الهندوسية والبوذية

أحمد دعدوش

 

بداية غامضة
بدأت التجمعات البشرية بالظهور في شبه القارة الهندية بمنطقة دلتا نهر السند الواقعة في البنجاب بباكستان اليوم، وتطورت إلى نشوء حضارة بمدينة “هرابا” تزامنا مع وجود الدولة الأكادية في بلاد الرافدين (العراق)، وكانت الشعوب الأولى تتحدث بلغتي الموندا والدرافيدية، ثم غزت قبائل الآريين الهند قادمة من وسط آسيا وبلاد فارس (إيران) في وقت غير محدد بالضبط ويعتقد أنه ما بين عامي 1800ق.م و1200ق.م.

ابتكر الآريون نظام العبودية الطبقي ليبقى سكان البلاد الأصليين في الطبقة السفلى (شودرا) كي لا يتمردوا، أما الآريون فقسموا أنفسهم إلى كهنة (براهما) ومحاربين وطبقة عاملة، وتم ربط هذه العبودية بالأساطير الدينية. ويجدر بالذكر أن بعض المؤرخين يقولون إن التقسيم الطبقي كان موجودا قبل الغزو الآري.

كانت الكتابة نادرة في الهند حتى بين الكهنة، لذا لا نملك معلومات واضحة عن عبادات الهنود قبل الغزو الآري، وهناك من يعتقد أنه كان لدى الهنود الأوائل كهنة وتقديم قرابين دون وجود لمعابد وأصنام، ثم أصبحت الأساطير الوثنية أساسا للمؤسسة الدينية والسياسية على يد الآريين.

مخطوط ريغ فيدا

تُنسب إلى الكهنة الآريين مجموعة من الترانيم والأساطير باللغة السنسكريتية (أي الكاملة المقدسة) التي لم يكن يتقنها إلا هم، وكان أولها وثيقة تدعى “ريغ فيدا”، وهي تتضمن أكثر من ألف ترنيمة لآلهة الفيدا، كما تُنسب إليهم ثلاثة كتب أخرى هي سامافيدا (أغاني تتلى خلال الصلوات) وياجورفيدا (عبارات نثرية تتلى عند تقديم القرابين) وأتهَرفافيدا (طلاسم سحرية)، وتشكل هذه الكتب الأربعة الضخمة ما يسمى بالفيدات، ويُعتقد أنها إلهامات تلقاها الكهنة الأوائل عبر اتصالهم بمصدر المعرفة المتعالية، وهي حسب زعمهم أزلية وأبدية. وهناك من يضيف كتابا خامسا يدعى البورانات ويعتبره الفيدا الخامسة، كما يضيف البعض إلى الفيدات كتاب مهابْهارات الذي يتضمن أناشيد تدعى بْهاغافاد غيتا، وكذلك كتابي بنْشراترا ورامايان. وسنورد في مقال “نبوة محمد” نصوصا مقتبسة من بعض هذه الكتب وهي تُبشر بنبوته، وبعضها يذكر اسمه الصريح، ما يرجح أن أصولها تعود إلى الوحي السماوي.

مخطوطات من البهاغافاد غيتا

يعد كتاب بْهاغافاد غيتا من أكثر الفيدات تداولا، لأنه مختصر ويجمع خلاصة الدين الهندوسي، ويمكن للعوام قراءته، كما يعد محل إجماع جميع الطوائف والمذاهب الهندوسية.

ووفقا لكتاب “مدخل إلى الأسفار الڤِدية” فإنه يمكن اعتبار أي كتاب على أنه من الفيدات طالما أنه يحفظ فحوى النصوص الأصلية للفيدات “حتى إذا كان إذا لم يكن من جملة النصوص الأصلية الفيدية” [ص 1]، وهذا يكفي للاعتراف بأنها ليست كتبا موحى بها من الإله، حيث يقر باحثو الهندوس أيضا بأن كاتبي تلك النصوص غير معروفين على وجه التحديد. ويختتم كتاب “مدخل إلى الأسفار الڤِدية” بسرد بعض ما يقال على لسان الباحثين والقارئين للفيدات من نقد، لا سيما بشأن تناقضاتها وإغراقها في الأساطير الخرافية عن العوالم الغيبية، حيث تتناقض أساطير البورانات مع أساطير الفيدات نفسها، لكن المؤلف يكتفي بالقول إن هذا الموقف لا يعكس سوى تحيز القراء غير المختصين لتراث الهند مطالبا الباحثين بأن يقرؤوا الفيدات بأنفسهم دون فكر مسبق.

في عام ٨٠٠ ق.م تقريبا ظهرت سلسلة كتب أخرى تسمى “البراهمانا”، وهي مجموعة شروح للترانيم والأساطير والتأملات الباطنية (الغنوصية)، وتلاها ظهور كتب “أرانياكا” و”أوبانيشاد” التي استمرت كتابتها حتى عام 300ق.م. وفي هذه الكتابات الأخيرة بدأ ظهور الأثر اليوناني والروماني في الأساطير الهندية، وهو بالأحرى أثر القبالاه اليهودية المحرفة للوحي كما سنرى لاحقا، مثل تأليه السماء المشرقة في آلهة تدعى “ديفاز” المشتقة من مصطلح “ديوس” اليوناني، وعبادة “هوديوس بيتر” الذي يقابل زيوس اليوناني وجوبيتر الروماني [راجع مقال الوثنية].

ويعد كتاب الفيداس Vedas المرجع الرئيس للهندوسية اليوم، فهو يضم مجموعة النصوص التي وضعها الكهنة والفلاسفة والشعراء خلال ثلاثة آلاف سنة، ويقع في نحو ثمانمئة مجلد تقريبا، حيث يضم الفيدات الأساسية والبراهمانات إلى جانب الأوبانيشادات التي تعد بمثابة تلخيصات وإضافات وتنويعات على الأصل.

وواقع الهندوسية اليوم يضع الباحث في حيرة من أمره، فهي طيف من الديانات والعقائد وليست دينا واحدا، حيث نجد تحت مظلتها من يؤمن بالتوحيد والتثليث وتعدد الآلهة والإلحاد في آن واحد. ومن الملفت أنه لا يُعرف على وجه التحديد من الذي وضع تلك الأساطير والنصوص، فمئات الملايين من الهنود مازالوا حتى اليوم يدينون بدين لا يُعرف من الذي أسسه. ويقول المؤرخ جان إيم كولر في كتاب “الفلسفات الشرقية” إنه من الصعب تتبع تاريخ الهندوسية لأنه يتسم بالغموض فيما يتعلق بالأسماء والتواريخ والأماكن، فالهندوسية تركز على العقائد والمبادئ أكثر من أي شيء آخر.

تنص الكتب البراهمية المقدسة على أن أسرارها لا يمكن أن يفهمها سوى المنخرطون في سلك الرهبنة، فالسرية لا تقتصر على كونها مكتوبة باللغة السنسكريتية التي لا يعرفها عامة الناس، بل لا تُكشف المعاني الباطنية للنص إلا لمن يفني حياته في خدمة الدين، وهذه هي بالضبط فلسفة الجمعيات السرية والحركات الباطنية الغنوصية.
ينسب واضعو كتاب البهاغافاد غيتا إلى الإله كريشنا قوله “لا داعي لشرح هذا العلم الخفي لغير المرتاضين في الحياة أو غير المتتيمين، أو غير المنشغلين بالخدمة التتيمية، ولا لمن يحسدني”، [الإنشاد 18، الآية 67]، وهذا كفيل باتهام كل من ينتقد أساطير الهندوسية بأنه لم يفهمها، بل والزعم مسبقا بأنه من المستحيل أن يفهمها طالما كان لا يؤمن بها، ما يقطع الطريق على كل النقاد من خارج المؤسسة الكهنوتية.

ولحسم الجدل بشأن تعريف الهندوسية، فقد قررت المحكمة العليا الهندية أن الهندوسي هو الذي تتحقق فيه الصفات الست التالية:

1- يؤمن بالفيدات (نصوص كتاب الفيداس) ويحترمها.

2- يحترم عقائد الآخرين، على اعتبار أن للحق أوجها مختلفة (وهذا يدل على أن الهندوسية مجرد محاولة فلسفية لفهم العالم وليست حقيقة مطلقة في نظر أصحابها).

3- يعترف بأن الكون يمر بدورات خلق وانحلال متكررة إلى الأبد.

4- يؤمن يقينا بفكرة تناسخ الأرواح (وهي أكثر العقائد رسوخا لديهم، بل هي الأساس الذي تقوم عليه الهندوسية وتجتمع عليه كل مدارسها المتناقضة).

5- يؤمن بوجود عدد كبير من الآلهة وأزواجهم دون عبادة الأصنام نفسها.

6- عدم الإيمان بمبادئ فلسفية خاصة دون الهندوسية.

 

الألوهية والخلق
تدل الفيدات والأوبانيشادات على أن البراهمية القديمة آمنت بإله واحد مجرد عن التجسد والمادة وكامل الصفات، وهو يشبه في صفاته الإله الواحد الذي ينص عليه الوحي الإسلامي.

ففي الفيدات نجد هذه النصوص التي تتحدث عن الإله:
“لا صورة له” [ياجورفيدا، الإنشاد 32، الآية 3].
“هو غير متجسد وطاهر” [ياجورفيدا، الإنشاد 40، الآية 8].
“اهدنا الصراط القويم واغفر الذنوب التي تجعلنا نضل ونضيع” [ياجورفيدا، الإنشاد 40، الآية 16].
“أيها الأصدقاء لا تعبدوا سواه, القدوس, ادعوه هو وحده” [ريغفيدا، الكتاب 8، الإنشاد 1، الآية 1].

أما في الأوبانيشادات فنجد العديد من النصوص المماثلة، وهذه بعضها:
“واحد أحد لا ثاني له” [شاندوغيا، الكتاب 6، الإنشاد 2، الآية 1].
“لا والدين له ولا سيد فوقه” [سفيتاسفتارا، الإنشاد 6، الآية 9].
“لا يمكن رؤيته ولا تجسيده”. [سفيتاسفتارا، الإنشاد 4، الآية 19].

ويبدو أن تراكم النصوص والتأويلات والتحريفات على يد الكهنة الآريين قد حولت هذا المفهوم الواحدي المجرد للإله إلى مفهوم تعددي متجسد (وثني) حلولي باطني، ففي الكتب نفسها التي تجرد الإله وتوحده وتقدسه نجد نصوصا تتحدث عن مصدر أولي للكون يدعى براهمان، وهو كائن غامض انبثق عنه الكون بطريقة الفيض [انظر مقال الباطنية].

وكما هو حال الأساطير الوثنية الأخرى، تخيل مبتكر الميثولوجيا الهندوسية (غير المعروف) وجود عائلة إلهية ثلاثية، ثم توسعت الأساطير وتوسع معها مجمع آلهة الفيدا حتى أصبح يضم طبقات متعددة من الآلهة، وهي كثيرة ويصعب حصرها، وفي الطبقات الدنيا نجد عددا هائلا من الآلهة إلى درجة أن بعض المصادر تتحدث عن وجود 330 مليون إله، أي أن الآلهة باتت بمثابة السلالات التي تتوالد كالبشر، فهي تملأ السماء والأرض. وكأن الكهنة اقتبسوا هذه الفكرة من أصل موحى به، فالأديان السماوية المعروفة اليوم تتحدث عن عدد كبير من الملائكة والجن في عوالم غيبية.

يقول المؤرخ البريطاني ويل ديورانت في كتاب قصة الحضارة عن آلهة الهندوس “تزدحم بهم مقبرة العظماء في الهند، ولو أحصينا أسماء تلك الآلهة لتطلب ذلك منا مئة مجلد، وبعضها أقرب في طبيعته للملائكة، وبعضها هو ما قد نسميه نحن بالشياطين، والبعض الآخر أجرام سماوية”.

ومن بين هذه الحشود من الآلهة، يركز الهندوس اهتمامهم على ثلاثة آلهة فقط، يشكلون ثلاثة أقانيم في واحد بحيث لا يتقدم أي منهم على الآخر، وكأنهم إله واحد يتجلى في ثلاث صور، وهم:

1- براهما: الخالق ومانح الحياة وزعيم الآلهة.

2- فيشنو: إله الحياة والرحمة والحب، ويتم تجسيده على هيئة إنسان.

3- شيفا: إله الفناء والموت والدمار، وهو في صراع مع فيشنو.

ثالوث الآلهة الهندوسية، من اليمين إلى اليسار: براهما، شيفا، فيشنو

وتقول الأسطورة إن الإله الواحد “براهمان” هو الذي أوجد هذا الثالوث المقدس، وهو الذي يتجلى في صورهم، فهو حقيقة سرمدية أبدية لا تحدها زمان ولا مكان، ولا يعرف كنهه أحد، ويسمونه أيضا “أوم” Aum أي الكائن الأسمى.

وكانت البداية عندما رغب براهمان بأن تخرج الموجودات التي كانت في داخله، أي أن العالم كله كان متضمنا فيه وكان هو يحملها كالسفينة بحسب وصف الفيدا، فتأمل براهمان تأملا عميقا حتى انبثق عنه الماء، ثم صدرت عنه بذرة تحولت إلى بيضة صفراء (أو زهرة لوتس)، فانفجرت البيضة وخرج منه الإله الأول براهما الذي تابع مهمة التأمل حتى انبثقت عنه بطريقة الفيض الكواكب وتضاريس الأرض والإنسان وكافة المخلوقات، لكن هذا الفيض لم يكن ليتم سوى بمعونة عشرة آلهة وسيطة انبثقت بدورها عن براهما، كما انبثق عن براهما أيضا الإلهان الآخران فيشنو وشيفا.

وحسب الأسطورة أيضا فإن للآلهة الثلاثة الرئيسة طبيعتان، أنثوية وذكرية، حيث تجسد الطبيعة الأنثوية في صورة كائن يسمى “شاكتي”.

لوسيفر (إبليس) يظهر في الثقافة الأوروبية على هيئة ملاك سقط من الجنة كما في هذه اللوحة لغوستاف دوريه

وعندما نقارن هذه العقيدة بما انكشف لاحقا من خفايا العقائد الباطنية السرية، ولا سيما القبالاه اليهودية، نجد تطابقا ملفتا، فالإله براهما يقابل أدوناي في سفر التكوين، والإله شيفا يحمل صفات أدوناي الذي حرّم المعرفة على الإنسان، كما يحمل صفات الإله يهوه الذي يميل إلى معاقبة بني إسرائيل وتعذيبهم كما ورد في سفر الخروج، أما الإله فيشنو فليس سوى لوسيفر (إبليس) الذي تزعم القبالاه وكافة الجمعيات السرية الشيطانية أنه الإله الذي أحب الإنسان (آدم وحواء) وأراد أن يعرّفه على شجرة المعرفة التي حرمها عليه أدوناي.

وكما زعمت اليهودية المحرفة أن إبليس تجسد في هيئة ثعبان ليدخل إلى الجنة ويغوي حواء بالأكل من الجنة ويكشف للإنسان سر المعرفة، فقد قدست الهندوسية أيضا الثعابين وجعلتها رمزا للفحولة الجنسية، وأقامت لها معابد وطقوسا لعبادتها.

