مقالات

لطالما أحسست بالشفقة على نساء الغرب

أصبح موضوع حقوق المرأة وحريتها المُتصدّر الأكبر لبرامج الإعلام ومناقشات مواقع التواصل الاجتماعي وحتى ندوات ودورات المنظمات المهتمة بتنمية مجتمعاتنا وبمساعدتها ودعمها، والعناوين الغالبة عند طرح مشاكل النُّسوة هي عناوين كـ “تنظيم الأسرة” و”المرأة والعنف” و”المساواة في العمل” وكأنّ هذا هو أكثر ما تحتاجه النّساء الآن، غير آبهينَ بمحيطهنّ ووضعهن المعيشيّ، فإن نظرنا لحال أكثر الأمكنة التي تُقام فيها ندوات تلكَ المنظّمات مثلاً أو محيطِ تلكَ المرأة المقصودة بعناوين مواضيعهم، نَجدهُ يعاني من الفقر وشحّ المواد والماء والكهرباء، ومن الممكن أن تكون أقربَ مدرسة لهم تبعد عنهم عدداً من الكيلومترات، ويُعاني الجميع في تلك المنطقة من سوء الوضع الصحيِّ وليس فقط النساء، فكيف لشخصٍ أن يُلقي محاضرةً  للمحافظة على الصحّة لآخرَ وهو على شرفات الموت ويَنهشُ جسده المرض.

من الملاحظ أيضاً  أنّ الحلول والمشاكل المطروحة في غالب الأحيان بعيدٌة كل البعدِ عن الواقع، فكَمَن يُطالب شخصاً بالتحرُّر من سجنه، ويداه مُكبَّلتان بالأصفاد، وإن أعطيته المفتاح ليحرّر نفسه إلى حياةٍ ورديَّةٍ تنتظرهُ بزعمهم سَيخرجُ فلا يرى إلا السَّواد.

قضية المرأة حصانةٌ وطريقٌ للشهرة
مما لا شكّ فيه أنّ التركيز الشديد على قضية المرأة ليترَاءى لنا أنّها مُشكلتنا الوحيدة، جعل هذه القضية بمثابة الحَصَانة لكلّ شخص يَتَبنَّاها، بل إن كثيرًا منهم بمجرّد اهتمامهم بها يضعون أنفسهم على أول طريق الشهرة، لذا لا نستغرب كثرةَ المسارعين لركوب هذه الموجةِ،  فكلُّ ما يحتاجه الشخص هو التَعريفُ باختِصاصِه وإردافُهُ بعبارةِ “مهتَمٌّ أو مهتَمّةٌ بقضايا المرأة” ليتصدّر اسمه صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ويمتلك ضوءًا أخضرَ عن كلّ ما يقدّمه من مواضيع ومشاريع،  حتى وإن كانت مواضيعه المختارةُ بعيدةً كلّ البعد عن القضيّة المُتبنّاة.

وأولّ وأكثر راكبي هذه الموجة طبعاً هم من النّساء المُعتَدِّات بنجاحهن أو المؤثرات، فتراهم يحملن راية الدفاع عن النساء في كل منشورٍ ومقابلة ومقال، كما أن صفحاتهن على مواقع التواصل الاجتماعي بَاتت المتحدّث الأول والرسميّ في قضايا المرأة.

الشهرة

تخبّط مستمرّ دون أهداف واضحة
كلُّ ما نراه لا يخرج عن كونه منشوراتُ تعاطفٍ وإثارةٌ للقضية، طبعًا مع وصف معارضيهم بالجهل والتخلّف والعداء المرأة، وفي أنفسهم يعيشون حالات من التخبّط، فلا يستطيعون أن يكونوا كالمرأة الغربيّة ولا أن يرضوا الشرقيّة.

يحاولون أن يُقَولِبوا الخطابات المعتادة لتناسب عقولنا فيوهِمُوننا بأنّ أفكارَهم نابعةٌ من الدين، فتراهم يستشهدون بالآيات والأحاديث المُكرِّمَة للمرأةِ تارةً، ثمّ يَنقُضُونها بِحجّة أهميّة تجديد الخطاب الدينيّ، وأنّ التفاسيرَ القديمة ذكوريّة تارةً أخرى، ويتمسّكون بأيّ مفكرٍ وعالم مُدَّعٍ يُفسّر النصوص كما يريدون، فعندما نَاسبوا المتطلّبات الحديثة للمرأة، لم تعد تناسبهم تعاليم دينهم، ووقعوا في ريبةٍ واتّهامات لم يستطيعوا التخلصَّ منها.

لقد وصلَ الأمر ببعضهم ممن تأثّر بهذه الخطابات –وإن بالقليل- أن يقف في صفِّ المرأة حتى لو أخطأت وظلمت وقتلت، ولا يوفّروا جريمةً قامت بها امرأةٌ بحقّ أحد إلا ويلصقها برجل ادعوا أنّه ظلمها وكأنّها لا تستطيع أن تتجاهل مشاعرها فلا تُحق الحق ولا تجتنب الباطل. وما مثلهم إلا كمثل من قال الله فيه: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85]

هل الرجل هو المشكلة، أم الحلول غير المنطقيّة؟
ظلم الرجال هو المشكلة، هكذا يقولون! إلا أننا نرجح أنهم لا يعرفون جوهر المشكلة ولذا فإنهم يردِّدون المعتاد، وجريًا على ذلك يَنصحون المرأة بتقوية شخصيّتها، والحصولِ على حريّتها عن طريق التمرد وتحصيل الشهادات العلمية والاستقلال المادي، وكأنّ لديهم ضماناتٍ بأنّ كلّ امرأة نالت الشهادات فإن ذلك سيُوصلها لأعلى المناصب، وأن كلُّ عملٍ ستعمله سيكون مُريحاً بعيداً عن الذئاب البشريّة، يُدرّ عليها الأموالَ التي ستكفيها ذُلَّ السؤال.

هذا خلطٌ واختزال، والقائلون بذلك لا يُجيدون سوى إثارة المشكلة وإعطاءِ حلولٍ ليست إلاّ مُخدِّراً يُبعد المرأة عن الواقع قليلاً، كلّما ذهبَ مفعوله زِيدَت الجُرعة وربما تصل به إلى أن تقتل صاحبها أحيانًا.

المرأة الغربية مثالاً أعلى
إن كانت مشكلة النساء هو التسلُّط الذكوريّ، فلماذا لا زالت المرأة في الغرب تتذمّر بعد أن وصلت للمساواة رغم أنها تتقلّد المناصب الكبرى وتحقق استقلالها المادي؟ وبتنا نرى الحملات المضادّة للتحرّر لأنها بعدما وصلت المرأة لمآس متنوّعة في ظل “التحرر”.

والحقيقة أنّه كلّ ما مرت بي السنوات -وأنا أعيش بينهم- ازداد شعوري بالشّفقة على حال المرأة في أوروبا، إذ لم أرَ بعدُ امرأةً سعيدة باستقلالها حقاً، وجلّ ما رأيته نساءً تقدّم بهنّ العُمر نَدمن على ما فاتهنّ من سنين لم يَقضينها مع أطفالهنّ، ولم يستمتعن بأمومتهنّ، إذ كان هَمهنّ منصبًّا على تَحصيلُ المال .

ولن أنسى يوماً نبرة صوت الصحفيّة الممتلئةِ بالحزن عندما تحادثنا قليلًا لتخبرني بأنّها تعمل كثيراً ولا تُحصّل إلّا القليل فهي مُضطرة لإطعام أطفالها الثلاثة بعد أن تَطلّقت، ويوجد مثل حالها الكثير.

فهل شاهدوا الفتاة التي تَحمل الصناديق وهي حاملٌ لأنّه عملها، أم الفتيات اللّاتي يَحمِلن في سنّ المراهقة لتصبح مسؤولةَ عن نفسها وطفلها، فَلِأبِ الطّفل الحقُّ في الانسحاب إن أراد فلا زواجَ قانونيّ في هذا العمر، هل علموا عدم شعورها بالأمان إذ تخرج كثيرٌ من الفتيات من منازلهن بسلاحٍ أبيض، وهل شاهدوا فرحة المسلمة الأجنبيّة عندما يخبرها زوجها أنه سيتكفّل بمصروفها ولن تُضطر للعمل بعد الآن.

أعتقد أنّهم لا يعرفون عن هذا الواقع شيئاً، فإن تَخلّصت الغربيّة من ظلمٍ ظَهر ظلمٌ آخر ومشاكلُ أخرى أشدُّ، حيث تمتدّ لتشملَ المجتمع بأكمله كعدمِ الزّواجِ وانخفاض عددِ المواليد حتّى هُدّدوا بالشيخوخة التي تكاد تفني المجتمع…

إذاً هُم فعلاً لا يعلمون أين المشكلة وهذا لا يَشفع لهم، أو لعلهم يعرفون لكنهم يتجاهلون السبب الرئيسيّ وهذا أشدّ وأعظمُ، فالسّبب الرئيسيّ والمشكلةُ هيَ غياب الدّين وعدمُ مخافةِ الله، وما يتبع ذلك من انتشار الظّلم وضياع الحقوق والعدل كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} [طه:124]

ما الجدير فعله لقضية المرأة؟
أنطلق ههنا من تساؤل: إن كان همُّ النسويين المرأة في بلادنا حقًّا، أفليسَ الجديرُ بهم المُطالبة بتحسين وضعها ووضع عائلتها المعيشيّ؟ أليس الأولى بهم دعمها في المدارس والمواصلات حتى تستطيع التعلّم، أو أَن يَحُثُّوها على التَّفقُّهِ بدينها، والتعرّف على واجباتها ومسؤوليّاتها قبل حقوقها؟

لماذا لا يطالبون ببيئةٍ مناسبةٍ لعمل المرأة تراعي ضَعفها وحاجاتها تُبعد عنها الفتنة وعن أبناء المجتمع؟ لماذا لا يُطالَب بمراكز تَحمي أو توفّر المال والأمان للأرامل والمطلقات اللّاتي ليس لهنّ أحد؟  ولماذا لا يُذَكّرُونَها باتّقاء الله واتّباع أوامره؟ و لماذا لا يُطالب أصلاً بالحقوق للجميع فَفي العالم من الظّلم ما يكفي.. والأسئلة هنا لا تنتهي!

لا.. ليس هذا هَمُّهم، فَما هُم إلّا أدواتٌ لِتَمهيد طريق الفساد، الطَّريقُ الذي مَشى فيه من قَبلنا فَأوصلهم للقاع !!

فإن كون المنتقد من النسوة أو من المهتمّين بشؤونها لا يعني قدرته على حمل رايتها، وتقديم العلاج المناسب لها، ولا يعني ذلك استطاعتهم الإمساك بيد كلّ مُستغيثةٍ لإيصالها لطريق النجاة، ولا يعني أن يكون لهم الحقّ في تحديد سنّ الزّواج، في النُصحِ  بالطّلاق، أو في تحديد عَدد الشّهادات الّتي يَجب للفتاة تَحصيلها، ولا في تَشجعيها على الإجهاض، ولا في أن يَضعوا حدّاً لعدد الأطفال في كلِّ عائلةٍ والفُروق بينهم، ولا أن يَصِفوا كلّ امرأةٍ تخالفهم بالجهل، ولا أن يَرسُموا لكلّ فتاةٍ الطريق الذي يجب أن تكون عليه حياتها.

إن الطريق بيِّنٌ، وحقوقنا -نحن النسوة- وواجباتنا ومسؤولياتنا مستمدّةٌ من شرع الله سبحانه وتعالى الذي وَضَع حُدوداً ليس لأحدٍ أن يَتجاوَزها، وأعطانا حقوقاً لا يحقُّ لأحدٍ أن يَمنعها عنا، ومن يفعل ذلك فحسابه عند ربه الأكبر العادل الرحيم، وقدوتنا هو الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ونتعلّم من سير الصّحابة وأمّهات المؤمنين، ومن ثمّ فإن واجب الوقت أن لا يتكلم بشؤون النّساء إلّا أهلُ الحكمة والعلم ممن يعرف حدود الله ونواهيه ليَقف عندها يُفصّلُ الحقّ والواجب، فلا يحرّم ما أحلّه الله، ولا يأتي بكلامه إلّا من القرآن والسّنّة.

المرأة أساسٌ في بناء الأمّة
مساهمة المرأة في بناء هذه الأمّة تبدأ في تجنّب التفكير بنفسها فقط، فهيَ فردٌ وجزءٌ من أسرةٍ ومجتمعٍ بَل هي عَمودٌ أساسيّ في كل ذلك، يَبتَدئُ الإعمار منها بإصلاح نفسها وتزكيتها أوّلاً، وباهتمامها بِما سَتُسأَلُ عنه يوم القيامة، فَلا تَنهضُ الأُمَم بإعطاء الحقِّ لإنسانٍ دون غيره ولا بالعدل لفئةٍ دون غيرها، فكلُّنا نُبحر في سفينةٍ واحدة.

لا تكوني -أيتها الأخت- أسيرةً لجهلِ البعض الّذين أَضلّهم الشيطان ليُضلُّوا غيرهم، وإن مرَّت بك مشكلةٌ أو شكٌّ فإن أكثر ما تحتاجينه هو الصّبر والحكمة واللّجوء إلى الله وسؤال أهل العلم ومن تثقين بهم من ذوي الفضل، ولا أحد يطيق الظّلم، هذا أمرٌ بدهي! ولكنّه واقعٌ موجود لا يفرّق بين جِنسٍ أو لون، سنبقى نعاني منه ما دام هناك بشر لا يَخاف الله، ولا يتّبع الإسلام وسنة النبيّ صلّى عليه وسلّم.

إن شعورنا بالظّلم لا يعني أن نظلم غيرنا وأَنفسنا، ومن هنا فإنه ينبغي الحذر، كما جاء في قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلّاق:1]، {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النّحل:118]

 

عرض الأزياء.. كيف تحول البشر إلى علّاقات ثيابٍ متحركة؟

من واجهات المحلات، إلى عروض الأزياء مروراً بإعلانات الملابس والحليّ ومستحضرات التجميل وصفحات المجلات، عارضو الأزياء مُستخدَمون في قطاعات كثيرة في عالم اليوم، وعن طريقهم يتم إقناع الزبائن بملاءمة البضائع لهم وحاجتهم لشرائها، فهذه الصناعات بعدما قامت لترِيح الإنسان وتؤدي له حاجاته، باتت متعاظمة بنفسها تُذِل كثيرين في خدمتها، وتملي عليهم نمط حياتهم كاملاً، ابتداءً بما يأكلون ويشربون، وانتهاءً بكيف يمشون ومتى يقفون وكيف يتكلمون أو يتبسّمون.

ومع أن الشركات توجهنا لأن نتجاهل الأفراد الذين يتم التسويق من خلالهم، وألّا نفكّر إلا في المنتج المقصود، إلا أننا نتساءل في هذا المقال:

ماهي هذه المهنة التي يحترفها العارضون؟ وكيف نجحت بتحويل بشرٍ كرّمهم الله إلى أدوات لا تُرى إلا لأجل الأشياء التي يستعرضونها؟ وبعد كل هذا، كيف دخلت هذه المهنة بيوتنا واستهوت فتياتنا وحوّلت كثيراً منهنّ إلى عاملات فيها بكل يسرٍ وسهولة؟

متطلبات وأهداف
ورد في موقع CollegeGrad الموجه للباحثين عن وظائف؛ تحت عنوان “متطلبات مهنة عرض الأزياء”: لا يشترط أي تحصيل علمي أو أكاديمي لمهنة عرض الأزياء، وكذا الخبرة المهنية فهي غير مهمة لمعظم الوكلاء، ولا يلزم التدريب أو الحصول على أي ترخيص رسمي كذلك.

إن المهم الذي يَسأل عنه الموظِّفون هو: العمر والوزن والطول وقياسات الجسم بشكل رئيسي[1].

وفي شرح أدقّ لهذه المحددات ورد في مصدرٍ آخر أن أقل طول مقبول لدخول الفتاة إلى هذه المهنة هو 176 سم، أما وزنها فينبغي أن يكون أقل من الوزن الوسطي لأقرانها على الأقل[2]!

هكذا بكل بساطة يقال إن هناك مهنة تهمّش العقل، ولا تتطلب إلا معايير شكليّة دقيقة لممارستها، ثم لا يعتبر ذلك تسليعاً للجسد أو انتقاصاً من الكرامة.

إن العجيب ليس وجود هذه المعايير، وإنما نجاح المهنة في استقطاب الفتيات وإقناعهن بأن المنافسة على المقدمة فيها أمر شرفي يستحق السعي والجهد. فنرى مواقع كثيرة تقدم مقالات مفصلة ترشد الفتيات إلى الطريق الأكثر فعالية لكسب الصدارة لدى المصممين المشهورين.

تقول واحدة من هذه الإرشادات الموجهة لليافعات (فوق سن الثانية عشرة) حرفياً: “شكلك الخارجي يجب أن يكون جذاباً وملفتاً. الوكلاء والمصممون يبحثون عن الكمال الجسدي في تجارب الأداء، لذلك تجنبي المبالغة باستخدام المكياج أو ارتداء الألوان الفاقعة، واحرصي على المشي بانسيابية أمام الحكام ليتم اختيارك للوظيفة”[3] وتقول أخرى: “إن أول شيء تحتاج العارضة الطموحة إلى معرفته هو مميزاتها الجمالية، وكيفية إبرازها بأفضل طريقة ممكنة، ما الذي يجعل وجهك مثيراً للاهتمام أو مختلفاً على الأقل؟ هل هو الفراغ بين أسنانك؟ أم عينيك الناعستين؟ كل هذه قد تكون ميزات تجعل عملاء التوظيف يذكرونك في تجارب الأداء[4]!”

وقد نتساءل هنا: ما الذي يجذب الفتيات لهذا الوسط غير الطبيعي؟ ما الذي قد يستهوي مراهقة بعمر الثالثة عشرة لتترك مدرستها ثم تأخذ 50 صورة لنفسها، ترسلها لوكيل عارضين من أجل تجربة أداء ستدخلها بين آلاف الفتيات الأخريات اللواتي يشابهنها في الوزن والطول، ليطلب منها هناك أن تصمت، أو تبتسم، أو تعبس، أو تمشي بكبر وخيلاء، ثم يتم الحكم عليها بناءً على ذلك لا غير؟!

كان هذا سؤالاً يلح عليّ أثناء بحثي في موضوع عرض الأزياء، فهذه مهنة مهينة فعلاً، وهذا يقرّ به بعض الداعين إليها حتى، فهذه إحداهن تقول في ختام كلام طويل عن طرق النجاح كعارضة: “يبدو الحديث في هذا الأمر سطحياً، صحيح؟ هذا لأنه كذلك فعلاً، ففي النهاية عارضات الأزياء هن علّاقات ملابس فاخرة لا أكثر، ودورهن في صناعة الموضة هو جعل الملابس تبدو جميلة لكي تُباع. لا يمكننا اللف والدوران حول حقيقة أن هذه صناعة يقودها الشكل الخارجي وحده[5]!” وليت الكاتبة اكتفت بهذا الكلام في مقالها، بدل أن تغرر بكثيرات وترشدهن درب الغواية والريادة فيها أيضاً.

وهنا يتكرر السؤال: لماذا تطلب فتاة عملاً كهذا؟

والجواب –كما وجدت- في أمرين:

أولهما: المال الوفير الذي تظن الفتاة أنها ستحصّله بمجرد عبورها على ممشى العرض أو وقوفها أمام كاميرا لبضع دائق، وثانيهما حلم الشهرة والنجومية الذي يستهوي كثيراً من اليافعات فيجعلنه هدفاً وشرطاً للسعادة، خصوصاً مع تقديس المشاهير في الإعلام وجعلهم قدوات للأجيال الجديدة، وكذلك تندفع الفتاة لهذا العمل المهين لأجل أوهام، ولا تفكّر في واقعية ذلك كله أو المقابل الذي ستدفعه لتحصيله.

تقول عارضة سابقة: كنت في الرابعة عشرة حين أرسلت لي وكيلتي أول فرصة لي كعارضة، كان إعلاناً طرقياً لمحطة راديو تظهر صورتي عملاقةً عليه، ظننته سيبدو بريئاً، لكنهم كتبوا تحت الصورة: “لا يوجد موعدٌ سيءٌ لا تصلحه الأغنية المناسبة”، كيف ألمحوا إلى أنني في موعد وأنا طفلةٌ في الرابعة عشرة من عمري![6]

وتقول أخرى: “كان الظهور على أغلفة المجلات مؤلماً، الجميع يحكم على شكلك ووزنك وموافقتك لمعاييرهم، وهذا لم يكن يعطيني أي قوة في وقتها، كنت في السابعة عشرة وأريد الاختباء، شعرت أنني لا أملك أي سلطة على نفسي[7]“، وبالرغم من أن العارضة لا تقدم جهداً ذهنياً أو عضلياً كبيرين في مهنتها، إلا أنها تفقد نفسها، ولا تملك أي سيطرة على هويتها التي تستخدمها الشركات للربح المادي فقط.

ومن جهة أخرى فإنّ الإحصاءات تظهر أنّ نسبة أقل من 10% فقط من العارضات هن من يحقق ثروة حقيقية عبر هذه المهنة، أما البقية فهنّ يعملن بأجر يتراوح بين 8-11$ في الساعة في الولايات المتحدة الأمريكية -أي أجر قريب من الحدّ الأدنى قانونياً-، وتكون الوظائف غير ثابتة أو متوقعة[8]. ومع ذلك كله فإن مهنةً العرض تجذب الفتيات الحالمات بالاستقلالية وامتلاك دخلهن الخاص، ففي ظل التفكك الأسري وارتفاع قيمة المال الذي تشهده المجتمعات الغربية، كان لازماً أن تصير مهنٌ تعطي دخلاً “سهلاً” للصغيرات مطلوبةً وإن كانت ستجعلهنّ رقيقات مستعبدات في الطريق.

جديرٌ بالذكر أن هذه المجتمعات التي تسمح لفتاة في سن الرابعة عشرة أن تترك بيتها، تسافر إلى مدينة بعيدة، وتوقع عقداً مع وكالة لا ترى فيها إلا قياسات جسدها، لترتدي ما تأمرها به، وتنشر صورها التي تختار في الطرقات وعلى أغلفة المجلات[9]، وتعرضها خلال ذلك لكثير من الاستغلال المادي والجنسي، هي نفسها التي ترفض زواج الفتاة ما لم تنهِ تعليمها الجامعي، وتعتبره حرماناً لها من طفولتها!

آثار مدمرة
عام 2006 بدأت النسبة العالية للمريضات باضطرابات تناول الطعام وبالأخص فقدان الشهية العصبي (ِAnorexia Nervosa) والشره العصبي Bulimia Nervosa)) في مهنة عرض الأزياء تتلقى انتباهاً إعلامياً كبيراً، تحديداً بعد وفاة العارضة آنا كارولينا بفقدان الشهية العصبي عن عمر 21 سنة، حيث لم يتجاوز وزنها عند الوفاة 40 كغ.[10] وبعد جدل كبير ووفاة عدد من العارضات بنفس المرض؛ أُقِرَّ في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا عام 2015 قانون يحدد أقل وزن يسمح به قانونياً لعارضة الأزياء وتُعاقب الشركة إن وظفت عارضات بوزن أقل منه.[11]  أما في الولايات المتحدة الأمريكية حيث لا توجد قوانين مشابهة، فمتوسط وزن العارضات يساوي ذلك الذي تسميه الأمم المتحدة بـ”المجاعة” (starvation)[12].

في الصورة: ايزابيل كارو، عارضة أزياء سابقة، طالبت بسن قوانين تحدد وزن عارضات الأزياء في الولايات المتحدة، توفيت بمرض Anorexia Nervosa عام 2010 عن عمر 28 سنة. المصدر:

Is It Time To Set Weight Minimums For The Fashion Industry? : Shots – Health News : NPR

وقد لوحظ أن العارضات يتبعن ممارسات مرضية خطرة ليكْبِتْنَ الإحساس بالجوع ويحققن النحافة المطلوبة كتناول كرات القطن والمناديل الورقية والتقيؤ العمد بعد كل وجبة.[13] تقول العارضة السابقة Zuzanna Buchwald: “كنت رياضيّة حين دخلت هذا العالم. طلبت مني وكالتي أن أتوقف عن ممارسة الرياضة وأمتنع عن تناول الطعام ريثما أفقد بعض العضل. تبعت توجيهاتهم حتى أصبت بفقدان الشهية العصبي ومن ثم الشره العصبي. كنت ضعيفة ومنهكة دوماً، انقطعت دورتي الشهرية لثلاث سنين وتحول لون أسناني إلى الرمادي، جفت بشرتي جداً، بدأ شعري بالتساقط، كانت تجربة مريرة. كنت أفعل كل ما يقال لي لأنني أريد الحفاظ على وظيفتي، لكنني لم أشعر يوماً أنني قوية أو جميلة”[14].

وقد أظهرت دراسة مسحية منهجية عام2015 أن اهتمام العارضات بالشكل الخارجي والنحافة الذي هو أعلى بكثير منه في غيرهن يجعل نسبة إصابتهن بمتلازمة اضطراب الأكل الجزئية مرتفعاً شكل ملحوظ.[15] والمشكلة لن تحل بتحديد وزن أدنى للعارضات، فالصناعة نفسها قائمة على كون الجمال في النحافة، والعارضة إنما يتم اختيارها لأنها تحقّق معايير الجمال تلك، فرفع الحد الأدنى للنحافة لن يحل المشكلة في كونها معياراً للجمال.

وعلى صعيد آخر بيّنت دراسة محكمة أن نسبة العارضات المدمنات على الكحول والمخدّرات أكثر من ضعفها في أقرانهن[16].

ولنا أن نفكّر هنا: كيف صار الإنسان خادماً لأقمشة مقطّعة مستعداً لفعل أي شيء في سبيلها لمجرد أن الذي جمعها معاً مصمم مشهور؟ كيف تحولت الثياب من وسيلة لستر العورة إلى قاضٍ على الوزن والجمال والحياة؟ وكيف يُسمح لشخص مريض أن يقول لفتاة إنها تحتاج لخسارة عدة سنتيمترات من محيط خصرها وإلا كانت غير صالحة للاستخدام![17]

وقد صدق ابن تيمية -رحمه الله- حين قال: ومن لم يكن خالصاً لله، عبداً له وحده، لا شريك له بحيث يكون الله أحب إليه مما سواه، استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه.[18]

من عارضة إلى فاشنيستا إسلامية
إننا اليوم نرى الذي وصفه ابن تيمية -رحمه الله- في أوضح صوره، عبوديةٌ للبشر والأضواء والأقمشة، والعجب أننا نرى كثيرًا من الفتيات المسلمات ينافسن على تقليده، فبالرغم من كل الذي ذكرناه في عرض الأزياء من مهانة وظلم وتسليع للإنسان إلا أن بريقه الخادع جذب كثيراً من فتيات المسلمين، فصرن ينافسن على النسخة الملطّفة منه تحت مسمى الـ “فاشنيستا”، وهي كلمة تترجم حرفياً إلى “تابعة الموضة”، أو الأنثى التي تكرس جزءاً من وقتها لاستعراض ملابس أوحلي أو ذوق في تنسيقها معاً أو مهارة في استخدام المكياج، ثم نشر صور ذلك كله في منصات التواصل الاجتماعي إما لغرض مادي (حين يكثر متابعوها وتتواصل معها الشركات لتستعرض منتجاتها، فتصير عارضة حقيقية) أو لغرض نفسي (من حيث أعداد المتابعات والإعجابات).

ومع أن ذلك لا يتّسق مع الحجاب الشرعي وأمر الله تبارك وتعالى بعدم إبداء الزينة، إلا أننا بتنا نرى فاشنيستات “إسلاميات” أخذن على عاتقهن عرض الملابس الموافقة للموضة مع بضع إضافات تغطي الشعر والجسد (غالباً)، ثم تقديم ذلك لمن تشعر بالحرمان لعدم القدرة على مواكبة الموضة باللباس الشرعي، فلا تختلف فاشنيستا إسلامية عن غيرها حقيقةً إلا بقليل من القماش، أما التبرّج والتجمّل والتركيز على صورة الجسد والجمال الخارجي فهو نفسه الذي لدى غيرها.

وكذلك نشأت شريحة كبيرة من المسلمات اللواتي يعرضن الأزياء لعدد غير محدود من الناظرين دون مغادرة بيوتهن، وكل ذلك عبر صفحات الإنستغرام والفيس بوك، حيث يطلبن الإعجاب، ويسعين لنيل رضا الجمهور من أجل مزيد من الشهرة و”التأثير”، ويعتقدن أنّهن خير مثال للمرأة المسلمة العصرية التي لم يمنعها حجابها من اتباع الموضة.

عسى الله أن يهدينا وشباب وشابات الإسلام سبل الرشاد، وينير بصائرنا ويوجهنا لما فيه خير دنيانا وآخرتنا، إنه على كل شيءٍ قدير.


الهوامش والمصادر:

[1] Models: jobs, career, salary and Education Information, CollegeGrad.

Models: Jobs, Career, Salary and Education Information (collegegrad.com)

[2] Tina Kells, Modeling For Girls, Liveabout dotcom. 2018.

Do You Have What It Takes to Be a Model? (liveabout.com)

[3] Kristine Tucker, Tips on Getting Discovered as a Model. Chron.

 Tips on Getting Discovered as a Model (chron.com)

[4] Format Team, How to Become a Model: A Beginner’s Guide, Format. 2020.

How to Become a Model: A Beginner’s Guide (format.com)

[5] Tina Kells, Modeling For Girls, Liveabout dotcom. 2018.

Do You Have What It Takes to Be a Model? (liveabout.com)

[6] Former Model Shares Dark Side of Glamorous Life, The 700 Club. 2015.

https://www.youtube.com/watch?v=QPbYM_lYgaU

[7] 9 Models on the Pressure to Lose Weight and Body Image | The Models | Vogue, 2019

https://www.youtube.com/watch?v=MKd38G338Qw

[8] Catie Watson, How Much Does a Model Make an Hour? Chron. 2019.

https://work.chron.com/much-model-make-hour-21379.html

[9] للمزيد: اقرأ قصة العارضة السابقة نيكول ويدر

Nicole Weider, Project Inspired: Tips and Tricks for Staying True to Who You Are. 2015. Zondervan.

[10] 21-Year-Old Anorexic Model Dies in Brazil.  Fox News. 2006.

21-Year-Old Anorexic Model Dies in Brazil | Fox News

[11] (المصدر السابق)

[12] Vanessa Rancano, Is It Time To Set Weight Minimums For The Fashion Industry?  NPR. 2015

https://www.npr.org/sections/health-shots/2015/12/22/460682633/is-it-time-to-set-weight-minimums-for-the-fashion-industry

[13] (المصدر السابق)

[14] Model Zuzanna Buchwald Reveals Her Agent Told Her To Stop Eating, 2016.

https://www.youtube.com/watch?v=6rdzoXWOAHc

[15] Zancu, S.A., Enea, V. Eating disorders among fashion models: a systematic review of the literature. Eat Weight Disord 22, 395–405 (2017). https://doi.org/10.1007/s40519-016-0293-5

[16] Santonastaso, P., Mondini, S., & Favaro, A. (2002). Are fashion models a group at risk for eating disorders and substance abuse?. Psychotherapy and Psychosomatics, 71(3), 168-172.

[17] 9 Models on the Pressure to Lose Weight and Body Image | The Models | Vogue, 2019

https://www.youtube.com/watch?v=MKd38G338Qw

[18] ابن تيمية، العبودية. ص 140

المرأة في هوليوود وأساطير النجاح والحرية

سجادة حمراء، أثوابٌ فاخرة، حليّ ثمينة، جمالٌ وقوةٌ واستقلالية، خطابات شكر وثناء وفخر، وحديث عن التوازن والسعادة والاستقرار..كل تلك الصور البراقة تتبادر للأذهان عند ذكر المرأة في هوليوود. فهؤلاء النساء يظهرن لنا على الشاشات وفي دور السينما كمثالٍ لتحقيق الذات والوصول إلى قمة هرم النجاح. يرسمن نموذج الجمع بين القوة والحسن والأنوثة في عيون بناتنا وشبابنا كأنهم يمثلون غاية السعي ونهاية النفق المظلم الذي تقطنه الشعوب.

لكن نظرة فاحصة إلى عالم هوليوود والنساء فيه تظهر بشاعة الحقيقة المخفية. فبين معاناة نفسية وأمراض عضوية وضغوطات اجتماعية وفقدان للخصوصية، تعيش “النجمة” الهوليوودية حياتها تلهث وراء سرابٍ لا تمسكه مهما أغرقت نفسها بالماديات. لا تملك حياتها ولا بأبسط القرارات، مسكينة تائهة في متاهات مريرة إما تجهل الذي يُفعل بها أو تدري وتتغافل مقابل الأجر المادي و وهم النجومية المزعومة.

ولأن فتنة الظاهر قد تخيّل للناظر أن هؤلاء الإناث يمثلن المرأة القدوة، أقف في هذا المقال مع صورٍ من الظلم والاستعباد التي يعانينها، لتعلم شاباتنا أن مثيلاتهن لسن محل غيرة، إنما أهل لأن نشفق ونأسى عليهن مهما بلغت أعداد جمهورهن واتسعت قصورهن وغلت حليّهن.

مقارنة بالرجل
حين تتحدث الصحافة الغربية عن المرأة في هوليوود فإن التركيز غالباً يكون على عدد الممثلات في الأدوار الرئيسية وحواراتهن وأجورهن وعدد النسوة العاملات وراء الكواليس، كل ذلك مقارنة بالرجل طبعاً.[1] وإن كانت هذه النقاط مثبتةً بالاحصائيات، إلا أنها انعكاسات للرؤية النسوية التي لاتريد للأنثى إلا أن تحقق ما حققه الذكر، وأن يكون لها النصف في كل شيءٍ، بغض النظر عن اهتمامها به أومناسبته لطبيعتها. نجد النسويات مثلاً يعترضن على أن ثلاث نساء فقط على مر التاريخ ربحن جائزة الأوسكار لأفضل مخرج، رغم أن نسبة المخرجات النساء في هوليوود لم تجاوز 8-13% من المخرجين عبر السنوات![2]

لكن الذي أود تسليط الضوء عليه ليس نقص حضور المرأة أو نوع الحوارات التي تعطى لها، إنما ما يجري في خلفية كل ذلك، كيف تدخل الأنثى هذا العالم، وعلى أي أساس يتم اختيارها من بين المنافسات؟ وإن كانت تلك الأدوار تدر أرباحاً هائلة لمجرد أداء بعض الحركات وقول بضع عبارات، فما الذي تقدمه امرأة لتحصيلها والحفاظ عليها؟

إن التمثيل في هوليوود لا يشبه غيره من المهن، فتسابق الفتيات في أمريكا على فرص الظهورعلى الشاشة، مع قلة الأعمال المنتجة نسبياً يجعل المنافسة عصيبة جداً،[3] مما يقنع المتنافسات بضرورة تحمل أي شيء مقابل رضا المخرجين والمنتجين (الرجال غالباً).[4] وقد أظهرت تقارير عديدةٌ أن رضا هؤلاء لا علاقة له إلا بآرائهم وأهوائهم الخاصة، التي يقال أنها تتوجه إلى شخصية الفتاة، حضورها المسرحي، طاقتها، تميزها، تفوقها، وحيويتها وغيرها من السمات المعنوية التي لا تملك معيارية حقيقية. وبذلك يكون المجال مفتوحاً لمجموعة من صناع الأفلام لتقييم آلاف الفتيات بناءً على شكلهن الخارجي ثم اختيار بضعٍ منهن للدخول في هذا العالم والتحول إلى “نجوم”. ولنا أن نتخيل الحدود المهنية المحفوظة خلال التجارب، فهذه الممثلة روزمند بايك تقول إن المسؤولين طلبوا منها التعري في تجربة أداء لفلم “Die Another Day”،[5] وهذا أندي هنري -مسؤول تجارب أداء مسلسل “CSI”- يُطرد من عمله بعد أن كشفت خمس ممثلات أنه طلب ذات الفعل منهن خلال التجارب، الأمر الذي وافقن عليه طمعاً في الأدوار.[6] وهكذا يتحول ما يفترض أن يكون مقابلة عمل مهنية إلى حالة مبتذلة من عرض سلعة وقبول أو رفض.

تقول الممثلة جين فوندا لمجلة ديلي تلغراف: “حين يتعلق الأمر بالممثلات فالمظهر يختصر كل شيء، فالرجال بصريون جداً ويريدون الشابات الحسناوات في الأعمال، ولذلك تجدنا نحاول الحفظ على شبابنا دائماً”.[7] أما التفوق الأكاديمي والخبرة والاحترافية فلا قيمة لهم ولا اعتبار، إنما هي مسألة ذوق شخصي للمسؤول لا أكثر، ولا عجب أن إحصائية أجرتها مجلة فوربز وجدت أن 10% فقط من الممثلين الأعلى أجراً في هوليوود يحملون شهادة جامعية.[8] وكذلك فالبقاء في هوليوود يستوجب على الممثلة أن تحافظ على صورتها وشبابها دائماً، وإلا رفَضها الجمهور وأعرض عنها المخرجون. وتعليقاً على ضغط هوليوود على نجماتها ليحافظن على شكل جسدٍ معين ونحافة مرضيةٍ غير واقعية تقول ليزا كودرو -بطلة مسلسل Friends- إن التوقعات التي كان ينبغي عليها تحقيقها كجزء من عملها في المسلسل جعلتها غير راضية عن جسدها أبداً، مما دفعها إلى محاولة تنحيف نفسها بشكل دائم، حتى أنها كانت تشعر بالتعب والبرد والمرض بسبب الحميات، وكانت رغم ذلك تتلقى المديح والثناء ممن حولها كلما خسرت مزيداً من الوزن.[9]

فضائح الاستغلال وحركة MeToo
إن كان هذا حال المرأة في مرحلة العبور إلى هوليوود فكيف بعد أن تدخلها؟

سنة 2017 انفجرت في الإعلام الأمريكي والعالمي فضيحة المنتج المشهور هارفي واينستين الذي ادعت أكثر من 50 امرأة أنه قام باعتداءات جنسية ضدهن، ومع هذه القضية بدأ هاشتاغ MeToo  بالانتشار، حيث تشجعت النساء في هوليوود (ثم خارجها) على الإفصاح عن إساءات واستغلالات جنسية تعرضن لها من قبل الرجال.[10]و بدأ بتلك الحملة حديث طويل عن السلطة الرجولية في هوليوود والحاجة للثورة على الذكور وسحب مركز القوة من أيديهم. فبحسب إحصائية نشرتها USA Today  فأكثر من 94% من النساء في هوليوود عانين اعتداءً جنسياً مرةً على الأقل في العمل.[11] لكن العجيب هنا أن الحل المقترح لم يكن تبديل بيئة عمل النساء لتكون أكثر أماناً، ولا تخفيف مشاهد العري والإثارة في أفلامهن أو وضع ضوابط على ما يسمح تمثيله، إنما الصراخ في وجه الذكور الجنسيين العجيبين ومطالبتهم بالخروج عن طبيعتهم البشرية بينما يستمر كل شيءٍ كما هو. فالصناعة موجهة لتحفيز الغرائز وإثارة المتعة، لكنها في نفس الوقت تنكر على صانعيها التأثر بما تنتجه!

أتأمل هذا الضياع وأقارنه بتكريم الإسلام للإنسان وحفظه رجلاً وامرأة جسداً وروحاً من شياطين الإنس والجن. فشريعة غض البصر ومافيها من رفع للنفس البشرية تكفي ليظهر الفرق بين منظومة دين الحق التي تعترف بالغرائز وتوجهها ومنظومة حزب الشيطان التي تنكر الطبيعة البشرية ثم تتفاجأ بها عند حدوث المصائب.

من إنسان إلى إعلان
إضافة إلى كل الاستغلال الذي يمارس بحق المرأة في عالم السينما، فإن الشركات الرأسمالية أيضاً تستغلها لتحولها من إنسان ذي كينونة وروح إلى وجه دعائي. بكل بساطة تدفع شركة مستحضرات تجميل او عطور مبلغاً مالياً للممثلة مقابل تحويلها إلى وجهٍ إعلامي للعلامة التجارية، فتنتشر صورتها على المجلات والإعلانات، وجدران المحال وعلب المستحضرات فتتحول من كائن إنساني عزيز، إلى جسد لا يُرى إلا لإبراز فعالية مستحضرٍ يسوقه. يصير مطلوباً من هذه الإنسانة ارتداء ملابس معينة في كل محفل ومقام، وذكر المنتج الفلاني في كل لقاء، والظهور على أغلفة المجلات ولوحات الإعلانات في الطرقات، كأنها إعلان متحرك مستمر، ولا أرى في الحقيقة أشبه بالعبودية من هذه الممارسة!

ورغم أن ذلك كله يجري وفق عقود رسمية برضا الطرفين، إلا أن الفنانة تعلم حين توافق عليها أنها مجبرة على فعل ما يميزها، فهي تريد للجمهور أن يذكروها بين المنافسين، وللمنتجين أن يظنوا أنها مطلوبة وذات شعبية عالية ليختاروها في الأعمال المستقبلية. فأين العدل والحرية في ذلك كله؟ وأين الكرامة إن صار الإنسان أداة كذب وخداع وزيادة أرباح؟

هوليوود ليست استثناء
رغم أن الحديث هنا عن المرأة في هوليوود، إلا أن الذي أصفه يشمل عرض النساء في ظروف مرسومة من أجل إمتاع الجماهير وتحصيل أموالهم في أي مكان وزمان. ففي عالم بوليوود (السينما الهندية) مثلاً تقول الممثلة شريا نارايان في مقابلة مصورة أن استغلال المرأة جنسياً مقابل أن تكون “Somebody” أو شخصاً معروفاً في السينما هو الشائع.[12] فالسلوك إلى القمة في هذه الصناعة مع كثرة المتنافسين عليها لا بد أن يمر بما يسمونه “casting couch” أو كنبة تجارب الأداء، ولا شك أن جميع الممثلات مجبرات على سلوك هذا الطريق على حد قولها. علاوة على ذلك تقول نارايان (وقد خانتها عبرةٌ) أنها مقصاة إلى حد كبير لأنها لا ترضى أن تكون أداة تسويق لمنتجات يكلف الواحد منها ما يكفي لإطعام عائلة في بلدها. فهي ترفض أن تكون وجه جمال استثنائي على الدوام وتكره أن يطلب منها ارتداء أزياء المصممين ومجوهراتهم والمحافظة على مثالية هيئتها وشعرها في كل لقاء كي تكون وجهاً إعلامياً معروفاً للمنتجين والمخرجين.[13]

هؤلاء النساء المستعبدات لمعايير الجمال الخيالية ورضا الجمهور والمخرجين وشركات الإنتاج ورؤوس الأموال، هؤلاء اللواتي لا يملكن أن يدفعن عن أنفسهن اعتداءً ولا إهانةً، هن من يتربع على قمة سلم المال والشهرة ويقبع أسفل هرم الحرية والطمأنينة، هؤلاء يتصدرن فيشعرن ربة المنزل المسلمة الكريمة العفيفة بالنقص والدونية والهوان. يشعرنها بأن سؤال زوجها عن وجهتها إن خرجت انتقاص منها، لكن تحديد مخرج العمل لحميتهن وطلب المنتِج أن يصبغن شعورهن نهاية القوة والاستقلالية بالتأكيد!

إن هوليوود وغيرها من صناعات ليست إلا صناديق مغلقة تهدف لتصوير الحياة بأكملها بشكل مزيف لا يمت للواقع بصلة. فهذه العوالم لا تقدم الأفلام أو المسلسلات للمتعة فحسب، إنما تقدم رموزاً بشرية أيضاً تعيد للجمهور تعريف الحياة واضعةً المال والجمال والشهرة والمتعة كقيم عليا تلغي في سبيلها كل الأخلاقيات التي تعارفت عليها الأمم عبر تاريخها الطويل. فهؤلاء الممثلات اللواتي لم يقدمن للإنسانية إلا أداء بضع حركات أمام ستارة خضراء مقابل بخاخ ماء أو مروحة هواء، يظهرن في في اللقاءات والمؤتمرات يعطين عامة النساء محاضراتٍ في المساواة والحقوق والنجاح دون أن يعترض عليهن أحد، بل إن وجهات نظرهن تُنشر وتبجّل ويُحتفى بها كأنهن وصلن إلى غاية السعي و صرن في الفردوس الذي نتطلع إليه.


[1] Hollywood’s devastating gender divide, explained. Kelsey McKinney, VOX, 2015. https://www.vox.com/2015/1/26/7874295/gender-hollywood

The challenges of being a woman in the Hollywood business. Ashlea Green, MyStory, 2017.  https://yourstory.com/mystory/3c08075d00-the-challenges-of-being-a-woman-in-the-hollywood-business.

[2] Study: Women Film Directors Saw Their Numbers Shrink in 2018. Gregg Kilday, The Hollywood Reporter, 2019. https://www.hollywoodreporter.com/news/women-comprised-just-8-percent-directors-top-2018-films-1172727

Hollywood’s devastating gender divide, explained. Kelsey McKinney, VOX, 2015. https://www.vox.com/2015/1/26/7874295/gender-hollywood

[3] Only 2% of actors make a living. How do you become one of them?. Michael Simkins, The Guardian, 2019.

https://www.theguardian.com/film/shortcuts/2019/jun/05/only-2-per-cent-of-actors-make-a-living-how-do-you-become-one-of-them

[4] The challenges of being a woman in the Hollywood business. Ashlea Green, MyStory, 2017.  https://yourstory.com/mystory/3c08075d00-the-challenges-of-being-a-woman-in-the-hollywood-business.

[5] Rosamund Pike Says She Was Asked to Strip for ‘Die Another Day’ Audition. Katie Kilkenny, The Hollywood Reporter, 2018.

https://www.hollywoodreporter.com/news/rosamund-pike-says-she-was-asked-strip-die-day-audition-1135808

[6] Actresses Say Veteran ‘CSI’ Casting Employee Coerced Them Into Disrobing. Gary Baum, The Hollywood Reporter, 2017.

https://www.hollywoodreporter.com/news/women-say-veteran-csi-casting-employee-coerced-disrobing-1058398

[7] Jane Fonda:Ageism in Hollywood is “alive and well”. Bangshow.com, The Washington Post, 2015.

https://www.washingtonpost.com/entertainment/jane-fonda-ageism-in-hollywood-is-alive-and-well/2015/05/23/4df46594-0168-11e5-8c77-bf274685e1df_story.html?utm_term=.cf57dfb6a44b

[8] College Majors Of The Stars. Lacey Rose, Forbes, 2007.

https://www.forbes.com/2007/06/25/celebrity-college-education-biz-media_cx_lr_0626majors.html#5cd5d77b351a

[9] Lisa Kudrow Speaks Out About The Pressure She Faced on TV. Blendtx, Daily Blend, 2019.

https://blendtw.com/lisa-kudrow-speaks-out-about-the-pressure-she-faced-on-tv/

[10] A Timeline of the Weinstein Case. Alan Feuer, The New York Times, 2020.

https://www.nytimes.com/2020/02/24/nyregion/harvey-weinstein-case-sexual-assault.html

[11] How common is sexual misconduct in Hollywood?. Maria Puente and Cara Kelly, USA Today, 2018.

https://www.usatoday.com/story/life/people/2018/02/20/how-common-sexual-misconduct-hollywood/1083964001/

[12] Whaاt’s It Like to Be a Woman in Bollywood?. Vishal Arora, The Diplomat, 2017.

https://thediplomat.com/2017/03/whats-it-like-to-be-a-woman-in-bollywood/

[13] المصدر السابق

لباس المرأة الغربية.. بين انتزاع الحياء وغياب الحشمة

بعد شتاءٍ قارسٍ في شمالي ولاية نيويورك، خرجنا في أول يومٍ ربيعي إلى حديقة مجاورة لنتأمل خضرة الأرض وازدهار الأشجار. كان نهاراً مشمساً بديعاً، يملأ النفس إيماناً بوحدانية الخالق الذي حبى الوجود جمالاً وإتقاناً عظيمين. في تلك اللحظات لم يعدنا لواقع الدنيا الفانية سوى شيءٍ واحد، وهو صدمتنا بلباس مرتادي الحديقة الكاشف من حولنا. فبعد أن قضى الناس شهوراً طويلة في ملابس الشتاء خرجوا في ذاك اليوم بشيءٍ قليل من الأقمشة يستر جسدهم ليستغلوا الجو اللطيف ويستمتعوا بحرارة الشمس!

من الربيع في شمال نيويورك – 2015، بعدسة الكاتبة

كان ملفتاً لنا كعائلة حديثة العهد بالغربة رؤية الأريحية التي يتعامل بها الأمريكيون مع قلة سترهم لأجسادهم، خصوصاً مع مفاهيم الحياء والأدب التي تربينا عليها. تعجبت من لباس الفتيات تحديداً، إذ لا يكاد ما يلبسنه يستر ربع أجسادهن! فكيف وصلت البلاد الغربية إلى هذا النمط من تعرية النساء ونزع حيائهن؟ وإلى أين تمضي هذه الثقافة بالشعوب الغافلة؟

نظرة تاريخية
يحدثنا القرآن الكريم عن بداية الإنسان المستخلف في الأرض كشخص حيي يحب الستر، فها هما أبوينا آدم عليه السلام وحواء لما أكلا من الشجرة وانكشفت عوراتهما جعلا يرقعان من ورق التين ما يواري جسدهما حياءً رحمهما الله [1] {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ} [طه:121]. وحيث تشير الوثائق التاريخية إلى تنوع في لباس في المجتمعات الرومانية واليونانية، فإن لباس النساء الغالب فيها كان الثوب الطويل (الشملة/Stola) الذي يصل إلى القَدم، طويل الكمّ إلى الساعد أو الرسغ [2]، وهكذا استمر لباس المرأة الغربية على نفس النمط حتى نهاية العصور الوسطى، حيث يؤرخ الخبراء هناك نشأة “الموضة” في العالم (المفهوم الذي يعرف بقبول عدد كبير من الناس لنمط لباس معين لفترة وجيزة) [3].

وللثورتين الفرنسية والصناعية دور كبيرٌ في تحول لباس المرأة الغربية نحو ما هو عليه اليوم، تحديداً مع خروج المرأة من البيت وانطلاقة المصانع بأعدادٍ كبيرة [3]. بعد ذلك كانت انطلاقة الحركات النسوية مع أثرها المفصلي في تبديل وجهات نظر النساء حول لباسهن، حيث ربطت الحرية من النظام الأبوي بقلة الستر والتفلّت من مفاهيم المجتمع حول الحياء والعفة. فهذه الحركات وإن بدأت محقةً داعيةً لرفع الظلم عن النساء، إلا أنها أنتجت ردود فعل صارخة تجاه كل قيد وحد على سلوك المرأة التي أشعروها أن الظلم التاريخي يبرر لها كل فعل. وبذلك بات لباس المرأة أعقد من مجرد قماش يغطيها، إنه تعبيرٌ عن حقوقها وتحررها واعتزازها بنفسها أيضاً. ومن الجدير بالذكر أن عولمة الثقافة الغربية وانطلاقها لريادة الشعوب الأخرى يجعل خطر كل هذا منطبقاً على الشعوب المسلمة، ولعل حملة “إنه جسدي، إنها حقوقي” التي أطلقتها منظمة العفو الدولية والتي تدعو لتمكين الشباب والشابات من اتخاذ قرارتهم الخاصة بأجسادهم من أوضح الأمثلة على فرض النظرة العولمية للجسد على الثقافات الأخرى [4].

النسوية وازدواج المعايير
تراودني تساؤلاتٌ عدة وأنا أستعرض التاريخ العام لتطور لباس النساء الغربيات. كيف رضيت النسوية المنادية بتحرير المرأة ومساوتها بالرجل بجعل جسدها مستباحاً لكل ناظر بهذه الطريقة التي نراها اليوم؟ وكيف استخفها الرجال الشهوانيون مصممو الأزياء ومخترعو الموضات فاقتنعت بأن التعري يرمز للقوة ويدل على الحرية؟ بل كيف رضيت المناديات بحقوق المرأة لأنفسهن أن يكون لباس النساء أكثر كشفاً بكثير من لباس الرجال المخصص لنفس الغرض؟ فبنطال الرياضة القصير المخصص للإناث أقصر بكثير من ذاك المخصص للذكور، كذلك لا يخفى على أحد كون زي المرأة الغربية الرسمي متضمناً تنورةً قصيرةً ضيقةً تكشف ساقيها، بينما الزي الرسمي للرجال يتضمن بنطالاً طويلاً فضفاضاً. فهل غاب عن النسويات ذلك؟ أم أنهنَّ اقتنعن فعلاً أن الكشف رمز للقوة؟

سيكون رد النسويات غالباً أن الأمر عائد للاختيار الشخصي، فهذه الديمقراطية وعلى أساسها قامت الحكومات الغربية، كما كتبت النسوية تيري موراي في إصدار لجمعية Rationalist Association أن المرأة عندما تلبس الثياب الكاشفة إنما تفعل ذلك للتعبير السليم عن نفسها بكل عفوية جاعلةً ذاتها “كياناً جنسياً مستقلاً” [5].

وللرد على هذا أحب أن ألفت انتباه النسويات إلى غياب الحرية عن الطرف المقابل تماماً، فإن كان الأمر مجرد دفاع عن حرية المرأة كما تزعمن، فأين نضالكن من أجل حرية المنتقبة في اختيار لباسها؟ أليست امرأة كذلك ولها الحق في اختيار ما تغطي وما تكشف من جسدها؟ بل لماذا تهاجمنها وتدعين فهم دوافعها وأسبابها؟ لقد افترض الناطقون باسمكن أن النقاب رمز للقمع والقهر وتحدثوا بكل ثقة عن كون المنتقبة مجبرةً ومكبوتةً من قبل الذكور في حياتها والذين لا ينظرون لها إلا كمادة جنسية تحتاج التغطية [5،6].

كيف علمتن أن هذه دوافع المنتقبات فعلاً؟ وأين دفاعكن عن حق المرأة بالتعبير عن نفسها كما تشاء؟ وإن كان الأمر كمان تزعمن حماية للمرأة ممن يعاملها كمادة جنسية ألم يكن الأحرى بكم أن تطالبوا بمنع صناعة وبيع أحذية الكعب العالي ومستحضرات التجميل التي تفعل ذلك بالضبط؟ أمرٌ يستدعي التفكير فعلاً!

الإنسانوية وغياب الفطرة
  إن ما أراه عجيباً فعلاً في هذا الميدان هو ما وصلت إليه الشعوب الغربية من غياب شبه تام لقيمة الحشمة كخلقٍ أساسيٍّ ينشأ عليه الأطفال منذ نعومة أظفارهم، إذ أن إقصاء الدين عن الحياة جعل الإنسان مركزياً تماماً، فهو مصدر الأمر والنهي وما يرضيه يكون صحيحاً بكل تأكيد، ولو أودى ذلك  بقيم وفضائل عرفتها البشرية عبر تاريخها الطويل. يقول د. سلطان العميري أن العقل الغربي توجه مع حركة التنوير إلى تقديس العقل الإنساني والإعلاء من قدراته وجعله الميزان الذي يحكم من خلاله على كل شيء، واعتقد الغرب أن القدرة العقلية الإنسانية يمكنها أن تصل إلى الرشاد في كل الميادين الحياتية من غير توجيهٍ من أي مصدر آخر خارج الإنسانية ذاتها [7]. ولما كانت مصلحة الإنسان المادي في تحصيل أكبر قدرٍ ممكن من المتعة والراحة في الحياة الدنيا، تبدلت ثقافة اللباس لتتماشى مع هذه المصلحة. فالخُلق الذي كان من بقايا الدين لم يعد له مكانٌ في حياة هذه الأقوام البتة.

ولنقارن هذا بحياء أمنا عائشة رضي الله عنها ونقاء فطرتها وسلامتها، فقد روي أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرْلاً”، قلت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: “يا عائشة الأمر أشد من أن يُهمهم ذلك”. [متفق عليه]. وسبحان ربنا تبارك وتعالى المتفضل علينا بالتكريم والستر، القائل في كتابه الكريم: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف:26]. فمن فضل الله العظيم علينا تمكيننا من اللباس الساتر للعورات الذي ما فتئ الشيطان يغوي أتباعه بنبذه منذ الجاهلية حتى تمكن من المشركين وجعلهم يتعرون للطواف [8]. وها هو الشيطان اليوم يعيد الكرة ويستخف أتباعه في جاهلية ناطحات السحاب والأجهزة الذكية فيسلبهم أبسط نعم الله تبارك وتعالى عليهم، ويا أسفى على من يستورد تلك الثقافات بكل ما فيها.

وتبارك جلَّ وعلا حين قال في محكم تنزيله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكا} [طه:124]، فها هم الذين نبذوا الوحي يستمرون في الإعراض عن أبسط نعم باريهم عليهم، معظمين شهواتهم نحو تشوه فطري مغلف بالتقدم والتحرر!

ولا حول ولا قوة إلا بالله..


المصادر:

[1] الحافظ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.

[2] The Ancient Roman Costume and Fashion History, Costume Fashion History

 https://world4.eu/roman-costume-history/

[3]   Phyllis Tortora, Europe and America: History of Dress (400-1900 C.E.)  

 https://fashion-history.lovetoknow.com/fashion-history-eras/europe-america-history-dress-400-1900-c-e

[4] ملاك بنت ابراهيم الجهني، الحريم العلماني..الليبرالي!. قراءات ومقالات فكرية، مركز باحثات لدراسات المرأة، 1436هـ.

[5] Terri Murray, Why feminists should oppose the burqa, New Humanist, Rationalist Assiciation, June 2013

https://newhumanist.org.uk/articles/4199/why-feminists-should-oppose-the-burqa

[6] Mona Eltahawy, Ban The Burqa, The New York Times, July 2009

https://www.nytimes.com/2009/07/03/opinion/03iht-edeltahawy.html

[7] د.سلطان بن عبد الرحمن العميري، ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث، مركز تكوين.

[8] أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تفسير الطبري المسمى جامع البيان في تأويل القرآن.

القوامة وظلم الزوجة

العلاقة الزوجية جملة متبادلة من الحقوق والواجبات، وهي قائمة على مبدأ الأخذ والعطاء {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} (البقرة: 228)، وهذه الدرجة (القوامة) ليست لقعود جنس النساء عن جنس الرجال، بل تفضيل متناسب مع ما أودعه الله في الرجل من استعدادات فطرية تلائم مهمته وتتناسب مع إنفاقه على الأسرة وبناء الحياة خارجها. وقوامة الرجل على المرأة والأسرة لا تعني تفرده بالقرار، فالنبي أكمل الرجال وسيدهم يستشير أم سلمة في مسألة تتعلق بالأمة، لا بالأسرة فحسب، ففي إرضاع الأولاد قال تعالى {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور} (البقرة:233)، وفي حجة الوداع وأمام جموع الصحابة وقف النبي فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» (1).

وأمر النبي بحسن العشرة للنساء والصبر على ما يصدر منهن من أذى اللسان، فإن المرأة بحسب جبلتها تأخذ حقها بلسانها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا» (2).

 ولما كانت الأسرة كسائر المؤسسات المجتمعية والاقتصادية تحتاج إلى قائد يقودها؛ فإن القرآن جعل القوامة في الأسرة للرجل دون المرأة {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} (النساء: 34)، فالآية تحدد صاحب المسؤولية الأولى في الأسرة، وهو الرجل، إذ أي مجتمع إنساني لا يخلو من قيم مسؤول يقود من تحت ولايته بما يمتاز به عن الآخرين، ككبر سنه أو امتلاكه حصة أكبر في الأسهم أو خبرة وأقدمية في العمل، لكن على كل حال لابد من وجود مدير أو مسؤول أول أو قائد لهذه المؤسسة.

وفي حالتنا هذه نحن أمام أحد خيارين: إما أن تكون المسؤولية الأولى للمرأة، أو أن تكون للرجل.

إن نظرة بسيطة تتفحص عالمنا الذي ما فتئ ينادي ويصرخ بالمساواة العمياء بين الرجل والمرأة لتكشف لنا عن حقيقة تميز الرجل عنها في مختلف بلدان الداعين إلى المساواة، لذلك أسأل القارئ الكريم: كم نسبة الوزيرات إلى الوزراء في دول العالم الذي ينادي بالمساواة بين الجنسين؟ وكم نسبة الملوك والرؤساء من النساء في تلك البلاد؟ وكم نسبة نساء الدولة والبرلمان وقادة الأحزاب إلى الرجال في هذه الدول؟!

لا ريب أننا جميعا متفقون على تقدم الرجل في كل هذا على المرأة وبفارق كبير، فكيف وقع هذا عند من يدعون المساواة؟ إن الدول الإسكندنافية حققت أعلى الأرقام العالمية في تولية المرأة مناصب قيادية، لكنها لم تتجاوز نسبة الـ30 %، لماذا؟ القرآن يجيبنا: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} (النساء: 34)، نعم لقد خلق الله الرجال لغاية، وأعطاهم من الملكات والإمكانات ما يعينهم عليها، ومن ذلك مسؤولية القيادة في الأسرة والمجتمع، لأنه مسؤول عن رعاية البيت ونفقته، فالزوجة مصانة، ليس واجبا عليها ولا مطلوبا منها أن تكدح وتشقى بالعمل لتضمن مكانا لها في بيت الزوجية، فهذا ليس من واجباتها، ولا هو متناسب مع أنوثتها وطبيعتها الحانية العاطفية التي فطرها الله عليها لتناسب مهمتها السامية في إدارة بيتها

وتربية أبنائها وإعطائهم حقهم من الحنو والرعاية «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته .. والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها» (3).

والمرأة مكفولة النفقة، أما كانت أو زوجة، أختا كانت أو ابنة «يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك» (4)، فواجب الرجل الإنفاق على الأسرة عموما، وعلى الزوجة خصوصا، ولو كانت ذات مال ووظيفة، فقد أمر النبي بذلك: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (5).

فالقوامة في الإسلام تعني حق الطاعة الواجبة على الزوجة تجاه زوجها، وهي طاعة عطاء وبذل متبادل بلا منافسة ولا شحناء، فالرجل هو القائد والمرأة مركز القيادة، دون إخلال بإنسانيتها أو كرامتها، بل إن هدف القائد رفعة المرأة سواء كانت كزوجة أو ابنة أو أم، فعليه حق العناء ولها حق الرفاهية والإعزاز، فإدارة دفة الحياة لا تصلح بقائدين متساويين، والرجل في قيادته ليس له حق الاستبداد والاستعلاء، ولكن عليه مشاورة المرأة فيما يخص الأسرة من قرارات.

وحق القوامة في الإسلام فيه كامل حماية المرأة مما يواجهها من أخطار تمس الشرف أو الكرامة أو الكبرياء، فهي جوهرة مصونة لا يعبث بها أي طامح أو طامع، فإن احتاجت التقويم والإرشاد فهناك ضمانات لعدم إهانتها أو مس كبريائها، وإن شهدت كان لها حق شهادة مع مراعاة طبيعتها كامرأة بلا نقصان في أهليتها، وإن وليت أمرا فلا بد أن يكون في حدود إمكانياتها وطاقاتها وطبيعتها حتى تفلح فيه، ولها حرية امتلاك الأموال والتصرف فيها، وحرية مفارقة الزوج إن رغبت في ذلك بالخلع فإرادتها في الإسلام كاملة، وكرامتها مصونة وهي المشاركة للرجل في شتى مناحي الحياة، وهي السكن والمودة والرحمة.

اليوم يريدون للمرأة حرية أكبر ولا طاعة للزوج ولا قوامة، ولايريدون أن يتحكّم الزوج بخروجها ودخولها وأن تعيش بصلاحيات المرأة الغربية، لكن وبنفس الوقت يريدون من الزوج أن يكون شرقيا معها، يحميها ويعطيها الحنان والأمان والمال، وأن يفني عمره عليها وعلى أولادها وألا يكون متطلّبا حين يأوي لبيته.

إن شواهد الحياة كلها تدل-عند التحقق-على أنه قد لا يسعد المرأة سعادة حقيقية أن تتساوى بالرجل في كل شيء، بل إن سعادتها الحقيقية تكمن في أن تراعي وجوه اختلافها عن الرجل سيكولوجيا، وبيولوجيا، وفسيولوجيا، ولا تكمن في أي خروج على هذه الأوجه، أو تجاهل لها. وأشير إشارات سريعة – لأسباب معروفة- إلى ما هو مشاهد ثابت من غلبة الاكتئاب المرضي، والرغبة في الانتحار -بل الإقدام عليه أحيانا- وغلبة الشقاء النفسي، والفشل في الحياة الخاصة على كثير من المتزعمات لما يطلق عليه حركات المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، في مقابل السعادة الحقيقية التي تجنيها المرأة المتوافقة في حياتها مع طبيعة الأنثى بكل صفاتها، وأبرزها ما تختلف فيه مع الرجل من تكوين نفسي، وعضوي.

يبقي أن نسأل ما هو الموجود في كتب الأخرين حول موضوع القيّم على الأسرة: وما رأيكم في قول بولس: “الرجل ليس من المرأة، بل المرأة من الرجل، ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة، بل المرأة من أجل الرجل” (كورنثوس (1) 11/ 8 – 9)، وهذا النص وأمثاله يفيد قوامة الرجل، ويفيد أيضا ما لا نقبله، ونراه إزراء بالمرأة التي لم تخلق للرجل، فهي ليست كسائر ما سخره الله لنا من متاع، بل هي كالرجل مخلوقة لعبادة الله وعمارة الأرض بمنهجه تبارك وتعالى.

لقد آمنت التوراة بضرورة قوامة الرجل على المرأة حيث فشلت المرأة في أن تكون المعين والمساعد للرجل في الجنة، فتسببت في إخراجه منها، ولذلك فله حق القيادة والرئاسة والإدارة في الدنيا والتي وصفت بلفظ ثقيل المعنى والمفهوم وهو التسلط، أي الرياسة بضغط وإكراه، وكان من حق الوالد على ابنته أن يبيعها لسداد ديونه… ومن حق الزوج على زوجته اللواط معها بدون رغبتها ومن حق الأب تزويج ابنته بدون أخذ رأى أمها… وكان من آثار هذا التسلط: عدم احتفاظ المرأة باسم عائلتها إذا تزوجت من عائلة أخرى. وعدم الحق في مباشرة إدارة الأموال إلا بوصاية زوجها.

وتؤمن المسيحية بأن العدل هو خضوع المرأة للرجل؛ لأن المساواة في الكرامة تجلب الصراع، والمرأة لا تستحقها، لأنها أساءت استخدام السلطة في الجنة فخرجت منها هي وزوجها، وعبر بولس عن خضوع المرأة للرجل وجعله كالعبادة تماما حيث قال: 22 أيها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب، 23 لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضا رأس الكنيسة. (أفسس 5: 22، 23).

كما يقول: رأس المرأة هو الرجل. (كورنثوس 11: 3).

ونتج عن هذا التسلط عدة أحكام مجحفة بالمرأة منها:

أ – لا ينبغي أن تكون المرأة معلمة للرجل.

ب – الصمت في الكنيسة وعدم الكلام نهائيا.

جـ – تحريم عملها كداعية دينية أو العمل الكهنوتي بالكنيسة.

د – عدم حقها في الاستقلال بذمتها المالية ومزاولة أعمال التجارة والتصرفات المالية.


الهوامش

(1) أخرجه الترمذي ح (1163)، وابن ماجه ح (1851).

(2) أخرجه البخاري ح (3331)، ومسلم ح (1468).

(3) أخرجه البخاري ح (893)، ومسلم ح (1829).

(4) أخرجه النسائي ح (2532)، وأحمد ح (7065).

(5) أخرجه مسلم ح (1218).

النسوية.. نموذج الحياة الواحدة

“كوني امرأة حرة.. احصلي على وظيفة.. سافري.. إن لم تحققي أحلامك فلن يحققها لك أحد”، عبر كلمات كهذه أطرت النسوية نموذج الحياة الذي ستسير عليه النساء وتقيِّدن به حياتهن، كلمات صارت هدفًا أسمى للأجيال الحالية من الفتيات ولطفلات اليوم اللواتي لا يعرفن نموذجًا آخر للحياة سوى هذا.

حاولت النسوية عبر ذاك الخطاب الذي وُجه عالميًا عبر وسائل الإعلام -بوسائطها المتعددة- تكريسه وجعله النموذج الأوحد الذي يجب على النساء أن يتبَعنه، خطاب بات فردانيًا ويصعب فصله عن شعارات التنمية البشرية الساذجة كتحقيق الذات والإنجازات الشخصية وغيرها، وتفضيلها على الأسرة والأبناء وجعلها هدف الحياة الأسمى كأن تأسيس الأسرة وإنجاب الأبناء ليسا مسؤولية مختارة بحد ذاتها أيضًا، حتى صارت النظرة المجتمعية لمن تتخلى عن هذا النموذج لصالح النموذج الذي يناسب حياتها وحياة أسرتها، وتفضل حياتها الاجتماعية على المهنية والعلمية، نظرة ازدراء وتحقير، بحجة أنها امرأة فارغة بلهاء سلمت قياد نفسها للرجل ورضيت البقاء في المنزل وهدمت طموحاتها.

كيف وضعت النسوية نموذجًا لحياة واحدة؟
كان للتركيز على الجانب الاقتصادي للأسرة ونقد اعتمادها على الرجل الذي يجلب الدخل وبالتالي يتحكم بها، والمطالبات بمساواة المرأة في فرص العمل والأجور، وربط تحقيق الذات بالعمل المأجور خارج المنزل، وعدم تقدير أي عمل غير مأجور ماديًا كالرعاية، والتأكيد على فكرة المساواة وأن المرأة باستطاعتها العمل في أي مجال كما الرجل، كل ذلك كان له تأثير كبير في دفع النساء للعمل خارج المنزل كأنه سيكون المحرر لهن من استعباد الرجل في منظومة الأسرة.

وبالطبع فإن دخول سوق العمل سيتبعه الكثير، أولها المؤهلات التعليمية الموحدة بين الذكر والأنثى وتوجيه النساء لاختيار تخصصات بعينها تتطلب فيما بعد عملًا بشروط معينة لا تسمح لها بأخذ حياتها الأسرية والاجتماعية بعين الاعتبار، وثانيها الاستمرارية وعدم الانقطاع، فانقطاع المرأة عن سوق العمل للحمل والولادة والاعتناء بأطفالها حديثي الولادة سيجعلها تخسر مكانًا قد لا يتاح لها في السوق لاحقًا، بالإضافة لخسرانها سنوات من الخبرة ومن مواكبة سوق العمل ومعرفة التغيرات التي تحصل في عالمنا السريع.

وهكذا صارت فرص الحياة محصورة في الدراسة الجامعية ثم دخول سوق العمل في أي وظيفة كانت، حتى بات هذا يلعب دورًا في رفضها أو قبولها لتكوين أسرة أولًا وفي إنجاب الأطفال ثانيًا على حساب مهنتها، وعلت أصوات تدعو لرفض الإنجاب مقابل الاكتفاء بنجاح في سوق العمل وفي جلب الدخل والسفر حول العالم وما يسمى بـ “تحقيق الأحلام الشخصية”.

ماذا قدم لنا النموذج الواحد؟
كان أبرز سيئات تطبيع هذا النموذج حول العالم هو عدم مراعاته للاختلافات الفردية بين النساء -كما هو حال أي نموذج أوحد يحاول أن يفرض على البشرية فرضًا- وكون الاختلاف عمود الحياة فما يناسب امرأة لا يناسب أخرى في اختيار الأفضل لها ولعائلتها في العمل خارج المنزل أو داخله، في تفضيل الحياة الأسرية وجعلها أولوية أو اختيار المسار المهني في المقابل.

وهذا النموذج المادي من الحياة جعل الكثير من ربات البيوت محبطات يحسبن أنهن ضيعن حياتهن ومستقبلهن بالبقاء في المنزل والاعتناء بأطفالهن، ولم يحققن ذواتهن. وهنا على هؤلاء الأمهات طرح هذا السؤال على أنفسهن: هل صار تحقيق الذات مساويًا للعمل خارج المنزل وجلب المال؟

ولسنا بحاجة لذكر أن هذه الاتهامات الموجهة للمرأة غير العاملة في الخارج تتعامل مع سوق العمل على أنه المكان الذي يراعي النساء وقدراتهن النفسية والجسدية، ونحن نعلم حق العلم أنه مكان يطحن الرجال قبل النساء برأسماليته وأهدافه الربحية والإنتاجية غير الإنسانية، “ناهيك عن أن الواقع المتخفي خلف النموذج الجديد هو واقع معدلات الأجور المُحبِطة وانخفاض الأمن الوظيفي وانخفاض المستويات المعيشية والارتفاع الحاد في عدد ساعات العمل مقابل وقت الاهتمام بالشؤون المنزلية، وازدياد الأعمال ذات الورديتين والتي أصبحت تصل إلى ثلاث ورديات أو أربع، وانتشار الفقر وخاصةً في أوساط الأسر التي تعيلها نساء”[1].

تقول النِّسوية نانسي فريجر: “إن النِّسويات اللاتي كنّ يرفضن في السابق المجتمع الذي يروّج للوصولية أصبحن الآن ينصحن النساء بالتماهي معه. الحركة التي كانت في السابق تمنح الأفضلية للتكافل الاجتماعي، أصبحت الآن تحتفي بسيدات الأعمال. المنظور الذي كان في السابق يمنح قيمة للرعاية والاعتماد المتبادل أصبح الآن يشجع الارتقاء الفردي والاستحقاقراطية”[2] كانت الكاتبة في هذا المقال تناقش كيف صارت النسوية تخدم الرأسمالية دون أن تشعر فأخرجت النساء من تحت الدلف إلى تحت المزراب كما يقال، وهذا يوضح كيف صارت النسوية مستغلة من مختلف الأطراف كل حسب مصلحته.

إن النماذج التي يمكن للمرأة وللإنسان عموما أن يسلكها متعددة ولا يمكن حصرها، فالعلم مثلا لا يمكن التوقف عن تحصيله بانتهاء المرحلة الجامعية مثلا ولا يصح حصره في الجامعة والشهادات العليا أساسًا، فما يزال المرء في استزادة من العلم من مختلف المصادر مهما تقدم في العمر أو زادت مسؤولياته كل بحسب وقته وحاجته وأولوياته، وحتى العمل إن رأى أنه بإمكانه تقديم شيء للمجتمع يفيد منه ويستفيد فإنه لا عمر يحده، إذ لا نموذج واحد للحياة يشمل الجميع. والخيارات المفتوحة المرنة الآن كالعمل على شبكة الانترنت أو التعلم عن بعد يتيح للنساء مجالًا كبيرًا بديلًا عن ساعات العمل الطويلة التي تلزمها بالتخلي عن جزء كبير من حياتها الاجتماعية وأن تَكِل مسؤولياتها إلى الغير.

وكما نرفض التنمر الذي تمارسه النسويات على نساء المجتمع اللواتي فضلن الحياة الأسرية فإن هذا لا يعني أن نمارس نفس التنمر على من اختارت حياة العمل بإرادتها لحاجة نفسية أو مادية فالشيء بالشيء يذكر. أقول أننا -كنساء- ركبتنا أحلام ليست لنا، والحياة أوسع من أن نحاكم أنفسنا لما يحاول غيرنا أن يفرضه علينا ولكل مرجعيته وأولويته في الحياة، وأي محاولة للسيطرة على هذا الاختلاف ستبوء بالفشل ولن تورث سوى الإحباط لمن لا تستطيع تحقيق نموذج “السوبر وومن” للمرأة التي تترقى في درجات العلم وتنخرط في سوق العمل وتحقق النجاحات والإنجازات وقد كَونت أسرة صُوِّرت على أنها “ناجحة” وجعلوها قدوة ومثالًا يحتذى.

_______________________________________________

[1] – من مقال مترجم للكاتبة نانسي فريجر نشر على موقع حبر:

https://www.7iber.com/politics-economics/feminism-capitalist-handmaiden-neoliberal/

[2] – المرجع نفسه.

التحرش.. من وجهة نظر أنثى

سواء في الشارع أو في العمل ، في الجامعة أو في مدخل البناء، تعد تجربة التحرش الجنسي من أسوأ التجارب التي يمكن أن تمر بها المرأة، ومن الصعب أن يشعر أي رجل بما تحس هي به في مثل هذه المواقف، أو أن يتخيل حجم المذلة والمهانة والغضب الذي ينتابها جراء استضعافها بهذا الشكل المذل، ولعل أسوأ ما في هذا الأمر كله هو عدم القدرة على الاحتجاج وتأكد الجاني مسبقا من أنه سيهرب بفعلته بدون أي محاسبة.

بالرغم من أن التحرش الجنسي يعرف بأنه إكراه على فعل جسدي، أو ابتزاز مقابل فعل جنسي، أو تلميحات جنسية أو أي صيغة من الكلام التي تنتهك خصوصية المرأة وتجعلها تشعر بالخوف والإهانة ودنو القيمة، إلا أن التحرش يختلف جزئيا من ثقافة إلى أخرى، حيث تعد ممارسات كالمغازلة في بعض المجتمعات أمورا مقبولة أو يمكن غض الطرف عنها بسبب عدم قدرة الرجل على تمييز موقف المرأة منه في مجتمعات فيها نوع من التساهل في العلاقات، في حين يتحول الإصرار بعد الرفض إلى جرم يعاقب عليه القانون.

عربيا وإسلاميا يختفي الحد الفاصل بين التحرش والمغازلة، فأي نوع من أنواع التقرب من امرأة أجنبية مهما كان بسيطا يعد أمرا مرفوضا دينيا واجتماعيا على الرغم من شح القوانين الضابطة لهذا الأمر، ولكن الرفض الاجتماعي والديني وحده لم يكن كافيا لردع المتحرشين وحماية المرأة من التحرش بسبب ضعف الوازع الديني أولا وبسبب طبيعة الفعل ذاته الذي تحدث في غفلة عن عيون المجتمع في الشوارع الخالية أو الممرات المعتمة أو أثناء التعاملات المباشرة المختلفة.

كما أن المغازلة التي لا تتجاوز الحدود، ومع أنها غير مقبولة دينيا، إلا أن لها أساس ثقافي ونفسي قد يجعلها شائعة ومقبولة لدى الجنسين، وكثيرا ما تمارس بالسر دون أن تفهم أبعادها السلبية الحقيقية.

التحرش البراق وترسيخ دونية المرأة
والمغازلة التي تتعرض لها المرأة في سياقات غير مبررة كسياق العمل أو التواصل لأغراض محددة أو عندما تكون متزوجة، والتي يقترفها الرجل بدون أن يقصد بها التحرش الجنسي بل التقرب العاطفي من امرأة غير متاحة للارتباط، هو شكل آخر من أشكال التقليل من شأن المرأة.

إن أي حديث أو تواصل عقلاني يتم حرفه من قبل الرجل إلى المستوى العاطفي فيه نوع من الإهانة لعقل المرأة وشخصيتها، والتي يعتقد الرجل أنه يملك سلطة التأثير عليهما عند مبادرته بتحريك المشاعر وطرق أبواب القلوب دون استئذان من منطلق كونه رجلا ومن منطلق كونها امرأة. محاولات الهيمنة العاطفية وإثبات الذات تلغي العقل من المعادلة وتقزم دور المرأة بحصره بجنسها “العاطفي” غير القادر على تحكيم العقل، وتجعل التعامل بين الجنسين ينحدر إلى مستوى أدنى تفقد فيها المرأة فعاليتها كإنسان في المجتمع ليتمحور وجودها حول غرائز ورغبات وعواطف عمياء.

وللأسف فإن معظم النساء اللواتي يتعرضن لهذه المواقف يقعن في فخ الاستسلام للإغراء العاطفي، ويعطلن عقولهن بإرادتهم، مستسلمات لعملية غسل دماغ تتعرض لها الفتاة منذ طفولتها لوضعها في قالب معين يتقبل هذا الواقع بل ويتفاعل معه برضا، حين تعتقد المرأة أنها لا يمكن أن تشعر بقيمتها الحقيقة إلا من خلال إعجاب رجل واهتمامه. إذا هو شكل آخر من أشكال الفوقية والهيمنة التي يمارسها الرجال على النساء لإرضاء غرور وإشباع حاجة نفسية معينة في سياق آثم خارج العلاقة الزوجية، لكنه شكل خفي وبراق تغفل عنه النساء، وتبرره الثقافة السائدة على الرغم  من ترسيخه لدونية المرأة وعجزها أمام الرجل وتدني كفاءتها بالمقارنة معه.

الإفصاح عن التحرش تجربة أكثر سوءا من التحرش نفسه
وبالعودة إلى التحرش الجنسي المتعارف عليه فإنه بالرغم من غياب الاحصاءات يكاد يُجزم بأن الغالبية العظمى من النساء في العالم العربي تعرضن في حياتهن لشكل من أشكال التحرش، وتتزايد نسبة التعرض باضطراد مع زيادة فاعلية المرأة في المجتمع كأن تكون طالبة أو عاملة أو مسؤولة عن التسوق في الأسرة، لكن حالة من الصمت المطبق تغلف مثل هذه الحالات بسبب تحول الضحية إلى متهمة تضطر بعد إفصاحها عن حادثة التحرش إلى الإجابة عن ألف تساؤل متعلق بمكان وجودها وهيئتها والتساهل الذي أبدته للجاني حتى تجرأ وتعرض لها. ردة الفعل غير المتعاطفة هذه تصدر للأسف حتى من أقرب المقربين بسبب التصاق المرأة بشرف الأسرة الذي تكون أسهل طريقة للمحافظة عليه هو التضييق عليها ومساءلتها والتكتم على ما تعرضت له عوضا عن محاسبة الجاني خوفا من تنمر المجتمع.

ولا توجد للأسف أي ضمانات حتى الآن يمكن أن تحمي المرأة من تجربة الإفصاح عن التحرش والتي قد تكون أسوأ من التحرش نفسه حتى في أكثر المجتمعات انحيازا للمرأة ، مما يتسبب بتزايد الظاهرة ويزيد من جرأة المتحرش الذي أمن العقاب فأمعن في استضعاف الضحية.

مفاهيم مشوهة ساهمت في استشراء الظاهرة
وفي ظل الصمت المطبق عن هذه الظاهرة المصحوب بتشويه لمفهوم الرجولة تصبح معادلة التحرش في نظر المتحرش معادلة قوة فقط أشبه بقوانين الغاب، فالقوي فقط هو صاحب الحق، والضعيف يجبر على الخضوع لرغبة القوي والسكوت عن اضطهاده له.

تفوق طبيعي للرجل على المرأة يعطيه حقا مزعوما بالاعتداء على جسدها أو كرامتها الإنسانية بما يحقق متعته ليس الجنسية فقط بل والنفسية أيضا من خلال إثبات رجولته المشوهة. رجولة يُثنى عليها ليس في سهرات المراهقين المغلقة وجلسات سرد البطولات بل وحتى في الأفلام والأغاني التي تروج للتحرش في إطار من الرومنسية الشائهة أو الكوميديا السمجة.

إن صبغ التحرش بهذه الصبغة الرجولية أو الرومنسية أو بشيء من الظرافة يجعل المتحرشين في بعض الأحيان، خاصة صغار السن قليلي الوعي منهم، غير مدركين في الحقيقة لطبيعة فعلتهم هذه، يجترحونها بناء على دوافع قد تكون بنظرهم هم ليست بذلك السوء، حيث تتسع الفجوة بين نظرتهم عن أنفسهم وتقييمهم لفعلتهم وبين رد فعل الطرف الآخر وتلقيه للتحرش، ويتحول التمنع إلى دلال، ولاءات الاحتجاج إلى دعوة للاستمرار، وعبوس الوجه والصرخات المكتومة إلى علامات للرضا والاستمتاع.

على صعيد آخر يمكن للضحية نفسها أن تتعرض للتحرش غير مدركة تماما لمعنى ما تتعرض له. يحدث ذلك عند صغر السن وقلة الوعي والفارق العمري بينها وبين المتحرش الذي قد يستغل جهلها وسذاجتها فيمارس فعلته دون إيضاحات أو يقنعها بأن تحرشه بها هو تعبير عن الحب مثلا أو علامة على التقدير.

في حالات أخرى وهي الأكثر شيوعا تشترك الضحية نفسها مع المجتمع في إلقاء اللوم على نفسها واتهامها بسبب طبيعة التربية التي خلفت شعورا بالعار مرتبطا بالهوية الأنثوية. لوم الذات وتأنيب الضمير هذين يتركان آثار بالغة على الحالة النفسية متمثلة بالكآبة والقلق وقلة الثقة بالنفس وصعوبة تكوين علاقات صحية مع الجنس الآخر والانسحاب الاجتماعي من النشاطات والفعاليات الاجتماعية خوفا من تكرار التجربة.

ملصق لإحدى الحملات التي تشجع المرأة على التصدي للتحرش

أسوأ تجارب التحرش
أما أسوأ أنواع التحرش على الإطلاق هو التحرش الذي يكون المتحرش فيه مدركا تماما لطبيعة فعلته وآثارها على الضحية، يمارس عليها شعورا كبيرا بالفوقية فيه نزعة سادية، مستمتعا برفضها ونفورها، ضاربا بعرض الحائط كل رسائل التوقف متماديا في سلوكه الذي طوره بعد سنوات من الخبرة، فأصبح عالما مسبقا بردود الفعل المختلفة وقادرا على التعامل معها جميعها بما يضمن له متعة أكبر ويحقق للضحية أكبر قدر من الأذى والإذلال.

ومن المؤسف أن هذا النمط من التحرش ليس الأقل شيوعا إن لم يكن الأكثر، واستضعاف المرأة بهذا الشكل اللاإنساني يولد شعورا مريرا بالقهر والإهانة والضغط النفسي الذي يترك آثارا طويلة الأمد، خاصة وأنها تعرف أنها غير محمية في محيطها ذاته، غير قادرة على الاحتجاج أو الرفض، وأن كل هؤلاء الناس المحيطين بها، أقرباء كانوا أم غرباء، سيتحولون فجأة إلى قضاة قساة يحاكمونها هي لو باحت لهم بما تتعرض له، وسيبلغ الأمر منتهى المذلة حينما يهاجمها المتحرش نفسه متهما إياها بما لا يليق للدفاع عن نفسه.

لم يكون التحرش في العمل هو الأكثر تعقيدا؟
التحرش في أماكن العمل هو التحرش الأنيق بربطة عنق وبذلة رسمية وعطر فواح، والذي يمارسه بشكل خاص الرئيس على مرؤوسته.

هذه العلاقة في الأساس تتميز بنوع من سيادة الرئيس وطاعة المرؤوس، فإذا كانت المرأة في موقع المرؤوس صارت العلاقة أكثر تعقيدا، حيث يصعب التمييز بين حدود ما هو في سياق العمل وما له غايات وأبعاد أخرى.

لذا فأي إطراء تتلقاه المرأة من رئيسها في العمل فيما يتعلق بعملها يكون مصحوبا بخوف خفي من أن تكون لهذا المديح أغراض غير معلنة، كما أن أي وعود بالترقية أو المكافآت تكون مريبة لو جاءت بصيغة غير واضحة أو بمطالبات مبطنة يصعب إثبات إدانتها، ويصعب أحيانا رفضها أو الاحتجاج عليها لو جاءت صريحة بسبب حاجة المرأة الملحة للعمل في بعض الأحيان، حتى أن المزاح الذي يمكن أن يلقيه الرئيس على مرؤوسته لا يكون مصدرا للمرح بقدر ما هو مصدر للقلق لدى المرأة، فقد يستخدم لقياس مدى سهولة مراسها أو صعوبته.

قلق عارم من كل هذه الاحتمالات المفتوحة يرافق المرأة لدى كل تجربة عمل، مما يجعل بيئة العمل عدائية غير مريحة، تعجز فيها المرأة عن تقديم أفضل أداء لها وتخشى باستمرار من فقدان مكانتها واحترام الزملاء لها سواء استجابت أم لم تستجب، تظاهرت بعدم الفهم أم لم تتظاهر، ففي الحالتين هناك خسارات فادحة، وأي محاولة للكشف عن التعرض للتحرش تتبعها غالبا افتراءات على الضحية وتشهير بها.

هكذا تدافع المرأة عن نفسها ضد التحرش
في غياب الدعم المجتمعي والأسري، تطور النساء بأنفسهن دفاعاتهن الخاصة في مثل هذه المواقف، كل بحسب شخصيتها وطريقة تربيتها أو قسوة التجارب التي تعرضت لها.

فالكثيرات منهن للأسف تعرضن لتربية تهدف إلى جعلهن نموذجا للفتاة ” اللطيفة المؤدبة الخجولة” التي تحاول أن ترضي الجميع، ولا تقول لا للأكبر سنا حتى لو كان الأمر يضايقها، ولا يسمح لها حياؤها برفع الصوت أو الاحتجاج. هذه المرأة ترتكس في مواقف كهذه بالصمت التام أو التظاهر بعدم الفهم أو يكون احتجاجها ورفضها خجولا جدا، مما يغري المتحرش للتمادي معتبرا ضعفها واستسلامها هذا على أنه علامة عل القبول والرضا، على الرغم من أن دواخل هذه المرأة تكون أشد ما تكون ألما واستنكارا ��ما تتعرض له، لكن فهمها لمفهوم “الأنوثة والحياء” الذي تربت عليه يجعلها عاجزة عن أن تخرج من قالبها لتتخذ أي ردة فعل حازمة.

نساء أخريات يذهبن إلى الطرف الآخر من ردود الفعل التي تكون غالبا استباقية بأن يُشعن حول أنفسهن هالة من الاسترجال والخشونة بغرض حماية أنفسهن. امرأة كهذه للأسف اضطرت للتخلي عن جانب شديد الأهمية من شخصيتها كأنثى، ولهذا تبعاته المؤذية على نفسيتها ومشاعرها بسبب التناقض بين الظاهر والباطن قد ينتهي بالتماهي مع هذه الشخصية الجديدة بكبت المشاعر وإنكارها، فلا ينفر منها المتحرشون فقط بل حتى الخطاب المحتملون.

شاهد فتاة مصرية تتصدى لشاب تحرش بها

تجربة صعبة!
إن أقل ما يقال عن هذه التجربة أنها صعبة، من الصعب وصف تفاصيلها، من الصعب التحدث عنها حتى لأقرب المقربين، من الصعب إثبات حدوثها، من الصعب نسيانها، من الصعب التغلب على رواسبها النفسية طويلة الأمد، من الصعب الشفاء مما تتركه من فجوات في الثقة وحالات القلق وكراهية النفس، من الصعب التنفيس عن شعور الرغبة بالانتقام من الجاني وكل ما يمت بصلة إليه أو يذكّر به، من الصعب ألا تترك أثرا في العلاقة مع الجنس الآخر، من الصعب أن يتقبلها الأهل، من الصعب أن يدافع فيها المجتمع عن الضحية، من الصعب تقبل فكرة أن يفلت الجاني بفعلته، من الصعب النظر في عينيه بعد الواقعة، من الصعب تحمل المذلة والمهانة، من الصعب وصف النفور والاشمئزاز منه، من الصعب تقبل خيبة الأمل برجال محترمين يتحولون فجأة إلى متحرشين في الظروف الملائمة، من الصعب الشعور بالأمان في بيئة العمل، من الصعب ألا يؤثر ذلك على الأداء الدراسي والمهني لدى الضحية من الصعب العودة بسرعة إلى الحياة الطبيعية بعد المرور بتجربة مماثلة، من الصعب التظاهر بأن شيئا لم يحدث!

شعار “وأنا أيضا” تحول إلى حملة عالمية لمكافحة التحرش

المعادلة المستحيلة
وبسبب عدم وجود الإحصاءات وصعوبة الحديث عن هذا الأمر، لا يزال يكتنف التحرش الكثير من الغموض في العالم العربي، ولا يزال يحتاج إلى كثير من الدراسة والبحث في محاولة لمعالجته.

في الغرب بالمقابل يتم البحث في هذا الشأن باستمرار، ونسمع عن حملات كل فترة وأخرى تتناول هذه الظاهرة، آخرها حملة MeToo التي كشفت عن استشراء التحرش في المجتمعات الغربية على أعلى الأصعدة، لكن الكثيرين لا يزالون هناك يعترفون بصعوبة التعامل مع هذا الأمر حتى مع توافر البيئة المشجعة على الإفصاح بسبب صعوبة إثبات الواقعة واستخدام هذه التهمة أحيانا كوسيلة للابتزاز والنيل من الخصوم.

كما تم الاعتراف أيضا بالعجز عن ضبط مثل هذا الأمر في ظل نمط الحياة المعاش في الغرب وحرية التعري والعلاقات المفتوحة بين الجنسين والتي تجعل حتى تعريف التحرش أو إثباته أو الحد منه أو مكافحته على الرغم من وجود قوانين صارمة أمرا أقرب إلى المستحيل. فمن المستحيل فعليا التمسك بنمط حياة فيها هذا القدر الكبير من التحلل دون مواجهة هذا القدر الكبير من السلبيات.

في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وعلى الرغم من تفشي ظاهرة التحرش، إلا أن لدينا قاعدة دينية وأخلاقية وثقافية صلبة تجعل الحد منه ومحاربته أمرا ممكنا جدا. فالتمسك بالضوابط الشرعية في اللباس وبالحدود الواضحة المنصوص عليها للتعامل بين الجنسين هي عوامل وقائية شديدة الفعالية، لكن يجب التشديد على أنها غير كافية بدون رفع الوعي بين الشبان والشابات بهذه الظاهرة ومحاربة النظرة الدونية للنساء أو تشييئهن، والعودة إلى جوهر الإسلام الحقيقي في رفع القيمة الإنسانية للمرأة مجددا بما يعلو على قيمتها الجنسية والجسدية ويصحح مفهوم علاقتها مع الرجل. وهناك إجراءات أخرى قد تزيد من مستوى الأمان لو تم تبنيها من قبل الحكومات والجهات المختصة كزيادة الرقابة على الأماكن العامة وأماكن العمل وجعل المدن صديقة للمرأة من خلال معالجة مشكلة الشوارع شبه المهجورة أو ممرات العبور والأنفاق غير المضاءة بشكل كافي ووضع قوانين صارمة تجرم التحرش وتحفظ كرامة المرأة وخصوصيتها حين تقديمها للشكوى.

وحتى ذلك الحين ما يمكن أن نفعله نحن كأفراد هو المطالبة بالتغيير، ومحاولة نشر الوعي ضمن دائرة تأثيرنا والانتباه إلى تربية الفتيات والشبان تربية متوازنة يتمتعون فيها بقوة الشخصية واحترام أجسادهم وأجساد الآخرين، واحتواء الضحية وتشجيعها على الكلام ضمن نطاق الأسرة بما يضمن تجاوزها للأزمة النفسية في جو صحي داعم ومن ثم محاسبة الجاني لو أمكن دون الإضرار بها.

كيف يؤثر الخطاب النسوي على مجتمعنا؟

إن القراءة في التحولات المجتمعية التي طرأت في العصر الحديث على النساء خصوصا، والفكر التحرري -الذي أخذ مداه لديهن بشكل غير مسبوق- يعيدنا تلقائيا لدراسة الخطاب النسوي الموجّه من الحركات النسوية وحركات تحرير المرأة، الذي أثّر بنا وصنعنا دون شعور منذ القرن الماضي إلى الآن.

عادة ما يؤرخ لبدايات النسوية في القرن التاسع عشر ضمن الموجة النسوية الأولى والتي بدأت بالمطالبة بالحقوق الأولية كحق التملك وحق التعليم وحق العمل وغيرها وإبراز بعض ألوان الظلم الذي تتعرض له المرأة وانتقادات للنظرة الدونية للأنوثة لدى الغرب المتأثرة بالخطاب الكنسي و نصوص الإنجيل، وأطروحات بعض الفلاسفة. وضمن سياقات تاريخية معينة وإعلاء لقيم الحرية المطلقة والليبرالية التي استغلتها هذه الحركات للدعوة لتحرير المرأة الكامل وإشراكها في التيار الرئيسي للمجتمع بأن تحصل على كل امتيازاته وتتولى كل مسؤولياته بالمشاركة الكاملة مع الرجل، تزامن مع تطور للأطروحات النظرية التي أخذت في معالجة مفهوم المرأة والأنوثة وأنها لا تولد امرأة بل تصبح كذلك، بسبب التوجيه المجتمعي الذي يدفعها للخضوع والاستسلام على حد تعبير سيمون دي بوفوار إحدى أبرز رائدات الحركة النسوية [النسوية وما بعد النسوية، ص64].

كمجتمع عربي لا يمكن إنكار ما يحصل فيه من قمع لشخصية الأنثى ومحاولة لجعلها العنصر الضعيف في المعادلة، وهذا الشعور الخانق لدى النساء ولّد الكثير من الحنق الذي وجد صداه في النموذج الغربي المُصدّر إلينا من حركات تحرر المرأة والموجات النسوية التي أرادت تحريرها من قيد فأدخلتها في قيود أخرى، وأثرت في نظرتها لنفسها أولاً وفي علاقتها بالجنس الآخر وفي وظيفتها الحقيقية والقيود التي يحل لها أن تتحكم بها، وفي نظرتها للتدين والأحكام الدينية والشرائع.

يتناول هذا المقال أبرز المجالات التي استطاع الخطاب النسوي التأثير بها علينا بوصفنا مجتمعات عربية محافظة نسبيًا.

التعليم والعمل
عندما ننظر في إدراج النسوية للتعليم والعمل على رأس قائمة الحقوق باعتبارها يجب أن تكون مكفولة للمرأة، نلاحظ أن النسوية أطّرت مفهومي التعليم والعمل في المجالات التي يعمل فيها الرجل غالبا كما ذكرت سابقا، نقلًا عن بيتي فريدان أن المطلوب هو “إشراك المرأة بصورة كاملة بحيث تحصل على كل الامتيازات للمشاركة الكاملة مع الرجل” -علماً أنها أسست المنظمة الوطنية للمرأة كرد فعل مباشرعلى فشل اللجنة الأمريكية لتكافؤ الفرص في التوظيف على حل مشكلة التمييز على أساس الجنس في الوظائف-. (النسوية وما بعد النسوية، ص58).

وهذا التأطير للمفهوم وجّه المرأة بطريقة أو بأخرى لاتخاذ مسار التعليم والعمل الذي سُلط عليه الضوء إعلامياً وتم التركيز عليه في الخطاب النسوي، كتصوير حرية المرأة التي تبدأ حال دخولها عالم الأعمال وأنها التي تلبس البدلة وتخرج صباحاً لتعود في المساء ومحفظتها ملأى بالنقود وقد “حققت ذاتها ووضعت بصمة في المجتمع”، فاتجهت كثيرات منهن تحت الضغط المجتمعي لدراسة تخصصات لا تناسبهن ولا تراعي أوضاعهن النفسية والاجتماعية فقط لتأمين المستقبل لاحقا ولتحقيق ذاتها كما قيل لها، دون أن يكون لديهن أدنى اطلاع على التوجهات التي تفرضها مصالح السوق على المجتمع، والاختيارات الإجبارية التي يطرحها، ولا وعيٍ ذاتي بإمكانياتهن الحقيقية وقدراتهن التي تؤهلهن لاختيار طريق الحياة الأنسب.

وبنظرة أكثر تدقيقاً نرى أن النسوية لا تقدّر العمل إلا لأجره و قيمته المادية الذي يحقق الاستقلالية للمرأة ويجعلها غير معتمدة على الأب أو الزوج، وليست المعضلة بالاستقلال المادي بحدّ ذاته، وإنما في تكريس الحياة الندّية بين الرجل والمرأة، وفي عدم اعتبار التربية والحفاظ على أسرة مستقرة عملاً مهماً يستحق التقدير، بل وفي اختزال كافة الأعمال بالأعمال المأجورة التي تقابَل بقيمة مادية.

وبعد الاطلاع على واقع العمل والنظام الرأسمالي الذي يتعامل مع الموظفين على أنهم عبيد، لا نرى المرأة العاملة أحسن حالاً بالوظائف التي تشغلها والضغوط التي تتعرض لها بحجة تحقيق الذات، بل إن سوق العمل استغل المرأة أكثر من الرجل وفرض عليها معايير الجمال والأناقة كمقياس للكفاءة وهذا ما يجعلنا نعيد النظر حول مفهومهم لتحرير المرأة، خصوصا بعد أن نعلم أن النسوية أُحبطت لعدم حدوث تغير حقيقي في مجال العمل إذ أن دخل المرأة ما يزال في حدود ثلثيّ دخل الرجل في المملكة المتحدة. [النسوية وما بعد النسوية،74].

الزواج والأمومة
إن أول مؤتمر وطني عقد حول تحرير المرأة في بريطانيا 1970م، خرج بأربعة مطالب أساسية وكانت: المساواة في الأجور والمساواة في التعليم والفرص وإنشاء حضانات تعمل على مدار اليوم والحرية في استخدام وسائل منع الحمل والإجهاض (الحرية الجنسية). ومن خلال الربط بين هذه المطالب الأربعة تتضح ازدواجية المعايير لدى النسويات ففي حين أنهن يطالبن بحقوق أساسية كالعمل والتعليم، يرتبط ذلك لديهن بإنشاء الحضانات على مدار اليوم واستخدام وسائل منع الحمل وتكشف هذه المطالب عن الاهتمام بجسد الأنثى واحتياجه للاستقلال الذاتي الجنسي.

فالنظرة النسوية للزواج والأمومة كقيد أزاحت كل قيمة مرتبطة بهما، ولم يعد الحفاظ على أسرة مستقرة من أولويات الحياة بل لم يعد الأمر يستحق التوقف والتفكير لدى كثيرات، وباتت التربية مرتبطة بتوفير الماديات لا أكثر والحضانات من الأساسيات التي يجب توفيرها للطفل لتحقق الأم ذاتها، وأصبح البقاء في المنزل للعناية بطفل وتربيته يدل على قلّة الطموح والإنجاز في حياة المرأة، وأنها إن ارتضت البقاء في المنزل فهي بالضرورة مقيدة مجبرة لا حيلة لها سوى ذاك “التركيز على صورة المرأة كضحية”.

ولو أن الأمر لدينا لم يتطور بعد إلى الاستقلال الذاتي الجنسي بشكل ملحوظ إلا أن فكرة الزواج كقيد هي ما رسخ في أذهان كلا الجنسين. فالمسؤولية التي يجب أن يشعر بها كلا الأبوين تجاه الأبناء خفتت في عصر التمركز حول الذات ودور الأم أعظم في ذلك وأكثر تأثيراً.

ربما كان من الأكثر رشداً وعقلانية كما يقول الدكتور المسيري “ألا نحاول تحرير المرأة وألا نحاول القذف بها هي الأخرى في عالم السوق والحركية الاستهلاكية وأن نطالب بدلاً من ذلك بتقييد الرجل وأن يعاد تعليمه بحيث يكتسب بعض خبرات الأبوة والعيش داخل الأسرة والجماعة” [قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى،39]، وهي الخبرات التي تم هضمها في العصر الاستهلاكي الحديث.

مفهوم التحرر عند النسوية
تدعي النسوية منذ بروزها أن من أهم أهدافها التحرر من القيود التي فرضها الرجل على المرأة منذ الأزل، مستنداتٍ على عدة إنجازات كاكتساح سوق العمل الذي كان محظورًا عليهن وغيره من الميادين التي كانت حكرًا على الرجل، لكن التحرر الذي تدعيه النسوية ما يزال مقيدا بنظرة الرجل واكتساح الميادين التي يبرز هو فيها، أي ما يزال الرجل هو المقياس الحقيقي للتحرر الذي تدعيه النسويات، فأي عمل آخر تبرع فيه النساء في غير تلك الميادين التي يبرز فيها الرجل لا تجد لها حيزًا لديهن ولا اعترافًا. وما فتئن يعلنّ رفضهن تسليع جسد المرأة ومسابقات ملكات الجمال في العالم بحجة أنها تكريس لفكرة الأنثى التي لا يتجاوز اهتمامها جذب الرجل الذي يتحكم بها، بينما يندر أن تجد منهن من تتقبل اللباس المحتشم -الإسلامي منه خصوصًا-، بحجة أن فرضه أيضًا استغلال ذكوري لسلطة الدين والتشريع، ويخرجن بادعاءات لا يستطعن إثباتها كذكورية الفقه الإسلامي وغيره، رغم أن فرضه يلغي محاولات تسليع جسد المرأة ويساعدها على تحييد أنوثتها لتستطيع المشاركة في المجتمع دون مضايقات.

تنتقد بيتي فريدان النساء في الموجة النسوية الأولى وترى أن مشكلتهن أنهن يحسدن الرجل وحاولن أن يكنّ مثله بدلًا من أن يتقبلن ذواتهن والموجة النسوية الثانية أتت لتحريرهن من كل ذلك،(النسوية وما بعد النسوية،65). ويبدو أن النسوية في موجتها الأولى والثانية وما بعدها رجعت بخفي حنين، وقد صدقت جيرمين جرير حينما وصفتهن فقالت: “المرأة في تيار النسوية لها شعر طويل وترتدي زيّاً خشنًا وأقراطًا مدلاة، أما المرأة في ما بعد النسوية فترتدي حلة عالم الأعمال، وترفع شعرها وتستخدم قلم أحمر الشفاه، أما المرحلة التالية لما بعد النسوية فتتسم بطبيعة داعرة بصورة استعراضية وبسلوك غير منضبط” [النسوية وما بعد النسوية،87].

يتعدى التأثير النسوي هذه المجالات لكن هذين المجالين هما أكثر المجالات المتأثرة وضوحًا في تغيير صورة مجتمعاتنا التي تتشوه كلما استغرقت في التغريب.

إن الاستعانة بأدبيات النسوية لتفسير واقع قائم يبدو نظرياً أكثر مما ينبغي، فكثير من النساء ليس لديهن اهتمام أو اطّلاع على النظريات النسوية المطروحة هنا وهناك والصراع النسوي فيما بينه وتهافت النسوية إلى ما بعد النسوية، إلا أن الإعلام وما يشمله من إعلانات وأفلام وروايات وأدب هو الذي يوجه هذه الأفكار للمرأة بغض النظر عن سياقها الذي يبقى حكراً على الكتب والدراسات العلمية والاتفاقيات الدولية.

ربما يكون الحل الأمثل بأن تتخذ الأنثى خطوات جادة لصناعة وعيها لتستطيع مواجهة كل هذا المد، إن الأمر لا يعطي انطباعًا حول مؤامرة ما بقدر ما يقول الشيخ محمد الغزالي “مؤامراتهم تمتد في فراغنا”.


أهم المراجع

  • سارة جامبل، النسوية وما بعد النسوية، ترجمة أحمد الشامي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2002م، ط 1.
  • ملاك الجهني، قضايا المرأة في الخطاب النسوي المعاصر(الحجاب أنموذجاً)، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، 2015، ط 1.
  • عبد الوهاب المسيري، قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، 2010، ط 2.