المسيحية (النصرانية)

ربى الحسني

 

يقال إن النصرانية صفة لأتباع عيسى بن مريم عليه السلام الذين آمنوا به من بني إسرائيل، لمناصرتهم له وتناصرهم فيما بينهم، حيث ذكرهم القرآن الكريم بقوله: {قال الحواريون نحن أنصار الله} [الصف: 14]، أو هي صفة مقتبسة من بلدة الناصرة في فلسطين التي ولد فيها عيسى. وفي مرحلة لاحقة أُطلق على هذه الديانة اسم المسيحية نسبة إلى المسيح عيسى بن مريم، وقد اختُلف في سبب تسميته بالمسيح، فقيل لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ وشُفي، أو لأنه مسح الأرض بالسياحة والسفر، أو هي كناية عن تعظيمه في العُرف الإسرائيلي الذي يقتضي مسح رأس الملك بالزيت المقدس وتسميته “ماشيَّح” أي الممسوح بالزيت، فيكون عيسى بذلك ممسوحا بالزيت من قبل الرب.

ويعتقد المسيحيون أو النصارى اليوم أن ديانتهم هي التي جاء بها المسيح (يسوع) بصفته أحد أقانيم الإله الثلاثة، بينما يكذبها اليهود، في حين يؤمن المسلمون بأن الأصل الذي جاء به عيسى هو الرسالة الإلهية المكملة لرسالة موسى عليهما السلام، والمُتمِّمة لما جاء في التوراة من تعاليم، وأنها موجهة إلى بني إسرائيل لدعوتهم إلى التهذيب الوجداني والنفسي وإلى أصول العقائد التي جاء بها الأنبياء والرسل جميعاً، لكنها خضعت لسلسة من التغيرات والتطورات التي حرفتها عن مسارها الأصلي وجعلتها ديناً مستقلاً ومختلفاً.

 

تاريخ بني إسرائيل قبل المسيح
فصّلنا في مقال “اليهودية” تاريخ بني إسرائيل الذي بدأ بخروج والدهم الأول يعقوب عليه السلام إلى مصر، وما تلا ذلك من أحداث تاريخية وتبعات عقائدية مروراً بعودتهم مع النبي موسى إلى فلسطين، ثم انقسام إرث داوود وسليمان إلى مملكتين متناحرتين، وظهور سلسلة من الأنبياء والقضاة والمصلحين والمحرّفين.

ولعل أكثر الأحداث تأثيرا في عقيدة بني إسرائيل خلال تاريخهم هو الهجوم الذي شنه الملك البابلي نبوخذ نصّر (بختنصر) على بيت المقدس (أورشليم) عام 586 ق.م، حيث دمرها وأخذ من بقي فيها من اليهود عبيداً إلى بابل، فخلال هذا السبي تبلورت لدى اليهود المفاهيم الاستعلائية والنظرة العنصرية تجاه شعوب الأرض، وبدأ خلالها ظهور الكتب اليهودية المقدسة على النحو المعروف اليوم.

رسم تخيلي لتدمير القدس على يد البابليين

خضعت أرض فلسطين لاحقا لحكم الفرس الذين أنهوا السبي البابلي وسمحوا لليهود بالعودة إليها سنة 538 ق.م، ثم انتهت سيطرتهم عليها سنة 332 ق.م عندما استولى عليها الإسكندر المقدوني، وبعد وفاته حكمها البطالسة ثم السلوقيون حتى سنة 63 ق.م عندما تدخلت روما نتيجة نزاعات داخلية وخارجية فيها فسيطرت عليها وأصبحت ولاية رومانية.

اختلفت حال اليهود السياسية باختلاف الحاكم، ففي بداية حكم السلوقيين حازوا الكثير من الامتيازات والحرية الدينية لممارسة شعائرهم وتحملت السلطة الحاكمة جميع نفقات معابدهم وألغت الضرائب، لكن ذلك لم يدم طويلاً، فعندما تولى أنتيوخس الرابع الحكم اتخذ ضدهم نهجاً قاسياً وألغى الامتيازات وباع الرئاسة الدينية لمن يدفع منهم أكثر، وعمد إلى نشر الثقافة اليونانية وإحلال قوانينها محل التشريعات اليهودية، فقامت ضده “ثورة المكابيين” بقيادةعائلة متاتيا اليهودية، التي حمل أفرادها المطارق أثناء ثورتهم، فكلمة مكابي تعني المطرقة. وقد انتصروا في البداية وفرضوا سيطرتهم واستعادوا المعبد وأعادوا افتتاحه، وسموا ذلك اليوم عيد حَنوكا.

وسرعان ما دخل الإسرائيليون في حروب خارجية مع جيرانهم، وفي نزاعات داخلية مع خصومهم الفريسيين الذين اعتبروا أحد أفراد العائلة غير صالح للحكم لكون أمه غير يهودية، واستمرت القلائل إلى أن تدخلت روما وفرضت سيطرتها، وتركت حكم فلسطين لعائلة المكابيين اسمياً، بينما كان الحكم الفعلي لمن تنصبه نائباً عليهم من طرفها. ومن أشهر هؤلاء النواب: هيرودس الكبير، وابنه هيرودس أنتيباس، وقد قضى الاثنان على ما بقي من أسرة المكابيين. وفي أواخر عهد هيرودس الكبير ولد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.

رسم تخيلي للمسيح وهو يجادل الفريسيين بريشة غوستاف دوريه

تنوعت الفرق اليهودية التي عاصرت مولد المسيح، وأبرزها: السامريون والأسينيون والحسيديم، إلا أن الأثر الأبرز في المجتمع اليهودي كان للفريسيين والصدوقيين، فقد ظهرت طائفة الفريسيين في أواخر عهد المكابيين ووصلت أوج قوتها في زمن المسيح، وعانى منها المسيح ووصفها بأقبح الأوصاف، وكان سبب ظهورها في بداية الأمر هو المحافظة على العقائد اليهودية من التأثير اليوناني الجارف، واشتهر أفرادها بالتمسك بحرفية النصوص والاهتمام بالمظهر الديني على حساب فساد باطنهم الشديد، فاشتهروا بوضع الحيل للتملص من قوانين الشريعة التي كانوا يتظاهرون بالتقيد بها، وكانوا يقدمون أيضاً فتاوى التخلص من قوانينها لمن يرشيهم، كما كانوا على عداء شديد مع الصدوقيين الذين ظهروا أوائل القرن الثاني قبل الميلاد وشكلوا طبقة أرستقراطية واسعة الثراء وشديدة التأثر بالثقافة اليونانية، وكانوا ينكرون البعث والجزاء والملائكة والجن ويرون أن جزاء الإنسان يتمُّ في الدنيا، ويسعون إلى استمالة السلطات الحاكمة مهما كانت ويقيمون معها علاقات ودية، وقد تأثروا بفلسفة أبيقور صاحب مذهب اللذة الذي يقول: إن اللذة هي أسمى أهداف الحياة، لكنهم لم يقصروا اللذة على الجانب الحسي منها بل هي تشمل عندهم الحياة الاجتماعية والعقلية، وأدى ذلك إلى شن الحملات عليهم من الفريسيين، وعندما جاء المسيح كان الصدوقيون طائفة محدودة ولم يهاجمهم المسيح كما هاجم الفريسيين لشدة فسادهم، ومع ذلك اتفقت الفرقتان على كرهه وعداوته والتآمر لقتله.

وسنعرض فيما يلي طائفة من أشكال الفساد والتحايل على الشريعة التي انتشرت بين اليهود -لاسيما الفريسيين منهم- قبيل عصر المسيح وزمن بعثته:

1- كانت الشريعة تحرم على اليهود حمل أي شيء خارج البيت يوم السبت، فكانوا يحتالون على ذلك بوضع أبواب ونوافذ في شوارع المدينة فتصير المدينة بزعمهم بيتاً واحداً، وكان يحرم عليهم السير في ذلك اليوم أكثر من ألف ياردة، فكان اليهودي يمشي إلى شجرة معينة ويصل إليها ثم يبدأ من هذه الشجرة المسير إلى شجرة أخرى وفي كل مرة يقول سأبدأ رحلتي من هذه الشجرة وبذلك قد تصل رحلته إلى آلاف الياردات أو أكثر.

2- كانت الشريعة تفرض على الابن أن يعول والديه في حالة الشيخوخة أو الفقر فكان الابن يتحايل على ذلك بأن يقدم ممتلكاته إلى إدارة المعبد لمدة ما شريطة أن يستردها عند طلبه مقابل جزء من المال يذهب إلى جيوب الكهنة، ويصبح الابن حينئذ فقيراً لا يمكنه إعطاء والديه شيئاً، فإذا أقام الوالدان دعوى أمام القاضي يثبت الابن أنه قدّم أمواله قرباناً للمعبد وتسقط القضية ثم يسترد أمواله من الكهنة.

3- مع أن الزنا محرم في الشريعة اليهودية ضمن الوصايا العشر إلا أن اليهود أحلّوه إذا حدث في الخفاء ولم يعلم به أحد، وبذلك انتشر بينهم انتشاراً كبيراً، فمن السهل ارتكاب هذا الفعل بعيداً عن الأعين.

4- فرض الأحبار على اليهود تقديم القرابين والنذور رجاء الحصول على الغفران، ومنها أمرهم للناس بذبح الحمام يوميا وتقديمه للمعبد، فتحول المعبد إلى سوق لبيع الحمام نفسه كي تذهب الأرباح إلى جيوبهم واللحوم إلى بيوتهم، كما ربط الأحبار والكهنة حصول الناس على الغفران برضاهم ودعائهم لهم.

5- ساءت الأحوال الاقتصادية بشكل كبير بسبب الضرائب الكثيرة التي كان الأحبار يفرضونها على الناس، كما أدى تعاملهم بالرِّبا إلى إرهاق الناس وزيادة معاناتهم وضيقهم.

وهكذا فسدت العقيدة والأخلاق، وفسدت معهما الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حيث غلبت على بني إسرائيل في تلك الفترة النزعة المادية على حساب الروح، وذلك بالرغم من ادعائهم أنهم شعب الله المختار وأحباؤه وأنهم وحدهم يمثلون الصلة بينه وبين الناس، أما غيرهم من البشر فهم دونهم في المنزلة حتى إن اعتنقوا اليهودية. ولذلك ركزت دعوة المسيح على محاربة المادية والعنصرية عند اليهود، ولقي في سبيل ذلك العنت والمشقة إلى درجة التحريض على قتله والشروع بذلك.

 

أصل المسيح ومولده
كان عمران جد المسيح أحد عظماء بني إسرائيل، وكانت زوجته عاقراً لا تلد فنذرت لله تعالى إن حملت لتجعلن ولدها محرراً، أي خالصاً لخدمة بيت الله والقيام بشؤونه، وكان نذرها على فرض الذكورة، فلما وضعتها أنثى جددت العزم على الوفاء بنذرها ولو كانت أنثى، وأودعتها مسجد الأنبياء في القدس (المسجد الأقصى) وسمتها مريم أي خادمة الرب، وكان أبوها عمران قد توفي وهي في بطن أمها فكفلها زكريا عليه السلام نبي ذلك الزمان، وكان زوج خالتها وقيل زوج أختها. فنشأت تحت رعايته مطهَّرة بعيدة عن المعاصي والآثام، وكان الله يدرُّ عليها الرزق من غير جهد ولا عنت، حتى أثار ذلك تعجب كافلها، وقد ذكر القرآن الكريم هذا الأمر بقوله: {كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا، قال يا مريم أنى لك هذا؟ قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} [آل عمران: 37].

وعندما علم زكريا بحالها رغب في الولد الصالح بالرغم من تقدم سنّه وكون امرأته عاقراً أيضاً، فاستجاب الله دعاءه ووهبه يحيى عليه السلام.

وكان لنشأة مريم الصالحة حكمة بالغة، فاصطفاها الله وجعلها أماً لمن يولد من غير نطفةٍ آدمية، ليكون آية على قدرة الله وتعاليه عن الالتزام بالأسباب، فهو خالقها والقادر على خرقها متى يشاء. وقد خصص القرآن الكريم سورة باسمها (سورة مريم) وسورة باسم عائلتها (سورة آل عمران) كرامةً لهم ورفعاً لشأنهم، وذبَّ فيهما عما يمكن أن يتقوَّله البشر عليها في شأن حملها بعيسى عليه السلام من غير زواج.

وقد فوجئت السيدة مريم بأمر الحمل عندما جاءها جبريل عليه السلام في معتكفها بعيدة عن أهلها بهيئة البشر، وبشرها بمولودها ونفخ فيها من روح الله فشعرت بالحمل، ولم يرد نص صحيح يبين مدة الحمل لكن كثيرا من علماء المسلمين رجحوا أنها المدة الشائعة بين الناس (تسعة أشهر). ولما ولدته خرجت به على قومها ففوجئوا به، حتى اتهمها البعض بالزنا، لكن الله جعل دليل براءتها من دليل الاتهام نفسه، فأنطق الغلام في المهد معلناً براءة أمه وأنه عبد لله ولد من غير أب.

رسم تخيلي لولادة المسيح بريشة جيرارد فان هونتورست عام 1622

سمي الغلام عيسى، وهو معرب من الاسم العبري يشوع المركب من كلمتين “يهوه شوع” أي “الله يخلص” أو اختصارا “المخلص”، وأما صفة المسيح (بالعبرية ماشيَّح أو مسيّا) فتطلق في العهد القديم على كل من الكاهن والملك والنبي لأنهم كانوا يُمسحون بالزيت المخلوط بالعطر كدلالة على تكريسهم لخدمة الرب وشعبه.

وقصة ولادته في الأناجيل المتداولة اليوم تأتي مختصرة، فمريم ولدت الغلام بعد أن زارها ملاك الرب ونفخ فيها، وكانت آنذاك مخطوبة ليوسف النجار، ثم تزوجها دون أن يمسها إلى أن تلد، ولذلك لم يتهمها أحد بالزنا لأنها متزوجة ظاهرياً، ولم تدوّن الأناجيل معجزة كلام عيسى في المهد.

ولم يذكر في المصادر الإسلامية شيء يتعلق بنشأة عيسى عليه السلام وما يتعلق بإرهاصات نبوته، وأغلب الظن أنه قد ظهر منه ما يدل على روحانيته وسط قومٍ سيطرت عليهم النزعة المادية، وتربى على ما كان يتربى عليه أمثاله الذين ينشؤون على التقى والمعرفة في بني إسرائيل، لا سيما وأنه من أسرة جمعت بين الصلاح والنبوة.

وقد ركزت الآيات القرآنية على الحكمة في ولادته المعجزة من غير أب، فجاء فيها: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} [مريم: 21]، حيث دلت هذه الآية على أمرين مهمين، الأول أن ولادته من غير أب تعلن عدم تقيد قدرة الله بقانون الأسباب والمسببات، وذلك في وسط قوم غلبت عليهم النزعة المادية. والثاني: أن ولادته إعلاء لعالم الروح بين قوم أنكروها، حيث جعل كتبة التوراة الإنسان جسماً عضوياً لا روح فيه، وفسروا النفس بأنها الدم عندما قالوا “لا تأكلوا دم جسمٍ ما لأن نفس كل جسد هي دمه”.

حاول مفكرون ومؤرخون علمانيون في القرن الثامن عشر الخروج بأدلة تنفي وجود المسيح وتعتبره مجرد أسطورة، وذلك في ذروة الثورة الثقافية ضد الكنيسة في أوروبا [انظر مقال العلمانية]، وربما كانت أولى هذه المحاولات قد ظهرت على يد فليني عام 1791 في كتابه “خرائب الإمبراطورية”، ثم سار على نهجه عشرات المفكرين ولا سيما في هولندا وألمانيا. وخلال الحكم الشيوعي لروسيا وشرق أوروبا كانت المدارس تزرع في عقول الأطفال فكرة أسطورية المسيح، استنادًا إلى اعتقاد كارل ماركس بأن المسيح لم يكن سوى تجسيد لحلم البشر بتقديس أنفسهم في هيئة إنسان يُعبد. لكن هذه الأفكار لم تصمد أمام عشرات المكتشفات الأثرية والمخطوطات التي تعود إلى عصر المسيحيين الأوائل، ولا يكاد يشكك في وجود المسيح أحد من الباحثين الجادين اليوم.

لوحة تخيلية لتعميد المسيح على يد يوحنا (النبي يحيى) بريشة أندريا مانتغنا

دعوة المسيح وموقف اليهود منها
يرجح المؤرخون أن بعثة عيسى عليه السلام بدأت في سن الثلاثين، وهو السن المذكور في الأناجيل، وتقول المصادر المسيحية إن البداية كانت بالتعميد على يد يوحنا المعمدان (النبي يحيى بن زكريا لدى المسلمين)، حيث خرج يسوع من الجليل إلى يوحنا عند نهر الأردن، فعمّده بالغطس في ماء النهر، وعندئذ حلّ عليه الروح القدس على هيئة طائر الحمام، وسمع صوت من السماء يعلن “هذا ابني الحبيب الذي به سُررت تأييدًا لرسالته”.

يتطلب التعميد الغطس في المياه الجارية بعد التوبة، وهو يرمز لولادة ثانية يكون فيها الإنسان أقرب إلى الله، وقد كانت هذه العادة منتشرة في بعض المجتمعات اليهودية مثل الأسينيين.

ووفقا للمصادر المسيحية، انتقل يسوع بعد تعميده إلى البريّة للاعتكاف والصوم أربعين يومًا وليلة كما فعل موسى، وفي ختام تلك الأيام جاءه إبليس ليختبره ثلاث مرات ويثنيه عن دعوته، لكن المسيح كان يبكّته ويرد عليه بثلاث آيات من سفر التثنية. وبذلك انتصر الإنسان (المتمثل بالمسيح) على الشيطان بعد أن انتصر الشيطان على الإنسان المتمثل بآدم وحواء، وانطلق بذلك المسيح ليعلن الدعوة ويجمع الأتباع من حوله.

وأنزل الله على عيسى كتاباً اسمه الإنجيل مصدقاً للتوراة التي جاء بها موسى، فدعا إلى إصلاح العقيدة التي انحرفت وهجر الملاذ الدنيوية التي استغرقت نفوسهم في ذلك الزمان، وبشَّر بعالم الآخرة والثواب والعقاب التي أنكرها فريق منهم.

وأيده الله بمعجزات عدة، وقد ذكرت الأناجيل المعتمدة اليوم الكثير منها دون أن تحصيها لكثرتها، ومنها إحياء الموتى وشفاء المرضى والمشي على الماء والتنبؤ بالأحداث المستقبلية وتكثير الطعام القليل بحيث يكفي الألوف من الناس (إنجيل متّى)، ويرى الأساقفة أن المسيح فعل ذلك بقدرته من حيث كونه إلهاً، أما غيره من الأنبياء والرسل فيفعلونها بقدرة الله لا بقدرتهم.

وفي القرآن الكريم جاء ذكر تلك المعجزات مع معجزات أخرى، وهي تصويره من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله، وإحياؤه الموتى بإذن الله، وإبراؤه الأكمه (الذي ولد فاقداً للبصر) والأبرص، وإنباؤه بأمور غائبة عن حسِّه لم يعاينها، كما أنزل الله عليه مائدة من السماء بطلب من الحواريين (تلاميذه المقربين) لتطمئن قلوبهم. وذلك فضلا عن معجزة مولده وتكلمه في المهد، بينما لم يرد في الأناجيل المعتمدة معجزة الكلام في المهد ولا المائدة ولا خلق الطير من الطين ولا إنباء التلاميذ.

ويرى باحثون أن إتيانه بهذا النوع من المعجزات ينطوي على حكمة مفادها أنه أرسل في زمن الفلاسفة الطبيعيين وشيوع المادية، حيث ذكر الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي رينان أن اليهود آنذاك لم يكونوا على علم بالطب الطبيعي، فالتعليل الأنسب لكون معجزات المسيح على هذا النحو هو مناسبتها لأهل زمانه، لا لكونهم أطباء بل لنزعتهم الطبيعية المادية.

مقام النبي يحيى في الجامع الأموي بدمشق (James Gordon)

وقبيل بدء المسيح بدعوته تجرأ اليهود على قتل النبي يحيى الذي تصدى لفسادهم دون خوف من سطوة الحاكم، فنُقل إليه أن الملك هيرودس وقع في حب هيروديا ابنة أخيه وأنه ينوي الزواج بها وهي متزوجة، وفي رواية أنه تزوجها فعلاً وزوجها حي، فأعلن يحيى أن هذا مخالف للتوراة وأنه زواج باطل، وعندما وجدوا أنه سيكون عقبةً في سبيل هذا الزواج تآمرت أم الفتاة مع ابنتها على إغواء الملك حتى يسهل عليها أن تطلب منه رأس يحيى، فما كان منه إلا أن حقق لها ما أرادت وأحضر رأس النبي يحيى عليه السلام أمامها، ويقال إنهم قتلوا النبي زكريا أيضاً، فندد بهم المسيح وبجرأتهم على أنبياء الله وتماديهم في غيهم وبدأ دعوته.

تلقى اليهود دعوة المسيح بالرفض الشديد وكانوا أول المحاربين له ولم يؤمن به إلا القليل منهم، وهم الفقراء والمستضعفون، خاصة وأن أحبار اليهود كانوا قد جعلوا من المسيح الذي بشّر به موسى مسيحاً سياسياً يبسط سلطان بني إسرائيل على العالم أجمع، إلا أن دعوة عيسى لم تكن تتعرض للسياسة بل كانت إصلاحاً دينياً وخُلقياً، ومواجهةً لقلوب قاسية شاردة، فضلا عن مساواته بينهم وبين الناس جميعاً، فحاولوا منع الناس عن قبول دعوته واتهموه ووالدته مريم بأقذع الصفات، فلما أعيتهم الحيلة حرضوا الرومان عليه، لكن الرومان لم يلتفتوا بدايةً لتحريضهم لعدم اكتراثهم للخلافات الدينية بين اليهود، فزعم أعداؤه من اليهود أنه يحرض على الحاكم الروماني لحمله على إصدار الأمر بالقبض عليه والحكم بإعدامه صلباً.

ويوضح القرآن الكريم أن الله لم يمكّنهم من القبض عليه وقتله، بل رفعه إلى السماء وألقى شبهه على غيره فصلبوا ذلك الشبيه ظناً منهم أنه المسيح، دون أن يحدد القرآن شخصية الشبيه، فتقول الآية: { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ، وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ، مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ، وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 157-158].

بينما يعتقد المسيحيون أن المسيح صُلب وأن الواشي به هو يهوذا الأسخريوطي أحد تلاميذه (الحواريين) الاثني عشر، وأنه دُفن بعد صلبه في قبر وبعد ثلاثة أيام قام في يوم الفصح ومكث أربعين يوماً ثم ارتفع بعدها إلى السماء أمام تلاميذه الذين عيّنهم لنشر ديانته، وقال لهم: “اذهبوا إلى العالم واكرِزوا بالإنجيل للخليقة كلها” [إنجيل مرقس 16: 15]، وعمّدهم باسم الآب والابن والروح القدس، وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً.

 

المسيحية بعد المسيح
عندما رحل المسيح اجتمع التلاميذ الأحد عشر (بعد مفارقتهم ليهوذا الذي وشى بالمسيح والذي تختلف الروايات بين كونه هو من وقع عليه شبهه وبين من يقول إنه انتحر)، وأكملوا العمل على نشر الدعوة، وكان معهم تلاميذهم السبعون الذين اختاروهم، وكانوا يعيشون حياة بسيطة ملؤها الحب والتآخي والتعبد.

سميت هذه المجموعة بكنيسة القدس (أورشليم)، والكنيسة يقصد بها التجمع أو جماعة المدعوين، فلم تكن مبنى للعبادة كما يفهم من المصطلح اليوم بل هي تعبير مجازي عن اجتماع مجموعة من المؤمنين برئاسة يعقوب وبطرس حواريَي المسيح عليه السلام. وقد آمن بدعوتهم آلاف الناس وظهروا على أعدائهم من اليهود وغيرهم.

رسم تخيلي لبولس

وسرعان ما ظهرت شخصية كان لها الأثر الأبرز في ما وصلت إليه العقيدة المسيحية من بعده إلى يومنا هذا، وهي شخصية “بولس الرسول”، فقد اعتُمدت مقولاته في تصوير العقيدة على النحو الذي تشكلت به في المجامع المسكونية فيما بعد، ومن أجل ذلك يمتدحه المسيحيون الذين يعدونه رسولاً، وينتقده القادحون فيرونه المسؤول الأول عن تبديل دين عيسى عليه السلام وتحريفه وحشوه بالوثنية الخرافية.

والمصادر التي تُستقى منها معلومات عن بولس هي “سفر أعمال الرسل” الذي كتبه لوقا تلميذ بولس، ورسائل بولس نفسه ضمن العهد الجديد، وما كتبه الأبيونيون (الفقراء إلى الله)، وهم يهود متنصرون، وأيضاً ما كتبه بعض المؤرخين الذين جاؤوا في القرن الثاني الميلادي.

وُلد بولس في مدينة طَرَسوس جنوب تركيا، في عائلة يهودية وكان اسمه قبل أن يعتنق المسيحية شاؤول. وتاريخ ولادته غير متفق عليه وهو يتفاوت بين السنة الميلادية الخامسة والسنة الخامسة عشرة، غير أنه من المؤكد أنه وُلد بعد ولادة المسيح بوقت قصير، ولم يره على الإطلاق.

أمضى شاؤول طفولته وبداية شبابه في طَرَسوس التي انتشرت فيها المعابد والمدارس اليونانية وظهر فيها أتباع المدرسة الرواقية، كما أنها كانت تموج بالثقافات والأديان المختلفة، وكانت عبادة الآلهة أتيس وأدونيس وميثرا منتشرة فيها، والمشترك بينها أن أتباعها كانوا يعتقدون أن هذه الآلهة تموت في موعد معين من السنة ثم تبعث في موسم آخر، وهي تشبه البشر في سلوكها، فلا بد للإله أن يتعذب أولاً قبل أن يموت كما يموت الإنسان لكنه يتغلب على الموت ويُبعث من جديد ليظهر مجده وقوته، ويصوّر أتباعه قصة موته ويأكلون لحم الضحية التي تقدم ويشربون معها الخمر، فيتحول بذلك إلى لحم الإله ودمه ليتحدوا به ويطهرهم من الخطيئة، وستظهر أهمية هذه العبادة عند دراسة العقيدة المسيحية التي وضعها بولس واستفاد منها في فهمه لقصة المسيح.

تعلم بولس (شاؤول) العبرية واليونانية، وادعى أنه ذهب إلى أورشليم لدراسة اليهودية على يد أهم أحبار الفريسيين جمالئيل. لكن المتابع لسيرته يلحظ فيها تناقضات كثيرة، فقد زعم أنه فريسي وابن فريسي وفي الوقت نفسه كان أثيراً لدى الكاهن الأكبر الصدوقي وعمل في خدمته في ملاحقة المسيحيين وتعذيبهم، مع أن الصدوقيين والفريسيين كانوا على عداء شديد ومن المستبعد أن يجتمعا. ولعل أهم ما يميز شخصيته هو المراوغة والتلون حسب الحاجة، فيقول عن نفسه بعد البدء بدعوته: “فصرت لليهودي كيهودي لأربح اليهود وللذين تحت الناموس (يقصد الفريسيين)، وللذين بلا ناموس (أي الصدوقيين والسامريين) كأنني بلا ناموس.. وصرت للكل كل شيء لأخلّص على كل حال قوماً” [الرسالة الأولى 9/20- 22]، فمفتاح شخصيته يتجلى في قوله: “صرت للكل كلَّ شيء”، حيث كان على سبيل المثال يستخدم تبعيته للسلطة الرومانية في مواجهة اليهود للتخلص من العقوبات والسجن وليكسب الهلنستيين والرومان إلى صالح عقيدته الجديدة.

لوحة تخيلية من القرن التاسع عشر لما حدث مع بولس على طريق دمشق بريشة دومينيكو روميلي

ويذكر سفر أعمال الرسل قصة تحوله إلى المسيحية حوالي سنة 37م بتفاصيل متناقضة، وخلاصة ذلك أنه انطلق من أورشليم إلى دمشق من أجل اضطهاد المسيحيين وسوقهم إلى التعذيب، وفي الطريق “أبرق حوله ثقبة نور من السماء فسقط على الأرض وسمع صوتاً يقول له: شاؤول شاؤول لمَ تضطهدني؟ فقال من أنت يا رب؟ قال: أنا يسوع الذي أنت تضطهده.. الآن قُم وادخل المدينة وهناك يقال لك ماذا ينبغي أن تصنع” [أعمال 9/3- 7].

وتتفاوت تفسيرات الباحثين الغربيين لتحول بولس المفاجئ إلى المسيحية بعد أن كان من ألد أعدائها، حيث يسجل الباحث هيم ماكبي في كتابه “بولس وتحريف المسيحية” ثلاثة مواقف، إذ يرى المؤمنون بالمسيحية أنها معجزة إلهية، بينما يرى آخرون أن بولس كان يعاني من أمراض نفسية وعضوية أدت به إلى هذا التحول المفاجئ، ويرجح البعض أن بولس عجز عن محاربة المسيحية من خارجها بالعنف والاضطهاد فلجأ إلى محاربتها من الداخل واخترع هذه القصة لكي ينتسب إلى المسيحية من غير أن يثير الشكوك حوله.

ورغم أن بولس لم ير المسيح في حياته إلا أن المسيحيين عدوه في مصافِّ الرسل الإثني عشر، ويصر هو على رتبته الرسولية مؤكداً أنه لم يتلقاها من تلاميذ المسيح بل عن طريق المسيح نفسه، ما يجعله رسولا ملهما وكل ما يصدر عنه من أقوال هو إلهام ووحي. ولم يقدم بولس أي دليل على ادعائه هذا، كما تتضح في رسائله العديد من التناقضات وملامح التطور الفكري عبر مراحل دعوته (كما سيأتي لاحقاً)، ما دفع الكثير من الباحثين الغربيين إلى التشكيك في صدقه، ومنهم البروفيسور جون هيك في كتابه “أسطورة تجسد الإله في السيد المسيح”، وشارل جينيبر في كتابه “المسيحية نشأتها وتطورها”، وموريس بوكاي في كتابه “دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة”، وهيم ماكبي المذكور أعلاه.

أما أهم الأفكار العقدية التي أدخلها بولس في المسيحية فنوجزها فيما يلي:

1- تعميم الدعوة المسيحية وإخراجها من إطارها الذي يخص بني إسرائيل في عصر المسيح إلى العالمية، بدءاً من الإمبراطورية الرومانية، وهذا يناقض تعاليم المسيح الواردة في الإنجيل التي تفيد حصر رسالته في بني إسرائيل [متّى 10/ 5- 6].

2- إلغاء الشريعة الموسوية: فلكي يسهل على بولس التبشير بالمسيحية بين الوثنيين ألغى الكثير من تعاليم المسيح الذي يقول “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس (الشريعة) والأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل” [متى 5/17]. إلا أن بولس ألغى بعض تشريعات موسى عليه السلام كالختان مع أن الإنجيل يروي أن المسيح نفسه خُتن في اليوم الثامن من ولادته، وأحلَّ لحم الخنزير، كما ألغى تقديس السبت وجعل عوضاً عنه الأحد وهو يوم الشمس عند الوثنيين، واعتبر أن الخلاص يتم عن طريق الإيمان لا الأعمال، وظل موقفه من الشريعة من أكثر المواضيع التي توقع المؤمنين برسوليته في حرج.

3- عقيدة الخطيئة الموروثة وتجسد الابن وصلبه فداءً للبشرية: وهي أفكار تتشابه كثيرا مع العقائد الدينية الوثنية السائدة آنذاك، حيث أسس بولس لاهوتاً خاصاً قائماً على فكرة أن كل إنسان يرث خطيئة آدم الأصلية (عندما أكل من الشجرة) ولا شيء ينجيه من العذاب الأبدي إلا موت ابن الإله ليكفّر بموته عن خطيئته. وهو أول من فسر عملية الصلب على أنها للفداء وتكفير الخطايا مع أنها لم تكن واردة عند كتبة الأناجيل الأربعة المعتمدة، ونسب إلى المسيح ألقاباً جديدة من بينها: ابن الله وصورة الله والمخلص والفادي. كما أطلق عليه لقب “الله” مرتين [رومية 9/5، أعمال 20/28]. وكل ما كان يُستخدم من ألقاب للمسيح بالمعنى المجازي أطلقها بولس بالمعنى الحقيقي، كلقب الرب الذي أطلقه أتباع المسيح عليه بمعنى السيد والمعلم فأصبح له معنىً حقيقياً عند بولس.

4- التثليث وألوهية الروح القدس: بالرغم من اعتراف المسيحيين بأن بولس لم يعط تعليماً واضحاً عن التثليث إلا أنه تعرض لذكر الآب وذكر الابن تارة على أنه إله وتارة في منزلة دون ذلك، أما الروح القدس فلم يوضح ما يتعلق به سوى أنه روح، أي أنه تيار قوي غير طبيعي يؤثر في الناس، ولم يذكر ألوهيته وانبثاقه من الآب، لكن عقيدة التثليث وتفاصيلها نضجت لاحقاً كما سيأتي.

5- الأسرار الكنسية: جعل بولس من التقاليد الشائعة لدى الحواريين كالتعميد وتناول الخبز الجماعي شعائر مقدسة، مقتبسا تفاصيلها من بيئته الوثنية المليئة بأساطير الشفاعة والخلاص، حتى وصف المؤرخ ول ديورانت ما آلت إليه المسيحية على يد بولس بالقول “إن المسيحية لم تقض على الوثنية بل تبنتها، ذلك أن العقل اليوناني المحتضر عاد إلى الحياة في صورة جديدة في لاهوت الكنيسة وطقوسها” [قصة الحضارة: مجلد 11 باب 27 ف 2].

وقد أكد بولس على استقلاله التام عن تلاميذ المسيح مع أنه عدّ نفسه رسولاً مكملاً لهم، وبدأ التبشير بدعوته دون أن يلتقي بأحد منهم لمدة ثلاث سنوات، ليسافر بعدها إلى أورشليم ويلتقي أفراداً منهم في تفاصيل يرويها في رسائله التي تتعارض مع ما ورد في سفر أعمال الرسل. ويلحظ الباحث تناقضات أيضاً في تفاصيل علاقته بهم وموافقتهم له، فبعض الروايات تشير إلى إقرارهم له، والبعض يؤكد على وقوع الخلاف بينه وبينهم ومفارقتهم له، حتى إن بولس كان يستخف بهم في رسائله [غلاطية 2/2- 14].

ويرى العالم الفرنسي موريس بوكاي أن التلاميذ اعتبروا بولس خائناً لفكر المسيح، حيث كوّن المسيحية على حساب هؤلاء الذين جمعهم المسيح لنشر تعاليمه [دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، ص 101]، وبذلك أصبحت هناك مسيحيتان: المسيحية اليهودية وهي ما عليه تلاميذ المسيح، والمسيحية البولسية التي انتصرت في النهاية بسبب تبني الإمبراطورية الرومانية لها.

كان المسيحيون الأوائل يتعرضون للاضطهاد من قبل الرومان مما دفعهم لنحت كنائسهم في الكهوف كما يظهر في الصورة الملتقطة في كابادوكيا وسط تركيا

 

المسيحية والإمبراطور قسطنطين
اتفقت معظم المصادر الإسلامية والمسيحية على أن المسيحيين نزل بهم بعد رفع أو صلب المسيح بلايا وكوارث جعلتهم يستخْفون بدينهم ويُقتل منهم الكثيرون، وكان أشد الناس إلحاقاً للأذى بهم اليهود ثم القياصرة الرومان الذين نكلوا بهم في المدة ما بين سنتي 64م و313م تنكيلاً شديداً، ووسط هذه الاضطهادات دونت أناجيلهم الأربعة المعتمدة ودونت رسائلهم.

كانت حدة الاضطهادات تتفاوت حسب أحوال الأباطرة الرومان الذين يتناوبون على الحكم، وأولى مراحل الاضطهاد كانت في عهد نيرون (54- 68م) الذي أمر بألا يسمح لأحد بالانتساب إلى المسيحية، فاستشهد في عهده الكثيرون بمن فيهم بعض الحواريين، واحتمل المسيحيون ألواناً من العذاب كالصلب وتهييج الكلاب عليهم لتنهشهم حتى الموت، وصُبَّت على بعضهم المواد الملتهبة ثم أشعلت أجسادهم في الليالي بدلاً من المشاعل لإنارة حدائق نيرون. وتتابعت الاضطهادات وأدت إلى ارتداد الكثير منهم عن دينهم واعتناق العقائد الوثنية.

قسطنطين ووالدته هيلانة تحولا إلى قديسين في نظر المسيحيين (Brosen)

وفي القرن الرابع الميلادي تغيرت الأحوال باعتلاء الإمبراطور قسطنطين الكبير العرش، فسمح لهم بحرية المعتقد سنة 313م ليكسب ودهم في معركته السياسية ضد منافسيه على العرش. وكان قسطنطين وثنياً يعبد الشمس حتى سمّى مملكته إمبراطورية الشمس، وعندما احتاج لدعم النصارى في حروبه أعلن أنه رأى في المنام صليباً كبيراً من نور فتحقق له النصر بذلك، وبالفعل اتخذ الصليب شعاراً له، فاندفع النصارى للمقاتلة في صفه وتصفية أعدائه ومناوئيه.

لذا يرى الكثير من المؤرخين أن إيمانه كان سياسيا، فبينما كان يحمل الصليب ويبني الكنائس في بعض المواضع كان يبني أوثانا في مواضعٍ أخرى. وفي المقابل رفع كهنة الكنائس من مقام قسطنطين وزعموا أنه المسيح المنتظر والمخلص في آخر الزمان، بل زعم أسقف روما أيسوبيوس أن الخالق قد تجسد في الإمبراطور، وقد ردَّ قسطنطين له الجميل بمنحه سلطات واسعة وأقطعه أراضٍ شاسعة، فنشأ بذلك النظام البابوي الذي منح للبابا نفوذاً على كل المسيحيين في أرجاء الدولة.

وإرضاءً للإمبراطور، اتخذت الكنيسة من يوم ولادة الشمس أو ما يعرف بالانقلاب الشمسي الذي يوافق (25 كانون الأول/ديسمبر) عيداً للاحتفال بمولد المسيح رغم أنه لم يولد في ذلك اليوم. واستمر الإمبراطور في حضور احتفالات عيد الشمس حتى وفاته مع أنه أشاع اعتناقه للمسيحية، ولم يتعمَّد إلا عند احتضاره سنة 337م، أي بعد 12 عاماً على مجمع نيقية 325م الذي قرر العقيدة النصرانية لكل الأجيال القادمة.

 

المجامع الكنسية
كل ما نراه اليوم من عقائد التثليث وألوهية المسيح لم يكن ظاهراً في عصر المسيحية الأول، فبعد أن وضع بولس بذور هذه العقائد أخذت تنمو تدريجيا حتى حُدّدت برعاية قسطنطين من خلال المجامع المسكونية التي بدأ عقدها في القرن الرابع، وثبت ذلك برسائل واعترافات إيمانية صدرت عن بعض الأساقفة إفرادياً.

والمجمع في الاصطلاح الكنسي هو مجلس يعقده الرسل (تلاميذ المسيح) أو خلفاؤهم الأساقفة للمداولة في قضايا دينية وتقريرها، وتعتبر قراراته أحكاماً صادرةً من الله وملهَمة عبر الروح القدس، فلا يحق للمؤمنين رفضها لأنها معصومة، ومن يخالفها يُحرم من الإيمان ويفصل من الكنيسة.

والمجامع نوعان: الأول مجامع عامة (مسكونية): أي تشمل كل الأرض المسكونة وتجمع رؤساء الكنائس من جميع أنحاء المعمورة، ولم يحدث أن تمكنت من جمعهم بأكملهم فعلياً، والثاني مجامع محلية (إقليمية): وهي تخصُّ إقليماً أو طائفة بعينها.

وفيما يلي إيجاز لأهم تلك المجامع:

لوحة تخيلية لمجمع نيقية تعود إلى القرن السادس عشر

1- مجمع نيقية (325م): هو أهمها وأكثرها تأثيراً في تطور العقيدة النصرانية، فبعد ارتفاع الاضطهاد عن المسيحيين بدأت الخلافات الحادة بينهم تظهر على السطح، حيث كان الاضطهاد يمنع ظهورها، ومن أهمها ذلك الخلاف بين دعوة كنيسة الإسكندرية التي رفعت مقام يسوع إلى “ابن الله القديم” وتبنت عقيدة التثليث تأثراً بعقائد المصريين القدماء وفلسفة أفلوطين الإسكندراني، وبين دعوة الموحدين من أتباع الأسقف الليبي- الإسكندري آريوس القائل بأن يسوع بشر مخلوق اصطفاه الله وليس له من الألوهية شيء، كما ظهرت أقوال متدرجة في النظرة إلى المسيح بين هذين القولين، وانتشرت أفكار آريوس ولم تفلح محاولات إقصائها رغم الحكم عليه بالطرد والحرمان من الكنيسة، فخشي قسطنطين على مملكته من الانقسام ودعا إلى عقد مؤتمر يجمع الأساقفة ليخرجوا برأي واحد يسد باب الخلاف، وعُقد بذلك مجمع نيقية في مدينة إغريقية تحمل نفس الاسم، وانحاز الإمبراطور إلى رأي كنيسة الإسكندرية وناصر عقيدة ألوهية الأب والابن لأنها الأقرب إلى نفسه وإلى الأمم الوثنية التي كان يحكمها، ومع أنه رأي الأقلية من الأساقفة إلا أنه اعتُمد بدعم الإمبراطور الذي لجأ إلى سياسة الترهيب والترغيب، وحُكم على آريوس بالهرطقة والنفي وإحراق كتبه، لكن أفكاره استمرت وانتشرت في مدن كبرى كالقسطنطينية وأنطاكية والإسكندرية. أما فكرة ألوهية الروح القدس فلم يتعرض هذا المجمع لها، فكان لا بد من عقد مجمع آخر لإقرارها.

2- مجمع القسطنطينية (381م): عقد هذا المؤتمر لحل الخلاف بين أسقف القسطنطينية وأتباعه القائلين بأن الروح القدس مخلوق وليس إلهاً وبين أسقف الإسكندرية القائل بألوهيته، فحسم الخلاف بدعم من الإمبراطور ثيودسيوس لصالح القائلين بألوهيته، واكتمل بذلك القانون النيقاوي، وطُرد المخالفون ولُعنوا.

ولم يُنهِ هذا المجمع الخلافات بل أدى إلى ظهور خلافات جديدة، فقال أسقف القسطنطينية نسطور إن للرب يسوع أقنوماً وطبيعة فأقنوم الألوهية من الآب، أما الطبيعة فهي الإنسان الذي ولدته مريم، لذا فمريم أم الإنسان وليست أم الإله، وبهذا يكون المسيح مباركاً بما وهبه الله وليس إلهاً، بل هو “ابن الله” بالمعنى الرمزي لا الحقيقي، وقد استدعى ظهور هذا الرأي عقد مجمع آخر.

3- مجمع أفسس (431م): عقد هذا المجمع بطلب من بطاركة الإسكندرية وأنطاكية وروما ولم يحضر نسطور وأنصاره، فأصدر المجتمعون قرارهم بلعنه وطرده، وقرروا أن مريم هي “والدة الرب”، وأن المسيح إله حق وإنسان ذو طبيعتين متوحد في الأقنوم.

رسم تخيلي لمجمع خلقيدونية

4- مجمع خلقيدونية (451م): عقد هذا المجمع ليقرر أن للمسيح طبيعتان لا طبيعة واحدة رداً على مجمع أفسس الثاني، وأدى ذلك إلى انفصال مصر والكنائس الأرثوذكسية الشرقية لأنهم يقولون بالطبيعة الواحدة بينما يقول الغربيون بالطبيعتين.

وخلاصة القول إن كل مجمع أدى إلى انشقاق جديد بدلا من الاتفاق والتوحد، فتتالت المجامع والانشقاقات حتى أصبح من الصعب حصرها، وكل المجامع التي عقدت بعد خلقيدونية لم تحضرها الكنائس الشرقية الأرثوذكسية ولا المصرية، فلا يمكن اعتبارها مجامع مسكونية عامة.

ويجدر بالذكر أن مجمع القسطنطينية الرابع (754م) قد عُقد لتحريم الصور والتماثيل نتيجة تأثر النصارى بالإسلام في هذا الأمر، حيث قرر المجتمعون تحريم اتخاذ الصور والتماثيل وحرموا طلب الشفاعة من مريم، ونتيجة غياب الكثير من الأساقفة لم يعد هذا المجمع مسكونياً.

وقد أثارت قرارات هذا المجمع امتعاض كثير من الكنائس فدعوا لعقد مجمع نيقية الثاني (787م)، وقرروا فيه إباحة الصور والتماثيل، على اعتبار أن النظر إلى صور الرب وأمه والرسل وسائر القديسين أدعى إلى التأثر الشديد وإدامة التفكير بهم، وأدى ذلك إلى إحياء الفن المسيحي ودفع هذه الديانة إلى تبني المزيد من الصور الوثنية في عقائدها وشعائرها وتنظيمها.

كان يوحنا الدمشقي (توفي عام ٧٤٩م) من أشد المناصرين لاستخدام الأيقونات، ويُنقل عنه أنه قال لخصومه الرافضين للأيقونات: “إنكم لن تجدوا التثليث أو وحدة جوهر الأب والابن.. لن تجدوا أياً من ذلك في الكتب المقدسة، ولكننا نعلم أن هذه المعتقدات صحيحة… وهي كلها بدع مستحدثة جاء بها الآباء، وإذا ضاعت هذه التقاليد يصبح الإنجيل كله مهدداً”.

 

أسس العقيدة في المسيحية
استعرضنا فيما سبق التطور التاريخي لظهور أهم الأفكار العقائدية المسيحية، وفيما يلي نناقش الأسس الأربعة الأساسية لهذه العقائد، والتي بدأ ظهورها على يد بولس، واكتملت في عهد الإمبراطور قسطنطين:

لوحة من القرن السابع عشر للثالوث المسيحي، يظهر فيها الأب على هيئة شيخ كبير، والابن في صورة شاب، والروح القدس بينهما في صورة طير، وتحفهم الملائكة على هيئة أطفال، وهي صور مقتبسة من الميثولوجيات الوثنية

أولاً: التوحيد مع الإيمان بثلاثة أقانيم
محور هذه العقيدة أن الله واحد في ثلاثة، فهو واحد من جهة الجوهر أي الألوهية، ثلاثة من جهة الأقانيم وهي: الآب والابن والروح القدس. فالمسيحيون يحرصون على التأكيد على أنها عقيدة توحيدية نافين عن أنفسهم تهمة الشرك، اعتقادا بأن التثليث مختلف عن عقيدة تعدد الآلهة.

استعار المسيحيون مصطلحي الجوهر والأقنوم من الفلسفة اليونانية، فالجوهر فيها هو ما قام بنفسه وبه تقوم الأعراض والكيفيات، وهناك جوهر كلي، وهو الكليات التي يُحمل عليها غيرها، كالنوع والجنس، مثل: إنسان وحيوان، وهناك جوهر جزئي، وهو الكائن الفرد المتعين من الجواهر الكلية، كهذا الإنسان: أحمد، سعيد، زيد.

أما الأقنوم في الفلسفة اليونانية فهو مصطلح مرادف للجوهر لا يختلف عنه، ويمكن أن يحلَّ أحدهما محل الآخر دون تمييز بينهما، وعلى هذا سار آباء الكنيسة الأوائل. إلا أنه بعد انعقاد مجمع نيقية حدث تحول في استخدام المصطلحين، فعقيدة التوحيد والتثليث لم تكن قد ترسخت في أذهان المسيحيين آنذاك، ما دفع الأساقفة إلى التمييز بينهما جاعلين معنى الجوهر يشير إلى النوع المشترك في الأقانيم المتساوية في النوعية، وهي الألوهية الواحدة، وجعلوا للأقنوم دلالة على الأفراد المتعددين في الجوهر الواحد وهم الآب والابن والروح القدس. وبذلك بات الفرق بين الجوهر والأقنوم كالفرق بين الجوهر الكلي والجوهر الجزئي. لكن الرافضين لهذا التفسير قالوا إنه يؤدي إلى تعدد الجواهر بتعدد الأقانيم، كما هو الحال في الجواهر والأقانيم البشرية، فيصبح لدينا ثلاثة آلهة لا إله واحد.

 يطلق فلاسفة اللاهوت على ظاهرة الإيمان المجرد من الاستدلال مصطلح الفيدية fideism، حيث يُطلب من الإنسان أن يؤمن بما يطلبه منه رجل الدين مباشرة دون سؤال عن الدليل.

وللخروج من هذا الإشكال، اضطر الأساقفة للاعتراف بعدم إمكانية شرح الجوهر والأقنوم حسب المعنى البشري المتعارف عليه، وقالوا إن اللغة عاجزة عن التعبير عن سر الثالوث، وخرجوا بنتيجة أن على الإنسان أن يُسلِّم بأن الله (جوهر واحد وثلاثة أقانيم) دون أن يُعمل عقله في فهم الفرق بينهما، وظهرت بذلك المقولة الشهيرة: “سرٌّ لا يسعه إلا الإيمان”. [لينة الحمصي نقلا عن عدد من الكهنة، الإسلام والمسيحية].

ووفقا لما ذكرناه في مقال “مصادر المعرفة” فإن هذا القول يعد مغالطة وتضليلاً، فلا ينبغي لأي عقيدة أن تعجز عن التوافق مع العقل بحجة كونها “سراً إلهياً”، لأن العقل قادر من حيث الأصل على فهم حقائق العقيدة الأصلية التي ينبني عليها أي دين، لكنه يعجز عندما يخوض في محاولة تعقل الكيفيات التي تكون عليها الحقائق الغيبية لأنها غائبة عنه وعن الحواس، ومنها صفات الإله المنزه عن تبعات الزمان والمكان، أما ما يسمى بسر الثالوث والأقانيم فهو ليس من الصفات اللازمة للإله الذي يعقله العقل، بل هي إضافة فلسفية غير ضرورية عقلياً -فضلا عن كونها غير معقولة أصلاً- لذا فلا يحق لأصحابها أن يحتجوا بمحدودية العقل إزاءها.

أما إذا احتج أصحاب مقولة الثالوث بأنها من الوحي الإلهي الذي ينبغي للعقل أن يسلّم به، فالجواب أن الكهنة أنفسهم لا يملكون دليلاً على أن العهد الجديد من الكتاب المقدس قد نُقل إلينا بالتواتر عن مصدر إلهي، بل إن الإيمان بصحة هذا الكتاب هو أيضا إضافة فلسفية قائمة على التسليم دون حجة (كما سيأتي لاحقاً)، وما بني على باطل فهو باطل.

أما العلاقة بين الأقانيم الثلاثة وصفاتها فقد كثرت الخلافات حولها، فالآب هو مصدر الألوهية الوحيد غير مولود ولا منبثق عن أحد، وهو علّة وجود الابن والروح القدس ومصدرهما. والابن صادر عن الآب بالولادة، مع اختلاف في صفته ما بين كونها حكمة أم كلمة. أما روح القدس فصدر عن الآب بالانبثاق عند الأرثوذكس، وعن الآب والابن عند الكاثوليك، وهو يمثل صفة الحياة.

ومن الإشكالات المطروحة هنا: كيف يكون الآب علة وجود الابن والروح القدس وهما صادران عنه مع أنهما مساويان له؟ وهل كان هناك زمن لم يكن فيه الابن والروح القدس موجودين فيه؟ وما الفرق بين الولادة والانبثاق؟

ويجيب الأساقفة بالقول: إن صدور الابن والروح القدس عن الآب هو سر من أسرار اللاهوت التي لا يستطيع العقل إدراك كنهها ولا يسعه إلا الإيمان به. وقد اضطر بعض الآباء (القديسين) مثل يوحنا الدمشقي ويوسبتين إلى الإقرار بعظمة الأب وتفوقه على الابن والروح القدس لأنه علة لهما.

وجاء في إنجيل يوحنا على لسان المسيح (20/7): “إني صاعدٌ إلى أبي وأبيكم إلهي وإلهكم”، ما يعني أن المسيح -الذي يفترض أن يكون أقنوم الابن الإله- أقر لتلامذته أنهم جميعا أبناء الله، وذلك بالمعنى المجازي للبنوة التي تخصص من نسبت إليهم بفيوضات من الرعاية والمحبة والعناية ما يميزهم عن غيرهم، وقد استخدم مصطلح “أبناء الله” في العهد القديم الذي يؤمن به المسيحيون كجزء من كتابهم المقدس، فأُطلق على بني إسرائيل (المزامير 3/6)، وعلى أبناء شيث (التكوين 6/2)، ما يدل على أن المسيح لم تكن له خاصية البنوة المجازية دوناً عن باقي المؤمنين.

 يقول الأب بيار نجم رئيس جامعة سيدة اللويزة في إحدى عظاته: “مهما حاولنا لن نستطيع أن ندرك سرّ الثالوث الأقدس بواسطة قوانا العقلية وحدها أو بواسطة المنطق، فالإنسان الذي يحاول معرفة الله على ضوء العقل وحده سوف يصطدم بصعوبات جمّة. إذ لا يمكنه أن يدخل في حميمية السر الإلهي”. [المصدر: http://www.lexamoris.com/pages/sermon_view/117]

وبما أن التوراة تصرح بالتوحيد وتنهى عن الشرك، فالعهد القديم يعد من أهم مصادر العقيدة لدى الأساقفة الذين يحرصون على اعتبار دينهم ديناً توحيدياً، لكنهم مع ذلك يستنبطون من نصوصها ما يُحملو على الإشارة إلى التثليث كعبارات “كلمة الله” أو “روح القدس”، لكن هذا التأويل التجاوزي لا يخفي دور الوثنية الشرقية واليونانية في المسيحية، فعقيدة التثليث لدى المصريين والفرس والإغريق أوضح أثراً، فضلا عن آثار فلسفة أفلوطين (270م) الهلنستية التي مزجت بين الفلسفة الفيثاغورية والأفلاطونية وتعاليم بوذا والهندوكية، وخرجت بمقولة أن العالم لا يمكن أن يصدر عن الله إلا بوسيط أزلي هو العقل الكلي الذي فاض عن الذات الإلهية، ومن هذا العقل تولدت الروح الخلاّقة التي بواسطتها خُلقت كل الأشياء [انظر مقال الباطنية].

عقيدة المسلمين في عيسى
تؤكد المصادر الإسلامية على أن عيسى بن مريم عليه السلام كان نبياً من بني إسرائيل، وينصُّ القرآن الكريم على أنه ما دعا إلا إلى التوحيد الكامل، ويوضح أنه سيكون هناك حوار بين عيسى وبين الله تعالى يوم القيامة ليقيم الحجة على من اتخذوه إلهاً، فيقول: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ، قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. [المائدة: 116- 117].

ويؤكد القرآن أيضا نزول الإنجيل على عيسى مصدقاً لما جاء في التوراة، ومحيياً لشريعتها ومؤيداً للصحيح من أحكامها ومبشراً برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فيقول {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} [المائدة: 46]، ويقول أيضا: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6].

 

ثانياً: عقيدة تجسد الابن الإله
تقوم العقيدة المسيحية على فكرة أن الابن الإله نزل من السماء وحلَّ في جسد بشري اتحد معه مؤلفاً شخصاً واحداً هو خلاصة اتحاد الإله بالبشر، وبمعنى آخر اتحاد اللاهوت بالناسوت. ويصرّ الأساقفة على أن نزول الابن وحلوله هو سرٌّ إلهي لا يسع العقل استيعابه، فما على الإنسان إلا أن يؤمن بهذه العقيدة بقلبه دون أن يعمل فيها عقله.

يقول الأب بيار نجم: “هذا هو سرّ الإيمان: كيف يمكن أن نفهم حقيقة أن الله هو إله واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة أقانيم؟ كيف نفهم حقيقة الاتحاد الجوهري واختلاف الأشخاص؟ كيف نفهم أن الآب قد ولد الابن دون أن يكون سابقاً له في الزمن أو أكبر منه من ناحية الألوهة؟ هو سر يتخطى قدرة عقلنا على احتوائه، نؤمن به، ونسعى الى فهمه بالقدر الذي أُعطي لعقلنا أن يفهمه”. [المصدر سبق ذكره].

ويبدو أن الثقافة الإغريقية تركت أثرها في الاعتقاد بتحول يسوع إلى اللوغوس (Logos) أي “كلمة الله” في اليونانية، فهو يشارك الله في خلوده، وجاء في إنجيل يوحنا [1/1-5]: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله”، وكأن يوحنا قد سار على خطا فيلون الإسكندري فحوّل اللوغوس إلى يسوع حيث تجسدت الكلمة الأبدية الخالدة في بشر يهبط إلى الأرض ليخلص الناس من خطيئة آدم.

لكن هذه الفكرة واجهت إشكالات منطقية، فكيف يحل الله الذي لا يحدّه مكان في جسد بشري متحيز في مكان وزمان؟ وكيف يكون منحصراً في جسد بشري وجالساً في حضن العذراء وهو في الوقت ذاته جالس على عرشه في السماء؟ وكيف يتم التوفيق بين غنى الرب وتنزهه وبين حاجته إلى جسد يحلّ فيه، وكذلك بين قدمه وأزليته وبين حدوث الجسد؟ فالتجسد يؤدي بطبيعة الحال إلى تغيير في اللاهوت والناسوت عما كانا عليه قبل الاتحاد لينشأ عنه جوهر ثالث ليس إنساناً محضاً ولا إلهاً محضاً، بل كائن اجتمعت فيه الإنسانية والألوهية معاً، وهذا محال.

ومن اللافت أن الأناجيل الثلاثة الأولى متّى ومرقص ولوقا كانت خالية من أي إشارة للتجسد والحلول، بل تؤكد على بشرية المسيح وما تستلزمه من ضعف وعجز، بينما ينفرد الإنجيل المنسوب إلى يوحنا بهذه العقيدة، علماً بأن أغلب المحققين ينفون صحة نسبته إلى يوحنا (أحد التلاميذ الاثني عشر) ويرجعون تأريخ تأليفه إلى وقت متأخر (حوالي 100م). وحتى هذا الإنجيل لم يفصل في مسألة الحلول بشكل واضح، ولم يبينها إلا بولس في رسائله، ما يؤكد أن هذه الفكرة الجوهرية في العقيدة المسيحية قد أدخلها بولس بنفسه في صلب الدين المسيحي.

لوحة تخيلية للصلب من القرن السادس عشر

ثالثاً: عقيدة الصلب والفداء
يؤمن المسيحيون بقصة الخلق بتفاصيلها التي جاءت في العهد القديم، وقد ذكرت قصة خلق آدم ومعصيته مع زوجه بأكلهما من الشجرة وما ترتب على ذلك بطريقة مغايرة تماماً لما جاء في القرآن الكريم. وترتب على معصية آدم عندهم إثم عظيم ونتائج وخيمة، منها الطرد من الجنة، وتشوه الصورة الإلهية التي خلق عليها هذا الإنسان.

والمسألة الأهم في هذه المعصية اعتقاد المسيحية بأنها لم تقتصر على آدم بل انتقلت إلى ذريته كلها بحكم الوراثة، فأصبحت كلها مخطئة، وانتقلت إليها جميع العقوبات بدءاً بالطرد من الجنة، وانتهاء بضرورة نزولها جميعاً إلى مملكة الشيطان (الجحيم).

علاوة على ذلك، لا يمكن لتوبة آدم أن تنقذه من تبعات الخطيئة والنزول إلى الجحيم لأنها لا تفي بمطلب الله العادل الذي هدد به آدم: “يوم تأكل منها (أي الشجرة) تموت موتاً”، ولا يمكن أيضاً للإله التراجع عن مطلبه وإلا كان غير صادق، وكأن الإنسان والإله أصبحا معاً أمام مأزق معقد، فبات من الضروري البحث عن حل لقبول التوبة بحيث يخلّص الإنسان دون المس بالعدالة والصدق الإلهيين ويتفق في الوقت نفسه مع رحمة الله، وجاء الحل بتجسد الابن الإلهي وصلبه ليدفع بذلك ثمن خطايا البشر جميعاً عبر فدائهم بنفسه، ثم نزوله إلى الجحيم بجسده البشري في الوقت الذي كان فيه مدفوناً تحت التراب (بعد الصلب) ليخلص أبرار العهد القديم من مملكة الشيطان، وأخيراً قيامته من القبر في اليوم الثالث وصعوده بعد أربعين يوماً من صلبه إلى السماء ليجلس على يمين الآب، وبذلك استحق لدى المسيحيين أن يسمى المخلِّص والفادي لأنه خلّص البشرية من الشيطان وعبوديته، كما خلصها من خطيئة آدم ونتائجها ومن الموت الأبدي وسلطانه.

وبحسب هذه العقيدة، فكل من يموت بعد مجيء المسيح (الأول) يموت على أمل الرجاء والقيامة اللذين سيحصلان يوم القيامة، وذلك حين يأتي المسيح في مجيئه الثاني فيقوم الناس جميعاً من القبور، ويتولى المسيح محاسبتهم على أعمالهم، وينتهي الأمر بتوجه المؤمنين إلى السماوات ونعيمها، والأشرار إلى جهنم. ولذلك يحتفل المسيحيون كل عام في عيد الفصح (13- 15 نيسان) بصلب المسيح وقيامته.

وتثير هذه العقيدة عدة إشكالات منطقية، ومنها: ما الذي يمنع الله من قبول توبة آدم وإزالة آثارها طالما كان هو الذي خلق كل شيء بكلمة واحدة وهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون؟ فالإله الكامل ومطلق الإرادة لا يحتاج للتضحية بـ”ابنه الوحيد” كي يخلص عباده. كما أن العدالة الإلهية تقتضي أن يكون حكمه على آدم بالطرد من الرحمة جارياً في حال إصرار الأخير على الذنب وعدم التوبة، لكن آدم قد تاب، ومن المفترض أن رحمة الله قادرة على أن تشمله مهما كان ذنبه.

علاوة على ذلك، فإن العدالة الإلهية تقتضي ألا يُجرم إنسان بذنب لم يرتكبه، فلا يُعقل أن ترث ذرية آدم جميعها خطيئة أبيها، وقد جاء في العهد القديم: “لا تقتل الآباء بالبنين ولا تقتل البنون بالآباء، بل كل امرئ بذنبه يُقتل” [التثنية 24/ 16]، كما جاء في القرآن الكريم أن هذه القاعدة المنطقية وردت في صحف موسى وإبراهيم أيضا، فقال {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم: 36- 39].

كما أن القول بضرورة التجسد والفداء يستلزم عجز الله (تعالى) طالما أنه لم يستطع إنقاذ عباده من الخطيئة وسلطان الشيطان إلا بالتضحية بابنه بهذه الطريقة المهينة، إذ يمكن للإله القادر على كل شيء أن يبيد الخطيئة ومملكة الشيطان دون أن يميت ابنه ويتركه لتحمل الآلام الشديدة والمهانة ودخول الجحيم.

أما الاعتقاد بأن للشيطان مملكةً تناصب الله العداء وتعمل جاهدة للتغلب عليه، بل وتستطيع ذلك حين تضم آدم وذريته إليها؟ فهذا يمنح الشيطان سلطة كبرى تعارض سلطة الإله وتتجاوزها.

ولعل من أهم الإشكالات التي طرحها مفكرو عصر النهضة أمام الكنيسة أن عقيدة الفداء لا تشرح لماذا عاشت البشرية قروناً طويلة في ظل الخطيئة قبل نزول الابن إلى الأرض؟ ولا تبيّن أيضا على أي أساس تم تحديد موعد نزوله في تلك المرحلة من عمر البشرية الطويل. وإذا كان إغواء الشيطان لبني آدم نتيجة لتلك الخطيئة التي كفّر عنها المسيح، فلماذا يستمر هذا الإغواء إلى اليوم بين المسيحيين وغيرهم؟

يعد فيلم آلام المسيح (الذي أنتجه ميل غيبسون عام 2004) تجسيدا هوليوديا ممتازا للتصور المسيحي لقصة الصلب، فمع أن الفيلم أُنتج بدوافع تبشيرية للتعاطف مع ابن الإله الذي فدى البشرية بنفسه، إلا أنه قد يطرح في الوقت نفسه على المشاهد لاشعورياً الإشكالات الفلسفية التي تنقض هذه العقيدة، فما يلقاه المسيح من التعذيب والإهانة الشديدين لا يُقبل بسهولة في حق نبي فضلا عن إله تجسد في هيئة إنسان ضعيف.

رابعاً: دور الروح القدس في عملية الخلاص والفداء
يعتقد المسيحيون أن للأقنوم الثالث (الروح القدس) في الثالوث الإلهي دوراً أساسياً في عملية الفداء، فهو مكمِّل لعمل المسيح ويمثل صفة الحياة لله، فإذا كان الابن قد صلب فداء للبشرية ككل فإن الروح القدس هو الذي يورّث المؤمنين هذا الخلاص، ويجعله حقاً لهم عن طريق حلوله بمواهبه ونعمه في كل إنسان على حده. ويكون حلوله في المؤمنين بالمسيح عن طريق الأسرار الكنسية السبعة، وهي طقوس تمارس على يد كاهن وبها تسقط الخطيئة وعن طريقها يتحدّ المؤمنون بطبيعة الله، وسترد تفصيلاً.

وإطلاق كلمة “روح” على الله بمعنى صفة الحياة غير صحيح، لأن حياة الله ليست بروح كما هي حياة البشر، فإذا كان للإله روح فهذا يعني أنه مركب من هذه الروح ومن غيرها (الجسد مثلاً)، كما يدل على أن الروح جوهر غريب عن الله واتحد به، وهذا يتنافى مع كمال الألوهية.

الروح القدس على هيئة حمامة في كنيسة القديس بطرس بالفاتيكان (Dnalor 01)

وقد ورد ذكر الروح في العهد القديم عند الحديث عن الملائكة فهم “روح الله” [التكوين 1/2، المزمور 51/11، أشعياء 63/10]، كما ورد بمعنى مصدر الشر، وهي كلمة لا تذكر على إطلاقها بل تكون مضافةً أو موصوفة (أرواح الشياطين)، كما أن نعم الله يطلق عليها اسم الروح أيضاً [الخروج 28/3]. مما يدل على أن اسم الروح والروح القدس لم يطلقا في العهد القديم إلا على مخلوقات من قبل الله تعالى، وهي ليست آلهة أبداً.

وكذلك الحال في العهد الجديد، حيث ورد ذكر الروح القدس مرات عديدة دون أن تشير إلى أنه إله وأقنوم في الثالوث الإلهي ومتحدٌّ مع الآب والابن، وقد اعترف بهذا القس سليم بسترس قائلاً: “أما انبثاق الروح القدس منذ الأزل ضمن الثالوث الأقدس فلا نجد له أي توضيح في نصوص العهد الجديد”. [لينة الحمصي، نقلا عن كتاب اللاهوت المسيحي لسليم بسترس، ص144].

ويؤكد بعض رجال الكنيسة أن كل ما ذكر عن الروح القدس في العهد الجديد إنما يرجع إلى عمله، أما كيان الروح الذاتي فلا يُعرف عنه شيء، ولم يرد له ذكر في الكتاب المقدس. وإذا كان الحال كذلك فكيف أمكن لهم إذاً أن يثبتوا وجود أقنوم ثالث في الجوهر الإلهي له صفة الانبثاق، وغير منفصل عن الآب والابن ما داموا لا يعرفون شيئاً عن كيان الروح الذاتي؟

وعليه، فيمكن القول إن حلوله على المؤمنين بمواهبه (نعمه) لا يدل على ألوهيته أبداً، فمن الممكن تفسير الروح القدس على أنه نعم الله (هباته) المخلوقة من قبله والتي يهبها للمؤمنين به وتحلّ فيهم، أو أنه الملاك جبريل الذي يدعمهم بالتأييد ويهبهم نعم الله بأمر منه.

من جهة أخرى، يقول الأساقفة إن الروح القدس حلَّ على مريم ليطهرها من الخطيئة الأصلية لتكون مستعدةً للحمل بالمسيح، وذلك قبل صلب المسيح وافتدائه للبشرية، لكن هذا القول يضع عقيدة الفداء في حرج، فإذا كان قادراً على تطهير مريم فيمكنه أيضاً تطهير بقية البشر دون الحاجة إلى تجسد الابن وصلبه وفدائه.

وحتى بالنسبة للمعتقدين بأن الروح القدس يحلُّ على المؤمنين بأقنومه الشخصي، فهذا يثير إشكالاً ويطرح تساؤلاً منطقياً: فما هو الفرق بين ناسوت المسيح وناسوت جميع البشر؟ ولماذا لم يصبح جميع البشر آلهة ومؤلَّفين من لاهوت وناسوت كما هو الحال في المسيح الذي حلَّ فيه الابن بجوهره مادام كل من الابن والروح القدس إلهاً كاملاً؟

 

مصادر العقيدة المسيحية
 يعتمد المسيحيون الأرثوذكس والكاثوليك في إثبات عقائدهم على مصدرين، هما التقليد الرسولي والكتاب المقدس، بينما يعتبر البروتستانت والطوائف التي تفرعت عنها أن الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد للعقيدة، وفيما يلي موجز عن كل منهما:

أولاً- التقليد الرسولي: هو التعليم الذي سُلّم من المسيح والرسل شفوياً، وتلقاه آباء الكنيسة الأوائل بإرشاد من الروح القدس، ويُحفظ في الكنيسة ولا يمارس إلا من خلالها. وبما أنه بإرشاد الروح القدس فهو بمنزلة كلام الله، وبذلك تصبح أقوال الآباء القديسين الأوائل والكنيسة معصومة مما يعطي الكنيسة صبغةً إلهامية دون أي مستند شرعي، فيكفي أن تدَّعي الكنيسة أن ما تقوله هو التعليم الرسولي ليتم إثبات ذلك دون مطالبتها بالدليل، مما يمنحها الحق في إبداع عقائد جديدة بحجة الإلهام. ولو كانت الكنيسة معصومة من الخطأ فعلاً لوجب انعدام الاختلاف بين الكنائس، بينما نجد أنها في الواقع شديدة الاختلاف والتفرق إلى طوائف عدة، حيث تنتقد كل منها الأخرى مع ادعاء الجميع بأنهم يستندون إلى إرشاد الروح القدس.

ومن حيث التحقيق، لا يمكن عدّ التقليد الرسولي مصدراً صحيحاً إلا إذا ثبت أن المسيح قد قاله وأن رسله تسلموه منه ثبوتاً صحيحاً متواتراً، إلا أن هذه الدقة في النقل لم يشترطها الأساقفة، بل يعتمدون على التقليد اعتماداً تاماً في أمورهم العقدية ويضيفون إليها ما يشاؤون، ولا يشترطون في إثبات العقائد أن توجد في الكتاب المقدس بل يكفي أن يقال إنها من التقليد الرسولي لتثبت، وهكذا تسنى لهم تاريخياً إضافة عقيدة التثليث والأقانيم وما يتعلق بها من عقائد مستحدثة. وقد صرح موريس تاوضروس في كتابه علم اللاهوت العقيدي في معرض حديثه عن التقليد قائلاً: “على أن الكنيسة الكاثوليكية قد أضافت بعض العقائد التي لا تردُّ إلى التقليد الرسولي أو إلى تعاليم المسيح مثل القول بعصمة البابا”. [لينة الحمصي، ص259].

أما الكنيسة البروتستانتية فترفض الاعتراف بعصمة آباء الكنيسة وصحة التقليد الرسولي، إلا أنها مع ذلك لم تلتزم بما يترتب عليه هذا الرفض من رفض العقائد التي تستند إلى التقليد دون وجود مستند كتابي من الإنجيل، كعقيدة التثليث وألوهية الروح القدس.

الفاتيكان

ثانياً- الكتاب المقدس: يشمل أسفار العهد القديم التي يؤمن بها اليهود (باستثناء بعضها) [انظر مقال اليهودية]، وأسفار العهد الجديد التي لا يعترف بها اليهود، ويعتقد المسيحيون أن هذه الأسفار جميعاً دُونت بإلهام من الروح القدس. والإلهام عندهم هو نفحة حيوية من روح الله (الروح القدس) تدفع أنبياء العهد القديم ورسل العهد الجديد (ومنهم بولس) إلى الكلام والتدوين، فهي إذاً حسب رأيهم أسفار كتبها الله بواسطة مؤلفين من البشر الذين عبَّروا عن هذه الرسالة الإلهية بطرقهم الخاصة وأسلوبهم الشخصي.

ويقرّ المسيحيون بأن أسفار العهد الجديد لم يُملها المسيح ولكنها كُتبت بعده، إذ تم تناقلها لفترة طويلة من الزمن استناداً إلى التقليد الرسولي الشفوي. وتحوي أسفار العهد الجديد أخبار المسيح وعظاته ومعجزاته، وكان عدد هذه الأناجيل كبيراً جداً لكنهم اتفقوا على الاعتراف بأربعة منها هي: متى ومرقس ولوقا ويوحنا، ثم أضافوا لها سفر أعمال الرسل، وأربعة عشر رسالة لبولس، وثلاث رسائل من كتابة يوحنا، ورسالتان لبطرس، ورسالة ليعقوب، ورسالة ليهوذا، ثم رؤيا يوحنا اللاهوتي، فأصبح العهد الجديد يضم (27) سفراً.

وتعتبر الأناجيل الأربعة من أطول أسفار العهد الجديد، ولفظ الإنجيل مختصٌ بها إلا أنه يطلق مجازاً على بقية الأسفار أيضاً، وهي وحدها التي تعترف بها الكنائس وتقرها الفرق المسيحية، مع أنه من الثابت تاريخياً وجود أناجيل أخرى راجت رواجاً عظيماً وأخذت بها فرق مسيحية قديمة ولم تعتنق غيرها كإنجيل السبعين والتذكرة وغيرهما، لكن الكنيسة الحالية اختارت منذ القرن الرابع الميلادي الأناجيل الأربعة وألغت كل ما عداها، وأجبرت أتباعها على الأخذ بها فقط، مع أن بعض المؤرخين أشاروا إلى أن هذه الأناجيل المعتمدة لم يُعثر على أي ذكر لها قبل القرن الثالث الميلادي، وفيما يلي موجز عن كل منها وفقا لترتيب ظهورها الزمني:

1- إنجيل متَّى: ينسب إلى متَّى أحد الرسل الاثني عشر، الذي كان يهودياً من الجليل وجابياً للضرائب (عشاراً) للدولة الرومانية، نشر الدعوة في فلسطين ثم خارجها، ويقال إنه بشّر في بلاد فارس، وفي رواية أخرى الحبشة، ومات فيها شهيداً. ونسبة هذا الإنجيل إليه غير مستيقنة لدى المحققين، حيث يقرون بأن كاتبه لم يكن معروفاً قبل القرن الثاني الميلادي، وأن التقليد الكنسي هو الذي ربط اسم متَّى به، ما دفع طائفة من المحققين -مثل موريس بوكاي والأب أسطفان شربتييه- إلى نفي نسبة هذا الإنجيل إليه، ويدل على ذلك أن كاتب هذا الإنجيل يتحدث عن أحداث المسيح بصفة الغائب وكأنه لم يكن حاضراً، كما أن أسلوبه التعبيري يدل على كونه متبحراً في التراث اليهودي والكتب المقدسة وفن الإفهام والتدريس، وهي صفات لا تناسب أسلوب جابي الضرائب. وقد كتب باللغة العبرية أو الآرامية، لكن أقدم نسخة عرفت منه كانت باليونانية، أما الأصل فمفقود ومختلَف في تاريخ تدوينه، كما أن مترجمه إلى اليونانية وتاريخ الترجمة مجهولين.

2- إنجيل مُرقس: ينسب إلى يوحنا الملقب بمرقس اليهودي، وهو لم يكن من الرسل الاثني عشر بل اهتدى إلى الإيمان بواسطة بطرس الرسول وتتلمذ على يديه، وقيل إنه أحد الرسل السبعين الذين أرسلهم المسيح للتبشير، كما قيل إنه هو رجل روماني الأصل آمن بالمسيح ولم يره ومات في مصر سنة 62 أو 68م. ويقرُّ المسيحيون بأن أخبار مرقس غير ثابتة، لكن التقليد الرسولي ربط اسمه بهذا الإنجيل في القرن الثاني الميلادي مع أنه لا توجد إشارة فيه إلى اسم كاتبه، وبحسب التقليد فقد كتب مرقس إنجيله بإرشاد من بطرس. والمشككون يقولون إن كاتبه هو أكثر المبشرين ابتذالاً وأقلهم خبرة في حبك الحكايات وأبعدهم عن المعقولية، وقد اختُلف أيضاً في تاريخ تدوينه ما بين سنة 40 إلى 75م، ويُعتقد أنه كتب باللغة اليونانية.

3- إنجيل لوقا: ينسب إلى لوقا الذي ترجح المصادر أنه كان طبيباً وثنياً من أنطاكية، اعتنق اليهودية ثم المسيحية وتتلمذ على يد بولس وصحبه في أسفاره. ولم يرتبط اسم لوقا بهذا الإنجيل إلا في القرن الثاني، وليس فيه ما يدل على أن كاتبه هو لوقا، كما تظهر مقدمته أن لوقا لم يكن معايناً للحوادث التي كتبها بل ألفه بناءً على شهادة من عرفوا المسيح أو لازموه، وهو يتضمن أشياء لم تذكر في الأناجيل الأخرى وتتعلق بالحوادث التي جرت قبل ولادة المسيح وما بعدها. ومع زعم الأساقفة بصحة نسبته له إلا أننا نجد مشككين من علمائهم في ذلك بسبب وجود تناقضات كثيرة بينه وبين سفر أعمال الرسل الذي ينسب إلى لوقا أيضاً، كما أن أفكار بولس لا تجد لها مكاناً في سفر لوقا الذي يفترض أنه تلميذه، أما تاريخ تدوينه باللغة اليونانية فيقال إنه يعود إلى ما بين سنتي 80 و90م.

4- إنجيل يوحنا: ينسب إلى يوحنا أحد التلاميذ الاثني عشر، والذي كان صياداً يهودياً من تلاميذ النبي يحيى (يوحنا المعمدان)، كما كان أثيراً لدى المسيح، وقد نفي في أيام الاضطهاد الأولى، ثم عاد إلى أفسس وبقي فيها حتى وفاته. ويعد إنجيله أكثر الأناجيل تشكيكاً في صحة نسبته إلى كاتبه، وذلك باعتراف علماء الكهنوت أنفسهم، فاسم يوحنا لا يظهر أبداً فيه بل ألصق به بعد فترة من الزمن، كما أن الكاتب يتحدث بصيغة الغائب وكأنه لم يشهد الأحداث التي يرويها، وجاء في نهاية الكتاب ما يشير إلى وجود تلميذ يحبه يسوع وكان حاضراً في العشاء الأخير، ثم يقول: “هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا..” [يوحنا 21/24]. وهذه الخاتمة تشير إلى أن المؤلف هو التلميذ الحبيب لكنها لم تذكر اسمه، لذا ربط بعضهم هذا الإنجيل بيوحنا على أنه التلميذ المحبوب، بينما ذهب بعضهم إلى أنه لعازر، وقال آخرون إنه الشاب النبيل الثري الذي جاء إلى المسيح فنظر إليه يسوع وأحبه [مرقس 10/21]. ويشكل تاريخ تدوينه مثار اختلاف أيضا بحيث يتفاوت تقديره ما بين سنتي 80 و115م، والمتفق عليه أنه كتب من أجل إثبات ألوهية المسيح التي أغفلتها الأناجيل الثلاثة السابقة ولم تتحدث عن المسيح إلا بصفته البشرية فقط. وقد قال القس يوسف الدبسي الخوري في مقدمة تفسيره المعروف باسم تحفة الجيل: “إن يوحنا صنَّف إنجيله في آخر حياته بطلب من أساقفة آسيا وغيرها، والسبب أنه كانت هناك طوائف تنكر لاهوت المسيح، فطلبوا منه إثباته وذكر ما أهمله متَّى ومرقس ولوقا” [أبو زهرة، ص 64]، وهذا الإقرار يطرح تساؤلاً عن سبب إغفال الأناجيل الثلاثة -التي يُفترض أنها كُتبت بإلهام من الروح القدس- تلك المسألة الخطيرة التي تقوم عليها المسيحية وترك الأتباع غافلين عنها نحو قرن من الزمن قبل تدوين هذا الإنجيل، وقد يُستنتج من ذلك أيضا أن الأساقفة اعتنقوا ألوهية المسيح وحاولوا نشرها قبل وجود مستند كتابي لها، فلما أرادوا أن يحتجوا على خصومهم طلبوا من يوحنا أن يكتب لهم إنجيلاً يدعم دعواهم.

 “أول من تحدث عن الأناجيل الأربعة في التاريخ المسيحي المعروف هو أرينيوس سنة 209م، ثم كليمنس أسكندريانوس سنة 216م”. [محمد أبو زهرة، محاضرات في النصرانية، ص 49].

ولعل أهم الانتقادات الموجهة إلى الأناجيل الأربعة أن نسخها الأصلية ما زالت مفقودة، فهناك فاصل زمني لا يقل عن مئتين أو ثلاثمائة سنة بين أحداث العهد الجديد وتاريخ كتابة مخطوطاته، وهي مدة كافية للتشكيك بمدى موثوقيتها، إضافة إلى الاختلافات الكثيرة بين هذه المخطوطات، فهي مليئة بالتناقضات فيما بينها من جهة، وبالتناقضات في أحداث وروايات الإنجيل الواحد من جهة أخرى، ونجد ذلك في المسألة الواحدة التي لا تحتمل إلا حقيقة واحدة.

موريس بوكاي

ومن أمثلة هذا الاختلاف نذكر اختلاف إنجيل متى عن لوقا في نسَب المسيح، واختلاف إنجيل يوحنا عن باقي الأناجيل في من حمل صليب المسيح لدى اقتياده من قبل الرومان، فبينما يذكر يوحنا أن المسيح هو الذي حمل صليبه، تؤكد الأناجيل الأخرى أن الذي حمله هو سمعان القيرواني. كما يختلف متى عن يوحنا في ذكر حادثة القبض على المسيح لمحاكمته، ويتناقض إنجيل لوقا في روايته لسرِّ القربان المقدس مع ما يرويه متى ومرقس.

وقد بين الشيخ رحمة الله الكيرانوي الهندي في كتابه “إظهار الحق” أوجهاً كثيرة للاختلافات والأخطاء التي حفلت بها هذه الأناجيل، كما أجرى الفرنسي موريس بوكاي في كتابه “دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة” مقارنات واسعة بين الأناجيل الأربعة ودوّن عشرات الاختلافات والتناقضات، ولا سيما تلك التي تقع في داخل الإنجيل الواحد، بينما أوضح الأستاذ بجامعة زيورِخ روبرت كيل تسلر في مقدمة كتابيه “المخدوع الأكبر على مر الزمان” و”حقيقة الكتاب المقدس” أنه يتقبل مبدئياً كون بولس حسن النية ولم يسعَ لتدمير المسيحية من الداخل، إلا أنه مع ذلك أحصى في الكتابين مئات الأمثلة على الاختلافات والتناقضات العلمية والعقلية في الأناجيل الأربعة.

يقول القس السويسري جان شورر إن مخطوطات الأناجيل الأربعة تحتوي على أكثر من خمسين ألف اختلاف. [Das Christentum in der Welt und für die Welt، ص 104].
ويقول الألماني فيلهلم شميث إنه لا توجد صفحة واحدة من صفحات الأناجيل المختلفة لا يحتوي نصها الأصلي على العديد من الإختلافات [Bibel im Kreuzverhör، ص 39].

أمثلة أخرى على اختلافات الأناجيل:
ذكر متى [1: 20] أن ملاك الرب نزل إلى يوسف النجار في الحلم وكان نائماً ليخبره بولادة الطفل عيسى، بينما ذكر لوقا أنه نزل إلى مريم العذراء ولم تكن نائمة وأقرأها السلام [1: 28].

ذكر لوقا أن يوسف ومريم رحلا من الناصرة إلى بيت لحم قبل ولادة عيسى [2: 22]، بينما قال متى [2: 13] إن الرحيل كان بعد الولادة.

جاء في متى [1: 13] أن شلتائيل هو ابن يكنيا، بينما ذكر لوقا [3: 27] أن اسمه هو شلتائيل بن نيري.

صاح الديك عند محاكمة يسـوع مرة واحدة عند كل من متى [26: 75] ولوقا [22: 61] ويوحنا [18: 27]، بينما صاح مرتين عند مرقس [14: 72].

جاء في متى [15: 22]: “وإذ إمرأة كنعانية. . . صرخت إليه قائلة ارحمني يا سيد يا ابن داود”، أما مرقس فيقول إنها امرأة فينيقية [7: 26].

وإزاء هذه الاختلافات التي تطعن في مصداقية الأناجيل، وإذا كانت تلك الأناجيل قد كُتبت على أيدي أشخاص يُختلف في هوياتهم، يبرز سؤال عن مصير الإنجيل الأصلي الذي بشر به المسيح، والذي صرَّح بولس بوجوده وأشارت إليه الأناجيل الأخرى، لا سيما وأن هناك أناجيل عدة قد رُفضت من قبل مجمع نيقية كما أسلفنا، وهناك أناجيل أخرى رُفضت في قرارات كنسية لاحقة.

ومن أهم هذه الأناجيل المرفوضة من قبل الكنيسة، إنجيل برنابا الذي يشبه الأناجيل الأربعة المعتمدة من حيث سرده لقصة المسيح منذ ولادته وحتى اتهامه، ويذكر خطبه وحواراته، وقد جاء ذكره في رسالة أعمال الرسل، وقد كان برنابا إسرائيليا من سبط لاوي وأحد الرسل المعتمدين، ويقول في كتابه إنه شهد لبولس بالإيمان ورافقه في سفره ثم اختلف معه وافترق عنه، وكان برنابا يسافر للوعظ والهداية بتكليف من الكنيسة، ويُقر الأساقفة اليوم بكونه من الرسل الحواريين وبأنه من المُلهمين حسب اعتقادهم، إلا أنهم يصرون على عدم نسبة الإنجيل إليه.

عُثر على أقدم نسخة لهذا الإنجيل سنة 1709م باللغة الإيطالية، واحتفظ بها في البلاط الملكي بفيينا، ثم رجحت المصادر أن راهباً لاتينياً يدعى فريمو عثر على نسخة منه في مكتبة البابا سكتس الخامس، فقرأه وترجمه إلى الإسبانية واعتنق الإسلام، ويُذكر أن البابا غلاسيوس الأول (492م) أصدر قائمة بأسماء الكتب المنهي عن مطالعتها ومنها إنجيل برنابا، وصدور أوامر كهذه تكرر كثيراً خلال التاريخ المسيحي.

يمتاز هذا الإنجيل بقوة التصوير والعبارة المحكمة والمعاني المترابطة والحكمة الواسعة، ويدل على اطلاع كاتبه الواسع، ومع ذلك فقد أنكرته الكنيسة وعدته غير قانوني لأنه خالف الأناجيل الأربعة في مسائل جوهرية، هي:

1- عدم القول بألوهية المسيح وبنوته لله تعالى، والتصريح بنبوته وذم من يرفعونه عن ذلك المقام، والتنديد ببولس الذي أضل الناس بما ادعاه من مسائل تخالف ما جاء به المسيح، وقد قال مؤلفه في بدايته إنه سطر كلماته للرد على بولس.

2- التصريح بأن الذبيح الذي تقدَّم به إبراهيم عليه السلام هو إسماعيل وليس إسحاق كما هو مذكور في التوراة.

3- ذكر اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم صريحاً، وبيان أنه هو المسيح المنتظر وأنه رسول الله، والنقل عن المسيح كلاماً وافياً في التبشير به لأن الحواريين طلبوا منه أن يصرِّح لهم بما يعلن حقيقته ففعل.

4- بيان أن المسيح لم يُصلب ولكن شبِّه لهم، وأن شبهه ألقي على يهوذا الأسخريوطي، وأنه طلب من الله أن ينزله إلى الأرض بعد رفعه ليرى أمه وتلاميذه فنزل ثلاثة أيام ووبَّخ كثيرين ممن اعتقدوا أنه مات.

وبهذا يكون إنجيل برنابا قد خالف بقية الأناجيل في أهم المسائل العقدية التي بنيت عليها العقيدة المسيحية، لذا تقرر رفضه والحكم عليه بأنه مختلق من قبل كاتب مسلم، مع أنه لم يُعثر عليه إلا في المكتبات الكنسية.

 

شعائر المسيحية
لا تسمو الشعائر المسيحية إلى منزلة العقائد، وإن كانت لازمة لكن عدم ممارستها لا يخرج المسيحي من دائرة الإيمان، ونذكر من أهم هذه الشعائر ما يلي:

1- التعميد: هو شعيرة متفق عليها بين كل الفرق المسيحية وكانت شائعة لدى اليهود قبل المسيحية، فكان النبي يحيى يعمّد الناس في نهر الأردن -كما يروون- ومن هنا سمي “يوحنا المعمدان” كما قام بتعميد المسيح نفسه كما أسلفنا. ويختلف علماء الكهنوت في تحديد وقت التعميد، فبعضهم يرى صحة التعميد في أي وقت من حياة الفرد، وبعضهم يقول إنه يجب أن يتم على فراش الموت على اعتبار أنه تكفير للسيئات فيفضل أن يتم في نهاية العمر، والغالب أن يتم التعميد في الطفولة حتى ينشأ الإنسان-كما يعتقدون- طاهراً من الذنوب. وهي في اعتقادهم تمحو الخطيئة الأصلية في النفس وتلدها ثانية. وقد يحدث التعميد برش الماء على الجبهة أو بغمس الجسم كله أو جزء منه في الماء، ولا بد أن يقوم بذلك الكاهن إلا في حال الضرورة، ويكون الرش أو الغمس ثلاث مرات، الأولى باسم الأب والثانية باسم الابن والثالثة باسم الروح القدس.

2- العشاء الرباني: يطلق عليه أيضاً اسم “التناول”، ويقصد به عشاء المسيح الأخير مع تلاميذه عندما اقتسم معهم -حسب الرواية- الخبز والنبيذ، حيث يرمز الخبز إلى جسده الذي كُسر لنجاة البشرية، ويرمز الخمر إلى دمه الذي سفك للغرض نفسه. لذا يُستعمل الخبز والنبيذ في هذا الطقس لاستدعاء ذكرى المسيح ليلة صلبه، ويعتقد المسيحيون أن الخبز والنبيذ يتحولان إعجازياً إلى لحم المسيح ودمه فيحصل الامتزاج بين المسيح وتعاليمه أثناء الأكل.

3- تقديس الصليب: يستند هذا التقديس إلى ما نُسب للمسيح في إنجيل لوقا (9/23) بقوله: “إن أراد أحدٌ أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني”، والمقصود بحمل الصليب هو الاستهانة بالحياة والاستعداد للموت والسير خلف المسيح المخلص واقتفاء أثره. ويعد الصليب أداةً للتذكير بالتضحية الضخمة التي قام بها المسيح من أجل البشرية، فكان القانون الروماني يجعل من حمله والطواف به بين الناس إشارة على صدور الحكم بالإعدام صلباً في حق من يحمله.

وفيما يتعلق بالتشريعات، تتصف المسيحية عموماً بفقرها التشريعي وتركيزها على الجانب الروحي وعدم الاهتمام بشؤون الدنيا، مع أن وصايا المحبة التي ركز عليها الآباء الأوائل لم تمنع وقوع الكثير من المجازر والحملات الدموية باسم المسيحية بدءاً بالحروب الصليبية ومروراً بمرحلة الكشوفات الجغرافية في عصر النهضة، ووصولاً إلى العصر الحديث وما شهده من حملات التبشير المرافقة للاستعمار.

وبما أن المسيحية تعتبر التوراة وأسفار الأنبياء السابقين كتباً مقدسة فقد اتبع أتباعها بدايةً الشريعة اليهودية والوصايا العشر، ويروى عن المسيح قوله: “إني لم أجئ لأغير الناموس ولكن لأقرر” [متى 5: 18]، ثم قرر الكهنة أن المسيح نقل التشريع إلى مرحلة متقدمة من خلال عظاته فاتفقوا على حصر المحرم في أربعة أمور فقط، وهي الزنا وأكل المخنوق والدم وما ذبح للأوثان، وخالفوا كثيراً مما جاء في التوراة فأحلوا مثلاً الخمر ولحم الخنزير، ومنعوا الختان المقرر في التوراة لأنه يشقُّ على بعض من يدعونهم إلى النصرانية فيفرُّون منها بسببه.

والعبادتان الرئيستان عندهم هما الصلاة والصوم، ومع ذلك يرى كثير منهم أن الالتزام بهما اختياري لا إجباري، ويقتضي الصوم عندهم الامتناع عن الطعام من الصباح حتى منتصف النهار ثم تناول طعامٍ خالٍ من الدسم. ويصومون في العام مرتان، الأولى صوم الميلاد وهو 43 يوماً تنتهي بعيد الميلاد، والثاني هو الصوم المقدس وعدد أيامه 55 يوماً وينتهي بأحد القيامة، ويمتنع في تلك الأيام أكل لحم الحيوان أو ما يتولد عنه ويستخرج من أصله. ويقتصر الصائمون على أكل البقول، ولا يُعقد في أثنائه سر الزواج. وهناك أيام أخرى للصوم يزيد عدد أيامها وينقص بحسب الطوائف.

أما الصلاة عندهم فيشترط لصحتها أن تقدم باسم المسيح، فالإنسان -بزعمهم- أبعد عن رضا الله بسبب خطاياه ولا يزول هذا البعد إلا بدم المسيح. وليس للصلاة هيئة محددة أو عبارات خاصة معلومة، بل يترك للمصلين أن يقولوا ما يشاؤون شرط أن تكون على نسق الصلاة الربانية التي قدمها لهم المسيح كما جاء في إنجيل يوحنا، وفيها: “أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم، واغفر لنا خطايانا، لأننا نحن أيضاً نغفر لكل من يذنب إلينا، ولا تُدخلنا في تجربة ولكن نجّنا من الشر”.

وأشهر الأسفار المشتملة على نماذج للأدعية والصلوات لديهم هو سفر المزامير من العهد القديم. ولا يجب عليهم عدد معين من الصلوات كل يوم كما أنه ليس لها أوقات محددة، فالأمر متعلق بنشاط المصلي ورغبته، ويرون أنه من الأفضل الإكثار من الصلاة على النقيض من اليهود الذين يرون أن الإكثار من الصلاة يدفع الإله إلى الملل.

وفيما يتعلق بشؤون الأسرة، تنص تشريعات المسيحية على أن الأصل في الإنسان هو الرهبنة، ولما كان ذلك مستحيلاً فقد أجيز الزواج، وكان تعدد الزوجات معمولاً به في البداية تبعاً للتعدد الذي قالت به اليهودية، ثم قيّد بزوجة واحدة على ألا يفترق الزوجان إلا بالموت، وبذلك لا يجوز الطلاق إلا في حال ثبوت الزنا على أحد الزوجين، أو إذا كان أحدهما غير مسيحي، إلا أن بعض الطوائف أجازت الطلاق في حال التنافر وانعدام الألفة. كما تهتم الكنائس المسيحية عموماً بتكثير النسل وتحارب تحديده وتحرم الإجهاض.

على سبيل المثال، تحرّم الكنيسة القبطية المصرية على أتباعها تحريماً باتاً تحديد النسل أو تنظيمه وتعد كل من يفعل ذلك مطروداً من رحمة الرب وقاتلاً لشعب الكنيسة، وكانت الكنيسة القبطية في بداية السبعينيات من القرن العشرين قد وضعت نصب عينيها هدف إكثار نسل المسيحيين حتى يبلغ عددهم نصف تعداد الشعب المصري خلال 15 عاماً.

 

طقوس الكنيسة وأسرارها
الطقوس في اصطلاح الكنيسة هي الصلوات والابتهالات التي تتم في الاحتفالات الكنسية، ويقوم بها الكاهن مع مجموعة من الأعوان، وتتضمن السجود أمام الهيكل فور دخول الكنيسة، وإطلاق البخور وذبح القرابين وتلاوة نصوص من الكتاب المقدس.

أما السر الكنسي فهو عمل مقدس تنال به نفس المؤمن نعمة الله غير المنظورة من خلال ممارسة طقس على يد كاهن شرعي، ويتضمن سبعة أسرار، وهي: سر المعمودية (أي التعميد بالماء)، وسر مسحة الميرون (أي الطيب باليونانية) وتطلق على السائل المركب من نحو 30 صنفاً من العطور والطيوب وهو متحدٌّ بسر المعمودية ويأتي بعده مباشرة، حيث يتناول الكاهن الميرون ويمسح به أماكن مختلفة من جسم المعمَّد 36 مسحةً، وبذلك يحل عليه الروح القدس بنعمه. وسر الشكر (الأفخارستيا) المتعلق بالعشاء الرباني والاتحاد مع المسيح، وسر التوبة والاعتراف ويلزم أن يكون أمام كاهن وأن يكون الاعتراف كاملاً وواضحاً، وثمرته الحصول على الغفران الذي يمنحه الكاهن نيابة عن الرب، وسر الكهنوت الذي يُختار به رجال الدين، وسر المسح على المريض ليُشفى روحياً وجسدياً، وسر الزواج للربط بين الزوجين برباطٍ مقدس دائم. وتسمى هذه الطقوس أسراراً لتسدل هالةً من التقديس على القسس الذين يمارسونها.

يُحظر على الراهبات الزواج مدى الحياة

ومن أهم الطقوس التي ظهرت في الكنائس المسيحية ظاهرة الرهبنة، فقد نشأت كمظهر من مظاهر الهروب من الناس والبعد عن الأدناس وهجر المدن والالتجاء إلى البراري والصحراء بغية محاربة شهوات الجسد والإكثار من العبادة والتأمل مع المحافظة على الانعزال والتفرد، ثم كثر الراغبون في الترهُّب فبنوا لهم صوامع متجاورة ثم أحاطوها بأسوار عالية فنشأت بذلك الأديرة (الكاتدرائيات).

وينسب المسيحيون أسس الرهبنة إلى المسيح الذي احتقر الدنيا وملذاتها، ويبررونها بالالتحاق بركب التضحية الذي عانى منه المسيحيون الأوائل زمن الاضطهادات الشديدة.

ومن أسس الرهبنة التبتُّل وعدم الزواج، فينسبون ذلك إلى المسيح بقوله: “يوجد خِصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات فمن استطاع أن يحتمل فليحتمل” [متى 19/13]، أما التقشف وتعذيب الأبدان بالجوع وخشن الثياب فمردُّه عندهم إلى ما جاء في أعمال الرسل [14: 22]: “وأنه بضيقات كثيرة ينبغي أن تدخل ملكوت الله”، وينبغي أن يترافق ذلك مع طاعة تامة يدين بها الرهبان لرؤسائهم.

غير أن تجربة التبتل في الأديرة والصوامع لم تحقق نجاحاً تاريخياً يعتد به، فتطرق لها الفساد بشكل يشكك بقدرة الإنسان على حرمان نفسه من إحدى حاجاته الأساسية دون إخلال بواجباته، وهو ما دفع الكنيسة البروتستانتية (الإصلاحية) إلى التخلي عن الرهبنة والسماح للكهنة بالزواج قبل خمسة قرون، بينما تتمسك الكنائس الكاثوليكية بتقاليد الرهبنة لتصبح فضائح الكهنة الجنسية في كنائسها وأديرتها من أهم المواد الصحفية في الغرب خلال السنوات الماضية.

“الأديرة تحتوي على فساد عميق وهيهات أن يوجد فيها من يصلح للبقاء، إذ أنها تضم بين جدرانها أفّاقين أولى بهم غياهب السجون” [مجلة “رسالة الحياة” المسيحية، السنة الأولى، العدد 6، ص74].


 

أهم المراجع
مجموعة من اللاهوتيين برئاسة فرنس دافدس، تفسير الكتاب المقدس، منشورات النفير: بيروت، 1989م، ط2.

موريس بوكاي، دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، دار الأفكار: بيروت، 1991م، ط1.

هيم ماكبي، بولس وتحريف المسيحية، ترجمة سميرة عزمي الزين، المعهد الدولي للدراسات الإنسانية، 1986.

جون هيك، أسطورة تجسد الإله في السيد المسيح، ترجمة نبيل صبحي.

محمد أبو زهرة، محاضرات في النصرانية، الرئاسة العامة للإدارات البحوث العلمية والإفتاء: الرياض 1404هـ، ط4.

محمد علي البار، دراسات معاصرة في العهد الجديد والعقائد النصرانية، دار القلم: دمشق 2006م، ط1.

أحمد شلبي، المسيحية، مكتبة النهضة المصرية: القاهرة 1993، ط10.

لينة الحمصي، المسيحية والإسلام، دار العصماء: دمشق 2010، ط1.

محمد الغزالي، قذائف الحق، دار القلم: دمشق 2002م، ط3.

سيد عاشور، اليهود في عصر المسيح عليه السلام، دار القلم: دمشق 1992م.

Jean Schorer, Das Christentum in der Welt und für die Welt, Wien 1949.

Jean Schorer, Pourquoi je suis devenu un chrétien libéral, 2. A., Genf 1971.

Willhelm Schmidt, Bibel im Kreuzverhör, Gütersloh 1963.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد