هوامش على مسألة الترحم على الملحد

الهادي حافظ


بقدر وضوح الحق عبر العصور، بقدر كثرة الدخن الحائم به في هذا الزمان! فكلما هبت عاصفة على أرض عقول شبابنا في هذا الفضاء الأزرق أبانت للأسف عن اتكائها على جذوع بالية توشك أن تسقط إن لم تتعهدها أمطار الإيمان وريّ تصحيح المفاهيم والمسلمات الإيمانية.

ومن أشد تلك الجذوع وهْنًا هو ما أبانت عنه حادثة موت الفيزيائي البريطاني الملحد ستيفن هوكينغ مؤخرا، فمن الغرابة أن تجد شابا ضرب في صغره على حفظ آيات الوعيد في المشركين، ومع ذلك يَقسم لمن كان يجحد وجود الخالق من رحمة الخالق في الآخرة الذي أختص بها الموحدين. والأغرب أن تجد من يحاضر ويعتلي المنابر باسم العلم يردد دعاء الرحمة في حق من كان ينكر صاحب الرحمة.

قرأت ذلك في تدوينة للدكتور عدنان إبراهيم هداني الله وإياه، كما قادتني موجات هذه الفضاء إلى قراءة ومحاورة من تربى على مبادئ القرآن وضرب على حفظه ومع ذلك يُفهم من كلامه أن الإسلام ليس شرطا للجنة، وهذا أمر في غاية الخطورة أعاذنا الله ويحتاج إعادة صيانة لمرتكزة المفاهيم..

عدنان إبراهيم

طبعا تدوينة الدكتور عدنان وأمثاله هي السوسة التي نخرت في جذوع مسلمات شبابنا حتى استطاعت أن توصل ضوء الحضارة الزائف إلى أماكن في عقول شبابنا كانت في السابق حكرا على نور القرآن الخالد! فحدث الخلل للأسف وتاهت عقول في فيافي “نورانية” الحضارة المعاصرة!

الحادثة كشفت عن حالة مرضية يتداخل فيها عجز أجهزة متعددة، من خلل في مفهوم حصر الرحمة في الأخرى على أهل التوحيد أو بعبارة أدق صدق الوعيد بالنار لمن لم يمت على التوحيد، ثم خلل في مفهوم العلم هل هو من الشخص لكي يعتد له به أم يرجع إلى قدرات منحها الله له بفضله -والحالة التي بين أيدينا أكبر شاهد- وخلل آخر متعلق بالفضول الزائد أو “الترشة” في الدخول بين الرب وحكمه العادل في عباده ويخشى على صاحبها إن لم يتدارك.

الخلل الأول
روي في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم “العلم علمان: علم على اللسان فذلك حجة الله تعالى على خلقه وعلم في القلب فذلك العلم النافع”، وكثيرة هي أحاديث طلب العلم وكفى بكلمة الافتتاح إقرأ من مثال على ذلك.

وبالتالي لا خلاف في تحفيز الإسلام على طلب العلم، بل إن الإسلام لم يأت سوى بمرجحين اثنين: العلم والتقوى! فجعل التقوى عملة الآخرة الوحيدة، وترك العلم بدلالته الواسعة قسما بين أهل الدنيا وهو السلالم التي تتفاضل أبناء البشر بمختلف أديانهم وأجناسهم بها، وما ذاك إلا لرحمته تعالى بخلقه، فلو ربط العلم بالإسلام لعاش غير المسلمين في شقاء هنا وهناك أو لأسلم الناس جميعا وكان ذلك إكراها لهم: {لا إكراه في الدين}.

أذكر ذات مرة أنني كنت في مكتبة جامعية أحاول أن أراجع بعض الدروس -على كسلي- وفجأة جلست على طرف الطاولة الآخر متبرجة وأخرجت دروسها وبدأت في المراجعة! فما كان من الشيطان إلا أن قال لي وأنا الذي تربيت على ربط العلم بالتقوى حيث حفظت في الصغر: “شكوت إلى وكيع سوء حفظي… فأرشدني إلى ترك المعاصي”. بدأ عليه لعنة الله يحاول أن يدخل من باب أن ما تراه عيني يناقض مسلمتي، يريد أن ينسف المسلمة بالواقع: مافي البصيرة بما يرى البصر! ولكن الله سلم حين قاد الخاطر إلى أن العلم بمفهومه الواسع وخاصة ما يتعلق بتطور الحياة لم يربط بالإيمان لكي لا يكون في ذلك إجبارا للناس على الإسلام، وأن العلم الدنيوي وضع في الوسط من الجميع ويختلف نفعه باختلاف حامله، مثله مثل الشراب والإناء! فقد يصلح الشراب ويفسد الإناء فيفسد الشراب! ثم إن التي أمامي قد يكون أذن لها في تحصيل العلم رأفة ورحمة بعيال ستعيله ربما انتظرها لسنوات.

ولكن المسلم خاصة لا يراد منه إلا أن يكون كالشراب الصالح في الإناء النظيف! ولو كان متعلمو الأمة وخاصة في العلوم المعاصرة بتلك الميزة لكنا في مقدمة الأمم!

ومما حز في نفسي مرة وأنا في حصة لأستاذ لعب الشيب برأسه وقد أتاه الله علما ولكنه لما أراد أن يعطي مثالا على الرشاقة في درس عن مشكلة السمنة، لم تسعفه ذاكرته أمام طلابه في ذكر غير الفنانة هيفاء وهبي!

فرضي الله عن الفاروق حين يقول: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم. قالوا: وكيف يكون منافقاً عليماً؟ قال: عليم اللسان جاهل القلب والعمل.

الخلل الثاني
ذكر العلم وكأنه من صاحبه، فأصحابه يقرئهم السلف السلام حين كانوا إذا رأوا نعمة على شخص قادتهم للمنعم ولا يحجبهم نورها الظاهر على المنعَم عليه عن مانحها، فما روي عنهم سوى: آتاه الله علما، وأوتي فهما، وفتح الله عليه.

الخلل الثالث
والأخطر حيث يلعب البعض دور “حبة الفلجة” بين حكم الخالق العادل على مخلوقه، ويصور له الشيطان أنه أرحم حشىً، حين يدخل في الرحمة من أخرجه الرحمن منها أعاذنا الله، ففي الموسوعة الفقهية “اتفق الفقهاء على أن الاستغفار للكافر محظور، بل بالغ بعضهم فقال: يقتضي كفر من فعله”، ونقل الإجماع كذلك النفراوي في شرحه للرسالة، وهذا الذي عدوه مبالغة، نص عليه الجصاص الحنفي، القرافي المالكي وأيده ابن أمير حاج الحنفي وغيرهما. وأصحاب هذا الطرح يقرئهم الصديق رضي الله عنه السلام حيث أجاب ابنه وفلذة كبده أنه لو كان التقى به في غزوة بدر لقتله تقربا إلى الله.

ويقرئهم السلام عبد الله بن عبيد الله بن أبيّ حين وقف على باب المدينة يريد أن يقطع رأس أبيه، فعلى كل من وجد في قلبه ترددا وعدم طمئنية بحكم الله إذا صدر أن يتدارك قبل فوات الأوان.

وكل علم لا يزيد إلى الله قربا فصاحبه كالآلة التي ينتفع بها ولاتنتفع بسر نفعها! والحقيقة التي لاتقبل النقاش هي أن كل من لم يؤمن بالحبيب صلى الله عليه وسلم لا مطمع له بالنجاة والرحمة، فلا أقل من حين غلبتنا أهواؤنا نحن معشر المسرفين فلم نستطع أن نطبق الإسلام بأفعالنا فإيانا وإيانا أن لا نعيشه بقلوبنا!

ثم إيانا أن ينفذ إلى صورته المنطبعة في قلوبنا انبهارنا من أي شيء ليغير في قاعدة بياناتها ويجعل فيها: لوحة تحكم غير الإسلام! لا قدر الله.

رزقنا الله الثبات على الحق ووفقنا للعيش بالإسلام وللإسلام ونجانا من الفتن ماظهر منها وما بطن، وعجل الله بالفرج عن أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم.

التعليقات

تعليقات