مقالات

القوامة وظلم الزوجة

محمد أحمد صبرة


العلاقة الزوجية جملة متبادلة من الحقوق والواجبات، وهي قائمة على مبدأ الأخذ والعطاء {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} (البقرة: 228)، وهذه الدرجة (القوامة) ليست لقعود جنس النساء عن جنس الرجال، بل تفضيل متناسب مع ما أودعه الله في الرجل من استعدادات فطرية تلائم مهمته وتتناسب مع إنفاقه على الأسرة وبناء الحياة خارجها. وقوامة الرجل على المرأة والأسرة لا تعني تفرده بالقرار، فالنبي أكمل الرجال وسيدهم يستشير أم سلمة في مسألة تتعلق بالأمة، لا بالأسرة فحسب، ففي إرضاع الأولاد قال تعالى {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور} (البقرة:233)، وفي حجة الوداع وأمام جموع الصحابة وقف النبي فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» (1).

وأمر النبي بحسن العشرة للنساء والصبر على ما يصدر منهن من أذى اللسان، فإن المرأة بحسب جبلتها تأخذ حقها بلسانها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا» (2).

 ولما كانت الأسرة كسائر المؤسسات المجتمعية والاقتصادية تحتاج إلى قائد يقودها؛ فإن القرآن جعل القوامة في الأسرة للرجل دون المرأة {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} (النساء: 34)، فالآية تحدد صاحب المسؤولية الأولى في الأسرة، وهو الرجل، إذ أي مجتمع إنساني لا يخلو من قيم مسؤول يقود من تحت ولايته بما يمتاز به عن الآخرين، ككبر سنه أو امتلاكه حصة أكبر في الأسهم أو خبرة وأقدمية في العمل، لكن على كل حال لابد من وجود مدير أو مسؤول أول أو قائد لهذه المؤسسة.

وفي حالتنا هذه نحن أمام أحد خيارين: إما أن تكون المسؤولية الأولى للمرأة، أو أن تكون للرجل.

إن نظرة بسيطة تتفحص عالمنا الذي ما فتئ ينادي ويصرخ بالمساواة العمياء بين الرجل والمرأة لتكشف لنا عن حقيقة تميز الرجل عنها في مختلف بلدان الداعين إلى المساواة، لذلك أسأل القارئ الكريم: كم نسبة الوزيرات إلى الوزراء في دول العالم الذي ينادي بالمساواة بين الجنسين؟ وكم نسبة الملوك والرؤساء من النساء في تلك البلاد؟ وكم نسبة نساء الدولة والبرلمان وقادة الأحزاب إلى الرجال في هذه الدول؟!

لا ريب أننا جميعا متفقون على تقدم الرجل في كل هذا على المرأة وبفارق كبير، فكيف وقع هذا عند من يدعون المساواة؟ إن الدول الإسكندنافية حققت أعلى الأرقام العالمية في تولية المرأة مناصب قيادية، لكنها لم تتجاوز نسبة الـ30 %، لماذا؟ القرآن يجيبنا: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} (النساء: 34)، نعم لقد خلق الله الرجال لغاية، وأعطاهم من الملكات والإمكانات ما يعينهم عليها، ومن ذلك مسؤولية القيادة في الأسرة والمجتمع، لأنه مسؤول عن رعاية البيت ونفقته، فالزوجة مصانة، ليس واجبا عليها ولا مطلوبا منها أن تكدح وتشقى بالعمل لتضمن مكانا لها في بيت الزوجية، فهذا ليس من واجباتها، ولا هو متناسب مع أنوثتها وطبيعتها الحانية العاطفية التي فطرها الله عليها لتناسب مهمتها السامية في إدارة بيتها

وتربية أبنائها وإعطائهم حقهم من الحنو والرعاية «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته .. والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها» (3).

والمرأة مكفولة النفقة، أما كانت أو زوجة، أختا كانت أو ابنة «يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك» (4)، فواجب الرجل الإنفاق على الأسرة عموما، وعلى الزوجة خصوصا، ولو كانت ذات مال ووظيفة، فقد أمر النبي بذلك: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (5).

فالقوامة في الإسلام تعني حق الطاعة الواجبة على الزوجة تجاه زوجها، وهي طاعة عطاء وبذل متبادل بلا منافسة ولا شحناء، فالرجل هو القائد والمرأة مركز القيادة، دون إخلال بإنسانيتها أو كرامتها، بل إن هدف القائد رفعة المرأة سواء كانت كزوجة أو ابنة أو أم، فعليه حق العناء ولها حق الرفاهية والإعزاز، فإدارة دفة الحياة لا تصلح بقائدين متساويين، والرجل في قيادته ليس له حق الاستبداد والاستعلاء، ولكن عليه مشاورة المرأة فيما يخص الأسرة من قرارات.

وحق القوامة في الإسلام فيه كامل حماية المرأة مما يواجهها من أخطار تمس الشرف أو الكرامة أو الكبرياء، فهي جوهرة مصونة لا يعبث بها أي طامح أو طامع، فإن احتاجت التقويم والإرشاد فهناك ضمانات لعدم إهانتها أو مس كبريائها، وإن شهدت كان لها حق شهادة مع مراعاة طبيعتها كامرأة بلا نقصان في أهليتها، وإن وليت أمرا فلا بد أن يكون في حدود إمكانياتها وطاقاتها وطبيعتها حتى تفلح فيه، ولها حرية امتلاك الأموال والتصرف فيها، وحرية مفارقة الزوج إن رغبت في ذلك بالخلع فإرادتها في الإسلام كاملة، وكرامتها مصونة وهي المشاركة للرجل في شتى مناحي الحياة، وهي السكن والمودة والرحمة.

اليوم يريدون للمرأة حرية أكبر ولا طاعة للزوج ولا قوامة، ولايريدون أن يتحكّم الزوج بخروجها ودخولها وأن تعيش بصلاحيات المرأة الغربية، لكن وبنفس الوقت يريدون من الزوج أن يكون شرقيا معها، يحميها ويعطيها الحنان والأمان والمال، وأن يفني عمره عليها وعلى أولادها وألا يكون متطلّبا حين يأوي لبيته.

إن شواهد الحياة كلها تدل-عند التحقق-على أنه قد لا يسعد المرأة سعادة حقيقية أن تتساوى بالرجل في كل شيء، بل إن سعادتها الحقيقية تكمن في أن تراعي وجوه اختلافها عن الرجل سيكولوجيا، وبيولوجيا، وفسيولوجيا، ولا تكمن في أي خروج على هذه الأوجه، أو تجاهل لها. وأشير إشارات سريعة – لأسباب معروفة- إلى ما هو مشاهد ثابت من غلبة الاكتئاب المرضي، والرغبة في الانتحار -بل الإقدام عليه أحيانا- وغلبة الشقاء النفسي، والفشل في الحياة الخاصة على كثير من المتزعمات لما يطلق عليه حركات المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، في مقابل السعادة الحقيقية التي تجنيها المرأة المتوافقة في حياتها مع طبيعة الأنثى بكل صفاتها، وأبرزها ما تختلف فيه مع الرجل من تكوين نفسي، وعضوي.

يبقي أن نسأل ما هو الموجود في كتب الأخرين حول موضوع القيّم على الأسرة: وما رأيكم في قول بولس: “الرجل ليس من المرأة، بل المرأة من الرجل، ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة، بل المرأة من أجل الرجل” (كورنثوس (1) 11/ 8 – 9)، وهذا النص وأمثاله يفيد قوامة الرجل، ويفيد أيضا ما لا نقبله، ونراه إزراء بالمرأة التي لم تخلق للرجل، فهي ليست كسائر ما سخره الله لنا من متاع، بل هي كالرجل مخلوقة لعبادة الله وعمارة الأرض بمنهجه تبارك وتعالى.

لقد آمنت التوراة بضرورة قوامة الرجل على المرأة حيث فشلت المرأة في أن تكون المعين والمساعد للرجل في الجنة، فتسببت في إخراجه منها، ولذلك فله حق القيادة والرئاسة والإدارة في الدنيا والتي وصفت بلفظ ثقيل المعنى والمفهوم وهو التسلط، أي الرياسة بضغط وإكراه، وكان من حق الوالد على ابنته أن يبيعها لسداد ديونه… ومن حق الزوج على زوجته اللواط معها بدون رغبتها ومن حق الأب تزويج ابنته بدون أخذ رأى أمها… وكان من آثار هذا التسلط: عدم احتفاظ المرأة باسم عائلتها إذا تزوجت من عائلة أخرى. وعدم الحق في مباشرة إدارة الأموال إلا بوصاية زوجها.

وتؤمن المسيحية بأن العدل هو خضوع المرأة للرجل؛ لأن المساواة في الكرامة تجلب الصراع، والمرأة لا تستحقها، لأنها أساءت استخدام السلطة في الجنة فخرجت منها هي وزوجها، وعبر بولس عن خضوع المرأة للرجل وجعله كالعبادة تماما حيث قال: 22 أيها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب، 23 لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضا رأس الكنيسة. (أفسس 5: 22، 23).

كما يقول: رأس المرأة هو الرجل. (كورنثوس 11: 3).

ونتج عن هذا التسلط عدة أحكام مجحفة بالمرأة منها:

أ – لا ينبغي أن تكون المرأة معلمة للرجل.

ب – الصمت في الكنيسة وعدم الكلام نهائيا.

جـ – تحريم عملها كداعية دينية أو العمل الكهنوتي بالكنيسة.

د – عدم حقها في الاستقلال بذمتها المالية ومزاولة أعمال التجارة والتصرفات المالية.


الهوامش

(1) أخرجه الترمذي ح (1163)، وابن ماجه ح (1851).

(2) أخرجه البخاري ح (3331)، ومسلم ح (1468).

(3) أخرجه البخاري ح (893)، ومسلم ح (1829).

(4) أخرجه النسائي ح (2532)، وأحمد ح (7065).

(5) أخرجه مسلم ح (1218).

النسوية.. نموذج الحياة الواحدة

آلاء بهجت الحاجي


“كوني امرأة حرة.. احصلي على وظيفة.. سافري.. إن لم تحققي أحلامك فلن يحققها لك أحد”، عبر كلمات كهذه أطرت النسوية نموذج الحياة الذي ستسير عليه النساء وتقيِّدن به حياتهن، كلمات صارت هدفًا أسمى للأجيال الحالية من الفتيات ولطفلات اليوم اللواتي لا يعرفن نموذجًا آخر للحياة سوى هذا.

حاولت النسوية عبر ذاك الخطاب الذي وُجه عالميًا عبر وسائل الإعلام -بوسائطها المتعددة- تكريسه وجعله النموذج الأوحد الذي يجب على النساء أن يتبَعنه، خطاب بات فردانيًا ويصعب فصله عن شعارات التنمية البشرية الساذجة كتحقيق الذات والإنجازات الشخصية وغيرها، وتفضيلها على الأسرة والأبناء وجعلها هدف الحياة الأسمى كأن تأسيس الأسرة وإنجاب الأبناء ليسا مسؤولية مختارة بحد ذاتها أيضًا، حتى صارت النظرة المجتمعية لمن تتخلى عن هذا النموذج لصالح النموذج الذي يناسب حياتها وحياة أسرتها، وتفضل حياتها الاجتماعية على المهنية والعلمية، نظرة ازدراء وتحقير، بحجة أنها امرأة فارغة بلهاء سلمت قياد نفسها للرجل ورضيت البقاء في المنزل وهدمت طموحاتها.

كيف وضعت النسوية نموذجًا لحياة واحدة؟
كان للتركيز على الجانب الاقتصادي للأسرة ونقد اعتمادها على الرجل الذي يجلب الدخل وبالتالي يتحكم بها، والمطالبات بمساواة المرأة في فرص العمل والأجور، وربط تحقيق الذات بالعمل المأجور خارج المنزل، وعدم تقدير أي عمل غير مأجور ماديًا كالرعاية، والتأكيد على فكرة المساواة وأن المرأة باستطاعتها العمل في أي مجال كما الرجل، كل ذلك كان له تأثير كبير في دفع النساء للعمل خارج المنزل كأنه سيكون المحرر لهن من استعباد الرجل في منظومة الأسرة.

وبالطبع فإن دخول سوق العمل سيتبعه الكثير، أولها المؤهلات التعليمية الموحدة بين الذكر والأنثى وتوجيه النساء لاختيار تخصصات بعينها تتطلب فيما بعد عملًا بشروط معينة لا تسمح لها بأخذ حياتها الأسرية والاجتماعية بعين الاعتبار، وثانيها الاستمرارية وعدم الانقطاع، فانقطاع المرأة عن سوق العمل للحمل والولادة والاعتناء بأطفالها حديثي الولادة سيجعلها تخسر مكانًا قد لا يتاح لها في السوق لاحقًا، بالإضافة لخسرانها سنوات من الخبرة ومن مواكبة سوق العمل ومعرفة التغيرات التي تحصل في عالمنا السريع.

وهكذا صارت فرص الحياة محصورة في الدراسة الجامعية ثم دخول سوق العمل في أي وظيفة كانت، حتى بات هذا يلعب دورًا في رفضها أو قبولها لتكوين أسرة أولًا وفي إنجاب الأطفال ثانيًا على حساب مهنتها، وعلت أصوات تدعو لرفض الإنجاب مقابل الاكتفاء بنجاح في سوق العمل وفي جلب الدخل والسفر حول العالم وما يسمى بـ “تحقيق الأحلام الشخصية”.

ماذا قدم لنا النموذج الواحد؟
كان أبرز سيئات تطبيع هذا النموذج حول العالم هو عدم مراعاته للاختلافات الفردية بين النساء -كما هو حال أي نموذج أوحد يحاول أن يفرض على البشرية فرضًا- وكون الاختلاف عمود الحياة فما يناسب امرأة لا يناسب أخرى في اختيار الأفضل لها ولعائلتها في العمل خارج المنزل أو داخله، في تفضيل الحياة الأسرية وجعلها أولوية أو اختيار المسار المهني في المقابل.

وهذا النموذج المادي من الحياة جعل الكثير من ربات البيوت محبطات يحسبن أنهن ضيعن حياتهن ومستقبلهن بالبقاء في المنزل والاعتناء بأطفالهن، ولم يحققن ذواتهن. وهنا على هؤلاء الأمهات طرح هذا السؤال على أنفسهن: هل صار تحقيق الذات مساويًا للعمل خارج المنزل وجلب المال؟

ولسنا بحاجة لذكر أن هذه الاتهامات الموجهة للمرأة غير العاملة في الخارج تتعامل مع سوق العمل على أنه المكان الذي يراعي النساء وقدراتهن النفسية والجسدية، ونحن نعلم حق العلم أنه مكان يطحن الرجال قبل النساء برأسماليته وأهدافه الربحية والإنتاجية غير الإنسانية، “ناهيك عن أن الواقع المتخفي خلف النموذج الجديد هو واقع معدلات الأجور المُحبِطة وانخفاض الأمن الوظيفي وانخفاض المستويات المعيشية والارتفاع الحاد في عدد ساعات العمل مقابل وقت الاهتمام بالشؤون المنزلية، وازدياد الأعمال ذات الورديتين والتي أصبحت تصل إلى ثلاث ورديات أو أربع، وانتشار الفقر وخاصةً في أوساط الأسر التي تعيلها نساء”[1].

تقول النِّسوية نانسي فريجر: “إن النِّسويات اللاتي كنّ يرفضن في السابق المجتمع الذي يروّج للوصولية أصبحن الآن ينصحن النساء بالتماهي معه. الحركة التي كانت في السابق تمنح الأفضلية للتكافل الاجتماعي، أصبحت الآن تحتفي بسيدات الأعمال. المنظور الذي كان في السابق يمنح قيمة للرعاية والاعتماد المتبادل أصبح الآن يشجع الارتقاء الفردي والاستحقاقراطية”[2] كانت الكاتبة في هذا المقال تناقش كيف صارت النسوية تخدم الرأسمالية دون أن تشعر فأخرجت النساء من تحت الدلف إلى تحت المزراب كما يقال، وهذا يوضح كيف صارت النسوية مستغلة من مختلف الأطراف كل حسب مصلحته.

إن النماذج التي يمكن للمرأة وللإنسان عموما أن يسلكها متعددة ولا يمكن حصرها، فالعلم مثلا لا يمكن التوقف عن تحصيله بانتهاء المرحلة الجامعية مثلا ولا يصح حصره في الجامعة والشهادات العليا أساسًا، فما يزال المرء في استزادة من العلم من مختلف المصادر مهما تقدم في العمر أو زادت مسؤولياته كل بحسب وقته وحاجته وأولوياته، وحتى العمل إن رأى أنه بإمكانه تقديم شيء للمجتمع يفيد منه ويستفيد فإنه لا عمر يحده، إذ لا نموذج واحد للحياة يشمل الجميع. والخيارات المفتوحة المرنة الآن كالعمل على شبكة الانترنت أو التعلم عن بعد يتيح للنساء مجالًا كبيرًا بديلًا عن ساعات العمل الطويلة التي تلزمها بالتخلي عن جزء كبير من حياتها الاجتماعية وأن تَكِل مسؤولياتها إلى الغير.

وكما نرفض التنمر الذي تمارسه النسويات على نساء المجتمع اللواتي فضلن الحياة الأسرية فإن هذا لا يعني أن نمارس نفس التنمر على من اختارت حياة العمل بإرادتها لحاجة نفسية أو مادية فالشيء بالشيء يذكر. أقول أننا -كنساء- ركبتنا أحلام ليست لنا، والحياة أوسع من أن نحاكم أنفسنا لما يحاول غيرنا أن يفرضه علينا ولكل مرجعيته وأولويته في الحياة، وأي محاولة للسيطرة على هذا الاختلاف ستبوء بالفشل ولن تورث سوى الإحباط لمن لا تستطيع تحقيق نموذج “السوبر وومن” للمرأة التي تترقى في درجات العلم وتنخرط في سوق العمل وتحقق النجاحات والإنجازات وقد كَونت أسرة صُوِّرت على أنها “ناجحة” وجعلوها قدوة ومثالًا يحتذى.

_______________________________________________

[1] – من مقال مترجم للكاتبة نانسي فريجر نشر على موقع حبر:

https://www.7iber.com/politics-economics/feminism-capitalist-handmaiden-neoliberal/

[2] – المرجع نفسه.

التحرش.. من وجهة نظر أنثى

ديمة مصطفى سكران


سواء في الشارع أو في العمل ، في الجامعة أو في مدخل البناء، تعد تجربة التحرش الجنسي من أسوأ التجارب التي يمكن أن تمر بها المرأة، ومن الصعب أن يشعر أي رجل بما تحس هي به في مثل هذه المواقف، أو أن يتخيل حجم المذلة والمهانة والغضب الذي ينتابها جراء استضعافها بهذا الشكل المذل، ولعل أسوأ ما في هذا الأمر كله هو عدم القدرة على الاحتجاج وتأكد الجاني مسبقا من أنه سيهرب بفعلته بدون أي محاسبة.

بالرغم من أن التحرش الجنسي يعرف بأنه إكراه على فعل جسدي، أو ابتزاز مقابل فعل جنسي، أو تلميحات جنسية أو أي صيغة من الكلام التي تنتهك خصوصية المرأة وتجعلها تشعر بالخوف والإهانة ودنو القيمة، إلا أن التحرش يختلف جزئيا من ثقافة إلى أخرى، حيث تعد ممارسات كالمغازلة في بعض المجتمعات أمورا مقبولة أو يمكن غض الطرف عنها بسبب عدم قدرة الرجل على تمييز موقف المرأة منه في مجتمعات فيها نوع من التساهل في العلاقات، في حين يتحول الإصرار بعد الرفض إلى جرم يعاقب عليه القانون.

عربيا وإسلاميا يختفي الحد الفاصل بين التحرش والمغازلة، فأي نوع من أنواع التقرب من امرأة أجنبية مهما كان بسيطا يعد أمرا مرفوضا دينيا واجتماعيا على الرغم من شح القوانين الضابطة لهذا الأمر، ولكن الرفض الاجتماعي والديني وحده لم يكن كافيا لردع المتحرشين وحماية المرأة من التحرش بسبب ضعف الوازع الديني أولا وبسبب طبيعة الفعل ذاته الذي تحدث في غفلة عن عيون المجتمع في الشوارع الخالية أو الممرات المعتمة أو أثناء التعاملات المباشرة المختلفة.

كما أن المغازلة التي لا تتجاوز الحدود، ومع أنها غير مقبولة دينيا، إلا أن لها أساس ثقافي ونفسي قد يجعلها شائعة ومقبولة لدى الجنسين، وكثيرا ما تمارس بالسر دون أن تفهم أبعادها السلبية الحقيقية.

التحرش البراق وترسيخ دونية المرأة
والمغازلة التي تتعرض لها المرأة في سياقات غير مبررة كسياق العمل أو التواصل لأغراض محددة أو عندما تكون متزوجة، والتي يقترفها الرجل بدون أن يقصد بها التحرش الجنسي بل التقرب العاطفي من امرأة غير متاحة للارتباط، هو شكل آخر من أشكال التقليل من شأن المرأة.

إن أي حديث أو تواصل عقلاني يتم حرفه من قبل الرجل إلى المستوى العاطفي فيه نوع من الإهانة لعقل المرأة وشخصيتها، والتي يعتقد الرجل أنه يملك سلطة التأثير عليهما عند مبادرته بتحريك المشاعر وطرق أبواب القلوب دون استئذان من منطلق كونه رجلا ومن منطلق كونها امرأة. محاولات الهيمنة العاطفية وإثبات الذات تلغي العقل من المعادلة وتقزم دور المرأة بحصره بجنسها “العاطفي” غير القادر على تحكيم العقل، وتجعل التعامل بين الجنسين ينحدر إلى مستوى أدنى تفقد فيها المرأة فعاليتها كإنسان في المجتمع ليتمحور وجودها حول غرائز ورغبات وعواطف عمياء.

وللأسف فإن معظم النساء اللواتي يتعرضن لهذه المواقف يقعن في فخ الاستسلام للإغراء العاطفي، ويعطلن عقولهن بإرادتهم، مستسلمات لعملية غسل دماغ تتعرض لها الفتاة منذ طفولتها لوضعها في قالب معين يتقبل هذا الواقع بل ويتفاعل معه برضا، حين تعتقد المرأة أنها لا يمكن أن تشعر بقيمتها الحقيقة إلا من خلال إعجاب رجل واهتمامه. إذا هو شكل آخر من أشكال الفوقية والهيمنة التي يمارسها الرجال على النساء لإرضاء غرور وإشباع حاجة نفسية معينة في سياق آثم خارج العلاقة الزوجية، لكنه شكل خفي وبراق تغفل عنه النساء، وتبرره الثقافة السائدة على الرغم  من ترسيخه لدونية المرأة وعجزها أمام الرجل وتدني كفاءتها بالمقارنة معه.

الإفصاح عن التحرش تجربة أكثر سوءا من التحرش نفسه
وبالعودة إلى التحرش الجنسي المتعارف عليه فإنه بالرغم من غياب الاحصاءات يكاد يُجزم بأن الغالبية العظمى من النساء في العالم العربي تعرضن في حياتهن لشكل من أشكال التحرش، وتتزايد نسبة التعرض باضطراد مع زيادة فاعلية المرأة في المجتمع كأن تكون طالبة أو عاملة أو مسؤولة عن التسوق في الأسرة، لكن حالة من الصمت المطبق تغلف مثل هذه الحالات بسبب تحول الضحية إلى متهمة تضطر بعد إفصاحها عن حادثة التحرش إلى الإجابة عن ألف تساؤل متعلق بمكان وجودها وهيئتها والتساهل الذي أبدته للجاني حتى تجرأ وتعرض لها. ردة الفعل غير المتعاطفة هذه تصدر للأسف حتى من أقرب المقربين بسبب التصاق المرأة بشرف الأسرة الذي تكون أسهل طريقة للمحافظة عليه هو التضييق عليها ومساءلتها والتكتم على ما تعرضت له عوضا عن محاسبة الجاني خوفا من تنمر المجتمع.

ولا توجد للأسف أي ضمانات حتى الآن يمكن أن تحمي المرأة من تجربة الإفصاح عن التحرش والتي قد تكون أسوأ من التحرش نفسه حتى في أكثر المجتمعات انحيازا للمرأة ، مما يتسبب بتزايد الظاهرة ويزيد من جرأة المتحرش الذي أمن العقاب فأمعن في استضعاف الضحية.

مفاهيم مشوهة ساهمت في استشراء الظاهرة
وفي ظل الصمت المطبق عن هذه الظاهرة المصحوب بتشويه لمفهوم الرجولة تصبح معادلة التحرش في نظر المتحرش معادلة قوة فقط أشبه بقوانين الغاب، فالقوي فقط هو صاحب الحق، والضعيف يجبر على الخضوع لرغبة القوي والسكوت عن اضطهاده له.

تفوق طبيعي للرجل على المرأة يعطيه حقا مزعوما بالاعتداء على جسدها أو كرامتها الإنسانية بما يحقق متعته ليس الجنسية فقط بل والنفسية أيضا من خلال إثبات رجولته المشوهة. رجولة يُثنى عليها ليس في سهرات المراهقين المغلقة وجلسات سرد البطولات بل وحتى في الأفلام والأغاني التي تروج للتحرش في إطار من الرومنسية الشائهة أو الكوميديا السمجة.

إن صبغ التحرش بهذه الصبغة الرجولية أو الرومنسية أو بشيء من الظرافة يجعل المتحرشين في بعض الأحيان، خاصة صغار السن قليلي الوعي منهم، غير مدركين في الحقيقة لطبيعة فعلتهم هذه، يجترحونها بناء على دوافع قد تكون بنظرهم هم ليست بذلك السوء، حيث تتسع الفجوة بين نظرتهم عن أنفسهم وتقييمهم لفعلتهم وبين رد فعل الطرف الآخر وتلقيه للتحرش، ويتحول التمنع إلى دلال، ولاءات الاحتجاج إلى دعوة للاستمرار، وعبوس الوجه والصرخات المكتومة إلى علامات للرضا والاستمتاع.

على صعيد آخر يمكن للضحية نفسها أن تتعرض للتحرش غير مدركة تماما لمعنى ما تتعرض له. يحدث ذلك عند صغر السن وقلة الوعي والفارق العمري بينها وبين المتحرش الذي قد يستغل جهلها وسذاجتها فيمارس فعلته دون إيضاحات أو يقنعها بأن تحرشه بها هو تعبير عن الحب مثلا أو علامة على التقدير.

في حالات أخرى وهي الأكثر شيوعا تشترك الضحية نفسها مع المجتمع في إلقاء اللوم على نفسها واتهامها بسبب طبيعة التربية التي خلفت شعورا بالعار مرتبطا بالهوية الأنثوية. لوم الذات وتأنيب الضمير هذين يتركان آثار بالغة على الحالة النفسية متمثلة بالكآبة والقلق وقلة الثقة بالنفس وصعوبة تكوين علاقات صحية مع الجنس الآخر والانسحاب الاجتماعي من النشاطات والفعاليات الاجتماعية خوفا من تكرار التجربة.

ملصق لإحدى الحملات التي تشجع المرأة على التصدي للتحرش

أسوأ تجارب التحرش
أما أسوأ أنواع التحرش على الإطلاق هو التحرش الذي يكون المتحرش فيه مدركا تماما لطبيعة فعلته وآثارها على الضحية، يمارس عليها شعورا كبيرا بالفوقية فيه نزعة سادية، مستمتعا برفضها ونفورها، ضاربا بعرض الحائط كل رسائل التوقف متماديا في سلوكه الذي طوره بعد سنوات من الخبرة، فأصبح عالما مسبقا بردود الفعل المختلفة وقادرا على التعامل معها جميعها بما يضمن له متعة أكبر ويحقق للضحية أكبر قدر من الأذى والإذلال.

ومن المؤسف أن هذا النمط من التحرش ليس الأقل شيوعا إن لم يكن الأكثر، واستضعاف المرأة بهذا الشكل اللاإنساني يولد شعورا مريرا بالقهر والإهانة والضغط النفسي الذي يترك آثارا طويلة الأمد، خاصة وأنها تعرف أنها غير محمية في محيطها ذاته، غير قادرة على الاحتجاج أو الرفض، وأن كل هؤلاء الناس المحيطين بها، أقرباء كانوا أم غرباء، سيتحولون فجأة إلى قضاة قساة يحاكمونها هي لو باحت لهم بما تتعرض له، وسيبلغ الأمر منتهى المذلة حينما يهاجمها المتحرش نفسه متهما إياها بما لا يليق للدفاع عن نفسه.

لم يكون التحرش في العمل هو الأكثر تعقيدا؟
التحرش في أماكن العمل هو التحرش الأنيق بربطة عنق وبذلة رسمية وعطر فواح، والذي يمارسه بشكل خاص الرئيس على مرؤوسته.

هذه العلاقة في الأساس تتميز بنوع من سيادة الرئيس وطاعة المرؤوس، فإذا كانت المرأة في موقع المرؤوس صارت العلاقة أكثر تعقيدا، حيث يصعب التمييز بين حدود ما هو في سياق العمل وما له غايات وأبعاد أخرى.

لذا فأي إطراء تتلقاه المرأة من رئيسها في العمل فيما يتعلق بعملها يكون مصحوبا بخوف خفي من أن تكون لهذا المديح أغراض غير معلنة، كما أن أي وعود بالترقية أو المكافآت تكون مريبة لو جاءت بصيغة غير واضحة أو بمطالبات مبطنة يصعب إثبات إدانتها، ويصعب أحيانا رفضها أو الاحتجاج عليها لو جاءت صريحة بسبب حاجة المرأة الملحة للعمل في بعض الأحيان، حتى أن المزاح الذي يمكن أن يلقيه الرئيس على مرؤوسته لا يكون مصدرا للمرح بقدر ما هو مصدر للقلق لدى المرأة، فقد يستخدم لقياس مدى سهولة مراسها أو صعوبته.

قلق عارم من كل هذه الاحتمالات المفتوحة يرافق المرأة لدى كل تجربة عمل، مما يجعل بيئة العمل عدائية غير مريحة، تعجز فيها المرأة عن تقديم أفضل أداء لها وتخشى باستمرار من فقدان مكانتها واحترام الزملاء لها سواء استجابت أم لم تستجب، تظاهرت بعدم الفهم أم لم تتظاهر، ففي الحالتين هناك خسارات فادحة، وأي محاولة للكشف عن التعرض للتحرش تتبعها غالبا افتراءات على الضحية وتشهير بها.

هكذا تدافع المرأة عن نفسها ضد التحرش
في غياب الدعم المجتمعي والأسري، تطور النساء بأنفسهن دفاعاتهن الخاصة في مثل هذه المواقف، كل بحسب شخصيتها وطريقة تربيتها أو قسوة التجارب التي تعرضت لها.

فالكثيرات منهن للأسف تعرضن لتربية تهدف إلى جعلهن نموذجا للفتاة ” اللطيفة المؤدبة الخجولة” التي تحاول أن ترضي الجميع، ولا تقول لا للأكبر سنا حتى لو كان الأمر يضايقها، ولا يسمح لها حياؤها برفع الصوت أو الاحتجاج. هذه المرأة ترتكس في مواقف كهذه بالصمت التام أو التظاهر بعدم الفهم أو يكون احتجاجها ورفضها خجولا جدا، مما يغري المتحرش للتمادي معتبرا ضعفها واستسلامها هذا على أنه علامة عل القبول والرضا، على الرغم من أن دواخل هذه المرأة تكون أشد ما تكون ألما واستنكارا ��ما تتعرض له، لكن فهمها لمفهوم “الأنوثة والحياء” الذي تربت عليه يجعلها عاجزة عن أن تخرج من قالبها لتتخذ أي ردة فعل حازمة.

نساء أخريات يذهبن إلى الطرف الآخر من ردود الفعل التي تكون غالبا استباقية بأن يُشعن حول أنفسهن هالة من الاسترجال والخشونة بغرض حماية أنفسهن. امرأة كهذه للأسف اضطرت للتخلي عن جانب شديد الأهمية من شخصيتها كأنثى، ولهذا تبعاته المؤذية على نفسيتها ومشاعرها بسبب التناقض بين الظاهر والباطن قد ينتهي بالتماهي مع هذه الشخصية الجديدة بكبت المشاعر وإنكارها، فلا ينفر منها المتحرشون فقط بل حتى الخطاب المحتملون.

شاهد فتاة مصرية تتصدى لشاب تحرش بها

تجربة صعبة!
إن أقل ما يقال عن هذه التجربة أنها صعبة، من الصعب وصف تفاصيلها، من الصعب التحدث عنها حتى لأقرب المقربين، من الصعب إثبات حدوثها، من الصعب نسيانها، من الصعب التغلب على رواسبها النفسية طويلة الأمد، من الصعب الشفاء مما تتركه من فجوات في الثقة وحالات القلق وكراهية النفس، من الصعب التنفيس عن شعور الرغبة بالانتقام من الجاني وكل ما يمت بصلة إليه أو يذكّر به، من الصعب ألا تترك أثرا في العلاقة مع الجنس الآخر، من الصعب أن يتقبلها الأهل، من الصعب أن يدافع فيها المجتمع عن الضحية، من الصعب تقبل فكرة أن يفلت الجاني بفعلته، من الصعب النظر في عينيه بعد الواقعة، من الصعب تحمل المذلة والمهانة، من الصعب وصف النفور والاشمئزاز منه، من الصعب تقبل خيبة الأمل برجال محترمين يتحولون فجأة إلى متحرشين في الظروف الملائمة، من الصعب الشعور بالأمان في بيئة العمل، من الصعب ألا يؤثر ذلك على الأداء الدراسي والمهني لدى الضحية من الصعب العودة بسرعة إلى الحياة الطبيعية بعد المرور بتجربة مماثلة، من الصعب التظاهر بأن شيئا لم يحدث!

شعار “وأنا أيضا” تحول إلى حملة عالمية لمكافحة التحرش

المعادلة المستحيلة
وبسبب عدم وجود الإحصاءات وصعوبة الحديث عن هذا الأمر، لا يزال يكتنف التحرش الكثير من الغموض في العالم العربي، ولا يزال يحتاج إلى كثير من الدراسة والبحث في محاولة لمعالجته.

في الغرب بالمقابل يتم البحث في هذا الشأن باستمرار، ونسمع عن حملات كل فترة وأخرى تتناول هذه الظاهرة، آخرها حملة MeToo التي كشفت عن استشراء التحرش في المجتمعات الغربية على أعلى الأصعدة، لكن الكثيرين لا يزالون هناك يعترفون بصعوبة التعامل مع هذا الأمر حتى مع توافر البيئة المشجعة على الإفصاح بسبب صعوبة إثبات الواقعة واستخدام هذه التهمة أحيانا كوسيلة للابتزاز والنيل من الخصوم.

كما تم الاعتراف أيضا بالعجز عن ضبط مثل هذا الأمر في ظل نمط الحياة المعاش في الغرب وحرية التعري والعلاقات المفتوحة بين الجنسين والتي تجعل حتى تعريف التحرش أو إثباته أو الحد منه أو مكافحته على الرغم من وجود قوانين صارمة أمرا أقرب إلى المستحيل. فمن المستحيل فعليا التمسك بنمط حياة فيها هذا القدر الكبير من التحلل دون مواجهة هذا القدر الكبير من السلبيات.

في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وعلى الرغم من تفشي ظاهرة التحرش، إلا أن لدينا قاعدة دينية وأخلاقية وثقافية صلبة تجعل الحد منه ومحاربته أمرا ممكنا جدا. فالتمسك بالضوابط الشرعية في اللباس وبالحدود الواضحة المنصوص عليها للتعامل بين الجنسين هي عوامل وقائية شديدة الفعالية، لكن يجب التشديد على أنها غير كافية بدون رفع الوعي بين الشبان والشابات بهذه الظاهرة ومحاربة النظرة الدونية للنساء أو تشييئهن، والعودة إلى جوهر الإسلام الحقيقي في رفع القيمة الإنسانية للمرأة مجددا بما يعلو على قيمتها الجنسية والجسدية ويصحح مفهوم علاقتها مع الرجل. وهناك إجراءات أخرى قد تزيد من مستوى الأمان لو تم تبنيها من قبل الحكومات والجهات المختصة كزيادة الرقابة على الأماكن العامة وأماكن العمل وجعل المدن صديقة للمرأة من خلال معالجة مشكلة الشوارع شبه المهجورة أو ممرات العبور والأنفاق غير المضاءة بشكل كافي ووضع قوانين صارمة تجرم التحرش وتحفظ كرامة المرأة وخصوصيتها حين تقديمها للشكوى.

وحتى ذلك الحين ما يمكن أن نفعله نحن كأفراد هو المطالبة بالتغيير، ومحاولة نشر الوعي ضمن دائرة تأثيرنا والانتباه إلى تربية الفتيات والشبان تربية متوازنة يتمتعون فيها بقوة الشخصية واحترام أجسادهم وأجساد الآخرين، واحتواء الضحية وتشجيعها على الكلام ضمن نطاق الأسرة بما يضمن تجاوزها للأزمة النفسية في جو صحي داعم ومن ثم محاسبة الجاني لو أمكن دون الإضرار بها.

كيف يؤثر الخطاب النسوي على مجتمعنا؟

آلاء بهجت الحاجي 


إن القراءة في التحولات المجتمعية التي طرأت في العصر الحديث على النساء خصوصا، والفكر التحرري -الذي أخذ مداه لديهن بشكل غير مسبوق- يعيدنا تلقائيا لدراسة الخطاب النسوي الموجّه من الحركات النسوية وحركات تحرير المرأة، الذي أثّر بنا وصنعنا دون شعور منذ القرن الماضي إلى الآن.

عادة ما يؤرخ لبدايات النسوية في القرن التاسع عشر ضمن الموجة النسوية الأولى والتي بدأت بالمطالبة بالحقوق الأولية كحق التملك وحق التعليم وحق العمل وغيرها وإبراز بعض ألوان الظلم الذي تتعرض له المرأة وانتقادات للنظرة الدونية للأنوثة لدى الغرب المتأثرة بالخطاب الكنسي و نصوص الإنجيل، وأطروحات بعض الفلاسفة. وضمن سياقات تاريخية معينة وإعلاء لقيم الحرية المطلقة والليبرالية التي استغلتها هذه الحركات للدعوة لتحرير المرأة الكامل وإشراكها في التيار الرئيسي للمجتمع بأن تحصل على كل امتيازاته وتتولى كل مسؤولياته بالمشاركة الكاملة مع الرجل، تزامن مع تطور للأطروحات النظرية التي أخذت في معالجة مفهوم المرأة والأنوثة وأنها لا تولد امرأة بل تصبح كذلك، بسبب التوجيه المجتمعي الذي يدفعها للخضوع والاستسلام على حد تعبير سيمون دي بوفوار إحدى أبرز رائدات الحركة النسوية [النسوية وما بعد النسوية، ص64].

كمجتمع عربي لا يمكن إنكار ما يحصل فيه من قمع لشخصية الأنثى ومحاولة لجعلها العنصر الضعيف في المعادلة، وهذا الشعور الخانق لدى النساء ولّد الكثير من الحنق الذي وجد صداه في النموذج الغربي المُصدّر إلينا من حركات تحرر المرأة والموجات النسوية التي أرادت تحريرها من قيد فأدخلتها في قيود أخرى، وأثرت في نظرتها لنفسها أولاً وفي علاقتها بالجنس الآخر وفي وظيفتها الحقيقية والقيود التي يحل لها أن تتحكم بها، وفي نظرتها للتدين والأحكام الدينية والشرائع.

يتناول هذا المقال أبرز المجالات التي استطاع الخطاب النسوي التأثير بها علينا بوصفنا مجتمعات عربية محافظة نسبيًا.

التعليم والعمل
عندما ننظر في إدراج النسوية للتعليم والعمل على رأس قائمة الحقوق باعتبارها يجب أن تكون مكفولة للمرأة، نلاحظ أن النسوية أطّرت مفهومي التعليم والعمل في المجالات التي يعمل فيها الرجل غالبا كما ذكرت سابقا، نقلًا عن بيتي فريدان أن المطلوب هو “إشراك المرأة بصورة كاملة بحيث تحصل على كل الامتيازات للمشاركة الكاملة مع الرجل” -علماً أنها أسست المنظمة الوطنية للمرأة كرد فعل مباشرعلى فشل اللجنة الأمريكية لتكافؤ الفرص في التوظيف على حل مشكلة التمييز على أساس الجنس في الوظائف-. (النسوية وما بعد النسوية، ص58).

وهذا التأطير للمفهوم وجّه المرأة بطريقة أو بأخرى لاتخاذ مسار التعليم والعمل الذي سُلط عليه الضوء إعلامياً وتم التركيز عليه في الخطاب النسوي، كتصوير حرية المرأة التي تبدأ حال دخولها عالم الأعمال وأنها التي تلبس البدلة وتخرج صباحاً لتعود في المساء ومحفظتها ملأى بالنقود وقد “حققت ذاتها ووضعت بصمة في المجتمع”، فاتجهت كثيرات منهن تحت الضغط المجتمعي لدراسة تخصصات لا تناسبهن ولا تراعي أوضاعهن النفسية والاجتماعية فقط لتأمين المستقبل لاحقا ولتحقيق ذاتها كما قيل لها، دون أن يكون لديهن أدنى اطلاع على التوجهات التي تفرضها مصالح السوق على المجتمع، والاختيارات الإجبارية التي يطرحها، ولا وعيٍ ذاتي بإمكانياتهن الحقيقية وقدراتهن التي تؤهلهن لاختيار طريق الحياة الأنسب.

وبنظرة أكثر تدقيقاً نرى أن النسوية لا تقدّر العمل إلا لأجره و قيمته المادية الذي يحقق الاستقلالية للمرأة ويجعلها غير معتمدة على الأب أو الزوج، وليست المعضلة بالاستقلال المادي بحدّ ذاته، وإنما في تكريس الحياة الندّية بين الرجل والمرأة، وفي عدم اعتبار التربية والحفاظ على أسرة مستقرة عملاً مهماً يستحق التقدير، بل وفي اختزال كافة الأعمال بالأعمال المأجورة التي تقابَل بقيمة مادية.

وبعد الاطلاع على واقع العمل والنظام الرأسمالي الذي يتعامل مع الموظفين على أنهم عبيد، لا نرى المرأة العاملة أحسن حالاً بالوظائف التي تشغلها والضغوط التي تتعرض لها بحجة تحقيق الذات، بل إن سوق العمل استغل المرأة أكثر من الرجل وفرض عليها معايير الجمال والأناقة كمقياس للكفاءة وهذا ما يجعلنا نعيد النظر حول مفهومهم لتحرير المرأة، خصوصا بعد أن نعلم أن النسوية أُحبطت لعدم حدوث تغير حقيقي في مجال العمل إذ أن دخل المرأة ما يزال في حدود ثلثيّ دخل الرجل في المملكة المتحدة. [النسوية وما بعد النسوية،74].

الزواج والأمومة
إن أول مؤتمر وطني عقد حول تحرير المرأة في بريطانيا 1970م، خرج بأربعة مطالب أساسية وكانت: المساواة في الأجور والمساواة في التعليم والفرص وإنشاء حضانات تعمل على مدار اليوم والحرية في استخدام وسائل منع الحمل والإجهاض (الحرية الجنسية). ومن خلال الربط بين هذه المطالب الأربعة تتضح ازدواجية المعايير لدى النسويات ففي حين أنهن يطالبن بحقوق أساسية كالعمل والتعليم، يرتبط ذلك لديهن بإنشاء الحضانات على مدار اليوم واستخدام وسائل منع الحمل وتكشف هذه المطالب عن الاهتمام بجسد الأنثى واحتياجه للاستقلال الذاتي الجنسي.

فالنظرة النسوية للزواج والأمومة كقيد أزاحت كل قيمة مرتبطة بهما، ولم يعد الحفاظ على أسرة مستقرة من أولويات الحياة بل لم يعد الأمر يستحق التوقف والتفكير لدى كثيرات، وباتت التربية مرتبطة بتوفير الماديات لا أكثر والحضانات من الأساسيات التي يجب توفيرها للطفل لتحقق الأم ذاتها، وأصبح البقاء في المنزل للعناية بطفل وتربيته يدل على قلّة الطموح والإنجاز في حياة المرأة، وأنها إن ارتضت البقاء في المنزل فهي بالضرورة مقيدة مجبرة لا حيلة لها سوى ذاك “التركيز على صورة المرأة كضحية”.

ولو أن الأمر لدينا لم يتطور بعد إلى الاستقلال الذاتي الجنسي بشكل ملحوظ إلا أن فكرة الزواج كقيد هي ما رسخ في أذهان كلا الجنسين. فالمسؤولية التي يجب أن يشعر بها كلا الأبوين تجاه الأبناء خفتت في عصر التمركز حول الذات ودور الأم أعظم في ذلك وأكثر تأثيراً.

ربما كان من الأكثر رشداً وعقلانية كما يقول الدكتور المسيري “ألا نحاول تحرير المرأة وألا نحاول القذف بها هي الأخرى في عالم السوق والحركية الاستهلاكية وأن نطالب بدلاً من ذلك بتقييد الرجل وأن يعاد تعليمه بحيث يكتسب بعض خبرات الأبوة والعيش داخل الأسرة والجماعة” [قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى،39]، وهي الخبرات التي تم هضمها في العصر الاستهلاكي الحديث.

مفهوم التحرر عند النسوية
تدعي النسوية منذ بروزها أن من أهم أهدافها التحرر من القيود التي فرضها الرجل على المرأة منذ الأزل، مستنداتٍ على عدة إنجازات كاكتساح سوق العمل الذي كان محظورًا عليهن وغيره من الميادين التي كانت حكرًا على الرجل، لكن التحرر الذي تدعيه النسوية ما يزال مقيدا بنظرة الرجل واكتساح الميادين التي يبرز هو فيها، أي ما يزال الرجل هو المقياس الحقيقي للتحرر الذي تدعيه النسويات، فأي عمل آخر تبرع فيه النساء في غير تلك الميادين التي يبرز فيها الرجل لا تجد لها حيزًا لديهن ولا اعترافًا. وما فتئن يعلنّ رفضهن تسليع جسد المرأة ومسابقات ملكات الجمال في العالم بحجة أنها تكريس لفكرة الأنثى التي لا يتجاوز اهتمامها جذب الرجل الذي يتحكم بها، بينما يندر أن تجد منهن من تتقبل اللباس المحتشم -الإسلامي منه خصوصًا-، بحجة أن فرضه أيضًا استغلال ذكوري لسلطة الدين والتشريع، ويخرجن بادعاءات لا يستطعن إثباتها كذكورية الفقه الإسلامي وغيره، رغم أن فرضه يلغي محاولات تسليع جسد المرأة ويساعدها على تحييد أنوثتها لتستطيع المشاركة في المجتمع دون مضايقات.

تنتقد بيتي فريدان النساء في الموجة النسوية الأولى وترى أن مشكلتهن أنهن يحسدن الرجل وحاولن أن يكنّ مثله بدلًا من أن يتقبلن ذواتهن والموجة النسوية الثانية أتت لتحريرهن من كل ذلك،(النسوية وما بعد النسوية،65). ويبدو أن النسوية في موجتها الأولى والثانية وما بعدها رجعت بخفي حنين، وقد صدقت جيرمين جرير حينما وصفتهن فقالت: “المرأة في تيار النسوية لها شعر طويل وترتدي زيّاً خشنًا وأقراطًا مدلاة، أما المرأة في ما بعد النسوية فترتدي حلة عالم الأعمال، وترفع شعرها وتستخدم قلم أحمر الشفاه، أما المرحلة التالية لما بعد النسوية فتتسم بطبيعة داعرة بصورة استعراضية وبسلوك غير منضبط” [النسوية وما بعد النسوية،87].

يتعدى التأثير النسوي هذه المجالات لكن هذين المجالين هما أكثر المجالات المتأثرة وضوحًا في تغيير صورة مجتمعاتنا التي تتشوه كلما استغرقت في التغريب.

إن الاستعانة بأدبيات النسوية لتفسير واقع قائم يبدو نظرياً أكثر مما ينبغي، فكثير من النساء ليس لديهن اهتمام أو اطّلاع على النظريات النسوية المطروحة هنا وهناك والصراع النسوي فيما بينه وتهافت النسوية إلى ما بعد النسوية، إلا أن الإعلام وما يشمله من إعلانات وأفلام وروايات وأدب هو الذي يوجه هذه الأفكار للمرأة بغض النظر عن سياقها الذي يبقى حكراً على الكتب والدراسات العلمية والاتفاقيات الدولية.

ربما يكون الحل الأمثل بأن تتخذ الأنثى خطوات جادة لصناعة وعيها لتستطيع مواجهة كل هذا المد، إن الأمر لا يعطي انطباعًا حول مؤامرة ما بقدر ما يقول الشيخ محمد الغزالي “مؤامراتهم تمتد في فراغنا”.


أهم المراجع

  • سارة جامبل، النسوية وما بعد النسوية، ترجمة أحمد الشامي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2002م، ط 1.
  • ملاك الجهني، قضايا المرأة في الخطاب النسوي المعاصر(الحجاب أنموذجاً)، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، 2015، ط 1.
  • عبد الوهاب المسيري، قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، 2010، ط 2.