مقالات

فلسفة التفرّد في الإسلام

أبتدئ مقالي هذا بالسؤال الآتي: هل هناك أسمى من رسالة الإسلام لكي تصل عموم البشر وتخرجهم من الضلال إلى الهداية والنور؟

بالنسبة لنا –نحن المسلمين- فإننا لا نظن بغير ذلك. لكن هل يبرر لهذه الغاية النبيلة أن تعمّم عبر إغواء الناس بمن يعظّمونهم ويقتدون بأفعالهم وقراراتهم؟ ومن يقرأ في حادثة ابن مكتوم الأعمى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجد أن الجواب “لا”، حتى إن كان ذلك يعني الوصول لأعداد غفيرة في وقت قصير ودخولهم الإسلام جميعًا، فلم تشفع غاية الرسول في دعوة أشراف مكة ليتبعهم أهلها، في دفع العتاب الرباني على عبوسه وإعراضه عمن قصده في السؤال ليهتدي إلى دين الله بنية صادقة.

ولعلّ الحكم في هذا، أن دخول هذا الدين يبدأ بتزكية النفس أولاً من الاتباع، اتباع الشهوات والهوى وما ينطوي فيهما من رجاء وابتغاء في الآخرين، فذلك جوهر تسليم الأمر كله لله تعالى، في رد الشر وجلب الخير.

هي العبودية الأمثل والأجدر للاعتناق، لأنها تحترم مشيئة الإنسان فتدعوه بمخاطبة عقله وإجابة أسئلته ومن ثم تستميل الإيمان في قلبه حتى يبلغ اليقين. إنها ليست عبودية رِقٍّ تسلب الإنسان حريته، بل عبودية رُقِيٍّ تضبط النفس البشرية وتهذبها بما يتوافق مع تكليفها.

عِبَرٌ لا بدّ منها!

نمرّ على هذه الحادثة التي خلّدها الله تعالى في كتابه العزيز، ونغفل عن ماهية تفرد كل إنسان في اختياره المكفول له حتى يلقى حسابه.

إن كل طفل يولد، يتعلّم مفتاح الحرية في كلمة (لماذا؟)، ويستمر الأطفال بممارسة هذه الحرّيّة في السؤال حتى يتوقف بعضهم في مرحلة ما، أهمّ الأسئلة بدأت بهذه الكلمة، وأعظم الاكتشافات نتجت عنها.

لماذا سقطت التفاحة؟ وكأن التفاح لم يسقط قبل ذلك من شجرته! إنه استفهام السببيّة الذي يُظهِر حرية عقلك في التفكير، ويدل على أنك لست خاضعًا لفهم من حولك، والذي يمكن أن يكون قاصرًا أو منحرفًا أو متقاعسًا ومؤدٍّ لعللٍ عديدة أخطرها أنه ليس هناك قدرة على الالتزام بمتطلبات التغيير أو حتى الرغبة في ذلك.

يمكننا أن نرى انعكاس أبعاد هذا الهدي الرباني في قصة الأعمى على ما وصلنا إليه من ضعف في هويتنا الإسلامية. ولا أقول بسبب قوة التأثير، بل هو ضعف حقيقي بدرجات متفاوتة تصل للافتتان التام.

أتباع الثقافة الغالبة

هم فئة يدينون في تصرفاتهم لما يملى عليهم بشكل غير مباشر، فيتابعونهم عبر التقليد والإجابة عن سؤال المظهر لديهم، كيف يلبسون؟ ماذا يأكلون؟ كيف يتكلمون؟ من يصادقون وينصرون؟.

يظنون أنهم عبيد لله تعالى ويدينون بحقه وعلى صراطه المستقيم فيما يفعلون لكنهم تابعون للمؤثرين حاملي لواء الثقافة المشوهة من الغرب على أنها جزء من حضارته. وأدهى من ذلك اعتقادهم أنهم أحرار في خياراتهم ومتفردين في اتخاذها.

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، يا معلّمنا وقدوتنا لو كنت بيننا اليوم، فكيف نقول ونوضحُ لجنابك –حتى- أصغر خيارات المسلمين في حياتهم؟

تضع بعض الفتيات الطلاء على أظافرهن، وتخالف لون البنصر عن بقية الأصابع. تسأل إحداهن لماذا اخترت ذلك؟ فتقول: لا أعلم، قد رأيت هذا الشكل على أظافر غيري فأعجبني، ففعلت! فإن أعلمتها أن هذا الفعل يعرف أساسًا بـ(Femme Flagging)  في الثقافة الغربية بأنه كان سائدًا كإشارة بين الشاذين والشاذات لرغبتهم في ملاقاة نفس الجنس، فحينها –قد- تشعر بالخجل.

بمثال آخر، فإنك قد تتكلّم مع أحد الفتيان، فيحدّثك بفخر عن عمل قام به ثم يتبعها بحركة (Dabbing)، فتسأله لماذا اخترت هذه الحركة تحديدا فيقول: لا أعلم، حركة رائعة يفعلها الجميع. فإن أعلمته أنها إشارة رمزية لتدخين الحشيش بين مغنّي الراب، لربما شعر بالخجل.

والشعور بالخجل -على الأقل- أمر محمود؛ إذ إنّه مرتبط بالهوية الدينية ويضعها فوق الاعتبار. أما أولئك الذين ينكرون المعلومة، ويستخفّون بضررها، ويحفظون القاعدة الفقهية القائلة: “الأصل في الأشياء الإباحة” دونما تحرٍّ في البحث، فإن مفتاح الحرية لديهم يتحوّل من (لماذا)؟ إلى (لِمَ لا)؟ في كل جديدٍ طارئٍ مستحدَث.

بكل تأكيد فإن هناك فرق بين السؤالين ولو بدا ظاهرا الحرية فيهما، إلا أنّ الأول متحفِّظٌ والثاني متحرر. وبينما يتحقق الأول من الموانع والضوابط، نجدُ الثاني دافعًا للترغيب بالمنفعة واللذة كيفما اتفق. وهؤلاء “المتحررون” من الضوابط أولُ من يسارع لاتهام المحافظين بالتشدّد، وشعارهم في الحياة لكل بدعة جديدة أن “الدين يسر” وأن مضمون الرسالة الإسلامية العقدية أهم من هذه الشكليات المرمّزة. ولو أنك اقترحت عليهم جدلًا تزيين الأظافر بشعار الحزب النازي، أو حيَّيْتَهم بتحية هتلر، لرأيت الزجر والتشدد في الهوية الإنسانويَّة المستحدَثة!

حين يتحوّل التهديد الناعم إلى وحشٍ شرس!

تهديد الهوية الإسلامية هنا تحديدًا ليس في اتباع المسلم للسمت العام المتحرر وتعرضه للزلل في السلوكيات الناجمة عنه، فكل امرئ –غير معصوم- ضعيف أمام المغريات وقد يقع في الأخطاء، وإنما التهديد هنا بارتضاء التبعية وما تبطنه من قناعات قد تتعارض مع الإسلام دون التثبّت منها، بحيث يتأثر تدريجيًّا بأفكار ما بعد الحداثة التي يهمين على محتوى قنوات التواصل الاجتماعي، والتأثر بالبيئة الخصبة لترويج الاستهلاكية واللحظات الآنية والسخرية.

فوق ذلك، نرى أولئك وجوه الإعلام الافتراضي المؤثرين -ممن يرسّخ هذا الفكر- يسعون لإضفاء طابعهم الشخصي المتفرّد في كل أمر عن علم ودون علم، وفي أحيان كثيرة يصبح رأيهم بمثابة التشريع لمتابعيهم.

إن المفارقة هنا أن القول السديد عند غالبية المؤثرين يفصّل على قياس سعة قبول المتابعين، فلا أحد يريد أن يخسر متابعيه. وفي غياب المرجعية الدينية وتحت وطأة اعتناق هذا الفكر اللقيط والمضطرب ذاتيًّا، سواء من المؤثر أو المتابع، لا مناص من انتقاد الإسلام بنفس كيفية التشكيك في جزئيّات العقيدة والعبادات والمعاملات، وتغليب أجزاء على بعضها؛ وهكذا يغدو من الطبيعي الإيمان بأن الله الرحيم سيدخل الملحد الخلوق الجنة! وأن في بعض مناسك الحج مظاهر وثنية يجب أن تلغى! وأن الاقتراض مع وجود أضرار الربا تَحِلُّ للمحتاج! وغير ذلك مما يقدّمه هؤلاء المؤثرون، وكل هذا على فرض أن المؤثر الجاهل يقدِّم فكره بحسن نية، فكيف لو كان مدفوعًا لتغيير فكر المتابعين؟!.

إن المصيبة الحقيقية تكمن في أن عمل المؤثر على المنصات الافتراضية معرّضٌ دائمًا للاستغلال من قبل أجندات كثيرة تخدم مصالح الساعين لإفشال أي محاولة نهضويّة أو إصلاحية في مجتمعاتنا، وتلك المصالح التي تقتضي تغيير فكر العامة في إنشاء انطباعات بديلة، واستحسان بِدَعٍ جديدة، وتبنّي آراء غريبة …إلخ، بما يمتلكون من أساليب إعادة التوجيه وإحكام السيطرة.

وهذا الأمر مارسته الشركات الرأسمالية في الإعلانات بصفاقة قبل أن تعتمده الحكومات. إذ ما معنى أن يدعو لاعب رياضي محبيه لأكل الدجاج المقلي، ورقائق البطاطس المهدرج زيتها، وأن يشربوا المياه الغازية المحلّاة في الوقت الذي يمتنع هو عن ذلك لدواعي الصحة واللياقة؟

وفيكَ انطوى العالَم الأكبر

هناك شيء ما في فطرة الإنسان يدفعه في قرارة نفسه للاعتقاد بأنه مميز ومتفرد كبصماته. أليس عجيبًا أن نتشابه في الأسس التشريحية للأجساد ونتمايز في تفاصيل البصمات البيولوجية؟ وكأن الله تعالى يقول لك إنك متفرد لديه، فلا تظننّ نفسك نكرة بين الناس.

إنّ تَفرّد الإنسان في فلسفة الوجودية يكمن في حريته التامة في التفكير والاختيار والإرادة، دون قيود مادية أو معنوية، ولعل ذلك ما يلتبس على البعض فينزع صفة التفرّد عن العبودية لله في الإسلام، مستندين على تلقين الله الدين لعبده. لكن في ذات الوقت هذه الحرية التامة (الخيالية) تقتضي عدم التأثر بحوافز وأحكام ومنافع… إلخ مما يجعل وجودها في الإنسان يعدُّ ضربًا من الخيال، لأنه مجبول على حب الشهوات، ويُسأل عما يفعل، ويحتاج لوجود الآخرين.

إن ذلك يقودنا إلى أن حرية الإنسان تحتاج لأن تكون مقيدة بشكل أو بآخر كي تكون واقعية؛ أي أن تكون متأثرة بضوابط معيّنة سواء بتعاليم الدين أو القانون أو العرف الاجتماعي أو غير ذلك. وهنا نستطيع أن نقول: إن تفرد المرء لا يتعارض مع الحرية المقيدة إن كان من يفرض القيود ذو حرية تامة مطلقة.

يتمثل هذا التفرّد –في الإسلام- بحرية المرء في مقاومة هوى النفس. بمعنى آخر، حتى لو وحّدنا الدين على الناس جميعًا لبقي كل إنسان متفردًا في عمله الصالح وتقربه لله تعالى؛ لا يطغى عمل عبد على آخر، ولا يجزى عبد دون الآخر، ولا يؤاخذ عبد بعمل الآخر.

وهذا هو التفرّد الحقيقي القيّم بمعزل عن التفرّد الظاهري في خيارات الناس وتصرفاتها المتأثرة ببعضها البعض. وهو ما يحقِّقُه الله تعالى لكل عبد وضع دينه نصب عينيه في تفكيره وخياراته، وابتغى مرضاة ربه في عمله.

مدرسة الروابي للبنات .. لا للتنمر .. نعم للتمرد!

في الثاني عشر من هذا الشهر أطلّت علينا نتفليكس بإنتاجٍ جديد ناطق بالعربية ألا وهو “مدرسة الروابي للبنات”.

إنه مسلسل صُوِّر في الأردن بطاقم تمثيلٍ أردني، ويناقش بشكل أساسي قضية التنمّر في المدارس، من خلال تعرُّض إحدى طالبات مدرسة الروابي للبنات للتنمّر من قبل مجموعة من زميلاتها. ويتطرق المسلسل كذلك إلى قضايا مثل التحرّش وما يسمى بـ “جرائم الشرف”.

فماذا حمل لنا مسلسل نتفليكس الجديد في ثناياه؟ وهل اقتصرت رسائل المسلسل على هذه القضايا؟ وكيف تم استعراض هذه القضايا يا تُرى؟

بين “جن” و”مدرسة الروابي للبنات”

مسلسل “مدرسة الروابي للبنات” هو ثاني أعمال نتفليكس في الأردن، بعد مسلسل جن الذي صدر قبل عامين. وقد كان حينها محط جدل لعدة أسبابٍ منها ألفاظه السوقية وتصويره لنمط حياة غربي في العاصمة الأردنية عمان. أما من ناحية فنية، فقد كان العمل بقصة ضعيفة للغاية وحبكة غير واضحة مليئة بالفجوات.

فماذا عن “مدرسة الروابي للبنات”؟

على عكس “جن”، فإن مسلسل “مدرسة الروابي للبنات” يقدّم قصة محبوكة ويناقش قضية واضحة، لذا فهو أفضل نسبيًا على المستوى الفني. وقد استفاد “مدرسة الروابي للبنات” من تجربة سلفه فكان خاليًا تقريبًا من أي لفظٍ خارج، مما يزيد من تقبّل العمل عند المشاهد، وهذا يسمح بتوسيع رقعة المشاهدين كمًّا ونوعًا، وبذلك يكون المسلسل أكثر قدرة على إيصال رسائله.

فماذا كانت تلك الرسائل؟

لنعد هنا إلى ريد هاستينغز، الرئيس التنفيذي لنتفليكس ورئيس مجلس إدارتها، حيث أشار –في إحدى اللقاءات قبل عامين- إلى أن صناعة الترفيه تقوم على مشاركة أنماط الحياة (life styles) مع الآخرين. وهذا بالضبط ما قامت به نتفليكس في مسلسل “مدرسة الروابي للبنات” -وفي مسلسل جن قبله-، حيث يُسوَّق التطبيع مع نمط الحياة الغربي في كل فرصة ممكنة، بدءًا من ملابس الشخصيات ومظهرهن إلى طبيعة العلاقات بين الجنسين.

كانت طالبة الثانوية التي ليس لديها “صديق” غريبة بين زميلاتها، ورغم أن المسلسل يدور حول التنمّر إلا أنها الفتاة الوحيدة التي وُصفت بأنها بشعة أو غير جميلة، ويا للمصادفة كانت -في الوقت نفسه- هي الوحيدة المحجّبة بين بطلات المسلسل!

من يا تُرى الذي أشار إلى قلة جمال تلك المحجبة -والمتنمِّرة بالمناسبة-؟ أكنّ زميلاتها اللواتي تتنمر عليهن؟ لا، بل كانت أمها من وصفتها بذلك!

التمرّد على المجتمع!

إن كل تفصيلة في هذا المسلسل ترسم صورة قاتمة عن كل من هم أكبر عمرًا من بطلات المسلسل، بنات “مدرسة الروابي للبنات”. أمٌّ تنعت ابنتها بأنها غير جميلة، وأخرى لا تفهم ابنتها ولا تحترم خصوصيتها ولا تقف بصفها، لدرجة أن البنت تمنّت في لحظة أن تقتل أمها، ومديرة تغطّي على أفعال الطالبة المتنمّرة ابنة المسؤول المهمّ، ومُدرِّسة قديمة الطراز تعترض على كل ما يقوم به أبناء الجيل الجديد. ورجل يتحرّش بطالبة بعمر بناته أو أحفاده، وأبٌ سكير يضرب ابنته. هذا عدا عن الإخوة، والذين تم انتقاؤهم ليكونوا ضخام الجثة خشني الملامح، مزعجون وربما مريبون، وبالطبع لا يحترمون خصوصيات أخواتهم، مع والدٍ يبرر كل تصرّفاتهم.

كلها تفاصيل تجتمع لرسم صورة غاية في البشاعة عن المجتمع عمومًا والذكور خصوصًا. وهذا قد يعطى تبريرًا حتى للتنمّر، فوفق كاتبة العمل ومخرجته فإن التنمّر كان ردة فعل لما تعانيه المتنمّرات في البيئة التي يعيشن فيها. ويذكّر هذا بخطاب المظلومية الذي تستخدمه -بل وترتكز عليه- الحركات النسويّة والأقلّيات.

وعندما تطرّق المسلسل للتحرش ولما يسمى بـ “جرائم الشرف”، عُرضا وكأنهما مجرّد جزء من مكونات تعزز بشاعة المجتمع ككل، بل إنه تم استخدام قضية “جرائم الشرف” للتطبيع مع نمط الحياة الغربي، فصار من الطبيعي أن تذهب المراهقة مع “صديقها” إلى مزرعته النائية الخالية من البشر، وأن يتراشقا الماء في بركة السباحة وغيره، بل هذه هي الجنّة على حد تعبير هذه الفتاة المراهِقة، وتمّ تصوير ذلك على أنه غاية الجمال والرومنسية والنقاء والبراءة!

الخطاب الذي يستخدمه المسلسل باختزال الصورة إلى مجتمع سيئٍ ومراهقات مضطَهدات يعطي لهؤلاء المراهقات المبرّر والدافع للتمرد، خصوصًا أن التمرد هو الطابع العام للمسلسل الذي نعيش أحداثه برفقة بطلته طالبة مدرسة الروابي للبنات والتي تمّ التنمّر عليها، فلم يتعاطف معها أو يتفهّمْها أحد من أفراد المجتمع سواء والدتها أو حتى معالِجَتُها النفسية أو غيرهم، أما الوالد فكان سلبيًا ضعيف الشخصية، ويكتفي بإعداد الطعام للعائلة في مقابل الأم العاملة، في لمحة أخرى من الخطاب النسويّ. فتقرّر هذه الطالبة المضطهَدة خوض رحلة الانتقام برفقة زميلتاها اللتان تم التنمّر عليهما.

ليس من العجيب إذن أن الدعوة للتمرد تصبغ المسلسل ككل، ويتمّ تعزيزها من خلال بعض التفاصيل كالأغاني المستخدمة في الخلفيّة، أغاني شبابٍ كاره للمجتمع، تتلاءم مع أجواء المسلسل، من كلماتها: “هسافر بعيد ولا سلطة تقول لي أعيد وأزيد” و”قوانين بدها تكسير”.

أما ما غنّته صديقتان من بطلات المسلسل فكان من كلماته: “وخالتي التي ترتدي الخمار قالت لي غني براحتك بس حتروحي النار.. بس أنا أبويا ماقلّيش.. فأنا هعمل الصح وأشرب حشيش”!

هذا هو أحدث مسلسلٍ ناطق بالعربية أنتجته لنا نتفليكس، مسلسلٌ بنمط حياة غربي، يصبغ المجتمع بالسواد ويدعو إلى التمرّد، ويوجّه كل هذا إلى من؟ إلى فتياتٍ مراهقات في مرحلة حسّاسة أصلًا من حياتهن، يرسمن خلالها شخصياتهن وتصوراتهن عن الحياة.

تحديات وعقبات في وجه الإعلام الإسلامي

في عالمٍ غدا قريةً صغيرة لا بدّ من الوقوف على أساليب التأثير وبرمجة وعي الجماهير وضبطها، وهنا تظهر وسائل الإعلام والاتصال الحديثة ضمن آليات التوجيه والسيطرة، فقد غدا الإعلام سلطةً حقيقيّة ذات آثار المجتمع والحياة وقوةً ناعمة تتنافس في استثمارها وتطويرها أمم الأرض كلها لتحقيق مصالحها وفرض رؤيتها على الشعوب، وفي هذا المعترك الجديد تتبادر إلى الذهن أسئلة عن موقع المسلمين من هذه من هذه الخريطة وعن التحديات والعقبات التي تواجه هذا الإعلام وسبل التغلب عليها، وعن سبل التقدم والنهوض به وفق معطيات الواقع ومتطلبات العصر خصوصًا أن الإسلام دين عالمي يعتمد التبليغ والإعلام ركنًا أصيلًا في دعوته.

يعاني الإعلام الإسلامي اليوم في جانبيه النظري والعملي من إشكالات تشوب بعض عناصره تؤدي إلى انحرافه في بعض الأحيان عن القيام بدوره الحقيقي المنشود خاصةً في ظلِّ ما تعيشه المجتمعات اليوم من تحديات، فالموجود من إعلام يتحدث باسم الإسلام أو يحاول أن يلتزم بقيم الإسلام ويقوم بالوظيفة الإعلامية الإسلامية هو في حقيقة الأمر إعلامٌ يحتاج إلى إصلاح في مؤسساته وترشيد في رسالته وتأهيل لهيئاته من خلال إعداد الإعلاميين القادرين على القيام بدورهم الإعلامي، ويتطلب ذلك إعدادهم فكريًّا ولغويًّا وثقافيًّا وتخصصيًّا وفنيًّا وخلقيًّا إلى جانب السعي لتجاوز الإشكالات العديدة التي تحيط بهذا المجال.

إشكالات وعقبات

من أهم التحديات التي تواجه الإعلام الإسلامي أن وعي المسلمين المؤثرين بأهمية ودور الإعلام جاء متأخّرًا إلى حد ما، ولم يواكب التطور التقني والمهني للطوفان الإعلامي المعاصر، بل إن بدايات ما يوصف بأنه “إعلام إسلامي” لم تواكبها دراسات نظرية تأصيلية ولا برامج تدريبية عملية، وغلب عليها الطابع الشخصي، وقلة المنتجين والمقدّمين والمعديّن المتخصّصين في هذا المجال، فكان الاعتماد في كثير من الأحيان على أشخاص لا خبرة إعلامية كبيرة لهم، وقد ظهر ذلك على مستوى نقص الكوادر الإعلامية والخطة الشمولية التي تستوعب كل متطلبات المجتمع الإعلامية، واقتصرت البدايات الأولى على الإعلام الوعظي والتربوي كأشبه ما يكون بخطب الجمعة ودروس المساجد مع الفارق في وسيلة الاتصال الجماهيري كالفضائيات والإنترنت. أما الإعلام الهادف الشمولي المنضبط بمقاصد الإسلام ومبادئه فمازال يسير بخطوات متعثرة خاصة في المجال الترفيهي.

إلى جانب هذه العقبات التأسيسية ظهرت العديد من الإشكالات والتحديات التي تواجه الإعلام الإسلامي كالقيود التي تضعها الأنظمة الحاكمة، وعقبات التمويل واقتصاره في غالب الأحيان على المؤسسات الخيرية، وغياب الخطط والاستراتيجيات المتكاملة التي تتبناها مجموعات مهنية متعددة المهام تطرح بدورها الجهود الفردية والرؤى الأحادية، كما يواجه الإعلام الإسلامي ندرة في البحوث والدراسات المتعلقة بحيثياته، ومشكلة في التنسيق بين العلماء والدعاة وبين رجال التربية والمثقفين ليأتي مشروع الإعلام الإسلامي متكاملًا في موضوعه يلبي احتياجات ورغبات كل الشرائح المستهدفة دينيًّا وتربويًّا وتثقيفيًّا وترفيهيًّا، وأن تُصاغ الرسائل الإعلامية في قوالب فنية متنوعة ومشوقة وجذابة بدلا من أن تصب في أنماط جامدة ومكررة تفتقر إلى الجاذبية والتشويق، مع ضرورة مراعاة الضوابط الشرعية والاجتماعية العامة وعدم تجاوزها.

ومن أبرز التحديات التي واجهها الإعلام الإسلامي إشكالية التصنيف والانطباعات الأوَّليَّة، وهي إشكالية يكون غالبها قريب الصلة من التعامل مع المصطلح، فيقف الانطباع السابق حول الصحيفة أو القناة أو الموقع وتصنيفه في الدائرة الإسلامية عقبةً أمام تلقي المحتوى وتوقعات الجمهور منه؛ وهذا أسهم في انصراف قطاع كبير من الجمهور بسبب تلك الانطباعات والتصنيفات السابقة.

إشكالات التمويل والجمهور

تعدّ إشكالات التمويل من الإشكالات الكبيرة في هذا المجال، وهنا تضطر القناة أو المؤسسة الإعلامية ذات الخطاب الإسلامي أمام خيارين:

الأول: يتمثل في الحصول على التمويل من مصادر مالية لها شروطها ورؤاها المسبقة مثل الدول والهيئات الكبرى والقوى العالمية، وهو خيار يضمن الاستقرار المالي والفني والتقني للمؤسسة، لكنه يجعل المحتوى مرهونًا بتصورات وتوجهات المموِّل؛ فيحرفه قليلًا أو كثيرًا عن الأهداف التي يمكن أن يرسمها القائمون على الوسيلة الإعلامية، وهذا يؤثر بصورة كبيرة على استقلالية المؤسسة.

الثاني: الاستقلالية والاعتماد على التمويل الذاتي من جيوب المؤمنين بالفكرة والمقتنعين بالرسالة، وهو خيار وإن نجح في تحقيق الاستقلالية بجدارة إلا أنه يضع كلًّا من المحتوى والمؤسسة في حرج مهني بالغ، فتعجز عن الوفاء بالالتزامات المالية للتطوير ومواكبة التنافسية في عالم لا يرحم الضعفاء والصغار.

إلى جانب ذلك فقد كان من المشكلات الواضحة في تنظيم هذا الإعلام وتأسيسه عدم تحديد طبيعة الجمهور المستهدف، أهو ذلك الجمهور الذي يؤمن بفكرة ورأي أو مذهب معيّن أم أن الجمهور هو عموم الأمة بمختلف تنوعاته، وهذا يصنع خطابًا مزدوجًا داخل المؤسسة نفسها فيُظهر تناقضاتٍ على صفحاتها وعبر شاشاتها، فلا هي بالتي حافظت على جمهورها الذي التزم بفكرة معينة ولا هي وصلت إلى عموم الجمهور، فتغدو كمن راوح مكانه عند منتصف الطريق فلم يبلغ ولم يتوقف.[1]

إن عرض سلبيات الإعلام الإسلامي وإشكالياته لا يعني إخفاقه في أداء المهمة الموكلة إليه، فقد أثبت وجوده في الساحة الإعلامية بقوة لكنه يعاني من عثرات كبيرة، وهو في النهاية جهد بشري فيه خير كثير، ووجود الخلل في مؤسساته لا يعني أنه مستسلم لها، فهو في سعي دائم نحو التخلص منها وتطوير أدائه، ولا ننسى أن الوقت عامل مهم في ذلك.

طريق النهوض بالإعلام

في سياق البحث عن تطوير الإعلام الإسلامي لا بد أن نعمل على إيجاده وجودًا فعليًّا وفاعلًا معًا، فالإعلام الإسلامي اليوم -للأسف- منفعل لا فاعل، ولا يتصدى لما يحاك للأمة من قبل أعدائها بالقدر الكافي الوافي، و”إن من الأدبيات المتفق عليها أن المسلمين اليوم -وفي هذه الانعطافة من تاريخهم- يواجهون غزوًا واحتلالًا ثقافيًّا وفكريًّا وحضاريًّا واقتصاديًّا بشِعًا شمل كل جوانب حياتهم؛ لذا فإن مهمة الإعلام الإسلامي تتجاوز التثقيف والتوعية وفتح القنوات المعرفية أمام أجيال المسلمين إلى التحفز ووضع الخطط المناسبة في التصدي للغزو الفكري والثقافي والأخلاقي الذي يداهم الأمة الإسلامية، وسط شيوع وسائل الإعلام العابرة للقارات التي تؤثر في المجتمعات وتنقل أفكار وفلسفات وأخلاقيات شعوب العالم إلى كل مكان” [2]

إن الفكرة السليمة والأسلوب المناسب والوسيلة الجديدة عوامل ثلاثة أجمع خبراء الإعلام على أنها تمثل أركان المعادلة الصحيحة لصناعة إعلام هادف قادر على اجتذاب الناس وتغيير الوعي، وينبغي التعامل مع هذه الأركان بصفتها كلًّا لا أجزاء متناثرة، فالفكرة لا تنفصل عن الأسلوب، والوسيلة لا بد لها أن تتماشى مع الفكرة، والغاية لا تبرر الوسيلة.[3]

ولتحقيق ذلك لا بد من تعاضد مبادئ أربعة في الإعلام بكل أجهزته وتقنياته ووسائله وأساليبه للمحافظة عليها بعينها، وخلاصتها: الحرص على الحقائق المدعمة بالأرقام والإحصائيات، و التجرد من الذاتية والتحلّي بالموضوعية في عرض الحقائق، والصدق والأمانة في جمع البيانات من مصادرها الأصلية، والتعبير الصادق عن الجمهور الذي يوجه إليه الإعلام.

إن أي إعلام لا ينطلق من هذه المبادئ فإنه يفقد اسم الإعلام الذي يخدم الحق وينشد الحقيقة[4]، وأحقُّ من يجب عليه التحلي بهذه المبادئ المهنية هو الإعلام الإسلامي؛ وذلك لسمو رسالته وعالميتها وعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه.

ثمة مبادئ كثيرة يجب أن يتصف بها الإعلام الإسلامي للتأثير الصحيح، لعل أهمها إيجادُ مرجعيةٍ موحدة للأحكام الشرعية يرجع إليها كلُّ من يريد أن يتعرف على الأحكام في نبعها الصافي؛ والاعتراف بأن الإنسان الذي نخاطبه إعلاميًّا يختلف كل الاختلاف عن الإنسان الذي نزلت عليه الدعوة، وهو ما يقتضي أن يكون لدى القائمين على الأداة الإعلامية ملكة الجمع بين الإسلام في أصالته وبين الواقع في معاصرته، وأن نضع نصب أعيننا دور الإعلام الديني في إدارة عجلة الإصلاح بإثارة الحوافز الدينية، ودور الدين في عملية الإصلاح المجتمعي اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، ودور الإعلام الإسلامي في فض الاشتباك بين الدين والسياسة والتأكيد على أن الدين لا يمثل عقبة أمام التقدّم.

نريد إعلامًا إسلاميًّا يقوم على قاعدة الحلال والحرام وأن الأصل في الأشياء الإباحة، تلك حقيقة لا يجب أن تغيب عن ذهن الإعلامي المسلم وهو يضطلع برسالته التي أوكل بها، إعلامًا لا يبدأ من نقطة الصفر، بل يبني على ما سبقه من تجارب ليمثل الدعوة الإسلامية في وجهها المشرق معتمدًا على مصادره الخاصة به ليحرر الإعلام الحالي ويخلصه من التبعية والتسييس.[5]

بناء المتخصصين

ثمة ضرورة ملحّة لإعداد كوادر بشرية تتقن العمل الإعلاميّ إلى جانب التمكّن في العلم الشرعي بصفة مستمرة، وهذا بطبيعة الحال من أوليات العمل الإعلامي على النطاق الدولي، ولا شك أن العالم الإسلامي يمتلك من الخبرات والقدرات ما يكفي لذلك إذا أحسن الاختيار ووضعت الشروط الموضوعية له، ولكن لا بد أن يكون إعداد الكوادر.

صحيح أن إعداد الكوادر مرتبط بإنشاء بنوك المعلومات ومراكز البحوث والدراسات وما شابه ذلك من معطيات الحضارة الحديثة حتى يستطيع الإعلام الإسلامي أن يواجه التحدي ويواكب العصر[6]، إلا أن هذا يجب ألّا يمنع الراغبين بتطوير أدواتهم الإنتاجية والإعلامية بشكل فردي، بل إن العصر يسهّل ذلك، فإن كان العمل الجماعيّ على نطاق واسع أشبه بالمستحيل، فلا بأس بالعمل ضمن خلايا صغيرة ومواقع وقنوات متعددة في عالم الفضاء الافتراضي للإسهام في بناء الوعي السليم وتحقيق خطوات النهضة.

إنَّ مسيرة الإعلام الإسلامي محفوفة بالمخاطر وأمامها عقبات كثيرة، إلا أن سمو الهدف يخفف السعي وإن مشى الإنسان في طريق مؤلم وشاق مليء بالمخاطر، فبجهود الصالحين وعمل المخلصين من أبناء الأمَّة وملازمة الرقي والإبداع وصناعة الأفكار الجميلة والرائعة يتحسن الحال ويصلح الوضع، وترتقي المنظومات الإعلاميَّة الإسلامية بكينونتها الفكريَّة[7]، بإذن الله وفضله.


[1]  ينظر: عادل الأنصاري: الإعلام الإسلامي إشكاليات الواقع والمصطلح، https://mugtama.com/hot-files/item/64836-2017-12-09-07-31-32.html

[2] ينظر: خالد سعد النجار: الإعلام الإسلامي بين الواقع والمأمول، على الرابط الآتي:  http://articles.islamweb.net/media/index.php?page=article&lang=A&id=204601

[3]  ينظر: إسلام فرحات: التشريعات والمال أهم أزمات العالم الإسلامي، على الرابط الآتي:  https://islamonline.net/17152

[4] ينظر: فايزة الصاعدي: أهداف التربية الإسلامية، ص: 33.

[5]  ينظر: محمد عمارة: الإعلام الإسلامي والتحديات المستقبلية، ص: 115- 118.

[6] ينظر: مفيد أحمد السالم: الإعلام الإسلامي، ص: 138.

[7] ينظر: علي عبد الفتاح كنعان: إدارة المؤسسات الإعلامية، رقم 24، بعنوان “الإعلام الإسلامي مشكلات في خط المواجهة”

المجتمع الغربي والتغيرات اللاهثة

أنهيت منذ فترة مطالعة رواية “فوضى الأحاسيس” للروائي النمساوي الشهير “ستيفان زيفايج”، وقد أعجبتني وأعجبني بناؤها الفني والأدبي البسيط والعميق، لكنني لن أتعرض لها هنا من الناحية الفنية؛ لأن ما لفت نظري فيها هو جانب فكري يتعلق بطبيعة عمليات التغيير المجتمعي بشكل عام وفي الغرب بصورة خاصة.

نشرت الرواية في ثلاثينات القرن العشرين، أي من حوالي 90 عامًا، وهي تتعرض ضمن أحداثها لقصة أستاذ أكاديمي في الأدب الإنجليزي يعاني من الشذوذ الجنسي، وما تفرع عن ذلك من طبيعة رفض المجتمع الأوروبي له في ذلك الوقت، وكيف أن ذلك البروفيسور المرموق الذي له وجاهة كبيرة في المجتمع آنذاك كان يضطر إلى الاندساس داخل مناطق نائية مطيَّنة تفوح منها رائحة النتن والعفونة في مدينة “برلين” الألمانية ليمارس شذوذه مع أفراد قذرين مخنثين غير متقبّلين في المجتمع.

واللافت للنظر هنا أن تجد أوصافًا لفعل الشذوذ داخل الرواية من قبيل: “رغبات شاذة، احتقار، اشمئزاز، نفور، شخص منبوذ، رذيلة مخزية، ضرب من الجنون، ملطخة بالقرف، مسممة بالخوف، الرفاق المشبوهون، عالم الرذيلة، المغامرات المخزية، ميوله المنحرفة، شعور خانق بالخزي والعار والخوف من الذات، العادات المشبوهة، فتيان فاسقين، التلوث بالرجس والقذارة، مخلوقات شبحية ودنيوية نتنة”… كل هذه وغيرها كانت الأوصاف الحرفية للرواية عن الشذوذ الجنسي وممارسيه والحالة التي تتلبسهم حال ممارسته.

تعرض الرواية كيف أن حياة البروفيسور تحولت في الرواية إلى جحيم نفسي حقيقي بسبب ممارساته المنحرفة وعدم تقبل من حوله لها، كان يتعرض لعمليات ابتزاز وتهديد تخلف وراءها أحيانًا هلعًا ورعبًا بلا حدود، فضلاً عن سخرية الآخرين منه ومن ممارساته المشبوهة. لم يكن ينام في الليل إلا قليلاً بفعل سوء حالته النفسية التي سببتها حالة التناقض التي يعيشها، بل ربما ناداه داعيه الداخلي مساءً فتسلل من المنزل تاركًا زوجته الحسناء ومغادرًا بالأيام ليخوض مغامرة دنسة جديدة، ليعود بعدها وقد علت جسده وملابسه جميع مظاهر الانحراف والقذارة.

لم يلفت نظري تدوين “زيفايج” هذه الممارسة القبيحة التي كان غارقًا فيها هذا البروفيسور، فهذا مما قد يوجد في كل مجتمع بنسبة ما، وربما يكون الكاتب أراد تسليط الضوء على هذا الشخص من باب الاستثناء الذي يلتفت إليه الأديب في كتاباته، فالفن بالأصالة تدوين لحالة من الاستثناء، والحياة العادية لا تلفت نظر المبدع لتدوينها، وإنما اللافت لنظره هو الغريب، الغريب في حاله أو طبعه أو شخصه، أو حتى الغريب في موقفه الطارئ الذي لا يسير وفق العادة اليومية المطردة. ومن هنا قد تكتسب بعض الأعمال الأدبية والفنية صفة الملالة والسأم حينما تلتفت فقط إلى ما يلتفت إليه الناس يوميًا، وتشير بأصابعها إلى ما يعتاد الناس الإشارة إليه. أما الإبداع فيهتم بما لا يهتم به الآخرون، ويركز على جوانب مظلمة من الحقائق لا يلتفت إليها الناس، أو على الأقل يعبر عما يعتاده الناس لكن بأسلوب لم يعهدوه أو يعتادوا رؤيته أو سماعه. ومن هنا يكتسب صفة الجدة والابتكار، “فالفن تدوين للاستثناء” كما قلنا.

كيف عرض زيفايج للشذوذ وحياة المجتمع الأوروبي؟

إلا أن الفاصل بين أديب وآخر يكمن في كيفية تدوين هذا الاستثناء وعرضه؛ فـ”زيفايج” استعرض القبح الكامن في هذا الاستثناء، ونجح في خلق صورة مستبشعة ومنفرة عنه. لكن الأعمال الأدبية المعاصرة تروج لهذا السلوك وتجعله اختيارًا مقبولاً ومتاحًا، بل ومحببًا في أحيان كثيرة. وإني لأتوقع لو كتب هذه الرواية الروائي العربي “فلان” لاستبدل جميع الألفاظ الآنفة الذكر، وحالة الفصام التي أتعبت ذلك البروفيسور المريض والتي كان يعيشها بين حالته وسط طلبته صباحًا في الجامعة ومساءً بين الأراذل في المواخير والمشارب ليجعل منها حالة تحفزه لمزيد من الإبداع والتميز المهني والحياتي والأكاديمي!!

ما لفت نظري في هذه الرواية هو تصور المجتمع الأوروبي في ذلك الوقت لهذه الرذيلة واستنكاره لها ووصفها على لسان هذا الكاتب الكبير بأقذع الأوصاف وأقساها، ولن تخطئ عينك حالة الإدانة التامة التي سببتها هذه الأوصاف لهذا الفعل الشنيع في الجزء الأخير من الرواية.

أوروبا في هذه الفترة كانت تدين الشذوذ، وتراه فعلا مستقبحا مخالفا للفطرة السوية، ولا يمارس هذا الفعل منهم سوى الحقراء والمنبوذين، الذين خصصوا لأنفسهم أقذر الأماكن وأبعدها عن العمران ليمارسوا أفعالهم بعيدا عن أعين الناس الذين يرونهم مرضى أو كائنات متدنية. ومن كانت تراوده نفسه من أهل المدينة ليلطخ سمعته بهذا الفعل الشائن كان عليه أن يتكبد عناء الانتقال إلى هذا المكان القذر ليدنس حياته برجسه خُفية ودون أن يعلم به أحد. والويل له إن انكشف سره وافتضحت حقيقته! هذا ما كان عليه هذا الوضع في أوروبا وقتها.

التطبيع مع الانحراف

حين طالعت هذه الأوصاف السابقة في الرواية قفز في ذهني فورًا الصورة الحالية لهذه الممارسة المنحرفة في الآداب والفنون الغربية المعاصرة، كيف حدث هذا التحول الرهيب في المجتمع الغربي -ويجري على قدم وساق في المجتمع العربي بالمناسبة- تجاه تقبّل الشذوذ بدءًا من تغيير التسمية الصادمة للأذن “الشذوذ الجنسي” بوصف آخر مهذب ومستساغ “المِثلية الجنسية”، ومرورًا بعرضه علانية وبفخر في الإعلام والأعمال الفنية والأدبية، وانتهاءً بإعلانه رسميًا في كثير من دول العالم الغربي والأوربي بديلاً أو طريقًا موازيًا للزواج الطبيعي، واستخدامه ورقة سياسية أحيانًا من قبل الساسة والحكام.

فبات من الطبيعي جدا أن تطالع يوميا في صفحات الجرائد والمجلات زواج امرأتين أو رجلين داخل كنيسة، زواجًا رسميا معلنا وموثقا من قبل الدولة، بل ومع التطور اليومي تطالع إعلان بعض رجال الدين والقساوسة لشذوذهم الجنسي وفخرهم بذلك! وبات طبيعيا أيضا أن يقتحم عليك منزلك مشهد أو عدة مشاهد في عمل درامي يقبِّل فيه رجلان ذوا لحية كثيفة ومكتملا الرجولة بعضهما البعض، ليستبدل الصورة النمطية القديمة عن الشاذ جنسيًا في الدراما بأنه شخص مخنث يتمايل بضحكات رقيعة، في إدانة واضحة لفعله. فالآن يمكنك أن تكون رجلا شهما ومسؤولا وعلى أعلى درجات الاحترام وقوة الشكيمة في العمل، وشاذًّا في نفس الوقت بلا غرابة أو تأنيب ضمير!!

الفاصل بين هذه الأوصاف المستقبحة لهذا الفعل الشائن في الرواية وبين الواقع الحالي المبيح والمروج هو 90 عامًا فقط (وقت نشر الرواية)! 90 عامًا تحولت فيها البشاعة والانتكاس الفطري إلى واقع طبيعي يحظى بالقبول المجتمعي!! وهذا أمر مرعب في حد ذاته. منذ مهد التاريخ البشري لم يحدث هذا الغزو البشع للكرة الأرضية والإغراق الرهيب بالمحتويات الشاذة والمنحرفة على هذا النحو الذي يقع الآن.

إلا أن رقم 90 هذا يعد رقمًا كبيرًا نسبيًا، فطوال هذه الأعوام التي تقترب من قرن من الزمان لم يشهد العالم هذا التسابق المحموم على النشر اللاهث للشذوذ إلا في آخر 15 أو 20 عامًا على الأكثر، ولنا أن نتخيل أن آلافًا أو عشرات أو مئات الآلاف من السنوات من عمر البشرية لم تتغير خلالها هذه الصورة الفطرية السوية في نفوس البشر حتى وإن مارس بعضهم الشذوذ، لكن عقدا أو عقدين من الزمان كانا كافيين في تشويه وإتلاف هذه الفطرة وإحداث تدهور حاد في التصورات المستقرة سلفًا. فماذا يحدث؟!

الطفرة الكونية التي يعيشها العالم الآن في مجالات السياسة والإعلام أحدثت حالة من اللهاث المتعجل نحو التطبيع مع الانحراف. والعلمانية والإلحاد اللذان سيطرا على المجتمع الغربي وبدأتا تغزوان المجتمع العربي والإسلامي صارتا المتحكم الرئيس فيما يعرض على الشعوب في الإعلام والدراما، بل نصَّبتا نفسيهما مهندس الأخلاق الكوني للعالم، فتقرران ما يناسب البشر وما لا يناسبهم من الأخلاق والمعتقدات بناءً على المتطلبات الاقتصادية والسياسية والأخلاقية والفكرية للإلحاد والعلمنة.

حتى الرسوم المتحركة الخاصة بالأطفال لم تسلم من ذلك، فالمحتوى الغربي المرسِّخ لقبول الشذوذ وزرع فكرته في عقول الناشئة، سواء بالإشارة أو بالمباشرة، صار أكثر وأكبر كثافة من أن يحصى. وهذا يتطلب حالة من التحفز والانتباه المضاعف لأخذ الأهبة والتدرّع بمختلف وسائل المقاومة.

الفنّ وسيلة لإفساد الفطرة

لم تعد الدراما والفنون الروائية والقصصية الغربية مجرد أداة ترفيهية بريئة كما كانت أول نشأتها، بل صارت سلاحا حربيا كئيبا ربما يفوق في تأثيره مفعول القنابل والمجنزرات والآليات المعقدة، سلاح فكري انتكاسي ضد الفطرة والقيم والأخلاق، وبكل أسف تمكن الطرف المناوئ من حيازة أسباب التفوق فيه، ولم نتمكن نحن حتى هذه اللحظة من الهجوم واستخدام أساليبه بذات البراعة التي يقاتلنا بها، وكان جل ما نفعل هو الصراخ من الألم والاستكانة بزاوية رد الفعل. ولا ننكر أن هناك جهدًا فكريا نخبويًا يصاغ على صفحات الكتب وقنوات الأثير، إلا أنه غير كاف في مواجهة هذا السيل الجارف من الدراما القبيحة، فطبيعة الشعوب البعيدة عن حالة النخبوية الثقافية لا تتأثر بالأطروحات الفكرية المصبوبة في المؤلفات العلمية بقدر ما تتأثر بالدراما البسيطة التي تنفذ إلى العقل اللا واعي، وربما يتجاوز تأثير فيلم أو مسلسل واحد العديد من الكتب والمحاضرات التي يتلقاها الإنسان البسيط في عمر مديد؛ لأن الأول يحفر في قلبه وعقله الباطن، والثاني يخاطب عقله وتفكيره.

ما العمل؟

إننا مطالبون -وبسرعة لا تحتمل التأجيل أو التقاعس- بإعداد مشروع درامي أخلاقي وقيمي يواجه المشروع الإعلامي الغربي المتضحة معالمه التخريبية المنحرفة، ولم يعد ذلك من رفاهية الأعمال أو الأفكار والمشروعات، بل بات أمرًا ملحًا كعلاج “الغرغرينا” التي ما لم يتخذ الطبيب قرارا صارما وسريعا فسوف تنتشر في الجسد المنهك كله، ولن يغني حينها العلاج ولا البتر. مشروع إعلامي قادر -ولو نسبيًا- على المنافسة، فكثير من التجارب السابقة في الدراما والرسوم المتحركة القيمية والأخلاقية كانت ساذجة وعلى مستوى فقير مهنيًا وتفتقد لعناصر الإبهار والقصة والجودة، فكانت تكرارًا لما سبقها في الأسلوب والمعالجة المباشرة المفتقدة للحبكة، وطغا عليها الخطاب الوعظي النصائحي، لذا كانت مثار سخرية واستهزاء لا محط اهتمام وشغف.

ماذا تعلمت عن الحياة من خلال مشاهدة المسلسلات؟

قل لي ما تتابع، أقل لك من أنت!

قد تبدو هذه جملة سطحية وتعميمية، إلا أن نظرة سريعة إلى مقال “تبادل آراء” لصحيفة نيويورك تايمز قد تمنحنا نوعاً من الاتفاق على المقدّمة المفترضة، فقد نشرت الصحيفة المذكورة مقالاً بعنوان “ماذا تعلمت عن الحياة من خلال مشاهدة الأفلام؟” ( What have you learned about life from watching movies)

حيث افتتحت المقال بمقدمة للكاتبة مانولا دارجيز Manohla Dargis: “الأفلام تعلمنا كل شيء، كيف نطمح ونحلم وندخّن ونلبس، وكيف نحب، وكيف نضحّي، سواء لأجل الحب أو الوظيفة والعمل؟”، ثم اختتمت المقال بسؤال عام لمن يحب مشاركة رأيه بالإيجاب أو النفي عن تجربته مع الأفلام.

بعد الاطلاع على ردود اثنين وسبعين مشاركًا، لم أُفاجأ بأن المعظم موافقون بشدة ويشاركون تجاربهم وانطباعاتهم عن الأفلام، فقال أحدهم: حتماً ستكون إنساناً مختلفاً عند خروجك من قاعة السينما عما كنت عليه لحظة دخولها!

وآخر يقول مستعيناً بالتاريخ بأن هذه الصناعة العظيمة التي بدأت ١٨٨٨ ما زالت إلى اللحظة تتطور مع تطور الإنسان وتعينه على الإجابة عن أسئلة الحياة المختلفة، -وكأن ١٢٠ عاماً من حياة البشر وتجاربهم المختلفة كافية لاستخلاص الأجوبة!! فكيف إن كانت هذه المسيرة تخطّ منحنىً متسارعاً مبتعداً عن أي وحيٍ سماوي!- ويزيد آخر بأنه تعلّم كل شيء عن الحياة من خلال مشاهدته للأفلام!

السينما والطريق لرسم الثقافة

وجدَتْ هذه البلاد التي تأسست من عدة قرون -نصفها الأول دموي والآخر نزاعات عرقية- نسيجَها الاجتماعي متبايناً ومختلفاً، لا أعراف أو حتى أهداف مشتركة تسمو عن المأكل والمشرب وأساسيات العيش، فكان لا بدّ من الوصول إلى ضمائر الناس ونفوسهم لمحاولة التوفيق ربما ورسم الثقافة العامة للبلد الجديد، وقد حقق التلفاز هذه الغاية بجدارة؛ إذ كان يبثّ للناس على مدار الساعة الصورة المثالية للمواطن والعامل والموظف الأمريكي، والصورة البراقة للأسرة المتحابّة المتراحمة، والصورة الجذابة لما يجب أن تكون عليه الطلاب والطالبات في الثانويات والجامعات، ثم تصبح المهمة على عاتق المشاهد، لمحاولة الوصول إلى تلك الحالة التلفزيونية.

ما يثير العجب هو أن تُباع نفس الخلطة إلى بلادٍ وحضارات ضاربةٍ في التاريخ منذ القدم، كوّنت عبر آلاف السنين أعرافاً وطرائق معيشية عريقة استوَت بعد أن استقت من الوحي قيمها نموذجاً يُحتذى به في وقتٍ من الأوقات، لينقلب الحال وتصبح الدراما والخبائث من الأفكار هي ما نقتدي به ونستقيه، مُعرِضين عن كنوزٍ تركها لنا الأسبقون، ويقدمها الآن بعض المعاصرون بفضل الله.

ابدأ العمل وتفكّر!

كفانا جلوساً على مقاعد الحسرة، وبكاءً على الأطلال، ولنعد إلى الواقع، إلى ساعات النهار الأربع والعشرين التي تملكها، إن رأس مالك وحقك الوحيد الذي لا ينازعك فيه أحد هو هذه الساعات التي تُمنَحُها كل صباح من الحيّ القيوم بلا مقابل، فهي فرصة جديدة لتدارك ما فات، وحبل ودٍّ للاقتراب من عتبات رضوانه، فأنت من تقرر كيف تستهلكها.

لن أُدخلك في متاهات المؤامرات أو أقول إن هناك من يجلس ويخطط ليعبث بوقتك وبباكورة أيامك والسنين الذهبية من شبابك، فأنت أبسط من أن تُنفق عليك هذه الجهود والأموال! لكن، أتعرف من هو الأبسط منك والأقل شأناً؟

هو ذاك الكاتب الذي حمل قلماً يخط فيه سيناريوهاتٍ عن عائلات يُقال إنها من عندنا، تتلاقى وتخون وتسرق وتكذب وتقيم علاقات غير شرعية وكل ما يمكن أن يخطر على باله من شطط وإمالة (فكل ذلك جذاب للتسويق)، ويعينه على ذلك إنسان آخر أقل حظاً بمهارات إخراجية يحوّل المكتوب على الورق إلى مشاهد حقيقية بالاستعانة بأشخاص قرروا تكريس عمرهم للتمثيل، واحتراف تحويل خيال شخص ورؤية شخص آخر إلى شيء يشبه الواقع (إذا غضضنا البصر عن الأجندات والأهداف)

صورة مسلسلات وأفلام

كل هؤلاء الأشخاص الذين ليسوا نجوماً ولا لامعين، راهنوا على الساعة والساعتين التي ستقدمها لهم بالمجان، وصبروا وعملوا بلا كللٍ ولا ملل، ودعّموا أنشطتهم بإعلانات وأموال طائلة تُنفق حتى تترسخ عندك قناعة أنك تحتاج متابعتهم لتتعلّم عن الحياة وأهوالها وتعرف الناس وغدرها، والنساء و”كيدهن”، ومكر الرجال، وجشع الأغنياء ومأساة الفقراء…. إلخ.

وعلى فرض أنك واعٍ لذلك كله، وأنك تقضي هذه السويعات للترفيه، أفيُعقل أن تبني جداراً، وتتعب على رصف حجارته، ثم من باب الترفيه تبدأ تصدّعه بطَرْقاتٍ من هنا، وضربات من هناك؟

هذا الجدار هو عقلك ونفسك اللذان تحتاجهما لتواجه الحياة بنفسية مستقرة وشخصية متّزنة خالية -قدر الإمكان- من حوارات الدراما وردّات الأفعال مسبقة الصنع والتعابير الجاهزة، كما في عبارة “أنا حدا كتير….” التي ظهرت وانتشرت قبل أكثر من عشر سنوات إثر ظهور مسلسل سوري يكرر هذه العبارة في كثيرٍ من لقطات السيناريو، وعلى ألسنة العديد من شخصيات المسلسل التي تتكلم بهذه الطريقة، وما هي إلا عدة أشهر إلا وصار الحوار بين الناس يتضمن الكثير من “أنا حدا كتير”، وأترك لذاكرتك مهمة إيجاد تعابير ومدخلات مشابهة، وربما من نوع آخر.

الترفيه ضرورة أم حاجة

أجاز الإسلام النشاط الترويحي الذي يعين الفرد المسلم على تحمّل مشاقّ الحياة وصعابها، والتخفيف من الجانب الجدي فيها، ومقاومة رتابتها، شريطة ألا تتعارض تلك الأنشطة مع شرائع الإسلام وأوامره، أو يكون فيها إشغال عن عبادة مفروضة، والأصل في ذلك الحديث الذي في صحيح مسلم عَنْ حَنْظَلَةَ قَالَ: (كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَعَظَنَا فَذَكَّرَ النَّارَ قَالَ ثُمَّ جِئْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَضَاحَكْتُ الصِّبْيَانَ وَلَاعَبْتُ الْمَرْأَةَ، قَالَ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا تَذْكُرُ، فَلَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَافَقَ حَنْظَلَةُ، فَقَالَ: مَهْ فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا فَعَلَ فَقَالَ: يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً وَلَوْ كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ). [أخرجه مسلم في الصحيح]

فمعنى هذه العبارة –أي (وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً) أنه “لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُنَافِقًا بِأَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ عَلَى الْحُضُورِ وَفِي وَقْتٍ عَلَى الْفُتُورِ، فَفِي سَاعَةِ الْحُضُورِ تُؤَدُّونَ حُقُوقَ رَبِّكُمْ، وَفِي سَاعَةِ الْفُتُورِ تَقْضُونَ حُظُوظَ أَنْفُسِكُمْ” [المباركفوري في شرح سنن الترمذي]، وهنا يُترك كل شخص لضميره ليعرف كمية العبادات الضئيلة التي يُمارسها يوميّاً.

في ناحية أخرى، فإن أغلب من يقضي وقته في الترفيه، سواء بمسلسلات التلفاز أو ألعاب الهاتف، فإنه بعيدٌ كل البعد عن الإنجازات الجادة –ولا أظن أننا بحاجةٍ لإحصاءات واستطلاعات لإثبات ذلك- فوحده من يشعر بتعب ولذة الإنجاز يقدّر قيمة نفسه وقيمة وقته ولمن يعطي سمعه وأذنه وانتباهه.

متاهات السوشال ميديا

إن كنا ما زلنا حديثي عهد بهذا الفخ الجديد الذي وقع فيه حتى أكثرنا انشغالاً واجتهاداً، فخ إضاعة الوقت في متاهات “الماجَرَيات” التي تبثها لنا يومياً وسائل التواصل الاجتماعي دون توقف أو كلل أو ملل، فلا نكاد نشهد معركة خمدت بين داعية ومفكر حتى تندلع ثانية، عدا عن مزاحمات المواعظ والدروس والعبر والنصائح والتنبيهات والتحذيرات والأخبار والمستجدات، وكل ذلك مما يبدو كأنه ثقبٌ أسود يلتهم ساعاتنا وأيامنا والسنوات على غفلة منا، بينما يتوجب علينا –في الأصل- أن نتجه للانشغال بشيء أهم في حياتنا الحقيقية.

أوليس من غير الحكمة ونحن نصارع أنفسنا في مهمة التخفّف من الملهيات أن نزداد في متابعة هذه الفضاءات وأن نفتح جبهة حربٍ جديدة مع مسلسلات تشبكنا معها ٣٠ ساعة وربما أكثر، في الوقت الذي يتأسف فيه كثيرٌ منا لمرور عشر دقائق من ذكرٍ أو تلاوة لصفحة من كتاب الله تعالى.

يوصي العديد من الأطباء بألا تتجاوز مدة الانشغال بمواقع التواصل الاجتماعي ثلاثين دقيقة، وبذلك يتوفّر للإنسان متابعة صفحتين أو ثلاثٍ أو خمس على الأكثر المجمل –في حال كانت ذا محتوى غني وقيّم- فإن زاد الحال عن ذلك انقلب إلى مضيعة للوقت، فيصاب المتابع بالتخمة المعرفية والفوضى، إذ إن منصات التواصل لا يؤخذ عنها العلم وإنما هي منصة للتذكير، والأولى والأصل أن يرتبط العلم بالعمل، ومن كان عمله التصفّح والتقليب بالساعات فإنه ممن يظنون أنهم يحسنون صنعاً وهو من الأخسرين.

البدائل والحلول

حسنٌ، يشار لنا على الفور بكلمة “ما البديل؟” التي صارت ردنا السريع على كل من يحاول إبعادنا عن عادة سيئة أو فعلٍ خاطئ!! وكأن البديل يجب أن يكون موجوداً، وكأنما إقامتنا في فندق ٥ نجوم، وليست في دار امتحانٍ وابتلاء!!

بلى، إننا نفتقر في مكتبتنا العربية للمرئيات المفيدة التي تجذب اليافعين والشباب، إلا أن ملء هذا الفراغ لا يكون باللجوء لبدائل لا تناسب قيمنا وأخلاقنا.

ولعل الحل يكون بالإقلاع عن هذه العادة أولاً، وأنا أكثر من يتفهم صعوبة الأمر، فمع الأسف الذكريات العائلية الجميلة يُرسم أغلبها خلال جلسات المساء لمتابعة مسلسلٍ ما أو فيلم، إلا أن الأمر يستحق كل جهدٍ مبذول، والمكسب في نهاية المطاف هو عمرك وبركة وقتك.

ومما يعين على هذه الخطوة التدرّج بالترك، ومجاهدة النفس قدر الإمكان على الامتناع كلياً في رمضان عن مشاهدة أي شيء، وملء الوقت بالعبادات التي تؤجر عليها وتثاب وترفع مقامك عند ربّك -وهو هدفنا الأساسي- والاستعانة بالله قبل كل شيء، فمعارك النفس داخلة في حكم الجهاد، وتغيير العادات يتطلب وقتاً وصبراً وثباتاً، ورمضان فرصة ذهبية للانطلاق، وهو من رحمة الله بنا أن فرض علينا هذه المساحة الضيقة من باحة العام الواسع، لنُعيد فيها حساباتنا ونتمكّن من الامتناع جزئياً عن أساسياتٍ حياتية، تمهيداً للإقلاع عن مُهلكات نحسبها ضروريات.

من وحي التجربة

وقبل التنعّم بطعم الحرية والخلاص من قيود وأسلاك التلفاز الشائكة، دعني أشاركك بعضاً من تجربتي الشخصية التي بدأتها في مطلع العشرينات من عمري، عند اندلاع الثورات وسقوط كثير من المشاهير من أعين الجماهير، فقررت الامتناع ما استطعت عن متابعة التلفاز ومن ضمنها المسلسلات والأخبار والأفلام، فعشت في قوقعتي الصغيرة وبات الفراغ كبيراً، ملأته فوراً بتطوير مهارة أحبها ولا أعرفها، ألا وهي “الحياكة”، وبعد عدة شهور ومن خلال فيديوهات اليوتيوب أتقنتها فصارت ملجئي الذي أستعين به على ليال الشتاء الطويلة.

وحمّلت على هاتفي تطبيق Duolingo لتعليم اللغات، فتعلمت مبادئ الفرنسية (بالإضافة إلى التحاقي بمدرسة بدوام جزئي لا يُذكر في البداية) لكن مع ذلك أُرجع الفضل للـدقائق الخمسة عشر التي كنت أتمرن بها على هذا التطبيق بشكل شبه يومي، فصار بإمكاني إجراء محادثة بسيطة، وفهم معظم ما أسمعه وكل ما أقرأه.

جاهدت نفسي لمشاهدة المحتويات وقراءة المقالات التي أهتم بتعلمها باللغة الانجليزية بدل العربية، مثل الحياكة، والصحة، ورعاية الأطفال، وحتى الطبخ وكل ما يخطر بالبال، فأتقنت الانجليزية لوحدي في المنزل إلى درجة القدرة على التعبير عن نفسي بشكل جيّد جدّاً، وقراءة المواد المتعددة في المواقع الإخبارية، والاستماع لمحاضرات مختلفة بمواضيع متنوّعة، في فترة تُعتبر قصيرة.

لقد كان أهم إنجاز لي هو حفظ القرآن، ولو أنه جاء متأخراً ولكن أحمد الله الذي أذن لي بحفظ كتابه، فبفضله ونعمته حفظت الخُمس مع صحبة خيرٍ تعينني على ذلك..

لم يكن الطريق سالكاً سهلاً؛ إذ حصلت بعض الانتكاسات، ولكن بمجرّد أن تقتنع أن وقتك أثمن من أن يضيع هباءً، فإن الصعب يغدو سهلاً بإذن الله.

ختامًا، فإن كنت قد استطعتُ أن أقوم بذلك، فإنكَ بالتأكيد أيضاً تستطيع، وإننا مهما اجتهدنا لن نخسر الترفيه، إلا أننا سنربح أنفسنا مع ذلك.


المصادر:

(١) عن الترويح عن النفس موقع إسلام ويب

https://www.islamweb.net/ar/fatwa/129613/

مقال نيويورك تايمز:

https://www.google.com/amp/s/www.nytimes.com/2018/12/03/learning/what-have-you-learned-about-life-from-watching-movies.amp.html

 

مصدر صورة الوسائل التواصل الاجتماعي

<a href=”https://www.freepik.com/vectors/people”>People vector created by pikisuperstar – http://www.freepik.com</a&gt;

“الرحلة”.. عندما يتحول الدين إلى فنتازيا تاريخية!

تسعى شركة مانجا للإنتاج -التابعة لمؤسسة محمد بن سلمان الخيرية والمعروفة بـ “مسك الخيرية”- إلى “إلهام أبطال المستقبل”، من خلال إنتاج “الرسوم المتحركة وألعاب الفيديو والقصص المصوّرة ذات الرسالة الهادفة”. وبناء على هذا التعريف نرى إطلالة الشركة علينا قبل أشهر قليلة بفيديو تشويقي لما وُصِف بأنه أول “فيلم أنمي سعودي ياباني” يحمل اسم “الرحلة”.

ووفق الشركة، فـ “الرحلة” فيلم إثارة وتشويق و”فنتازيا تاريخية” مستوحى من “تاريخ شبه الجزيرة العربية ومن الحضارات القديمة في المنطقة” ويروي قصة خزّاف اسمه أوس “يمر بتجربة إنسانية كبيرة ويدافع عن مدينته ضد غزو يأتيها من الخارج”.

لوغو شركة مانغا للإنتاج واستوديو توي أنميشن، منتجة فيلم "الرحلة" والاستوديو الذي قام بالتنفيذ

وشارك في إنتاج الفيلم استوديو توي أنيميشن Toei Animation، أحد أقدم استوديوهات الأنمي القائمة إلى الآن -إن لم يكن أقدمها-، والذي خرّج مَن أصبحوا بعد ذلك أساطيرًا في هذه الصناعة، أمثال هاياو ميازاكي وأوسامو تيزوكا، كما أن الأداء الصوتي في الفيلم كان على يد نخبة من المؤدين، كهيروشي كاميا صاحب الأداء الصوتي لشخصية ليفاي أكرمان من أنمي “هجوم العمالقة” وكذلك الحال بالنسبة لباقي طاقم العمل من إخراج وإنتاج.

وقبل أيام ظهر إلى النور الفيديو التشويقي الثاني للفيلم، لنكتشف أن قصة الفيلم تدور حول غزو أبرهة الأشرم للكعبة! وهكذا تصبح الحوادث والقصص القرآنية “فانتازيا تاريخية” عن “حضارات قديمة في المنطقة”! وهكذا يُلهَمُ “أبطال المستقبل” وتصنّع “أجيال صالحة مؤمنة معتزة بتاريخها وثقافتها” من وجهة نظر شركة مانغا للإنتاج ورئيسها التنفيذي (عصام البخاري)، الذي لم ينطق كلمة “الإسلام” ولو مرة واحدة طيلة مقابلة أجريت معه للحديث عن الفيلم، بل قل: كانت مقابلة تفوح منها رائحة القومية المنتنة.

“الرحلة” في عصر الصورة

باتت الصورة -التي لطالما كان لها بريقها- الآن مدعومة من قبل الإمبراطوريات الرأسمالية بما لديها من نفوذ اقتصادي وقدرات تكنولوجية، بل إن الدول بشتى أشكالها -الديموقراطية منها والقمعية- تستخدمها لتحقيق أهدافها؛ فتوحّشت الصورة وتغلغلت في مفاصل حياتنا وتفاصيل أفكار الإنسان كافّة، ورسمت حاضره وماضيه ومستقبله وحددت له الحقيقة والخيال، بل وأفقدته ذاتَه واستنزفت عمره وأنهكت روحه.

الترفيه في عصر الصورة هو المطلب والهدف، والغاية والوسيلة، فهذا العصر مُغرِقٌ في الماديات، مفرّغ من أي قيمة متجاوِزة، محكومٌ بآليات السوق، عصر سائلٌ لا مكان فيه لقِيَم متعالية، ومعانٍ سامية، وثوابت مقدسة، وحقائق راسخة، عصر نُزِعت فيه القداسة عن غير الصورة!

وما “الرحلة” إلا محاولة لنزع القداسة عن الدين، أقدس المقدسات الذي فيه معنى حياة الإنسان ومفتاح نجاته.

وبداعي الترفيه –أو بحجّته-، يصبح تحريف الدين مجرد “تعديل طبيعي في الحبكة لأغراضٍ درامية ولزيادة جرعة الإثارة والتشويق، وأمرًا لا يستحق من الجدل الكثير”، كما أن “الفن ليس مطالبًا بنقل الحقيقة والتقيد بالواقع”، و”هذا عمل ترفيهي خيالي (فنتازيا تاريخية)، وليس عملًا وثائقيًا”. ففي عصر الصورة تتغير المعايير والمقاييس والمبررات والأحكام، في سبيل تحقيق “متعة المُشاهِد”.

فلا عجب إذن إن وجدنا هذه “الفنتازيا التاريخية” انتقلت إلى عالم الأفلام والمسلسلات، ليتحول الدين في نهاية المطاف إلى مجرد مادة ثرية ينهل منها المؤلفون والأدباء، وأساطير مثيرة تُحاك حولها الحبكات وتُنسَج منها القصص والحكايات، القائمة بطبيعتها على الخيال والمبالغات وتفاصيل لا توجد إلا بمثل الإسرائيليات، لتَرسُم تصوراتنا وتشكل انطباعاتنا وتكُون مصدر معلوماتنا عن كل ما يتعلق بديننا وعقيدتنا. وفي نهاية المطاف، تختلط السردية الدينية للتاريخ بالأساطير في عصر الصورة.

هذه هي الصورة التي ستُرسم لأبرهة في ذهن كل من سيشاهد الفيلم

بعد أن يحوّل “الرحلة” قصص القرآن إلى “فنتازيا تاريخية”، يكون الدين قد استُبيح بأيدٍ عربية -مع الأسف- ليتحول إلى نمط شبيهٍ أو قريبٍ من قصص ألف ليلة وليلة، مداره الحديث عن القصص الأسطورية المحضة، فلا غرابة إذن إن قامت جهات الإنتاج الأجنبية -الغربي منها والشرقي، الأمريكي منها والياباني- باستكمال هذه “الرحلة” الفجة من تحريف الدين الإسلامي واستباحته. كأن نجد شركةً مثل (نتفليكس) تعيد كتابة تاريخنا وتصوير ديننا، ليس للعالم الغربي فحسب، بل حتى للشباب العربي بما يعانيه من انهزام حضاري وخضوع لسلطة “الثقافة الغالبة” ورضوخٍ لقوة الصورة.

وحتى إن زالت الغشاوة وذهب سحر الصورة، وظهرت التعليقات المعترِضة والردود الغاضبة، فهذا غالبًا لن يغير من الواقع شيئًا البتة، فنحن أمام “رحلة” مدعومة من أعلى السلطات في الدولة، رحلة تحريف دينٍ، واستئصال قِيَمٍ، وتغييب وعي، وتزوير تاريخ، ومسخ ثقافة، وطمس هوية، وتشويه مجتمع.

إن محض إدخال الدين إلى نطاق سيطرة الصورة، يعني أن صاحب الصورة هو من يرسم شكل هذا الدين، ويقدمه كما يشاء للفئة التي يشاء. ولك أن تتخيل الحال عزيزي القارئ حينما يكون صاحب الصورة ليس ذو نفوذٍ سياسي واقتصادي فحسب، بل صاحب أعلى سلطة في الدولة، فكيف يمكنه تشكيل هذا الدين وتقديمه على الصعيدين المحلي والعالمي؟ خصوصًا إن استخدم الأنمي في سبيل ذلك!

الأنمي.. ذلك الوافد الجديد القديم

رغم ما تحمله الأفلام والمسلسلات الحية في طياتها من خيال وأساطير إلا أنها لا تُقارن بما يمكن أن يتضمنه الأنمي من خيال بحكم طبيعته، مما قد يعني أن خطره أشد وأثره أكبر، لا سيما إذا أخذنا بالاعتبار أن الفئة التي يستهدفها الأنمي تشمل أعمارًا أصغر نسبيًا، هذا بالإضافة إلى الصورة الوردية المرسومة في المخيال الاجتماعي عن الأنمي خصوصًا واليابان عمومًا.

ولا أدل على انتشار الأنمي من تبنّي الدولة له واستعانتها به لاجتذاب ومخاطبة شبابها!

فشبكة mbc المقرّبة من السلطة، هي أول جهة عربية تتبنى الأنمي في المنطقة وتبثه بشكله الياباني المترجم الخام، من خلال قناتها mbc action ومنصتها الرقمية (شاهد)، وبهذا تضمن وصوله إلى أكبر فئة من الشباب، وكل هذا حدث منذ بضعة أشهر فحسب.

إلا أن “الرحلة” لم تبدأ الآن، فما يحدث ليس وليد اللحظة، ولا هو مجرد استغلال لوسيط رائج حاليًا، بل إن الأمر ظاهر للعيان منذ ما يقارب العشرين عامًا، مع إطلاق mbc لقناتها الثالثة (mbc3) والتي كانت مخصصة لبث الرسوم المتحركة الأجنبية -الأمريكية في الغالب- مع وجود واضحٍ للأنمي الياباني طبعًا، وكان ذلك أيضًا دون إجراء أي تعديل رقابي يراعي الدين أو القيم أو الأعراف، أو حتى عمر الفئة المستهدفة.

مثال ذلك مسلسل الرسوم المتحركة الفرنسي الكندي Totally Spies! والذي عُرف عربيًا بالجاسوسات، والذي نشأت على أفكاره العديد من الفتيات، وبطلاته شابات كل ما يستحوذ على اهتمامهن هو مواكبة آخر صرعات الموضة وإقامة العلاقات الرومنسية مع الشبان. وهذا يعطي لمحة عن طبيعة الأفكار التي تحاول قنوات mbc ضخها عبر مختلف قنواتها، أفكار أوصلتنا اليوم إلى ظواهر كانتشار “الفاشينيستات” اللواتي يجدن ملايين المتابعين والمتابعات.

شبكة قنوات mbc التي تعد من أضخم الشبكات في المنطقة العربية وأكثرها تنوعًا -إن لم تكن الأضخم- تحاول تشويه الإسلام وضخ الثقافة الأجنبية الغربية عبر كل ما تبثه من برامج وأفلام ومسلسلات عربية وأجنبية.

وفي المقابل، وعلى مدار سنين، نجد النقيض تمامًا في طبيعة وثقافة المجتمع المتلقي للمحتوى -بأعرافه وقوانينه وتقاليده-. والجدير بالملاحظة هنا أن المتحكم بالنقيضين هي الجهة ذاتها، بالتالي فإن هذا التناقض الصارخ -وما يؤدي إليه من أزمة حادة في الهوية -قد تصل إلى معاداة كل ما هو عربي إسلامي ووصمه بالتخلف- لم يكن غالبًا بمحض الصدفة؛ بل إن الدور الذي لعبته شبكة قنوات mbc في ضخ الأفكار الأمريكية أوجد لها مكانًا بين تسريبات ويكيليكس، ليس اليوم بل قبل أكثر من عشر سنوات!

هذه الشبكة هي من تروج الآن للأنمي في المنطقة، مما سيدفع إلى مزيد من الانسلاخ عن الهوية العربية والإسلامية، ولكن هذه المرة لصالح اليابان، فالأنمي هو سفير اليابان إلى العالم. وصانع القرار في هذه الشبكة، هو ذاته من يريد استخدم الأنمي لتحريف دين الإسلام ونزع القداسة عنه!

في ظل كل هذا، يستحق الأنمي حيزًا أكبر في الفضاء الإسلامي الفكري والدعوي والتوعوي، ويجدر بمن يهتم بنهضة الأمة وصلاح شبابها أن يوليه مزيدًا من الانتباه والاهتمام ومحاولة الفهم، لكي لا يتحول الإسلام وقيمه إلى “فنتازيا تاريخية”!

هل الفن وسيلة للإصلاح؟

من مزايا المنهج الإسلامي شّموليّته الواضحة في كلّ شيء، ونقصد بالشمولية هنا وجود ضوابط وأطرٍ عامّة ومقاصد أساسيّة للإسلام تتنزّل الحوادث المتجددة تحتها والبحث عن اجتهادات فيها ضمن تلك الضوابط، حيث إن الشريعة حدّدت لنا المبادئ التّي يستطيع أن يلتزم بها الإنسان المُسلم في مُختلف مجالات الحياة من سياسة واقتصاد واجتماع، ويمتدّ ذلك أيضًا إلى الفن بمُختلف أنواعه، وما ابتعدت البشريّة عن هذه الضّوابط في أيّ مجالٍ إلاّ وأتبع ذلك انحراف وفساد وانتكاسة عن الفطرة الإنسانيّة.

يتبادر إلى الأذهان أنّ الإسلام عدو للفنّ وأنّه لا يُمكن النّبوغ فيه مع المُحافظة على القِيَم والمبادئ الإسلاميّة، فكيف يُمكن –أصلاً- توظيفه في التّغيير والإصلاح؟!

يحتج البعض في رَفضه للفنّ بقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْ والْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} [لقمان: 6]، وتعليقًا على هذه الآية نرى الإمام ابن حزم يقول في مواضع متعددة بأن الكفر متأتٍّ عن إرادة الإضلال عن سبيل الله واتخاذ ذلك هزؤًا، بل لو أن امرؤًا اشترى مصحفًا بقصد الإضلال عن سبيل الله لكان كافرًا” [المحلّى بالآثار، ابن حزم، ج7- 567] ومن ثمّ يمكن القول إنه لا علاقة لهذه الآية بتحريم الفن البنّاء السّليم والنّقي.

محمد الغزالي

محمد الغزالي

يرى الشيخ محمد الغزالي رحمه الله “أن الغناء كلام، حسنه حسن وقبيحه قبيح! فهنالك أغان آثمة، تلقى في ليال مظلمة وإن كثرت فيها الأضواء، لا تسمع فيها إلاّ صراخ الغرائز أو فحيح الرّغبات الحرام، وهناك أغان سليمة الأداء، شريفة المعنى، قد تكون عاطفية وقد تكون دينيّة وقد تكون عسكرية تتجاوب معها النّفوس، وتمضي مع ألحانها إلى أهداف عالية” [السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، محمد الغزالي، ص 109] “لقد أشاعت المدينة الحديثة الراديو والتلفزيون وغيرهما من الأجهزة الناقلة للثقافة والملاهي على سواء، ومعروف أنّ هذه الأجهزة أدوات غير مسؤولة عمّا يصدر عنها، وإنّ المسؤولية تقع على المؤلفين والمغنين والمخرجين، ففي استطاعتهم أن يقدّموا النّافع ويحجبوا الضّار” [المصدر السابق، 125].

إنّ الفن وسيلة يستخدمها الإنسان ليُعبّر عن تصوّراته في الحياة، ولينقُل ما يؤمن به من أفكار ومبادئ للمُتلقّي، فإن صلح هذا الإنسان وأبدع في فنّه فسيُنتج لنا صورة فنيّة سليمة المعالم نبيلة الأهداف تُنير الفكر الإنساني، وإن كان هذا الإنسان مُتّبعًا لأهوائه فاسد العقيدة، فلن يُنتج لنا إلاّ فنًّا مُشوّهًا لا خير فيه، بل لن يزيد المُشاهد إلاّ انحرافًا وضلالاً. فالمُشكل هُنا في الإنسان وفي كيفيّة توظيف الفن الذّي أصبح جزءًا من مُجتمعاتنا وثقافتنا المعاصرة.

الفن في الغرب

يعكس الفن في الغرب تصوّرات الأفكار والأفراد في واقع الحياة المعاشة في ظل طغيان المادة وفساد الفطرة، وأوّل ما يلفت نظرنا في الفن الغربى أنّه مشغول بالآلهة وبصراعها مع الإنسان الذّي بمقدوره الانتصار عليها والاستقلال بذاته.

وفي كلّ مرّة تكون هذه الآلهة أو القدر هي مصدر الشرّ والاستبداد، وفي المُقابل يكون الإنسان هو المُتعرّض للظلم وصاحب الحقّ، وبناء على ذلك وجب عليه تحدّي الآلهة المزعومة، حتّى يستطيع التحكّم في مصيره وصناعة تاريخه بنفسه دون الخضوع لأيّ قوّة خارجيّة. فعلى سبيل المثال الأفلام الحديثة التي يكون فيها الأبطال هم أشخاص من ذوي القدرات غير الطبيعيّة فيتمّ تأليههم في مواجهة قوى الشرّ الظالمة أو في بعض الأحيان يتطور الأمر بينهم وبين الإنسان العادي إلى صراع لإثبات قدرة انتصار الإنسان على هذه الآلهة وانتزاع السّلطة منها.

ومن مظاهر الفن الغربي أيضًا تمييع الدّين وتشويهه وتقديمه للعامّة بصورة باطلة ومنحرفة، حيث يتمّ عرض قصص الأنبياء مثلا كما حدث في فيلم نبي الله نوح وموسى بطريقة مُحرّفة فيها تجسيد للذات الإلهيّة، ففي ذلك افتراء على حقيقتها، كما أن فيها تجسيد للأنبياء ونزع للعصمة التّي منحها الله لهم، ولا ينتهي الأمر هنا بل يتمّ غالبًا عن طريق الفن ربط التطرّف والتخلّف بالدّين، خاصة بالإسلام، كما يتمّ الاستهزاء به في المسرحيّات من أجل المُتعة والتّسلية.

أمّا على المستوى الاجتماعي فقد أصبح الفن تهديدًا للأمن والاستقرار داخل المجتمع، حيث يتمّ تبرير أعمال العنف والقتل لشخصيّة عاشت ظلمًا اجتماعيّة واضطرابات نفسيّة وجعلها ضحيّة يتعاطف معها المُتلقّي، فتُصبح له قابليّة للّجوء للعنف الجسدي واللّفظي كلّما وقعت له مظلمة من باب التمرّد على النّظام القائم، وهذا ما حصل عندما تمّ عرض فيلم الجوكر الذّي انتقِد بشدّة بسبب العنف المفرط فيه إلى جانب التّبرير لإجرام هذه الشّخصيّة، وخلال عرضه في دور السّينما الأمريكيّة تمّ نشر وحدات أمنيّة إضافية فيها خوفًا من تداعيات عرض هذا الفيلم.

الجوكر أحد أشكال الفن

لم يترك الفن في الغرب العلاقات بين الرّجل والمرأة على شكلها الفطري، فلا يكاد يخلو عمل فنّي من عرض مفاتن المرأة من باب الإغراء والمُتعة وتقديس الجسد، كما بات عرض العلاقات الجنسيّة المُحرّمة وكأنه جزءٌ من الدلالة على الحبّ، حيث لا بدّ من تلبية الغرائز كلّما سنحت الفرصة لذلك بدون تحرّج أو قيود أخلاقيّة، ومن شدّة الانحراف الفنّي أصبح يُروّج اليوم لزنا المحارم، والشّذوذ، بل وصل الأمر بأن تقوم نتفليكس بالدفاع عن إدراج فكرة اشتهاء الأطفال والدعوة للمثلية وعرض أفلام من بطولة أطفال مراهقات بما لها من إيحاءات جنسيّة مبالغ فيها!

إنّ مثل هذا الفن، الذّى يتم إخراجه بإتقان وجودة عالية تأسر المُتلقّي، وذلك لن يُنتج إلاّ إنسانًا كارهًا للدّين، جاحدًا لربّه مُنغمسًا في شهواته مُتّبعًا لأهوائه بدون حدود، ونحن لا نُنكر وجود روائع إنسانيّة عميقة وعالية فيها مشاعر راقية في الفن الغربي، إلا أن قول ذلك يجب ألّا يحجب عن أبصارنا المفاسد التي ذكرناها وما يترتّب عليها من انحرافات.

الفن في مُجتمعاتنا

ربما يقال إن بداية الفن في مُجتمعاتنا كانت تحترم التّقاليد اليومية والأخلاق، وعندما دخلنا في طور الحداثة أصبح أرباب الفن مولعين بتقليد الغرب في كلّ شيء يُناقض قيم الإسلام، لقد بدأ الفن ينسلخ رويدًا رويدًا عن منهجه في إظهار مشكلات المجتمع إلى تحريف فكره، وأصبح من الضروري فيه أن تظهر المرأة بطريقة جذّابة ومُغرية، وأصبحت بعض الانتاجات الفنيّة تعرض العلاقات المُحرّمة من دون حرج باسم الإبداع والحريّة وذلك بهدف تحصيل أكبر نسبةٍ ممكنة من المُشاهدات.

أصبحت لحظات الضّعف والانحراف أمام الغرائز والنّزوات تُصوّر على أنّها بطولة فانقلبت المفاهيم عندنا، لقد تحوّلت الخيانات الزّوجيّة واتّخاذ العشيقات حبًّا وتضحية، وتحوّل التعرّي واللّباس الفاضح وغير اللائق تحرّرًا ومُوضة يتسابق إليها شبابنا اقتداءً بالمشاهير من الفنّانين والفنانات، وتحوّل الكلام الفاحش وعقوق الوالدين وشرب الخمر والتميّع رُجولة وفخرًا، وكلّ ذلك يُقام في الأعمال الفنيّة عندنا باسم الواقع وتشخيص حالة مُجتمعاتنا!

كما أصبح الفن اليوم طريقًا لتشويه قُدواتنا الإسلاميّة وتزييف التّاريخ ووصفهم بالتطرّف والإرهاب والقدح المسيء حتّى تنفر العامّة منهم بدون الاطّلاع على سيرتهم وما قدّموه لأمّتنا الإسلاميّة، ونذكر على سبيل المثال الهجمة الشرسة في احدى المُسلسلات على شيخ الاسلام بن تيميّة وجعله سببًا لاتّباع شبابنا لمنهج التّكفير وإباحة دماء الأبرياء، ولنضف إلى ذلك ما يتمّ ترويجه من أباطيل في أعمال فنيّة حديثة باستغلال ما تقوم به  بعض التنظيمات المتطرفة لإلصاق تُهمة القتل والعنف بالاسلام دون توضيح الحقيقة للمُتلقّي ودون تبيين انحراف هذه التّنظيمات عن الحقّ.

لن ينتهي دور الفن هنا بل سيزجّ في السياسة عن طريق إنتاج مُسلسلات ذات جودة عالية هدفها تزييف الحقائق وتلميع صورة الأنظمة الظالمة والمستبدّة، بهدف تبرئتهم من كلّ إجرام قاموا به داخل أوطانهم وخارجها، بل أصبح الفن اليوم يُوظّف من أجل تبرير جريمة التّطبيع مع الكيان الصّهيوني وإقامة الحفلات الغنائيّة إرضاءً لقرارات السّلطة الحاكمة واستجابة لطلبها!

وقد انعكس كلّ ذلك سلبًا على مُجتمعاتنا وانتشر بيننا العنف والفساد الأخلاقي والجمود والوهن أكثر من ذي قبل. ولنا أن نتساءل الآن إذا كانت هذه صورة الفن عندنا، فما البديل الذّي يُقدّمه الإسلام لنا؟

الفن في الإسلام

إنّ الالتزم بمنهج الله في الفن لن يجعله عبارة عن مواعظ وخطب وإرشادات دينيّة متسلسلة، ولن يتحدّث العمل الفني عن العقيدة والفقه فقط، ولن يكون مُنفصلاً عن واقع الحياة عن طريق تقديم صورة مثاليّة للإنسان غير قابلة للتّطبيق، بل سيجعله يتناول كلّ جوانب الحياة ومشاكلها بكلّ حرّية من زاوية التصور الإسلامي.

قد يتحدّث الفن الإسلامي عن الكون فيصوّر لنا جماله وارتباطه بالخالق ويصفه لنا على أنّه خليقة ذات روح تُسبّح لله وتخضع له وتشهد على من عاش فيه وكلّ مخلوق موجود فيه إلاّ وله حياة وروح كما قال الله لنا في كتابه: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44]

وقد يتحدّث الفن عن الإنسان فيراه خليفة الله في الأرض وعبدًا له يستمدّ حياته ووجوده من الله وحده وأنّ له دورًا فاعلاً في الحياة، وأن هذا الكون مُسخّر له ليُصلح فيه ويُحارب الظلم والشرّ، ومن ثمّ يكشف عن حقيقة الإنسان الذي له منافذ ضعف يستغلّها عدوّه الأوّل الشيطان ليُغويه، فتكون هنا مُجاهدة النّفس والشيطان من أجل اتّباع منهج الله والثبات عليه وتربية النّفس على ذلك.

بكل تأكيد فإنه من المهم للفنّ مُعالجة العلاقة بين الجنسين بإعطائها طابعها الإنساني النّظيف الطاهر بعيدًا عن الرذيلة والشّهوات، وأن يظهر أن العلاقة الطاهرة مهمة لبناء مُجتمع مُتوازن ونقيّ وتغيير واقعه والنّهوض به.

وقد يتحدّث الفن عن رسول الله عليه صلى الله عليه وسلّم فيُخبرنا عن حياته وأخلاقه وعن علاقته بربّه وعلاقته بأصحابه وبأهله وأزواجه وعن غزواته وكيف نصره الله فيها، وعن كفاحه من أجل نُصرة الحقّ ودحض الباطل، ليكون خير قدوة لنا في مُختلف المجالات، ولنتعلّم منه كيف نُدير حياتنا ونحياها.

قد يتحدّث الفن عن المُستويات العليا للجمال التّي تشمل كلّ مجلات الحياة كجمال الأخوّة الاسلاميّة ومدى حاجتنا لها اليوم، وجمال الحبّ الذّي يشمل الحبّ الإلهي والإنساني وجمال الأخلاق، وكيف تحيى الأمم بها، وكذلك جمال الصّبر على محن الحياة والعزم على تجاوزها مع التوكّل الله الذي بيده كلّ شيء، وجمال الخير الذي يجب أن يكون ديدنه كلّ إنسان، وجمال الحقّ والعدل الذي تقام بهما الدّول النّاجحة، وجمال الحريّة والكرامة التّي تطمح إليها الشّعوب والأمم المقهورة والمظلومة، وجمال العلوم التّي تنهض بها الأمم وتُنير بها طريقها وتُحقّق بها استقلالها، وجمال النّضال والبذل والتّضحية بالمال والنّفس من أجل الإصلاح والتّغيير والعودة لمنهج الله ومُحاربة المُنكر والجمود والجهل، وجمال الجهاد الذي تكسر به الأمّة قيود الاستعمار والمذلّة والاعتداء على حُرماتها.

وللفنّ أيضًا أن يُجسّد لنا الواقع ومشاكله الكبرى بدون إفراط أو تفريط، وفق الضوابط الإسلاميّة في الاجتماع والاقتصاد والسياسة، وتسليط الضوء على الانحرافات النفسيّة والخُلقيّة التّي يعيشها الفرد منّا مع تقديم الحلول لها في شكل فنّي إبداعي وفق الهدي الإسلامي.

وخلال هذا كلّه يُصبح للفنّ الإسلامي مجال واسعٌ للتّعبير الشامل في كلّ مجالات الحياة، وإنّ مثل هذا الفن سيُساهم بلا شكّ في ترسيخ القيم والمفاهيم الإسلامية بيننا، وسيلفت كذلك نظر المُتلقّي إلى مواضع الخلل التّي تعيشها مُجتمعاتنا وكيفيّة النّهوض بها، وسيدفعه ذلك إلى العمل وعل والهمّة من أجل التّغيير.

إننا لن نصل لهذا المستوى الفنّي إلاّ في وجود فنّانين تشبّعت أنفسهم وقلوبهم التصوّر الإسلامي الصّحيح، فتراهم يتطلّعون للإصلاح، كما أن علينا دعم مواهب شبابنا المُسلم في هذا المجال، والإحسان تأطيرهم وعدم غلق باب الفن عنهم فيفرّون من دينهم ويُسخّرون طاقاتهم الابداعيّة في الفن القبيح المشوّه والمنافي للأخلاق.

العفاف الاجتماعي.. عقبات وتحدّيات

إذا أردت تدمير مُجتمع ما والسيطرة على أفراده، فعليك أوّلًا نشر الانحراف والانحلال الأخلاقي داخله، ومن ثمّ سيُصبح كلّ فرد مُتّبعًا لشهواته وساعيًا لإشباع غرائزه بنهمٍ، وسيُصبح ذلك محور حياته.

وقد تسرّب لنا نحن المسلمين اليوم هذا النوع من الانحراف وأصبح هنالك فساد في العلاقة بين الجنسين، وتسابقٌ من أجل إشباع الغرائز، وفقدنا بوصلة الإيمان التّي تُوجّهنا إلى الطّريق المُستقيم في الحياة، وانعكس ذلك كلّه على الفرد وعلى المُجتمع الذّي غشاه الوهن والضعف.

صورة تعبر عن الوقوع تحت أسر الغرائز والشهوات والتي تناقض العفاف الاجتماعي

هذا الحال الذي وصلنا إليه لم يكن موافقًا لما روّجه بعض بني جلدتنا المُنتمين للنّخب المُثقّفة بأنّ الانفتاح على الفكر الغربيّ بكلّيّته سيوصلنا للتقدّم العلميّ والحضاري، إلا أن هذا الأعمى لم يزدنا –في الحقيقة- إلاّ تخلّفًا وعُبوديّة وتقديسًا للغرب، إلى جانب تأخرنا في العمل المُثمر ومن دون تحقيق أيّ تغيير واقعي يُذكر.

إنّ الفرد منّا اليوم يجد نفسه حائرًا لا يدري أين الحقّ من الباطل في ظلّ هذه الفوضى الفكريّة التّي نعيشها، خاصّة في باب العلاقات بين المرأة والرّجل، فنجد أصواتًا مُتعاليةً من هنا وهُناك، كلٌّ يُناقض الآخرـ بين من يدع ولانفتاح غير محدود، وبين انغلاق تامّ على الذات مُؤدٍّ –ولا ريب- للكبت والانهيار.

فساد العلاقة بين الجنسين في الغرب

كانت بداية الانحراف قد ظهرت في العصور الوسطى في أوروبا أي مع بداية انحراف المسيحيّة وتسلّط الكنيسة على النّاس واستعبادهم باسم الدّين، حيث كانت الفكرة الشائعة في ذلك الزّمان أنّ الجنس شيء دنِس في ذاته، وأنّ المرأة مخلوق شيطانيٌّ يجب الابتعاد عنها، وأنّ الزّواج غريزة حيوانيّة ينشغل بها عامة النّاس، وأن من أراد السّعادة والتّقوى فعليه مُجاهدة نفسه والتخلّي عن فكرة الزّواج، وفي المُقابل كان هنالك الفجور والفواحش المُنتشرة فرارًا من هذا الكبت والقيود الواهمة.

 واستمرّ هذا الانحراف حتّى انفضحت الكنيسة بفسادها الجنسي بين الرّهبان والرّاهبات، ومع الانقلاب الصّناعي في أوروبا، والمُطالبة بالتحرّر المُطلق من كلّ شيء، ظهر فساد آخر سرعان ما انتشر وتصاعد مُتمثّلاً في التوجه نحو الإباحيّة الكاملة والتبذّل الأخلاقي والحريّة الجنسيّة.

ومما أسهم في ذلك ظهور السينما والتلفزيون والتحرّر من الأخلاق الضابطة، والاختلاط الماجن، ودور الأزياء والصّحافة، وأصبح البغاء والعلاقات المشبوهة والزّنا أمرًا عاديًّا في أوروبا، كونه داخلاً في الحريّات الشخصيّة التي لا ترتبط بالدّين والأخلاق والتّقاليد.

 وصل الأمر اليوم في أوروبا من شدّة هذا الانحراف إلى إعلان وزيرة المواطنة الفرنسيّة مؤخّرًا على أنّ قانون منع تعدّد الزّوجات في فرنسا لن يُؤثّر على حريّة ممارسة الجنس الجماعي، وتعدّد العشيقات، بل وصل بهم الانحراف والضّلال بأن يُعلن مجلس الشّيوخ الفرنسي السّماح بمُمارسة الجنس مع الفتيات في سنّ13 سنة إن كان ذلك بالتّراضي!

فأيّ انتكاس للفطرة وانحراف عن العفاف والحياة الطاهرة بعد هذا؟!

على الرغم من هذا الانفلات من الأخلاق والضّوابط والتّقاليد إزاء العلاقات الجنسيّة التّي أصبحت تُقام في يُسر وتحت حماية القانون من دون قيود، فإنّ شهوة الفرد داخل هذه المُجتمعات الحديثة لم تشبع بعد ولم تهدأ، وإنما واصل الإنسان الانحراف في تنفيسها إلى حدّ الملل الجنسي، حيث أبيحَ الشذوذ، وأصبحنا نرى -دونما تحرّج- حفلات زفاف تُقام لشخصين من نفس الجنس!

زواج المثليين من نتائج غياب العفاف الاجتماعي

فقد أثبتت نتائج بعض الدّراسات في استقصاء لمواطني الدّول الأوروبيّة قابليّتهم لهذا الأمر سنة 2015 حيث كانت النّسب كالآتي: 66% لكلّ من ألمانيا وفنلندا والنّمسا و55% في إيطاليا(2)، وفي تقرير فرنسي حديث صادم كُشِف عن أنّ أكثر من 10 آلاف طفل تعرّضوا للتحرّش الجنسي في الكنائس الفرنسيّة منذ 1950 وأنّ القساوس المُصابون بشذوذ اشتهاء الأطفال يتجاوز عددهم 1500(3)!

ولا ينتهي الأمر ههنا، إذ صدر أخيرًا كتاب “العائلة الكبيرة” الذّي هزّ المُجتمع الفرنسي للخبيرة الدّستورية “كاميل كوشنير” كشفت فيه أنّ رئيس مجلس إدارة معهد الدراسات السياسية المرموق بباريس، قد اعتدى جنسيًّا على شقيقها التوأم، وأسفر ذلك عن خروج الكثير من الأشخاص عن صمتهم وظهرت كثير من الفضائح الجنسيّة وزنا المحارم للعديد من المشاهير في الفنّ والسّياسة والإعلام.

وفي النّهاية أدّي هذا الانفتاح الجنسي، المُتجرّد من كلّ القيم الإنسانيّة، إلى هَوَسٍ ونَهَمٍ غير محدود وإلى غياب الأمن النّفسي والاستقرار الاجتماعيّ، وبالتّالي أصبح يُعاني البعض في هذه المجتمعات من ضغط عصبي وقلق وجنون قادهم إلى الاغتصاب والجريمة، حيث نشرت مجلّة “مادموزيل” الفرنسية سنة 2019 أنّه يتمّ اغتصاب امرأة كلّ سبع دقائق في فرنسا(4).

 واقعنا والعلاقات بين الجنسين

عندما قلدّنا الغرب بطريقة عمياء، انحرفت مُجتمعاتنا عن قيم العفّة والحياء رويدًا رويدًا، فأصبح الإعلام عندنا يستخدم فكرة التسوّل الجنسي، حيث يتمّ تشجيع المرأة والرّجل على الاقتداء بالنّموذج الغربي تحت عنوان مواكبة العصر والحداثة، فعلى المرأة أن تكون أكثر جاذبية وإثارة فور خروجها من بيتها سوى في العمل أو في الدراسة أو عند ذهابها للتسوّق، وعلى الرّجل أن ينساق وراءها ويُغازلها، ويبني صداقة معها من باب المُتعة واللّهو.

كما يتمّ في الأفلام والبرامج والمُسلسلات التّركيز على عرض العلاقات المُحرّمة وكأنّها التعبير الوحيدُ عن الحبّ والرّومانسيّة، ويتمّ إظهار مُرتكبيها على أنّهم ضحايا يجب التّعاطف معهم، أو الترويج لأنّ ما قاموا به من حرّيتهم الشّخصيّة، ولا يخفى أن الترويج للتعرّي وكشف مفاتن الجسد بات أمرًا لازمًا لهذه الأفلام، وذلك بدعوى شعور المرأة بأنوثتها، ومع تكرار الإعلام هذه الصّور والمشاهد والبرامج، صار المُتلقّي مهيّأ لقبول هذه المُمارسات داخل مُجتمعه ولا يُنكرها عند حدوثها.

الإعلام يحارب العفاف الاجتماعي

ولا ننسى أيضًا دور النّخب المُثقّفة عندنا التّي تسعى ليلاً نهارًا لتقويض مبادئ الإسلام داخل المُجتمع، وإعطاء كلّ وافد غربي إلينا طابعًا فلسفيًا وعلميًّا؛ لتبريره وإقناع العامّة بقبوله، أو لاستخفاف عُقولهم وأفكارهم، وها قد بتنا اليوم نسمع مُصطلحات غريبة عنّا كالأمّهات العازبات أو النّوع الاجتماعي وصار مرتكبو فعل قوم لوط يُطالبون بتشريع حقوق خاصة لهم علنًا في مُجتمع دينه الإسلام!

وانعكس ذلك سلبًا على الأسرة التّي لم تعد راحة وسكنًا حيث ارتفعت نسب الطّلاق، وأصبح كِلا الزّوجين يبحث عن صديق أو شريك يلجأ إليه باسم الصداقة، وأصبح البيت والأطفال عبئًا على كليهما، فانهار نظام الأسرة، وانجرّ عن ذلك ضياع الأبناء وشتاتهم النّفسي، ومع بلوغهم سنّ المُراهقة يجدون أنفسهم في مُجتمع مُنفتح على الإباحيّة فيبدؤون باتّخاذ الخليلات وقد يصل بهم الأمر للوقوع في الفاحشة مع طول الابتعاد عن منهج الله وترك تعاليم دينه.

ضرورة نشر العفاف الاجتماعي

اهتمّت الشريعة الاسلاميّة بنشر العفاف داخل المجتمع ووضعت له ضوابط مُعيّنة حمايةً له من الانحراف والفساد، وإنّنا لن نجد في العالم تشريع بشري يصل لهذه الدقّة ويهتمّ بهذه التّفاصيل من باب الحفاظ على فطرة الإنسان وضمان حياة سليمة له ولبنيه. فقد ضبط الشّرع لنا البصر وأمرنا بغضّه عن المُحرّمات رجالاً ونساء عملاً بقوله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 30- 31]، وضبط لنا طريقة الكلام ونهى المرأة عن النّعومة المُفتعلة في نبرة صوتها فقال الله لها: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]، وضبط طريقة اللّباس للمرأة وللرّجل وجعل لهما عورات وجب سترها، فعن عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما: (رَأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَخِذَ رَجُلٍ خارجةً فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: غَطِّ فَخِذَكَ فإنَّ فَخِذَ الرَّجُلِ عَورتُه) [أخرجه أبو داوود والترمذي في السنن]، وأمر الله في كتابه المرأة فقال: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31]، وضبط طريقة مشية الرّجل والمرأة، فوجّه الله النساء قائلاً: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} [النور: 31]، وأمّا الرّجل فجاء الأمر على لسان لقمان بأن: {اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} [لقمان: 19].

 وكما أنّ اليوم لقاء الرّجل والمرأة أمرٌ واقع لا مفرّ منه، سواء في العمل أو الدّراسة أو أي مكان آخر، فلا بدّ أيضًا من مُراعاة أمرين:

أوّلهما: أن يكون للّقاء هدف ومصلحة فيها إصلاح ونفع للأفراد والمُجتمع، وليس لقاءً ماجنًا لا هدف وراءه سوى إرضاء شهوة النفس، وثانيهما: أن يكون هنالك التزام بالضوابط الإسلاميّة التّي ذكرناها آنفًا.

ولنا في قصّة سيدنا موسى عليه السّلام أسوة حسنة، عندما وجد امرأتان لم تستطيعا السقاية بسبب وجود عدد كبير من الرّعاة حول الماء وامتنعتا عن مزاحمة الرّجال والاختلاط معهم والاحتكاك المُباشر بهم حياء منهما فخاطبهما نبي الله موسى عليه السّلام بكلمة واحدة {مَا خَطْبُكُمَا}، ولم يبحث عن افتعال مُحادثة معهما التزامًا بالعفّة وابتعادً عن مسالك الفتنة فذهب للمقصد مُباشرة، وكان جوابهما أيضًا مُختصرًا لا زيغ فيه حيث {قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}. فقام موسى {فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}. أي أنه أدى واجبه ثم انصرف ولم يستغلّ ضعفهما لإشباع غريزته ومُماطلتهما، وعندما أخبرا والدهما بذلك عادتا على استحياء يدلّ على عفة كلٍّ منهما {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} [الآيات من سورة القصص: 23- 25] وهذا هو الأصل في اجتماع الرّجل والمرأة.

إن مدار العفّة إذًا الامتناع عن كلّ فعل قبيح لا يليق بكرامة الإنسان كما حدّده شرعنا الحنيف، وإذا أردنا حماية مُجتمعاتنا من الانحلال المدمّر والمُهلك لروابط المُجتمع فعلينا العودة لمنهج الله والالتزام بمبادئ ديننا والتخلّق بآدابه وتربية الأجيال عليها، فإن لم نفعل فستلتَهمُنا الإباحية وينخر في جسد مجتمعاتنا الفساد!


الهوامش:

(1): جاهليّة القرن العشرين لمحمد قطب، دار الشروق للنشر بتاريخ 1993، ص 189.

(2): موقع أورونيوز، مقال بعنوان دول الاتحاد الأوروبي وزواج مثليي الجنس بتاريخ 13 جويلية 2017.

  (3): نفس المصدر، مقال بعنوان تقرير يكشف تعرض ما لا يقل عن 10000 طفل لاعتداءات جنسية في كنائس فرنسا منذ عام 1950 بتاريخ 3 مارس 2021.

  (4): موقع فرنسا24، مقال بعنوان العنف ضد النساء: اغتصاب امرأة كل 7 دقائق في فرنسا بتاريخ 25 نوفمبر 2019.

 

 

كيف يتحول النقد الساخر إلى سخرية وتجريح؟

تصدرت في الآونة الأخيرة موجات متعددة من السخرية، سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال مقالات نقدية تُقَدَّم على بعض المواقع المتخصصة بهذا الشأن؛ متجاوزة النقد الطبيعي المنضبط كما هو معروف في النقد الساخر، إلا أن الأمر تجاوز ذلك إلى النيل من الأفكار، والشخصيات والمنظمات بطريقة تجريحية استهزائية.

باتت السخرية تقدّم صورًا نمطيَّةً، تصوّر المشهد السياسي والفكري والاقتصادي، بمشاهد لا تقبل التحليل أو التأويل، وتحوّلت السخرية إلى نمط يحكم سلوك الأفراد، من خلال توجيه أفكارهم وعقائدهم، وبتقديم هذا النوع الساخر على أنه فن هادف!

 فمتى يتحول النقد الساخر إلى تجريح وسخرية؟ وما الفرق بينهما؟

النقد الساخر
يوصل النقد الساخر رسالته دون إيلام أو تشويه، من خلال عرض الفكرة وما يقابلها من حقيقة أو رأي يدعيه القائل، ويتجنب النقد الساخر -بحدوده الطبيعية- الإخلال بصورة أي شخص، أو التعرض لمعتقداته لغرض التشويه، إضافة لتجنّب الاستهزاء بالصورة الخَلْقية لأي إنسان؛ فالهدف الأساسي من النقد الساخر يتمحور حول تفنيد الفكرة دون التعرّض للأشخاص بالكلام المسيء والتصوير الجارح.

 ويستعمَل النقد الساخر عادة، عندما تكون الفكرة المقابلة سطحية إلى درجة يصعب الرد عليها بطريقة علمية، فيتجنّب العالم الرد عليها بطريقة أكاديمية ويقوم النقد الساخر بإظهار إسرافها بالسطحية وعدم مطابقتها للواقع والمنطق ونذكر مثلًا الردود الساخرة على المؤمنين بعدم كروية الأرض واتهام ناسا بأنها تنشر هذه العقيدة كذبًا وبهتانًا..

وكذلك يستعمَل النقد الساخر عندما تصبح الأفكار السطحية ضارة بالمجتمع أو تشكل تهديدًا مباشرًا له كإيمان بعض الناس بأن لقاحات كورونا تحتوي على شريحة تنصّت ستغرَس في أجسادهم!.

وتظهر الأفكار السطحية في تفكير البعض، عندما يركزون على الفرع دون الأصل، والغرق في الجزيئات دون الكليات، والأفكار المثالية الزائدة دون النظر لحقيقة الواقع، عندها تدفع الأفكار السطحية أي شخصٍ إلى النقد الساخر، وخصوصًا عندما يتحول القائل إلى أسلوب الابتسار الحضاري من خلال جعل التقدم والعلوم شيئًا مقصورًا على العقل الغربي دون غيره، وطمس معالم الرقيّ والتقدّم في الحضارات الأخرى وإن كانت منجزاتها مما يؤثر في نشأة العلوم الحديثة، والترويج لأن الحضارة الغربية حضارة واحدة ناتجة عن جهود أبنائها وعلمائها الذاتيّة فقط وأنها المبدعة والرائدة ومركز الحضارات الأخرى الناقلة أو التابعة.

يكون النقد الساخر إبداعيًّا حين يصدر من الإنسان المهتم والمتابع والذي يملك دراية علمية وأدبية في الموضوع المستهدف، وللناقد أسلوبه المهذّب فلا يستخدم الرموز المصوّرة، ولا يسعى للتجريح أو شتم خصمه.

لهذه الأسباب كلها يمكن القول إن النقد الساخر أمر طبيعي وحقٌّ مكفول في مختلف الأعراف البشرية، طالما أنه لا يتجاوز على الآخرين حقوقهم بالرأي والتعبير، ولا يصادر منهم حق المعرفة أو التأويل، ولا يسخر من الشكل الخارجي ويجرح بأسلوبه.

كيف يصبح الاستهزاء طريقًا للإهانة؟
إن نظرنا إلى السخرية والتجريح باعتبارها من طرق التعبير الجديدة، فإننا سنراها تقوم على أن يستعمل فيها الشخص ألفاظًا تقلب المعنى الحقيقي إلى عكس ما يقصده المتكلم، ويندرج الاستهزاء فيها حيث إن مراد المستهزئ هو الإضحاك بالتجريح، وغرض الساخر هنا ليس النقد، وإنما تصوير الشخص أو التيار أو المنظومة الفكرية في صورة استهزائيّة مضحكة، والذي يصل غالبًا إلى حد الإيلام المعنوي أو النفسي من خلال الاستهزاء بالعيوب الخَلْقية -كالطول، والقصر، والتلعثم- أو تركيب صورته على أجسام ورموز ضاحكة كما تطفح بها مواقع التواصل الاجتماعي.

النقد الساخر على وسائل التواصل الاجتماعي

وتكون السخرية بالافتراء على الناس، أو السخرية من أخطاء يعلم المتحدث أنها قد تحدث لكل الناس، ويكون ذلك من خلال تركيب الكلام على منشور ما أو تصريح صحفي، ثم التقوُّل على صاحبه بما لا يقصد، وتحميل الكلام أوجهًا مختلفة دون أن يقصد صاحبه أيًّا منها.

لقد درج في العادة أن يكون هذا السلوك على مواقع التواصل الاجتماعي بغرض لفت انتباه المتابعين، وزيادة أعدادهم، أو لتحقيق غايات شخصية تخصه، وهذا النوع منتشر كثيرا، خصوصا عندما يتم الحديث بالدين أو توضيح أحكام شرعية.

وتنتشر عادة السخرية والتجريح عندما لا يمتلك الشخص ردًّا حقيقيًّا على فكرة علمية، فيجد الشخص هنا أنه من الأسهل عليه الطعن بها وبصاحبها من خلال التشويه المتعمّد، وليس الحوار حول رفض الفكرة وعدم الإيمان بها أو الاعتراف بجهله!

لكن، لمَ يجب أن يغوص الساخر المستهزئ في بطون الكتب، ويبحث عن الحقيقة، طالما أن تقمّص دور الاستهزاء الساخر؛ سيجلب له المتابعين ويزيد من شهرته ويحقق له غايته في تسطيح العلم والوقائع، فهذه الطريقة – السخرية والتجريح – غير مكلفة؛ إذ كل ما على الساخر فعله، تركيب الصور، وتقطيع الكلمات، وتجزيء الأفكار بما يخدم قضيته، وعندها سيجد جمهورًا بالملايين، ومئات وربما آلاف مؤلفة من المعجبين الذين يتخذونه قدوة.

لقد بتنا نلاحظ في الآونة الأخيرة أنه صار للاستهزاء مساحات واسعة في مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام من خلال الترويج –على الأقل- لبرامج السخرية المنتشرة كثيرًا في الفترة الأخيرة.

ويلاقي أصحاب هذه المشاريع دعما كبيرا من المؤسسات الإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، ومن الجمهور المتعطش” للضحك”، الذي لا يهمه البحث والتمحيص وراء الفكرة المعروضة والتأكّد من صحتها وبطلانها هي صحيحة أم لا، بل يسلّم عقله للساخر المستهزئ بدون أدنى مقاومة.

السخرية.. نقيض للجدية وطريق للابتذال
يمثّل الرد الساخر المستهزئ نموذجًا للاجتزاء والاقتطاع؛ حيث يركز على الأفكار التي تخدم سخريته، فيقتطعها من سياقها الصحيح؛ وبالتالي تفشل كل محاولات الشخص المستهدَف للتوضيح أدراج الرياح -إلا إن سلك نفس طريقة السخرية والتجريح-.

 إذن فالسخرية -أسلوبًا استهزائيًّا- ليست نقدًا عاديًّا يمكن التعامل معه أو التغاضي عنه، بل هي اختزال للأفكار وتنميطها بقالب معين، وهي ليست أداة تعبير يمكن احترامها لما تحمله من إهانات لنُظُمٍ فكرية أو شخصيات اعتبارية.

تعبّر الجدّية عن البحث والتحقيق والدراية الكاملة، وهي ضدّ الضعف والهزل والتنميط، إذ تقتضي البحث والاستقصاء عن الموضوع المستهدَف، والعلمَ به وعدم السخرية منه، إلى جانب تقديم الأفكار بطريقة علمية، أو تفنيدها حسب الأصول المطلوبة، دون ابتذال أو تشويه.

 وكذلك فإن الإعلام الجدي يبحث عن المعلومة ويشخصها بالطريقة الصحيحة دون إسفاف، والشخص الجادّ يبحث عن مضمون الحديث وعن الرسالة الباعثة له والغاية المقصودة منه، أما السخرية والتجريح فإنها تهدف إلى استهداف المعلومة أو الفكرة أو الشخص بشكل مباشر، دون تقديم طريقٍ علميٍّ يسوّغ ذلك.

تتناول السخرية في مواقع التواصل والإعلام الكثير من المنظمات والأفكار والشخصيات المعروفة بطريقة تشويهية وانتقائية، دون البحث في أفكارهم ومصادر معلوماتهم، وحتى لو بحثوا فإنه غالبًا ما ذلك يُقدَّم في قالبٍ كوميديٍّ ساخر مثل استهداف المقدسات لدى المسلمين من خلال الاستهزاء المنظم، بهدف امتهان كرامتهم والإساءة إليهم من خلال ربط بعض الوقائع المعاصرة بسلسلة من الأحداث التاريخية.

النقد الساخر من المسلمين

يتجنب الأشخاص في فضاء التواصل الاجتماعي التعرّض في الغالب للمفاهيم المعقدة والتي تحتاج إلى بحث متواصل، فيلجأ هؤلاء إلى السخرية منها كونها تريح من عناء الاستقصاء، وتوفّر برامج السخرية، منصّات متخصّصة لاستقبال الباحثين عن السخرية والاستهزاء!

السخرية بشكلها الاستهزائي نقيضٌ للجدية، والرابط بينهما هو خيط رفيع يسهل قطعه وتجاوزه، وتستخدِم السخرية -سواء من خلال برنامج منتظم أو المنشورات على منصة فيسبوك- أسلوب الاستخفاف بالخصم والحط من قدرته المعرفية، من خلال “الرموز الضاحكة” والهجوم الساخر؛ فمع وضعِ صورة ساخرة ضد الأفكار المقدمة سيصبح الدفاع عن مبدأ ما أمرًا مثيرًا للضحك عند الغالبية العظمى من متابعي تلك البرامج.

لعل أشد نتائج السخرية والتجريح هو تحولها إلى طريق للابتذال؛ من خلال التكلف والتصنع اللذين يتعارضان مع السجيّة والتلقائية، إلى التضحية بالوقار في سبيل جلب الأنظار، مثل استخدام الأساليب التهريجية في نقد الخصم، وتقديم العبارات النابية تعبيرًا عن الإنسان الظريف!! لكن الواقع المؤكّد هو أن السخرية والتجريح تجبر أصحابها –مؤسسة أو أشخاصًا– على الغوص أكثر فأكثر في الابتذال، إلى حد مهاجمة البرنامج والساخر نفسه، وتحكم عليهم التجاوز في حق حرية الآخرين في الاعتقاد والممارسة، وتصبح مصادرة الآراء – عندهم – مجرد نكتة أو جولة ترفيهية.

خلاصة القول
يجب تحديد الحدود الرئيسية بين النقد الساخر الطبيعي المقبول، وبين السخرية والتجريح، التي تأخذ دور الحكم على الأفكار والأشخاص والمنظمات، وهذا لا يعني الدعوة للتوقف عن استخدام النقد الساخر المنضبط بما لا يخرج عن أوامر الإسلام ونواهيه، كونه يُسهِم في تنوع الطرق الإعلامية، وهنا لا بد من وضع ميثاق شرف يحدد طرق استخدام هذا النوع من التعبير، ويوجه طريقة استخدامه.

 قد يكون من المناسب في كثير من الأحيان استخدام السخرية في انتقاد السلطة السياسية بهدف إبراز جوانب الفساد والظلم فيها، إلا أن استخدام الإساءات الشخصية والأخلاقية دون راع وموجِّه، فلعل تجاوزه ومنعه أولى، وعليه فإنه يجب بكل بساطة تقنين النقد الساخر بما يحفظ حقوق الآخرين ويمنع من الوقوع في فخ التجريح.

دعاوى كبيرة في قوالب جاهزة

ليس ثمة شيء أصعب من أن تعاني عمرك كله في عقدة نقصٍ تذكَر كلما ذُكِرتَ! هذا ما يمكن الإشارة إليه بشكل عابر، إلا أن المراد من ذلك التعريج على العقدة التي تلازم عامة المسلمين حتى أصبحوا يعانون ممّا يسمّى “عقدة الإسلام”، فصار لزامًا عليهم أن يعملوا على تلميع صورتهم في كل محفل ولقاء.

هذا التشكيك الذي نعيش حملاته علينا داخليًّا وخارجيًّا دفع كثيرًا من المسلمين لأن يغفلوا عن كمال الشريعة التي جاء بها الإسلام، واندفعوا يشككون بجدوى الدعوة له أو التديّن به، لقد ابتعدوا عن أن يكون أعزة بدين الله.

الطريق للتخلص من القوالب الجاهزة
لن يكون غريبًا أن نسمع بشكل شبه يومي قواعد تردُ على ألسنة الناس وقنوات الإعلام وصفحات التواصل، تختزل الدين وتعاليمه ضمن مسمّيات منفّرة، فأضحت الشرائع التي تهدف إلى حماية المرأة –مثلاً- ضغطاً وتحكماً، وكذلك صار قول الحق أو حكم الشرع بشيء معين تطرفًا أو عنفًا وشرًّا وقسرًا على شيء ما.

في حقيقة الإمر فإننا بحاجة ماسة إلى النظر في ديننا بعيون مختلفة وربما استخدام عدسات مناسبة تعزز الرؤية وتقلّص التشويش الحاصل، وكما أخبرنا رسولنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم، فإنّ الحلال بيّن والحرام بيّن، وإننا مطالبون أمام الله سبحانه بتحرّي الدقة والصواب عند كل تصرّف ومع رفّة كلّ جفن، فنحاكم الأمور بما يناسب أمر الله، ونسأل أنفسنا: أهذا يرضي الله أم يغضبه؟

هذا يقودنا إلى ضرورة سؤال أهل الذكر وحتمية الحاجة إليهم في كل عصر، والطريق لذلك يكون بأن نتحرى أقوال الفقهاء وإجماعهم في المسائل وألّا نتخَطَّف الشاذ منها لمصلحة أو هدف، وألا نخشى إلا الله ربنا في ذلك، فنرمي حملنا عليهم ونتوكل على الله ونفوض إليه أمورنا كلها، فيكون أي ذنب اقترفوه أو تسبّبوا لنا فيه أوزاراً يحملونها يوم القيامة، لكننا على الأقل نحافظُ على وحدة أمرنا ونتجنب شتات الحال.

فهم الإسلام طريقٌ للدفاع عنه
علينا أن نكون على يقين بأنه لا وجود للتناقض بين واجبات المسلمين وبين التعايش مع بقية الناس فوق أرض واحدة، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب أصيل في كل وقت ومكان مهما اختلفت العصور، إلى أن نلقى الله وأحدنا قابض على دينه كالقابض على جمرة حين يكثر اللغط والخبث والفساد وتصبح معرفة الحق منوطة بصاحب الفراسة والبصيرة.

سنجد دوماً أشخاصاً –بالأمس واليوم وغداً وفي المستقبل- يفكرون بطريقة مختلفة منبثقة من حيث لا ندري، وستتسبّب أفكارهم بتشكيكنا حتى بأنفسنا ومبادئنا وتمسكنا بشريعة ربنا، وسنصل إلى وقت يكون فيه أكثر أهل الأرض متبعين لأهوائهم وأمزجتهم.

بالنسبة لي –على الأقل- فالحل السحري هو في جلسة تصالح مع نفسي، بصحبة ورقة أكتب فيها، ترى لماذا أشعر بالحرج من النقطة الفلانية أو أتجنب الاستماع إلى الشيخ الفلاني.

اتبع ذلك، ستجد بكل بساطة أنك تعاني من سيطرة فكرتين أو ثلاث على عقلك، بحيث يجعلونك في موقف عداء وتوتر مع دينك كلما ذكرت تلك النقاط، والحل في أن تتحرى كل قضية تسبب لك توتُّرًا بصدق، وأن تبحث عن الحق لتعرفه وتقف عنده، وأن تسأل وتستفتي العلماء والفقهاء للوصول إلى الحق، وأن تعاهد نفسك على قبول نتائج بحثك كما هي دون أن تسمح لنفسك بالخلط بين تقصير الدولة مثلاً أو القضاء، وبين تشريعات الله العادلة.

قد نقول مما يشتهر على اللسان بين الأوساط العامة “يضيع حق المرأة إذا طُلِّقَت أو مات زوجها”، والسبب ليس له علاقة بالدين وإنما أشياء أخرى كقصور القوانين القضائية أو تلاعب القضاة والرِّشَى.

لكن تعاليم ديننا توضّح أن المرأة تتربّع على هرم المجتمع والأسرة وهي حجر أساس في كل مشاريع الحياة، فالشريعة الربانية تحوي خلاصة قِيَم العدل؛ إلا أن فكر كثير من الناس –للأسف- قد تلوّث وتأثر بمشوشات خارجية لا حصر لها، فبتنا اذا سألنا أحدهم “ما هو مفهومك عن الحكم بالشريعة؟” ستجده يتصبب عرقاً خائفاً أو ملتهباً من شدة الغضب، وهو يصف الفكرة بأشنع الألفاظ ويصف السائل بالتخلف والرجعية!

أين الخلل والحلّ؟
مردُّ هذا التعصّب هو تبعية الفكر وقصوره، فقد أصبح مصطلح الشريعة في ذهنه مرتبطاً بالعنف واللحى الطويلة والنساء المحجبات بالإكراه فقط، وهو فكر ارتضاه له الإعلام ومكّنه فيه.

إنّ الشرع الرباني على العكس من ذلك تماماً، فهو توظيف للعدل الإلهي والوحي السامي في حياتنا اليومية.

انظروا لأوامر الله في مثل قوله {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 19] فكم نحتاجها اليوم ونحن نرى أشنع التصرفات التي تعاكس هذا الهدي من فتيات وفتيانٍ يفترَض بهم أنهم مسلمون، ولننظر إلى آية الدَين، إنها أطول آيات القرآن، كونها آية شاملة جامعة تحفظ الحقوق منذ 1400 سنة.

القرآن هو الحل لمشكلة القوالب الجاهزة

أيعقَل أننا ابتلينا بالعمى، فيمتدح أكثرنا جملة من التشريعات الغربية مرفقة بعبارة مهترئة مفادها أنهم رائعون حقا، فهم “مسلمون بدون إسلام” حسنٌ، ما دمنا معجبين “بإسلامهم” فلماذا نخاف وننفر ونشعر بالضيق إذا ما سمعنا أحدهم يقول: لنجرب تطبيق التشريعات العادلة الإسلامية كما كانت يوماً؟

لماذا ينفر كثير الناس بسرعة من مقولة: الشريعة هي الحل؟

هذا المستنكر لتلك العبارات هو نفسه المعجب منذ دقائق فقط بنفس التشريع لكن بنكهة غربية فقط، فلم يشعر بالغثيان؛ إذ لم يطلَق على تلك الممارسات اسم “شريعة” لا أكثر.

يحضرني ههنا مثال ذكره أحد الدعاة يقول فيه: إن ربنا الحكيم خلقنا وخلق “كتالوجنا” معنا، فلو أنك اشتريت جهازاً جديداً فلا بد أنك ستحوطه بعنايتك وتخاف عليه من الهلاك، ومن أجل ذلك ستقرأ كل تفصيلة مذكورة في كتيب الاستخدام، وعليه فما بالك بنفسك، حيث خلقك رب عظيم فأحسن خلقك، وأرسل لك كتيب الاستخدام والصيانة ورسلاً تأخذ بيدك إلى بر الامان بأقل الأضرار، ولكن كان الإنسان أكثر شيء جدلاً.

جور الحكام لا مفر منه في كل زمان مهما اختلف، كما أنه سيكون لعلماء الدين أو حملة همّ الدعوة بعض الأخطاء من شخص لآخر بين الحين والآخر، وسيفتح باب التشكيك المجالَ لكل شيء يمكن أن يلوث نظرتنا للدين الحق ولروائع التشريع.

الحل أمامنا، أن نصبر ونتابع مجاهدة النفس بالتوازي مع الغوص في القرآن العظيم دستور الحياة الذي لطالما كان وسيكون حياة لقلوبنا قبل أجسادنا.