مقالات

التمسك بالحجاب في فرنسا رغم الصعوبات

السيدة حنان مسلمة فرنسية، تقدم لنا شهادتها وتجربتها بارتداء #الحجاب​ في #فرنسا​ بالرغم من الصعوبات والتضييق.

الحجاب في ألمانيا حق وواجب

السيدة ريم السعودي محامية مسلمة ومحجبة تعيش في #ألمانيا​، وتحكي لنا بإيجاز تجربتها، كما تشرح نظرتها لحق المسلمة في ارتداء #الحجاب​ بكل مكان.

تجربتي مع الحجاب في ألمانيا

السيدة يمنى الدمشقي هاجرت إلى #ألمانيا​، وتحكي لنا تجربتها في الحياة هناك مع التزامها بارتداء #الحجاب​.

كيف تعيش المسلمة المحجبة في السويد؟

السيدة رنا الجوخدار هاجرت من سورية إلى #السويد​، وتحكي لنا في ثلاث دقائق تجربتها في العمل والدراسة والحياة بالسويد مع التزامها بارتداء #الحجاب​ وأداء الفرائض اليومية.

تشويه الحجاب.. من فرض إلهي إلى موضة!

يمثّل حجاب المرأة المسلمة في الواقع المعاصر حالة من التحدّي للفلسفات المادية والأنماط الفكرية المعادية للفطرة والدين، ومن ثم فإن مساعي كبيرة تبذل لتفريغه من كونه فريضة إلهية، وتطعيمه بالفكر الليبرالي أو النسوي.

ما هو الحجاب؟

بداية لا بدّ من الإشارة إلى أن الحجاب في اللغة یعني: “الحجب”، أو “المنع”، أمّا في معناه من حيث الحكم الشرعي فهو ستر المرأة المسلمة جسدها عن الرجال غیر المحارم، فيكون الفعل نفسه تحجّبًا، أما “الرداء الذي ترتدیه المرأة لتغطّي به جسدھا كاملاً مع وجهها أو من دونه” فهو الحجاب المطلوب.

ثمة ضدٌّ للحجاب، وهو السّفور أي الكشف، وقد عرّفه الفقهاء بأنه: “كشف المرأة لوجھھا”، إلا أن دلالة هذه الكلمة تطوّرت اليوم فباتت تشیر لمعنى آخر، وهو: التبرج الفاحش والاختلاطُ المنفلت من أي ضابط شرعي.

 لعلنا ندرك أن تطور الدلالة في الكلمة يوضّح المراحل التي تدهورت فيها فریضة الحجاب في أذھان المسلمین! فالسفور الذي یعني كشف المرأة لوجھھا مع حفاظھا على باقي جسدھا مستوراً، صار ھیناً أمام مظاھرِ الموضة المختلفة التي باتت تصنّف تحت يافطة الحجاب الیوم.

وفي هذا الإطار فإنه من المھم التأكيد على أنّ إنزال الكلمات منازلھا، وذكرها بمعانیھا الصحیحة، له دور كبیر في انعكاس ما یترتب علیھا من أفعال، فإنّ التي ترتدي الخلیع والضیق الذي یوضح تفاصيل جسدھا ویتنافى مع مواصفات الحجاب الشرعي – حتى إن وضعت غطاءً صغیراً على شعرھا – فلو أنها سُمّیت كما في الحدیث “كاسیة، عاریة” لكان ذلك أصحّ وصفاً وأبلغ أثراً في النفوس.

ومردّ هذا إلى أن المصطلح في الوعي الإسلامي بوابة لتنظیم الفكر، وأداة لتقویمه، وآلة لتحصینه ضد الغزو المقنّع الذي یتخلّل في ثنایا العبارات المجملة للنفاذ إلى ثقافة المجتمع سواءً أكان ذلك في باب العقیدة أو الشریعة أو القیم الأخلاقیة”[1] ومن هنا لا غرابة أن نجد التي تحتشم وترتدي الحجاب الشرعي يطلق عليها وصف “رجعیة” أو “متشددة” وغیر ذلك من الأوصاف، وكلما زاد التكشّف وإبراز المرأة لمفاتنھا ألصِقت بھا أوصاف التحضر والتقدم والمدنیة.

الحجاب

وقفات مع تاریخ الحجاب

بعد نزول الآیات التي فرضت الحجاب على المرأة المسلمة تدریجیًّا، بدأ عھد جدید في لباس المرأة المسلمة أمام الرجال الذین لا یعدّون محارم لھا، ففي عصر النبوة، أي في الجیل الذي نزل فیه الوحي كان تطبیق الشرائع الربانیة أمراً مباشراً وسریعاً، حيث تقول أمنا عائشة رضي ﷲ عنھا: (یرحم ﷲ نسوة المھاجرين، لما أنزل ﷲ: {ولیضربن بخمرھن على جیوبھن} شققن مروطھن فاختمرن بھا). [أخرجه البخاري، برقم:4480[

ثم تتابعت السنون على الأمة الإسلامیة ومرت بھا الأھوال والخطوب الكثیرة عبر1200 عام من عمرھا حتى سقوط الدولة العثمانية آخر دول جامعة للمسلمین عام 1924م، فكانت فريضة الحجاب طوال ھذه القرون عقیدة ثابتة، فالحجاب بشروطه الواضحة فرضٌ على المرأة المسلمة، وأن ما اختلف علیه هو كشف الوجه والكفین والقدمین، فقال بعضھم بجواز كشفھا إذا أمنت الفتنة وقال البعض بوجوب تغطیتھا، أمّا عن حال أغلب المسلمات في البلاد الإسلامیة منذ النبوة ونزول آیات الحجاب وحتى نھایات القرن التاسع عشر فكانت غالبیتھن تغطین جمیع أجسادهن بما فیها الوجه، أي أنھن كُن یرتدین حجاباً یشابِه ما نصطلح على تسمیته الیوم نقاباً، ولم یكن ھناك خلاف ولا شبھة ولا جلبة حول أمر الحجاب! إلا ما ھو معروف ومفھوم في مسألة كشف الوجه والكفین وبعض المسائل المتعلقة بالعجائز والرقيق.

الحجاب في شكله المعاصر

من فريضة ربانية في السابق إلى خيار يمكن للمرأة رفضه أو ارتداءه أو تغيير شكله بناءً على ما  تملیه علیھا تيارات الأفكار والموضة.

ينبغي علینا النظر في طبیعة الفترة التي بدأت فیھا زعزعةُ فریضة الحجاب، وتحدیداً مع أواخر حملة نابلیون على مصر نھایات القرن الثامن عشر، إذ أنتجت تلك الحملة أجیالًا “مُفرنسة” بسبب البعثات الدراسیة إلى فرنسا، ومع نھایات القرن التاسع عشر أخذت دعوات العلمانیة تطلق من أفواه المسلمین “المتفرنسین” وكان أول تلك الدعوات في مسألة المرأة ھي دعوات الشیخ “رفاعة رافع الطھطاوي” الذي كان شیخ البعثة المصریة إلى فرنسا، حيث عاد متأثراً بما رآه في المجتمع الفرنسي، لیثیر قضیة تحریر المرأة في مصر، ثم “مرقُص فھمي” الذي أصدر كتاب “المرأة في الشرق” وتحدث فیه صراحة – من ضمن ما تحدث- عن ضرورة التخلي عن الحجاب الإسلامي وإنهاء ارتدائه، ومن ثم سار العديد من العلماء والمشايخ على خطى “الطھطاوي”.

أمّا “قاسم أمین” تلمیذ “محمد عبده” فھو الاسم الأبرز في قائمة الأسماء التي كان لھا الدور كبیر في زعزعةِ فریضة الحجاب وإثارة قضیة تحررِ المرأة بوجهها المتمرد، من خلال أول كتاب أصدره وھو كتاب “تحریر المرأة” الذي نشره عام 1899 وقال فیه على سبیل المثال “الشریعة لیس فیھا نص یوجب الحجاب على الطریقة المعھودة وإنما ھي عادة عرضت علیھم من مخالطة بعض الأمم؛ فاستحسنوھا، وأخذوا بھا، وبالغوا فیھا، وألبسوھا لباس الدین كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدین[2]

ثم أصدر كتابه “المرأة الجدیدة” عام 1900م و كان أكثر صراحة فیه مما قبله، حيث أراد به الإشارة إلى أن نموذج المرأة الأوروبیة بلباسھا ونظام حیاتھا وأنه ھو التطور والتقدم الذي ینبغي على المرأة المسلمة أن تتبعه، وكان لكتبه صدىً كبير في الشام أیضًا فواجه معارضة شدیدة من الشیوخ والدعاة فيها كما كان الحال داخل مصر وخارجھا.

لن ننسى التوقف عند “سعد زغلول” الذي عیّن رئیسًا لوزراء مصر في عشرینات القرن الماضي فكان المنفذ الأمين لأفكار “قاسم أمین”، فكانت زوجته “صفیة زغلول” من أوائل من نزعن الحجاب وأسفرن عن وجوھھن في مصر، أمّا ضربة البدایة المجتمعیة لتھوین الحجاب في مصر فكانت أثناء استقبال “سعد زغلول” حين عاد من منفاه، إذ نُصب سرادق للنساءِ وآخر للرجالِ فتوجّه “سعد زغلول” نحو صالون النساء وسحب من وجه “ھدى شعراوي” حجابھا فصفقت ھُدى وتبعتھا النساء في خلع الحجاب بعد ذلك.

وفي ذات الوقت في تركیا التي كانت مركز آخر دولة إسلامیة فكان لمصطفى كمال أتاتورك صولات وجولات في إنهاء حضور تعاليم الإسلام بعد إلغاء الخلافة العثمانیة عام 1924م، فكان من ضمن حملته لتغریب تركیا وعلمنتھا، إصدار قانون یمنع ارتداء الحجاب في الأماكن الحكومية، وفي إیران قام “رضى بھلوي” الذي تم تنصیبه عام 1926 بإلغاء الحجاب الشرعي، وقامت زوجته بمبادرة كشف رأسھا في احتفال رسمي.

لقد تتابعت القوانین والدعوات لخلع الحجاب والتشكیك في فرضیته من قبل الحكومات وأصحاب الفكر التغریبي العلماني ورموزه منذ نھایات القرن التاسع عشر واستمرت في القرن العشرین في تونس والجزائر وأفغانستان وألبانیا وروسیا ویوغسلافیا والصومال ومالیزیا وغالب الدول الإسلامیة التي تم استعمارھا.

الحجاب المعاصر

كیف وصل الحجاب إلى ھذه النقطة؟

إن الناظر لحال حجاب المرأة المسلمة الیوم، يظهر له البون الشاسع بین حجاب عدد كبیر من المسلمات وبين الحجاب الشرعي الذي فرضه ﷲ عز وجل، إذ كانت كل المراحل السابقة التي ذكرناھا مباركة ومدعومة من قبل الاستعمار، وحتى بعد خروج المحتل من الدول الإسلامیة فقد خرج بجسده تاركا أفكاره ومدارسه موجودة ومتحركة عبر الحكومات التي جاءت بعده، وفي الفكر الذي زرعه في المجتمع، ثم كان الدور الآخر الكبیر لوسائل الإعلام المرئیة التي تصور المرأة الناجحة في حیاتھا على أنھا ھي التي تخلع حجابھا وتضیق ملابسھا وتقصرها، ومع تكثیف الحملة الإعلامیة ومناھج التربیة والتعلیم البعیدة عن المنھج الإسلامي، والمتوافقة مع نظام السوق الرأسمالي الذي یفرض سلطته على الفرد -الھش نفسیا- لیجعل اللحاق بالموضة -أیاً كان شكلھا وتعارضھا- مع شرع ﷲ أمراً إلزامیاً.

ومع ظھور وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت التواصل وأسهمت في تصاعد إفراز الأفكار العلمانیة والنسویة، وصلنا إلى نتیجة أن الحجاب تحول من كونه فرضاً ثابتاً في عقیدة المسلمة وھویتھا إلى قطعة قماش، تضعھا على رأسھا إن شاءت وتنزعھا متى أرادت.

وبات مسألة من السھل إطلاقُ الشبھات حول الحجاب، مثل القول بأن النقاب لیس من الإسلام، وإلا فإنّ تزعزع فریضة الحجاب في القلوب لم یكن إلا مع مطلع القرن الماضي، وما قبله من التاريخ فقد كان لزامًا على المرأة المسلمة أن تلتزم فيه بحجابها؛ لأنه أمر ربھا أولاً، ولتحقق مرضاته بأداء ما افترضها عليها آخرًا.

[1] د. سامي عامري، العالمانیة طاعون العصر، ص: 14

[2] قاسم أمين، تحرير المرأة، ص: 92.

دعاوى كبيرة في قوالب جاهزة

ليس ثمة شيء أصعب من أن تعاني عمرك كله في عقدة نقصٍ تذكَر كلما ذُكِرتَ! هذا ما يمكن الإشارة إليه بشكل عابر، إلا أن المراد من ذلك التعريج على العقدة التي تلازم عامة المسلمين حتى أصبحوا يعانون ممّا يسمّى “عقدة الإسلام”، فصار لزامًا عليهم أن يعملوا على تلميع صورتهم في كل محفل ولقاء.

هذا التشكيك الذي نعيش حملاته علينا داخليًّا وخارجيًّا دفع كثيرًا من المسلمين لأن يغفلوا عن كمال الشريعة التي جاء بها الإسلام، واندفعوا يشككون بجدوى الدعوة له أو التديّن به، لقد ابتعدوا عن أن يكون أعزة بدين الله.

الطريق للتخلص من القوالب الجاهزة
لن يكون غريبًا أن نسمع بشكل شبه يومي قواعد تردُ على ألسنة الناس وقنوات الإعلام وصفحات التواصل، تختزل الدين وتعاليمه ضمن مسمّيات منفّرة، فأضحت الشرائع التي تهدف إلى حماية المرأة –مثلاً- ضغطاً وتحكماً، وكذلك صار قول الحق أو حكم الشرع بشيء معين تطرفًا أو عنفًا وشرًّا وقسرًا على شيء ما.

في حقيقة الإمر فإننا بحاجة ماسة إلى النظر في ديننا بعيون مختلفة وربما استخدام عدسات مناسبة تعزز الرؤية وتقلّص التشويش الحاصل، وكما أخبرنا رسولنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم، فإنّ الحلال بيّن والحرام بيّن، وإننا مطالبون أمام الله سبحانه بتحرّي الدقة والصواب عند كل تصرّف ومع رفّة كلّ جفن، فنحاكم الأمور بما يناسب أمر الله، ونسأل أنفسنا: أهذا يرضي الله أم يغضبه؟

هذا يقودنا إلى ضرورة سؤال أهل الذكر وحتمية الحاجة إليهم في كل عصر، والطريق لذلك يكون بأن نتحرى أقوال الفقهاء وإجماعهم في المسائل وألّا نتخَطَّف الشاذ منها لمصلحة أو هدف، وألا نخشى إلا الله ربنا في ذلك، فنرمي حملنا عليهم ونتوكل على الله ونفوض إليه أمورنا كلها، فيكون أي ذنب اقترفوه أو تسبّبوا لنا فيه أوزاراً يحملونها يوم القيامة، لكننا على الأقل نحافظُ على وحدة أمرنا ونتجنب شتات الحال.

فهم الإسلام طريقٌ للدفاع عنه
علينا أن نكون على يقين بأنه لا وجود للتناقض بين واجبات المسلمين وبين التعايش مع بقية الناس فوق أرض واحدة، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب أصيل في كل وقت ومكان مهما اختلفت العصور، إلى أن نلقى الله وأحدنا قابض على دينه كالقابض على جمرة حين يكثر اللغط والخبث والفساد وتصبح معرفة الحق منوطة بصاحب الفراسة والبصيرة.

سنجد دوماً أشخاصاً –بالأمس واليوم وغداً وفي المستقبل- يفكرون بطريقة مختلفة منبثقة من حيث لا ندري، وستتسبّب أفكارهم بتشكيكنا حتى بأنفسنا ومبادئنا وتمسكنا بشريعة ربنا، وسنصل إلى وقت يكون فيه أكثر أهل الأرض متبعين لأهوائهم وأمزجتهم.

بالنسبة لي –على الأقل- فالحل السحري هو في جلسة تصالح مع نفسي، بصحبة ورقة أكتب فيها، ترى لماذا أشعر بالحرج من النقطة الفلانية أو أتجنب الاستماع إلى الشيخ الفلاني.

اتبع ذلك، ستجد بكل بساطة أنك تعاني من سيطرة فكرتين أو ثلاث على عقلك، بحيث يجعلونك في موقف عداء وتوتر مع دينك كلما ذكرت تلك النقاط، والحل في أن تتحرى كل قضية تسبب لك توتُّرًا بصدق، وأن تبحث عن الحق لتعرفه وتقف عنده، وأن تسأل وتستفتي العلماء والفقهاء للوصول إلى الحق، وأن تعاهد نفسك على قبول نتائج بحثك كما هي دون أن تسمح لنفسك بالخلط بين تقصير الدولة مثلاً أو القضاء، وبين تشريعات الله العادلة.

قد نقول مما يشتهر على اللسان بين الأوساط العامة “يضيع حق المرأة إذا طُلِّقَت أو مات زوجها”، والسبب ليس له علاقة بالدين وإنما أشياء أخرى كقصور القوانين القضائية أو تلاعب القضاة والرِّشَى.

لكن تعاليم ديننا توضّح أن المرأة تتربّع على هرم المجتمع والأسرة وهي حجر أساس في كل مشاريع الحياة، فالشريعة الربانية تحوي خلاصة قِيَم العدل؛ إلا أن فكر كثير من الناس –للأسف- قد تلوّث وتأثر بمشوشات خارجية لا حصر لها، فبتنا اذا سألنا أحدهم “ما هو مفهومك عن الحكم بالشريعة؟” ستجده يتصبب عرقاً خائفاً أو ملتهباً من شدة الغضب، وهو يصف الفكرة بأشنع الألفاظ ويصف السائل بالتخلف والرجعية!

أين الخلل والحلّ؟
مردُّ هذا التعصّب هو تبعية الفكر وقصوره، فقد أصبح مصطلح الشريعة في ذهنه مرتبطاً بالعنف واللحى الطويلة والنساء المحجبات بالإكراه فقط، وهو فكر ارتضاه له الإعلام ومكّنه فيه.

إنّ الشرع الرباني على العكس من ذلك تماماً، فهو توظيف للعدل الإلهي والوحي السامي في حياتنا اليومية.

انظروا لأوامر الله في مثل قوله {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 19] فكم نحتاجها اليوم ونحن نرى أشنع التصرفات التي تعاكس هذا الهدي من فتيات وفتيانٍ يفترَض بهم أنهم مسلمون، ولننظر إلى آية الدَين، إنها أطول آيات القرآن، كونها آية شاملة جامعة تحفظ الحقوق منذ 1400 سنة.

القرآن هو الحل لمشكلة القوالب الجاهزة

أيعقَل أننا ابتلينا بالعمى، فيمتدح أكثرنا جملة من التشريعات الغربية مرفقة بعبارة مهترئة مفادها أنهم رائعون حقا، فهم “مسلمون بدون إسلام” حسنٌ، ما دمنا معجبين “بإسلامهم” فلماذا نخاف وننفر ونشعر بالضيق إذا ما سمعنا أحدهم يقول: لنجرب تطبيق التشريعات العادلة الإسلامية كما كانت يوماً؟

لماذا ينفر كثير الناس بسرعة من مقولة: الشريعة هي الحل؟

هذا المستنكر لتلك العبارات هو نفسه المعجب منذ دقائق فقط بنفس التشريع لكن بنكهة غربية فقط، فلم يشعر بالغثيان؛ إذ لم يطلَق على تلك الممارسات اسم “شريعة” لا أكثر.

يحضرني ههنا مثال ذكره أحد الدعاة يقول فيه: إن ربنا الحكيم خلقنا وخلق “كتالوجنا” معنا، فلو أنك اشتريت جهازاً جديداً فلا بد أنك ستحوطه بعنايتك وتخاف عليه من الهلاك، ومن أجل ذلك ستقرأ كل تفصيلة مذكورة في كتيب الاستخدام، وعليه فما بالك بنفسك، حيث خلقك رب عظيم فأحسن خلقك، وأرسل لك كتيب الاستخدام والصيانة ورسلاً تأخذ بيدك إلى بر الامان بأقل الأضرار، ولكن كان الإنسان أكثر شيء جدلاً.

جور الحكام لا مفر منه في كل زمان مهما اختلف، كما أنه سيكون لعلماء الدين أو حملة همّ الدعوة بعض الأخطاء من شخص لآخر بين الحين والآخر، وسيفتح باب التشكيك المجالَ لكل شيء يمكن أن يلوث نظرتنا للدين الحق ولروائع التشريع.

الحل أمامنا، أن نصبر ونتابع مجاهدة النفس بالتوازي مع الغوص في القرآن العظيم دستور الحياة الذي لطالما كان وسيكون حياة لقلوبنا قبل أجسادنا.

الحجاب والمساواة

في الوقت الذي كنّا نتلقى السهام فيه من كلّ جانب، هناك في الداخل السوريّ، حيث لا يمكن لأحد أن يتكهّن من أين ستأتيه الضربة بالضبط كي تصيب في مقتل، وحيث لا يمكن لأحد تخمين نوع السّلاح الموجّه وتأثيره، كنت أتساءل عن الثوابت كيف كان بالإمكان التشبّث بها ضمن كل الظروف القاهرة إلى هذا الحد؟!

في الدراسات النفسية والاجتماعية دلالات واضحة على انحدار القيم وزعزعتها خاصة في وقت الحرب، وكنت أحاول مقارنة الجانب النظري بالواقع، وكان الحجاب من ضمن الثوابت التي شهدت زعزعتها في النفوس، الأمر الذي كان يستدعي التأمل والبحث.

اليوم، وبعد مرور سبع سنوات أثبتت المرأة فيها نفسها بشكل أكبر بكثير عن ذي قبل، وحضرت في كل المجالات حضوراً لم يشهد نظيراً في أية مرحلة سبقت، وأظهرت علماً وعملاً وفاعلية وإبداعاً فلم تحتج إلى دليل كي تثبت للمجتمع أنها مساوية له في التفكير والعقل والقدرة على الإنجاز والتعلّم والتطور، مساوية له في التكليف بما بُني الإسلام عليه من أركان ودعائم، وهي مثله تماماً في كونها مسؤولة أمام الله تعالى على الإهمال والتقصير، ومحاسبة على أخطائها في حقّه وحقّ كل ما جعله تحت رعايتها، فلماذا إذاً لا تتساوى معه في الشكل والهيئة، ولماذا كل هذا التشبّث بقطعة قماش؟ وقد كان السؤال مطروحاً بجلاء: هل الحجاب يحدّ من مساواة الرجل والمرأة؟

يفترض كثير من الناس أن الحجاب في الإسلام كان دافعاً ضد المساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة، ويعتبرون الحجاب قيداً كبيراً يحدّ من انطلاق المرأة ونزوعها نحو الحرية، ومعاكسة لحقها في أن تمارس دورها دون قيود في الشكل والمظهر.

وإذا تأملنا في الحقائق من زاوية موضوعية أشمل وأوسع، لوجدنا أن هناك مساواة في التكليف والعبادات والفاعلية والعمل حسب القدرة والاستطاعة لكل منهما، وسنجد مساواة في القدرات سواء كانت ذهنية أو اجتماعية أو نفسية أو علمية، تماماً كما نجد لكل منهما احتياج ومطلب للتعاون مع الآخر، في عملية بناء المجتمع وإصلاحه والرقي به.

المرأة تشترك مع الرجل في كل معنى إنساني أو اجتماعي، أو تربوي أو عقلي، لا يميزه عنها أي شيء ولا يتفوق عنها من تلك المعاني بشيء، ولا تقلّ هي بما تمتلكه من عقل في قيامها بالتكاليف التي أمرها الله بها، ولا بأنها مثله ستحاسب أمام الله على الخطأ والتقصير، وإنما الاختلاف هو في الشكل والتكوين، فقد تميزت المرأة بجمال الفطرة وجاذبيتها، مما يحرك الغرائز ويدفع لاحتياج آخر، فيكون الانجذاب لغة اتصال جديدة تحتاج أيضاً إلى مجرى صحيح ضمن شراكة مشروعة لتصب فيه، الأمر الذي يجعل العلاقة بين الرجل والمرأة تحمل محورين، الأول في صيغة العمل والبناء، والآخر محور الانجذاب الفطري الذي يقود له تكوين المرأة وما تحمله من مفاتن، وفي انجذاب الرجال – على مستويات- لتلك المفاتن، والذي قد يخرج بصيغ سلبية تحمل الامتهان لكرامتها، وقد لا يحمل أية صيغة سلبية، حسب شخصية بناء الرجل وتعامله مع تلك الفتنة، وبالتالي فلا يمكن قياس ذلك ولا الحدّ منه بحال من الأحوال.

ولأن الإسلام قد دعا إلى المشاركة الفعالة بين الرجل والمرأة بما يخدمه ويسهم في ارتقاء الأمة ونهضتها، فقد جعل هناك شروطاً لتلك المشاركة لئلا تتحول عن غايتها ومغزاها، فتنحدر أو تمتهن حق المرأة في التكريم وصون الكرامة، أو تفسح المجال لأصحاب الغرائز غير المنضبطة من إيذائها بكل وسيلة ممكنة.

فكان الحجاب، لأنه الحاجز المنطقي الذي يحول بين تلك الغرائز غير المنضبطة وبين المرأة، فإن التزمت به حالت بينها وبين احتمالية الأذى، ودفعت من يخاطبها أو يتعامل معها إلى مخاطبة عقلها وإنسانيتها، ليكون التعاون والتكامل منضبطاً في أفضل صورة ممكنة.

وهذا بالضبط ما تشير إليه الآية الكريمة في سورة الأحزاب: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذين}.

ومن هنا نستطيع أن نتلمس الحكمة الحقيقية من الحجاب، ألا وهي دفع الأذى عن المرأة، والدفع باتجاه تأسيس مجتمع سوي، لا تعدي فيه على الحقوق، ولا امتهان للكرامة، مجتمع مساواة في أعلى المستويات في العلم والعمل والفاعلية الحقة، وانضباط في أعلى المستويات لوضع حد لأية احتمالات ممكنة للتجاوزات السلبية وهذا من أرقى نظم الإنسانية وأعلاها.

هل الحجاب وسام أخلاق؟
كما ذكرنا سابقاً الحجاب هو حاجز للحيلولة دون إثارة الفتن والغرائز، فهو أداة لمنع الأذى أن يصيب المرأة، أو يحرّك السوء في النفوس، فيقع أذى على الصعيدين الفردي والاجتماعي، وبالتالي فليس منطقياً بحال من الأحوال أن نقول بأنه وسام أخلاق وفضيلة لمن ترتديه، تماماً كما هو ليس دلالة انحدار أخلاقي لمن تنزعه، والشّواهد كثيرة بين النساء اللواتي جعلن من الحجاب غطاء لأفعال سوء، أو احتجبن ولم يقف الحجاب حائلاً بينهن وبين سوء أخلاقهن، كما هي كثيرة أيضاً لمحجبات كُنَّ على أعلى مستويات التميز والتقدم العلمي والعملي، فلم يقف الحجاب حائلاً بينهن وبين إثبات أنفسهن والارتقاء بعقولهن لمصلحة أمّة، والأمر هو ذاته لمن لم تحتجب، فما الغاية إذاً من الحجاب مادام لا يركز لفضيلة ولا ينفي رذيلة؟

الغاية هي كما ذكرنا إحاطة المجتمع بضوابط منطقية حكيمة تمنع أحد مسببات وقوع الأذى، وتحمي أفراده، سواء كانت المرأة أو الرجل، تحميهم من مزالق الفتنة ووقوع الفساد.

ولا يمكن لأحد أن ينكر كيف تكون النظرة لامرأة أظهرت مفاتنها، وتوجهت للمجتمع تخاطب فيه الفكر والعقل، كيف يتلقى بعض الذكور خطابها مهما كان علمياً أو عقلياً متوازناً، إنهم في الحقيقة لن يروا فيها سوى تلك الصورة التي أعجبتهم، وحركت فيهم الغريزة، ليلقوا تعليقاتهم عليها جزافاً، وينسفوا كل العلم والعقل الذي خاطبتهم به.

المعادلة واضحة في الإسلام، وهي: هناك حاجة وضرورة مُلحّة على أن تقوم المرأة على دورها المطلوب، وأن تعمل بفاعلية في كل مجال يوافق قدرتها وعلمها وطاقتها، وهناك شراكة على بناء المجتمع ونهضته، تنتظرها كي تتقدم وتثبت نفسها دون تحرج أو تردد، والمطلوب منها في حضورها الفاعل هذا أن تضبط الإيقاع عبر حجاب يصونها من عيونٍ ملوثة وأدمغة لا تعمل إلا باتجاه سلبي، وألا تسمح إلا بأن يخاطب منها العقل والروح، لا أن تخاطب كجسد في ميدان يتطلب الجدية في حمل الهم، والهمة في تحقيقه.

الثوابت في كل مرحلة قد تتزعزع، والمهم كيف نعمل العقل، ونحسن التعامل مع كل ما يحاول هدمها.

النسوية.. نموذج الحياة الواحدة

“كوني امرأة حرة.. احصلي على وظيفة.. سافري.. إن لم تحققي أحلامك فلن يحققها لك أحد”، عبر كلمات كهذه أطرت النسوية نموذج الحياة الذي ستسير عليه النساء وتقيِّدن به حياتهن، كلمات صارت هدفًا أسمى للأجيال الحالية من الفتيات ولطفلات اليوم اللواتي لا يعرفن نموذجًا آخر للحياة سوى هذا.

حاولت النسوية عبر ذاك الخطاب الذي وُجه عالميًا عبر وسائل الإعلام -بوسائطها المتعددة- تكريسه وجعله النموذج الأوحد الذي يجب على النساء أن يتبَعنه، خطاب بات فردانيًا ويصعب فصله عن شعارات التنمية البشرية الساذجة كتحقيق الذات والإنجازات الشخصية وغيرها، وتفضيلها على الأسرة والأبناء وجعلها هدف الحياة الأسمى كأن تأسيس الأسرة وإنجاب الأبناء ليسا مسؤولية مختارة بحد ذاتها أيضًا، حتى صارت النظرة المجتمعية لمن تتخلى عن هذا النموذج لصالح النموذج الذي يناسب حياتها وحياة أسرتها، وتفضل حياتها الاجتماعية على المهنية والعلمية، نظرة ازدراء وتحقير، بحجة أنها امرأة فارغة بلهاء سلمت قياد نفسها للرجل ورضيت البقاء في المنزل وهدمت طموحاتها.

كيف وضعت النسوية نموذجًا لحياة واحدة؟
كان للتركيز على الجانب الاقتصادي للأسرة ونقد اعتمادها على الرجل الذي يجلب الدخل وبالتالي يتحكم بها، والمطالبات بمساواة المرأة في فرص العمل والأجور، وربط تحقيق الذات بالعمل المأجور خارج المنزل، وعدم تقدير أي عمل غير مأجور ماديًا كالرعاية، والتأكيد على فكرة المساواة وأن المرأة باستطاعتها العمل في أي مجال كما الرجل، كل ذلك كان له تأثير كبير في دفع النساء للعمل خارج المنزل كأنه سيكون المحرر لهن من استعباد الرجل في منظومة الأسرة.

وبالطبع فإن دخول سوق العمل سيتبعه الكثير، أولها المؤهلات التعليمية الموحدة بين الذكر والأنثى وتوجيه النساء لاختيار تخصصات بعينها تتطلب فيما بعد عملًا بشروط معينة لا تسمح لها بأخذ حياتها الأسرية والاجتماعية بعين الاعتبار، وثانيها الاستمرارية وعدم الانقطاع، فانقطاع المرأة عن سوق العمل للحمل والولادة والاعتناء بأطفالها حديثي الولادة سيجعلها تخسر مكانًا قد لا يتاح لها في السوق لاحقًا، بالإضافة لخسرانها سنوات من الخبرة ومن مواكبة سوق العمل ومعرفة التغيرات التي تحصل في عالمنا السريع.

وهكذا صارت فرص الحياة محصورة في الدراسة الجامعية ثم دخول سوق العمل في أي وظيفة كانت، حتى بات هذا يلعب دورًا في رفضها أو قبولها لتكوين أسرة أولًا وفي إنجاب الأطفال ثانيًا على حساب مهنتها، وعلت أصوات تدعو لرفض الإنجاب مقابل الاكتفاء بنجاح في سوق العمل وفي جلب الدخل والسفر حول العالم وما يسمى بـ “تحقيق الأحلام الشخصية”.

ماذا قدم لنا النموذج الواحد؟
كان أبرز سيئات تطبيع هذا النموذج حول العالم هو عدم مراعاته للاختلافات الفردية بين النساء -كما هو حال أي نموذج أوحد يحاول أن يفرض على البشرية فرضًا- وكون الاختلاف عمود الحياة فما يناسب امرأة لا يناسب أخرى في اختيار الأفضل لها ولعائلتها في العمل خارج المنزل أو داخله، في تفضيل الحياة الأسرية وجعلها أولوية أو اختيار المسار المهني في المقابل.

وهذا النموذج المادي من الحياة جعل الكثير من ربات البيوت محبطات يحسبن أنهن ضيعن حياتهن ومستقبلهن بالبقاء في المنزل والاعتناء بأطفالهن، ولم يحققن ذواتهن. وهنا على هؤلاء الأمهات طرح هذا السؤال على أنفسهن: هل صار تحقيق الذات مساويًا للعمل خارج المنزل وجلب المال؟

ولسنا بحاجة لذكر أن هذه الاتهامات الموجهة للمرأة غير العاملة في الخارج تتعامل مع سوق العمل على أنه المكان الذي يراعي النساء وقدراتهن النفسية والجسدية، ونحن نعلم حق العلم أنه مكان يطحن الرجال قبل النساء برأسماليته وأهدافه الربحية والإنتاجية غير الإنسانية، “ناهيك عن أن الواقع المتخفي خلف النموذج الجديد هو واقع معدلات الأجور المُحبِطة وانخفاض الأمن الوظيفي وانخفاض المستويات المعيشية والارتفاع الحاد في عدد ساعات العمل مقابل وقت الاهتمام بالشؤون المنزلية، وازدياد الأعمال ذات الورديتين والتي أصبحت تصل إلى ثلاث ورديات أو أربع، وانتشار الفقر وخاصةً في أوساط الأسر التي تعيلها نساء”[1].

تقول النِّسوية نانسي فريجر: “إن النِّسويات اللاتي كنّ يرفضن في السابق المجتمع الذي يروّج للوصولية أصبحن الآن ينصحن النساء بالتماهي معه. الحركة التي كانت في السابق تمنح الأفضلية للتكافل الاجتماعي، أصبحت الآن تحتفي بسيدات الأعمال. المنظور الذي كان في السابق يمنح قيمة للرعاية والاعتماد المتبادل أصبح الآن يشجع الارتقاء الفردي والاستحقاقراطية”[2] كانت الكاتبة في هذا المقال تناقش كيف صارت النسوية تخدم الرأسمالية دون أن تشعر فأخرجت النساء من تحت الدلف إلى تحت المزراب كما يقال، وهذا يوضح كيف صارت النسوية مستغلة من مختلف الأطراف كل حسب مصلحته.

إن النماذج التي يمكن للمرأة وللإنسان عموما أن يسلكها متعددة ولا يمكن حصرها، فالعلم مثلا لا يمكن التوقف عن تحصيله بانتهاء المرحلة الجامعية مثلا ولا يصح حصره في الجامعة والشهادات العليا أساسًا، فما يزال المرء في استزادة من العلم من مختلف المصادر مهما تقدم في العمر أو زادت مسؤولياته كل بحسب وقته وحاجته وأولوياته، وحتى العمل إن رأى أنه بإمكانه تقديم شيء للمجتمع يفيد منه ويستفيد فإنه لا عمر يحده، إذ لا نموذج واحد للحياة يشمل الجميع. والخيارات المفتوحة المرنة الآن كالعمل على شبكة الانترنت أو التعلم عن بعد يتيح للنساء مجالًا كبيرًا بديلًا عن ساعات العمل الطويلة التي تلزمها بالتخلي عن جزء كبير من حياتها الاجتماعية وأن تَكِل مسؤولياتها إلى الغير.

وكما نرفض التنمر الذي تمارسه النسويات على نساء المجتمع اللواتي فضلن الحياة الأسرية فإن هذا لا يعني أن نمارس نفس التنمر على من اختارت حياة العمل بإرادتها لحاجة نفسية أو مادية فالشيء بالشيء يذكر. أقول أننا -كنساء- ركبتنا أحلام ليست لنا، والحياة أوسع من أن نحاكم أنفسنا لما يحاول غيرنا أن يفرضه علينا ولكل مرجعيته وأولويته في الحياة، وأي محاولة للسيطرة على هذا الاختلاف ستبوء بالفشل ولن تورث سوى الإحباط لمن لا تستطيع تحقيق نموذج “السوبر وومن” للمرأة التي تترقى في درجات العلم وتنخرط في سوق العمل وتحقق النجاحات والإنجازات وقد كَونت أسرة صُوِّرت على أنها “ناجحة” وجعلوها قدوة ومثالًا يحتذى.

_______________________________________________

[1] – من مقال مترجم للكاتبة نانسي فريجر نشر على موقع حبر:

https://www.7iber.com/politics-economics/feminism-capitalist-handmaiden-neoliberal/

[2] – المرجع نفسه.

الحجاب.. إخفاء لجمال المرأة أم العكس؟

إن من أحكام الإسلام ما يرتبط بالفرد ومنها ما يرتبط بالمجتمع، إذ لا يستقيم الفرد السقيم بالمجتمع الصحيح، ولا يستقيم الفرد الصحيح بالمجتمع السقيم. فالنهي عن الشرك بالله وشرب المسكرات وأكل لحم الخنزير وإضاعة الصلاة والإفطار في رمضان هو مما يتعلق بالفرد تعلقاً مباشراً، أما النهي عن القتل والربا والزنا والسرقة وأكل مال اليتيم والغيبة والنميمة والكذب فهو متصل بالمجتمع اتصالاً مباشراً. ومعنى هذا الذي نقول: إما أن تكون عاقبة فعل النهي واجتناب الأمر على الفرد أو تكون على المجتمع.

هل الحجاب يرتبط بالفرد أم بالمجتمع؟
“إنه لا يرتبط بالفرد إذ ليس خلعه بفعلٍ شنيع يضرني، ولا يتعلق بالمجتمع إذ إنني حرة ولا أضر غيري أو أرتكب جرماً بعدم ارتداءه، وبالتالي فهو ليس حكماً شرعياً بل مما جرت عليه العادة”، هذا ما تبرره لنفسها غير المتحجبة وهذا ردي على تبريرها: إن من الأخلاق ما ترتبط بالرجل ارتباطاً وثيقاً ومنها ما يرتبط بالأنثى ارتباطاً شديداً، فالشجاعة والتضحية والكرم والإيثار مطلوبين عند كلا الجنسين، لكن لا أحد ينكر أنهم بالرجل أولى وألزم، أما الحياء والعفاف والاحتشام فهم رغم أن كلا الجنسين مطالب بهم، فهم بالأنثى أولى وألزم.

ولا يمكن لعاقل أن يحصر الحياء والعفاف والاحتشام بلبس الحجاب، فيصف كل من تلبسه بالصفات التي ذكرت، ويجرد كل من تخلعه من الصفات ذاتها. ولكنه ينطوي على قدر كبير من تلك الصفات، ومن هنا كان ارتباطه بالفرد.

أما ارتباطه بالمجتمع، فمن المعلوم بداهة وعلماً أن الرجل يُثار بالبصر وأن المرأة تُثار بالسمع واللمس، لذلك يندر أن ترى رجلاً يشتكي من زوجته عدم إسماعها له الكلمات الغرامية، بل يشتكي من عدم اهتمامها بملابسها أو شعرها أو ما شابه. وكذلك قلما تجد امرأة تشتكي من زوجها عدم ارتدائه ملابس جميلة أو تصفيف شعره، بل تشتكي من عدم محادثته لها كلاماً رقيقاً وإبقاء مشاعره مكتومةً دون إفصاح. لذلك إذا أردنا مجتمعاً سليماً فلا بد من ارتداء المرأة للحجاب لقطع الطريق على العازب من الوقوع في الزنى وعلى المتزوج من نبذ زوجته والزهد فيها، وكذلك لابد من كتم أفواه الذكور عن أحاديث يقصد من ورائها إيقاع الفتيات واللعب بعواطفهن وابتزازهن في أغلى ما يملكن.

والآن، هل الحجاب يخفي جمال المرأة؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نسأل عمّن يكون الإخفاء؟

الإخفاء يكون عن كل من ليس من محارم المرأة، وهي ليست مطالبة بإظهار جمالها للغادي والرائح وإنما حجبه، وهذا واجبها تجاه نفسها وتجاه المجتمع، وقبلهما تجاه الذي بيده ملكوت السموات والأرض.

إن قولنا إن الحجاب يخفي جمال المرأة هو كقولنا إن عدم إيقاع الشاب بالفتاة واللعب بعواطفها عن طريق الكلام المعسول يخفي بلاغة كلامه وقوة بيانه! فالأول واجبها تجاهه لخلق مجتمع سليم، والثاني واجبه تجاهها لذات الغرض وهو أن نخلق مجتمعا صحيحاً نظيفاً لا يكون “الشاطر” فيه من يفتن الآخر ويوقع به.

إذن مما سبق ندرك أننا لم نقصد أن ترتدي الفتاة حجاباً لتغطي شعرها في حين ترتدي بنطالاً أضيق من مقاسها، وتضع مكياجاً ملفتاً لنظر من يراها على بعد مئة متر! وإنما قصدنا أن يكون الستر والاحتشام منهجها، فتراعي أن تكون ملابسها لا تكشف ولا تصف ولا تشف ولا تلفت الانتباه. ومن تبرر إظهارها كامل مفاتنها عن طريق المكياج والملابس الضيقة والملونة والكاشفة عن جزء من جسدها بأن “الله جميل يحب الجمال”، فلتعلم بأن الجمال الذي يحبه الله يكون فيما أباحه لعباده لا فيما نهاهم عنه، وهو في الملابس بأن ترتدي ثوباً نظيفاً مكوياً مرتباً.

أخيراً، قد يكون هنالك من قرأ مقالي دون أن يعيه إذ دخل عليه وهو يريد أن يقرأ ما يوافق شهوته لا ما يخالفها، وهذا من لم أخاطبه في مقالي، إذ اتخذ من هواه إلهًا، فهو مستعد في سبيل اتباع هذا الإله والتهرب من أمر الله تأويل النصوص القرآنية على غير سياقها ونسف الأحاديث الصحيحة، إذ أصبح ما يخالف هواه كجبلٍ جاثمٍ على قلبه فهو لا يريد إلا التخلص منه وإبعاده عن تفكيره، وذلك إرضاءً لضميره!

الحجاب والعبودية

في خضم كل الحملات التي تدعو لتغطية الثمرة المكشوفة وحفظ الجوهرة المكنونة من مرضى القلوب وعبيد الشهوات، وتختزل الكثير من معاني تدين المرأة في تغطيتها لجسدها أو كشفه؛ تتجلى ضرورة النظر للباس المرأة في الإسلام ضمن كليات الشرائع المفروضة التي تحقق معنى العبودية لكل من أسلم نفسه لله ودان بهذا الدين.

فحديثنا عن لباس المرأة قبل أن يكون حجبا للأنوثة وإظهارا للإنسانية التي تستطيع المرأة من خلاله ممارسة نشاطها المجتمعي، إنما هو تحقيق لعلاقة العبودية بينها وبين الله وعهد منها بالتزام هذا الدين القيم، في عالم جل ما يحارب من أجله هو إسقاط نظرة الإنسان لنفسه على أنه عبد مستخلَف، ويغرس فيه أنه المركز والسيد الآمر الناهي.

والخطاب الذي يشجع المرأة على اللباس الساتر لأجل حفظ المجتمع من الفساد والانحراف، وحفظ جسد المرأة، قد يغفل علاقة العبودية لله التي تكرم المرأة، وتدفعها للالتزام باللباس الساتر ضمن جملة الفرائض التي تقوم بها لتحقيق أسمى درجات الحرية وهي عبادة الله فوق ما سواه.

فلا يكون سيماء المرأة في الإسلام -كما أسماه الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله- له معنى إن كان تابعا للمخلوق ومصلحة المخلوق قبل أن يكون تابعا لله، وبهذا تسمو العلاقة روحيا بهذا اللباس الذي هو منظومة قيم قبل أن يكون قطعة قماش [سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة، د.فريد الأنصاري، منشورات ألوان مغربية،الرباط، 2003م].

إعلانات السجائر حاولت استقطاب المرأة عبر التركيز على تحررها

وما تحرير المرأة من تلك العبودية ومن منظومة القيم إلا فرض قيم أخرى عليها وتسويق عبودية جديدة لغير مستحقيها، فصيحات الأزياء وممولوها يستغلون بشكل خفي أو بآخر عبر الدعاية والتسويق دعاوى تحرير المرأة من ذكورية الأديان التي تفرض عليها الستر والتغطية، مفسرين ذلك بضرورة اختيار المرأة للباسها بعيدا عما يفرضه الدين الذي جاء لحجب الأنثى وإضفاء السيطرة الذكورية عليه.

لكن هذه الدعوات تواجَه بازدواجيتها المكشوفة؛ فكيف تدّعي أن على المرأة اختيار ما تلبسه وهي لا تختار ما تلبسه بل يفرضه عليها السوق؟ وكيف تبتعد عن ذكورية الأديان واختيارهم لما تلبسه إذا كان مصممو الأزياء العالميون ذكورا أيضا؟ هل تُعطى المرأة في عالمنا رفاهية اختيار صيحات الأزياء المسوقة؟ هل تساءلنا يوما عن القيم الأخلاقية التي يتبناها أصحاب شركات الأزياء العملاقة ديور وسان لوران وجافنشي وغيرها؟

إسلام السوق
والحجاب غير بعيد عن كل ذلك، فمؤخرا بات صيحة ووجها آخر لسيطرة قيم السوق الاستهلاكية كما يقول صاحب كتاب (إسلام السوق) “فالحجاب نقل إلى سياق استهلاكي سرعان ما سيدمغه بقيمه ومعاييره الخاصة وسيدخل في صراع مع الأصل الإسلاموي الذي يرفض فكرة موضة الأزياء ويعده تعبيرا عن حالة الاغتراب الثقافي وتبذيرا ومصدرا للإغراء” [إسلام السوق، باتريك هايني، ترجمة عومرية سلطاني، الطبعة الأولى، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، 2015م، ص72].

وانتشار “الفاشينيستا” المحجبة أيضا التي هي لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء يعبر عن حالة “الاستلاب الحضاري” التي نراها ويجر أسئلة حول مقياس العبودية المطروح أعلاه وما إذا كان هو معيار التزامنا بالفرائض أم أن تديننا أصبح أيضا حسب السوق، فخضوع المرأة المحجبة بزيها الذي يفترض فيه الاحتشام لمخيالات أصحاب دور الأزياء ما هو إلا وجه آخر من اتباع قيم المخلوقين التي فرضوها عن طريق ادعاء التحرر وفك القيود، والتحكم بالعبودية بدل أن تتوجه لمستحق العبودية وصاحب الخلق والأمر. [فلسفة الزي الإسلامي، أحمد الأبيض، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ص26].

أصبح التبارز العالمي الآن مكشوفا في تسليعه للجسد عموما وجسد المرأة خصوصا وتبذله في التكشف والتغيير والتجمل والتجديد والنضارة والتخليد، مما يعيدنا للحديث عن فلسفة الجسد وفهمنا لهذا الكيان المخلوق وتكريم الله له بنفح الروح الآدمية فيه ارتقاء به عن مستوى الحيوان، ويجرنا لفهم العلاقة بينه وبين الستر والكشف على مدى التاريخ الإنساني، وكيف نظر الدين إلى هذا الجسد باعتباره أمانة ومسؤولية ووسيلة للعمران وعنصرا من عناصر الاستخلاف، لا ميدانًا للتفاضل العقيم.

إن الحجاب كقيمة إسلامية مرتبط بتعاملنا معه وقبولنا أو رفضنا لتطويعه وسيولته وفقا للحداثة التي أذابت العالم، ولو أن الحجاب لا يعني القبح وإهمال المظهر لكنه أيضًا لا يجعل المرأة أجمل كما تروّج بعض الخطابات، ولم يُفرض ليجعلها أجمل أصلًا إن كان معيار الجمال هو ما تنشره الحداثة وتجر الناس كالقطعان إليه، وطرح هذا الخطاب للفتيات -الصغيرات منهن خصوصا- عدا عن كونه مغايرًا للحقيقة، لكنه أيضا يصادم ما يغزوهن الإعلام  به من تصوير مغاير للجمال والقبح، وهنا يكون البقاء للأقوى خطابيا والأكثر تأثيرًا وتكرارًا. وربما لا يسع المقام الآن الحديث عن القيم الجمالية بعد أن مَسختها الحداثة وصار كل ما يُسوّق ويشيع جمالًا بغض النظر عن أي ذوق أو خلق.

أخيرًا أقول إن نظرتنا للحجاب وأهميته في تنمية الفضيلة في المجتمع وارتقاء التعامل الإنساني بين الرجل والمرأة، لا يجب أن تقل أهمية عن نظرتنا له على أنه شريعة إسلامية تحقق أسمى درجات الانقياد والإيمان، وربما كان على الخطاب الإسلامي توجيه دعوته والموازنة بين مستويات الخطاب، وألا تكون دعوتنا مجرد ردة فعل عن بعض الظواهر التي نراها والتي ربما ولدت تأثيرًا سلبيا لم يُقصد.