كيف يؤثر الخطاب النسوي على مجتمعنا؟

آلاء بهجت الحاجي 


إن القراءة في التحولات المجتمعية التي طرأت في العصر الحديث على النساء خصوصا، والفكر التحرري -الذي أخذ مداه لديهن بشكل غير مسبوق- يعيدنا تلقائيا لدراسة الخطاب النسوي الموجّه من الحركات النسوية وحركات تحرير المرأة، الذي أثّر بنا وصنعنا دون شعور منذ القرن الماضي إلى الآن.

عادة ما يؤرخ لبدايات النسوية في القرن التاسع عشر ضمن الموجة النسوية الأولى والتي بدأت بالمطالبة بالحقوق الأولية كحق التملك وحق التعليم وحق العمل وغيرها وإبراز بعض ألوان الظلم الذي تتعرض له المرأة وانتقادات للنظرة الدونية للأنوثة لدى الغرب المتأثرة بالخطاب الكنسي و نصوص الإنجيل، وأطروحات بعض الفلاسفة. وضمن سياقات تاريخية معينة وإعلاء لقيم الحرية المطلقة والليبرالية التي استغلتها هذه الحركات للدعوة لتحرير المرأة الكامل وإشراكها في التيار الرئيسي للمجتمع بأن تحصل على كل امتيازاته وتتولى كل مسؤولياته بالمشاركة الكاملة مع الرجل، تزامن مع تطور للأطروحات النظرية التي أخذت في معالجة مفهوم المرأة والأنوثة وأنها لا تولد امرأة بل تصبح كذلك، بسبب التوجيه المجتمعي الذي يدفعها للخضوع والاستسلام على حد تعبير سيمون دي بوفوار إحدى أبرز رائدات الحركة النسوية [النسوية وما بعد النسوية، ص64].

كمجتمع عربي لا يمكن إنكار ما يحصل فيه من قمع لشخصية الأنثى ومحاولة لجعلها العنصر الضعيف في المعادلة، وهذا الشعور الخانق لدى النساء ولّد الكثير من الحنق الذي وجد صداه في النموذج الغربي المُصدّر إلينا من حركات تحرر المرأة والموجات النسوية التي أرادت تحريرها من قيد فأدخلتها في قيود أخرى، وأثرت في نظرتها لنفسها أولاً وفي علاقتها بالجنس الآخر وفي وظيفتها الحقيقية والقيود التي يحل لها أن تتحكم بها، وفي نظرتها للتدين والأحكام الدينية والشرائع.

يتناول هذا المقال أبرز المجالات التي استطاع الخطاب النسوي التأثير بها علينا بوصفنا مجتمعات عربية محافظة نسبيًا.

التعليم والعمل
عندما ننظر في إدراج النسوية للتعليم والعمل على رأس قائمة الحقوق باعتبارها يجب أن تكون مكفولة للمرأة، نلاحظ أن النسوية أطّرت مفهومي التعليم والعمل في المجالات التي يعمل فيها الرجل غالبا كما ذكرت سابقا، نقلًا عن بيتي فريدان أن المطلوب هو “إشراك المرأة بصورة كاملة بحيث تحصل على كل الامتيازات للمشاركة الكاملة مع الرجل” -علماً أنها أسست المنظمة الوطنية للمرأة كرد فعل مباشرعلى فشل اللجنة الأمريكية لتكافؤ الفرص في التوظيف على حل مشكلة التمييز على أساس الجنس في الوظائف-. (النسوية وما بعد النسوية، ص58).

وهذا التأطير للمفهوم وجّه المرأة بطريقة أو بأخرى لاتخاذ مسار التعليم والعمل الذي سُلط عليه الضوء إعلامياً وتم التركيز عليه في الخطاب النسوي، كتصوير حرية المرأة التي تبدأ حال دخولها عالم الأعمال وأنها التي تلبس البدلة وتخرج صباحاً لتعود في المساء ومحفظتها ملأى بالنقود وقد “حققت ذاتها ووضعت بصمة في المجتمع”، فاتجهت كثيرات منهن تحت الضغط المجتمعي لدراسة تخصصات لا تناسبهن ولا تراعي أوضاعهن النفسية والاجتماعية فقط لتأمين المستقبل لاحقا ولتحقيق ذاتها كما قيل لها، دون أن يكون لديهن أدنى اطلاع على التوجهات التي تفرضها مصالح السوق على المجتمع، والاختيارات الإجبارية التي يطرحها، ولا وعيٍ ذاتي بإمكانياتهن الحقيقية وقدراتهن التي تؤهلهن لاختيار طريق الحياة الأنسب.

وبنظرة أكثر تدقيقاً نرى أن النسوية لا تقدّر العمل إلا لأجره و قيمته المادية الذي يحقق الاستقلالية للمرأة ويجعلها غير معتمدة على الأب أو الزوج، وليست المعضلة بالاستقلال المادي بحدّ ذاته، وإنما في تكريس الحياة الندّية بين الرجل والمرأة، وفي عدم اعتبار التربية والحفاظ على أسرة مستقرة عملاً مهماً يستحق التقدير، بل وفي اختزال كافة الأعمال بالأعمال المأجورة التي تقابَل بقيمة مادية.

وبعد الاطلاع على واقع العمل والنظام الرأسمالي الذي يتعامل مع الموظفين على أنهم عبيد، لا نرى المرأة العاملة أحسن حالاً بالوظائف التي تشغلها والضغوط التي تتعرض لها بحجة تحقيق الذات، بل إن سوق العمل استغل المرأة أكثر من الرجل وفرض عليها معايير الجمال والأناقة كمقياس للكفاءة وهذا ما يجعلنا نعيد النظر حول مفهومهم لتحرير المرأة، خصوصا بعد أن نعلم أن النسوية أُحبطت لعدم حدوث تغير حقيقي في مجال العمل إذ أن دخل المرأة ما يزال في حدود ثلثيّ دخل الرجل في المملكة المتحدة. [النسوية وما بعد النسوية،74].

الزواج والأمومة
إن أول مؤتمر وطني عقد حول تحرير المرأة في بريطانيا 1970م، خرج بأربعة مطالب أساسية وكانت: المساواة في الأجور والمساواة في التعليم والفرص وإنشاء حضانات تعمل على مدار اليوم والحرية في استخدام وسائل منع الحمل والإجهاض (الحرية الجنسية). ومن خلال الربط بين هذه المطالب الأربعة تتضح ازدواجية المعايير لدى النسويات ففي حين أنهن يطالبن بحقوق أساسية كالعمل والتعليم، يرتبط ذلك لديهن بإنشاء الحضانات على مدار اليوم واستخدام وسائل منع الحمل وتكشف هذه المطالب عن الاهتمام بجسد الأنثى واحتياجه للاستقلال الذاتي الجنسي.

فالنظرة النسوية للزواج والأمومة كقيد أزاحت كل قيمة مرتبطة بهما، ولم يعد الحفاظ على أسرة مستقرة من أولويات الحياة بل لم يعد الأمر يستحق التوقف والتفكير لدى كثيرات، وباتت التربية مرتبطة بتوفير الماديات لا أكثر والحضانات من الأساسيات التي يجب توفيرها للطفل لتحقق الأم ذاتها، وأصبح البقاء في المنزل للعناية بطفل وتربيته يدل على قلّة الطموح والإنجاز في حياة المرأة، وأنها إن ارتضت البقاء في المنزل فهي بالضرورة مقيدة مجبرة لا حيلة لها سوى ذاك “التركيز على صورة المرأة كضحية”.

ولو أن الأمر لدينا لم يتطور بعد إلى الاستقلال الذاتي الجنسي بشكل ملحوظ إلا أن فكرة الزواج كقيد هي ما رسخ في أذهان كلا الجنسين. فالمسؤولية التي يجب أن يشعر بها كلا الأبوين تجاه الأبناء خفتت في عصر التمركز حول الذات ودور الأم أعظم في ذلك وأكثر تأثيراً.

ربما كان من الأكثر رشداً وعقلانية كما يقول الدكتور المسيري “ألا نحاول تحرير المرأة وألا نحاول القذف بها هي الأخرى في عالم السوق والحركية الاستهلاكية وأن نطالب بدلاً من ذلك بتقييد الرجل وأن يعاد تعليمه بحيث يكتسب بعض خبرات الأبوة والعيش داخل الأسرة والجماعة” [قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى،39]، وهي الخبرات التي تم هضمها في العصر الاستهلاكي الحديث.

مفهوم التحرر عند النسوية
تدعي النسوية منذ بروزها أن من أهم أهدافها التحرر من القيود التي فرضها الرجل على المرأة منذ الأزل، مستنداتٍ على عدة إنجازات كاكتساح سوق العمل الذي كان محظورًا عليهن وغيره من الميادين التي كانت حكرًا على الرجل، لكن التحرر الذي تدعيه النسوية ما يزال مقيدا بنظرة الرجل واكتساح الميادين التي يبرز هو فيها، أي ما يزال الرجل هو المقياس الحقيقي للتحرر الذي تدعيه النسويات، فأي عمل آخر تبرع فيه النساء في غير تلك الميادين التي يبرز فيها الرجل لا تجد لها حيزًا لديهن ولا اعترافًا. وما فتئن يعلنّ رفضهن تسليع جسد المرأة ومسابقات ملكات الجمال في العالم بحجة أنها تكريس لفكرة الأنثى التي لا يتجاوز اهتمامها جذب الرجل الذي يتحكم بها، بينما يندر أن تجد منهن من تتقبل اللباس المحتشم -الإسلامي منه خصوصًا-، بحجة أن فرضه أيضًا استغلال ذكوري لسلطة الدين والتشريع، ويخرجن بادعاءات لا يستطعن إثباتها كذكورية الفقه الإسلامي وغيره، رغم أن فرضه يلغي محاولات تسليع جسد المرأة ويساعدها على تحييد أنوثتها لتستطيع المشاركة في المجتمع دون مضايقات.

تنتقد بيتي فريدان النساء في الموجة النسوية الأولى وترى أن مشكلتهن أنهن يحسدن الرجل وحاولن أن يكنّ مثله بدلًا من أن يتقبلن ذواتهن والموجة النسوية الثانية أتت لتحريرهن من كل ذلك،(النسوية وما بعد النسوية،65). ويبدو أن النسوية في موجتها الأولى والثانية وما بعدها رجعت بخفي حنين، وقد صدقت جيرمين جرير حينما وصفتهن فقالت: “المرأة في تيار النسوية لها شعر طويل وترتدي زيّاً خشنًا وأقراطًا مدلاة، أما المرأة في ما بعد النسوية فترتدي حلة عالم الأعمال، وترفع شعرها وتستخدم قلم أحمر الشفاه، أما المرحلة التالية لما بعد النسوية فتتسم بطبيعة داعرة بصورة استعراضية وبسلوك غير منضبط” [النسوية وما بعد النسوية،87].

يتعدى التأثير النسوي هذه المجالات لكن هذين المجالين هما أكثر المجالات المتأثرة وضوحًا في تغيير صورة مجتمعاتنا التي تتشوه كلما استغرقت في التغريب.

إن الاستعانة بأدبيات النسوية لتفسير واقع قائم يبدو نظرياً أكثر مما ينبغي، فكثير من النساء ليس لديهن اهتمام أو اطّلاع على النظريات النسوية المطروحة هنا وهناك والصراع النسوي فيما بينه وتهافت النسوية إلى ما بعد النسوية، إلا أن الإعلام وما يشمله من إعلانات وأفلام وروايات وأدب هو الذي يوجه هذه الأفكار للمرأة بغض النظر عن سياقها الذي يبقى حكراً على الكتب والدراسات العلمية والاتفاقيات الدولية.

ربما يكون الحل الأمثل بأن تتخذ الأنثى خطوات جادة لصناعة وعيها لتستطيع مواجهة كل هذا المد، إن الأمر لا يعطي انطباعًا حول مؤامرة ما بقدر ما يقول الشيخ محمد الغزالي “مؤامراتهم تمتد في فراغنا”.


أهم المراجع

  • سارة جامبل، النسوية وما بعد النسوية، ترجمة أحمد الشامي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2002م، ط 1.
  • ملاك الجهني، قضايا المرأة في الخطاب النسوي المعاصر(الحجاب أنموذجاً)، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، 2015، ط 1.
  • عبد الوهاب المسيري، قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، 2010، ط 2.

التعليقات

تعليقات