مقالات

موقف الفكر الحداثي من السنة النبوية

عبد اللطيف المحيمد


سلك الحداثيون مع السنة النبوية مسلكهم مع القرآن الكريم ونزعوا عنها صفة القدسية، وقد استندوا في موقفهم هذا على الشبه التي تثار حول ظنية السنة النبوية وقلة المتواتر وكثرة الآحاد، واحتمالية الخطأ والرواية بالمعنى، والكذب والاختلاط الذي قد يطرأ على الرواة أثناء روايتهم للحديث الشريف، إضافة إلى الوضاعين والمتزندقين الذين أكثروا من الكذب على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، متناسين الجهود الكبيرة التي وضعها أئمة السنة لحماية السنة من التحريف، والعلوم التي ابتكروها لضبط الرواية، كعلم المصطلح والرجال والعلل وغيرها.

يعرّف الحداثيون السنة عدة تعريفات، فمنها على سبيل المثال ما قاله حسن حنفي في كتابه “دراسات إسلامية” إن السنة هي “مجموعة من المواقف التفصيلية التي يتحدد فيها سلوك الإنسان، والذي تظهر فيه القدرة كمحك للسلوك، هي مواقف إنسانية مثالية، وتجارب بشرية نموذجية، يمكن الاحتذاء بها إذا أردنا مزيداً من التعيين والتحديد في الواقع” [ص 408].

محمد شحرور

وعرفها محمد شحرور في كتابه “الكتاب والقرآن” بأنها “منهج في تطبيق أحكام أم الكتاب بسهولة ويسر، دون الخروج عن حدود الله في أمور الحدود، أو وضع حدود عرفية مرحلية في بقية الأمور، مع الأخذ بعين الاعتبار عالم الحقيقة، الزمان والمكان، والشروط الموضوعية التي تطبق بها هذه الأحكام، معتمدين على قوله تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وقوله: وما جعل عليكم في الدين من حرج” [ص 549].

والمتأمل لهذين التعريفين يدرك كيف وُصفت السنة بأنها فعل إنساني محض، وهم يلمحون بذلك على أنها ليست وحياً من الله سبحانه وتعالى، أو ليست نصاً مقدساً لا يحتمل التأويل، وهذا التعريف والفهم مخالف لما فهمه علماء الأمة من السنة النبوية، الذين يرون أنها كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة على وجه التشريع.

فالحداثيون يرون أن السنة مجرد وصف للواقع المعاش لا أكثر، فكل نص فيهما جاز تأويله، إذ أنهما وجدا ليواكبا نشأة المجتمعات وتطوراتها، فلابد من تأويل أي نص يخالف واقع المجتمعات، فالنص عندهم يخدم المجتمع وينقاد له، وليس العكس.

يقول شحرور “ومن هنا يأتي التعريف الخاطئ برأينا للسنة النبوية، بأنها كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو أمر أو نهي أو إقرار”، ثم أوضح فكرته بقوله “هذا التعريف كان سبباً في تحنيط الإسلام” [الكتاب والقرآن، ص 548].

فالحداثيون يرون أن التزام الأمة بظاهر السنة النبوية، وظاهر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أدى إلى تشتت المسلمين، وإلى كارثة في الفقه والتشريع الإسلامي، وأدى إلى تحجير الإسلام وربطه بالبيئة البدوية والصحراوية التي نزل فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ما جعله مجرد تراث موروث لا قيمة له واقعاً في حياة الناس، ولذلك لم يستطع المسلمون تحرير حاضرهم من ماضيهم.

وأما عن موقف الحداثيين من حجية السنة النبوية، فهم يرون أن السنة لا تصلح للمحاججة بأدلتها لكونها ظنية وليست قطعية، حيث قال حسن حنفي في مقال له في مجلة اليسار الإسلامي: “ولم أستعمل الحديث الشريف تأييداً للقرآن حتى لا يعترض أحد الأدعياء برواية الحديث وسنده ودرجة صحته، وتضيع القضية في مماحكات العنعنة، هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد شيء في الحديث لا يوجد أصله في القرآن، والاعتماد على القرآن وحده هو الرجوع إلى الأصل أولاً، وهو أوعى وأشمل وأكمل”.

وهو بهذا النص يشبه إلى حد كبير أقاويل وشبه القرآنيين الذين يسعون وراء تنحية السنة النبوية، ومحاولة الاعتماد على القرآن الكريم لوحده دون غيره، ولا شك أن هذا المنهج بان فساده، وضعفت حجته، إذ لا يستقيم الأخذ بالكتاب لوحده، إذ السنة لطالما كانت وظائفها تتراوح بين تأكيد ما جاء في القرآن أو شرح مجمله أو المجيء بحكم تنفرد به دون القرآن الكريم، وقد بين العلماء ذلك بالتفصيل في كتب أصول الفقه.

مناقشة المغالطات
تدور مغالطات الحداثيين حول عدة أمور، منها:

1ـ مغالطتهم في المعنى اللغوي للسنة، حيث يخلطون بين المعنى اللغوي وبين المعنى الشرعي للسنة النبوية، ويحاولون سحب المعنى اللغوي على المعنى الشرعي، فهم يرون أن المعنى اللغوي لمادة: سسن، تدور حول الحركة والتغير والجريان، بينما في معناها الشرعي تدل على الثبات والسكون والجمود، وهذا استدلال عجيب، فالسنة لها معان كثيرة جداً في اللغة، وحصرها بهذا المعنى الذي يخدم أفكارهم خيانة علمية، وما زال علماء الأصول واللغة لا يفهمون منها معنى واحدا بل معان متعددة، أخذوا منها ما يناسب السنة النبوية.

2ـ رفضهم التعريف المتفق عليه بين علماء الأمة، وقد بنوا رفضهم هذا على مغالطتهم الأولى، فرأينا كيف رفض محمد شحرور وحنفي تعريف العلماء، واعتبروه أداة لتحنيط الإسلام وجموده، والصحيح أن السنة بخلاف ذلك تماماً، ففيها من المرونة ما يواكب جميع العصور، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء، ومع مرونتها حافظت على الأصالة الإسلامية.

3ـ انتقاصهم للسنة النبوية، وذلك بذريعة أنها أدت لتدهور الإسلام، وهذا يرد عليه كما قلنا في المغالطة الثانية، وبأن السنة شارحة ومبينة وموضحة لما جاء في القرآن الكريم.

4ـ قولهم بمرحلية السنة النبوية، وأن ما جاء فيها من أحكام خاص بتلك البيئة الصحراوية التي نزل فيها النبي، أما واقعنا فلا بد فيه من أحكام جديدة تناسب تطوره ومتغيراته اليومية، فالسنة حسب رأيهم تتغير وتتبدل ولا يجوز أخذ ظواهر الأحاديث وتطبيقها في كل مكان وزمان.

5ـ عدم اعترافهم بحجية السنة، معتمدين في ذلك على أنها لا تنهي خلافاً لكثرة الخلاف حول الأحاديث، وطرق ثبوتها، وصحتها وضعفها، وقد تبين ضعف هذه الشبهة بجهود العماء الكبيرة في تنقيح السنة، وبيان ضعيفها، والضوابط التي وضعوها للقبول والرفض والاستدلال والترجيح بين الأحاديث.

ولاشك أن كل ما سبق من تلاعباتهم بالألفاظ، فالقرآن لا يكتمل ويتضح إلا بالسنة، فلا مفاضلة بينهما إلا في حالة التعارض وتقديم الأدلة على بعضها، أما أن يتم رفض أحدهما كلياً فهذا غير وارد أبداً في الفكر الإسلامي، وغير مقبول.

وسبب رفضهم وموقفهم السلبي هذا من السنة أن السنة النبوية غالباً ما تكون واضحة، وليست كالقرآن الذي غالباً ما يحتمل وجوهاً عدة، لإجماله، ثم تأتي السنة الكريمة فتشرحه وتوضحه، وتفصل مجمله، ويدل على ذلك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما بعث ابن عباس رضي الله عنهما لمحاججة الخوارج قال له: “اذهب إليهم فخاصمهم، ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين أنا اعلم منهم بكتاب الله، في بيوتنا نزل، قال صدقت، ولكن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن خاصمهم بالسنن، فإنهم لن يجدوا عنها محيصا، فخرج إليهم فخاصمهم بالسنن فلم تبق بأيديهم حجة”.

وبذلك بين لنا سيدنا علي رضي الله عنه أن لا سبيل إلى إنكار السنة، أو إغفال شأنها بين مصادر التشريع الإسلامي، خاصة وان الله سبحانه وتعالى في القرآن ـوهو المصدر الذي يعتمد عليه الحداثيونـ أكد على مكانة السنة، فقال: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، وقال: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} [المائدة: 92].

وبذلك يتضح لنا أن من أراد هدم الإسلام التجأ إلى هدم السنة وإنكارها، وهذا جزء من قراءة أهل الحداثة للتراث الإسلامي، وأن التناقض قد لحق منهجهم هذا ببيان القرآن الكريم بضرورة ولزوم اتباع السنة، ووجوب الأخذ بها.


المصادر والمراجع
التلخيص في أصول الفقه، الجويني، تحقيق: عبد الله جولم النبالي وبشير أحمد العمري، دار البشائر الإسلامية، 1417هـ- 1996م، بيروت.

الاتجاه العلماني المعاصر في دراسة السنة النبوية، غازي الشمري، دار النوادر، بيروت، ط: 1، 1433هـ، 2012م.

الحداثة وموقفها من السنة النبوية، الحارث عبدالله، دار السلام، القاهرة، ط: 1، 2013م.

دراسات فلسفية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دراسات إسلامية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دفاع عن السنة، محمد محمد أبو شهبة، دار الجيل، بيروت، 1411هـ، 1991م.

منهج حسن حنفي، فهد بن محمد السرحاني القرشي، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط: 1.

مجلة اليسار الإسلامي، حسن حنفي، العدد الأول، 1401هـ.

القرآن الكريم في الفكر الحداثي

عبد اللطيف المحيمد


يمثل الفكر الحداثي أحد الأفكار التي بدأت بالتأثير على الساحة العربية المعاصرة، فهو الفكر الذي أعاد دراسة التراث العربي والإسلامي على أنه مادة قابلة للدراسة الموضوعية بعيداً عن المبادئ والمقدسات الإسلامية، أو الأصول الدينية التي تنظم الحياة الفكرية للمسلمين.

وينظر الحداثيون إلى التراث الإسلامي على أنه تراث مقلوب يمشي على رأسه، ولابد من تعديله لكي يسير على قدميه، وأعلنوا عن نظريتهم المبتدعة في دراسة جديدة للتراث الإسلامي، وهم يحاولون جاهدين نزع الجانب المقدس والإلهي (اللاهوتي) في التراث الإسلامي.

وأن يُنزع التقديس من بعض الأقوال الفقهية للعلماء المسلمين قد يفهم، ومن يفعل ذلك قد يجد له سلفا من علماء الأمة الإسلامية الذين دعوا إلى التحرر من التقليد الأعمى، أما أن يسعى الحداثيون إلى نزع القدسية عن القرآن الكريم فهذا يشكل انقلاباً على المفاهيم الإسلامية، فبناءً على ذلك يكون النص القرآني كأي نص في جريدة أو مادة قانونية وضعت من قبل البشر، فلابد من تسليط الضوء على موقفهم من القرآن الكريم.

تعريف القرآن عند الحداثيين
عرف الحداثيون القرآن الكريم تعريفات متعددة، فعرفه حسن حنفي في كتابه دراسات فلسفية بأنه تجارب الأمم والشعوب على مدى التاريخ، التراكم المعرفي الإنساني الشامل المتحقق مع مراجعة العقل والفطرة وكما تبدو في الحكم والأمثال والمأثورات والآداب الشعبية [ص 103].

وعرفه كذلك في كتابه “دراسات إسلامية” بأنه “مجموعة من المواقف التي طرأت على الواقع الإسلامي الأول والتي استدعت حلولاً وكل موقف يمثل نمطاً مثالياً يمكن أن يتكرر في كل زمان ومكان” [ص 408].

وتناول حنفي القرآن الكريم ضمن مشروعه العلمي الذي وسمه بالتراث والتجديد، فكان لا يتناوله على أنه كتاب منزل من عند الله تعالى، بل على أنه تراث وتاريخ لأمة من الأمم؛ ويقصد بهذا التعريف أن الكتاب وتأويل ما جاء به من أحكام وغيرها ليست ثابتة ومستمرة بل متغيرة حسب الزمان والمكان، وتواكب التطور التشريعي الذي حصل في المجتمعات.

علي حرب

أهمية التأويل المنفلت
القضية الأساسية التي يسعى الحداثيون إلى ترسيخها في أذهان الناس أن كل شيء في النصوص القرآنية يحتمل التأويل، ومن الممكن صرفه عن ظاهره إلى المجاز، وبالتالي نستطيع أن نجعل من الإسلام ديناً مرناً نسقط الكثير من أصوله التي توارثها المسلمون عبر الأجيال، ويستطيع المسلمون من خلال التأويل في كل عصر أن يفصِّلوا إسلاماً يناسب مصالحهم.

يقول علي حرب في كتابه نقد النص: “مع أن مبرر كل مفكر جدير بلقبه أن يمارس التفكير بطريقة مغايرة للذين سبقوه إذا لم يشأ أن يكون مجرد شارح مبسط، أو تابع مقلد، أو حارس مدافع عن العقيدة والحقيقة، والتفكير بصورة مغايرة، يعني: أن نبدل وننسخ، أو نحرف ونحور، أو نزحزح ونقلب، أو ننقب ونكشف، أو نحفر ونفكك، أو نرمم ونطعِّم، أو نفسر ونؤول، فهذه وجوه للتفكير وللقراءة في النصوص لا أزعم أني أقوم بحصرها واستقصائها” [ص 133].

وعلي حرب بهذا النص يهدم كل الضوابط التي وضعها العلماء لاستنباط الأحكام أو تفسير القرآن، وبالتالي لا يوجد نص مقدس منزه عن التأويل، إذ ينظر إلى القرآن على أن التاريخ هو من أسبغ عليه صفة القدسية، لا تنزيله من قبل الله تعالى.

ووضح الحداثيون أنه من خلال التأويل يتم اختراق النص بأفق اجتهادي تجديدي، ومن خلاله نقيم التوازن بين القرآن وبين الواقع المتغير.

وقد استدل نصر حامد أبو زيد على ضرورة التأويل في كتابه “[مفهوم النص، ص 256] وجعله أصلاً، أنه مرادف للتفسير، وأن من السلف من استعملهما بذات المعنى، فالنص القرآني عنده وعند غيره من الحداثيين لا يمكن أن يحتمل معنى واحداً فقط، فهذا النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً لا وجود له في الأرض، وقد يكون موجوداً في السماء، فكل نص قابل للتأويل إلى أكثر من معنى، وفق فهم القارئ له.

محمد أركون

أنسنة القرآن ونزع قدسيته
صرح الحداثيون بأن الحديث عن القرآن الكريم وعن غيره من النصوص متساو، فلا استثناء للقرآن، ولا قدسية للنص القرآني، وقد بنوا على ذلك أنه لا توجد لألفاظ القرآن الكريم معان ثابتة، ولا دلالات ذاتية من الممكن الكشف عنها من خلال اللغة واحتمالاتها، بل التاريخ والواقع الاجتماعي هما من يكشف عن معنى النص، فالنص في نظرهم عبارة عن فضاء دلالي، وإمكان تأويلي، ومأزق القراءة في العقل العربي والإسلامي مرجعه إلى النظرة الأحادية لمعنى ألفاظ القرآن الكريم، فلا حقيقة ثابتة للنص، وبالتالي دراسة القرآن الكريم لابد أن تكون إنسانية تاريخية لا إلهية مقدسة (!)، وما دام النص القرآني إنساني فلا يجوز لإنسان احتكار المعنى الحق أو الصواب، فلكلٍ صوابه وحقه، وهذا ما يعني ضياع المعنى بين المؤولين أياً كانوا!

يقول محمد أركون في كتابه “القرآن من التفسير” إن “التقديس للكتب المقدسة خلع عليها وأسدل بواسطة عدد من الشعائر والطقوس والتلاعبات الفكرية الاستدلالية، ومناهج التفسير المتعلقة بكثير من الظروف المحسوسة المعروفة أو تمكن معرفتها، وأقصد الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية” [ص 26].

وهو لا يستثني القرآن من هذا الكلام، بل يعممه على جميع الكتب المقدسة، إلا أنه يستثنيه في قضية فرعية، وهي أن أسباب تقديس القرآن غطت عليها الظروف السياسية والثقافية والتربوية، بحيث لم تكتشف بعد، ولم يحرف، أو يتلاعب بألفاظه، أو معانيه، على عكس الكتب المقدسة الأخرى، فالنص القرآني قدسيته تاريخية لا إلهية!

نقد النظرة الحداثية
لا شك أن الحداثيين يخالفون جمهور المسلمين وعلماءهم الذين يرون القرآن الكريم كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمعجز بنفسه، والمتعبد بتلاوته، المبدوء بالفاتحة والمختوم بسورة الناس، وأنه نص مقدس لا يجوز التعدي عليه بزيادة أو نقصان أبداً.

وما زال علماء الأمة يركزون على قدسية النص القرآني، ويفهمونه ضمن الضوابط التي وضعها علماء التفسير واللغة، فتفسير الحداثيين للقرآن الكريم يؤصل للتفسير الباطني والمنحرف، والذي يؤدي بدوره إلى ضياع الأحكام الشرعية، حيث يتم تفسيرها تفسيرات بعيدة عن حقيقتها المرادة، فمثل هذه التفاسير هي التي جرأت الفرق الباطنية كالإسماعيلية والدرزية والقاديانية لتحريف معاني القرآن وصرفها عن حقيقتها.

قال المفسر أبو حيان في مقدمته لتفسيره (1/104) مبيناً منهجه المتبع: “وتركتُ أقوال الملحدين الباطنية، المخرجين الألفاظ العربية عن مدلولاتها في اللغة، إلى هذيان افتروه على الله، وعلى علىٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وعلى ذُرِّيته، ويسمونه علم التأويل”.

وقد بين محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون (4/49) خطأ هذا المنهج الذي اتبعه الحداثيون اليوم، واتبعه قبله الفرق الباطنية حيث قال: “ومن هنا بدأ الخروج عن دائرة الرأي المحمود إلى دائرة الرأي المذموم، واستفحل الأمر إلى حد جعل القوم يتسعون في حماية عقائدهم، والترويج لمذاهبهم، بما أخرجوه للناس من تفاسير حملوا فيها كلام الله على وفق أهوائهم، ومقتضى نزعاتهم ونحلهم”.

وفي كلام الحداثيين المنقول مغالطة كبيرة وفهم أعوج، فالتفسير وفي مقابله التأويل لهما ضوابط فصلت في كتب علوم القرآن والتفسير، ولا يجوز لأي قارئ ان يطرح رأيه ويفسر القرآن الكريم على هواه، ولذلك نجد الكثير من العلماء اتبعوا التفسير بالمأثور، ففسروا النص بالنص، ومن عمد إلى التفسير بالرأي فإنه فسره وفق الضوابط والرؤية الإسلامية للنص، ووفق مقاصد الشرع وحدوده، فتأويل الإسلام ينبغي أن يكون تأويلاً منضبطاً لا تأويلاً منفلتاً فوضوياً.


المراجع والمصادر

مفهوم النص، نصر حامد أبو زيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993م.

قضايا في نقد العقل الديني، آركون، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط:1، 1998م.

نقد النص، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

نقد الحقيقة، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

دراسات فلسفية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دراسات إسلامية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

منهج حسن حنفي، فهد بن محمد السرحاني القرشي، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط: 1.

التراث والتجديد، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر، ط: 3، 1987م.

تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، 1422 هـ، 2001م، ط: الأولى، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض.

التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة، د/ط.

خيارات الإسلاميين لتجاوز أزمة الحداثة

عبد السلام بوقدير


أصدر المفكر الجزائري د. عبد الرزاق بلعقروز في عام 2013 كتابه القيم “أزمة الحداثة ورهانات الخطاب الإسلامي”، ووضع في خلاصة نقده للمفكرين العرب الذين حاولوا الخروج من أزمة الخطاب الإسلامي عبر استعارة أدوات ما بعد الحداثة من الغرب، وقدم قراءة واعية لفكر إسماعيل الفاروقي وطه عبد الرحمن باعتبارهما نموذجين ناضجين لتجاوز أزمات الغرب وإحياء الحضارة الإسلامية، مركزا على مسائل الحداثة وأزمة الحقيقة والتعارف والعقلانية والكونية.

يتساءل الكاتب: ما الذى يملكه الخطاب الإسلامى المعاصر من أجل الإسهام فى التحولات المعاصرة؟ وهل يؤسس هذه الخطاب رؤاه الفكرية منفصلا عن خطاب الحداثة وما بعدها؟

ويقول بلعقروز إن مُمكنات الخروج من نفق الطور الحداثي المُظلم، وإصلاح العطب في هذا المشروع لن تكون ممكنة دون إعادة تفعيل التوجيه الديني وقيم الإيمان في بناء الإنسان وملء العالم بالمعنى من جديد، لأنه لا فتوحات ممكنة تلوح سوى بأربعة شروط، وهي:

1- أن يستفتح الإنسان من جديد، من أجل أن يفتح اللّه له، ويعيد ترتيب الصّلة معه، لأن الذات دون إيمان ودون معنويات تنتج أنماط الحياة التي لا تُطاق.

2- أن ينتهي الإنسان عن غيه وظلمه وتخريبه للعالم، أي تدمير المعنى والعالم المحسوس.

3- أن يحذر من السقوط في أزمات المشروع الحداثي الغربي، لأنه لن يثْمر إلا عودة المآزق وفقدان الأمن الوجود ونَسْبنة المعرفة واختزالها في المصلحة، واختلال التوازن القيمي، ومن ثم الوصول إلى العَمى الوجودي والعبث السُّلوكي والتَّخريب للأرض.

4- التَّفكير في الارتقاء إلى مستوى الحدث الحضاري من أجل فهم هذه المشكلة بعمق، أي فهم الحداثة الغربية بعمق والكشف عن الفقر المعنوي والأخلاقي الذي ينخر أساساتها، وإعادة ترتيب سُلّم القيم الضائعة وبلورة نموذج إدراكي جديد للعالم.

ويرى المفكر الجزائري أننا لم نتعامل مع الحداثة في طورها الغربي بشكل ناضج بعد، فنحن فاقدون للرؤية والمنهج والإرادة، كما أننا لم نفهم الحضارة الإسلامية بعمق وشمول حتى نبحث في تراثنا المعنوي والأخلاقي الضخم ونفسّره من جديد.

ويعتبر أن النهضة تبدأ بإعداد قادة في الفكر من أجل إنجاز وظيفة الفهم المزدوج للحضارة الغربية وأسسها بعمق، وفهم الحضارة الإسلامية بعمق أيضا.

ويسعى في كتابه إلى رصد جوانب الاجتهاد في الخطاب الإسلامي المعاصر الساعية إلى بلورة رؤى فاعلة مستقلة عن سياق الحداثة.

ومن مباحث الكتاب المهمة أنه بيّن حدود النظريات التواصلية الغربية التي تأثر بها الفكر العربي المعاصر، وشدد على الحاجة إلى الأخذ بالرؤية التَّعارفية التي اقتبسها من قوله تعالى {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}، مستندا في الأساس إلى المبدأ القرآني لرؤية الإنسان للوجود من خلال التوحيد، فوحدانية الله هي أساس كل شيء، ومن ثم انفصال الذات الإلهية عن الإنسان والعالم المخلوق دون حلول ولا اتحاد، وتأتي بعد ذلك الرؤية التعارفية بناء على مفاهيم: التَّكريم الإنساني {ولقد كرمنا بني آدم}.، ووِحدة الإنسانية (دون تمييز عرقي)، والاختلاف التّكاملي (وليس التفاضلي العنصري).

وفي نقده لأزمة الحقيقة والقيمة، يشرح بلعقروز كيف هيمنت الاتجاهات الارتيابية على الفلسفة الغربية فيما بعد الحداثة، ثم استعرض أفكار إسماعيل الفاروقي التي تتجاوز هذه الاتجاهات وتؤسس الرؤية على وحدة الحقيقة والقيمة والحياة، وتستمدها من وحدانية الله.

أما أزمة العقلانية فقد عرضها المؤلف في فكر محمد أركون، ثم استعرض نقد طه عبد الرحمن لأركون الذي فضح افتتانه بمناهج العلوم الإنسانية الغربية ومحاولته تطبيقها على المعرفة الإسلامية، حتى في نصوصه المقدّسة، حيث كشف طه أن ادعاءات أركون لا ترقى إلى تصورات الفقهاء، ويقول إنه لو كانت مذاهب الفقهاء فعلا امتدادا لتناحُرات السّياسيين لما اختصّت بالوفاء لشروط الاستدلال والبناء النّسقي، فالسّلطة لا تخاطب العقل بل تتوسل العاطفة.

وفي الفصل الخامس والأخير، ينقد المؤلف طرح “الفلسفة الكونية” لدى المثقفين الحداثيين العرب، ويطرح البديل المتمثل في “الفلسفة المقارِنة” التي تدرك العالم بالمعنى الاختلافي، معتبرا أن الفلسفة الكونية تؤدي للانغراس في أنماط فكرية أخرى لا تخرج من عمق معاناتنا ولا تستجيب لمشكلاتنا.

الموقف من الحداثة.. بين الاستلاب والاستيعاب

خواطر على هامش كتاب “الأسس البنيوية لفكر الحداثة الغربية” للدكتور محمد عادل شريح

خالد حسن

 

إن الموقف من الفكر الغربي والحضارة الغربية يبقى من أهم الأسئلة المطروحة على المستوى النظري بين رافض قطعي لها ولمنتجاتها، ومتبن لها كليا، وبين الموقف المعتدل القائل بأخذ ما يناسبنا وينسجم مع مجتمعنا ومبادئنا. وهذا الأكثر شيوعا والذي ينتمي إليه العدد الأكبر من المفكرين والباحثين لأنه يعتبر موقفا وسطيا يتيح لصاحبه مجالا أكبر للمرواغة والمناورة.

لكن قبل أن يعطي المؤلف رأيه في هذا الفكر ومنتجاته الحضارية، يقدم دراسة معمقة لأهم أسسه ومرتكزاته، وهي: الإنسانوية، العقلانية، الطبيعية، التأليه الطبيعي، التقدمية، الوضعية، والمادية.

وعند البحث عن معاني هذه المصطلحات، يستنتج توافقا نظريا وعمليا بينها، وملخصها التركيز على الإنسان وإعطائه المركزية والسيادة على كل شيء، باعتباره قادرا على وضع معاييره الخاصة، واعتبار العقل المصدر الجديد للحقائق، ونفي كل أشكال الميتافيزيقيا (الدين والغيب)، واعتبار الطبيعة المادية هي الوجود كله، وإعطاء معنى آخر للألوهية، وهي أن الإله موجود مع إنكار تدخله في شؤون الحياة، وأن الحياة تسير تلقائيا نحو الأمام، والإقرار بأولية المادة في الوجود و ثانوية أي شكل آخر للوجود.

يستعرض كتاب “الأسس البنيوية لفكر الحداثة الغربية” أهم المبادئ الأساسية المكونة للحداثة الغربية وانعكاسها على الثقافة العربية، حيث يرى المؤلف أن الموقف من الفكر الغربي الحديث يكتسب أهميته من حيث حضوره في فكرنا لا شعوريا. وعلى الرغم مما يثيره هذا الأمر من الجدل، فما زالت هناك الكثير من الجوانب التي تستحق البحث فيه حتى اليوم؛ لأننا لو ألقينا نظرة على الساحة الثقافية العربية وما أنتجته على مدار قرنين حتى يومنا هذا لوجدناها مشبعة بروح الغرب وثقافته إلى درجة كبيرة.

من خلال هذا السرد السريع نستنتج أن الفكر المادي الغربي منظومة متكاملة لا يمكن الأخذ ببعضها دون الولوج فيها، وهي تمتاز بعدم التجانس الحضاري مع غيرها، أي أنها تفرض منطق الهيمنة والإلغاء في تعاملها مع الآخر، وذلك بشكل يخالف السيرورة التاريخية للحضارات.

لذلك، يجب علينا قبل إصدار موقف منها أن نستعيد عافيتنا الفكرية، وأن نخرج من دائرة التبعية المفروضة علينا، ثم نصدر حكمنا انطلاقا من منظومتنا الفكرية الخاصة التي تكرس المبدأ الإلهي أصلا للوجود والمعرفة والاجتماع، والتي نستنتج من خلالها أن الفكر الغربي ومنطلقاته النظرية يقعان على النقيض من حقائقنا الكونية الكبرى، لكنها لا تشكل نقضا لرؤيتنا الأكثر شمولا للحركة والتاريخ.

إن الفكر الغربي بقيمه المادية وبنتائجه المشاهدة حاليا ما هو إلا مؤشر للانحطاط، وهذه حقيقة لا يستطيع إدراكها إلا من تحرر من أسر عبودية الأشياء لأن قيمة حضارة ما تقاس بما توفره من شروط تحقق غاية الوجود الإنساني على مستوى الفرد والجماعة.

لكن الفكر الغربي يمثل واقعا مفروضا سواء قبلناه أو رفضناه، لذلك يجب استيعاب هذا الفكر عبر إدراك مذاهبه وعقائده استنادا إلى منطلقاته الفكرية، ولا يعني ذلك إقراره أو التصديق على مبادئه، بل فهم مبررات وجوده والأسباب التي أدت إليه، على الرغم من كل ما يحمله من تناقض مع أبسط حقائق الوجود والفطرة الإنسانية، فضلا عن مشاركة المثقفين في الغرب الذين باتوا يدركون مخاطر هذه الحضارة، سعيا إلى تقديم حلول للأزمات المعرفية والأخلاقية والروحية التي أنتجتها الحضارة الغربية.

أعتقد أن استيعاب هذه الحضارة بالشكل الموصوف أعلاه هو الذي سيقود إلى إلغاء معادلة الأستاذ والتلميذ، فهذه المعادلة تحولت إلى عقدة نقص وعقبة أمام الإبداع الفكري الحر، ما سيحول الموقف من رفض سلبي عاجز ومكابر إلى رفض بناء ومؤشر لرؤية حضارية لها خصوصية مستمدة من إدراك معنى خاتمية الرسالة المحمدية والعقيدة الإسلامية.

ما بعد الحداثة

عرابي عبد الحي عرابي


سنحاول هذا المقال توضيح الملامح التي يشير إليها مصطلح “ما بعد الحداثة”، والتعريف بأهم التيارات المندرجة تحته ومقولاتها الفكرية المتأسسة عليها، فمن خلال نظرة سريعة على حقبة “الحداثة” يتضح لنا أن مصطلح الحداثة لم يندرج تحت تعريف “حَدّي” يُخرج ما ليس منه، وكذا الحال مع مصطلح “ما بعدالحداثة”، إلا أن افتراقات كثيرة -بين الحقبيتن- توضح معالمهما، ولعل أشملها حركة التطورات الفلسفية الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي هدفت إلى نقد أنساق الفكر الفلسفي ومقولاته الكبرى المبنيّة على قواعد الحداثة، ومن ثَمَّ تجاوزها لتأسيس حقبة “ما بعد الحداثة” التي تقدّم مقولات جديدة لا تتصف بالحتمية في نقد الفكر المجتمع والثقافة والسلطة.

إن مبدأ “التجاوز” الذي اعتمدته الحداثة أساساً في التعريف بذاتها كان حجر الأساس في تداعي سلطة الكنيسة ورسوخ مبدأ سلطة الشعب، وانتقال تقرير الفكر من كواليس اللاهوت (المسيحي) إلى قواعد العقل، وبذلك تأسست تيارات عديدة تدعي قدرتها على تفسير الوجود الإنساني وإيضاح سبل تقدمه كالبراغماتية والماركسية والليبرالية، وأثَّرت بشكل واضح في الاقتصاد والسياسة والأدب، إلا أن هذا المبدأ بذاته غدا السبب في انهيار سطوة “الحداثة” العقلية والعلمية؛ فقد اعتمده منظرو حقبة “ما بعد الحداثة” لتجاوز مقولاتها الكبرى.

مقدمة تاريخية
لا يمكن اختصار “ما بعد الحداثة” في تيار واحد، وإنما يجدر التأكيد على أن هناك “ما بعد حداثات” متعددة تشترك في أسس واحدة، وقد بدأت ملامح الرؤية “ما بعد الحداثية” في الفضاء الغربي إبَّان التذمُّر المتلاحق من سطوة التيارات الحداثية الكبرى، وعدم قدرتها على تفسير الواقع بمآلاته الجديدة سياسيًّا ونفسيًّا واقتصاديًّا ولغويًّا واجتماعيًّا وفلسفيًّا.

وهكذا نشأت تيَّارات جديدة مضادّة تنادي بموت النظريات الكبرى ونهاية الميتافيزيقا (عالم الغيب وما وراء الطبيعة)، وتطالب بالخروج عن الضوابط الحتمية، وترسيخ مبدأي الانتماء الفردي والثقافة السلعية الاستهلاكية، إضافة للدعوة إلى رفض فرضيات عصر التنوير (القرن الثامن عشر)  وخطاب الحداثة المتمثل في الإيمان المطلق بالعقلانية الشمولية.

ولم يتفق منظرو “ما بعد الحداثة” على تعبير واحد تُعرَّف به فالفيلسوف الفرنسي جان ليوتار (ت 1988م)على سبيل المثال يفضِّل اصطلاح “حالة ما بعد الحداثة” لتوضيح الحالة النقدية الجديدة [في معنى ما بعد الحداثة، جان فرانسوا ليوتار، ص7] أما الناقد المريكي من أصل مصري إيهاب حسن (ت 2015م) فيفضِّل مصطلح “ما بعد الحداثة” [سؤال ما بعد الحداثة، إيهاب حسن، ص12].

جاك دريدا

وعلى الرغم من أن هذا المصطلح قد استخدم في عام 1870 بصيغة “الرسم ما بعد الحداثي”، وفي عام 1917 في مصطلح “ما بعد الحداثة” [دليل الناقد الأدبي، د.سعد البازعي وميجان الرويلي، ص138]، وفي الثلاثينات من القرن الماضي في ديوان شعر إسباني، إلا أنه استقرّ أدبيَّا وفلسفيًّا عبر مراجعات نقدية عديدة في الدراسات الفكرية والأدبية -في الغرب عموماً وفرنسا خصوصًا- كما في أعمال الفيلسوف الماركسي الفرنسي لويس ألتوسير (ت 1990م) والفيلسوف جاك دريدا (ت 2004م) والناقد الفرنسي ميشيل فوكو (ت 1984م) وغيرهم ضمن هذه التيارات، حيث اشتغلوا في حقول عديدة كالفلسفة واللغة والسلطة والتحليل النفسي والتاريخ والأدب والعمارة [ما بعد الحداثة، كريستوفر باتلر، ص11-12]، ثم انتقل المصطلح إلى الدراسات النقدية في أمريكا فظهر تدريجًا فيما بين عامي 1963و1967 في كتابات النقّاد الأمريكيين، مثل سوزان سونتاج، كما في مقالها الشهير “ضد التأويل” عام  1964، وليزي فيدلر في مقالته “السلالة الجديدة” عام 1965.

ويمكن القول إن الحقبة التاريخية لما بعد الحداثة بدأت مع تنفيذ أشكال تصميمية لبعض المهندسين المعماريين، فاستعارت حقول الفنون والآداب المصطلح إثر ذلك وأسقطت معانيه على مفرداتها، وتطوّرت الدعوة في النقد من “المعالجة” إلى “التجاوز” لقواعد الحداثة وفلسفاتها، مقترحةً أن لا يستند الفهم الجمالي والأداء الفني -مثلاً- إلى السببية أو المعاني التقليدية، بل إن الإنسان ذاته لم يعد مقياسًا تعرَف به الأشياء.

بدأ المشروع “ما بعد الحداثي” الذي ينظِّر له الأمريكيون في سبعينات القرن الماضي بالتطابق مع مشروع “ما بعد البنيوية” الذي يقوده الأوروبيون، وفي عام 1979 صدر كتاب جان فرانسوا ليوتار “الوضع ما بعد الحداثي” الذي يعدُّ من أهم النصوص المؤسسة لحركة “ما بعد الحداثة” فلسفيًّا.

رفض منظرو المشروع ما بعد الحداثي مقولة تمثيل اللغة للواقع، مفترضين أن اللغة تنشئ الواقع منتجةً بذلك تحريف المعرفة، فبحسب ليوتار “أصبحت المعرفة سلعة من بين سلع عديدة، وأُجبر العلم على التخلي عن وظيفته الأصلية التي أعطيت له في زمن الحداثة فصار أداةً في يد القوة، لقد أصبح العلم ما بعد الحديث أداتيًّا” يخدم توجهات القواعد الكبرى لا حقيقة المعرفة، خاصة في المجتمعات المتقدمة تكنولوجيا.

لقد كان الانتقال  “الما بعد حداثي” لدى ليوتار سببًا في رفضه أهم مبادئ الحداثة، كمبدأ تحرير العقل، ومفهوم خلق الثروة وحتميَّة التقدّم، ومن ثَمَّ فإن نظريات كبرى مثل الماركسية والتقدم والإجماع العقلاني والعلم الموحد فقدت شرعيتها في مجتمع “ما بعد الحداثة”.

وقد استمر ظهور نتاج منظري التيَّار الجديد في الثمانينات بقوة عند ميشيل فوكو، والمفكر الفرنسي جيل دولوز (ت 1995)، وفرانسوا  ليوتار وجاك دريدا وإيهاب حسن، ثم انتقل إلى علم الاجتماع في فرنسا مع جان بودريار (ت2007م)، وفي بريطانيا لدى سكوت لاش  (وُ 1945م) وأنتوني جيدنز (وُ1938م)، حيث اقترح الأخير مفهوم “الحداثة الجذرية” بديلاً  لمصطلح “ما بعد الحداثة”، إلا أن تطوُّر التيار ومصطلحاته لم يتوقف، بل تعدَّى حقل الفلسفة إلى مجالات أخرى كما في مصطلح “ما بعد التصنيع” و”ما بعد الاستعمار “.

وبالمقابل فقد وجّه نقَّاد عدة طاقاتهم لمناهضة فلسفة التيَّار الجديد كالفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (وُ1929م)، الذي أصدر  أهم كتبه في الدفاع عنها “الحداثة مشروع لم يكتمل” معتمدًا على أطروحته في أن تصحيح مسار  الحداثة لا يقتضي ردم أفكارها بل تدعيمها وإخراجها من القبضة التسلطية، إضافة لتيري إيجلتون الذي أصدر كتابه “أوهام ما بعد الحداثة”، وديفيد هارفي صاحب كتاب “حالة ما بعد الحداثة”.

وعلى الرغم من ذلك يرى إيهاب حسن أننا كلما ظننّا أننا تخلصنا من “ما بعد الحداثة” نهض شبحها مرة أخرى، فأفكارها ما تزال حاضرة في خطاب الهندسة المعمارية والفنون والعلوم الإنسانية، كما أنها انتقلت إلى عوالم السياسة والاقتصاد والإعلام وصناعات الترفيه [سؤال ما بعد الحداثة، ص8].

أسس ما بعد الحداثة
اتسمت تيارات الحداثة بتنوعها واعتمادها المطلق على مبادئ عامة شديدة الوثوقية كالعلم والتقدم والحرية والحتمية، وكان مفهوم العقلانية أساس انطلاقها نحو تحرير الإنسان من التفسير “الغيبي” للكون.

فرويد

وطرأت على مسيرة الحداثة لحظات فكرية أفرزت مفكرين ينعون على الحداثة الغربية قيمها ويشككون في جدواها، وكانت بمجملها مستندة إلى فلسفة الألماني فريدرك نيتشه (ت 1900م) التي شكلت –بالإضافة لنقد ماركس وفرويد- نقطة مفصلية في تغيير مسار الحداثة إلى “ما بعد الحداثة”.

وليس مستغربًا من مفكِّر على طراز نيتشه أن يهاجم الفلسفة الغربية، خاصة وأن التنوير الأوربي فقد قدرته على التحرر بين نزعتي العقلانية والتجريبية، فبدأ بالبحث عن الأصول التي تمكن الإنسان من فهم المعرفة “والتي اتخذت عند جاك دريدا مظهر التفكيك فيما بعد، ومظهر الحفريات عند ميشيل فوكو” [نيتشه وجذور ما بعد الحداثة، ص145].

لم يكن النقد “النيتشوي” للفلسفة الغربية بنَّاءً بل عدمياً يرفض وجود المعنى والحقيقة والإله، فكانت مغامرة نيتشه أشبه برحلة في غابات الأمازون المجهولة، لكنها كشفت عن مفاهيم جديدة، فـمن أجل لبناء معبد لا بد من هدم معبدٍ آخر، لذا كانت أُسُس “معبد” نيتشه هي “موت الإله” و”الإنسان الخارق” و”إرادة القوة” و”العَود الأبدي” حيث لا يفنى الإنسان بل يتجدد جيلا بعد جيل.

وهذه المقولات مترابطة، فمن أجل التسليم بسلطة الإنسان المطلقة لابد من إنكار وجود الإله، ومن أجل بناء شخصية (السوبرمان) لابد من هدم عالم الغيبيات، ولأجل الوصول إلى مرحلة القوة اللامتناهية لابد من تخطي الخطوط الحمراء التي وضعتها جميع مدارس اللاهوت والمعرفة، ومن أجل تطبيق فرضية العَود الأبدي لابد من إزاحة مظاهر الضعف والقيم الأخلاقية.

نيتشه

لقد اشتهر عن نيتشه القول بأن الإنسان هو من يضع القيمَ ويجب أن ينقلب على القيم التي تضعها الديانات، فهي قيم غيبية، ولا يمكن أن تكون الحياة مرتَهَنَةً إلى الغيب أو السلطة أو القواعد الكبرى التي صنعتها العقلانية الغربية كالعقل واليقين العلمي، فهي  تخلق للإنسان عالمًا وهميًّا.

ومع أن نقد نيتشه اللاذع أخرج الإنسان من سجن الكُلِّيات (النظريات الكبرى)، إلا أنه قاده إلى سجن الشك والريبة والعدمية والعبثية وضياع المعنى والتفكيكية والتعدد اللا متناهي للتأويلات، فالنزعة النسبية الأخلاقية والمعرفية في عالم ما بعد الحداثة تجد “تصميمها” الأفضل في فكر “نيتشه” العدمي .

وهكذا انتقل النقد الفلسفي للحداثة اعتمادًا على مقولات نيتشه إلى طور جديد على يد الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (ت1976م)، والذي فتح باب التأويلات من خلال السؤال عن كيفية تكوُّن الموجودات والقيم -لا عن أصلها-، بغية الوصول إلى القيمة التي وضَعَت لها المعاني المرتبطة بها، وبذلك نفهم سر اختفاء المفهوم الثابت، فتنتهي وحدة التاريخ وتنشأ مسارات متعددة لا نهاية لها.

تيارات ما بعد الحداثة

1-العدميَّة

آرثر شوبنهاور

من الأهمية بمكان البَدء بالعدمية Nihilism التي كانت مثالاً صارخاً لبدء خلخلة النظام العقلي الواحد الذي كان يسيطر على الفكر الغربي، ويبتدئ تأثير العدمية كنزعة سوداوية لا ترى للعالم أي معنى على يد الفيلسوف المتشائم آرثر شوبنهاور (ت1860م)، الذي كان الذي يرى في أهم قناعاته أنه لا بد من الاستسلام لليأس، والامتناع عن فعل أي شيء لتختفي الحياة، وإلى جانب هذه التشاؤمية جرَّدت عدمية نيتشه معول الهدم معلنةً الحكم على “الإله” بالموت، ليزداد تأثير العدمية في تيارات الفلسفة الغربية “ما بعد الحداثية” التي لحقت بهما، فورثت مقولة الموت التي أعلنها نيتشه وانطلقت لتغيِّر مشهد الفكر على  أسس “أسطورية الدين” و”وهمية المفاهيم والقيم”، وتهديم الأسس المعيارية أو القانونية أو العقلية للفهم والتفسير.

تشير الكاتبة الكندية نانسي هيوستن في كتابها “أساتذة اليأس” إلى أن تطوّر الفكر الأوروبي منذ نحو قرنين تفرع في اتجاهين متضادّين ظاهرياً: الطوباوية (المثالية الحالمة) والعدميّة، أو  الموقف الثوري والموقف الانهزامي، فإذا كان المرء مثقفًا كان عليه أن يضع ذكاءه في خدمة الثورة من أجل عالم أفضل برأي الحداثيين، أما العدميّون فيرون أن الأولى به الانتحار على الفور؛ لأن كل أفعال الإنسان عبثية وفاشلة، و إلا فالحل هو اللجوء إلى الكتابة ليشعر بالأمان [أساتذة اليأس، نانسي هيوستن، ص17].

وكأن الجماعة الأولى تقول: لصناعة العجّة لابد من تكسير البيض، بينما يؤكد العدميون أنه ما من شيء يستحق العناء، لا البيض ولا العجّة، إذ لا أحد يشعر بالجوع ولا معنى للجوع أو الشبع أصلاً.

كانت لفظة “عدمي” تطلق في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي في روسيا على المتمردين المناوئين لحكم القيصر، ثم استعمِل هذا الوصف في رواية إيفان تورجنيف “الآباء والأبناء” عام 1862 لمدحِ الشخصية التي تؤمن بالعقل وبالتصور العلمي الذي يقدمه عن الكون، مع التأكيد على رفض المعتقدات الدينية والقيم الأخلاقية.

وترجع العدمية في أفكارها إلى الأساطير الإغريقية التي تصور صراع الإنسان مع الآلهة وكأنه صراع ضد فكرة العدم، وارتبط تطور العدمية فلسفيَّا مع إبعاد “الإله” عن الساحة الفكرية وزيادة الكشوفات العلمية التي وضحت أن الكوكب الأرضي ليس أكثر من ذرة غبار في كون يحوي مئات المليارات من المجرات، فإن لم يكن الإنسان مركزًا لهذا الوجود، فما معنى وجوده، ما هو العالم، من نحن؟ هذا هو السؤال الذي ترتكز عليه العدمية في طورها الأول.

وتعرّف الموسوعة الفلسفية ليودين ورزونتال العدمية بالإنكار المطلق [ص294] ، ويقول قاموس أكسفورد إنها إنكار كل فكر إيجابي، كالقيم الأخلاقية والمبادئ الدينية، أو هي الاعتقاد بأنه ليس ثمة شيء ذو قيمة، فالمبادئ الدينية والأخلاقية عديمة القيمة، والأديب العدمي يرى أن العالم عديم القيمة وخال من أي مضمون أو معنى حقيقي، فينحصر عمل هذا الأديب في تذكير الإنسان بحدوده حتى يستغل حياته استغلالًا عدميًا، وبذلك “ينضج” فكر الإنسان فيرتفع من مرتبة الحيوان الذي لا يدرك معنى العدم إلى مرتبة الأديب المدرك له. [النزعة العدمية وصلتها بالإباحية، ص1].

2013 Pablo Saborío

تركت العدمية بصمتها على الفن التشكيلي بوضوح، كما في هذه اللوحة للفنان المعاصر بابلو سابوريو التي تحمل عنوان “صورة لرجل ينتظر الجواب”، في إشارة واضحة لغياب المعنى وتشتت الإنسان.

أما العدميَّة السياسيَّة فهي مرتبطة بالاعتقاد بأن إلغاء القيود السياسية والاجتماعية والدينية كافة شرط لازم لأي تطور مستقبلي.
وأما العدميَّة الأخلاقيَّة فهي مذهب نظري يرفض إمكانية وجود قيم أخلاقية مطلقة، فالخير والشر أمران ضبابيان، والقيم التي تحاكيهما ما هي إلا نتاج الضغوط الاجتماعية والعاطفية.

ويرى أصحاب العدميَّة الوجوديَّة أن الحياة بلا قيمة، وهذا هو المفهوم الأعم والأكثر استعمالاً للكلمة هذا اليوم. وقد يصل الأمر إلى اعتناق العدميَّة المطلقة التي تنكر أي قيمةٍ أو وجود لأي شيء، بينما ترى العدمية الفلسفية النقديَّة أن العقل غير قادر على الوصول إلى الحقيقة، وهي في كلا الحالتين مرادفة لنزعة الشكية أو الريبية [انظر الشك الفلسفي في مقال مصادر المعرفة]. ومن البدهي ألا تدافع العدمية عن الوجود الإلهي فوجوده وعدمه سواء في رأي أصحابها.

وبإيجاز، ترى نانسي هيوستن أن للعدمية ثلاث خصائص، هي:

1- النخبوية والأنانية: فهي ترى أن البشر كتلة متجانسة من الأفعال والأديان والثقافات، ويشكلون قطعانا لا إرادة لها وتفكر بالطريقة ذاتها، إلا العدميَّ الذي يرى نفسه متفرِّدًا ورافعًا صوته بالشكوى المستمر، كما أنه لا يريد أن يكون ممتنًّا لأحد أو مدينًا لإنسان.

2- الاشمئزاز من الأنثى: ترى أبرز الشخصيّات العدمية أن الرجل وحده يمكن أن يكون فنَّاناً؛ لأن المرأة ليست قادرة على الكتابة والإبداع، والشيء الوحيد الذي يمكن أن تقدمه المرأة هو “الولادة” التي تخرجنا بها الأم إلى الحياة، وفي المقابل فإن المرأة تقيد حرية الرجل، وهي كالأخطبوط تصيد الرجل وتأخذه إلى حيث تريد، إلى التناسل “المقزز” الذي لا ينبع من إرادة الفرد بل إرادة الجنس البشري.

3- احتقار الحياة: فالشيء الوحيد الذي ينقذ الإنسان من الفناء انعزالُه عن كل شيء، وغالبًا ما يبتعد العدمي عن اتخاذ أي موقف سياسي، ويتمنى لو أنه لم يكن موجودًا ويحلم بالانتحار إلا أنه يخشى الموت [أساتذة اليأس، ص19-20]، وبناء على ذلك فالعدمي لا يتمنى الموت فقط في أسرع وقت، بل يودّ لو أنه لم يولد من الأساس كما قال شوبنهاور، فخطيئة الإنسان الكبرى مولِدُه وخروجه إلى الوجود ولا يمكن مغفرة هذه الخطيئة إلا بالموت، ومن ثم فلا عجب في ألا ينجب فلاسفة العدمية أطفالاً، كما أن شوبنهاور يرى أنه لا بد من الاستسلام لليأس، والامتناع عن فعل أي شيء لتختفي الحياة [أساتذة اليأس، ص51-64].

لقد كانت لكلمات شوبنهاور وأفكاره أعمق الآثار في أوروبا إبَّان وفاته، فعلى رؤاه التشاؤمية تربَّى مفكرون وأدباء كبار مثل نيتشه والمفكر اللغوي لودفيغ فتغنشتاين (ت1951م) والكاتب التشيكي فرانس كافكا (ت1924م)، ثم ظهرت حركة النقد النيتشوي لتدفع العالم إلى الهاوية العدمية قسرًا. ومع نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914 واشتداد الأزمات وصولاً إلى الحرب العالمية الثانية عام 1939، كان الغرب قد وصل إلى شتات معرفي وروحي، بين وعود اشتراكية اقتصادية جامحة في الخيال، وبين تغوُّل رأسمالي يريد تحويل العالم إلى شركة استثمارية.

إحدى معارك الحرب العالمية الثانية

وهكذا وصل الفرد الأوروبي إلى قناعات مفادها أن السوداوية تخيم على كل شئ، وأن الإنسان بات مُخيراً بين الحياة العدمية وبين الثورة والتمرد، وسرعان ما انعكس ذلك على الأدب والفن، وظهرت تيارات اللاوعي الناشئة عن العدمية كالسريالية والعبثية، وحركة اللامعقول، ومسرح العبثية والتمرد.

وخلال الأربعينات والخمسينات توسعت الحركة العدمية الملحدة في الوعي العام، وزعم أصحابها أننا حين نهجر الأوهام نكتشف أن الحياة بلا معنى أو جدوى، فزعم الأديب الفرنسي ألبير كامو (ت1960م) أن مأزق “سيزيف”، المحكوم بالعذاب الأبدي، هو تعبير مجازي عن الوجود الإنساني، وفي روايته “الغريب” يرفض على لسان “ميرسو” الافتراضات الوجودية التي يعتمد عليها الضعفاء، أما روايته “الطاعون” فحملت إصرار كامو على استعراض تفاهة الحياة، مطالبا بعدم محاولة تحسين العالم.

2- علم نفس “ما بعد الحداثة”
استنادًا إلى ثلاثية فرويد “ثورة كوبرنيكوس في الفلك، وثورة داروين في علم الأحياء، وثورة التحليل النفسي” ، فإن تحكُّم الإنسان بنفسه أو محيطه أصبح “خرافة”، وعلى هذا لم يعد بمقدور الإنسان امتلاك مفردة “الذات”،  بل أصبح الإنسان عبارة عن علاقات وسياقات مختلفة [البنيوية فلسفة موت الإنسان، روجيه غارودي، ص12-14].

وإذا كانت تيارات الحداثة تدرس الظواهر لاستنباط القوانين الشمولية التي تنطبق على البشر في كل الأمكنة والأزمنة، فإن علم نفس “ما بعد الحداثة” يفصل بتعسف واضح بين “الذاتي” و”الموضوعي”، ويزعم أن دراسة أي ظاهرة نفسية لا تخضع لمبادئ ثابتة، لذا صار مجال البحث النفسي في ما بعد الحداثة متخصصا بالفرعي والهامشي في الحياة اليومية [علم نفس ما بعد الحداثة، د. إبراهيم الحيدري].

وسنوجز دراستنا لتطور هذا العلم “المابعد حداثي” في المرحلتين الآتيتين:

1- فرويد وبَدء التحليل النفسي:
ابتدأت المرحلة المتطورة من علم النفس باختراع طبيب النفس النمساوي اليهودي سيغموند فرويد لطريقة “التحليل النفسي” في معالجة مرضاه، فصارت هذه الممارسة بداية علم النفس الحديث، وشملت وجهي الممارسة التحليلية (الشعور/ اللاشعور) [المعجم الفلسفي، جميل صليبا].

تمتلئ النصوص “الفرويدية” بمصطلحات شديدة الوضوح أحيانًا وشديدة التعقيدة أحياناً أخرى، كالحياة والموت واللذة والأنا والهو، ولذلك كان عمل فرويد تأويليًّا  [خمسون مفكرا أساسيًّا معاصرًا، 57]، ومن الجدير ذكره أن فرويد يقيم نظريته بناء على بطلان مفهوم الطبيعة العاقلة للإنسان ونقض اعتباره كائنًا متميزًا بالعقل واللغة؛ فنظريته لم تنطلق من العقل بل من الدوافع البشرية، وإذا كان السلوك الإنساني غرائزيا فإن سلوكه الاجتماعي والحضاري لن يُفهم من منظور “التسامي الذاتي” وإنما من مبدأ الرغبة والاحتياج المكبوت.

لقد كانت نظرية “الدوافع” جوهرية في نظرية فرويد، فلفهم الإنسان لا بد من فهم دوافعه، إلا أن التفسير غالبًا ما يكون ناقصًا لأن هناك أسبابا مخفية تسبّب الدوافع، وهذه الأسباب غير واعية وتعمل في داخلنا ونحن على غير معرفة بها، فحين يزل اللسان أو يرى شخص حلمًا فمن الطبيعي ألا نهتم لما خلف ذلك، إلا أن فرويد رأى أن خلف هذه الزلة وتلك الأحلام دوافع تكشف عن المعنى الكامل لهذه الأحداث التي تبدو عشوائية.

وتستند هذه الفرضية إلى أساسين مهمين:

أولهما: الأعمال الغريزية التي رأى فرويد أنها تظهر الحقيقة النفسية، كغريزة السلوك الجنسي التي تحكم الأشياء المحببة للإنسان، وغريزة الهدم التي تقود إلى الإجرام والعدوان، فزعم فرويد أن السلوك البشري نتيجة للصراع بين هاتين الغريزتين أو التعاون بينهما [فرويد بين الحداثة وما بعد الحداثة 1-2، د. إبراهيم الحيدري].

والثاني: العمليات النفسية، فهناك أعمال شعورية “واعية”، وأعمال لا شعورية “غير واعية” أو ما قبل الشعورية، ويولي فرويد أهمية كبيرة لمبدأ “اللاشعور” في فهم دوافع الإنسان ونفسيته، فهو الذي يختزن القيم والمثل والعادات والميول والرغبات المكبوتة. كما أن من مهامه توجيه أفعال الإنسان السلوكية دون أن يعيها، وينقسم اللاشعور عنده إلى “لاشعور شخصي” وهو المكبوتات، ولا شعور جمعي” وهو الأفعال والأعراف الجماعية، كتفضيل نوع من الممارسات على غيرها أو الاعتقاد بأساطير خاصة.

وأعطى فرويد مفهوم اللاوعي بُعدًا كونيًا فجعله المحرّك والمفسر للنفس الإنسانية، ومن هنا ظهرت الحركة السريالية في الفن التي يتعمد من خلالها الفنان رسم لوحاته وهو في حالة سُكر أو غيبوبة لاستخراج الأفكار والرؤى الباطنية [أثر نظرية فرويد على السريالية (سلفادور دالي أنموذجاً) د. فاطمة عمران راجي، ص115].

لوحة “إصرار الذاكرة” للفنان سلفادور دالي (1931) تعد من أشهر اللوحات السريالية في العصر الحديث

2- جاك لاكان وتصحيح الفرويدية:
على الرغم من تعدُّد مدارس علم النفس التي ظهرت بعد مدرسة التحليل النفسي، إلا أنَّ مدرسة فرويد ظلت أكثرها شهرةً وتأثيراً في الحقول الإنسانيَّة، ومع أنَّ العديد من تلامذة فرويد عارضوا نظرية “الدافع الجنسي”، إلا أنهم التزموا بتصحيح رؤيته لا نقضها، ومن ثم فإن نظرية علم نفس ما بعد الحداثة للمحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان تعد صيحة العودة إلى الفرويدية، بغية إعادة قراءتها من جديد.

جاك لاكان

لقد صبّت قراءة لاكان لنظرية فرويد في مصلحة دعم تيارات “ما بعد الحداثة”، خاصة “التفكيكية” و”ما بعد البنيوية”، فارتكزت أعماله على محاولة فهم نظرية فرويد وإعادة صياغة مفاهيمها بالجمع بين الإنثروبولوجيا (علم الإنسان) وعلم اللسانيات والفلسفة والرياضيات.

استطاع لاكان اختزال مقولات فرويد كلها في مصطلح “اللاوعي”، واللاوعي هو فضاء هلاميٌّ مبني على الرموز، وقد اشتُهر عند فرويد ومن بعده على أنّه جزء لا ينفصل عن الغرائز، إلا أن لاكان قدّم طرحا جديدا هو “لغوية اللاوعي”، وهذه اللغة تختلف مع علامات اللغة الكتابية في فهم الأشياء ضمن حالة الوعي، ما يعني إمكانية قراءة الأحلام وتفسيرها وإدراكها على أنّها مجموعة لغوية تتشكل من علامات واسعة.

تكمن خصوصية لاكان في نقده لمبدأ ديكارت التي يعتبر أساس العقلانية الحداثية، وهو “أنا أفكر إذن أنا موجود”، فاستعاض عنه بالأنا اللاواعية المتشكلة عن حاجات جسدية ونفسية والتي يكشفها اللاوعي ويقدمها على هيئة صورة رمزية حُلمية، مستعينا بأفكار سارتر الوجودية حول العلاقة بين الفرد والعالم.

ثم جاء التيار النقدي “ما بعد البنيوي” واستفاد من رؤية لاكان من خلال نقد التصور الديكارتي للذات الموحدة وللكاتب بوصفه سلطة لتثبيت الدلالة والحقيقة، وهكذا لم يعد للذات وعي موحد وإنما هي تشكل قسري بواسطة البنية اللغوية، وامتدت هذه التحليلات –بطبيعة الحال- لنقد الغيبيات.

3-الوجودية
تتقاطع مفاهيم الوجودية مع معطيات العدمية والعبثية، لكن هناك فروق دقيقة بينها، فللوجودية معنيان، أحدهما عام يتجسد بإبراز قيمة الوجود الفردي، ويمثله مذهب هايدغر وياسبرز وكيركيجارد، أما المعنى الخاص فهو ما يعلنه جان بول سارتر (ت1980م) بأن الوجود متقدم على المعنى أو الماهية -وهو بالضبط ضد رأي كل من سبقه من الفلاسفة- لذلك فالإنسان حسب رأيه يصنع نفسه بنفسه، وذلك من خلال حريته المطلقة في الاختيار.

سارتر

أما العدمية فهي الاعتقاد بعدم وجود أي معنى جوهري في الكون، وأنهُ من غير المجدي محاولة فهمه أو البحث عن القيمة والحقيقة واليقين فيه، وترتبط العدمية -غالبًا- بتشاؤم شوبنهاور المفرط والشك الجذري عند نيتشه.

وأما العبثية فهي الوجه المتمرد للوجودية، لأنها ترى أن جهود الإنسان لإدراك المعنى تنتهي بالفشل الحتمي لأن المعنى غير موجود، ولذا يجب على المرء أن يتمرد ضد هذا الحال مع وجوب الإقرار به في آن واحد، وقد خرجت الحركة “العبثية” من رحم الوجودية عندما نشر الأديب الفرنسي كامو كتابه “أسطورة سيزيف”.

وبذلك يمكن أن نعرف الوجودية بأنها الاعتقاد بأنه بتحقق الوعي ومسؤولية الشخص مع إرادته الحرة يمكن بناء المعنى ضمن العالم الذي في جوهرهِ لا يمتلك أي معنى.

ظهرت الفلسفة الوجودية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث خيمت السوداوية على الأدب والشعر والفن والرؤية الفلسفية، فمثلت “الوجودية” للفكر الأوروبي ملاذاً لأزمات الإنسان ومعاناته، ومع أن الوجودية تؤمن بوجود مقولات “كبرى”، كالوجود والماهية فهي مصنفة ضمن تيارات “ما بعد الحداثة”، وذلك لأنها مذهب لا عقلاني، فهي ترى أن الإنسان لا يمكن فهمه إلا في المواقف التي يختارها لنفسه، وأن أسباب هذه المواقف ليست كلها خارجية بل ربما تكون كانة في مزاجه أو انفعالاته أو الكبت المترسخ فيه.

ألبير كامو

اتسمت الوجودية بالتعالي أولاً، وإهمال واقعية الإنسان ثانياً، ومحاولة رفع الفرد عن مشاكله بالتسامي الروحي ثالثاً. وبعد أن جمعت الماركسية بين تقديم بديل للكنيسة وبين رسم تطلعات متفائلة للمستقبل، جاءت الوجودية لتجمع بين جانبين متناقضين، فقدمت رؤيتين كنسية ولا كنسية للوجود في آن واحد، فالرؤية الأولى هي الوجودية المؤمنة لدى الدانمركي سورين كيركجارد (ت1855م)، والثانية هي الوجودية الملحدة عند آلبير كامو وسارتر، ثم سعت الوجودية لرسم تطلعات جديدة لمستقبل اجتماعي.

