مقالات

مسلسل DARK.. “هكذا خُلق العالم”!

مسلسل Dark هو مسلسل ألماني من إنتاج نتفليكس، يتكون من ثلاثة أجزاء صدر أولها عام 2017 وآخرها كان في يوم 27 يونيو-حزيران 2020. وتدور أحداث المسلسل في بلدة صغيرة في ألمانيا، حيث تبدأ القصة باختفاء بعض الأطفال، ليتبين أن حادثة مشابهة وقعت قبل 33 عام بالضبط، ومن هنا تنطلق أحداث المسلسل في خطوط وحلقات زمنية متشابكة ومترابطة في عوالم وأبعاد متعددة.

مغلِّفًا ذلك بقصة مشوقة، يطرح المسلسل العديد من الأفكار والعقائد والفلسفات، وسنحاول فيما يلي توضيح بعضها والذي قد يؤدي لحرق كثير من الأحداث:

الإلحاد والزمن وحتمية “صانع الساعات”
تتمحور قصة المسلسل حول السفر عبر الزمن، وهنا تم تقديم الزمن من منظور فلسفي بشكل متدرج خلال الأجزاء الثلاثة. فالمسلسل منذ بدايته يقوم -وبشكل مباشِر- بطرح العديد من الأسئلة الوجودية على المشاهِد ومن ذلك:

“دائمًا ما كان الإنسان في حيرة بسبب أصله، تكوينه، أخلقنا الله، أم نحن نتيجة للتطور؟ لو كان بإمكاننا رؤية الماضي والمستقبل في الوقت نفسه، الأصل والنهاية، الكون أكمله في نفس اللحظة، ربما نجد الإجابة على السؤال الأهم على الإطلاق: ما الإنسان؟ من أين أتى؟ ماذا يدفعه؟ ما هدفه النهائي؟”

وبالمقابل، أحد الشخصيات -ويدعى “نوح”- وهو في المسلسل ضمن فئة متوسطة بين العوام والنخبة ويخاطب العوام، يقول: “لا يوجد إله، لا يوجد سوى الفوضى، الإله ليس له خطة”، و”الله غير موجود، لكننا نؤمن بهذه الكذبة لأننا نفضل أي كذبة على أن نشعر بالألم”. يقول ذلك وهو يرتدي زي قس!

أما الإيمان بالله فهو في المسلسل عند بعض العوام السذج فحسب والذين ذكروا ذلك في مشهد أو اثنين. هذا عدا عن الشبهات الإلحادية عن عبثية الخلق والتي تم طرحها هنا وهناك على شكل أسئلة مباشرة أو تعابير منتقاة.

وحسب المسلسل، السبيل لمعرفة الصواب من الخطأ والخير من الشر هو “بالرضوخ إلى صوتنا الداخلي، بعدم اتباع أحدٍ سوى أنفسنا”، وفي الوقت نفسه “نحن لسنا أحرارًا فيما نفعل لأننا لسنا أحرارًا فيما نرغب”، و”جميع تصرفاتنا مدفوعة بالرغبة” وبقدر ما نحاول كبت تلك الرغبة، لا نستطيع تحرير أنفسنا من العبودية الأبدية لمشاعرنا”.

يطرح المسلسل فكرة النسبية المطلقة للخير والشر والتي تؤدي إلى تساوي الحق والباطل في نهاية المطاف، ويظهر ذلك من خلال معيار المسلسل للصواب والخطأ، وعبارات مثل “الخير والشر مسألة متعلقة بالمنظور”، بل حتى قطبي الصراع في المسلسل (آدم وحواء) ليس فيهما حق وباطل، فكلٌ منهما مدفوع بأهداف نبيلة كالحب والأمومة، كما وأنه طيلة المسلسل تقريبًا طرفي الصراع كانا الشخص نفسه في عمرين مختلفين (آدم وجوناس) ويظهر ذلك في كلام آدم: “ما كنت أبدًا لأقدر على التفوه بتلك الكلمات التي قالتها لي شخصيتي الأكبر سنًا في ذلك الوقت لأنني لم أستطع أن أفهم كيف لي أن أريدَ يومًا ما أراده هو”، وهذا يتوافق مع “مبدأ القطبية” أحد المبادئ الهرمسية السبعة المذكورة في كتاب “كيباليون” والذي سيتكرر معنا ذكره في المقال، حيث ينص مبدأ القطبية على أن الأضداد متطابقة في طبيعتها لكن مختلفة في درجتها، فالنقيضين يلتقيان، وكل الحقائق ليست سوى أنصاف حقائق، ويمكن التوفيق بين جميع المفارقات

بالتالي فالمسلسل يرى أننا مسيرون، رغباتنا الدفينة تقودنا في خطوط وحلقات وعُقد زمنية مترابطة متكررة لا تتغير، فالكون “ما هو إلا عقدة كبيرة لا يمكننا الفرار منها”. “فالحتمية السببية تمنعنا من تغيير مسار الأحداث، لكن من الطبيعي أن نعتقد أننا نلعب دورًا في حياتنا وأن أفعالنا يمكن أن تغير الأشياء”.

في مقاله، ربط “تيم بوهويس” هذا بعدمية نيتشه -العدمية التي تظهر جلية في نهاية المسلسل كما سنرى-، حيث يرى نيتشه بأن “كل ما يمكن أن نتوقعه في هذه الحياة هو المعاناة، لكن عجزنا في التعامل مع معاناة لا معنى لها يجعلنا نتوقع أسباب وتفسيرات للكون. هذه الجهود عقيمة، حيث لا يمكننا تقليل المعاناة، وكلما حاولنا ذلك، أضعفنا ذلك أكثر”.

ومن هنا رأت النخبة في مسلسل Dark -متمثلة في شخصية “آدم”- أنّ “الإله الذي تعبده البشرية منذ آلاف السنين، الإله الذي يبقي كل شيءٍ متماسكًا ليس سوى الزمن نفسه، ليس كيانًا يفكر ويتصرف، بل مبدأً فيزيائي لا يمكن التفاوض معه، الإله هو الزمن والزمن ليس رحيمًا”. وللخروج من هذا “العبث القاسي”، أعلنت النخبة “الحرب على الإله” من خلال منظمة سرية تدعى “Sic Mundus” والتي سنتحدث عنها باستفاضة في الفقرات القادمة.

وبالحديث عن الحتمية السببية ومنظمة Sic Mundus، فإنه تجدر الإشارة إلى أن صورة أفراد المنظمة تكون موجودة في كتاب “كيباليون” الهرمسي والذي يحتوي النص التالي: “يفهم الهرمسيون فن وأساليب الارتفاع فوق المستوى العادي للسبب والنتيجة، إلى حد معين، ومن خلال الصعود عقليًا إلى مستوى أعلى يصبحون مسببين بدلاً من أن يكونوا نتائج. تُحرَّك الجموع طوال الطريق، مذعنين للبيئة، لإرادة ورغبات الآخرين الأقوى منهم، للصفات الوراثية، للمقترحات؛ وغيرها من الأسباب الخارجية التي تحركهم مثل البيادق على رقعة الشطرنج للحياة. لكن الأساتذة، الذين يرتفعون إلى مستوى أعلى، يسيطرون على مزاجهم وشخصياتهم وصفاتهم وقواهم، بالإضافة إلى البيئة المحيطة بهم، ويصبحوا محركين بدلاً من أن يكونوا بيادق. يساعدون في لعب لعبة الحياة، بدلاً من يُلعبَ يبهم وتحركهم البيئة وإرادة الآخرين. يستخدمون مبدأ السبب والنتيجة بدلًا من أن يكونوا أدواته”.

لقد تم تضمين فكرة أن الزمن قادر على الخلق، من خلال المفارقات الزمنية كمفارقة (Bootstrap Paradox) حيث إن عاد شخصٌ بالزمن والتقى بنفسه وهو صغير وأعطى نفسه شيئًا ما فإن هذا الشيء لن يُعرف مصدره وسيكون جزءًا من حلقة زمنية غير منتهية (الكبير يعطي الشيء للصغير والصغير يكبر ويعطيه للصغير مرة أخرى … وهكذا)، وبنفس الطريقة، نجد الأم التي تنجب ابنتها وتكبر الابنة -بعد أن تسافر إلى الماضي- وتنجب أمها. ومع أن المفارقات الزمنية تصادم المنطق، إلا أن المسلسل يدّعي أنها تحدث معنا باستمرار.

بعد فشل خطة آدم الهادفة إلى التخلص من “هذا العبث القاسي” عن طريق تدمير عالمه والعالم الموازي له، يتم إعلامه -في النهاية- بأن الحل موجود في العالم الثالث، فهذين العالمين نشآ عن عالَم خارجهما، فيه “صانع ساعات” كان يجرب اخترع آلة زمن فأنشأ هذين العالمين عن طريق الخطأ.

تمثال كوبرنيكوس

فكرة وجود “صانع ساعات” ينشئ العوالم، مبنية على “الحتمية الميكانيكية” التي سيطرت على الفكر الأوروبي منذ النصف الثاني من القرن السادس عشر إلى أن ظهرت فيزياء الكم ونظرية هايزنبرغ (اللايقين) في القرن العشرين، فأسقطت مبدأ الحتمية واستعاد الإنسان تواضعه. فقبل ذلك، “في النصف الثاني من القرن السادس عشر ومع شيوع نظرية كوبرنيكوس، وتقديم إسحاق نيوتن لقانون الجاذبية وقوانين الحركة، وما رافق هذه النظريات من اكتشافات علمية كبرى، تغيرت نظرة الإنسان للكون، وسيطرت النظرة الآلية الميكانيكية على العلماء والفلاسفة حتى أصبح الكون يُشبّه بالساعة، وهكذا تحول الإله في نظرهم إلى ساعاتي رفيع المقام، بل تخيلوه إلها ساكنا غائبا عن العمل، لأن قوانين الطبيعة والكون أصبحت حتمية فلم يعد للإله دور حسب فهمهم، لكنهم أبقوا مع ذلك على دور الإله الخالق في تكوين الكون بالبداية” [انظر مقال “العلمانية” من موسوعة السبيل]. وهذا ما قدمه مسلسل Dark، حيث اقتصر دور “صانع الساعات” على صناعة آلة الزمن وإنشاء العالمين، وتكفل “المبدأ الفيزيائي” -الزمن- بالباقي. بل أضاف المسلسل أن خلق العوالم كان بغير قصد، وأدى إلى خلل يجب التخلص منه.

من كان يعلم بفشل خطة آدم وأخبره بالحل بعد فشله، والذي أعطى صانع الساعات مخططات بناء آلة الزمن داخل العالمين، كانت “كلوديا” والملقبة بـ “الشيطان الأبيض”. وهذا ينقلنا للحديث عن البعد الشيطاني في مسلسل Dark:

“وهكذا خُلق العالم” – “Sic Mundus Creatus Est”
إن مسلسل Dark في جوهره يقدم تصوره عن العالم وكيفية خلقه، وهو تصور مبني على المعتقدات الغنوصية الهرمسية الشيطانية. فكل الحلقات والعقد الزمنية الناشئة بين العالمين (عالم آدم وعالم حواء) أصلها ابن آدم الناتج عن زواج آدم من عالم (والذي يرى الخلاص بحل العقد الزمنية ودمار العوالم) مع حواء من العالم الموازي (والتي تريد بقاء هذه العقد واستمرار الحياة لكيلا يموت ابنها)؛ بمعنى آخر، العالمان نشآ عن اتحاد الذكورة والأنوثة، النور والظلام، الموت والحياة وهذا من معتقدات الهرمسية والقبالاه (الباطنية اليهودية).

بالإضافة إلى أن الجمعية السرية التي يقودها آدم، تدعى Sic Mundus Creatus Est وهي عبارة لاتينية تعني: “هكذا خُلق العالم”، وهي مأخوذة مما يسمى “اللوح الزمردي” والذي يحتوي التعاليم الأساسية للهرمسية ومنه تطورت متون هرمس، التي هي أساس الباطنية الغربية والسحر والخيمياء حسب موسوعة السحر والخيمياء. ويظهر اللوح الزمردي في المسلسل، هو والعديد من الرموز الغنوصية الأخرى مثل شجرة الحياة القبالية، ورمز الأوروبوروس الثيوصوفي.

وبالعودة إلى الجمعية السرية، فقد أسسها “آدم” وأحد أبرز أعضائها كان يدعى “نوح”، وهذا يتوافق مع ما يزعمه الغنوصيون القباليون من أن فلسفتهم قديمة قدم البشرية، وأنها بدأت مع آدم عليه السلام نفسه، ثم نقلت عنه إلى نوح عليه السلام. وحتى مقر هذه الجمعية فهو موجود خلف كنيسة، وهذه دلالة على أنهم الجهة (الباطنية) المقابلة للدين الظاهر، وقد تم الإعلان صراحة بأن هذه الجمعية هي كيان يحمل فكر مناقض للدين ومحارب للإله.

قد يشير هذا الرمز إلى العوالم الثلاث، عالم النور (عالم حواء)، وعالم الظلام (عالم آدم)، وعالم “صانع الساعات”

والمحرك لهذه الجمعية من الخفاء كان “الشيطان الأبيض”، فلأن البشر لن يتخلوا عن رغباتهم، أبقى الشيطان آدم وحواء في ظلام (Dark) جهلهم، إلى أن نفذوا ما أرادوا، ليبين لهم أن لا جدوى مما يقومون به، ومن ثم منح “الشيطان الأبيض” الطيب العلم لآدم (وهذا بحد ذاته تصور شيطاني)، وأرشده إلى الحل لكسر العقدة وعلاج الخلل، والحل يكمن في التوجه إلى عالم “صانع الساعات” ومنع “صانع الساعات” من خلق هذين العالمين أصلًا.

فتصور مسلسل Dark عن الجنس البشري ووجوده، تصور سوداوي شيطاني، فآدم وحواء هما “خلل في المصفوفة”، “عقدة في الخيط، عقدة لا يمكن فكها لكن يمكن قطعها”، لا حل إلا بألا يوجدا أصلًا. والفردوس الذي أرادت جمعية ى Sic Mundus Creatus Est الوصول إليه، هو دمار العوالم، العدم. وحتى في آخر مشاهد المسلسل -في حلقة عنوانها “الفردوس”- خيمت العدمية على المشهد؛ الأصدقاء يتبادلون أطراف الحديث حول مائدة الطعام، جميعهم تمنوا الزوال! فالراحة كانت بانتهاء العالم ليتحرر الإنسان من كل شيء، من رغباته وحاجاته، في ظلام (Dark) لا نهائي، دون ماض أو حاضر أو مستقبل!

ختامًا.. لمسة نتفليكس

إن ما تقدم هو محاولة لتفكيك وتحليل جزء بسيط من مسلسل Dark المليء بالفلسفات والعقائد والأفكار الإلحادية الغنوصية، والتي حاول المسلسل تغليفها وتدعيمها باقتباسات الفلاسفة والعلماء كآينشتاين ونيتشه تارة، وبنظريات كفيزياء الكم وقط شرودنجر والأكوان المتعددة تارة أخرى. ورغم ذلك لم تنس نتفليكس وضع لمستها الخاصة، لذا فإن المسلسل المتخم بالأحداث لم يخل من إقحام المشاهد “غير اللائقة”، والترويج للشذوذ من خلال قس شاذ هنا، وفتاة شاذة هناك، بل حتى أنها استغلت فكرة السفر عبر الزمن لتُظهر أن السحاق منتشر في المجتمع منذ خمسينيّات القرن الماضي، كما أظهرت بطلي المسلسل يبكيان لأنهما لن يستطيعا الاستمرار سويًا حين اكتشف البطل أن حبيبته هي عمته، وأن حبهما سيتحطم بلا حولٍ منهما ولا قوة، لكي لا تمتلك حينها سوى التعاطف معهما ومقت ما أدى لانهيار حبهما، بل وربما سعدت لأجلهما لو أنهما تناسيا صلة القرابة وقررا الاستمرار سويًا.

فنتفليكس، منصة ذات رسالة شيطانية تحاول بثها بشتى الطرق وعلى كل المستويات، الصريحة والمبطنة، العقائدية والفلسفية والأخلاقية!

مسلسل المسيح.. هكذا احتفلت نتفليكس بالعام الجديد

أطلت علينا شبكة نتفليكس في أول أيام العام الميلادي الجديد بمسلسل “المسيح”. والذي تدور قصته حول شخص يظهر في دمشق مدعيًا أنه “المسيح”، فيقود جموعًا من السوريين-الفلسطينيين من مخيم اليرموك إلى الحدود “الإسرائيلية”، وتتجه إليه أنظار العالم، مع تخوفات أمريكية من أن يكون “البغدادي الجديد”.

وتستمر القصة بأن تلقي القوات “الإسرائيلية” القبض عليه حين حاول تجاوز الحدود، ورغم ذلك يظهر هذا “المسيح” بعدها عند قبة الصخرة متسببًا بانتفاضة فلسطينية جديدة، ثم يظهر في ولاية تكساس الأمريكية ومنها يتجه إلى العاصمة واشنطن، وسط ردّات فعلٍ متباينة محليًا وعالميًا، فمن يكون هذا الشخص وما هدفه وماذا يمثِّل؟

أول ما يلفت الانتباه في هذا المسلسل أنه ورغم أنه من إنتاجٍ أمريكي، إلا أنه عرض المسيح من منظور إسلامي، فمنذ بداية المسلسل يتم التعامل مع هذا الذي يدعي أنه المسيح على أنه عربي مسلم، وغالبا ما كانت تتم مناداته بـ”المسيح” (Al-Masseih) أي باللفظ العربي للكلمة، إلى أن يتم سؤاله عن دينه فيجيب أنه “يدعم البشر كلهم”. ومن هذا السؤال لننتقل ونرى نظرة المسلسل لمفهوم الدين:

الدين في مسلسل “المسيح”

أحد من كانوا ينتظرون رؤية المسيح

لم يقتصر أتباع هذا “المسيح” على أصحاب الديانات الإبراهيمية والتي تؤمن بعودة المخلص في آخر الزمان، بل شمل شتى الطوائف والجماعات كالبوذيين مثلًا، دلالة على أن شخصية “المسيح” هنا تمثل الدين عمومًا. والخطاب الذي تبناه هذا “المسيح” كان خطاب المساواة بين الأديان ووحدتها وكذلك وحدة البشر، فهم كلهم سواء أيًا كان معتقدهم وأيًا كانت تصرفاتهم، لا يحق لك أن تكفر أحدًا منهم أو أن “تبني افتراضات عن الله”. هذا الخطاب وإن بدا مغلفًا بالتسامح، ما هو إلا إلغاء لمفهوم الدين من أساسه، حيث يتساوى الموحد لله مع من يعتقد بأن لله ولد، مع من يقدس البقر!

ولم يكتفِ المسلسل بالحديث عن الديانات عمومًا، بل قدم تصوره عن كل دين من الديانات الإبراهيمية؛ فقدم الصورة الإعلامية المشوهة المعهودة عن المسلمين، حيث الغلظة في التعامل والتركيز على آيات الجهاد والتقليل من شأن المرأة ومنع قراءة أي كتاب غير القرآن واستخدام الأحزمة الناسفة، وغير ذلك من الصور النمطية المستهلكة.

كذلك صورة العائلة المتدينة المسيحية لم تخلُ من الإساءة، فعائلة القِس مفككة فيها الابنة مدمنة والزوجة غير مؤمنة، مع الإشارة إلى ظلم التعاليم المسيحية التي تحرّم الإجهاض وكيف كان من الممكن أن تدمر هذه التعاليم حياة الابنة. كما وتم الإشارة بشكل خاطف إلى المكاسب المادية التي يجنيها رجال الدين، وهذا من خلال الهدايا التي تلقاها القِس.

العائلة المتدينة الوحيدة التي عاشت بسعادة، كانت العائلة اليهودية، وكذلك من قادت التحقيق وأعملت عقلها واكتشفت هوية هذا “المسيح”، كانت أيضًا عميلة CIA يهودية. فماذا كانت هويته؟

من ادعى أنه المسيح كان مجرد لاعب خفة إيراني محترف مدعوم من روسيا لخلق تشويش ممنهج في المجتمع، وهناك اشتباه بأنه يعاني من أمراض نفسية وأوهام جعلته يظن نفسه المسيح. أي أن هذا “المسيح” كان مجرد خدعة، وحيث أن شخصيته تمثل مفهوم الدين ككل، فإن المسلسل يريد أن يقول بأن الدين كله مجرد خدعة. وما يؤكد هذا أن عميلة الـ CIA اليهودية قالت إن السيد المسيح عيسى (عليه السلام) “كان أيضًا مجرد سياسي شعبوي يضمر الضغينة للإمبراطورية الرومانية ويقوم بخدع رخيصة لجذب الجمهور”، وهذا ما وُصِف بأنه “كلام شخص يهودي حقيقي”، وهنا تكذيب صريح للدين المسيحي وإشارة إلى أن اليهود لم تنطلِ عليهم الخدعة كغيرهم.

ينتهي الأمر بالقس بأن يحرق الكنيسة وقد كُتِب عليها “إلهٌ زائف”

وبالعودة إلى الخدع وألعاب الخفة، تقول إحدى شخصيات المسلسل أن أفضل لاعب خفة ليس من يخدعك فحسب، بل من يجعلك تشارك في الخدعة، وعلى وقع هذه الكلمات يعرض المسلسل مصير “من انطلت عليهم الخدعة”، كضحايا تفجيرات المساجد، وطفلة مصابة بالسرطان كانت أمها قد أخذتها إلى “المسيح” ليشفيها، فينتهي بها الحال جثة في حضن أمها لأنها تخلفت عن العلاج الكيماوي، وفتاة أخرى كادت تموت لأنها استمعت لكلام المسيح وألقت كلمة أمام الجمهور رغم إصابتها بالصرع.

هذا ولم ينتقد المسلسل المتدينين من عوام المجتمع فحسب، بل أنه انتقد المتدينين من القضاة والسياسيين ورجال الحكم. فبقاء المسيح المزيف داخل الولايات المتحدة واستكماله لخطته التخريبية كان بقرارٍ من قاضٍ يعاني من مرض عضال، فكيف به في آخر أيامه أن يرحِّل المسيح، ويكون مثل هيرودس الأول. وفي المسلسل كذلك، كان رئيس الولايات المتحدة متدينًا وكاد أن يمتثل لطلب المسيح المزيف ويسحب القوات الأمريكية المنتشرة في دول العالم رغم ما قد يؤديه ذلك من توسع روسي.

وبالحديث عن رئيس الدولة والسياسات الخارجية، فإنه من المثير أن المسلسل أقر أكثر من مرة -وعلى لسان شخصيات تمثل الحكومة- بأن الولايات المتحدة ترعى مصالح “إسرائيل”، وهذا ينقلنا إلى الجانب السياسي من المسلسل:

“الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي”

في بدايات المسلسل، يتم إطلاق النار على طفلٍ في الحرم القدسي، فيتساءل المشاهد: هل أتى أخيرًا المسلسل الذي سيعرض الحقيقة بلا تشويه؟! لتأتيك الإجابة سريعًا بأن من في الحرم القدسي هم “سيّاح مسلمون”، وأن إطلاق النار -الذي أشعل انتفاضة جديدة- لم يكن سوى خدعة، قام بها ذاك المسيح المزيف.

أما تلك العائلة اليهودية السعيدة -آنفة الذكر-، فكانت عائلة “إسرائيلية” يملؤها الحب، إلى أن تسببت سيارة مفخخة بموت الأم وابنها الصغير، أما الابن الأكبر الذي تشوه جسده فقد كبر وأصبح محققًا في الجيش “الإسرائيلي”، وكانت خطيئته الكبرى التي يندم عليها أشد الندم أنه قتل طفلًا فلسطينيًا، رغم أن هذا الطفل هو ابن الشخص المسؤول عن تفجير السيارة التي أودت بحياة أمه وأخيه الصغير. وقد كان هذا الطفل يعمل في مخبزٍ يصنع المتفجرات بدل الخبز، وبهذه الصورة فلا ضير لو تم قصف الأماكن المدنية والحيوية في فلسطين.

أما من يدافعون عن حق الشعب الفلسطيني بأن يتم الاعتراف به فحسب، فهؤلاء أعداءٌ للسلام ويُرَد عليهم بنفس “الخطاب المتسامح” بأن جميع الناس هم شعب واحد.

ما بين السطور

يمكن اكتشاف العديد من الرمزيات والرسائل المبطنة في المسلسل سواء في العبارات التي تقولها الشخصيات أو عناوين الحلقات أو تسلسل المَشاهد؛ رسائل ورمزيات تتعلق باصطفاء الرسل وتيه بني إسرائيل والأوبئة التي ضربت مصر -المذكورة في سفر الخروج- وغير ذلك الكثير، وسنكتفي هنا بذكر بعض هذه الرسائل:

◘ في المشهد الختامي للمسلسل، تسقط الطائرة التي تُقل المسيح المزيف، في حقلٍ من الزهور، ويأتي ولدٌ عربي يرعى الغنم معروفٌ بكذبه ليخبر اثنين ممن كانوا على متن الطائرة بأنهما كانا أمواتًا وأن هذا الشخص -أي المسيح المزيف- أحياهم، وهنا تأكيدٌ على رسالة المسلسل بأن الدين محض كذب، كما قد يرمز حقل الزهور إلى الجنة، فيكون في المشهد إنكارٌ للحياة الآخرة، وكذلك قد يرمز الولد إلى النبي محمد ﷺ، في تكذيبٍ لرسالة الإسلام.

◘ إحدى الشخصيات الثانوية في المسلسل، شاب جامعي أمريكي اعتاد أن يدرس في المكتبة بانتظام، يشاهد هذا الشاب ما حل من فوضى وما يعانيه شباب الجامعة من ضياع “بعد عودة المسيح”، فيقرأ النسخة الإنجليزية من القرآن، وعندما يلتقي صدفةً بالمسيح المزيف، ينعته بـ “المسيح الدجال” [باللغة العربية]. بعد ذلك، هذا الشاب الجامعي المجتهد يحرق أوراقه الجامعية وكتبه -ومنها كتاب صدام الحضارات-، أي أن خرافة المسيح الدجال عند المسلمين هي ما دعت هذا الطالب الجامعي -غير المسلم- إلى إحراق كتبه بدل محاولة اكتشاف الخدعة. وفي النهاية لم يعد الشاب الجامعي يذهب إلى المكتبة، مع التركيز على اقتباس مكتوب في المكتبة يُنسب لأوبرا: “أنت تصبح ما تؤمن به” بمعنى أن ما آمن به الشاب الجامعي قاده إلى ترك المكتبة.

◘ أحد المحققين الأمريكيين كان كاثوليكي شاذ، وبعد أن يستمع لكلام المسيح حول ضرورة الصدق مع النفس، وأن الرب يحبك كيفما كنت؛ يصدق المحقق الأمريكي الشاذ المسيح، ويتصل بـ “حبيبه” القديم ليخبره بأنه سئم من الكذب على نفسه؛ في دعوة إلى التعبير عن الذات وإشارة لما يعانيه الشواذ من ضغوطات كما هو معهود من شبكة نتفليكس.

◘ خلال خطاب المسيح المزيف في واشنطن عن ضرورة تجرد الناس وتحليهم بالشجاعة ليكتشفوا ذواتهم ورؤية حقيقتهم ومن ثم سيره على الماء بعد ذلك؛ تخيلَ أحد السوريين-الفلسطينيين أن هذا “المسيح” يساعده على النهوض، فينهض ويتجرد من ملابسه ويسير عاريًا باتجاه الحدود “الإسرائيلية” فيُسمح له بالدخول. وهنا تم الربط بين التجرد المجازي والتعري الفعلي. ويظهر هذا بشكل أوضح حينما يخبر المسيح المزيف أحد الشخصيات بأن تتجرد من أعبائها وما يٌشعرها بالخزي، فتظهر الشخصية بعدها وهي تسبح، قبل أن تذهب وتبوح بسرٍ كانت تخفيه وتخجل منه. وهذا ينسجم مع أحد رسائل المسلسل بأن تعبّر عن ذاتك وتفعل ما تشاء، فالله يحبك كيفما كنت.

◘ بما أن المسيح المزيف كان جزءًا من مخطط تخريبي لخلق التشويش الممنهج في المجتمع، فالمسلسل يدافع ضمنيًا عن كل القضايا التي انتقدها المسيح المزيف في المجتمع الأمريكي، كالانتشار العسكري الأمريكي حول العالم، وكذلك تقديس المال وتقديس المرأة لعملها.

◘ أشد أتباع المسيح المزيف ولاءً له وأكثر من انطلت عليه خدعة “المسيح” كان شخصًا سمع المسيح يقول آية قرآنية، فتذكر والدته التي كانت تقول له نفس الآية وهو صغير. وأما المسلم المتشدد الذي لف حزامًا ناسفًا حول شابٍ صغير وقام بتفجير مسجد، فكان مدرسًا في مدرسة. وهنا يرسم المسلسل صورة مشوهة عن التربية الدينية -الإسلامية على وجه التحديد-.

الخلاصة

سأقتبس من المسلسل ما قالته إحدى الشخصيات حول كتاب صدام الحضارات لصامويل هنتنغتون: “عليك أن تتذكر فقط أنه كان على حق، تنبأ “هنتنجتون” بأن المحور الأساسي للصراع العالمي بعد الحرب الباردة سيكون صراعًا على الحدود الثقافية والدينية، وهذا ما يحدث بالضبط في سياسة العالم حاليًا”.

هذا ما تدركه شبكة نتفليكس جيدًا، وإن بدا أنها تتعمد إثارة الجدل كأسلوبٍ رخيص للشهرة والانتشار، إلا أن الانتشار قد لا يكون كل شيء. فهذه الأساليب الرخيصة تضع حدود ما يمكن بثه في الإعلام “الترفيهي” ككل، وبالتالي التطبيع مع كل ما قد يسيء للدين، ويمس المعتقدات والقيم.

ولم يكن مسلسل “المسيح” هو بداية الاحتفال بالأعياد عند نتفليكس هذه السنة، حيث عرضت قبله بفترة وجيزة فيلمًا “كوميديًا” قصيرًا من إنتاجها، فيه المسيح شاذ جنسيًا، ومريم العذراء تدخن الحشيش، وفيه ما لا يمكن ذكره من تجسيد وإساءة للذات الإلهية. والأمر لم يقتصر على رموز الديانة المسيحية، بل تعداه ليشمل استهزاءً صريحًا بالإله ليس فقط في الديانات الكبرى كالإسلام والهندوسية والبوذية، بل شمل ديانات كالراستافارية وغيرها.

فيلم كهذا لن يكون كوميديًا سوى لملحدين؛ فقد تم تجاوز مرحلة تشويه الإسلام (الإسلاموفوبيا) إلى تشويه مفهوم الدين ككل؛ يبدو أن الصراع بين الإنسان من جهة والشيطان وأعوانه من جهة أخرى، بات أوضح من أي وقتٍ مضى.

هذا أمر مرعب، فهو تهديد لنجاح الإنسان في الاختبار الذي خُلِق لأجله. وبالمقابل ما زال همنا الأول هو “الترفيه”، لاهثين وراء المزيد من الاستهلاك والاستعراض، غارقين في التفاهات والسخافات، فاقدين للبوصلة، زاهدين في الآخرة غافلين عنها.

بقلم: هادي صلاحات

الأفلام والمسلسلات .. هل هي بريئة حقًا؟

هادي صلاحات

“صنّاع الأفلام والمسلسلات لا يأبهون بنا ولا يدرون بوجودنا أصلًا”، “هي شركات ربحيّة فحسب”، “لمَ أنتم غارقون بنظرية المؤامرة”، “لمَ نظنّ أنّا مركز الكون؟”، “أنا أميز الجيد من السيء”، “مشاهدتي لما يفعلون لن تجعلني أفعل مثلهم”، “هذا استعراض للواقع وليس ترويجًا”، “كل المسلسلات والأفلام هكذا”. نرى هذه التعليقات وما يشابهها، تقال لكل من ينتقد ويحذِّر من أثر بعض المسلسلات والأفلام وما تبثه من “أفكار وقيم”

حسنًا.. سنبدأ بما يتعلق بـ “نظرية المؤامرة”

نظرية المؤامرة

سننسى أن هوليوود قامت بجهود المهاجرين اليهود كما هو مبيّن في كتاب “An Empire of Their Own: How the Jews Invented Hollywood” وغيره. وسننسى كذلك أن هؤلاء اليهود كانوا يعيشون كأقليات منبوذة منغلقة، وبالتالي كان الدين محورًا رئيسًا في حياتهم فهم ليسوا كالأمريكي المسيحي والعربي المسلم اللذان قد لا يعرفا من دينهما إلا اسمه.

كما ولن نلاحظ الأثر اليهودي الواضح في محتوى هوليوود سواء في الأفلام التي ترسخ التعاطف مع اليهود كـ (Schindler’s List) و (the life is beautiful) و (the pianist) أو الأفلام التي تعرض قصص الأنبياء بتصور يهودي كفيلم (Noah).

وسنغض الطرف عما أشار إليه الملياردير إيلون ماسك بأنّ الإعلام كله مملوك لليهود، ولن نتطرق إلى وعد بلفور  الذي بدأ بـ إلى “اللورد روتشيلد”، ورغم ذلك لا أثر لعائلة روتشيلد المصرفيّة بأي من قوائم أغنى أغنياء العالم.

وبالطبع لن نتحدث عن الجمعيات السرية أو الرموز الماسونية الموجودة بكل وضوح في إعلان حقوق الإنسان الذي أقرته الثورة الفرنسية، والموجودة بوضوح أشد على الدولار الأمريكي.

سننسى كل ذلك، لا وجود للمؤامرات، لا في السياسة ولا في الاقتصاد، صنّاع الأفلام هم مجرد آلات لا يحملون أي فكر أو معتقد يريدون نشره.

هل أنت سعيدٌ الآن يا صديقي؟

لكن أليس من المفترض أنك مسلم تؤمن بالله، تفعل ما أمرك وتجتنب ما نهاك؟ -وحتى إن كان قارئ هذه الكلمات غير مسلم-؛ ألا يُفترض أنه من البديهي التحذير من المحتوى الذي يروِّج للبذاءة والانحلال بل وللإباحية بكافة صورها وأشكالها؟ أليس تزيين الحرام والترويج له هو عملٌ شيطاني بامتياز؟ ألم تبدأ معركة إبليس مع الإنسان منذ خلق آدم؟ ألم يقل إبليس (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)؟ … سأترك الجواب لك

لننتقل الآن لمن يدّعي أن الأفلام والمسلسلات عندما تعرض أمرًا ما فإنها بذلك لا تروج له، وسنسأل:

هل عرض الشيء ترويجٌ له؟

من قال لك يا صديقي أنّ الترويج لشيء يعني أن يُقال لك “تعال قم بكذا”، “افعل ذلك وستكون سعيدًا”؟

الأمر لا يسير كذلك يا صديقي؛ فعندما تقوم الشركات بحملات إعلانية فإنها تهدف إلى نشر صورة علامتها التجارية لتراها في كل مكان، وهنا ليس بالضرورة أن يُقال لك بشكل مباشر: “استعمل منتَجنا”، فعندما تقوم شركة مشروبات غازية مثلًا برعاية “برنامج أو مسابقة ما”، فإنها تكتفي بوضع مشروبها أمام مقدم البرنامج أو لجنة تحكيم المسابقة، وهذا أسلوب تستخدمه كبرى الشركات، من خلال عرض منتجاتها في الأفلام، فيما يُعرف بـ (product placement).

أفخاي أدرعي (تويتر)

وفي عصر الصورة؛ ترويج الأفكار لا يختلف كثيرًا عن ترويج السلع، خذ مثلًا المدعو أفخاي أدرعي (المتحدث باسم الجيش الصهيوني) والذي ينهال عليه متابعوه العرب والمسلمون بأقذع الشتائم وأبشع الألفاظ، أتظنه يكترث لذلك؟ لفترة طويلة وبشكل تراكمي يتلقون كلامه ويأخذ حيزًا من تفكيرهم بل ويصبح محل نقاش … وهذا هو المهم.

ولا يختلف أسلوب صناع المحتوى السينمائي والتلفزيوني عن أسلوب أفخاي ومن وراءه من الموساد، فعندما ترى فكرةً أو فِعلًا ما -مهما بلغ من القذارة والانحطاط- يتكرر أمامك على أنه أمرٌ طبيعيٌ مقبول، فمع الوقت لن يستنكر قلبك ما تراه، خاصةً إن قام به نجمك المفضل أو بطل العمل الذي تقف في صفه وتتعاطف معه -أو يُراد لك ذلك-. وهنا يكون يا صديقي قد زال من قلبك “أضعف الإيمان”. لذا راقب قلبك فالانحراف البسيط في البداية يغيّر وجهتك كليًا عند انتهاء الرحلة.

تلقّيك لما تبثه الشاشة من أفكار مسمومة سيجعلك تتقبل رؤيتها على أرض الواقع؛ فهي أمر “منتشر” و”عادي”. أنا وانت وهو وهي؛ نحن هم المجتمع، فتقبلك لذلك يعني على المدى الطويل تقبل المجتمع كله له، ولك يا صديقي بالشذوذ أوضح مثال.

والأمر لم يقف عند السحاق واللواط، بل تجاوزته إلى السفاح، تخيّل أنّ أحد “أعظم المسلسلات في التاريخ” فيه مشاهد إباحية بين الأخ وأخته وبين الأب وابنته وبين العمّة وابن أخيها، ولا يشمئزُ أحدٌ من ذلك، بل يدعون غيرهم لمشاهدته.

نتفليكس (يوتيوب)

ولديك مثلًا شبكة نتفليكس -أكبر شبكة لبث “المحتوى الترفيهي” والتي تترجِم مسلسلاتها لأكثر من مئة لغة- – التي في أحد مسلسلاتها تستغل فكرة السفر عبر الزمن لتُظهر أن السحاق منتشر في المجتمع منذ خمسينيّات القرن الماضي، كما وتريك مثلًا بطلي المسلسل يبكيان لأنهما لن يستطيعا الاستمرار سويًا فقد اكتشف البطل أن حبيبته هي عمته، وأن حبهما سيتحطم بلا حولٍ منهما ولا قوة، فلن تملك يا صديقي إلا التعاطف معهما ومقت ما أدى لانهيار حبهما، بل وقد تسعد لأجلهما إن تناسيا صلة القرابة وقررا الاستمرار سويًا. هذا ولا يخلو أي من منتجات نتفليكس تقريبًا من العري والإباحية والجنس بكافة أشكاله، لتكون النتيجة منتَجًا إباحيًا على شكل مسلسل يشاهده أفراد العائلة بلا قلق أو خجل.

ألا ترى يا صديقي الانحدار الذي وصلنا إليه؟

وسموم الشاشة تمسي أشد فتكًا عندما يتعلق الأمر بالعقائد، فترى النبي سليمان ساحرًا، وفرسان الهيكل أبطالًا أشداء وفرسانًا نبلاء، بل إبليس نفسه تم تصويره على أنّه الملاك الوسيم المرح الطيب الذي يحب الخير للناس، لكن والده الظالم (الإله) هو من أشاع عنه صورةً سيئة، كيف لن تتعاطف مع هذا يا صديقي؟

وحتى في المسلسل الذي يتحدث عن السفر عبر الزمن تم أخذ الموضوع لبعدٍ فلسفي، وبشكل صريح تم تقديم الزمن على أنه هو الاله، “فالإله ليس كيانًا يفكر ويتصرف بل مبدأ فيزيائي غير رحيم” وتم إعلان الحرب عليه، وكذلك تم تضمين فكرة أن الزمن قادر على الخلق من خلال المفارقة الزمنية (Bootstrap Paradox) حيث إن عاد شخصٌ بالزمن والتقى بنفسه وهو صغير وأعطى نفسه شيئًا ما فإن هذا الشيء لن يُعرف مصدره وسيكون جزءًا من حلقة زمنية غير منتهية (الكبير يعطي الشيء للصغير والصغير يكبر ويعطيه للصغير مرة أخرى … وهكذا)، ومع أن المفارقات الزمنية تصادم المنطق، إلا أن المسلسل يدّعي أنها تحدث معنا باستمرار. هذا عدا عن التأكيد على فكرة الجبرية وأن البشر مسلوبو الإرادة، وكذلك بث بعض الشبهات والأفكار الإلحادية عن عبثية الخلق، وغيرها من الإسقاطات والإشارات الدينية التي لا يمكن إغفالها، بدءًا من أسماء الشخصيات وانتهاءً بأهدافها، وكل هذا في مسلسل عن السفر عبر الزمن.

وبعد أن تسري في جسمك كل هذه السموم، ومع الأخذ بالاعتبار أن الخطاب السائد هو الخطاب الليبرالي الـ ما بعد الحداثي الإنسانوي، الذي يقدّس حرية الفرد ويميع الثوابت ويطمس الهوية ويساوي الحق بالباطل، قد ترفض يا صديقي حتى إعطاء حكمٍ على ما ترى.

ومع ما هو منتشر من جهل بالدين وعدم الاعتزاز به فقد يتبادر إلى ذهنك يا صديقي تساؤل: “لمَ لا؟” … لمَ نعتبر هذا خطاً، لمَ السحاق واللواط والشذوذ خطأ؟، لمَ لا يكون إبليس مظلومًا حقًا؟ خصوصًا أنّ الغيبيات والأخلاق هي أمور دينية بحتة، فيكون الأمر قد بدأ بمشاهدة مادة ترفيهية وانتهى بمشاكل عَقدية وأفكارٍ إلحادية، أو على أقل تقدير يَنتُج إسلامٌ كنسي مكانه المسجد فحسب دون أن يكون له أثر يذكر في حياة الناس وسلوكهم.

لماذا يا صديقي تريد أن تظل مجرّد مستهلكٍ لأي محتوًى يُقدم لك؟ لمَ ترضى بأن تكون مجرد وسيلة لزيادة أرباح هذه الشركات؟ بل وتسمح لهم بأن يشكِّلوا عقلك وتفكيرك ويعرِّضوك لما شاءوا من معتقداتٍ أفكار … لماذا يا صديقي؟

أبهذه التبعية والانسلاخ عن الهوية والتشوهات الفكرية، تَنتج النهضة الحضارية؟

مسلسل جن .. المجتمع المسلم كما يراد له أن يكون

هادي صلاحات


ناقش العديد من علماء الاجتماع دور الإعلام في صياغة الواقع، ومنهم غي ديبور في أطروحته “المجتمع المشهد” والتي تتلخص في أنّ الواقع لم يعد هو الذي يشكل علاقة الأفراد بما حولهم، بل أصبح المشهد ينازع الواقع هذه المكانة، حتى أصبح المشهد هو المرجع الذي يحدد الواقع ويرسمه وليس العكس.

أما جان بودريار فقدم مفهوم “فوق الواقع” (hyper reality) وهو عدم القدرة على تمييز الواقع من محاكاة الواقع، وذلك بصنع (Simulacrum) أي نسخة مزيفة لا أصل لها. وتظهر “صناعة الواقع” جليّة في مسلسل “جن”.

مسلسل جن

جِنّ هو مسلسل ناطق بالعربية من إنتاج شبكة نيتفليكس (Netflix) الأمريكية، ويتكون من خمس حلقات عُرضت بتاريخ 13 حزيران/يونيو 2019. وتدور أحداث المسلسل حول مجموعة طلاب بالمرحلة الثانوية يذهبون في رحلة مدرسية إلى البتراء فيموت أحدهم ويُشتبه بأن سبب موته أمر خارق للطبيعة “الجن”.

والمسلسل لا يختلف بتاتًا عن أي مسلسل أمريكي بالشكل والمضمون، فاللغة هي الاختلاف الوحيد. فرغم أن المسلسل صوِّر في الأردن ذي الطبيعة المحافظة نسبيًا، إلا أنه كان مليئًا بأكثر الكلمات بذاءة وسوقية وانحطاطًا، عدا عن المخدرات والسُكر والقبلات والملابس القصيرة.

والحجاب لم يظهر سوى على رأس إحدى النساء من البادية، ولم ينسَ المخرج تصوير قطيع الجِمال الحاضر دائمًا عند عرض أي من مظاهر الإسلام. وأما ما يتعلق بالجن فهو “تفاهات” و”خرافات”.

لا غرابة في ذلك؛ فطاقم التمثيل هم ممن دفعوا “ضريبة هوليود” أو يتوقون لدفعها، لذا فلن يمانعوا تمثيل مسلسل ناطق بالعربية ذي رؤية أمريكية، حتى أن بعض العبارات والتعابير مترجمة للعربية بشكلٍ حرفي ركيك.

ورغم رداءة أداء الممثلين، إلا أن ضخامة الميزانية التي رُصدت لإنتاج المسلسل تظهر بشكلٍ جلي من خلال تقنيات التصوير والمؤثرات البصرية عالية الاحترافية والتي تتجاوز تلك الموجودة في المسلسلات الأمريكية، وتصل لمستوى الأفلام الهوليودية. وأيًا كان المبلغ فيبدو أن نيتفليكس لن تمانع في دفعه مقابل عرض وترويج هذه الصورة المشوهة المؤمركة للمجتمع العربي المسلم؛ كما يراد له أن يكون.

رمز ماسوني مرسوم على ملابس إحدى الشخصيات

ما بين السطور

العرض الفج والتشويه الصارخ لم يمنع صناع المسلسل من بث بعض الرسائل غير المباشرة؛ فرغم أن أبطال القصة هم طلبة مدرسة، إلا الحصة الدراسية الوحيدة التي عُرضت كانت حصة الأحياء أثناء الحديث عن نظرية التطور. كما كانت بطلة المسلسل تستمع لفرقة غناء مغمورة، وما عرض من كلمات الأغنية كان: “طرق الجنة ع قد البشر” في رسالة إنسانوية (هيومانية) بأن الجميع يدخل الجنة. كما لم يخلُ المسلسل من الرموز الماسونية.

ماذا بعد؟

إن إثارة الجدل هي إحدى أنجع الطرق في الترويج وزيادة الانتشار ورفع نسب المشاهدات، لذا فرغم تدني تقييم مسلسل جن إلا أن الضجة التي أثارها ستعمل بالنهاية على إنجاحه، ليُنتج منه جزء ثانٍ وثالث.

وبنظرة أشمل، يبدو أن الآلة الإعلامية الأمريكية لم تكتفِ بالأثر الذي تُحدثه بشكل غير مباشر من خلال المسلسلات والأفلام الأمريكية والمحتوى العربي المتأثر بها، فللمرة الأولى نجد إشرافًا أمريكيًا مباشرًا على إنتاج محتوى “ترفيهي” عربي، والقادم أسوء!

فهذا المسلسل بما فيه من قذارة وانحطاط موجه لمن تزيد أعمارهم عن 16 سنة! وعند أخذ بالاعتبار جودة الصورة والمؤثرات البصرية، فبالتأكيد سيكون هذا المسلسل وأمثاله أشد جذبًا من غيرهم، خصوصًا بما يحتويه من مزيج من القيم الأمريكية واللغة العربية فيجذبون متابعي المحتوى العربي والأجنبي في آن معًا.

نيتفليكس في أولى تجاربها لإنتاج محتوى ناطق بالعربية جعلت من مجتمع مسلم محافظ مجتمعًا منحلًا كانت فيه “الحمد لله” عبارةً دخيلةً غريبةً على أذن السامع. لذا فلا عجب أن تحتوي التجارب القادمة على الشذوذ الجنسي أو الشبهات الطاعنة بالدين. أضف لذلك أن شيوع هذا المحتوى سيُطبِّع الأفراد مع الشكل الأمريكي للمجتمع، وسيكون على الشركات العربية تقديم محتوى مشابه كي تستطيع المنافسة، لتكون النتيجة مجتمعًا أمريكيًا ناطقًا بالعربية!