التوفيق بين الفلسفة والدين عند الفارابي وابن رشد

 

إبراهيم إسماعيل

 

محاولة الفارابي (260 – 329هـ)
إن نزعة التوفيق بين الفلسفة والدين تعد نزعة أصيلة في الفارابي، وقد كان في طبعيه يميل إلى الالتقاء لا الاختلاف، لذلك حاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، رغم اختلاف مذهبيهما، على أن محاولة الفارابي هذه سببها ما نسب لأرسطو خطأ من كتاب “أثولوجيا” أو الربوبية، والكتاب في حقيقته ليس لأرسطو، بل لأحد تلامذة أفلوطين الاسكندري، ويمكننا تفهم صنيع الفارابي كون الفكر المترجم يومها لم يستوعب على حقيقته بعد، والمحافظون الذين توجسوا من الفلسفة، كان لا بد من العمل على تحقيق ما يدعم العقيدة والفلسفة معاً، وأهم الوسائل في نظر الفارابي إظهارها في مظهر موحد متفق عليه، وإثبات أنها تسعى لنفس الهدف الذي يسعى إليه الدين، فمحاولته التوفيق بين أفلاطون وأرسطو غايتها الدفاع عن الفلسفة من جهة، وتهيئة المنهجية لدعم الانسجام والاتساق بين الحقائق الموحى بها، والحقائق العقلية من جهة أخرى.

لاحظ الفارابي أن التوفيق بين الدين والفلسفة ضرورة لنهضة يتعاضد بها الطرفان للإسهام في سعادة الإنسان، لكنه في سبيل ذلك لجأ لتأويل الآيات حتى تنطق بالآراء الفلسفية التي يدين بها.

والحقيقة أن احتمالات التوفيق بين الدين والفلسفة، تجعل المحاولين إما أن يقفوا مع الفلسفة ويطوعوا النصوص لتؤدي فكرتهم المسبقة، وإما أن يجعلوا اليد الطولى للدين، وإما أن يضعوهما في كفتي ميزان متعادلتين، فالكندي أعلن تفوق الدين على الفلسفة ، بينما يكاد الفارابي يرى تكافؤ الفلسفة الصحيحة والدين الصحيح، فإن بدا تناقض؛ فهذا يدل على أن النظام الفلسفي المتناقض مع الدين يعتبر نظاماً واهياً لم تكتمل فيه البراهين المؤدية إلى اليقين.

وقد كان الفارابي مقتنعاً أن الحقيقة واحدة، والتعدد في الطريق إليها لا غير، لذلك لم يرى أي تناقض في أفكار أفلاطون وأرسطو، وهذا التوافق يفتح الطريق للتوفيق بين الفلسفة والدين، كما أسلفنا.

كما أنه كان يرى أن النزعة الإيمانية هي المنطلق للنظام الفلسفي، من خلال الإقرار بالصانع، فيجب البدء من العقيدة السليمة في توحيد الألوهية.

النزعة الدينية تطبع التوفيق
رأى الفارابي خطورة من الاعتداد المسرف بالتفكير النظري، دون مراعاة لبعض الحقائق الدينية التي قد تعي دقتها كبار العقول، وتتجلى محاولة الفارابي التوفيق بين الدين والفلسفة في كثير من بحوثه ومقالاته، ولعل أشهرها مبحث مكونات وشروط الرئيس الحاكم والحكيم الذي يحكم المدينة الفاضلة، وفي نظرته للنبوة والدفاع عنها في وجه خصومها.

الفكر السياسي للفارابي (المدينة الفاضلة)
يرى الفارابي أن المدينة بمثابة الجسد الصحيح الذي تختلف أعضاؤه في الوظائف، لكن فوقها جميعا القلب الذي هو مصدر الحياة، وعلى هذا الأساس اعتبر الفارابي رئيس المدينة السلطة العليا التي تستمد منها جميع السلطات، لذلك رسم لهذا الرئيس مثلاً في غاية الكمال، قل أن يدانيه إنسان، وتفوق شروط الفارابي شروط أفلاطون من حيث المدى والعدد، وتقع شروطه في مجموعتين، إحداهما فطرية، والأخرى مكتسبة، ويحدد الفطرية باثنتي عشرة خصلة وهي:

  1. تمام أعضاء الجسم
  2. جودة الفهم وحسن التصور لما يقال
  3. حفظ ما يراه ويدركه
  4. جودة فطنته وذكائه
  5. حسن عبارته وطلاقة لسانه وحبه للتعليم والاستفادة
  6. حبه للصدق وأهله وبغضه للكذب وأصحابه
  7. كبير النفس محباً للكرامة
  8. ليس همه حب المال
  9. يحب العدل وأهله، ويبغض الظلم وأهله
  10. يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه
  11. يؤتي من حل به الجور
  12. قوي العزيمة

وأما المجموعة المكتسبة فنلمح فيها آثار الثقافة الإسلامية، فإلى جانب ضرورة كون الحاكم حكيماً، يجب أن يكون عالماً بالشرائع والسنن حافظاً لها، جيد الاستنباط فيما لا يحفظ عن السلف فيه شريعة، وأن تكون له جودة رؤية وقوة للأمور والحوادث، وأن يتحرى فيما يستنبطه صلاح أمور المدينة، وأن يستنبط مما احتذاه الأولون، وأن يكون ذا مقدرة على القيام بالأعباء الحربية.

ويبدو من هذه الشروط أن مهمة الحاكم لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تشمل الديني والأخلاقي، لأنه قدوة يقلده الشعب.

ولعل أهم الشروط هو تسامي الحاكم في تدرجه الروحي التأملي حتى يصل إلى رتبة العقل الفعال، والعقل الفعال نوع من العقل المستفاد الذي تثبت فيه صور الموجودات ولكن ترتيبها فيه يختلف عنه في العقل بالملكة، أو العقل بالفعل، فقد كان الفارابي يرى أن العقل الفعال يقع خارج الإنسان، وأن الاتصال به لا يتم إلا عن طريق التصفية والتفكير والتأمل العميق الذي يحيل النفس إلى مبدأ شفاف حساس تنتقش فيه الحقائق، وهذا الشرط لم يشترطه أفلاطون لكن الفارابي أوجبه، وأضحت نظرية الاتصال بالعقل الفعال اللحن المميز لناشدي السعادة في الفلسفة الإسلامية بعد الجهود التي بذلها الفارابي في تشكيلها وشرحها لتفسير مشكلة المعرفة والسعادة والنبوة.

والعقل الفعال يمثل العاشر في سلسلة العقول المفاضة عن الأول في نظرية الفيض المشهورة، وبذلك تعتبر نظرية الاتصال بالعقل الفعال الذي تتحد فيه جميع العقول والصور وهي التطبيق الصاعد لنظرية الفيض التي تبدأ من الأعلى وهو “الواحد” وتنتهي بما تحت فلك القمر.

وهكذا يتطابق السبيلان (الصاعد والنازل) من حيث الوصول إلى الحقائق النهائية، وفي نقطة التقاء التأمل الصاعد بالفيض النازل، وهنا يتفق الفارابي وابن مسرة –وهما متعاصران- في هذا الموضوع.

والمهم في هذا الصدد أن بعض شروط الفارابي لرئيس المدينة أبعدته عن أفلاطون وقربته من الشريعة الإسلامية، بالرغم من التكلف أحياناً والخطأ في أحيان أخرى، ومما يؤكد ذلك نظرته للبشرية على أنها مجمع يسكن المعمورة وهذه النظرة الشاملة هي نظرة الإسلام، وهي على النقيض من نظرة اليونانيين الذين كانوا يفكرون ببدائل فعلية عن مجتمعاتهم الواقعية، دون تفكير في الأمم والشعوب الأخرى.

وبهذا العرض يرى الدكتور محمد كمال جعفر أن الفارابي كان متمسكاً بعقيدته الإسلامية، ويأسف لتهجم الكثيرين عليه وتكفيره وزندقته كما فعل ابن كثير، والغزالي الذي قصده أساساً مع ابن سينا في كتابه “تهافت الفلاسفة” ومثلهما فعل الشهرستاني والرازي وغيرهم.

فاستلهام الفارابي من القرآن دعاه لتأمل مصائر السابقين وعواقبهم للعظة والعبرة، فلم يقتصر في مدينته الفاضلة على النمط الأمثل، فقد تناول المدينة الجاهلة والفاسقة ومدينة الغلبة والبطش، وحكمه على هذه المدن تدل على استيعابه لمكارم الأخلاق كما قررها الإسلام، ويضوع أريج العقيدة الإسلامية في ثنايا فكره عند حديثه عن أدلة وجود الله، وحين يشير لتعدد أسمائه وصفاته مع توحده وتفرده، ويعزف الفارابي لحن الإيمان في أذن كل ملحد يتعلل بعدم وضوح إدراكه لله، فيبين أن ذلك راجع لضعف عقولنا وملابستها المادة والعدم، فإفراط كماله يبهرنا، فلا نقوى على تصوره على التمام.

وهذا عين التعليل الذي تبناه الغزالي في حديثه عن الألوهية وأنوارها الباهرة التي تعشي بصائر العقول فترتد حسيرة عاجزة عن الدنو المفضي إلى كمال المعرفة والتصور.

وبذلك فلم يكن الفارابي مفتوناً بالفلسفة لدرجة نسيان عقيدته، ولم يكن ممن يضحي بدينه في سبيل فكرته، ونلاحظ أنه حينما وضع الشروط التي ينبغي التقيد بها لطالب الحكمة جعل منها تعلم القرآن وعلوم الشرع أولاً، غير مخل بركن من أركان الشريعة وآداب السنة.

فلا محل إذن للاتهامات المتعلقة بنيته وقصده، فهذه الاتهامات لا يؤيدها دليل، ولا يدعمها برهان، بل هي حصيلة تخمين وظن، وسوء استغلال لنصوص الفارابي.

النبوة في نظر الفارابي
وهذا هو الموضوع الثاني الذي يتجلى فيه حرص الفارابي على عقيدته، ومحاولة تعزيزها بالتماس سند عقلي لأساسها ومصدرها الممثلين بالوحي والنبوة، ومع عدم موافقتنا لكل ما جاء به الفارابي، لكننا لا نغفل دافعه لهذه المعالجة، فقد اجتاحت موجة من الشك والإنكار لبعض أسس الإسلام في القرنين الثالث والرابع الهجريين، نتيجة لاختلاط المسلمين بعناصر مختلفة من ذوي عقائد متباينة، وقد بثت معتقداتها وأثارت الشبهات حول عقائد الإسلام، وبلغ الشك قمته مع التعرض لمصدر الدين وهو الوحي والنبوة، واشتغل علماء الكلام للذود عن العقيدة الإسلامية، وكان هذا هو الدور الإيجابي لعلم الكلام قبل انقلابه لسلاح يفتك بالوحدة الإسلامية، وتتابعت الردود على من أنكر النبوة، كما أنكر الدهريون الألوهية، ويتضح لنا أن فترة حياة الفارابي كانت مليئة بالمجادلات والسجالات حول أهم أصول الإسلام ومبادئه.

حجج منكري النبوة
في معرض الحديث عمن ينكر النبوة عادة ما يشار لرجلين وهما ابن الراوندي، والرازي الطبيب، فالأول من أصل يهودي، ويقال إنه انتمى للمعتزلة، ثم خرج عليهم وعلى الإسلام، وأقواله تبين اعتقاده بطلان النبوة وعدم الحاجة لها، فالعقل يغني عن الرسول، وقد يذهب منكرو النبوة لاعتبار إثباتها مجافياً للعدالة الإلهية، لما فيها من اختصاص وتفضيل لبعض الأشخاص، وأما الرازي الطبيب، فينسب إليه أنه تعلق بالآراء المزدكية والمانوية والمعتقدات الهندية، وينكر على الفلاسفة محاولاتهم التوفيق بين الفلسفة والدين، ويرى بالفلسفة وسيلة وحيدة للإصلاح، ويرى في الأديان تنافس على التطاحن والحروب، وتجدر الإشارة أننا لا نملك مصدراً صحيح النسب للرازي يبين صحة اتهامات بعض خصومه له، فمصدرنا حوله هم خصومه أصلا، خصوصاً من أتباع الحركة الإسماعيلية، وقد لمسنا المعادة والتجني عند دراستنا لسهل التستري فلاحظنا أن تهم خصمه الخوانساري له لا تثبت جميعا إلا واحدة وهي رفضه الانتماء للشيعة، لذلك فالأصل أن نتريث في نسبة كل هذه الآراء للرازي الطبيب.

تفسير الفارابي لظاهرة النبوة
لاحظ الفارابي أن منكري النبوة يدين أكثرهم بالبحث العقلي، ويتزعم معظمهم دعوى حرية الفكر، فاشتغل على جانبين أحدهما في رد الشبه، والثاني بالعمل على منح نظرية النبوة أساساً عقلياً ونفسياً يقبله الذين لا يرتضون إلا الأدلة العقلية، فيعودون إلى الدين، حين يقتنعون بأساسه، وهو الوحي والنبوة.

وتتصل نظرية النبوة عند الفارابي بنظريات المعرفة والسعادة والفيض لديه أيضاً، فقمة المعرفة هي قمة السعادة في نفس الوقت، تنم عن الاتصال بالعقل الفعال الذي احتل المرتبة الثالثة في الوجود في نظام الفارابي الفيضي الذي استقى عناصره من الأفلاطونية المحدثة، وحاول بكل طاقاته ص��غه صبغة إسلامية، والعقل الفعال أعلى مرتبة من العقل الإنساني، ويقع خارجه، وفيه توجد كل الصور والحقائق، وهو الذي يخرج العقل الإنساني من القوة إلى الفعل، وبذلك تكون المعرفة هبة وفيضاً آتياً إلى العقل الإنساني من الخارج، وليست حصيلة الاجتهاد والاكتساب.

أرسطو

أساس نظرية النبوة
لا يمكن أن ينكر أثر نظرية الأحلام عند أرسطو في نظرية النبوة عند الفارابي والكندي كذلك، وملخص النظرية أن النوم هو فقد الإحساس، والحلم ناتج عن المخيلة التي تعظم قوتها أثناء النوم لتخلصها من أعمال اليقظة كما يذكر أرسطو، فأثناء النوم تنشط المخيلة التي تختزن صوراً حسية كثيرة تحدث “الأحلام” فالأحلام ثمرة المخيلة ونتيجة من نتائجها، وقد تبنى الكندي والفارابي هذه النظرية، ومتابعتهما لأرسطو تتوقف عند هذا الحد، ثم ينفردان بالاتجاه الديني في تفسير الأحلام الهامة وغيرها.

والأحلام وردت في القرآن والسنة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤية إلا جاءت كفلق الصبح، على أن علماء المسلمين يميزون بين الرؤية الصادقة وأضغاث الأحلام، مما يشهد مرة أخرى بمستوى صاحب الرؤية النفسي.

وطالما أن الحواس تخمد أثناء النوم وتبرز الصور الذهنية للإحساسات المختلفة فيتشكل الحلم، فكيف يتم الأمر بالنسبة للنبوة؟

قبل ذلك لا بد لنا أن نقول إن أرسطو لا يفسر ما تصنعه المخيلة في النوم تفسيراً يتصل بالوحي الإلهي أو الإلهام الغيبي، لذلك لا مكان في مذهبه للتنبؤ بواسطة النوم، ولا يمكن اعتبار الأحلام نوعاً من الوحي الإلهي، بينما يرى الفارابي أن الإنسان يستطيع بواسطة مخيلته الاتصال بالعالم العلوي واختراق حجب الغيب، وإذا صح أن يكون لإنسان مخيلة جيدة يمكنها التخلص من ربقة الحس، فإنه قادر على الوصول إلى عالم المعرفة والاتصال بالعقل الفعال.

وعلى هذا فيبدو أن الفارابي جعل الأحلام تفسيراً يمكن أن تشرح النبوة والوحي، فالنبي إنسان وهب مخيلة ممتازة نفاذة عظيمة تمكنه من الحصول على الإلهامات السماوية في مختلف الظروف والأوقات، لذلك ليس الأنبياء بحاجة للنوم لتعطل حواسهم ليتم تفريغ المخيلة، بل يستطيعون ذلك حال اليقظة، لكن الأنبياء ليسوا وحدهم في هذا الميدان، فمعهم الفلاسفة الناضجون قادرون كذلك على الاتصال بالعقل الفعال بواسطة التأمل العميق، وتركيز اليقظة.

ويبدو أن الفارابي -بحسب أقواله-كان يرى أن للنبي طاقة أخرى تمكنه من التقاط الوحي واستيعابه، وعليه فلم يجعل الوحي عماد مخيلة النبي.

نقد النظرية
لهذه النظرية رصيد إيجابي يحسب للفارابي، بيد أن لها جوانب أخرى تعد من أخطر مثالبها، فيحسب لها الانتصار لمبدأ النبوة من حيث هي مبدأ في وجه المنكرين لها، لا بالنسبة للمؤمنين بها، ويلاحظ أن الفارابي خلع على العقل الفعال الصفات المأثورة لملك الوحي جبريل الذي أخبر عنه الإسلام، وهو بمجموع عناصر هذه النظرية (النفسية والتجريبية والدينية)، بنى الدعامة الفلسفية للنبوة والوحي ليثبت اتفاقهما مع العقل، ومن ثم لا يصح إنكارهما، وبذلك اطمأن الفارابي أنه وفق بين الدين والفلسفة، دون أن يلاحظ أنه يوفق بين الدين والفلسفة اليونانية بالذات، مع تعسفه بتأويل النصوص الدينية للوصول لذلك.

كما أن هذه النظرية تسوي بين النبي والفيلسوف، ويبدو أن الفارابي لم يأبه بذلك فالمعلومات سواء كانت مكتسبة بالفكر، أو بواسطة مخيلة، فلا فرق بينهما ما دام العقل الفعال مصدرها جميعاً، فقيمة الحقيقة لا ترتبط بالطريق بل بأصلها، والنبي والفيلسوف يرتشفان من معين واحد، على أن الفارابي يبين مقدرة النبي على الصعود للعالم العلوي عن طريق المخيلة أو عن طريق العقل القدسي، وبالتالي فلا مجال لتفضيل الفيلسوف عليه.

لقد توقف الفارابي عند تكافؤ النبي والفيلسوف من حيث المعرفة والرتبة، وهو بذلك يمهد الطريق لمن سيقول باكتساب النبوة، وهذا يتناقض مع كونها اصطفاء إلهي، كما أن النبوة ليست حصيلة نفسية مخترعة، بل تتمثل في تكيف طبيعة الوحي وسيره مع التسليم الكامل بوجود حقائق موضوعية عليا خارج النفس الإنسانية، وهذه النقطة تبقي الفارابي في حظيرة الإسلام، وهي النقطة التي أراد توكيدها لمنكري إمكان الوحي.

لقد تناول الفارابي النبوة بشكل عام وبصورة تجريدية، على الرغم من أن كثيراً من منكري النبوة في عصره كانوا يقصدون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، تمهيداً لإنكار الدين الإسلامي برمته، فلو أولى فلاسفة الإسلام عنايتهم بإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لحققوا جميع الأغراض التي سعوا إلى بعضها ففشلوا، فإذا كان الفارابي منح النبوة أساساً عقلياً يحسبه مقبولاً، فقد سلبها أخص سماتها المتمثل بالاصطفاء.

نمط من الاستدلال على النبوة
يمكن تناول هذه القضية من جانبين، الأول تاريخي موثق، والثاني موضوعي مشاهد، أما الجانب الأول، فيتصل برجل أمي معروف، ادعى النبوة وقدم أدلتها، وألقى تعاليمه التي لا تخدم مصلحته الفردية أو العائلية، ونجح على سائر القوى المحيطة، ولم يكن متسلطاً، وترك حرية الاعتقاد، وأتى بكتاب يتضمن أخباراً وأحكاماً ونصائح ومواعظ، ولقد قام بعد متنبؤون عجزوا عن تقديم ما قدم.

وأما الجانب الموضوعي فيتمثل في القرآن الذي كان حاملاً أمانة تأديته، وتتصدر كثير من آياته بـ قل، ويسألونك وغيرها، ولم يتصرف بالوحي بأي طريقة كانت، بالإضافة لآيات العتاب وما شابهها، كل ذلك يؤكد أنه أدى الوحي كما هو.

وبالعودة لنظرية الفارابي فقد تبناها عدد من فلاسفة الإسلام ونسجوا على منوالها، فاعتنقها ابن سينا، وجعلها متنفسا لآرائه الميتافيزيقية، وكما قلنا إن غايتهم بالدرجة الأولى الرد على من ينكر مبدأ النبوة، وإمكان فهمها عقلاً، لذلك كتب ابن سينا بعنوان “في إثبات النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم”، ولا شك في أن محاولة جعل حقيقة النبوة أمراً ثابتاً مفهوماً شيء، ومحاولة سبر أغوارها وكشف أسرارها، والتوغل في جوهرها شيء آخر، فالمحاولة الأولى تقف عند حد إثباتها والبرهنة عليها وعرض شواهدها، بينما الثانية اقتحام حمى ليس للعقل طاقة به مهما بلغت قدرته.

ويختم الدكتور محمد كمال جعفر حديثه في هذا الباب بعرض أحد عشر نقطة جوهرية تتعلق بالنبوة كما يبينها القرآن.

 

تمثال لابن رشد في قرطبة

محاولة ابن رشد (520 – 595هـ)
ظفرت فلسفة أرسطو بعناية ابن رشد، فخصها بالشرح والإذاعة، ونقد علماء الكلام، ودافع عن الفلسفة باستماتة عله يعيد لها بعض الحياة بعد ن كادت تلفظ أنفاسها على يد الغزالي، واتُّهِمَ بالزندقة، واضطهد حتى نفي وطرد هو وابنه من المسجد ومنع من الصلاة مع الناس.

لقد سادت في المجتمع حينذاك موجة سخط على الفلسفة، وخصوصاً بعد حملة الإمام الغزالي، فكانت الفكرة الشائعة في المجتمع الأندلسي أن الفلسفة بعيدة كل البعد عن الإسلام، وكل من يشتغل بها أهل لأن يرمى بالإلحاد والزندقة، حمل هذا الموقف غير المنصف ابن رشد على الدفاع عن الفلسفة والتفلسف الصحيحين، وراح يثبت بالأدلة العقلية والنقلية أن لا تعارض ولا تناقض بين الدين والفلسفة، ولا يختلف ابن رشد عن جهود من اشتغلوا على قضية التوفيق بين الفلسفة والدين حيث أراد القول إن الفلسفة باعتبار أنها طريق اجتهادي وكسبي، تفضي إلى نفس الحقيقة التي دعا إليها الدين وطريقه الوهبي.

لقد كانت محاولة ابن رشد صعبة، فالفلسفة محرمة، والفلاسفة مضطهدون، وضربة الغزالي للفلاسفة من خلال “تهافت الفلاسفة” ما يزال أثرها فعالاً في ربوع العالم الإسلامي، فكيف يثبت ابن رشد اتفاق الدين مع نمط فكري أثبت الغزالي تكفير أهله في مسائل وتبديعهم في أخرى؟

واجه الكندي من قبل عداء الطاعنين للفلسفة، بيد أنه لم يواجه تأليفاً منظماً يهدم أسسها ويكفر أهلها، فكفاه مجادلة الطاعنين وبيان ضرورة التفلسف ونفعها، وأما ابن رشد فقد واجه مؤلَّفاً دقيقاً ينتقد بالتفصيل آراء فلاسفة المسلمين، ومؤلِّفه علم جليل من أعلام الأشعرية كلامياً، ومن أعلام الصوفية، وتلامذته منبثون في الآفاق، لهم وزنهم وتأثيرهم على طبقات المجتمع، فكيف السبيل لرد المكانة للفلسفة وتبرئة ساحتها؟

أدرك ابن رشد أن السبيل الوحيد لذلك، هو الرد بمؤلَّف يفند ما ورد بكتاب الغزالي فأسماه “تهافت التهافت” ولا بد من ملاحظة أن الغزالي لم يقصد هدم الفلسفة، وإلا لسمى كتابه “تهافت الفلسفة” وإنما أراد دحض وإثبات وتفاهة آراء الفلاسفة المسلمين وبشكل مخصوص الفارابي وابن سينا، لذلك سمى كتابه “تهافت الفلاسفة”، ومهما يكن من أمر فإن ابن رشد أراد أن يمهد لإعادة الثقة إلى الفلسفة.

إن عمل ابن رشد المتقن، جعل معالجته علمية تستند إلى البرهان، والتوفيق بين الدين والفلسفة عند ابن رشد لا يعني جعلهما شيئاً واحدا، فهو لم يغفل استقلال الدين عن الفلسفة، وإن كان ذلك لا يعني تناقضهما بالضرورة، ويمكن أن نلخص المبادئ الأساسية التي وضعها ابن رشد لمحاولته بالتالي:

  1. إيجاب الدين للتفلسف (التفكير).
  2. معاني الدين ذات مستويين أحدهما جلي قريب، وآخر خفي بعيد.
  3. لتأويل النصوص الدينية قواعد، حتى سائر الطرائق العقلية.
  4. تقدير قيمة العقل، وتحديد مدى قدرته وصلته بالدين.

ففي النقطة الأولى بين أن الفلسفة ليست أكثر من النظر في الموجودات باعتبارها تدل على صانعها، وهو بذلك يشبه ابن مسرة في معالجته، ويرد على من يقول إن الفلسفة تؤدي للكفر والغواية بالقول إن ما يقع من كفر وغواية لا يرجع لطبيعة الفلسفة وإنما لنقص نظرة الناظر، أو سوء ترتيب نظره في القضايا الفلسفية، وقد يكون ذلك من غلبة شهواته، أو أنه فهم خطأ لغياب المعلم المرشد،  ويستشهد ابن رشد بالحديث في مسألة الرجل الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسقي أخاه العسل لإسهال كان به.

ويؤكد ابن رشد أن الشرع أوجب النظر العقلي واستنباط المجهول من المعلوم من خلال القياس العقلي والبرهاني الذي حث عليه الشرع.

وفيما يتعلق بالمبدأ الثاني الي يشير إلى ازدواج النظرة إلى النصوص القرآنية على مستويين قريب جلي، وبعيد خفي لا يدرك إلا بالتأويل، فالأول يدركه العامة، والباطن له أهل الخاصة من ذوي البرهان، وابن رشد يقصد هنا أن المعنى الباطني لا بطريقته الصوفية، وإنما ما يتوصل إليه من خلال النطاق العقلي المستند لقواعد المنطق، وهو يقسم الناس إلى ثلاث طوائف: الخطابيون والجدليون والبرهانيون، فالأولى طائفة العامة يقتنعون بالأدلة الخطابية، والجدليون علماء الكلام، وهم أحسن من العامة ودون الفلاسفة، لأن الفلاسفة لا يقنعهم إلا الأدلة البرهانية اليقينية بحسب ابن رشد.

ويقرر ابن رشد أن ذوي الاقتناع الخطابي والجدلي عليهم أن يقبلوا النصوص الشرعية على ظاهرها، وليس لهم تأويلها، فذلك شأن البرهانيين وحدهم، وتلعب فكرة العامة والخاصة لدى ابن رشد دوراً رئيسياً في نظرته للتوفيق بين الدين والفلسفة، فللخاصة وحدهم حق التأويل لأنهم بطبيعتهم برهانيون أي فلاسفة، وهذا يعني أننا بحاجة للفلسفة للقيام بهذا الدور التأويلي، والحقيقة أن مبدأ التأويل عند ابن رشد دليل على هدفه التوفيق بين العقل والوحي، أو بين الدين والفلسفة.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد