مقالات

ولا تفرقوا

لو تأمل المرء حال المسلمون اليوم وتاريخهم بإنصاف، لوجد أن الأمة قد تكون خاضعة لنفس السلطات السياسية إلى حد بعيد، ولكن الكلمة لم تكن موحدة على مستوى الفكر والاعتقاد منذ القرن الأول في عمر الأمة! كما أن الهمم التي انصرفت إلى الجدال والتفرقة والتعصب المذهبي كانت أضعاف الهمم المنصرفة إلى توحيد الصف والتذكير بالهدف المشترك! فلماذا حدث هذا الانقسام في أمة مرجعيتها كتاب واحد ونبيها واحد، وكيف بدأت القصة؟ وما الحل؟!

اليونان وفلسفة الألوهية

في عصر ما قبل الميلاد ببضع قرون، اشتهرت أثينا في بلاد الإغريق بكونها معقل النهضة الفلسفية في العالم، إلا أن غالبية الفلاسفة كانوا لا دينيين أو أقرب للاعتقاد بالربوبية. وعلى الرغم من تأثر معتقداتهم بشوائب الأديان الوثنية إلا أنهم كانوا متمردين على تلك الوثنيات في بناء معتقداتهم، خاصة بعدما نادى سقراط بضرورة فصل الإيمان بالإله عن الأديان المعاصرة له.

ومن هنا بدأت هذه الفكرة بالرواج والانتشار، فقد تبع سقراط تلميذه أفلاطون، ثم تبع أفلاطون تلميذه أرسطو. إلا أن منهج أرسطو كان الأوفر والأكثر ابتكارا في إنتاجه الفكري المُعرِض عن الدين.

يرى بعض الباحثين في الفلسفة أن النظريات اللاهوتية لدى فلاسفة اليونان تتشابه مع بعض أفكار المدارس الفلسفية الإسلامية بشكل عجيب، حتى إن بعض مقولاتهم تعتبر صياغة أخرى لنفس المعاني التي تشير إليها بعض آيات القران! وكان لاهوت اليونان –أرسطو بالتحديد- يتشابه مع الإسلام في ثلاث مسائل رئيسية، أولها الاستدلال على مسألة الوجود الإلهي عن الدليل العقلي، الإقرار بأن الإله واحد والاعتقاد ببطلان تعدد الآلهة، والإقرار بأن للإله صفات أزلية كالعلم والقدرة.

عصر الترجمة الإسلامية

بعد تلك الحقبة الزمنية بمئات السنين نصل إلى بداية القرن السابع الميلادي حيث بدأ الإسلام بالانتشار وتغيير الأوجه الحضارية للعالم، وتزايدت الفتوحات في عصر الخلفاء الراشدين، وبعد تلك الحقبة كان العصر الأموي الذي امتاز بشيء من الهدوء والاستقرار السياسي مقارنة بنهاية عهد الخلافة الراشدة وبداية عهد الدولة الأموية الصاخب بالفتن والصراعات.

تلا ذلك العصر ظهور الدولة العباسية التي سيطرت على مساحات واسعة وقضت على الدولة الأموية، ومع استقرار الحكم لبني العباس اهتم الخلفاء في هذا العصر بالعلم اهتمامًا بالغًا، حتى إنه تم إنشاء مؤسسة في بغداد لترجمة الكتب اليونانية في الفلك والهندسة والطب إلى اللغة العربية، واستمرت حركة الترجمة تلك حتى نضوج العلوم الإسلامية والاستغناء عن الحاجة للترجمة

في عهد الخليفة المأمون تحول الاهتمام من ترجمة كتب العلوم إلى التركيز على ترجمة كتب الفلسفة على وجه الخصوص، وقد تُرجمت كتب اليونان –بالأخص كتب أرسطو– إلى اللغة العربية، إلا أن بعض نصوص أرسطو لم تترجَم بحيادية، حيث استخدمت بعض العبارات الإسلامية لتحل محل العبارات الفلسفية المحضة، فكانت الترجمة أشبه بالشرح والتفسير في نفس الوقت، وبناء عليه عُدِّلَت بعض الكلمات اليونانية مثل (العقل المطلق) واستُبدلَت بـ (الله) لتكون أقرب لأفهام العرب وهكذا..

وبسبب إتاحة الفلسفة اليونانية بهذا الشكل القريب للأفهام وبنفس لغة المسلمين، اعتنى المسلمون بتلك الكتب لدرجة أنهم كانوا يكتبون كتبًا في تفسير الفلسفة اليونانية من منظور إسلامي، مثل كتاب (الكلم الروحانية للحكم اليونانية) لأبي الفرج بن هندو (ت: 410ه)

علم الكلام ومواجهة الفلسفة

بسبب تشابه نظريات الألوهية لدى بعض المتفلسفة اليونان مع عقيدة الإسلام في بعض النقاط، وبسبب دعم الخليفة للنشاط العلمي والفكري وقتها، بدأت الفلسفة الإسلامية تتشكّل في جو من النقاش المتأثر بالفلسفة اليونانية، فقد انشغل المسلمون بالقضايا التي أثارها فلاسفة اليونان ولكن من منظور إسلامي، وبدأ العقل المسلم يبحث في الإجابة عن أسئلة لم تطرح في تاريخ الأمة من قبل!

فبدأت الأفكار والآراء تتعدد حتى بتنا بين اتجاهات متعاكسة، فنشأ المذهب والمذهب الآخر، والرأي والرأي المناقض، وترك المسلمون المهام الكبرى وانشغلوا بالجدال والخصومة والتخندق خلف المذاهب الناشئة، وكان كل من يكتب ليرد على الآخر يقول إن الكلام في المسألة كذا وكذا، ومختصر الكلام كذا وكذا، ومن هنا صار منهج التفلسف الإسلامي يطلق عليه (علم الكلام) بحسب إحدى الأقوال التي بحثت هذه المسألة.

ومن هذا النقاش الذي أنتج علم الكلام نشأت فرق عديدة مختلفة في آرائها الفلسفية، ونتج عن التعصب لهذه الآراء مواجهات عقدية بين الفرق على مدار العقود والقرون ومن ثم انقسم المسلمون إلى طرائق قددًا..

وهذا الانقسام –بحد ذاته- لم يكن بسبب تعرض المسلمون إلى أفكار أجنبية بقدر ما هو بسبب تعظيم العامة للفلسفة إلى درجة التقديس، حتى أن بعضهم بدأ يغالي في العقل والافتتان به فقالوا: العقل فوق النقل.

لقد تحول العقل المسلم من صفاء أحادية التلقي عن الوحي الرباني، إلى شتات ثنائية التلقي بين الوحي الرباني والفلسفات البشرية، وهكذا بدأ الطريق للخلاف والتفرق والتمزق.

طريق القرآن

لو تأملت خلط المسلمين بين علم الكلام وكتب العقيدة منذ القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا، لوجدت أن لسان حال المكتبة الإسلامية يقول بأننا بحاجة إلى الفلسفة كي نبرهن على صحة الدين، ولولا الفلسفة لما تمكّنّا من البرهنة على صحة الإسلام، ولما ناظرنا المخالفين، ولما ارتقينا من التقليد إلى اليقين!

وفي حقيقة الأمر، فإن الاقتناع بهذه الفكرة في حد ذاتها فيه تهوين كبير من شأن القرآن الذي ينص في مواضع عديدة على أن القرآن ومنهجه كافٍ في الإقناع واليقين، فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51]، وقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3]، وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]

إن انتشار التمسّك بالفلسفة بهذا الشكل كان محرضًا لأولي الألباب لهجر الجدال والعودة إلى القرآن والاكتفاء به، ومن هنا فإن المطالبة بالرجوع إلى القرآن لا تتأتّى بالتزام ترتيل حروفه في معزل عن إعمال العقل فيه، وإنما المقصود هنا هو الرجوع إلى طريقة القرآن في إبطال الباطل وإحقاق الحق فهو أكمل من كل الطرق الكلامية أو المناهج الفلسفية!

ولإيضاح القصد أنتقل إلى ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان) وهو يقارن بين القرآن وعلم الكلام، فيقول:

“لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تروي عليلا ولا تشفي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن”، والمقصود أن القرآن يوصل القارئ إلى ما هو أفضل من نتيجة الفلسفة بالفعل، كما أن القرآن يمتاز بكونه الطريق المختصر في إبطال الباطل وإحقاق الحق وتصويب المفاهيم الخاطئة، عكس الفلسفة التي تعقد البسيط وتطوّل القصير ولا تضمن لك الوصول إلى الحق.

وما ذلك إلا لأن القرآن يمتاز بالبساطة والوضوح مع محافظته على قوة الحجة وعمق المعنى، وزيادة على ذلك فإن القرآن يخاطب العقل والقلب على حد سواء، عكس الفلسفة التي تخاطب العقول فقط، ومن المحال أن يحدث اليقين بالفلسفة التي لا ترى القلب في حين أن الإيمان أو الشك أو اليقين لا يكون إلا في القلب!

يكمل ابن القيم قوله: “وليس تحت السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات مثل القرآن، فإنه كفيل بذلك كله, متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول وأفصحها بيانا، فهو الشفاء على الحقيقة من أمراض الشبه والشكوك. وأحسن ما عند المتكلمين فهو في القرآن أصح تقريرا وأحسن تفسيرا”

وشتان بين فلسفة تأخذ بالعقل لتتوه به في المتاهات، وبين القرآن الذي يأخذ بالعقل ليقنعه بالجدال الحسن، والحجة البالغة، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة!

ولا تفرقوا

من المؤسف أن تتفرق الأمة التي ينص قرآنها على الأمر الساطع الناصع: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] والآية تنص على الأمر بالتمسّك بحبل الله –القرآن- والاستغناء به عن غيره في أمور الدين. ولكي تتوحد الأمة الواحدة بالرجوع إلى المرجعية الواحدة..

والقرآن به من المميزات التي يتفوّق بها على علم الكلام حقًّا، أهمّها ما أشار إليه د. محمد عبد الله درّاز في كتابه (النبأ العظيم) في أن القرآن يخاطبُ كل العقول مع إشباع فضول الكل. فلا العالم الذكي يجد سطحية لا تروي ظمأه، ولا الجاهل البليد يجد تعقيدًا يخفي عليه مراداته! بل إن القرآن يخاطب الكل بمستواه بنفس النص القرآني. ويقف العالم والجاهل أمام النص الواحد وفهم هذا أعمق من فهم ذاك، ويفتح الله على الخلق في الفهم مع أن النص هو النص، وها هو القرآن لا تنقضي عجائبه، ويقول هل من مزيد!

إن قدَر الإسلام أن يكون رسالة عالمية لكل البشر بمختلف مستوياتهم العقلية، فكان القرآن دعامته الروحية والفكرية التي تراعي كل هذا التفاوت في ملكات البشر، وذلك على العكس من الفلسفات التي لا تخاطب إلا الأذكياء وأصحاب مَلَكات التجريد والجدل، فيهبط بذلك الدين من اتساع العالمية إلى ضيق المذهبية.

ولو أننا اكتفينا بالقرآن حقًّا، لصنفنا كتب الفلسفة على أنها كتب فلسفة، وتركنا كتب الدين كتبا في الدين. ولما عزم أحد على لصق الفلسفة بالدين، ولما توهم أحد أن الدين ناقص ويفتقر إلى الفلسفة لتكمله!

وعندما قدم المسلمون كتب الفلسفة على كتاب الله استبدلوا بالذي هو أدنى بالذي هو خير، ولما هجرنا القرآن وانشغلنا بالفلسفة، بدأ الجدال، ونشب الانقسام، وعلا الصخب، فلم نعد نسمع النداء القرآني: {واعتصموا بحبل الله جميعا}، فيا أيها المؤمنون بعظمة الله وقرآنه الزموا صراطه {ولا تفرّقوا}


مصادر للاستزادة:

  • كتاب (الله) عباس العقاد
  • (الترجمة في العصر العباسي) مريم سلامة
  • (الموسوعة المسيرة في التاريخ الإسلامي) راغب السرجاني
  • (إغاثة اللهفان) ابن القيم
  • (النبأ العظيم) محمد عبد الله دراز
  • (الله في العقيدة الإسلامية) أحمد بهجت

الفلسفة الوجودية وطبيعة النفس البشرية

تعتبر الفلسفة الوجودية أن الطبيعة البشرية مرنة وقادرة على القيام بمجموعة هائلة من الخبرات، وأن الأشخاص في عملية مستمرة من التطور، وذلك استنادًا إلى الفكرة الأساسية التي تقف عليها وهي أن الوجود يسبق الماهية الحقيقية، إذ الإنسان هو من يصنع ماهيته، فالمعتقد الأساس في منظور هذه الفلسفة أنه: طالما أنني موجود فأنا أصنع نفسي باستمرار ويجب عليّ أن أعيد ابتكار نفسي يوميًا، أي أنّ الإنسان هو من يحدد شخصيته وقدراته ومستقبله.

يشير العديد من الفلاسفة والمفكرين إلى أن المعضلة الأولى في هذه الرؤية تبدأ من قضية القلق الوجودي، أي أن طول التفكير في هذه المسألة يؤدي إلى شعور عميق بالقلق، حيث إن الفرد واقع تحت ضغط الضرورة والمسؤولية لخلق شيء ما بدلاً من الفراغ الذي يعيشه في كثير من الأحيان، وإحساسه بأن كل شيء يمر سريعاً، وأنه لا يستطيع أبداً التمسك بالحاضر، فالحاضر يمضي سريعاً ويصبح من الماضي، وأنه لم يعد كما كان ولا كما يرغب في أن يكون، وبذلك يجد الفرد نفسه في مكان ما في المنتصف، يتصارع مع معطيات الماضي وإمكانيات المستقبل، دون أي معرفة مؤكدة بما يعنيه كل ذلك.

 الفلسفة الوجودية: أبعادٌ وآثار

في الكتاب المشترك المعنوَن بـ Individual Therapy in Britain أي العلاج الفرديّ في بريطانيا، والذي أشرفت على تحريره الأكاديمية ويندي درايدن Windy Dryden خصصت الأكاديمية الهولّندية إيمي فان ديورزين سميث جزءًا من بحثها في الكتاب حول الأبعاد الأساسية للفلسفة الوجودية، فأشارت إلى أن تحديد الوجود البشري في هذه الفلسفة يتركّز في أربعة أبعاد أساسية: البعد المادي والبعد الاجتماعي والبعد النفسي والبعد الروحي. في كل بعد من هذه الأبعاد، يواجه الناس العالم ويشكلون مواقفهم منه كل حسب تجربته الخاصة. فهذه المواقف هي التي تحدد موقفنا من واقعنا، ومن الواضح أن هذه الأبعاد الأربعة متشابكة ومترابطة، وما حال الفرد إلا كالممتد ما بين قطب موجب يمثل ما يطمح إليه في كل بُعد، وقطب سالب يمثل ما يخافه ويتجنبه.

ففي البعد المادي يعتقد الوجوديون أن الفرد يتعلق ببيئته ومعطيات العالم من حوله بشكل طبيعي، وهذا يشمل موقف الفرد من جسده، واحتياجاته الجسدية، وموقفه تجاه محيطه الملموس، وممتلكاته المادية، كأحوال الناس وممتلكاتهم والمناخ، والصحة والمرض.

يعدّ الجهد في هذا البعد -بشكل عام- منصبًّا بين البحث عن الهيمنة -كما في التكنولوجيا، أو الرياضة- وبين الحاجة لتقبل القيود الطبيعية كما في علوم البيئة أو الشيخوخة)، ويهدف الناس عموماً في هذا البعد إلى ترسيخ الأمن من خلال الصحة الطبية وجمع الثروة، إلا أن الحياة لا تقدم لهم الكثير من الحقائق التي تدعم آمالهم مما يسبب لهم خيبات الأمل، وإدراك ذلك يمكن أن يؤدي إلى التوتر.

البعد الاجتماعي في الفلسفة الوجودية

ترى الكاتبة أن الإنسان في البعد الاجتماعي يتواصل مع الآخرين من خلال التفاعل مع العالم من حوله، ويشمل هذا البعد استجابة الفرد للثقافة التي يعيش فيها، وموقفه تجاه الطبقة والعرق الذي ينتمي إليه، والآخر الذي لا ينتمي إليه كذلك؛ ومن ثم فإن المواقف تتراوح هنا ما بين الحب والكراهية، وما بين التعاون والمنافسة.

يمكن فهم التناقضات بين القبول والرفض، أو الانتماء والعزلة، فبعض الناس يفضلون الابتعاد عمن حولهم قدر الإمكان، بينما يحرص آخرون على بناء العلاقات وترسيخ قبوله بشكل عام بين الناس من خلال الالتزام بالقواعد والعادات والآداب العامة، ومن ثم فإنه يمكن بحسب هذه الرؤية أن يحقق الفرد الهيمنة على الآخرين بشكل مؤقت من خلال اكتساب الشهرة أو غيرها من أشكال القوة، إلا أن أتباع هذه الفلسفة يؤمنون أننا جميعاً سنواجه الفشل والوحدة عاجلاً أم آجلاً.

البعد النفسي الوجودي

في البعد النفسي الوجودي يتعلق الفرد بنفسه، وبهذه الطريقة تشير الكاتبة إلى أنه يصنع عالمه الشخصي بشكل خاص.

يتضمن هذا البعد وجهات نظر حول شخصياتنا وخبراتنا السابقة واحتمالات خياراتنا الوجودية المستقبلية، ولذا فإنه غالبًا ما يتمّ اختبار التناقضات هنا بالنظر إلى نقاط القوة ومقارنتها بنقاط الضعف.

في البعد النفسي ترى الناس يبحثون عن الإحساس بالهوية والانتماء والشعور بالجوهر وقدرات الذات غير المحدودة؛ إلا أن هذا الحال يوصل الإنسان حتماً إلى العديد من الأحداث التي تظهر له عكس ذلك، وتغرقه في حالة من التوتر والارتباك والتفكك.

على سبيل المثال فإن النشاط والسلبية مركزان مهمان هنا، حيث إن تأكيد الذات شكل من أشكال النشاط بحسب الكاتبة، كما أن الاستسلام شكل من أشكال السلبية، كما أن إعادة التفكير في الموت قد يجلب القلق والارتباك للكثير لمن يؤمن بأهمية ذاته.

الوجودية والبعد الروحي

تشير الكاتبة إلى أن الإنسان في البعد الروحي الوجودي يتعلّق بالغيب، وبالتالي فإنه يصنع إحساسًا بالعالم المثالي ويمتّن النظرات الأيديولوجية والفلسفية، وقد يجد بعض الناس راحتهم المثالية في الطرق العلمانية، وذلك في تناقض واضح بين ارتباط الروح المعنوي والمادية العلمانية، وفي هذا البعد غالباً ما يكون فكر الناس متذبذبًا بين الهدف والعبثية، والأمل واليأس، إلخ.

الاضطراب والصحة النفسية

تشير الكاتبة إلى أن الاضطراب والصحة النفسيين وجهان لعملة واحدة، والعيش بشكل سليم يعني التوافق في العيش مع كليهما، فالصحة النفسية تعني القدرة على أن تكون شفافاً ومنفتحاً على ما يمكن أن تجلبه الحياة بشقيها السلبيّ والإيجابي. وحين نحاول التهرّب من الجانب السلبي من الوجود نتعثّر بالتأكيد، تماماً كما نتعثر حينما لا نرى الجانب الإيجابي منه.

في مواجهة الإيجابية والسلبية في الإحساس الوجودي تنشأ القوة اللازمة للاستمرار قدماً وبالتالي فإن الصحة النفسية –في منظور الفلسفة الوجودية المعاصر- لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال التصالح مع الحياة والعالم والنفس وفهم ما يدور حولنا، وكأن الصحة النفسية تصبح مرادفًا للحكمة في هذه الرؤية.

لا نشير هنا إلى أن هذه الرؤية الوجودية حول الصحة النفسية صائبة أو خاطئة إلا أننا نحاول أن نقارب بين هذه الرؤية ومفردة الحكمة التي تتشكل نتيجة التخلّق بصفات الصبر والصدق.

التغيير نحو الأفضل

 تشير الكاتبة إلى أن التغيير في الحياة نحو الأفضل إنما هو جزء من عملية طويلة من التحول، وعلى الرغم من أن الناس يعتقدون في كثير من الأحيان أنهم يسعون لذلك التغيير، إلا أنه في كثير من الأحيان تعكس حياتهم محاولاتهم للحفاظ على الوضع الراهن. قد يصبح الفرد مقتنعاً بحتمية التغيير، وقد يصبح أيضاً مدركاً للكثير من الطرق التي حافظ بها على هذا التغيير. في كل دقيقة من اليوم يصنع الناس الخيارات التي تحدد اتجاه حياتهم. في كثير من الأحيان يتم الشروع في هذا الاتجاه بشكل سلبي: أي يتوافق فقط مع توقعات الأشخاص السلبية أو المتواضعة للمستقبل. لكن يتم اكتساب البصيرة في إمكانية إعادة تفسير الموقف واختيار المزيد من القرارات البناءة للتغيير نحو الأفضل. هذا يتطلب من الفرد أن يتعلم كيف يعيش بشكل متعمد وواع، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال إدراكه لكيفية توظيف الموقف اليومي والإطار الذهني بشكل يحفظه من التلقائية التي تكرر نفس الاخطاء. ليس من السهل كسر قوة العادة، ولكن هناك دائماً أوقات يتم فيها كسر العادات بالقوة. الأزمات هي الأوقات المناسبة لمراجعة أنماط التفكير والسلوك القديمة. هذا هو السبب في أن أطباء النفس الوجوديين يتحدثون عن الانهيار باعتباره اختراقاً محتملاً، وأنه في كثير من الأحيان يلاحظ الناس بدهشة أن الكارثة أو النقمة التي حاولوا جاهداً تجنبها كانت في الحقيقة نعمة بالنسبة لهم. في أوقات الأزمات، يتم إعادة تركيز الانتباه على الأولويات بحيث يمكن أن تكون الخيارات واضحة أكثر من ذي قبل.

سواء كان هذا الحدث مفروغاً منه (كما في الهجرة أو الزواج) أم لا (كما في الكوارث الطبيعية أو فاجعة الموت) فإن له تأثيراً كبيراً. عندما يكون من الصعب علينا إخفاء جوانب الوجود التي نفضلها نكون مضطرين لإعادة تقييم مواقفنا وقيمنا. في أعقاب تلك الفوضى يجب أن نتخذ القرارات حول كيفية المضي قدماً وكيفية إقامة نظام جديد في حياتنا. اذ يمكننا أن نتسامح مع عدم اليقين في مثل هذه المواقف بدلاً من الهروب نحو روتين جديد، فمثل هذه الأوقات يمكن أن تكون فرصة لتصحيح اتجاه الحياة.

ترى الكاتبة أنه بمجرد مواجهة الأزمة بهذه الطريقة، يصبح من السهل الانفتاح على التغيير مرات أخرى كذلك. يمكن للناس أن يتعلموا إعادة تقييم قيمهم وإعادة تقييم أولوياتهم باستمرار، وبالتالي تحقيق المرونة التي تسمح لهم بالاستفادة القصوى من الحياة.

*هذا المقال عبارة عن ترجمةٍ لتلخيص مقال الكاتبة إيمي فان ديو ريزين سميث في كتاب Individual Therapy in Britain


المصدر:

Deurzen-Smith, E. van (1984) ‘Existential therapy’, in W. Dryden (ed.), Individual Therapy in Britain. London: Harper & Row.

تجليات العنصرية الغربية.. من وحدة الوجود إلى النظام العالمي الجديد!

لم يكن ما قام به هتلر أمراً استثنائياً في الحضارة الغربية، أو شذوذاً في نظرتها الإنسانية إلى بقية البشر وحضاراتهم ككائنات أدنى في مقابل التفوق المزعوم لعرق الرجل الأبيض، فقد سبق هتلر إبادة ما يزيد عن 70 مليون من السكان الأصليين للقارة الأمريكية على يد الرجل الأوروبي المهاجر، فضلاً عن استعباده لأضعاف هذا الرقم من أفريقيا مات معظمهم في طريقهم إلى أوروبا وأمريكا، فضلاً عن استعباده الشعوب التي احتلها سواء أكان احتلالاً حلولياً يمتاز بالفصل العنصري كما في استراليا وجنوب أفريقيا وأخيراً فلسطين، أو احتلالاً استعمارياً يستنفذ الثروات الطبيعية للبلد المحتل كما كان في الهند ومصر وبقية المستعمرات القديمة في العالم، التي انطلق الأوروبي إليها حاملاً شعلة أنواره الإنسانية إليها..

هتلر ومآلات وحدة الوجود

كل ما فعله هتلر أنه دفع عقيدة تفوق العرق الأبيض إلى منتهاها، تلك العقيدة التي دعمتها فلسفة هيجل التي هي في حقيقتها إعادة إنتاج لعقيدة وحدة الوجود الفرعونية والهندوسية وما شابهها من عقائد في الفلسفات الشرقية القديمة، وتأثرت بها الفلسفة اليونانية على يد فيثاغورس وأفلاطون وأفلوطين، ومن بعد ذلك انتشرت كتعاليم سرية (سحرية) يسمونها الحكمة القديمة أو الهرمسية، والتي أثرت بشكل مباشر في معظم علماء وفلاسفة عصر النهضة والتنوير مثل (دافنشي، ونيوتن، وبالتأكيد هيجل)؛ تلك الفلسفة التي تنتهي عند من لديه تصور لمآلها المنطقي؛ إلى أن الإنسان الأوروبي بوصفه -كما يزعم الأوروبي- صاحب أرقى فكر بين أجناس البشرية هو التجلي الأعلى للإله أو الروح المطلق.

هيجل (مصدر الصورة: ويكيبيديا)

في الحقيقة فإن هذا الاعتقاد لا يختلف كثيراً عن الفرعونية حين كانت حضارتها هي السائدة والتي انتهت إلى أن الفرعون هو التجلّي الأعلى للإله إذ قال: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24]، فهذه نتيجة طبيعية لفكرة إله هو الموجودات نفسها أو الموجودات عبارة عن ظاهريات لروحه، وهو ينمو ويتطور عبر التاريخ ويتجلى من خلال هذه الظواهر الوجودية وأعلاها الإنسان وعقله، والإنسان الأعلى هو الأوروبي -كما في سياق نزعة الأنسنة الغربية- بلا جدال وبالتالي فهو الذي يحل محل ادعاء فرعون “الربّ الأعلى”.

إن من يتأمل مقولة “وحدة الوجود” فإنه سيجد أن مآلها الحقيقي هو أن لا وجود للذات الإلهية أصلاً وأن الوجود الفعلي للمخلوقات بجمادها وكائناتها الحية وكونها وقوانينها، أو ما يسمونه “الطبيعة” وبالتالي فهي رغم تسميتها بالفلسفة المثالية التي لا اختلاف بينها وبين الفلسفة المادية سوى الزعم بأن الطبيعة الحية العاقلة للكون والمادة فإنها مرادف للرب الخالق عندهم، وهي فكرة تبنتها معظم الفلسفات المثالية وأصحاب وحدة الوجود، وهي باطلة بهذا الوجه دون أدنى شك، ولسنا هنا في مجال تفنيدها، ويمكن التوسع في ذلك من خلال مطالعة عدة ردود صُنّفت خصيصًا للرد عليها، كردود ابن تيمية رحمه الله تعالى في ردوده على فلسفة أرسطو ونظرية الفيض والقائلين بوحدة الوجود والحلول والاتحاد

تعود هذه الفلسفة إلى أصول مشرقية وفرعونية وأخرى اختلطت بالروحانية الصوفية الهندية والعربية المتأخرة عنها والمتأثرة بها، ثم عادت لتختلط بالمنطق الأرسطي ونظريات الفيض وتطوراتها في عصور التنوير والحداثة، وانتهت عند هيجل كمثالية مطلقة فيما سماه ظاهريات الروح والعقل المطلق وتطور عنها مدارس مختلفة وتطبيقاتها في حركات العصر الجديد والثيوصوفيا وغيرها، التي ترى أن هناك مجموعة من البشر مصطفاة بالحكمة الإلهية (والتجلي الأعلى للإله هو الأوروبي ومن تحالف معه في هذه الحالة) وهي وحدها الجديرة بحكم البشر وتحديد مصير هذا الكوكب.

ثم ماذا؟

قد تظن أن في الكلام المتقدم مبالغة، إلا أن هذه جزء من الحقيقة، ولن يكون من المدهش أن تعلم أن معظم صناع قرارات الغرب الحقيقيين بشقيه الأوروبي والأمريكي ينتمون لهذا الفكر المتعالي بتياراته ومدارسه المختلفة، والذي ساهم في تغذيته بجانب الهيجلية أفكار الفيلسوف الألماني “نيتشه” بثلاثيته الشهيرة: الإنسان الأعلى وإرادة القوة كغاية تنتهي إليها كل إرادة حرة، وأخيراً العود الأبدي الذي تنتمي أصوله لعقيدة التناسخ، والذي استبدَل اليوم الآخر في الشرائع السماوية بتكرار لكل ما قمت به في حياتك وإعادة تكرار ذلك للأبد، وبالتالي إذا امتلكت زمام العالم مرة فستظل تكرر هذه الملكية إلى الأبد.

نيتشه

ثم جاءت “الداروينية الاجتماعية” لتنهي أي صراع أخلاقي داخل هذا الكيان المتغطرس، وتحوله إلى حيوان مفترس ذكي، يسعى للاستيلاء على موارد بقية البشر الأضعف كرتبة أدنى في التطور، والقضاء على أولئك الذين لا يستحقون الحياة لا لشيء إلا لأن هذه هي طبيعة الحياة؛ فالأقوى يسود، والبقاء للأصلح ومن وجهة نظر الرجل الأبيض فهو الأصلح للبقاء؛ إذ هو الأقوى والأذكى والأكثر تقدما ومالاً، وعلى بقية البشر أن يختاروا أحد اثنين؛ إما الموت جوعاً وقتلاً ومرضاً، أو الدخول في زمرة عبيد الرجل الأبيض ويعملون كبطاريات تزود آلة بقائه بالوقود.

والشاهد من عرض هذا كله؛ إيضاح مقصدنا بأن صنائع هتلر والحلفاء الذين قاموا بجرائم لا تقل بشاعة عن جرائمه لم تكن في بشاعتها مجرد ظاهرة شاذة في الفلسفة الإنسانية الغربية، وكذلك الاحتلال الصهيوني لفلسطين لا يتعارض عقدياً أو فكرياً مع الرجل الأبيض فهما كيان متقارب منسجم، وكلاهما ينتمي لنفس النطاق الفلسفي والفكري، وإن كان الصهيونية -يهوداً كانوا أو من يعتنقونها كعقيدة من غيرهم، وفيهم عربٌ للأسف- أشد عنصرية ودناءة وغدراً حتى بشعوب الغرب نفسه.

صراعات وحروب.. ما الدوافع؟

في الواقع فإن ما يحدث في العالم من حروب، هو نتيجة مباشرة لهذه الفلسفة التي تلبس ثوب الحملان والدفاع عن حقوق الإنسان، وستتطور استراتيجياتها قريباً -كما تقول بعض الآراء- إلى عمليات إبادة جماعية إذا تسنّى لمن يقودونها وسائل ذلك دون الإضرار بأنفسهم، وتبرير ذلك سيكون الندرة وقلة موارد كوكب الأرض خصوصاً الطاقة، وأنه قريباً لن يكفي ذلك الجميع، ولابد من اتخاذ قرار بمن يمكنه أن يبقى ومن لابد من التخلص منه، وهذا الخفض في عدد سكان الكوكب جاء كتوصيات في مؤتمرات النخبة كـ”نادي روما”-.

منذ عام 1972 بدأ يتردد اسم نادي روما كمنظمة علمية عالمية مرموقة، خصوصاً حين أصدر تقريره الأول الذي جاء بعنوان (القيود على النمو [1]The Limits to Growth) إذ اقترح التقرير أن النمو الاقتصادي لا يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى بسبب استنفاد الموارد- وكذلك في تقرير هنري كسينجر بخصوص الدول الفقيرة عالية الكثافة السكانية المسمى ” مذكرة الأمن القومي“NSSM-200″، والتي تسمى أيضًا بتقرير كيسنجر. كان موضوعه “آثار النمو السكاني في جميع أنحاء العالم على الأمن الأمريكي والمصالح الخارجية.”[2]  وهذا كذب وافتراء على كوكب الأرض ولكن كل الدراسات الرسمية تدعم هذا الزعم، لكن هناك دراسات أخرى محترمة تنفيه تماماً مثل كتاب [صناعة الجوع: خرافة الندرة، فرانسيس مورلابيه].

هنري كسينجر

الثورات والحروب والأزمات العالمية.. استراتيجية النظام العالمي الجديد

أمر خيالي وموهوم لدرجة المرض بنظرية المؤامرة (التي يغالي فيها البعض لدرجة نسبة كل الأحداث إليها، ويزدريها البعض نفياً لها تماماً، متجاهلين الواقع والحجم الهائل لمجموعة الوثائق والدلائل وتطابقها مع أحداث هذا الواقع في كثير من الأحداث) أليس كذلك؟؛

ولكنها عملية قد بدأت آلياتها تدخل حيز التنفيذ بالفعل منذ عهد الثورات الإنجليزية والفرنسية والأمريكية التي قام بها من يحكمون عالمنا من وقتها حتى اليوم من داخل اتحاد منظمات وجمعيات سرية (بدأت قريباً في الإعلان عن نفسها)، فمعظم ما يحدث الآن في تحولات العالم ونظمه السياسية واقتصادياته هو آليات نتجت عن هذه الثورات وما وقع خلال أحداثها من تغيير في بنية النخبة التي تحكم هذا العالم، وتقوم بتحويل أنظمة الحكم في دوله من وقتها لدمجها داخل نظام عالمي واحد.

لعله من المهم والمفيد أن تدرَس تواريخ الثورات بما فيها الملونة الحديثة والربيع العربي وأحداثها والحروب التي وقعت بعدها، كحروب نابليون والحربين العالميتين، والنظم السياسية والاقتصادية التي تلتها، والديون التي نتجت عنها وأصبحت دول العالم وأولها الولايات المتحدة وانجلترا وفرنسا وألمانيا بسببها في أسر خدمة مديونية ربوية ضخمة للنخبة المالية خصوصاً آل روتشيلد وأذرعهم في أوروبا وأميركا والعالم، والمتمثلة بشكل أساسي في البنوك المركزية برئاسة الاتحاد الفيدرالي الذي يتولى كمؤسسة خاصة طباعة الدولار الذي يعتمد علية اقتصاد العالم كله، وقد تم تحويل معظم احتياطي ذهب العالم إلى خزائنها بعد اتفاقية ”بريتون وودز ” عام 1944م التي جعلت الدولار المعيارَ النقدي الدولي لكل عملات العالم، حيث تعهدت أمريكا بموجب تلك الاتفاقية وأمام دول العالم بأنها تمتلك غطاءً من الذهب يوازي ما تطرحه من دولارات.

المقر الرئيسي للاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي الأمريكي)

لقد استُبدل احتياطي الذهب بتلك العملة التي لا تساوي الورق الذي طبعت عليه، حتى خرج الرئيس نيكسون في السبعينات على العالم فجأة في مشهد لا يتصوره أحد حتى في أفلام الخيال العلمي ليصدم كل سكان الكرة الأرضية جميعًا بأن الولايات المتحدة لن تسلم حاملي الدولار ما يقابله من ذهب، وليكتشف العالم أن الولايات المتحدة كانت تطبع الدولارات بعيدًا عن وجود غطاء من الذهب وأنها اشترت ثروات الشعوب وامتلكت ثروات العالم بحفنة أوراق خضراء لا غطاء ذهبي لها!

ثم أضف إلى دراسة ذلك التحولات التي تبعت تلك الثورات والحروب في النظام العالمي بداية من القضاء على النظم الملكية وتشكيل عصبة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الأولى ثم الأمم المتحدة بعد الثانية، ثم سقوط الاتحاد السوفيتي وتحول النظام العالمي فعلياً إلى حكم اتحاد شركات عملاقة عابرة للقارات بقوة القطب الأوحد (الولايات المتحدة) ثم الآن وما يحدث من انهيار للنظام الديمقراطي داخل الديمقراطيات الكبرى وتغول الشركات والحديث عن نظام عالمي جديد بعد أن أصاب الشلل النظام الحالي؛ كل هذا ستجده إن تأملته بتفاصيله منتج استراتيجية طويلة المدى، وقد يختلف التكتيك والخطوات والأدوات من وقت لأخر، لكن الإطار العام ثابت وفي اتجاه واحد، وهو تحقيق هدف إقامة سلطة عالمية تشكل الدول فيها ما يشبه الاتحاد العالمي، حيث تعمل حكومات الدول مديرين تنفيذيين للنخبة المالية والصناعية والتكنولوجية في العالم والقوى القديمة التي تولدت عنها هذه النخب! ومن يقاوم ذلك يوضع في جدول الدول المارقة.

هذا التحول بحاجة إلى أزمات كبرى تنتهي بحرب كبرى، أزمات بدأنا نسمع عنها كالأوبئة العالمية وتلوث البيئة العالمي وانهيار الاقتصاد العالمي وضعف نظام الأمم المتحدة، أزمات تحتاج لتحالف وتنسيق دولي ونظام عالمي أقوى فاعلية يمكنه تطبيق القرارات الدولية ولو بالقوة على الدول المارقة والكيانات التي لا تلتزم بقرارات الحكومة العالمية، ديكتاتورية عالمية شمولية ستجعلها الأزمات الطاحنة والحروب العالمية واسعة النطاق مطلباً شعبياً لمعظم سكان الأرض، ولكن يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.


[1] https://www.clubofrome.org/publication/the-limits-to-growth/

[2] https://rawabetcenter.com/archives/107655