آداب الحوار في القرآن.. حوار موسى والخضر نموذجًا

image_print

اقـتضت حكمة الله أن يجعل البشرية أمماً وشعوباً ليتعارف بعضها على بعض، وقـد حثـّنا في مواضع كثيرة من قرآنه العظـيم على طلب العـلم، كما أمرنا بنشر الحق الذي نزل على رسوله الكريم، وعند تدبّر النصوص القرآنية إجمالاً فإنه لن يخفى على عاقل ما أتى به القـرآن من أساليب يمكننا أن نستعملها لتنفـيذ هذه الأوامر، إلا أن أكثر ما نراه فيها هو أسلوب الحوار الذي عجّت به القصص التي أوردها الله في كلامه المنزل.

وإذا أردنا إدراك أهمية ومكانة هذا الأسلوب في الخطاب القرآنـي، فما علينا إلا أن نقف عند الحوارات العظيمة التي تجلّي لنا حقائق الإيمان من خلالها، مثل حوار الله مع ملائكته قبل خلق آدم عليه السلام، ثمّ حـوار الله مع إبلـيس عندما أبى السجود لمن خُلق من طين، وحوار الله مع آدم وحواء بعدما فعل ما نهاه الله عنه، وغير ذلك الكثير من الحوارات التي استعملها الأنبياء في هداية أقوامهم لطريق التوحيد.

الحوار في اللغة مأخوذٌ من الحـَور، وهو الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، والمحاورة هي المجاوبة، والتحاور معناه التجـاوب، نقول عن مجموعة أنهم يتحاورون أي بمعنى يتراجعون الكلام1، وأما الحوار في الاصطلاح فمضمونه يشير إلى النقاش المتبادَل بأسلوب أدبيّ محسّن، فهو بذلك جزءٌ من الأدب وأسلوب من أساليبه، “وهو يعني مراجعة الكلام بطريقة مؤدبة وبألفاظ حسنة فيها نوع من الود والحب“2.

موسى والخضر أحداثٌ مسطورة في القرآن
تبدأ القصة بخُطبةٍ لموسى في بني إسرائيل، دفعت أحد الناس ليسأله بعدها، “من أعلم الناس” فأجـاب موسى: أنا، فعـتب الله عـليه وأوحى إليه أن له عـبداً في مجـمع البحرين هو أعلم منه، فقال موسى: يا ربّ وكيف لي به؟ فأمره الله أن يأخذ حوتاً فيجعله في سلّة وحيثما يفقد الحوت فإن مكان فَقده هو مكانُ وجود الخضر، وحين يجده فعليه أن يصحبه ليستفيد من علمه.

تقصّ آيات القرآن في سورة الكهف هذه الحادثة بما فيها من تفاصيل

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا  (82). [الكهف: 60- 82]

فوائد وعبرٌ
لقد عرّفنا هذا الحوار الدائـر بين موسى والعبد الصالح الذي انطلق موسى من أجله برحلته المثيرة، وكابد فيها العـناء والجهـد، ليصل إلى أسمى الغايات وهي غاية طلب العلم، فقد عرض موسى على الخضر أن يتبعه بكل أدب وتواضع نبوي عظيم بعـد أن أقـر على نفسه بعـدم المعرفة وعلى الخضر بالعـلم وهذا ما دلـت عليه الآية (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً).

وتحثنا هذه الآيات على ضرورة الصبر في طريق العلم الشـاق، وهذا يظهر لنا شيئًا من الطبيعة البشرية التي خُلقنا عـليها، وهي أن الإنسان لا يستطيع تحمل رؤية الظواهـر التي لا يحيط علـمه بها، وميله للتعجّل في إطلاق الأحكام عليها قبل التحقـيق في مضامينها والبحث في السياق المحيط بها والإمعان فيها، وهو ما جرى مع موسى عليه السلام عندما رأى أفعال الخضر الثلاثة.

عرّجت الحوارات على سمة النسيان، حيث هي جزء من نقائص الطبيعة البشرية، وتوضّح الآيات لنا أن النسيان تذكيرٌ بضعفنا وحاجـتنا إلى الله تعالى على الدوام.

ورد هذا النقص في موضعين ضمن القصة، الأول عندما نسي خادمُ موسى أن يخـبره بهروب الحـوت من السلّة ومضيّه في طريق البحر، والثاني عندما نسي موسى عهده مع الخضر بأنه سيصبر على ما يراه مما لم يحط به خبراً.

لقد عجّت الآيات بآداب وأخلاقـيات ليست غريبة على دين الإسلام، فنجد أن التواضع في طلب العلم وترك الاعتراض على المعلم في مقدمتها، ووجوب الوفاء بالعهود، والاعتذار عند مخالفتها كما فعل موسى، ويمكننا أن نفهم من الحوار الذي أعقب بناء الخضر للجدار القول بوجوب ضيافة المرتحلين، فقـد بدا على موسى الاستغـراب من عـدم ضيافة أهـل القرية لهم.

لا شك في أن القرآن يذخر بالكثير من الحقـائق والأخلاقـيات التي وردت بأساليب عـدة إلا أننا نجد أن القـرآن قد تميّز -ويكاد يتفـرّد- بكثرة اعتماده على أسلوب الحوار وتعليمه للناس ودوره في إيصال المعاني السامية، حيث يمكن من خلالها ترسيخ قيم الإسلام في نفوس أهله وترتقي بهم إلى أعلى مستويات الحضارة.


المراجـــــع

  • معجم لسان العرب
  • الخفاجي، مصطفى فاضل كريم، عقيل محمد صالح، ((مفهوم الحوار مع الآخر وأهميته في الفكر الإنساني))، مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية، 2017، المجلد 7، العدد :4.
  • ابن الأثير، النهاية، الجزء الثاني، الصفحة 356.
  • كلمات القرآن، الشيخ حسنين محمد مخلوف.
  • تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، مج3، الصفحة 99.
  • تفسير النسفي المسمى بمدارك التنزيل وحقائق التأويل، دار الفكر، الجزء 3 الصفحة 22.
  • التفسير المنير، الزحيلي، الجزء 16، الصفحات 11 و12.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد