1

العمارة الاجتماعية والصديقة للبيئة: البيوت الطينية مثالًا


إن ما نتج من الصناعة المكثفة لمواد البناء المصنعة من إسمنت وحديد في حقبة الحداثة جعل بعض المعماريين يأخذون موقف متحيزًا من الحداثة وأخذوا على عاتقهم مسؤولية تقليل التلوّث في عمارتهم ونتاجهم البنائي.

لقد أبعدت الحداثة كل ما هو غير مادي وملموس عن الحسبان، وقد عرّف المعماري العراقي الراحل رفعت الجادرجي فكر الحداثة قائلاً: “تتساوى الشعوب في متطلبات وإمكانيات تلبية حاجاتها، ولذا لم يؤخذ هذا الموقف النظري بعين الاعتبار لخصوصيته الإقليمية والثقافية والحضارية والصناعية وخصوصية تحديد الهويات الإثنية و الوطنية والتراثية” [جاردجي،1998، ص20].

إن التركيز على السياق الوظيفي والتكنولوجي وارتباطه بمفهوم الموضوعية المعمارية بعيدٌ عن السياق الثقافي والحـضاري، وقد أدى ذلك إلى ابتعـاد عمـارة الحداثة عن الانسجام والتفاعل مع المجتمع والسياق الحـضاري الذي تظهر فيه، بمعنى أنها أخفقت في تواصل عمارتها وما سبقها من تقاليد وموروث حضاري، [الذاتي والموضوعي في عمارة الحداثة وما بعد الحداثة، د. فلاح جبر، أ.م.د. عباس علي حمزة].

أدى ذلك في كثير من الحالات إلى فقدان هوية المكان التاريخية، وجعل المعيارية الأولى في تقييم نجاح المشروع المعماري في قيمته الاقتصادية، دون اهتمام كبير بما هو متعارف عليه من تصورات تقليدية للجمال والتراث. بل بات النظر إلى الجمال مرهونًا بمدى الكفاءة الاقتصادية والوظيفية عند المعماريين الحداثيين، مع أن مفهوم الجمال عادةً ما يكون متسامي عن المنفعة، إلا أن الحداثيين يرون أن الكفاءة والعملية والمنفعة القصوى هي الغاية، وعندما تنفذ هذه الغاية وتطبّق بانسجام وبشكل متناسق، بذلك ندرك ونستشعر الجمال بصورة مفهومة مناسبة لتطلعاتنا.

الحداثة والتراث عند المعماري حسن فتحي

مُنحت أول جائزة آغا خان التقديرية في عام 1980 للمعماري حسن فتحي، وهو مهندس معماري وفنان وشاعر مصري، لُقّب بالفيلسوف المعماري وعالم الاجتماع في العمارة العربية، وذلك تقديراً لالتزامه مدى الحياة بالهندسة المعمارية في العالم الإسلامي، وقد كانت أطروحاته غير مسبوقة ومثيرة للجدل، يقول فيها إن الرجوع للتراث هو قمة الحداثة، وبما أن المعيارية الأهم في العمارة المعاصرة هي الاقتصاد، فإن العمارة الطينية اقتصادية ولا تحتاج لأدوات مكلفة ولا إلى مختصين لفهم التعقيدات التقنية. يكفي وجود مادة البناء في الطبيعة (الطين) ووجود أشخاص ومعماريين وحرفيين مهتمين بتبني هذا الأسلوب في البناء، وبعض رأس المال البسيط، وهكذا يثور الإنسان على المنظومة الرأسمالية بعودته لأصله البدائي الشاعري.

صورة لمرشحي جائزة آغا خان للعمارة في دورته الأولى. د. حسن فتحي يجلس على يمين آغا خان الرابع. المصدر: ardalanassociates.com

تدريجيًّا، لقيت العمارة الطينية الكثير من الاهتمام من العماريين المهتمين بالبيئة والمهتمين بالثقافة على سواء. ولم تعد مقتصرة على مفهومها الاقتصادي، بل أصبحت نمطًا معاصرًا و”ستايل” معينًا يطلبه الأثرياء ليعيشوا أجواء غير اعتيادية ويستشعروا بقربهم من الطبيعة وانسجامهم بالسياق المحلي وما فيه من خصوصية بيئية ومناخية.

المحافظة على البيئة والكفاءة في التصميم

الفيديو التالي للبيوت الطينية في مصر:

https://www.youtube.com/watch?v=xLeVdrxI8u4

كما يوضح الفيديو، يوجد العديد من الدراسات التي تؤكد أن القيمة الاقتصادية لبناء البيوت والمباني الطينية لا تقتصر فقط على سهولة اقتناء مواد البناء المحلية وعدم الحاجة لاستيراد مواد خارجية فحسب، ولا حتى على دمج المجتمع في عملية البناء وإعطاء المواطنين مسؤولية بناء مأواهم الخاص، بل أيضاً في وجود خصائص فيزيائية للطين تجعله يناسب مختلف التقلّبات الجوية من حر وبرد في الأقاليم الحارة مثل مصر والمكسيك وعدة بلدان أخرى. وذلك أن في الطين خاصيّة العازل الحراري، وهكذا يكون دافئًا في شتاء وباردًا في الصيف. كما أن تنظيم المبنى بشكل معين من الساحات والغرف المتباينة في الحجم وبفتحات ونوافذ مدروسة وفي الاتجاه الموازي لحركة الرياح المحلية في المنطقة قد يجعل تسيير الهواء البارد داخل المبنى ممكناً بشكل طبيعي، دون الحاجة لمكيفات هوائية أو أجهزة كهربائية باهظة التكلفة.

العقلية البدائية وربطها بالتراث

نرى في كثير من الأحيان اهتمامَ جائزة آغا خان للعمارة بربط الهوية والتراث بما هو بدائي. إن الحداثة أحدثت صدعاً كبيراً في تصورات الناس لمفهوم التراث والثقافة، والذي أدى في الكثير من الحالات بتجريم الحداثة والعقلانية والمنفعة وتعزيز النوستالجيا الشاعرية في العودة لما هو طبيعي وقديم، وهنا يجب القول إن أطروحات المعماري حسن فتحي تستحق الدراسة والاستفادة منها، فهي عمارة فلاحية بامتياز، تركز على الإنسان والطبيعة بهدف صناعة بيئة تصلح للعيش في انسجام وتوافق بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، حسب تصورات مؤيديه.

إن الفكرة المعمارية في الأعمال البارزة لا تـشكل انعكاسـاً أو تعبيراً عن ذات المـصمم مـن ناحيـة، ولا تعبيـراً موضوعياً مباشراً عن مفـردات الظرف التصميمي، الأعمال العظيمة في العمارة هي التي صنعت معماريها العظام، وهؤلاء لم يكن همهم التعبير عن أنفسهم أو ذواتهم فحسب، وكانت أعمالهم دائماً منبثقة من خصوصيات الظرف التصميمي بعد التعمق بها وبلورتها. [الذاتي والموضوعي في عمارة الحداثة وما بعد الحداثة، د. فلاح جبر، أ.م.د. عباس علي حمزة].

صورة ترمز لجماليات عملية البناء كمرحلة مستمرة من التفاعل والتغيير، من تصوير د. عمار خماش. المصدر: facebook.com

يقول المعماري الأردني د. عمار خماش والمرشح السابق لجائزة آغا خان للعمارة في إحدى منشوراته على مواقع التواصل: “في العمارة، نفقد الجانب الأكبر  من الجماليات غير المقصودة و الناتجة غالباً عن صراحة الموقع و جمال تعامل يد وعقل الإنسان مع المواد و حيثيات التنفيذ.”(1) ويتوافق مع هذا الكلام ما قاله المعماري المصري د. عبد الحليم ابراهيم في مقابلته مع د. عبد الوهاب المسيري عندما تم تكريمه بجائزة آغا خان للعمارة، حيث يقول د. عبدالحليم: “هناك في عملية البناء بعض الأحداث التي تربط ما بين طاقة الجماعة الإبداعية وجذور هذه الطاقة الإبداعية في عقائدها ووجودها وتقاليدها وثقافتها وبين عملها المبدع المنتج بصفة عامة. وهذه الأحداث يمكن أن توصف ويمكن أن تقنن ويمكن أن تكون ارتكازًا لعملية جديدة تصف البناء والمعمار”(2).

الإبداع والجمال في العصر الحالي

المعماري المبدع هو المعماري القادر على الإحاطة بحياة أمتـه وتـسجيل أعظـم إنجازاتهـا، وأدق تفاصـيل مجريـات أمورهـا، لأنـه يحمل مسؤولية اجتماعية وأخلاقية وجمالية تجاهها (برلنسكي،1982،ص18-19 )، وهذا يتطلب منه أن يرتفع بمستواه الفكري و الثقافي، ويرتقي بمزاولته الإبداعية من خلال إذابة الواقع (الموضوع) في الإبداع المعماري.

إن عمـل المعمـاري المبـدع هـو عمليـة ذات بعـدين، البعـد الأول ذاتـي ويتعلـق بالمعمـاري والحالة النفسية المختلفة التي تسعى لإنتاج عمل يتميز بالأصالة، والبعد الثاني هو الموضوعي الذي يتعلق بالآخرين وبالمجتمع والظروف البيئيـة والحـضارية التـي يعـيش فيهـا المعمـاري ]الذاتي والموضوعي في عمارة الحداثة وما بعد الحداثة، د. فلاح جبر، أ.م.د. عباس علي حمزة[. وبالتالي فإن معرفة ما هو مناسب لهذا العصر وترجمته في اللغة المادية من الثقافة هو أمر في غاية الأهمية وهي قرارات سهلة ممتنعة ترتكز على العديد من العوامل التي يجب أخذها بالحسبان. وهنا فإنه من المهم متابعة اتجاه سير جائزة آغا خان وتدقيقه، لنعرف على أية معايير يقيمون نجاح كل مشروع معماري.


المراجع:

جادرجي رفعت، عالم الفكر، عن المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب، الكويت، مجلد 27 ،عدد 2 أكتوبر/ديسمبر 1998.

بيلنسكي، الممارسة النقدية، ترجمة د.فؤاد مرعي و د.أ مالك عصفور، دار الحداثة، الطبعة الأولى، بيروت، 1982.

الذاتي و الموضوعي في عمارة الحداثة و ما بعد الحداثة، د.فلاح جبر، أ.م.د.عباس علي حمزة، المجلة العراقية لهندسة العمارة والتخطيط, 2011, المجلد 10, العدد 22-23-24, الصفحات 27-44. تاريخ الزيارة 22/05/2021. الرابط: https://www.iasj.net/iasj/download/e0cd264e1ac28222.

اقتباسات أخرى:

  • منشور على فيسبوك للمعماري عمار خماش. تاريخ الزيارة 22/05/2021 . الرابط:

https://www.facebook.com/photo?fbid=1136003656469968&set=a.127266427343701

  • لقاء نادر سُجل عام ١٩٩٢م يستضيف د عبدالوهاب المسيري في صالونه؛ المعماري د عبدالحليم ابراهيم. تاريخ الزيارة 22/05/2021. الرابط:

https://www.youtube.com/watch?v=1lMm01KN_zE&t=1174s