ولم تستطع الوجودية غالبا أن تتخلص من تأثير الأفكار السابقة عليها، وأهمها فلسفة نيتشه التي تزعم “موت الإله” وتسليم مهامه للإنسان، ومع ذلك اقتنع بعض الفلاسفة الوجوديين بالقيم الكنسية الروحية وآمنوا بالإله، مشترطين مع ذلك حرية الكلمة والاختيار مثل كيركيجارد وكارل ياسبرز (ت1969م).

ويكن القول إن الفلسفة الوجودية رسمت هدفها البعيد في رفع درجة الوعي البشري عن طريق عنصرين هما “الحرية والاختيار”، وباتساع القاعدة الفلسفية للوجودية وسعيها لتحقيق السعادة فإنها استطاعت تقديم حلول عجزت عن تقديمها الفلسفة الماركسية والسلطة الكنسية، كما في مبدأي الحرية والاختيار، اللذان لم تعط الماركسية أحدًا منهما للناس.

لذا أصبحت الوجودية في ستينات القرن العشرين العقيدة الجديدة للمثقفين والأدباء والنقاد، وأوصلت الشباب المتمرد إلى درجة الشعور بالتألُّه عندما يستطيع أن يُبدع، ومن ثم أصبحت حقيقة الدين تعني ما يدِين به الإنسان لا ما يُفرض عليه، وما يمكن أن يطلق عليه الدين هو الذي يمتلك عناصر بقائه، في إحالة تذكرنا بصراع البقاء في نظرية الانتخاب الطبيعي لدى داروين.

كما استطاعت “الوجودية” أن تبتدئ عصر الفلسفة غير النسقية، وهذه الفلسفة هي سمة المذاهب التي تسعى إلى تكسير “النسق”، وتتسم بأنَها نقدية ولا نهائية، ومثالها: القراءات الفلسفية التي بُنيت عليها الطروحات النقدية الحديثة لما بعد البنيوية.

4- التفكيكيَّة
ظهرت هذه النزعة على يد الفيلسوف الفرنسي “جاك دريدا”، وهي طرح فلسفي يصعب تعريفه، لأن التفكيكية بحد ذاتها ضد التعريف [الكتابة والاختلاف، جاك دريدا، ص57-65]، بل ضد امتلاك الفهم الثابت والحقيقة.

قدّم دريدا في عام 1966 بحثا باسم “البنية والعلامة واللعب في خطاب العلوم الإنسانية”، حيث وضع كل مسلَّمات الفلسفة الغربية منذ عهد أفلاطون إلى يومه موضعَ سؤالٍ وشكٍّ [النظرية الأدبية، رامان سلدان،  ص134، 135].

ترتكز استخدامات اللغة في بيان المعاني والأفكار على اللفظ “الدالّ” والمعنى “المدلول”، وترى جمهرة علماء اللسانيات أن ارتباط دوالّ الألفاظ اللغوية بمدلولاتها في الاستخدام الأوّل كان ارتباطًا اعتباطيًّا إلا أن التلازم في الاستخدام اللغوي بين المفردات ومعانيها جعل هذا الارتباط متسقًا في التداول، مما ضمن استقرار الدلالة أثناء التخاطب والكتابة، إلا أن “التفكيكية” تتجاوز كل “نسق” أو “ثابت” أو”كُلِّي” أو “قطعي” وتجعل من مهمة الفهم الثابت أمرًا مستحيلاً، فالتفكيكية تسعى إلى تفتيت النصوص من المعاني الثابتة وتحويلها إلى تفاعل لا نهائي مع المعنى؛ فلا تستقر  الدلالة على معنى حتى يُهدَم ثم يُفترض معنى آخر ثم يهدَم -وهكذا دواليك- إلى ما لا نهاية، عبر لعبة المراوغة المستمرة.

ويظهر التفكيك في عدة مظاهر، فهو موقف فلسفي أصلا، وقد يكون رؤية سياسيَّة، وربما يظهر في طريقة القراءة الأدبية.

لقد جاء “دريدا” بمفهوم “تقويض اللوغوس” أي المرجع الذي تستند إليه المعاني في الخطاب اللغوي، أو المفهوم الكلي الذي يتحكم بقضايا الوجود وثنائياته، كالماهية والوجود والخير والشر والنهاية والبداية والإنسان والوعي، وهدف دريدا هو هدم مفهوم “المركزية” التي يستند إليها المعنى والاستدلال [الكتابة والاختلاف: ص58]، وللوصول إلى هذا الهدف لا بد من “هدم الميتافيزيقيا (الغيبيات) التي يفترض المؤمنون بها أنها أسست لوعي ديني تتجسد فيه الحقيقة” [صيدلية أفلاطون، جاك دريدا، ص5]، ولذلك يؤكد “التفكيك” على التعدد والاختلاف.

وقد قامت تفكيكية دريدا على أربعة تيارات:

1- هدميّة نيتشه
إذا كانت التفكيكية قائمة على التقويض فإنها متفقة تمامًا مع مضامين الفلسفة النيتشوية التي زعمت تمكنها من تقويض كل الحقائق المطلقة، فقد أسَّس نيتشه الأرضيّة اللازمة للتيارات النسبية التي اتسمت بها مرحلة “ما بعد الحداثة” من خلال تبني منظريها لأهم مقولاته، لا سيما جاك دريدا الذي استمد أهم أسس نظريته التفكيكية من الهدم النيتشوي أولاً.

فإعلان “موت الإله” مثَّل بداية الإطاحة بالمفاهيم المطلقة [نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر، المسيري، ص172]، بغية التخلص من الهيمنة التي تفرضها “المرجعية” والوصول إلى تحطيم المركزية العقلية وفهم كيفية صنع الإنسان القيمة والمعنى،

وبذلك يلغي نيتشه حضور الميتافيزيقيا؛ فالأجدر بالإنسان -حسب نيتشه –الإعلان عن الإلحاد وجحد الإله، “فجحود الإله ينقذ العالم” [أفول الأصنام، نيتشه، ص56].

وكانت غاية “دريدا” تأسيس “ممارسة فلسفية ونقدية تتحدى ارتباط المدلول (المعنى) بالدال (اللفظ) المحدَّد والصريح” [التأويل، إمبيرتو إيكو، ص124]، ولذلك اتفق دريدا مع نيتشه في نفي الحقيقة الثابتة، فكلاهما يطالب بتفكيك المعرفة المنطقية والمفاهيم الخاصة بها.

2- نزعة الشك الهايدغري

هايدغر

يقول دريدا “إن دَيني لهايدغر هو من الكِبَر بحيث يصعب التحدث عنه، إن بمفردات تقويمية أو كمية، أوجز المسألة بالقول: إنه من قرع نواقيس نهاية الميتافيزيقا” [الكتابة والاختلاف، جاك دريدا، ص47]. وتبدو هذه العبارة مشيدة بفضل الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، أهم الفلاسفة الأوروبيين المعدودين بوزن أفلاطون وأرسطو في العصر الحاضر، واعتراف دريدا بهذا الفضل جدير بالملاحظة، “فالفكر –بتعبير هايدغر- لن يبدأ حقًّا إلا عندما نتعلم أن العقل هو العدو اللدود له” [موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر، الزواوي بغورة، ص70] وبذا فإن هايدغر يعبر عن إرادة تفكيك النزعة العقلية وتجاوز الفلسفة الذاتية حتى يمكن للإنسان تحرير ذاته، حسب رأيه.

لقد حرصت الفلسفة الغربية –برأي هايدغر- على إظهار الحاضر في كل زمان، لكنها لم تظهر الوجود بحقيقته، وإنما أظهرت صفات طارئة على الموجود، ولذا لا بد من إنهاء هذه المنظومة والتركيز على قضية “الكينونة” الحقيقية للوجود، وبذلك فتح باب التأويلات من خلال السؤال عن الكيفية التي تتكوّن بها الموجودات والقيم لا عن أصلها، لأن الحياة ليست محض بقاء وإنما تغيُّر مستمر، فلا يوجد تاريخ واحد للكينونة وإنما مسارات لا نهاية لها.

وعلى الرغم من استعارة دريدا لمفهوم “الهدم” الهايدغري إلا أنه ينتقد منهجيته بأنّها ما تزال “حبيسة الرؤية الميتافيزيقية”، لاستمرارها بالتمركز حول “المرجعية”، إلا أن النقاط المشتركة بينهما عديدة، كنقد مركزية الفلسفة الغربية، والدعوة للشك العدمي، والبحث المستمر عن تعدد المعاني.

3- فرويد واللاشعور
ينقل الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي في كتابه “البنيوية: فلسفة موت الإنسان” عن فرويد قوله إن نظريته في التحليل النفسي ألحقت بكبرياء البشرية ثالث “إذلال كبير” لها بعد الثورات العلمية على يد كوبرنيكوس التي أنهت كون النص الديني المركز الذي تقاس إليه الأمور، ورؤية داروين التي حولت الإنسان إلى حيوان بيولوجي يصارع من أجل البقاء [البنيوية فلسفة موت الإنسان، روجيه غارودي، ص12-14]، فكان فرويد يسعى لإطلاق ثورة نفسية تقيد الإنسان باللاوعي ودوافع اللاشعور.

إن أحد أهم الأمور التي لفتت انتباه دريدا لأعمال فرويد هو تقويضه لمفهوم الأب و دراسته المفهومات الثنائية، كالعقل والجنون والواقع والخيال والشعور والللاشعور، وإظهارها بمظهر المجني عليه، فالطرف الأول من هذه الثنائيات هو الذي يحظى بالتقدير والاحترام، أما الثاني فالمجتمع يسعى لتفنيده ونفيه، إلا أن فرويد قلب هذه التقابلات وجعل الثاني منها شرطا للأول، فأعجِبَ دريدا بهذا القَلب وقال عن عمل فرويد: “إنه يقول شيئًا مبهجًا… فلا أحد حلل المبدأ الأبوي أو البطريركي كما فعل”، وكما أنّ فرويد درس الأحلام وهفوات اللسان ليعيد لهما الاعتبار  بدلاً من عدّهما وهمًا لا طائل منه، درس دريدا كذلك الفجوات والفراغات والهوامش داخل النصوص مع دراسة الاستطرادات والتناقضات والغمـوض… إلخ. [ما بعد البنيوية، 2134].

لقد تعامل فرويد مع المناطق الغائبة في النفس الإنسانية بمنطق التعامل مع الأسطورة، وأرجع معظم تصرفات الإنسان إلى دوافع مخفية في اللاشعور ناتجة عن أزمات الطفولة والكبت، ثم جاء دور دريدا في دراسة المناطق الباطنة في ميدان الدلالة اللغوية، لأنه يرى أن المعنى المخفيَّ متعدد ولا نهائي.

4- جهود رولان بارت النقدية

رولان بارت

شغلت دراسات رولان بارت (ت1980م) مساحة واسعة من النقد العالمي، خاصة وأنها وافقت عصر الدعوات لتحطيم الأصنام النقدية المتوارثة التي لا تقبل التغيير، وتأتي شهرته الواسعة لأسلوبه التحليلي ولمعالجته جميع مظاهر الحداثة الغربية وربطه إياها بأسسها الفلسفية، كمظاهر الأكل والشرب والكلام، فضلاً عن صيحات الأزياء وتنوع السلوكيات الجنسية، وأشكال قصات الشعر… إلخ، مبيِّنًا خصوصية هذه الأشياء أولاً، ثم علاقتها بالحياة اليومية ثانياً، ودور المؤسسات السياسية والاقتصادية في تفعيلها إيجاباً أو سلباً ثالثاً، فضلاً عن تحويل كل تلك المظاهر والأشياء عند دراستها إلى لغة تنتمي برأيه إلى ثقافة بورجوازية تُشعِل بصورة دائمة معركة الأنساق اللغوية [هسهسة اللغة، رولان بارت، ص133،486].

ويمكن تلخيص تأثير “بارت” في “دريدا” من خلال نظريته في قراءة النصوص الأدبية المبنية –في أصلها- على عناصر تجاوزية و”تفكيكية” في حقيقتها إن جاز التعبير، كمقولات “خيانة اللغة” و”موت المؤلف” و”التحليل النصي” المستمر.

فمقولة “خيانة اللغة” من الطروحات ذات الخصوصية عند “بارت” لأن النص -حين نزيح مؤلفه معلنين موته- لن يتبقى له إلا المراوغة مع اللغة وخيانتها، وهذه الخيانة تسمح لنا بإدراك اللغة خارج سيطرة المؤلف “القاصد لمعنى ما”، وقد أراد بارت من هذا التوجه الانفلات من فاشية اللسان وتسلط اللغة وقانونها، لكنه في ذات الوقت وقع في الاعتداء على اللغة عن طريق التلاعب بها وتحويل مسارها في المعنى، بتقديم المعنى البعيد والتلاعب بحقيقة النص وفقاً لرغبات القارئ والناقد.

ولعل دعوة “بارت” إلى إعلان “موت المؤلف” تحيلنا إلى دعوة نيتشه لإعلان “موت الإله”، وبذلك يستثمر موته لتجنب مركزيته ومقاصده التي يقدمها في نصه، والاكتفاء بالنص وحده دون اللجوء إلى مؤلفه [ما بعد البنيوية، ص93، 94].

لقد استفاد دريدا من هذه المعطيات، فغياب “المؤلف” يقود إلى لا نهائية “الدالّ” فيستمر التوليد الدائم المستمر داخل النص، فالنص لا ينشأ عن رصف كلمات وحيدة المعنى، وإنّما هو فضاء متعدد الأبعاد تتمازج فيه المعاني وتتعارض.

وعلى الرغم من أن الهدف هو نقد الحضارة الغربية وإنشاء بدائل فكرية لقواعد الحداثة الكبرى، إلا أن هذا السعي أدى لتفتيت التواصل والتفاعل الحضاري، فالقاعدة الأولى لهذه الفلسفة هي “امتناع التعريف” و”انغلاق المفاهيم” حتى أصبح كل نص أو عقيدة يحتمل ما لاينتهي من الافتراضات والتأويلات، فهل يتحقق التنوع بهذا الفعل أم أنه سبيل مؤكد لإفناء الهوية والخصائص البشرية؟!

يمكن اختصار مرتكزات نظرية دريدا بوجوب الاختلاف، ورفض التمركز، ونظرية اللعب اللغوي (اللغة المراوغة التي لا تثبت على معنى) [ما بعد البنيوية، محمد سالم سعد الله، ص107-108].

ولنسلِّم -مبدئيًّا- لدريدا بتفكيكيته، ونقدم له السؤال الآتي: ما البديل؟ فالتفكيك لا يقدم بديلاً، فهو “ليس فلسفةً ولا منهجاً ولا تحليلاً ولا نقداً” [الكتابة والاختلاف: ص60، 61] بل هو عملية تقويض مستمرة، لأنه يفترض أنّ كلّ نصٍ يقبل تأويلات متناقضة يلغي بعضها بعضاً، ومن ثمَّ فالتفكيكية ذاتها قابلة للتفكيك.

علاوة على ذلك، هل يجب على كل نص أن يكون متعدِّد المعاني، أو أن يكون قابلاً للخضوع للتفكيك؟ ألا توجد نصوص سطحية يمكن اعتبارُ ممارسةِ التأويل عليها هو محاولة لتحميله ما لا يستطيع احتماله؛ فتصبح عملية توليد المعاني فاقدةً للدقة والمعقولية؛ كما أن التفكيكية تحاول القضاء على السلطة واليقين، فتقع بنفسها فيما أرادت تحطيمه لأن ادعاءها امتلاك سلطة الإلغاء والرفض لباقي النظريات يجعلها تسقط في تناقض كبير [تفكيكية دريدا والاحتفاء بالاعتبارات الهامشية].

أهم سمات ما بعد الحداثة

1- إخراج “العقلانية” من مركز الاهتمام لتصبح مقولات “اللاوعي” أو “اللاعقلانية” هي أصل الأشياء، إلى أن أعلن دريدا عن خلخلة كل المراكز وانهيار منظومة المعاني تماماً.

2- هدم مرتكزات الفكر الغربي، كالدال والمدول، واللسان والكلام، والحضور والغياب،إلى جانب انتقاد مفاهيم الجوهر، والحقيقة، والعقل، والوجود، والهوية،.. إلخ باستعمال لغة الاختلاف والتضاد والتناقض.

3- التشكيك، فهذه الفلسفات لا تؤمن بالمعارف اليقينية أو بوجود حقيقة ثابتة، حيث ينكر نيتشه وليوتار ودريدا -مثلاً- وجود مسمى “الحقيقة” لأن المعرفة حسب رأيهم تعتمد على ألاعيب اللغة التي هي دائما ذات صلة بسياقات محددة [هذا هو الإنسان، نيتشه، 163]، وقد أصبح التشكيك آلية للطعن في الفلسفة الغربية المبنية على العقل والحضور، فتفكيكية دريدا هي في الحقيقة تشكيك في الميتافيزيقا الغربية منذ أفلاطون وحتى الفلسفة الحديثة.

4- العدمية والعبثية، فهي تبحث عن تغييب المعنى لتتمكن من تقويض العقل والمنطق والنظام والانسجام، فهي فلسفات لا تقدم بدائل عملية، بل تدعو إلى التعددية والاختلاف واللانظام فقط [مدخل إلى مفهوم ما بعد الحداثة، د.جميل حمداوي].

خصائص الحداثة وفروق “ما بعد الحداثة” عنها
يجمل الناقد الأمريكي من أصل عربي إيهاب حسن أهمَّ سمات الحداثة وما بعدها في الآتي:

الحداثة ما بعد الحداثة
الهدف

التصميم

الهرمية “الترتيب الصاعد أو النازل”

الإبداع

الحتمية

التمركز  “الاستناد إلى قواعد معروفة”

التأويل

النمط أو “الشكل النسقي الواحد”

اللعب

الصدفة

الفوضى “لا علامات ولا ترتيب”

اللا إبداع، التفكيك

اللاحتمية

التبعثر “لا استناد على أي مرجعية”

ضد التأويل

التحوُّل “ليست هناك نمطية معينة”

وفي هذا السياق، يبدو رفض أنصار “ما بعد الحداثة” مفاهيم العقل والذات والعقلانية والمنطق والحقيقة، لأنها لا تشير إلى شيء حقيقي وإنما تدل على وهم، فهي مرتهنة لمعايير العقل والمنطق.

آثار تيارات ما بعد الحداثة
سنلخص فيما يلي أبرز آثار “ما بعد الحداثة” تجاه الإنسان المعاصر من أربعة زوايا، وهي الدين، والوجود ، والمعرفة، والأخلاق.

1- الدين
سادت المركزية “الإلهية” في مرجعيات الإنسان منذ بدء التاريخ وحتى بداية عصر التنوير، ثم حلت مكانها مركزية الإنسان في الغرب، إلا أن هذه الأخيرة احتوت عناصر تفكيكها من البداية فانتهى الحال برفض المركزية مطلقًا في حقبة ما بعد الحداثة؛ لذا من البدهي القول: إن العقائد الدينية والغيبية على حدٍ سواء لا قَبول لها في فلسفة ما بعد الحداثة، فجميعها لا تملك المعنى ولا تعرف الحقيقة، لكنها تسمح بالدين الفردي الذي يصوغه الإنسان لنفسه، حتى لو كان في منتهى الشذوذ، فهو الذي يمكن أن تعتبره ما بعد الحداثة نتاجًا يستحق الحياة، فلا ميتافيزيقا هنا، ولا مقولات كبرى. [العقل المسلم وتحديات ما بعد الحداثة، د. مسفر بن علي القحطاني].

وقد بدأ رفض الدين بإعلان نيتشه عن “موت الإله” الذي اخترعه الإنسان ليقيّد نفسه به، وذلك للحطّ من قيمة الميتافيزيقيا وإحلال الخيال والتحرر من القيم والأخلاق مكانها، وهكذا أصبح الدين في نظر “ما بعد الحداثة” متاحا للتفسير والبحث بناء على الهدم والتفكيك اللانهائي، فلا يمكن حسب رأيهم الإيمان بالوحي مصدرًا للمعرفة ولا تأويل النصوص الدينية بقواعد محددة، بل هي نصوص مفتوحة المعنى يمكن تأويلها حسب ما يريد حامل مبضع التفكيك.

2- الوجود (الأنطولوجيا)
يرى دعاة ما بعد الحداثة (دريدا مثلاً) أن الأنطولوجيا الغربية بدأت مع أفلاطون وظلت أفلاطونية لإيمانها بالمُثُل المجردة: كالحق المطلق والحقائق الثابتة من جهة، ومن جهة أخرى عالم المادة والتغير، وعلى الرغم من أن عالم المادة يحجب عالم المُثُل فإن المنظومة الأفلاطونية تذهب إلى أن بإمكاننا التوصل إلى معرفة إنسانية من خلال الحواس والعقل ويمكننا توصيلها من خلال اللغة. ولكن كل ما نصل إليه من معنى هو ظلال للعالم الحقيقي، أي أن المعنى الذي نصل إليه يستند إلى ميتافيزيقا الغيب، فثمة علاقة وثيقة بين “الحقيقة” و”الميتافيزيقا”.

أما أنصار ما بعد الحداثة فيعتبرون مجرد استخدام كلمات مثل “يقين” أو “حق” سقوطاً في الميتافيزيقا، وذلك باعتبار أن مثل هذه الكلمات تتضمن إشارة إلى حقائق، فما بعد الحداثة لا تعترف بثنائية الذات والموضوع.

وهكذا أصبح الوجود في “عالم ما بعد الحداثة” نظاما لا مركز له، بل هو مُكوَّن من أنظمة صغيرة مغلقة، يدور كل منها حول مركزه وحول نفسه ويأخذ شكل صور متجاورة لكلٍّ منها معناها المستقل لا يربطها رابط، فكل إنسان يدرك الصورة القريبة منه والمعنى الذي يروق له.

وهذا يعني أنه ما من طبيعة مادية موضوعية ولا طبيعة بشرية “ذاتية”، ولا وجود لمبادئ متجاوزة، بل هو عالم متبعثر مفتت إلى ما لانهاية.

وعالم ما بعد الحداثة هو عصر “البعديات”، حيث ظهرت فيه مصطلحات ما بعد التاريخ وما بعد الإنسانية وما بعد السببية وما بعد الميتافيزيقا وما بعد التفسير وما بعد التجاوز. والبعدية تعني “النهاية”. [موسوعة اليهود والصهيونية واليهودية، المسيري، ج1، ص292-294].

3- المعرفة
لا توجد في عالم ما بعد الحداثة مرجعية شاملة يمكن التفسير من خلالها، ولذا فإنه يتسم بالتعددية والاختلاف وغياب السببية وظهور الاحتمالية والنسبية الكاملة والتغير الكامل والمستمر، وهذا يجعل المعرفة الكلية مستحيلة، فليس هناك أساس إنساني أو طبيعي أو إلهي لها، ولذا فإن المعرفة في “ما بعد الحداثة” لا يمكنها التمييز بين الحقيقي والزائف.

ويرفض كل أنصار ما بعد الحداثة فكرة الحقيقة الكلية، فهي حسب رأيهم من مخلفات عصر الاستنارة الذي افترض وجود نظام وقواعد ومنطق. ويعتبرون أن السؤال عن الحقيقة سؤال ميتافيزيقي غيبي مثل السؤال عن الإله، ولذا فإن الحقيقة تعددية دائماً حسب رأيهم.

كان هدف الفلسفة في عصر الحداثة هو محاولة التوصل إلى الحقيقة الكبرى الكامنة في حركة الطبيعة وقوانينها وتجريدها والوصول إلى نماذج مادية تفسيرية تتسم بالشمول. بينما يرى أنصار ما بعد الحداثة أن المعرفة قابعة في القصص الصغرى المرتبطة بظروفها والمحددة بزمنيتها، وأن هناك عنصراً فعالاً واحداً هو اللغة أو القوة، فاللغة ليست أداة لمعرفة الحقيقة بل أداة لإنتاجها.

ولذا، يسـتحيل معـرفة الواقع خارج نطاق الخطاب المستخدَم ويستحيل التعبير عنه. والنص -أدبياً كان أم فلسفياً- مُعبَّأ بالصور المجازية التي تحجب الرؤية؛ ومن ثم فإن النصوص الفلسفية والعلمية ما هي إلا نصوص بلاغية مجازية مكتفية بذاتها ولا تشير إلى أي شيء خارجها “فلا يُوجَد شيء خارج النص”، بل النص شيء منفتح تماماً مرتبط بالنصوص الأخرى، ولكنه منعزل تماماً عن أي واقع موضوعي خارجه. [موسوعة اليهود والصهيونية واليهودية، ج1ص294-295].

إن حقيقة مشروع ما بعد الحداثة المعرفي تكمن في نفي الكائن الإنساني وتذويبه في بنيات نفسية أو اقتصادية متحكمة فيه، ونجد أوضح مثال لهذا التغييب في نظريات الأدب، إذ ارتفعت دعوات متتالية من موت النقد إلى موت المؤلف إلى موت النص وربما نشهد موتاً للقارئ عما قريب[ما بعد الحداثة وموت الإنسان، د. الطيب بوعزة].

يذكر الناقد الفرنسي شاتليه أن المسار النقدي العالمي اليوم آيلٌ إلى العدمية واللاشيء وإفراغ الإرادة من كل جوهر، وتحويل القدسية إلى سلسلة من الإجراءات، والحكومة إلى نظام من التهديدات، والفلسفة إلى مجمل من البيانات، والأخلاق والعلم إلى شبكة من المعتقدات النسبية، وإن عمليات التحول هذه -برأيه- ليست بريئة، بل هي مقترنة بتنظيم معين لإخضاع الإنسان، وإحلال قيم تقود إلى استعباد الفرد [ما بعد البنيوية، ص49].

4- الأخلاق
حسنٌ، إن كان الواقع بلا اتجاه، وكانت الحقائق عدمية، والأمور نسبية، والقيمة منفيّة، في أفق ما بعد الحداثة فالأولى أن لا تكون ثمة إمكانية لقيام أية معيارية، بل لا يمكن تأسيس أي نظم أخلاقية بشكل عمومي، وكل ما يمكن التوصل إليه هو الاتفاق على أخلاقيات براغماتية (عملية) تأخذ شكل فلسفة القوة والهيمنة “للأقوياء” وفلسفة الإذعان والتكيف “للضعفاء”، إذ لا تُوجَد معايير متجاوزة للإنسان ولا تُوجَد وسيلة لتعريف الظلم والعدل، وبناء على ذلك فالأخلاق نسبية، وما يعد خُلقًا فاضلًا في ثقافة ما قد يكون ظلمًا في ثقافة أخرى، والعكس صحيح أيضًا، ومن ثمَّ فلا إمكانية لنقد خلق بمعنى التقويم والتصحيح، وإنما بمعنى البحث الدائم عن المعنى اللانهائي، فإن كانت السلوكيات الجنسية الشاذة  -كالمثلية الجنسية- أمرًا مرغوبًا لدى جماعة فإنه لا ينبغي تخطئتهم أو لومهم بل يجب احترام رغبتهم، مع الحرص الشديد على وسم رفض “الشذوذ” بأنه نتاج صنع الثقافات “الجائرة” التي تريد أن تفرض “حقائقها” على الآخر لأنها حقائق مطلقة، ولذا فإن ما بعد الحداثيين يرون في المنظومة الأخلاقية –أيا كانت- نتاجاً لتحالف الدين والسلطة أو المعرفة والقوة فهي مؤدلجة بطبيعتها لتفرض رأي الأغلبية.

أصبحت مظاهرات الشواذ جنسيا أمرا معتادا في كبرى مدن العالم، مثل هذه المظاهرة التي احتشد فيها نصف مليون إنسان بمدريد عام 2007

الإسلام “وما بعد الحداثة”
بعد هذه الرحلة في مراحل تطور ما بعد الحداثة، والتي عادت بالحضارة إلى انتكاسة السفسطة الأولى في بلاد الإغريق [انظر مقال مصادر المعرفة]، نتساءل في سياق التلخيص والنقد: ما الفكرة المحورية التي يمكن أن نختصر فيها مشروع “ما بعد الحداثة”؟

بكل تأكيد قدمت تيارات ما بعد الحداثة إيضاحاً مهمًا لفهم علاقة السلطة الغربية الحاكمة بالمعرفة التي تنشرها، وفككت مقولات الفلسفات الوثوقية المبنية على نتاج العقل وحده، وكان لها إسهام في إظهار مكانة اللغة في سلم المعرفة، إلا أنها سعت أيضا إلى فرض التغييب والهدم، ولذا فإن الفكرة التي يمكن أن تلخِّص “ما بعد الحداثة” هي “العبثية” و”التقويض المستمر” وموت كل “المرجعيات”.

إن تنظيرات هذا التيار  بمجملها تصبُّ في محاولة نفي إمكانية وجود مقابل لهذا الواقع الذي نعيشه، فالحياة أحادية الجانب، وليست هناك آخرة، ولا معنى للموت، ولا يمكن التفكير بوجود مرجعية للإنسان، فلا كَوْن خاص بالإنسان ولا لغة ثابتة الاستعمال، وذلك كله في إطار تسويغ عدم وجود “الكلي”، وقد تكون هذه النظرة صحيحة في إطار الوجود المادي فقط، إلا أن هذ أمر لا يتسق مع الوحي المنزل من قبل الله والذي يؤكد أن هذه الحياة الدنيا كلها ليست سوى جسر يعبر عليه الوجود البشري والمادي نحو المصير الأخروي الخالد [“لا تحديدية” دريدا؛ التفكيكية من منطلق إسلامي، د. مطيع عبدالسلام عز الدين السروري].

مع ذلك، تلتقي ما بعد الحداثة مع الإسلام في رفض المركزية القائمة على الأفضلية والعرقية والتنوع البيولوجي، فالله تعالى يقيم التفاضل في كتابه على أساس التقوى فقط، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13]، وكما تحتفي ما بعد الحداثة بالاختلاف، فإن القرآن يشير إلى فطرية الاختلاف في النفس البشري، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 118،119]، {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} [الروم:22]، وعلى الرغم من هذه التوافقات، إلا أنه يجب التنبُّه إلى أن أساس الاتفاق والاختلاف مفترق بين الإسلام وما بعد الحداثة، لذا فالاتفاق في التعددية مثلاً لا يؤدي نفس النتيجة في الرؤيتين.

إن أبرز ما يفترق به الإسلام عن تيارات ما بعد الحداثة إيمانه اليقيني والمطلق بوجود الله واعتقاده بالقرآن مصدرًا دينياً أوحي به إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأن العقيدة الإسلامية تشكل مرجعيته الإيمانية وغائيته والقيمة الكبرى التي تحملها رسالته.

إن العبثية أمر مرفوض في الإسلام، بل إن محض التفكر بها أمر يجر الخيبة على المسلم، فخلق الله للبشرية لم يتَّأتَ عن عبث -وإن غفلنا عن الحكمة الكاملة لكل موقف في الحياة- {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]، [انظر مقال الأسئلة الوجودية الكبرى]، كما يرفض الإسلام مقولات الشذوذ الجنسي واليأس المطلق والتفكيك الهدمي المبني على تقويض وجود الله والحقائق المطلقة ومرجعيات الإسلام الكبرى.


أهم المراجع

  1. أثر نظرية فرويد على السريالية (سلفادور دالي أنموذجاً) د. فاطمة عمران راجي، جامعة بابل، مجلة كلية التربية، العدد 16، حزيران، 2014.
  2. أساتذة اليأس، نانسي هيوستن، ترجمة وليد السويركي، هيئة أبو ظبي للثقافة، (كلمة) ط1، 2012.
  3. أُفول الأصنام، نيتشه، ترجمة: حسّان بورقية ومحمد الناجي. دار أفريقيا الشرق، المغرب، 2008، ط2.
  4. الإيديولوجية، ديفيد هوكس، ترجمة: إبراهيم فتحي، المجلس الأعلى للثقافة، العدد159، 2000.
  5. البنيوية فلسفة موت الإنسان، روجيه غارودي، ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، ط3، 1979.
  6. التأويل، إمبيرتو إيكو، ترجمة: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، المغرب – لبنان، ط2، 2004.
  7. حالة ما بعد الحداثة، ديفيد هارفي، ترجمة: د. محمد شيا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2005.
  8. الحداثة وما بعد الحداثة، عبدالوهاب المسيري، فتحي التريكي، دار الفكر، دمشق، ط1، 2003.
  9. دليل الناقد الأدبي، د.سعد البازعي وميجان الرويلي، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط2، 2000م.
  10. سؤال ما بعد الحداثة، إيهاب حسن، ترجمة: بدر الدين مصطفى أحمد، نشر على موقع مؤمنون بلا حدود، ط1، 2016. وله ترجمة أخرى بدر الدين مصطفى، وترجمة قام بها صبحي حديدي نشرت في مجلة الكرمل، العدد 51، 1997، وأعيد نشرها في سلسلة دفاتر فلسفية 13، ما بعد الحداثة (تحديدات)، نصوص من اختيار: عبد السلام بنعبد العالي، محمد سبيلا، دار طوبقال للنشر.
  11. صيدلية أفلاطون، جاك دريدا، ترجمة: كاظم جهاد، دار الجنوب، تونس، 1988.
  12. عصر السريالية، دالاس فاولي، ترجمة: خالدة سعيد، نيويورك: مؤسسة فرانكلين. بيروت.
  13. فلسفة الحضور والغياب عند جاك دريدا، حبيبة دباش، رسالة ماجستير ، جامعة منتوري، كلية الآداب، قسم الفلسفة، 2009.
  14. في معنى ما بعد الحداثة، جان فرانسوا ليوتار، المركز الثقافي العربي، ترجمة السعيد لبيب، بيروت، ط1، 2016.
  15. الكتابة والاختلاف، جاك دريدا، ترجمة: كاظم جهاد، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط2، 2005
  16. ما بعد البنيوية، د. محمد سالم سعد الله، رسالة دكتوراة، مخطوط.
  17. ما بعد الحداثة، مقدمة قصيرة، كريستوفر باتلر، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ط1، 2016
  18. المعجم الفلسفي، د. جميل صليبا، دار الكتاب اللبناني، 1982م.
  19. المعجم الفلسفي، د. مصطفى حسيبة، دار أسامة، عمَّان، ط1، 2009.
  20. معجم مصطلحات الفلسفة، جلال الدين السعيد، دار الجنوب، تونس، ط1، 2004.
  21. معرفة الآخر، عبدالله إبراهيم، سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، المغرب، لبنان، ط2، 1996
  22. مقاربات ما بين الحداثة وما بعد الحداثة، ياسر الطائي، د. محمد الشيخ، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1996.
  23. موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر، “هايدغر، ليفي شتراوس، ميشال فوكو” الزواوي بغورة، دار الطليعة، بيروت، لبنان، ط1، 1992.
  24. الموسوعة الفلسفية، يودين، روزنتال، ترجمة: سمير كرم، دار الطليعة، بيروت.
  25. النزعة العدمية وصلتها بالإباحية، د. عرفات ستوني، ورقة علمية مقدمة لمؤتمر رابطة العالم الإسلامي.
  26. النظرية الأدبية، رامان سلدان، ترجمة: جابر عصفور، دار قباء، القاهرة، 1998.
  27. نقد الحداثة، آلان تورين، ترجمة: أنور مغيث، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997.
  28. نهاية الحداثة، جياني فاتيمو، ترجمة نجم بو فاضل، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2014.
  29. نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر، عبد الوهاب المسيري، ضمن كتاب نيتشه وجذور ما بعد الحداثة.
  30. نيتشه وجذور ما بعد الحداثة، ترتيب وتنسيق: د. أحمد عبد الحليم عطية، دار الفارابي، لبنان، ط1، 2010.
  31. هذا هو الإنسان، نيتشه، ترجمة: علي مصباح، منشورات الجمل، بغداد، ط2، 2006.
  32. هسهسة اللغة، رولان بارت، ترجمة: منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري، حلب، ط1، 1999.
  33. الوجودية، جون ماكوري، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح، سلسلة عالم المعرفة، العدد 58.

المقالات:

  1. الأسس النظرية لما بعد الحداثة، فخري صالح، موقع مجلة نزوى، http://www.nizwa.com/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9/
  2. تفكيكية دريدا والاحتفاء بالاعتبارات الهامشية، غزلان هاشمي، مقال منشور على موقع “الألوكة” http://www.alukah.net/culture/0/44407/#_ftnref7
  3. د.محمد أندلسي (العدمية كانحطاط، والعدمية كأفق) منشور في موقع مجلة محمد عابد الجابري، http://www.aljabriabed.net/n52_02andalousi.htm#_edn5
  4. العقل المسلم وتحديات ما بعد الحداثة، د. مسفر بن علي القحطاني http://www.islamtoday.net/nawafeth/artshow-40-10005.htm
  5. علم نفس ما بعد الحداثة، د. إبراهيم الحيدري، مقال منشور على موقع إيلاف بتاريخ 24، آذار، 2012، http://elaph.com/Web/opinion/2012/3/723453.html
  6. فرويد بين الحداثة وما بعد الحداثة1-2، د. إبراهيم الحيدري، مقال منشور على موقع إيلاف، http://elaph.com/Web/opinion/2012/2/715863.html
  7. لا تحديدية دريدا؛ التفكيكية من منطلق إسلامي، د. مطيع عبدالسلام عز الدين السروري، مقال منشور على شبكة الألوكة بتاريخ 1/10/2012، عبر الرابط http://www.alukah.net/culture/0/44773/#_ftn1
  8. ما بعد الحداثة وموت الإنسان، د. الطيب بوعزة، موقع مقالات الرأي (الجزيرة)، http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2006/2/18/%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%88%D9%85%D9%88%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86
  9. مدخل إلى مفهوم ما بعد الحداثة، منشور على موقع الألوكة، http://www.alukah.net/publications_competitions/0/38509/#ixzz4xOeqp0bW
  10. مقال (ما العدمية) إبراهيم جركس، منشور على موقع الحوار المتمدن http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=192301
  11. الموسوعة العربية ttps://www.arab-ency.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D9%88%D8%AB/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9