د. عرابي عبد الحي عرابي
يعيش الإنسان المعاصر وفرة معلوماتية هائلة من البيانات والأفكار السيّالة، مما أثر بشكل مباشر في تأسيس اليقين، فقد أتاح تقدم التكنولوجي الوصول إلى كمٍ هائل من المعرفة بضغطة زر، غير أن هذا الانفتاح لم يعمِّق بالفعل المعرفة الإنسانية، وإنما ساهم في أحيان كثيرة في توليد حالة من التشوش الفكري وتكاثر السرديات المتضاربة.
منذ النصف الثاني من القرن العشرين، دخل الفكر الغربي مرحلةً سُمِّيت بـ “ما بعد الحداثة”، شكّكت في المفاهيم الكبرى التي قامت عليها فلسفات عصر التنوير، كالحقيقة الموضوعية، والتقدم التاريخي، وقد أفرز هذا ما يمكن أن يؤدي إلى الأزمة الأساسية، وهي العالم الغنيّ بالبيانات، والفقير باليقين، حيث لم يعد من الأولوية أن يتساءل فيه الإنسان عن كيفية الوصول إلى الحقيقة، بل عمّا إذا كانت الحقيقة موجودة أصلاً.
في خضم هذا التيه، أحاول في هذا المقال، الربط بين شهر رمضان المميز بعمقه الإيماني والتربوي، والوصول إلى اليقين المعرفي، في محاولة للإجابة عن إشكالية جوهرية: كيف يمكن لرمضان أن يُعيد تحديد علاقة المسلم بالحقيقة في زمن سيولة النسبية؟
أزمة الحقيقة في الفكر المعاصر
سعت الفلسفات ما بعد الحداثية لتفكيك المسلَّمات التي حكمت الفكر الغربي منذ عصر التنوير، وكان الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو من أبرز منظّري هذا التوجّه، حيث رأى أن ما يُسمَّى “الحقيقة” لا يمكن الوصول إليه بشكل موضوعي مستقل، وفسّر الحقائق لدى الناس بأنها محض نتاج امتزاج علاقات السلطة بالمعرفة داخل المجتمع، فكل نظام اجتماعي ينتج نظامًا خاصًّا به للحقيقة، مما يعكس البنية السلطوية التي يقوم عليها، ومن هنا جاء الانزياح من فكرة الحقيقة المطلقة نحو فكرة السيولة النسبية المرتبطة بالسياق الثقافي والتاريخي.
انعكس هذا التحول الفلسفي في مختلف أنماط الثقافة المعاصرة، وبات الإعلام الرقمي ساحة لتزاحم الأخبار الزائفة، وباتت الخوارزميات تعبث بالموضوعات التي تعرضها وتقدمها للمتابعين، فصار لكل متابع حيز تأكيدي مصطَنَع، تعزز لديه من خلال الاقتراحات القناعات والموضوعات التي يحب متابعتها، فيعيش كل فرد داخل عالمٍ معرفي مُغلق.
جسّدت بعض الأفلام هذه السمَة الصعبة، فعلى سبيل المثال عرض فيلم (المصفوفة) The Matrix (1999) سؤالاً فلسفياً جذرياً عندما يكتشف (نيو) أن العالم الذي أدركه ليس سوى وهمٍ مُصطنع، وكذلك فعل مسلسل (المرآة السوداء) Black Mirror في رصده للمجتمعات التي فقدت المساهمة في التمييز بين الواقع الحقيقي والافتراضي.
الوحي معيارًا للتمييز
مقابل التشتت المعرفي الذي تعيشه الثقافة المعاصرة، يقدّم التصور الإسلامي نموذجًا معرفيًا يقوم على التكامل بين ثلاث ركائز: الوحي إطارًا مرجعيًّا أعلى، والعقل أداة للفهم والاستنباط في العلوم الإنسانية ونصوص الوحي، والتجربة ميدانًا للتحقق والاختبار، وذلك بهدف منح العقل أفقًا أوسع ومعيارًا يهديه في مساره، فيحميه من الوقوع في النسبية التي تجعل الحقيقة رهينة السياق أو المزاج الفكري والثقافي السائد.
عبّر القرآن الكريم عن هذه الركائز المعرفية بوضوح حين وصف نفسه بأنه فرقان، أي معيار للتمييز بين الحق والباطل، فقال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185]، ويجب التنبه هنا أن كلمة (الفرقان) تحمل في طياتها دلالة معرفية عميقة؛ إذ تؤكد أن الوحي مرجعية المؤمن للتمييز بين المعرفة النافعة والمعرفة المضللة، وبين ما يقود الإنسان إلى الحقيقة وما يوقعه في الضلال العلمي والسلوكي والإيماني، ومن هنا لا يُنظر إلى قضايا القرآن في الرؤية الإسلامية بوصفه كتابًا للعبادة فقط، بل بوصفه أيضًا مصدرًا للهداية المعرفية التي تعيد ترتيب علاقة الإنسان بالوجود وما يحتويه من أنساق وحقائق.
كما يحدد القرآن منهج اكتساب المعرفة ويؤكد ربطها بالمسؤولية الأخلاقية، إذ يقول: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36]، حيث تؤسس هذه الآية لما يمكن تسميته مبدأ المساءلة المعرفية؛ فالمعرفة لا تقتصر على محض تراكم معلومات، وإنما على بناء الصورة والسياق المتكامل، وما يترتب عليها من الالتزام الأخلاقي وأثره في السلوك والمجتمع، وذلك للتأكيد على أن الإنسان مسؤول عمّا يعتنقه من أفكار ومواقف وأحكام، فالمعرفة لا تنفصل عن الأخلاق، ولا تقف عند حدود السيطرة على العالم، بل تتجاوز ذلك إلى فهم معنى الوجود ومقصده.
تقف هذه الفكرة على النقيض من بعض الاتجاهات الفكرية الحديثة التي فصلت بين المعرفة والأخلاق، وقد أشار الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن في كتابه سؤال الأخلاق إلى أن أزمة الحداثة ليست أزمة علم بقدر ما هي أزمة أخلاق؛ إذ أنتجت الحداثة ما يسميه الفلاسفة بـ”العقل الأداتي”، وهو العقل الذي يركز على الكفاءة التقنية والقدرة على السيطرة دون أن يسأل عن الغاية أو القيمة، وعليه فلم يعد من المستغرب أن يطوّر الإنسان المعاصر تقنيات مذهلة، لكنه في الوقت نفسه يستخدمها في السلوكيات اللاأخلاقية وإنتاج أدوات تدمير غير مسبوقة.
الصوم مدرسة لإعادة ضبط الوعي
يقدّم القرآن الصوم بوصفه ممارسة تعبدية ذات غاية أخلاقية واضحة، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، والتقوى هنا حالة من الوعي الداخلي تجعل الإنسان مدركًا لحدوده ومسؤوليته أمام الله، وتدفعه أخلاقيًّا لمراقبة السلوك وضبط الرغبات.
ويمثل الصوم تدريبًا عمليًا على ما يسميه علماء النفس تأجيل الإشباع (Delayed Gratification). وقد أظهرت تجربة العالم النفسي والتر ميشيل المعروفة باسم اختبار المارشميلو (The Marshmallow Test) أن الأطفال والأفراد القادرين على تأجيل رغباتهم الفورية يحققون لاحقًا نجاحًا أكبر في الدراسة والعمل والعلاقات الاجتماعية.
ولعلنا لا نشتط إن قلنا إن هذا المعنى يعيشه الصائم يوميًّا بصورة عملية، فهو يرى مغريات الطعام أمامه بل ربما جلس إلى مائدة الطعام لكنه يؤجل أن يأخذ منها شيئًا، ويشعر بالعطش لكنه يصبر،
ويواجه الاستفزاز فيضبط نفسه، وقد عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى بقوله: (الصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم) [متفق عليه]، وعليه فالصيام درعٌ واقٍ من الآخرين ومن اندفاعات النفس أيضًا.
من هنا يمكن فهم كثير من أزمات العصر -مثل الإدمان الرقمي أو الاستهلاك المفرط- بوصفها في جوهرها أزمات تتصل -بجزء كبير من جوهرها- بالقدرة على ضبط الرغبات، ورمضان هنا يعيد تدريب الإنسان على استعادة هذه القدرة، ومن ثم فإن الصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل إعادة ضبط شاملة للعلاقة بين الإنسان وشهواته، ومن ثم لعلاقته بالعالم.
استعادة البعد الروحي للمعرفة
يشير الفيلسوف سيد حسين نصر في كتابه المعرفة والمقدس (Knowledge and the Sacred) إلى أن الحضارة الحديثة نجحت في تطوير المعرفة التقنية، لكنها في المقابل همّشت البعد الروحي للمعرفة، فقد اختزلت العلم في دراسة الظواهر المادية وأقصت الأسئلة الوجودية الكبرى، مما أنتج أن يعرف الإنسان الكثير عن كيفية عمل الأشياء مع جهله عن سبب وجودها والحكمة منه أصلاً.
إن القرآن الكريم يعيد ربط المعرفة بالسؤال الوجودي الأعمق، فيقول تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]، ويقول: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2]. ونرى أن هاتين الآيتين تؤسسان لرؤية وجودية واضحة، جوهرها أن الحياة ليست عبثًا، بل اختبار دائم ومستمر، والإنسان فيها خليفة مكلّف ومسؤول وممتَحَن.
وهذا المعنى يستحضره رمضان كل عام عبر تكثيف التجربة الروحية والتربوية والإيمانية والتأملية في حياة الإنسان، فالصلاة وقراءة القرآن والذكر وسائل لإعادة وصل الإنسان بالخالق، وإعادة دمج البعد الروحي في فهم العالم.
وقد لخّص النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [متفق عليه]، وهنا لفتة نبوية إلى أن القلب ليس هو العضو البيولوجي، وإنما هو مركز الإدراك والقيم والإرادة والسلوك في حياة الإنسان، وإذا صلح القلب صفا الإدراك، وإذا صفا الإدراك تحررت المعرفة من ضباب الأهواء.
ومن ثمة فليس من المستغرب أن يركز جميع العلماء في التاريخ الإسلامي على الجمع بين العلم وتزكية النفس، لإدراكهم أن المعرفة الحقيقية لا تنفصل عن صفاء الروح وصدق السلوك.
رمضان وبناء الإنسان العارف
يمكن قراءة رمضان، في ضوء ما سبق، بوصفه منهجًا متكاملاً لإعادة بناء الوعي الإنساني عبر ثلاثة مستويات مترابطة.
المستوى الأول: إعادة ضبط العلاقة بين العقل والوحي، فالتلاوة اليومية للقرآن وتدبره تدرّب المؤمن على رؤية الواقع من خلال المرجعية الأخلاقية والمعرفية الثابتة، فالقرآن بوصفه فرقانًا يمنح العقل معيارًا يتجاوز تقلبات الأهواء والسياقات الثقافية.
المستوى الثاني: تحرير الإرادة من هيمنة الغرائز، فالعقل الذي تستعبده الشهوة أو الانفعال لا يستطيع إنتاج معرفة موضوعية، والصوم يدرّب الإنسان على الاختيار بالامتناع رغم كثرة المغريات.
المستوى الثالث: إعادة تأسيس البعد الأخلاقي للمعرفة، فالصائم يمارس عبادته في غياب أي رقابة بشرية، ومع ذلك يمتنع ويضبط نفسه، وهذا يرسّخ في داخله وعيًا دائمًا بحضور الله وعلمه في فكره وذهنه، ومن هنا تعود المعرفة إلى أصلها الأخلاقي، حيث تُكتسب بالفرقان، ويحملها الإنسان بالأمانة، ويستخدمها في الخير، ويدرك من خلالها الحكمة من الوجود.
خلاصة القول: من الإنسان التائه إلى الإنسان العارف
يصنع رمضان من المؤمن الصادق إنسانًا يملك المعرفة؛ يدرك فيها أن الحقيقة ليست فكرة نظرية مجردة، بل تجربة وجودية تتجسد في التكامل بين العلم والإيمان والسلوك والأخلاق، ولعله لأجل هذا قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، فالخشية هنا هي الوعي العميق بالحقيقة، وبهذا الوعي تتحول المعرفة من أداة إلى رسالة استخلافية تهدي الإنسان في طريقه.
