لماذا نحتاج إلى علوم إنسانية وليدة مجتمعاتنا الإسلامية؟ علم الاجتماع نموذجًا

image_print

عندما نتحدث عن خصوصية الهُوية الإسلامية وما تحويه من ركائز تُشكِّلها مثل الدين والثقافة واللغة وغيرهم، فإننا نتوقع -بداهةً- أنّنا نمتلك علومًا إنسانية منبثقة من هذه الركائز وناتجة عن امتزاجها، إذ إنّ أثر مكونات الهوية في أي أمة يجعل لأفرادها ومجتمعها سمات متمايزة عن غيرها، وهذا لا يتنافى مع وجود تشابك مع مجتمعات أخرى بسبب المشترك الإنساني لكل الحضارات والاعتلاج الحاصل بينهم، ولكننا لا نجد حتى الآن منهجًا متمايزًا ناضجًا وليد مجتمعاتنا، واصفًا لها وهو ناظرًا إليها بعينها لا بعيونٍ أجنبية عنه.

لذا سنعرض نموذجًا في هذا المقال يُبلّور هذه الإشكالية ويوضح مدى عمقها، ولعلنا نرى قريبًا بإذن الله مناهج ناضجة نابعة من مجتمعاتنا.

مقدمات واحدة.. نتائج مختلفة!

في القرن الماضي وأثناء الحروب التي وقعت في منطقتنا العربية، تعرضت إحدى المدن لمخاطر كبيرة بسبب الحرب، فتم تهجير أهلها قسرًا إلى مدن أخرى أكثر أمانًا، وبعد سنوات من المعركة، هدأت المدينة وعادت إلى السكون، ولكن معظم أهلها الأصليين آثروا البقاء في المدن الأخرى بعدما تدبرّوا حياتهم فيها واستقروا.

وقامت الدولة بإعادة إعمار هذه المدينة، وبسبب تميزها الجغرافي وكثرة الموارد فيها؛ تحولت إلى مدينة صناعية بامتياز؛ مما شجع الكثير من الشباب على الانتقال إليها في هجرة عكسية من مدنهم، وبنوا حياتهم فيها وجاؤوا بزوجاتهم ليستقروا ويكملوا حياتهم في هذه المدينة. وإذا توقفنا عند هذه النقطة في رصد التغيُّرات التي حصلت في هذه المدينة جرّاء الحرب وحاولنا تحليل طبيعتها وطبيعة من يعيشون فيها، سنجد بعض المعطيات تؤول إلى بعض النتائج.

أما المعطيات، منها:

١- مجتمع نووي، فغالب الأفراد انتقلوا دون عوائلهم وبالتالي فإن أسرهم مقتصرة على الزوجين والأبناء.

٢- مجتمع صناعي، فالمسار الاقتصادي الغالب في هذه المدينة هو الصناعة والإنتاج.

٣- تجمعات سكنية متباعدة بسبب طبيعة توزيع الشركات والمصانع في المدينة.

وأما النتائج المتوقَعة من هذه المعطيات تتمثل في:

١- إن التباعد السكني والأسر النووية يحفز على الانعزال الاجتماعي ويصعب التواصل بين الأفراد، مما يعزز من جنوح النزعة الفردانية في هذا المجتمع والتمحور حول الذات، وتقلص المروءة في هذا المجتمع.

٢- طبيعة النشاط الصناعي يعطي طابعًا ماديًا تعاقديًا لهذا المجتمع، حيث إنّ النظام الرأسمالي هو المهيمن على هذه الشركات، مما يدفع إلى الإنتاج المادي المحض بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى.

ولكننا عندما ننظر إلى هذه المدينة ونرصد المخرجات الإنسانية السكانية الناتجة عنها؛ سنلاحظ بجلاء قدرًا كبيرًا من المروءة والتشارك الاجتماعي بين أهلها بشكلٍ عام، وأن الحفاظ على الأطر الأخلاقية فيها جليٌ أكثر من مدن أخرى لا تملك هذا التنوع السكاني، وأن نسبة التدين فيها مرتفعة.

مما يجعلنا نتساءل: لماذا اختلفت النتائج رغم وحدة المقدمات؟ فلو كانت هذه المدينة في المجتمع الغربي لكانت المآلات المتوقَعة لهذه التركيبة الاجتماعية صحيحة تمامًا، وكذا متناغمة بشكل واضح مع فرضيات علم الاجتماع الذي نبع من مجتمعاتهم، ومع السمت العام للإنسان الأوروبي المعاصر، فهذه المقدمات عندما تندمج مع مجتمع نُظِم من هذا الفرد؛ سيؤول إلى هذه النتائج.

وهذا المشهد يفرض سؤالًا يجب أن ننتبه إليه: ما الذي جعل النتائج مختلفة؟

وقبل أن نجيب على هذا السؤال، يجب أن نذكر أنّ علم الاجتماع عندما يقوم بدراسة مجتمع بشري ويرصد الظواهر التي فيه ليصل إلى مصطلحات عامة ناظمة لهذه الظواهر يمكن القياس عليها والتصوُّر له من خلالها، علينا أن نعي أنّ هذه الظواهر -أو النتائج- ما هي إلا نتيجة امتزاج مقدماتٍ ما بمجموع أفراد هذا المجتمع، وبسبب التشارك الثقافي والديني والعرفي بين غالبية الأفراد؛ فإن غالب النِتاج الذي ينبثق عن هذا الامتزاج يكون على قدرٍ كبيرٍ من التشابه، أي أننا يمكن أن نعتبر أنّ التركيبة النفسية للأفراد تُمَّثِّل الوعاء الذي يُشكِّل هذه المقدمات ويعطيها طابعًا معينًا، مما يعني أنّ تلك المقدمات لا تؤول بالضرورة إلى نفس النتائج أو أنها تتمظهر بشكلٍ أحادي في كل زمان ومكان، بل تدخل في وعاء المجموع البشري لهذا المجتمع بخصوصيته فتخرج شبيهة لهذا الوعاء.

لذا فقد كان التباين الكبير في التركيبة النفسية لمجموع أفراد مجتمعاتنا عن المجتمع الأوروبي سببًا مركزيًا في خروج نتائج مختلفة تمامًا، إذ إنّ الإطار الديني والأخلاقي العام جعل مقدمات الغربة والانفصال عن العائلة الممتدة حافزًا لسد هذا الشعور عند النفس والآخر، وبشكلٍ غير مُعلَن عمل الجميع على مؤازرة الآخر وتلقي ذات الدعم منه والسير في حوائجه، وكذا الإطار الأخلاقي الذي يشجع على المروءات وأصحابها كان عاملًا ممتازًا في حدوث تلك النتائج، وكذا القيم التي حث عليها الإسلام كالإحسان إلى الجار وإكرام الضيف ومعايدة المريض واتباع الجنائز وصلاة الجماعة وغير ذلك من السمات الأخلاقية الاجتماعية في الإسلام التي تعزز من الروابط الاجتماعية.

وكذا كسرت قيم الرحمة والكرم وفضل الصدقة والحث على العطاء من الطابع المادي الرأسمالي، فكان العمل في تلك الشركات والمصانع من باب تحصيل الرزق دون الانغماس في المحركات الفكرية خصوصًا في الصناعات الإنتاجية الكبرى.

لذا فإنّنا ندرك من خلال التعريج على هذا النموذج أنّ استيراد العلوم الإنسانية من أمة أخرى وإنزالها على واقعنا يعني تمامًا أننا نطمس أوعيتنا المتمايزة، فبدلًا من دراسة المقدمات الخاصة بنا، ودراسة التركيبة النفسية لمجموع أفراد مجتمعاتنا لنخرج بنتائج ندرك من خلالها شكل الوعاء الخاص بنا الذي يمكننا تفسير معظم ظواهرنا الاجتماعية من خلاله، نذهب ونأخذ نتائج خرجت من وعاء مغاير لنا تمامًا، ناتجٌ عن مقدمات متباينة، ممتزجة مع نفسيات أفراد لها خلفيات ثقافية وأخلاقية ودينية مغايرة لنا!

هل تكمن المشكلة فقط في القراءة الخاطئة لمجتمعنا؟

إنّ إشكالية القراءة الخاطئة لمجتمعنا وإنزال نتاج مجتمع آخر عليه هو جانب من جوانب الإشكاليات التي تواجه هذا الموضوع، حيث إنّ الأمر أحيانا لا يتوقف عند هذا الحد، بل يتعداه ليجعل من هذه “القراءة” والتوصيف نتائجَ يُتعامل معها كحقائق علمية مطلقة يبني عليها رؤى أخرى، فالحاصل أنه يُنظِّر حول مجتمع لا وجود له في واقعه، بل منبثق عن امتداد ذهني أوروبي.

كيف يمكننا أنّ نُنضِج مناهجنا الإنسانية الخاصة؟

بدايةً وقبل الحديث عن الخطوط العريضة التي يمكن أن تفيد في هذا الصدد، يجب أن نذكر أنّ واحدًا من أهم مؤسسي علم الاجتماع هو العالم المسلم ابن خلدون في مقدمته البديعة، والتي وضع فيها أسس البحث الاجتماعي التحليلي المنهجي للمجتمع، وربط بين عناصره، وسبر مراحله، مما يعني أنّ لنا جذورًا عميقة ضاربة في هذا العلم وتاريخه، والسهم الأول فيه خرج من قوسنا، فعندما نستحضر هذا الملمح التاريخي لهذا العلم؛ تُنزَع من صدورنا هيبة خوض غمار هذا الحقل، وتعيد إلينا الثقة في القدرة على إنتاج مناهج إنسانية متناغمة مع مجتمعاتنا، وابتكار وصك المصطلحات التي تصفنا بدقة، مستوعبة الصورة الكاملة المتمثلة في المقدمات الممتزجة بمجموع نفوس الأفراد ومنعكسة على الواقع الاجتماعي، لذا نقول إنّ أولى الخطوات التي نسلك بها هذا الطريق هي استعادة الثقة في العقل المسلم الذي يستطيع أن يلاحظ ويحلل، وينتج أفكارًا، ويصك مصطلحات، ولا يكون مرتهن الفكر لثقافات ذات واقع إنساني مهترئ، ولا يشعر بالوصاية الفكرية للمناهج الغربية، بل يتعامل معها تعامل الباحث المنصف مع أي منتج فكري يصل إليه، فإنه يزنه ويقيمه تبعًا لمرجعية الوحي التي ينطلق منها، يأخذ ما ينتفع به ولا يتعارض مع مرجعيته، ويرد ما تعارض مع أصوله أو طبيعة مجتمعه.

أما الخطوة الثانية فتتمثل في قراءة المجتمع قراءة شمولية متجردة من قوالب أو فرضيات مسبقة تؤدلج تلك القراءة، فيتم استيعاب كافة المقدمات التاريخية والإرهاصات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية التي شكلت الواقع الاجتماعي، وكذا دراسة المقدمات المتمثلة في الأطر الدينية والأخلاقية والعُرفية التي أثرت في التشكيل النفسي لمجموع الأفراد، وكذا التباين الجغرافي الواقع في بلادنا ومدى تأثيره على طبيعة سكانه ونشاطهم الاقتصادي، وهناك العديد من الدراسات التي دارت حول موضوعات منتمية لهذا الحقل البحثي يمكن توظيفها والاستفادة منها لبلورة هذا المشروع.

أما الخطوة الثالثة تتوجه نحو الإنتاج المنهجي الذاتي، وذلك عن طريق ملاحظة وتحليل نِتاج المرحلة الثانية، ومن ثَمّ معرفة الخصائص الاجتماعية لمجتمعاتنا وما يميزها، وكذا طريقة التواصل الاجتماعي بين الأفراد، والأنماط المتكررة فيه، مما يُمكّننا من صك المصطلحات الخاصة بنا والناظمة لطبيعة مجتمعاتنا، ثم صياغة مناهج اجتماعية متكاملة تكون حقًا من جذورها نابتة من أرضيتنا وطبيعتنا وخصوصيتنا.

هل يمكن استصلاح (أسلمة) علم الاجتماع ليناسب مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟

يمكن القول بأن “استصلاح” هذه العلوم بإضفاء غطاء إسلامي عليها سيحدث إشكالًا جديدًا، لأن الأمر _كما ذكرت آنفًا_ متعلق بالأسس التي بُني عليها هذا العلم، فمساحة الاستفادة من المناهج الغربية _أو الأجنبية عمومًا_ في العلوم الإنسانية أضيق من العلوم التجريبية، لأن مناط بحثها هو الإنسان الذي تتباين طبائعه من ثقافة إلى أخرى، ولأنها علوم لها قدر كبير من الخصوصية مبنية على طبيعة كل مجتمع وما يحويه من دين وثقافة وتاريخ، وتمتلك قابلية عالية للتأثر بالأفكار والفلسفات المختلفة بل والاندماج في قوالبها أحايين كثيرة، لذا فمن غير المعقول اعتبار أنّ إعادة صياغة بعض المصطلحات أو إضفاء ألفاظ من حاضنتنا الثقافية سيكون كافيًا لجعل هذه المناهج والفرضيات ملائمة لنا، ويبقى هناك مشترك إنساني عام يحوي جوانب يمكن الإفادة منها، وتكون تلك الإفادة بعد ترسيخ القواعد الخاصة بمجتمعاتنا، فلا يتحول الأمر من تنوع وتواصل حضاري إلى ذوبان حضاري، فيمكن الاطلاع على علم الاجتماع الغربي وتتبع تطوره التاريخي للاستفادة من التجربة وبعض المشتركات الإنسانية العامة كما ذكرنا، لكن يجب أن يكون علم الاجتماع الإسلامي منبثق عن مجتمعنا، نابعٌ أصالةً منه.

أسأل الله أن يبلغ هذه الأمة رشدها.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد