الحسني ياسين – د. عرابي عبد الحي عرابي
يشهد العالم المعاصر تحوّلًا إبستمولوجيًا عميقًا في فهم العلم ووظيفته ودوره الحضاري، حيث لم يعد العلم يُنظر إليه بوصفه مجرد أداة لفهم الكون، بل أصبح -في كثير من صوره الحديثة- إطارًا لإعادة تشكيل علاقة الإنسان بالوجود نفسه.
تزامن هذا التحول مع صعود فلسفات ما بعد الحداثة التي أعادت مساءلة المسلّمات الكبرى للحداثة، وعلى رأسها فكرة العلم بوصفه الطريق الوحيد للحقيقة أو بوصفه مشروعًا تحرريًا شاملًا للبشرية، وقد اتسم الخطاب “ما بعد الحداثي” بنزعة شك واسعة في إمكان الوصول إلى معرفة موضوعية أو كونية، مع نقد السرديات الكبرى التي ادّعت امتلاكها القدرة والصوابية في تفسير الواقع تفسيرًا شاملًا.
في سياق فلسفة العلم تحديدًا، لم يقتصر نقد ما بعد الحداثة على نتائج العلم، بل امتد إلى بنيته المعرفية نفسها؛ إذ شكّك في كثير من الأمور الأساسية، مثل: “حياد المناهج العلمية” واعتبرت أن المعرفة العلمية قد تتأثر بالبنى الثقافية والسلطوية للمجتمعات التي تنتجها، كما اتجهت بعض التيارات إلى تصوير العلم كأحد أنماط الخطاب أو الأيديولوجيا، لا حقيقة معرفية مستقلة عن السياق الاجتماعي والتاريخي.
إشارات لا بد منها
جاء هذا المسار النقدي على خلفية تطوُّرٍ طويل في فلسفة العلم منذ القرن التاسع عشر، حين أسّس فلاسفة مثل أوغست كونت مشروع “الوضعية” الذي سعى إلى بناء فلسفة علمية شاملة تقوم على تراتبية العلوم وعلى مركزية المنهج العلمي في تفسير الواقع. وقد مثّل هذا المشروع أحد أهم التحولات في تاريخ فلسفة العلوم الحديثة، إذ حاول نقل التفكير الفلسفي من التأمل المجرد إلى تفسير العالم عبر القوانين العلمية والتجريب.
في الوقت نفسه، فإن مصطلح الإبستمولوجيا -أو علم المعرفة- ذاته -بوصفه نظرية للمعرفة أو دراسة لأسس العلم ومناهجه- نشأ في السياق الفلسفي الأوروبي الحديث، وهو مشتق من أصل يوناني يعني دراسة العلم أو المعرفة، وأصبح الإطار النظري لفهم طبيعة المعرفة العلمية وحدودها وطرائق إنتاجها.
إلا أن هذا المسار التاريخي، رغم عمقه الفلسفي، ارتبط في كثير من تطبيقاته المعاصرة بنزعة أنثروبوسنتريّة (مركزية الإنسان)، حيث بات العلم في بعض تجلياته موجّهًا أساسًا نحو السيطرة التقنية على الطبيعة وتسخير المادة لتحقيق الرغبات الإنسانية، لا نحو فهم الكون ضمن منظومة أخلاقية أو غائية شاملة. وهنا برزت إشكالية فلسفية كبرى تتعلق بموقع القيم والمعنى والغاية في المعرفة العلمية الحديثة، خصوصًا مع تصاعد النزعات المادية والنفعية في توظيف العلم.
في هذا السياق الحضاري والفلسفي، ظهرت داخل الفكر الإسلامي المعاصر محاولات لإعادة صياغة العلاقة بين العلم والوحي، عبر إعادة تأصيل العلم الحديث ضمن منظومة معرفية أوسع تستوعب البعد الغيبي والأخلاقي والميتافيزيقي للوجود. ومن أبرز هذه المحاولات مشروع “فقه العلوم”، الذي يهدف إلى تقديم قراءة نقدية تطبيقية للمعرفة العلمية من منظور إسلامي، مع التركيز على تحليل بنية العلم وموضوعاته ومناهجه وتاريخه، بدل الاكتفاء باستيراد نتائجه أو استهلاك مخرجاته المعرفية.
كيف يبدو هذا المسار؟
يقوم هذا التوجه على فكرة أن دراسة العلم ينبغي ألا تنحصر في نتائجه، بل يجب أن تمتد إلى تحليل الشروط الحضارية والتاريخية التي أنتجته، وهو ما يجعله قريبًا من المقاربات التاريخية النقدية للمعرفة التي ترى أن المفاهيم العلمية تتشكل عبر تراكمات تاريخية وثقافية معقدة، وليست كيانات معرفية معزولة عن سياقها الحضاري.
من هنا، يمكن النظر إلى مشروع فقه العلوم بوصفه محاولة لتجاوز ثنائية القبول المطلق أو الرفض المطلق للعلم الحديث، عبر بناء نموذج معرفي تركيبي يسعى إلى توطين المعرفة العلمية داخل أفق حضاري إسلامي أوسع، يوازن بين العقل والتجربة من جهة، والوحي والقيم من جهة أخرى. وهذا ما يجعل هذا المشروع جزءًا من نقاش فلسفي عالمي أوسع حول مستقبل المعرفة الإنسانية في عصر ما بعد الحداثة، حيث تتقاطع أسئلة العلم مع أسئلة الهوية والمعنى والأخلاق.
يتسم سياق ما بعد الحداثة بمركزية الإنسان وهدفها الأوحد تسخير المادة لتحقيق رغباته، وهو ما يتعارض مع جوهر الشريعة الإسلامية التي تؤكد على المركزية الإلهية في الحياة. من هذا المنطلق، ظهرت دعوات لإعادة توظيف التراث الإسلامي في مجال العلوم، بهدف إثبات أن هذا التراث يمثل مصدرًا فعالًا لإنتاج دوائر معرفية متجددة وربط العلوم الحديثة بجذورها الأصيلة.
في صدارة هذه المشاريع، يبرز “فقه العلوم” كبديل معرفي للأنساق الغربية. وقد صاغ هذا المصطلح الدكتور إدريس نغش الجابري بديلًا عن مصطلح الأبستمولوجيا الذي ينسب إلى أوغست كونت في النصف الاول من القرن التاسع عشر.
يُعرّف فقه العلوم بأنه الدراسة التطبيقية النقدية للمعرفة العلمية من خلال خلفية اسلامية، والتي تشمل تحليل موضوعات العلم، ومناهجه، ونظرياته، ومفاهيمه من خلال مقاربة تاريخية تقوم على رصد أخطائها وأزماتها عبر تطورها التاريخي، هذا التركيز المقارباتي يعني أن فقه العلوم لا يكتفي بحصاد المعرفة (الثمرة)، بل يتعمق في الحقل العلمي الذي أنتجها (الأصل)، وهو ما يجعله أقرب إلى “باطن التاريخ” الذي صاغه ابن خلدون في مقدمته المشهورة، وهي المقولة التي برزت في الساحة المعرفية التاريخية نتيجة قيامها على توظيف عدة مقاربات في تحليل الظاهرة التاريخية، خلافًا للدراسات التقليدية التي تكتفي بـ “ظاهر التاريخ”.
من الفلسفة إلى الفقه
يرى الدكتور الجابري أن فقه العلوم جاء ليكون مصطلحًا عوضا لـ “فلسفة العلوم”، لكنه يتميز باتساع نطاقه ليشمل مجالات أهملها البحث الغربي غالبًا لدوافع أيديولوجية تقوم على منظور مادي للمعرفة أو على ذهنية تاريخية ما زالت تستبطن الكراهية والازدراء لعالمنا الإسلامي، وتقوم على إقصاء دائرة معرفية تضم مجموعة من المعارف مثل علوم الوحي (كالتفسير والحديث والفقه)، بجانب التقريرات الشرعية للعلوم الدقيقة.
يدور عمل فقه العلوم حول سؤالين مركزيين يمثلان إطاره النظري والعملي، وهما: كيف يُبنى العلم؟ (سؤال البناء)، وكيف نؤرخ للعلم؟ (سؤال التاريخ). ويندرج تحت سؤال البناء أربعة أسئلة فرعية تُطبّق على أي علم: تتعلق بكيفية تحديد الموضوع العلمي، وكيفية اختيار المنهج العلمي المناسب، والتحقق من أصل وصدق البناء النظري وقيمة اليقين فيه، وأخيرًا نشأة وتطور المفهوم العلمي. أما سؤال التاريخ، فينبثق عنه أربعة أسئلة تتعلق بـ تصنيف العلم ضمن خريطة العلوم، ومراحل تطوره الجوهرية، وخصائص التقاليد العلمية التي توجه الجماعة العلمية، وتحديد العوائق الذاتية والموضوعية التي تحول دون تطوره.
منهجيًا، يشدد المشروع على عدم الفصل بين الدراسة البنيانية للعلم ودراسته التاريخية، كون النقد الأبستمولوجي يفقد قيمته دون استحضار البناء التاريخي والذي تكون له أهمية بالغة لا سيما على مستوى ما يعرف بالعلوم الإنسانية والتي تتأسس بشكل رئيسي على معرفة تراكمية أي أن المعارف الإنسانية تنضوي ضمن شبكة من العلاقات المترابطة بحيث تشكل لنا نسقا معرفيًّا يولد لنا علمًا جديدًا.
ثم ماذا؟
لذا، يمكن للباحث أن يسلك أحد هذين الطريقين، فإما أن يجعل التاريخ الإطار الرئيسي لتحليل مكونات العلم، أو أن يجعل البناء هو المحور الذي يُدرس كل عنصر فيه تتبعًا لتطوره التاريخي.
إن فقه العلوم ليس مجرد استيراد لأدوات الغرب، بل هو عملية “توطين” للمعرفة وإعادة إنشاء لها، فهو عملية توسيع لدائرة المعرفية الإسلامية لتشمل المتغيرات التي طفت في زماننا الراهن.
يتوقع الدكتور الجابري أن يفتح هذا المنهج آفاقًا جديدة للعلوم الإسلامية، من خلال أربع رؤى مستقبلية: رؤى علمية (كإعادة بناء العلوم الإسلامية وتجاوز النظرة التجزيئية)، ورؤى منهجية (إثراء المناهج الغربية المعاصرة)، ورؤى تربوية (تمكين المعلم والمتعلم من فهم البنية الداخلية للعلم وفق خلفية أخلاقية تستمد مضامينها من كلام الله عزوجل وسنة نبيه المصطفى عليه أزكى الصلاة والتسليم)، ورؤى تطبيقية (معرفة كيفية تنزيل المعرفة العلمية في الواقع).
في الختام، يمثل فقه العلوم مشروعًا نقديًا تجديديًا يهدف إلى ترقية المستوى العلمي من النظرة المادية العملية وربطه بالوحي الرباني الذي لايتيه الباطل، والارتقاء بالعالم المحض ليصبح “فقيه العلم”، وهي أعلى درجة معرفية ضمن الدائرة المعرفية الإسلامية.
المصادر:
- الضروري في فقه العلوم (1) مدخل إلى الأبستمولوجيا وفلسفة العلوم المعاصرة ادريس نغش الجابري
- الضروري في فقه العلوم (2) مدخل إلى الأبستمولوجيا وفلسفة العلوم المعاصرة ادريس نغش الجابري
- حوار عن التعريف بفقه العلوم مع د. إدريس نغش الجابري حاوره: د. عبد الغني سلطان الفقيه
- فلسفة العلم وتصنيفه | بودكاست فهرست
