هل يساعدنا التقدّم على فهم أفضل للدين؟

شريف محمد جابر

كثيرًا ما نسمع من بعض المشتغلين بتأويل النصّ الديني، بعلم أو بغير علم، دعاوى مفادها أنّ علينا نبذ التفسيرات التراثية القديمة للنصوص الدينية، وأن نفهم القرآن على ضوء معطيات الحضارة الحديثة؛ فنحن –كما يقولون– نمتلك اليوم أدوات علمية وتطوّرا كبيرا يؤهّلنا إلى فهم النص الديني بشكل أفضل ممّا فهمه القدماء. فهل الأمر كما يقولون؟ وهل يسري مفهوم “التقدّم” على كل شيء من علوم الإنسان بما في ذلك علم الوحي؟

أعتقد أنّ الأزمة الكبرى التي يعيشها أصحاب دعوة نبذ التراث والاقتصار على الخبرات الحديثة لفهم النصّ القرآني وفقا لمعطيات الحضارة المعاصرة كما يقولون، أنّ كل هذا الكلام البرّاق الذي يلوكونه هو كلام غير علمي، لأنّهم مهووسون بفكرة تقول: إنّ التقدّم يؤدي بنا دائما إلى الأفضل. وفكرة التقدم هذه هي أيديولوجية معاصرة صاحبتْ النهضة الحديثة في العلوم، حيث كان الملاحَظ في مختلف المجالات العلمية أنّ التقدّم يؤدي إلى التحسين دوما، كما يحدث في الطب والهندسة والتكنولوجيا والفيزياء وغيرها من العلوم. ففي الطبّ مثلا، لا يسع أحدًا أن يعود لكتب الإغريق أو ابن سينا ويجعلها مقدّمة على أحدث الخبرات الطبّية المعاصرة! لكن الشيء الذي غفل عنه هؤلاء أنّ طبيعة النصّ الديني والبحث في التراث عموما لا تنطبق عليها قاعدة التقدّم بهذا الاطّراد الذي عمّموه على كل شيء. وتحديدًا في مسائل الدين، فمصدر الدين هو الوحي، والوحي ثابت لا تغيّر فيه ولا تبديل.

ومن ثم فإنّ معرفة مضامين الوحي ومعانيه لدى الطبقة التي نزل بلغتها وفي أحداث عايشتها، والتي سمعتْ تفسيره من الرسول صلى الله عليه وسلّم، تكون معرفة مضامين الوحي لدى هذه الطبقة أكثر موثوقية من معرفته لدى طبقة جاءت بعدها بأكثر من ألف عام، مع افتقادها للملكة اللغوية ولمعايشة نزول الوحي وللتلقّي عن الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن هنا تكون المعادلة مختلفة عن معادلة العلوم الطبيعية، بحيث يستلزم الباحث الجادّ الذي يريد معرفة معاني الوحي أن يعود إلى الوراء بحثًا عن أنقى المصادر لمعرفة مضامين الوحي، وأي قفزة تقدّمية إلى الأمام هي في هذا السياق قفزة غير موضوعية ولا تفضي إلى معرفة أصيلة وجادّة.

حجر رشيد

إنّ هذا المسلك في معرفة مضامين النصّ الديني يشبه إلى حدّ ما ما يجري في بعض العلوم الإنسانية الأخرى. خذ مثلا اللغة الهيروغليفية المصرية القديمة، فلم يكن بالإمكان فهمها جيّدا لولا العثور على حجر رشيد عام 1799م من قبل أحد جنود المجرم الكبير نابليون في مصر، فقد جمع الحجر ثلاثة نصوص منها الهيروغليفية واليونانية القديمة، ليتم بعد ذلك فك رموز اللغة المصرية القديمة بواسطة هذا الحجر. ولم تسعف العلماء كل العلوم الحديثة في فهم تلك اللغة بقدر ما أسعفهم مسار عكسي إلى الماضي، وأعني به حجر رشيد والنص اليوناني القديم الذي فيه!

وكذلك في فهم النصّ القرآني، فقد كان أهل السنة منذ القرون الأولى مدركين للقيمة العلمية لنصوص السنّة ونصوص الصحابة والتابعين في فهم القرآن وبيان مفاهيمه الشرعية، لأنّ التوجّه إلى الماضي هنا له قيمته العلمية في الوصول إلى المعاني التي يحملها النصّ القرآني.

مقارنات
وليقارن القارئ مثلا بين تفسير الطبري (310 هـ) وتفسير البيضاوي (685 هـ) ليدرك بوضوح أنّ هذه القفزة التي تزيد عن 350 عامًا لم تقدّم شيئا أفضل لفهم النصّ القرآني، بل كانت قاصرة عن تفسير الطبري الذي يتوفر على ثراء معرفي هائل وتحديدا لجمعه مواد علمية تعود إلى فترة نزول القرآن والفترة التي تلاصقها، بالإضافة إلى يُسر أسلوبه، ولذلك فإنّ قيمته العلمية –عند علماء الشرق والغرب بلا منازع– أكبر من قيمة تفسير البيضاوي رغم أنه أقدم منه.

إنّ هذا الكلام لا يعني عدم الاستفادة من التقدّم، ولكنه في علوم القرآن والشريعة عموما يكون في الأدوات الإجرائية، التي لا تقدّم دينًا جديدا ولكنها توضّح الرؤية وتنظّم الأفكار وقد تستنبط الجديد الذي لا يناقض القديم المجمَع عليه. ومن ذلك مثلا ما قام به الشيخ صالح الشامي في كتابه “معالم السنة النبوية”، فقد أفاد من تطور أدوات الطباعة وطرق الفهرسة الحديثة واجتماع كل نصوص الحديث لديه بسهولة شديدة بفضل تطوّر علوم العصر، فأفاد من ذلك كله وتمكّن من حصر نحو 4000 حديث تعود إليها كلّ السنة النبوية بقيمها وأحكامها، بعد حذف المكرر والضعيف وما يفيد نفس المعنى أو الحكم. وكذلك ما فعله الشيخ محمد عبد الله دراز حين قدّم منظومة الأخلاق القرآنية –النظرية والعملية- في رسالة علمية مع مقارنتها بالفلسفات الأخلاقية الحديثة والإفادة من العلوم الإنسانية التي درسها في فرنسا، دون أن يدفعه ذلك لتحريف معاني الشرع أو يبتدع دينا جديدا.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد