alsabeel img 1779731276 3879

خديعة الهالات الافتراضية.. كيف تسترد سيادتك من سوق المشاعر الرقمي؟

حافظ غندور

السقوط في فخ “النسخة المحررة”

بين “السيولة العاطفية” و”التيه المزدوج”؛ حيث تُبنى البيوت وتُهدم الأرواح بناءً على “الميغا بكسل” وصورة ومنشور منمق. المعضلة الكبرى في عصرنا ليست في ندرة التواصل، بل في “تزييف الواقع” الذي تصنعه الشاشات. يرى الشاب أو الفتاة “حسابًا” يقطر جزالةً وفكرًا وصلاحًا، فينحت من هذا “الركام الرقمي” صنمًا يقدسه، غافلًا عن أن ما يراه هو “أفضل نسخة” تم تحريرها بعناية خلف الكواليس، وليست “المعدن الحقيقي” الذي يُختبر في كبد المسؤولية.

هذا الانفصال بين “المظهر الرقمي” و”المخبر الحقيقي” هو ما حذر منه الوحي في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2-3]. فكم من الكلمات المنمقة خلف الشاشات تخفي خلفها نفوسًا مضطربة أو أخلاقًا لم تهذبها مجاهدة. والسيادة الروحية تقتضي ألا نرتهن للصور، بل أن نغوص إلى الجوهر والصدق.

خديعة “الهالة”.. حين تعشق خيالك لا الشخص!

في التحليل النفسي القائم على مرجعية الفطرة، نفرق بدقة بين “الحب الاستخلافي” الرصين وبين الارتهان للصورة. التعلق بـ “إمام المنشورات” هو في حقيقته حب لـ “نموذج مثالي” صنعه المتلقي من ركام احتياجه النفسي. الشاشة تمنحك “الكلام” المصفى، لكنها تحجب عنك “كيمياء الأخلاق” التي لا تظهر إلا عند الغضب، و”المروءة” التي لا تتجلى إلا عند الشدة، و”الصدق” الذي يُمحص عند تعارض المصالح.

وكما أنَّ العبرة في المادّة ليست ببريق غلافها بل بنقاء جوهرها وأثرها، فإن “المادّة الفعّالة” في الإنسان لا تظهر في الصور المنمقة “بريق غلافه الخارجي “، بل في ثباته عند “الضغط العالي” ومحكّات الواقع. إن التعلق بـ “الهالات الرقمية” هو “سراب تقني” لا يصمد أمام اختبار الواقع والمسؤولية؛ لأنه بُني على “هالة” هلامية لا على “هيكلٍ صلب” من المواقف والعهود والمسؤوليات. يقول النبي ﷺ:”‌الأرواح ‌جنود ‌مجندة. فما تعارف منها ائتلف. وما تناكر منها اختلف” [أخرجه مسلم]، والتعارف الحقيقي الذي يورث الائتلاف المستدام هو ما كان في النور، تحت مجهر الواقع، لا خلف ستائر الخوارزميات.

وهم الزمالة الجامعية واستنزاف الركام المؤجل

تلك العلاقات التي تنشأ خلف مقاعد الدراسة تحت ستار “النقاش الفكري” أو “الزمالة”، هي في الغالب نوع من “التسلية” المغلفة بجدية كاذبة. إنها حالة من “اللاجدّيّة” التي تستنزف طاقة الإنجاز الدراسي وتحول القلب إلى “وعاء مثقوب” لا يمتلئ باليقين. والأخطر من ذلك أنها تصنع “تعلقًا اعتماديًا” مرضيًا؛ حيث يصبح الطرف الآخر هو “مخرج الطوارئ” للهرب من ضغوط الامتحانات أو أعباء الحياة، بدلًا من أن يكون شريكًا حقيقيًا في بناء “ميثاق غليظ”.

إن استنزاف المشاعر في هذه المحطات المؤقتة يشبه استهلاك “مخزون الدواء” في غير موضعه؛ فإذا جاء وقت الحاجة الحقيقية (الزواج والبناء)، وجد الإنسان نفسه “خاويًا عاطفيًا” ومحطمًا بالإحباطات السابقة أو التوقعات البراقة. إن الرجولة في ميزان الفطرة هي “إقدام ومسؤولية”، والأنثى السيادية هي التي ترفض أن تكون “محطة انتظار” لوعودٍ معلقة على حبال الأوهام الرقمية أو الأكاديمية.

ميزان “الباب والنافذة”.. هندسة الحدود الفطرية

القاعدة الصارمة التي يجب أن تُنقش في وعي كل شاب وفتاة هي: “من لم يحترم الميثاق، لا يستحق الوفاق”. إن أي علاقة لا تترجم فورًا إلى خطوة رسمية بمسؤولية كاملة تقطع الشك باليقين هي واستنزاف للكرامة الإنسانية. من أراد “حب زوجة” سارع للوصول إليها من “الباب”؛ والباب هنا هو المسؤولية العلنية والالتزام الشرعي. لا يتسوله من الشباك وهي واقفة تصدّق اللص المتسلل بوعوده وسراب الكلمات، وسحر العبارات.

إن الوحي قد حسم هذه المسألة بوضوح إعجازي، فجعل “الإحصان” -وهو العفة والمنعة بالزواج- هو الغاية، و”المال” هو الوسيلة المشروعة للطلب {أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}. ] النساء، 24[

وهنا نلمح دقة القرآن في التفريق بين مقام “الحرائر” وغيرهنّ؛ ففي سورة النساء (الآية 24) حين تحدث عن نكاح الحرائر المسلمات اكتفى بقوله {غَيْرَ مُسَافِحِينَ}، بينما أضاف في حق الإماء (الآية 25) وفي حق الكتابيات في سورة المائدة قوله: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}. ] النساء، 25[  و{مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ}.] المائدة، 5[

وكما يذكر صاحب كتاب “أسرار التكرار”، فإن هذا التخصيص جاء صيانةً للحرائر المسلمات؛ “لِأَنَّهُنَّ إِلَى الصيانة أقرب وَمن الْخِيَانَة أبعد ولأنهن لَا يتعاطين مَا يتعاطاه الْإِمَاء والكتابيات من اتِّخَاذ الأخذان”] أسرار التكرار في القرآن، ص96 [

أما التحذير الصريح من “الأخدان” -وهم أصدقاء السر والشهوة الخفية- في المقامات الأخرى، فهو “سدٌّ للذريعة” في المواطن التي قد يضعف فيها ميزان العفة. وما نراه اليوم من “نوافذ رقمية” ورسائل خفية تحت ستار الزمالة أو الإعجاب الفكري، هو في حقيقته سقوطٌ من مقام “إحصان الحرائر” إلى قاع “اتخاذ الأخدان”؛ حيث يسرق “لص المشاعر” صفاؤك النفسي ويرحل حين يلوح التزام حقيقي في الأفق.

لقد جعل الله الانحراف عن مقام “الإحصان” سببًا لحبوط العمل؛ فكما “تحبط” الدابة إذا انتفخ بطنها من المرعى الوبيل حتى تهلك، كذلك النفوس التي تقتات على أوهام “الأخدان” والرسائل السرية، تنتفخ بخيالاتها حتى تموت فيها إرادة الفعل الحقيقي. السيادة هي أن تترفع عن مقام “الأخدان” لتسكن في حصن “الإحصان”، مدركًا أن كل خطوة خارج “الباب” هي استنزافٌ لروحك لا يداويه إلا الرجوع “للميثاق الغليظ”.

مقام الغربلة.. استرداد السيادة من النظارات المستأجرة

السيادة تبدأ حين تدرك أن قيمتك تُستمد من “مقام الوصال” بخالقك، لا من “إعجاب” عابر أو “كلمة منمقة” أو “هالة مصطنعة” خلف شاشة باردة. لذا، يجب عليك أن تكسر “النظارة المستأجرة” التي ترى بها هؤلاء الأشخاص كأنصاف آلهة أو نماذج كاملة؛ فالحل الحقيقي يكمن في “تفكيك الهالات” عبر النظر للواقع لا للمنشور، وللقدرة والالتزام لا للوعود البراقة، والتعلق بهالات البشر هو “عذاب ناعم” يصيب الروح بفتور الإرادة. وقد شرّح ابن القيم ماهية هذا العذاب بقوله:

“فكلّ من أحبّ شيئًا غيرَ الله عُذِّبَ به ثلاث مرّات في هذه الدار: فهو يعذَّب به قبل حصوله حتى يحصل. فإذا حصل عُذِّبَ به حالَ حصوله بالخوف من سلبه وفواته، والتنغيص والتنكيد عليه، وأنواع المعارضات. فإذا سُلِبَه اشتدّ عذابُه عليه”. ]الداء والدواء، ص 185[

إن استرداد هذه السيادة المنهوبة يتطلب “مشرطًا جراحيًا” يقطع خيوط التعلق الزائف، ويعيد توجيه بوصلة القلب نحو “الأصل” لا “الظلال”؛ فالقلب محراب مقدّس، والمحراب لا يدخله إلا من ملك مفتاحه الشرعي ومعدنه الحقيقي، وما سوى ذلك فهو “دخان” سيتبدد مع أول عاصفة واقعية تواجهها في معترك الحياة.

ولنا في فقه السلف ميزانٌ جراحيٌ لهذا التفكيك؛ فقد ذكر الإمام الغزالي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لمن زكّى شاهدًا بالصلاح: “هل كنت جارا لَهُ فتعرف إصباحه وإمساءه؟ هل عاملته على الدِّينَار وَالدِّرْهَم فبهما تعرف الْأَمَانَات؟ هل صحبته فِي السّفر فبه تعرف أَخْلَاق الرِّجَال؟”. فلما أجاب الرجل بـ “لا”، قال له الفاروق: “مَا أَرَاك إِلَّا رَأَيْته فِي الْمَسْجِد يهمهم فِي صلَاته يرفع رأسه ويخفضه.. هَات من يعرفك فَإِنَّهُ لَا يعرفك”. ]الوسيط في المذهب،7/319[

فإذا كان الفاروق لم يقبل “الهمهمة” في الصلاة والركوع والسجود –وهي شعائر عظمى وقربات ظاهرة– دليلًا كافيًا على الخبرة بباطن الرجل وأمانته، فكيف نرضى نحن بـ “همهمات” المنشورات الرقمية، و”طنطنة” الحروف خلف الزجاج كدليل على الصلاح أو الأهلية للتعلق؟!

إننا أمام حالة يصدق عليها المثل العربي القديم: “أسمع جَعْجَعَةً ولا أرى طِحْنًا”. ]مختار الصحاح، 58[؛ فالحروف تطحن في الهواء، والواقع خاوٍ من أثر الفعل والصدق. إن استرداد السيادة يقتضي ألا ننخدع بالظلال؛ فالمحراب لا يُفتح إلا لمن اختبره الواقع، وما دون ذلك فدخانٌ يذروه ريح الحقيقة.

خاتمة: الصدق حياة والكمال وهم

في الختام، لا تكن “غِرًّا” تخدعك سيولة الكلمات؛ فالحب في ديننا أمانة، والأمانة لها ثمن باهظ من الالتزام، والميثاق، وصدق المواجهة. فالسيادة هي أن تملك الجرأة لتقول لسراب الشاشات: “لا”، ولطهر المحراب: “نعم”. استرد مفاتيح قلبك، واخلع “النظارات المستأجرة”، وصن نفسك للذي يستحقك في النور، تحت ظل الله وميثاقه الغليظ الذي وصفه سبحانه بقوله: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21]. الصدق هو الحياة، أما الكمال الرقمي فهو محض وهمٍ صنعه “الركام”.

المصادر

1.     القرآن الكريم

  • السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911 هـ)، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، طبعة (1394 هـ/ 1974 م).
  • الطبري، محمد بن جرير (ت 310 هـ)، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، توزيع: دار التربية والتراث – مكة المكرمة (تحقيق محمود محمد شاكر للأجزاء 1-16، وإعادة صف لطبعة الحلبي للبقية).
  • الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الطوسي (ت 505هـ). الوسيط في المذهب. تحقيق: أحمد محمود إبراهيم ومحمد محمد تامر. ط1. القاهرة: دار السلام، 1417هـ.
  • الكرماني، أبو القاسم برهان الدين محمود بن حمزة (ت نحو 505هـ). أسرار التكرار في القرآن المسمى البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان. تحقيق: عبد القادر أحمد عطا، مراجعة: أحمد عبد التواب عوض. القاهرة: دار الفضيلة.
شارك المقال