الحسني ياسين
شكَّلت الصورة النمطية للسفسطائيين في تاريخ الفلسفة، كشخصيات شكَّاكة ومتلاعبة بالكلمات ساعية للربح المادي، حاجزًا أمام فهمهم الحقيقي، مما يستوجب الوقوف عند حقيقة السفسطائيين، وتفكيك الصورة الموروثة عنهم من خلال القراءة الأفلاطونية، وإعادة تقييم إسهامهم بوصفهم جزءًا أصيلًا من حقل التفلسف، واعتبارهم ممثلين لتحول جذري في مساره.
من أبرز رواد هاته المدرسة في عالمنا الاسلامي هو الباحث المغربي الطيب بوعزة الذي كان له إسهام بارز في إثارة النقاش حول حقيقة السفسطائيين عبر كتابه “دفاعًا عن السفسطائيين” وهو ما سنقوم بالوقوف عليه من خلال هذا التعريف، حيث نستعرض بعض أجزاء موسوعته المتعلقة بتاريخ الفلسفة التي تصدرها أكاديمية نماء للبحوث والدراسات الإسلامية والإنسانية.
السياق التاريخي والفكري لظهور السفسطائية
لم تكن السفسطائية ظاهرة منفصلة، بل كانت نتاجًا لسياق تاريخي وفكري معقد في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد عبر المراحل الآتية:
أفول الفلسفة الطبيعية: وصل الفكر الأيوني (الملطي) الذي اهتم بالكوسمولوجيا وأصل الكون إلى حالة من “العقم” النظري، حيث لم يعد قادرًا على توليد أطروحات جديدة، واكتفى أتباعه بالتقليد والانتقاء.
تلا ذلك مرحلة “تعارض الأطروحات” حيث ساهمت الفلسفة الإيلية (الأنطولوجية) باختلافها الجذري عن الأيونية، في إذكاء حالة من الشك والإحساس باستعصاء المسائل الماورائية على الحسم المعرفي.
وجاء التحول الاجتماعي السياسي ثالثًا مع صعود الديمقراطية في المدن اليونانية، خاصة أثينا، فأصبح النجاح في المجالين السياسي والقضائي مرهونًا بقدرة الفرد على الإقناع والخطابة والجدل. وهذا أوجد حاجة ملحة لنوع جديد من المعرفة والمهارات.
في هذا المناخ، قام السفسطائيون بـ”تنزيل الفلسفة من السماء إلى الأرض”، أي التحول من التفكير في الكون والوجود (الأنطولوجيا) إلى الاهتمام بالإنسان والشأن الإنساني (الأخلاق، والسياسة، والقانون، واللغة)، وقد استجابوا بوعي عملي لاحتياجات عصرهم.
نقد الصورة النمطية: تفكيك التأويل الأفلاطوني
المصدر الرئيسي للصورة السلبية عن السفسطائيين هو كتابات أفلاطون، الذي قدمهم بوصفهم خصومًا لسقراط، وفي هذا الإطار يقوم دفاع بوعزة عن السفسطائيين من خلال تفكيك هذا التأويل، فيقوم بـ:
نفي الوحدة المذهبية: حيث يؤكد الباحث أن السفسطائيين لم يشكلوا مدرسة فكرية موحدة ذات مبادئ ومنهج واحد، بل كانوا “شتاتًا من المفكرين” يجمعهم احتراف التعليم والتفاعل مع الشرط الاجتماعي، لكنهم يختلفون في الرؤى والمواقف الفلسفية. لذا، يفضل الباحث دراستهم كأفراد (مثل: بروتاغوراس، وجورجياس، وبروديقوس… إلخ) وليس كمذهب متناسق.
تضارب الرواية الأفلاطونية حيث يظهر التناقض داخل المتون الأفلاطونية نفسها، فصورة بروتاغوراس في محاورة “ثياتيتوس” (كداعية للشكية) تختلف عن صورته في محاورة “بروتاغوراس” (كمعلم واثق من معرفته)، وهذا التناقض يضعف مصداقية الرواية الأحادية.
إعادة تفسير المقولات الأساسية، حيث يتم تحدي التفسير التقليدي للمقولات السفسطائية الشهيرة، مثل مقولة بروتاغوراس “الإنسان مقياس كل شيء”، حيث يرفض الباحث التأويل الشائع الذي يفهم “الإنسان” على أنه الفرد، مما يؤدي إلى نسبية مطلقة. ويقترح أن التأويل البديل الذي يراه كـ”النوع” ليس مرضيًا تمامًا أيضًا، داعيًا إلى إمكانية تأويلية ثالثة تحاول فهم العبارة في سياقها العملي والإنساني دون إسقاط دلالي لاحق.
وكذلك مثل مقولة جورجياس “لا شيء موجود.”، حيث يرفض هذه المقولة على أنه عدمية، وبدلًا من ذلك، يوضح أن نفي الوجود هنا موجه تحديدًا نحو “الوجود” بمفهومه الإيلي (البرمنيدي) الثابت والواحد. أي أن جورجياس يناقش ويجادل الأنطولوجيا الإيلية، ولا ينفي الوجود المطلق. فهو يمارس نقدًا فلسفيًا وليس إعلانًا للعدمية.
الإسهامات الفلسفية والتعليمية للسفسطائيين
بعيدًا عن الصورة الكاريكاتورية، قدم السفسطائيون إسهامات جذرية في العلم والتعليم والفلسفة، مثل تحويل محور الفلسفة، حيث كانوا الفاعلين الحقيقيين في تحويل اهتمام الفلسفة من السماء (الطبيعة والكون) إلى الأرض (المجتمع والإنسان)، وكذلك من خلال تجديد التعليم، حيث حوّلوا التعليم من نشاط نخبوي مغلق (كما في المدرسة الفيثاغورية) إلى ممارسة عامة، وقد كان برنامجهم تعليميًا شاملًا يتضمن الخطابة والجدل (الأنتيلوجيا)، والأخلاق، والسياسة، والقانون، وفلسفة اللغة، وبالتالي فقد جعلوا المعرفة أداة عملية للنجاح في الحياة العامة
إضافة لذلك كان لهم إسهام في الجدل الفلسفي، حيث أثارت إشكالاتهم نقاشات حول طبيعة المعرفة والحقيقة والأخلاق، وكانت أسئلة جوهرية أغنت الفكر الفلسفي وساهمت في تطوره، خاصة في مجالات النسبية والتعددية.
أما في مجال فلسفة اللغة فيبرز دور بروديقوس، الذي اهتم بدقة المفاهيم وتعريف الحدود اللغوية، والذي يُرى كأحد المؤثرين الرئيسيين في بلورة منهج سقراط القائم على تعريف المفاهيم.
المنهج: قراءة السفسطائيين من خلال سياقهم الجدلي
يعتمد هذا المنهج الدفاع عن السفسطائيين من خلال
الاستناد إلى الدوكسوغرافيا، أي من خلال الاعتماد على الشذرات والروايات المتبقية عن السفسطائيين خارج الإطار الأفلاطوني (عند أرسطو، وسكستوس أمبيريقوس، وغيرهم)، والموضعة السياقية، من خلال فهم مقولات السفسطائيين بوصفها ردود فعل وجدلًا مع الفلسفات السابقة، خاصة الإيلية والهيراقليطية، وكسر الصندوق المذهبي، من خلال دراسة كل سفسطائي على حدة، مع إبراز تمايزه وفرادته الفكرية.
يخلص هذا الدفاع إلى أن السفسطائيين لم يكونوا مجرد “خطباء” أو “مشككين”، بل كانوا مفكرين أصلاء مثلوا لحظة تحول أساسية في الفكر الغربي. لقد استجابوا بوعي لتحولات عصرهم، وقاموا بتأسيس “عقل عملي” اهتم بقضايا الإنسان والمجتمع. إن إعادة اكتشافهم وتحريرهم من الصورة الأفلاطونية المهيمنة ليس تبريرًا لهم، بل هو محاولة لفهمهم في سياقهم التاريخي والفلسفي الحقيقي، مما يثري تاريخ الفلسفة ويعيد لها أحد أبعادها النقدية والإنسانية المهمة. إنهم ليسوا الهامش، بل جزء من صلب الصيرورة الفلسفية التي أدت إلى ظهور سقراط وأفلاطون نفسه.
المصادر
- في دلالة الفلسفة وسؤال النشأة د. الطيب بوعزة
- الفلسفة اليونانية ما قبل السقراطية د. الطيب بوعزة
- فيثاغور والفيثاغورية.. بين سحر الرياضيات ولغز الوجود د. الطيب بوعزة
- هيراقليط.. فيلسوف اللوغوس د. الطيب بوعزة
- كزينوفان والفلسفة الإيلية.. قراءة في أطاريح كزينوفان، برمنيد، زينون، ميليسوس د. الطيب بوعزة
- أفول التفلسف الأيوني د. الطيب بوعزة
- دفاعًا عن السوفسطائيين . الطيب بوعزة
- السوفسطائي.. سقراط وصغاره. د. الطيب بوعزة.
