه “ملحد”، وهذا بقصد منها أو بدون قصد. فليس نادراً أن يقع ربط الإلحاد بالاشتغال الفكري والتألق العقلي والتفرد الذاتي والاعتداد بالرأي، وهي سمات محجوبة في هذه الخطابات عن المؤمن والمتدين وقد يُرمَيان بنقيضها.           

ما يسمى بفرسان الإلحاد الأربعة

بات نفر من متحدثي “البرامج الدينية” ينظرون بعين العطف إلى مَن يقولون إنهم “ملحدون”، وليس نادراً أن يصبّ المتحدثون أنفسهم سوط القسوة على “المتدينين” ويُشبعونهم غمزاً ولمزاً بدوافع تبدو للوهلة الأولى إرشادية وإصلاحية. تمنح المفارقة انطباعاً يتضافر عبر مضامين بعض تلك البرامج، بأنّ “الملحد” مثقف رصين ينطلق من نظر عقلي وتقدير قيمي وحس نقدي وموقف عصري، ولدى الحديث عنه بمنطق يبتغي الإقناع والاستمالة؛ يقع التطرق إلى أفكار العالم وأساطين الفلسفة واستعراض العضلات الفكرية، أما “المتدين” فليس نادراً أن يطارده أولئك المتحدثون بلغة إيحائية ذميمة تزدري هيئته وتستقبح مسلكه وتستخف بثقافته وتستهين بتحصيله، ضمن تصورات رائجة تقوم على قوالب نمطية ذميمة وأحكام مسبقة تعميمية، بصرف النظر عن مدى صلتها بالواقع.         

ليس بعيداً عن ذلك يأتي خطاب لوبي الإلحاد متقمصاً رداء “العلمية” و”العقلانية”، فيراهن بهذا على غواية الذين تسحرهم مقولات تمجيد الذات واختياراتها وتقديس العقل وتفضيلاته والتملص من معابد الدين إلى معابد العلم. وإن أوحى بعضهم باجتياز “رحلة فكرية معمقة” أوصلته إلى هذا الاختيار؛ فما يَسهُل اكتشافه أحياناً أنّ بعض الرؤوس محشوة بمقولات محبوكة أو شعارات أيديولوجية، تم تجهيزها مسبقاً في “لوبي الإلحاد” وأُعيد إنتاجها وتمريرها بما يتناغم مع نفسية الجماهير في هذه الحقبة. وقد تتكثف التأثيرات على وعي بعض الأفراد بصفة تعبئة أيديولوجية تحاكي في بعض صورها فنون غسيل الأدمغة.

في قراءة الحالة 
طورت اتجاهات شتى في فضاءات العالم، بما فيها النزعة الإلحادية، جماعات ضغط وتشكيلات ناشطة تستعمل أساليب متجددة من الكسب والإقناع والاستمالة، وتجد في هذا دعماً سخياً من نزعات سائدة ونفسيات رائجة وأنماط تفكير تتغذى مما يسمى “ثقافة العصر”، كما تجسدها الصناعات الإعلامية والثقافية والفنية.        

إنّ نفسية إنسان الحاضر مشحونة أساساً بمقولات الانعتاق ورفض الانصياع ونبذ الهيمنة العلوية أو التوجيه الفوقي، كما أنّ افتتان الفرد في زمن التصوير والتشبيك والبث بقدراته الذاتية على الحضور العام والتأثير والإسماع والإزعاج قد يغريه بالاستنتاج أنه في مركز الحالة وشريك في صناعتها. تضغط هذه التحولات والمتلازمات على وعي أجيال الحاضر بمؤثرات نفسية، بعضها غير ملحوظ أساساً، وبجهود دعائية محبوكة بعناية تفتن إيمانها وتسليمها. وما استجد أيضاً؛ أنّ أصوات المجتمع جميعاً تحوز اليوم فرصة الإسماع وإحداث الضجيج كما لم يحدث من قبل، مهما قلّ المنتسبون إلى كل صوت منها، وبهذا تعيد المجتمعات اكتشاف التفاصيل المتنوعة الكامنة تحت سطحها بعد أن تجاوزت التحولاتُ مركزيةَ التعبير عن المجتمع واحتكار قنواته.       

والواقع أنّ حالات الشك والإلحاد بصورتها الفردية أو الجماعية، لم تغب يوماً عن المجتمعات ولو كانت مُسلِمة، حتى تمددت الشيوعية مثلاً في ثنايا عربية في ما مضى، ومعها مذاهب وفلسفات غير متصالحة مع الإيمان، بل شارك وكلاؤها المحليون في الإمساك بزمام الحكم طوعاً أو كرهاً، ومنها عدن، عاصمة الشطر الجنوبي من بلاد الحكمة والإيمان. لكنّ اللافتة الحمراء في التطبيق العربي لم تفرض دوماً التنصل من الدين، بل اشتهر عن قيادة الحزب الشيوعي السوداني ريادة المساجد مثلاً، وقيل في بلاد الشام إنّ الانتماء الأحمر قد لا يتجاوز القشرة بينما يبقى الجوهر على فطرته، وعبّر بعضهم عن ذلك بوصف طريف شاع في النصف الأول من القرن العشرين، هو “شيوعي فجلة”!

على أنّ الإلحاد، في منحى الإفصاح الجديد عن ذاته في المجتمعات العربية والمسلمة، يتناغم مع نزعة تحدي النسق الثقافي المرجعي للمجتمعات. يستقوي المنجرفون مع الحالة بالشبكات الاجتماعية مثلاً وبتطبيقات مدنية تتيح الانتظام وتكثيف الحضور وتضخيم الأثر. ولا يبتعد ذلك في نفسيته وتمظهره عن تجارب أخرى متضافرة، كإعلان التمرد على الشعائر الإسلامية والصدام مع الحس الديني العام، من قبيل جماعة المجاهرة بالفطر في رمضان أو سلوك التعري التنديدي وغيرها، ويوظف المتحدثون والناشطون في الترويج لهذه النزعات تطبيقات صاعدة في المجتمع المدني والفضاء الشبكي حول العالم.

وفي التعبير الراهن عن نزعة الإلحاد إفصاح مهم عن حيرة أجيال عربية ومسلمة مسّها طائف من “ما بعد الحداثة”، التي تفصم العلاقة بين الدال والمدلول، وتمضي بمنحاها النسبي في إسالة المعايير وتقويض القيم والمبادئ من داخلها بما يُفضي إلى عدميتها. تأتي التفاعلات على البنيان الاجتماعي فتنزع الوصف والمعنى حتى عن المفاهيم التأسيسية المتعلقة بالأسرة والزواج والذكورة والأنوثة والأمومة والأبوة، لتصبح هذه جميعاً ألفاظاً غير محددة الفحوى فتحتمل طائفة، لا نهائية تقريباً، من النماذج والحالات في التطبيق الواقعي.          

وما ينبغي الإقرار به أنّ مناهج التعليم ومضامين الإرشاد ليست مصممة لاستيعاب متغيرات جارفة، وقد لا تنجح المدرسة بصورتها الراهنة في تمكين الأجيال من الإبحار وسط أمواج متلاطمة، فضلاً عن قدرة المضامين الإعلامية والإرشادية المتاحة على النهوض بالدور وسط انشغالها بأولوية “مكافحة التطرف والإرهاب”. كما تعجز وفرة من الخطابات الرائجة في الفضاء الديني عن استيعاب التفاعلات الجارية في مجتمعات الحاضر، ومنها ما يتلبس الظاهرة الكبرى المسماة بالعولمة من تداعيات عميقة تداهم الأمم من حيث لم تحتسب.

تبرير الإلحاد بالسلوك 
يتذرّع بعضهم بأسماء ساطعة من الماضي والحاضر اختارت الإلحاد لما عايشته في محيطها من استعمال مُسيء للدين. وما يتم تقديمه، عادة، بمثابة سبب أحادي ساذج لإلحاد شخص ما، يبقى جديراً بالبحث والفحص. فمن المألوف أن يميل الإنسان إلى تأويل بواعث اختياراته وسلوكه بعلة فريدة لا تبديل لها، مع استبعاد تضافر أسباب أخرى محتملة خلف الحالة، لكنّ تشخيص السبب أو الأسباب ليست مهمة سهلة كما لا يُقطَع بصحة التأويل الذي يأتي من صاحب الموقف ذاته أو ممن يعرفونه، بل قد يكون الإتيان بها من صاحب الموقف أو مَن شايعوه سردية تبريرية لمسلكه.   

أما تأويل الإلحاد بسلوك مشين محسوب على “أهل الإيمان”، فيفرض استدعاء المنطق ذاته في الاتجاه العكسي، أي إمكان تأويل الإيمان ذاته بسلوك ذميم محسوب على “أهل الإلحاد”، وشواهده لا تنقطع كما في مجزرة الكنيسة في تكساس (5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017). غاية القول في هذا الشأن أنّ المنزع الانتقائي للبواعث يُظهِر هشاشة منطقها، فانتقاء حالة أو حالات مخصوصة لا ينفي ما سواها أساساً ولا يجعلها سابغة أو ممثلة شرعية للواقع ككل.

ثم تصرّ بعض الخطابات على تبرير نزعة الإلحاد بحالات التشدد والتوحش المتذرعة بالدين أو تسويغها بما يقع من وجوه الحالة الدينية ومتصدريها. تبدو هذه اندفاعة متوقعة تحت سطوة الاستعمال الديني المُسيء، الذي يبقى قائماً في كل زمن ومجتمع، لكنها تعزز الاستنتاج بأنّ هذا “الإلحاد” المُعلن إنما هو موقف نفسي ووجداني في الأساس وليس فكرياً وعقلانياً بالأحرى. تتجاهل هذه الذرائع، مثلاً، أنّ معظم المسلمين المتدينين ينبذون “داعش” مثلاً، علاوة على أنهم أبرز ضحاياها، كما أنّ جماعات التشدد الديني من طوائف شتى لا تحظى بغطاء الأغلبية المتدينة منها غالباً. 

ثم، ألا يستدعي الرضوخ لهذا المنطق تشديدَ النكير على “الحرية” لمجرد أنّ الثنائي الماكر بوش وبلير أحرق العالم الإسلامي بحروب استعملت هذه القيمة المجيدة ذريعة لخوضها؟ وما الذي سيبقى من قيم أساسية سامية ومقولات جوهرية نبيلة في عالمنا، إن تمت الإطاحة بها بذريعة سوء الاستعمال الذي مورس بحقها جميعاً بلا هوادة، ومنها قيم الثورة الفرنسية مثلاً التي تم استعمالها غطاء لفظائع الاستعمار؟     

إنّ السلوك الاستعمالي لدين أو لقيمة أو لفكرة لا يصحّ حُكماً عليها، وإن أظهر التسليمُ بهذا الباعث أنّ النزعة الإلحادية المعنية تشكّلت أساساً من موقف نفسي أو نفور جامح أو عقدة ما مترتبة إزاء حالة أو شخص أو سلوك، ثم مضت تالياً إلى شرعنة ذاتها بمقولات عقائدية تبريرية لها. وقد لا يكون هذا الموقف سوى حدث رمزي أو نفسي أو قشة قصمت ظهر صاحبها بعد تراكمات حملها أحدهم في عقله ووجدانه؛ دفعته إلى تأويلات داخلية مخصوصة وأحكام صارمة وتبريرها بمنطق قطعي تبسيطي عبر ربط القناعة المعلنة بحدث ظاهر لا مراء فيه، من قبيل فظائع “داعش” أو شطط بعض متصدري المنابر الدينية.     

وأيا كانت البواعث، فلا غنى عن الترفق في وصف مقامات الفعل الذهني والشعوري الذي يخامر الأفراد في زمن الاضطراب والتشنج والصدمات، الذي تجزع فيه الأنفس وتطيش فيه العقول، والحذر واجب من دمغ الحائرين في موسم مخصوص بوصمة المروق من الدين، علاوة على مشروعية التشكك بعمق الالتزام بمقولة الإلحاد، التي يتباهى بها بعض الذين يكبتون إيمانهم.


كيف نواجه موجة الإلحاد الجديد؟

عرابي عبد الحي عرابي


قد يكون هذا العنوان أحد أقصر الأسئلة المتعلقة بقضية الإلحاد وأوسعها!

تدور حول قضية الإلحاد عشرات الحوارات والمناظرات والمؤتمرات، وتعلن كثير من الشخصيات العلمية الشهيرة السير في فلكها، مما يشير إلى محورية البحث في هذه القضية والحديث عنها، وبطبيعة الحال فإن النقاشات العلمية عن الإيمان والإلحاد لا تنبني على أساس الشبهات والردود، بل إن هذه القضايا في ذاتها معضلات عميقة ذات جذور ضاربة في تاريخ الإنسانية، وبالمقابل فثمة من يميل إلى عدِّها قضايا مجردة لا ترتبط بالبحث العلمي بل هي اختيارات إنسانية عميقة([1]).

وعلى الرغم من الإقرار بكونها قضايا وجودية تتعلق البشرية بها، إلا أن نفي الدليل العلمي على إثباتها ترحيل قسري نحو المجهول الفكري، فنفي دليل وجود الله مثل نفي أزلية المادة والتطور، فَلِمَ نُرجّح صحة اعتناق أحد الجانبين ونخطِّئ نقيضه!

أي إلحاد نقصد؟
ثمة أنواع عدَّة للإلحاد:

1- الإلحاد الوثوقي (القطعي): و هو الذي يعتقد صاحبه بعدم وجود الخالق، وبالتالي يتنكَّر لكل الأديان والنبوات.

2- الإلحاد المُتَرَدِّد، (الـلاأدري): ولا يعتقد صاحبه الإيمان بالخالق أو إنكاره، ويحتجُّ لذلك بعدم كفاية الأدلة في أيٍّ من الرأيين، فهو (متوقِّف) ههنا لا يميل.

3- الإلحاد المَرِن، (الربوبية): وهو الإيمان بوجود ربٍّ لا مُتصرّف، فلا ينكر صاحبه وجود خالق للكون إلا أنه ينكر صلته بهذا الكون، فالخالق بذلك “خلق العالم ثم تركه”، وبالتالي فهو منكر للدين الإلهي والنبوات.

يدور الجواب هنا عن مواجهة (الإلحاد الجديد) الذي يتزعمه تيَّار من العلماء الغربيين، كما هو الحال مع خطاب عدد من كبار الكُتَّاب المُلحدين.

حيث يمكن التأريخ لهذه الظاهرة مع بدايات القرن الجديد، إثر هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2002، والتي ابتدأت مع سلسلة من الكتب لعل من أهمها كتاب سام هاريس (نهاية الإيمان: الدين والإرهاب ومستقبل العقل) ويذكَر أنه حظي بمبيعات مليونية وظل في قائمة الكتب الأفضل مبيعًا مدة 9 أشهر تقريبًا -بحسب تصنيف النيويورك تايمز-، وقد أعقبه صدور كتاب الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري (مانفستو الإلحاد)، ليظهر في عام 2006 أشهر كُتُبِ كَهَنَةِ الإلحاد الجديد، أي ما سمّاه ريتشارد داوكنز بـ (وهم الإله) الذي بيعت منه ملايين النسخ، ثم لحقه كتاب (الله، الفرضية الفاشلة) للفيزيائي فيكتور ستنجر،  إضافةً لكتاب الفيزيائِيَّيْن الشهيرين ستيفن هوكينج وليوناردو ملودينوو (التصميم العظيم، إجابات جديدة عن أسئلة الكون الكبرى) الصادر في عام 2010([2]).

أبرز مزايا “الإلحاد الجديد”
1- النزعة العدائية: وهي السمة الأبرز التي ينتهجها كهنة الإلحاد الجديد تجاه الدين، فلا يمكن القبول بوجوده، بل ثمة ضرورة ملحة لمواجهته ونقده وتفنيده أينما ظهر، “فقد ذهبت أيام الإلحاد المؤدب” ، ولذلك فقد غدت السخرية من الأديان ووصفها بكل مقيت أمرًا طبيعيًّا، بل إن الساحة العلمية باتت مسرحًا لمهاجمة العلماء الذين يقرون بوجود خالق للكون، فقد وصف الملحد (بي زي مايرز) العالمَ فرانسيس كولنز رئيس مشروع الكشف عن الجينوم البشري، بأنه: “مهرِّج، يؤمن بفكرة الخلق، وأنه ضد النظريات العلمية، وأن طريقة تفكيره في العلم كالقمامة”.

داوكنز
(David Shankbone)

2- الدعم المالي الواسع والانتشار الإعلامي: لم تعد دعاوى الإلحاد مقتصرة على خطاب القلم، فقد أضحى الانتشار الإعلامي أحد أهم سمات الإلحاد الجديد وذلك بانتقاله من ساحة الخطاب الفكري إلى النهج التبشيري أو الدعوي، ولا أدل على ذلك من إنشاء المؤسسات المؤثرة مثل مؤسسة ريتشارد داوكنز لدعم العقل والعلم والتي أسسها في عام 2006، ومشروع “عقل” الذي أسسه سام هاريس وزوجته في 2007، وذلك لتكون –بتعصب واضح- منبرًا داعيًا له، إضافة لطبع مئات الكتب -المنكرة للأديان والخالق- التي بيعت منها ملايين النسخ، إضافة لتخصيص كتب تبشيرية إلحادية موجَّهة للأطفال، والدعوات العامة للتطبيع مع الإلحاد وإنكار الأديان سواء بدعوة الملحدين إلى الاستعلان أو نشر الإعلانات الصريحة أو عبر تمرير الأفكار الإلحادية في أعمال فنية ذات شهرة واسعة([3]).

3- الاطمئنان للاختيار الإلحادي: “إن كان للإلحاد الجديد من ملمح معنوي يقيم صلب سائر الملامح الأخرى فهو ملمح الثقة، أو “الاطمئنان” حيث يبدي الملحد الجديد ثقة تامة بقراره في الإلحاد، وفي مسؤوليته تجاه الرسالة التي يحملها للعالم، فالإلحاد هو الخيار الذي لا يسع عاقلاً أن يتجاهله”([4]).

ما السبيل إذن لمواجهة الإلحاد الجديد؟
إن تسطيح القضية الإلحادية حجر عثرة في فهم الإلحاد ونقده، فاختزال أسباب الإلحاد وظهوره إلى جزئيات تفصيلية –مثل ردّه إلى كون الملحدين طلاب شهرة أو أنهم مرضى نفسيون- ليس سبيلاً قويمًا أو سلوكًا موضوعيًّا، وقد يرتد هذا على الإيمان المتردِّد بالسوء وزيادة الشك، فكم تجد من الشباب المتحمس أو الأئمة والخطباء أو غيرهم يتّكئ في نقد الإلحاد على كلمات عاطفية لا ترقى لدرجة النقد المتّزن ويعتمد على معلومات مغلوطة خالية عن التمحيص والتثبُّت، فحين يقال: إن الملحدين وحدهم من يتمسك بنظرية التطور وإن العلم نقض نظرية التطور ونفض يديه منها، فاعلم أن المتحدث إما مخادعٌ لمن يخاطبُ، أو أنه حاطب بليلٍ لا يميز بين صحة ما يسمع وما هو عليه الحال.

“والحق أن هذه النظرية شديدة الحضور والسطوة في المجتمعات الغربية –العلمية وغيرها- بل هي النظرية المقبولة في أغلب الدوائر الأكاديمية هناك، وقوائم المؤمنين بها من الأكاديميين طويلة جدًّا مقارنة بغيرها من النظريات”.

لقد سمَّى المفكر المصري عبد الوهاب المسيري الحداثة الغربية بالحداثة الداروينية؛ نظرًا لتحكم القضية المادية والإيمان بتبعات هذا التطور على مفاصل الحياة اليومية في المجتمعات الغربية([5]).

الإيمان أكثر عقلانية من الإلحاد
إن التركيز على كون الإيمان بالخالق ذا مصداقية منطقية وعقلية مقارنة مع الإلحاد، يعد بالنسبة لي فاتحة للتعامل معه؛ فيمكن البدء بهذه النقطة (ذاتيًّا وإعلاميًّا ودعويًّا ومجتمعيًّا… إلخ)، فالحجج الأبرز للإلحاد تدور حول (عدم عقلانية الدين) أو (عدم عقلانية الإيمان بالخالق)، فما البديل الذي يقدمه الإلحاد في الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى، مثل: (ما مصدر وجود العالم)، (ما مصدر وجود البشر)، (كيف ظهرت الحياة)، (ما هي القيم) (كيف ينبغي التعامل مع الآخر)؟

لقد فسّر الإلحاد (القديم) و(الجديد) هذه القضايا بناءً على (مادِّيَّة الكون) مع وصف هذه المادية بأنها ذاتية.

وبناءً على هذا، فقد ظهر الكون تلقائيًّا، بلا صنع صانع له، وكذلك ظهرت الحياة ذاتيًّا من المادة الطبيعية عبر تطورها المستمر، ولا حاجة لفهم شيء اسمه روح أو عالم آخر غير العالم المادي الذي نعيشه، وبالمختصر: لا إله ولا حاجة للإيمان بأي من مقولات الأديان([6]).

ستيفن هوكنغ

وبما أن المنطلق الأساس لمقولات الإلحاد قائم على أساس المادة الناشئة تلقائيًّا، أو (الخلق الذاتي) كما يقول ستيفن هوكنغ في كتابه: (التصميم العظيم)([7]) أو بمنطق الصدفة بناء على فرضية الأكوان المتعددة التي يميل إليها ريتشارد داوكنز([8])، ولا يخفى أن الإيمان بمنطق الصدفة في استحقاق وجود كوننا من بين مئات مليارات الأكوان، وتخصيص الأرض ليمكن استنبات الحياة فيها من بين مئات مليارات الكواكب والنجوم في هذا الكون، فرضية لا يمكن منحها أي نسبة يقين صادقة عقلًا، ويمكن الاستشهاد ببرهنة (القرد اللامتناهية) التي أجرتها جامعة بليموث البريطانية عام 2003 لحساب الاحتمالية الرياضية والتي تنصُّ على أننا لو تركنا قردًا لعدد لا متناهٍ من السنين  يضرب على آلات الطباعة فهل سيتمكن من إنتاج نص أدبي كقصيدة مثلاً، فكان الناتج أن ستة قرود اخُتبروا لمدة شهر فلم يكتبوا كلمةً واحدةً ذات معنى([9])، فَقِسْ على ذلك نسبة احتمال قُدرةِ الصدفة على خلق إنسان واحد، فما بالك بخلق حياة موّارة في الأرض بل خلق كون كامل، إن هذاسخفٌ لا يستحق التأثُّر به بعد التفَكُّر فيه.

الواجب الفردي
ليس من الممكن أن نلتمس من جميع الناس البحث في أدلة الاعتقاد التي ترد على الإلحاد، إلا أن الأقل المتاح الذي نستطيع طلبه من عموم الأفراد أن يفعل كل واحدٍ منهم ما بوسعِه، فلعلَّ موقفًا أو حجةً أو دليلاً يُذكرُ أمام إنسان واعٍ لها قد تُغيّرُ تفكيره تجاه الإلحاد ومفرزاته، ولعل هذا الواجب الفردي على المسلم يرتكز على نقاط كثيرة؛ منها:

1- تثقيف الفكر بقراءة الكتب العلمية التي تناقش الإلحاد ومستنداته، والاطلاع على المناقشات التي يقوم بها الدعاة الدينيون (مسلمون وغيرهم) والعلماء الغربيون الأكاديميون مع الملحدين، والاستفادة من الحجج التي يقدمونها في نقد أسس الإلحاد.

2- الحذر من (التفاعل المعرفي الخاوي) فأسس الإلحاد وظروف التحوُّل إليه تختلف بحسب الشبهات التي تثار والشكوك التي تبحَث، خاصة وأن الأسئلة التي يقدمها الملحدون تصدر عن مقولات علمية تجريبية في الظاهر، مما يدفعنا للتعمق في فلسفة إنتاج العملية المعرفية وسبل الاستدلال بها.

3- التحصين الأسري للأفراد بالعلم والأدلة المنطقية والمناقشات المناسبة لعقول الأطفال والكبار وتفهيمهم الأسباب التي تدفع الإعلام والأفراد لنشر الإلحاد.

4- التأسيس الصحيح لرؤى الأفراد عَقَدِيًّا مع الحث على البحث فيها، فإن الثقة العمياء بالمكتسبات التقليدية ستدفعهم يومًا إلى الانفتاح على أي فكرة مخالفة حال نقض الطرف الآخر لها، والمشكلة الحقيقية أن حالة الثقة هذه ليست ناشئة عن معطًى ح��يقي وإنما هي حالة تقليدٍ عاطفية قابلة للانهيار مع التماسِّ الأوَّل مع الإشكالات المقابلة.

الواجب المؤسساتي
إذا كان العمل الفردي كافيًا بنسبة ما للأفراد المتفرقين، فإن هذا يوجب وجود العمل المؤسساتي لـ (عموم الأمة) في إنتاج المعرفة (الإيمانية) اليقينية والدفع عنها الشبهات التي تعترضها من قبل (الآخر) أيًّا كان منهجه، فما الذي يجب أن تقوم به هذه المؤسسات في حال وجودها؟ سنوجز الإجابة بما يلي:

1- تجديد لغة الاستدلال الديني وأسلوبه ومرتكزاته: فإن كان التفكر المحض في الماضي دافعًا للإيمان في حق كثيرين، إلا أنه الآن قد لا يفي، فلا بد من التحول من الاتكاء على مقولات (علم الكلام) الجوهرية، إلى إنتاج خطاب (برهاني) يعتمد على منتجاتنا العلمية ومنتجات مؤسسات العلم الأكاديمية أيًّا كانت توجهاتها الإيديولوجية؛ بل لا بد –في حال شُكِّلت مثل هذه المؤسسات- من الانتقال من التلقِّي المعرفي إلى الإنتاج، لئلا نكتفي بكوننا مستَقَرًّا للمنتَج أو مستخدمين له لا غير لدعم رؤيتنا في نقد ما نراه داعيًا للإلحاد([10]). ولا نغفل في هذا السياق عن التذكير بضرورة القراءة الفلسفية المعاصرة وفهم سياقات الاستدلال الإلحادي والإيماني، للخلوص إلى أسلوب الفريقين وإمكان التعامل معهما بكفاءة، فمن أبرز الوجوه الغربية التي تواجه الموجة الإلحادية الجديدة (بناء على التعاطي الفلسفي) الفيلسوف وليام لان كريغ -أستاذ الفلسفة في كلية تالبوت اللاهوتية وجامعة هيوستن-  والحائز على الدكتوراة في فلسفة الدين من جامعة برمنغهام عن دراسته للبرهان الكوني (الكوزمولوجي) على وجود الله عند المتكلمين المسلمين الكندي والغزالي والمتكلم اليهودي العربي الفيومي- عبر “البرهان الكوزمولوجي الكلامي” حيث طوّر البرهان الوجودي (الكوني، أو الكوزمولوجي) على وجود الله بدعم المنطق الحديث؛ بناء على دراساته الموسَّعة لعلم الكلام الإسلامي([11]).

2- الانتقال من حال الرد إلى النقد: فليست قضية الإيمان بالخالق أمراً هامشيًّا وإنما هي أساس التعاطي مع الوجود كله، والتوقف عند الرد معضلة توحي بالانهزام والفراغ العلمي؛ إذ إن “التيار الإلحادي تيار هدمي؛ يسعى أفراده إلى هدم التصورات الدينية دون أن يقدموا فلسفتهم الخاصة للوجود، ومتى ما سعوا في ذلك فمن السهل ملاحظة حالة التعجل والسطحية والحيدة عن مواضع الإشكال، وهو ما يكشف عن مشكلات كثيرة تعصف بهذا الخطاب”([12]).

إن النسق الإلحادي عمومًا يوقع نفسه في العديد من المآزق العقلية التي لا ينبغي المرور عليها دون التوقف عندها وتناولها تشريحيًّا والتشهير بها، كمسألة القيمة الأخلاقية، والإرادة الإنسانية الحرة، والموقف من أساس وجود الكون ذاتيًّا بالصدفة، وقضية الوعي والإدراك، ومعضلات تناقضات نظرية التطور([13]).

في الختام لا بد من الإشارة إلى بعض الحالات الفردية والمؤسسات ذاتية التمويل (غير الربحية) التي أسهمت في الرد على الإلحاد الجديد بالمنطوق العربي أو بالترجمة إليه، ولعل أشهرها محاضرات د. عدنان إبراهيم، ومن أشهرها سلسلة “مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد”. فعلى الرغم من الانتقادات الموجهة إلى عدنان إبراهيم إلا أنه من المتابعين الجيدين لتطور الإلحاد في الساحة الغربية،إضافة لمحاولات طبيب الجراحة المصري د. عمرو شريف، في كتبه، مثل: خرافة الإلحاد، الإلحاد مشكلة نفسية، رحلة عقل، كيف بدأ الخلق.

أما في جهة المؤسسات فقد ظهرت بعضها –قريبًا- على نطاق ضيق، ومنها تجربة مركز (براهين)، ومركز (دلائل)، ومركز (تكوين)، ومركز (الفتح) للبحوث والدراسات، حيث اعتمدت ترجمة الكتب العلمية الغربية التي تنقد الإلحاد إلى اللغة العربية مع نشر الكتب العربية ذات المحتوى الرصين في الحقل ذاته، مع العمل على نشر دوريات إلكترونية في كل ما يرتبط بموضوعات الإلحاد، إضافة لقنوات فعّالة على يوتيوب تتوزع أعمالها بين الترجمة والإنتاج.


الهوامش

([1] )  ينظر مقال همام يحيى على مدونات الجزيرة: محاربة الإلحاد، المشروع الفاشل، http://blogs.aljazeera.net/blogs/2016/10/31/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B4%D9%84 ، وينظر أيضًا سلسلة أحمد خيري العمري حيث يرى أن لا دليل علمي على وجود الله في سلسلته (أنتي إلحاد) الحلقة الثانية youtube.com/watch?v=7X7yvc0gBdk.

([2] )  عبد الله بن صالح العجيري، ميليشيا الإلحاد، مدخل لفهم الإلحاد الجديد، مركز تكوين، السعودية، ط2، 2014. ص 19- 28. وللتوسع في التعرف على متزعمي حركة الإلحاد الجديد ينظر هذا التقرير المترجم (3 أجزاء): https://www.sasapost.com/atheism6/ https://www.sasapost.com/atheism7/ https://www.sasapost.com/atheism8/

([3] ) ينظر: ميليشيا الإلحاد: 29- 42.

([4] ) عبد الله بن سعيد الشهري، ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان، مركز نماء، بيروت، ط1، 2014، ص 16- 17.

([5] ) ينظر: ميليشيا الإلحاد: 120- 121. وينظر مقال المفكر عبد الوهاب المسيري: حداثة داروينية أم حداثة إنسانية، http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2009/10/10/%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%85-%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9

([6] ) عمرو شريف، رحلة عقل، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط4، 2011، ص 21.

([7] ) ينظر ستيفن هوكنغ، التصميم العظيم، ترجمة أيمن أحمد عيّاد، دار التنوير، بيروت، ط1، 2013. ص 215- 217، وينظر رد البروفيسور جون لينكس على ستيفن هوكينج: https://www.youtube.com/watch?v=LALhUZiZg5s

([8] ) ينظر مقال الغارديان الذي يذكر هذه المقولة التي ذكرها ريتشارد في حوار له مع ستيفن واينبرج: Richard Dawkins, told the eminent biologist: “If you discovered a really impressive fine-tuning … I think you’d really be left with only two explanations: a benevolent designer or a multiverse.”، https://www.theguardian.com/commentisfree/belief/2008/dec/08/religion-philosophy-cosmology-multiverse وينظر  بعض مقاطع يوتيوب ومحاضراته مترجمة عن الإنكليزية إلى العربية: https://www.youtube.com/watch?v=nzM9L5VusnI ، https://www.youtube.com/watch?v=H0A320svRB4

https://www.youtube.com/watch?v=nzM9L5VusnI]

([9] ) ينظر [ميليشيا الإلحاد: 134، 135] ومقالة أفردته قناة (بي بي سي) عن تجربة جامعة بليموث البريطانية: http://news.bbc.co.uk/2/hi/3013959.stm ، ومقالة على موقع “الباحثون السوريون” عن مبرهنة القرد اللامتناهية: http://www.syr-res.com/article/1605.html

([10] ) ينظر: مقال همّام يحيى محاربة الإلحاد.. وتنويهه على وجوب تمتع هذه المؤسسات برأس مال حر ورسالة أكاديمية تسمح بتعدد الآراء.

([11] ) ينظر محاضراته المترجمة في يوتيوب عن تطويره لهذا الدليل وكيفية استخدامه في الرد على الإلحاد: https://www.youtube.com/watch?v=bMxhl5F7QII، وهنا حوار عن هذا الدليل: https://www.youtube.com/watch?v=ZN3cBItb2S0.

([12] ) ينظر: ميليشيا الإلحاد:148.

([13] ) للتوسع في هذه القضايا ينظر ميليشيا الإلحاد: 148- 175، وخرافة الإلحاد: 278- 314.

رواية الدم الحكيم.. عرض بقلم المترجم وجولة في صراع الإيمان والإلحاد

عبد المنعم العبيد


رواية الدم الحكيم للكاتبة الأمريكية فلانيري أوكونر (Flannery O’connor) نشرت عام 1952، وصنفتها صحيفة الجارديان ضمن قائمة أفضل 100 رواية في  القرن الماضي، وهي تتحدث عن معضلات الإيمان المسيحي وجدلية الإلحاد. وترجمها كاتب هذا المقال لتنشر نسختها العربية عام 2016 من قبل “عالم الأدب للترجمة والنشر”.

وصفت الكاتبة هذ الرواية بأنها كتبت بأسلوب “الكوميديا السوداء”، وقد يكون هذا شيئا لا يتفق معه بعض القراء إلا أنه من المهم أن يضع القارئ هذا الأمر في ذهنه قبل أن يباشر بالقراءة، لأن القصة لا يمكن أن تصدق على أنها رواية واقعية. فهي لا تصل إلى حد الخيال ولكن أحداثها صعبة التصديق. هذا يدل على مدى مهارة الكاتبة التي صاغت القصة بأسلوب ينسي القارئ هذه الحقيقة.

تدور أحداث القصة حول (هايزل موتس) وهو جندي عاد لتوه من الحرب وتغيرت معاني الإيمان بقلبه وأصبح ناقما على الدين. من خلال أحداث القصة يتعرف البطل على مجموعة من الشخصيات تمثل شرائح مختلفة من الناس، لكل واحد منهم تجربته الخاصه ومفهومه الخاص عن الإيمان والدين.

يتميز بطل القصة بأنه شخص صادق مع نفسه وليس شخصا على استعداد لنفاق المجتمع والانسياق معه، حيث أن مفهومه عن الدين هو مفهوم مطلق، ومن هنا تتضح الصورة التي أرادت الكاتبة أن ترسمها وهي حتمية اصطدام معتقد البطل المطلق بالواقع الذي يجب أن يعيشه المرء إذا لم يكن راهبا في صومعته.

وهذا الصراع يظهر واضحا منذ بداية القصة، فالبطل ليس على استعداد لأن يجعل قضية الإيمان بالمسيح أمرا هامشيا في حياته كبقية الناس، بل هدفه الرئيسي يتمحور حول الوصول إلى الحقيقة، والتي يحاول الوصول إليها بطرق غريبة وأحيانا مجنونة، ولديه اهتمام يكاد يصل لحد الهوس بالكتاب المقدس والمسيح.

ويعرض الكتاب أيضا لمحات من طفولة البطل وعلاقته مع أفراد عائلته، وتحديدا جده الذي كان يعمل مبشرا ويتضح أنه كان صاحب التأثير الأكبر في شخصيته.

من خلال تجول البطل عبر أرجاء القصة يتضح لنا كيف تعاملت كل شخصية مع معنى الإيمان في ضوء الواقع. فهناك الشخصية اللامبالية بالدين من الأساس، وهناك من اتخذ الدين بابا للرزق، وهناك من يعاني من حقيقة أن الدين المسيحي بحرفيته لا يطابق المنطق أو العقل في كثير من الأحيان، وهناك من عانى تجربة سيئة من شخص متدين كان مسؤولا عن تربيته. من خلال تجارب هؤلاء الشخصيات التي تقابل بطل القصة، يتمكن القارئ من فهم وجهات النظر المختلفة والأسباب التي أدت إلى تبني الشخص لوجهة النظر تلك. فالقارئ يرى كل شيء من خلال “عيني” البطل.

تتعامل الرواية مع الإيمان على أنه شيء حتمي في نفوسنا نحن البشر وعلى أنه أمر لا بد منه، حيث أن انعدام الإيمان هو إيمان بحد ذاته، بل هو مجرد نوع من التمرد الغاضب الذي إن دل على شيء فهو يدل على الإيمان نفسه. حيث أنه من لا يؤمن بالله فليس من المنطق أن يكون غاضبا منه ومتمردا عليه (والعياذ بالله). بل إن الرواية تصور الإيمان على أنه شيء لا مهرب منه وأنه شيء يلاحق البطل ولا يستطيع الإفلات منه. ومن هنا تطرح الكاتبة معضلة البطل ومشكلته مع الإيمان وهي معضلة الاحساس بالذنب والرغبة في التكفير عن الذنوب، وكيف أن هذا الموضوع هو أمر يتحكم بتصرفات الناس أحيانا دون أن يشعروا. فالرغبة في التكفير عن الذنوب قد تتحول إلى تصرفات لا يستطيع الناس تبريرها أو حتى مصارحة أنفسهم بها ولكنها ببساطة تشعرهم بالقليل من راحة البال.

“مال نحوها وهو يحدق بها: أنا أؤمن بيسوع جديد، يسوع لا يستطيع إهدار دمه ليتوب على الناس؛ لأنه مجرد إنسان لا ألوهية له. كنيستي هي كنيسة اللايسوع!”

يبدو لي أن هدف الكاتبة هو نقض التزمت والتعصب للرأي الديني. فبعض الناس يرى تفسيره وفهمه للدين هو الفهم السليم. ويظهر اختلاف مفهوم الإيمان من خلال طرح تعريفاته المختلفة عبر شخصيات القصة. ومن الدلالات الرمزية المرتبطة بهذه النقطة والتي تستوجب الوقوف عندها هي العيون ودلالة الإبصار والعمى لدى الشخصيات. فالبطل يلتقي قسيسا يدعي أنه أصاب نفسه بالعمى دلالة على إيمانه المطلق ويتضح فيما بعد أنه كذاب وأنه يستطيع الرؤية. وفي النهاية ينتهي الأمر بالبطل إلى أن يصيب نفسه فعلا بالعمى.

في رأيي تطرح الرواية الكثير من المشكلات المنطقية فيما يخص الدين المسيحي. فانعدام الصلة المباشرة بين الناس والوحي أدى إلى وجود قائمين على الإيمان وعلى تفسير الإنجيل، وأدى ذلك إلى أن الناس على اختلاف طبائعها واستيعابها اصبحت تتلقى الدين عبر طريق واحد، وأدى ذلك إلى ردات فعل مختلفة. فأصبح البعض لا يبالي بهذا الدين لعدم موافقتهم على تصرفات هؤلاء القائمين عليه. وقد نرى ذلك في مجتمعاتنا العربية من خلال تصرفات بعض زعماء المذاهب الفكرية والعقائدية، فتوفر مصادر المعرفة والرأي عبر الانترنت أدى ببعض الشباب المنتسبين إلى تلك الطوائف إلى ردة فعل عنيفة قادت بعضهم إلى الخروج من الملة نهائيا.

ناقشت الرواية أيضا أمرا مهما نرى تبعاته اليوم في مجتمعاتنا العربية وهو فكرة تمييع الدين والاجتزاء منه، فالنظرة العامة عند الغرب أن الروحانيات والدين أمر جميل ولكن بحدود. فهو عندهم مثل الملح في الطعام الذي لا يجب أن يزيد عن حده ولا يجب أن يؤخذ حرفيا ولا يؤثر في قراراتنا أو تصرفاتنا إلا بقدر قليل. وهذا قد يكون تفسيرا منطقيا بسبب انعدام المنطق في كثير من تعاليم الكتاب المقدس الذي تم تحرييفه عبر القرون ولكنه رأي بدأ بالانتشار تحديدا بين المتأثرين بسلطة الثقافة الغربية الغالبة المنتشرة بيننا في مجتمعاتنا. ففي اتباع الحل السحري الغربي “المتحضر” جاذبية تأسر الكثير من الناس. وللأسف ضاعت عن الناس جهود الآلاف من العلماء عبر 1400 سنة، والذين أوضحوا للناس بطرق متعددة كيفية الوصول إلى حياة ذات معنى (ولا أقول السعادة لأنها هدف لا يمكن تحقيقه) يستطيع فيها الإنسان أن يعيش في ظل هذا الكتاب وأن لا يكون إيمانه عائقا أمام ممارسة حياته بل معينا له على ابتلاءات هذه الحياة.

على الطرف الآخر، يتحدث الكتاب عن معضلة الإلحاد، وأن أحد الأسباب القوية التي تؤدي للإلحاد هي التربية الدينية غير السوية التي تؤدي بالشخص إلى كره الدين نفسه، أو بالأحرى كره النسخة المشوهة من الدين التي وصلت إليه واعتقد أنها هي الدين الصحيح. هذه المشكلة هي نتاج ضيق النظرة لدى المربين الذي يعتقد بعضهم أن القسوة والصرامة هي السبيل لضمان عدم الانحراف، ولكن هذا الأمر يؤدي عند تغير البيئة المحيطة بالمتلقي إلى تكسر المفاهيم ووصوله إلى الاحساس بأنه كان مغسول الدماغ، وباقتران ذلك مع تأييد المجتمع وكثرة المغريات وسهولة الوصول إليها يرى المتلقي رادعه الإيماني على أنه مجرد وجهة نظر فرضت عليه، وأنها إذا كانت قد لاءمت مربيه في العصر الذي عاش فيه فإنها لا تناسب الواقع الحالي. فيؤدي هذا الصراع الداخلي في النهاية إلى أن يعتقد المرء بعدم وجود شيء يؤمن به أصلا وإلى أن يقنع نفسه بأن كل هذه الأفكار ما هي إلا أشياء زُرعت في رأسه. وأن عليه أن لا يختار جانب الخير ولا جانب الشر بل أن يتوقف عن لعب هذه اللعبة من الأساس، لأن الاعتقاد بالخير والشر أمر نسبي بالنسبة للبشر ولا يمكن الوصول إلى حد فاصل بينهما عبر التفكير المنطقي، حسب ظنه.

بالإضافة إلى ذلك، تظهر معالم هذا الصراع في القصة من خلال إصرار البطل على أن يرتدي قبعة تشبه قبعة المبشرين كأنه يرجومن الناس أن ينتبهوا وأن يسألوه ما إذا كان مبشرا أم لا حتى يجيبهم بأنه لا يؤمن بأي شيء. وكأنه يريد أن يقنع الناس بمعتقده كي يصدقه هو وينهي هذا الصراع في داخله. وفي هذا دلالة على أهمية الانتماء عند كل الناس وأن كل إنسان يحب أن ينتمي إلى جماعة أو قضية أو فكرة تشعره بأهمية وجوده وتمنحه الإحساس بالقبول.

“نظرية كل شيء”.. حقيقة أم أسطورة؟ (1 من 2)

محمد عدنان شيط


في عام 1849، وبعد عدد كبير من التجارب الفاشلة لتوحيد قوة الجاذبية المكتشفة من نيوتن مع القوى الكهربائية، كتب العالم الشهير مايكل فاراداي في دفتر يومياته: “هنا تنتهي التجارب التي أقوم بها في الوقت الحاضر، النتائج سلبية. ولكنها لم تهز شعوري القوي بوجود علاقة بين الجاذبية والقوى الكهربائية حتى وإن لم أجد دليلاً على وجود مثل هذه العلاقة.”[1]

كانت هذه من أولى المحاولات العلمية لتوحيد قوى الطبيعة في نظرية واحدة تفسر لنا؛ لماذا تتصرف القوى الأساسية في الكون على هذا النحو، ومحاولة فارادي هذه كانت في وقت لم تُكتشف فيه القوى النووية الضعيفة والقوية بعد كمكونات أساسية لقوى الطبيعة.

بناء على أعمال فاراداي السابقة وضع الفيزيائي البريطاني جيمس كليرك ماكسويل معادلاته الشهيرة التي تصف سلوك المجالين المغناطيسي والكهربائي، وهكذا وحّد القوى الكهربائية مع القوى المغناطسية في قوة واحدة سميت القوى الكهرومغناطيسية.

أينشتاين

جاء الدور بعدها على أحد أعظم فيزيائيي القرن العشرين، ألبرت أينشتاين، ليحاول توحيد قوى الجاذبية مع الكهرومغناطيسية على نفس الأسس الهندسية تحت اسم نظرية المجال الموحد (Unified field theorey)، ولحوالي أربعة عقود من عمره وحتى موته عام 1955 باءت كل محاولاته بالفشل؛ بل قال بعض منتقديه إنه كان على أينشتاين أن يعمل بصيد السمك بدلاً من البحث عن مثل هذه النظرية!

وفي تلك المدة أيضاً أصبح هناك جو من الهوس العالمي يحيط بهذه النظرية، فالصحف الكبرى مثل نيويورك تايمز كانت تتحدث دائماً عما يمكن لأينشتاين فعله لإيجاد مثل هذه النظرية، ووصل الأمر ببعض قساوسة الكنائس لإعلان أن إيجاد هذه النظرية هو دليل على وحدة العالم كما جاء في رسائل بولس![2]

مع بداية القرن العشرين وانطلاق ثورة ميكانيكا الكم لتسبر أغوار الذرة والجسيمات الذرية، أضيفت كل من القوتين النووية الضعيفة والقوية إلى القوى الرئيسة في الطبيعة ليصبح عددها أربع قوى وتصبح على الشكل التالي:

1- قوة الثقالة أو الجاذبية وهي أضعفها ولكن تأثيرها شامل.

2- القوى الكهرومغناطيسية.

3- القوى النووية الضعيفة وهي المسؤولة عن النشاط الإشعاعي.

4- القوى النووية القوية وهي التي تمسك البروتونات والنيترونات معاً في نواة الذرة وتمسك الكواركات المكونة لهذه البروتونات والنترونات كذلك.

في عام 1967 تم توحيد القوى الكهرومغناطيسية مع القوى النووية الضعيفة بفضل جهود العالمين الباكستاني محمد عبد السلام والأمريكي ستيفن واينبرغ، ومنحا جائزة نوبل لمساهمتهما في هذا الإنجاز عام 1979.

وهنا يجدر القول إن الصعوبة الكبرى عند إيجاد النظرية الموحدة تتعلق بقوة الجاذبية، فالقوى الأخرى يمكن توحيدها بنظرية واحدة ولكن عندما يتم ضم الجاذبية إليها فإن الأمر يصل إلى طريق مسدود.

كان هذا سرداً موجزاً لأهم المحطات على طريق إيجاد نظرية كل شيء فما هي هذه النظرية؟

بشكل مبسط هي محاولة لتوحيد قوانين ميكانيكا الكم التي تصف الأشياء الدقيقة والميكروسكوبية في الكون (كالجسيمات الذرية وتحت الذرية) مع نظرية النسبية العامة لأينشتاين والتي تصف الأشياء الضخمة والكبيرة في الكون (كالنجوم والكواكب)، وهذا التوحيد يتم من خلال دمج القوى الأربعة الكبرى في الكون مع بعضها لتشكل نظرية كل شيء.

ويشير ستيفن هوكينغ في نهاية كتابه التصميم العظيم الى أن التوصل إلى مثل هذه النظرية سيمكننا من فهم الدقة والضبط الموجودين في الكون، وأن هذه النظرية ستكون نموذجاً للكون الذي يخلق نفسه![3].

نبدأ الآن تفصيلاً حول هذه النظرية، بداية من نظرية الأوتار التي يصفها ستيفن جابسر بقوله: “يعتبر ادعاء نظرية الوتر أن المكونات الأساسية التي تكون كل المادة ليست جسيمات، ولكنها أوتار. وتشبه الأوتار قطعة دقيقة من المطاط لكنها رفيعة جداً جداً ويُفترض أن يكون الإلكترون حقيقة وتراً يتذبذب ويدور بمقياس صغير للغاية يمنعنا من سبر كينونته حتى بأحدث مسرعات الجسيمات تطوراً حتى وقتنا هذا”.[4]

ففي الطبيعة الجسيمات الأولية المكونة لكل شيء في هذا الكون –طبعاً المكتشفة حتى الآن- تنقسم إلى نوعين:

1-بوزونات (Bosons) وهي الجسيمات التي تحمل الطاقة في المادة، ومن أمثلتها الفوتونات التي تحمل القوى الكهرطيسية، والغرافتونات التي تحمل القوة الثقالية أو قوة الجاذبية وغيرها.

2-فيرمونات (Fermions) والتي تنقسم إلى نوعين: كواركات مكونة للبروتونات والنترونات، ولبتونات كالإلكترونات وغيرها.

كان الطرح الأول لنظرية الأوتار في الستينات مع نظرية الوتر البوزونية (Bosonic string theory)، وجرى استبعاد هذه النظرية لاحقا لأنها تتنبأ بوجود البوزونات فقط كأوتار مع أن العديد من الجسيمات الأولية في الحقيقة هي فيرمونات كما بينت في التقسيم السابق.

ولكن في الثمانينات التي عُرفت فيما بعد بثورة الأوتار الفائقة الأولى، دخل مصطلح التناظر الفائق في سياق نظرية الوتر، وهو عبارة عن نظرية تربط قوة الجاذبية مع بقية القوى الكبرى بافتراض وجود علاقة ربط بين الجسيمات الأولية من فيرمونات وبوزونات.

وبعد ظهور التناظر الفائق، ظهرت على السطح خمسة نماذج جديدة لنظرية الأوتار ذات عشرة أبعاد، كل منها كان مرشحاً ليكون هو نظرية كل شيء.[5]

وفي منتصف التسعينات مع الثورة الثانية للأوتار الفائقة، أظهرت التجارب والنتائج أن كل النظريات أو النماذج الخمسة السابقة للأوتار هي أجزاء من إطار أكبر موحد لها أطلق عليه اسم نظرية إم (M-theory) وهي ذات أحد عشر بعداً، واحد منها زماني والبقية أبعاد فضائية، وتم إضافة هذا البعد الأخير ليصبح الوتر شبيها بالغشاء، أي غشاءً ببعدين وليس وتراً خطياً ببعد واحد، ومن هنا أصبحت النظرية النهائية ذات أحد عشر بعداً. وانضمت إليهم أخيراً نظرية الجاذبية الفائقة (Supergravity theory) ليصبح لنظرية إم أو نظرية كل شيء ستة أضلاع رئيسة يشبها الفيزيائي الأمريكي براين غريين بنجم البحر ذي الستة أذرع.[6]

وسنستعرض في الجزء الثاني أهم الانتقادات الموجهة لهذه النظرية.


الهوامش

[1] George Gamow ,the great physicists from Galileo to Einsten,Harper&Brothers,1961 p.149

[2] والتر إيزاكسون، أينشتاين حياته وعالمه، ترجمة هاشم أحمد، كلمات عربية للترجمة والنشر ،2010 ص 350 وما بعدها

[3]  ستيفن هوكينغ ليونارد ملودينوو، التصميم العظيم، ترجمة أيمن أحمد عياد، دار التنوير للطباعة والنشر،2013 ص216، 217 بتصرف

[4] ستيفن جابسر، الكتاب الموجز لنظرية الوتر، ترجمة إيمان طه أبو الذهب، المركز القومي للترجمة ،2016 ص7 وما بعدها

[5] John Gribbin ,In search of the multiverse, John Wiley&SonsLInc.,Hoboken, New Jersey,2009 p.152

[6] برايان غرين، الكون الأنيق، ترجمة فتح الله الشيخ، المنظمة العربية للترجمة،2005، ص315 وما بعدها.

هوامش على مسألة الترحم على الملحد

الهادي حافظ


بقدر وضوح الحق عبر العصور، بقدر كثرة الدخن الحائم به في هذا الزمان! فكلما هبت عاصفة على أرض عقول شبابنا في هذا الفضاء الأزرق أبانت للأسف عن اتكائها على جذوع بالية توشك أن تسقط إن لم تتعهدها أمطار الإيمان وريّ تصحيح المفاهيم والمسلمات الإيمانية.

ومن أشد تلك الجذوع وهْنًا هو ما أبانت عنه حادثة موت الفيزيائي البريطاني الملحد ستيفن هوكينغ مؤخرا، فمن الغرابة أن تجد شابا ضرب في صغره على حفظ آيات الوعيد في المشركين، ومع ذلك يَقسم لمن كان يجحد وجود الخالق من رحمة الخالق في الآخرة الذي أختص بها الموحدين. والأغرب أن تجد من يحاضر ويعتلي المنابر باسم العلم يردد دعاء الرحمة في حق من كان ينكر صاحب الرحمة.

قرأت ذلك في تدوينة للدكتور عدنان إبراهيم هداني الله وإياه، كما قادتني موجات هذه الفضاء إلى قراءة ومحاورة من تربى على مبادئ القرآن وضرب على حفظه ومع ذلك يُفهم من كلامه أن الإسلام ليس شرطا للجنة، وهذا أمر في غاية الخطورة أعاذنا الله ويحتاج إعادة صيانة لمرتكزة المفاهيم..

عدنان إبراهيم

طبعا تدوينة الدكتور عدنان وأمثاله هي السوسة التي نخرت في جذوع مسلمات شبابنا حتى استطاعت أن توصل ضوء الحضارة الزائف إلى أماكن في عقول شبابنا كانت في السابق حكرا على نور القرآن الخالد! فحدث الخلل للأسف وتاهت عقول في فيافي “نورانية” الحضارة المعاصرة!

الحادثة كشفت عن حالة مرضية يتداخل فيها عجز أجهزة متعددة، من خلل في مفهوم حصر الرحمة في الأخرى على أهل التوحيد أو بعبارة أدق صدق الوعيد بالنار لمن لم يمت على التوحيد، ثم خلل في مفهوم العلم هل هو من الشخص لكي يعتد له به أم يرجع إلى قدرات منحها الله له بفضله -والحالة التي بين أيدينا أكبر شاهد- وخلل آخر متعلق بالفضول الزائد أو “الترشة” في الدخول بين الرب وحكمه العادل في عباده ويخشى على صاحبها إن لم يتدارك.

الخلل الأول
روي في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم “العلم علمان: علم على اللسان فذلك حجة الله تعالى على خلقه وعلم في القلب فذلك العلم النافع”، وكثيرة هي أحاديث طلب العلم وكفى بكلمة الافتتاح إقرأ من مثال على ذلك.

وبالتالي لا خلاف في تحفيز الإسلام على طلب العلم، بل إن الإسلام لم يأت سوى بمرجحين اثنين: العلم والتقوى! فجعل التقوى عملة الآخرة الوحيدة، وترك العلم بدلالته الواسعة قسما بين أهل الدنيا وهو السلالم التي تتفاضل أبناء البشر بمختلف أديانهم وأجناسهم بها، وما ذاك إلا لرحمته تعالى بخلقه، فلو ربط العلم بالإسلام لعاش غير المسلمين في شقاء هنا وهناك أو لأسلم الناس جميعا وكان ذلك إكراها لهم: {لا إكراه في الدين}.

أذكر ذات مرة أنني كنت في مكتبة جامعية أحاول أن أراجع بعض الدروس -على كسلي- وفجأة جلست على طرف الطاولة الآخر متبرجة وأخرجت دروسها وبدأت في المراجعة! فما كان من الشيطان إلا أن قال لي وأنا الذي تربيت على ربط العلم بالتقوى حيث حفظت في الصغر: “شكوت إلى وكيع سوء حفظي… فأرشدني إلى ترك المعاصي”. بدأ عليه لعنة الله يحاول أن يدخل من باب أن ما تراه عيني يناقض مسلمتي، يريد أن ينسف المسلمة بالواقع: مافي البصيرة بما يرى البصر! ولكن الله سلم حين قاد الخاطر إلى أن العلم بمفهومه الواسع وخاصة ما يتعلق بتطور الحياة لم يربط بالإيمان لكي لا يكون في ذلك إجبارا للناس على الإسلام، وأن العلم الدنيوي وضع في الوسط من الجميع ويختلف نفعه باختلاف حامله، مثله مثل الشراب والإناء! فقد يصلح الشراب ويفسد الإناء فيفسد الشراب! ثم إن التي أمامي قد يكون أذن لها في تحصيل العلم رأفة ورحمة بعيال ستعيله ربما انتظرها لسنوات.

ولكن المسلم خاصة لا يراد منه إلا أن يكون كالشراب الصالح في الإناء النظيف! ولو كان متعلمو الأمة وخاصة في العلوم المعاصرة بتلك الميزة لكنا في مقدمة الأمم!

ومما حز في نفسي مرة وأنا في حصة لأستاذ لعب الشيب برأسه وقد أتاه الله علما ولكنه لما أراد أن يعطي مثالا على الرشاقة في درس عن مشكلة السمنة، لم تسعفه ذاكرته أمام طلابه في ذكر غير الفنانة هيفاء وهبي!

فرضي الله عن الفاروق حين يقول: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم. قالوا: وكيف يكون منافقاً عليماً؟ قال: عليم اللسان جاهل القلب والعمل.

الخلل الثاني
ذكر العلم وكأنه من صاحبه، فأصحابه يقرئهم السلف السلام حين كانوا إذا رأوا نعمة على شخص قادتهم للمنعم ولا يحجبهم نورها الظاهر على المنعَم عليه عن مانحها، فما روي عنهم سوى: آتاه الله علما، وأوتي فهما، وفتح الله عليه.

الخلل الثالث
والأخطر حيث يلعب البعض دور “حبة الفلجة” بين حكم الخالق العادل على مخلوقه، ويصور له الشيطان أنه أرحم حشىً، حين يدخل في الرحمة من أخرجه الرحمن منها أعاذنا الله، ففي الموسوعة الفقهية “اتفق الفقهاء على أن الاستغفار للكافر محظور، بل بالغ بعضهم فقال: يقتضي كفر من فعله”، ونقل الإجماع كذلك النفراوي في شرحه للرسالة، وهذا الذي عدوه مبالغة، نص عليه الجصاص الحنفي، القرافي المالكي وأيده ابن أمير حاج الحنفي وغيرهما. وأصحاب هذا الطرح يقرئهم الصديق رضي الله عنه السلام حيث أجاب ابنه وفلذة كبده أنه لو كان التقى به في غزوة بدر لقتله تقربا إلى الله.

ويقرئهم السلام عبد الله بن عبيد الله بن أبيّ حين وقف على باب المدينة يريد أن يقطع رأس أبيه، فعلى كل من وجد في قلبه ترددا وعدم طمئنية بحكم الله إذا صدر أن يتدارك قبل فوات الأوان.

وكل علم لا يزيد إلى الله قربا فصاحبه كالآلة التي ينتفع بها ولاتنتفع بسر نفعها! والحقيقة التي لاتقبل النقاش هي أن كل من لم يؤمن بالحبيب صلى الله عليه وسلم لا مطمع له بالنجاة والرحمة، فلا أقل من حين غلبتنا أهواؤنا نحن معشر المسرفين فلم نستطع أن نطبق الإسلام بأفعالنا فإيانا وإيانا أن لا نعيشه بقلوبنا!

ثم إيانا أن ينفذ إلى صورته المنطبعة في قلوبنا انبهارنا من أي شيء ليغير في قاعدة بياناتها ويجعل فيها: لوحة تحكم غير الإسلام! لا قدر الله.

رزقنا الله الثبات على الحق ووفقنا للعيش بالإسلام وللإسلام ونجانا من الفتن ماظهر منها وما بطن، وعجل الله بالفرج عن أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم.

البروفيسور جيفري لانغ.. من الإلحاد إلى الإسلام

لانا خياطة قطان 

ولد جيفري لانغ عام 1954 لأسرة مسيحية كاثوليكية، وقد عُمِّد وتلقى تعليمه في مدرسة كاثوليكية، ومُنح تثبيتًا دينيًّا على أنه كاثوليكي[1]، ترعرع مع أخوته الأربعة، بين يدي أم رؤوم، ممرِّضة كاثوليكيَّة ملتزمة، عرفها أبناؤها بالقوَّة والصَّبر والإرادة، ووُصفت بأنها قدِّيسة حقًا، وأبّ مدمن خمر عصبيّ فظّ، أشبع الجو العائلي بالعنف والضياع النفسي، وزرع الأسى في قلب طفل عاش طفولته رعبًا من أنَّ أباه سيقتل أمَّه ضربًا يومًا ما.

كان جيفري يعيش في شَرَك عقدٍ من الذنوب من جهات مختلفة، ذنب كراهيَّته لأبيه بسبب عنفه مع أمه، وذنب أنه ربما هو سبب هذا الغضب الموجَّه ضد أمه، وأقسى ذنب على الإطلاق هو ضعفه أمام أبيه حيال إيذائه لأمه.

وفي السنوات الست الأخيرة من عمرها، أصيبت أمه بانهيارٍ عصبي، وماتت في المستشفى، ثم توفي والده بعدها بعام.. وهنا لا بدَّ أن نذكر أنَّ شكَّه بوجود الله بدأ منذ حداثة سنِّه، عندما كان يصلِّي لكي يزيح الله والده من حياتهم، إلَّا أنَّ والده ظلَّ موجودًا.[2]

كان جيفري متوقد الذكاء، كثير الشك والجدل، فالشَّك من روح العصر الذي يعيش فيه، حتى طال المؤسّسات الدِّينيَّة، فلم يستطع مدرس التَّربية الدِّينيَّة، رغم أنَّه كان كاهنًا متمرِّسًا حقًّا أن يقنع طلابه بأنَّ الله موجود حقًّا، وبما أنَّ جيفري كان مولعًا بالرياضيَّات والمنطق، كان جدله في  فكرة بسيطة تتمثَّل في أنَّ مناقشة علم الوجود ليست برهانًا كافيًا على الوجود، فكان جزاؤه الطَّرد من الفصل ورسوبه في المادَّة، وأصبح ملحدًا في نظر جميع المحيطين به. ومع سيادة روح الشَّكِّ والفوضى والحرب والموت والدَّمار؛ فاغتيال كينيدي ومارتن لوثر كنغ ومخزى الرئيس نيكسون والشَّغب العرقي، ومذبحة فيتنام الغريبَّة، وكل الشغب والفوضى آنذاك، كان يعزِّز الشَّكَّ والتَّساؤل لديه.

وكان يتساءل: لماذا خلق الله هذا العالم العنيف النَّاقص؟ لماذا جعلنا نزَّاعين للإجرام قابلين للفساد؟ لماذا لم يضعنا في السماء منذ البداية بطبيعة غير قابلة للغواية؟ لماذا يعذِّب الأقوياء الضُّعفاء؟[3]

كان الإلحاد أقل رعبًا من كل تلك الأفكار التي تلاحقه حول عقوبة الله للجميع إلا فئة قليلة، وفكرة الخطيئة الموروثة، وإحساسه بغياب العدل الإلهي، وهكذا أصبح جيفري ملحدًا بشكل صريح في عمر الثَّامنة عشرة[4]، ولم يستطع أحد إقناعه بوجود إله، واستمر على ذلك فترة اثنتي عشرة سنة تقريبًا، مع حفاظه على معتقدات الآخرين، لم يكن يعتبر نفسه باحثًا في تلك الفترة من حياته، بالرَّغم من أنَّه كان يبحث دون أن يعي ذلك.[5]

أمَّا عن حياته الاجتماعيَّة، فقد انساق في بداية دراسته الجامعيَّة وراء أصدقاء من اتِّجاهات مختلفة، “ملحدين، يهود، بروتستانت”، ثمَّ بدأ يتجه في السَّنوات الأخيرة إلى “الهندوس والبوذيين”، وبدا له فيما بعد أنَّ تلك الصداقات كانت نموذجًا محددًا في صداقاته، يتطلَّع إلى أفكارهم بشأن الدِّين، وكان إصغاؤه أكثر من كلامه، فلم يضع معتقداته عقبة في طريق صداقاته.

وأمَّا عن حياته العلميَّة والمهنيَّة والعائليَّة؛ فقد أكمل دراسته الجامعيَّة في قسم الرياضيَّات في جامعة كونيتيكت، ثمَّ تزوج بعدها زواجًا نفعيًّا، حيث اتَّفقا على أنَّه يمكن إنهاؤه في أيّ فترة، ورحل مع زوجه إلى لافاييت الغربيَّة (إنديانا) لكي يتابعا دراستهما في جامعة بردوPurdue University [6]، وتمَّ طلاقهما بعد ثلاث سنوات بناءً على طلبها. ثمَّ تابع دراسته إلى أن تخرَّج سنة 1981م، وبقي في نفس الكليَّة محاضرًا حيث درَّس فيها فصلًا واحدًا.[7]

انتقل عام 1982م إلى مدينة سان فرانسيسكو الكبيرة، للتَّدريس في جامعتها، وهي أقدم جامعة يسوعيَّة في أمريكا[8]. وفي أولى محاضراته في هذه الجامعة تعرَّف على شاب وسيم أنيق وثري اسمه محمود قنديل، من أصل سعودي، وتوطَّدت علاقته به بأن عرَّفه على عائلته؛ أخوته (عمر وراجية قنديل)، واتَّخذوه صديقًا مقرَّبًا لها، عاش معهم أوقاتًا سعيدة جدًا، وكان جيفري يناقشهم في بعض الأحيان في الدِّين فيجيبون عن تساؤلاته، فوجد أنَّ أفكارهم الدِّينية تتبع ميثولوجيا محدَّدة وأساساً منطقيًّا معينًّا، وفي يوم أهدوه نسخة من القرآن الكريم مع بعض الكتب عن الإسلام، وبعد أن وجد في القرآن ما وجد، شعر بالانقياد إلى طريق واحد لا ثاني له، فاتَّجه إلى مسجد الكلية ليسأل بعض الأسئلة[9]، وإذ به يسلم وينطق بالشَّهادتين.[10]

تزوَّج من راجية قنديل أخت صديقه محمود، وعاش مع عائلته وبناته الثَّلاث (جميلة وسارة وفاتن) في كنساس، حيث عمل أستاذًا في قسم الرِّياضيَّات في جامعتها، إلى أن استقال مؤخرًا من عمله[11]، ومازال يرفل في سلام وسكينة الإسلام.

عانى في الفترة الأخيرة من أزمات قلبيَّة جعلته ينقطع عن العمل وعن التَّواصل مع النَّاس[12]، وقدَّم الكثير من المحاضرات واللقاءات عن الإسلام، وكانت له عدَّة مؤلفات، ساهمت في تكوين حصيلة من الأدبيَّات الإسلاميَّة المهمَّة في المجتمع الغربيّ.


الهوامش

الكاتبة مساعد العميد في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر.

[1] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 22.

[2] جيفري لانغ. ضياع ديني، ص: 31-33.

[3] المرجع نفسه، ص: 33-34.

[4] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 24. ورد في كتاب ضياع ديني أنه أصبح ملحدًا في سن السادسة عشرة من عمره. انظر: كتاب ضياع ديني، ص: 34.

[5] جيفري لانغ. ضياع ديني، ص: 34.

[6] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 26.

[7] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 28.

[8] المرجع السابق، ص: 30.

[9] المرجع نفسه، ص: 33-34.

[10] المرجع نفسه، ص: 43.

[11] زغلول النجار. قصة إسلام العالم الأمريكي جيفري لانغ، برنامج أفلا يعقلون، سلسلة الإعجاز العلمي، 22 سبتمبر 2012، رابط المقال:

https://www.youtube.com/watch?v=2LU0x9qG-CE

[12] في رسالة الكترونية أرسلها جيفري لانغ إلي بتاريخ 23 مارس 2017، أخبرني فيها أنه تعرض في ديسمبر 2016، إلى ثلاث عمليات جراحية في القلب خلال أربع وعشرين ساعة، اثنتان منها كانتا حالات حرجة.

كوميديا الإلحاد.. داوكنز نموذجا

عرابي عبد الحي عرابي

 

“الإلحاد علامةُ ذكاء”!.. هذا ما قد يعتقده كثير من الناس، خاصة وأن مشاهير من العلماء يعلنون إلحادهم ورفضهم لوجود خالق حكيم مدبِّر للكون.

لكن مهلاً، ألا تعتقد أن في هذا القول نوعاً من الكوميديا السوداء؛ تلك التي يضحك لها الإنسان على ألم ومضض.

سأنقل لك نصًّا مقتبسًا من كلام ريتشارد داوكنز أشهر كُتّاب الإلحاد ومنظريه في العالم، إلا أني قبل ذلك أريد أن أذكر لك أن داوكنز استعرض الأدلة التي تثبت وجود الخالق في بضع صفحات خفيفة وأنه ببعض السخرية والمغالطات يرى أنه قد أنهى الحاجة لها وأوقف جدوى الاستدلال بها، إلا أني أعرض لك هذه الجمل المقتبسة، يقول في نقض دليل التصميم الذكي:

“الحجة الغائية، أو حجة التصميم؛ فالأشياء في العالم وبخاصّةٍ الأشياء الحية تبدو وكأنها مصمَّمةٌ، ولا نعرف بوجود أشياء مصممة إلا إذا كانت كذلك، ولذلك يجب أن يكون هنالك مصمم وهو ما ندعوه بالإله.

حجة التصميم هي الوحيدة التي لا تزال تستخدم في أيامنا هذه وللعديدين فإنها تبدو كالضربة القاضية للمناقشة، وقد تأثر بها داروين حين كان شابًّا، عند قراءته لكتاب ويليام بايلي “علم الطبيعة الديني” ولسوء حظ بايلي، فإن دراوين الناضج قد استبعدها، [….] وبفضل داروين، لم يعد صحيحًا أن كل الأشياء التي تبدو لنا مصمَّمة لا يمكن أن تكون غير ذلك، التطوُّر بالانتخاب الطبيعي ينتج ما يمكن أن يبدو كأروع تصميم، بأعلى درجات التعقيد والأناقة” [وهم الإله: 81].

داوكنز
(David Shankbone)

إن داوكنز في هذه الفقرة يسخر من الاستدلال بالنظام المصمَّم والإتقان المشاهَدِ في كل خلق، إلا أنه يسارع إلى القول بأن الانتخاب الطبيعي والتطور المستمر  ينتجان ما هو أروع من التصميم وأعقد منه.

فهل فعل الانتخاب ذلك، وكم استغرق الانتخاب من الوقت لفعل ذلك؟

إنها مليارات من السنين التي احتاجها الانتخاب تلو الانتخاب والتصادف تلو التصادف لتطوير العالم والإنسان ثم وصوله إلى هذا الشكل الذي نراه الآن [وهم الإله: 136]، هكذا يحلو لداوكنز أن يبرر إيمانه بالانتخاب.

فإذا كان الانتخاب قادرًا على تصميم نوع من الإتقان فلمَ لا يمكن للإله فعل ذلك؟

في استدلال آخر يرى داوكنز: “أن الكائنات الحية المعقدة لا يمكن أن تنشأ مصادفة، فلا شك أن من خلقها أكثر تعقيدًا منها بالضرورة ، وبالتالي فإن الله غير موجود” [وهم الإله:114-115] وذلك استنادًا إلى حاجة التصميم المتقَن إلى منشئ له.

يمكن مصادرة هذا الكلام بالاعتراض عليه بذات المبدأ، فنقول إن كتاب داوكنز المسمى “وهم الإله” معقَّد ولا يمكن أن ينتج مصادفة، ولا شك أن كاتبه داوكنز أكثر تعقيدًا منه، إذن داوكنز غير موجود.

وهذه المغالطة عرضها كثيرون قبله بطريقة مباشرة دون مواربة ضمن ما قاله الملحدون سابقًا: “إن كان الله خلق الخلق فمن خلقه” والرد على هذا الكلام مختصر بأن الموجِد (غير المادي) لا يحتاج إلى إيجاد، بينما الحادث (المادي) يحتاج إلى مُحدِث خالق لا العكس.

يسرد داوكنز في كتابه 400 صفحة من الكلام المتراكم، دون أن يفسر أصل نشأة الكون وكيفية خروجه من العدم إلى الوجود، بل ذهب مباشرة لتفسير سر النظام داخل الكون بذكره لخواطر تعتمد الصدفة، “فهناك احتمال وجود أكوان متوازية، ولا شك أن كوننا صدفة ناجحة ضمن مجموعة من الأكوان الأخرى التي لا تنطبق عليها ثوابت كوننا” [وهم الإله: 148].

إن كل ما يخوض داوكنز فيه يتعلق بما بعد الخلق، والاختلاف في هذه القضايا دون الاتفاق على القضية الأهم إما جدَل لا طائل منه، وإما استغباء يقصد صاحبه التلبيس به على عقول قرّائه.

فهل ما يتقدم به دوكنز تنظير كوميدي فارغ أم أنه تأصيل علمي يجب الاهتمام به.

إن العلم الرصين هو الذي يقدم سلسلة من التفسيرات المتكاملة التي توضح عملية وجود الشيء وكيفية بنائه وتطوره، فإما أن يوفر العلم ذلك التفسير، أو أن يشرح عدم قدرته على إيضاح ذلك.

وميلاد المادة والكون من العدم بحاجة لتفسير علمي، فهل سنقول: إن الله خلق الكون من العدم
أم نقول إن العدم خلق الكون من العدم، أم إن الكون خلق الكون من كون آخر؟

إن من المؤسف حقًّا وصف الكتاب المذكور أعلاه بالتناول العلمي لأعظم قضية تشغل بال الوجود الإنساني بمختلف أنواعه وأزمنته وأديانه، خاصة وأن داوكنز وأشباهه لا يقدمون التفسير العلمي لأعقد مسائل هذا الوجود، وهي النشأة والخروج من العدم إلى الوجود، بل يجحدون الآيات الكونية صغيرها وكبيرها ولا يلقون لها اعتبارًا باعتبارها نشأت صدفة وتطورت بطريق الصدفة وانتظمت بعد ملايين الصدف، وكذلك مئات الملايين من المخلوقات التي توجد في هذا الكون تأتي كلها صدفة وترحل صدفة، دون أي دليل علمي على زعمهم.

واسمح لي أيها القارئ أن أمثل لك هذا التفسير التطوري أو التصادفي بالآتي:

حدث حادث في مطبعة، فخرج عن هذا الحادث اللا إرداي كتاب منسق منظم يحتوي على أكثر من 100 صفحة تبحث إحدى مشكلات الشعر والأدب!

أنتوني فلو

أيمكنك تصديق ذلك؟

لنسأل داوكنز إذن، أيمكنه القبول بما نقول؟

إن هذه الكوميديا الإلحادية تدعو البشرية لقبول القول بأن الحياة موجودة هكذا، بلا مسبب أو منشئ، فإن لم يقبل الإنسان وجود مقتولٍ دون قاتلٍ، أو كتاب بلا كاتب، أو بناء دون بانٍ، أو مدينة دون منظم ومنفذ، فكيف يقبل بوجود كونٍ كاملٍ بلا خالق.

متى كانت الصدفة أذكى من الإنسان، ومتى كان الإنسان أحكم من ربّه.

يقول الله في القرآن: {وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 20-21]

هل يمكن أن تنشئ لنا عقول الناس والإلحاد والصدفة مجتمعةً خليّة حيَّة واحدة بلا مادة سابقة؟

إن هذا السؤال دفع الفيلسوف البريطاني “أنتوني فلو” أكبر منظري الإلحاد في القرن الماضي إلى ضرورة القول بوجود الإله، وذلك ببسط مطوّلٍ في كتابه: “هناك إله” وهو آخر كتاب له، وقد أصدره في عام 2007 -أي قبل موته بثلاثة أعوام- وكان آن ذاك قد قارب التسعين عامًا.

فحوى ما يقدمه أنتوني في كتابهِ يدور حول التعقيد المتقَن في الخلية الحية وكيف أن التفكير بالتنظيم المتكامل للكون والكواكب والمخلوقات دفعه للاعتقاد بوجود المُصمم وراء كل هذا الكون.

فهل ثمة فرق برأيك بين كوميديا الإلحاد السوداء، واتزان العلم؟