مقالات

نبوة محمد

أحمد دعدوش وربى الحسني


تبين لنا في بداية مسيرنا أن وجود الله حقيقة حتمية، وأن الإيمان به ليس سوى بداية الطريق نحو فهمنا للحقائق الوجودية الكبرى، وتعرضنا في مقال “مصادر المعرفة” للانتقادات الموجهة إلى كل مصدر على حدة، ما يجعل أياً منها قاصراً عن الإحاطة بكل جوانب المعرفة وبلوغ اليقين في كل التفاصيل والحقائق، بينما يبقى مصدر الوحي الأكثر يقينا وإحاطة، لكونه صادرا عن الله نفسه.

وبعد مرورنا بشتى الطرق والسبل من الأديان والمذاهب والفلسفات التي نشأت وتراكمت على مدى قرون، وبعد أن تحققنا من جوانب النقص والخلل والتحريف والانحراف في كل منها، ومن عجزها عن تقديم الأجوبة أو تعمد واضعيها تضليل الناس عن بلوغ الحقيقة، نحط رحالنا الآن عند آخر المحطات لاكتشاف سبيل الحق اليقيني الذي لا يشوبه شك، ونبتدئ بالبحث في ضرورة النبوة وحاجة الإنسان إليها كمصدر وحيد لبلوغ الحقيقة في الغيبيات.

الحاجة للنبوة
سنحاول في هذه الفقرة الإجابة على سؤال: هل وجود الأنبياء ضروري؟ وللإجابة سنطرح سؤالا معاكسا: ماذا كان سيحدث لو لم يوجد الأنبياء؟

تبين لنا في مقال “مصادر المعرفة” أن افتقار الإغريق للوحي أدى إلى تخبط واضح في المسائل الميتافيزيقية، وذكرنا بعض الأمثلة على نتائج غياب الوحي، وهي أمثلة تتكرر في كل المجتمعات التي طُمست فيها آثار رسالات الأنبياء، حيث حارت عقول الفلاسفة أمام المعضلات الوجودية الكبرى، فضلا عن الاتفاق في المشكلات الأخلاقية والتشريعات القانونية، ولم يكن من سبيل إلى الحق ودرء الخلاف سوى بالرجوع إلى وحي إلهي يعلو على الجميع ويوافق عقولهم.

حتى كبار الفلاسفة مثل سقراط لم يتمكنوا من وضع فلسفة أخلاقية متكاملة اعتمادا على العقل وحده

والمشكلة هنا لا تقتصر على محدودية العقل البشري، فالإنسان أصلاً ليس كائناً عقلانياً مجرداً، فحتى لو وصل عقله إلى قناعة مجردة فقد تقوده نفسه وهواه إلى مخالفته، ولو كان من كبار الفلاسفة.

وإذا كان العقل البشري لا يكفي وحده، فقد يتساءل أحدنا: لماذا لا ينزل الوحي إلى البشر بطرق أخرى غير الأنبياء، كأن يوحي الله إلى كل شخص على حدة بما يحتاج إليه من حقائق؟ والجواب أننا ذكرنا في المقال المشار إليه أعلاه أن الحدس (الكشف) لا يصلح للاعتماد عليه كمصدر موثوق، فليس هناك أي ضمان يثبت للمرء أن ما يقع في نفسه من مكاشفات هي صادرة عن الله نفسه، ولو أن الله تركنا بالفعل بدون أنبياء وتواصل معنا عبر هذه الوسيلة لتساءلنا عما إذا كانت تلك “الرسائل” واردة من كائنات فضائية تتواصل معنا بالتخاطر أو من حقيقة كونية ما (كما يقول الباطنيون) أو حتى من الشياطين؟

والحدس الشخصي لا يُستفاد منه إلا لتثبيت الإيمان (اليقين) بعد اقتناع العقل وانكشاف الحقائق، لكنه لا يصلح أن يكون مصدرا يتفق عليه الناس لأنه خاص بكل منهم على حدة، ولا يمكن طبعا أن يُعتمد مصدرا للتشريع والقوانين، فلا يمكن لبقية الناس أن يتحققوا من زعم أحد بأنه تلقى قانوناً إلهياً بحدسه الخاص، وإن فعلنا ذلك فسنعود إذن إلى مشروعية وضرورة وجود نبي يتلقى هذا الوحي، بحيث يمكن لنا التحقق من صدقه باعتباره المرجع الشامل والوحيد للأمة كلها وحلقة الوصل بينها وبين الله.

وقد يعود السائل ليقول: فلماذا لا تكون حلقة الوصل هذه من كائنات أخرى غير البشر؟ وهذا الإشكال قد طرحته قريش على النبي محمد الذي كان واحداً منهم، حيث استبعد المنكرون أن يكون نبياً من بينهم، لا سيما وأن بعضهم أقر بأن رفضهم لنبوته كان بدافع الحسد (كما فعل أبو جهل عمرو بن هشام)، وقد ردّ عليهم القرآن نفسه بقوله {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} [الإسراء: 95]، أي أن الله يبعث على الناس رسولا من جنسهم لكي يتمكنوا من رؤيته ومخالطته والتواصل معه والتعلم من سلوكه وأفعاله وأقواله، وليضعوه أيضا موضع الاختبار والتمحيص، وإذا كان البعض يتصور أن الملائكة أحق بالحصول على هذه المرتبة فقد رأينا في سيرة النبي محمد أن مهمته تضمنت من المشقة ما لا يحتمله معظم الناس، وكأن عبء الرسالة أعظم بكثير مما فيها من التشريف، ولو أن الله منح الناس القدرة على رؤية الملاك المُرسَل (في حال إرساله بدلا من رسول بشري) فربما كان الجاحدون سيطرحون اعتراضا آخر من قبيل: وما الذي يضمن لنا أن هذا الملاك مرسل من الله أيضا وليس مجرد كائن فضائي أو شيطان متجسد… إلخ؟

إذن فلا بد للإنسانية من العودة إلى الوحي بصفته الرسالة الواردة إليها من الإله، كي تكتشف من خلالها غاية وجودها وطبيعة المهمة الموكلة إليها في هذه الحياة، ولتجد أيضا في ثناياها المنهج والطريقة (الشريعة) التي يجب عليها الاحتكام إليها للتمييز بين الصواب والخطأ، وللتعرف على وسائل مكافحة الشر وتقليص مساحته ونفوذه.

وتبدأ مهمة الإنسان في البحث عن الوحي الصحيح والتحقق من صدق نسبته إلى الله وسلامته من التبديل والتحريف، وذلك بالتحقق أولا من صدق الأشخاص الذين زعموا أنهم أنبياء مرسلون من الله، بدراسة سيرتهم ومعجزاتهم وما نُقل عنهم من أقوال وأفعال، ثم بالتحقق من صدق الوحي الذي جاؤوا به، وذلك بعرضه على العقل (المنطق) ودلائل الحس (العلم التجريبي)، ومقارنة قصصه ونبوءاته بحقائق التاريخ، وتمحيص لغته وبيانه ودعاواه وكل ما يتضمنه من حيث كونها صادرة بالفعل عن مصدر إلهي أو غير ذلك.

وسنحاول إيجاز بحثنا في هذا المقال للتحقق من صدق نبوة محمد، على اعتبار أنه قد ادعى كونه آخر الأنبياء والمرسلين في التاريخ، وأنه مُرسل إلى البشرية كلها، ثم نبحث في تراثه وما نُقل إلينا من سنته في مقال لاحق، وأخيراً نتحقق من صدق الوحي الذي جاء به في المقال الذي يليه.

“كل خيرٍ في الوجود فمنشؤه من جهة الرسول، وكل شر في العالم مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به، وسعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة، والرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاحٍ للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟”.
ابن تيمية

ذكر النبي محمد في الكتب السابقة على بعثته
تعرضنا في مقالات الوثنية واليهودية والمسيحية إلى الوحي الذي أنزله الله إلى رسل سابقين، وذكرنا في مقال “الهندوسية والبوذية” أن هناك مؤشرات عديدة على أن الأصول البعيدة للبراهمية الأولى تعود إلى مصدر سماوي، واستعرضنا أيضا بعض الأدلة التي تثبت تعرض تلك الكتب المنزَلة للتحريف، فضلا عن إخفاء أجزاء منها عمداً وضياع أجزاء أخرى. ومع ذلك؛ فما زال المتاح من تلك الكتب يتضمن بعض الإشارات التي توحي بأنها تتحدث عن النبي محمد، بينما تصرح أجزاء أخرى منها في الحديث عنه، إما باسمه الصريح أو بصفاته.

فعلى سبيل المثال، نقرأ في سفر أخنوخ (الكتاب المنسوب إلى النبي إدريس عليه السلام وهو من أوائل المرسلين إلى البشرية) وصفاً للقيامة يتضمن حديثا عن الشخص المختار أو المصطفى، فيقول “سيقوم المصطفى ويختار الصالحين والقديسين من بين الموتى، فقد جاء اليوم الذي فيه يُنقذون. سيجلس المصطفى في تلك الأيام على عرشي، وستنطلق من فمه أسرار الحكمة والموعظة التي منحها له رب الأرواح ومجده” [R.H. Charles ,The Book of Enoch, 1917, p. 69]، ويبدو أن الحديث هنا عن شخص مُختار ومميز عن كل البشرية، ينال مرتبة رفيعة يوم القيامة، وهو ما يتطابق مع الوصف الذي ذكره النبي محمد لأحداث القيامة ومقام الشفاعة الذي سيُمنح له.

وسنسرد فيما يلي أهم النصوص التي تنبأت بنبوة محمد قبل قرون من ولادته، وذلك فيما هو متاح بين أيدينا اليوم من كتب الهندوس واليهود والمسيحيين:

أولا: في الكتب الهندوسية
سنسرد فيما يلي أهم النصوص التي وردت في الكتب الهندوسية المقدسة وجاء فيها ذكر محمد وأتباعه، تصريحا أو تلميحا:

1- كتاب بهافيشيا بورانا:
النص الأول: بارف 3، خاند 1، أدهاي 3، شلوكا 21 إلى 23:
“المليخا (شعب أجنبي في بلد أجنبي) سيظهر بينهم معلم روحي مع صحابته. سيكون اسمه مهامادا (محمد). راجا (بوج) -وهو لقب يوصف به ملوك الهند- بعد أن يعطي هذا العربي ماها ديف (تعني ذو الطبيعة الملائكية) غسلا في ماء بانشجافيا فى نهر الكانج (كناية عن التطهير من الذنوب) وبعد أن يعلن دعمه له ورضاه عنه سيقول له: سأضع لك عصا الطاعة. لك أنت يا فخر البشرية يا ساكن الصحراء العربية. يا من تملك قوة عظيمة لقتل الشيطان، وأنت ستكون محفوظا من كل أعدائك”.
وفي هذا النص يظهر اسم النبي محمد صلى الله عليه و سلم بوضوح، ويحدد أيضا موقع ظهور رسالته. ومع أن النبي لم يغتسل في نهر الكانج المقدس لدى الهندوس، فالمقصود بالنص كما يبدو أنه سيكون شخصا مطهرا من الذنوب ومعصوما، وربما يكون النص قد تعرض لهذه الإضافة من قبل كاتبها كي يفهمها الهندوسي بما يوافق طقوسه.

النص الثاني: براتيساراج 3، خاند 3، أدهاي 3، شولكا 10 إلى 27، يتنبأ مهاريشى فياس بالقول:
“المليخا أفسدوا أرض العرب الشهيرة. أريا دارما (طريقة العبادة السليمة) لم تعد موجودة فى البلد. كذلك كنت من قبل قد قتلت الشرير المضلل ولكنه عاد مرة أخرى للظهور مصحوبا بأعداء أقوياء. من أجل إظهار طريق الحق لأولئك الأعداء ومنحهم الهداية، فإن محمدا المعروف جيدا سينشغل بتوجيه هؤلاء البيشاتشا إلى طريق الحق. يا أيها الملك راجا لن تحتاج للذهاب إلى أرض أولئك البيشاتشا الحمقى لأن رحمتي ستطهرك حيثما أنت. وفي الليل، سيقول ذاك الرجل الحكيم ذو الطبيعة الملائكية، وهو في هيئة البيشاتشا، مناديا راجا بوج (يقصد به هنا الرب) “أيها الراجا، طريقك القويم و دينك وُجد ليظهر على كل الأديان الأخرى. ولكن طبقا لتعاليم إيشوار بارماتما سأعزز إيمان آكلي اللحوم (لأن الهندوس لا يأكلون اللحوم). أتباعي سيكونون رجالا مختونين ولا ذيول لهم فى رؤوسهم (لأن الهندوس يطيلون شعرهم ويربطونه) ويطيلون لحاهم، وسيصنعون ثورة ويجهرون بالأذان (مكتوبة بنفس هذا النطق العربي)، ويأكلون كل الطعام المباح. وهو سيأكل كل لحوم الحيوانات باستثناء الخنزير، وأتباعه لن يسعوا وراء التطهر من خلال الشجيرات المقدسة بل في ساحات القتال (الجهاد). وبسبب قتالهم للأمم التي لا دين لها، فإنهم سيعرفون باسم المسلمين (MUSALMAANS)، وسأكون أنا (الرب) منبع دين الأمم التي تأكل اللحوم”.

النص الثالث: بارف 3 خاند 1 أدهاي 3 شلوكا 21 إلى 23:
“انتشر الفساد والشر في سبع مدن مقدسة فى كاشي… الهند أصبحت مسكونة بالراكشاس والشابور والبهيل والكثير من الأقوام الآخرين الحمقى. في أرض المليخا (الشعب الأجنبي) أتباع الماليخا دارما (أتباع الإسلام) يتصفون بالحكمة والشجاعة. كل الصفات الطيبة اجتمعت فى المسلمين (MUSALMAANS) وكل الزعامات اجتمعت على أرض الأرياس (الجزيرة العربية). الإسلام سوف يحكم في الهند وجزرها”.

2- كتاب أتهَرفافيدا:
الكتاب 20، الإنشاد 127، الآيات 1 إلى 13:

مانترا 1:
“إنه ناراشاناش أو طيب الذكر (المحمود). إنه كوراما: المهاجر أو أمير السلام، الآمن حتى وهو فى وسط 60090 عدواً”.
وقد قدّر الشيخ المباركفوري عدد أعداء النبي من قبائل العرب قبل فتح مكة بنحو 60 ألفا، بينما يعتقد الدكتور ذاكر نايك أن هذا العدد هو عدد أتباع قريش في مكة، لكن الصحيح هو الرأي الأول، والله أعلم.

مانترا 2:
“إنه ريشي قائد الجمل، الذي تمس عربته السماء”.
ومصطلح الريشي يعني رجل الدين المقدس. ومع أن تعاليمهم تحرّم على الريشي ركوب الجمل إلا أن النص تنبأ بقدوم هذا الرجل المقدس الذي يركب جملا، والنص يوضح جلال هذا الرجل الذي يعيش حياة بسيطة على الأرض ويصل مع ذلك إلى عالم الملكوت عندما يُعرج به إلى السماء.

مانترا 3:
“إنه الريشي ماماه (أي محمد) الذي يعطى مئة عملة ذهبية…”

الكتاب 20، الإنشاد 21، الآية 6:
“يا مولى كل من آمن بالحق, هؤلاء الفاتحون يتغذون بالشجاعة وبالأناشيد التي ترضيك فى ساحة المعركة. حينما تدفع  العشرة آلاف عدو للحامد (أو الأحمد) المحبوب مهزومين بدون قتال”.
وهذه كما يبدو إشارة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه في معركة الأحزاب.

وفي نفس الكتاب والإنشاد، الآية 9:
“لقد استطعت يا إندرا (إله الحرب) أن تهزم عشرين ملكا وستين ألفا وتسعة وتسعين رجلا مسلحين بعربات ذات عجلات قل نظيرها، الذين جاؤوا لقتال طيب الذكر (المحمود) أو ذائع الصيت اليتيم”.
يقول ذاكر نايك إن المقصود هو عدد سكان مكة قبل الفتح البالغ 60 ألفا، وزعماء مكة البالغ أيضا عشرين زعيما.

3- كتاب سامافيدا:
الكتاب الثاني، الإنشاد 6، الآية 8:
“أحمد أخذ من ربه القانون الأبدي. لقد حصلتُ منه على النور كأنه الشمس”.
يقول نايك إن النص جاء باسم أحمد صريحا، وإن العديد من المترجمين أساؤوا فهم الكمة وترجموها بالخطأ، ويضيف أن المقصود بالقانون الموحى به من الله هو الشريعة الإسلامية.

ثانيا: في الكتب اليهودية
سنستعرض طائفة من البشارات المتعلقة ببعثة النبي محمد في كتاب العهد القديم، والذي يتضمن المزامير التي يعتقد أنها الزبور الذي أنزل على النبي داوود، وسفر نشيد الأناشيد المنسوب للنبي سليمان، وما بقي من التوراة التي أنزلت على النبي موسى، والصحف الأخرى التي أنزلت على أنبياء بني إسرائيل بعد موسى، ومن أهمها نذكر ما يلي:

سفر إشعيا

1- جاء في سفر إشعيا (29: 12): “ثم يناول الكتاب لمن لا يعرف الكتاب ويُقال له اقرأ هذا فيقول لا أعرف الكتابة” ولعل مجرد قراءة هذه الكلمات تستدعي إلى ذهن القارئ مباشرة قصة بدء الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال له جبريل “اقرأ” فقال “ما أنا بقارئ”، ولكن لا بدَّ من توضيح أن هذه الترجمة العربية الكاثوليكية لهذا النص- مع وضوح دلالتها-  قد حرَّفت فيه ما بينته الترجمات الإنجليزية والفرنسية والتي جاء النص فيها كما يلي (حسب The New International Version): “or if you give the scroll to someone who cannot read, and say: read this, please) he will answer: I don’t know how to read”.

ونلاحظ الاختلاف البسيط في ترجمتها : “أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف القراءة، مع الرجاء: اقرأ هذا، فيجيب: لا أعرف القراءة”، لكنه على بساطته يكشف تحريفاً متعمداً للنص لإبعاده عن الشخص الذي يشير إليه وهو محمد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم الذي كانت أهم صفاته أنه أميّ لا يعرف القراءة.

2- جاء في سفر التثنية (32 :21) أن الرب قال في بني إسرائيل غاضباً: “هم أغاروني بمن ليس إلهاً وأغضبوني بأباطيلهم وأنا أغيرهم بمن ليسوا شعباً بقومٍ أغبياء أغضبهم”. (ترجمة المطبعة الكاثوليكية ببيروت). وفي الترجمة العربية المشتركة جاء: “… وأنا أثيرهم بشعبٍ لا شعبٌ هو وأكدِّرهم بقوم جهلاء”. والشعب “الغبي” أو “الجاهل” الذي يخبر الرب أنه سيحل محل بني إسرائيل بعد انحرافهم هو “الأميون” من العرب الذين اشتهروا بهذا الوصف وذكرهم القرآن الكريم به.

3- ورد في سفر التثنية (18: 18) أن الرب قال لموسى: “سأقيم لهم نبياً من بين إخوتهم مثلكَ وألقي كلامي في فمه فينقل إليهم جميع ما أكلمه به وكلُّ من لا يسمع كلامي الذي يتكلم به باسمي أحاسبه عليه”، ويدل هذا على أن النبي المقصود في البشارة من غير بني إسرائيل لقوله: “من بين إخوتهم” فالخطاب لبني إسرائيل ولا يكونون إخوة لأنفسهم، أما إخوتهم فهم أبناء أخي أبيهم إسماعيل أخي إسحاق، وهم العرب. ولو كان المراد به نبياً من بني اسرائيل مثل (صمويل) كما يؤوله اليهود لقال: من بينكم أو من وسطكم.

وقد نبه السموأل بن يحيى -الذي كان من أحبار اليهود في الأندلس واعتنق الإسلام- في كتابه “غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود” أن هذا النصَّ كان يتضمن وصفاً للنبي المبشر به وهو أنه “أمّيٌّ” قبل أن يحذفها اليهود وأنها كانت السبب في إسلامه.

4- في سفر التثنية (33 :2): “جاء نور الرب من سيناء وأشرق لهم من ساعير وتلألأ من جبال فاران وجاء معه عشرة آلاف قديس”. وقد حاول الأحبار إبهام دلالة فاران وقالوا إنها لا تقع في بلاد العرب بل قريبة من سيناء وساعير، لكن مكة عُرفت بهذا الاسم بضعة قرون سالفة، كما أن إسماعيل -وفقاً لهم- سكن برية فاران وتزوج من امرأة مصرية، ومن ولده قادار انحدر أحفاده العرب الذين سكنوا قفار فاران (التكوين 25: 13- 15)، وكان منهم محمد الذي دخل مكة مع عشرة آلاف قديس (وهو عدد الصحابة عند فتح مكة) كما جاء في التثنية (33: 2). وتذكر موسوعة الكتاب المقدس أن اسم (قيدار) مرادف للبلاد العربية وعرّف بعضهم بني قيدار بأنهم قريش.

5- في سفر إشعياء (21: 13- 17): “نبوءة بشأن العرب: بيتوا في غاب العرب يا قبائل الدّدانيين، وافوا بالماء للقاء العطشان يا سكان أرض تيماء استقبلوا الهاربين بالخبز لأنهم قد فروا من السيف المسلول.. لأنه هكذا قال لي الرب بعد سنة كسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار وتكون بقية الرماة الأبطال من أبناء قيدار قِلَّة لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم”.

وذكر معجم العهد القديم أن قيدار -كما سبق- هو ابن إسماعيل وأبناؤه العرب من قريش خاصة وأن أحبار اليهود ينادون كل العرب في كل مكان بهذا الاسم، أما الدّدانيون فهم قبيلة عربية مرتبطة بأدوم وتيماء وتقيم شرق البحر الميت، وتيماء: اسم عبري بمعنى “الجنوبي” وهي قبيلة إسماعيلية تسلسلت من تيما وكانت تقطن بلاد العرب وتسمى الجهة التي تسكنها تيماء أيضاً، وهي في بلاد العرب في منتصف الطريق بين دمشق ومكة (حسب قاموس الكتاب المقدس ضمن المجموعة الإلكترونية “البشارة”)، وذكر قاموس الكتاب المقدس أن تيماء واحة شمال المدينة. وهي المدينة التي دعا الرب أهلها لاستقبال “الهارب” بدعوته من بطش بني قيدار في مكة، وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرون، وهو الذي عاد بعد عام من هجرته كما نصت البشارة ليهزم أبناء قيدار “قريش” في موقعة بدر.

6- يقول سفر حجَّاي (2: 7،8) مبشراً المستضعفين والمحزونين: “فإنه هكذا قال رب الجنود.. وأزلزل جميع الأمم ويأتي مُتمنَّى جميع الأمم فأملأ هذا البيت مجداً.. وسيكون مجد هذا البيت الأخير أعظم من الأول قال رب الجنود وفي هذا الموضع أعطي السلام يقول رب الجنود”. وقد اضطربت تراجم الكتاب المقدس في عبارة: “ويأتي مُتمنَّى (أو مُشتهى) جميع الأمم”، حيث أكد القس الكلداني الذي اعتنق الإسلام عبد الأحد داود في كتابه “محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب المقدس، ص 36” أن هذه النبوءة تتحدث عن مقدم نبي الإسلام “أحمد”، فقد ذكر النص العبري كلمة مُتمنَّى أو مشتهى بلفظ “حِمده”: “في يا فو حِمده كول هاجوييم) ما يعني حرفياً: “وسوف يأتي حِمده لكل الأمم”، وهي كلمة عبرية قديمة تعني “الأمنية الكبيرة” أو “المشتهى”، أما في العربية  فمن جذر (ح م د) التي تعني الإطراء والمديح، والشخص الذي يتاق إليه ويُرغب فيه هو أولى الناس بالمديح، وأكد عبد الأحد داود أن كلمة أحمدهي الصيغة العربية لكلمة حِمده. أما أصل كلمة شالوم بالعبرية و”سلام” و”إسلام” بالعربية فهما مشتقتان من أصل واحد، ورأى المؤلف أن تفسير النبوءة بمعنى الأمنية والسلام يجردها من أي معنى، بينما هي في الحقيقة بشارة صريحة باسم نبي الإسلام.

7- في سفر المزامير (84: 6- 8) : “هنيئاً للذين عزتهم بك وبقلوبهم يتوجهون إليك يعبرون في وادي الجفاف فيجعلونه عيون ماء بل بركاً يغمرها المطر، ينطلقون من جبل إلى جبل”، وفي ترجمة المطبعة الكاثوليكية تأتي العبارة: “يجتازون في وادي البكاء”، أما في النص العبري ومعظم تراجم الكتاب المقدس بالإنكليزية والفرنسية نجد أن الوادي يحمل اسم (Bacah) حيث يبدأ بحرف كبير مما يدل على أنه اسم علم، وبكة هو أحد أسماء مكة المكرمة كما جاء في القرآن الكريم: {إنَّ أوَّل بيتٍ وُضِعَ للناس للذي بِبَكَّة مباركاً وهُدىً للعالمين} [آل عمران: 96].

8- أكثر البشارات وضوحاً هي التي وردت في سفر نشيد الأناشيد المنسوب للنبي سليمان (5: 16) حيث يرد فيه تغزلٌّ بشخص ما: “حلقه من الحلويات وكلُّه مشتهيات، هذا ودودي وهذا صاحبي يا بنات أورشليم”. فعبارة (كله مشتهيات) هي ترجمة محرفة لما ورد في النص العبري والذي ما زال محفوظاً كما هو على الشكل التالي: “حِكو ممتكيم فِكلّو محمديم زيه دودي فزيه ريعي”. ولاحقة “يم” العبرية تستخدم للتفخيم، ويبدو أن هناك من تعمد تحريف الترجمة مع أنها تشير إلى اسم علمٍ مع أنه لا يجوز ترجمة أسماء الأعلام.

ثالثا: في الكتب المسيحية
مع أن العهد الجديد من الكتاب المقدس -الذي توجد منه حالياً أربع نسخ مختلفة- لا يمثل الإنجيل الحقيقي الذي أنزل على النبي عيسى عليه السلام حسب المعتقد الإسلامي، بسبب ما تعرض له من تحريف وتبديل وضياع [انظر مقال المسيحية]، إلا أن المتداوَل منه اليوم يتضمن بعض الإشارات إلى نبوة محمد، وفيما يلي مثالان لهذه الإشارات:

1- يقول القرآن الكريم {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ، فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الصف: 6].

وفي سفر يوحنا [14/16] يقول المسيح: “ولسوف أطلب من الأب وسوف يعطيكم معزياً (برقليطوس) آخر يبقى معكم إلى الأبد”، بينما يؤكد البروفسور عبد الأحد داود أن هذا النصٌ تعرض للتشويه، فكلمة “برقليطوس” لا تعني “المعزي”، حيث حرصت الكنيسة على تفسيرها بالروح القدس (الأقنوم الثالث للإله) الذي جاء ليعزي المؤمنين بصلب المسيح ويكون واسطة بينهم وبين الأب، بل تعني الأمجد والمستحق للمديح، وهي مطابقة تماماً لمعنى اسم “أحمد” في اللغة العربية، وبهذا يصبح المقصود بها النبي محمد الذي بشّر المسيح عيسى، وبشكل موافق لنص الآية القرآنية.

2- يذكر العهد الجديد قصة رعاة يرعون أغنامهم قرب بيت لحم في الليلة التي ولد فيها المسيح، إذ ظهر لهم ملاك ليعلن مولد “السيد المخلِّص” ثم ظهر حشدٌ من الملائكة ينشدون: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة” [لوقا 2/14]، وما زالت هذه الترنيمة ترتل في الكنائس حتى اليوم، بينما يشكك باحثون في ترجمتها إلى اللغة اليونانية التي كُتب بها هذا الإنجيل، إذ يُفترض أن تكون الملائكة قد رتلت أنشودتها بلغة الرعاة وهي العبرية أو الآرامية وليس اليونانية.

ويقول عبد الأحد داود إن الأصل الآرامي للنص كان يتضمن ثلاث كلمات مهمة حوّرت الترجمة معناها إلى معنى آخر، فاسم الله تُرجم إلى “Theos” باليونانية، وكلمة شلاما (السلام) ترجمت إلى “Eiriny”، وكلمة المسرَّة SobhraTabha تُرجمت إلى “Eudokia”، حيث تتوافق هذه المعاني مع العقيدة المسيحية المعتمدة بعد بولس.

ويضيف داود أن كلمة Eiriny اليونانية مرادفة لكلمتي “شالوم” في العبرية، و”شلاما” في الآرامية، لكنها تعني أيضا “إسلام” في العربية. أما كلمة Eudokia فهي مركبة من مقطعين: “Eu” تعني الأكثر والأحسن، و”dokia” تعني المجد والشرف أو اللطيف المحبوب، وتتفق هذه الكلمة في معناها الصحيح والحرفي مع الكلمات العبرية “مَحْمَد، مَحَمُد، حِمْدَه، حِمِدْ” التي استخدمت بصورة متكررة في العهد القديم [إرميا 1/7،10- 2/4]. وبهذا يمكن أن تتحول الترنيمة إلى “المجد والحمد لله في الأعالي، أوشك أن يجيء الإسلام للأرض، يقدمه للناس أحمد”.

الكعبة في عام 1910م

مقدمات بعثة النبي محمد
قال أبو محمد بن قتيبة “ومن أعلام (علامات) نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم أنه لم يسم أحد باسمه قبله صيانةً من الله تعالى لهذا الاسم، كما فعل بيحيى بن زكريا إذ لم يجعل له من قبل سمياً، وذلك أنه سماه في الكتب المتقدمة وبشّرت به الأنبياء، فلو جعل الاسم مشتركا فيه ساغت الدعاوى ووقعت الشبهة، إلا أنه لما قرُب زمانه وبشّر أهل الكتاب بقُربه حضر أربعة أنفس عند راهب وأخبرهم باسمه وقرب زمنه فسموا أولادهم بذلك”.

وذكر عدة مؤرخين أولئك الأشخاص الذين أطلقوا اسم محمد على أطفالهم قبل بعثة محمد الحقيقي بسنوات قليلة، والبعض ذكر أنهم ستة، وكانوا قد التقوا براهب نصراني في أحد أديرة الشام أثناء رحلة لهم للقاء ملك الغساسنة “ابن جفنة”، فقال لهم الراهب عندما عرف أنهم من قبيلة مُضر العربية “إنه يُبعث فيكم وشيكاً نبي خاتم النبيين، فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا”، فقالوا: ما اسمه؟ فقال: اسمه محمد، فلما وُلد لكل منهم ولد سمى ابنه محمداً أملاً بأن يكون هو النبي [ذكره ابن حجر والبغوي وابن سعد وابن شاهين وابن ظفر المكي].

والظاهر أنه لم يدّع أي من الذين حملوا اسم محمد النبوة، والعجيب أن عائلة محمد الحقيقي لم تكن قد سمعت بهذه القصة من أي راهب وأنها أطلقت على مولودها هذا الاسم الجديد -الذي لم تعرفه العرب من قبل- بالصدفة. ففي روايات نقلت من طرق عدة عن عبد المطلب، جدّ النبي محمد لوالده، فإنه رأى في منامه أن سلسلة فضة خرجت من ظهره وامتدت إلى ما بين السماء والأرض، وما بين المشرق والمغرب، ففسرت له كاهنة قريش الرؤيا بأنه سيولد له مولود يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض، فلما ولدت آمنة (زوجة ابنه عبد الله) قال لها سميه محمداً [ذكره أبو نعيم والصالحي والخفاجي والسيوطي]، كما ذكر مؤرخون آخرون أن آمنة أُمرت أثناء حملها (في المنام) بأن تسمي مولودها محمداً [ابن حبان والطبري وابن سعد وغيرهم].

اختار الله أن يبعث خاتم أنبيائه في أرض العرب التي لم تعرف الحضارة، وتحديدا في مكة التي بُني فيها البيت الحرام على يد آدم أبي البشر، والذي جدده إبراهيم عليه السلام بعد أن ضاعت معالمه، وكأن الحكمة من خروجه في هذا المكان أن يجمع بين النشأة في بيئة لا تعرف القراءة والكتابة ولم تقرأ شيئا من الكتب المنزلة على بني إسرائيل وغيرهم، وبين الانطلاق بدعوته من مركز التوحيد وقبلة المؤمنين على مر العصور.

وُلد محمد يتيمًا على الأرجح، حيث توفي والده عبد الله قبل ولادته، كما توفيت والدته آمنة وهو في سن السادسة، ثم كفله جده عبد المطلب (سيد قريش) سنتين قبل أن يرحل أيضا عن الدنيا، لينشأ في كنف عمه أبي طالب، وكأن قدَر النبي أن ينشأ يتيما ليكون أكثر استقلالية منذ الصغر، واللافت أن عمه الذي ظل حياً إلى ما بعد بعثة محمد لم يؤمن به، وهذا يعني أن كل الذين نشأ محمد في كنفهم لم يكن لهم دور في رسالته.

عاش محمد طفولة طبيعية في مكة، وبدأها بمرحلة الرضاعة في مضارب البدو كما هي عادة العرب آنذاك، فحملته حليمة السعدية إلى دارها في مضارب بني سعد لتبدأ أمارات تميز هذا الطفل بحلول البركة في دارها ورزقها، ثم وقعت معجزة شق صدره عندما أخذه الملَك جبريل وهو يلعب مع بقية الأطفال، فشقّ صدره وأخرج قلبه وغسله مادياً في وعاء من ذهب ثم أعاده إلى مكانه، وقد رويت هذه القصة ببعض الاختلافات في التفاصيل في صحيح مسلم وغيره، وأخرج أحمد والدارمي أن حليمة أعادته إلى أمه فوراً بعد هذه الحادثة فلم تُفاجأ بما حدث له، وقالت أمه آمنة “إن رأيت (في المنام أثناء حملها به) خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام”، وليس في هذا المعجزة ما يناقض العقل ولا المنطق السليم.

رعى محمد الغنم لكسب رزقه، وقال لأصحابه بعد أن صار نبياً “ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم”، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال “نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة” [البخاري: 2262]، ولدى الجمع مع روايات أخرى يتبين أنه كان يرعى الغنم أيضا أثناء إقامته صغيراً عند مرضعته حليمة، ويقول أبو الوفاء ابن عقيل “لما كان الرعي يحتاج إلى سعة خلق وانشراع صدر، وكان الأنبياء مُعدّين لإصلاح الأمم، حَسُن هذا في حقهم”.

وفي سن الشباب بدأ يعمل بالتجارة، ففي سن الخامسة والعشرين خرج بقافلة تجارية لصالح خديجة بنت خويلد، وهي إحدى سيدات قريش، وعندما عاد من رحلته إلى بُصرى (في جنوب سورية حالياً)، أو من سوق في تهامة (غرب السعودية) حسب رواية أخرى، أُعجبت بما ذكره لها غلامها ميسرة من أخلاقه، فتزوجا وهي تكبره بنحو خمسة عشرة سنة.

مدخل غار حراء

يقول ابن خلدون في كتابه “المقدمة” إن من علامات نبوة محمد أنه كان قبل الوحي معروفا في قومه بخلق الخير والزكاة ومجانبة المذمومات والرجس، وكأنه مفطور على التنزه عن المذمومات، فقد دعي وهو شاب صغير إلى وليمة عرس فيها رقص ولهو، فغلبه النوم أثناء الحفل حتى طلعت الشمس ولم يحضر شيئا من اللعب، وكأن الله كان ينزّهه عن كل المنكرات حتى لو حدثت بالصدفة ودون قصد منه.

وفي سن الأربعين اكتمل نضجه، وبدأت أمارات النبوة بالظهور، فتقول عائشة “كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبب إليه الخلاء (أي الخلوة واعتزال الناس) فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، وهو التعبد الليالي أولات العدد” [صحيح مسلم: 160].

ووقعت الحادثة المعروفة في الغار باللقاء الأول بين محمد وجبريل، وبدأت بذلك بعثته ونبوته. ومع أنه كان قد واجه العديد من المواقف والعجائب التي أكدت له مسبقاً أنه سيكون نبياً، إلا أن الصدمة كانت بالغة الأثر على نفسه في بدايتها، حتى عاد إلى زوجته خائفاً مرتجفاً وهو يقول زملوني (غطوني)، وعندما هدأت نفسه قال لها “لقد خشيت على نفسي”، لكن خديجة أيقنت على الفور أنه سيكون بخير، مستدلة على ذلك بأخلاقه الحميدة بالرغم من عدم وجود دين ولا شرع في القوم آنذاك، فقالت له “أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، والله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكَلّ (أي تعين الضعيف) وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق” [صحيح مسلم: 160].

ويستنتج ابن خلدون من إسلام أوائل الصحابة أن نبوة محمد لم تكن تحتاج إلى “دليل خارج عن حاله وخلقه”، ومنهم أبو بكر الذي يروى عن النبي أنه قال فيه “ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد، إلا أبا بكر ما تردّد فيه”.

يقول ابن تيمية في كتابه “شرح العقيدة الأصفهانية” إن أي شخصين ادَّعيا أمرًا من الأمور، أحدهما صادق في دعواه والآخر كاذب، فلابد أن يبين صدق هذا وكذب هذا من وجوه كثيرة، إذ الصدق مستلزم للبر، والكذب مستلزم للفجور، ويقول أيضا إن مُدعي النبوة إما أن يكون أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يُلبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين.

وعندما أرسل النبي إلى الملك البيزنطي هرقل رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، كان وفد من قريش في الوقت نفسه يقوم بزيارة لبلاده، فاستدعاهم الملك وسأل قائدهم أبا سفيان عدة أسئلة عن محمد، ومنها: بمَ يأمركم؟ فقال أبو سفيان: بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف، فأجابه هرقل: إن يكن ما تقول حقاً فهو نبي، وسيملك ما تحت قدميّ هاتين”. وقد صدقت نبوءة الملك فعلا عندما فتح المسلمون في خلافة عمر بلاد الروم البيزنطيين.

الفرق بين النبي والسحرة
كان الوليد بن المغيرة من قادة قريش في مكة، وكان ممن تصدوا لدعوة النبي عندما جهر بها، وعندما اقترب موسم الحج ووصول وفود العرب إلى مكة اجتمع الوليد بوجهاء المدينة وطلب منهم أن يتفقوا على رأي واحد بشأن محمد، تحسبا للسؤال الذي قد يُطرح عليهم من الوفود القادمة عندما تعلم بنبأ خروج نبي من بينهم، وبدأ الحاضرون بطرح الاقتراحات.

فقالوا نقول كاهن، قال الوليد: والله ما هو بكاهن، ما هو بزمزمته، ولا سجعه. قالوا: مجنون، قال: ما هو بمجنون، ولا بخنقه، ولا وسوسته (أي لا تأتيه نوبات صرع). قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده (لأن الساحر يعقد عقدا في الحبل وينفخ فيه بعد تلاوة الطلاسم). قالوا: فما نقول؟ قال: ما أنتم بقائلين من هذا شيئا، إلا وأنا أعرف أنه باطل، وإن أقرب القول أنه ساحر، فإنه سحر يفرق بين المرء وابنه، والمرء وأخيه، والمرء وزوجه، والمرء وعشيرته.

وفي النص دلالة واضحة على الفارق الكبير بين النبي والساحر في سلوكه وطرحه، إلا أنهم وجدوا هذا التشبيه أقرب اتهام ممكن إليه من حيث كونه قادرا على التأثير في الناس، مع أن تأثيره لم يكن إلا بإقناعهم بصدقه ودون استخدام أي قوى خفية.

ولو قارنا بين سلوك النبي (الذي وصفه الصحابة بأدق التفاصيل) وسلوك السحرة والكهنة والشامانات فلن نجد أي تقاطع، فعلى سبيل المثال يدعي الشامانات اتصالهم بالآلهة أو أرواح الموتى عندما يطلبونها لتلقي الإلهام منها بأمور غيبية، مثل الأحداث المستقبلية التي يزعمونها أو كشف مكان بعض الأشياء المخفية، ويمارسون لذلك طقوسا معروفة لدى كل الشعوب، وهي الطقوس التي يتم فيها استحضار الشياطين ليس إلا، أما النبي فلم يكن يفعل شيئا من ذلك، ولم يستحضر الوحي بنفسه يوماً، بل كان ينتظر أحياناً أياماً أو شهوراً حتى يأتيه الجواب على مسألة ما، وقد يتسبب له ذلك بالحرج، كما في قصة الإفك عندما طعن البعض في عِرض زوجته عائشة وهو ينتظر تبرئتها من الوحي، ولو كان دجالا لافتعل بنفسه نزول الوحي وزعم أن زوجته بريئة على الفور وقطع لسان أعدائه.

والشامان يتحدث بصيغة الناطق باسم الإله أو الروح أو الحقيقة المطلقة، فيزعم أنه اتحد به واستمد منه القداسة مباشرة، أما النبي فمع أن القرآن أكد أنه لا يأتي بالخبر الكاذب: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3-4]؛ إلا أن القرآن أوضح للناس أيضا أن النبي لا ينطق بالحق إلا من الله، وأنه إذا لم يستعن بالله فقد ينسى كما ينسى البشر -دون وقوع في الخطأ الفادح بالوقت نفسه- فيقول {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا} [الكهف: 23-24].

ومن المعروف أن النبي لم ينطق يوما بطلاسم أو تعويذات سحرية بأي لغة كانت، وعندما كان يرقي المرضى فلم يكن ينطق بشيء سوى القرآن والدعاء الواضح الصريح، بل كان يتعوذ بالله من السحر والشياطين صباح ومساء كل يوم.

الفرق بين النبي والفلاسفة
يقول الفيلسوف يعقوب الكِندي إن الذين اصطفاهم الله للنبوة لا يشبه العلم الذي يتلقونه بالوحي العلوم الأخرى (الكسبية) التي يكتسبها الإنسان بالتعلم، فعلم الوحي يأتي “بلا طلب ولا تكلف ولا بحث ولا بجبلةٍ بالرياضيات والمنطق ولا بزمان”، فمن يتدبر أجوبة الرسل على الأسئلة التي كان يطرحها عليهم المشككون بشأن الأمور الخفية فسيجد فيها أجوبة تختلف عما كان سيقدمه الفلاسفة في تلك العصور، وذلك من حيث الوجازة والبيان وقرب السبيل والإحاطة بالمطلوب.

ويضرب الكِندي على ذلك بأمثلة، ومنها أن المشركين سألوا محمدا {من يحيي العظام وهي رميم؟}، فجاءه الجواب من الوحي: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (81) إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82)} [يس: 79-82]. ويحلل الكندي هذا الجواب بلاغيا وفلسفيا من وجه عدة، ومنها أنه إذا كانت العظام قد وجدت بالفعل بعد أن لم تكن، فإنه من الممكن -إذا بطلت وصارت رميماً- أن توجد من جديد، فجمع المتفرق أسهل من صنعه من العدم، والسائل المنكر لقدرة الله على البعث مقر بخلقه من عدم.

ويضيف أن كون الشيء من نقيضه موجود، كإخراج النار من الشجر الغض، ثم يستشهد النبي في جوابه الموحى به بخلق الله للكون، ما يدل بالبداهة على قدرته على البعث، إلى آخر ما قاله من دلائل فلسفية يختتمها بقوله “فأي بشر يقدر بفلسفة البشر أن يجمع في قول بقدر حروف هذه الآيات ما جمع الله جل وتعالى إلى رسوله فيها من إيضاح”، ليستنتج من هذا النمط من العلم أن مصدره ليس حسا ولا عقلا بل وحيا مفارقا من الله. [رسائل الكندي الفلسفية، 1/372]. وسنبحث في مقال “الوحي القرآني” المزيد من الأدلة على صحة الوحي القرآني ونسبته إلى الخالق مباشرة.

ومن أوضح الاختلافات بين النبي محمد والفلاسفة، أنه ظل أمياً حتى آخر حياته، ولم يعرف عنه خصومه من قريش أنه تعلم القراءة والكتابة فضلا عن تلقي العلم على أي معلم، بل كان قبل البعثة (التي فاجأته وهو في سن الأربعين) مشغولا بتربية أولاده والعمل في التجارة ورعي الغنم، حتى ذكر الوحي في مرحلة لاحقة أن النبي لم يكن قد خطر بباله أصلاً أنه سيصبح نبياً فقال: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك} [القصص: 86]، ومع ذلك فقد تمكن بعد بعثته من وضع تشريع متكامل قائم بذاته، ومازال جهابذة الفقهاء حتى اليوم يقضون أعمارهم في تعلم الشريعة التي أتى بها واستنباط قواعدها وأصولها والاجتهاد في ضوئها، بينما لم يبذل النبي أي جهد في “وضع” تلك الشريعة التي أوحيت إليه، بل كان مشغولا بالدعوة والجهاد وتأسيس الأمة، وكان وقت فراغه ينصرف إلى العبادة وليس إلى طلب العلم والقراءة، فعِلمه كان يأتيه دون طلب.

وقد تم الاعتراف بالشريعة التي جاء بها النبي كمصدر عالمي للتشريع والقانون في عدة مؤتمرات دولية في القرن العشرين، وكان أولها مؤتمر القانون المقارن الدولي في لاهاي الهولندية عام 1932، حيث أقرت تلك المؤتمرات بأن الشريعة الإسلامية أصيلة وليست مستمدة من القانون الروماني كما حاول بعض المستشرقين أن يثبتوا.

عبد البهاء

ووُضعت عشرات الكتب في كشف معجزات العدالة والإتقان في التشريع المحمدي، وهو أمر لا يتسع هذا المقال للاستشهاد به، إلا أننا نكتفي بالتوقف عند التناسق بين كافة جوانب هذا التشريع، وهو من أدل البراهين على إعجازه وصدوره عن مصدر غير بشري، فكل الشرائع الوضعية التي عرفتها البشرية تطلب وضعها جهودا جماعية متأنية، ثم نضجت عبر تراكمات لأجيال متعاقبة، أما النبي فكان يفتي أحيانا عند وقوع الواقعة، وقد يصمت عندما يُسأل عن أمر لم يأته فيه الوحي فينزل عليه في لحظتها أو بعد برهة قصيرة، فيستدعي صاحب السؤال ويخبره بما جاءه من تشريع، وقد يُنسخ حكم بحكم آخر لتطور الأحداث ونضج المجتمع حديث التشكل، إلا أننا لا نجد أي وجه من وجوه التعارض والتناقض بين كافة الأحكام على ضخامتها، ولا نجد فيها أيضا ما يتعارض مع مقومات العدالة، وهو تحدٍّ لم ينجح فيه كل من ادعى النبوة [انظر مقال شريعة الإسلام].

فعلى سبيل المثال، ينص كتاب “الأقدس” الذي يقدسه البهائيون على أنه “إذا كان المتوفّى أباً وله دار كان يسكنها، يختصّ الابن الأرشد بهذا المسكن”، فالأفضلية للابن الذكر والأكبر سناً فقط، ويزعم مؤسس هذه الديانة عبد البهاء أن هذا التفضيل منصوص عليه في الكتب السماوية السابقة، فيقول “كانت للابن البكر في جميع الشرائع الإلهية امتيازات فوق العادة، حتى النبوة كانت ميراثا له”، وهو ادعاء غير صحيح.

يقول الفيلسوف والحقوقي الفرنسي مونتسكيو “إنه ليس هناك مقنِّن (واضع للقوانين) إلا وله رأي خاص في القانون، فكل مقنن لديه عواطف وأفكار خاصة، وهو يسعى عند وضع القانون إلى أن يجعل مكاناً لنظرياته”، ويستنتج من ذلك حصول التغير الدائم في القوانين الوضعية، فلا يكاد رئيس أو ملك يصل إلى السلطة إلا ويجري تعديلات دستورية وقانونية تتواءم مع رؤيته ورؤية حكومته، ولا يمكن للمقنن البشري أن يحقق العدالة المطلقة إلا بمدد معرفي مفارق للحاجات البشرية ومؤثرات البيئة، وهو ما لا يتوفر إلا للأنبياء الذين يستمدون الشرائع من الوحي.

الفرق بين النبي وأساتذة الجمعيات السرية
أوضحنا في مقال “الجمعيات السرية” أن الكثير منها نشأ داخل الأديان الكبرى لأسباب عدة، وأن نظامها يقوم أساساً على التدرج والترقي في مراتب سرية، وصولا إلى درجة الأستاذية التي يحتلها شخص خفي لا يعرفه إلا أصحاب الدرجة التي تحته مباشرة فقط، كما تحفل عقائد وشعائر هذه الجمعيات بالرمزية التي تحتمل التأويلات المختلفة بكل تفاصيلها، وإلى درجة يمكن فيها أن يجتمع النقيضان في أمر واحد، كأن يشيع مثلا أن جمعية ما تعبد الإله بينما هي تعبد الشيطان نفسه في الحقيقة، ولا يعرف ذلك إلا من يترقى إلى الدرجات العليا فقط.

لقطة من مشهد تمثيلي جاء في الفيلم الوثائقي “سري للغاية-الماسونية” وهي توضح إقرار العضو الجديد في الماسونية بأنه سيعرض نفسه في القتل إذا أفشى أسرار جماعته

وذكرنا أيضا أن أنظمة هذه الجمعيات تشترط على أعضائها الولاء المطلق والطاعة العمياء وكتمان الأسرار التي لا تُكشف إلا بعد تمحيص واختبار شديدين، مع التهديد بالقتل في حال كشف أي سر، ما يعطي “الأستاذ الأعظم” سلطة هائلة على عقول ونفوس وأجساد كل من يوافق على الانضمام إلى جماعته.

في المقابل، لم يقدم النبي محمد نفسه على أنه صاحب رسالة سرية أو تعاليم خفية، ومع أنه اضطر إلى تقليص نطاق دعوته بين المقربين منه في السنوات الثلاثة الأولى من الدعوة فهذا لا يعني أنها كانت خفية، بل أمره الوحي بإعلان نبوته منذ اليوم الأول، فجمع قريشًا عند جبل الصفا وأخبرهم بأنه رسول الله إليهم، إلا أنه لم يوسع الدعوة بعد ذلك حتى لا يتضرر أتباعه القلائل من بطش الرافضين لدعوته وطغيانهم، وكان النبي طوال تلك الفترة يجاهر بدينه وعقيدته دون إظهار التحدي، ويتلقى بالمقابل الكثير من الأذى والاضطهاد، كما كان يفعل ذلك الأقوياء من صحابته الأوائل مثل عمه حمزة وعمر بن الخطاب.

وطوال مدة النبوة التي امتدت ثلاثة وعشرين عاما، لم ينشئ النبي أي كيان سري، ولم يُخفِ عن الناس أي شعائر أو عقائد، بل نصّ القرآن على أن الدين مكشوف وعلني وواضح ومكتمل، فقال في حجة الوداع وقبل وفاة النبي ببضعة أشهر {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام} [المائدة: 3]، وفي حديث صحيح رواه مسروق عن عائشة أنها قالت “من حدثك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته” [رواه البخاري].

وبما أن النبي كان سيد قومه ومؤسسا لدولة ناشئة ويحيط بها الأعداء المتربصون، فقد اضطر من حيث موقعه السياسي إلى إطلاع بعض صحابته الذين يشكلون “الكيان الأمني” للدولة على بعض الأسرار التي لا تتعلق بالدين نفسه، فأخرج البخاري عن أبي الدرداء أنه قال لعلقمة: “أو ليس فيكم صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلمه أحد غيره؟”، وجاء في روايات أخرى أن صاحب السر هو حذيفة بن اليمان، وهو يشبه ما يسمى اليوم بأمين السر (السكرتير)، وقد أوضح الحافظ ابن حجر في فتح الباري أن المراد بالسر ما أعلمه به النبي صلى الله عليه وسلم من أحوال المنافقين، ولهذا المعنى شواهد كثيرة في كتب الحديث.

كما أخرج البخاري عن أبي هريرة أنه قال “حفظت عن رسول الله وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم”، وبيّن ابن حجر أيضا في الفتح أن وعاء العلم الأول الذي كشفه لنا أبو هريرة هو الدين نفسه، أما الوعاء الذي أخفاه فيتضمن أسماء أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم في عهد بني أمية، والديل أن أبا هريرة كان يكني عن بعضهم ولا يصرح خوفا على نفسه من بطشهم، كقوله “أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان”، في إشارة إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، وقد استجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة. وقد أكد هذا المعنى بشواهد كثيرة الذهبي والقرطبي وغيرهما، مما يؤكد أن العلم المخفي هو نبوءات كشفها النبي لأمناء السر عن أسماء المنافقين وما سيحدث من الفتن والظلم بعد موته، وهي أمور لا علاقة لها بالدين نفسه.

“كانت صورة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وهيئته وسمته وشمائله، تدل العقلاء على صدقه، ولهذا قال عبد اللَّه بن سلام (كان من أحبار اليهود وأسلم): فلما رأيت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، ولذا كان من سمع كلامه، ورأى آدابه، لم يدخله شك” [التقي المقريزي، إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، 4/179].

وعلاوة على ما سبق، يوجه الوحي النبي مراراً ليوضح للناس أنه ليس وصيّا عليهم، ولا سلطانا على نفوسهم وقلوبهم وعقولهم، فيقول في إحدى الآيات {قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار} [ص: 65]، وهذه الصورة أبعد ما تكون عن الدور الذي يلعبه أساتذة الجمعيات السرية الذين يعشقون السلطة ويشترطون الطاعة العمياء على أتباعهم، بينما لم يطلب النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه البيعة إلا من حيث كونه مؤسسا لكيان سياسي، وبما يحقق حلم العدل للناس في مجتمع لا يُعبد فيه بشر ولا حجر.

الفرق بين النبي والملوك

المسجد النبوي في المدينة المنورة بمنتصف القرن التاسع عشر

يميل القادة في العادة عبر التاريخ إلى التمتع بقدر ما من الشهوات، فالأحمق منهم ينغمس فيها حتى الثمالة، والقائد الذكي يوجه طاقته نحو بسط سلطته وتقوية نفوذه ومقاومة أعدائه، لكن كلاهما يهتم بمظاهر العظمة، فأكثر القادة زهدا في الملذات نجده منغمسا في المقابل بشهوة السلطة.

والنبي هو الاستثناء الوحيد من هذه المعادلة الصعبة، فقد كان صاحب سلطة دنيوية معنوية، ومع ذلك لم يؤسس لنفسه ملكا، ولم يتخذ شيئا من مظاهر السلطة والنفوذ فضلا عن الملذات الدنيوية، بل كانت سلطته مستمدة أصلا من انقياد الصحابة له بموجب البيعة على الطاعة دون النص على تأسيس دولة، لذلك حار المفكرون والمنظرون في تصنيف سلطة النبي الاستثنائية، والتي خلفه فيها حكّام حقيقيون (الخلفاء الراشدون) يستمدون شرعيتهم من البيعة بصفتهم خلفاء للنبي، فيقول الماوردي في “الأحكام السلطانية” إن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، ويعرفها ابن خلدون بأنها خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

ومن ينظر في سيرة الخلفاء الراشدين يتعجب من زهدهم في ملذات الدنيا بالرغم مما حققوه من فتوحات غير مسبوقة في التاريخ، لكن هذا الزهد لم يكن سوى اقتباس من التطبيق النبوي للزهد، فالنبي ابتدأ دعوته برفض العرض السخي الذي قدمته له قريش عن طريق عمه أبي طالب، حيث عرضوا عليه الأموال والنساء والمُلك مقابل أن يكف عن الدعوة إلى التوحيد ونبذ الوثنية، فرفض بشدة، وتابع مسيرته مطارَدا منبوذا من قبل قومه ومعظم القبائل التي قصدها للدعوة، إلى أن بايعه الأنصار في يثرب (المدينة المنورة) على الطاعة فهاجر إليهم، وأسس بذلك واحدة من أقوى دول التاريخ، دون أن يتغير شيء في طبعه وسلوكه وحياته اليومية.

قال أبو ذر كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرّة المدينة فاستقبلنا (جبل) أُحُد، فقال يا أبا ذر، قلت لبيك يا رسول الله، قال ما يسرني أن عندي مثل أحُد هذا ذهبا تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا شيئا أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، ثم مشى فقال إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وقليل ما هم [البخاري: 6079]، أي لو أن النبي كان يملك ذهبا بحجم جبل ضخم فما كانت ستمضي ثلاث ليال إلا ويكون قد أنفقه كله على الناس إلا شيئا قليلا يحتفظ به لوفاء الديون.

كان النبي يستخدم هذا الوعاء الخشبي البسيط، وهو اليوم محفوظ داخل إطار معدني (http://topkapisarayi.gov.tr)

وأما طعامه، فقد كان يمر عليه شهران وما توقد في بيوت زوجاته نار للطبخ، فلا يأكل سوى التمر والماء وما يهدى إليه من أصحابه، وربما ظل يومه يلتوي من شدة الجوع وما يجد من الدَّقل (التمر الرخيص) ما يملأ به بطنه، وما شبع النبي ثلاثة أيام تباعا من خبز برّ حتى مات، وكان أكثر خبزه من الشعير، بل لم يؤثر عنه أنه أكل خبزاً مرقّقا أبداً، وهو الخبز الذي يتاح لنا في هذا العصر يوميا بأرخص الأثمان، وقد قال خادمه أنس بن مالك إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا حين يأتيه الضيوف [رواه الترمذي].

ورويت أحاديث كثيرة عن زهد النبي في المسكن والملبس والمظهر أيضا، فكانت حجرات زوجاته أكثر زهدا وبساطة من بيوت الكثير من سكان المدينة، وعندما طالبنه بمزيد من النفقة والرفاه نزل الوحي على الفور بتخييرهن بين أخذ حقوقهن والطلاق بالمعروف وبين الصبر على الحياة مع النبي وبالقدر الأدنى من مقومات الحياة، فأخبرهن النبي بما نزل عليه من القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28-29]، فاخترن جميعا الصبر، وكأن حياة النبي لا تقبل التوسع في ملذات الدنيا ليكون أبعد الناس عن التهم.

وعندما رأى عمر بن الخطاب النبي مضطجعا على فراش من الخصف وتحت رأسه وسادة محشوة بالليف، قال يا رسول الله ادع الله أن يوسع على أمتك فإن فارس والروم وُسع عليهم وأُعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، فجلس النبي وقال: “أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا” [صحيح البخاري: 2336].

وكان النبي يجلس مع أصحابه في مسجده الملاصق لحجرات زوجاته، فلم يكن يملك قصورا ولا ديوان ملك، وعندما يدخل عليه أعرابي لا يعرفه فإنه يسأل أيّكم محمد؟ والنبي متكئ بين ظهرانيهم لا يختلف عنهم في شيء. [صحيح البخاري: 1/23].

وخلافا للمشاهير في كل الأزمنة والحضارات والمجالات، لم يكن النبي يخشى الاختلاط بالناس، بل كان يقضي معظم وقته بينهم وبدون حواجز مادية ولا معنوية. فالمشاهير يتجنبون في العادة الاحتكاك بالناس كي لا تسقط هيبتهم وتظهر عيوبهم البشرية، ولا سيما الملوك الذين يحرصون على عدم الظهور إلا في المناسبات، أما النبي فكان يسافر مع أصحابه وكأنه واحد منهم، ويتعرض للمواقف شديدة القسوة فلا يظهر منه ما يطعن في كمال شخصيته، ومن بين آلاف الأحاديث التي نقلت إلينا أدق تفاصيل حياته اليومية لا نجد تصرفا واحدا غير لائق، فضلا عن أي تصرف عادي كالغضب والزلل وفلتات اللسان، بل نقل لنا الصحابة قصصا عجيبة عن حلمه وسعة صدره في التعامل مع أعدائه أو مع السفهاء من قومه.

قال ابن عباس “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشاة (يحلبها)، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير” [رواه الطبراني وصححها الألباني].

ومن المعروف في سيرة الملوك أنهم إذا خرجوا إلى أرض المعركة فإنهم كانوا يتحصنون في مقصوراتهم الملكية وراء الصفوف بعيدًا عن الخطر، أما النبي محمد فكان يحمل السيف ويقاتل بنفسه في الصفوف الأولى، حتى قال علي بن أبي طالب -وهو من أشد الفرسان شجاعة- “كنا إذا حمي الوطيس واشتدت المعركة اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم” [رواه البخاري و مسلم]، أي أن النبي نفسه كان هو الذي يحمي أصحابه في الميدان بسلاحه، وليس هذا لشجاعة النبي وإقدامه فقط بل لأنه كان يعلم أنه لن يُقتل حتى يتم الرسالة التي بعثه الله بها، وهو أمر لا يمكن لأي شخص يدعي النبوة أو يطمح إلى المُلك أن يزعمه لنفسه ثم يخاطر بحياته في سبيله.

وعندما توفي بعد 23 سنة من الجهاد المتواصل لنشر دعوته، لم يترك النبي درهما ولا دينارا ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة، وقالت زوجته عائشة “توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي”.

سيف النبي محفوظ في متحف توب كابي بإسطنبول، علما بأن الجواهر والمقبض قد أضيفت إليه في العصر العثماني

معجزات النبي
يرى الإمام أبو حامد الغزالي أن المعجزة وحدها قد لا تكون كافية لإقناع البعض، فمن يكتفي بالنظر في خوارق العادات مثل قلب العصا ثعبانا وشق القمر فقد يظن أنه سحر وتخييل وتضليل، ومن يستند إلى دعوى النبوة بالكلام المنظوم فقط فربما يقع أيضا في التضليل كما يفعل الشعر المتقن في نفس الإنسان.

لذلك فالخوارق تأتي على يد النبي من باب الإعجاز لمن يتحداه وليست كافية وحدها، لكن التحقق من نبوة من يدعي النبوة يتطلب النظر في معرفة أحواله، فمن يدرس أحوال “جالينوس” (طبيب إغريقي) مثلا ويقرأ كتبه يصل إلى علم يقيني بأنه كان طبيبا، وكذلك إذا فهمنا معنى النبوة وأكثرنا النظر في القرآن والأخبار نصل إلى “علم ضروري” بكونه نبيا.

ويضيف الغزالي أنه يمكن لمن يريد بلوغ اليقين أن يخوض تجربة العبادات التي جاء بها محمد، وأن يعيش بنفسه أثر تلك الشعائر على نفسه، وأن يطبق أيضا وصايا النبي في العلم والعمل. أما المعجزات الحسية الخارقة للعادة فهي من قبيل الرد على تحدي الخصوم، ولا يحتاج إليها الباحث عن الحقيقة بعقله المجرد.

ويقول ابن القيم في “إغاثة اللهفان” (2/691) إن معجزات النبي تتجاوز الألف، منها ما حصل وانتهى، ومنها ما هو باق، وهو القرآن الكريم الذي يعد المعجزة العظمى، وذلك من جهة لفظه التي تحدى الله بها فصحاء العرب، ومن جهة إخباره بأحداث مستقبلة وقعت لاحقا، ومن حيث احتوائه على تشريعات محكمة وأخبار قصص الأمم السابقة وبعض أسرار الكون.

سنفصل الحديث عن القرآن (المعجزة الكبرى) في مقال مستقل، وسنكتفي هنا بسرد بعض الأمثلة للمعجزات التي حدثت في عصر النبوة، ثم نورد أمثلة أخرى لبعض نبوءاته المستقبلية.

قبة الصخرة في المسجد الأقصى التي عرج منها بالنبي إلى السماء

أما المعجزات التي حصلت وانتهت فمن أشهرها ما يلي:
1- الإسراء والمعراج: حيث انتقل النبي في ليلة واحدة من مكة إلى القدس، ثم عُرج به من هناك إلى السماء, ووصل إلى سدرة المنتهى حيث لم يقترب أحد من العرش مثله، والتقى بالأنبياء الذين سبقوه، ورأى شواهد كثيرة من عالم الملكوت ونعيم الجنة وعذاب النار، ثم عاد في الليلة نفسها إلى مكة، وعندما أخبر أبا جهل بما رأه جمع له الناس كي يستمعوا إليه ويكذبوه، فكان النبي يقص القصة على قريش وهم يسخرون، بل ارتد كثير ممن كان قد أسلم عن الإسلام، وطار بعضهم بالخبر إلى أبي بكر ليختبروه فقال لهم “إنه ليخبرني أن الخبر (الوحي) ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه ، فهذا أبعد مما تعجبون منه”، أي أن نزول جبريل إليه ليس مستحيلا في العقل وقد صدّقته فلماذا أستبعد انتقالا عكسيا للنبي من الأرض إلى السماء، حتى لو كان ذلك خارقا للعادة ولا يقدر عليه البشر العاديون.

ثم حاول البعض أن يمتحن النبي فسألوه عن صفات المسجد الأقصى، فوصفه لهم وهم كانوا قد سافروا إليه في رحلات التجارة ويعرفونه، ثم أخبرهم عن تفاصيل القوافل (العير) التي رأها في طريق عودته وهي توشك على الوصول إلى مكة، فوصلت عند مغيب الشمس وعلى النحو الذي وصفه بدقة، ومع ذلك قال المشركون “هذا سحر مبين”. [البداية والنهاية: 4/282].

وأنزل الله آية في حق الذين أنكروا القصة فقال {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً} [الإسراء: 60].

2- انشقاق القمر: جاء وصف هذه المعجزة العجيبة في القرآن والسنة بالتواتر، فسُميت سورة كاملة من القرآن باسم القمر، وكان مطلعها: {اقتربت الساعة وانشق القمر (1) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر}، كما روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُريهم آية (معجزة)، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما.

وللواقعة روايات كثيرة من قبل الصحابة، بما فيهم صغار السن مثل عبد الله بن عمر، وجبير بن مطعم بن عدي الذي لم يكن قد أسلم حينئذ. ويدور في العصر الحديث جدل بشأن إمكانية العثور على دليل يؤكد وقوع الانشقاق عبر دراسة ما تطرحه وكالة ناسا للفضاء من صور قمرية، لكن عدم العثور على صور لشقوق أو أخاديد كافية لا يعني عدم وقوع الحدث، فالانشقاق المعجز قد تبعه التحام معجز أيضا، ومن الطبيعي ألا يترك الالتحام أثرا، لأن التحدي كان لمن شهد الواقعة فقط.

وبما أن الانشقاق قد حدث لبرهة قصيرة، ولم يكن نتيجة ظاهرة مرصودة يترقبها الناس، فالأرجح أنه لم يرها من سكان الأرض سوى من صادف أنه كان ينظر إلى القمر في تلك اللحظة، وممن كان أيضا في منطقة يطل عليها القمر في الوقت نفسه، ولعل هذا يفسر عدم انتشار الخبر في تاريخ الشعوب الأخرى، أو عدم وصوله مدونا إلينا بكثرة، مع أن بعض الباحثين رصدوا توثيقا في مخطوطات فارسية وإسبانية تعود إلى عصر النبي نفسه.

المقال التالي بعنوان “القمر المنشق في وثيقة مدريد والمخطوطات الفارسية”، وقد نشر للمرة الأولى في موقع www.mayalords.org عام 2000، ثم تم تعديله عشرات المرات قبل أن يحذف نهائيا، وما زال موقع “أرشيف الإنترنت” يحتفظ بالنسخة الأولى وكل تعديلاتها، ويمكنك الاطلاع على ذلك بالضغط هنا.

3- تكثير القليل من الطعام بين يدي النبي أو بدعائه لطعام ما بالبركة، وقد تكرر ذلك في مرات كثيرة جدا وشاهدها عشرات الصحابة، ورويت تلك الروايات في صحيحي البخاري ومسلم، وأشهرها حديث جابر بن عبد الله في غزوة الخندق.

4- نبع الماء من بين أصابع النبي، وتكثيره الماء القليل حتى يشرب ويتوضأ منه جميع جنود الجيش، وهو حديث أثبته البخاري ومسلم عن أنس بن مالك وشهده حوالي ثلاثمئة صحابي، وفي حديث آخر شرب نحو 1400 صحابي من بئر جاف لا ماء فيه في غزوة ذات الرقاع.

كسرى الثاني جالسا على عرشه في لوحة جدارية

5- قصة إسلام أهل اليمن، حيث أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسالةً إلى كسرى ملك الفرس (كسرى الثاني أو خسرو الثاني) يدعوه فيها للإسلام، فمزق كسرى الرسالة وأرسل إلى باذان بن ساسان عامله على اليمن يأمره فيها بإرسال رجلين قويين إلى الحجاز واعتقال النبي واقتياده إليه (وفي رواية أخرى أن يأمراه فقط بالتوقف عن الدعوة)، فنفذ باذان الأوامر، ودخل الرجلان على النبي وقالا له إن شاهنشاه (ملك الملوك) كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك وهدداه، فلم يرد النبي وأمرهما أن يلاقياه غدًا. وفي اليوم التالي قال لهما النبي أخبِرا الذي أرسلكما -أي باذان- أن ربي قتل ربه الليلة -أي أهلك الله كسرى- وقولا له إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، وقولا له إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملّكتك على قومك من الأبناء، ثم أعطى النبي إلى رسولَي باذان “منطقة” فيها ذهب وفضة، كان بعض الملوك أهداها له.

عاد الرجلان إلى باذان يخبرانه بالأمر، وبعد شهر وصل الرسل من فارس (إيران) إلى اليمن فسألهم باذان على الفور: هل قُتل كسرى؟ فتعجبوا وسألوه من أخبرك بذلك؟ وأخبروه أن شيرويه بن كسرى ثار على أبيه فقتله ونصب نفسه ملكا في نفس الليلة التي ذكرها النبي، فآمن باذان بأن محمدا نبي يأتيه الوحي من السماء، وأسلم معه أهل اليمن. [أخرجه الطبري وابن كثير وابن سعد عن ابن مسعود بسند صحيح، وأخرجه ابن بشران عن أبي هريرة وحسنه الألباني].

ملحمة الشاهنامه الفارسية تحكي قصة مقتل كسرى الثاني على يد ابنه قباز شيرويه في 28 فبراير 628م

النبوءات المستقبلية
تنبأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعدد كبير من الأحداث التي وقع الكثير منها ومازال بعضها ينتظر التحقق، فكل ما وعد بحدوثه في حياته أو في حياة بعض أصحابه وقع بدقة، وكأنه كان ينظر إلى المستقبل بعين الحاضر، وفيما يلي بعض الأمثلة:

1- قبل بدء معركة بدر بيوم واحد، وهي أول المعارك التي خاضها المسلمون بعد تأسيس نواة دولتهم في المدينة المنورة، تفقد الرسول أرض المعركة وأخذ يشير إلى موابع مقتل المشركين فيها ويقول “هذا مصرع فلان”، فيسميهم بالاسم وكأنه كان يرى بعينه نتائج المعركة، ويقول أنس بن مالك “فما ماط (ابتعد) أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم” [رواه مسلم].

2- كان الصحابة الأوائل يلقون الأذى الشديد من قريش، فاشتكوا إلى النبي وقالوا ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال “قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويُمشّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون” [رواه البخاري]، وقد تحقق هذا الوعد الذي كان يبدو خياليا في حينه.

وعندما كان النبي وصحابته يحفرون الخندق حول المدينة تحسبا لهجوم قريش وحلفائها، شكا الصحابة صخرة لم يستطيعوا كسرها، فأخذ الفأس وقال بسم الله، وضرب ضربة كسر منها ثلث الحجر، وقال “الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إنى لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا”، وفي الضربة الثانية قال “الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إنى لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا”، وفي الثالثة قال “الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إنى لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا” [رواه أحمد]، وقد سخر المنافقون فيما بينهم من هذه النبوءات الطموحة جدا، فالنبي الذي كان على وشك التعرض لحصار خانق يتنبأ بإسقاط أقوى الدول على وجه الأرض، وقد تحقق وعده فعلا في حياته وقبل نهاية خلافة عمر بن الخطاب.

كما وعد النبي أيضا الصحابي سُراقة بن مالك بأنه سيلبس سِوارَي كسرى، وعندما فتح عمر بلاد فارس أعطى سواري أعظم ملوك الأرض لسراقة تحقيقا لوعد النبي.

الفيديو التالي يوضح أن الإسلام كان أسرع أديان التاريخ انتشارا في العالم.

3- بالرغم من وعده لأصحابه بالنصر والفتوحات، فقد أخبرهم أيضا أن الضعف سينال من جسد أمتهم وأنهم سيتقاتلون فيما بينهم، فقال “يوشك الأمم أن تدّاعى عليكم كما تداعى الأكَلَة إلى قصعتها”، فقال قائل “ومن قلةٍ نحن يومئذ؟”، قال “بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ الله في قلوبكم الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت” [صححه الألباني] .

وهناك أحاديث كثيرة نُقلت عن النبي وهو يحدث أصحابه عن الفتن التي سيتعرضون لها، وهذه من أعجب المعجزات، فقد كان الصحابة يعلمون بحدوث تلك الفتن ولم يستطيعوا منعها، كما تحدث النبي بالتفصيل عن فتنة الخوارج ووصف أشكالهم وأفعالهم، مع أنهم لم يبدأوا فتنتهم إلا في عهد علي بن أبي طالب ولم يكن خروجهم وارداً في ذهن أحد، وكان يجدر بهم أن ينتبهوا إلى ما قاله النبي قبل سنوات قليلة عنهم وأن يحذروا من سوء عاقبتهم.

ومن أدل روايات الفتن على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم أنه عندما خرج كل من علي والزبير في جيشين وكانا على وشك الاقتتال بينهما، وهما من كبار الصحابة والمبشرين بالجنة، نادى عليّ الزبير فأقبل عليه، فقال علي: يا زبير أنشدتك بالله أتذكر يوم مر بك رسول الله ونحن في مكان كذا وكذا؟ فقال النبي يا زبير تحب عليًا؟ فقلت: ألا أحب ابن خالي وابن عمي وعلى ديني فقال: يا علي أتحبه؟ فقلت: يا رسول الله، ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني، فقال النبي: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم. فتذكر الزبير الحادثة على الفور وقال: بلى، والله لقد نسيته منذ سمعته من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك، وتراجع عن المعركة قبل أن تبدأ.

4- أخبر النبي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان وعلي بن أبي طالب بأنهم سيموتون شهداء، وقد قتُل عمر وعثمان فعلا في الفتن التي أخبر بها النبي، وعندما مرض علي مرضا شديدا قال له بعض أصحابه وهم يعودونه لقد تخوفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه، فقال بكل ثقة: لكني والله ما تخوفت على نفسي منه، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصادق المصدوق يقول “إنك ستُضرب ضربة ها هنا وضربة ها هنا -وأشار إلى صدغيه- فيسيل دمها حتى تختضب لحيتك..”، وكأن النبي كان يرى بعينه كيف سيُقتل علي، وقد حدث هذا فعلا.

وفي السياق نفسه، قال النبي عن عمّار بن ياسر “ويح عمار تقتله الفئة الباغية” [رواه البخاري]، وقد قُتل بسهم أطلقه معسكر معاوية على معسكر علي، وكان النبي يقول عند زيارته أم ورقة بن نوفل “انطلقوا بنا نزور الشهيدة” [رواه أحمد وابن خزيمة]، وقد قتلها غلام وجارية لها في عهد عمر فصلبهما، كما أخبر النبي ثابت بن قيس باستشهاده في قوله “يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة، قال بلى يا رسول الله” [رواه الحاكم]، وقد عاش حميدا واستشهد في المعركة ضد مسيلمة الكذاب، وأخبر النبي أم حرام بنت ملحان أنه رأى في منامه ناس من أمته يغزون في البحر، مع أنه لم يكن من الوارد لدى العرب ركوب السفن وشن الغزوات فيها، فقالت أم حرام: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت من الأولين، وقد ركبت أم حرام أول أسطول إسلامي بالفعل في زمن عثمان، وما إن نزلت أرض جزيرة قبرص حتى سقطت عن دابتها وكانت أول الشهداء هناك، وما زال قبرها معروفا [أخرجه البخاري ومسلم].

ويجدر بالذكر أنه من غير المنطقي أن يستغل المشككون في عصرنا الحالي الفتن التي وقعت بين الصحابة للطعن في الإسلام نفسه، وذلك من باب الطعن في الصحابة والتقليل من شأنهم، بل هي من أقوى الأدلة على صحة الإسلام الذي جاء به النبي، فقد وقعت كما أخبرهم عنها تماما، ولم يقوَ أحد على منعها. أما وقوع الأخطاء من الصحابة فليس سوى دليل على بشريتهم وعدم بلوغهم الكمال الذي بلغه النبي وحده، فالوحي لم يقل إن الصحابة معصومون أصلا بل أكد العكس.

وإذا حاولنا التشكيك في تلك النبوءات كلها، وزعمنا أن أتباع النبي قد اخترعوها بعد حدوثها ونسبوها إليه، فمن غير المنطقي أن يتواطأ جميع الرواة على الكذب، فالكثير من تلك الروايات وردت من أكثر من طريق وثبتت لدى المحدثين صحتها، وسنبين في مقال “السنة النبوية” المنهج العلمي الدقيق الذي جُمعت به الأحاديث والسنن ودُققت واعتُمدت، وهو منهج لا يقبل المحاباة والمجاملة والعبث، ولا يدانيه أي منهج في دراسات التاريخ المقارَن لدى كل حضارات العالم.

ميرزا غلام أحمد

في المقابل، لم يستطع مدّعو النبوة المعروفون في التاريخ المعاصر أن يثبتوا صحة نبوتهم عبر التنبؤ بالمستقبل، ولعل أشهرهم مؤسس طائفة القاديانية الميرزا غلام أحمد (توفي عام 1908م) الذي حاول أن يثبت نبوته بوضع العديد من التنبؤات المستقبلية فكان الفشل حليفه، ونذكر منها المثال التالي:

فقد تنبأ غلام أحمد بأن الطاعون الذي ضرب الهند في زمانه لن يدخل بلدته قاديان أبداً، وقال: “هو الإله الحق الذي أرسل رسوله في قاديان وهو يحفظ القاديان ويحرسها من الطاعون ولو يستمر الطاعون إلى سبعين سنة، لأن القاديان مسكن رسوله وفي هذا آية للأمم” [دافع البلاء للقادياني10، 11]، لكن الطاعون دخل البلدة وفتك بأهلها حتى وصل إلى بيته، فقال: “إن بيتي كسفينة نوح من دخله حُفظ من كل الآفات والمصائب”، ثم اعترف بأنه خاف على نفسه: “ودخل الطاعون بيتنا فابتليت غوثان الكبيرة فأخرجناها من البيت.. ومرضتُ أيضاً حتى ظننتُ أنه ليس بيني وبين الموت إلا دقائق قليلة” [إحسان ظهير، القاديانية، 1984، ص 180].

الخاتمة
حاولنا في هذا المقال الموجز تركيز الإجابة على التساؤلات الكبرى بشأن النبوة نفسها، ثم بشأن مصداقية نبوة محمد نفسه. وقد يتطلب البحث عن السبيل مزيدا من التوسع، وأن يواصل الباحث التحقق من الأدلة والغوص في تفاصيل سيرة النبي العامرة بآلاف التفاصيل والأحداث والتصريحات والوقائع، والتي تتفرع باستفاضة عن الأصول التي حاولنا الإلمام بها.

وفي المحطات التالية، سنتوقف عند حقيقة الوحي الذي جاء به النبي، ونبحث في القرآن لنتأكد من كونه الكتاب الموحى به فعلا من الله تعالى، وأنه المعجزة التي تحدى بها الإله مخلوقاته، وأنه ما زال محفوظا على هيئته الإعجازية الأولى دون تحريف ولا نقصان. ثم سنتعرف على التراث الذي أورثه النبي المُرسل إلى البشرية من بعده، من الأحاديث والسنن، وما يستفاد منها من تشريعات وعقائد وعلوم أخرى.

أهم المراجع
القاضي عياض السبتي، كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، دار الفكر، 2002.

أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دلائل النبوة، تحقيق عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985.

أبو نعيم الأصبهاني، دلائل النبوة، تحقيق محمد رواس قلعة جي وعبد البر عباس، دار النفائس، بيروت، 1986.

ابن ناصر الدين الدمشقي، جامع الآثار في السير ومولد المختار، تحقيق نشأت كمال، وزارة الأوقاف القطرية، 2010.

صفي الرحمن المباركفوري، وإنك لعلى خلق عظيم: الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، شركة كندة للإعلام والنشر، 2006.

أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال، تحقيق سميح دغيم، دار الفكر، بيروت.

إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية، دار عالم الكتب، بيروت، 2003.

عبد الأحد داود، محمد كما ورد في كتاب اليهود والنصارى، ترجمة محمد فاروق الزين، مكتبة العبيكان، الرياض 1417هـ.

سامي العامري، محمد رسول الله في الكتب المقدسة، مركز التنوير الإسلامي، القاهرة، 2006م، ط1.

العهد القديم العبري، ترجمة بين السطور عبري-عربي، الأبوان بولس الفغالي وأنطوان عوكر، الجامعة الأنطونية، لبنان 2007.

الكتاب المقدس، المطبعة الكاثوليكية في بيروت.

http://www.irf.net/Hinduism_Muhammad.html

عقيدة الإسلام

أحمد دعدوش


تحققنا في بداية مسيرنا بهذه الموسوعة من ضرورة وجود الله تعالى، ثم تبين لنا في مقال نبوة محمد أن النبوات هي الطريق الأمثل لتواصل الله مع خلقه وتبليغهم رسالته إليهم، بما تشتمل عليه من غاية وجودهم والمهمة الموكلة إليهم في هذه الحياة، والمعتقد الذي يجب عليهم أن يؤمنوا به، وطريقة العبادة والمعاملات التي ينبغي عليهم أن يلتزموا بها.

وأوضحنا أيضا في مقال “الدين والتدين” أن الدين -سواء كان وحياً إلهياً أو فلسفة وضعية- يتكون من أربعة عناصر، وهي الاعتقادات والشعائر والالتزامات وتنظيم حياة الجماعة، ومن البدهي أن العنصر الأول هو الذي تستمد منه بقية العناصر روحها وجوهرها، ومن هذا المنطلق سنستعرض في مقالنا موجزا لأصول العقيدة التي يقوم عليها الدين الإسلامي، وذلك استكمالا لما عرضناه في المقالات السابقة من تحقق النبوة ومصداقية الوحي الذي جاءت به، وتمهيدا في الوقت نفسه للتعرف على الجانب العملي في مقال “الشريعة الإسلامية“.

ومع أن العقيدة هي الأصل والمنبع، فإن عناصر الدين الأربعة يغذي بعضها بعضاً. فكما يتذبذب السلوك العملي بين الزيادة والنقصان، يتدرج الاعتقاد العقلي أيضاً من الشك إلى اليقين، وكذلك يتدرج الإيمان القلبي لبلوغ الطمأنينة.

وقد يتوصل الإنسان في دراسته وبحثه العقلي إلى الأدلة اليقينية التي تنفي الشك قطعاً، إلا أن العوامل النفسية والمؤثرات الحسية والجسدية والبيئية قد تقف حائلاً دون وصوله إلى درجة الإيمان، فيجد صراعاً داخلياً بين قناعته العقلية وشكوكه النفسية، وينشأ عن ذلك غالباً أثر سلوكي أيضاً. وعلاج هذه الحالة -التي قد يمر بها معظم الناس في مرحلة ما- يتطلب بذل الجهد والصبر والمزيد من التأمل والتفكر في الأدلة العقلية، والتجرد من المؤثرات النفسية، والإقلاع عن العادات السلوكية السيئة، وعندما يصل القلب (النفس) إلى الطمأنينة فإنه يتوافق مع العقل دون أن يكون بحاجة إلى مزيد من الأدلة والبراهين واكتساب العلم، ويتحقق بذلك كمال الإيمان.

وهذا يعني أن الإيمان المطلوب ليس مجرد ميل نفسي عاطفي واستسلام للكهنة الذين يلقنون العوام معتقدات غيبية فلسفية لا برهان عليها، كما أنه ليس بحثاً عن معرفة باطنية “إشراقية” لا يمكن التحقق من صحة مصدرها، بل هو تجرد نفسي وسلوكي واعٍ بعد استكمال العلم والمعرفة والفهم عن طريق العقل.

ذكرنا في مقال “المسيحية” أن الكهنة يطلبون من أتباعهم الإيمان ببعض الأسس العقائدية الجوهرية دون طلب للدليل العقلي، وهو ما سمي لاحقا بالفيدية fideism، حيث يعجز المنظرون عن إيجاد مبررات منطقية لبعض الأساطير المتناقضة فيقدمونها في صورة وعظية، وهو أمر يتعارض جذريا مع رسالة الإسلام، حيث ورد فعل العقل (التعقل) في تسعة وأربعين موضعا بالقرآن الكريم، فضلا عن آيات أخرى تشير إلى الألباب والنهى والقلب (بمعنى العقل) والتفكر، وهي جميعها تأتي في سياق بناء الإيمان وهدم الوثنية والشرك والكفر.

وهذا هو طريق الأنبياء في هداية الناس، فالقرآن الكريم يتضمن الكثير من الأدلة العقلية على وحدانية الله وتنزهه عن مشابهة الخلق وقدرته على البعث وغير ذلك من المبادئ العقائدية، كما ينص أيضاً على وعد بالهداية إلى الإيمان (أي بعد جلاء الأدلة العقلية) لمن يبذل جهده في طلبها، فيقول {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69]، ويصف حالة الهداية هذه بقوله {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4].

وهذه الحالة هي التي طلبها النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام من الله تعالى، فكونه نبياً وعلى صلة مباشرة بالله يعني بالضرورة أنه ليس بحاجة إلى أدلة عقلية تزيده علماً بقدرات الله وصفاته، إلا أنه طلب من الله تعالى مشاهدة حسية لحالة إحياء الموتى كي يزداد قلبه اطمئناناً، أي ليشعر بالمزيد من الإيمان النفسي، فقال {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ، قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن، قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260].

دين الإسلام
يُطلق اسم الإسلام اليوم على أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خاتم الأنبياء الذي جاء مصدِّقاً برسالات كل الأنبياء الذين سبقوه، حيث يقول القرآن الذي بُعث به {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ، كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285]، فالإسلام إذن ليس ديناً جديداً بل هو الدين الذي أعاد التذكير به كل الأنبياء، مع اختلافات طفيفة في تفاصيل الشرائع دون العقائد.

أما صفة الإسلام فكان النبي إبراهيم عليه السلام قد أطلقها على المؤمنين بالدين الإلهي من قبل، فيقول القرآن {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ، هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} [الحج: 78]، كما أطلق هذه الصفة أنبياء آخرون بُعثوا بعده، فقال موسى {يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس: 84]، وأرسل سليمان رسالة إلى ملكة سبأ فجمعت حاشيتها وقالت لهم {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ، إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 29-30]، كما قال يوسف في دعائه {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]، وقال تعالى عن حواريي عيسى {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ، قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52].

والإسلام يعني في اللغة الاستسلام والإذعان، فيكون في الاصطلاح اسماً للديانة التي يستسلم صاحبها لله وينقاد له بقلبه ولسانه وجوارحه. والإيمان هو الجانب الاعتقادي من هذا الدين، والذي يتبعه الجانب العملي السلوكي في العناصر الثلاث المذكورة سابقا وهي الشعائر (العبادات) والالتزامات والمعاملات.

ويلخص أركان الإسلام والإيمان حديث واحد، وهو صحيح رُوي من طرق عدة في صحيح مسلم وكتب أخرى، وسنكتفي بذكر أحدها وهو طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخديه وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة (أي يوم القيامة). قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها (أي علاماتها). قال: أن تلد الأمَة ربّتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان”. قال: ثم انطلق فلبثت مليًا ثم قال لي: “يا عمر، أتدري من السائل؟”، قلت الله ورسوله أعلم. قال: “فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”.

هل يفترق الإيمان عن الإسلام؟
اختلف علماء الإسلام في هذه المسألة إلى الفريقين التاليين:

1- فريق يرى أنه يمكن للشخص أن يكون مسلما دون أن يكتمل إيمانه، فليس كل مسلم مؤمناً، وقد يكون الإيمان ضعيفاً فلا يتحقق القلب به تحقيقاً تاماً، مع عمل جوارحه (أعضائه) أعمال الإسلام. ويرى هذا الفريق أنه إذا اجتمع الإسلام والإيمان في نص واحد من نصوص القرآن والسنة فلكل واحد منهما معنى يختص به، فيكون الإيمان جامعا للأعمال الباطنة من الاعتقادات (في العقل والقلب)، ويكون الإسلام بمثابة الانقياد العملي بالعبادة والتسليم، أما إذا افترق المصطلحان وورد أحدهما لوحده في النص فيكونان بمعنى واحد.

2- فريق يرى أن الإيمان والإسلام متلازمان، فالإسلام لا يصح بدون اعتقاد لأن أول أركانه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. ويرى هذا الفريق أن نصوص القرآن والسنة التي تحدثت عن نفي الإيمان وبقاء الإسلام في بعض الأشخاص تعني أن الإسلام هو التطبيق الظاهري للعبادات مع النفاق، فيكون أولئك الأشخاص منافقين أصلا.

ومن الأمثلة على اجتماع الإيمان والإسلام في نص واحد، نذكر قوله تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، فيقول الفريق الأول –ومنهم ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة وابن جرير الطبري وابن كثير- إن الأعراب الذين نزلت فيهم كانوا مسلمين ولم يستحكم الإيمان في قلوبهم (إيمان ناقص)، وإنهم ادعوا لأنفسهم كمال الإيمان فنزلت الآية لتخبرهم بأنهم لم يحققوه بعد. ويقول الفريق الآخر إن الآية نزلت في جماعة من البدو أظهرت الإسلام نفاقاً، فيروى أنهم من أعراب بني أسد الذين قدموا إلى المدينة المنورة وأخذوا يمنّون على الرسول بأنهم لم يحاربوه ويطلبون الصدقة، كما روي أنهم أعراب جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وكانوا يظهرون الإيمان ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استُنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فكشفت الآية نفاقهم، وبينت أنهم أسلموا في الظاهر من حيث الانقياد للنبي سياسيا واجتماعيا، غير أنهم لم يعتنقوا الإسلام في الباطن.

وفي مثال آخر من السنة، نذكر حديثا صحيحا رواه البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص، حيث قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا (مالاً) فترك رجلا هو أعجبهم إلي، فقلت يا رسول الله ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا؟ فقال أو مسلما؟ فسكتّ قليلا ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي فقلت ما لك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا؟ فقال أو مسلما؟ ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار.

ويفسر الفريق الأول هذا الحديث بنفس تفسير الآية السابقة، فالشخص المعني كان مسلما لكن إيمانه لم يكتمل، لكن الفريق الثاني يقول إن المرء قد يُسمى مسلما من حيث الانقياد والطاعة في الظاهر، لكنه لم يؤمن بعد، فتجري عليه أحكام المسلمين إلا أنه عند الله لا يكون مسلماً ولا مؤمناً، والنبي اطلع من الوحي على حال هذا الرجل الذي لم يؤمن قلبه فسماه مسلما فقط، أما بقية الناس فلا يملكون سوى الحكم بالظاهر، ومن ثم فلا يحق لهم سوى الحكم على من لم يثبت كفره بأنه مسلم ومؤمن في آن واحد ودون فصل بينهما.

مصادر العقيدة
اطلعنا في مقال “الوحي القرآني” على الأدلة اليقينية التي تؤكد حفظ القرآن الكريم من التحريف على مر العصور، وأنه ما زال يُرتل كل يوم على ألسنة الناس كما كان في عصر النبوة. كما اطلعنا في مقال “السنة النبوية” على الجهود الاستثنائية التي بذلها علماء الحديث المسلمون لتوثيق سنة النبي وأقواله وأفعاله، وكذلك أقوال وأفعال صحابته، كي تبقى محفوظة في الكتب والصدور للأجيال اللاحقة، وتبين لنا أن ما وضعه هؤلاء العلماء من ضوابط النقل والتوثق والتحقق لم يسبقهم إليه أحد في تاريخ البشرية، فكانت النتيجة نشوء علوم الحديث بفروعه المتعددة، والتي قد يستهلك التبحر في كل منها عمُر طالب العلم المجتهد كله.

لذا وضع علماء العقيدة الأسس العقلية التي يمكن للجميع الاتفاق عليها في سبيل تجريد مصادر الاعتقاد، لا سيما وأن الأمر يتعلق هنا بالمعرفة الغيبية التي تقتصر مصادرها الموثوقة على الوحي الإلهي [انظر مقال مصادر المعرفة]، فالتعويل في هذه المعرفة على نص الوحي الصادق والمجرد عن الآراء والأساطير البشرية والشيطانية.

وأول هذه الأسس أن الاعتقاد بصدق القرآن ونسبته إلى الله تعالى، وبما دل عليه دلالة قطعية من معتقدات وأحكام، هو واجب عقلا وشرعا، وينطبق ذلك أيضا على الأحاديث النبوية المتواترة، سواء كان التواتر باللفط أو بالمعنى.

أما أحاديث الآحاد الصحيحة التي تلقتها الأمة الإسلامية في القرون الأولى (السلف) بالقبول ودون إنكار أو مخالفة، فحكمها أيضا حكم الأحاديث المتواترة السابق، لأن قبول السلف لها يعني أنها متوافقة مع ما علموه من الوحي المباشر.

وأما إنكار عقيدة ثبتت بدلالة ظنية في نص قطعي الثبوت (قرآن أو حديث متواتر)، أو ثبتت بدلالة قطعية ولكن في نص ظني الثبوت (حديث آحاد)، أو بدلالة ظنية في نص ظني الثبوت، فهذا كله لا يؤدي إلى الخروج من الإسلام، إلا أنه قد يؤدي إلى الفسق والإثم إذا كان الظن غالباً وحجة الثبوت قوية [للتعرف على درجات الحديث النبوي يرجى مراجعة مقال “السنة النبوية“].

وإذا أجمع علماء الصحابة على أصل من أصول العقائد، وأخذه عنهم التابعون وتابعو التابعين حتى صار مقررا ومشهورا، فهذا أيضا يكتسب صفة اليقين، إذ يستحيل على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أن يتفقوا على عقيدة ما دون أن يكونوا قد اقتبسوها من النبي نفسه، حتى لو لم يكن لدينا حديث مرفوع إلى النبي ينص على ذلك الأصل العقائدي، فالعقيدة كما أسلفنا لا تُعرف إلا بالوحي وليست رأياً.

يقول إسماعيل التيمي الأصبهاني في كتابه “الحجة في بيان المحجة”: “ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق؛ أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنَّفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم… وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة… بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم؛ وجدته كأنه جاء من قلب واحد”.

قصة الخلق
يوضح الوحي أن الله كان موجوداً وحده قبل بدء الخلق، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم عن بدء الكون: “كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض”. [أخرجه البخاري]، وسنذكر بإيجاز آراء علماء المسلمين في أول ما بدء به الخلق:

الرأي الأول: أول المخلوقات هو عرش الرحمن، وذلك استنادا إلى الحديث السابق.

الرأي الثاني: الماء خُلق قبل العرش، استنادا إلى عدة أحاديث لا تتعارض مع الحديث السابق، ومنها حديث رواه أحمد والترمذي بأسانيد صحيحة يقول: “إن الماء خلق قبل العرش”، وكذلك حديث أبي هريرة الذي قال: يا رسول الله ممّ خُلق الخلق؟ قال “من الماء” [رواه الترمذي وصححه].

الرأي الثالث: أول المخلوقات هو القلم الذي كُتب فيه القدَر، وذلك استنادا إلى حديث رواه أحمد والترمذي وصححه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “أول ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة”. ويرد الآخرون على أصحاب هذا الرأي بأن هناك أحاديث صحيحة تؤكد أن الله تعالى حين خلق القلم وأمره بكتابة مقادير كل شيء كان عرشه على الماء، ما يعني أن العرش كان موجودا قبل القلم، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم “كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء” [صحيح مسلم: 2653]. ويرى المعارضون لهذا الرأي أن أولية القلم في قوله “أول ما خلق الله القلم” هي أولية بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش، أو بالنسبة إلى المخلوقات التي ستوجد بعد أن يكتب عنها، وقيل أيضا إن كلمة “أول” منصوبة وليست مرفوعة فيكون معنى الجملة هو “حين خلق الله القلم”.

وأياً كان الرأي الصائب، فجميع أهل السنة متفقون على أن هناك مرحلة كان الله تعالى فيها وحده، ثم خلق العرش والماء والقلم، ثم خلق السماوات والأرض.

وقد أخبرنا الوحي أن خلق السماوات والأرض استغرق ستة أيام، كما في الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: 38]، واليوم آنذاك ليس هو اليوم الذي نعرفه، فلم تكن هناك شمس ولا تعاقب لليل والنهار، فقد يكون كل يوم من تلك الأيام الستة حقبة تمتد لمليارات السنين بحسب معاييرنا الحالية للزمن، والزمن نسبي كما تؤكد نظرية النسبية لأينشتاين.

ويقول تعالى عن خلق السماوات: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا، مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ} [الملك: 3]، ولا ندري على وجه الدقة ما المقصود بالسماوات السبع، فهناك من يرى أنها طبقات الغلاف الجوي للأرض، وهناك من يرى أنها تشكل طبقات الكون كله، الذي يرجح الفيزيائيون أن شكله مثل الكمثرى وليس كروياً تماماً، ويميل رأي ثالث إلى أن السماء الدنيا وحدها هي الكون الذي نعرفه، وأن هناك ست سماوات أخرى تحيط بها أو تتدرج فوقها، بينما حاول آخرون تطبيق نظرية الكون المتعدد على ما جاء في القرآن والاعتقاد بأن هناك سبعة أكوان. وليس هناك نص متواتر من الوحي يبين المقصود، كما أن النظريات العلمية (وهي لا ترقى إلى درجة الحقائق) لا تتناقض مع تلك التأويلات المحتملة للنص.

ولا نجد أيضا في قصة خلق الكون الموجزة في القرآن أي شبه بالأساطير الملحمية، فالقرآن يوجز الأمر بربطه بإرادة الله وقدرته، وهو الفاعل الوحيد في خلقه، بينما سبق أن اطلعنا في مقال “الوثنية” على أساطير متعددة تنسب تشكل الكون المادي إلى قصص زواج أو صراع بين الآلهة، كما اطلعنا أيضا في مقال “وجود الله” على النزعة الأسطورية لدى العلماء الماديين المعاصرين في وضع افتراضات لامنطقية طمعا في الهروب من ضرورة الخلق الإلهي.

وفي مرحلة لا نعرفها خلق الله الملائكة والجن، وسيأتي تفصيل الحديث عن هذه المخلوقات، ثم قال تعالى للملائكة {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].

واختلف المفسرون في سبب رد الملائكة بهذا السؤال، فقيل لعلهم علموا أن سلالة المخلوق الجديد سترتكب الذنوب والجرائم والإفساد استنتاجاً من كونها مخلوقة من تراب، وقيل ربما كانوا يقيسون على ما سبق لأن بعض القصص غير المؤكدة (لعلها من الإسرائيليات) تحدثت عن وجود سلالات من الجن على الأرض قبل خلق آدم، وعن اندلاع حروب بينها. وعلى أي حال فإن سؤال الملائكة لم يكن على وجه الاعتراض ولا الحسد، فقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي لا يسألونه شيئا لم يؤذن لهم، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في خلق الخليفة على الأرض.

وخلق الله آدم من تراب الأرض، ونفخ فيه الروح، {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 31- 33]، وتعني هذه الآيات أن الله ألهم آدم اللغة ومسميات الأشياء مباشرة بعد خلقه، فكان عاقلا وناطقا منذ بداية الخلق، ولم يكن بحاجة للتطور والتعلم للانتقال من حالة بهيمية كما تفترض نظرية التطور الدارويني.

وأمر الله الملائكة وإبليس (الجني) بأن يسجدوا لآدم إكراماً له وليس عبادة، وقد وردت هذه القصة في سور قرآنية عدة نذكر منها: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50]، فالآية توضح أن إبليس كان من الجن وليس ملَكاً. وفي آية أخرى قال تعالى {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34]، فالآية تؤكد أن السبب الذي منع إبليس من تنفيذ الأمر الإلهي هو الكبر، وفي ذلك دليل أيضا على أن الجن لديهم إرادة واختيار كالإنسان، بينما لا يملك الملائكة سوى أن يطيعوا الله دون تردد.

وبدأت بذلك قصة الصراع بين آدم وإبليس، حيث أمر الله آدم وزوجته حواء -التي خُلقت لاحقا- بالعيش في الجنة والتمتع بنعيمها دون الاقتراب من شجرة واحدة، ولم يذكر القرآن ولا السنة نوع الشجرة ولا سبب تحريمها، فأغوى إبليس آدم وزوجته معاً بالأكل منها كما يقول القرآن الكريم: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 20-21]، ونستنتج من الآيتين ما يرجح أن وسوسته لهما لم تكن بمجرد الإلقاء في الصدر لاشعورياً، بل كان هناك حوار، حيث اختتم إبليس زعمه بالقسَم والحلف، ففعلا وأكلا من الشجرة.

وعندما عاتبهما ربهما ندما و{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، وفي سورة أخرى يقول تعالى {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]، وفي تتمة القصة يقبل الله توبة آدم ويقول {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37]، ومع ذلك يُحكَم على آدم وزوجته بالخروج من الجنة والهبوط إلى الأرض للحياة فيها إلى حين، مع تذكيرهما بأن الشيطان سيظل عدواً لهما ولسلالتهما، وأنه سيحاول أن يفتنهم هو وجماعته، فتقول الآيات: {قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ، قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ، يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا، وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ، ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا، إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 24- 27].

وفي سورة الأعراف نقرأ هذا الحوار بين إبليس والله تعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَإنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا، قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا، وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُم وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الأعراف: 62 -65].

وفي سورة الحجر نقرأ أيضا هذا الحوار: {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 40].

ونستنتج من هذه الآيات ما يلي:
1- لقد قضى الله على آدم بأن ينزل إلى الأرض قبل أن يخلقه ويدخله الجنة فقال “إني جاعل في الأرض خليفة”، فحتى لو قلنا إن خطيئة آدم هي السبب في نزوله إلى الأرض فإن الأمر كان مقدراً قبل خلقه. لذا عندما عاتب النبي موسى عليه السلام النبي آدم -كما جاء في حديث صحيح- على نسيانه وأكله من الشجرة قال له آدم مستنكراً: تلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فعلّق النبي محمد صلى الله عليه وسلم بقوله “فحجّ آدم موسى” [رواه البخاري]، أي أقام عليه الحجة، واختُلف متى وقع الحوار بين آدم وموسى، فقيل ربما في ليلة المعراج عندما التقى النبي بالأنبياء السابقين، وربما كان ذلك في رؤيا، فأرواح الأنبياء حية عند الله.

2- تمرُّد إبليس على أمر الله لم يكن تصرفا خارجا عن مشيئة الله، فإبليس كان يخاطب الله تعالى بصيغة الربوبية معترفا بأن الله ربه، وقد أمهله الله ليبتلي به بني آدم، ووعده هو ومن يتبعه بأن يكون مصيرهم النار جميعا، ووافق إبليس على ذلك لفرط حماقته وغروره. وهذا يناقض تماماً أسطورة تأليه إبليس لدى المجوس والهندوس وغيرهم من أصحاب الأديان المحرفة الذين رفعوا إبليس إلى درجة الإله الند للإله الخالق، وجعلوا العالم ساحة لصراع بين إلهين أو فريقين من الآلهة.

3- آدم لم يكن سوى مخلوق من طين نُفخت فيه الروح، ولم يتّحدْ به الإله كما تزعم أسطورة القبالاه.

4- إغواء إبليس كان لآدم وحواء معاً، أما القصة الواردة في التوارة المحرفة فتزعم أنه أغوى حواء فأغوت بدورها آدم، ثم صبّ آدم غضبه على زوجته وحمّلها مسؤولية الخروج من الجنة، ومازالت هذه الأسطورة منتشرة في الثقافة العامة لملايين الناس بما فيهم الكثير من عوام المسلمين، وآثارها واضحة في الأدب والدراما بشتى الثقافات واللغات، ومن أهمها تقريع النساء واتهامهن بلعب دور الشيطان نفسه.

5- الخطأ الذي ارتكبه آدم وحواء كان نتيجة النسيان، وليس خطيئة مقصودة.

6- تاب الله على آدم بعد توبته، ولم يتطلب الأمر توريث تبعات الخطيئة لسلالته، ولم يكن هناك أي مبرر لنزول الله تعالى على هيئة المسيح (كما تقول الأسطورة المسيحية) ليقدم نفسه فداءً للبشر كي يمحو عنهم أثر هذه الخطيئة، فما زال أبناء آدم يرتكبون من الجرائم والأخطاء ما هو أكبر بكثير من خطيئة أبيهم التي ارتكبها ناسياً، ومع ذلك فالله يغفرها لهم إذا تابوا -كما وعد في آيات كثيرة- ودون الحاجة إلى الفداء.

7- الغاية من هذه القصة هي أن يدرك الإنسان أن حياته قائمة كلها على الابتلاء والصراع مع إبليس، فالابتلاء بدأ بتكبّر إبليس، وسيستمر في الصراع معه ومع جنده حتى يوم القيامة، فقد مد الله في عمره حتى قيام الساعة، كما تعهد إبليس بين يدي الله بأن يبذل كل جهده لإغواء آدم وسلالته، ومنحه الله تعالى القدرة على المحاولة، إلا أنه أخبره أيضا بأنه لن يكون له سلطان إلا على من قبلوا باتباعه.

8- قصة الخلق التي نزل بها الوحي بسيطة ومفهومة ولا تتناقض مع العقل، وإذا كانت الأساطير التي حُرفت عنها على مدى آلاف السنين تناقض العقل فهذا لا يعني أنه يحق لنا أن نضع كل ما يشبه تلك الأساطير في خانة المستحيل والخرافة، وأن نجعل العلم المادي هو المصدر الوحيد لفهم الوجود وتفسيره. وإلا فسنضطر إذن إلى نبذ العلم المادي نفسه كلما ثبت لنا خطأ إحدى النظريات العلمية، وهو ما يحدث باستمرار بحكم التطور العلمي، فتكذيب نظرية ما لا يعني نسف العلم كله، كما أن تكذيب أسطورة محرفة لا يعني نسف عالم الغيب واستبعاده بالكلية.

أركان الإيمان
بما أن مقالنا هذا يتحدث عن الجانب الاعتقادي، فسنخصص بحثنا للحديث عن أركان الإيمان الستة التي ورد ذكرها في الحديث الصحيح السابق ذكره، حيث عددها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. وسنفصل المقصود بكل منها فيما يلي.

1- الإيمان بالله:
ابتدأنا رحلتنا المعرفية في هذه الموسوعة بالتحقق من وجود الله تعالى، وسنتابع هنا الحديث عن أهم صفاته وفقاً للوحي الذين أنزله على رسوله.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح “إن لله تسعا وتسعين اسما، مئة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة”، وفي حديث آخر رواه الترمذي والبيهقي، نقل أبو هريرة عن النبي الأسماء التسعة والتسعين كاملة، وقد وردت في القرآن أسماء أخرى لم ترد في حديث أبي هريرة، ومنها القاهر والقريب والناصر والأعلى والأكرم وغيرها، كما وردت أسماء إضافية في أحاديث نبوية أخرى مثل الحنان والمنان والسيد والديان.

وفي المصنفات العقائدية المشهورة، يلخص العلماء أهم صفات الإله في الوجود والوحدانية والقدرة والإرادة والعلم والحياة ومخالفة المخلوقات، ويُدرجون تحت كل منها بضعة أسماء من الأسماء التسعة والتسعين، وبما أننا فرغنا من الحديث عن الصفة الأولى (الوجود) في مقال سابق، فسنوجز الحديث في الصفات الأخرى كما يلي:

الوحدانية: يتميز مفهوم الإله في الإسلام عن الكثير من الوثنيات بوحدانية الإله، بل يعد التوحيد من أبرز معالم الإيمان، فيما يُعد الشرك -أي الاعتقاد بتعدد الآلهة- أعظم الذنوب، ففي حديث صحيح رواه البخاري سئل النبي عن الكبائر، فقال “الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين”، وقال تعالى {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: آية 48].

وقد مرّ بنا في مقال “الوثنية” أن الأديان الأسطورية الكهنوتية أقامت بناءها الميثولوجي على مفهوم “مجمع الآلهة” الذي يرأسه إله خيالي ويضم مجموعة من الآلهة الأقل شأناً، وقد يتصارعون فيما بينهم على النفوذ كما يتصارع الملوك من البشر، وهذا بالضبط ما انتقده القرآن ليثبت استحالة وجود إلهين اثنين فضلا عن آلهة متعددة، فيقول {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91]، أي لو كان هناك إله آخر لاستأثر كل واحد منهما بمخلوقاته وتنافسا في العلو والعظمة وتحول الكون إلى ساحة حرب بينهما، ويقول أيضا {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 21]، أي أن وجود إلهين أو أكثر في السماوات والأرض سيؤدي حتماً إلى فساد الكون لاحتمال تعارض الإلهين، فلو كان كل إله متفردا برأيه وكامل الإرادة والمشيئة فلا ينبغي أن تحدّه إرادة إله آخر، لكن تعدد الآلهة يعني حتماً نقص القدرة والمشيئة لدى كل منهما كي لا يحصل التعارض، وهذا ما اضطر إلى الإقرار به كل واضعي الأساطير كما رأينا في مقال “الوثنية“.

أما مفهوم التثليث المسيحي الذي حاول منظّروه أن يجدوا له حلا فلسفيا دون سقوط في معضلة التعدد، فقد أوضحنا في مقال المسيحية استحالته منطقيا وعمليا، وأنه أقرب إلى السفسطة.

القدرة: تكرر ذكر هذه الصفة في عدة آيات من القرآن، ومنها قوله تعالى {وهو على كل شيء قدير} [الحديد: 2]، فقدرة الله مطلقة، وهي تتعلق بكل الممكنات، ولا يصح عقلاً أن نعالج سؤالا سفسطائيا من قبيل: هل يقدر الإله على أن يكون ميتاً؟ لأنه لا يمكن أن يكون الإله إلا حياً، ونفي الموت عنه ليس نفياً للقدرة بل تنزيه له عن النقص. وقد يجد الباحث أسئلة سفسطائية أخرى مطروحة بين المشككين، مثل سؤالهم: هل يستطيع الإله أن يخلق شيئا ضخما يعجز عن حمله؟ وهو سؤال طفولي يليق بالعقول التي تتصور الإله مشابهاً لآلهة اليونان التي لم تكن سوى كائنات خارقة تعيش على قمة جبل الأولمب، لكن المشكلة ليست في التصور فقط، بل في جمع نقيضين بسؤال سفسطائي بحت، فالصيغة المنطقية للسؤال هي: هل يستطيع الإله أن يعجز؟ وهي صيغة عبثية.

الإرادة: إرادة الله أيضا مطلقة لا تحدها حدود، فقال عن نفسه العلية: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]. وفي المقابل نجد أن آلهة الأساطير محدودة الإرادة والقدرة، فتضطر إلى تقديم التنازلات أو التراجع عن بعض القرارات أو اتخاذ مسارات اضطرارية في تدبير شؤون الكون.

العلم: فالله يعلم كل شيء ولا يغيب عنه شيء، فيقول في كتابه {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ، قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 3]. وفي المقابل نجد صوراً منقوصة للإله في الأديان الأسطورية والمحرفة، ففي التوراة المحرفة نقرأ هذا النص: “وسمعا (آدم وحواء) صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم، وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت؛ لأني عريان فاختبأت. فقال: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟ فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني فأكلت” [سفر التكوين: 3/8]، وهذا يعني أن الإله حسب الأسطورة لم يعلم أن آدم أكل من الشجرة، كما لم يعلم بمكانه عندما اختبأ منه في الجنة.

الحياة: يقول تعالى عن نفسه {اللَّهُ لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]، فمن المنطقي أن يتصف الإله الواهب للحياة بأنه حي بذاته، مستقل ومستغن عما سواه، كما أنه قيوم على خلقه، أي قائم بشؤون الخلق ومدبر لها، فبينما كان أرسطو يعتقد أن دور الإله (واجب الوجود) يقتصر على إيجاد الكون وخلقه، فإن الإسلام يؤكد أن الله لا يتخلى عن الكون بعد أن يخلقه، بل يظل وجود الكون قائما في كل لحظة على تدبير الله له، ولو تنحى جل وعلا عن إدارة شؤون الوجود لاختفى وعاد إلى العدم كما كان.

مخالفة المخلوقات: يقول تعالى عن نفسه في قاعدة موجزة شاملة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، ويفسرها العلماء بقولهم “كل ماخطر ببالك فالله بخلاف ذلك”، أي لا يمكن أن يُشبَّه الإله في صفاته أو ذاته بشيء من صفات أو ذوات المخلوقات، فهو منزه عن كل تشبيه يمكن أن يخطر ببالنا عنه، وهذا يعني أنه ليس مجسداً ولا موجوداً في حيز مكاني، وليس حالّا أيضا في الكون ولا في الطبيعة ولا في أي مخلوق (الحلول هو الاتحاد والاندماج مثل الروح في الجسد)، كما أنه ليس منفصلاً عن الكون في المقابل، ولا تجري عليه مجريات النفوس من الشهوات والرغبات، وليس بحاجة إلى زوجة ولا ولد ولا انقسام ولا تعدد ولا طعام ولا شراب ولا راحة.

لذا فإن كل الصور المنقوصة التي وضعتها الأساطير للآلهة لا تليق بالله تعالى، وقد لخصت سورة الإخلاص هذا التنزيه في أربع آيات جامعة، وهي {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}، وصفة الصمد تعني أن الله هو الذي يُصمد إليه، أي يُرجع إليه في كل أمر، وتعني أيضا أنه غني عن كل شيء.

إذن فالإله المتصف بهذا الكمال ليس بحاجة إلى القرابين البشرية والحيوانية التي درج الكهنة على تقديمها في الأديان الأسطورية، زعماً منهم بأنها تُقدم على المذابح لامتصاص غضب معبودهم وإرضاء غروره ونزعاته الدموية. أما الدين الذي جاء به الأنبياء قبل أن يحرف فكان ينص على التقرب إلى الله بذبح الحيوانات التي يؤكل لحمها لتوزيعها على الفقراء، ولتربية النفس على البذل وتحقيق التكافل في المجتمع.

الإغريق تخيلوا إلههم زيوس على هيئة إنسان

والإله الصمد ليس بحاجة أيضاً إلى شركاء يتقرب الناس بواسطتهم إليه، فالمشركون من عرب الجاهلية كانوا يقرون بوجود إله أعلى لكنهم يُشركون معه آلهة أقل شأنا، ويبررون ذلك بقولهم {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ} [الزمر: 3]، وهذا ما كان يقوله أتباع وثنيات أخرى قبلهم، لكن الآية تردّ عليهم بالقول {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}، في إشارة إلى أن هذا الزعم ليس إلا افتراءً وكذباً.

كما نستنبط من مفهوم الصمدية أن الله ليس بحاجة إلى مفهوم الفداء الذي زعمه محرّفو دين عيسى بن مريم عندما جعلوه شريكا لله في الألوهية، فلو وافقنا جدلاً على مفهوم الخطيئة المزعوم (تحميل بني آدم وزر خطيئة آدم عندما أكل من الشجرة)، فإن الله قادر على أن يغفر هذا الذنب دون حاجة لانتظار آلاف السنين التي تفصل آدم عن عيسى، ودون أن يحلّ تعالى بنفسه في جسد عيسى ثم يرضى بصلب جسده ليفدي الناس به [انظر مقال “المسيحية“].

وقبل أن نختم حديثنا عن صفات الإله، ينبغي التوقف عند ما يسمى بالنصوص المتشابهات في صفاته، وهي الآيات والأحاديث التي تتضمن صفات قد يوهم ظاهرها بتشبيه الله بالمخلوقات، مثل إثبات الوجه واليد والعين والقدم لله، واستوائه على العرش ووجوده في السماء، ولفهم معاني هذه الصفات لدينا أربعة احتمالات، وهي:

1- أنها حقيقة وفق ظاهر مدلولها اللغوي، وهذا مستحيل، فلا يمكن أن يكون الإله مُجسَّما بدليل الآية: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.

2- أنها حقيقة وفق دلالة لغوية صحيحة، فيكون لها معنى أعلى يليق بجلال الله، ويراد بها معنى أدنى يناسب فهمنا، فلله يد وعين وغير ذلك من الصفات لكن دون تجسيد ولا تشبيه.

3- أنها حقيقة في الاصطلاح الشرعي لمعانٍ لا نعلم حقيقتها على وجه التحديد، فتكون لله مثلا صفة اسمها “اليد” كما جاءت في النص، فنؤمن بها كما وردت دون تأويل، ولكن مع نفي المعنى الذي يتبادر لأذهاننا مما لا يليق أن يكون صفة لله.

4- أنها مجاز يمكن تأويله بمعنى آخر بما يتوافق مع دلالات اللغة وما يليق بجلال الله، فيمكن مثلا تأويل اليد في قوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم} [سورة الفتح: 48] بأنها تعني القدرة، وليست يداً مجسدة.

وقد كان أغلب علماء السلف (القرون الثلاثة الأولى) يأخذون بالاحتمال الثالث، كما أخذ كثير منهم بالاحتمال الثاني، أما الاحتمال الأخير فظهر في مرحلة لاحقة. وجميع أهل السنة متفقون على أن الإيمان بصفات الله ينبغي أن يكون منضبطا بضوابط اللغة وألا يؤدي إلى التشبيه والتعطيل.

وبناء على كل ما ذكرناه في باب الألوهية، يتبين لنا أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يقدم مفهوما متكاملا للألوهية بشكل يجمع بين العمق والبساطة في آن واحد. فما كتبه علماء اللغة والعقيدة والمفسرون المسلمون في أسماء الله وصفاته طوال قرون يملأ مئات المجلدات، ومع ذلك يمكن للعامي الأمي البسيط أن يفهم حقيقة الإله بالفطرة ودون فلسفة، فليست هناك ملاحم أسطورية للصراع بين آلهة متعددة، ولا حلول ولا اتحاد ولا انقسام، بل يكفي المؤمن أن ينسب كل ما يراه في هذا الوجود من مظاهر الخلق والإبداع إلى إله عظيم ليس كمثله شيء، وأن ينسب إليه كل صفات الكمال، وأن ينزّهه عن نزعات الغضب التي تسلتزم تقديم القرابين في شعائر دموية، ودون أن يحتاج إلى التقرب إليه بواسطة آلهة أو كهنة، ودون الحاجة أيضا للانضمام إلى جماعات دينية سرية والترقي في درجاتها.

2- الإيمان بالملائكة:
ذكرنا سابقا الحديث الصحيح الذي رواه عمر بن الخطاب وقال فيه إن رجلا دخل المسجد النبوي وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، فأخبر النبي عمر بأن ذاك الرجل هو الملاك جبريل بعد أن تجسد في هيئة إنسان. وهناك أحاديث أخرى صحيحة تؤكد وجود الملائكة وصفاتهم.

ومن صفاتهم أنهم مخلوقون من نور، فيقول الحديث “خُلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار” [رواه مسلم]. كما أنهم مخلوقات خفية في حالتها الطبيعية عن عيون البشر، فكان جبريل ينزل على النبي بالوحي في حالات عدة دون أن يراه أحد سوى النبي. ويمكنهم أيضا أن يتشكلوا في أشكال مادية، كما فعل جبريل في الحديث السابق، حيث كان يتمثل أحيانا على هيئة شخص مجهول أو معلوم، حيث روي أنه كثيرا ما كان يأتي مجلس النبي على صورة صحابي وسيم يدعى دِحية الكلبي.

وذكر القرآن الكريم عدة قصص لتمثُّل الملائكة في هيئة بشر، ومنها دخول مجموعة منهم على النبي إبراهيم عليه السلام دون أن يعرف أنهم ملائكة: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} [الذاريات: 24-25]، وكذلك دخولهم على هيئة شباب حسان على النبي لوط عليه السلام كما ورد في سورة هود.

لوسيفر (إبليس) يظهر في الثقافة الأوروبية على هيئة ملاك سقط من الجنة كما في هذه اللوحة لغوستاف دوريه

ومن أهم صفاتهم أنهم مقربون إلى الله ولا يعصونه كما تؤكد الآية {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206]، فالقرآن ينفي قطعاً الأساطير التي وضعها محرفو الوحي عن “سقوط ملائكة” بعد تمردهم وتحولهم إلى كائنات شريرة تشبه الآلهة التي تنافس الله تعالى وتبارزه، وقد مرت بنا هذه الأساطير في مقالي “الباطنية” و”القبالاه“. وهي مجرد تحويرات لقصة تمرد إبليس -وهو من الجن وليس ملَكاً- ومحاولة لتأليهه ووضعه في مرتبة تقابل الإله نفسه جل وعلا.

كما أكد القرآن أنهم ليسوا سوى عباد لله ينفذون أوامره، فقال {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا، سُبْحَانَهُ، بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 25-27]، وذلك رداً على فئة من عرب الجاهلية الذين قالوا إن الملائكة بنات الله، وهي أسطورة تسربت إليهم من أديان وثنية أخرى رفعت مرتبة الملائكة -الذين ورد ذكرهم في رسالات أنبياء سابقين- إلى مرتبة الآلهة، فجعلوا للإله زوجة وأولادا وبناتٍ ضمن مجمعات الآلهة (البانثيون) [انظر مقال الوثنية]، كما جاء الرد في آية أخرى أكثر وضوحا ومباشرة: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا، أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؟ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19].

وللملائكة درجات وأصناف ووظائف، وقد ذُكر بعضها في القرآن والسنة، ويبدو أن هناك حقائق أخرى كثيرة عنهم ولا سبيل إلى معرفتها في هذه الحياة الدنيا دون وحي، إذ يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “أُذن لي أن أحدِّث عن ملَك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة” [رواه أبو داود والطبراني بإسناد صحيح]، فظاهر الحديث يدل على أن هناك صفات أخرى عجيبة للملائكة ولم يؤذن للنبي بأن ينقلها للبشر، غير أن ما وصلنا عن عظمة خلقهم يكفي لتصور جلال عالم الملكوت الذي يليق بجلال الله تعالى، ويكفي أن يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن أعدادهم الهائلة تملأ السماء، فيقول “إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السماء وحق لها أن تئط، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملَك واضع جبهته ساجدا لله” [رواه أحمد والترمذي وابن ماجه].

وقد أسند الله تعالى إلى الملائكة وظائف عدة وردت في القرآن والأحاديث الصحيحة، ومن هذه الوظائف حمل العرش على عظمته الهائلة، والنفخ في الصور عندما تحين الساعة، وإنزال العذاب على بعض الأقوام التي استحقت غضب الله وانتقامه في الدنيا قبل الآخرة، وقبض أرواح الموتى، وتسجيل أعمال العباد من الحسنات والسيئات في صحائف أعمالهم التي ستوزن في ميزان الحساب الأخروي، وحفظ الناس من المصائب كما تقول الآية {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11]، فالملائكة يحفظون كل إنسان من أمر الله، أي بأمر الله تعالى بما لا يخالف مشيئته، فكلمة “من” تعني الباء لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض.

والخلاصة أن هذه المخلوقات وُجدت لتنفيذ أوامر الله دون أن تكون لها إرادة المخالفة كما هو حال البشر، فالملائكة ليسوا مُكلفين لأنهم لا يملكون العصيان أصلاً كما وصفتهم الآية {لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، وبما أنهم في عالم الغيب فلا نملك حق الاجتهاد في تصور حقائق أخرى عن عالمهم دون أن يذكرها الوحي، كما لا نملك الحق في ادعاء المعرفة بحكمة الله في خلقهم، فهو قادر على أن يسيّر كل شؤون الكون دون وجودهم، ولعل وجودهم الخفي ابتلاء واختبار لإيماننا، فكل ما ورد عنهم في النصوص الصحيحة لا يخالف العقل، ولن يجد صعوبة في تصديقها إلا من كان قد حصر عقله مسبقاً بحدود الفلسفة المادية.

وبالطريقة نفسها يمكن للعقل التصديق بوجود كائنات خفية أخرى هي الجن، ومع أن الإيمان بوجودهم ليس معدوداَ ضمن أركان الإيمان الواردة في جواب النبي على سؤال جبريل، إلا أن الإيمان لا يكتمل إلا به، فقد ورد ذكرهم في نحو أربعين آية من القرآن الكريم، فضلا عن الأحاديث الصحيحة، بل خصص الله تعالى سورة كاملة لذكر قصة جماعة منهم استمعوا إلى تلاوة النبي للقرآن وحملت اسم “سورة الجن”.

وقد آمنت معظم الأقوام السابقة بوجود هذه المخلوقات، ولكن على تباين في الفهم والتأويل، فكثيراً ما تم الخلط بينهم وبين الملائكة كما فعل الغنوصيون والقبّاليون، كما رفعهم البعض إلى مراتب الآلهة حتى وجدنا أثراً لهم في مجامع الآلهة لدى الهندوس وغيرهم [انظر مقال الهندوسية والبوذية]، واتصل بهم السحرة على مر العصور للاستعانة بهم واكتساب بعض قدراتهم من أجل استعباد الآخرين.

ومن أهم الحقائق والصفات التي وردت في نصوص الوحي عن الجن ما يلي:

1- أنهم مخلوقون من نار، وقبل وجود الإنسان، يقول تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ} [الحجر: 26- 27].

2- أنهم مُكلفون مثل البشر، وليسوا كالملائكة، لذا عصى إبليس ربه عندما أمره بالسجود لآدم، وما زال كثير من الجن يعصون الله ويتحولون إلى شياطين بإرادتهم لإغواء الناس وتضليلهم، يقول تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، كما ينقل القرآن عن جماعة الجن الذين استمعوا إلى النبي فآمنوا به قولهم {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} [الجن: 14] أي فيهم المؤمنون وفيهم الكافرون.

3- لديهم قدرات كبيرة تفوق قدرات البشر العاديين، فسخّر الله الجن لنبيه سليمان ليقوموا بأعمال البناء والغوص في المياه وصناعة الجفان والقدور الراسية والتماثيل، كما عرض أحد الجن على سليمان أن يحمل عرش ملكة سبأ بسرعة هائلة من اليمن إلى فلسطين، حيث تقول الآية {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39].

4- يستطيعون الصعود إلى مسافات بعيدة في السماء واستراق السمع من الملائكة لمعرفة ما يخفى على الإنسان من مصاريف القدر، وهو ما أكده القرآن الكريم دون تفصيل لآلية الاستراق والمسافات التي يقطعونها، فيقول على لسانهم {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا} [الجن: 8- 9]، أي أنه بعد بدء نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد يُسمح للجن بالصعود والاقتراب من السماء كي لا يختلط الوحي بأكاذيب الشياطين، فكان كلما صعد أحدهم وجد ملائكة وشهُباً تتصدى له.

5- لا يمكن للعين البشرية المجردة أن تراهم في حالتهم الطبيعية، فتقول الآية عن الشيطان وبقية الجن {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27].

6- لديهم القدرة على التشكل في أجساد مادية تراها العين البشرية، مثل أجساد الحيوانات والبشر، ومن الأدلة على ذلك حديث رواه مسلم عن صحابي قتل حية (ثعبانا) بطعنة رمح، فمات الشاب على الفور، فقال النبي “إن بالمدينة جنًا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان”.

7- لدى الشياطين -وهم كفرة الجن- قدرة على الوسوسة في صدور الناس، كما جاء في آخر سورة بالمصحف، وهي تنص على التعوذ بالله من تلك الوسوسة: {مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس: 4-6]، ومن الواضح أن السورة ساوت بين وسوسة شياطين الإنس والجن معاً، فكلاهما يؤثر في القلب، إلا أن الشيطان الجني لا يُرى بالعين ولا يُسمع بالأذن بل تصل وسوسته إلى القلب لاشعورياً.

3– الإيمان بالكتب المنزلة:
تعرضنا في مقال “نبوة محمد” إلى حقيقة الوحي الذي كان يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، كما فرغنا من إثبات صحة الوحي القرآني في نزوله وجمعه وتدوينه ونقله إلينا بالتواتر، وبالطريقة نفسها التي أنزل فيها القرآن على خاتم الأنبياء نزلت صحف وكتب أخرى على أنبياء سابقين كما أخبر بذلك القرآن والنبي نفسه.

ولا يكتمل إيمان المسلم دون إقرار جازم بنزول تلك الكتب، غير أنه لا يؤمن بصحة النسخ المتوفر منها حاليا لعدم سلامتها من التحريف والتبديل والضياع والنسيان. علماً بأننا لا نملك نصاً متواتراً من القرآن أو السنة بعدد كل الكتب المنزلة ولا بأسمائها وأسماء الأنبياء الذين تلقوها، لذا فالمطلوب من المسلم أن يؤمن بها إيماناً مجملاً، وأن يؤمن بما جاء ذكره في النص المتواتر.

أما الكتب التي وردت في القرآن الكريم فهي صحف إبراهيم، والتوراة المنزلة على موسى، والزبور المنزل على داوود، والإنجيل الذي أنزل على عيسى.

لكن هناك نصوصاً غير مؤكدة ذكرت كتباً أخرى، ومنها الحديث الذي روي عن أبي ذر عندما قال يا رسول الله كم كتابا أنزل الله؟ قال: “مئة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى أخنوخ (إدريس) ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى من قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان…” [أخرجه ابن حبان وصححه لكن الجمهور على تضعيفه].

وبما أن هذا الحديث غير مؤكد الثبوت، فقد يكون من الروايات الإسرائيلية المنسوبة إلى النبي، وهذا يعني أنه لا يمكن الجزم بما جاء فيه ولا نفيه، والمسلم ليس مُطالبا بالإيمان بنزول تلك الكتب، ويكفيه الإيمان بنزول ما ثبت نزوله بالنص المتواتر.

{وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 37:].

4- الإيمان بالرسل:
أوضحنا في مقال “نبوة محمد” حاجة الإنسان للنبوة، وبما أننا أثبتنا فيه أيضا صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإن من مقتضيات إيماننا بصدقه التصديق بوجود ونبوة كل من سبقه من الأنبياء. وهناك خلاف بشأن عدد الأنبياء والرسل لأننا لا نملك نصاً متواتراً يعددهم، فكل ما نجده في هذا الباب أحاديث غير مؤكدة وهي تشير إلى أن عدد الرسل بلغ 315 رسولاً، وأن عدد الأنبياء كان 124 ألفاً، وقد يكون العدد الصحيح أكثر أو أقل.

أما الذين يجب على المسلم الإيمان بهم فهم الذين ذُكروا في القرآن الكريم، وعددهم 25 فقط، وهم آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وشعيب وأيوب وذو الكفل وموسى وهارون وداود وسليمان وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم.

وللتمييز بين النبي والرسول هناك رأيان:
الأول: النبي هو الإنسان الذي اصطفاه الله من عباده بالوحي إليه، فهو يُخبِر بالغيبيات التي ينبئه بها الوحي، أما الرسول فهو النبي الذي يكلفه الله بتبليغ رسالته وشريعته للناس، وكلاهما يحملان نفس الصفات إلا أن الرسول يتميز عن النبي بكونه مُكلفا بالتبليغ.

الثاني: الرسول هو الذي يبعث إلى الأمة مستقلاً، والنبي هو الذي يبعث تابعاً لغيره، مثل أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا تابعين للرسول موسى عليه السلام فكانت مهمتهم هي التذكير بما جاء به موسى دون الإتيان بشريعة جديدة.

ويتفق الرأيان على أن كل رسول نبيا، ولكن ليس كل نبي رسولا.

وفيما يلي موجز لأهم صفات الرسل:
1- الحكمة والنباهة والفطنة، فهم يتمتعون بقدرات عقلية ونفسية كبيرة للقيام بمهمة التبليغ والإقناع والمجادلة، فمع أن الذي يميزهم عن الحكماء والفلاسفة هو أنهم يتلقون معرفتهم من الوحي الإلهي إلا أنهم يملكون أيضا الملكات العقلية التي يملكها كبار العقلاء ويتفوقون بها عليهم.

2- كمال الأخلاق والعصمة عن الذنوب، وقد تتبع علماء العقيدة سيَر حياة الأنبياء والرسل ووجدوا أنهم معصومون قبل البعثة عن الذنوب الكبيرة والصغيرة دون الهفوات الناجمة غالبا عن نسيان (مثل نسيان آدم وأكله من الشجرة) أو خطأ (مثل دفاع موسى عن أحد الإسرائيليين المستضعَفين من قبل جندي مصري فضربه موسى فقتله بالخطأ)، لا سيما وأن الأنبياء غالبا ما يُبعثون في بيئة لا يكون فيها الشرع محفوظا حتى يُحتكم إليه أصلاً، فلا يكون الذنب محدداً قبل البعثة، أما بعد البعثة فهم معصومون عن كل الذنوب، مع احتمال وقوع خطأ في التقدير كما يخطئ المجتهد، وذلك عندما لا ينزل الوحي ليرشدهم إلى التصرف المطلوب في نازلة بعينها، مثل اجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسماحه للمنافقين بعدم الخروج معه للقتال لأن الوحي لم يخبره بما ينبغي فعله، فنزل الوحي لاحقا ليقول له {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43]، ولعل الحكمة من تأخر الوحي هي إثبات بشرية النبي أمام أتباعه، فهو ليس إلهاً يشرّع بنفسه دون وحي كما ظن بعض أتباع عيسى عليه السلام، كما أنه لا يخفي شيئا مما ينزل به الوحي حتى لو كان متضمنا عتاباً له، وهذا من تمام أمانته وعصمته عن الكذب. والعصمة هبة من الله للرسل كي يمثلوا بسلوكهم القدوة الحسنة للناس.

3- الحفظ من العيوب المنفرة، فمع أن الله تعالى لم يحفظ رسله من الفقر والمرض وإيذاء الظلمة، إلا أنه لم يعرضهم للإهانة والإذلال الشديد والأمراض المنفرة والخلقة المشوهة.

كان السفهاء يتعجبون من كون الرسل بشراً مثلهم فيقولون {إن أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا}، فيكون الرد {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [إبراهيم: 10 و11]، فبشرية الرسل ليست نقيصة في حقهم، بل هي حجة على خصومهم بعد أن بيّن الله للناس عبر رسله النموذج العملي لما ينبغي أن تكون عليه أعمالهم وسلوكهم وطريقة عيشهم.

5- الإيمان باليوم الآخر:
الإيمان بالبعث والحساب هو من مقتضيات الفطرة التي تقر بوجود غاية وراء قصة وجودنا، فالإنسان في كل مكان وزمان يجعل لحياته هدفا وغاية، حتى لو كانت دنيوية، أما من يتأمل في الغايات الأبعد ولا يسمح لمجريات الحياة اليومية بأن تشغله عن الهدف الأسمى فلا بد أن يجد إلحاحاً شديداً في نفسه لوجود نهاية عادلة لحياة البشر بأسرها. فمهما اجتهد الإنسان في تحقيق العدل لأجله ولأجل الآخرين، فستظل هذه الحياة الدنيا ناقصة، بل غالبا ما يكون الظلم هو السائد في حياة البشر باستثناء فترات عدل قصيرة للغاية دوّنها التاريخ، فضلا عن النقص في الرزق والصحة وما يطمح إليه الإنسان من رخاء وراحة.

يقول تعالى {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم} [المؤمنون: 115- 116]، فالآية الأولى تنفي العبث وتؤكد البعث، والآية التالية تربط بين إثبات البعث وبين علو الله تعالى، فلا يليق بإله ملك حقٍّ عظيم أن يخلق هذه الحياة بكل ما فيها من تعقيد دون أن يجعل لها نهاية عادلة. وفي القرآن آيات عديدة تثبت هذا المعنى في صيغة سؤال استنكاري، فهي تؤكد مراراً وتكراراً أن من يتأمل قليلاً في هذه الحياة وبعيداً عن مشاغلها لا بد أن يدرك أن العدل لا يتحقق إلا بالبعث والحساب.

وقد جعل الله للساعة (الساعة الأخيرة) أمارات (علامات) تدل على قربها، ومنها علامات صغرى وأخرى كبرى، أما الأولى فنذكر منها بعض ما جاء في الأحاديث الصحيحة، وأهمها: “أن يُرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال ويكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد” [رواه البخاري ومسلم]، وحديث: “لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا” [رواه مسلم].

أما الأمارات الكبرى التي ستحدُث في المرحلة الأخيرة من هذه الدنيا، فقد رُويت بشأنها الكثير من الأحاديث غير المؤكدة والقصص المنقولة عن أتباع أديان سابقة (الإسرائيليات)، إلا أننا سنوجز ما جاء عنها في النصوص الصحيحة فقط، وهي:

1- الدخان، وهو أمر مثبت في حديث صحيح دون توضيح، أما تفاصيله فوردت على ألسنة عدد من كبار الصحابة، والراجح أنه دخان يخرج في مرحلة قريبة جداً من الساعة، فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وأما الكافر فيهيجه.

2- خروج الدابة، وهي المذكورة في قوله تعالى {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} [النمل: 82]، وهناك روايات كثيرة وغير مؤكدة تتحدث عن صفاتها، ولا نعلم بالضبط ترتيب خروجها من بين أمارات الساعة.

3- خروج الدجال الذي يدّعي الربوبية، ويكون متمتعاً ببعض الصفات الخارقة، ويتبعه أناس كثيرون افتتانا بقدراته.

4- نزول عيسى عليه السلام من السماء، وهلاك الدجال على يده، وإعادة العمل بسنة النبي محمد وشريعته، وبيان أن عيسى لم يكن كذاباً (كما زعم اليهود) ولا إلهاً (كما زعم النصارى).

5– خروج قبائل يأجوج ومأجوج وإفسادهم في الأرض، ثم هلاكهم في حياة عيسى عليه السلام.

6- طلوع الشمس من مغربها.

7- ثلاثة خسوف في الأرض، في المشرق والمغرب وجزيرة العرب، دون تحديد دقيق لموقع كل منها.

8- خروج نار من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم، والمقصود هو مطاردة من بقي حياً في شبه الجزيرة العربية إلى أرض الشام ليموتوا هناك قبل البعث، ولا ندري إن كان هؤلاء هم الأحياء الوحيدون على الأرض أم أن هناك شعوباً أخرى تعيش في بقية العالم وستُحشر إلى الشام أيضا أو ستموت في بلادها.

وفي النهاية، سيموت الجن والملائكة أيضا تصديقا للآية: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، ولا يبقى إلا الحي الديان قبل البعث والحساب، وسيكون البعث جسدياً ومادياً وليس للأرواح فقط، حيث قال ابن عباس “قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال إنكم محشورون حفاة عراة غرلاً، كما بدأنا أول خلق نعيده (الآية)، وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم” [رواه البخاري]، ثم يكون المصير إما إلى الجنة وإما إلى النار.

والجنة والنار مكانان حسّيان عظيمان، لا نعرف أين موقعهما اليوم وهل هما خارجان عن الكون أم داخله، فهما في عالم الغيب الذي لا يمكن للعقل ولا لأدوات العلم التوصل إلى تفاصيل بشأنهما، وقد اكتفى الوحي بإخبارنا ببعض صفاتهما، فللجنة درجات يرتقي فيها أصحابها حسب مقاماتهم عند الله، وأعلاها الفردوس، وفيها من النعيم “ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر” [رواه البخاري ومسلم]، وللنار أيضا دركات ينحط فيها أصحابها حسب معاصيهم وتمردهم، وقد وصفت بعض الآيات والأحاديث شيئا من عذابها الأليم لتحذير الخلائق، ونرجح أن بعض المؤمنين العصاة قد يدخلونها مؤقتا ثم يخرجون ويدخلون الجنة، تصديقا لظاهر قوله تعالى {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 106-107]، حيث فسّر الاستثاءَ كثيرٌ من العلماء بأنه للعصاة الذين يخرجون من النار بشفاعة الأنبياء، وسنناقش بالتفصيل في مقال “الأسئلة الوجودية الكبرى” أهم التساؤلات التي تُطرح حول مسائل الخلود في النار وشدة عذابها.

6- الإيمان بالقدر خيره وشره:
لا يكتمل إيمان المسلم ما لم يؤمن بالقضاء والقدر، وفيما يلي تعريف لكل منهما:

القول الأول: القضاء هو إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء، والقدر هو إيجاد الله للأشياء بما يتوافق مع القضاء. فمثلا: قضى الله تعالى في الأزل أن يخلق الأرض، ثم قدّر أن يخلقها في زمن ما.

القول الثاني: هو عكس الأول، فالقضاء هو خلق الأشياء، والقدر هو إرادة خلق الأشياء على مقدار محدد قبل أن تُخلق.

والإيمان بهذا الركن الأخير من أركان الإيمان يقتضي أن يقر الإنسان بحكمة الله وصفاته على النحو التام المطلق، فلا يداخل قلبه شك في أن يكون عِلمُ الله محيطا بكل شيء من الأزل، وأن تكون إرادته محررة من القيود التي تقيد إرادتنا، وأنه قادر على فعل ما يشاء، وأن له حكمه وغاية في كل شيء سواء علمنا ذلك أم لا، وسواء كان ذلك يوافق رغباتنا أم لا، وأنه عادل لا يظلم أحداً حتى لو كان في قضائه وقدره ما يؤلمنا، ففي الإطار العام للخلق والأحداث تتحقق الحكمة والعدل، حتى لو تأجل استكمال العدل إلى الحساب الأخروي.

وسنعالج في مقالنا الأخير “الأسئلة الوجودية الكبرى” بإذن الله تفاصيل التساؤلات التي قد تطرأ على الذهن فيما يتعلق بالحكمة والغاية والعدل، وما يتعلق أيضا بالجانب العملي للإيمان بالقضاء والقدر.

نواقض الإسلام
تتضمن كل الأديان محددات وشروطا لا بد منها ليتحقق الإيمان، ومن ثم فإن الإخلال بأي منها يُعد نقضا للإيمان بطبيعة الحال، وقد ذكرنا حديث عمر بن الخطاب الذي سأل فيه جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن أركان الإيمان والإسلام، ومن المنطقي أن نقر بأن عدم التصديق بأي من هذه الأركان يعد كفرا وخروجا من الدين.

وقد خاطب القرآن اليهود في إحدى المناقشات حول تحريفهم للتوراة بقوله {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ} [البقرة: 85]، فمن ينكر جزءا أصيلا مما جاء به الوحي ومما هو معلوم من الدين بالضرورة لا يمكن أن يكون مؤمناً، لأن هذا يقتضي تكذيب الوحي أصلاً، إذ لا يمكن منطقياً الاعتقاد بأن الوحي الإلهي يجمع بين الصدق والكذب، فإما أن يكون إلهياً ومن ثم صادقاً في كل أجزائه وتفاصيله، وإلا فهو ليس منزهاً ولا إلهي المصدر.

ينبغي الانتباه إلى أن لفظ الكفر ليس شتيمة كما هو شائع في عصرنا، حيث يحاجج البعض من غير المسلمين بأنهم ليسوا كفاراً حتى بالنسبة للمسلمين، مع أن المسلمين بالنسبة لهم كفار أصلاً، فالكفر علاقة نسبية، وهي تعني عدم الإقرار بعقيدة معينة. لذا وصف القرآن الكريم كل مؤمن بالله بأنه كافر بالطاغوت، وليست هذه شتيمة للمؤمن طبعا، فقال تعالى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256].

ونواقض الإيمان والإسلام في الأصل أمور اعتقادية، وبما أن الاعتقاد يتعلق بالقلب الذي لا يمكن الكشف للآخرين عنه إلا بإرادة صاحبه، فإن هناك مظاهر خارجية يمكنها أن تعكس الاعتقاد الباطني، فإذا ثبتت في الظاهر جرت على صاحبها أحكام الخروج من الدين، وإلا فيُعامل معاملة المسلم طالما كان يزعم انتسابه للإسلام، ويكون عند الله منافقاً لو لم يكن صادقاً، ويبقى أمر حسابه على الله.

وبناء على ما سبق، نقسم نواقض الإسلام إلى ثلاثة أقسام نوجزها كما يلي:
1- النواقض الاعتقادية: وتتضمن إنكار الإيمان بأيٍّ من أركان الإيمان الستة، أو إنكار أي من أركان الإسلام الخمسة، أو إنكار أي حكم شرعي معلوم من الدين بالضرورة، مثل إنكار تحريم الربا والزنا وعقوق الوالدين وغير ذلك من المحرمات التي ثبت بالنصوص المتواترة أنها محرمة قطعاً. وكذلك الاعتقاد بتحريم ما أحله الله، مثل تحريم أكل الذبائح المذكاة. فمن أنكر المحرمات القطعية أو أحل المباحات القطعية فقد خرج من الإسلام حتى لو لم يمارس ما يعتقده، لأن اعتقاده هذا يخالف نصوص الوحي قطعية الدلالة التي لا تقبل التأويل والاحتمال.

2- النواقض القولية: وهي من علامات الكفر الظاهرية، وتشمل كل قول يقر فيه صاحبه بعقيدة تناقض الإسلام أو تجحد بعقيدة معلومة من الدين بالضرورة أو تستهزئ بالدين أو بعقائده وأحكامه، وكذلك من سبّ أحد الرسل أو الكتب المنزلة، أو اعترض على عدل الله. ولا يعد مجرد النطق بذلك كفراً ما لم يكن صادراً عن وعي، فقد يفقد المسلم وعيه تحت وطأة الغضب الشديد أو يتعرض للإكراه فلا يكون مسؤولا على كل ما ينطق به، حيث تقول الآية {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106].

3- النواقض الفعلية: وهي أيضا من علامات الكفر الظاهرية، ومن أمثلتها السجود لصنم أو لإنسان، وتمزيق المصحف مع قرينة الإهانة، وتعليق صليب على الصدر مع قرينة التقديس، وكذلك تعليق أيقونات عبدة الشيطان مع قرينة تؤكد اتخاذها عن عقيدة وليس لمجرد التقليد الأعمى أو الجهل.

ويجدر بالذكر أن الكفر درجات كما هو حال الإيمان أيضاً، حيث تقول الآية عن بعض المرتدين عن الإسلام {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} [آل عمران: 90]، فهناك من يزداد كفراً بعد كفره، والمقصود بعدم قبول توبته هو أن توبته من الذنوب لن تغنيه طالما ظل على الكفر، فمن كان على علم بالإسلام وممارساً لشعائره ثم ارتد وصار معاديا له فهو أشد كفرا ممن لم يعتنق الإسلام بعد، لأن الحجة قامت عليه أصلا وتبين له صدق الإيمان والوحي.

أما من لم تصلهم رسالة الوحي، أو بَلَغتهم مشوهة ومحرفة، كما هو حال ملايين البشر الذين لا يسمعون عن الإسلام إلا أنه دين إرهاب وظلم، فتجري عليهم أحكام غير المسلمين في الدنيا بطبيعة الحال لكن أمرهم يوكل إلى الله في الآخرة، وقد وعد سبحانه بأنه لن يظلم أحداً مثقال ذرة، ومن تمام عدله ألا يحاسب هؤلاء كما سيحاسب من بلغته الرسالة وقامت عليه الحجة فرفضها، وأن يكون لكل شخص حساب خاص بحسب عقله وبيئته وظروفه وعوامل أخرى لا نعلمها، فلا يحق لنا أن نجزم بمصير أحد، بل نكتفي بالإقرار بعدل الله ورحمته.


أهم المراجع
عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، العقيدة الإسلامية وأسسها، دار القلم، دمشق، 1979.

أحمد بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1959.

إسماعيل التيمي الأصبهاني، الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، تحقيق محمد بن ربيع المدخلي، دار الراية، الرياض، 1999.

أبو جعفر الطحاوي، العقيدة الطحاوية شرح وتعليق، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، 1974.

يحيى هاشم فرغل، مداخل إلى العقيدة الإسلامية، دار ناصيف، دمشق، 1985.

ناصر عبد الكريم العقل، مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة، دار الوطن للنشر، الرياض، 1992.