فضل الداعية وآدابه في القرآن

image_print

الحمد لله الذي خصَّنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلاة والسلام على صاحب الوجه الأزهر، سيدنا محمد الزَّكِيِّ الأطهر.

نَعَمْ، نِعَمُ الـمُقَفَّى ليس تُحصى        وتلخيص المقالة فيه أجدرْ

لأن الأُفْــق مهما قُلــتُ فيـه       من الزهر الدراري، فهي أكثَرْ

وفضلُ البحر لم يُدرِكهُ وصف         وَعَدُّ الموجِ مِنْهُ ليس يُحصَرْ[1]

وبعد، فإن الله سبحانه وتعالى خَصَّ هذه الأمة بخصائص تميزها عن سائر الأمم، فخَصَّنا تعالى بما شرَّف الله به المرسلين، وبما هو سبب رئيس لحفظ الدين، ألا وهو الدعوة إلى الله رب العالمين، وهي -بعد الأنبياء- وظيفة العلماء والمصلحين، وأحسن الأقوال إلى السميع العليم، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].

أولا: تعريف الدعوة إلى الله

عرَّفها الشيخ محمد أبو الفتح البَيَانُوني بأنها: “تبليغ الإسلام للناس، وتعليمه إياهم، وتطبيقه في واقع الحياة”[2].

وجمع الشيخ في كتابه “المدخل إلى علم الدعوة” مجموعةً من التعاريف، اختار بعدها هذا التعريف ودلَّل على رجاحته وأَسْهَب، فأُحِيلُكم عليه خشية الإطالة[3].

ثانيًا: حكم الدعوة إلى الله

أ-في حق الأنبياء: فرض عين؛ لقوله تعالى: )يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ( [المائدة: 67].

ب-في حق غيرهم: فرض كفاية؛ لقوله تعالى: )وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ( [آل عمران: 104]، “فقَد حَوَتْ هَذِهِ الْآيةُ مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا: وجوب الْأمْرِ بالمعروف والنهي عَن الْمُنْكَرِ. وَالْآخَرُ: أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي نَفْسِهِ إذَا قَامَ بِهِ غَيْرُهُ”[4].

وهي آكد في الوجوب الكفائي في حق العلماء لقوله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ( [البقرة: 159، 160]، “وهذه الآيةُ وإن كانت نازلةً في أهل الكتاب، فإن حكمها عام لكل من اتصف بكتمان ما أنزل الله”[5]، ولكن إن ترتَّبَ على العالِم ضرر لا يستطيع تحمله، فعندئذ يجوز له أن يترك الدعوة لقوله تعالى: )لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا( [البقرة: 286].

ثالثًا: مكانة وفضل الداعية

أ-الداعي في أعلى المراتب عند الله، لقوله تعالى: )وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ( [فصلت: 33].

ب-الدعوة وظيفةُ أشرف الخلق وأنبلهم، الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: )يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا( [الأحزاب: 45، 46].

ج-القيام بالدعوة علامة على الإيمان، بل هي الفارق بين الإيمان والنفاق، قال تعالى: )الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ( [التوبة: 67] ثم قال بعد ذلك: )وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ( [التوبة: 71] قال القُرطُبي رحمه الله: “فَجَعَلَ تَعَالَى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَخَصَّ أَوْصَافِ الْمُؤْمِنِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ”[6]

د-الداعي من خِيار الناس، لقوله تعالى: )كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ( [آل عمران: 110] “فهذه الآية الكريمة أفادت معنيين: الأول: خَيرِيَّةُ هذه الأمة، والثاني: أنها حازت هذه الخيريَّة لقيامها بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”[7]، وفي الأثر: “قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الناس خير؟ قال: «خَيْرُ النَّاسِ أَقْرَؤُهُمْ وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ»”[8].

رابعًا: شروط وأخلاق وآداب الداعية

أ-الإخلاص لله
وهو أن تجعل دعوتك لله، لا لأمر من أمور الدنيا، فهكذا كانت دعوةُ الأنبياءِ عليهم السلام، يقول تعالى على لسان سيدنا هود عليه السلام: )يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ( [هود: 51]، وقال تعالى على لسان ذلك الرجل الصالح: )اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ( [يس: 21]، “فهم ليسوا يَدْعُون الخَلق طَمَعًا فيما يُصِيبُهم منهم من الأموال، وإنما يَدْعُون نصحا لهم، وتحصيلا لمصالحهم”[9]، ولسانُ حالِ كلِّ واحدٍ منهم: )إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ( [هود: 88].

ب-العلم
لقوله تعالى: )قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي( [يوسف: 108]؛ “أي: على علم ويقين”[10].

“وقد أمر الله به وأوجبه قبل القول والعمل، فقال تعالى: )فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ( [محمد: 19]، فدل ذلك على أن مرتبة العلم مقدمة على مرتبة العمل، وأن العلم شرطٌ في صحة القول والعمل”[11].

قال ابن تيمية رحمه الله: “فَلَا بُدَّ من هَذِه الثَّلَاثَة: العلمُ، والرِّفقُ، وَالصَّبْرُ؛ العلمُ قبل الْأَمر وَالنَّهْي، والرِّفقُ مَعَه، وَالصَّبْرُ بعده، وإن كَانَ كلٌ من الثَّلَاثَة لَا بُدَّ أن يكون مُسْتَصْحَبًا فِي هَذِه الأحوال”[12].

وهنا يجب التنويه على أن “مَنْ عَلِمَ مسألةً وجَهِلَ أخرى فهو عالمٌ بالأولى جاهلٌ بالثانية، وبالتالي يتوفر فيه شرط وجوب الدعوة إلى ما عَلِم دون ما جَهِل، ولا خلاف أن من جَهِل شيئاً أو جَهِل حكمه أنه لا يدعو إليه، لأن العلم بصحة ما يدعو إليه الداعي شرط لصحة الدعوة. وعلى هذا فكل مسلم يدعو إلى الله بالقَدْر الذي يعلمه”[13].

ج-العمل بما يدعو إليه
قال تعالى على لسان سيدنا شعيب عليه السلام: )وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ( [هود: 88]، “أي: ما أريد أن أنهاكم عن شيء ثم أرتَكِبه”[14]

وقال تعالى: )وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ( [فصلت: 33]، “أي: هو فِي نَفْسِهِ مُهْتَدٍ بِمَا يَقُولُهُ، فَنَفْعُهُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، وليس هو مِنَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَأْتُونَهُ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَأْتُونَهُ، بَلْ يَأْتَمِرُ بِالْخَيْرِ وَيَتْرُكُ الشَّرَّ وَيَدْعُو الْخَلْقَ إِلَى الْخَالِقِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى”[15].

وهذا الشرطُ ضروريٌ؛ لأن الناس تقتدي بالأعمال أكثر من الأقوال “ومما يدل على ذلك أن البخاري بوَّب بابًا قال فيه: (باب الاقتداء بأفعال النبي r)، ثم ساقَ الحديث: اتَّخَذَ النَّبِيُّ r خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ r: «إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ»، فَنَبَذَهُ، وَقَالَ: «إِنِّي لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا»، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ.

قال ابن بطال: (فدَلَّ ذلك على أن الفعل أبلغ من القول)”[16]

وقد وبَّخ الله تعالى بني إسرائيل لأنهم يأمُرون بالبر ولا يفعلونه، وذلك في قوله تعالى: )أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ( [البقرة: 44]، يقول السعدي رحمه الله: “وهذه الآية وإن كانت نزلت في سببِ بني إسرائيل، فهي عامة لكل أحد لقوله تعالى: )يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ(، وليس في الآية أنَّ الإنسان إذا لم يَقُم بما أُمِرَ به أنه يَتْرُكُ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمرُ غيرِه ونهيُه، وأمرُ نفسِه ونهيُها، فَـتَرْكُ أَحَدِهِما، لا يكون رخصةً في ترك الآخر”[17].

“وَقَالَ سَعِيدُ بْنَ جُبَيْرٍ: لَوْ كَانَ الْمَرْءُ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَصَدَقَ، مَنْ ذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شيء!”[18]

د-الصبر
لقوله تعالى: )يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ( [لقمان: 17]، قال ابن كثير رحمه الله: “عَلِمَ أَنَّ الْآمِرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا بُدَّ أَنْ يَنَالَهُ مِنَ النَّاسِ أَذًى، فَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ. وَقَوْلُهُ تعالى: )إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ( أَيْ: إِنَّ الصَّبْرَ عَلَى أَذَى النَّاسِ لَمِنْ عَزَمِ الْأُمُورِ”[19]

“إن الصبر للداعي أشد ضرورة له من غيره، لأنه يعمل في مَيْدَانَين؛ ميدانُ نفسه، يجاهدها ويحمِلُها على الطاعة ويمنعها من المعصية، وميدانُ خارج نفسه، وهو ميدان الدعوة إلى الله، ومخاطبةِ الناس، فيحتاج إلى قدْرٍ كبير من الصبر في الميدانَيْن، حتى يستطيع تجاوز العقبات وتحمل الأذى، فإن فَقَدَ الصبر قَعَدَ أو انسحب من الميدان وحَقَّ عليه الحساب وفاته الثواب”[20]

ه-و-الحكمة والموعظة الحسنة
لقوله تعالى: )ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ( [النحل: 125]، “جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخَلق؛ فالمستجيبُ القابلُ الذكيُّ الذي لا يعاند الحق ولا يَأبَاه: يُدعى بطريق الحكمة؛ “يعني بالدلائل القطعية اليقينية حتى يعلم الأشياء بحقائقها”[21].

والقابلُ الذي عنده نوع غفلة وتأخر: يدعى بالموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.

والمعاندُ الجاحد: يُجَادَل بالتي هي أحسن”[22].

ومن مظاهر الحكمة، التدرج في الدعوة، “ففِيمَا يُحْكَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ ابْنَهُ عَبْد الْمَلِكِ قَالَ لَهُ: مَا لَكَ لَا تُنَفِّذُ الْأُمُورَ؟ فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِي لَوْ أَنَّ الْقُدُورَ غَلَتْ بِي وَبِكَ فِي الْحَقِّ. قَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا تَعْجَلْ يَا بُنَيَّ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَمَّ الْخَمْرَ فِي الْقُرْآنِ مَرَّتَيْنِ، وَحَرَّمَهَا فِي الثَّالِثَةِ، وَإِنَّي أَخَافُ أَنْ أَحْمِلَ الْحَقَّ عَلَى النَّاسِ جُمْلَةً، فَيَدْفَعُوهُ جملةً، ويكون من ذا فتنة”[23].

ز-اللين والرفق
قال تعالى: )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ( [آل عمران: 159]، “أي: لو كنت سيء الْكَلَامِ، قَاسِيَ الْقَلْبِ عَلَيْهِمْ لَانْفَضُّوا عَنْكَ وَتَرَكُوكَ”[24].

وقال تعالى: )وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ( [العنكبوت: 46] “فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به مُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ حِينَ بَعَثَهُمَا إِلَى فرعون في قوله: )فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى( [طه: 44]”[25].

وذكر القرطبي رحمه الله قولاً في سبب وصف ملكة سبأ كتابَ سيدنا سليمان عليه السلام بــ)كَرِيمٌ( كما في قوله تعالى: )قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ( [النمل: 29]: “وَقِيلَ: وَصَفَتْهُ بِذَلِكَ، لِمَا تَضَمَّنَ مِنْ لِينِ الْقَوْلِ وَالْمَوْعِظَةِ فِي الدُّعَاءِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَحُسْنِ الِاسْتِعْطَافِ وَالِاسْتِلْطَافِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَضَمَّنَ سَبًّا وَلَا لَعْنًا، وَلَا مَا يُغَيِّرُ النَّفْسَ، وَمِنْ غَيرِ كَلَامٍ نازلٍ وَلَا مُسْتَغْلَقٍ، عَلَى عَادَةِ الرُّسُلِ فِي الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ”[26].

* عبد الله مرهف سقا
هذا المقال هو الفائز بالجائزة الثانية في مسابقة “باحثو المستقبل”


فهرس المصادر والمراجع

  • أحكام القرآن للجصاص، ط دار الكتب العلمية 1994م.
  • الاستقامة، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط جامعة الإمام محمد بن سعود 1403ه.
  • أصول الدعوة، د. عبدالكريم زيدان. ط مؤسسة الرسالة ناشرون 2002م.
  • تفسير ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، ط دار الكتب العلمية 1419ه.
  • تفسير البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، ط دار طيبة 1997م
  • تفسير الخازن = لباب التأويل في معاني التنزيل، علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي المعروف بالخازن، ط دار الكتب العلمية 1415ه.
  • تفسير السعدي، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي، ط مؤسسة الرسالة 2000م.
  • التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية، ط دار ومكتبة الهلال 1410ه.
  • الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، ط دار الكتب المصرية 1964م.
  • ديوان الإمام المؤرخ الأديب ابن حبيب الحلبي، ط دار الكتب العلمية 2017.
  • المدخل إلى علم الدعوة، محمد أبو الفتح البيانوني، ط مؤسسة الرسالة 2014م.
  • مسند أحمد، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، ط عالم الكتب 1998م.
  • مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة، سعيد بن علي بن وهف القحطاني، 1994م.
  • الموافقات، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، ط دار ابن عفان 1997م.

الهوامش

[1] الأبيات من ديوان الإمام المؤرخ الأديب ابن حبيب الحلبي صـ110، ط دار الكتب العلمية 2017.

[2] “المدخل إلى علم الدعوة” للشيخ محمد أبو الفتح البيانوني صـ 17.

[3] انظر المصدر السابق صـ 14-19.

[4] انظر أحكام القرآن للجصاص، ط العلمية (2/ 37).

[5] انظر تفسير السعدي (ص: 77).

[6] تفسير القرطبي (4/ 47).

[7] أصول الدعوة د. عبدالكريم زيدان (ص: 348).

[8] مسند أحمد (6/ 432).

[9] تفسير السعدي (ص: 556).

[10] تفسير السعدي (ص: 406).

[11]انظر مقومات الداعية الناجح، سعيد القحطاني، صـ15.

[12] الاستقامة (2/ 233) لشيخ الإسلام ابن تيمية.

[13] انظر أصول الدعوة د. عبدالكريم زيدان (ص: 353).

[14] تفسير البغوي (4/ 196).

[15] انظر تفسير ابن كثير (7/ 164).

[16] مقومات الداعية الناجح، سعيد القحطاني، صـ323.

[17] انظر تفسير السعدي (ص: 51).

[18] انظر تفسير القرطبي (1/367-368).

[19] تفسير ابن كثير  (6/ 302).

[20] انظر أصول الدعوة، د. عبدالكريم زيدان (ص: 397).

[21] انظر تفسير الخازن = لباب التأويل في معاني التنزيل (3/ 107).

[22] انظر التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم (ص: 359).

[23] الموافقات (2/ 148).

[24] تفسير ابن كثير ط العلمية (2/ 130).

[25] تفسير ابن كثير ط العلمية (4/ 526).

[26] تفسير القرطبي (13/ 191).

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد