مذكرات بحّار.. إبحار أندلسي في مغارات العقل

أحمد دعدوش


أبو بكر غاييغو، كاتب أسباني متميز، اعتنق الإسلام بعد رحلة طويلة ومثيرة في البحث عن الحقيقة، ابتدأها في سن السابعة عشرة عندما قرأ كتابه الأول في نقد الكاثوليكية، فالتحق بكليتي الحقوق والتاريخ في جامعة سَراقسطة، وسرعان ما وجد نفسه -تحت تأثير المد اليساري- في أحضان الشيوعية، ولكن الحس الجمالي الذي يفيض من أعماقه دفعه للفرار من طغيان الجنرال “فرانكو” إلى باريس لدراسة الأدب والفلسفة في السوربون، حيث قُدر له أن يلتقي بأحد أقطاب البوذية فأسلم له العقل والروح، وترجم معظم كتبه إلى الأسبانية، ثم لم يلبث أن تابع رحلاته في أنحاء أوربا، ليلتقي بزوجته في وارسو عاصمة بولندا ويعود بها إلى موطنه، بيد أن أسئلة كثيرة ظلت معلقة في ذهنه دون إجابة، ليعود مجدداً إلى المسيحية بعد أن طعّمها ببوذية الزن “Zen”.

لم يجد صاحبنا في المذهب الجديد سوى المزيد من المتاهات الصوفية الأسطورية، حتى عجزت مرشدته الروحية عن الإجابة على أسئلته العميقة مما اضطرها إلى مواجهته بالقمع، فاتخذ قراره الصارم باعتزال مجتمعه الذي اغترب عنه، ومنع ولديه من متابعة الدراسة في المدارس الرسمية ليتولى تعليمهما بنفسه، حتى وصل به الحال إلى التفكير جدياً باللجوء إلى إحدى قبائل الهنود الحمر في أمريكا بحثا عن عقيدة تروي ظمأه للمعرفة!

ولكن يد العناية الإلهية مهدت له الطريق نحو غايته، ففي رحله عائلية قام بها إلى غرناطة وجد نفسه بالصدفة أمام المسجد الكبير ليفتح له باب اكتشاف دين لم يخطر بباله من قبل، فكان قراره الحاسم باعتناق الإسلام مع زوجته وولديه، ثم هجرته إلى الشرق ليقيم في إسطنبول بضع سنوات، قبل أن يحط رحاله في دمشق مع مطلع الألفية الجديدة، ويبدأ مشروعه الفكري في علّية داره الدمشقي- الأندلسي، حيث التقيته غير مرة قبل نحو عشر سنوات، مبحراً معه في تأملاته النقدية لكل من الحضارة الغربية والركود الإسلامي على حد سواء، وقد استوقفني كتابه الصغير “مذكرات بحار” طويلاً، لما وجدت فيه من عمق الطرح وروعة الأسلوب والإيجاز البليغ.

البدء بتجريد العقل
يأتي الفصل الأول تحت عنوان “أفكار ومعتقدات”، ويتعرض المؤلف فيه لقضية مهمة في نظرية المعرفة، إذ يبين أن الأفكار لا تزيد عن كونها مجرد خواطر يتبناها الفكر كعناصر قابلة للتبديل حسب الظروف، وهي تحتمل درجات مختلفة من الحقيقة، فتتفاوت بين الخرافة والحقيقة العلمية. أما المعتقدات فلا تلتمع في الذهن بهذه السرعة، كما أنها لا تُبنى بفعل تفكيرنا الخاص أو بناء على خواطرنا وتبريراتنا، بل تمثل محيط الحياة الذي نعيش فيه والقاعدة الأساسية التي تقوم عليها قراراتنا.

لذا فإن الرجل المثقف الأبيض- على سبيل المثال- قد يكرر على أسماعنا الكثير من المواعظ في نبذ العنصرية تجاه السود وضرورة المساواة، بينما تجده يثور غضبا إذا ما تقدم شاب أسود لخطبة ابنته، فنبذُ العنصرية عنده لا يعدو أن يكون مجرد فكرة أو خاطرة قد يطول دفاعه عنها، دون أن تمسّ قاعدة معتقداته الراسخة في أعماقه.

وقد أدرك الإمام الغزالي هذا التمييز بعد رحلته الفكرية الشاقة، إذ وجد أن المبادئ الأولى (الضرورات العقلية) لا تحتاج إلى أي سند عقلي للبرهنة عليها، وأن تجريد هذه المبادئ- والتي أسماها بالنور الذي يقذفه الله في الصدر- عن الأفكار والخواطر التي نكتسبها من التربية والبيئة هو الكفيل بإنقاذ العقل من عجزه عن الوصول إلى الحقيقة، وهذا هو بالضبط المنهج الذي اعتمد عليه ديكارت فيما بعد.

ويبدو أن بعض الأنبياء خاضوا بأنفسهم هذه التجربة قبل أن يوحى إليهم، إذ نشأ إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام في مجتمعات وثنية، إلا أنهما قاما بإعادة قراءة هذا الموروث في سن النضج، فبدأ إبراهيم عليه السلام بطرح الأسئلة على قومه، واعتكف محمد صلى الله عليه وسلم في غار حراء فترات طويلة للتأمل. ولعل الأفكار والخواطر تراكمت تحت تأثير ظروف معينة في كل من أور ومكة لتحل محل المعتقدات التي لم تتفق مع فطرتهما السليمة، تمهيدا لنزول الوحي على النبيين بالحقيقة الجلية.

ومن هنا تأتي ضرورة مراجعة المعتقدات الموروثة بعرضها على المبادئ الأولى (البديهيات) التي يتفق عليها جميع الناس، وهو ما يقوم به الوحي في حثه العقلَ على إعادة البناء، لذا نرى أن البيئة التي تطبق تعاليم الإسلام تكاد تخلو من التناقض بين الأفكار والمعتقدات، لأن معتقداتها مبنية في الأصل على الفطرة، فالمسلم ذو البشرة البيضاء الذي ينشأ منذ طفولته على نبذ العنصرية لن يكون مضطرا لمجاهدة نفسه إزاء أي تناقض قد يطرأ بين ما يقوله أو يؤمن به، إذ لا يستبطن أصلا في كيانه أي موقف تجاه السود يخشى من ظهوره أو التفكير فيه.

تشويه الحقائق
في الفصل الثاني الذي يحمل عنوان “حضارة وبربرية”، ينتقد الكاتب ظاهرة التنميط التي يستخدمها الطرف الأقوى غالبا لقلب المفاهيم وتغيير مجرى الأمور لصالحه، فتقسيم العالم مثلا إلى عالمين، متحضر ونامٍ، يختزل الكثير من الحقائق التي تحكي واحدةً من أبشع صور الاستغلال في التاريخ، ويضرب مثلا طريفا لهذه الظاهرة عندما يفترض أن الكلاب تمكنوا في عصر ما من السيطرة على مملكة الحيوانات، ثم يسهب في سرد تفاصيل الثقافة التي سيعممها الكلاب لإثبات أنهم الفصيلة الأفضل من بين جميع المخلوقات، وأن أعداءهم القطط هم الأسوأ على الإطلاق، إذ ستزرع وسائل الإعلام في عقول العامة حقيقة البربرية التي تتمثل في اصطياد الفئران والعصافير، وذلك الجهل التام الذي يعنيه أكل أشواك السمك في مقابل الطبق المتحضر والعلمي الذي يتألف من عظام فخذ البقرة اللذيذ!

وتتجسد هذه المهزلة على نحو أكثر خفاء في حياتنا نحن البشر عندما يميل الأقوى لتعميم قيمه المطلقة على الطرف الأضعف، وللمزيد من التوضيح يسرد الكاتب حوارا شائقا بين “جاهول” المتعطش للمعرفة، والحكيم “فطرونيوس”، يميز فيه الأخير بين المعوز الذي يعيش حياة كريمة بالرغم من قلة متاعه وبين الفقير الذي لا يجد شيئا، ويبين أن الإسلام قد تمكن في بعض مراحله من القضاء واقعيا على الفقر، بينما يفترش مئات المشردين الجرائد في شارع “ماركت ستريت” الراقي في سان فرانسيسكو للنوم إلى جانب ناطحات السحاب.

أما التجسيد المعولم لهذه الظاهرة فنجده في انتشار القيم الغربية وثقافتها في كل الأمم بالرغم من تناقضها مع ظروف البيئة ومستلزمات الحياة، فالملابس العربية القديمة -على سبيل المثال- كانت قد صُممت بما يتناسب مع مناخ المنطقة الحار والجاف، بينما تفرض العولمة اليوم على الجميع ارتداء زي موحد، والأمر نفسه يمتد ليشمل كافة مظاهر الحياة، إذ بات على الجميع أن تُنمط تفاصيل حياتهم اليومية كي لا يبقوا خارج هذه “الحضارة”، تماما كما تفعل القطط التي تضطر للعيش في مجتمع يحكمه الكلاب!

شامان من روسيا

شامان من روسيا

بين العقل والوحي
يستعرض المؤلف في الفصل الثالث “نبوة وشامانية” تاريخ الصراع بين الأسطورة والوحي، وبين الشامان -أي الساحر في العصور الغابرة- والنبي، ثم يقرن الساحر بالفيلسوف الذي يدعي العقلانية، إذ يسعى كلاهما للسيطرة على الكون، سواء بالخرافة والوهم أو بالعلم، بينما يستمد النبي معرفته من خالق الكون نفسه.

الشامان- الساحر أو الفيلسوف- يؤلّه نفسه، ويقود العالم لتقديسه، فهو الغاية وبيده الوسيلة، وعلى البقية أن يطيعوا أمره ويكفوا عن طرح الأسئلة، وأن يقنعوا بوسائل الترفيه والإلهاء التي يضخها إليهم باستمرار، وقد يكون مدركاً للحقيقة التي يخفيها عن الناس، إلا أنه غير مستعد للتنازل عن لذة السيطرة.

النبي في المقابل لا يدعي لنفسه شيئا، بل هو وسيط بين الإله والبشر، قد يتعرض للإهانة والأذى، ومع ذلك ينسحب راضيا من المشهد ليُبرز الإله الذي لا يُعبد سواه، فهو لا يُخفي الأرواح ليدعي القدرة الخارقة، ولا يحتكر العلم للسيطرة على الناس، بل يبذل قصارى جهده لإيصال الرسالة إلى الناس بكل تواضع، كما أنه لا يستخدم المخدرات والرقصات الصوفية، ولا يخفي أياً من الممارسات والأسرار للوصول إلى المعرفة، ولا يتكبر على أتباعه أو يحتكر لنفسه زياً أو مظهراً يميزه عن غيره. الصلاة عنده ركوع وسجود وتجريد للقلب عن كل ما سوى الله، يستوي فيها الصغير والكبير، الغني والفقير، ولا تستدعي قربانا ولا نيرانا، ولا هلوسات تدخل الرهبة في القلوب.

وبهذا التأمل الوجداني الشفيف يُبحر كاتبنا الأندلسي في جداول المعرفة، ليجمع أصنافا شتى من التوابل لتكوين وجبة فكرية ممتعة، ويقدم للقارئ العربي خلاصة تجربته في طبق شهي يرضي كافة الأذواق، ويدفع العقل لإعادة التفكير في الكثير من الأفكار الخاطئة.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد