براء محمود حامد
من أدرك عِظَم الأمانة المودَعة في صدره، وهي قلبه الثمين، لم يسلّمه إلا لخالقه جلّ وعلا، فيسعى بجوارحه كلّها إلى محبة الله ورسوله، ويتعلّق بهما تعلّقًا يملأ كيانه، ومتى رسخت محبته لله ولرسوله، أثمرت في قلبه محبةً صافيةً للخلق، خالصةً لوجه الله وحده، لا يبتغي بها سواه. وإذا كره، فإنما يكره ما يسخط الله ويُباعد عنه، فتقوم حياته على أساسٍ إيمانيٍّ متين، يشعّ من داخله نورٌ يضيء روحه ويهدي خطاه. وهذه المحبة لا تُنال إلا بالتأمل في صفات الخالق جلّ جلاله، وفي شمائل الحبيب المصطفى ﷺ، الهادي إلى النور.
الحب الصادق طريق الاتباع والاقتداء
يدرك المؤمن الحق أن بداية الطريق إلى الله تنبع من حبٍّ صادقٍ خالصٍ لله ولرسوله ﷺ، فإذا امتلأ قلبه بعِظَم هذا الحب، سعى ليستلهم من كتاب الله ما شرع، ومن سنة نبيه ما بيّن، فيسير على النهج المستقيم دون تأويل أو تبديل، مردّدًا: قال الله وقال رسوله.
وهكذا كان حال الصحابة الكرام والتابعين ومن تبعهم بإحسان، إذ ثبتت عقيدتهم رسوخ الجبال، لا تزعزعها الشبهات ولا تغيّرها الأهواء، لأنها بُنيت على معرفةٍ راسخة بالله ورسوله. فإذا التزم المؤمن بهذا الطريق، نال الحظ الأوفر في الاقتداء بهم في محبتهم لله ورسوله، وأدرك عِظَم الأمانة الملقاة على عاتقه، فكان قريبًا من الله ورضاه، متمسكًا بدينه كما جاء، من غير زيادةٍ لم يشرعها الله، ولا نقصانٍ بترك واجب أو إهمال أمر، بل ثابتًا على الحق كاملًا كما أنزله الله وبلّغه رسوله ﷺ، فالعبد الذي ينشغل بالاستمتاع بحب الله ورسوله يكون أعظم قربًا إلى طاعة أوامر الله، والاقتداء بسنة نبيه ﷺ، واجتناب النواهي، دون اعتراض أو تبرير، أو اتباع للهوى والشهوات، والوقوع في الشبهات .وعلامات المحبة الصادقة الاجتهاد في اتباع الشرع، ومجاهدة النفس في ترك المغريات، والسعي لنيل رضا الله، لأن الإيمان لا يكتمل إلا بالعمل كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. [البقرة: ٢٢].
صفاء العقيدة أساس الثبات
الواجب على كل مسلم أن يسعى بنفسه للارتقاء إلى محبة الله ورسوله، فلا يكتفي بأداء الشكليات، بل يجعل طاعته وخضوعه سبيلًا لنيل رضاه، محققًا بذلك المعنى الحقيقي للمحبة والوفاء لله ولرسوله ﷺ.
ومن أعظم ما يثبت العبد على دينه أن يجعل العقيدة الصافية المستمدة من كتاب الله وسنة نبيه قاعدة حياته، فبها الثبات في وجه الشهوات والشبهات. وقد جاء في الحديث الشريف: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) [متفق عليه].
هذا دليل على أن العمل الظاهر لا يكفي إن لم تصح العقيدة ويثبت الإيمان. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في الجواب الكافي: “لا يُعرف لمن صحت عقيدته إلا أن يكون من أهل الثبات”
وفي محبة النبي ﷺ خاصة، فإن المؤمن يحب الصحابة الكرام، ويوقرهم، ويقتدي بهم، لأنهم كانوا أكثر الناس حبًا لله ورسوله، وأعظمهم التزامًا بدينه. ومحبتهم واجبة على كل مسلم، مع الإقرار بأنهم بشر غير معصومين، فالعصمة للأنبياء وحدهم، وهذه المحبة من أركان العقيدة الصحيحة.
أبلغ ثمار المحبة
أعلى ثمار هذه المحبة أن يكون القلب رقيقًا لينًا، ينطلق في ميادين التأمل والتدبر؛ فيتأمل إعجاز خلقه وبدايته، ويتفكر في عظمة السماوات والأرض، ويقف عند روائع إعجاز القرآن وما يلهمه من تصورات ومعانٍ. وحينها تكون الفطرة نقية سليمة، تستقبل الحقائق بصفاء، بعيدًا عن الجحود والإنكار والجدال العقيم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يلتذ ولا يسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه. ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه”. وقال أيضًا: “محبة الله، بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين”
وقال ابن القيم رحمه الله: “المحبة هي المنـزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفاني المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسـد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدا واصليها، وتبوؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها”.
في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله، كما يكره أن يقذف في النار” [متفق عليه]
وهكذا، يغدو قلب العبد المؤمن جنةً، حين يستنير بهدى كتاب الله، ويتدبر معانيه، ويتأمل إعجازه، ويزداد معرفةً بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، ويتفكر في شمائل الحبيب المصطفى ﷺ خُلقًا وخَلقًا، ويسير على نهج سنّته في فهم الدين، فيرتفع بما يكرمه ويعزه، ويجتنب ما يهينه ويذله.
