مقالات

الوجه الآخر لألعاب الفيديو

هادي صلاحات

هناك تداخل كبير بين عالم التلفاز والسينما وعالم ألعاب الفيديو، حيث تبنى الكثير من ألعاب الفيديو على مسلسلات وأفلام كما في لعبتي (The Godfather) و(The Walking Dead)، وقد يحدث العكس كما في سلسلة (Assassin’s Creed) والتي تم تحويلها عام 2016 لفيلم سينمائي.

وهناك أيضا ألعاب وأفلام ذات أصل مشترك، كما في الألعاب والأفلام المبنية على شخصيات القصص المصورة، كشخصيات عالم (Marvel)، مثل (Spider-Man) و(Iron Man)، وشخصيات عالم (DC) مثل (Superman) و(Batman)، وكذلك روايات (Harry Potter) والتي بنيت عليها العديد من الأفلام وألعاب الفيديو.

وتقدر إيرادات ألعاب الفيديو لعام 2017 بأكثر من 115 مليار دولار، وفي الولايات المتحدة وحدها تجاوزت الإيرادات 23 مليار دولار، أي أكثر من ضعف إيرادات شباك التذاكر (Box Office) البالغة 11 مليار دولار تقريبًا.

والفئة المستهدفة في ألعاب الفيديو ليست الأطفال فحسب، حيث تتراوح أعمار 35% من اللاعبين حول العالم بين 21 و35 عامًا.

لذا فألعاب الفيديو تستحق تسليط الضوء، فأثرها قد يوازي –أو يفوق- الأفلام السينمائية في خطورته، لما فيها من تفاعل أكبر مع المحتوى. فعلى سبيل المثال، يمكن من خلال ألعاب مثل (Call of Duty) أو (Medal of Honor) -وغيرهما الكثير- عرض الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة من وجهة نظر أمريكية صرفة تزيف التاريخ، وتظهر الجنود الأمريكيين كحماة للسلام، والتطبيع مع هذه الأفكار في أذهان الأطفال منذ صغرهم.

ألعاب الفيديو والمؤسسات العسكرية
تم إنشاء أول حاسوب للأغراض العامة (ENIAC) عام 1946، وبعدها بعامين فقط ظهرت أولى ألعاب الفيديو الحربية وكانت من إنشاء مكتب أبحاث عمليات الجيش، ومنذ ذلك الحين والعلاقة بين ألعاب الفيديو والمؤسسة العسكرية آخذة بالتعمق.

ديف أنتوني (Dave Anthony) مصمم لعبة (Call of Duty) عام 2004، ضليع في وضع سيناريوهات لنهاية العالم مع تصورات شاملة للحروب، وهو حاصل على مرتبة الشرف في علوم الحاسوب، ويتضمن ذلك الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية. يعمل الآن في المقر الرئيس للمجلس الأطلسي في واشنطن، وهو مؤسسة بحثية (Think tank) مؤثرة في مجال الشؤون الدولية، وذلك لمساعدة الولايات المتحدة للاستعداد للأسوأ. ويتمثل دوره في تحديد التهديدات غير التقليدية لأمريكا، من خلال تخيل مستقبل البلاد كما في ألعاب الفيديو، وتصور النهايات غير المتوقعة.

ويستخدم الجيش الأمريكي الألعاب لتدريب جنوده، ففي عام 1997 كانت لعبة (Doom) تستخدم لتدريب مشاة البحرية (Marines)، ويتدرب الجنود الآن باستخدام أنظمة الواقع المعزز التكتيكية. ويعزو العديد من النقاد قسوة الحرب الحديثة إلى كونها تشبه إلى حد كبير ألعاب الفيديو.

ومن هنا طرأ التساؤل: ماذا لو أصبحت الحروب تحاكي ألعاب الفيديو بدلا من العكس؟

أتت الفكرة من ويليام روبر (William Roper) مدير مكتب القدرات الاستراتيجية بوزارة الدفاع، منذ تأسيسه عام 2012، ومهمته دراسة أين تتجه الحرب، ومن ثم تطوير الأدوات التكنولوجية التي تساعد الولايات المتحدة على الانتصار.

وما يدلل على نجاح المكتب وتزايد أهميته هو زيادة موازنته 18 ضعفًا منذ تأسيسه قبل أقل من ست سنوات، فالخدمات العسكرية تفكر بواقع اليوم، ووكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية DARPA تفكر بالمستقبل البعيد، أما روبر فيفكر بالغد المباشر.

ويقول روبر إنه في عصر إنترنت الأشياء (Internet of Things -IoT) لم تعد حواسنا تحدد حدود تصورنا، حيث سيعيش الجنود في المستقبل القريب في عالم يتوفر فيه كمّ لا محدود من المعلومات لمساعدتهم، كخريطة لجميع الجنود القريبين وصور حرارية وخرائط متغيرة باستمرار وإشعار عند انخفاض مستوى الذخيرة، مع خوارزميات التعلم العميق لتوقع خطوة العدو القادمة واقتراح خيارات لمواجهته، وكذلك مشورة استراتيجية تبنى على أساس خطة أولية للمعركة وتعدل مع استمرار المعركة.

وإذا كان يمكن من الناحية النظرية للجيش الاكتفاء بإرسال الآلات بدلا من البشر، لكن ذلك سيؤدي –حسب روبر- لمشكلة أخلاقية تتمثل بتفويض قرار قتل شخص ما لآلة، وأخرى تقنية تتمثل في أن الآلات حاليًا يمكنها اتخاذ قرارات جيدة فيما يخص أشياء رأتها من قبل فقط.

لذا فالتحدي قريبًا سيكون في حصول الجنود على أكبر قدر ممكن من المعلومات، مع قدر مماثل من التعلم بأبسط وأوضح الطرق، وفعل ذلك بمفردهم في البنتاغون هو –برأي روبر- “أصعب تحدٍ” لكن صناعة ألعاب الفيديو قد حققت ذلك بالفعل. فصناعة الألعاب، هي التي وضعت أفضل الطرق للاعبين للتعاون عبر البلدان كما لو كانوا يجلسون في نفس الغرفة، كما بنت واجهات سهلة للمستخدمين، لدرجة أن الألعاب الجديدة المعقدة لا تحتاج حتى للتدريب.

وقد لا ترغب بعض شركات ألعاب الفيديو في المشاركة بأمور عسكرية حربية، لكن هذا –على حد تعبير روبر- هو “نداء الواجب الحقيقي”.

وتتمثل المشاركة بأن تبني شركات الألعاب للبنتاغون الأنظمة التي يريدها مع إعطائه وصولًا حصريًا لمدة معينة، ثم كل شيء يمكن أن يعود إلى اللعبة. فيقول روبر: “نحن لا نملك المنتج، نحن نملك الوقت”.

وهكذا سيحصل الجيش الأمريكي على أفضل ما توصلت إليه شركات الألعاب، ويستقطب الموظفين ذوي الخبرة، أو يعطيهم صورة أشمل لتوسيع نطاق عملهم وضمان اتساق عملهم مع الأهداف المرجو تحقيقها، دون حاجتهم إلى الاجتماع بأعضاء آخرين. ولترغيب الموظفين بالتعاون، قد يتم تمكينهم من مرافقة فرق العمليات الخاصة لمكاتب وزارة الدفاع.

نشر القيم المنحلة
تعد قنوات ألعاب الفيديو من أكثر القنوات متابعة على يوتيوب، فالقناة الشخصية الأكثر متابعة على الموقع هي قناة (PewDiePie) التي يتابعها أكثر من 59 مليون شخص، وهي للاعب ألعاب فيديو، وقد تجاوز مجموع المشاهدات في الثلاثين يومًا الماضية 300 مليون مشاهدة على هذه القناة وحدها، أي لو كانت مدة كل مشاهدة دقيقة واحدة فقط، فإن عدد ساعات المشاهدة يتجاوز 570 سنة، مع العلم بأن مدة الفيديوهات على القناة تتجاوز العشر دقائق، وتصل مدة بعض الفيديوهات إلى بضعة ساعات.

والكثير من الألعاب التي يتم عرضها (لعبها) في هذه القنوات تساهم بنشر القيم والأفكار المنحلة. ففي لعبة (Night in the Woods) مثلًا يجب على اللاعب في إحدى مهمات اللعبة حل خلاف بين اثنين من الشواذ، بتذكير كل واحد بمفاتن الآخر، والأمر لا يختلف كثيرًا في لعبة (South Park: The Fractured but Whole).

وفي الجزء الخامس من لعبة Lakeview Cabin يجب القيام بطقوس شيطانية تتضمن قيام اللاعب بالسفاح، وذلك أمام الكاميرا مباشرة، لكن الصورة لا تكون واضحة بسبب شكل اللعبة الكلاسيكي القديم، رغم أنها لعبة جديدة صدر آخر أجزائها مؤخرًا.

وأما شركة (Rockstar games) فمعروفة بسلسلة GTA التي يتخذ اللاعب فيها دور رجل عصابات، بكل ما في الأمر من انحطاط يتضمن القتل والسرقة والزنا والذهاب إلى الملاهي الليلية… إلخ. ومن ألعاب الشركة ذاتها لعبة (Bully scholarship edition) وهي مشابهة للسلسلة السابقة لكن داخل نطاق مدرسة، وفيها إمكانية إهداء الزهور والحلوى لطلاب المدرسة الذكور وتقبيلهم.

ويزداد الأمر سوءًا في ألعاب من نوع (Interactive Story Games)، ففيها يتخذ اللاعب بملء إرادته القرارات التي تحدد مصير القصة، ومن الأمثلة على هذا النوع لعبة Life is Strange: Before The Storm التي يأخذ اللاعب فيها دور فتاة تكسر القوانين، وتعطي اللعبة الخيارات التي تسمح للشخصية بالتلفظ بأبشع الألفاظ وتعاطي المخدرات عدا تخريب الممتلكات العامة. ويتقاطع طريق هذه الفتاة مع فتاة طيبة مجتهدة، وبالتدريج تبدأ اللعبة بوضع بذور الحب الشاذ بين الشخصيتين، من خلال مواقف وظروف مشتركة مرسومة بطريقة سينمائية مغرية ومدروسة، فيتدرج الأمر من إعطاء اللاعب الخيار بقول عبارات المديح الزائد إلى مداعبة خصلات الشعر وصولًا إلى تقبيل الفتاة بمشهد درامي في ليلة ثلجية.

وأخيرًا لعبة (Dream Daddy: A Dad Dating Simulator)، والتي يأخذ فيها اللاعب دور أب وحيد يأتي مع ابنته إلى حي جديد، والهدف من اللعبة هو “مواعدة” كافة الآباء في الحي.

وغني عن الذكر أن على أصحاب قنوات الألعاب اللعب بالطريقة الأكثر جذبًا للمتابعين والتي تضمن أعلى قدر من المشاهدات. وقد يتصرف اللاعبون بالكثير من التصرفات الشاذة من باب الفضول أو التجربة.

وتتفاقم المشكلة مع تطور الرسوميات وتسارع التقدم التقني في مجالي الواقع الافتراضي والواقع المعزز، فضلا عن استخدام مثل هذه التقنيات في الألعاب ذات المحتوى الإباحي.

لذا فإن ألعاب الفيديو شأنها شأن جميع أدوات الإعلام، يجب عدم الاستهانة بمحتواها، والتعامل معها بانتباه ووعي.


المصادر والمراجع:

http://independent.co.uk/life-style/gadgets-and-tech/features/call-of-duty-designer-dave-anthony-is-advising-america-on-the-threats-that-could-cause-the-end-of-a6703471.html

https://newzoo.com/insights/rankings/top-100-countries-by-game-revenues/

https://selectusa.gov/media-entertainment-industry-united-states

https://socialblade.com/youtube/user/pewdiepie

https://statista.com/statistics/722259/world-gamers-by-age-and-gender/

https://wired.com/story/will-roper-pentagon-video-games/

العدو الشرير (6)

هادي صلاحات


دل النجاح اللافت للجنة كريل –المذكورة في المقال السابق- على فاعلية استخدام “العدو” في توجيه الرأي العام وكسب تأييد الجمهور، ومن هنا نشأ ما سمي بـ”الذعر الأحمر”، حيث كانت الشيوعية هي العدو هذه المرة.

وشهد عام 1954 أحد أشهر استخدامات “الذعر الأحمر”، حيث كانت شركة “الفواكه المتحدة” أحد أبرز عملاء إدوارد بيرنيز، إذ كانت تمتلك مزارع موز شاسعة في غواتيمالا وأمريكا الوسطى.

إعلان لشركة الفواكه المتحدة يعود إلى عام 1916

وعلى مدى عقود، كانت الشركة تسيطر على غواتيمالا من خلال الدكتاتوريين الموالين لأمريكا، ولكن في عام 1950 تم انتخاب العقيد الشاب جاكوبو أربينز رئيسًا، والذي وعد بإزالة سيطرة شركة الفواكه عن البلاد، وفي عام 1953 أعلن أن الحكومة ستتولي أمر معظم أراضي الشركة. وكانت هذه كارثة للشركة، فلجأت إلى بيرنيز.

ومع أنّ الرئيس المنتخب وحكومته لم تربطهما أي علاقة بموسكو، إلا أن بيرنيز استغل اندلاع الحرب الباردة وقلق الشعب مما قد تفعله الشيوعية؛ وعمل على تغيير مظهر حكومة غواتيمالا -إعلاميًا- من حكومة منتخبة شعبيًا تعمل لصالح البلاد، إلى ذلك الكيان الشيوعي القريب جدًا من الشاطئ الأمريكي، والمهدِّد للقيم الأمريكية.

تضمنت خطة بيرنيز دعوة صحفيين أمريكيين مؤثرين للقيام بجولة في غواتيمالا، فقلة منهم فقط كانوا يعرفون شيئا عن البلاد وسياساتها، حيث رتب لهم بيرنيز لقاءات مع سياسيين غواتيماليين مختارين ليخبروهم أن أربنز كان شيوعيا تتحكم به موسكو. كما كانت هناك خلال الرحلة مظاهرات عنيفة ضد الولايات المتحدة في العاصمة، ويرجح موظفو شركة الفواكه المتحدة أن بيرنيز هو من عمل على تنظيم المظاهرات.

أربينز

أنشأ بيرنيز أيضا وكالة إخبارية وهمية في أمريكا تدعى “مكتب معلومات أمريكا الوسطى”، وأمطرت هذه الوكالة وسائل الإعلام الامريكية بوابل من نشرات صحفية تدعي أن موسكو تعتزم استخدام غواتيمالا كشاطئ لشن هجوم على الولايات المتحدة.

وفي الوقت ذاته، أقر الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور بأنه يتعين على الولايات المتحدة الإطاحة -سرًا- بحكومة غواتيمالا. فصدرت التعليمات إلى وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) لتنظيم انقلاب.

وبالتعاون مع شركة الفواكه المتحدة، قامت وكالة الاستخبارات المركزية بتدريب وتسليح مليشيات متمردة، وعثرت على زعيم جديد للبلاد هو العقيد كارلوس كاستيلو أرماس.

وفي الوقت الذي كان فيه الطيّارون التابعون لوكالة الاستخبارات المركزية يلقون القنابل على عاصمة غواتيمالا، قام بيرنيز بحملته الدعائية في الصحافة الأمريكية ليعيد تشكيل الواقع، ويعيد توجيه الرأي العام لرؤية ما يحدث على أنه ثورة يقودها “مقاتلو الحرية” لتحرير غواتيمالا.

من نتائج الحرب في غواتيمالا

وفي عام 1954 فرّ العقيد أربينز من البلاد ووصل الزعيم الجديد أرماس، وفي غضون أشهر زار ريتشارد نيكسون غواتيمالا، وكان حينها نائب رئيس الولايات المتحدة. وأُقيم هذا الحدث تحت إشراف دائرة العلاقات العامة لشركة الفواكه المتحدة، والتي ظهرت -بعد كل هذا- على أنّها مجرد شركة تجارية.

عُرضت على نيكسون أكوام من كتب الأدب الماركسي، وقيل إنهم عثروا عليها في القصر الرئاسي. ثم قدم أرماس ونيكسون خطابهما الجماهيري وخلفهما تلك الأكوام من الكتب؛ وقدما بذلك مثالًا صارخًا على الكلمات الجوفاء التي تملأ الخطاب السياسي لكسب تأييد الجمهور، والتي تم التطرق لها في المقال السابق.

مما قاله نيكسون في خطابه: “هذه هي المرة الأولى في تاريخ العالم التي تتم فيها الإطاحة بالحكومة الشيوعية من قبل الشعب. ولهذا نهنئكم وشعب غواتيمالا على الدعم الذي قدمتموه. ونحن على ثقة بأنّه تحت قيادتكم المدعومة من الشعب -الذي التقيت بالمئات منه في زيارتي- ستدخل غواتيمالا حقبة جديدة يكون فيها الرخاء للشعب والحرية للشعب”.

ما بعد “الذعر الأحمر”

ريغان

بعد أن تراجع التهديد الشيوعي تحتم إيجاد عدو جديد، حيث أوجد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في الثمانينات العدو المناسب، والذي كان “الإرهاب”، فبدأ ريغان “الحرب على الإرهاب” والتي ما زالت مستمرة حتى الآن.

كانت الحرب على الإرهاب هي الحجة الإعلامية الأولى لجميع الفظائع والمجازر التي اقترفتها الولايات المتحدة منذ ثمانينات القرن الماضي حتى الآن، وتبعتها في ذلك كثير من الدول العربية والإسلامية.

وبحجة مواجهة هذا “العدو الشرير”، تم تبرير انتهاكات فظيعة كالتعذيب والاختفاء القسري وسفك الدماء وارتكاب المجازر؛ فضلا عن تردي الوضع الاقتصادي والتعليمي والصحي، فعلى الشعب أن يضحي في سبيل القضاء على “العدو الشرير”.

وقد يأخذ “العدو الشرير” أشكالًا عدة؛ فالإرهاب هو عدو عالمي، لكن هذا لا يمنع وجود “الأعداء” على المستوى الإقليمي، كـ”العدو المجوسي” في الشرق الأوسط (إيران)، و”العدو المجنون صاحب السلاح النووي” في شرق آسيا (كوريا الشمالية).

وبذلك يتم ضمان السيطرة الدائمة على الجماهير، بما يحقق مصالح المنظومة السياسية والاقتصادية، ويبرر الإنفاق الهائل على التسلح، والذي بدوره يضاعف مبيعات الشركات المصنعة للأسلحة.

ختامًا … من هو العدو الشرير حقًا؟
إن هذه السلسلة هي محاولة لإزالة الغشاوة عن عيون اللاهثين وراء غرائزهم ومصالحهم ونزواتهم، من لا يحتكمون لوحيٍ أو دين، فباتوا كالقطيع الضال. هي محاولة لتوضيح من هو “العدو الشرير” حقًا، وهم أولئك الذين لا يُمانعون بأن يتسببوا باندلاع الحروب وإبادة الشعوب في سبيل تحقيق مصالحهم. والذين يملكون الآلة الإعلامية الديمقراطية، ويصنِّعون الأسلحة الدموية الاستبدادية.

هم أولئك الذين يعاملوننا على أننا “قطيع ضال” تجب السيطرة عليه، هم المتوارون في الظلال ويعيثون في الأرض فسادًا. هم شياطين الإنس التي تسعى لأن تُفقَد البوصلة، ويضيع السبيل.


أهم المصادر والمراجع
السيطرة على الإعلام، نعوم تشومسكي، ترجمة أميمة عبد اللطيف، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط2، 2005.

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.

وهم الديمقراطية (5)

هادي صلاحات

تحدثنا في المقال الأول من هذه السلسلة عن إدوارد بيرنيز الذي لعب دورا محوريا في السيطرة على الجماهير والتلاعب بهم لأسباب اقتصادية، إلا أنّ التجربة الأولى لبيرنيز مع الجماهير هي تجربة سياسية.

أعضاء لجنة كريل عند تأسيسها عام 1916

فقد كان بيرنيز أحد أعضاء لجنة “كريل” للدعاية السياسية، والتي أنشأتها إدارة الرئيس الأمريكي “وودرو ويلسون” لإقناع المواطنين بضرورة دخول الحرب العالمية الأولى، فالمواطنون كانوا مسالمين للغاية، ولا يرون سببًا للتورط في حرب أوروبية طاحنة؛ وكان ذلك يتعارض مع مصالح الإدارة الأمريكية.

لذا وفي غضون ستة شهور نجح بيرنيز وزملاؤه في لجنة كريل بتحويل المواطنين المسالمين، إلى أشخاص متعطشين للحرب وتدمير كل ما هو ألماني، لإنقاذ العالم.

كانت تجربة بيرنيز مع لجنة كريل هي ما دعته لقراءة كتب خاله سيغموند فرويد، حتى يبدأ بالتلاعب بالجماهير بما يخدم مصالح الإمبراطوريات الاقتصادية والنُخب السياسية.

كان فرويد يرى الإنسان حيوانًا خطِرًا شرسًا يصعب ترويضه، خصوصًا بعد ما شهده من دموية الحرب العالمية الأولى. وقد أيقن بضرورة التحكم بالجماهير بعد رؤيته لتطبيق نظريات بيرنيز وكيف يمكن أن تؤثر النزعات الدفينة في اللاشعور على تصرفات الناس.

ولأن بيرنيز روج لكتابات خاله في المجتمع الأمريكي، فقد أصبح لآراء فرويد وقع خاص على المجتمع، ما دعا والتر ليبمان عميد الصحفيين الأمريكيين، وأكثر الكُتّاب السياسيين تأثيرًا آنذاك، إلى القول بضرورة إعادة التفكير بالديمقراطية.

ومن الأفكار التي جاء بها ليبمان ما عُرف بـ”تصنيع الإجماع”، بمعنى استخدام الأساليب الدعائية لحمل الجمهور على الموافقة على أشياء لم يكونوا يتقبلونها، والتحكم بنتائج التصويت وعدم تركها للميول التلقائية للجمهور. وذلك من خلال إبقاء الأكثرية مجرد جماهير متلقية للمادة الإعلامية دون المشاركة فيها.

في ثلاثينيات القرن الماضي، سارت “الديمقراطية” على غير ما هو مرسوم لها، وحققت الحركات العمالية أول وآخر انتصار تشريعي لها، فقد تم سن ما سمي بقانون واجنر، والذي سمح للعمال بتشكيل النقابات والمطالبة بحقوقهم. وجاء رد أقطاب الاقتصاد والإعلام عندما حاول بعض عمال الحديد القيام بإضراب عام، فتم تصويرهم إعلاميًا على أنهم مخربون يضرون بـ”المصلحة العامة” وبـ”تناغم المجتمع الأمريكي”، وينقضون “الهوية الأمريكية”.

وقد حقق هذا الأسلوب نجاحًا باهرًا، فتكرر استخدامه فيما سمي “صيغة وادي موهوك”.وهذه العبارات الفارغة (كالهوية الأمريكية) تستخدم كثيرًا لأغراض سياسية، فتُستخدم في منطقتنا العربية العديد من العبارات الشبيهة، مثل “لأجل الوطن”، عدا عن أسطوانات مشروخة تخص كل دولة على حدة، وعادة ما يتم تعزيز هذه الكلمات بصورة تلك الخرقة التي تكرس الحدود التي رسمها المستعمر، مع بعض الموسيقا المؤثرة.

شبّه ليبمان الناس بالقطيع الجائر الذي يجب التحكم فيه من خلال النخبة التي بإمكانها فهم وإدراك ماهية المصالح العامة للمجتمع، ومن ثم تقرير الأمور التي من شأنها أن تهم المجتمع.

وبالتالي حسب تصور ليبمان، فإن المجتمع الديمقراطي يتكون من طبقتين: الأولى هي الطبقة المتخصصة، وهي التي تفكر وتخطط وتحدد المصالح العامة. والثانية هي القطيع الجائر، ووظيفته المشاهدة فحسب، كما ويمكن لهذا القطيع من وقت لآخر من أن يؤيد أحد أفراد الطبقة المتخصصة، وهذا ما يُطلق عليه “انتخابات” بشرط أن يعودوا بعد ذلك لوظيفتهم الأساسية، مشاهدون فقط.

بطبيعة الحال فإنّ هناك طبقة أخرى لا تظهر للعلن، هي التي تحدد الطبقة المتخصصة، وهذه الطبقة هي التي وصفها الفيلسوف والناقد والناشط السياسي الأمريكي نعوم تشومسكي بـ”الأفراد الذين يملكون القوة الحقيقية، ويملكون المجتمع”.

يتسم نظام الانتخابات الرئاسية الأمريكية بالتعقيد، فهي انتخابات غير مباشرة تقوم على ما يُسمى بـ”المندوبين” و”المجمع الانتخابي”، حيث يصوت الشعب لمندوبين يتعهدون بالتصويت لمرشح معين. وتُجرى أولًا الانتخابات الأولية لتحديد مرُشح كل حزب، ومن ثم تجري الانتخابات الرئاسية العامة بين مرشحي الأحزاب المتنافسة (بشكل أساسي الحزب الجمهوري، والحزب الديمقراطي). وحيث أنه لا مجال للخوض في تفاصيل الانتخابات الأمريكية وقوانينها، يكفي لفت النظر لبعض النقاط:

– في بعض الولايات يمكن لمنتسبي حزب معين المشاركة بانتخابات تحديد المرشح للحزب المنافس فيما يُسمى بـ”الانتخابات الأولية المفتوحة” (open primary).

– في الانتخابات الأولية هناك مندوبون (Unbound Delegates/ superdelegates) غير مُلزَمين بإخبار الجمهور بهوية المرشح الذين سيصوتون له.

– في الانتخابات الرئاسية العامة، في كل الولايات باستثناء ولايتي “مين” و”نبراسكا”، من يفوز بولاية ما يأخذ أصوات جميع المندوبين فيها، والحصول على أصوات أكبر عدد المندوبين هو من يحدد هوية الرئيس الأمريكي الجديد. لذا يمكن بالمحصلة أن يكون الفائز بالانتخابات ليس هو من حصل على أكبر عدد من الأصوات، وقد حصل هذا خمس مرات على مدى التاريخ الأمريكي القصير، كان آخرها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز بها “دونالد ترمب” رغم حصول منافسته “هيلاري كلنتون” على عدد أصوات أكبر.

أي أنه في النظام الديمقراطي السليم، يجب على “الجمهور الديمقراطي” أن يسير وراء ممثليه الذين يعرفون المصالح العامة للمجتمع، حيث ينتخب الجمهور ما أفرزته النخبة من أفراد يُعفون الجمهور من الاهتمام بالأمور السياسية التي يصعب عليه فهم مصطلحاتها. فعلى الجمهور أن يبقى مُنشغلًا بأحدث صرعات الموضة، وبالمباريات الرياضية، وأحدث الأجهزة الالكترونية. والانتخابات الأمريكية هي بالفعل خير مثالٍ لذلك.

وحيث بينّا في هذا المقال كيف يُنظر إلى الانتخابات وإلى “الديمقراطية”، وكيف يتم توجيه الرأي العام منذ قرن من الزمان؛ فسنبيّن في المقال القادم -والأخير في هذه السلسلة- كيف تُستخدم نفس الاستراتيجية التي اتُبعت في لجنة كريل حتى يومنا هذا، بغرض توجيه الرأي العام والتحكم بالجماهير في “المجتمع الديمقراطي”.

 


أهم المصادر والمراجع

السيطرة على الإعلام، نعوم تشومسكي، ترجمة أميمة عبد اللطيف، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط2، 2005.

صناعة الواقع، محمد علي، مركز تفكر للبحوث والدراسات، القاهرة، 2014.

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.

The Electoral College: How It Works in Contemporary Presidential Elections, Thomas H. Neale, Congressional Research Service, 2017.

The Presidential Nominating Process and the National Party Conventions, 201 6: Frequently Asked Questions, Kevin J. Coleman, Congressional Research Service, 2015.

Five presidential nominees who won popular vote but lost the election, Rachael Revesz, The Independent, 2016.

http://www.ncsl.org/research/elections-and-campaigns/primary-types.aspx

استمرار السيطرة (4)

هادي صلاحات

 

بعد طغيان القيم الفردية التحررية، وُجد شكل جديد للجمهور لم يعد فيه المستهلك يتصرف كما هو متوقع منه. فقد استعانت الشركات بمحللي النفس وخبراء السوق، وتبين أن أصحاب هذه القيم هم مستهلكون أيضًا، لكنهم يبحثون عن منتجات تعبر عن تفردهم، وتحررهم. وهذا تطلب تغييرًا جذريًا في نمط الإنتاج، والتحوّل من الإنتاج الضخم للسلع المتماثلة إلى التنوع في المنتجات، وتقسيم السوق وتقييم المستهلكين على أساس فردي.

لذا لجأت الشركات في نهاية سبعينيات القرن العشرين إلى أحد أفضل مراكز الأبحاث عالميًا؛ مركز ستانفورد للأبحاث (Stanford Research Institute- SRI)، والذي عاد إلى دراسات أبراهام ماسلو –أحد رواد حركة الإمكانات البشرية (HPM)– لإيجاد أداة دقيقة لقياس رغبات المستهلكين الجدد ومن ثم تلبيتها.

وكان ماسلو قد ابتكر نظاما للتصنيف النفسي أطلق عليه “التسلسل الهرمي للاحتياجات”، والذي يعد نقطة البداية لتصنيف جديد للمجتمع بناءً على رغبات الأفراد ودوافعهم، لا طبقاتهم. وبالتالي أمكن لمعهد ستانفورد تعريف الناس من خلال أنماط السلوك المختلفة التي اختاروا من خلالها التعبير عن أنفسهم، فالتعبير عن الذات يقبع ضمن أنواع محددة.

ومن هنا ابتكر فريق معهد ستانفورد مصطلح “أنماط الحياة” (lifestyles)، فتم تصنيف الفردية الجديدة، وأطلقوا على نظامهم هذا اسم: “القيم وأنماط الحياة” (Values and Lifestyles- VALs).

أتاح هذا للشركات معرفة فئات المستهلكين الواجب استهدافها، وبالتالي تحديد الطريقة التي يمكن بها تسويق السلع إليهم، وذلك بتحديد الدوافع والقيم الحقيقية الكامنة وراء قرارات الشراء التي يتخذونها. وكانت هذه بداية التسويق القائم على نمط الحياة (lifestyle marketing).

 

تعود قوة نظام “القيم وأنماط الحياة” إلى قدرته على التنبؤ بالمنتجات الجديدة التي سيختارها المستهلكون. فإذا عبّر منتج جديد عن قيم مجموعة معينة فإنّها ستشتريه، وتم تطبيق هذه المبادئ على المنتجات والمرشحين السياسيين معاً، وبدأ هذا بالرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون في حملته للانتخابات الرئاسية عام 1996، حيث بنى حملته الانتخابية على أسس تسويقية، ما ساعده على الفوز بالانتخابات. 


وهكذا فإن الجيل الذي أراد إنشاء هويته الخاصة وكان يندد بالنزعة الاستهلاكية، اعتنقها بعد أن ساعدته في التعبير عن ذاته، فأمكنه شراء الهوية بدل إنشائها.

ومن هنا قامت الشركات بتعزيز شعور الأفراد بالتميز والاختلاف، بحيث تقدم لهم خيارات لا تحصى للطرق التي يمكنهم من خلالها أن يعبروا عن تفردهم، وما زال هذا الأسلوب مُلاحظًا في الكثير من شعارات الشركات وإعلاناتها التي تعمل على تكريس النزعة الفردية، مثل إعلان لشركة بيبسي يتضمن شعارات من قبيل “عبّر مين قدك؟”، “أنت الفكرة، أنت الجديد، أنت الوحيد”.

الرأسمالية والتفاوت الطبقي
استمر النظام الرأسمالي بالتلاعب بالجماهير عبر التعظيم من شأن الاستهلاك وتكريس النزعة الاستهلاكية، وبما يضمن زيادة تدفق الأرباح.

وهذا يُعطي لمحة عن سبب التفاوت الطبقي الهائل الذي سبّبه النظام الرأسمالي، مستخدمًا الصورة الإعلامية المبنية على أسس نفسية. ففي مطلع عام 2017، أصدرت منظمة “أوكسفام” تقريرًا مفاده أن ما يملكه النصف الأفقر من سكان العالم مجتمعين، يعادل ما يملكه أغنى ثمانية أفراد لوحدهم، وأن عدد هؤلاء الأفراد في تناقص مستمر، فقد كان 43 فردًا عام 2010.

وقد وجد أخصائي الأوبئة الاجتماعية ريتشارد ويلكينسون أن ما تشترك به المجتمعات الأكثر صحة ليس في كونها أعلى دخلًا أو أفضل تعليمًا، بل في ما تتمتع به من المساواة في التوزيع والتفاوت الطبقي الأقل.

كما فصَّل ويلكينسون الآثار الخبيثة للتفاوت الطبقي على المجتمعات من تآكل الثقة وزيادة القلق والمرض، فهناك فروق ضخمة بين المجتمعات ذات التفاوت الطبقي ونقيضاتها، لا سيما في نتائج الإحصاءات المتعلقة بكل من متوسط العمر المتوقع، والمرض العقلي، ومعدلات الولادة في سن المراهقة، والعنف، وتعاطي المخدرات، ونسبة السكان القابعين في السجون. وكلها أسوأ بكثير في البلدان الأكثر تفاوتًا طبقيًا؛ ففيها ثمانية أضعاف عدد الولادات في سن المراهقة، وعشرة أضعاف معدل جرائم القتل، وثلاثة أضعاف معدل المرض العقلي.

وفيما يتعلق بالاستهلاك، فإنّ ويلكينسون يُرجع سبب النزعة الاستهلاكية المستشرية، ليس إلى الاهتمام بالذات، بل إلى التفاوت بين طبقات المجتمع، والهوة بين الأغنياء والفقراء؛ فالإنسان مخلوق اجتماعي بطبعه، ولديه قلقٌ دائم حيال كيفية نظر الناس إليه، فيشتري السلع الأثمن وذات العلامات التجارية الاشهر، ليُنظر إليه على أنّه من “طبقة أفضل”، حتى إن أدى ذلك إلى قلة الادخار أو حتى زيادة الديون. وهذه من الأشياء المشاهدة بكثرة، والتي عززها بيرنيز كما بينّا في المقال الأول من هذه السلسلة. وسواء كان الاستهلاك بغرض التحرر أو التعبير عن الذات أو الانتماء لطبقة أفضل، فبكل الأحوال تبقى الامبراطوريات الاقتصادية هي المستفيد الأول.

النظام السياسي والرأسمالية والمجتمع
تبنّت كل من إدارة رونالد ريغان الأميركية وحكومة مارغريت تاتشر البريطانية في ثمانينيات القرن الماضي للفكر النيوليبرالي، الذي يجعل الرضا الشخصي للفرد وسعادته ورفاهيته هي المعيار؛ ما أدى إلى تراجع دور الدولة وأفسح المجال لرجال الأعمال للسيطرة على الاقتصاد من جديد، فتضخمت الشركات العابرة للقارات وتغوّلت ظاهرة العولمة.

وكان من أسوأ ما فعله ريغان بالمجتمع الأمريكي أنّه برر انعدام الرحمة، وجعله أمرًا محمودًا. فكان يقول إن من عمل بجد وجمع أمواله يجب ألا يشعر بالذنب إزاء رفض رميها بعيدًا للناس الذين يختارون عدم العمل وأن يكونوا بلا مأوى. وهذه أسوء صور الفكر الليبرالي الذي ما زال مهيمنًا على المجتمع الغربي عمومًا، والأمريكي خصوصًا.

وإن ظهر النظر لكل الأمور –حتى الأخلاقي منها- بعين الرضا الذاتي، كانتصار للذات. فإنّه في الواقع إلغاء للمجتمع، فبهذا المنطق لا يعدو المجتمع كونه مجموعة من الأفراد يتخذون خيارات فردية بشأن رفاهيتهم الشخصية!

ويُلاحظ انتشار هذا المنطق بين الشباب مؤخرًا، فبات “الاختلاف” و”التفرد” هدفًا لا سبيل لتحقيقه إلا بالتمرد على كافة الضوابط والقيم والأعراف والسلطات، من سلطة الأسرة أو الدين، وذلك كله بحجة “التعبير عن الذات” و”الحرية الشخصية”.

ومع انتشار هذه الثقافة، وبوجود وسائل التواصل الاجتماعي التي تتيح لأي شخص بأن ينشر فضلاته الفكرية، فلا عجب بأن يُغيّب الدين وتنحّى الأخلاق، وأن تعلو الأصوات المدافعة عن أشياء كالشذوذ الجنسي أو الإلحاد.

وحيث أن كل هذا التلاعب بالجماهير يتم تحت حكم نظام “ديمقراطي”، ولأن الأساليب المتبعة لإقناع أكبر كم من الناس بأن يضعوا اسم مرشح في صندوق بغض النظر عن أهليته، لا تختلف كثيرًا عن إقناعهم بشراء سلعة ما بغض النظر عن مدى فائدتها أو حاجتهم إليها. وقد أثبت بيل كلنتون ذلك فعليًا؛ لذا فإن المقال القادم سيسلط الضوء أكثر على النظام الديمقراطي، وكيفية توجيه الرأي العام بما يخدم أقطاب السياسة والاقتصاد، في النظام المسمى بالديمقراطي.


أهم المصادر والمراجع:

صناعة الواقع، محمد علي، مركز تفكر للبحوث والدراسات، 2014.

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.

Why Everyone Suffers in Unequal Societies, Richard Wilkinson, YES! Magazine, 2010.

VALs Definition by SRI

هل تنفجر فقاعة الدولار بيد ترامب؟

أحمد القاري

 

يلعب الرئيس الأميركي ترامب لعبة خطيرة وغير مسبوقة بتهديده دول العالم بالحرمان من المساعدات الأميركية إن هي صوتت في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح مشروع قرار يبطل قراره اعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني.

ترامب يخرق قاعدة غير مكتوبة تقول إن العالم يقبل بالدولار عملة دولية وبالترتيبات الاقتصادية والمالية لاتفاقية (بريتون وودز) الموقعة في أميركا سنة 1944، وبما فيها من تحكم للولايات المتحدة في قواعد الاقتصاد الدولي مقابل السخاء الأميركي بالمساعدات وأن لا تحاول أميركا الانفراد بكل الغنائم وحدها.

معظم الوفود التي شاركت في مناقشات الاتفاقية المؤسسة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وقعت نصا ينحاز لمصالح أميركا بسبب حاجة الدول لقروض أميركية بعد ما مسها من دمار الحرب العالمية الثانية.

وتم تحديد مقرّي المنظمتين الماليتين الأهم في العالم معا في واشنطن، وكانت الخطة تقتضي أن يرأسهما معا أميركيان لولا ما وقع للرئيس هاري ترومان من حرج حين أخبرته الإف بي آي بأن المرشح الذي أرسل ملفه لمجلس الشيوخ لرئاسة صندوق النقد الدولي (هنري ديكستر وايت) جاسوس للسوفيات، وأنه لا يمكن بأي حال أن يحصل على الموافقة الأمنية المطلوبة للمنصب السامي.

للتخلص من الورطة، اتصل ترومان بالأوربيين وأخبرهم أن التوازن يقتضي أن يكون منصب رئاسة إحدى المؤسستين لهم وأنه يقترح عليهم صندوق النقد الدولي. وهي القاعدة الماضية حتى الآن إذا لم يراجعها ترامب.

صدمة نيكسون
في (بريتون وودز) وافقت الدول الأربعة والأربعون المشاركة على أن يتم ربط العملات جميعا بالدولار وربط الدولار بالذهب على أساس أن تكون كل أوقية ذهب معادلة لخمسة وثلاثين دولارا. لم تلتزم الولايات المتحدة بإصدار الدولار في حدود ما تتوفر عليه من مخزون من الذهب، وزاد طلب تحويل الدولار من دول أوربا إلى ذهب، مما دفع الرئيس نيكسون إلى إلقاء خطاب (صدمة نيكسون) سنة 1971 وإعلان تعليق ربط الدولار بالذهب بشكل مؤقت. وهو قرار ما يزال ساريا حتى اليوم بعد 46 سنة من صدوره.

لم يضر قرار نيكسون كثيرا بقبول الدولار في العالم. فقد ظلت دول العالم مؤمنة به. بل تحول إلى وسيلة احتياط أساسية في بنوك العالم المركزية إلى جانب الذهب وكبديل عنه.

وبالتدريج تزايدت كمية الدولار الذي يعود من بلدان العالم للولايات المتحدة لشراء سندات الخزينة، وأصبح من اليسير تمويل عجز الميزانية الأميركية المزمن عن طريق بيع السندات لعالم متعطش لكسبها باعتبارها ملاذا آمنا للقيمة.

وجاء الرئيس دونالد ريغان سنة 1981 بزيادة الانفاق والدين العام والاستخفاف بعجز الميزانية وسيلة لربح الحرب الباردة، وخلال عهده وحده تمت زيادة سقف الديون من طرف الكونغرس 18 مرة.

تسلم ريغان الحكم والدين العام أقل من ترليون دولار، ومع ذلك كان النواب والشيوخ والاقتصاديون يتحدثون عن خطورة ذلك المبلغ وعن “أميركا المنهارة بسبب الديون” ويفيضون في خطبهم في الحديث عن أثر الدين العام على الثقة في الدولار وقيمته وعلى التزام الأجيال القادمة بأداء ما استهلكته أجيال سابقة، وانتهى حكم ريغان وقد تضاعفت الديون 3 مرات ووصلت 2.7 ترليون دولار تقريبا.

ظل أعضاء الكونغرس يرددون نفس الخطاب. فيما استمروا في التصويت على ميزانيات مؤقتة وعامة تسمح بالإنفاق فوق ما توفره المداخيل لتمويل صناديق التقاعد والضمان الصحي والاجتماعي وحروب أميركا الكثيرة.

“الريغانوميكس” أو اقتصاديات ريغان المبنية على التوسع في الإنفاق الحكومي لتحريك الاقتصاد وتنشيط النمو فرضت نفسها، فهي قضت على الاتحاد السوفياتي من خلال برامج تسلح لم يتمكن الشيوعيون من مواكبتها لكثرة ما تتطلبه من نفقات ومن خلال برامج المساعدات الأجنبية السخية التي كانت توزع على الدول بالشمال ما أخذته منها باليمين، من خلال التحكم في النظام المالي والاقتصادي، ومن خلال شراء كل أنواع السلع والخدمات بدولار لا يكلف الولايات المتحدة شيئا.

واليوم تجاوز الدين الأميركي العام 20.6 تريليون دولار، أي أكثر من ديون سنة 1981 بعشرين مرة. وتعتمد الولايات المتحدة على تمويل كل العالم لنفقاتها الباهظة أكثر من أي وقت مضى، ويعتبر تدفق الدولار من الخارج لشراء السندات الأميركية شرطا أساسيا لتمكن الخزينة من دفع نفقات لا تكف عن التزايد.

انفجار الفقاعة
يتجاهل ترامب كل ما سبق ويتحدث عن المساعدات الأميركية للخارج باعتبارها عبئا غير مقبول. ويقول إن نفقات الجيش الأميركي في قواعده عبر العالم يجب أن تسترد من الدول التي تستفيد من حماية أميركا لها.

وهو في هذا يعد نفسه أذكى من كل من سبقه من الرؤساء، وأنه اكتشف فجأة مدى سفه الرؤساء السابقين الذين وزعوا المساعدات الأميركية ونشروا الجيش الأميركي بلا مقابل!

في الوقت نفسه عمد ترامب إلى تخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق العام مما يعني المزيد من حاجة أميركا للديون الخارجية ومزيد من إيمان العالم بالدولار إيمانا يصل درجة اليقين. فالديون القديمة تسدد بديون جديدة والترليونات تتراكم بلا توقف!

وبالعودة لتهديدات ترامب بمعاقبة من يصوت في الأمم المتحدة لصالح إدانة قراره اعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني، نجد أنفسنا أمام أول حالة لرئيس أميركي يهدد بعقوبات اقتصادية قد تشمل عشرات من دول العالم. بينما كان العقوبات الاقتصادية الأميركية دائما وسيلة ردع وتخويف يتم من خلالها استهداف دولة لتخاف الدول الأخرى وتدخل بيت الطاعة.

كان في سلوك الرؤساء الأميركيين السابقين شيء من المنطق الناتج عن استماعهم لأعضاء دواوينهم ولمستشاريهم وفهمهم حقيقة التوازنات الاقتصادية “المؤقتة” لما بعد الحرب العالمية الثانية، ويبدو أن طبيعة ترامب وثقته بأنه يفهم أفضل من الجميع، وبأن أميركا يمكن أن تدار كما يدير شركاته من خلال القروض والصفقات المتعسفة على الآخرين.

إنه عهد رئاسة رجل يحب أن يلقب بـ “ملك الديون”، فهل يكون هو الرئيس الذي تنفجر في عهده فقاعة الدين الأميركي وما يرتبط به من اقتصاد عالمي قائم على العجز المالي والتمادي في الاقتراض بغير نهاية؟

نشوء النزعة الاستهلاكية (1)

هادي صلاحات

بعد نجاح الثورة الفرنسية، ظهر تأثير الجماهير جليًا، مما دعا علماء النفس لدراستها؛ وكان من أهم من جعل الجماهير موضوعًا لدراساته هو عالم النفس غوستاف لوبون، من خلال كتابه “سيكولوجية الجماهير”.

وقد نظر لوبون إلى الجمهور بأنهم قطيع لا يستطيع أن يستغني عن سيد، فالجماهير لا تستطيع أن تقود نفسها بل تنقاد خلف من يقودها، سواء كان هذا القائد إنسانًا، أم وسيلة إعلام توفر للجماهير عبارات جاهزة تعفيهم من التفكير.

وأحد أهم من شاطر لوبون نظرته للجماهير، هو عالم النفس مؤسس المدرسة التحليلية في علم النفس سيغموند فرويد، والذي استكمل دراسات لوبون من خلال دراسته للجماهير الدائمة، وليس فقط الجماهير الثورية “العارضة”.

إدوارد بيرنيز

إلا أن إدوارد بيرنيز -أحد مؤسسي علم العلاقات العامة وابن أخت فرويد- هو من أعطى لدراسات فرويد بُعدًا آخر. حيث يذكر بيرنيز في مستهل الفصل الرابع من كتابه “البروباغاندا” أن دوافع وعواطف الجموع تختلف عنها لدى الأفراد متفرقين، وبالتالي فإنّ فهم هذه الدوافع سيؤدي إلى التحكم بالجماهير والتلاعب بهم دون حتى أن يدركوا ذلك.

وبالفعل تمكن بيرنيز من التلاعب بعقول الجماهير وتغيير قيم المجتمع الأمريكي بأسره، وذلك بما يخدم الجهات المتنفذة اقتصاديًا وسياسيًا.

وأمثلة ذلك كثيرة، ومنها حين أخبر “جورج هيل” مدير مؤسسة التبغ الأمريكية بيرنيز أن مُصنّعي السجائر يفقدون ما يقارب نصف زبائنهم المحتملين لأن تدخين المرأة لم يكن مقبولاً في المجتمع الأمريكي حينها (عشرينيات القرن الماضي).

فقام بيرنيز باستغلال موكب عيد الفصح الذي يُقام سنويًا في نيويورك وما يصاحبه من تغطية إعلامية، وأوعز لمجموعة كبيرة من النساء بأن يقمن بإشعال السجائر، ومن ثم أخبر الصحافة بأن مجموعة من المُطالبات بحق المرأة في التصويت قمن بالاحتجاج من خلال إشعال “مشاعل الحرية”.

وبهذا ضمن بيرنيز ليس فقط تقبّل المجتمع لتدخين المرأة، بل تأييده لذلك أيضًا. ففي النهاية المرأة الحاملة لمشعل الحرية (تمثال الحرية) هي رمز نيويورك خاصة والولايات المتحدة الأمريكية عامة. وإلى الآن ما زالت توصف النساء المدخنات بأنّهن “متحررات”.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد لجأ مدير مؤسسة التبغ الأمريكية لبيرنيز مرة أخرى، وذلك حين لاحظ قلة إقبال النساء على سجائر “lucky strike” بسبب لون العلبة الأخضر المتعارض مع “الموضة” في حينه. كما أوضح له أنّ تغيير لون العلبة يعني خسارة ملايين الدولارات المنفقة على الحملات الإعلانية المرتبطة باللون الأخضر.

فما كان من بيرنيز إلا أن قام بتغيير “الموضة” برمتها؛ حيث طلب من إحدى نساء المجتمع المخملي إقامة حفلة مرتدية اللون الأخضر، كما وتواصل مع زبائنه وعملائه من دور أزياء فرنسية، فأصبح اللون الأخضر هو آخر صيحات الموضة.

مثال آخر على تلاعب بيرنيز بعادات المجتمع، كان عندما واجهت شركة “Beechnut Packing Co” انخفاضًا في مبيعات لحم الخنزير المقدد “bacon”، حيث وجد بيرنيز أنّ الشعب الأمريكي يتناول وجبة إفطار خفيفة.
لجأ إلى أحد الأطباء الذي وجد بدوره أنّ الإفطار يجب أن يكون غنيًا بالسعرات الحرارية، لاحتياج الجسم للطاقة لبقية اليوم.ومن ثم طلب الطبيب من 5000 طبيب آخر بأن يؤكدوا على ما توصل إليه، فوافق 4500 منهم على ذلك. وانتشر الخبر في الصحف بأنّ 4500 طبيبًا يحثون على تناول إفطار غني بالسعرات الحرارية “حفاظًا على صحة الشعب الأمريكي”.
وأضافت العديد من الصحف بأنه يجب تضمين لحم الخنزير المقدد والبيض ضمن وجبة الإفطار. والآن يعتبر طبق البيض واللحم المقدد ضمن وجبة الإفطار جزءًا من “الثقافة الأمريكية”.وهكذا تضافرت الأبحاث “العلمية” مع الآلة الإعلامية، ورسمت عادات المجتمع، فيما يخدم الامبراطوريات الاقتصادية.

هذا وكان بيرنيز أحد أوائل الذين استخدموا الممثلين والنجوم كإحدى أدوات التسويق، من خلال صورهم على أغلفة المجلات، وما يرتدونه في الأفلام. وقد دفع بيرنيز لكثير من المشاهير المال كي ينقلوا رسالة مفادها أنّك تشتري هذه الثياب ليس من منطلق الحاجة، بل لتُعبر عن نظرتك لذاتك، والذي أُطلق عليه “علم نفس الأزياء”.

كان الرئيس الأمريكي “كالفين كوليدج” رجلًا هادئًا قليل الكلام؛ فصورته الصحافة على أنه شخص ممل عبوس، فكان حل بيرنيز هو أن يفعل بالضبط ما فعله مع المنتجات، حيث أقنع 34 من أشهر نجوم السينما بزيارة البيت الأبيض. وفي اليوم التالي، تناولت كل الصحف الخبر في صفحاتها الأولى، وكيف استضاف الرئيس الممثلين بحفاوة وبهجة.

وهكذا أصبح التركيز ليس على جودة السلعة أو منفعتها الفعلية بل على القيمة المعنوية التي تعِد السلعة بإضافتها، وذلك فقط باقترانها بصورة المجتمع الراقي أو الممثل الوسيم أو النجمة الجذابة، فقد أدرك بيرنيز أنّه من الممكن حمل الناس على القيام بتصرفات لاعقلانية، فقط بربط المنتجات برغباتهم العاطفية ومشاعرهم.وبهذا نقل بيرنيز الجماهير من البحث عن “الحاجات” إلى السعي نحو “الرغبات”. وشكّل لديهم ما تسمى بالنزعة الاستهلاكية، وذلك بجعل الاستهلاك غاية بحد ذاته، فكانت النزعة الاستهلاكية إحدى الأدوات التي استخدمها بيرنيز للتلاعب بالجماهير.

الكثير من الإعلانات فيها استخفاف صارخ بعقل المشاهد، كربط إحدى أكثر السلع ضررًا على الصحة واللياقة، بأحد أكثر اللاعبين سرعة. وكأنّ هناك حالة من التأكد بأنّ اللاعقلانية تنتصر على العقلانية

وقد أدركت الشركات أهمية ذلك في مواجهة خطر “الإفراط في الإنتاج”، والمتمثل في اكتفاء الناس وتوقفهم عن الشراء والاستهلاك.

وحيث أن البنوك في تلك الفترة أصبحت بذاتها مؤسسات احتكارية قوية دخلت في عملية الإنتاج ونفذت إلى الصناعة؛ فقد صرّح “بول م. مازر” أحد الشركاء الرئيسيين في بنك “ليمان براذرز” (Lehman Brothers) بأنّه “يجب نقل أمريكا من ثقافة الاحتياجات إلى ثقافة الرغبات، فتكون هناك رغبة بشراء سلع جديدة رغم عدم تلف القديمة، ويجب تشكيل عقلية جديدة للرجل الأمريكي تطغى فيها رغباته على احتياجاته”.

وتحقق ذلك بشكل رسمي بتولي هربرت هوفر رئاسة الولايات المتحدة عام 1929، والذي صرّح بوضوح بأنّ الاستهلاك سيكون المحرك الرئيس للحياة الأمريكية.

وفي المقال القادم سنرى أثر النزعة الاستهلاكية حين تكون سمة من سمات المجتمع.


المصادر والمراجع

صناعة الواقع، محمد علي فرح، مركز تفكر للبحوث والدراسات، 2014.

قوة الصورة، أحمد دعدوش، ناشري للنشر الالكتروني، 2014.

Propaganda, Edward L. Bernays, Liveright Publishing Corporation, New York, 1928.

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.

http://www.prmuseum.org/video-and-audio/

الليبرالية

أحمد دعدوش


ترجّح معظم الموسوعات العالمية أن مصطلح الليبرالية مشتق من الكلمة اللاتينية liber والتي تعني “الحُر”، ويصعب على الباحثين اليوم وضع تعريف جامع ومانع لهذا المصطلح، إذ تعترف موسوعة لالاند الفلسفية بالالتباس الحاصل في هذا المصطلح ولا سيما مع تشعب المفاهيم المتداولة له بين الأحزاب والحركات السياسية، كما تقرّ الموسوعة العربية العالمية بغموض هذا المصطلح لتبدل معناه بصورة ملحوظة مع مرور الزمن.

ويمكن القول إن الليبرالية تيار فكري ينطلق من مبدأ الحرية وتحقيق الفرد لذاته في المجالات المختلفة، وحسب موسوعة لالاند فإن الليبرالية تدل على العقائد التي تعتبر ازدياد الحرية الفردية من مُثلها. وعليه فإن جميع التعريفات التي وُضعت لهذا المصطلح تتخذ من المذهب الفردي الذي يرى أن الحرية الفردية هدف وغاية ينبغي تحقيقها، ثم تتنوع هذه التعريفات بحسب المجال التي تعرَّف من خلاله.

ففي السياسة ترتكز الرؤية الليبرالية على مفاهيم المواطنة وحماية الحريات السياسية والمدنية وتأييد النظم الديمقراطية البرلمانية، وفي المجال الاجتماعي والثقافي تؤيد الليبرالية الحرية في الاعتقاد والتعبير وقضايا الأحوال الشخصية والممارسة الجنسية، أما في الاقتصاد فتؤكد المدرسة الليبرالية (الرأسمالية) على المنافسة الحرة وحرية التملك والعمل والاستثمار.

الليبرالية الكلاسيكية
بدأت بوادر الليبرالية بالظهور في عصر النهضة الأوروبية بالقرن الخامس عشر الميلادي، وذلك تزامنا مع حركة العلمنة التي دعت لتحرير العقل العلمي من سلطان الكنيسة ولإعفائه من الالتزام بالولاء لما يتناقض مع أولى بديهياته، كما نادت بإطلاق حرية العقل في التجريب والملاحظة بعيداً عن المسلّمات الأولية المتناقضة في النصوص اليهودية-المسيحية. وتأثر رواد هذه الحركة الأوائل بالمنهج العلمي النقدي في فلسفة العالم الأندلسي ابن رشد وفي ما تُرجم عن المنهج العلمي التجريبي لعلماء مسلمين آخرين مثل جابر بن حيان والحسن بن الهيثم، كما تأثروا بنزعة “الحرية الفردية” عند الإغريق.

توماس هوبز

ويعد الفلاسفة الإنجليز والفرنسيون أبرز رواد الليبرالية الكلاسيكية، ففي بدايات القرن السابع عشر طرح توماس هوبز أفكاره عن الحقوق الفردية والمساواة بين المواطنين وعن الشخصية الاعتبارية للنظام السياسي، كما تحدث عن ضرورة تمثيل جميع القوى السياسية في السلطة.

وكان هوبز يؤمن بفكرة “ذئبية” الإنسان، بمعنى أن البشر يميلون للتوحش والتغلب على الآخرين وسلب حقوقهم في الحالة الطبيعية، ولكن حاجتهم لتأسيس المجتمعات دفعتهم لوضع “عقد اجتماعي” يتفق فيه المواطن مع السلطة (بشكل غير معلن) على الالتزام بالقوانين المشتركة في مقابل حصوله على الحماية من السلطة، وبهذا فقد قيّد هوبز الحرية الفردية بالقدر الذي يتطلبه قيام المجتمع.

جون لوك

وفي منتصف القرن السابع عشر، عرض الفيلسوف الإنجليزي جون لوك نظريته الليبرالية التي مال فيها لمزيد من التحرر الفردي قياسا إلى هوبز، حيث أعطى للفرد حق مقاومة السلطة “الغاشمة”، انطلاقا من مبدأ الدفاع عن النفس، كما تميز لوك عن غيره من فلاسفة العقد الاجتماعي بتقييد السلطة بقبول الأفراد لها، ما يعني منح المواطنين حق سحب الثقة منها.

ووضع لوك أفكاره في كتاب “رسالتان في الحكم”، وقال فيه إن الوظيفة العليا للدولة هي حماية الثروة والحرية، وإنه يجب على الشعب تغيير الحكومة عند تقصيرها في ذلك. وساهم كتابه هذا في تحريك الأميركيين للقيام بالثورة.

جان جاك روسو

أما الفيلسوف السويسري الفرنسي جان جاك روسو فخالف سابقيه هوبز ولوك في افتراضهما كون الحالة الأصلية للمجتمع البشري قائمة على  التوحش، بل توقع أن الناس كانوا في تلك الحالة يعيشون حالة اكتفاء ذاتي وسلام، ويحتكمون إلى مبادئ أخلاقية فطرية. ورأى أن تأسيس المجتمعات جاء لعوامل اقتصادية مما دعا لإنشاء قيم اجتماعية جديدة وعلى رأسها الجشع والمنافسة وحب التملك، والتي أدت بدورها لنشوء قيمة الملكية الخاصة.

وعند هذه المرحلة انقسم الناس -حسب روسو- إلى مالكين وعمّال، ثم رأى المالكون أنه لا بد من تأسيس حكومة لحماية أملاكهم، وذلك على أساس عقد اجتماعي ينص على توفير المساواة والحماية للجميع بالرغم من أن الهدف غير المعلن هو تكريس “اللامساواة”.

وبما أنه من الصعب العودة إلى المجتمعات الفطرية البسيطة، ينصح روسو بإقامة أنظمة ديمقراطية يشارك فيها كافة المواطنين، بحيث تعبر القوانين عن الإرادة العامة للشعب، ولا تكتسب السلطة شرعيتها دون إجماع النظام الاجتماعي عليها. وكان لروسو فضل في التأكيد على أهمية احتفاظ المجتمع بالمعايير الأخلاقية لكبح عجلة التدهور والانهيار، وقد تأثر زعماء الثورة الفرنسية بأفكاره السياسية.

فولتير

في عام 1725، نُفي الكاتب الفرنسي المتمرد فولتير إلى إنجلترا ليعيش فيها ثلاث سنوات، فتأثر هناك بالنظام الملكي الدستوري الذي يحد من سلطات الملك وبالمستوى المرتفع نسبيا لحرية التعبير والاعتقاد، وعاد إلى بلاده ليحمل هذه الأفكار ويروج لها بقوة.

وشارك فولتير في المشروع الضخم الذي قاده دالامبير لكتابة أضخم موسوعة (دائرة معارف) في ذلك العصر، فكانت موسوعة “الإنسكلوبيديا” الفرنسية منبرا فكريا وعلميا ضخما لصياغة شتى أنواع المعارف من المنظور العلماني الليبرالي، وتم على أساسها بناء الفكر الحداثي للقارة الأوروبية ولشعوب العالم التي خضعت لها عسكريا وثقافيا.

الإنسكلوبيديا

وكان مونتيسكيو من أهم كتاب الموسوعة، وهو صاحب نظرية فصل السلطات في الأنظمة الديمقراطية، وقد كان لكتابه “روح القوانين” دور مهم في التشجيع على الانتقال من الحكم الملكي إلى الأنظمة الجمهورية، وساهمت أفكاره في صياغة الدساتير الغربية وإعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا.

وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر وضع الإنجليزي جون ستيوارت ملْ كتابين مهمين أسماهما “في الحرية” و”أسس اللبرالية السياسية”، وأوضح فيهما أن الليبرالية لا تتناول نظريات حرية الإرادة من الناحية الفلسفية بل تبحث في الحرية المدنية الاجتماعية.

ودعا ملْ لحرية الفكر والاعتقاد، كما أيد تقييد الحرية الفردية بضوابط القانون والأخلاق، مشيرا إلى أن “ما يخص الفرد وحده هو من حقوقه, وأن ما يخص المجتمع فهو حق للمجتمع”، كما رأى أنه إذا تمكن كل مواطن من أن يعرف قدر ما يستطيع ولم يتوفر له في المقابل من السلطة إلا قدرا محدودا فسنتجنب حينئذ السقوط في دولة استبدادية “تمسخ مواطنيها”.

وانتقد ملْ الديمقراطية نفسها معتبرا أنها تكرس هيمنة الأكثرية لتسلب حرية الأقلية، ولو كانت الأقلية فرداً واحداً، ورأى أنه بقدر ما تزداد الحكومة ديمقراطية فإنها تنتقص من الحرية الفردية. كما أيد حق المواطن في الاعتراض والاحتجاج، وانتقد تناول المبادئ على أنها مسلمات لا تحتمل النقد، كما اعتبر أن المجتمع الديني مؤسس على الإجماع في الرأي وعلى تحريم النقد والنقاش وأن نظامه السياسي مؤسس على الاستبداد.

وتابع ملْ تطبيق رؤيته لحرية الفرد ليصل بها إلى درجة اعتراضه على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يُعد من فروض الكفاية في المجتمع الإسلامي، إذ كان يعتبرها بمثابة القيام بمهام الإله، وقال إن من يقوم بهذا العمل فإنه “يعتقد أن الله لا يكره فقط من يعصي أوامره، بل سيعاقب أيضاً من لم ينتقم في الحال من ذلك العاصي”، مع أن النهي عن المنكر في المفهوم الإسلامي ليس انتقاما ممن يمارسه. لكن ملْ لم يطبق مفهومه هذا عندما يتعلق الأمر ببيع المواد الضارة كالسموم مثلا أو عند مناقشته لمسائل تحديد النسل وضرورة التعليم، بل طلب من الدولة التدخل كي لا يبقى المواطن جاهلا ولا يسمم الآخرين، معترفا في النهاية بأن الإنسان قد لا يعرف مصلحته بنفسه دائما وأن ممارسته للحرية الفردية يجب أن تكون مقيدة.

آدم سميث

الليبرالية الاقتصادية
ارتبط الفكر الليبرالي منذ نشأته بالطبقة الوسطى (البورجوازية) الصاعدة في أوروبا، والتي كانت تحشد قواها للتمرد على النظام الإقطاعي حيث كانت طبقة النبلاء الحاكمة تتحالف مع رجال الكنيسة لتكريس واقع طبقي مجحف، فطالب جون لوك مبكرا بمنح كل المواطنين الحق في تملك الأرض ووسائل الإنتاج معتبرا الملكية الخاصة من أبسط حقوق الإنسان، وكانت هذه بداية التوجه نحو الاقتصاد الرأسمالي، والذي سنخصص له لاحقا مقالا مستقلا.

وفي القرن الثامن عشر، بدأ الفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث بوضع أسس علم جديد هو الاقتصاد السياسي، وأقام نظريته على فكرة “اليد الخفية” التي تدعو إلى ترك الأفراد يسعون لتحقيق مصالحهم الاقتصادية الخاصة دون أي تدخل من السلطة، فتقوم يد خفية بتحقيق المصلحة العامة للمجتمع تلقائيا، بينما يجب أن يقتصر دور الدولة على حماية الحقوق الفردية بالقانون دون تدخل. وكان يقول إن الفرد عندما يسعى لتحقيق مصالحه الخاصة فهو غالباً ما يحقق مصالح الجماعة بشكل أكثر فاعلية مما يمكن تحقيقه عندما يعمل باسم المصلحة العامة. وأصبح شعار هذه المرحلة هو “دعه يعمل، دعه يمر”.

أما الفرنسي جان باتيست ساي فوضع قانونا للأسواق زعم فيه أن عرض السلع يخلق في المقابل طلباً موازياً له، وقال إن الطلب إذا قل عن العرض في سلعة ما فسيتم تعويض الخلل في السلع الأخرى بحيث يبقى التوازن قائما بالمجمل، وبهذا قام النظام الرأسمالي على الإنتاج الصناعي المتسارع وتحرير التجارة من القيود وفتح الأبواب أمام الاستثمار في الديون والمضاربات. ويمكن لنا ملاحظة التشابه بين مفاهيم الحرية المختلفة في كل من المجالات الاقتصادية والسياسية والفكرية تحت مظلة الفكر الليبرالي، حيث أصبحت حرية الفرد مفهوما شبه مقدس يسعى الجميع لتبريره وإثبات عدم تعارضه مع المصالح العامة.

عاطلون عن العمل ينتظرون دورهم للحصول على حساء مجاني في شيكاغو

لكن نظرية ساي فشلت لاحقا، فسرعان ما ظهرت الأزمات في النظام الرأسمالي وكانت أبرزها أزمة الكساد العظيم عام 1929، حيث انتشرت البطالة وعجزت الحكومات عن تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، فاضطر الاقتصاديون –وعلى رأسهم جون ماينارد كينز- إلى ابتكار مفهوم الليبرالية الاجتماعية، حيث أصبح من واجب الدولة توفير فرص العمل وتقديم الرعاية الصحية والتعليم مع الحقوق المدنية للمواطنين، ووضع حد أدنى للأجور وتوفير معاشات للمتقاعدين، فضلا عن ضرورة تدخل الدولة لإحداث نوع من التوازن ما بين العرض والطلب.

وفي ستينيات القرن العشرين، ظهرت مدرسة شيكاغو لتعيد الدعوة إلى تطبيق الليبرالية الكلاسيكية تحت مسمى النيوليبرالية، وفي الثمانينيات تبنت هذه السياسة كل من إدارة رونالد ريغان الأميركية وحكومة مارغريت تاتشر البريطانية، فتراجع دور الدولة مجددا وأفسح المجال لرجال الأعمال للسيطرة على الاقتصاد، فتضخمت الشركات العابرة للقارات وتغوّلت ظاهرة العولمة، حيث أصبحت ميزانيات بعض الشركات تعادل ميزانيات عدة دول مجتمعة، وتضاعف حجم الهوة بين فقراء العالم وأغنيائه ليصل إلى أرقام لم يعرفها التاريخ من قبل، وتكرر ظهور الأزمات المالية العالمية حتى كانت الأخيرة عام 2008، حيث طالب الكثير من الاقتصاديين في العالم بإلجام ما أسموه “الليبرالية المتوحشة”، بل دعا بعضهم للاستفادة من الاقتصاد الإسلامي عندما ظهر أن المصارف الإسلامية هي الوحيدة التي لم تتعرض لخطر الإفلاس. وسيأتي بيان هذه المراحل مفصلا في مقال الرأسمالية.

الليبرالية الثقافية
تستند الليبرالية في جانبها الثقافي إلى العلمانية الدنيوية التي مهدت لظهور الليبرالية في أوروبا قبل نحو خمسة قرون، فالعلمانية أسقطت القدسية عن الإله في البداية، ثم سمحت بإحلال الإنسان مكانه كما فعل التيار الإنساني (الهيوماني) أو برفع العقل لمرتبة التقديس كما فعل التيار (العقلاني)، وفي كلتي الحالتين صعد الفكر الليبرالي للمناداة بفردية الإنسان واحترام حريته.

ونظرا لقوة تأثير المد الليبرالي في أوروبا إبان عصر النهضة، تأثر المتدينون أنفسهم من البروتستانت بمبادئ الحرية، فانشقوا عن الكنيسة الكاثوليكية لتأسيس مذهبهم الإصلاحي متبنين بعض الأفكار الليبرالية مثل التخلص من طبقة الكهنوت الكنسية والإعلاء من قيمة الفرد الذي أصبح بإمكانه التعبد بدون واسطة رجال الكنيسة ممن اعتادوا منح صكوك الغفران للتائبين.

جون ملتون

وفي منتصف القرن السابع عشر، وضع الشاعر البريطاني جون ملتون رسالة تعد من أوائل الكتابات التي دافعت عن حرية التعبير والصحافة وحملت اسم “أريوباجيتكيا”، واستند في كتابتها إلى المنظور البروتستانتي التطهري، حيث يريد الرب أن تكون للناس صحافة حرة ليتمكنوا عبرها من الاطلاع على الحقيقة. وكان ملتون ليبراليا معتدلا حيث اكتفى بالدعوة إلى التحرر من سلطة الحكومة وطالب بتقييد النقد الموجه للمقدسات الدينية، لكن الجيل التالي من الليبراليين أخذ يطالب بالتحرر من كل القيود ومناقشة كل المسائل مهما كانت حساسة، كما رأى أن يخضع كل شيء للنقد سواء كان نظام الحكم أو العقيدة الدينية. وبهذا تجاوز الليبراليون مفهوم ملتون للحقيقة التي كان يختصرها في إرادة الرب لتصبح الحقيقة نسبية.

تطور الأمر لاحقا على يد جون ستيوارت ملْ الذي يعد من مؤسسي مدرسة النفعية، وهي مدرسة فكرية تحدد القيمة الأخلاقية للفعل بمقدار إسهامه في النفع الشخصي أو العام، وبما أن ملْ كان من رواد الليبرالية أيضا فقد طرح مفهومه لحرية التعبير من منطلق المنفعة، حيث رأى أن الأصل في حرية التعبير هي كونها أمرا نافعا للمجتمع الإنساني مما يستلزم الدفاع عنها.

ويقدم الليبراليون حججا عقلية لدعم موقفهم المؤيد لحرية الفكر والتعبير، وأولها أن الإنسان ليس معصوما عن الخطأ، فليس لأحد الحق في ادعاء صواب موقفه دون تمحيص وعرض على الآراء الأخرى، كما لا يمكن التحقق من صحة أي رأي فردي طالما ظل مقتصرا على صاحبه، فقد يكون الحق مع شخص واحد فقط وسيكون من المفيد للمجتمع أن يُعرض هذا الرأي ويُعلن في الصحافة والبرلمان ليُستفاد منه.

وترتبط حرية الرأي والفكر والتعبير في الليبرالية بقاعدة أساسية هي نسبية الحقيقة، حيث تُنزع القداسة عن كل رأي أو مذهب وتوضع كل القناعات والعقائد والآراء على طاولة النقد بالتساوي. وقد يكون هذا المنهج النقدي سليما ومنطقيا عندما يكون منطلَقا للبحث عن صحة أي دين أو رأي، بحيث يصل الباحث في مرحلة تالية إلى الحقيقة ويتمسك بها، لكن الليبراليين يصرون على أنه لا يمكن الوصول للحقيقة أصلا، وعلى أن كل الآراء والعقائد المطروحة ستظل نسبية وقابلة للصواب والخطأ، وهذا أمر غير منطقي ويتنافى مع الواقع، فهناك حقائق في هذا الكون لا يمكن نفيها، وأولها وأبسطها وأكثرها بداهة هو وجود الإنسان نفسه، كما أن الافتراض المسبق بأن التوصل للحقيقة سيؤدي للتعصب ولاضطهاد الآخرين والتحقير من شأن معتقداتهم هو افتراض غير واقعي، وحتى في حال صحته فهو ليس مبررا لنفي إمكان التوصل للحقيقة، ويؤكد خصوم الليبرالية أن هذا المبدأ الليبرالي ليس سوى ردة فعل على التعصب الكنسي الذي كان سائدا في القرون الوسطى، ثم أصبح ردة فعل أقوى على الحماس الأعمى الذي تبناه البروتستانت أيضا.

أصبحت فلورنسا الإيطالية معقل الليبرالية في عصر النهضة فور وصول عائلة مديتشي للحكم واحتوائها للجمعيات السرية

الليبرالية والماسونية
تعد المطالب الليبرالية من الأفكار الأثيرة لدى الماسونية، حيث تجهر الماسونية منذ انطلاق عملها المنظم في القرون الثلاثة الأخيرة بإشاعة حرية التعبير وعلمنة التشريعات ومساواة الأديان من منظور دنيوي، وقد كان الكثير من رواد الفكر الليبرالي أعضاء في المحافل الماسونية.

شعار محفل الشرق الفرنسي الأعظم

وعلى سبيل المثال، كان فولتير عضوا في منظمة النور البافارية (الإليوميناتي) التابعة للماسونية، وعضوا في محفل الأخوات التسع في باريس، ومن أشهر أقواله التي تعد شعارا لليبراليين “قد أختلف معك في الرأي إلا أني على استعداد للموت دفاعا عن حقك في أن تعبر عن رأيك”.

ويجد الباحثون تقاطعا كبيرا بين المبادئ الماسونية والأفكار التي بثها رواد الليبرالية، ففي المؤتمر الماسوني العالمي الذي انعقد في نابولي الإيطالية عام 1869 تم الإعلان عن مجموعة من المبادئ وأهمها “حرية العقل ضد السلطة الدينية واستقلال الإنسان ضد الكنيسة والدولة” إضافة إلى “ضرورة محو الأديان وكل سلطة دينية” [State Secrets: A Documentation of the Secret Revolutionary Mainspring Governing Anglo-American Politics, Léon de Poncins, 1972].

أما نشرة الشرق الأعظم الفرنسي الصادرة عام 1923 فنصت على أنه ينبغي ألا يتردد الماسون في شن حرب على جميع الأديان، وأن سلاحهم في ذلك “فكرة حرية العقيدة”، ونجد هذا الهدف مجسدا في شعار نوادي الروتاري المنبثقة عن الماسونية “الأديان تفرقنا والروتاري يوحدنا”، كما نجده في إحدى الدوريات الصادرة عن محفل هولندا الأعظم عام 1823 حيث نصت على أن الماسونية تسعى “لعبادة الإنسانية” بحيث يصبح “كل إنسان إله نفسه”، مشيرة إلى أن تسويق هذا الهدف سيتم تحت شعار توحيد البشر وضمهم في عائلة واحدة.

الحرية والإخاء والمساواة على عملة فرنسية من عام 1851

وإذا كانت الثورة الفرنسية التي انطلقت عام 1789 قد رفعت شعارات ليبرالية تتلخص في الحرية والإخاء والمساواة، فقد أقر الماسون في مواقف ووثائق كثيرة أن هذه الشعارات كانت من وضعهم، ففي مؤتمر الشرق الأعظم الفرنسي الذي انعقد سنة 1904 قال الماسوني بونيه إن الكتّاب والفلاسفة الذين كتبوا موسوعة “الإنسكلوبيديا” الفرنسية في القرن الثامن عشر كان يؤلفون هذا العمل الضخم في المحافل الماسونية مستلهمين شعارها الذي لم يكن معروفاً عند عموم الناس آنذاك وهو الحرية والإخاء والمساواة، ثم أثنى على كل من دالامبير وديدرو وهلفتيوس وفولتير وكوندروسيه ودولباخ، باعتبارهم من الماسون العظام الذين وضعوا أسس المعرفة الجديدة لعصر التنوير في تلك الموسوعة، ومازال مثقفو العالم الليبراليون ينظرون إليها بصفتها منارة للتنوير العالمي دون التفات لأصلها الماسوني [اليهود والماسون في الثورات والدساتير، بهاء الأمير، 58].

نجحت الماسونية عقب الثورة الفرنسية في التدخل بصياغة التشريعات والقوانين والدساتير في الدول الغربية بما يحقق مصالحها تحت مسمى الليبرالية، ففي محفل اتحاد الشعوب خطب الماسوني الفرنسي بيبر دوفاي عام 1891 بين زملائه قائلا “أؤكد لكم أن القوانين التي شرعت وأقرت منذ عشرين سنة، وأيضا تلك التي ستشرع وتقر قريباً في مجلس الدولة، كلها قد تمت صياغتها وإقرارها مسبقا في محافلنا، كقوانين الزواج والطلاق، والقوانين الخاصة بعلمنة التعليم، وقوانين فصل الكنيسة عن الدولة”، وقد أقر النائب الماسوني لافار بذلك في خطبة له داخل البرلمان الفرنسي عام 1904، حيث قال “إننا نفاخر بينكم بالقول إن كل القوانين الاجتماعية والاقتصادية، بل وكل القوانين السياسية التي ازدانت بها الجمهورية قد سبقت دراستها دراسة وافية في المحافل الماسونية” [اليهود والماسون في الثورات والدساتير، بهاء الأمير، 66].

الليبرالية في العالم الإسلامي
تسللت الأفكار الليبرالية إلى العالم الإسلامي من خلال الجمعيات الماسونية والإرساليات التبشيرية في أواخر العصر العثماني، وذلك بالتزامن مع ضغط الدول الأوروبية، وكان الحكم العثماني يعاني آنذاك من عوامل التخلف بسبب الفساد الاقتصادي والإداري وعقلية الخمول المنسوبة للتصوف والإرجاء، فاستورد الإصلاحيون الليبرالية من باب الإصلاح والإنقاذ، وكان على رأسهم الكاتبان ضياء باشا ونامق كمال اللذان حاولا في منتصف القرن التاسع عشر إيجاد الروابط بين الفكر الليبرالي والإسلام.

الطهطاوي

وفي العالم العربي، تأثر المصري الأزهري رفاعة الطهطاوي بالفكر الليبرالي أثناء رحلته إلى باريس عام 1826، فترجم أعمال المفكرين الليبراليين وساهم في نشرها بين العرب، ثم سطع نجم مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده الذي ساهم في تحديث التعليم الأزهري، كما ينسب إليه تلاميذه إبداع مدرسة تجديدية في الفقه الحنفي والعقيدة الأشعرية، بينما يراه خصومه من رواد التغيير نحو الليبرالية في مطلع القرن العشرين، ويستشهدون بالدعم الذي لقيه من الحاكم الإنجليزي لمصر كرومر.

وشهدت تلك المرحلة تأسيس الكثير من الجمعيات والأحزاب الليبرالية على يد أتباع الأقليات الدينية من اليهود والمسيحيين والنصيريين (العلويين) والإسماعيليين، ومن أهمها جمعية الاتحاد والترقي التي يُنسب تأسيسها ليهود الدونمة الأتراك في سلانيك, كما ساهمت المحافل الماسونية في دعمها بشدة، وكان لها دور جوهري لاحقا في إسقاط الخلافة.

شعار حزب الوفد يجمع الهلال والصليب

وفي مصر، تأسس حزب الوفد عام 1918 على يد سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي وأحمد لطفي السيد، حيث سعى مؤسسوه لإعلان استقلال مصر عن الاحتلال البريطاني وتأسيس دولة ديمقراطية حديثة. أما في سورية فتعود جذور التيار الليبرالي إلى فجر الاستقلال، وكما هو الحال في مصر فإن رواده هم طلائع البورجوازية المتنفذة والطبقة المثقفة التي تلقت تعليمها على يد الغرب والكثير من أبناء الأقليات الدينية، وقد تلقى هذا التيار ضربات موجعة منذ أواخر الخمسينيات عندما اشترط جمال عبد الناصر حل الأحزاب السياسية للانضواء تحت حكومة الوحدة بصيغتها الاشتراكية.

وفي منطقة المغرب العربي، كانت تونس تشهد مخاضا فكريا منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث سار خير الدين التونسي على النهج التوفيقي للطهطاوي باحثا عن جذور الليبرالية في الإسلام، وفي عام 1934 رفع الحبيب بورقيبة شعارات ليبرالية عند تأسيس الحزب الحر الدستوري الذي تولى مهمة تأسيس الدولة المستقلة مع جلاء المستعمر، لكنه لم يلبث أن تخلى عن شعارات الحرية والديمقراطية باستيلائه على السلطة واكتفى بتطبيق العلمانية بالقوة.

وخلال النصف الثاني من القرن العشرين، انتشرت الليبرالية بسرعة في معظم الدول العربية، وظهر دورها في الإعلام والجمعيات والأحزاب السياسية بالرغم من منافسة التيارات القومية اليسارية ومن الرفض الذي أبداه علماء الدين، وقد ظلت معظم هذه الأفكار مقتصرة على الجانب العلماني، مع بعض التأثير على الجانب الاقتصادي، دون أن تؤثر كثيرا على  الجوانب السياسية ومجال حرية التعبير والإعلام. وقد أدى انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي في مطلع التسعينيات إلى تزايد النفوذ الليبرالي في العالم العربي، وإلى درجة انقلاب الكثير من اليساريين إلى المدرسة الليبرالية.

وفي الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، تسببت هجمات نيويورك وما تلاها من أحداث في ارتفاع أصوات الليبراليين بقوة في المملكة العربية السعودية للمطالبة بإصلاحات سياسية وثقافية ودينية كعلاج للتطرف، ثم أعلن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش عام 2004 عن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يشمل المنطقة العربية مع دول إقليمية أخرى بما فيها الكيان الصهيوني، وتُرفع من خلاله الشعارات الليبرالية المعروفة كإطار إصلاحي ضروري لإخراج المنطقة من أزماتها الخانقة، وهو مشروع لقي رفضا واسعا من قبل الكثير من المثقفين العرب، بينما أيده الليبراليون الجدد في وسائل الإعلام التي تخضع لنفوذهم.

وقد حظيت الليبرالية بدفعة أخرى مع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، حيث رفع الكثير من الشباب الناشطين شعارات التحرر والديمقراطية وحرية التعبير، ومع أنها تواجه تحديات من قبل خصومها الإسلاميين واليساريين، إلا أنها لم تعد حبيسة أوساط النخب المثقفة بل أصبحت شعاراتها متداولة على ألسنة الكثير من الشباب، وهي تتغلغل عبر أفكار بعض خصومها التقليديين أنفسهم الذين يعملون على إعادة صياغتها ومراجعتها، حيث يتزايد الحديث عن تيار “الإسلام الليبرالي”، وعن يسار جديد يخلط الاشتراكية بحرية السوق وينادي بالمزيد من حرية التعبير.

موقف الإسلام من الليبرالية
كما هو الحال مع تيارات فكرية أخرى، حاول الكثير من الإسلاميين في العصر الحديث البحث عن نقاط مشتركة بين الليبرالية والإسلام، فكانت البداية كما أسلفنا مع ضياء باشا ونامق كمال، وتبلورت أكثر مع رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، ثم تواصلت هذه الجهود إلى أن برز تيار إسلامي يُسمى بالإسلام الليبرالي، وهو ليس تيارا جديدا في الإسلام أو خارجا عنه، بل يسعى رواده لمحاولة التوفيق بين مبادئ الليبرالية وما جاء في الوحي، حتى لو اضطروا في سبيل ذلك إلى الأخذ بالآراء المرجوحة والنصوص الضعيفة، ويجدون في هذه العملية طريقا لتقريب الإسلام إلى ثقافة العصر.

وعلى سبيل المثال، يشدد هؤلاء الباحثون على ما أقره القرآن الكريم من حرية الاعتقاد في قوله {لا إكراه في الدين} و{من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، كما يؤكدون على ما تضمنه الإسلام من احترام عقائد الآخرين عندما أوصى القرآن النبي صلى الله عليه وسلم بالرد على خصومه بقوله {لكم دينكم ولي دين}.

ويشيرون أيضا إلى قيمة العقل في الإسلام، وإلى حث القرآن على نبذ التقليد والتبعية للآخرين، كما يستشهدون بالآيات القرآنية التي تنفي الكهنوت عن الإسلام وتجعل الإيمان قرارا فرديا محضا، ليؤكدوا بذلك على أن “الحرية الفردية” التي تقوم عليها الليبرالية كلها ليست سوى إحدى أهم مبادئ الإسلام، بل يستنتج بعضهم أن الليبرالية ليست إلا وسيلة لتحقيق إحدى غايات الإسلام المتمثلة في محاربة التسلط الكهنوتي على فردية الإنسان وعقله وإرادته.

في المقابل، يرى فريق من العلماء المسلمين أنه لا يمكن الجمع بين الإسلام والليبرالية، كما يؤكد بعضهم أن تبني الليبرالية على الطريقة الغربية كفر مُخرج عن الملة، وذلك بناء على الأدلة الآتية:

1- أن الليبرالية تقوم الاستحلال، أي الاعتقاد بإباحة المحرمات، مثل القول بأن ممارسة الجنس خارج إطار الزواج لا يعدو كونه حرية شخصية، وكذلك العلاقات المثلية بين الشواذ والسحاقيات، فالاعتقاد بإباحة هذه المحرمات يتناقض مع الإسلام حتى دون ممارستها، وحتى لو كان الذي يعتقد بإباحتها يمارس كل أركان الإسلام دون تقصير، حيث أجمع العلماء على أن المستحل لما حرمه الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة ومتواتر هو كافر وخارج عن الإسلام.

2- أن الليبرالية تشترط نفي الحقيقة وتمييعها بذريعة نبذ التعصب والمساواة بين جميع المعتقدات، وهذا موقف مسبق وغير عادل، وهو مغالطة منطقية تسمى “الاحتكام إلى النتيجة” [انظر المغالطات المنطقية]، كما أن الشك بالحقائق الكبرى التي تشكل أركان الإيمان يُخرج الإنسان عن دين الإسلام حتى لو كان ممارسا لشعائره، حيث يقول القرآن في سورة الحجرات {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا}.

3- أن الليبرالية تتناقض مع العبودية لله والاستسلام له، فهي تفترض مسبقا التجرد عن التبعية لأي مصدر تشريعي أو عقائدي (أيديولوجي)، وترفع من قيمة الحرية الفردية والعقل والحكم الديمقراطي إلى درجة تأليه الإنسان وتقديس القانون البشري، وعليه فإن الأنظمة الليبرالية لا تحكم بالشريعة ولا تقيم حدودها، بينما ينص القرآن الكريم على وجوب تحكيم الشريعة في عدة آيات، ومنها: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [انظر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، عبد الرحيم بن صمايل السلمي].


أهم المراجع
عن الحرية، جون ستيوارت ملْ، ترجمة عبد الله أمين غيث، المكتبة الأهلية، عمان، 2012.

أسس اللبرالية السياسية، جون ستيوارت ملْ، ترجمة وتحقيق إمام عبد الفتاح إمام وميشيل متياس، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996.

تطور الفكر السياسي، جورج سباين، ترجمة راشد البراوي، دار المعارف، القاهرة، 1971.

حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، عبد الرحيم بن صمايل السلمي، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، جدة، 2010.

اليهود والماسون في الثورات والدساتير، بهاء الأمير، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2012.

الليبرالية المتوحشة: ملاحظات حول التوجهات الجديدة للرأسمالية المعاصرة، رمزي زكي، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1993.

Guide to Classical Liberal Scholarship, http://mason.gmu.edu.

الرأسمالية

د. محمد أحمد صدّيق


استعرضنا في مقال مستقل ظهور الليبرالية بصفته تيارا فكريا شاملا في العصر الحديث، وهو ينطلق من مبدأ الحرية وتحقيق الفرد لذاته في المجالات المختلفة، وأوضحنا أن التيار الليبرالي تفرعت عنه مذاهب ونظريات في السياسة والثقافة والاجتماع والاقتصاد، وعليه فإن المدرسة الاقتصادية الليبرالية التي سميت بالرأسمالية تقوم أساسا على المبادئ الفكرية التي وضعها الفلاسفة الليبراليون في ثورتهم على النظام الإقطاعي-الملكي، وسنعرض في هذا المقال تطور هذه المدرسة فكريا وسياسيا، مع محاولة استشراف مآلاتها والكشف عن مثالبها.

ويمكن القول إن الرأسمالية هي نظام يتكون من الأسس التي تسمح بإنتاج وتوزيع واستهلاك وتبادل الثروة، فهي قائمة على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وتقسيم العمل، ووجود السوق الذي يسمح بتنظيم النشاط الاقتصادي بهدف الربح الفردي لأصحاب رؤوس الأموال، والفصل بين رأس المال والعمل. وتعتمد من أجل تحقيق ذلك على آلية العرض والطلب لتحديد الأسعار ومن ثم الأرباح.

إذن فالرأسمالية نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية يقوم على أساس الملكية الفردية لوسائل الإنتاج التي تعتبر السمة المميزة له، والمحافظة عليها، معتمداً مفهوم الحرية الاقتصادية و آلية السوق في تحديد الأسعار والأرباح.

الأسس الفلسفية للرأسمالية
1- تنطلق الرأسمالية من فكرة رئيسية مفادها أن الإنسان رشيد عقلاني أناني، يبحث دائما عن تعظيم منافعه الشخصية ضمن القيود المفروضة عليه من الدخل المحدود، ومن أجل ذلك فهو يفكر دائما بتحقيق أكبر المنافع بأقل التكاليف وبطريقة مادية محسوسة، ويهمل كل العوامل التي ستحول دون تحقيق هذا الهدف، فكل القيم والعادات والأخلاق ليس لها مكان في حساباته إلا إذا كانت ستقود إلى تعظيم منافعه، ولذلك فالفرد في النظام الرأسمالي يطلق عليه اسم “الرجل الاقتصادي”.

2- البحث عن الربح بشتى الطرق والأساليب أمر مشروع ومطلوب، والمستثمر يعرف كيف يحقق الأرباح من خلال توجهه نحو النشاط الاقتصادي المناسب الذي يحقق أكبر مردودية له، ولا حرج في ذلك، حيث قال رائد النظرية الرأسمالية الاسكتلندي آدم سميث في القرن الثامن عشر “إن الانسان عندما يبحث عن مصلحته الشخصية فإنه سيخدم المجتمع أكثر مما لو أراد ذلك مباشرة”، وأضاف أن هذا يحدث عن طريق “اليد الخفية” التي تضمن تحقيق الانسجام بين المصالح الخاصة والعامة.

3- الملكية الخاصة أمر مقدس ويجب إطلاق العنان لكل إنسان كي يستغل قدراته ويزيد من ثروته ويعمل على حماية الملكية وعدم الاعتداء عليها، وعلى الدولة توفير البئية القانونية اللازمة لدعمها وتطويرها، وهكذا أصبح شعار الرأسمالية الكلاسيكية هو “دعه يعمل، دعه يمر”.

جون ماينارد كينز

4- السوق، وآلية العرض والطلب، ونظام حرية الأسعار، والمنافسة الحرة بين المؤسسات والأفراد، من أهم الأفكار التي بنت الرأسمالية عليها هيكليتها في نماذجها المتعددة.

5- منع تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وحياديتها تماما والاقتصار على دور واحد لها يتمثل في حماية حدود البلد والمحافظة على الملكية الفردية للأفراد الذين يقطنون فيها ورسم التشريعات والقوانين لتشجيع العمل الخاص للأفراد، حيث اعتقد الفرنسي جان باتيست ساي وزملاؤه في القرن الثامن عشر أن عرض السلع في الأسواق يخلق طلباً مكافئاً له، فيبقى السوق متوازناً تلقائياً بدون تدخل، وهو ما ثبت خطؤه لاحقاً مع ظهور الأزمات الخانقة، وقد تم تجاوز هذه المبادئ بشكل فاضح عقب الأزمة الرأسمالية الكبرى عام 1929م بعد توصية من الفيلسوف الاقتصادي جون ماينارد كينز الذي دعا إلى إعادة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي لخلق الطلب الفعال في مواجهة أزمة الكساد السائدة، وبقيت القاعدة سائدة في بعض الاقتصادات الرأسمالية إلى الآن.

ويبدو أن كل الأسس السابقة لم تعد مطبقة كما كانت في بداية ظهورها بالقرن الثامن عشر كما سنلاحظ لاحقا، فقد تطورت الرأسمالية بسرعة لتصبح نظاما احتكاريا واستعماريا قائما على الشركات متعددة الجنسيات لاستغلال ثروات العالم الثالث، وكانت الرأسمالية الجشعة منذ ظهورها قادرة على التكيف في كل مرحلة تاريخية حتى عام 1989م عندما ظهر نموذج فكري جديد ينتقد النماذج القديمة ويطالب بإعادة النظر في كل مقومات النظام الرأسمالي الحالي، وليعطي روحا جديدة قد تخرج الرأسمالية من أزماتها المتلاحقة، حيث طالب أصحاب هذا التيار الاقتصادي الفرنسي بإدخال القيم المعيارية والأخلاقية في النماذج الاقتصادية، وسنستعرض فيما يلي هذه المراحل.


مراحل تطور النظام الرأسمالي
في التسعينيات من القرن العشرين، اجتاز النظام الرأسمالي مرحلة تمركز الإنتاج والاستقطاب والصراع من أجل التوسع في إطار الثنائية القطبية بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، وانتقل إلى مرحلة سيادة العولمة وتعمقها، حتى أصبحت العولمة هي السمة المركزية للمنظومة الرأسمالية العالمية التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية، وبرزالنظام الإنتاجي المعولم ساعياً إلى مزيد من الهيمنة لكي يفرض نفسه بديلاً للنظم الإنتاجية الوطنية والقومية في دول العالم الثالث، حيث فقدت هذه النظم القدرة على توفير احتياجات شعوبها لأسباب داخلية وخارجية، كما عجزت عن مواجهة متطلبات الاقتصاد الرأسمالي المعولم، وترافق ذلك مع تغيرات سياسية واجتماعية وأيديولوجية في بلدان الأطراف أو العالم الثالث بوجه خاص، مما عزز انقسامها إلى قسمين، الأول يتضمن بلدان توفرت لديها إمكانات التصنيع في حدود معينة، بما يسمح بإدخالها إلى السوق العالمي وفق شروطه الجديدة مع بقاءها ضمن دائرة العالم الثالث مثل بعض دول أمريكا اللاتينية وآسيا، والقسم الثاني يتضمن بلدان عجزت عن توفير هذه الإمكانيات، وتتوزع على قارتي أفريقيا وآسيا عموماً، ومعظم بلدان الوطن العربي خصوصاً.

عاطلون عن العمل ينتظرون دورهم للحصول على حساء مجاني في شيكاغو خلال الكساد الكبير

كما شهدت العقود الثلاث الماضية انتشاراً لأفكار الليبرالية الجديدة، ومع تفاقم الأزمة المالية العالمية في نهاية عام 2008 تبين أن هناك وجها آخر للحقائق الأمريكية التي تنمو وتتراكم بصورة سلبية، فإذا كانت السياسة هي تكثيف للاقتصاد، فإن الأزمات التي يعرفها النظام الرأسمالي هي تأكيد على صحة مقولة كارل ماركس (مؤسس الشيوعية) حول فوضى الإنتاج باعتبارها قانونا ملازما للرأسمالية من ناحية، وهو أيضا تعبير عما يجري في أسواق المال العالمية من ناحية ثانية، فهذه الأزمات ستوفر بالضرورة مناخاً جديداً لمتغيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية هامة على الصعيد العالمي،كما هو حال التطور التاريخي للبشرية، والمتغيرات التي رافقت النمط الإقطاعي في أوروبا من القرن السادس عشر وحتى نهاية القرن الثامن عشر أدت إلى نمو البورجوازية ومن ثم ولادة النمط الرأسمالي بالانسجام مع أفكار وأسس ليبرالية السوق كما صاغها آدم سميث وفق شعار “دعه يعمل دعه يمر”، أي بسياسة حرية السوق دون قيود، وقد استمر تطبيق هذه السياسة حتى عام 1929 عندما انفجرت الأزمة الاقتصادية العالمية (الكساد الكبير) وأدت إلى متغيرات جديدة دفعت إلى الاستعانة بآراء كينز التي دعت إلى ضرورة تدخل الدولة في إدارة الاقتصاد.

من هنا فإن منطق التحليل العلمي يتطلب منا أن نعرض التجارب التاريخية لعمليات التكيف الدولية المختلفة التي فرضتها الرأسمالية العالمية إبان مراحل تطورها المتعاقبة على البلاد المتخلفة.

وسوف نميز هنا بين ستة مراحل أساسية، جرى فيها ضغط لا هوادة فيه من جانب الرأسمالية العالمية على البلاد المتخلفة لتطويع هذه البلاد وإخضاعها لشروط نمو الرأسمالية وحركة تراكم رأس المال بالمراكز الصناعية. وهذه المراحل هي:

المرحلة الأولى: الكشوف الجغرافية والبحث عن السوق العالمي
هي مرحلة التمهيد لنشأة الرأسمالية، وامتدت من نهاية القرن الخامس عشر حتى منتصف القرن السابع عشر، وهي الفترة التي مهدت لتكوين السوق العالمية عبر اندفاع عدد من التجار والبحارة المغامرين في أوروبا مثل أسبانيا والبرتغال إلى البحار والمحيطات، وكانت تهدف إلى كسر الحصار التجاري الذي فرضته الإمبراطورية العثمانية، والبحث عن الذهب ومصادره.

لوحة لحملة دي غاما في الهند بأواخر القرن الخامس عشر

وتمكن عدد كبير من البحارة المعروفين، مثل فاسكو دي غاما، وكريستوفر كولومبس، بتمويل ضخم من الأمراء وكبار التجار، من الوصول إلى الهند والعالم الجديد (أمريكا الجنوبية والشمالية)، وتمكن الأوروبيون من نهب موارد هائلة من الذهب والفضة من البلاد المكتشفة، وتكوين مستعمرات للمستوطنين البيض على المناطق الساحلية، وإقامة محطات تجارية فيها، وتحويل اتجاهات التجارة الدولية وطرقها لصالحهم.

وخلال هذه المرحلة بدأت أولى محاولات تكييف الهيكل الاقتصادي لتلك البلاد والمناطق من خلال فرض نمط إنتاج احتلالي عبودي، يقوم على إجبار السكان المحليين على إنتاج بعض المنتجات الزراعية التي كان الطلب عليها قد تزايد في أوروبا، مثل الدخان والشاي والبن والسكر والقطن والأصباغ.

ومن المهم أن نعي أن وسيلة تكييف هذه المناطق لمتطلبات القارة الأوروبية كانت هي الغزو الحربي واستخدام القوة والقهر والإبادة الجماعية للسكان وعمليات القرصنة وإراقة الدماء.

ومن أهم خصائص هذه المرحلة تكييف القرصنة، والقهر، والغزو الحربي. وقد أدى التكييف إلى تكوين السوق العالمي وتدفق الذهب والفضة والأرباح إلى أوروبا، و تحويل مسارات التجارة الدولية وخطوطها لصالح دول أوروبا. وبالمقبل فقدت الدول المحتلة ثرواتها من المعادن النفيسة، وأبيدت شعوب وقبائل، وتحطمت حضارات قديمة.

المرحلة الثانية: الميركنتيلية (الرأسمالية التجارية)
وهي المرحلة التي تمتد من منتصف القرن السابع عشر وحتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر، والتي سيطر فيها رأس المال التجاري الأوروبي على أسواق العالم وظهرت فيها الدول القومية، فقد استطاعت الرأسمالية التجارية من خلال جماعات التجار المغامرين والشركات الاحتكارية الكبرى (مثل شركة الهند الشرقية، وشركة الهند الغربية) أن تُخضع البلاد المفتوحة لعمليات نهب لا رحمة فيها، وأن تتاجر في أحقر تجارة عرفتها البشرية، وهي تجارة العبيد الذين كانوا يقتنصون من أفريقيا بأبشع الوسائل، ويرسلون إلى مزارع السكر والدخان في أمريكا الجنوبية والشمالية وأوروبا.

لوحة لميناء فرنسي بريشة كلاود لورين في القرن السابع عشر

استطاعت الرأسمالية التجارية بشركاتها العملاقة، ومن خلال ما كونته من إمبراطوريات واسعة، أن تكدس أرباحا ضخمة عن طريق ترسيخ نمط الإنتاج الكولونيالي الذي أرسى دعائمه المستوطنون البيض في فترة الكشوف الجغرافية. وكان من شأن ذلك تحقيق موازين تجارية مواتية (ذات فائض) لدول القارة الأوروبية، فتمكنت الرأسمالية التجارية من سحب ثروات الذهب والفضة من المناطق الشرقية والأفريقية والأمريكية، والتي وفرت لاحقا التراكم البدائي لرأس المال في مرحلة الثورة الصناعية.

ومن أهم خصائص هذه المرحلة تمركز الإنتاج، حيث خسر بعض الرأسماليين أعمالهم في ظل المنافسة الشديدة وراكم آخرون الثروة، وبذلك تمركز الإنتاج في مؤسسات قليلة توظف أعدادا كبيرة من العمال، وتطور الأمر إلى ابتلاع كبريات الشركات لصغرياتها.

وبالنتيجة، شكلت التجارة مصدر قوة وثروة البورجوازية التجارية (الميركنتيلية)، وظهرت مدن كبرى بفعل الصناعة والتجارة العالميتين، كما ظهرت المحطات التجارية وراء البحار والاتفاقيات التجارية الجائرة، فضلا عن تكون الإمبراطوريات التجارية.

 مصطلح الميركنتيلية مشتق من التجارة، حيث كان منظرو هذه النزعة يعتقدون أن قوة الدولة تقاس بما لديها من ذهب وفضة، أكثر من قدرتها على الزراعة والصناعة.

أما في البلاد المنهوبة فقد تواصل استنزاف مناجم الذهب والفضة، ونقص عدد السكان نتيجة لتجارة الرقيق، وأجبر السكان المحليون على الاشتغال في المناجم والمزارع، وتشوه نمط الإنتاج المحلي.

المرحلة الثالثة: الثورة الصناعية
بدأت هذه المرحلة مع ظهور رأس المال الصناعي، وتحققت الثورة الصناعية خلال الفترة الممتدة من النصف الثاني من القرن الثامن عشر وحتى سبعينيات القرن التاسع عشر، مع استمرار المراكز الرأسمالية في تطويع وتكييف المناطق المسيطر عليها، فلم تعد حاجة الرأسمالية قاصرة على السكر والدخان والبهارات والتوابل والمعادن النفيسة، بل اتسعت لتشمل المواد الخام التي تلزم لاستمرار دوران عجلات الصناعة، والمواد الغذائية (القمح واللحوم والزبدة…) التي تلزم لإطعام سكان المدن والعمال الصناعيين.

آلات صناعية حديثة في “المعرض العالمي” بباريس عام 1900

ومن ناحية أخرى، سرعان ما أدى النمو الهائل الذي حدث في المنتجات الصناعية بفضل ثورة الماكينات إلى ظهور الحاجة للبحث عن منافذ إضافية لهذه المنتجات خارج الحدود القومية للرأسمالية الصناعية المحلية، ولعبت “ثورة المواصلات” في النقل البحري والسكك الحديدية دورا خطيرا في فتح هذه المناطق وغزوها بالمنتجات الصناعية الجديدة، حيث تشير بعض المصادر إلى أن التجارة توسعت خلال الفترة 1820- 1900 بمعدل أسرع بكثير من معدل نمو الإنتاج الصناعي، إذ تضاعفت واحدا وثلاثين مرة في تلك الفترة.

وهكذا أُرسيت دعائم تقسيم العمل الدولي غير المتكافئ بين البلاد الرأسمالية الصناعية والمستعمرات وأشباه المستعمرات، ففي ظل التفاوت الحاد بين درجة التطور في قوى الإنتاج الغربية وبين البلاد الأخرى في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وجدت الأخيرة نفسها أمام جحافل ضخمة من المنتجات المصنعة الرخيصة نسبيا التي تنافس الإنتاج المحلي، ما أدى إلى انهيار الإنتاج الحرفي الداخلي، وإجبار تلك البلاد على نمط جديد من التخصص، تقوم بمقتضاه بإنتاج المواد الخام الزراعية والمنجمية، على أن تستورد في المقابل المنتجات المصنعة في الغرب، وأن تتبع في ذلك سياسة الباب المفتوح والتجارة الحرة.

كاريكاتير يعود إلى عام 1898 حيث يحتج إمبراطور الصين على تقاسم بلاده بين زعماء بريطانيا وألمانيا وروسيا وفرنسا واليابان

المرحلة الرابعة: الاستعمار والإمبريالية
بدأت مرحلة الاحتكار في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث زادت درجة تركز الإنتاج ورأس المال، وأخذت المؤسسات الصناعية الكبيرة تزيح من أمامها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، منهية بذلك عصر رأسمالية المنافسة، وبرزت قوة رأس المال المالي، وهو رأسمال يُستخدم في الصناعة بصورة أساسية وتسيطر عليه البنوك والشركات الصناعية، فلم تعد مهمة البنوك مجرد التوسط لجمع المدخرات وإعادة إقراضها لمن يريد، بل أصبحت بذاتها مؤسسات احتكارية قوية تجمع تحت أيديها الجزء الأكبر من رأس المال النقدي للجماعة، وتتحكم في جانب من وسائل الإنتاج ومصادر المواد الأولية.

وبذلك دخلت البنوك في عملية الإنتاج ونفذت إلى الصناعة، وامتزج رأسمال البنوك برأسمال الصناعة، وهنا سعى الرأسماليون للبحث عن مجالات خارجية للاستثمار يكون فيها متوسط معدل الربح أعلى من نظيره في الداخل، ولهذا تميزت الفترة الممتدة من العقد الثامن من القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى بصراع محموم بين المراكز الرأسمالية الاحتكارية لاقتسام مناطق العالم وضمان احتوائها للوفاء بمتطلبات استمرار عمليات تراكم رأس المال في تلك المراكز. ويشهد على ذلك أنه في عام 1900 كان 90.4% من مساحة أفريقيا و75% من مساحة آسيا قد تم اقتسامها بين القوى الاستعمارية، لكن هذا التقسيم لم يكن متكافئا بين تلك القوى، ما أجج صراعا محموما فيما بينها وانتهى بإشعال الحرب العالمية الأولى.

ومن أبرز خصائص هذه المرحلة إغراق المستعمرات بالديون، ومن ثم احتلالها عسكريا وسياسيا، ما سمح بإنشاء المزيد من أسواق التصريف الخارجي، والحصول على المواد الخام بأسعار منخفضة، واستمرار ارتفاع الأجور ومستوى المعيشة في الغرب، بينما يزداد في المقابل فقدان الفائض الاقتصادي في الدول الأخرى، إلى جانب فقدان السيطرة على توزيع وتخصيص الموارد، وفقدان الاستقلال السياسي.

وحتى بعد تحرر تلك الدول المحتلة سياسيا، بقيت الهياكل الاقتصادية على حالها دون تغيير، وظلت أسيرة للمعونات الاقتصادية والعسكرية، فضلا عن التبعية للغرب في اتجاهات التنمية.

مؤسس العائلة ماير أمشيل روتشيلد المتوفى عام 1812

تعد العائلة الألمانية اليهودية روتشيلد أشهر عائلة في مجال البنوك والصرافة على مستوى العالم، ففي عام 1821 نجح مؤسس العائلة المصرفي ماير أمشيل روتشيلد بتوسيع مؤسسته الناشئة عبر إرسال أولاده الخمسة إلى إنكلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والنمسا، ليتولى كل منهم إدارة فرع محلي لأول بنك دولي في العصر الحديث، معتمدين على التبادل السري بينهم للمعلومات، فنجحت هذه الشبكة في تضخيم ثروتها بسرعة هائلة، وأصبحت تقرض الدول الأوروبية لتمويل جيوشها في الحروب، مثل حملات نابليون وحرب بريطانيا في القرم ثم الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ما زالت العائلة إلى اليوم تملك أغلب سندات البلدان الكبيرة، وتسيطر على معظم بنوك العالم تحت مسميات مختلفة، بما فيها البنك الاحتياطي الفيدرالي الذي يملك حق إصدار الدولار الأمريكي، وهو العملة الرئيسية للتداول في أسواق العالم.

المرحلة الخامسة: الأزمات العالمية والليبرالية الجديدة
بعد تغول الاقتصاد الرأسمالي الاحتكاري والاستعماري على اقتصادات العالم كله، ظهرت بوادر الأزمات في داخل الدول الغربية نفسها قبل المستعمرات، فالرأسمالية المتوحشة والطامحة إلى الربح بشتى الوسائل لم تعد قادرة على الانضباط ضمن حدود عقلانية تحدد الأسعار وأسواق التصريف ومصادر، ما أدى إلى سلسلة من الأزمات الاقتصادية الطاحنة، وكانت أولها الأزمة الكبرى عام 1929م، والتي دفعت كبار المنظرين إلى إعادة التفكير بمبادئ الحرية الاقتصادية المطلقة، وعلى رأسهم البريطاني كينز الذي دعا إلى إعادة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.

وبعد أن استعادت الاقتصادات الرأسمالية عافيتها، دعا منظرو مدرسة شيكاغو في ستينيات القرن العشرين إلى العودة لليبرالية الكلاسيكية تحت مسمى الليبرالية الجديدة (النيوليبرالية)، وفي الثمانينيات تبنت هذه السياسة كل من إدارة رونالد ريغان الأميركية وحكومة مارغريت تاتشر البريطانية، فازداد تضخم الشركات مرة أخرى، مما مهد لظهور العولمة.

في عام 1992 قال فرانسيس فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ” إن الرأسمالية هي آخر مراحل تطور التاريخ البشري

المرحلة السادسة: العولمة الأحادية
لم يعد ثمة خلاف على أن المتغيرات العالمية التي ميزت العقدين الأخيرين من القرن العشرين في السياسة والاقتصاد والتطور العلمي قد شكلت في مجملها واقعاً تاريخياً وضع كوكبنا الأرضي على عتبة مرحلة جديدة، ولا سيما بعد الانهيار المريع للمنظومة الاشتراكية العالمية ومنظومة التحرر القومي في بداية التسعينيات، الأمر الذي أخل بكل توازنات القوة والمصالح وفق مفاهيم الثنائية القطبية التي سادت طوال حقبة الحرب الباردة السابقة.

فمنذ ثمانينات القرن الماضي برزت مقومات مرحلة الأحادية القطبية أو العولمة، والتي اقترنت بالإمبريالية الأمريكية المسيطرة على مقدرات الكوكب، بحكم ادعائها أنها المنتصر الوحيد وصاحبة الحق في رسم طبيعة ومسار العلاقات الدولية وفق آليات الليبرالية الجديدة، ولعل كتابَي “نهاية التاريخ” لفرانسيس فوكوياما و”صراع الحضارات” من أهم الأعمال الفكرية التي توضح تبريرات هذه الهيمنة.

لكن تفجر أزمة الرأسمالية عام 2008 أكد بصورة جلية تهافت أفكار منظري الليبرالية الجديدة المتمثلة في “نهاية التاريخ” و”سقوط الأيدولوجيا”، حتى أصبح من الشائع تسمية هذا النمط الاقتصادي باسم “الليبرالية المتوحشة”، وتحققت بذلك نبوءات ماركس التي طرحها قبل 150 عاما، وذلك استنادا إلى تحليله للمجتمع البورجوازي عندما قال إن هيمنة الاقتصاد الدولي المعولم هي أمر ملازم لنمط الإنتاج الرأسمالي، وإن هذه العملية لن تولد فقط نموا ورفاهية كما كان يبشر منظرو الرأسمالية بل أيضا نزاعات عنيفة وأزمات اقتصادية ومظالم اجتماعية في العالم كله. ومن اللافت أن الأزمة الأخيرة دفعت بعض الاقتصاديين الغربيين إلى الاستفادة من الاقتصاد الإسلامي، حيث تبين أن المصارف الإسلامية هي الوحيدة التي لم تتعرض لخطر الإفلاس.

الاستعمار وارتباطه بتطور الرأسمالية المنافسة
يتمثل الاستعمار التقليدي بالقيام بمجموعة من الأعمال التي من شأنها السيطرة بواسطة دولة أو جماعة منظمة من الناس على مساحة من الأرض لم تكن تابعة لهم، أو على سكان تلك الأرض، أو على الأرض والسكان معا.

أما الاستعمار بمفهومه الجديد فهو السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية على دولة أو مجموعة دول، مع الاعتراف باستقلالها وسيادتها، دون اللجوء إلى أساليب الاستعمار التقليدية.

ومن حيث المضمون لا نجد فروقا أساسية بين الخطين السابقين، إلا في إعادة صياغة أشكال الاستعباد والهيمنة واستغلال الدول المتأخرة، لذا سنقف عند مظاهر النزعة الاستعمارية المتمثلة بنمو المؤسسات الرأسمالية الاحتكارية في مجالات مختلفة لاستغلال مصادر الموارد الأولية، وامتلاك رصيد كبير من الذهب، وتحول المصارف المالية إلى مؤسسات احتكارية وانتشارها حول العالم، وتصدير رؤوس الأموال إلى الخارج لتسهيل التغلغل السياسي والعسكري والاقتصادي، وتكبيل إرادة الشعوب الضعيفة.

ويترتب على مظاهر النزعة الاستعمارية ما يلي:

1- السيطرة على بلاد معينة والتوسع من خلالها على حساب أراضي بلاد أخرى.

2- إيجاد أساليب للتعامل مع أبناء المنطقة المستعمرة على أسس غير متكافئة.

3- التنافس بين الدول الاستعمارية بغرض الحصول على أكبر قدر من المستعمرات.

4- التوصل إلى اتفاقات لتقسيم مناطق النفوذ العالمي، مثل اتفاقيتي سايكس بيكو عام 1916 وسان ريمو عام 1920.

5- تغلغل الاستعمار داخل الإمبراطوريات القديمة بغرض إضعاف مؤسساتها وأجهزتها وعناصرها، ثم تفكيك أوصالها.

وهذا يعني أن النظام الرأسمالي الاستعماري يقوم على حرية المنافسة بين المؤسسات الاقتصادية بما يؤدي إلى إفلاس المؤسسات الصغرى واندماجها مع الكبرى، في إطار ما يسمى بالتركيز الذي يتخذ شكلين أساسين، هما:

التركيز الأفقي: عبر اندماج شركات لها نفس الإنتاج.

التركيز العمودي: باندماج مؤسسات لها اختصاصات متكاملة تهيمن على الإنتاج من البداية إلى النهاية (مثلا كل مؤسسة تنتج قطعة ما من قطع السيارة التي يتم تجميعها في النهاية بالمصنع الأم).

ونتجت عن ظاهرة التركيز أنواع جديدة من المؤسسات القوية، مثل:

– الترَست: اندماج عدة مؤسسات تحت إدارة واحدة مع فقدان المؤسسات المندمجة لشخصيتها القانونية والمالية.

– الكارتيل: اتفاق عدة مؤسسات بهدف الحد من المنافسة عن طريق توحيد الأسعار وتوزيع الأسواق، مع احتفاظ المؤسسات المتفقة بكامل استقلالها القانوني والمالي.

– الشركة القابضة (الهولدينغ): مؤسسة مالية تراقب شركات متعددة عن طريق امتلاكها غالبية الأسهم مع احتفاظ الشركات المراقبة باستقلالها القانوني.

رأسمالية الدولة الاحتكارية
يقصد بالاحتكار في المصطلح الاقتصادي انفراد مشروع واحد بعرض سلعة ليس لها بديل، وشرط وجود الاحتكار اختفاء المنافسة التي يَعْرض بها الاحتكار السلعة. 

وتعد رأسمالية الدولة الاحتكارية أعلى طور للرأسمالية، وقد ظهرت نتيجة للتناقض بين رأس المال والعمل من جهة، وبسبب تركز رأس المال وازدياد الطابع الاجتماعي لقوى الإنتاج من جهة أخرى، فالرأسمالية الاحتكارية للدولة هي جمع قوى الاحتكارات وقوى الدولة في آلية موحدة, وذلك للوقوف في وجه التناقضات الناجمة عن فائض التراكم أو فائض الإنتاج الرأسمالي.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ازداد تدخل الدولة في معظم البلدان الرأسمالية المتقدمة التي تبنت النظرية كينز (المذكورة سابقا)، وقبلت البورجوازية الاحتكارية بمبدأ التدخل الحكومي لأنه أصبح يخدم مصالحها, لا سيما وأن كينز استهدف، وبإخلاص شديد، حماية النظام الرأسمالي وتأمينه من الاضطرابات الاجتماعية ومن زحف الاشتراكية عليه.

وساعد على ذلك ازدياد تركز وتمركز رأسمال المؤسسات العملاقة (الشركات متعددة الجنسيات)، حيث تلعب هذه المؤسسات اليوم دورا مهما على صعيد العالم الرأسمالي، وتسمى لدى المتخصصين الاقتصاديين بالشركات متعددة القومية أو فوق القومية، فهي ليست متعددة الجنسيات لأن لها جنسية واحدة، هي جنسية الوطن الأم، وإنما توزع استثمارها المباشر الأجنبي بطريقة غير متساوية، اجتماعيا وجغرافيا، على مستوى العالم كله.

وتعتبر هذه الشركات أحدث أشكال الاستثمار المعاصرة للإنتاج الرأسمالي، وأهم الأدوات المسؤولة عن الاستثمار الأجنبي المباشر المرتبط بملكية أصول ثابتة في الخارج، مع امتلاك حق إدارة هذه الأصول. وتكمن استراتيجية هذه الشركات في صياغة دور وتوزيع الاستثمار الأجنبي، كعنصر مكون أساسي في مرحلة الرأسمالية الاحتكارية.

مخطط يوضح أن عشر شركات فقط تحتكر معظم صناعة الغذاء والمنظفات في العالم كله

يتميز الإنتاج العالمي لهذه الشركات بالإنتاجية العالية، وبتوظيف الإبداع التكنولوجي من كل ما توصل إليه العالم في هذا المجال. ويقوم رجال الأعمال الأمريكيون وأشقاؤهم من البلدان الصناعية الأخرى بدعم هذا الاقتصاد عبر نوع جديد من التنظيم، حيث تمتد المئات من هذه الشركات عبر الحدود الوطنية لتنتج السلع والخدمات في الخارج بهدف إشباع حاجة مستهلكي العالم كافة.

 تتيح قوانين الرأسمالية المعولمة للشركات متعددة الجنسيات تخطي الكثير من القوانين وأنظمة الضرائب لسهولة التنقل فوق الحدود إلى المناطق التي تحقق لها أعلى الأرباح وأقل الضرائب، ففي أبريل 2016 نشرت منظمة الإغاثة العالمية “أوكسفام” (مقرها بريطانيا) تقريرا أكدت فيه أن 50 شركة أمريكية عملاقة تخفي 1.4 تريليون دولار من ثرواتها في دول نامية تتيح لها العمل دون ضرائب، وهي الدول التي باتت تسمى بالملاذات الضريبية، وذلك بالرغم من تلقي تلك الشركات تريليونات الدولارات من دعم دافعي الضرائب في الدول المتقدمة.

وعلى عكس المؤسسات التجارية للقرن الماضي، فإن المؤسسات متعددة الجنسيات تضمن سهولة انتقال عوامل الإنتاج (رأس المال والتكنولوجيا وتكنيك الإدارة)، وكذلك سهولة انتقال البضائع. فهي تطلب النمو والربح في كل مكان تبدو فيه الآمال والمردودات عالية جدا.

تتمتع هذه الشركات بالقدرة على جمع كميات جديدة من رؤوس الأموال، وتسعى بمهارة نحو الفرص الجديدة غير المستثمرة، وتطبق في استراتيجياتها المبدأ القائل “ليس لرأس المال وطن، بل وطنه سوق الاستثمار”، وهي تمثل الآن المحرك الأساس للاقتصاد المعولم، وتخلق تحالفاتها سوقا عالمية بالغة التفاوت، قائمة على احتكار القلة، وليست خاضعة لمقتضيات التنافس التام التي تتسم بها الرأسمالية التقليدية.

وتخوض الشركات متعددة الجنسيات صراعا تنافسيا فتاكا، حيث تستخدم كل الاستراتيجيات المتاحة لإقصاء المنافسين عن شبكاتها وحبس آخرين داخل هذه الشبكات، وتنعم هذه القلة الاحتكارية بالمزايا الكبرى.

إن عمل الشركات متعددة الجنسيات في أمريكا وأوروبا هو بمنزلة هدم كلي للأيديولوجية الاقتصادية النيوكلاسيكية والنيوليبرالية، التي تفترض الحصول على أقصى الأرباح في سوق (وطني ودولي) على أساس التنافس التام والذي لا بد أن يقود إلى أقصى حدود الرخاء الجماعي (الوطني والعالمي) والفردي، لكن الواقع يؤكد أن رأسمالية الدولة الاحتكارية هي نمط جديد تتحد فيه قوة الاحتكارات الكبرى وقوة الدولة لحماية المؤسسات الإمبريالية وزيادة أرباحها.

وهكذا ظهر شكل جديد من احتكار المجموعات المالية للسلطتين الاقتصادية والسياسية، وقدمت الدولة إسهامات جدية في عمليات تطور التراكم الرأسمالي وتركز رأس المال والإنتاج، وأصبحت العلاقات السياسية والعقائدية ترتبط بعلاقات الإنتاج وتخضع لها، وازداد ارتباط الاقتصاد بالسياسة، وأصبح تدخل الدولة بالاقتصاد أكثر عمقاً، وتوطدت العلاقات بين مؤسسات الدولة والشركات الاحتكارية، وهذا كله يتعارض جذريا مع المبادئ السياسية التي قامت عليها الليبرالية منذ تأسيسها. 

مدينة شنغهاي في الصين الشيوعية أصبحت تنافس المدن الغربية على اللحاق بالعولمة الرأسمالية

الرأسمالية ومظاهر الأزمة

آدم سميث

مع أن آدم سميث كان أستاذاً لعلم الأخلاق Moral Philosophy  وأستاذ كرسي للمنطق في جامعة غلاسغو University of Glasgow ، فقد نال لقب “أبو الاقتصاد السياسي” في الفكر الاقتصادي الرأسمالي، لذا فليس من المستغرب أن يقول في كتابه “نظرية الوجدان الأخلاقي” The Theory of Moral Sentiments  الذي كتبه عام 1759 “إنه ينبغي على الرجل أن ينظر إلى نفسه على أنه مواطن في هذا العالم وعضو في جمهورية الطبيعة وليس فرداً مستقلاً منفصلاً عن العالم، ومن أجل مصلحة هذا العالم الكبير ينبغي عليه طوعاً أن يضحي بمصلحته الشخصية الصغيرة في كل الأوقات”. لقد نشأت الرسمالية في جو مفعم من القيم والاخلاق إلا أنها مع مرور الزمن انحرفت عن الأطر التي نشأت فيها، ولا سيما مع ظهور التفاوت الطبقي الذي يزداد شناعة كل سنة، وسنذكر فيما يلي بعض الأمثلة عليه:

  • عدد الأشخاص الذين لا يتجاوز دخلهم اليومي دولارين تضاعف خلال أقل من ثلاثين سنة بعد عام 1980، حتى وصل إلى نصف سكان العالم تقريبا، وفقا لإحصاءات البنك الدولي.
  • دخل أفقر 10% من سكان العالم زاد بأقل من 3 دولارات سنويا بين عامي 1988 و2011، في حين زاد دخل أغنى 10% من السكان بمقدار 182 دولارا خلال الفترة نفسها، وفقا لمنظمة “أوكسفام”.
  • الفجوة في توزيع الثروة العالمية تضاعفت خلال أربعين سنة فقط من عمر البشرية، وذلك بين عامي 1960 و2000، وفقا لتقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة 1999.
  • من بين 103 دول شملها تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي مطلع عام 2017، زادت حدة التفاوت في مستويات الدخل بين فئات المجتمع في 77% من هذه الدول.

في مطلع عام 2017، أصدرت منظمة “أوكسفام” تقريرا قالت فيه إن ما يملكه النصف الأفقر من سكان الأرض جميعا يعادل ثروة أغنى ثمانية أفراد في العالم لوحدهم، وأضافت أن هذا العدد يتناقص بسرعة سنة بعد سنة، حيث كان يبلغ 43 شخصا في عام 2010.

نحو نظرية رأسمالية أخلاقية جديدة
في عام 1989 ومع صدور العدد 40 من المجلة الاقتصادية الفرنسية  ECONOMIE DES CONVENTIONS، ظهرت عدة مقالات لعلماء اقتصاد واجتماع وفلسفة فرنسسين تنتقد بجرأة الأسس التي قامت عليها الرأسمالية والتي قادت في النهاية إلى رأسمالية متوحشة، حيث أعادوا الاعتبار إلى الأخلاق والأحكام القيمية وإدراجهما في التحليل الاقتصادي، فأحدثوا بذلك ثورة حقيقة في النموذج الكلاسيكي والنيوكلاسيكي (الليبرالي)، وبدأ منظرو هذا التيار بالحديث عن نموذج اقتصادي جديد تماماً في قطيعة شبه كاملة مع النموذج الاقتصادي الليبرالي الحديث.

لقد برهنت هذه النظرية على أن إدخال الأحكام القيمية، بمعنى ما هو صحيح وماهو خاطئ، في التحليل الاقتصادي سوف يغير المفاهيم الأساسية في علم الاقتصاد، فقد أكدت هذه المدرسة أن السلوك الإنساني هو أمر إشكالي بحد ذاته لعدم خضوعه لقانون طبيعي قابل للتفسير والتعليل، وإنما يخضع لمجموعة أنماط اتفاقية (عرفية)، ورأت أن الإنسان ليس مجرد آلة حاسبة لتعظيم مكاسبه، فهو يأخذ بعين الاعتبار عوامل أخرى وبدائل استراتيجية في اتخاذ قراره، ويحتاج إلى مرجعية  تضبط سلوكه وتملي عليه تصرفاته.

كما أشار منظرو هذه المدرسة الجديدة إلى أن الرشاد الاقتصادي المطلق غير موجود في الحقيقة وإنما هو مرتبط بظاهرة “عدم التأكد” الموجودة في الاقتصاد، ومن ثم فإن هذه المرجعية التي تضبط السلوك البشري يمكن أن تكون نظاما خاصا من القواعد، فقد تكون باطنية كنظام القيم، أو مفروضة كالقانون، أو مقبولة ومتفقا عليها اجتماعيا كالعرف.

ورأى رواد هذه النظرية أن قانون العرض والطلب لا يعطي تفسيرا لكل شيء بل هو أحيانا خاطئ، فليس صحيحا القول إن التوازن في السوق يتم عن طريق السعر كما يعتقد الرأسماليون، بل هذه المرجعية هي التي تحدد التوازن.

فعلى سبيل المثال، عندما يكون هناك عرف بأن سلعة معينة تحمل علامة تجارية جيدة، فيسقط قانون العرض والطلب الذي يخصها لأن سعرها لا يتغير مهما قل عرضها أو طلبها، فالذي حدد التوازن ليس السعر بل العرف. والسؤال المطروح هنا هو كيف يمكننا معرفة هذه القواعد التي تضبط سلوكنا وتقودنا إلى الاختيار الأمثل؟ وما مصدر هذه القواعد وكيف تنشأ؟

ولبحث هذه المعضلة، يمكن الاستعانة بقصة مشهورة في علم الاجتماع يطلق عليها اسم “معضلة السجينين”، حيث تقول الرواية إن هناك صديقين اتُهما بجريمة قتل وقبض عليهما وهما يحملان أداة جريمة، ولكن لم يكن لدى القاضي أي أدلة تدينهما، فوضع كل متهم في حجرة بعيدة عن الآخر، وقال لكل منهما على انفراد: “اشرح لي ملابسات الجريمة واعترف بما حصل وسأضمن لك إطلاق سراحك وسجن صديقك 15 عاماً، وإن لم تعترف أنت واعترف صديقك فستسجن أنت 15 عاماً ويخرج هو من السجن، وإن اعترف كلاكما فستسجنان خمسة أعوام لكل منكما، وإن لم يعترف أي منكما فسيسجن كل منكما عامين”، ثم أعطاهما القاضي مهلة قدرها 24 ساعة للتفكير.

عندئذ سيقرر كل سجين أن القرار الأمثل هو عدم الاعتراف لكليهما لأنه يضمن لهما مدة السجن الأقصر، ومع ذلك فلن يتخذ أي منهما هذا الخيار، لأنه إذا لم يعترف قد يعرض نفسه للسجن 15 عاما في حال اعترف صديقه، فمن الوارد أن يفكر صديقه بمصلحته أولا، وهكذا قررا كلاهما أن يعترف بعد أن فكرا بطريقة “براغماتية” ووضعها المصلحة الشخصية أولاً، فكان حكم القاضي هو السجن خمس سنوات لكل منهما.

ويقول المنظرون إن هذه النتيجة تمثل بالضبط وجهة النظر الرأسمالية البحتة، أما وجهة نظر المدرسة الجديدة فستنقل التوازن الجديد إلى خانة السجن لمدة سنتين، حيث يعاد الاعتبار لقيمة الثقة في نفوس الناس، ويؤمن كل منهما بأن صديقه لن يخونه.

وفي ظل هذه النظرية يندمج الاقتصادي بالاجتماعي بالفلسفي بالرياضي في بوتقة واحدة، ويقول أصحابها إنهم يعتمدون أدوات تحليلية متلائمة مع مفهوم الرشاد الاقتصادي الجديد بعد تخليهم عن الأدوات التي أنتجتها المدرسة الرأسمالية الكلاسيكية، وإن نظريتهم تدرس السلوك البشري مع الأخذ بالاعتبار استراتيجية الأطراف الأخرى الفاعلة والتي ترشد خياراته.

ويرى أصحاب النظرية أنها ليست بديلة عن الرأسمالية التقليدية بل امتداد لها، لا سيما وأن آدم سميث كان يرى أن الإنسان الذي يسعى لتحقيق مصلحته الخاصة سوف يخدم المجتمع أكثر مما لو أراد أن يخدمه بشكل مباشر، وذلك بفضل “اليد الخفية”، إلا أنه لم يكن يعلم –حسب منظري النظرية الجديدة- أن اليد الخفية هي القواعد والأعراف التي تقود إلى الانسجام بين الخاص والعام، وأن مهمتهم هي اكتشاف هذه القوانين ومعرفتها وضبطها.


أهم المراجع
باتريك أرتو وماري بول فيرار، الرأسمالية تدمر نفسها، ترجمة سعد الطويل، المركز القومي للترجمة، 2005.

إسماعيل محمد هاشم، محاضرات في التطور الاقتصادي، دار النهضة العربية، بيروت، 1978.

فؤاد مرسي، الرأسمالية تجدد نفسها، سلسلة عالم المعرفة، العدد 147، الكويت، 1990.

رمزي زكي، الاقتصاد السياسي للبطالة: تحليل لأخطر مشكلات الرأسمالية العالمية المعاصرة، سلسلة عالم المعرفة، العدد 226، الكويت.

رفعت محجوب، الاقتصاد السياسي، دار النهضة، القاهرة، 1973.

Francois Duverny ;L’économie des conventions, méthodes et resultants, Tome 1. Débats, 2006, La Découverte.