1

أدلجة العلم وتضليل الجماهير!

منذ مطلع البشرية اتصف الإنسان بحب البحث والاطلاع، فالإنسان مجبول في فطرته منذ أقدم الحضارات في التاريخ على ذلك، ومن الشهير في أوساط العلوم أن أول مدرسة معتبرة في العلوم الطبيعية كانت في اليونان قبل الميلاد في أثينا على يد عدد من الفلاسفة مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو.

تأسيس المنهج العلمي التجريبي

ألف أرسطو كتبًا في علوم الطبيعة ونظرية المعرفة –الإبستمولوجيا-  وقد كانت الإضافة الحقيقية تكمن في تأليفه للمنهج الذي يجيب على سؤال (ما الفرق بين الحقيقة والخرافة)؟ حيث تردد بين إجابات متعددة إلى أن انتهى إلى (الاستدلال الاستقرائي). ويمكن شرح هذا الاستدلال بأنه قائم على اتباع الملاحظات والحقائق الصغيرة، وبناء نسق عام لها، بهدف توصُّل الإنسان إلى الاستنتاجات والنتائج الكبرى، وقد تبنى غالبية من جاء بعد أرسطو من المفكرين والفلاسفة هذا المعيار للتفريق بين العلمي وما هو مجرد خرافة حين من الدهر، وبالرغم من أن هذا المنهج –أي الاستدلال الاستقرائي- يميل إليه الإنسان دون الحاجة إلى معلّم أو سابق تفكير، إلا أن وضع قواعد منهجية ومكتوبة لهذا الاستدلال كان من حظ أرسطو بداية.

من ناحية أخرى، فإن التطبيق العملي المثمر لهذا المنهج جاء على يد المسلمين، سواء قبل حركة الترجمة في عهد العباسيين أو بعدها، وبناء على اتباع هذا الاستدلال ظهرت طفرة عظيمة في المعارف، ووجِدت ثورة معرفية عظيمة بين المسلمين على يد أمثال ابن الهيثم، والبيروني، وابن سينا وغيرهم من العلماء الموسوعيين في الطبيعة والطب وغير ذلك.

بالرغم من تبنّي المسلمين منهج الاستدلال الاستقرائي بصيغته الأرسطية بدايةً، إلا أنهم زادوا عليه شرط وجود التجربة، إذ إن المعيار الأرسطي كان نظريًّا جافًا منعزلًا عن الواقع، فأضاف عليه المسلمون التجربة ليتحول الافتراض العلمي من احتمالية ظنية إلى حقيقة يقينية. ومن هنا جاء التأسيس الحقيقي للمنهج العلمي التجريبي ليكون الخط الأحمر الفاصل بين العلم والخرافة.

نظرية التطور وفلسفة العلم

مرّ الزمان وبقي الحال على ما هو عليه من مناهج البحث والعلم حتى بدء عهد النهضة في أوروبا، وهنا رأينا ترجمة أخرى لكتب أرسطو وكتب علماء المسلمين إلى اللغة اللاتينية، وبذلك انتقلت العلوم الطبيعية إلى أوروبا مع المنهج التجريبي الذي نفذه المسلمون وكان فاصلًا بين الحقيقة والخرافة، ومن ثم فقد حاول الغرب اتخاذ المنهج التجريبي مرجعية في العلوم لعدة قرون، إلى أن جاء القرن السابع عشر أو ما يسمى بعصر الأنوار، حيث شهدت أوروبا تصاعد حركات الإصلاح الديني والفكر المتمرد على الدين المسيحي، وأصبح الذوق العام يميل إلى تكذيب الخطاب الكنسي القائم على الاتباع الأعمى في مسائل الظواهر الطبيعية، واستبدلت الجماهير تفسيرات الأناجيل حول ظواهر الطبيعة بالتفسير العلمي القائم على التجربة والدليل.

ومع زيادة دعاوى تعارض الدين مع العلم، ومع الميل العام لجانب العلم، ظهرت شكوك دارون حول الرواية الإنجيلية حول قصة الخلق. وبدأ رحلته في محاولة استبدال الرواية الدينية بأخرى علمية حتى نشر كتابه (أصل الأنواع) في سنة 1859م. ولقي الكتاب رواجا هائلا جعل من مؤلفه نجما مقدسا إلى يومنا هذا، ولا شك أن الموجة العامة من التنوير أثرت في مدى قبول أفكاره، مهما كانت غريبة وجديدة على الناس كليًّا!

ولكن التسرع في قبول النظرية والانشغال بالضجة الجدلية التي أخلفتها ستر عن الناس الخلل الجوهري في النظرية، وهو عدم اتباع النظرية للمنهج الاستقرائي والتجريبي الذي سار العلم عليه طوال التاريخ! إذ إن النظرية بدأت بوضع فرضية التطور أولًا، ثم بدأت تبحث عن أدلة تدعم الفكرة ثانيًا. أي إن نظرية التطور اتبعت في مسارها (الاستدلال الاستنتاجي) بدايةً لا (الاستدلال الاستقرائي)!

وهذا يعني أنها –بحسب المنهج العلمي– افتراض نظري لا يخضع للرصد والتجربة، ولا يمكن أن ينسب إلى العلم بأي حال. إذ أن العمر البشري المحدود في بضعة عقود يستحيل له أن يرصد ما يحدث على مدار ملايين السنين، فضلا عن التجربة والبرهنة!

يقين فوق الشبهات

الحماسة الأولية والإصرار على قبول النظرية تبعه تلاعبٌ بالمعيار العلمي، وهكذا كانت البداية لخروج هذه النظرية من تهمة الخرافة وتلحق بركب الحقائق العلمية المعتبرة،  ففي نفس القرن الذي شهد الترويج لنظرية دارون، غُيِّرَ المعيار الفاصل بين الحقيقة العلمية والخرافة العلمية على يد بعض فلاسفة العلم ممن يؤيدون دارون مثل (لويس باستير) و(جريجور مينديل) بحجة أن الحاضر يختلف عن الماضي، ولو صدقوا لاعترفوا أنهم يتلاعبون بالمعيارية ليجدوا مخرجا من عدم التزام نظرية صديقهم بالمنهج العلمي!

بطبيعة الحال، فقد صدرت آراء تقول إن الاستدلال الاستنتاجي معترف به إلى جانب الاستدلال الاستقرائي أيضًا، ولا عجب –والحال كذلك- أن يتم الاعتراف بالمعيار الجديد ليزاحم القديم!

والعجيب أن التلاعب لم يكتفِ بتغيير المعيار العلمي الأصيل، بل وصل الأمر إلى عدم الالتزام بالمعيار الجديد أيضًا! فالمنهج الاستنتاجي ينص أن أي استنتاج وجد أدلة تدعمه فهو حق ما دام قابلًا للدحض عن طريق التخطئة بالتجربة Falsification tests .

ولكن هذا لا يتوفر في نظرية التطور أصلا، إذ إن الإنسان صاحب العمر المحدود لن يستطيع أن يأتي بدليل تجريبي يدحض وجود تطورٍ يحدث على مدار ملايين السنين. فلا الاستدلال الاستقرائي المتعارف عليه موجود في عملية الاستدلال، ولا الطعن في النظرية تجريبيا في الإمكان! ومنذ ذلك الحين، تحول المعيار من خط أحمر متفق عليه عالميا –أي المنهج الاستقرائي التجريبي- إلى معايير مختلفة ومتعددة.

نتيجة لذلك نشأ مذاهب عدة في فلسفة العلم، وكانت هذه المذاهب طرائق قددا لا تكاد تجتمع على رأي واحد، وكل مذهب يضيف معيارًا ما ليفرق بين العلم والخرافة. ومن شبه المحال أن تحصل على إجابة واحدة على سؤال: ما الفرق بين ما هو علمي science وما هو غير علمي pseudoscience؟

من هنا خذلت فلسفة العلم المجتمع العلمي بشكل فادح لعدم وجود إجابة موحدة يعترف بها عالميا. ولا تملك الجامعات إلا أن تتبنى فلسفة ما تقيم عليها الأبحاث العلمية!

وبهذا المثال البسيط، يدرك الإنسان خطورة فلسفة العلم في تغيير المعيار بين الحقيقة والخرافة، وتحويل الخرافة إلى حقيقة، بل وتحويل الخيال إلى حق مطلق غير قابل للنقاش ولا يحتمل التخطئة!

إن غياب المعيارية الموحدة في المسائل العلمية لا يعني نهاية فلسفة العلم، بل يعني أننا لن نتحاكم إلى حكماء وعلماء ومفكرين وفلاسفة منصفين فور نشب أي جدال. كلا، فلا حكم منصف في ظل توفر ألف خط أحمر بين العلم والخرافة! وهذه المعيارية السائلة تشكل خطرا كبيرا على البشر، لا لأن الجموع قد تمر عليها الخرافات تحت ستار العلم، بل لأن الجموع أُشبِعَت عقولها بالخرفات وهم يحسبون أنهم يتزودون من المعارف!

 فالتلاعب بالمعايير قد ينتج لنا خرافات تتسم بالقداسة بلا مساحة للطعن أو التشكيك، وقد يتحول الاحتمال الظني إلى يقين فوق الشبهات!

تضليل الجماهير

لا يكاد ينكر أحدٌ أن الأدلجة وتشكيل وعي العامة عبر المناهج التعليمية كان هدفًا أساسيًّا ومن دأب الساسة في العقود الأخيرة. فمن يمتلك قدرة السيطرة على مناهج العلوم في المدارس والجامعات أصبح يمتلك عقول العامة بين يديه في ظل غياب المعيارية الدقيقة!

فالسياسة تهتم بترسيخ الأفكار من خلال أدلجة العلم، تارة بتحويل العنصرية بين شعوب بعينها إلى نتيجة محتومة لنظرية التطور. وتارة بالتطبيع مع مناقضة الفطرة في الميول الجنسية بحجة أنه أمر طبيعي لأسباب وراثية أو اختيارية، وتارة بإعلاء أصوات ورؤى النسوية بحجة أن المخ الأنثوي يتفوق على المخ الذكري، وتارة بنشر الإلحاد بحجة أن الكون قد نشأ عن أكوان لانهائية متعددة فكان كوننا والأرض فيه من خلال الصدفة الرائعة!

ولا يتوهم أن المجتمع العلمي محايد إلا مسرف على نفسه في السذاجة. فلا براءة في ظل سياسات تتسابق على نشر الأيدولوجيات، ولا حياد في ظل غياب الخطوط الحمراء!

وأما من كان له من بعد النظر والحكمة، فلا يملك إلا أن يتحاكم إلى المعيار الفطري والعلمي القديم، وهو الاستدلال الاستقرائي المبني على الرصد والتجربة المعترف به على مدار التاريخ إلى عصر الأنوار. حينها يمتلك المرء فرقانا يفرق به بين الحقيقة العلمية والخرافة العلمية، وليكون الإنسان في تثقيف هادئ بعيدًا عن ضجيج المؤامرات. في مأمن من مصائد الأدلجة، ومكائد تضليل الجماهير!




ولا تفرقوا

لو تأمل المرء حال المسلمون اليوم وتاريخهم بإنصاف، لوجد أن الأمة قد تكون خاضعة لنفس السلطات السياسية إلى حد بعيد، ولكن الكلمة لم تكن موحدة على مستوى الفكر والاعتقاد منذ القرن الأول في عمر الأمة! كما أن الهمم التي انصرفت إلى الجدال والتفرقة والتعصب المذهبي كانت أضعاف الهمم المنصرفة إلى توحيد الصف والتذكير بالهدف المشترك! فلماذا حدث هذا الانقسام في أمة مرجعيتها كتاب واحد ونبيها واحد، وكيف بدأت القصة؟ وما الحل؟!

اليونان وفلسفة الألوهية

في عصر ما قبل الميلاد ببضع قرون، اشتهرت أثينا في بلاد الإغريق بكونها معقل النهضة الفلسفية في العالم، إلا أن غالبية الفلاسفة كانوا لا دينيين أو أقرب للاعتقاد بالربوبية. وعلى الرغم من تأثر معتقداتهم بشوائب الأديان الوثنية إلا أنهم كانوا متمردين على تلك الوثنيات في بناء معتقداتهم، خاصة بعدما نادى سقراط بضرورة فصل الإيمان بالإله عن الأديان المعاصرة له.

ومن هنا بدأت هذه الفكرة بالرواج والانتشار، فقد تبع سقراط تلميذه أفلاطون، ثم تبع أفلاطون تلميذه أرسطو. إلا أن منهج أرسطو كان الأوفر والأكثر ابتكارا في إنتاجه الفكري المُعرِض عن الدين.

يرى بعض الباحثين في الفلسفة أن النظريات اللاهوتية لدى فلاسفة اليونان تتشابه مع بعض أفكار المدارس الفلسفية الإسلامية بشكل عجيب، حتى إن بعض مقولاتهم تعتبر صياغة أخرى لنفس المعاني التي تشير إليها بعض آيات القران! وكان لاهوت اليونان –أرسطو بالتحديد- يتشابه مع الإسلام في ثلاث مسائل رئيسية، أولها الاستدلال على مسألة الوجود الإلهي عن الدليل العقلي، الإقرار بأن الإله واحد والاعتقاد ببطلان تعدد الآلهة، والإقرار بأن للإله صفات أزلية كالعلم والقدرة.

عصر الترجمة الإسلامية

بعد تلك الحقبة الزمنية بمئات السنين نصل إلى بداية القرن السابع الميلادي حيث بدأ الإسلام بالانتشار وتغيير الأوجه الحضارية للعالم، وتزايدت الفتوحات في عصر الخلفاء الراشدين، وبعد تلك الحقبة كان العصر الأموي الذي امتاز بشيء من الهدوء والاستقرار السياسي مقارنة بنهاية عهد الخلافة الراشدة وبداية عهد الدولة الأموية الصاخب بالفتن والصراعات.

تلا ذلك العصر ظهور الدولة العباسية التي سيطرت على مساحات واسعة وقضت على الدولة الأموية، ومع استقرار الحكم لبني العباس اهتم الخلفاء في هذا العصر بالعلم اهتمامًا بالغًا، حتى إنه تم إنشاء مؤسسة في بغداد لترجمة الكتب اليونانية في الفلك والهندسة والطب إلى اللغة العربية، واستمرت حركة الترجمة تلك حتى نضوج العلوم الإسلامية والاستغناء عن الحاجة للترجمة

في عهد الخليفة المأمون تحول الاهتمام من ترجمة كتب العلوم إلى التركيز على ترجمة كتب الفلسفة على وجه الخصوص، وقد تُرجمت كتب اليونان –بالأخص كتب أرسطو– إلى اللغة العربية، إلا أن بعض نصوص أرسطو لم تترجَم بحيادية، حيث استخدمت بعض العبارات الإسلامية لتحل محل العبارات الفلسفية المحضة، فكانت الترجمة أشبه بالشرح والتفسير في نفس الوقت، وبناء عليه عُدِّلَت بعض الكلمات اليونانية مثل (العقل المطلق) واستُبدلَت بـ (الله) لتكون أقرب لأفهام العرب وهكذا..

وبسبب إتاحة الفلسفة اليونانية بهذا الشكل القريب للأفهام وبنفس لغة المسلمين، اعتنى المسلمون بتلك الكتب لدرجة أنهم كانوا يكتبون كتبًا في تفسير الفلسفة اليونانية من منظور إسلامي، مثل كتاب (الكلم الروحانية للحكم اليونانية) لأبي الفرج بن هندو (ت: 410ه)

علم الكلام ومواجهة الفلسفة

بسبب تشابه نظريات الألوهية لدى بعض المتفلسفة اليونان مع عقيدة الإسلام في بعض النقاط، وبسبب دعم الخليفة للنشاط العلمي والفكري وقتها، بدأت الفلسفة الإسلامية تتشكّل في جو من النقاش المتأثر بالفلسفة اليونانية، فقد انشغل المسلمون بالقضايا التي أثارها فلاسفة اليونان ولكن من منظور إسلامي، وبدأ العقل المسلم يبحث في الإجابة عن أسئلة لم تطرح في تاريخ الأمة من قبل!

فبدأت الأفكار والآراء تتعدد حتى بتنا بين اتجاهات متعاكسة، فنشأ المذهب والمذهب الآخر، والرأي والرأي المناقض، وترك المسلمون المهام الكبرى وانشغلوا بالجدال والخصومة والتخندق خلف المذاهب الناشئة، وكان كل من يكتب ليرد على الآخر يقول إن الكلام في المسألة كذا وكذا، ومختصر الكلام كذا وكذا، ومن هنا صار منهج التفلسف الإسلامي يطلق عليه (علم الكلام) بحسب إحدى الأقوال التي بحثت هذه المسألة.

ومن هذا النقاش الذي أنتج علم الكلام نشأت فرق عديدة مختلفة في آرائها الفلسفية، ونتج عن التعصب لهذه الآراء مواجهات عقدية بين الفرق على مدار العقود والقرون ومن ثم انقسم المسلمون إلى طرائق قددًا..

وهذا الانقسام –بحد ذاته- لم يكن بسبب تعرض المسلمون إلى أفكار أجنبية بقدر ما هو بسبب تعظيم العامة للفلسفة إلى درجة التقديس، حتى أن بعضهم بدأ يغالي في العقل والافتتان به فقالوا: العقل فوق النقل.

لقد تحول العقل المسلم من صفاء أحادية التلقي عن الوحي الرباني، إلى شتات ثنائية التلقي بين الوحي الرباني والفلسفات البشرية، وهكذا بدأ الطريق للخلاف والتفرق والتمزق.

طريق القرآن

لو تأملت خلط المسلمين بين علم الكلام وكتب العقيدة منذ القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا، لوجدت أن لسان حال المكتبة الإسلامية يقول بأننا بحاجة إلى الفلسفة كي نبرهن على صحة الدين، ولولا الفلسفة لما تمكّنّا من البرهنة على صحة الإسلام، ولما ناظرنا المخالفين، ولما ارتقينا من التقليد إلى اليقين!

وفي حقيقة الأمر، فإن الاقتناع بهذه الفكرة في حد ذاتها فيه تهوين كبير من شأن القرآن الذي ينص في مواضع عديدة على أن القرآن ومنهجه كافٍ في الإقناع واليقين، فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51]، وقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3]، وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]

إن انتشار التمسّك بالفلسفة بهذا الشكل كان محرضًا لأولي الألباب لهجر الجدال والعودة إلى القرآن والاكتفاء به، ومن هنا فإن المطالبة بالرجوع إلى القرآن لا تتأتّى بالتزام ترتيل حروفه في معزل عن إعمال العقل فيه، وإنما المقصود هنا هو الرجوع إلى طريقة القرآن في إبطال الباطل وإحقاق الحق فهو أكمل من كل الطرق الكلامية أو المناهج الفلسفية!

ولإيضاح القصد أنتقل إلى ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان) وهو يقارن بين القرآن وعلم الكلام، فيقول:

“لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تروي عليلا ولا تشفي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن”، والمقصود أن القرآن يوصل القارئ إلى ما هو أفضل من نتيجة الفلسفة بالفعل، كما أن القرآن يمتاز بكونه الطريق المختصر في إبطال الباطل وإحقاق الحق وتصويب المفاهيم الخاطئة، عكس الفلسفة التي تعقد البسيط وتطوّل القصير ولا تضمن لك الوصول إلى الحق.

وما ذلك إلا لأن القرآن يمتاز بالبساطة والوضوح مع محافظته على قوة الحجة وعمق المعنى، وزيادة على ذلك فإن القرآن يخاطب العقل والقلب على حد سواء، عكس الفلسفة التي تخاطب العقول فقط، ومن المحال أن يحدث اليقين بالفلسفة التي لا ترى القلب في حين أن الإيمان أو الشك أو اليقين لا يكون إلا في القلب!

يكمل ابن القيم قوله: “وليس تحت السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات مثل القرآن، فإنه كفيل بذلك كله, متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول وأفصحها بيانا، فهو الشفاء على الحقيقة من أمراض الشبه والشكوك. وأحسن ما عند المتكلمين فهو في القرآن أصح تقريرا وأحسن تفسيرا”

وشتان بين فلسفة تأخذ بالعقل لتتوه به في المتاهات، وبين القرآن الذي يأخذ بالعقل ليقنعه بالجدال الحسن، والحجة البالغة، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة!

ولا تفرقوا

من المؤسف أن تتفرق الأمة التي ينص قرآنها على الأمر الساطع الناصع: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] والآية تنص على الأمر بالتمسّك بحبل الله –القرآن- والاستغناء به عن غيره في أمور الدين. ولكي تتوحد الأمة الواحدة بالرجوع إلى المرجعية الواحدة..

والقرآن به من المميزات التي يتفوّق بها على علم الكلام حقًّا، أهمّها ما أشار إليه د. محمد عبد الله درّاز في كتابه (النبأ العظيم) في أن القرآن يخاطبُ كل العقول مع إشباع فضول الكل. فلا العالم الذكي يجد سطحية لا تروي ظمأه، ولا الجاهل البليد يجد تعقيدًا يخفي عليه مراداته! بل إن القرآن يخاطب الكل بمستواه بنفس النص القرآني. ويقف العالم والجاهل أمام النص الواحد وفهم هذا أعمق من فهم ذاك، ويفتح الله على الخلق في الفهم مع أن النص هو النص، وها هو القرآن لا تنقضي عجائبه، ويقول هل من مزيد!

إن قدَر الإسلام أن يكون رسالة عالمية لكل البشر بمختلف مستوياتهم العقلية، فكان القرآن دعامته الروحية والفكرية التي تراعي كل هذا التفاوت في ملكات البشر، وذلك على العكس من الفلسفات التي لا تخاطب إلا الأذكياء وأصحاب مَلَكات التجريد والجدل، فيهبط بذلك الدين من اتساع العالمية إلى ضيق المذهبية.

ولو أننا اكتفينا بالقرآن حقًّا، لصنفنا كتب الفلسفة على أنها كتب فلسفة، وتركنا كتب الدين كتبا في الدين. ولما عزم أحد على لصق الفلسفة بالدين، ولما توهم أحد أن الدين ناقص ويفتقر إلى الفلسفة لتكمله!

وعندما قدم المسلمون كتب الفلسفة على كتاب الله استبدلوا بالذي هو أدنى بالذي هو خير، ولما هجرنا القرآن وانشغلنا بالفلسفة، بدأ الجدال، ونشب الانقسام، وعلا الصخب، فلم نعد نسمع النداء القرآني: {واعتصموا بحبل الله جميعا}، فيا أيها المؤمنون بعظمة الله وقرآنه الزموا صراطه {ولا تفرّقوا}


مصادر للاستزادة:

  • كتاب (الله) عباس العقاد
  • (الترجمة في العصر العباسي) مريم سلامة
  • (الموسوعة المسيرة في التاريخ الإسلامي) راغب السرجاني
  • (إغاثة اللهفان) ابن القيم
  • (النبأ العظيم) محمد عبد الله دراز
  • (الله في العقيدة الإسلامية) أحمد بهجت



إلحاد بلا ملحدين

كثيرًا ما يقول أحدهم إنه (ملحد)، ولكن قليلًا من الناس من يعرف حقيقة هذه الكلمة ومعنى كونه ملحدًا! أي أن أغلب هؤلاء الناس يفرح بكلمة ويرددها ولكنه لا يعلم عن معاناها شيء، ويخطئ من يظن أن الإلحاد هو إنكار وجود إله فحسب، فهذ نظرة اختزالية للإلحاد، وهي أشبه بمن قيل له إن الشركة التي يعمل بها قد تم إغلاقها، ليتعامل مع العبارة على أنها مجرد جملة مفيدة وانتهت، دون النظر في عواقبها!

الإلحاد ودوامة العدمية

إن الإلحاد الذي يبدأ بإنكار الوجود الإلهي يدفع الإنسان في دوامات العدمية بكل ما فيها من شؤم وسواد، والملحد المخلص لإلحاده هو الذي يعلن كونه ملحدًا ثم تأخذه الحياة يمنة ويسرة وتقتله الكآبة، فلا يجد بدًّا من إنهاء حياته التي لا معنى لها، فينتحر بعد فترة وجيزة.

إن الإنسان يبحث عن معنى لحياته بفطرته، وكثيرًا ما نرى من لا أهداف له على المستوى الشخصي من طموح في العمل أو الزواج أو غير ذلك فيعاني نفسيّا من الاضطرابات والتي أولها فقدان الثقة بالنفس؛ فالإنسان مجبول على البحث عن المعنى والاتجاه، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش في حياته بدون أهداف تثير شغفه وحماسه، فكيف لإنسان أن يعيش حياة كاملة مع يقينه أن الكون بأسره هو عبارة عن ضجيج عبثي بلا هدف وبلا قصد وبلا غاية!

إن فقدان المعنى للوجود بأسره يقتل أي معنى قد يعيش الإنسان من أجله، وحينها يصبح الإنسان موهومًا بالمعنى مع إقراره في الوقت ذاته بأن الكون لا معنى له، وهو أسوأ نوع من أنواع الكذب على الذات، ولعلنا نقارب هذا القول بمثال آخر، كمدمن المخدرات الذي يشتهي عالمًا وهميًّا من اللذة الوقتية، ولكنه يبقى على يقين أن اللذة الوهمية تبقى وهمًا، ولكن الملحد الذي يعلم أن الكون بأسره بلا معنى ثم يحاول أن يخدع نفسه بوجود معنىً ما، فهو يخدع نفسه بنفسه، ويتهرب من مواجهة الكابوس المزعج، ويؤثر الممتع على الحق المر، فالملحد لا ينزل نفسه منزلة مدمن المخدرات، بل إنه يسلك ما هو أضل سبيلًا بعدم تفريقه بين الوهم والحقيقة! فكيف لإنسان أن يعيش في عالم بلا معنى إذا كان عاجزًا عن أن يعيش حياته الشخصية بلا معنى. وكيف لإنسان أن يحيى ولا معنى لحياته والبحث عن معنى الحياة مجبول في فطرته؟!

ومن المعلوم أن الإنسان يبحث عن قيمته دائمًا، ومن أجل ذلك نرى بعض الناس يسير في طريق لا يحبه ليحصّل احترام الآخرين ويشعر بقيمة ذاته؛ إذ إن شعور المرء بقيمته وأهميته احتياج نفسي دفين، وأغلب الأطفال الذين لم يتلقوا اهتمامًا معنويًّا من أهليهم غالبًا ما يعيشون حياتهم بنفوس مشوهة، وتتركز أهدافهم على إثبات النفس إما بالتكبر المفرط وجنون العظمة، أو من خلال لفت الانتباه لتسوّل المدح والثناء!

ضع هذا إلى جانب الإلحاد الذي يقول لك إنك مجرد نسخة كيميائية لا قيمة لها نشأت عن طريق تكاثر الصدف العمياء، أي إنك كائن لم يكن مخططًا لمجيئك يوما ما؛ ومن ثم فإن البحث عن قيمتك وحقوقك نوع من أنواع التطفل والكوميديا السوداء!

إن الإلحاد يقول لك إن قتل بعض جراثيم بصابون لا يفرق عن قتل مليارات الشعوب بضغطة زر في قنبلة نووية، إذ ما الفرق بين الجراثيم والبشر والكلّ سواء، مجرد مسوخ كيميائية لا تختلف عن الجماد الميت، فكلها لم يكن مخطط لوجودها!

فكيف لملحد أن يشرب تلك الأفكار التي يمليها عليه إلحاده ثم يحاول أن يبحث عن قيمته في نشر كتاب يكتبه أو بحصوله على شهادة دكتوراه مثلاً؟!. إذ إن ذلك لن يغني عنه من حثالته العشوائية شيئا -بحسب زعمه-. وكيف لإنسان مفطور على البحث عن قيمته أن يتعايش مع الفلسفة العدمية التي تساويه بالجراثيم والجماد!

الإنسان وحب الحياة

إن الإنسان بطبعه يبحث عن الاستمرار لا عن الفناء، وليس سبب ذلك أن الإنسان يكره الموت أو يحب الحياة، بل إن السبب العميق وراء ذلك أن نفسية الإنسان مجبولة على التعلق بالأبدية، والموت يتناقض مع تلك الأبدية التي يحبها الإنسان؛ لأنه لا يسأم من دعاء الخير. فتصارع الإنسان مع الموت هو صراع مع الفناء وانتهاء أحلام الخلود، فمن المحال أن نعثر على من ينتحر لأنه وصل لمرحلة من الرضا تجعله يزهد في الحياة ويزهد في شرب الماء وتنفس الهواء ثم يقرر أن يقضي على حياته بدافع الشبع عن طلب المزيد، فالإنسان لا يسأم من دعاء الخير وطلبه، وهو دائما يطلب شيئًا ما.

يطلب الإنسان على سبيل المثال في الطفولة الاهتمام، وفي الشباب الزواج والمال، وفي الكهولة الوصول لأعلى المناصب، وفي الشيخوخة ينتظر نتائج سعيه وحصاد عمره، وهكذا فالإنسان في طلب مستمر، فلا عجب أن يكون الانتحار ناجمًا عن اضطراب نفسي ما، ولكن يستحيل أن ينتحر السوي نفسيًّا بدافع الرضا. لأن الإنسان لا يملأ عينيه إلا الخلود الأبدي، والإلحاد يقول إن الأبدية وهم، وما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، ولذلك نرى الملاحدة ورافضي الأديان في تصارع دائم مع الشيخوخة والموت؛ لأن الموت بالنسبة لهم هو التهديد الأول بانتهاء كل شيء يملكونه؛ لأن تلك الدنيا – بالنسبة لهم – هي كل شيء يملكونه، ومبلغهم من العلم!

فكيف لإنسان فطر على عشق الأبدية والتصارع مع الفناء أن يعيش حياته وفي قرارة نفسه أن الموت فناء والأبدية وهم؟. ولو كان الموت هو الفناء المحتوم لتتحول كل ذكريات الإنسان إلى ومضة في التاريخ لن تتذكرها الأبدية، فما معنى الحياة؟ وما الدافع الذي قد يحرك الإنسان، وما الشيء الذي قد يستحق وقته وجهده وتضحيته؟

الإلحاد وبراءة الطفولة

يولد الإنسان نقيًّا صافي الروح، بغض النظر عن البيئة التي ولد فيها، مما يظهر بوضوح في براءة الأطفال؛ حيث إن كل أطفال العالم أبرياء بغض النظر عن دين آبائهم أو طبائع مجتمعاتهم، وذلك النقاء الفطري هو ما يدفع الإنسان إلى البحث عن الأخلاق، وهذا قريب من سبب نشأة المدارس الفلسفية في نظرية الأخلاق. فحتى من يترك دينه ليجول في فضاء اللادينية يستمر في البحث عن الأخلاق وقد يتحلى بالكثير من الأخلاق الحسنة. ولكن هل الإلحاد يعطي مساحة للملحد أن يكون له أخلاق أصلًا؟ وهل الإلحاد يسمح للملحد أن تكون له مرجعية أخلاقية لتكون هي المعيار الذي يحدد أخلاقه–بغض النظر عن كون الملحد خلوقا أم لا–؟

إن الإجابة ببساطة هي: لا، بل لعلها أقرب للاستحالة! لأن الإلحاد يعرف الوجود محصورًا في المادة فقط، ولا فرق بين خير وشر، بل –في نظر الإلحاد– الخير والشر هي معانٍ تم اختراعها من قبل الإنسان. لكن لا معنى لها في عالم مكون من كائنات حية تجول على كوكب، وما الكوكب والكائنات الحية إلا ذرات كيميائية تتناثر على ضوء قواعد الفيزياء. فلا فرق بين موت وحياة، أو الحرب والسلام، أو الظلم والعدل، أو الفساد والصلاح، أو الخير والشر؛ لأن المادة لا علاقة لها بالمعاني المعنوية. وحصر الوجود كله في نطاق المادة يستلزم ضرورة السخرية من كل المتكلمين في الأخلاق، إذ –حينها– ستكون الأخلاق مجرد وهم كبير! فما المشكلة أن يقتل إنسان 99% من الجراثيم عن طريق غسل يديه بصابون، أو أن يقتل 99% من البشر على كوكب الأرض عن طريق قنبلة نووية. إذ –في معيار الإلحاد– لا فرق بين الاثنين؛ بل إنه لا معنى للقتل أصلا؛ إذ أن القتل هو خروج الخلايا من حال الحياة إلى حال الموت! وفي الحالتين فإن كل ما حدث هو أن هناك بعض العناصر الكيميائية قد تناثرت من مكان لآخر، إذ إن المادة لا تفنى، فما معنى الأخلاق في عرف الإلحاد؟ إنه ببساطة، لا شيء!

شقاء الإلحاد

إن الملحد الحق، هو الذي أعلن إلحاده بينه وبين نفسه، ثم آثر الخروج من الحياة تطبيقًا لمنهجه الصحيح، فهذا هو الملحد بحق، لأنه قرر أن يعمل عقله ليفهم حقيقة ما يدعو إليه، إذ أن الإلحاد لا يترك للملحد مهربًا من وحل الفلسفة العدمية بكل ما فيها من شؤم وانعدام المعنى وسوداوية تقتل كل محاسن الحياة.

إن الملحد الذي أخلص لإلحاده لا بد أن يخلص للفلسفة العدمية، ومن تمام الإخلاص للعدمية فقدان المعنى كله، والسعي للراحة من الحياة، إذ إن الفلسفة العدمية ما هي إلا منهج منظم ومخطط دقيق لجر أرجل من يتمتع في أودية الحياة إلى مشرحة المنتحرين.

أما من يعلن إلحاده ثم تمر العقود عليه مرًّا، فما هو إلا مثرثر بما لا يعلم ولا معرفة له بالإلحاد؛ لأن طبيعة التكوين النفسي للإنسان يجعل تعايشه مع كونه ملحد مستحيلًا، ووجود ملايين الملاحدة الذين لم ينتحروا بعد ليس دليلًا على كون الإلحاد معتقَدًا يمكن التعايش به، بل هو دليل على أنهم وصلوا لمرحلة من حب الدنيا والحرص عليها حتى رفضوا أن يتفكروا في حقيقتها، وتكاسلوا عن التفكر في تبعات الإلحاد وما يترتب عليه من لوازم غاية في السواد والشؤم، فالأمر أشبه بمن يرتدي ملبس عليه كلام بغير لغته ولا يفهم منه شيئا, ولكنه يفتخر به لأن الملبس يعجبه!

إن الإلحاد فكرة تتناقض بنفسها مع نفسها، وهو أسهل مذهب فكري مخالف للمسلمين، بل إننا في هذا المقال عرضنا نقاطًا تخص طبيعة النفس البشرية فقط، ولم نتطرق إلى تناقض الملحد مع نفسه في إبداء آرائه حول الأديان والقضية الوجودية في نفس الوقت الذي يشكك فيه في مبادئ العقل! ولم نتطرق إلى محاولات الملاحدة في إنكار الإرادة الحرة وتحويل الإنسان إلى جماد محكوم بكيمياء الدماغ ثم يقنعوك هم بإلحادهم، رغم أنهم يقرون بأن الإنسان مسلوب الإرادة!

وما عرضناه ما هو إلا جزء من الإلحاد كاملة، بعيدًا عن حماسة المراهقين الذي يلحدون بدافع الهوس الجنسي أو الضعف العلمي أو الانغماس في الشهوات بغير رادع من دين ما..

ربما لو فهم الملحد ما هو الإلحاد لخجل أن يفصح عن عقيدته. أو ربما لألحد ولكن لقب نفسه بهوية أخرى. أو لرجع عمّا يعتقد ليعيد حساباته حقًّا، وهكذا نرى أننا نقف في عالم به إلحاد، ولكن بلا ملحدين!


مصادر للتوسع:

الإلحاد في مواجهة نفسه – سامي عامري

عيادة الملحدين – هيثم طلعت




ظاهرة تنصير الإسلام

مرت أوروبا بعصور سيطرت فيها الكنيسة على عقول العامة، وقد سميت تلك الحقبة بعصور الظلام، إلا أنه في مطلع القرن الثامن عشر وُلِد ما يسمى بعصر التنوير، أي العصر الذي خفتت فيه أصوات الكنائس وطبقات الكهنة فيها، وارتفعت فيه أصوات الفلاسفة والمفكرين والصناعيين ومختلف الطبقات الاستثمارية.

ذلك العصر كان عصر الردة عن المسيحية بشكل شبه جماعي، حيث إن الذوق العام كان يميل إلى فنون الإمبراطورية الرومانية وأمجاد الفلسفة اليونانية والنزعة المادية التي تقدس العلم التجريبي والتقدم العلمي، من هنا فقد أصبح التمرد على المسيحية نشاطًا تخلص له الكثير من أصحاب العقول وجماهيرهم، حتى أصبحت الشبهات الموجهة ضد المسيحية مكررة على مدار الأجيال بلا جديد.

سيولة الأفكار

في مطلع القرن العشرين بدأت الفلسفة الغربية تتلون بنوع من السيولة، أو ما يسمى بعصر ما بعد الحداثة، وهو جهد يمتاز بالتمرد على الثوابت، وإلغاء كل المسلمات. ولم تسلم الأديان من محاولة التمييع تلك، وعلى الرغم من أن كل منكري الدين على مدار التاريخ كانوا يتهمون النص الديني بأنه منتَج بشري، فلا جديد أن يشهد هذا القرن بضع نظريات من مشاهير الفكر حول تفسير ظاهرة الدين. وعلى الرغم من كونها مغالطة منطقية تنطلق من مبدأ (المصادرة على المطلوب) والبحث في الدين من منطلق أنه بشري بادئ الأمر، إلا أن المشكلة الحقيقة لا تكمن هنا، بل إن المشكلة في أن الغرب الذي شكك في المسيحية بدأ ينظر إلى الإسلام على أنه مسيحية من نوع آخر! فكانت الشبهات التي هي الطوب المرميّ على المسيحية، نفسها الموجهة نحو الإسلام، فبدأ الجدال بنفس الشبهات والأيادي والطوب ذاته!

ادعاء التناقض بين العلم والدين

كانت نصوص الأناجيل تتدخل في شؤون علوم الطبيعة بشكل قوي، وكانت النصوص تتناقض مع صريح العلوم بشكل صارخ، فكان ينظر إلى النص الإنجيلي أنه رواية أخرى عن الطبيعة، تختلف عن رواية العلوم التي تبنى على التجربة والبرهان، ومن ثمّ أصبح الكتاب المقدس ويكأنه كتاب علم عفى عليه الزمن، ولا بد أن يؤخذ بالحديث في العلم إذا حال تعارضه مع النص الديني.

من هنا ادعوا التشابه بين الإنجيل والقرآن وبدأت حملات التشكيك في القرآن ككل من نفس المنطلق، ولكن النظر إلى القرآن أنه كتاب في العلم لهو ظلم فادح، إذ إن آيات القران تتعدى ستة آلاف أية، إلا أن الآيات التي تتحدث عن الكون بشكل صريح فهي قرابة ألف آية، والنظر في القرآن بنفس نظرة التشكيك التي لم يسلم منها الكتاب المقدس إنما هو ظلم وعدم إنصاف، ولعل أول من وضح تقارب هذا الأسلوب في التشكيك كان موريس بوكاي في سبعينيات القرن الماضي؛ إذ إن الكتاب المقدس عَكَس صورة وحالة الثقافة العلمية في عصور تدوينه؛ أما القرآن، فقد خالف الكثير من الثقافة العلمية في عصر نزوله، وصدقته كثير من مكتشفات العلم الحديث!

ومن ناحية أخرى فإن الغرب استورد نهضته العلمية وأسس العلوم الطبيعة من الحضارات الأخرى التي كان المسلمون أهم مصادرها، وقد كان القرآن ذاته الآمر بالنظر في الوجود بمنطق علمي رصين فقال تعالى: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض} [يونس: 101].

ليرجع المشككون إلى تاريخ علم الفلك مثلًا، فقد كان منشأه وتطوره في تاريخ المسلمين بسبب القرآن، وبعدما تفوق المسلمون في تأسيس تلك العلوم والبراعة فيها، أخذ الغرب ما انتهينا إليه ثم بدأ يشكك في الكتاب المقدس -الذي كتب بأيدي بشر على ضوء ثقافة العصر في منأى عن مكتشفات العلم– بحجة أنه متعارض مع العلم. ثم يخرج الغرب على المسلمين متكبِّرًا ومشكّكًا في القرآن قياسًا على ما في الكتاب المقدس من تناقض وخطأ!

ادعاءات الأركيولوجيا

مع موجة التشكيك في المسيحية تصاعد التشكيك بنبوة عيسى عليه السلام بهدف نفي ربانية الدين، وقد أسرف بعض من الناس في الشك، حتى بدأت موجة تشكيك في الوجود التاريخي لسيدنا عيسى من الأساس! وهنا بدأت جهود موازية -عن طريق علم الأركيولوجيا- للبحث عن آثار تثبت وجوده في تلك الحقبة الزمنية التي تحدثت الأناجيل عنها، فكان الفصل بين عيسى المذكور في الإنجيل وعيسى الذي تدرسه الأركيولوجيا، ويكأن النص الديني لا قيمة له طالما علم الأركيولوجيا لا يقر بمصداقيته!

من هنا استُخدِم نفس الأسلوب في التشكيك بالإسلام، ونشأ جدال متصاعد مداره التشكيك التاريخي والأركيولوجي بوجود سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم! وهو في الحقيقة سخف ما بعده سخف، فلو شكك إنسان في وجود أشهر نبي على مستوى الأديان، وأشهر شخصية أثرت في التاريخ العالمي منذ القرن السابع الميلادي فهذا في الحقيقة نوع من أنواع الخبل.

يكفينا أن يعلم المشكك أن عالم التاريخ المسيحي أسد جبرائيل قد ألف كتابا بعنوان “مصطلح التاريخ” ليقارن بين منهجية علم التاريخ الغربي historical methodology  ومنهجية علماء الحديث في الدين الإسلامي. لتكون الدقة التاريخية في علم الحديث سابقة على علم التاريخ المجرد، فضلا عن أن الفرق بينها ألف سنة! وكيف يكون الشك بهذا الإسراف في وجود شخصية دونها التاريخ العالمي في كتب صينية وهندية وبيزنطية وبأيدي غير مسلمين منكرين لنبوته!

ومن هنا، صدر في عام 2019 كتاب بعنوان “أركيولوجية الإسلام” للدكتور أحمد حسن وفي عام 2021 كتاب الدليل الأركيولوجي على وجود الأنبياء للدكتور سامي عامري. وكلا المؤلفين وضحوا أن تلك الشبهة نصرانية بحتة ولولا تأثر أبناء المسلمين بها لما كانت تستحق الالتفات!

هل للقرآن مصدر بشري؟

لعل أقدم وأشهر شبهة موجهة ضد الإسلام هو أن القران الكريم مقتبس من كتب اليهود والنصارى، ولو تأملت كلام المتأثرين بتلك الشبهة لسمعت العجب العجاب. فمنهم من حرف التاريخ إلى درجة جعلته أشبه بالسيناريو السينمائي القابل لإعادة التأليف حتى يوفر للقرآن الظروف المناسبة التي يقتبس منها من كتب أهل الكتاب!

والعجيب أن تلك الشبهة كانت موجهة للكتاب المقدس في الأساس، وإذا فهمنا جيدا المسيحية والوثنية فسنعلم أنهما لا يختلفان عن بعضهما البعض في النقاط الأساسية وإنما يشتركان في الأصل الواحد وهما حقيقة واحدة وشيء واحد!

إن شبهة الاقتباس أصلها مسيحي، وإلا، كيف يفسر المتشكك وجود 50 اختلاف بين أطول قصة في القرآن -قصة سيدنا يوسف- وبينخا في الرواية التوراتية! [انظر كتاب براهين النبوة، سامي عامري]. وكيف نفسر تصحيح القرآن لعقائد اليهود والنصارى بدلا من النقل التوافقي معهما!؟

معضلة الشر

تتأسس معضلة الشر على إشكال فلسفي يوجه إلى الكثير من الأديان والعقائد، وهو سبب في ارتداد الكثير من النصارى عن المسيحية في الأساس؛ لأن المسيحية تنص أن الله محبة، وأن المسيح جزء منه وأنه صلبه من أجل البشرية. فإذا كان كذلك، فلماذا يزال الشر موجودًا، أين المحبة، وأين نتيجة الصلب إذن!؟

ولو تأملت التراث الإسلامي، لوجدت أن الفلاسفة كانوا منشغلين بقضايا كثيرة كلفت الأمة قرونا في الغوص فيها. أما معضلة الشر فهي شبه غائبة من الكتب الإسلامية، لأنها ببساطة أسخف ما يكون في وجهة نظر المعتقد الإسلامي الذي ينص أن الله متصف بالعدل ولكنه متصف بالحلم أيضًا، وأن الله له الأسماء الحسنى كلها لا بعض صفات بحسب، وأن هذه الحياة دار ابتلاء وأن الآخرة دار القرار وأن هناك يوم القيامة وفيه سيعوض الله كل مظلوم، وأن القصة لا تنتهي بالموت!

فسحب جدال معضلة الشر من كونها شبهة مسيحية بحتة إلى دائرة الإسلام ما هو إلا رمي للإسلام بشبهة ينسفها طفل لا يعلم من ثقافته الدينية سوى الأسس العامة!

هذا المرور الخاطف على هذه القضايا غيض من فيض، قصدت فيه أن أوضح أصول الشبهات المطروحة وأنها شبهات بمثابة سهام موجهة نحو مسيحية في الأساس، وقد حُوِّلت وجهة الأسهم نحو الإسلام لا أكثر

ولعل المشكلة تكمن في جهل الغرب بالإسلام، والتكاسل عن الابتكار للطعن فيه، فاكتفوا بنقل نفس الشبهات له. أما عن المسلمين، فالمشكلة تكمن في عدم إلمامهم بتاريخ الغرب والجدال العلماني الكنسي. ومع انعدام الثقافة الدينية عند الكثير من المسلمين، أصبح الكثير ضحية لشبهات تنسف دين غيره، ولا تضر دينه في شيء!


مراجع للاستزادة

الإجابة القرانية (مهاب السعيد)

براهين النبوة (سامي عامري)

الدليل الأركيولوجي على وجود الأنبياء (سامي عامري)

العلم والوحي (سامي عامري)

هل القرآن الكريم مقتبس من كتب اليهود والنصارى (سامي عامري)

مصطلح التاريخ (أسد جبرائيل)




التعامل مع الشبهات بين العقل والقلب

يعيش الناس في حقبة زمنيّة استحكمت فيها آليات السيطرة على الجماهير والعقول، واشتدت فيها الحرب على تعاليم الإسلام وعقائده، ومن ثم فإن الشبهات التي تعاد صياغتها لتفسد على الناس عقائدهم تنهمر كالمطر.

ينتهي تأثير الشبهة ويتوقف إذا كنت ذكيًّا بصيرًا، فتتأمل في قائلها، وتستفسر عن الغرض الدافع له من طرحها؟ وتبحث عن مكانة مثيرها من الدين والعلم؟ وما مكاسبه التي يتوقعها بإثارة هذا الموضوع؟ وهل هو نزيه يتحدث في الشأن العلمي الموضوعي أم له حساباته في خريطة السياسة والأموال والمناصب؟

إنه من الحكمة أن تظل الشبهة مشكوكًا فيها ما دام أن الذي طرحها مطعونٌ في دينه أو أمانته أو أخلاقه أو فكره وعلمه، وإذا ما تعرضت لشبهة فالأفضل أن يظل منها المرء على شكٍّ وتوجس، وأن يعرّضها الإنسان لمبضع الشكّ والاختبار وسؤال المتخصصين قبل أن يتشربها قلبه ويتعامل معها كأنها شيء لازم لا يمكن تجاوزه.

للشبهات أنواع كثيرة، واعلم أنها لن تؤثر على حياتك، ما لم تكن في صلب الإيمان والدين، فالطعون المثارة على تصرفات الحكّام من الأمويين والعباسيين والعثمانيين ليست بالتأثير الموازي للشبهات المثارة ضد القرآن والسنة، وعليه فما دامت الشبهة غير مؤثرة في إيمانك أو عملك الدعوي، فعدم التفكير بها والانصراف عنها أفضل في كل الأحوال.

هذه مقدمة مختصرة، أردت تبيين التعامل الأوليّ مع الشبهات، إلا أن ثمة أبوابًا أخرى ينبغي طرقها حين تطرق أبوابنا الشبهات، أفصّل القول فيها بما يأتي من الحديث.

لكلٍّ منّا ما يناسبه!

رأيتكَ تتكلّم مع ثلاث رجال متشككين في دينهم، أما الأول فرأيتك تهتم به وتدفعه إلى متخصّص ليجيب على تساؤلاته، وأما الثاني فرأيتك تقول له: لا تشغل بالك واستعذ من الشيطان وأكثر من ذكر الله، وأما الثالث فرأيتك صامتًا لا ترد عليه البتة، فلماذا هذا التفاوت في التعامل مع نفس الموقف؟.

بهذا المثال أستفتح المقصود من المقال، فليس كلُّ إنسان يتعامل مع الشبهة أو تعامله في رد الشبهة بذات الطريقة، فالأول مثله كأبي حامد الغزالي الذي قال: “الشك أول مراتب اليقين” [المنقذ من الضلال] وهو متسائل كي يقتنع بما لم يقتنع به. أو ليزداد إيمانًا في سلّم اليقين كما تساءل أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم، فهو تساؤل لا عن تشكيك في جدوى الإيمان، وإنما عن كيفية الارتقاء في درجة الإيمان.

ومثل هذا تذهب به إلى متخصص ليرد الشبه والشكوك التي تجول في خاطره، ونحسب أنه باحث عن الحقيقة، صادق في بحثه، وأنه سيهتدي لما يطمئن إليه قلبه وعقله من الحق عما قريب، وكل ما تفعله أنك تلتزم معه بنص القرآن، فالله يقول: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِك} [يونس: 94].

التعامل مع الشبهات

أما الثاني فلا ينطبق عليه وصف التشكيك وإنما هو موسوس! ولو أجبت على سؤاله لاقتنع، ثم لا يلبث أن يسأل سؤالًا آخر، ولو أقنعته بجواب عن ذلك وانصرف، لرأيته يتصل بك ليسأل ثانيًا وثالثًا ورابعًا.

ومثل هذا لا يكون متشكّكًا، ولا صاحب شبهة تستحق أن نناقشها مع متخصص، بل هو ذو وسواس قهري غلب عليه فتراه يعذب روحه وعقله، وهو ليس ذا مشكلة من الأساس كي نحلها، فباطنه رافض لتلك الوساوس العقائدية ومنزعج منها جدًّا. ورفضه لها هذا في حد ذاته دليل على صحة إيمانه وسلامة قلبه. بل ومن شدة انزعاجه منها نراه يرجو راحة البال فجاء كي نجيب على تساؤلاته ليهدأ. ولكنه لا يهدأ مهما أجبنا، إذ إنه واقع تحت تأثير الوسواس القهري الذي يشبه الاضطرابات العصبية تمامًا OCD (obsessive compulsive disorder).

ولذا فإن التعامل معه على أنه صاحب مشكلة فكرية تعامل خاطئ من الأساس، ولعلنا نجد شيئًا شبيها لهذا مع ما كان يحدث لبعض الصحابة أو ما يحدث مع كثير منا، سواء كنت أنا أو أنت أو غيرنا من المسلمين.

وهنا نستذكر هذا الحديث عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: (جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَان) [أخرجه الإمام مسلم، برقم: 132].

إن الانزعاج من تلك الوساوس أكبر دليل على صحة الإيمان، إذ لو لم يكن الإنسان مؤمنًا لما تململ من تلك الوساوس التي تناقض ما يؤمن به حقًّا ولما انزعج منها وسعى لردها، وإن جذر هذا الوسواس هو وسوسة الشيطان وما يلقي الشيطان في القلوب من شبه وشكوك.

ولنضرب مثلاً آخر أقرب لحياتنا الطبيعية، كما في حال المعدة السليمة التي تشتهي الماء والخبز وتشمئز من أن تأكل الطين، فكذلك القلب السليم، فهو يقبل الحق ويرفض وساوس الشيطان تلقائيا. أما إذا كان القلب مريضًا, فإنه يتشرب تلك الوساوس ولا يرفضها، مثله كمثل المعدة المريضة التي تبدأ في اشتهاء الطين ورفض الخبز!

طهّر قلبك ثم استقم

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ليَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَٰنُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍۢ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الحج: 52- 54]

يبيّن الله تعالى في هذه الآيات وجود ثلاث أصناف للقلوب، اثنان منها مفتون -القلب الذي فيه مرض، والقلب القاسي– والثالث منها ناجٍ، أي القلب المؤمن السليم المخبت، وهو قلب المستسلم التبع لصراط الله المستقيم.

إن ما يلقيه الشيطان من شبه وشكوك تكون فتنة للقلب القاسي والقلب المريض، ولا يتأثر القلب السليم بتلك الوساوس ولا يضره ما يلقيه الشيطان أبدًا، لأنه يردّ ذلك ويكرهه ويبغضه، ويعلم أن الحق ليس إلى جانبه، بل يعلم بطلان ما ألقاه الشيطان فيزداد إيمانًا بالحق ومحبة له..

فعن حُذَيْفَةُ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ([أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، برقم: 144].

فالقلب المريض إذا عرضت عليه الفتنة شربها كما يشرب الإسفنج الماء، فتنكت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسودّ وينتكس؛ أما القلب المؤمن السليم فإنه إذا ما عرضت له الفتنة أنكرها وردها فازداد نوره وإشراقه وقوته؛ ولذلك فإن صاحب القلب المريض سريع التأثر بالشبهات والانجراف وراء المتشابهات من الدين، وذلك مصداق قوله تعالى: {أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} [آل عمران: 7].

كيف تقهر وسواس الشيطان؟

قد يغلب الوسواس الشيطاني على الإنسان لمرضٍ في قلبه، فيصبح مستسلمًا لما يلقيه الشيطان في القلب من شبهات وشكوك. وهذا الإنسان نفسه قد يلقب نفسه بالمفكّر والباحث والمؤلف، ويمكث عقودًا من عمره في نشر أفكاره، إلا أنه ليس إلا متكلّم بما يمليه عليه الشيطان.

مثل هذا الإنسان، يلقي الشيطان شبهة في قلبه، فيظن أنها من بنات أفكاره، فيفرح بها قائلاً: رأيي في كذا، ووجهة نظري كذا، وهي ليست آراء أو وجهات نظر، وإنما وساوس شيطانية ألقيَت في قلبه، ثم خرجت على لسانه! ويبقى الحال كذلك مخطوفًا وأسيرًا لوساوس الشيطان فلا يملك نفسه، وهذا مصداق قوله تعالى: {شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112]

إن علاج هذا النوع من الوسواس تبدأ بكثرة الذكر والارتقاء بحال القلب من المرض ليغدو القلب سليمًا، ومن ثم يخرج القلب من دائرة الوساوس الشيطانية تلك، كما أن تلك الوساوس يخرج منها الإنسان إمّا صِدِّيقًا أو زنديقًا، فبمصاحبته لما يصلح قلبه يخرج من الوساوس صِدِّيقًا، وبتمسكه بما يفسد قلبه يخرج منها زنديقًا، فأفضل الدواء كثرة ذكر الله.

وهنا أعود للشخص الثالث في المثال المذكور آنفًا، لأقول لك إن أمثال هؤلاء كثيرون، وهم بالمجمل لا يبحثون عن الحقيقة، بل إن أغلبهم مغتر معجب بعقله وسعة اطلاعه وموهبة الكلام ومقارعة الحجج، فيأتي بالتكبر واستعراض قدراته العقلية، لا ليبحث عن الحقيقة. ومثل هؤلاء فإن الأجدى عدم الرد عليه.

إيمانٌ بالفطرة

أما عموم الناس، فإن أغلبهم غير مؤهل للرد على أغلب الشبه، ولكنهم رغم ذلك –نحسبهم عند الله- أفضل  من كثير ممن تكلمنا عنهم.

فهم –ولا نزكي على الله أحدًا- كأمثال جدتي وجدتك وغيرهم من أهل الفطرة النقية، المؤمنون بالفطرة، وقلوبهم نقية. الذين صارت قلوبهم من السلامة بحيث لا تقبل إلا الحق كما أن الطفل لا يقبل إلا اللبن، ولعل أحد العلماء يجلس أمامهم فينبهر بثبات إيمانهم وفطرتهم فيقول: “اللهم إيمانًا كإيمان العجائز”.

إن إيمان العجائز هذا هو إيمان الفطرة، {فِطرةَ اللهِ التي فَطَر النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] وهو إيمان يثبُ إلى اللجوء لله كلما هبّت عليه معضلة أو حادثة دونما حاجة إلى براهين الفلاسفة واستدلالات المتكلمين، ولولا شك المتشكك لما وصل للحقيقة إلا أنه لولا سلامة قلب العجائز، لما رسخ إيمانهم من الأساس!

وعندما قال أبو حامد الغزالي إن الشك أول مراتب اليقين، فلعله كان يقصد عامة الناس باستثناء العجائز، فللعجائز إيمان بدون مراتب، ويقين لا يساوره الشك!


مصادر للتوسع والاستزادة:

– إغاثة اللهفان – ابن القيم

– المنقذ من الضلال – أبو حامد الغزالي

– تربيتنا الروحية – سعيد حوى

– المستخلص في تزكية الأنفس – سعيد حوى

– الإجابة القرانية – مهاب السعيد

– رحلتي من الشك إلى اليقين – مصطفى محمود

 




لماذا لا تفسّر نظريات الإلحاد وجود الكون؟

إن تفسيرات نشأة الحياة لا تصنّف في فلسفة العلم أو لدى علماء التطبيقيّات علمًا رصديًّا تجريبيًّا science ، بل من الأحرى ألّا تكتب في كتبه، حيث إن مكانها في كتب الخيال العلمي لا كتب البحث العلمي، حيث إن العلم يمر بمراحل كثيرة، تتلخص في الرصد واللاحظة، وإبداء الافتراض والتفسير، ثم تجربة الافتراض، ومحاولة هدم نتائج التجربة وإثبات خطأ نتائجها، وباجتياز كل هذه الخطوات تصبح المسألة حقيقة علمية.

هنا نلاحظ كيف أن مسائل الماضي البعيد التي يفترضها المتنطّعون لم ترتقِ في الأصل إلى المرحلة الأولى، حيث إنها لا تخضع للرصد والملاحظة، فلم يشاهد أحد نشأة الكون ولم ترصَد بداية الحياة، وكل تلك التفسيرات الإلحادية خيال علمي لا يرتقي للبحث العلمي، فهي pseudoscience  وليست science.

الخداع الأكبر .. التهويل بالمصطلحات

هنا يكمن الخداع الأكبر للعالم، فالمشكلة أنهم يستخدمون مصطلحات علمية فيما ليس علميًّا، ولا يخضع للمنهج العلمي، فيتوهم العامة أنه علمٌ راسخٌ وهو ليس كذلك، بل خيال علمي! ولشدة التشابه بين الخيال العلمي والبحث العلمي، يلتبس على المليارات حول العالم الأمر!

فالمشكلة أنهم ينجحون في خداع العامة بالتلاعب بالألفاظ هذا فينخدع غير المتخصص ويُتلاعَب بعقولهم، فلو قلت لك: إن الكربون اتحد مع الهيدروجين لينتج زيتًا مركّبًا من آلاف الذرات، وهذا الزيت صالح للطبخ، ولو جئتُ لك بعالم مرتشٍ واثق بذاته، أو أخرجت لك فيلمًا وثائقيًّا متقن الصنع لتأكيد كلامي حول هذا الزيت المزعوم لصدقتني، لأن الكلام يقدّم وكأنه محاضرة علمية، أو لأنني خريج في الجامعة الفلانية، أو ربما لأني استخدمت كلمتي كربون وهيدروجين، حيث يُعتاد أن هذه المصطلحات تقال في دروس الكيمياء، فنتوهّم أنها علم صحيح إلا أن التنسيق بينها في جملتي تلك ما هو إلا خيال علمي!

فالعلم يبنى على الأبحاث لا على الادعاء بلا دليل، واستخدام مصطلحات العلم في العلم الزائف ما هو إلا تضليل لملايين الناس من غير المختصين، وإلا فلننظر إلى علماء لا ينتقدون ذلك المحتوى بأي دافع ديني أو منظور ديني مثل العالم الأمريكي جيمس تور في كتابه The mystery of life’s origin  المنشور في عام 2020م وكيف نسف ادعاءات التطوريين حول نشأة الخلية الأولى، وكيف أن عليهم التحسّر على المليارات المهدَرة في الترويج لتلك الادعاءات، وأنهم بحاجة إلى تأليف سيناريوهات متجددة كلما فضح المتخصصون في علوم الكيمياء تزويرهم لوعي العامة.

ديكتاتورية التنميط والانتشار

رغم أن المنهج العلمي يرفض مناقشة أي كلام غير مبنيٍّ على الملاحظة، فكذلك يبدو –لي على الأقل-أن مناقشة نظريات الإلحاد والتطور أقرب للعب بالمطّاط، فإعادة تأليف السيناريوهات شيء ممكن للغاية، وكذلك تحريف المقالات كل بضع سنين وإطلاق العنان للخيال كي نوفر للطبيعة ظروف معيّنة لتحقّق التطور وإمكان العشوائية في إنشاء الحياة عن طريق التفاعلات الكيميائية! إلا أننا هنا أمام قرار إلحادي مسبَق يلقى دعمًا هائلًا وشعوًرا بالحاجة الماسة للعثور على أي تفسير علمي –ولو كان زائفًا- يدعمه.

نحن أمام دكتاتورية في فرض اعتقادات معيّنة على الناس، هذه الدكتاتورية نشرت ذلك الهراء في كل كتب الكيمياء والأحياء حتى يكون تصديقه سهلاً وفرضًا على كل طالب لتلك العلوم، وإن لم تصدقه فليس أسهل من أن توصف بأنك متخلّف ورجعي تتبنّى معتقداتك الدينية على الحقائق العلمية!

إننا أمام ملايين الشباب ممن فقدوا هويتهم الإسلامية بسبب غسيل العقول المنصب عليهم، الغسيل الذي اجتمع عليه الغرب والمتغرّبون، حيث يقنَعون بأن الغرب ونظرياته المسيطرة محض علم دون إلحاد.

إن الكثير من المجتمعات العلمية اليوم تحظر انتقاد تلك النظريات الخاطئة، وربما تضع مستقبلك المهني والأكاديمي على المحكّ فتحرَم من الدخول والمشاركة في الأبحاث العلمية لا لشيء إلا أنك تحترم عقلك ولا تنساق خلف هراء العلم الزائف، فقد أصبح ادعاء العلم الرصدي التجريبي وسيلة لنشر معتقدات وأيديولوجيات معينة، وما دمنا نتعامل مع مئات الأفلام الوثائقية وملايين الكتب حول العالم الناشرة لهذا الهراء فأنت لا تتعامل مع مجتمع علمي ينشر علمًا زائفًا أخطأ في نشره، بل إنك تتعامل مع دين يتم الترويج له باسم العلم. فهي مسألة حرب عقائدية وغسيل عقول وليست أمانة علمية تستحق المناظرة والجدال.

إن من أعظم آليات غسيل العقول استغلال جهل الناس بتلك المسائل، فترى فيلما وثائقيًّا يمر على مناطق شائكة مليئة بالأخطاء العلمية في بضع ثوان، وكأنه شيء بسيط للغاية، فتراهم يقولون عبارات مثل (تم إنشاء بروتين عن طريق تفاعلات كيميائية) فقط، وهكذا بكل بساطة ينتقل إلى الموضوع الذي يليه، وكأنه يصنع كعكة إسفنجية اقتبس وصفتها للتو من قناة طبخ!  كل ذلك ليخدع العامة أن المسألة بسيطة جدًّا.

أما في كتب العلم، فإنك لا ترى كتابًا في الكيمياء أو الأحياء إلا ويقدّم مسألة الخلية الأولى تلك وكأنها من مسلّمات العلم، إلا أن حبكة الدراما تختلف حسب ميول هوى المؤلف، فتراهم يقولون مرة إنها نشأت في محيط عميق، ومرة بجوار بركان ساخن، ومرة في بركة ساكنة، إلى آخر تلك الخيالات.

تديُّن الإلحاد والتطوّر!

لقد بات حق الطعن والنقد لها علميا أمرًا غير مكفول لأحد، فالأمر أصبح ديًان لا علمًا، وعندما يكون الأمر دينًا يرتدي عباءة العلم، فلا تخاطب بالعلم إلا عالمًا، ولا تخاطب بالعقل إلا باحثًا حقًّا عن الحقيقية

لقد أصبح الإلحاد دينًا كسائر الأديان البشرية الوثنية، وكما أن الأديان تستند إلى نصوص كتب مقدسة تعتبر مرجعية لها في الاعتقاد، فإن هذه الكتب التي لا تخضع للعلم الكوني ولا تكون نتاج أبحاث علمية في المعامل قد باتت كتبًا مقدسة للإلحاد ومرجعية لفكره.

ويا للعجب، كيف لا يلتفت عموم الناس إلى غموض تفسير أصل الحياة على مدار مئتي عام الماضية، أي منذ تصاعد نزعة التطور وسطوتها، ذلك الغموض الذي لم تنكشف أي من أسراره على مدار مئات السنين إلى يومنا هذا. ذلك السر الذي مازال مبهما بعد كل تلك المحاولات البائسة. وذلك السر الذي لم يحظى بأي تفسير علمي ولكنه حظي بألف “تفسير خيالي” أُلْبِسَ عباءة العلم بالإكراه كذبًا وتزويرًا.

لم يتلفت أحد أيضًا- إلا قلّة من أهل العلم- إلى أنّ كل ذلك الضجيج كان مبنيًّا على حرب عقائدية بين الإلحاد والإيمان، وليست مجرد حربٍ بين نزعة علمية وما يضادّها من الآراء، فهل يعقل أن أحدًا لم يلاحظ أن تلك التجارب الكيميائية يستطيع من له أدنى اطلاع أو دربة أن يجريها ويختبرها اليوم، ليصل بكل يقين وتأكيد إلى أن الادعاء بإمكان نشوء الحياة لمجرد وجود بعض الأحماض الأمينية هو أقبح ممن يدعي أنه يستطيع أن يخترع ناطحة سحاب لمجرد أنه يمتلك طوبة في مكان ما من الكون!

لقد عمدوا إلى هندسة العقول فغيروا فيها وبدّلوا، فكان الأمر أشبه برسم سيناريو درامي ثم إخراجه، فهم يمتلكون رواية تقول إن الحياة نشأت بتلك الطريقة، وكل ما ينقصهم هو تأليف السيناريو، ثم بعد أن ينجحوا في تسويق عشرات السيناريوهات وربطها بما في المؤلفات من تناقضات، يخرجون إلى عامة الناس بدين جديد مفاده أن هذا حدث بالفعل ومن ناقض فهو جاهل متخلف قد كفر بدين العلم!. ولا سبيل لهم –والحال كذلك- لنشر تلك الخرافات إلا أن يسيطروا على كتب العلم والمحتوى العلمي في المدارس والجامعات لينشروا التفسيرات الإلحادية في الكتب العلمية، ولينتجوا أجيالًا من المؤمنين الذي يعتقدون أن الدين ينفكّ عن العلم ويتصادم معه، وأن على الفرد أن يختار في مفترق الطرق هذا إما العلم أو الدين، بل إن وجود أعداد كبيرة في هذا المفترق بحد ذاته سبب كبير لنشر الإلحاد في العالم.

ماذا لو؟

قد يسألني سائل: لو كنت ترفض ما قالوا لفشلهم عن إثباته علميًّا فيما مضى، فماذا تفعل لو أنهم نجحوا في ذلك بالفعل بعد عشرات السنين، فلعلهم يستطيعون اختراع خلية حية في المعمل من الصفر، ثم تتطور تلقائيًّا إلى كائن ما، ألا يكون هذا أكبر دليل على أحقية الإلحاد والتطور في تفسير وجود الكون؟!

ففي الجواب –بكل اختصار- أقول: لو أنهم نجحوا في ذلك، فإنهم –في المحصّلة- لم يخترعوا شيئًا أو يخلقوه، فإن الميكانيكي الذي يفكك السيارة ويعيد تركيبها فإنه لا يصح أن نقول إنه اخترعها، وإنما قلد مخترعها، وحتى إن قلد صانعها في بناء قطَع التبديل، إلا أنه لم يأت بأصل جديد (من العدم).

إن علماء الأحياء قد يقلدون بناء شيء مما خلقه الله لاطلاعهم على دقائق الخلايا، إلا أنهم مقلدون لا مخترعون، ولو نجحوا في ذلك فإنهم –في المحصلة- مستخدمون لعناصر موجودة بالفعل –الكربون والهيدروجين والأكسجين.. إلخ – ليحصلوا على نتيجة معينة باستخدامهم لها، فهم يعيدون تركيب ما هو موجود، ولا يخلقونه، وما مثلهم إلا كم يمسك كلمات متعددة لينشئ منها جملة مفيدة، وكذلك إعادة التركيب ليست بخلق.

بل أكثر من ذلك، فإن النجاح في إظهار أي مكون حي حتى لو خلية حية كاملة لن يكون دليلًا على الإلحاد، بل هو أعظم دليل على الإيمان، حيث إن التوصل إلى هذا الإنجاز يستلزم آلاف السنين من التراكم المعرفي وبناء التقدم العلمي ومئات الآلاف من العلماء والأجيال الباحثة ليتوصلوا إلى إنتاج خلية حية واحدة –على سبيل المثال- الأمر الذي يتطلب علمًا كثيرًا وحكمةً عقلية عالية لإنشاء خلية حية واحدة فقط. فإذا كان إنشاء ذلك من قبل الإنسان العاقل المريد العليم الحكيم بكل هذه الصعوبة والزمن الطويل، فكيف يمكن للمادة العمياء أن تنشئ كل أنواع هذه الحياة المعقدة المبهرة إذا كان الإنسان ذا العقل والوعي والعلم يعجز عن فعل ما هو أسهل من ذلك، فإن المادة الميتة أعجز وأعجز، وإن الميكانيكي الذي أعاد تركيب قطع الغيار لم يخترعها وإنما فهمها ثم أعاد تركيبها، وإن الصناعي لم يخترع السيارة بل قلّد المصنّع في صناعتها، وإن الله وحده الخالق من عدم، فسبحان الله المتعالي عمّا يصفون.




الكون والصدفة .. ما احتماليّة نشوئه عنها؟

تخيّل أنك في غرفة فيها حاسب آلي، وأنك رميت كرة صغيرة مطاطية داخلها، ما هي احتمالية أن تقفز الكرة على لوحة المفاتيح لتكتب كلمة مفيدة؟ إنها بكل تأكيد احتمالية صغيرة، لكن إن سألنا: ما احتمالية كتابة جملة مفيدة؟ الجواب أن الاحتمالية ستتضاءل أكثر، وهكذا دواليك؛ حيث إن مسألة الصدفة تخضع لعلم الرياضيات ولحساب أرقام الاحتمالات probability theory. وكلما كانت المهمة المطلوب تنفيذها أعقد وأطول قلّت احتمالية حدوث الصدفة.

إن احتمالية الصدفة في كثير من الأشياء قائمة، لكنها في الرياضيات تصنّف –بعد رقم معيّن- على أنها ضئيلة لدرجة استحالتها  statistically impossible..

أنتقل معك للخطوة الثانية، فأسألك ما احتمال أن تتساقط الكرة بمنتهى العبث ثم ينتج عنها مسرحية كاملة لشيكسبير، ما ظنك بدرجة احتمالية حدوثها، وما مدى ثقتك في أن تلك الاحتمالية حدثت بالفعل؟!

يالها من خرافة!

بعد أن وضحت لك المبدأ العام لمسألة الصدفة، دعنا نحسب احتمالية نشوء الكون عن طريقها، علمًا أنها تتطلب أزمنة وأمكنة معينة لتحدث فيها، ومن البدهي أن حدوث صدفة في العدم: قبل الزمان والمكان شيءٌ لا يُعقَل بأي شكل، إذ كيف تحدث صدفة في اللازمان واللامكان! إضافة إلى الكثير من الإشكالات المنطقية النابعة عن تفسير وجود الكون المنظّم بأنه نتاج صدفة عشوائية عمياء.

يحتوي الكون على نظام ودقة في قوانينه، فكيف للعشوائية أن تنشئ الدقة؟ وفيه القصد ومعنى الأشياء، فكيف للعبثيّة أن تفصح عن معنى؟ وفي الكون غاية وهدف، فكيف للا غاية أن توجد الهدف؟

إن القول بأن الكون نشأ صدفة، يؤدي بالنتيجة إلى أن الأرض وما عليها من الأحياء والكائنات وحتى ما يسمى بـ “الخلية الأولى” ومكوناتها الأولية نشأت عن طريق الصدفة أيضًا.

حسنًا، إن سألت ملحدًا عن تفسير وجود الحياة والكائنات الحية فستراه يقول إن ذلك ناتج عن التطور الذي يعرَف الآن بالتطور الدارويني، فيفسّر أصل الكائنات بتطورها عن أصل واحد مشترك، وسيفسّر وجود الخلية الأولى بأنها نتيجة تراكم تدريجي على مدار الزمن عن طريق الانتخاب الكيميائي chemical evolution. ومن ثمّ فنحن أمام تفاعلات كيميائية عمياء وتراكميّة بدون أي توجيه أو قصد أو إرادة أو هدف، تنتجُ هذا التعقيد والنظام المتقَن!.

صحيحٌ أن دارون افترض وجود خلية أو سلفٍ مشترك لم يحدّده، إلا أن وارثي نظريته والمدافعين عنها، تبنوا قضيّة الانتخاب الكيميائي لسد ثغرة (الخلية الأولى) في نظرية التطور. إلا أنها لم تسد حقًّا؛ إذ أمامنا اليوم عشرات الافتراضات في مسألة الخلية الأولى، إلا أنها كلها تتشابه في الفكرة العامة ألا وهي التراكم ثم الانتخاب، وذلك إيمانًا بنظرية دارون حرفيًّا، حيث يقول: “وجود بيئة خصبة صالحة للانتخاب الكيميائي –سواء بركة أو محيط أو بجوار بركان أو خلافه، وهذه البيئة تسمى بـ primodial soup  أو الحساء البدئي، وبها كل العناصر اللازمة –الكربون، والهيدروجين، والأوكسيجين، والنيتروجين.. إلخ- وبها أيضا بعض المركبات مثل غاز ثاني أوكسيد الكربون والميثان والأمونيا ومع مرور الزمن، تحدث تفاعلات كيميائية لتنتج بروتين ثم تنتج DNA ثم رويدا رويدا –عبر أعداد مهولة من التفاعلات الكيميائية– حتى إنتاج كل المركبات الكيمائية للخلية، ثم تنتج خلية حية” [دارون، رسالة إلى صديقه (Joseph Dalton Hooker)]

استحالة تحقق التطور؟

للرد على هذه الفرضية لا بد من الإشارة إلى جملة من المغالطات في هذا التفسير الافتراضي الذي ذكره دارون، حيث إنه –أولاً- لا وجود لـ DNA إلا بوجود الأنزيمات enzymes  لأن تشبيك الـnucleotides مع بعضهم البعض يحتاج إلى Enzymes أولا، وعليه فإن ترتيب الأحداث يكون بصنع الأنزيم enzymes الأول وهو نوع من البروتينات, ثم يتوفّر صنع الـ  DNA، أما الأمر الثاني: فإنّ أول مهمة هي صنع البروتين، وإن أصغر الأنزيماتenzymes  يتكون من مئات الأحماض الأمينية Amino acids.

أما الأمر الثالث فهو القول بأن الصدفة شيء ممكن أن يحدث مهما كانت احتماليتها ضئيلة في حال أعطيناها الوقت الكافي، وهنا فلنفرض أن أمام هذا الافتراض الوقت الكافي مهما كان استغرق من الزمن.

إذًا، لنأخذ كل الأرقام التي تحدثت عن عمر الكرة الأرضية، ولنختر الرقم الأكبر الذي قيل في عمرها، مهما كان غير دقيق علميًّا، وهذا الرقم هو( 4 .6 بليون سنة)، علمًا بأن هذا الرقم هو من أكبر التقديرات المتاحة لتفسير عمر الكرة الأرضية.

حسنًا..

ولنفترض الآن أن هناك محيطٌ. وأننا وضعنا في المحيط كل ما يلزم لتصنع الطبيعة بروتينًا واحدًا مكونًا من 150 حمض أميني، ولنفرض أننا وضعنا في المحيط في كل نقطة منه مئات الأحماض الأمينية، أي أننا جئنا بكل ما في الأرض من (كربون, هيدروجين, أكسجين, سلفر،.. إلخ) وهكذا فإننا نعفي القائل بذلك من إنشاء الأحماض الأمينية أولا ثم بناء البروتين ثانيًا، حيث إننا نفترض أن كل الأحماض الأمينية متوفرة حقًّا. فأنت الان لديك محيط, به ملايين الأحماض الأمينية, مملوء على أخره بكل أنواع الأحماض الأمينية العشرون. وعلى الرغم من أن أشعة الشمس UV rays  كفيلة بأن تكسر تلك الأحماض الأمينية وتجعلها غير قابلة للبناء بها، فلنفرض أننا سنكسر قوانين الطبيعة من أجل أن نسير مع هذا الافتراض، وأن أشعة الشمس لن تفسد الأحماض الأمينية. ولأن المحيط هو بيئة غير مُعقّمة ولن تحافظ على الأحماض الأمينية لكثرة وجود احتمالات للتفاعلات الكيميائية والـ chelating agents  داخل المحيط، إلا أننا سنفترض أن الأحماض الأمينية معصومة من ذلك كله وفي حفظ تام..  أيضًا ها نحن نكسر قوانين الطبيعة من أجل أصدقائنا للمرة الخامسة في هذه النقطة.

إن للبروتين مراحل عدة في تكوينه هي primary structure, secondary structure, tertiary structure, quaternary structure. والمراحل الأولى في تكوين البروتين هي بناؤه من الأحماض الأمينية كأنه خيط، أما المراحل الأخيرة في تكوين البروتين فهي أشبه بأنك جئت بالخيط وجعلته يلتفّ ويدور في شكل ثلاثي الأبعاد. وهذا الشكل الثلاثي الأبعاد يتماسك بضعف لا بقوة weak inter-molecular forces  ووجود هذا الشكل وسط ماء المحيط سيفسد إثر حركة ماء المحيط لا محالة. ولكننا سنكسر كل قواعد الطبيعة من أجل أصدقائنا, وسنفترض أن البروتين في رعاية ما ولن ينكسر فور بنائه..

وها نحن الآن لن نجعل البروتين يملأ بالاستعانة بالـDNA  والـmRNA  والـ tRNA  بل سنتركه يبني نفسه بنفسه كما يقول أصدقاؤنا self assembly وهذا مما لم يحدث أمام أي أحد من البشر على مدار التاريخ. فالبروتين يبنى بتوجيه الخلية لا من تلقاء نفسه.

وماذا بعد؟

المهمة الآن –بعد كل هذه التسهيلات والافتراضات- هي بناء بروتين مكوّن من 150 حمض أميني، ولديك العشرون نوع وعدد أكثر من كافٍ للبناء، لكن الغاية هي بناء ذلك كله عن طريق الصدفة والعشواء بدون أي توجيه أو إشراف بترك الكيمياء تفعل ذلك بتفاعلاتها العمياء. وأرجو أن لا ننسى أن كل نوع من العشرين نوعا من الأحماض الأمينية يكون منه نوعان: levo  و dextro. أي أن هناك 40 نوعًا لا 20 نوعًا لتركيب البروتين بشكل صحيح؛ إذ إن كل البروتينات تتكون من أحماض أمينية من النوع الـ levo..

إن بناء البروتين يقتضي بأن يمسك الحمض الأول في حمض من النوع الفلاني، ثم يمسك في حمض ثالث من نوع فلاني وهكذا، وهنا بسبب وجود 20 نوع، فإن احتمالية أن يتماسك الحمض بحمض آخر بـ peptide bond هي احتمالية 1 على عشرون، أي خمسة بالمئة في المرة الواحدة فقط. وإن كانت المهمة أن تبني بروتين مكون من 150 حمض أميني فإنك مطالب بأن تفعل 149 محاولة ناجحة. كل محاولة منهم احتمالية نجاحها 5 بالمئة. ولو كان هناك محاولة واحدة فقط فاشلة فإن البروتين كله ينكسر ويعاد بنائه مرة أخرى من البداية، وإن احتمالية حدوث ذلك هي واحد على (10164). وهو حَدَث أقلّ ما يوصف بأنه مستحيلٌ إحصائيًّا Statistically impossible.

ولو افترضنا أن العملية قد تأخذ ثانية واحدة فقط، فإن الوقت الذي تحتاجه تلك الاحتمالية أن تتحقق بالفعل هي عشر سنوات وأمامها 243 صفرًا، مما يزيد على العمر الذي افترضناه لعمر الأرض (4 .6 بليون سنة) ببلايين السنين.

ولمن يحب أن يتحقق من صحة تلك الأرقام أو يتزيد في تلك المسألة يقرأ في أبحاث عالم الرياضيات السويسري (تشارلز يوجين) حول إمكانية نشأ بروتين واحد عن طريق الصدفة، وفي أبحاث  (Dr Stephen C. Meye & Dr. james tour حيث إن الكلام في حسابات تلك الأرقام يطول جدا وهذا ليس موضوع مقالنا.

ومهما قلت للملحد، فإنه سيجادل ويعاند، فهو يحكم بعنادٍ مسبقًا، وسيقول لك بعد أن تطيل الشرح والاستفاضة في الاستدلال على استحالته، ذلك يحدث على مدار زمن طويل جدًّا، ومع مرور الوقت فإن المستحيل يصبحُ ممكنًا!.

خيال مليءٌ بالافتراض

رغم أننا قمنا بكسر جميع قواعد الكون، ودمرنا حقائق الطبيعة، لنتماشى مع جدل فرضيات المدافعين عن العشوائية والصدفة، وتناسينا الافتراض الأهم وهو “أنّ الكون نشأ صدفة أن تحدث صدفة في لازمان ولا مكان” وقمنا بافتراض أن البروتينات المطلوب صنعها مكونة من 150 حمض أميني فقط رغم أن أصغر إنزيم يتكون من مئات الأحماض الأمينية، كما أننا افترضنا أن عمر الأرض ( 4 .6 بليون سنة) وهو أطول تقدير مطروح حتى الآن، وافترضنا أن الأحماض الأمينية متوفرة حقًّا، رغم أن الأمر يتطلب اختراع العشرين نوعًا من أنواع الأحماض –وتكون تلك مجموعة واحدة- الأمينية عن طريق التفاعلات الكيميائية، ويكرر فعل ذلك حتى يتوفر الكثير من مجاميع الأحماض الأمينية وتكون كل الأحماض الأمينية levo  وليس dextro. وافترضنا أن كل نقطة من نقط المحيط بها كل أنواع الأحماض الأمينية العشرين وأن المحيط مملوء عن آخره بكل العناصر اللازمة، وافترضنا أن أشعة الUV  من الشمس لن تفسد أي مركب سوف يتم إنشاءه، وافترضنا أن بيئة المحيط معقمة كيميائيّا ولا يوجد أي chelating agents  قد تتفاعل مع ما يتم إنشاؤه.

إضافة إلى ذلك كله فإننا نفترض أن الشكل الثلاثي الأبعاد للبروتين المتماسك بقوى هشة لن ينكسر بفعل تيارات المياه في المحيط، وأن البروتين يمكن أن يبنى وحده self assembly  بدون أي توجيه من أنظمة الخلية التي تكمل بعضها بعضًا، وخضوع ذلك لعلم الorganic synthetic chemistry  لا علم الbiochemistry  في حين أننا لم نر أي من تلك التفاعلات تتم خارج الخلية الحية ولم ينجح أحد في إنشاء كل تلك التفاعلات من الصفر في معمله بدون الخلية الحية، وافترضنا أن النجاح في إيجاد إنزيم واحد سيؤهلنا لإيجاد DNA  تلقائيّا، وافترضنا أن الصدفة قادرة أن تخترع الأنواع الخمسة من الـ nucleotides , علما بأن أصغر نوع منهم يستدعي ربط خمس ذرات مع بعضهم بعضا عن طريق الصدفة العمياء، وافترضنا أن أشعة الـ UV  من الشمس لن تكسر الـ DNA، وافترضنا أن أشعة IR  القادمة من الشمس لن تسخّن ماء المحيط بالقدر الكافي وتفسد البروتين بالحرارة protein denaturation، وافترضنا أن المادة الوراثية تستطيع أن تترك لزمن لا أخر له في حين أنها هشّة حراريا thermodynamically unstable ولا تتحمل أن تترك أكثر من 6 أشهر في درجة حرارة الغرفة دون أن تتبخّر أو تموت، وافترضنا أن البروتينات والمواد الوراثية التي تم بناؤها في بيئة معقمة كيميائيا ولا يوجد أي احتمالية لحدوث تفاعلات كيميائية قد تكسر أو تحوّل ما تم إنشاؤه

وافترضنا أيضًا أن النجاح في اختراع بروتينات والمواد الوراثية هو خلقٌ للحياة مع عدم تفسير كيف سيتم إنشاء جدار الخلية –علمًا بأن كل مكوناتها homochiral- ولفّه حول كل ذلك، وكيف سيتم تشغيل الخلية بالفعل ولا تكون مجرد مركبات كيميائية بلا أي معنى.

وهنا بعد 16 افتراض جدليٍّ، يكفي الواحد منها لنفي التطور أو العشوائية في الكون، رغم كل هذا، فنحن أمام حدث نسبة حدوثه (واحد على 10164).. فكيف يصحُّ في الأذهان شيءٌ من هذا؟!

 




الإيمان والوجود .. لماذا نكترث؟

الإيمان بالله دعوة الرسل كلهم في كل زمان ومكان، ومن المعلوم أن طرقهم في الدعوة قد تعددت باختلاف العباد والبلاد، وقد سرد القرآن الكريم تلك الأساليب لتتكون منها الطريقة الواضحة الموصلة لمعرفة الله، سواء بضرب الأمثال، أو الدعوة للتفكر بما يناسب الفطرة فلا تنفر منه النفوس، مما يمنحنا دروس جليلة ينبغي التوقف عندها!

دروس من القرآن

ولعل أهم تلك الدروس، التأكيد على أن الدين لم يكن بلا أدلة ربانية، وأن الله لم يطالبنا بإحضار أدلة تؤكده وتثبت حقيقته، بل إن الدين أنزل ومعه الأدلة المثبتة صدقه، بل إن الأمر أبعد من ذلك، فإنا لسنا مطالبين فحسب بأن نؤلف منهجًا دقيقًا لترتيب الأدلة القرآنية والنبوية في الإقناع. بل جاء الدين بمنهجية الإقناع أيضًا.

لم يكن القرآن الكريم مدرسة من مدارس الفكر والفلسفة بين عدة مدراس، بل إن منهجية القرآن في الإقناع هي الطريق المتكامل، وهي بمثابة أقصر الطرق وأسرعها إلى الحقيقة، رغم أنها ليست الوحيدة.

عطفًا على ما تقدّم، نرى أن كثيرًا من الناس يقتنع بوجود الله عبر الخوض في الفلسفات والأفكار المجرّدة، وهنا ينبغي القول: إن الفلسفة قد توصلك إلى الإيمان بالله، ولكنها ليست الطريق الأفضل لعموم الناس، وكذا عندما تخوض في العلم الكوني التجريبي كالفلك والكيمياء والفيزياء، وتنصت جيدا إلى المكتشفات المذهلة في تلك العلوم، فلعلّك تقتنع بوجود الله في زمن أقل بكثير وبجهد أقل من زميلك الذي آمن عن طريق الفلسفة.

من هنا، ينبغي الإشارة إلى هي منهجية القران في الإقناع بوجود الله والإيمان به تتأسس على العقل الباحث في الطبيعة، كما في قوله تعالى: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ۚ وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} [يونس: 101]. وهذه المنهجية ليست الوحيدة بكل تأكيد، ولكنها المنهجية الأسهل والأقصر والأقرب لأغلب عقول الناس وقلوبهم.

إن العقيدة أساس الدين كله، ومعلوم أن العقيدة تُؤسَّس على كلمة (لا إله الا الله. محمد رسول الله). وكما أن الدخول في الاسلام يبدأ بتصديق هاتين الشهادتين، فإن الشك في الإسلام أو الخروج منه يبدأ بالطعن أو تكذيب احدى هاتين الشهادتين.

البحث عن التشخيص الصحيح

تبدأ مهمة الداعية والمفكر المسلم في تشخيص داء المتشكك، بهدف فهم منبع الشك لديه، أي في فهم أي جزء من الشهادتين ينبعث شكه، ثم يبدأ في معالجة الداء من الجذور.

على سبيل المثال، بدلًا من أن نجادل الإنسان الطاعن في العبادات والشريعة بحجة أنها أفكار وأفعال بلا أي معنى، علينا أن نبحث عن طريقة لترسيخ كلمة “محمد رسول الله” في قلبه، بإقناعه في أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول من الله لا مدعٍ للنبوة، وأنه لا ينطق عن الهوى، وأن الدين الذي جاء به منزَل من إله عليم حكيم، يعلم الإنسان وما يصلحه، حكيم لا يشرعُ أي شيء عبثًا، وكل أفعاله وراءها حكمة وإن خفيت عنا.

إن مشكلة الإنسان الرافض للعبادات –في الحقيقة- ليست في أن العبادات وأحكام الشرع بلا معنى، بقدر ما أن مشكلته –الخفية- تتمثّل في شكّه وعدم تصديقه في أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًّا، ومن ثمّ فإنه يرى في قرارة نفسه صعوبة تصديق ما جاء به من عبادات وشرائع..

وفي مثال آخر، فإنه من الأولى لنا –بدلًا من الجدال- مع إنسان يدعي أن “الله مجرد فكرة صنعتها البشر” علينا أن نكشف عن الخلل في فهمه لكلمة “لا إله إلا الله” في قلبه، وأن نحرص على إقناعه بأن الإيمان بوجود الله نابع عن أدلة عقلية ومنهج علمي دقيق، لا أنه وهم صدقناه لتلبية ما يسمى بـالحاجات الروحانية وأمنياتنا في وجود معنى للحياة، كما أنه ليس نوعًا من أنواع تمني حياة أخرى وجنة الخلد لشدة عدم تقبلنا للحقيقة الموت والفناء.

فعلينا –والحال هكذا- أن نسعى لكشف جذر الخطأ في السؤال بدلًا من الانشغال بالإجابة على السؤال نفسه والدوران مع المتشكّك في حلْقة مفرغة، فذلك هو الأمر في أغلب أسئلة المتشككين غير الباحثين عن الحق.

بهذا فإننا نسلك الطريق الواقعي نحو التشخيص الصحيح، فنعرف من أين نبدأ، وهذا ما تمليه علينا منهجية القران، فنبدأ الطريق من أوضح الخطوات فيه، ثم نسير في الإقناع لنصل بأسرع وأقصر طريق. وهذه –بالتأكيد- أيسر من سبل الإقناع الأخرى القائمة على التطويل وسرد الشكوك ومحاولة الإجابة عنها بما لا يشفي عليلًا ويروي غليلًا..

درجات وخطوات

تخيل أننا أمام إنسان لا يؤمن بأي شيء من الحقائق الدينية، فكيف سنقنعه؟!

يعلم جميع المسلمين أن العقيدة الإسلامية أساسها (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وهذا يوحي أن الاقتناع بتلك الشهادتين هي نقطة النهاية في الحديث مع المتشكك.

تخيّل الآن، أن نقطة النهاية تلك هي درجةٌ في سلم طويل، وهذا السلم يبدأ بدرجة طويلة وعريضة جدًّا، والثانية أقلّ في كليهما، والثالثة أقل وأقل، وهكذا، بحيث تكون الدرجة الأخيرة هي الأقل والأولى هي الأطول والأعرض. وهكذا، فكلما كان الاقتناع بالأولويات أرسخ، كان الصعود –من البداية- أسلم وأثبت.

ننطلق الآن من الدرجة الأولى (لماذا نكترث بكل هذا من الأساس). لماذا نكترث بأي الأديان هو الصحيح ومنشأ الوجود أصلًا، فنبحث عن الفائدة من كل ذلك؟ أما الثانية فهي البحث عن ماهية الحقيقة، فإذا كنت تبحث عن الحقيقة، فيجب أن تعلم جيدًا طبيعة ما تبحث عنه، في حين أن الدرجة الثالثة هي الحاجة لتفسير وجود الكون، وهي جرجة توصلنا إلى مفترق الطرق. بما إن الكون موجود حقًّا، وبما أنه ليس مجرد وهم في عقولنا، فما تفسير وجوده؟ أهو أزلي؟ أم هو ناشئ صدفة؟ أم هو نتاج الطبيعة نفسها؟ أم لوجوده تفسير آخر؟

تأتي الدرجة الرابعة في ضرورة إثبات وجود الخالق (الله)، والإجابة عن التساؤلات التي يمكن أن تثار بين الناس حول نشأة الكون ووجود الله، ثم تأتي لدرجة إثبات وحدانية الله، وأن ذلك نابعٌ من كماله المطلق، فاحتمال تعدد الآلهة نقص، وبالتالي يفسّر لدينا لمَ كانت وحدانية الله ضرورة، لا بد من الإيمان بها.

وهكذا نتدرج في الدرجات واحدة تلو أخرى، لنفكك مقولات نزعة “الربوبية” ونبين أنها ليست موافقةً لحقيقة العبودية لله.

البداية: لماذا نكترث بكل هذا من الأساس؟

إن فرق اللادينيين كثيرة، فمنهم الربوبي، واللاأدري، والملحد المنكر لأي إله كان، واللا مكترث.. وإنك إن نظرت في الأبحاث حول أعداد متبعي الديانات اليوم لوجدت أن أغلب البشر يعتنقون دينًا ما، والأقلية هم من لا يؤمن بالأديان، وإن كان نسبتهم في تصاعد هذه الأيام.

وإنك إذا تركت الحديث عن الأرقام ونزلت إلى الحياة لوجدت العالم كثيرًا من معتنقي الأديان وهم لا يعرفون أيّ معنىً دقيقًا للدين، بل سترى أن أغلبية أتباع كل دين يؤمنون به لأنهم وجدوا آباءهم عليه، فهم ورثوه كما ورثوا عن أهلهم من لغة وثقافة وتقاليد وعرف مجتمعي.

لعل الحقيقة التي لا جدال فيها، هي أن أغلب البشر يتخذون الدنيا دينًا يعتنقونه، فهم يهيمون في حب الدنيا، يشغلهم المأكل والمشرب والملبس والمسكن والبحث عن بقية الملذات العابرة، ولأن المال هو الذي يجلب كل ذلك، فإن شغلهم الشاغل هو تحصيل المزيد من المال.

إن العالم –في ظاهره- متدينٌ، لكن أغلب الناس لا يكترثون لأي فريق كانوا فيه، فهم انتموا لهذا الدين لا عن قناعة، بل عن توارث، وهذه الدنيا التي يهيم بها الناس مغرية، وعروضها ملهية، ولكن تحت العروض هناك كلمة لا يراها أحد رغم أنها مكتوبة، فقدوا إدراكها بسبب حب الدنيا، وهذه الكلمة هي “تطبق الشروط والأحكام” والعرض سارٍ والمال موجود.

إن جوهر تلك الشروط والأحكام هي أن الموت حق، وبالموت سيزول كل أثر لعظمة الدنيا، وسيذهب المال إلى غيرك. بالموت تفنى أنت وتكون نسيًا منسيًّا. والموت لا ميعاد له وأنت تحت رحمة الأقدار أن يؤجل موعده.

والعاقل لا يهرب من حقيقة الموت، ولا يوهم نفسه أن ذكر الموت ضرب من ضروب الكآبة المقيتة والاضطراب النفسي، العاقل من يملأه الفضول ليبحث في الأديان ويعلم أين يكمن الحق، يبحث العاقل في كل ذلك -ولو فضولًا- من باب معرفة مستقبله، هل هناك حياة بعد الموت، أم إن بعد الموت عدم؟ العاقل يبحث ليجيب.

أقلية من البشر هم الذين تجردوا من معتقدات آبائهم وبحثوا عن الحقيقة بكل حيادية وصدق، دون اتباعٍ للهوى أو خضوع للتوارث والضغوطات المجتمعية والثقافة الغالبة.

هذا الانعتاق عن السائد والبحث عن القضية الوجودية الأولى والبحث عن الدين الصحيح وسط الأديان، هو الاكتراث الذي يمكن أن يفسر لنا هذه النزعة، إنه البحث عن اليقين والطمأنينة.

فلماذا تكترث بكل هذا من الأساس؟

إن اكتراثك هو نداء عقلك لتفهم مستقبلك، أما الحمقى، فهم الذين يركنون إلى الباطل ليشبعوا شهواتهم ويرتعوا في حقول الدنيا دون أي شعور بالذنب.

لماذا تكترث؟ لأن قضية الإيمان بالله الوجودية هي الأحق بالاكتراث، وكل قضايا الإنسانية الأخرى أتفه بكثير، بكل تأكيد، ومن هنا تبدأ الرحلة والحكاية.