ويجدر بالذكر أن القبالاه تزعم أيضا أن الألوهية لها طبيعتان، وأن الإله (الذي تسميه عين صوف) يتضمن في ذاته الذكورة والأنوثة (شخيناه)، وأن الكون والوجود كله كان متضمنا في داخله قبل أن تنبثق عنه “البيضة الكونية”، وقد تجلى عين صوف في شجرة الحياة (سيفروت) لتكون وسيلته للخلق بتجلياتها العشرة كما هو حال الآلهة العشرة التي كانت وسيطة لبراهما، حيث تجسد القبالاه هذه التجليات العشرة ببلورات كروية نورانية.

ومع تراكم الأساطير والتعديلات والتفسيرات، يمكن القول إن الهندوسية الآن تتفرع إلى عدة مذاهب يقدس كل منها أحد تجليات شيفنو أو شيفا، بينما لم يعد براهما يحظى بالكثير من الاهتمام، كما لا يلتفت الكثيرون إلى الأصل براهمان الذي انبثق عنه كل شيء، أما الآلهة الأخرى التي تأخذ صفات الملائكة والشياطين فقد تحظى باهتمام عوام الهندوس في بعض الصلوات والأدعية طلبا لمساعدتها أو اتقاءً لشرها، لكن ما يوحد جميع هذه الطوائف بكهنتها وعوامها أنهم يهتمون بعقيدة التناسخ والاتحاد بالحقيقة المطلقة (أياً كان اسمها وصفتها) أكثر من اهتمامهم بطبيعة الإله.

 

الطبقات
يتكون المجتمع الهندوسي من أربع بناء على أسطورة الخلق، حيث أقنع واضعو الأساطير شعوبهم بأن براهما خلق كل فئة من الشعب على هيئة مسبقة فلا يمكن تجاوزها ولا التمرد عليها، وهي كما يلي:

1- الطبقة البيضاء (البراهمة): ينتمي إليها رجال الدين والعلماء، حيث خلقهم براهما من وجهه.

2- الطبقة الحمراء (الكاشاتريا): الأمراء والفرسان، وهم الذين خلقهم براهما من ذراعيه.

3- الطبقة الصفراء (الفيشيا): المزارعون والتجار، الذين خلقهم براهما من فخذيه.

4- الطبقة السوداء (الشودرا): الحرفيون والصناعيون، الذين خلقهم براهما من قدميه.

وهناك أيضا طبقة الأنجاس (باريان) التي تم إلغاؤها بقرار حكومي عام 1950، وهي تجبر أصحابها على الانخراط في مهن يأنف منها الآخرون مثل أعمال التنظيف وحفر القبور، وهي ما زالت موجودة بالرغم من حظر السلطات.

 

التأمل والارتقاء
بما أن الإنسان قد انبثق عن الإله في الأسطورة الهندوسية، فهو إذن ليس مخلوقا طارئا بل كان موجودا أزليا كامنا داخل الإله، ما يعني أن الإله والكون والإنسان جوهر واحد، وأن هناك قنوات للاتصال فيما بينهم يمكن تنشيطها عبر شحذ الطاقة الروحية للإنسان، فمن خلال التأمل وممارسة طقوس اليوغا يصبح بمقدور الروح (آتمان) أن ترتقي وتتصل بالكون بكل ما فيه من كائنات حية وبحار وجبال، وأن تتحد أيضا بالإله وتعود إلى الحالة الأولى، وهي حالة الموكشا الهندوسية أو النرفانا البوذية، وهي أيضا تقابل حالة الدفيقوت لدى القبالاه اليهودية.

وإلى جانب الموكشا، تحدد الهندوسية ثلاث غايات أخرى لحياة الإنسان، أولها تسمى دراهما وتعني أداء الواجبات اليومية للفرد العادي، والثانية هي أرثا وتعني السعي لتحقيق النجاح في العمل وجمع الثروة، أما الثالثة فهي كاما والتي تختص بالإشباع الجنسي.

وبما أن الثالوث الإلهي كان يتضمن الأنوثة في جوهره، ما يعني أنه كان ينكح نفسه بطريقة ما، فالجنس إذن جزء من العبادة ووسائل التطهر التي ترتقي بالإنسان ليصل إلى حالة الموكشا، لذا نجد أن خُلق الحياء الذي اعتاد عليها معظم البشر في مختلف الشعوب يكاد يكون غائبا في بعض مناطق الهند، فالإباحية هناك ليست مرتبطة بالثورة الجنسية المعاصرة التي انطلقت من الغرب الرأسمالي في القرن العشرين، بل هي جزء من معتقدات بعض الطوائف الهندوسية القديمة، حيث تمارس معابدها طقوس التطهر عبر ممارسة الجنس الجماعي العلني، وتجسد نقوشها هذه الطقوس بوضوح، مثل معبد الشمس فى كونارك الذي يرجع إلى القرن الثالث عشر، و85 معبدا آخر في قرية خاجوراهو تعود إلى القرن العاشر الميلادي.

وتسعى الحكومة الهندية في العصر الحالي إلى مكافحة الإباحية عبر شبكة الإنترنت، لكن البلاد تشهد مطالب من قبل بعض الكهنة الأصوليين بإعادة إحياء الطقوس الجنسية ونشرها بين المجتمع.

تانترا
فلسفة التانترا الهندوسية تعد أوضح مثال على تغلغل الشيطانية في الأديان الوثنية، فهي تقوم على فكرة اقتباس الطاقة (برانا) من الكون عبر التجارب الصوفية التأملية (اليوغا)، للوصول إلى اتحاد جنسي مع التجسد الأنثوي للإله (شاكتي)، ويتم ذلك باتخاذ وضعيات محددة للجسم (مودراس) وترتيل تعاويذ معينة (قد تكون طلاسم شيطانية) واستخدام مخططات ورسوم رمزية (ماندالا)، وذلك لاستنزال تلك الطاقة السحرية.

لكن الأمر قد لا يقتصر على هذه الطقوس التي لا تختلف كثيرا عما يمارسه عبدة الشيطان، فبعض الرهبان يستعينون بشريكات عاريات للوصول إلى تلك “الاستنارة”، فيحصل الاتصال الجنسي بذريعة كونه عبادة وليس زنا، ولا تكون تلك الطاقة التي يستشعرون حلولها في الجسد إلهية المصدر بل حلولا للشياطين في أجسادهم، فالمعابد الشيطانية الحديثة التي يعترف أصحابها بأنهم يعبدون فيها الشيطان تقوم بنفس هذه الطقوس (التي تسمى هيروس غاموس) للاتحاد بالشياطين دون تدليس، لأنهم يعتبرون الشياطين هي آلهة هذا العالم.

ومن الملفت أن طقوس الجنس المقدس موجودة لدى القبالاه أيضا، ويبدو أن الثورة الجنسية التي حملتها الحداثة إلى العالم ليست سوى إحدى نتائج هذه العقيدة.

 

العبادات
يحتل التأمل رأس قائمة العبادات الهندوسية، كما يمارس الهندوس نوعا من الصلاة في المعابد أمام الأصنام والأيقونات التي تمثل بعضا من الآلهة، فيقدمون لها قرابين ونذورا ويرتلون أمامها نصوصا من الأناشيد المقدسة.

كما يمارس الهندوسي نوعا من الذكر عبر ترديد صيغ مقدسة تدعى “مانترا”، وهي عبارة عن مقاطع صوتية تتضمن في الغالب أسماء الآلهة، ومن أشهر المانترات كلمة “أوم” التي يرددها الهندوسي بطريقة ملحّنة ومتتالية، حيث يعتقد أن هذه الكلمة هي الصوت البدائي الذي تم به خلق الكون بالفيض عن براهمان، ويساعد ترتيل المانترا على التركيز أثناء التأمل.

لا تُفرض على الهندوس تأدية زكاة على أموالهم، إلا أنهم يستحسنون تقديم الصدقات للفقراء، كما يشجعهم الكهنة على التبرع للمعابد لتغطية نفقاتها وكي لا يضطر الكهنة المتفرغون للمسألة.

يصوم الكهنة في بداية كل فصل من الفصول الأربعة، كما يصومون اليومين الأول والرابع عشر من كل شهر قمري، ويصومون مدة كسوف الشمس، ويتضمن الصوم الإمساك عن الطعام والشراب والكلام والجماع، أما عامة الناس فلا يُفرض عليهم الصوم بل يتطوع بعضهم لممارسته بهدف الارتقاء الروحي.

كما لا يُفرض الحج على الناس، لكن الملايين منهم يتطوعون للحج إلى نهر الكانج المقدس كل عام، وبعضهم يحج إلى المعابد الكبرى والمعالم المقدسة، ويتبرع ببعض ماله طمعا في الارتقاء وتحقيق الأمنيات.

ومن الواضح أن هناك تشابها بين هذه الطقوس والعبادات التي أمر بها الوحي (الإسلام)، إلا أن الهندوس تخففوا من عبء الفريضة وجعلوها نافلة لمن يشاء.

 

التناسخ والمعاد
تقوم عقيدة الهندوسية أساسا على مبدأ تناسخ الأرواح (سمسارا)، والذي يزعم انتقال الروح بعد موت الجسد إلى جسد آخر، سواء كان جسد إنسان أم آلهة أم حيوان.

ويستند هذا الاعتقاد إلى مبدأ آخر يسمى “الكارما”، وهو ينص على أن لكل فعل يقوم بها الكائن الحي عواقب أخلاقية تتناسب مع الفعل، وذلك وفق نظام شامل للعدالة التي لا تستثني أحدا، وهو مبدأ تلقائي قائم بذاته ولا يخضع للسلطة الإلهية، مع أن الكهنة لا يملكون أي حجة عقلية تبرر عمل هذا القانون من تلقاء نفسه ودون جهة واعية تشرف عليه.

وبما أن العدالة لا تتحقق في هذه الحياة الدنيا دائما، فقد قرر الكهنة أن الأمر يتطلب الانتظار للتناسخ والعودة في حياة ثانية لينال كل فرد حقه سواء بالثواب أو العقاب، ويبرر الكهنة بهذا المبدأ تفاوت الناس في ما ينالونه من جمال وذكاء وصحة وثراء ومركز اجتماعي، ويطالبون الناس بأن يجتهدوا في العمل وحسن الخلق كي يعودوا إلى الحياة بشخصيات أفضل، بل يزعمون أن المرء قد يعود إلى الحياة على هيئة آلهة إذا حقق درجة الكمال والاستنارة، ويحذرون من إمكانية العودة بعد الموت إلى الدنيا في جسد حيوان عقابا له، لذا يحرّمون ذبح الحيوانات وأكلها خشية أن تكون حاملة لأرواح البشر.

تؤمن الهندوسية بنهاية العالم، ولكنها تعتقد بأن كونا آخر سيُخلق من جديد بعد نهاية الحالي حيث يتناسخ الكون في دورات متتالية مثل البشر، وتقول الأسطورة إن فترة “كالي” التي ستحل قبل نهاية العالم تحمل عددا من العلامات، مثل كثرة القتل وتقارب الزمان وانشغال الناس بالملذات وفساد الأخلاق.

كالكي مع حصانه

تنتظر الهندوسية شخصية تدعى “كالكي” في آخر الزمان، وتقول إنه سيكون التجسد العاشر والأخير للإله فيشنو، حيث سيظهر أخيرا لإنهاء عصر الظلام والدمار، وتعتقد الهندوسية أن للإله تجسدات متعددة تسمى “أفاتار”، وهناك من يرى أن بوذا كان أحد هذه التجسدات، كما يرى أتباع بعض القادة الهندوس والبوذيين الكبار أنهم قادتهم يمثلون إحدى تلك التجسدات أيضا، مثل سري راما كريشنا الذي سيأتي ذكره لاحقا.

نجد في نصوص الهندوسية ما يدل على أن النيران ستشتعل لتحرق كل شيء في اليوم الذي ينتهي فيه العالم، لكن هذه النار ليست للعقاب، كما أنه لا يوجد هناك حشر ولا حساب، بل يعاد خلق الكون بعد فترة من فنائه، ويكون الثواب والعقاب بإعادة تجسد البشر وفقا لأعمالهم في الكون الجديد.

ويبدو أن الهندوسية لم تنف وجود الجنة نهائيا، بل جعلتها مكانا مؤقتا لا يخلد فيه الصالحون، فهي مكان جميل يحتوي على قصور وحدائق وأنهار، وتعيش فيه الآلهة، ويمكن لمن يعيش حياة صالحة أن يدخل هذه الجنة لفترة محدودة بعد موته، لكن دورة التناسخ ستعود لانتزاعه من هناك وإعادته إلى الأرض، فالخلود لدى الهندوس يقتضي الاتحاد مع الحقيقة العظمى وليس دخول الجنة.

 

الهندوسية والجمعيات السرية
سنستعرض الجانب السري للهندوسية في مرحلتين تاريخيتين، الأولى تعود إلى عصر الملك أشوكا في القرن الثالث قبل الميلاد، والثانية هي العصر الحديث.

أسرة الموريا والملك أشوكا
تعد الهندوسية من أقدم الوثنيات الباطنية التي ما زالت حية حتى اليوم، وبالرغم من نشأتها الغامضة كما أسلفنا فقد دخلت عليها طوال قرون العديد من المؤثرات حتى أصبحت خليطا من العقائد، كما انبثقت عنها أيضا عقائد أخرى في نيبال والصين ومناطق أخرى بآسيا، لكن تغلغل القبالاه في الهند لعب دورا إضافيا في جعلها أرضا خصبا للجمعيات السرية الباطنية.

في عام 269 قبل الميلاد، ورث الملك “أشوكا العظيم” الحكم عن والده بندوسارا، وبعد سبع سنوات تقريبا خاض في كالينغا بشرق الهند معركة طاحنة راح ضحيتها نحو مئة ألف إنسان كي يؤسس إمبراطوريته الضخمة، والشائع في التاريخ المتداول عالميا اليوم أن الملك أشوكا شعر بالندم على الدماء التي أزهقها، فتحول من ملك محارب إلى رسول للتسامح والأخوة الإنسانية، واعتنق الديانة البوذية (المشتقة من الهندوسية) دون أن يتخلى عن الأصل الهندوسي، وقرر أن يجعل من البوذية ديانة تبشيرية عالمية بإرسال الدعاة إلى أنحاء إمبراطوريته، ودوّن مبادئه في التسامح على أعمدة أشوكا الباقية حتى اليوم، والتي تعلوها منحوتة لأربعة أسود، ما زالت تمثل شعار الهند الرسمي حتى اليوم.

لكن ثمة رواية أخرى لقصة أشوكا، فعلى سبيل المثال يرصد الباحثان لويس بولز وجاك بيرييه في كتابهما “صباح السحرة” The morning of the magicians الجانب المخفي من تاريخ البلاد الذي لا نكاد نجد له أثرا في المراجع التاريخية الكبرى، فيقولان إن أشوكا أدرك بعد ضمه السواحل الشرقية للهند إلى دولته أنه لن يتمكن من الإمساك بزمام دولة مترامية الأطراف إلا بامتلاك قلوب الشعب قبل رقابهم، فسعى إلى نشر الهندوسية والبوذية لأنهما تقدمان للشعوب مبررا للسعي وراء الثروة والانحلال الأخلاقي دون أعباء. ولكي يضمن نجاح المشروع أسس جمعية سرية من تسعة قادة -وهو أحدهم- تحمل اسم “جمعية الرجال التسعة” [كتاب شفرة سورة الإسراء، ص 341].

وكما هو حال معظم الجمعيات السرية الأخرى التي تتوالد من رحم واحد منذ آلاف السنين، فإن هدف أشوكا من تأسيس جمعيته السرية كان بحسب زعم بولز وبيرييه هو “حفظ المعرفة وتطويرها كي لا تقع في أيدي الرجال الأذكياء ممن قد يوظفون علمهم وذكاءهم في سبيل الشر”، وقد أوضحنا في مقال الجمعيات السرية أن هذه المعرفة التي يحرصون على احتكارها ليست سوى مزيج من الفلسفة الباطنية الهرمسية والخيمياء والرياضيات والهندسة مع أكثر علوم السحر والتعامل مع الشياطين خطورة.

وتنتشر اليوم الكثير من المؤلفات والمواقع الإلكترونية التي تتحدث عن تفاصيل (يصعب التحقق منها رغم احتمال صحتها) بشأن استمرار وجود هذه الجمعية السرية، والتي يتم استبدال رجالها التسعة جيلا بعد جيل حتى اليوم، حيث يُعتقد أنهم ما زالوا يحتفظون بمعارفهم السرية المتطورة، ويؤمن الكثير من أصحاب هذه الروايات فعلا بأن هدف الجمعية هو حماية تلك المعرفة من الوقوع بيد الأشرار بدلا من العكس.

تقر المراجع التاريخية الكبرى بأن أسرة موريا التي حكمت الهند، والتي أسهها شاندرا غوبتا جد أشوكا عام 321ق.م غير معروفة الأصل، فلم يذكر لنا التاريخ سوى أن شاندرا غوبتا ظهر على المسرح الهندي لتأسيس مملكة تتصدى للغزو المقدوني (اليوناني) الذي قاده الإسكندر الأكبر، كما لم يحفظ التاريخ الكثير من آثار وقصص شاندرا وابنه بندوسارا، بينما احتفظ أشوكا بتاريخه المنحوت على أعمدة تحمل اسمه وصار تاريخ البلاد العظيم يبدأ من عنده، حيث أخبر عن نفسه بأنه ارتكب مذابح كبرى لتحويل مملكته الناشئة إلى إمبراطورية عظمى، ثم تحول بعدها إلى رمز للتسامح.

لكن الباحث بهاء الأمير -في كتابه شفرة سورة الإسراء- يرى سرًا آخر وراء هذه الأسرة مجهولة الأصل، ويتساءل لماذا ظل تشكيل جمعية الرجال التسعة طي الكتمان؟ ومن أين جاءت تلك الأسرة التي أعادت كتابة تاريخ شعب يقدر تعداده اليوم بأكثر من مليار نسمة؟

ينقل الباحث عن هيلينا بلافاتسكي أن نصوص البورانا الهندوسية المقدسة تنبأت بأن الموريا ستحكم الهند حكما روحيا خالصا وستكون مملكة التجلي القادم للإله، لكنه يفسر مقولتها هذه بأن هذا التجلي ليس سوى تحريف لتجلي الإله في الماشيّح أو الهامشيحاه (المسيح المخلص بالعبرية) الذي ينتظره القباليون اليهود في آخر الزمان، وأن الأسود الأربعة التي اتخذتها الأسرة شعارات ليست سوى نسخة عن أسد سبط يهوذا الذي لا يكون حُكمُ بني إسرائيل إلا منهم وفقا لمقولة “حق الحكم الإلهي”. أما اسم موريا فليس سوى اسم جبل الهيكل الوارد في النص التالي من التوراة: “وشرع سليمان في بناء بيت الرب في أورشليم، في جبل الموريا حيث تراءى لداود أبيه”، ما يرجح أن تلك الأسرة الغامضة التي أسست جمعية سرية لحماية الهندوسية والبوذية ونشرها وتسييسها ليست سوى إحدى سلالات سبط يهوذا من بني إسرائيل الطامحين إلى حكم البشرية عبر ما يرونه وعدا إلهيا.

 

العصر الحديث
كما هو حال القبالاه التي تزعم احتكارها للحقيقة الباطنية لليهودية، فإن فلسفة “فيدانتا” الهندوسية تتناول تفسيرات باطنية لكتب الفيدا والأوبانيشاد المقدسة، وتزعم أنها تعلم التأويلات السرية للنصوص وأنه يمكن من خلالها فهم الطبيعة المطلقة للحقيقة (الإله براهمان).

راما كريشنا

وهناك جزء من الفيدانتا تتمحور تعاليمه حول الإله فيشنو تحديدا، الذي سبق أن أوضحنا أنه يقابل إبليس نفسه بصفته الإله الحامل للمعرفة والمحب للإنسان، وقد بدأت هذه العقيدة الشيطانية بتشكيل جمعيات سرية منذ القرن الثامن عشر.

ومن أهم هذه الجمعيات جمعية “راما كريشنا” التي أسسها عام 1894م الراهب الهندي سْري راما كريشنا (المولود باسم غاداذار تشاتوبادياي) وتلميذه سوامي فيفيكاناندا، حيث انتقل فيفيكاناندا إلى نيويورك وأسس هناك جمعية فيدانتا وأصبح الأستاذ الأعظم لها، وما زالت الجمعيتان تنشئان فروعا ومدارس لنشر طقوسهما في الهند وأوربا وأمريكا الشمالية، وإليهما ينسب أيضا انتشار حركة العصر الجديد وثقافة اليوغا في كل الدول الغربية.

وبما أن الجمعيات السرية الشيطانية تنهل من نبع واحد، فقد التقى الأستاذ الأعظم للماسونية في الولايات المتحدة ألبرت بايك بالأستاذ الأعظم للفيدانتا، وأخذ بايك منه تعاليم الباطنية الهندوسية وجعلها أصلا لطقوس الدرجة الثانية والثلاثين الماسونية، وهي الدرجة قبل الأخيرة في الطقس الأسكتلندي.

وبطبيعة الحال، كان فيفيكاناندا يقدم نفسه إلى الغرب على أنه قديس يحمل رسالة السلام إلى العالم كما كان يفعل الملك أشوكا قبل أكثر من ألفي سنة، حيث يوثق أتباعه اليوم من محاضراته وكتاباته ما يدل على انفتاحه على كافة الأديان ودعوته للتعايش مع الجميع، وهو ما نجده في مؤلفات الروائي الإنجليزي كريستوفر إيشروود الذي كرس الكثير من حياته وأدبه للترويج للفيدانتا وتوثيق أقوال فيفيكاناندا، لكن هذا الخطاب “المتسامح” يصب في مجرى الجمعيات السرية الحديثة التي تسعى جاهدة لإعادة صهر الأديان كلها في بوتقة دين عالمي واحد، وهو دين عبادة لوسيفر أو فيشنو (إبليس) حامل الضياء الذي يسعى لكشف غشاوة الجهل عن الإنسان كما يزعمون.

في عام 1893، أطلق سوامي فيفيكاناندا مع القاضي الأمريكي تشارلز بوني مبادرة لإنشاء “البرلمان العالمي للأديان” في مدينة شيكاغو الأمريكية، والذي استمر بمزاولة أنشطته حتى أصبح مجلسا عالميا يحظى بشهرة كبيرة، ومنذ عام 2014 أصبح ينعقد سنويا.
ويعتبر هذا البرلمان منصة عالمية لنشر فكرة “وحدة الأديان”، حيث يسعى رجال دين من كافة الأديان لتقديم أطروحات تفسيرية لأديانهم بأقل قدر من الفوارق والحدود، ما يسمح لاحقا بدمج هذه الأديان كلها في ملة واحدة، وذلك بذريعة نبذ عوامل التفرقة بين البشر.

تتجلى هذه الرسالة بوضوح في كتابات هيلينا بلافاتسكي، فقد بدأت بتلقي تعاليم الجمعيات السرية عبر الهندوسية أولا عندما التقت بمعلمها كوت هومي في لندن، وهو أحد مؤسسي أخوية النور العظمى التي تدمج تعاليم جمعية المتنورين (إلوميناتي) بتعاليم الفيدانتا، وقد رحلت بلافاتسكي معه إلى الهند في منتصف القرن التاسع عشر وبقيت هناك عدة سنوات، ثم أسست في الولايات المتحدة عام 1875 جمعية الحكمة الإلهية (ثيوصوفيا)، التي تعد الآن من أهم الجمعيات الباطنية التي تلهم الكثير من صناع الرأي والقرار في الغرب، وقد افتتحت بلافاتسكي في مدينة مدراس الهندية فرعا لها أيضا قبل افتتاح المزيد من الفروع في أمريكا وأوروبا.

بلافاتسكي

وتعلن بلافاتسكي في كتابيها “إيزيس بلا حجاب” و”العقيدة السرية” ما تسعى إليه بكل وضوح، فهي تصرح بأن لوسيفر (إبليس) هو حامل النور والحياة والمعرفة والحضارة والحرية، وهو إله هذا الكون الذي يستحق أن يعبد بدلا من الإله الخالق الذي طرد الإنسان من الجنة، وبما أن الأرواح تتناسخ وفقا للعقيدة الهندوسية (والتي يؤمن بها الباطنيون) فإن الإنسان المخلّص (المايتريا) سيحل للمرة الخامسة والأخيرة في أحد الأجساد قريبا، ويتجلى فيه الإله براهمان، فيقود البشرية نحو الاندماج في أمة واحدة ودين واحد وهو دين عبادة لوسيفر.

وقد آمنت بهذه العقيدة أيضا سيدة أميركية يهودية تدعى أليس بيلي، وأسست منظمة عالمية تدعى “لوسيفر ترست” عام 1922، ثم تم تعديل الاسم إلى “لوسيس ترست” لدفع الشبهات عنها، وتلعب هذه المنظمة اليوم دورا مهما في دعم أنشطة منظمة الأمم المتحدة، وفقا للموقع الرسمي للمنظمة.

كانت بيلي أكثر وضوحا من أستاذتها، ففي كتابها “ظهور المسيح” تقول إن المسيح المنتظر سيكون من سلالة اليهود، وهو الماشيّح الذي ينتظرون ظهوره في آخر الزمان، وسيوحد الشرق والغرب ويحل به السلام في العالم كله. كما خصصت العديد من كتبها لشرح تعاليم “العصر الجديد” الذي تبشر به، [انظر مقال حركة العصر الجديد]، وجميع هذه الكتب متاحة للبيع على موقع “لوسيفر ترست” وليست سرية.

وهكذا تتقاطع الباطنية اليهودية مع الباطنية الهندوسية، فالماشيّح هو نفسه المايتريا، ولوسيفر هو فيشنو، والخلاص النهائي سيحدث عندما يخرج المخلّص إلى العلن ليوحد الناس جميعا في عقيدة واحدة بإخلاص العبادة لذلك الإله، وذلك مصداقا للنبوءات التي ينتظر المسلمون تحققها في آخر الزمان عندما يخرج الأعور الدجال.

أليس بيلي مع شعار منظمتها وغلاف كتابها

أما التلميذة الثانية لبلافاتسكي الكاتبة البريطانية آني بيزنت فكانت من أهم ملهمي المهاتما غاندي، مؤسس الدولة الهندية الحديثة، حيث التقى غاندي شخصيا بالسيدتين عام 1889، وكان يعلق صورة بيزنت في مكتبه بجوهانسبرغ في جنوب أفريقيا قبل أن يصبح قائدا للثورة ضد بريطانيا، ويقال إن بيزنت هي التي أطلقت عليه لقب مهاتما (الروح العظيمة)، وهو اللقب السنسكريتي المقابل للقب الأستاذ في جمعية الثيوصوفيا.

آني بيزنت مع غاندي

اشتهر غاندي عالميا بأنه كان منفتحا على كل الأديان ورافعا لراية السلم ومناهضا للعنف، وينقل عنه قوله “إن للأديان روحا واحدة، إلا أنها تتجلى في أشكال متعددة، والجوهر سيبقى حتى النهاية، والرجال الحكماء سيتجاهلون القشور ويهتمون بالروح الحية التي تحتها… أما الحقيقة فليست ملكا حصريا لأي كتاب مقدس على حدة”، وهذا ما كان يقوله المعلم راما كريشنا الذي اعتبر أن كل الأديان بما فيها الإسلام والمسيحية تؤدي إلى نتيجة واحدة.

والحقيقة أن هذه الدعوات للانفتاح لا تعدو كونها شعارات لتمييع الحقيقة حتى تتماهى مع الباطل، وليصبح الوحي السليم مكافئا للدين الأسطوري المحرف، فالأديان الباطنية وحركاتها التي مازالت تتوالد باستمرار لا تخوض في الأسئلة الوجودية الكبرى، وتكتفي بالدوران حول المسلّمات التي تتفق عليها كافة الأديان مثل وجود الإله ومحبته وضرورة التعايش في وئام وسلام، بينما تدعو بشكل غير مباشر إلى نبذ الأصول الأخرى التي لا يكتمل أي دين إلا بها ولا يصح جمعها مع أصول الأديان الأخرى.

وهذا التمييع يقع في قلب أهداف الجمعيات السرية كلها، وهو ما تعلنه جمعية بلافاتسكي وتلميذاتها بوضوح، وهذا يفسر تبجيل الغرب -بما فيه بريطانيا التي كانت تحتل الهند- لغاندي، حتى أصبح أيقونة عالمية يراد تعميمها واستنساخها، فهناك جانب غير معلن من قصة المهاتما واستقلال الهند وتقسيمها على حساب المسلمين.

منظمة أشوكا العالمية
تأسست هذه المنظمة في الهند عام 1981 لدعم أصحاب المشاريع الاجتماعية الرائدة في العالم ممن يسعون للتغيير الاجتماعي، وذلك على يد المدير المساعد للوكالة الأمريكية لحماية البيئة بيل درايتون. وتمنح المنظمة أعضاءها لقب زمالة أشوكا للدلالة على التميز والريادة، وتعلن في موقعها الرسمي أنها استمدت اسمها من “الإمبراطور أشوكا الذي تخلى عن العنف وأصبح واحدا من أكثر القادة تسامحا وانفتاحا وإبداعا في التاريخ”.

وإلى جانب المشاريع الخيرية والتنموية التي تدعمها، وهي مشاريع رائدة وتستحق التقدير، تولي المنظمة اهتماما كبيرا بالمشاريع التي تحث على التسامح والاندماج، وفقا للمفاهيم التي يتبناها دعاة اللاعنف مثل فيفيكاناندا وغاندي.


أحد مهرجانات هاري كريشنا في موسكو

هاري كريشنا
في عام 1965 قطع الهندوسي “أيه سي بهاكتي فيدانتا سوامي برابهوبادا” شوطا طويلا في دمج الهندوسية بالثقافة الغربية عندما أسس في نيويورك “الجمعية الدولية لوعي كريشنا”، والتي باتت تعرف باسم حركة هاري كريشنا، وهي تستمد أصولها من الكتب الفيدية التقليدية وتعتمد على تعاليم حركة “غوديا فاشينافا” التي سبق أن ظهرت في الهند عام 1486، وتركز جل اهتمامها على عبادة فيشنو وكريشنا.

استقطبت حركة هاري كريشنا اهتمام آلاف الشباب الأمريكيين تزامنا مع صعود حركات العصر الجديد، فكانت أشبه بموضة فكرية تضفي بعدا روحيا على حياة الهيبيين المليئة بالعبث والجنس والمخدرات، دون أن تحمّلهم أعباء أخلاقية أو تحرمهم من التمتع بالملذات الحسية، وذلك بالرغم من إصرار أدبيات الحركة على أنها تدعو للتقشف ومقاومة الشهوات، إلا أن فلسفتها الغامضة ظلت كما يبدو حبيسة الكتب، كما أن محاولتها إضفاء البعد الروحي على الممارسات الجنسية تكفي لجذب الشباب حتى لو اكتفوا بالبحث عن المتعة دون التفات إلى وصايا التقشف.

سرعان ما توسعت الحركة، وأصبحت اتحادا عالميا يضم مجتمعات مصغرة تكتفي بذاتها في الغابات، وذلك بعيدا عن ضجيج الحياة العصرية. وعندما انهار الاتحاد السوفيتي وسقط النظام الشيوعي الإلحادي؛ وجدت هذه الحركة أرضا خصبة في أوروبا الشرقية، لملء الفراغ الروحي لدى الشباب الباحث عن أي بوصلة.


ميهير بابا      
في عام 1925، بدأ شاب هندي من والدين إيرانيين زرادشتيين اسمه ميروان شيريار رحلته الروحية التأملية، وكان عمره آنذاك تسعة عشر عاما، وعندما أصبح جاهزا أسس جماعته الخاصة في بومباي مدعيا أنه “أفاتار” جديد يتجسد فيه الإله.

وكما هو حال الكثير من الزعماء الهندوس، لحق به الآلاف فأسس لهم قرية أسماها ميهيرأباد، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة التي باتت أرضا خصبة لحركات العصر الجديد، وأصبح من نجوم المجتمع إلى أن توفي عام 1969، وتحول مقره في مايرتل بتيش بولاية كارولاينا الجنوبية إلى متحف يستقطب المعجبين حتى اليوم، وهو شاهد على حياة الترف التي كان يعيشها.


مهاريشي ماهيش عام 2007 قبل شهور من وفاته
(Global Good News)

التأمل التجاوزي
بعد نجاح راما كريشنا و فيفيكاناندا في عولمة الهندوسية وربطها بالجماعات السرية الغربية، جاء دور مهاريشي ماهيش يوغي (المولود عام 1918 باسم ماهيش براساد فارما)، حيث انعزل في جبالا الهيمالايا ثلاثة عشر عاما حتى يصل إلى “الاستنارة”، ثم بدأ بتأسيس مشروعه عام 1959 محاولا تقديم الأساطير الغنوصية في ثوب علمي، فقدّم أبحاثا في مجال الوعي وعلاقته بهالات الطاقة المحيطة بالجسم، وأسس “جمعية التأمل التجاوزي الدولية” في لندن لتكون مظلة لأفكاره.

ذاع صيته في الستينات عندما بدأت فرقة البيتلز الغنائية الشهيرة بالتعلم على يديه، حتى أصبح من نجوم حركات العصر الجديد، مما منحه فرصة أكبر لترويج نظرياته التي كان يحاول من خلالها تقديم حلول لمشاكل العالم الاقتصادية والسياسية والتربوية والأخلاقية والصحية والإدارية، ثم أسس جامعات في الولايات المتحدة واليابان وهولندا وروسيا لتخريج أجيال من المعلمين الحاملين لأفكاره، والتي أصبحت جزءا من إمبراطوريته القائمة حتى اليوم.

في عام 1975 بدأ بالتبشير بما سماه “فجر عصر الإشراق”، وقام بجولة عالمية للترويج لبدء عصر جديد للإنسانية، وكان رئيس وزراء كندا بيير ترودو أحد الشخصيات المهمة التي استقبلته بحفاوة. وتتقاطع هذه الفكرة مع نظرية بلافاتسكي المذكورة أعلاه عن عصر جديد ونهائي يتجلى فيه لوسيفر “إبليس” حاملا الخلاص والنور والسلام إلى البشرية.


أوشو
ولد تشاندرا موهان جين عام 1931، وبدأ بشق طريقه نحو الشهرة في الستينات من خلال انتقاداته للأديان والسياسة وحتى بعض الرموز لدى الشعب الهندي مثل المهاتما غاندي، وفي أواخر الثمانينات اتخذ اسم “أوشو” وأصبح من أكثر رجال الدين الهندوسي إثارة للجدل.

على عكس المعلمين السابقين الذين حرصوا على الظهور في صورة المتقشفين، لم يتردد أوشو في الانفتاح على كل الملذات ومظاهر الخلاعة. فبعد انتقاله إلى الولايات المتحدة عام 1981 أنشأ في ولاية أوريغون قرية خاصة بأتباعه تحت اسم “راغنشبورام”، والتي أصبحت محجّا للباحثين عن أساليب جديدة تدمج التأمل بالجنس، وتصل بالممارسين إلى حد الهلوسة، وهي لا تختلف في شيء عن طقوس الجماعات الشيطانية.

لم يكن أوشو يخفي عن أتباعه وعن الصحفيين الجانب المترف من حياته الخاصة، فكان يمتلك عددا كبيرا من سيارات رولز رويس ويعيش في قصر فخم، فضلا عن ممارساته الجنسية المتعددة. وقد دخل في صراعات مع جهات إعلامية وسياسية واجتماعية كثيرة في أميركا مما أدى إلى طرده، حيث منعته أكثر من عشرين دولة من اللجوء إلى أراضيها، فاضطر للعودة إلى بلدته بيونيه في الهند ليموت فيها عام 1990.

أتباع أوشو كانوا يصطفون يوميا في قريته الخاصة بأميركا لتحيته عند مغادرته بسيارته الفارهة

والملفت أن أفكاره لاقت رواجا بعد موته أكثر مما كانت عليه في حياته، وهي من أكثر أنماط العيش ملاءمة لحركات العصر الجديد المنفلتة عن قيود الأديان والأخلاق، حيث يجتذب منتجع أوشو الدولي في بيونيه نحو مئتي ألف زائر سنويا، وتعد مريم نور من أهم مروجي فلسفته في العالم العربي.

في هذا الفيديو يتبرّك أتباع أوشو بقدميه في عيد ميلاده عام 1972:

 

البوذية
تقول الحكاية إن أميرا هنديا اسمه سدهارتا غوتاما ولد عام 560ق.م لملك كان يحكم مملكة صغيرة على الحدود الفاصلة بين الهند ونيبال، وعندما بلغ الأمير سن التاسعة والعشرين شعر بالملل من حياة الترف وانطلق في الغابات والجبال للتقشف والتأمل على طريقة اليوغا حتى بلغ حالة الاستنارة، وأصبح لقبه بوذا، أي المستنير.

انطلق بوذا للدعوة إلى مذهبه الذي يعد طريقة للخلاص تحت مظلة الهندوسية، فآمن به الناس وذاع صيته، ولم يترك بوذا لأتباعه كتابا يوثق تعاليمه، كما لم يرشح أحدا منهم ليخلفه، ويقال إن ثلاثة من كبار الرهبان الذين آمنوا به قرروا بعد وفاته تدوين فلسفته، وبعد نحو ثلاثة قرون وجد الملك آشوكا العظيم في هذه الفلسفة نسخة أكثر قابلية للتطبيق والتبشير، لا سيما وأنها تلغي الطبقية التي كانت موجودة في الهندوسية القديمة، فجعل منها دينا عالميا.

هناك من يشكك في وجود شخصية حقيقية اسمها بوذا ويرجح أنها مجرد أسطورة، وهناك من يرى في المقابل أن بوذا كان نبيا مرسلا من الله وداعيا إلى التوحيد الذي دعا إليه خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنه من الصعب التحقق من صحة هاتين المقولتين فسنتعامل مع شخصيته وآثاره وفقا لما يقوله أتباعه.

تمثال لبوذا في حالة تأمل

من الملفت أن بوذا لم يتحدث عن وجود إله على الإطلاق، مع أن الهندوسية الأصلية تعبد ملايين الآلهة وتجعل على رأسها إلها خالقا، لكن بوذا ركز اهتمامه كله على الاستنارة والتوحد بالحقيقة المطلقة ونبذ الطبقية ورفع الظلم عن المضطهدين، وعندما يُسأل الرهبان البوذيون اليوم عن مفهومهم لبدء الخلق وأصله ومصيره وما بعد الموت فإنهم لا يقدمون إجابات شافية، فالبوذي يقصر اهتمامه على الجانب الأخلاقي والسلوكي ويتهرب من التفكير في الأسئلة الوجودية، ما يدفع بعض الباحثين للتردد في تصنيف البوذية ضمن الأديان واعتبارها مجرد فلسفة باطنية.

ونظرا لغياب مفهوم الألوهية لديهم، رفع الكهنة بوذا إلى مرتبة الإله مع الإقرار بأنه مجرد معلم وليس خالقا، إلا أنهم يقصدونه بالعبادة والتقديس. وتقام اليوم في المعابد البوذية صلوات وتتلى أناشيد ملحنة أمام أصنام بوذا، كما يؤدي الكثير من أتباعه صلاتهم في منازلهم أمام أيقونات على هيئة بوذا.

تُفرض الزكاة على أموال عامة الناس، وقدرها تُسع المال، أما الصيام فيتطلب الامتناع عن الأكل والشرب باستثناء الحليب، وبعضهم يصوم ثلاثة أيام محددة في السنة، بينما يصوم آخرون اليوم الرابع عشر من كل شهر قمري، أما الحج فيتطلب السفر إلى أربعة أماكن مقدسة في الهند ونيبال، ويقر الكهنة أن هذه العبادات لم يأمر بها بوذا بل وُضعت بعد موته.

وكما هو الحال لدى الهندوسية، يؤمن البوذيون بمبدأ “الكارما” والتناسخ، ويزعمون أن المرء قد يعود إلى الحياة على هيئة آلهة إذا حقق درجة الكمال والاستنارة، ويحذرون من إمكانية العودة بعد الموت إلى الدنيا في جسد حيوان، لذا يعتقد البوذيون أن بعض الديدان والحشرات ليست سوى كائنات بشرية ممسوخة، فيمتنعون عن قتلها.

تعد البوذية أكثر مادية من الهندوسية، فهي ترى أن الخلاص حالة لا تخضع للتغير، وهو الخلود والمجد والمعرفة المتعالية، حيث يشعر الإنسان بالطمأنينة والسعادة عندما ينال هذه الدرجة. كما لا تقر البوذية بوجود الروح (الأتمان عند الهندوس)، بل تزعم أن الإنسان مركب من أجزاء مادية متغيرة، وآلية الكارما تؤدي إلى تمتع الإنسان بالملذات المادية بعد التناسخ، فلا وجود للآخرة بنهاية المطاف. وهذه الرؤية المادية تعطي البوذية ميزة القبول في الغرب، لا سيما ضمن إطار حركة العصر الجديد.

بعد نحو ألف سنة من خروج البوذية من رحم الهندوسية، قدّم بوذيدارما -الذي يعتقد أنه الخليفة الثامن والعشرون لبوذا- مذهبا جديدا تحت مسمى بوذية التشان، والتي تعد النسخة الصينية من البوذية، ثم انتقل هذا المذهب إلى اليابان تحت مسمى بوذية الزن. ولا يختلف هذا المذهب كثيرا عن الأصل، إلا أنه يحاول أن يجعل تعاليم البوذية أكثر التصاقا بالحياة اليومية، ما يعطيه أيضا ميزة الانتشار في الغرب.


التقاطع مع الإسلام

الهندوسية والإسلام
تتقاطع الهندوسية مع الإسلام في الإقرار بالألوهية، لكن الإسلام يقوم على التوحيد والإيمان بأن للإله وجودا حقيقيا مطلقا، وبأن للمخلوقات وجودا حقيقيا نسبيا، ويتنافى هذا التوحيد مع وحدة الوجود واتحاد الخالق بالمخلوقات أو حلوله فيها.

أما الهندوسية فتقوم على تعدد الآلهة (الشرك)، وتقر بخلود الروح وتناسخها، وتعطي الأولوية للروح على الجسد، ما يؤدي إلى الزهد المتطرف، بينما يقول الإسلام بوحدة الروح والجسد وتحقيق التوازن بينهما مع الدعوة إلى الزهد المعتدل.

يرى كثير من المؤرخين أن الهندوسية لعبت دورا جوهريا في نشوء بعض الفرق الإسلامية أو التأثير عليها جزئيا، مثل الإسماعيلية وبعض الطرق الصوفية، غير أنه يجب التمييز بين نمطي التصوف الإسلامي لتحديد مدى تأثيرها عليه، ففي التصوف السني التعبدي ظل تأثيرها ثانويا ومحدودا، حيث أخذ عنها الزهاد بعض المظاهر كالسُّبحة والمخلاة، والقول بأولوية النفس على الجسد بصورة مخففة، أما التصوف الفلسفي فتأثر بها بقوة حتى كانت من مصادره الأساسية، ونرى ذلك واضحا في مقولة الحلول التي تُنسب للحلاج، وفي نظرية وحدة الوجود لدى ابن سبعين. [انظر: الباطنية والتصوف الفلسفي].

 

البوذية والإسلام
تلتقي البوذية مع الإسلام في العديد من القيم الأخلاقية والاجتماعية، مثل الدعوة للمساواة التي نص عليها الحديث النبوي “ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى” [رواه البيهقي وصححه الألباني]، وكذلك في التوسط بين الإباحة المطلقة والزهد المطلق، والذي نجده في الآية {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} [القصص: 77].

لكن الاختلاف يظهر في عقائد جوهرية، وأهمها تأليه بوذا الذي يتناقض مع التوحيد، وإنكار البوذية لخلود الروح رغم قولها بالتقمص، وهو تناقض واضح.

 


أهم المراجع:

أبو الريحان البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد، 1958.

أمَة الرفيع محمد بشير، المعاد في الهندوسية (أطروحة دكتوراه)، الجامعة الإسلامية العالمية، إسلام أباد، بدون تاريخ.

عبد الرزاق الموحي، العبادات في الأديان السماوية، دار الأوائل، دمشق، 2001.

جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ترجمة كامل حسين، سلسلة عالم المعرفة، 1995.

بهاء الأمير، شفرة سورة الإسراء، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2016.

بدون مؤلف، مدخل إلى الأسفار الڤِدية، موقع رافاناري التابع لحركة هاري كريشنا http://www.ravanari.com/mad/madkhal.pdf

Klaus K. Klostermaier ,Hinduism, Oneworld Publications, Oxford, 2007.

David Livingstone, The Untold Story of Gandhi and Theosophy, 12/15/2013, conspiracyschool.com

https://parliamentofreligions.org

http://www.ravanari.com

http://www.krishna.com

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد