مقالات

فاعلية الأفكار في الحضارات

عرابي عبد الحي عرابي


لمصطلح “الحضارة” بريق لا تخفي العقول انبهارها به، فغالبية “العلوم الإنسانية” تسعى لامتلاك حقيقة هذا المفهوم ويمضي علماؤها دهورًا في البحث عن الفاعلية التي تنشئ الحضارات.

بدو من الجزيرة العربية

وهذا ما نجده عند ابن خلدون في المقدمة التي خصصها لبحث “العمران وبداياته وأسباب انهياره”، والفيلسوف الألماني أوزوالد شبنغلر (ت 1936م) في كتابه “انحلال الغرب” الذي بحث مفهوم الحضارة والمدنية وتعمق في دراسة مظاهر المدنية الغربية ومآلاتها، والمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (ت 1975م) في “الحضارة في الميزان” و”الحضارة على المحك”، والمفكر الأمريكي صمويل هنتجتون (ت 2008م) في كتابه “صدام الحضارات”، والمفكر الفرنسي روجيه غارودي (ت 2012م) في كتابه “حوار الحضارات”، وعشرات الأمثلة الأخرى التي شغلت مساحة واسعة من علم الاجتماع والآداب والأنثروبولوجيا (علم الإنسان) وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا.

وقد تكون الحالة الحضرية المقابل لحالة الترحال لدى قبائل البدو وتتطور لتصبح الإنتاج الفكري والأنظمة الأخلاقية والاقتصادية والآثار العمرانية التي تنتمي إلى حقبة أو جماعة أو دولة ما[1] فتشمل بذلك الدين واللغة والعلم وكل ما يمت لهذه المفردات بصلة.

لن يخوض المقال في متاهات تحديد المصطلح وأثره في الدراسات النظرية المتعلقة بحقوله العلمية، ولعل التطور التاريخي الذي ارتبط بالمفهوم مع الخلفيات الفكرية المتنوعة لدارسيه (كاللغة أو التأريخ أو الجغرافيا) جعلت ضبطه بتعريف مقتضب أمرًا أقرب إلى العسر من اليسر، إضافة إلى وجوب التنويه إلى أن هذه التعريفات إما أنها ولدت داخل الإطار الغربي أو أنها وضعت للوعي الديني التوحيدي[2].

مالك بن نبي

الفكرة والحضارة
يسعى المقال لاختصار أهم ما بُحِث عن أثر الأفكار في نشوء الحضارات وتطوُّرها، ولا يخفى أن الخوض في ذلك يستدعي البحث في مسألة السبق، فهل الحضارة أسبق أم الأفكار؟

إن القطع بأي من القولين يعني الوقوع في معضلة السبب والمسبِّب كما في مثال الدجاجة والبيضة، ولذا فإن المسألة معقدة جداً، ولعل مما يسهم في فهمها البحث المدقِّق في التطور الفكري وأثره في الحضارة وأثر تطور الأدوات في حياة الناس وبالتالي أثر تغير حياة الناس في الفكر ومن ثم عودة الدورة لتحقق نفسها مرة أخرى بسبل أخرى، وبذلك تتغير أحوال الحضارات باستمرار.

وعلى أيٍّ؛ فإن كل حضارة محكومة بقانون كلي ينبغي البحث عنه وتحليل عناصره وفهمها، وهو ما سعى لرصده وتحليله المفكر الجزائري مالك بن نبي (ت1973م) “حيث يؤكد مالك رحمه الله أن التصدي لبناء أي حضارة ينبغي في التوجه إلى البحث في سنن الأمر وشروطه، سواء في قيامها أو انهيارها”[3] .

انطلق ابن نبي في دراسته لنشوء الحضارة من عدة جوانب كجانب بنية الحضارة وعناصر تركيبها، أو جانبها الوظيفي الذي يتعمق في فهم الغاية التي تؤديها الحضارة –بنُظُمها- في المجتمعات التي تنتشر أفكارها فيها، ليتوصل في النهاية إلى تحليل طرق نشوء الحضارة وتطورها وغايتها الرسالية التي تحققها[4].

ويجمل ابن نبي مفهوم “الحضارة” من حيث النشوء والدوام والانحطاط في المعادلة الآتية: “الحضارة = إنسان + تراب + زمن” وتحت هذا الشكل تشير الصيغة إلى أن مكونات الحضارة تعود إلى ثلاثة عناصر أولية: الإنسان، التراب، الوقت[5]، وهو ما يصطلح عليه أحياناً بثلاثية الأشياء والأشخاص والأفكار.

ولكي تقوم الحضارة فإن الواجب يتمثل في حل مشكلات هذه العناصر الثلاثة من أساسها من خلال التفاعل بين الإنسان صاحب الجهد المنجز، وعنصر التراب (أي مصدر الإنجاز) المادي، وعنصر الزمن الذي هو الشرط الأساسي لأي عملية يقوم بها الإنسان[6]. يوضح ابن نبي أن القانون الكلي للحضارة مقتصر على مدى العلاقة بين الأشياء (أي كل ما ينتجه هذا المجتمع من آثار مادية وزراعة وصناعة وغير ذلك) والأشخاص (العلاقات والنظم وقواعد التواصل التي تنظم حياة الأشخاص الذين يكونون المجتمع) والأفكار (المعتقدات والمبادئ والتصورات التي تحتويها عقول المجتمع في لحظة ما) مع بعضها بعضًا وتأثيرها في بعضها أيضًا، حيث تتعايش هذه العوالم جنبًا إلى جنب، وحين يتفوق أحدها على الآخر فإن صبغة المحور الغالب تطبع المجتمع بصبغتها وهو ما سيرد باختصار في مراحل الحضارة.

فالتأثير الحضاري -إذن- مرتبطٌ بتوجيه الأفكار للمجتمع، ولذا لا بد من فكرة تطبع الحضارة فتميزها في التاريخ، وليظهر ابن نبي تأثير الفكرة في الحضارة فإنه يفصل الحديث في الفكرة المركبة -ويمثل لها بالفكرة الدينية- التي تعدُّ أساس القيم الاجتماعية، والمُعبِّر عن روح المبادئ التي تسري في أفراد المجتمع، وتحتاج العناصر الثلاثة للشرارة الفكرية المركبة التي تسير بمركبها قدماً فتحقق علاقات التبادل والتكامل بين العناصر وتطور الحضارة، هذه العلائق هي ما يسميه ابن نبي بـ”شبكة العلاقات الاجتماعية” التي تتحقق بوجود الجهد الإنساني في صورة إنجاز حضاري في التاريخ، والحضارة من هذه النظرة الفاحصة تقوم على عناصر الإنسان والتراب والزمن، في وجود شبكة من العلاقة الاجتماعية التي تشكل الميلاد الحقيقي للمجتمع في التاريخ وبداية إنجازه التاريخي على ضوء الفكرة الدينية[7].

أرسطو

تأثير الفكرة في الحضارة
أي حضارة ما ناتجة عن فكرة جوهرية تطبع المجتمع في مرحلة ما قبل التحضر وتدفعه لدخول ميدان التاريخ بحضارة واثقة، فقد أخرجت الفكرة المسيحية أوروبا إلى مسرح التاريخ، وبنت عالمها الفكري انطلاقا منها، وقد تغيرت فكرتها مع استعادة عصر النهضة أدبيات الإغريق وفلسفات أفلاطون وأرسطو[8] لتصبح حضارة المادة لا الروح، بينما كان الباعث الفكري للحضارة الإسلامية هو الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وما زالت جماهير المسلمين تحن إلى روح هذه الحضارة، وبذلك يتجلى نموذجان فكريان يسيطران على مسير الحضارة:

1- السيطرة التقنية وتتمثل في الفكر الغربي الذي يجنح إلى الدوران حول الوزن والكم ويصل إلى المادية عند الانحراف والمغالاة.

2- الحضارة الأخلاقية المؤمنة بالغيب، وتتمثل بالحضارة الإسلامية في ذروة حضورها،حيث يدور الفكر الإسلامي في مداره الأول حول مبدأي حب الخير أو كره الشر، إلا أنه في عصور أفول فاعلية حضارته فإن المغالاة تدفع المسلمين إلى التقليد الأعمى والانبهار الكبير بأشياء الغرب[9].

ودور الأفكار لا يمثل الزينة أو الزخرفة التي تزين الواجهة الحضارية بل يمثل الباعث للحضارة وقائدها نحو التقدم، فتكون الأفكار هنا الباعث الوظيفي للقيام بمهمة الحضارة[10]، والفكرة الباعثة للحضارة تمر مع الحضارة بمراحل ثلاثة: مرحلة الروح التي تعد تمثيلاً أولياً “لإشعاع الفكرة الدينية التي تتمكن من النفوس فتبنيها بناء مرصوصا” ويندفع معتنقوها للدعوة إليها ونشرها، ثم مرحلة العقل حيث تنزل الروح  إلى عالم العقل فتساعده على الفهم وتحفزه على الأخذ بالعلم لخدمة الفكرة، فيدير الشؤون المدنية والاجتماعية ويوافق ما بين الحاجات المادية ومتطلبات الروح للمجتمع ضمن إطار الأفكار التي أنشأت الحضارة، ثم مرحلة الغريزة، حيث تبدأ العلاقات الاجتماعية المتشكلة عن الحالة الأولى بالتحلل فربما تنسل إلى همهمات التصوف أو تنحدر إلى عالم العجائب الذي هبت منه روح ألف ليلة وليلة، أو التقليد الأعمى لمنتجات الغرب بدعوى التحضر، وبالتالي تتكدس الأشياء والأدوات الاستهلاكية والمنافع الخاصة على حساب الأفكار، وبالتالي فإن العقل يجيِّر المادة لخدمة الغريزة، بينما كانت الروح والعقل يجيرانها لخدمة الأفكار [11].

وبكل تأكيد فإن طغيان عالم الأشياء سيوقف فاعلية الحضارة وستنتقل قيم المجتمع من مرحلة التميز الفكري إلى الاستهلاك وتكديس المنتجات المادية وتقليد الآخر، وحين يطغى الأشخاص فإن المثل الأعلى سيتجسد في شخص ما على هيئة (وثن) حيٍّ حيث يشير علماء الاجتماع إلى أن التعامل مع (الوثن) أسهل من التعامل مع الفكرة، إذ يسهل استغلال النفوذ مع الأشخاص مقابل استحالته مع الفكرة.

المجتمعات الإسلامية الراهنة
بحسب تصنيف مالك بن نبي فإن المرحلة التي تمر بها عموم المجتمعات الإسلامية تشهد تداخلًا بين طغيان الأشياء والأشخاص على الأفكار، ولذا فإن لب مشكلة “المجتمع الإسلامي” ليست في الوسائل التقنية أو الصناعية وإنما في المناهج والأفكار التي تتعامل مع المشكلات الحضارية، كما أن مجتمع ما قبل التحضر وما بعد التحضر لا يفتقر للوسائل (الأشياء) وإنما يفتقر للأفكار، حيث يعجز أولاً عن تطوير ما لديه من الأفكار ويعجز ثانياً عن إيجاد بدائل لها.

إن عالمًا مسلماً بعد ابن خلدون لم يدرس المجتمعات الإسلامية والأمراض التي تصيب حضاراتها من منطلق استطلاعي رصين مثل المفكر الجزائري مالك بن نبي، وكما أن ابن خلدون لم يغدُ ظاهرة في البلاد الإسلامية فقد نال “بن نبي” المصير ذاته، فعلى الرغم من شهرة الرجلين وتداول كتبهما إلا أن المؤسسات الرسمية لا تولي لأطروحتيهما في دراسة المجتمعات الإسلامية كبير اهتمام.

وإن كان الحال في فهم الأفكار ودورها في بناء الحضارات هو الأساس للنهضة، فإني أختم المقال بهذا الاقتباس عن ابن نبي: “لا يمكن لشعب أن يفهم مشكلته ما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها، وما الحضارات المعاصرة والحضارات الضاربة في ظلام الماضي والحضارات المستقبلة إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر القرون إلى نهاية الزمن، فهي حلقات لسلسلة واحدة تؤلف الملحمة البشرية منذ أن هبط آدم على الأرض إلى آخر وريث له فيها”[12].


الهوامش

[1]  المعجم الفلسفي، د. مراد وهبة، دار قباء، القاهرة، 2007، مادة “حضارة”. ص280.

[2]  في مفهوم الحضارة، د. بدران بن الحسن، مجلة نوافذ: اتجاهات فكرية، 25 /12/ 2003.

[3]  الظاهرة الغربية في الوعي الحضاري، د. بدران بن الحسن، سلسلة كتاب الأمة، العدد 73، ط1، 2000، ص69، 70.

[4]  في مفهوم الحضارة، د. بدران بن الحسن.

[5]  المرجع السابق.

[6]  شروط النهضة، مالك بن نبي، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986، ص41، والظاهرة الغربية في الوعي الحضاري، ص70، 71.

[7] حديث في البناء الجديد، مالك بن نبي، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، د.ت.ط، ص100-101.

[8] مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مالك بن نبي، ترجمة: بسام بركة، أحمد شعبو، دار الفكر، دمشق، 2002، ص41.

[9]  المرجع السابق، ص24.

[10]  المرجع السابق، ص42.

[11]  هذا ملخص عن المرجع السابق ص43-48.

[12]  شروط النهضة، ص19، 20.

كيف يصحح التوحيد كل المفاهيم؟

إبراهيم إسماعيل


يعتقد المسلمون أن جميع الأنبياء كانوا من حملة رسالة التوحيد، وأن أول من نزل بالتوحيد هو أبو البشرية آدم عليه السلام، واجتمعت كل دعوات الأنبياء على هدف واحد، وهو هداية البشر إلى التوحيد، وهو ما ذكرته الآية الكريمة: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}.

ويعتقد المسلمون كذلك أن القول بالتوحيد يتفق مع المنطق الضروري، ذلك أن وجود إلهين أو أكثر يعني عدم انتظام في مسيرة الكون، لأن كل إله سيسعى للانفراد بما خلق، وكل واحد منهم سيسعى للعلو على غيره، وهذا من الأمور المستحيلة التي نبه لها القرآن بقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}، ولن يكون للإلهة  المتعددة أي جدوى للإنسان إن لم يجهزْ أحدهم على بقيتهم أو يخضعهم لإرادته، فلا بد من توفر صفة الأعلى في الإله، لأنه لا يمثل الخير الأسمى والسلطة العليا والمبدأ الأخير غير مصدر مطلق، منه البداية وإليه المنتهى.

أما سلطة إله خاضع لغيره، أو إله معه آلهة أخرى، فهي موضع شك على الدوام، وهو مما يفسد انتظام الكون، وبذلك أشارت الآية الكريمة: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَـةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}. لذلك فليس بمقدور الكون أن يطيع سيدين، ولا أن يعمل بانتظام سنني ويكون على هذا التناغم الذى هو عليه، لو كان في الوجود أكثر من مصدر نهائي واحد تتلقى الموجودات المخلوقة منه أمرها[1]، لذلك يرفض الإسلام الألوهية في أشكالها التعددية والتثنوية، ويرفض الشرك والوثنية، وتنص شهادة الإيمان في الإسلام على التوحيد الذي أصبح رمز الدين الإسلامي وشعاره والعلامة المميزة للمسلم من غير المسلم”[2].

تمثال عملاق لأحد آلهة الهندوس في ماليزيا

يعتبر الإسلام أن الإنسان مفطور على التوحيد، وأن الشرك بكل صوره وتجلياته ومظاهره نتاج نظم فاسدة في التربية، وفعل التأويل والتاريخ[3]، فالوثنية والإشراك نهج خاطئ منحرف، وهو رغم ذلك لم يمنع الاعتراف النهائي بفكرة الألوهية {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}[4]، ذلك أن الوثنية تتوسل بآلهتها الصغرى، وترتقب الخير من التعلق بها -بوصفها ذات صلة خاصة بالإله الكبير- ولذلك يعتبر هؤلاء أن الشركاء شفعاء! والقرآن الكريم ينفى أن يكون لأحد عند الله شأن من هذا القبيل: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون*قل لله الشفاعة جميعا}[5]، لذلك رفع الإسلام من شأن التوحيد حتى جعل كلمة التوحيد أعلى شعب الإيمان، وبين أن الأمر كله بيد الله، فالله وحده هو الضار النافع، الذي يخذل أو ينصر، ويعطي أو يمنع، وليس لأحد بعده تعقيب على حكمه، وليس من شأن ملك في السماء أو نبي في الأرض التدخل في مشيئة الله.

ويرى علماء المسلمين أن التوحيد هو أول دافع للبشر نحو الإيمان، فأغلب الذين كفروا بالألوهية إنما كفروا بها على أنها أصنام أو أبقار أو تثاليث مبهمة، والكفر بالآلهة الخرافية جزء من حقيقة التوحيد، ذلك أن كلمة التوحيد تتألَّف من جزء سالب “لا إله” وجزء موجب “إلا الله”، فإنكار ألوهية البشر والحجر وما إلى ذلك نصف الحق، وكان يجب الاقتناع بالألوهية الصحيحة لتتم العقيدة الصادقة[6].

ويقرر علماء المسلمين أن التوحيد يمنح أتباعه نظرة صحيحة تجاه الله والكون والإنسان والسلوك البشري، ذلك أن القول بغير التوحيد يخلق نظرة مشوشة تضطرب فيها تصرفات الإنسان، وعلاقته مع غيره، وتفصيل ذلك في التالي:

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الله
يوضح إسماعيل راجي الفاروقي دور التوحيد في تصحيح نظرة الإنسان للإله، فيرى أن القول بالتوحيد يعني أن هنالك جنسين منفصلين، الله وغير الله، الخالق والمخلوق، في المرتبة الأولى لا يوجد سوى الله، لا شبيه له، وهو باق إلى الأبد، وفي المرتبة الثانية يوجد المكان، الزمان، الخبرة، الخليقة. والمرتبتان من خالق ومخلوق مختلفتان غاية الاختلاف من حيث طبيعة وجودهما كما من حيث كونهما ومساراتهما، ومن المستحيل قطعاً أن يتحد الواحد بالآخر أو يذوب فيه أو يتداخل أو ينتشر فيه، ولا يمكن للخالق أن يتحول وجودياً ليصبح المخلوق، كما لا يمكن للمخلوق أن يتسامى ليصبح الخالق بأي شكل أو معنى[7].

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الكون والطبيعة
الطبيعة وما أودعها الله من موارد، جعلها مذللة للإنسان ليستخدمها ويستفيد منها، والقول بغير التوحيد قد يبدل الحال، فيجعل الإنسان خاضعاً للطبيعة وبعض محتوياتها، فتتعطل بذلك الطاقات التي كان الأصل بها أن تستثمر، ويضرب سعيد حوى مثالاً لذلك بتقديس المرء للأبقار، حيث لا يستفاد من لحمها ولا لبنها، وتعيش هي على حسابه فلا يتعرض لها، وفي سنوات القحط بدلاً من أن تكون عاملاً من عوامل سد الفاقة، فإنها تزيد من مشاكل الجوعى بالأكل من محاصيلهم دون أن يعترض أحد، وبهذه النظرة المختلة يبدو أن البشر تحوّل إلى مسخّر لخدمة البقر لا العكس[8].

ويلاحظ محمد خليفة حسن أن التقدم الفكري للإنسان عامل مهم في تحول نظرته للطبيعة، فكلما فهم الإنسان الطبيعة قلت درجة قداستها واحتلت وضعها الطبيعي في الفكر الديني[9].

وهذا الرأي قال به أيضا كافين رايلي مؤلف كتاب «الغرب والعالم»، إذ يشير إلى أن نظرة الغرب للطبيعة وربطها بالمجتمع الصناعي، سبقها نظرة لاهوتية، وينقل عن أرنولد توينبي أن التوحيد مثل نهياً عن الأشكال القديمة لعبادة الطبيعة، وأن التسليم بالتوحيد اقتضى بالضرورة تحول الإنسان من عبادة الطبيعة إلى تسخيرها واستغلالها، وقبل التوحيد لم تكن الطبيعة كنزا من الثروات بل كانت آلهة بصور مختلفة[10].

وشبيه بذلك ما تحدث به الفاروقي في كتابه «أطلس الحضارة الإسلامية»، حيث أفرد فصلاً تحدث فيه عن نظام الطبيعة[11].

لوحة تخيلية للصلب من القرن السادس عشر

التوحيد وتصحيح النظرة إلى الإنسان
إن النظرة للإنسان بعيداً عن التوحيد تخلق مشكلة مزدوجة، ذلك أنها تعلي من مقام بعض البشر وتصل بهم إلى القداسة، وتضع من قيمة بعضهم حتى تصل بهم إلى النجاسة، ويمثِّل إسماعيل راجي الفاروقي لذلك بالمسيحية التي حطّت من قدر الإنسان بدعوى الخطيئة الأصلية، واعتبرته كائناً هابطاً، لدرجة أن تصحيح هذه الخطيئة يستلزم موت الإله على الصليب، وكذلك صنفت الهندوسية البشر في طوائف اجتماعية منغلقة، ووضعت أغلبية البشر في أدنى الطوائف في طبقة المنبوذين أو الملوثين من الوجهة الدينية، ولا مجال أمام الطبقة الدنيا والملوثة للارتقاء إلى مصاف طبقة البراهمن المحظوظة السامية في هذه الحياة الدنيا، فمثل هذا الانتقال ممكن فحسب عبر تناسخ الأرواح بعد الموت، أما في هذه الحياة الدنيا فلا مفر من أن ينتمى الإنسان للطائفة التي ولد فيها، وكذلك ذهبت البوذية إلى القول بأن حياة البشر وكل الكائنات الأخرى عبارة عن معاناة وبؤس دائمين، بل إن الوجود ذاته شر، وواجب الإنسان  الوحيد الذى له معنى هو سعيه إلى التخلص منه عبر الانضباط والجهد العقلي.

ويقابل البشر المستحقرين في هذه الديانات، بشر مقدسون، وصلت القداسة ببعضهم حد التأليه، وفي هذا التفاوت في قيمة الإنسان كانت إنسانية التوحيد وحدها –كما يؤكد الفاروقي- هي الأصيلة، التي تحترم الإنسان بصفته إنساناً مخلوقاً، دون تأليه أو تحقير، وهى الوحيدة التي تحدد قيمة الإنسان بمناقبه، وتبدأ تقييمها له من نقطة إيجابية لتسليمها باستواء الفطرة التي فطر الله كل البشر عليها، لإعدادهم للقيام بمهمتهم النبيلة، وهى الوحيدة التي تحدد  فضائل ومثاليات الحياة الإنسانية بمحتوى مماثل للحياة الفطرية، وليس بالتنكر لها، مما يجعل إنسانيتها غير زاهدة في الحياة وأخلاقية في آن واحد[12].

لقد أهدرت النظرة غير التوحيدية قيمة الإنسان وطاقاته، وجعلت شعباً من البشر مسخّراً كله لخدمة فرد منه، كما حصل مع فرعون مثلاً، لذلك كانت غاية رسالة التوحيد -كما لخصها الصحابي ربعي بن عامر-  إخراج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد.

التوحيد وتصحيح النظر في السلوك البشري
هناك قواسم مشتركة بين البشر وهي: وحدة الإله ووحدة الدين، ووحدة البشرية، ووحدة الغاية من الوجود، فالله خلق البشر في أحسن تقويم لعبادته، والتوحيد هو عقيدة البشر منذ بداية الخليقة، والبشر إخوة يعودون إلى أصل واحد هو آدم وحواء عليهما السلام، فهناك درجة من القرابة تربط البشرية ببعضها البعض مهما اختلفت ألوانهم ولغاتهم وثقافاتهم وأديانهم، وهذه الاختلافات أملتها البيئات المتنوعة واختلاف الأمكنة والأزمنة والمناخ[13]، وبذلك فالإنسان الآخر هو أخ للمسلم في الإنسانية، وهو مشروع موحِّد في أي لحظة قد يقرر فيها خلع الشرك والوثنية، لذلك كانت الأخلاق في الإسلام متعدية كما قال تعالى {لا يجرمنكم شنئان قوم الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى}، وذلك بعكس بعض الديانات التي قصرت الأخلاق الحسنة على أتباعها، وجعلت من جماعتها جماعة مميزة عن بقية البشر، كزعم اليهود أنهم شعب الله المختار، فلم يربط الإسلام مبدأ المساواة بثقافة أو حضارة بعينها، فالمبادئ الأخلاقية التكوينية للإنسانية في المنظور الإسلامي ثابتة ومسلم بها لأي إنسان حتى لو كان  منتمياً إلى دين غير الإسلام، أو إلى حضارة أخرى، أو حتى لو كان عبداً رقيقاً نتيجة تبعات فعل قومه في التاريخ[14]، فدين التوحيد لا يفاضل بين البشر إلا من خلال أعمالهم ومكتسبات أيديهم.

لقد أعاد الإسلام للبشرية مبدأ التوحيد بعد أن أوشك على الذبول والتلاشي تحت وطأة المسيحية الرومانية الشاردة عن أصولها الصحيحة[15]، ولم يبق إلا الإسلام كمعبِّر حقيقي عن التوحيد الكامل، فاليهودية قبلت التعدد عندما خصصت الإله الواحد لبني إسرائيل وسمحت به لغيرهم، كما غيرت المسيحية التوحيد تغييراً جذرياً من خلال عقيدة التثليث[16].


[1] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. ترجمة السيد عمر، القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية 2014، ص65

[2] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، دار الثقافة العربية: 2002 ص283

[3] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص17

[4] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان، الدوحة: دار الثقافة، الطبعة الأولى 1985، ص94

[5] محمد الغزالي، الاستعمار أطماع وأحقاد، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة الرابعة2005، ص128

[6] محمد الغزالي، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة الثالثة 2005، ص91

[7] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية، ترجمة: عبد الواحد لؤلؤة. الرياض: مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى 1998ص132

[8] سعيد حوى، الرسول، القاهرة: دار السلام، الطبعة الثانية 1990، ص370

[9] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، مرجع سابق، ص 34-35

[10] كافين رايلي، الغرب والعالم، ترجمة: عبد الوهاب المسيري وهدى حجازي، القسم الأول، من إصدارات عالم المعرفة 1985 ص 250-251

[11] إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية. مرجع سابق ص 451.

[12] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص128-129

[13] انظر: محمد خليفة حسن، الحوار منهجاً وثقافة. من مطبوعات وزارة الأوقاف القطرية، الطبعة الأولى 2008 ص117

[14] إسماعيل راجي الفاروقي، التوحيد مضامينه على الفكر والحياة. مرجع سابق ص149

[15] محمد الغزالي، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، القاهرة: نهضة مصر للطباعة، الطبعة السادسة 2005، ص100

[16] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة، مرجع سابق، ص246-247

اللاإنجاب.. الدعوة إلى الانقراض الطوعي

عرابي عبد الحي عرابي


تزايدَت في الآونة الأخيرة –على سبيل المثال- أنشطة حركة “VHEMT” والتي تختصر جملة: (حركة الانقراض الطوعي للبشر)[1] الداعية إلى إيقاف ما سمَّوه “جريمة الإنجاب”، وامتدَّ التأثُّر بها إلى شباب بعض الدول العربية تحت عناوين متعددة اشتهرت على مواقع التواصل الاجتماعي، كحملة “شباب ضد الإنجاب” ومجموعة “مغاربة لا إنجابيون” ومجموعات أخرى تحمل نفس الفكرة، لتجتمع هذه المبادرات في صفحة واحدة سُمِّيت “ضدّ التناسل”[2] على موقع “فيسبوك”، حيث أصبح لها حضور واضح بين متابعيها المؤمنين بالظلم في إنجاب الأطفال في هذا العالم.

يذكر أحد مديري الصفحة “أن إعلان إطلاق الحملة كان اختباراً لوقع الفلسفة اللاّ إنجابيّة على وعي المتلقي العربي. وأن المتابعة الكبيرة لصفحتهم كانت على عكس توقعاتهم”، مرجعًا ذلك إلى “ما يمر به العالم من حروب وأزمات وكوارث طبيعية فجعل اليأس يتسرّب لشباب المنطقة”، واصفاً دعوتهم والجهود التي يبذلونها بـ”الدعوة الأخلاقيّة بعيداً عن أي تصنيفات أخرى”[3].

بدايات فلسفة اللاتناسل
أولى إشارات هذه الدعوة تأتينا من اليونان القديمة في صورة مسرحيات أو أشعار ناقمة على الحياة، وربما ضمن شذرات ألقاها بعض الفلاسفة كأرسطو، وقد كان لبعض الفلاسفة في التاريخ الإسلامي آراء تميل إلى نصرة هذه الفلسفة كالشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري (363 هـ – 449 هـ) بدعواه لعدم الإنجاب، ولعل بيته الشعري الشهير:

هذا ما جناه أبي عليَّ *** وما جنيتُ على أحد

يوضِّح ذلك، ليؤيدها فلاسفة العصور الحديثة كالفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور، والروائي الروماني إميل سيوران كما في كتابه “مثالب الولادة”، وديفيد بينتار صاحب كتاب “الأفضل أن لا تكون” وآخرون كثيرون.

الإعلام والدعوة لعدم الإنجاب
إنه من المثير حقًّا أن النقاش حول هذه الأفكار كان –إلى مدة ليست ببعيدة- محصوراً بين الأكاديميين في أروقة الجامعات ومراكز البحث، إلا أن الإعلام تكفَّل بإخراج هذه الأفكار من حيز الدوائر الفلسفية والأكاديمية وأدخلها في صميم التأثير في التجمعات الشعبية والجماهيرية، فأنتِجَت في أزمنة متفاوتةٍ العديد من المسلسلات والأفلام والأغاني العالمية، كفيلم “ليون lion” عام 2016، وفيلم “التوت البري” عام 1975 ومسلسل (True Detective) أو (محقق فَذ) والتي تدور حول هذه القضية وتؤيدها وتدعو لها.

إن الفكرة الأهم التي سعى المسلسل آنف الذكر لإثباتها وتبنّاها في كل حلقاته ضرورة “إيقاف الإنجاب” ضمن إطار دراميٍّ مشوِّق، فيكشف توالي الأحداث في المسلسل تناقض شخصيتي “رستن” وزميله في التحقيق “هارت”، فتصرفات “رستن” متطرفة في نظر المجتمع، على خلاف “هارت” الذي يقف على الناحية الأخرى تماماً، وبعد التعمُّق في المتابعة نجد أن المحرك الحقيقي الذي لتشاؤم (روستن) تجاه ذاته والعالم فَقدُه لطفلته الصغيرة في حادث مأساوي أنهى زواجه وغيَّر حياته وفكره، لتتحوَّل رغبته في الانتقام لموت ابنته إلى هوَس فكري في إثبات أنه يجب على البشرية أن تكف عن الإنجاب وأن تسعى إلى الانقراض الطوعي قبل أن تكون النهاية كارثية بالأسلحة النووية أو الكوارث الطبيعية.

حجج فلسفة “اللاإنجاب”
تتنوَّع الحجج التي تسوقها الفلسفة اللاتناسليّة، فثمة أسباب مادية مباشرة، كالحروب مثلاً، فمن الذي يرغب يوماً في أن يستخرَجَ ولده مُهشّما من تحتُ الرّكام كما هو الحال في حلب أو غزّة، أو أن يراه قد أسقطَ العلاج الكيماويّ شعرَه وأنحلَ جسمَه وما زال ينتظرُ موتَه المحتّم، أو أن يراه متشوِّه الجثة في انفجارٍ لا يُعرَف مدبّرُه؟[4].

ومن الحجج أيضا الفقر وعدم كفاية الموارد الطبيعية، فالاستمرار في الإنجاب سيسبب ازدحامًا سكانيًّا هائلًا، وبحسب التقديرات إذا استمر ارتفاع في المواليد في قارة إفريقيا على ذات الوتيرة الحالية فإن عدد سكانها سيقترب من ملياري إنسان تقريباً في عام 2050م، إلا أن القارّة السمراء لن تنتج من الطعام في عام 2025 ما يزيد عن حاجة 25% من عدد سكانها[5].

ومن الحجج أن “اللاإنجاب” أفضل للبيئة، فتقليل عدد البشر يخفف من انبعاثات سياراتهم وآلاتهم واحتياجاتهم التي تؤثر في الغلاف الجوي، كما يحتجُّ ديفيد بينتار -رئيس قسم الفلسفة بجامعة كيب تاون في جنوب إفريقيا- بأن “الإنجاب في ذاته قرار لا واعٍ وأنه نتيجة تابعة لممارسة الجنس، ولذا فإنه من العبَثِ الإتيان بأفراد جدد لهذا الوجود، وإن أخذ بعض الأشخاص هذا القرار بشكل واعٍ، فإنهم يفعلون ذلك لأسباب ليس من ضمنها مصلحة الطفل نفسه، وأن إنجابه سيكون شيئًا جيدًا بالنسبة إليه لا بالنسبة للطفل نفسه”[6]، وعليه فإنه يرى أن الإنجاب منحصر في مصلحة أبويه لا مصلحته هو، وعلى ذلك فإن الندم على عدم الإنجاب ليس ندماً على عدم تحقق مصلحة الابن بل لعدم تحقق مصلحة الأبوين.

مغالطات وتوهمات
إن الاستنادات التي يقدمها دعاة “الانقراض الطوعي للبشرية” ليست حقائق مطلقة، بل هي عوارض نسبية ناتجة عن أمور أخرى، فلا الفقر أو الحروب أو الكوارث الطبيعية ذات وجود موضوعي مطلق، ولا هي في حال وجودها مستمرة بذاتها، فالحروب تقوم على التنافس وتهدف إلى السيطرة والسلطة والتحكم بالموارد المالية والثروات الطبيعية وتعمل في سبيل ذلك على إخضاع الأطراف الأخرى بشتى الوسائل.

وكذلك الفقر والأمراض، فهي تابعة لأسباب تتقدم عليها، ومن ثمَّ، فإن الأجدر –برأيي- البحث عن حلول لإصلاح الأحوال الاقتصادية والسياسية إيقاف السيطرة على ثروات الآخرين والتعاون معهم لإنشاء عالم خالٍ من الطغيان قوي بالمرحمة التي تسود أركانه، إذ إن الدعوة لإيقاف الإنجاب لن تحل هذه المشكلات البتة.

مغالطة “اللامعنى في الوجود”
لقد بات من القطعيّ أن الفلسفة العدمية تنظرُ إلى الحياة بتشاؤم مفرط وتُلْبِس تأويلاتها السوداوية كل أمر ذي قيمة جوهرية، فليس من الغريب أن نرى العدميين يفكرون في قضية التناسل والإنجاب على نحو تشاؤميٍّ مفرِط، فـ”الحياة بلا معنى” خاصةً وأن الدعاوى التي تُساق لتسويغ الدعوة إلى إيقاف الإنجاب ذات وجاهة عاطفية محرجة!

فلنفترض أن الإنسان تخلَّص من كل الآلام، فإن ألم التفكير في الوجود وتناقضاته يملأ حياة الناس، وهذه دعاية لا بأس بها يشهرها دعاة “اللاتناسل” في الترويج لرؤاهم، فالبحث عن معنى الوجود وحيثياته وغاياته بحد ذاته يولِّد لديهم القهر والعذاب، وليست أحوال الناس ولا الحروب أشدَّ ما يقض مضجعهم، بل محض الوجود وإن كانوا في جنة النعيم.

حسنٌ، فلنفرض أن الحياة وهمٌ لا معنىً لها، ولنسأل: أهذا الذي تدَّعون حقيقة لا تقبل الجدل أم أنها مشاعر مكبوتة يتم التنفيس عنها بتخليطات نثرية وشعرية؟

إن لم تكن مقولتهم هذه –الأساسية في دعوتهم- حقيقةً، فإن الإصرار عليها أحد أكبر الأخطاء التي يتصف به دعاة “اللاتناسل”، وذلك –بطبيعة الحال- تعامل سمِج مع حقيقة المعنى في قضية الوجود الإنساني باعتبارها أمراً ثنويًّا زائفاً لا يستحق إلا المحو كما يمحى الخطأ الإملائي عن بياض الصفحة.

إنهم بذلك يصادرون حقّ من يبحث عن معنى الحياة في الوجود، بل لعلهم إن نجحت دعواهم فإنهم سيجبرون أولئك الذين وجدوا المعنى على أن لا يتكاثروا ويوصلوا ما تعلموه لأولادهم.

مغالطة “ممانعة الانتحار” و”الدعوة الاختيارية للانقراض”
يكرر دعاة “اللاتناسل” أنهم لا يحبذون الانتحار ولا يدعون إليه، وأن جل ما يهمهم إيقاف التكاثر لينقرض الجنس البشري تدريجيًّا.

أليست هذه دعوة للانتحار المقلوب، أو قل أليس هذا انتحارًا بطيئاً!؟

وبطبيعة الحال فإن الاعتراض على هذه المغالطة من قِبَلِ مناهضٍ للتناسل ستثير تشاؤمه، لأنه سيعد الكلام ههنا تقوُّلاً على ما يظن أنها قناعته، ذلك أن اللاتناسليين يطالبون بعدم التكاثر فحسب، وفي سبيل ذلك يسيلون أحبار الطابعات ويُعمِلون عقول المفكرين والمخرجين والمصورين لإنتاج الأفلام والمسلسلات التي تدعم فكرتهم، لتغيير قناعة الناس سلميًّا وذاتيًّا.

حسنٌ، إن هذا كذب لا يمكن الاعتماد عليه.

فلو أن اتحادًا من جماعات “اللاتناسل” استطاع تكوين حكومات في عدة بلدان، وسَلَّمت لهم تلك البلاد بعدم الإنجاب، إلا أن ثلَّة هنا وهناك من النساء والرجال رفضوا ذلك، فماذا سيقول لهم “اللاتناسليون” حينها؟

بطبيعة الحال إنهم أمام خيارين: استخدام القسر والعنف لتنفيذ فلسفتهم، فتصبح دعوتهم إيديولوجيا كريهة تنتهج الوحشية لتستمر، أو السماح للناس بالإنجاب وذلك أيضًا يثبت أن واقع فلسفتهم لا يتوافق مع عموم البشر.

الوهم الأكبر: “لا داعي لاستمرار الحياة”
إنّ الاستمرار في الوجود عبر التكاثر أمرٌ أكثر تعقيداً من الحجج التي يسوقها المتشائمون أو تلك التي يقدمها المدافعون عن فطرة الاستمرار؛ إذ إن دوامَ الحياة قضيّة ذات أبعاد مختلفة لا يمكن اختزالها بالتشاؤم أو التفاؤل، ففي هذا الكوكب عشرات من الأيديولوجيات والدعوات الفكرية التي تمتلك كلٌّ منها مئات الملايين من المؤمنين بها، والذين يسعون لأن يجسِّدوا دعواهم على الوجه الأتم والمثال الأكمل، فكما أن اللا تناسليين يظهرون نموذجهم المثالي بالتوقف عن الإنجاب، فإن العلماء يرون في استمرار الحياة استمرارا للعلم، وكذلك يرى الطيبون في الإنجاب استمراراً للتعامل الحسن مع الناس، وعلى مثل ذلك يمكن التشقيق بمئات الأمثلة، وبالمثل فإن الأشرار يرون في استمرار الحياة استمراراً للقوة والسيطرة… إلخ بحسب المواقع التي يشغلونها

“العدم خير من الوجود”
يقدم لنا اللاتناسليون هذا الكلام باعتباره حقيقة مطلقة، على أيِّ حال، كيف يمكن لنا أن نعرف أن العدم خير من الوجود؟

إن المشكلة في هذه المغالطة أن القائل نفسه لا يعرف العدم، ولا يدركه أصلاً، ولا يمكن لامرئ أن يصفه أو يظهر حقيقته بشكل محسوس، فالعدم هو العدم، اللا وجود.

إن المطلوب مني ومن كل إنسان موجود أن يتمثل أفضل الطموحات وأن يحدد لنفسه أسمى الأخلاق والتعاملات الإنسانية وأن يعيش عليها ولها، وحينها سيتحقق له ولكل إنسان أن (الوجود خير من العدم) فعند ذلك يتحقق المعنى مقابل تلاشي اللامعنى.


الهوامش:

[1] ينبغي التنبه إلى أن الفلسفة اللاإنجابية تنقسم إلى قسمين رئيسين، أولهما: الدعوة إلى الاكتفاء بإنجاب طفل واحد لدواع أمنية واقتصادية وإحصائية، وثانيهما: الدعوة إلى التوقف عن الإنجاب مطلقاً، وهذه الأخيرة التي يهدف المقال التوقف عندها.

[2] https://www.facebook.com/AntinatalismInArabic

يذكر أن محمود ماهر عبد الهادي مدير لهذه الصفحة ولغيرها من الفعاليات التي تدعو إلى التوقف عن الإنجاب، وله لقاءات عديدة على وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة يدعو فيها لدعم حملة (ضد التناسل)

[3] ينظر المقال المنشور على شبكة رصيف 22، بعنوان “ضد التناسل”حملة عربية تهدف لانقراض البشرية، على الرابط الآتي: https://raseef22.com/life/2017/08/22/%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%A7%D8%B3%D9%84-%D8%AD%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D9%87%D8%AF%D9%81-%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B6-%D8%A7%D9%84/

[4] ينظر مقال: “عن الإتيان بطفل إلى العالم”، د. همام يحيى، على مدونات الجزيرة عبر الرابط الآتي:

http://blogs.aljazeera.net/blogs/2016/10/24/%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%B7%D9%81%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85

[5] ينظر مقال عمار منلا حسن، على موقع حبر، بعنوان هل تجد الفلسفة اللاإنجابية فرصة في مجتمعاتنا، على الرابط الآتي: https://www.7iber.com/society/about-antinatalism/

وفيه ذكر الكثير من احتجاجات اللا تناسليين

[6] نقلاً عن مقال الفلسفة اللاإنجابية، لماذا لم يعد العالم بحاجة إلى مزيد من الأولاد، عبد الرحمن أبو الفتوح، منشور على موقع ساسة بوست

https://www.sasapost.com/antinatalists/

الأكوان المتعددة: علم أم خيال؟ (3 من 3)

محمد عدنان شيط

 

بعد استعراض أهم فرضيات الأكوان المتوازية على تنوعاتها واختلافاتها، نأتي إلى استعراض مجموعة من الاستنتاجات والردود على هذه الفرضيات.

وسنناقش فيما يلي أهم الاستنتاجات التي تستحق التوقف والنقد:

1- الملاحظ أن جميع هذه الفرضيات تؤدي إلى أنه مع هذه الأعداد الكبيرة جداً للأكوان المفترضة، فإنه ليس غريباً أن يوجد كون واحد ككوننا تنشأ فيه حياة وتكون مناسبة لكائنات ذكية تكتشف قوانين هذا الكون، وهذه هي فكرة المبدأ البشري.

2- فكرة الأكوان المتعددة قامت في أساسها على الاحتمالية الموجودة في ميكانيكا الكم، وهذا يقودنا إلى سؤال هام وهو: هل ما ينطبق على العالم الذري وتحت الذري يمكن أن ينطبق على العالم المشاهد والمحسوس أمامنا، ففكرة تواجد الإلكترون في مكانين في آن واحد كما في العالم الذري هل يمكن أن يحدث مثيل لها في عالمنا المشاهد على مستوى الأجسام الكبيرة؟ فضلاً عن أن تحدث في أكوان كبيرة جداً تقاس فيها المسافات بسرعة الضوء؟

3- مع كل اكتشاف علمي أو عند ظهور أي نظرية جديدة يسارع بعض المسلمين -من الشيوخ وعلماء الدين- لإنزال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على هذه النظريات، وهذا أمر لسنا مضطرين إليه، فهذه النظريات لم يتم إثباتها علمياً، والغالب أنه لن يتم حتى إثباتها في المستقبل المنظور على أقل تقدير.

4- يقول فيلسوف العلوم الشهير كارل بوبر: “إن معيار الوضعية العلمية لنظرية ما هو إمكانية تكذيبها أو تفنيدها أو اختبارها”[1] وبمعنى آخر لكي نقول عن نظرية إنها علمية يجب أن تخضع للاختبار والتكذيب، والعكس صحيح، وهذا يقودونا إلى التساؤل حول الأكوان المتعددة: هل هناك دليل على وجود هذه الأكوان؟ وهل هذه الفرضيات يمكن اختبارها علمياً حتى نتبين صحتها من خطئها؟

روجر بينروز

5- يقول روجر بينروز الرياضي الإنكليزي الملحد وصديق ستيفن هوكينغ: “ما معنى أن تقول عن شيء إنه موجود وأنت لن تستطيع من حيث المبدأ ملاحظته؟”[2]، وانطلاقاً من هذا الكلام فأين هي آثار الأكوان المتعددة في كوننا حتى نستنتج ونلاحظ وجودها؟ بينما تبدو آثار الله تعالى ظاهرة في كونه ودالة على عظيم صنعه وقدرته، ويلاحظها الصغير والكبير ويدركها العامي البسيط والعالم المتعمق، وقديماً قال أعرابي بسيط لبيب:” البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على العليم الخبير؟”.

6- تنص “شفرة أوكام” على وجوب اختيار التفسير الأقل تعقيداً عندما توجد عدة تفسيرات لظاهرة ما، ومن هذا المنطلق فأمام التصميم الدقيق Fine Tuning لهذا الكون لدينا اختياران؛ إما الاختيار بين إله واحدٍ خالق لهذا الكون أو بين مجموعة فرضيات الأكوان المتعددة، ولا شك أن الاختيار الأقل تعقيداً والأمثل هو وجود الإله.

7- وجود شيء ما رياضياً لا يعني وجوده فيزيائياً أو واقعياً؛ وهذا ينطبق بالطبع على فرضية الأكوان المتعددة، فإثباتها رياضياً لا يعني إثبات وجودها الفيزيائي كما يفترض عالم الكونيات تيغمارك [انظر المقال الثاني من هذه السلسلة]، فالرياضيات تحتوي مثلاً على الأعداد العقدية وعلى اللانهاية، فهل هذه أشياء يمكن أن توجد على أرض الواقع؟ كما أن الرياضيات يمكن تشبيهها بلغة لفهم الكون، وعندما يتعلم أحد الأشخاص لغة ما كالفرنسية على سبيل المثال فهو يتعلمها ليفهم ما يقوله الفرنسيون عن أشياء موجودة بالفعل، إلا أنه إذا صنع كلمة في ذهنه مستخدماً الحروف الفرنسية فهذا لا يعني أن الكلمة الجديدة ستكون موجودة واقعيا بالفعل. وفكرة تيغمارك ليست جديدة، وإنما تعود في أصلها إلى حوالي خمسة قرون قبل الميلاد مع الفيثاغوريين الذين اعتقدوا “أن البنى الرياضية هي في أساس الأشياء جميعها جواهر”[3] ثم اعتبر أفلاطون أن الرياضيات جوهر الأشياء جميعا[4]، وما فعله تيغمارك هو أنه طبق الفكرة السابقة وأدخلها على فرضيات الأكوان المتعددة.

8- من الجدير بالملاحظة أن فرضيات الأكوان المتعددة بنيت على فرضيات علمية أخرى لم يتم إثباتها علمياً حتى الآن؛ وقد حصل هذا مع بعض تنبؤات نظرية التوسع الكوني، ونظرية الأوتار، وتفسيرات العوالم المتعددة في ميكانيكا الكوانتم لهيو إيفريت وغيرها.

9- هل يمكن القول إن فرضية الأكوان المتوازية نوع من الفلسفة أو الميتافيزيقا؟ والجواب الراجح هو نعم، حيث يقول بول ديفيز: “إن فكرة الأكوان المتعددة أو الوقائع المتعددة (multiple realities) بقيت في دوائر الفلسفة لقرون غير أن التبرير العلمي لها هو أمر جديد”[5]، فالعلماء المعاصرون من الملحدين خاصة تلقفوا هذه الفكرة الفلسفية التي وردت بتصورات مختلفة من عدد من الفلاسفة مثل ليبنتز ووليام جيمس وغيرهما، وحاولوا أن يلبسوها لباس العلم بطريقة ما، فالفكرة أصلها فلسفي وتدخل في إطار النقاشات الفلسفية.

أخيراً حتى لو سلمنا جدلاً بوجود هذه الأكوان المتعددة اللانهائية، أو ذهبنا بعيداً إلى أن العلم سيثبت يوماً ما بطريقة ما وجود هذه الأكوان، فهنا يُطرح سؤال بديهي: من أنشأ كل هذه الأكوان؟ ومن أين كانت نقطة الانطلاق؟ ومع هذا السؤال تعود الحلقة المكررة إلى بدايتها ويعود الملحدون إلى ترديد نفس الأسطوانة المشروخة عن نشأة هذا الكون الواحد وعن كيفية نشأة الحياة على الأرض، وتبدأ أحاديث الصدفة والعشوائية ويبقى الملحدون يدورون في هذه الحلقة المفرغة، حتى إن ظنوا أنهم وسعوها بافتراضات عجيبة مثل افتراض الأكوان المتعددة اللانهائية!


الهوامش

[1] غنار سكربك نلز غيلجي، تاريخ الفكر الغربي ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة،2012، ص883

[2] Paul Davies ,mind of god,Simon&Schuster,1992 p.191

[3]غنار سكربك نلز غيلجي، تاريخ الفكر الغربي، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة،2012، ص65

[4] المصدر السابق، ص116

[5] http://www.nytimes.com/2003/04/12/opinion/a-brief-history-of-the-multiverse.html?pagewanted=all

 

مصادر تمت الاستفادة منها في أجزاء السلسلة:
-لقاءات تلفزيونية ومحاضرات لدكتور باسل الطائي أستاذ الفيزياء الكونية في جامعة اليرموك في الأردن.

-عبد الله العجيري، شموع النهار، تكوين للدراسات والأبحاث، 2016.

-عمرو الشريف، خرافة الإلحاد، مكتبة الشروق الدولية، 2014.

-ستيفن هوكينغ، تاريخ موجز للزمان، دار التنوير، 2016.

الأكوان المتعددة: علم أم خيال؟ (1 من 3)

محمد عدنان شيط

 

تصور أيها القارئ الكريم أن هناك كونا آخر انتصر فيه عبد الرحمن الغافقي بمعركة بلاط الشهداء وسيطر على باريس عاصمة فرنسا، وتصور أنه في كون ثالث اكتشف المسلمون أمريكا بدلاً من الإسبان فنجى السكان الأصليون من الإبادة، وتخيل أن كونا آخر انتصر فيه نابليون في معركة واترلو ليهيمن بعدها على القارة الأوروبية بدلاً من أن يقضي آخر حياته منفياً في إحدى الجزر النائية.

لعلها أفكار غريبة وجميلة في آنٍ واحد وتفتح المجال لتخيلات واسعة، لكن الواقع يقول إنه لا يكفي أن تكون الفكرة جميلة أو غريبة كي نصدقها؛ فضلاً عن أن تصدقها الاختبارات العلمية، ومن أشهر هذه الأفكار الغريبة فرضية الأكوان المتعددة أو المتوازية (Parallel or Multiverse Universes).

ربما طرحت هذه الفرضية من قبل الملحدين للهروب إلى الأمام، في محاولتهم لتفسير الضبط الدقيق الموجود في الكون وتفسير المبدأ الإنساني، فهذا المبدأ ينص على أن هذا الكون بقوانينه وبثوابته الفيزيائية الدقيقة جداً معدّ لحياة ذكية تنشأ في هذا الكون، ولو أن ثابتاً واحداً اختلف اختلافاً طفيفاً لما كنا اليوم موجودين.

لنأخذ مثالاً واحداً عن هذه الثوابت، وهو الجاذبية، فلو كانت أقوى بقدر ضئيل جداً مما هي عليه الآن لانهار الكون على نفسه، ولو كانت أضعف بقليل مما هي عليه لما تجمع أي شيء على بعضه ولبقي الكون فراغاً مبعثراً.

ستيفن هوكينغ

أحد أشهر الملحدين ستيفن هوكينغ فسر هذا الضبط الدقيق في الكون بوجود أكوان متوازية، ونفى خلق الكون من إله؛ حيث قال في كتابه “التصميم العظيم”: إن الضبط الدقيق في قوانين الطبيعة يمكن تفسيره بوجود الأكوان المتعددة… إن مفهوم تعدد الأكوان يمكنه أن يفسر الضبط الدقيق للقانون الفيزيائي دون حاجة لوجود خالق محسن يقوم بخلق الكون لمصلحتنا”[1]

وإحدى الطرق الأخرى للهروب من البحث عن تفسير مقنع للمبدأ الإنساني هي القول إن هذا أمر طبيعي وعادي جداً، كما قال مارتن ريس عالم الفلك: “إذا كان هناك مخزون كبير من الألبسة لن يفاجئك العثور على بذلة تناسبك. وإذا كانت هناك أكوان كثيرة وكل كون تحكمه مجموعة مختلفة من الأرقام فسيكون هناك واحد؛ حيث توجد مجموعة من الأرقام الملائمة للحياة، ونحن في هذا الواحد.”[2]

و قبل  الشروع بالحديث عن ماهية فرضيات الأكوان المتوازية لا بد من إشارة صغيرة إلى أنه لو نظرنا إلى المبدأ الإنساني من وجهة نظر إسلامية فما هو إلا مبدأ التسخير الذي ذكره الله تعالى في عدة مواضع من القرآن  الكريم؛ حيث قال تعالى في سورة لقمان: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير}، وقال تعالى في سورة الجاثية: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}، فهذا الكون مسخر ومعد لقدوم الإنسان له ليحاول سبر أغواره واكتشاف أسراره، والأهم من هذا بالطبع التعرف على خالق الكون من خلال الكون نفسه وقوانينه وعظمة خلقه وحسن وروعة صنعه.

أما فرضية الأكوان المتعددة فهي ليست نظرية علمية وإنما استنتاجات ونماذج مختلفة تولدت عن مجموعة من النظريات الفيزيائية والكونية الأخرى التي دفعت بعض العلماء –خاصة الملحدين- للقول إننا نعيش في عوالم أو أكوان متعددة. وظهرت هذه الفكرة في وقت مبكر مع قصص الخيال العلمي قبل أن تُؤخذ بعين الاعتبار في الأوساط العلمية، ويؤكد هذا جون غريبين أحد أشهر المبشرين بهذه الفرضية في كتابه “بحثاً عن الأكوان المتعددة”.[3]  حيث تحدثت عدة روايات عن الأكوان المتعددة بطرق مختلفة، منها رواية “الرجل في القلعة العالية” للكاتب فيل ديك الصادرة عام 1962، والتي تفترض تاريخاً بديلاً تنتصر فيه دول المحور (ألمانيا، اليابان، إيطاليا) في الحرب العالمية الثانية بدلاً من انتصار الحلفاء (أمريكا، بريطانيا، الاتحاد السوفيتي).

أهم الفرضيات
نبدأ بأقدم هذه الفرضيات، فكما هو معروف في ميكانيكا الكم (الكوانتم) فإن الجسيمات الذرية وتحت الذرية يتم التعامل معها على أساس احتمالي يخضع لمبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ  (Uncertainty principle)، حيث تصبح القيم متغيرة.

ويتضح هذا الأمر خاصة عند فهم تجربة الشقين[4]، ففي محاولة تفسير هذا التصرف الغريب الذي تقوم به الجسيمات الذرية وتحت الذرية  جاء تفسير كوبنهاجن، والذي كان أول من طرحه هو الفيزيائي الدانماركي الشهير نيلز بور، فقال إنه لا مجال للحديث عن الإلكترون أو حالته قبل أن نتمكن من رصده.

في مقابل هذا التفسير طرح الفيزيائي الأمريكي هوف إيفريت الثالث ما عرف بعدها باسم تفسير العوالم المتعددة لفيزياء الكوانتم (The many-worlds interpretation of quantum physics) أو المعروف باختصار MWI، فتاريخ هذه الأكوان يبدأ من نقطة واحدة ثم تحصل تشعبات أو تفرعات أو انشقاقات (splitting) مثل شجرة تبدأ بجذع واحد ثم تتشعب منها أغصان أخرى إلى ما لا نهاية.

ووفقاً لهذا التفسير فحالة الجسيمات الذرية متغيرة دائماً لوجود عدد لا نهائي من الأكوان، فهي مثلاً تتصرف في أحد الأكوان كجسيم وفي الكون الآخر كموجة، والفارق بين تفسير كوبنهاجن لبور وتفسير العوالم المتعددة لإيفريت يتضح جلياً في مثال قطة شرودينغر الشهيرة[5] التي لا يعرف هل هي حية أم ميتة، فوفقاً لتفسير كوبنهاجن فإننا لا نستطيع بلورة نتيجة نهائية لحالة القطة قبل أن نفتح الصندوق الموجودة فيه، بينما تفسير إيفريت يقول إن القطة حية وميتة في آن واحد ولكن كل حالة في كون مختلف، فهي حية في كون وميتة في كون آخر.[6]

ومن فرضية إيفريت هذه بدأت تخرج الفرضيات الأخرى حول الأكوان المتعددة، والتي سنتابع في المقال القادم إن شاء الله استعراضاً موجزاً لأهمها.

 


الهوامش

[1] ستيفن هوكينغ ليونارد ملودينوو، التصميم العظيم، ترجمة أيمن أحمد عياد، دار التنوير للطباعة والنشر،2013 ص198

[2] بيل برايسون موجز تاريخ كل شيء تقريباً، ترجمة أسامة محمد إسبر، مكتبة العبيكان،2014 ص34

[3] John Gribbin ,In search of the multiverse, John Wiley&SonsLInc.,Hoboken, New Jersey,2009 p.29

[4] https://www.youtube.com/watch?v=9xsVDyz3nMo

[5] https://www.youtube.com/watch?v=AQrCgFz4zEE

[6] جون غريبين، البحث عن قطة شرودينغر، ترجمة فتح الله محمد إبراهيم الشيخ، كلمات عربية للترجمة والنشر،2009 ص257 بتصرف

لماذا نكتب في الإلحاد؟

نور الدين قوطيط

 

الإلحاد ليس حالة طارئة في العصر الحديث، بل هو حالة صاحبت الإنسان منذ القدم. لكن، بعد ثورة وسائل الاتصال بمختلف أشكالها، وفي إطار أجندات مختلفة، وبسبب عوامل متشابكة، انفجرت موجة الإلحاد في الشرق والغرب، ولم يكن العالم الإسلامي بمنأى عن هذا الانفجار!

ولقد كتب كثيرون حول الإلحاد بأساليب شتّى ومن زوايا مختلفة، ما بين مُسهب ومختصر، ومُكثر ومُقل. غير أن المتابع يدرك أن هناك حاجة مهمة لتقديم مزيد من البحوث والتحليلات لمنظومة الإلحاد بشتى جوانبها ولوازمها، ولمختلف آثارها المعرفية والنفسية والسلوكية!

في هذه المقالة سأذكر -بشكل مختصر- أربعة مبررات أراها كافية للنهوض بهذه المهمة بشكل متواصل واجتهاد دائم. هذه المبررات يمكن تلخيصها في التالي:

أولاً- تبليغ الرسالة
المسلم إنسان رسالي، بمعنى أنّه بمقتضى عهد الإيمان يجد نفسَه مدفوعاً للقيام بمهمة التبليغ والبيان للرسالة الخالدة التي يتضمنها الوحي الرباني. ولا شك أنّه حين ينصرف عن هذه المهمة المقدسة لأي مبرر يمكن أن يقدمه، فإنّه يكون مقصّراً تقصيراً بالغاً في التزام متطلّبات الإيمان!

ينبثق حس المسلم بضرورة تبليغ الرسالة عن اعتقاده أنّ الله سبحانه لم يخلق الإنسان عبثاً ولم يتركه سدى، بل بالحري أنه خلقه لغاية مقدسة: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون/15]. ولهذا، فالمسلم يعتقد أن الإنسان يستحق أن يعرف الحقيقة.. حقيقة الخالق والإنسان والحياة والمصير بعد الموت.

كما أن المسلم يعتقد -انطلاقاً من مرجعيّته الإسلاميّة- أن العقل يتضمن منظومة قواعد دلالية، تساعده على الاهتداء إلى الحق واستيعابه بشكل مجمل: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم/30]. وهنا فإن دور المسلم تجاه الآخر ينحصر في التبليغ والبيان.

لكن، بالرغم من أنّ جوهر الفطرة هو محبة الحق والانجذاب إليه، إلا أنّ الإنسان لديه قابليّة موازية تتمثل في السقوط في مستنقع الانحراف والضلال، بفعل عوامل مختلفة. كما جاء في الحديث القدسي: {إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم} (صحيح مسلم)، أي أتتهم الشياطين فصرفتهم عن فطرتهم وأغرقتهم في الأباطيل.

في هذا الإطار، يمكننا أن نفهم بأنّ مهمة الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم هي استنقاذ الإنسان من أوحال الضلال والانحراف، ومساعدته على العودة إلى أصول فطرته الربانية: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية/21]، {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [العنكبوت/18]. فإن شعلة الفطرة قد تخبو لكنها لا تنطفئ أبداً!

إذن، إن القيام للمساهمة في كشف الإلحاد وبيان أباطيل الملحدين يأتي في سياق عقيدة المسلم التي توجب عليه بيان الحق ليعرفه الناس وكشف الباطل ليجتنبوه، وهو ما يُعبّر عنه بشعيرة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. وإلا فإن التزام الصمتَ هو في الواقع مساهمة للترويج للإلحاد وإشاعة للمنكر ومحاصرة الحق وتغطية على براهين التوحيد وحقائق الإيمان!

ثانياً- معركة الأفكار
المعركة بين الحق الذي يمثل التوحيد و الإيمان و الإسلام، وبين الباطل الذي يمثل الشرك والكفر والجاهلية، قديمة جدّاً ترجع إلى لحظة إعلان الله سبحانه خلقه لآدم عليه السلام، وأمره تعالى للجميع بالسجود له تشريفاً وتكريماً، فأطاعت الملائكة عليهم السلام أمر ربهم، وعصى إبليس حسداً من عند نفسه واستكباراً: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة/34].

ورغم التاريخ الطويل للبشرية والموغل في القدم، ورغم ما شهده من أحداث، فلم يكن يعكس في الواقع سوى أبعاد تلك المعركة الكبرى، ولم يكن سوى مسرح لمختلف مظاهرها وتجلّياتها! إذ ما كان لإبليس اللعين -وقد عرف مآل استكباره وطغيانه وإعجابه بعقله- أن يستسلم ويترك الساحة خالية لهذا المخلوق البشري الذي تسبّب له في اللعنة الأبدية: {قالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر/39،40].

لقد خاض الأنبياء عليهم السلام هذه المعركة بكل قوة وحزم، ورسموا لأتباعهم ضد أتباع الباطل والشر والاستكبار إطار المعركة وأساليبها وبراهينها وحدودها وغاياتها، وبذل هؤلاء العظماء العرق والدم، كما ضحوا بالراحة والمتعة، نعم وصبروا على المشاق والضغوط، كل ذلك في سبيل الانتصار للحق الأزلي، للتوحيد والإيمان، للخير والصلاح والجمال، رغم الجهود الهائلة التي بذلها أتباع إبليس المفسدين في الأرض لصد الناس عن معرفة الحقيقة!

واليوم، ها نحن أولاء نشهد فصولاً جديدة من هذه المعركة الخالدة.. معركة الإيمان والإلحاد! وهي جديدة لا لأن المضامين تغيّرت، ولا لأن الغايات تبدّلت عما كان عليه الحال خلال التاريخ الطويل، بل لأن حجم الكيد والمكر، وعنف الشدة والضغط الذي يمارسه أتباع الباطل بسبب الامكانيات الهائلة التي يتمتعون بها، ليس له مثيل من قبل، خصوصاً القدرة الكبيرة على نشر المعلومة المزيفة عبر وسائل مختلفة: الجرائد والمجلات، والبرامج والأفلام، والمواقع والمدونات والفيديوهات!

ونحن في المرجعية الإسلامية لا تهولنا هذه المعركة رغم شراستها وضغوطها وامتدادها، كما لا يهولنا حجم المكر الذي يمارسه المفسدون في الأرض لمحاصرة الإيمان وإشاعة الإلحاد بشكل مباشر وغير مباشر. لا يهولنا كل هذا، لأننا نعلم أنّ هذه المعركة تتضمن الكثير جدّاً من أسرار الحكمة الإلهية في حياة الإنسان، في الدنيا والآخرة. ومن هنا، فهي سنة من السنن التي نحن مأمورون إسلاميّاً أن نتعامل معها بأسلوب الإيمان، إذ كان ذلك جزءاً أصيلاً من عقيدتنا المقدسة.

إن صناع القرار اليوم في الغرب والشرق لا يترددون في التصريح المباشر بأنهم يخوضون معركة تغيير القناعات وصراع الأفكار، ويمارسون هذه المعركة بشكل عملي بمختلف الوسائل الممكنة لهم، ماديّاً ومعنويّاً، ومن هنا، لا جرم أنه يجب علينا نحن حملة الرسالة المقدسة وأتباع التوحيد والحق الأزلي أن نقوم بدورنا في هذه المعركة بكل ما نستطيع، فهذا فرض الله سبحانه علينا: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة/251].

ثالثاً- شيوع الظاهرة
لا يمكننا إنكار حقيقة أن الإلحاد المعاصر لم يعد كما كان في الأزمنة الماضية، بل هناك اختلافات واضحة بين الإلحاد القديم والإلحاد المعاصر يمكن رصدها في التالي:

(أولاً) قديماً كان الإلحاد مجرد حالات شاذة هنا وهناك بين مختلف الأمم والحضارات بنِسب متفاوتة، أما اليوم في عصرنا الحاضر فهو أشبه بالظاهرة الاجتماعية والعالمية. ونقول بأن الإلحاد صار ظاهرة باعتبار الماضي، وإلا فالإحصائيات بل والواقع يؤكدان على أن نسبة الملحدين ضئيلة جدّاً مقارنة بنسبة المؤمنين.

(ثانياً) قديماً لم يكن للإلحاد الكثير من الآليات التي تساعده على الانتشار والذيوع، أما في عصرنا الحاضر فالإلحاد يعيش فترته الذهبية بفعل الامكانيات المادية الهائلة والوسائل المتعددة كالإنترنت والمجلات والكتب التي أتاحت له الانتشار والشيوع. ولهذا لم يعد الوصول إلى الجمهور بمختلف شرائحه مشكلة بالنسبة للإلحاد.

(ثالثاً) قديماً كان الإلحاد أقرب إلى قناعة شخصية يعيشها صاحبها ولا يعنيه كثيراً مشاركة الآخرين له فيها، أما في عصرنا الحاضر فالإلحاد صار يُقدم عبر خطط وآليات مدروسة على أنّه البديل الأفضل عقليّاً وأخلاقيّاً للأديان، أي إنّ الإلحاد اليوم يتبنى فكرة الصدام المباشر والمتعمَّد مع الإيمان لتحقيق أهداف معيّنة!

(رابعاً) قديماً كان الإلحاد في لحظة الدفاع والتبرير يعتمد على الجدل العقلي الفلسفي وعلى البُعد النفسي الأخلاقي، أما في عصرنا فالإلحاد لا يعتمد على هذين بقدر ما يستغل الهوس بالعلم الطبيعي لدى جمهور الناس لينال طابع المصادقة على صحته، خصوصاً وأنه يغطي قناعاته الإلحادية بالعلم على أساس أنها حقائق علميّة!

(خامساً) قديماً كان الإلحاد محصوراً بنسبة أكبر في دائرة ضيّقة جدّاً، هي دائرة المتعاطين للجدل والفلسفة، أما في عصرنا الحاضر بفعل عوامل متعددة كالحداثة والرأسمالية وتسطيح العقول وتنميط الرؤى والتخلف المادي الناتج عن طغيان الغرب على البلدان المتخلفة، فقد اتسعت الدائرة لتشمل حتى المراهقين والأميين وأشباههم!

(سادساً) قديماً كان الإلحاد ينطلق من دوافع شخصية منفصلاً عن أية سياقات اجتماعية وحضارية، أما في عصرنا الحاضر فلا يمكننا فصل الإلحاد في الفضاء العربي والإسلامي عن سياق معركة الأفكار وحرب تغيير القناعات التي يمارسها الغرب كجزء من استراتيجية الهيمنة ومحاصرة الإسلام، وهذا باعتراف صناع القرار الغربي ومراكز البحوث!

كانت تلك أهم معالم الاختلافات الجوهريّة بين الإلحاد القديم والمعاصر. وهي مبررات كافية لتقديم مزيد من البحوث حول الإلحاد، وتجديد أساليب العرض والبيان، لتكون محيطة بأوسع جوانب الظاهرة.

رابعاً- تفشي الأمية الشرعية
من السمات الواضحة في شبابنا المعاصر، ما يمكننا تسميته بالأمية الشرعية! والمقصود بها أن شريحة كبيرة من الشباب المسلم لا يعرفون من الإسلام سوى القشور ونُتف عابرة تلقفوها من هنا وهناك!

هذه الجهالة بحقائق الإسلام في الواقع لم تنشأ من فراغ وبدون أسباب، بل بالحري أن لها عوامل ساهمت في نشأتها وشيوعها ورسوخها، يمكننا تحديدها في التالي:

*حالة التخلف التي مرّ بها العالم الإسلامي في القرون الأخيرة قبل السقوط.

*الاحتلال الغربي لبلدان العالم الإسلامي وحرصه على فصل المسلم عن إسلامه.

*استمرار تنفيذ خطة الاحتلال الغربي من خلال وكلائه العلمانيين من خلال الإعلام والمقرر الدراسي.

*الانغماس في فضاءات الانترنت واللهاث المحموم وراء الأخبار والمنشورات وهو ما يستنفذ الوقت.

كل هذه العوامل أنشأت في الشباب المسلم قابلية كبيرة للتأث�� بالخطاب المنحرف، سواء تمثل في نسخته العلمانية أم في نسخته الإلحادية. فلا جرم أن يكون الواجب مضاعفاً على العلماء والدعاة والمفكرين تجاه هؤلاء الشباب، فهم مستقبل الإسلام، وإهمالهم وتركهم فرائس سائغة للخطاب الإلحادي وغيره، لا شك أنه ستكون له أضرار عظيمة فضلاً عن الخطيئة الكبرى في ميزان الله سبحانه.

التوفيق بين الفلسفة والدين عند الفارابي وابن رشد

 

إبراهيم إسماعيل

 

محاولة الفارابي (260 – 329هـ)
إن نزعة التوفيق بين الفلسفة والدين تعد نزعة أصيلة في الفارابي، وقد كان في طبعيه يميل إلى الالتقاء لا الاختلاف، لذلك حاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، رغم اختلاف مذهبيهما، على أن محاولة الفارابي هذه سببها ما نسب لأرسطو خطأ من كتاب “أثولوجيا” أو الربوبية، والكتاب في حقيقته ليس لأرسطو، بل لأحد تلامذة أفلوطين الاسكندري، ويمكننا تفهم صنيع الفارابي كون الفكر المترجم يومها لم يستوعب على حقيقته بعد، والمحافظون الذين توجسوا من الفلسفة، كان لا بد من العمل على تحقيق ما يدعم العقيدة والفلسفة معاً، وأهم الوسائل في نظر الفارابي إظهارها في مظهر موحد متفق عليه، وإثبات أنها تسعى لنفس الهدف الذي يسعى إليه الدين، فمحاولته التوفيق بين أفلاطون وأرسطو غايتها الدفاع عن الفلسفة من جهة، وتهيئة المنهجية لدعم الانسجام والاتساق بين الحقائق الموحى بها، والحقائق العقلية من جهة أخرى.

لاحظ الفارابي أن التوفيق بين الدين والفلسفة ضرورة لنهضة يتعاضد بها الطرفان للإسهام في سعادة الإنسان، لكنه في سبيل ذلك لجأ لتأويل الآيات حتى تنطق بالآراء الفلسفية التي يدين بها.

والحقيقة أن احتمالات التوفيق بين الدين والفلسفة، تجعل المحاولين إما أن يقفوا مع الفلسفة ويطوعوا النصوص لتؤدي فكرتهم المسبقة، وإما أن يجعلوا اليد الطولى للدين، وإما أن يضعوهما في كفتي ميزان متعادلتين، فالكندي أعلن تفوق الدين على الفلسفة ، بينما يكاد الفارابي يرى تكافؤ الفلسفة الصحيحة والدين الصحيح، فإن بدا تناقض؛ فهذا يدل على أن النظام الفلسفي المتناقض مع الدين يعتبر نظاماً واهياً لم تكتمل فيه البراهين المؤدية إلى اليقين.

وقد كان الفارابي مقتنعاً أن الحقيقة واحدة، والتعدد في الطريق إليها لا غير، لذلك لم يرى أي تناقض في أفكار أفلاطون وأرسطو، وهذا التوافق يفتح الطريق للتوفيق بين الفلسفة والدين، كما أسلفنا.

كما أنه كان يرى أن النزعة الإيمانية هي المنطلق للنظام الفلسفي، من خلال الإقرار بالصانع، فيجب البدء من العقيدة السليمة في توحيد الألوهية.

النزعة الدينية تطبع التوفيق
رأى الفارابي خطورة من الاعتداد المسرف بالتفكير النظري، دون مراعاة لبعض الحقائق الدينية التي قد تعي دقتها كبار العقول، وتتجلى محاولة الفارابي التوفيق بين الدين والفلسفة في كثير من بحوثه ومقالاته، ولعل أشهرها مبحث مكونات وشروط الرئيس الحاكم والحكيم الذي يحكم المدينة الفاضلة، وفي نظرته للنبوة والدفاع عنها في وجه خصومها.

الفكر السياسي للفارابي (المدينة الفاضلة)
يرى الفارابي أن المدينة بمثابة الجسد الصحيح الذي تختلف أعضاؤه في الوظائف، لكن فوقها جميعا القلب الذي هو مصدر الحياة، وعلى هذا الأساس اعتبر الفارابي رئيس المدينة السلطة العليا التي تستمد منها جميع السلطات، لذلك رسم لهذا الرئيس مثلاً في غاية الكمال، قل أن يدانيه إنسان، وتفوق شروط الفارابي شروط أفلاطون من حيث المدى والعدد، وتقع شروطه في مجموعتين، إحداهما فطرية، والأخرى مكتسبة، ويحدد الفطرية باثنتي عشرة خصلة وهي:

  1. تمام أعضاء الجسم
  2. جودة الفهم وحسن التصور لما يقال
  3. حفظ ما يراه ويدركه
  4. جودة فطنته وذكائه
  5. حسن عبارته وطلاقة لسانه وحبه للتعليم والاستفادة
  6. حبه للصدق وأهله وبغضه للكذب وأصحابه
  7. كبير النفس محباً للكرامة
  8. ليس همه حب المال
  9. يحب العدل وأهله، ويبغض الظلم وأهله
  10. يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه
  11. يؤتي من حل به الجور
  12. قوي العزيمة

وأما المجموعة المكتسبة فنلمح فيها آثار الثقافة الإسلامية، فإلى جانب ضرورة كون الحاكم حكيماً، يجب أن يكون عالماً بالشرائع والسنن حافظاً لها، جيد الاستنباط فيما لا يحفظ عن السلف فيه شريعة، وأن تكون له جودة رؤية وقوة للأمور والحوادث، وأن يتحرى فيما يستنبطه صلاح أمور المدينة، وأن يستنبط مما احتذاه الأولون، وأن يكون ذا مقدرة على القيام بالأعباء الحربية.

ويبدو من هذه الشروط أن مهمة الحاكم لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تشمل الديني والأخلاقي، لأنه قدوة يقلده الشعب.

ولعل أهم الشروط هو تسامي الحاكم في تدرجه الروحي التأملي حتى يصل إلى رتبة العقل الفعال، والعقل الفعال نوع من العقل المستفاد الذي تثبت فيه صور الموجودات ولكن ترتيبها فيه يختلف عنه في العقل بالملكة، أو العقل بالفعل، فقد كان الفارابي يرى أن العقل الفعال يقع خارج الإنسان، وأن الاتصال به لا يتم إلا عن طريق التصفية والتفكير والتأمل العميق الذي يحيل النفس إلى مبدأ شفاف حساس تنتقش فيه الحقائق، وهذا الشرط لم يشترطه أفلاطون لكن الفارابي أوجبه، وأضحت نظرية الاتصال بالعقل الفعال اللحن المميز لناشدي السعادة في الفلسفة الإسلامية بعد الجهود التي بذلها الفارابي في تشكيلها وشرحها لتفسير مشكلة المعرفة والسعادة والنبوة.

والعقل الفعال يمثل العاشر في سلسلة العقول المفاضة عن الأول في نظرية الفيض المشهورة، وبذلك تعتبر نظرية الاتصال بالعقل الفعال الذي تتحد فيه جميع العقول والصور وهي التطبيق الصاعد لنظرية الفيض التي تبدأ من الأعلى وهو “الواحد” وتنتهي بما تحت فلك القمر.

وهكذا يتطابق السبيلان (الصاعد والنازل) من حيث الوصول إلى الحقائق النهائية، وفي نقطة التقاء التأمل الصاعد بالفيض النازل، وهنا يتفق الفارابي وابن مسرة –وهما متعاصران- في هذا الموضوع.

والمهم في هذا الصدد أن بعض شروط الفارابي لرئيس المدينة أبعدته عن أفلاطون وقربته من الشريعة الإسلامية، بالرغم من التكلف أحياناً والخطأ في أحيان أخرى، ومما يؤكد ذلك نظرته للبشرية على أنها مجمع يسكن المعمورة وهذه النظرة الشاملة هي نظرة الإسلام، وهي على النقيض من نظرة اليونانيين الذين كانوا يفكرون ببدائل فعلية عن مجتمعاتهم الواقعية، دون تفكير في الأمم والشعوب الأخرى.

وبهذا العرض يرى الدكتور محمد كمال جعفر أن الفارابي كان متمسكاً بعقيدته الإسلامية، ويأسف لتهجم الكثيرين عليه وتكفيره وزندقته كما فعل ابن كثير، والغزالي الذي قصده أساساً مع ابن سينا في كتابه “تهافت الفلاسفة” ومثلهما فعل الشهرستاني والرازي وغيرهم.

فاستلهام الفارابي من القرآن دعاه لتأمل مصائر السابقين وعواقبهم للعظة والعبرة، فلم يقتصر في مدينته الفاضلة على النمط الأمثل، فقد تناول المدينة الجاهلة والفاسقة ومدينة الغلبة والبطش، وحكمه على هذه المدن تدل على استيعابه لمكارم الأخلاق كما قررها الإسلام، ويضوع أريج العقيدة الإسلامية في ثنايا فكره عند حديثه عن أدلة وجود الله، وحين يشير لتعدد أسمائه وصفاته مع توحده وتفرده، ويعزف الفارابي لحن الإيمان في أذن كل ملحد يتعلل بعدم وضوح إدراكه لله، فيبين أن ذلك راجع لضعف عقولنا وملابستها المادة والعدم، فإفراط كماله يبهرنا، فلا نقوى على تصوره على التمام.

وهذا عين التعليل الذي تبناه الغزالي في حديثه عن الألوهية وأنوارها الباهرة التي تعشي بصائر العقول فترتد حسيرة عاجزة عن الدنو المفضي إلى كمال المعرفة والتصور.

وبذلك فلم يكن الفارابي مفتوناً بالفلسفة لدرجة نسيان عقيدته، ولم يكن ممن يضحي بدينه في سبيل فكرته، ونلاحظ أنه حينما وضع الشروط التي ينبغي التقيد بها لطالب الحكمة جعل منها تعلم القرآن وعلوم الشرع أولاً، غير مخل بركن من أركان الشريعة وآداب السنة.

فلا محل إذن للاتهامات المتعلقة بنيته وقصده، فهذه الاتهامات لا يؤيدها دليل، ولا يدعمها برهان، بل هي حصيلة تخمين وظن، وسوء استغلال لنصوص الفارابي.

النبوة في نظر الفارابي
وهذا هو الموضوع الثاني الذي يتجلى فيه حرص الفارابي على عقيدته، ومحاولة تعزيزها بالتماس سند عقلي لأساسها ومصدرها الممثلين بالوحي والنبوة، ومع عدم موافقتنا لكل ما جاء به الفارابي، لكننا لا نغفل دافعه لهذه المعالجة، فقد اجتاحت موجة من الشك والإنكار لبعض أسس الإسلام في القرنين الثالث والرابع الهجريين، نتيجة لاختلاط المسلمين بعناصر مختلفة من ذوي عقائد متباينة، وقد بثت معتقداتها وأثارت الشبهات حول عقائد الإسلام، وبلغ الشك قمته مع التعرض لمصدر الدين وهو الوحي والنبوة، واشتغل علماء الكلام للذود عن العقيدة الإسلامية، وكان هذا هو الدور الإيجابي لعلم الكلام قبل انقلابه لسلاح يفتك بالوحدة الإسلامية، وتتابعت الردود على من أنكر النبوة، كما أنكر الدهريون الألوهية، ويتضح لنا أن فترة حياة الفارابي كانت مليئة بالمجادلات والسجالات حول أهم أصول الإسلام ومبادئه.

حجج منكري النبوة
في معرض الحديث عمن ينكر النبوة عادة ما يشار لرجلين وهما ابن الراوندي، والرازي الطبيب، فالأول من أصل يهودي، ويقال إنه انتمى للمعتزلة، ثم خرج عليهم وعلى الإسلام، وأقواله تبين اعتقاده بطلان النبوة وعدم الحاجة لها، فالعقل يغني عن الرسول، وقد يذهب منكرو النبوة لاعتبار إثباتها مجافياً للعدالة الإلهية، لما فيها من اختصاص وتفضيل لبعض الأشخاص، وأما الرازي الطبيب، فينسب إليه أنه تعلق بالآراء المزدكية والمانوية والمعتقدات الهندية، وينكر على الفلاسفة محاولاتهم التوفيق بين الفلسفة والدين، ويرى بالفلسفة وسيلة وحيدة للإصلاح، ويرى في الأديان تنافس على التطاحن والحروب، وتجدر الإشارة أننا لا نملك مصدراً صحيح النسب للرازي يبين صحة اتهامات بعض خصومه له، فمصدرنا حوله هم خصومه أصلا، خصوصاً من أتباع الحركة الإسماعيلية، وقد لمسنا المعادة والتجني عند دراستنا لسهل التستري فلاحظنا أن تهم خصمه الخوانساري له لا تثبت جميعا إلا واحدة وهي رفضه الانتماء للشيعة، لذلك فالأصل أن نتريث في نسبة كل هذه الآراء للرازي الطبيب.

تفسير الفارابي لظاهرة النبوة
لاحظ الفارابي أن منكري النبوة يدين أكثرهم بالبحث العقلي، ويتزعم معظمهم دعوى حرية الفكر، فاشتغل على جانبين أحدهما في رد الشبه، والثاني بالعمل على منح نظرية النبوة أساساً عقلياً ونفسياً يقبله الذين لا يرتضون إلا الأدلة العقلية، فيعودون إلى الدين، حين يقتنعون بأساسه، وهو الوحي والنبوة.

وتتصل نظرية النبوة عند الفارابي بنظريات المعرفة والسعادة والفيض لديه أيضاً، فقمة المعرفة هي قمة السعادة في نفس الوقت، تنم عن الاتصال بالعقل الفعال الذي احتل المرتبة الثالثة في الوجود في نظام الفارابي الفيضي الذي استقى عناصره من الأفلاطونية المحدثة، وحاول بكل طاقاته ص��غه صبغة إسلامية، والعقل الفعال أعلى مرتبة من العقل الإنساني، ويقع خارجه، وفيه توجد كل الصور والحقائق، وهو الذي يخرج العقل الإنساني من القوة إلى الفعل، وبذلك تكون المعرفة هبة وفيضاً آتياً إلى العقل الإنساني من الخارج، وليست حصيلة الاجتهاد والاكتساب.

أرسطو

أساس نظرية النبوة
لا يمكن أن ينكر أثر نظرية الأحلام عند أرسطو في نظرية النبوة عند الفارابي والكندي كذلك، وملخص النظرية أن النوم هو فقد الإحساس، والحلم ناتج عن المخيلة التي تعظم قوتها أثناء النوم لتخلصها من أعمال اليقظة كما يذكر أرسطو، فأثناء النوم تنشط المخيلة التي تختزن صوراً حسية كثيرة تحدث “الأحلام” فالأحلام ثمرة المخيلة ونتيجة من نتائجها، وقد تبنى الكندي والفارابي هذه النظرية، ومتابعتهما لأرسطو تتوقف عند هذا الحد، ثم ينفردان بالاتجاه الديني في تفسير الأحلام الهامة وغيرها.

والأحلام وردت في القرآن والسنة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤية إلا جاءت كفلق الصبح، على أن علماء المسلمين يميزون بين الرؤية الصادقة وأضغاث الأحلام، مما يشهد مرة أخرى بمستوى صاحب الرؤية النفسي.

وطالما أن الحواس تخمد أثناء النوم وتبرز الصور الذهنية للإحساسات المختلفة فيتشكل الحلم، فكيف يتم الأمر بالنسبة للنبوة؟

قبل ذلك لا بد لنا أن نقول إن أرسطو لا يفسر ما تصنعه المخيلة في النوم تفسيراً يتصل بالوحي الإلهي أو الإلهام الغيبي، لذلك لا مكان في مذهبه للتنبؤ بواسطة النوم، ولا يمكن اعتبار الأحلام نوعاً من الوحي الإلهي، بينما يرى الفارابي أن الإنسان يستطيع بواسطة مخيلته الاتصال بالعالم العلوي واختراق حجب الغيب، وإذا صح أن يكون لإنسان مخيلة جيدة يمكنها التخلص من ربقة الحس، فإنه قادر على الوصول إلى عالم المعرفة والاتصال بالعقل الفعال.

وعلى هذا فيبدو أن الفارابي جعل الأحلام تفسيراً يمكن أن تشرح النبوة والوحي، فالنبي إنسان وهب مخيلة ممتازة نفاذة عظيمة تمكنه من الحصول على الإلهامات السماوية في مختلف الظروف والأوقات، لذلك ليس الأنبياء بحاجة للنوم لتعطل حواسهم ليتم تفريغ المخيلة، بل يستطيعون ذلك حال اليقظة، لكن الأنبياء ليسوا وحدهم في هذا الميدان، فمعهم الفلاسفة الناضجون قادرون كذلك على الاتصال بالعقل الفعال بواسطة التأمل العميق، وتركيز اليقظة.

ويبدو أن الفارابي -بحسب أقواله-كان يرى أن للنبي طاقة أخرى تمكنه من التقاط الوحي واستيعابه، وعليه فلم يجعل الوحي عماد مخيلة النبي.

نقد النظرية
لهذه النظرية رصيد إيجابي يحسب للفارابي، بيد أن لها جوانب أخرى تعد من أخطر مثالبها، فيحسب لها الانتصار لمبدأ النبوة من حيث هي مبدأ في وجه المنكرين لها، لا بالنسبة للمؤمنين بها، ويلاحظ أن الفارابي خلع على العقل الفعال الصفات المأثورة لملك الوحي جبريل الذي أخبر عنه الإسلام، وهو بمجموع عناصر هذه النظرية (النفسية والتجريبية والدينية)، بنى الدعامة الفلسفية للنبوة والوحي ليثبت اتفاقهما مع العقل، ومن ثم لا يصح إنكارهما، وبذلك اطمأن الفارابي أنه وفق بين الدين والفلسفة، دون أن يلاحظ أنه يوفق بين الدين والفلسفة اليونانية بالذات، مع تعسفه بتأويل النصوص الدينية للوصول لذلك.

كما أن هذه النظرية تسوي بين النبي والفيلسوف، ويبدو أن الفارابي لم يأبه بذلك فالمعلومات سواء كانت مكتسبة بالفكر، أو بواسطة مخيلة، فلا فرق بينهما ما دام العقل الفعال مصدرها جميعاً، فقيمة الحقيقة لا ترتبط بالطريق بل بأصلها، والنبي والفيلسوف يرتشفان من معين واحد، على أن الفارابي يبين مقدرة النبي على الصعود للعالم العلوي عن طريق المخيلة أو عن طريق العقل القدسي، وبالتالي فلا مجال لتفضيل الفيلسوف عليه.

لقد توقف الفارابي عند تكافؤ النبي والفيلسوف من حيث المعرفة والرتبة، وهو بذلك يمهد الطريق لمن سيقول باكتساب النبوة، وهذا يتناقض مع كونها اصطفاء إلهي، كما أن النبوة ليست حصيلة نفسية مخترعة، بل تتمثل في تكيف طبيعة الوحي وسيره مع التسليم الكامل بوجود حقائق موضوعية عليا خارج النفس الإنسانية، وهذه النقطة تبقي الفارابي في حظيرة الإسلام، وهي النقطة التي أراد توكيدها لمنكري إمكان الوحي.

لقد تناول الفارابي النبوة بشكل عام وبصورة تجريدية، على الرغم من أن كثيراً من منكري النبوة في عصره كانوا يقصدون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، تمهيداً لإنكار الدين الإسلامي برمته، فلو أولى فلاسفة الإسلام عنايتهم بإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لحققوا جميع الأغراض التي سعوا إلى بعضها ففشلوا، فإذا كان الفارابي منح النبوة أساساً عقلياً يحسبه مقبولاً، فقد سلبها أخص سماتها المتمثل بالاصطفاء.

نمط من الاستدلال على النبوة
يمكن تناول هذه القضية من جانبين، الأول تاريخي موثق، والثاني موضوعي مشاهد، أما الجانب الأول، فيتصل برجل أمي معروف، ادعى النبوة وقدم أدلتها، وألقى تعاليمه التي لا تخدم مصلحته الفردية أو العائلية، ونجح على سائر القوى المحيطة، ولم يكن متسلطاً، وترك حرية الاعتقاد، وأتى بكتاب يتضمن أخباراً وأحكاماً ونصائح ومواعظ، ولقد قام بعد متنبؤون عجزوا عن تقديم ما قدم.

وأما الجانب الموضوعي فيتمثل في القرآن الذي كان حاملاً أمانة تأديته، وتتصدر كثير من آياته بـ قل، ويسألونك وغيرها، ولم يتصرف بالوحي بأي طريقة كانت، بالإضافة لآيات العتاب وما شابهها، كل ذلك يؤكد أنه أدى الوحي كما هو.

وبالعودة لنظرية الفارابي فقد تبناها عدد من فلاسفة الإسلام ونسجوا على منوالها، فاعتنقها ابن سينا، وجعلها متنفسا لآرائه الميتافيزيقية، وكما قلنا إن غايتهم بالدرجة الأولى الرد على من ينكر مبدأ النبوة، وإمكان فهمها عقلاً، لذلك كتب ابن سينا بعنوان “في إثبات النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم”، ولا شك في أن محاولة جعل حقيقة النبوة أمراً ثابتاً مفهوماً شيء، ومحاولة سبر أغوارها وكشف أسرارها، والتوغل في جوهرها شيء آخر، فالمحاولة الأولى تقف عند حد إثباتها والبرهنة عليها وعرض شواهدها، بينما الثانية اقتحام حمى ليس للعقل طاقة به مهما بلغت قدرته.

ويختم الدكتور محمد كمال جعفر حديثه في هذا الباب بعرض أحد عشر نقطة جوهرية تتعلق بالنبوة كما يبينها القرآن.

 

تمثال لابن رشد في قرطبة

محاولة ابن رشد (520 – 595هـ)
ظفرت فلسفة أرسطو بعناية ابن رشد، فخصها بالشرح والإذاعة، ونقد علماء الكلام، ودافع عن الفلسفة باستماتة عله يعيد لها بعض الحياة بعد ن كادت تلفظ أنفاسها على يد الغزالي، واتُّهِمَ بالزندقة، واضطهد حتى نفي وطرد هو وابنه من المسجد ومنع من الصلاة مع الناس.

لقد سادت في المجتمع حينذاك موجة سخط على الفلسفة، وخصوصاً بعد حملة الإمام الغزالي، فكانت الفكرة الشائعة في المجتمع الأندلسي أن الفلسفة بعيدة كل البعد عن الإسلام، وكل من يشتغل بها أهل لأن يرمى بالإلحاد والزندقة، حمل هذا الموقف غير المنصف ابن رشد على الدفاع عن الفلسفة والتفلسف الصحيحين، وراح يثبت بالأدلة العقلية والنقلية أن لا تعارض ولا تناقض بين الدين والفلسفة، ولا يختلف ابن رشد عن جهود من اشتغلوا على قضية التوفيق بين الفلسفة والدين حيث أراد القول إن الفلسفة باعتبار أنها طريق اجتهادي وكسبي، تفضي إلى نفس الحقيقة التي دعا إليها الدين وطريقه الوهبي.

لقد كانت محاولة ابن رشد صعبة، فالفلسفة محرمة، والفلاسفة مضطهدون، وضربة الغزالي للفلاسفة من خلال “تهافت الفلاسفة” ما يزال أثرها فعالاً في ربوع العالم الإسلامي، فكيف يثبت ابن رشد اتفاق الدين مع نمط فكري أثبت الغزالي تكفير أهله في مسائل وتبديعهم في أخرى؟

واجه الكندي من قبل عداء الطاعنين للفلسفة، بيد أنه لم يواجه تأليفاً منظماً يهدم أسسها ويكفر أهلها، فكفاه مجادلة الطاعنين وبيان ضرورة التفلسف ونفعها، وأما ابن رشد فقد واجه مؤلَّفاً دقيقاً ينتقد بالتفصيل آراء فلاسفة المسلمين، ومؤلِّفه علم جليل من أعلام الأشعرية كلامياً، ومن أعلام الصوفية، وتلامذته منبثون في الآفاق، لهم وزنهم وتأثيرهم على طبقات المجتمع، فكيف السبيل لرد المكانة للفلسفة وتبرئة ساحتها؟

أدرك ابن رشد أن السبيل الوحيد لذلك، هو الرد بمؤلَّف يفند ما ورد بكتاب الغزالي فأسماه “تهافت التهافت” ولا بد من ملاحظة أن الغزالي لم يقصد هدم الفلسفة، وإلا لسمى كتابه “تهافت الفلسفة” وإنما أراد دحض وإثبات وتفاهة آراء الفلاسفة المسلمين وبشكل مخصوص الفارابي وابن سينا، لذلك سمى كتابه “تهافت الفلاسفة”، ومهما يكن من أمر فإن ابن رشد أراد أن يمهد لإعادة الثقة إلى الفلسفة.

إن عمل ابن رشد المتقن، جعل معالجته علمية تستند إلى البرهان، والتوفيق بين الدين والفلسفة عند ابن رشد لا يعني جعلهما شيئاً واحدا، فهو لم يغفل استقلال الدين عن الفلسفة، وإن كان ذلك لا يعني تناقضهما بالضرورة، ويمكن أن نلخص المبادئ الأساسية التي وضعها ابن رشد لمحاولته بالتالي:

  1. إيجاب الدين للتفلسف (التفكير).
  2. معاني الدين ذات مستويين أحدهما جلي قريب، وآخر خفي بعيد.
  3. لتأويل النصوص الدينية قواعد، حتى سائر الطرائق العقلية.
  4. تقدير قيمة العقل، وتحديد مدى قدرته وصلته بالدين.

ففي النقطة الأولى بين أن الفلسفة ليست أكثر من النظر في الموجودات باعتبارها تدل على صانعها، وهو بذلك يشبه ابن مسرة في معالجته، ويرد على من يقول إن الفلسفة تؤدي للكفر والغواية بالقول إن ما يقع من كفر وغواية لا يرجع لطبيعة الفلسفة وإنما لنقص نظرة الناظر، أو سوء ترتيب نظره في القضايا الفلسفية، وقد يكون ذلك من غلبة شهواته، أو أنه فهم خطأ لغياب المعلم المرشد،  ويستشهد ابن رشد بالحديث في مسألة الرجل الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسقي أخاه العسل لإسهال كان به.

ويؤكد ابن رشد أن الشرع أوجب النظر العقلي واستنباط المجهول من المعلوم من خلال القياس العقلي والبرهاني الذي حث عليه الشرع.

وفيما يتعلق بالمبدأ الثاني الي يشير إلى ازدواج النظرة إلى النصوص القرآنية على مستويين قريب جلي، وبعيد خفي لا يدرك إلا بالتأويل، فالأول يدركه العامة، والباطن له أهل الخاصة من ذوي البرهان، وابن رشد يقصد هنا أن المعنى الباطني لا بطريقته الصوفية، وإنما ما يتوصل إليه من خلال النطاق العقلي المستند لقواعد المنطق، وهو يقسم الناس إلى ثلاث طوائف: الخطابيون والجدليون والبرهانيون، فالأولى طائفة العامة يقتنعون بالأدلة الخطابية، والجدليون علماء الكلام، وهم أحسن من العامة ودون الفلاسفة، لأن الفلاسفة لا يقنعهم إلا الأدلة البرهانية اليقينية بحسب ابن رشد.

ويقرر ابن رشد أن ذوي الاقتناع الخطابي والجدلي عليهم أن يقبلوا النصوص الشرعية على ظاهرها، وليس لهم تأويلها، فذلك شأن البرهانيين وحدهم، وتلعب فكرة العامة والخاصة لدى ابن رشد دوراً رئيسياً في نظرته للتوفيق بين الدين والفلسفة، فللخاصة وحدهم حق التأويل لأنهم بطبيعتهم برهانيون أي فلاسفة، وهذا يعني أننا بحاجة للفلسفة للقيام بهذا الدور التأويلي، والحقيقة أن مبدأ التأويل عند ابن رشد دليل على هدفه التوفيق بين العقل والوحي، أو بين الدين والفلسفة.

ما بعد الحداثة

عرابي عبد الحي عرابي


سنحاول هذا المقال توضيح الملامح التي يشير إليها مصطلح “ما بعد الحداثة”، والتعريف بأهم التيارات المندرجة تحته ومقولاتها الفكرية المتأسسة عليها، فمن خلال نظرة سريعة على حقبة “الحداثة” يتضح لنا أن مصطلح الحداثة لم يندرج تحت تعريف “حَدّي” يُخرج ما ليس منه، وكذا الحال مع مصطلح “ما بعدالحداثة”، إلا أن افتراقات كثيرة -بين الحقبيتن- توضح معالمهما، ولعل أشملها حركة التطورات الفلسفية الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي هدفت إلى نقد أنساق الفكر الفلسفي ومقولاته الكبرى المبنيّة على قواعد الحداثة، ومن ثَمَّ تجاوزها لتأسيس حقبة “ما بعد الحداثة” التي تقدّم مقولات جديدة لا تتصف بالحتمية في نقد الفكر المجتمع والثقافة والسلطة.

إن مبدأ “التجاوز” الذي اعتمدته الحداثة أساساً في التعريف بذاتها كان حجر الأساس في تداعي سلطة الكنيسة ورسوخ مبدأ سلطة الشعب، وانتقال تقرير الفكر من كواليس اللاهوت (المسيحي) إلى قواعد العقل، وبذلك تأسست تيارات عديدة تدعي قدرتها على تفسير الوجود الإنساني وإيضاح سبل تقدمه كالبراغماتية والماركسية والليبرالية، وأثَّرت بشكل واضح في الاقتصاد والسياسة والأدب، إلا أن هذا المبدأ بذاته غدا السبب في انهيار سطوة “الحداثة” العقلية والعلمية؛ فقد اعتمده منظرو حقبة “ما بعد الحداثة” لتجاوز مقولاتها الكبرى.

مقدمة تاريخية
لا يمكن اختصار “ما بعد الحداثة” في تيار واحد، وإنما يجدر التأكيد على أن هناك “ما بعد حداثات” متعددة تشترك في أسس واحدة، وقد بدأت ملامح الرؤية “ما بعد الحداثية” في الفضاء الغربي إبَّان التذمُّر المتلاحق من سطوة التيارات الحداثية الكبرى، وعدم قدرتها على تفسير الواقع بمآلاته الجديدة سياسيًّا ونفسيًّا واقتصاديًّا ولغويًّا واجتماعيًّا وفلسفيًّا.

وهكذا نشأت تيَّارات جديدة مضادّة تنادي بموت النظريات الكبرى ونهاية الميتافيزيقا (عالم الغيب وما وراء الطبيعة)، وتطالب بالخروج عن الضوابط الحتمية، وترسيخ مبدأي الانتماء الفردي والثقافة السلعية الاستهلاكية، إضافة للدعوة إلى رفض فرضيات عصر التنوير (القرن الثامن عشر)  وخطاب الحداثة المتمثل في الإيمان المطلق بالعقلانية الشمولية.

ولم يتفق منظرو “ما بعد الحداثة” على تعبير واحد تُعرَّف به فالفيلسوف الفرنسي جان ليوتار (ت 1988م)على سبيل المثال يفضِّل اصطلاح “حالة ما بعد الحداثة” لتوضيح الحالة النقدية الجديدة [في معنى ما بعد الحداثة، جان فرانسوا ليوتار، ص7] أما الناقد المريكي من أصل مصري إيهاب حسن (ت 2015م) فيفضِّل مصطلح “ما بعد الحداثة” [سؤال ما بعد الحداثة، إيهاب حسن، ص12].

جاك دريدا

وعلى الرغم من أن هذا المصطلح قد استخدم في عام 1870 بصيغة “الرسم ما بعد الحداثي”، وفي عام 1917 في مصطلح “ما بعد الحداثة” [دليل الناقد الأدبي، د.سعد البازعي وميجان الرويلي، ص138]، وفي الثلاثينات من القرن الماضي في ديوان شعر إسباني، إلا أنه استقرّ أدبيَّا وفلسفيًّا عبر مراجعات نقدية عديدة في الدراسات الفكرية والأدبية -في الغرب عموماً وفرنسا خصوصًا- كما في أعمال الفيلسوف الماركسي الفرنسي لويس ألتوسير (ت 1990م) والفيلسوف جاك دريدا (ت 2004م) والناقد الفرنسي ميشيل فوكو (ت 1984م) وغيرهم ضمن هذه التيارات، حيث اشتغلوا في حقول عديدة كالفلسفة واللغة والسلطة والتحليل النفسي والتاريخ والأدب والعمارة [ما بعد الحداثة، كريستوفر باتلر، ص11-12]، ثم انتقل المصطلح إلى الدراسات النقدية في أمريكا فظهر تدريجًا فيما بين عامي 1963و1967 في كتابات النقّاد الأمريكيين، مثل سوزان سونتاج، كما في مقالها الشهير “ضد التأويل” عام  1964، وليزي فيدلر في مقالته “السلالة الجديدة” عام 1965.

ويمكن القول إن الحقبة التاريخية لما بعد الحداثة بدأت مع تنفيذ أشكال تصميمية لبعض المهندسين المعماريين، فاستعارت حقول الفنون والآداب المصطلح إثر ذلك وأسقطت معانيه على مفرداتها، وتطوّرت الدعوة في النقد من “المعالجة” إلى “التجاوز” لقواعد الحداثة وفلسفاتها، مقترحةً أن لا يستند الفهم الجمالي والأداء الفني -مثلاً- إلى السببية أو المعاني التقليدية، بل إن الإنسان ذاته لم يعد مقياسًا تعرَف به الأشياء.

بدأ المشروع “ما بعد الحداثي” الذي ينظِّر له الأمريكيون في سبعينات القرن الماضي بالتطابق مع مشروع “ما بعد البنيوية” الذي يقوده الأوروبيون، وفي عام 1979 صدر كتاب جان فرانسوا ليوتار “الوضع ما بعد الحداثي” الذي يعدُّ من أهم النصوص المؤسسة لحركة “ما بعد الحداثة” فلسفيًّا.

رفض منظرو المشروع ما بعد الحداثي مقولة تمثيل اللغة للواقع، مفترضين أن اللغة تنشئ الواقع منتجةً بذلك تحريف المعرفة، فبحسب ليوتار “أصبحت المعرفة سلعة من بين سلع عديدة، وأُجبر العلم على التخلي عن وظيفته الأصلية التي أعطيت له في زمن الحداثة فصار أداةً في يد القوة، لقد أصبح العلم ما بعد الحديث أداتيًّا” يخدم توجهات القواعد الكبرى لا حقيقة المعرفة، خاصة في المجتمعات المتقدمة تكنولوجيا.

لقد كان الانتقال  “الما بعد حداثي” لدى ليوتار سببًا في رفضه أهم مبادئ الحداثة، كمبدأ تحرير العقل، ومفهوم خلق الثروة وحتميَّة التقدّم، ومن ثَمَّ فإن نظريات كبرى مثل الماركسية والتقدم والإجماع العقلاني والعلم الموحد فقدت شرعيتها في مجتمع “ما بعد الحداثة”.

وقد استمر ظهور نتاج منظري التيَّار الجديد في الثمانينات بقوة عند ميشيل فوكو، والمفكر الفرنسي جيل دولوز (ت 1995)، وفرانسوا  ليوتار وجاك دريدا وإيهاب حسن، ثم انتقل إلى علم الاجتماع في فرنسا مع جان بودريار (ت2007م)، وفي بريطانيا لدى سكوت لاش  (وُ 1945م) وأنتوني جيدنز (وُ1938م)، حيث اقترح الأخير مفهوم “الحداثة الجذرية” بديلاً  لمصطلح “ما بعد الحداثة”، إلا أن تطوُّر التيار ومصطلحاته لم يتوقف، بل تعدَّى حقل الفلسفة إلى مجالات أخرى كما في مصطلح “ما بعد التصنيع” و”ما بعد الاستعمار “.

وبالمقابل فقد وجّه نقَّاد عدة طاقاتهم لمناهضة فلسفة التيَّار الجديد كالفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (وُ1929م)، الذي أصدر  أهم كتبه في الدفاع عنها “الحداثة مشروع لم يكتمل” معتمدًا على أطروحته في أن تصحيح مسار  الحداثة لا يقتضي ردم أفكارها بل تدعيمها وإخراجها من القبضة التسلطية، إضافة لتيري إيجلتون الذي أصدر كتابه “أوهام ما بعد الحداثة”، وديفيد هارفي صاحب كتاب “حالة ما بعد الحداثة”.

وعلى الرغم من ذلك يرى إيهاب حسن أننا كلما ظننّا أننا تخلصنا من “ما بعد الحداثة” نهض شبحها مرة أخرى، فأفكارها ما تزال حاضرة في خطاب الهندسة المعمارية والفنون والعلوم الإنسانية، كما أنها انتقلت إلى عوالم السياسة والاقتصاد والإعلام وصناعات الترفيه [سؤال ما بعد الحداثة، ص8].

أسس ما بعد الحداثة
اتسمت تيارات الحداثة بتنوعها واعتمادها المطلق على مبادئ عامة شديدة الوثوقية كالعلم والتقدم والحرية والحتمية، وكان مفهوم العقلانية أساس انطلاقها نحو تحرير الإنسان من التفسير “الغيبي” للكون.

فرويد

وطرأت على مسيرة الحداثة لحظات فكرية أفرزت مفكرين ينعون على الحداثة الغربية قيمها ويشككون في جدواها، وكانت بمجملها مستندة إلى فلسفة الألماني فريدرك نيتشه (ت 1900م) التي شكلت –بالإضافة لنقد ماركس وفرويد- نقطة مفصلية في تغيير مسار الحداثة إلى “ما بعد الحداثة”.

وليس مستغربًا من مفكِّر على طراز نيتشه أن يهاجم الفلسفة الغربية، خاصة وأن التنوير الأوربي فقد قدرته على التحرر بين نزعتي العقلانية والتجريبية، فبدأ بالبحث عن الأصول التي تمكن الإنسان من فهم المعرفة “والتي اتخذت عند جاك دريدا مظهر التفكيك فيما بعد، ومظهر الحفريات عند ميشيل فوكو” [نيتشه وجذور ما بعد الحداثة، ص145].

لم يكن النقد “النيتشوي” للفلسفة الغربية بنَّاءً بل عدمياً يرفض وجود المعنى والحقيقة والإله، فكانت مغامرة نيتشه أشبه برحلة في غابات الأمازون المجهولة، لكنها كشفت عن مفاهيم جديدة، فـمن أجل لبناء معبد لا بد من هدم معبدٍ آخر، لذا كانت أُسُس “معبد” نيتشه هي “موت الإله” و”الإنسان الخارق” و”إرادة القوة” و”العَود الأبدي” حيث لا يفنى الإنسان بل يتجدد جيلا بعد جيل.

وهذه المقولات مترابطة، فمن أجل التسليم بسلطة الإنسان المطلقة لابد من إنكار وجود الإله، ومن أجل بناء شخصية (السوبرمان) لابد من هدم عالم الغيبيات، ولأجل الوصول إلى مرحلة القوة اللامتناهية لابد من تخطي الخطوط الحمراء التي وضعتها جميع مدارس اللاهوت والمعرفة، ومن أجل تطبيق فرضية العَود الأبدي لابد من إزاحة مظاهر الضعف والقيم الأخلاقية.

نيتشه

لقد اشتهر عن نيتشه القول بأن الإنسان هو من يضع القيمَ ويجب أن ينقلب على القيم التي تضعها الديانات، فهي قيم غيبية، ولا يمكن أن تكون الحياة مرتَهَنَةً إلى الغيب أو السلطة أو القواعد الكبرى التي صنعتها العقلانية الغربية كالعقل واليقين العلمي، فهي  تخلق للإنسان عالمًا وهميًّا.

ومع أن نقد نيتشه اللاذع أخرج الإنسان من سجن الكُلِّيات (النظريات الكبرى)، إلا أنه قاده إلى سجن الشك والريبة والعدمية والعبثية وضياع المعنى والتفكيكية والتعدد اللا متناهي للتأويلات، فالنزعة النسبية الأخلاقية والمعرفية في عالم ما بعد الحداثة تجد “تصميمها” الأفضل في فكر “نيتشه” العدمي .

وهكذا انتقل النقد الفلسفي للحداثة اعتمادًا على مقولات نيتشه إلى طور جديد على يد الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (ت1976م)، والذي فتح باب التأويلات من خلال السؤال عن كيفية تكوُّن الموجودات والقيم -لا عن أصلها-، بغية الوصول إلى القيمة التي وضَعَت لها المعاني المرتبطة بها، وبذلك نفهم سر اختفاء المفهوم الثابت، فتنتهي وحدة التاريخ وتنشأ مسارات متعددة لا نهاية لها.

تيارات ما بعد الحداثة

1-العدميَّة

آرثر شوبنهاور

من الأهمية بمكان البَدء بالعدمية Nihilism التي كانت مثالاً صارخاً لبدء خلخلة النظام العقلي الواحد الذي كان يسيطر على الفكر الغربي، ويبتدئ تأثير العدمية كنزعة سوداوية لا ترى للعالم أي معنى على يد الفيلسوف المتشائم آرثر شوبنهاور (ت1860م)، الذي كان الذي يرى في أهم قناعاته أنه لا بد من الاستسلام لليأس، والامتناع عن فعل أي شيء لتختفي الحياة، وإلى جانب هذه التشاؤمية جرَّدت عدمية نيتشه معول الهدم معلنةً الحكم على “الإله” بالموت، ليزداد تأثير العدمية في تيارات الفلسفة الغربية “ما بعد الحداثية” التي لحقت بهما، فورثت مقولة الموت التي أعلنها نيتشه وانطلقت لتغيِّر مشهد الفكر على  أسس “أسطورية الدين” و”وهمية المفاهيم والقيم”، وتهديم الأسس المعيارية أو القانونية أو العقلية للفهم والتفسير.

تشير الكاتبة الكندية نانسي هيوستن في كتابها “أساتذة اليأس” إلى أن تطوّر الفكر الأوروبي منذ نحو قرنين تفرع في اتجاهين متضادّين ظاهرياً: الطوباوية (المثالية الحالمة) والعدميّة، أو  الموقف الثوري والموقف الانهزامي، فإذا كان المرء مثقفًا كان عليه أن يضع ذكاءه في خدمة الثورة من أجل عالم أفضل برأي الحداثيين، أما العدميّون فيرون أن الأولى به الانتحار على الفور؛ لأن كل أفعال الإنسان عبثية وفاشلة، و إلا فالحل هو اللجوء إلى الكتابة ليشعر بالأمان [أساتذة اليأس، نانسي هيوستن، ص17].

وكأن الجماعة الأولى تقول: لصناعة العجّة لابد من تكسير البيض، بينما يؤكد العدميون أنه ما من شيء يستحق العناء، لا البيض ولا العجّة، إذ لا أحد يشعر بالجوع ولا معنى للجوع أو الشبع أصلاً.

كانت لفظة “عدمي” تطلق في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي في روسيا على المتمردين المناوئين لحكم القيصر، ثم استعمِل هذا الوصف في رواية إيفان تورجنيف “الآباء والأبناء” عام 1862 لمدحِ الشخصية التي تؤمن بالعقل وبالتصور العلمي الذي يقدمه عن الكون، مع التأكيد على رفض المعتقدات الدينية والقيم الأخلاقية.

وترجع العدمية في أفكارها إلى الأساطير الإغريقية التي تصور صراع الإنسان مع الآلهة وكأنه صراع ضد فكرة العدم، وارتبط تطور العدمية فلسفيَّا مع إبعاد “الإله” عن الساحة الفكرية وزيادة الكشوفات العلمية التي وضحت أن الكوكب الأرضي ليس أكثر من ذرة غبار في كون يحوي مئات المليارات من المجرات، فإن لم يكن الإنسان مركزًا لهذا الوجود، فما معنى وجوده، ما هو العالم، من نحن؟ هذا هو السؤال الذي ترتكز عليه العدمية في طورها الأول.

وتعرّف الموسوعة الفلسفية ليودين ورزونتال العدمية بالإنكار المطلق [ص294] ، ويقول قاموس أكسفورد إنها إنكار كل فكر إيجابي، كالقيم الأخلاقية والمبادئ الدينية، أو هي الاعتقاد بأنه ليس ثمة شيء ذو قيمة، فالمبادئ الدينية والأخلاقية عديمة القيمة، والأديب العدمي يرى أن العالم عديم القيمة وخال من أي مضمون أو معنى حقيقي، فينحصر عمل هذا الأديب في تذكير الإنسان بحدوده حتى يستغل حياته استغلالًا عدميًا، وبذلك “ينضج” فكر الإنسان فيرتفع من مرتبة الحيوان الذي لا يدرك معنى العدم إلى مرتبة الأديب المدرك له. [النزعة العدمية وصلتها بالإباحية، ص1].

2013 Pablo Saborío

تركت العدمية بصمتها على الفن التشكيلي بوضوح، كما في هذه اللوحة للفنان المعاصر بابلو سابوريو التي تحمل عنوان “صورة لرجل ينتظر الجواب”، في إشارة واضحة لغياب المعنى وتشتت الإنسان.

أما العدميَّة السياسيَّة فهي مرتبطة بالاعتقاد بأن إلغاء القيود السياسية والاجتماعية والدينية كافة شرط لازم لأي تطور مستقبلي.
وأما العدميَّة الأخلاقيَّة فهي مذهب نظري يرفض إمكانية وجود قيم أخلاقية مطلقة، فالخير والشر أمران ضبابيان، والقيم التي تحاكيهما ما هي إلا نتاج الضغوط الاجتماعية والعاطفية.

ويرى أصحاب العدميَّة الوجوديَّة أن الحياة بلا قيمة، وهذا هو المفهوم الأعم والأكثر استعمالاً للكلمة هذا اليوم. وقد يصل الأمر إلى اعتناق العدميَّة المطلقة التي تنكر أي قيمةٍ أو وجود لأي شيء، بينما ترى العدمية الفلسفية النقديَّة أن العقل غير قادر على الوصول إلى الحقيقة، وهي في كلا الحالتين مرادفة لنزعة الشكية أو الريبية [انظر الشك الفلسفي في مقال مصادر المعرفة]. ومن البدهي ألا تدافع العدمية عن الوجود الإلهي فوجوده وعدمه سواء في رأي أصحابها.

وبإيجاز، ترى نانسي هيوستن أن للعدمية ثلاث خصائص، هي:

1- النخبوية والأنانية: فهي ترى أن البشر كتلة متجانسة من الأفعال والأديان والثقافات، ويشكلون قطعانا لا إرادة لها وتفكر بالطريقة ذاتها، إلا العدميَّ الذي يرى نفسه متفرِّدًا ورافعًا صوته بالشكوى المستمر، كما أنه لا يريد أن يكون ممتنًّا لأحد أو مدينًا لإنسان.

2- الاشمئزاز من الأنثى: ترى أبرز الشخصيّات العدمية أن الرجل وحده يمكن أن يكون فنَّاناً؛ لأن المرأة ليست قادرة على الكتابة والإبداع، والشيء الوحيد الذي يمكن أن تقدمه المرأة هو “الولادة” التي تخرجنا بها الأم إلى الحياة، وفي المقابل فإن المرأة تقيد حرية الرجل، وهي كالأخطبوط تصيد الرجل وتأخذه إلى حيث تريد، إلى التناسل “المقزز” الذي لا ينبع من إرادة الفرد بل إرادة الجنس البشري.

3- احتقار الحياة: فالشيء الوحيد الذي ينقذ الإنسان من الفناء انعزالُه عن كل شيء، وغالبًا ما يبتعد العدمي عن اتخاذ أي موقف سياسي، ويتمنى لو أنه لم يكن موجودًا ويحلم بالانتحار إلا أنه يخشى الموت [أساتذة اليأس، ص19-20]، وبناء على ذلك فالعدمي لا يتمنى الموت فقط في أسرع وقت، بل يودّ لو أنه لم يولد من الأساس كما قال شوبنهاور، فخطيئة الإنسان الكبرى مولِدُه وخروجه إلى الوجود ولا يمكن مغفرة هذه الخطيئة إلا بالموت، ومن ثم فلا عجب في ألا ينجب فلاسفة العدمية أطفالاً، كما أن شوبنهاور يرى أنه لا بد من الاستسلام لليأس، والامتناع عن فعل أي شيء لتختفي الحياة [أساتذة اليأس، ص51-64].

لقد كانت لكلمات شوبنهاور وأفكاره أعمق الآثار في أوروبا إبَّان وفاته، فعلى رؤاه التشاؤمية تربَّى مفكرون وأدباء كبار مثل نيتشه والمفكر اللغوي لودفيغ فتغنشتاين (ت1951م) والكاتب التشيكي فرانس كافكا (ت1924م)، ثم ظهرت حركة النقد النيتشوي لتدفع العالم إلى الهاوية العدمية قسرًا. ومع نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914 واشتداد الأزمات وصولاً إلى الحرب العالمية الثانية عام 1939، كان الغرب قد وصل إلى شتات معرفي وروحي، بين وعود اشتراكية اقتصادية جامحة في الخيال، وبين تغوُّل رأسمالي يريد تحويل العالم إلى شركة استثمارية.

إحدى معارك الحرب العالمية الثانية

وهكذا وصل الفرد الأوروبي إلى قناعات مفادها أن السوداوية تخيم على كل شئ، وأن الإنسان بات مُخيراً بين الحياة العدمية وبين الثورة والتمرد، وسرعان ما انعكس ذلك على الأدب والفن، وظهرت تيارات اللاوعي الناشئة عن العدمية كالسريالية والعبثية، وحركة اللامعقول، ومسرح العبثية والتمرد.

وخلال الأربعينات والخمسينات توسعت الحركة العدمية الملحدة في الوعي العام، وزعم أصحابها أننا حين نهجر الأوهام نكتشف أن الحياة بلا معنى أو جدوى، فزعم الأديب الفرنسي ألبير كامو (ت1960م) أن مأزق “سيزيف”، المحكوم بالعذاب الأبدي، هو تعبير مجازي عن الوجود الإنساني، وفي روايته “الغريب” يرفض على لسان “ميرسو” الافتراضات الوجودية التي يعتمد عليها الضعفاء، أما روايته “الطاعون” فحملت إصرار كامو على استعراض تفاهة الحياة، مطالبا بعدم محاولة تحسين العالم.

2- علم نفس “ما بعد الحداثة”
استنادًا إلى ثلاثية فرويد “ثورة كوبرنيكوس في الفلك، وثورة داروين في علم الأحياء، وثورة التحليل النفسي” ، فإن تحكُّم الإنسان بنفسه أو محيطه أصبح “خرافة”، وعلى هذا لم يعد بمقدور الإنسان امتلاك مفردة “الذات”،  بل أصبح الإنسان عبارة عن علاقات وسياقات مختلفة [البنيوية فلسفة موت الإنسان، روجيه غارودي، ص12-14].

وإذا كانت تيارات الحداثة تدرس الظواهر لاستنباط القوانين الشمولية التي تنطبق على البشر في كل الأمكنة والأزمنة، فإن علم نفس “ما بعد الحداثة” يفصل بتعسف واضح بين “الذاتي” و”الموضوعي”، ويزعم أن دراسة أي ظاهرة نفسية لا تخضع لمبادئ ثابتة، لذا صار مجال البحث النفسي في ما بعد الحداثة متخصصا بالفرعي والهامشي في الحياة اليومية [علم نفس ما بعد الحداثة، د. إبراهيم الحيدري].

وسنوجز دراستنا لتطور هذا العلم “المابعد حداثي” في المرحلتين الآتيتين:

1- فرويد وبَدء التحليل النفسي:
ابتدأت المرحلة المتطورة من علم النفس باختراع طبيب النفس النمساوي اليهودي سيغموند فرويد لطريقة “التحليل النفسي” في معالجة مرضاه، فصارت هذه الممارسة بداية علم النفس الحديث، وشملت وجهي الممارسة التحليلية (الشعور/ اللاشعور) [المعجم الفلسفي، جميل صليبا].

تمتلئ النصوص “الفرويدية” بمصطلحات شديدة الوضوح أحيانًا وشديدة التعقيدة أحياناً أخرى، كالحياة والموت واللذة والأنا والهو، ولذلك كان عمل فرويد تأويليًّا  [خمسون مفكرا أساسيًّا معاصرًا، 57]، ومن الجدير ذكره أن فرويد يقيم نظريته بناء على بطلان مفهوم الطبيعة العاقلة للإنسان ونقض اعتباره كائنًا متميزًا بالعقل واللغة؛ فنظريته لم تنطلق من العقل بل من الدوافع البشرية، وإذا كان السلوك الإنساني غرائزيا فإن سلوكه الاجتماعي والحضاري لن يُفهم من منظور “التسامي الذاتي” وإنما من مبدأ الرغبة والاحتياج المكبوت.

لقد كانت نظرية “الدوافع” جوهرية في نظرية فرويد، فلفهم الإنسان لا بد من فهم دوافعه، إلا أن التفسير غالبًا ما يكون ناقصًا لأن هناك أسبابا مخفية تسبّب الدوافع، وهذه الأسباب غير واعية وتعمل في داخلنا ونحن على غير معرفة بها، فحين يزل اللسان أو يرى شخص حلمًا فمن الطبيعي ألا نهتم لما خلف ذلك، إلا أن فرويد رأى أن خلف هذه الزلة وتلك الأحلام دوافع تكشف عن المعنى الكامل لهذه الأحداث التي تبدو عشوائية.

وتستند هذه الفرضية إلى أساسين مهمين:

أولهما: الأعمال الغريزية التي رأى فرويد أنها تظهر الحقيقة النفسية، كغريزة السلوك الجنسي التي تحكم الأشياء المحببة للإنسان، وغريزة الهدم التي تقود إلى الإجرام والعدوان، فزعم فرويد أن السلوك البشري نتيجة للصراع بين هاتين الغريزتين أو التعاون بينهما [فرويد بين الحداثة وما بعد الحداثة 1-2، د. إبراهيم الحيدري].

والثاني: العمليات النفسية، فهناك أعمال شعورية “واعية”، وأعمال لا شعورية “غير واعية” أو ما قبل الشعورية، ويولي فرويد أهمية كبيرة لمبدأ “اللاشعور” في فهم دوافع الإنسان ونفسيته، فهو الذي يختزن القيم والمثل والعادات والميول والرغبات المكبوتة. كما أن من مهامه توجيه أفعال الإنسان السلوكية دون أن يعيها، وينقسم اللاشعور عنده إلى “لاشعور شخصي” وهو المكبوتات، ولا شعور جمعي” وهو الأفعال والأعراف الجماعية، كتفضيل نوع من الممارسات على غيرها أو الاعتقاد بأساطير خاصة.

وأعطى فرويد مفهوم اللاوعي بُعدًا كونيًا فجعله المحرّك والمفسر للنفس الإنسانية، ومن هنا ظهرت الحركة السريالية في الفن التي يتعمد من خلالها الفنان رسم لوحاته وهو في حالة سُكر أو غيبوبة لاستخراج الأفكار والرؤى الباطنية [أثر نظرية فرويد على السريالية (سلفادور دالي أنموذجاً) د. فاطمة عمران راجي، ص115].

لوحة “إصرار الذاكرة” للفنان سلفادور دالي (1931) تعد من أشهر اللوحات السريالية في العصر الحديث

2- جاك لاكان وتصحيح الفرويدية:
على الرغم من تعدُّد مدارس علم النفس التي ظهرت بعد مدرسة التحليل النفسي، إلا أنَّ مدرسة فرويد ظلت أكثرها شهرةً وتأثيراً في الحقول الإنسانيَّة، ومع أنَّ العديد من تلامذة فرويد عارضوا نظرية “الدافع الجنسي”، إلا أنهم التزموا بتصحيح رؤيته لا نقضها، ومن ثم فإن نظرية علم نفس ما بعد الحداثة للمحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان تعد صيحة العودة إلى الفرويدية، بغية إعادة قراءتها من جديد.

جاك لاكان

لقد صبّت قراءة لاكان لنظرية فرويد في مصلحة دعم تيارات “ما بعد الحداثة”، خاصة “التفكيكية” و”ما بعد البنيوية”، فارتكزت أعماله على محاولة فهم نظرية فرويد وإعادة صياغة مفاهيمها بالجمع بين الإنثروبولوجيا (علم الإنسان) وعلم اللسانيات والفلسفة والرياضيات.

استطاع لاكان اختزال مقولات فرويد كلها في مصطلح “اللاوعي”، واللاوعي هو فضاء هلاميٌّ مبني على الرموز، وقد اشتُهر عند فرويد ومن بعده على أنّه جزء لا ينفصل عن الغرائز، إلا أن لاكان قدّم طرحا جديدا هو “لغوية اللاوعي”، وهذه اللغة تختلف مع علامات اللغة الكتابية في فهم الأشياء ضمن حالة الوعي، ما يعني إمكانية قراءة الأحلام وتفسيرها وإدراكها على أنّها مجموعة لغوية تتشكل من علامات واسعة.

تكمن خصوصية لاكان في نقده لمبدأ ديكارت التي يعتبر أساس العقلانية الحداثية، وهو “أنا أفكر إذن أنا موجود”، فاستعاض عنه بالأنا اللاواعية المتشكلة عن حاجات جسدية ونفسية والتي يكشفها اللاوعي ويقدمها على هيئة صورة رمزية حُلمية، مستعينا بأفكار سارتر الوجودية حول العلاقة بين الفرد والعالم.

ثم جاء التيار النقدي “ما بعد البنيوي” واستفاد من رؤية لاكان من خلال نقد التصور الديكارتي للذات الموحدة وللكاتب بوصفه سلطة لتثبيت الدلالة والحقيقة، وهكذا لم يعد للذات وعي موحد وإنما هي تشكل قسري بواسطة البنية اللغوية، وامتدت هذه التحليلات –بطبيعة الحال- لنقد الغيبيات.

3-الوجودية
تتقاطع مفاهيم الوجودية مع معطيات العدمية والعبثية، لكن هناك فروق دقيقة بينها، فللوجودية معنيان، أحدهما عام يتجسد بإبراز قيمة الوجود الفردي، ويمثله مذهب هايدغر وياسبرز وكيركيجارد، أما المعنى الخاص فهو ما يعلنه جان بول سارتر (ت1980م) بأن الوجود متقدم على المعنى أو الماهية -وهو بالضبط ضد رأي كل من سبقه من الفلاسفة- لذلك فالإنسان حسب رأيه يصنع نفسه بنفسه، وذلك من خلال حريته المطلقة في الاختيار.

سارتر

أما العدمية فهي الاعتقاد بعدم وجود أي معنى جوهري في الكون، وأنهُ من غير المجدي محاولة فهمه أو البحث عن القيمة والحقيقة واليقين فيه، وترتبط العدمية -غالبًا- بتشاؤم شوبنهاور المفرط والشك الجذري عند نيتشه.

وأما العبثية فهي الوجه المتمرد للوجودية، لأنها ترى أن جهود الإنسان لإدراك المعنى تنتهي بالفشل الحتمي لأن المعنى غير موجود، ولذا يجب على المرء أن يتمرد ضد هذا الحال مع وجوب الإقرار به في آن واحد، وقد خرجت الحركة “العبثية” من رحم الوجودية عندما نشر الأديب الفرنسي كامو كتابه “أسطورة سيزيف”.

وبذلك يمكن أن نعرف الوجودية بأنها الاعتقاد بأنه بتحقق الوعي ومسؤولية الشخص مع إرادته الحرة يمكن بناء المعنى ضمن العالم الذي في جوهرهِ لا يمتلك أي معنى.

ظهرت الفلسفة الوجودية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث خيمت السوداوية على الأدب والشعر والفن والرؤية الفلسفية، فمثلت “الوجودية” للفكر الأوروبي ملاذاً لأزمات الإنسان ومعاناته، ومع أن الوجودية تؤمن بوجود مقولات “كبرى”، كالوجود والماهية فهي مصنفة ضمن تيارات “ما بعد الحداثة”، وذلك لأنها مذهب لا عقلاني، فهي ترى أن الإنسان لا يمكن فهمه إلا في المواقف التي يختارها لنفسه، وأن أسباب هذه المواقف ليست كلها خارجية بل ربما تكون كانة في مزاجه أو انفعالاته أو الكبت المترسخ فيه.

ألبير كامو

اتسمت الوجودية بالتعالي أولاً، وإهمال واقعية الإنسان ثانياً، ومحاولة رفع الفرد عن مشاكله بالتسامي الروحي ثالثاً. وبعد أن جمعت الماركسية بين تقديم بديل للكنيسة وبين رسم تطلعات متفائلة للمستقبل، جاءت الوجودية لتجمع بين جانبين متناقضين، فقدمت رؤيتين كنسية ولا كنسية للوجود في آن واحد، فالرؤية الأولى هي الوجودية المؤمنة لدى الدانمركي سورين كيركجارد (ت1855م)، والثانية هي الوجودية الملحدة عند آلبير كامو وسارتر، ثم سعت الوجودية لرسم تطلعات جديدة لمستقبل اجتماعي.

ولم تستطع الوجودية غالبا أن تتخلص من تأثير الأفكار السابقة عليها، وأهمها فلسفة نيتشه التي تزعم “موت الإله” وتسليم مهامه للإنسان، ومع ذلك اقتنع بعض الفلاسفة الوجوديين بالقيم الكنسية الروحية وآمنوا بالإله، مشترطين مع ذلك حرية الكلمة والاختيار مثل كيركيجارد وكارل ياسبرز (ت1969م).

ويكن القول إن الفلسفة الوجودية رسمت هدفها البعيد في رفع درجة الوعي البشري عن طريق عنصرين هما “الحرية والاختيار”، وباتساع القاعدة الفلسفية للوجودية وسعيها لتحقيق السعادة فإنها استطاعت تقديم حلول عجزت عن تقديمها الفلسفة الماركسية والسلطة الكنسية، كما في مبدأي الحرية والاختيار، اللذان لم تعط الماركسية أحدًا منهما للناس.

لذا أصبحت الوجودية في ستينات القرن العشرين العقيدة الجديدة للمثقفين والأدباء والنقاد، وأوصلت الشباب المتمرد إلى درجة الشعور بالتألُّه عندما يستطيع أن يُبدع، ومن ثم أصبحت حقيقة الدين تعني ما يدِين به الإنسان لا ما يُفرض عليه، وما يمكن أن يطلق عليه الدين هو الذي يمتلك عناصر بقائه، في إحالة تذكرنا بصراع البقاء في نظرية الانتخاب الطبيعي لدى داروين.

كما استطاعت “الوجودية” أن تبتدئ عصر الفلسفة غير النسقية، وهذه الفلسفة هي سمة المذاهب التي تسعى إلى تكسير “النسق”، وتتسم بأنَها نقدية ولا نهائية، ومثالها: القراءات الفلسفية التي بُنيت عليها الطروحات النقدية الحديثة لما بعد البنيوية.

4- التفكيكيَّة
ظهرت هذه النزعة على يد الفيلسوف الفرنسي “جاك دريدا”، وهي طرح فلسفي يصعب تعريفه، لأن التفكيكية بحد ذاتها ضد التعريف [الكتابة والاختلاف، جاك دريدا، ص57-65]، بل ضد امتلاك الفهم الثابت والحقيقة.

قدّم دريدا في عام 1966 بحثا باسم “البنية والعلامة واللعب في خطاب العلوم الإنسانية”، حيث وضع كل مسلَّمات الفلسفة الغربية منذ عهد أفلاطون إلى يومه موضعَ سؤالٍ وشكٍّ [النظرية الأدبية، رامان سلدان،  ص134، 135].

ترتكز استخدامات اللغة في بيان المعاني والأفكار على اللفظ “الدالّ” والمعنى “المدلول”، وترى جمهرة علماء اللسانيات أن ارتباط دوالّ الألفاظ اللغوية بمدلولاتها في الاستخدام الأوّل كان ارتباطًا اعتباطيًّا إلا أن التلازم في الاستخدام اللغوي بين المفردات ومعانيها جعل هذا الارتباط متسقًا في التداول، مما ضمن استقرار الدلالة أثناء التخاطب والكتابة، إلا أن “التفكيكية” تتجاوز كل “نسق” أو “ثابت” أو”كُلِّي” أو “قطعي” وتجعل من مهمة الفهم الثابت أمرًا مستحيلاً، فالتفكيكية تسعى إلى تفتيت النصوص من المعاني الثابتة وتحويلها إلى تفاعل لا نهائي مع المعنى؛ فلا تستقر  الدلالة على معنى حتى يُهدَم ثم يُفترض معنى آخر ثم يهدَم -وهكذا دواليك- إلى ما لا نهاية، عبر لعبة المراوغة المستمرة.

ويظهر التفكيك في عدة مظاهر، فهو موقف فلسفي أصلا، وقد يكون رؤية سياسيَّة، وربما يظهر في طريقة القراءة الأدبية.

لقد جاء “دريدا” بمفهوم “تقويض اللوغوس” أي المرجع الذي تستند إليه المعاني في الخطاب اللغوي، أو المفهوم الكلي الذي يتحكم بقضايا الوجود وثنائياته، كالماهية والوجود والخير والشر والنهاية والبداية والإنسان والوعي، وهدف دريدا هو هدم مفهوم “المركزية” التي يستند إليها المعنى والاستدلال [الكتابة والاختلاف: ص58]، وللوصول إلى هذا الهدف لا بد من “هدم الميتافيزيقيا (الغيبيات) التي يفترض المؤمنون بها أنها أسست لوعي ديني تتجسد فيه الحقيقة” [صيدلية أفلاطون، جاك دريدا، ص5]، ولذلك يؤكد “التفكيك” على التعدد والاختلاف.

وقد قامت تفكيكية دريدا على أربعة تيارات:

1- هدميّة نيتشه
إذا كانت التفكيكية قائمة على التقويض فإنها متفقة تمامًا مع مضامين الفلسفة النيتشوية التي زعمت تمكنها من تقويض كل الحقائق المطلقة، فقد أسَّس نيتشه الأرضيّة اللازمة للتيارات النسبية التي اتسمت بها مرحلة “ما بعد الحداثة” من خلال تبني منظريها لأهم مقولاته، لا سيما جاك دريدا الذي استمد أهم أسس نظريته التفكيكية من الهدم النيتشوي أولاً.

فإعلان “موت الإله” مثَّل بداية الإطاحة بالمفاهيم المطلقة [نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر، المسيري، ص172]، بغية التخلص من الهيمنة التي تفرضها “المرجعية” والوصول إلى تحطيم المركزية العقلية وفهم كيفية صنع الإنسان القيمة والمعنى،

وبذلك يلغي نيتشه حضور الميتافيزيقيا؛ فالأجدر بالإنسان -حسب نيتشه –الإعلان عن الإلحاد وجحد الإله، “فجحود الإله ينقذ العالم” [أفول الأصنام، نيتشه، ص56].

وكانت غاية “دريدا” تأسيس “ممارسة فلسفية ونقدية تتحدى ارتباط المدلول (المعنى) بالدال (اللفظ) المحدَّد والصريح” [التأويل، إمبيرتو إيكو، ص124]، ولذلك اتفق دريدا مع نيتشه في نفي الحقيقة الثابتة، فكلاهما يطالب بتفكيك المعرفة المنطقية والمفاهيم الخاصة بها.

2- نزعة الشك الهايدغري

هايدغر

يقول دريدا “إن دَيني لهايدغر هو من الكِبَر بحيث يصعب التحدث عنه، إن بمفردات تقويمية أو كمية، أوجز المسألة بالقول: إنه من قرع نواقيس نهاية الميتافيزيقا” [الكتابة والاختلاف، جاك دريدا، ص47]. وتبدو هذه العبارة مشيدة بفضل الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، أهم الفلاسفة الأوروبيين المعدودين بوزن أفلاطون وأرسطو في العصر الحاضر، واعتراف دريدا بهذا الفضل جدير بالملاحظة، “فالفكر –بتعبير هايدغر- لن يبدأ حقًّا إلا عندما نتعلم أن العقل هو العدو اللدود له” [موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر، الزواوي بغورة، ص70] وبذا فإن هايدغر يعبر عن إرادة تفكيك النزعة العقلية وتجاوز الفلسفة الذاتية حتى يمكن للإنسان تحرير ذاته، حسب رأيه.

لقد حرصت الفلسفة الغربية –برأي هايدغر- على إظهار الحاضر في كل زمان، لكنها لم تظهر الوجود بحقيقته، وإنما أظهرت صفات طارئة على الموجود، ولذا لا بد من إنهاء هذه المنظومة والتركيز على قضية “الكينونة” الحقيقية للوجود، وبذلك فتح باب التأويلات من خلال السؤال عن الكيفية التي تتكوّن بها الموجودات والقيم لا عن أصلها، لأن الحياة ليست محض بقاء وإنما تغيُّر مستمر، فلا يوجد تاريخ واحد للكينونة وإنما مسارات لا نهاية لها.

وعلى الرغم من استعارة دريدا لمفهوم “الهدم” الهايدغري إلا أنه ينتقد منهجيته بأنّها ما تزال “حبيسة الرؤية الميتافيزيقية”، لاستمرارها بالتمركز حول “المرجعية”، إلا أن النقاط المشتركة بينهما عديدة، كنقد مركزية الفلسفة الغربية، والدعوة للشك العدمي، والبحث المستمر عن تعدد المعاني.

3- فرويد واللاشعور
ينقل الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي في كتابه “البنيوية: فلسفة موت الإنسان” عن فرويد قوله إن نظريته في التحليل النفسي ألحقت بكبرياء البشرية ثالث “إذلال كبير” لها بعد الثورات العلمية على يد كوبرنيكوس التي أنهت كون النص الديني المركز الذي تقاس إليه الأمور، ورؤية داروين التي حولت الإنسان إلى حيوان بيولوجي يصارع من أجل البقاء [البنيوية فلسفة موت الإنسان، روجيه غارودي، ص12-14]، فكان فرويد يسعى لإطلاق ثورة نفسية تقيد الإنسان باللاوعي ودوافع اللاشعور.

إن أحد أهم الأمور التي لفتت انتباه دريدا لأعمال فرويد هو تقويضه لمفهوم الأب و دراسته المفهومات الثنائية، كالعقل والجنون والواقع والخيال والشعور والللاشعور، وإظهارها بمظهر المجني عليه، فالطرف الأول من هذه الثنائيات هو الذي يحظى بالتقدير والاحترام، أما الثاني فالمجتمع يسعى لتفنيده ونفيه، إلا أن فرويد قلب هذه التقابلات وجعل الثاني منها شرطا للأول، فأعجِبَ دريدا بهذا القَلب وقال عن عمل فرويد: “إنه يقول شيئًا مبهجًا… فلا أحد حلل المبدأ الأبوي أو البطريركي كما فعل”، وكما أنّ فرويد درس الأحلام وهفوات اللسان ليعيد لهما الاعتبار  بدلاً من عدّهما وهمًا لا طائل منه، درس دريدا كذلك الفجوات والفراغات والهوامش داخل النصوص مع دراسة الاستطرادات والتناقضات والغمـوض… إلخ. [ما بعد البنيوية، 2134].

لقد تعامل فرويد مع المناطق الغائبة في النفس الإنسانية بمنطق التعامل مع الأسطورة، وأرجع معظم تصرفات الإنسان إلى دوافع مخفية في اللاشعور ناتجة عن أزمات الطفولة والكبت، ثم جاء دور دريدا في دراسة المناطق الباطنة في ميدان الدلالة اللغوية، لأنه يرى أن المعنى المخفيَّ متعدد ولا نهائي.

4- جهود رولان بارت النقدية

رولان بارت

شغلت دراسات رولان بارت (ت1980م) مساحة واسعة من النقد العالمي، خاصة وأنها وافقت عصر الدعوات لتحطيم الأصنام النقدية المتوارثة التي لا تقبل التغيير، وتأتي شهرته الواسعة لأسلوبه التحليلي ولمعالجته جميع مظاهر الحداثة الغربية وربطه إياها بأسسها الفلسفية، كمظاهر الأكل والشرب والكلام، فضلاً عن صيحات الأزياء وتنوع السلوكيات الجنسية، وأشكال قصات الشعر… إلخ، مبيِّنًا خصوصية هذه الأشياء أولاً، ثم علاقتها بالحياة اليومية ثانياً، ودور المؤسسات السياسية والاقتصادية في تفعيلها إيجاباً أو سلباً ثالثاً، فضلاً عن تحويل كل تلك المظاهر والأشياء عند دراستها إلى لغة تنتمي برأيه إلى ثقافة بورجوازية تُشعِل بصورة دائمة معركة الأنساق اللغوية [هسهسة اللغة، رولان بارت، ص133،486].

ويمكن تلخيص تأثير “بارت” في “دريدا” من خلال نظريته في قراءة النصوص الأدبية المبنية –في أصلها- على عناصر تجاوزية و”تفكيكية” في حقيقتها إن جاز التعبير، كمقولات “خيانة اللغة” و”موت المؤلف” و”التحليل النصي” المستمر.

فمقولة “خيانة اللغة” من الطروحات ذات الخصوصية عند “بارت” لأن النص -حين نزيح مؤلفه معلنين موته- لن يتبقى له إلا المراوغة مع اللغة وخيانتها، وهذه الخيانة تسمح لنا بإدراك اللغة خارج سيطرة المؤلف “القاصد لمعنى ما”، وقد أراد بارت من هذا التوجه الانفلات من فاشية اللسان وتسلط اللغة وقانونها، لكنه في ذات الوقت وقع في الاعتداء على اللغة عن طريق التلاعب بها وتحويل مسارها في المعنى، بتقديم المعنى البعيد والتلاعب بحقيقة النص وفقاً لرغبات القارئ والناقد.

ولعل دعوة “بارت” إلى إعلان “موت المؤلف” تحيلنا إلى دعوة نيتشه لإعلان “موت الإله”، وبذلك يستثمر موته لتجنب مركزيته ومقاصده التي يقدمها في نصه، والاكتفاء بالنص وحده دون اللجوء إلى مؤلفه [ما بعد البنيوية، ص93، 94].

لقد استفاد دريدا من هذه المعطيات، فغياب “المؤلف” يقود إلى لا نهائية “الدالّ” فيستمر التوليد الدائم المستمر داخل النص، فالنص لا ينشأ عن رصف كلمات وحيدة المعنى، وإنّما هو فضاء متعدد الأبعاد تتمازج فيه المعاني وتتعارض.

وعلى الرغم من أن الهدف هو نقد الحضارة الغربية وإنشاء بدائل فكرية لقواعد الحداثة الكبرى، إلا أن هذا السعي أدى لتفتيت التواصل والتفاعل الحضاري، فالقاعدة الأولى لهذه الفلسفة هي “امتناع التعريف” و”انغلاق المفاهيم” حتى أصبح كل نص أو عقيدة يحتمل ما لاينتهي من الافتراضات والتأويلات، فهل يتحقق التنوع بهذا الفعل أم أنه سبيل مؤكد لإفناء الهوية والخصائص البشرية؟!

يمكن اختصار مرتكزات نظرية دريدا بوجوب الاختلاف، ورفض التمركز، ونظرية اللعب اللغوي (اللغة المراوغة التي لا تثبت على معنى) [ما بعد البنيوية، محمد سالم سعد الله، ص107-108].

ولنسلِّم -مبدئيًّا- لدريدا بتفكيكيته، ونقدم له السؤال الآتي: ما البديل؟ فالتفكيك لا يقدم بديلاً، فهو “ليس فلسفةً ولا منهجاً ولا تحليلاً ولا نقداً” [الكتابة والاختلاف: ص60، 61] بل هو عملية تقويض مستمرة، لأنه يفترض أنّ كلّ نصٍ يقبل تأويلات متناقضة يلغي بعضها بعضاً، ومن ثمَّ فالتفكيكية ذاتها قابلة للتفكيك.

علاوة على ذلك، هل يجب على كل نص أن يكون متعدِّد المعاني، أو أن يكون قابلاً للخضوع للتفكيك؟ ألا توجد نصوص سطحية يمكن اعتبارُ ممارسةِ التأويل عليها هو محاولة لتحميله ما لا يستطيع احتماله؛ فتصبح عملية توليد المعاني فاقدةً للدقة والمعقولية؛ كما أن التفكيكية تحاول القضاء على السلطة واليقين، فتقع بنفسها فيما أرادت تحطيمه لأن ادعاءها امتلاك سلطة الإلغاء والرفض لباقي النظريات يجعلها تسقط في تناقض كبير [تفكيكية دريدا والاحتفاء بالاعتبارات الهامشية].

أهم سمات ما بعد الحداثة

1- إخراج “العقلانية” من مركز الاهتمام لتصبح مقولات “اللاوعي” أو “اللاعقلانية” هي أصل الأشياء، إلى أن أعلن دريدا عن خلخلة كل المراكز وانهيار منظومة المعاني تماماً.

2- هدم مرتكزات الفكر الغربي، كالدال والمدول، واللسان والكلام، والحضور والغياب،إلى جانب انتقاد مفاهيم الجوهر، والحقيقة، والعقل، والوجود، والهوية،.. إلخ باستعمال لغة الاختلاف والتضاد والتناقض.

3- التشكيك، فهذه الفلسفات لا تؤمن بالمعارف اليقينية أو بوجود حقيقة ثابتة، حيث ينكر نيتشه وليوتار ودريدا -مثلاً- وجود مسمى “الحقيقة” لأن المعرفة حسب رأيهم تعتمد على ألاعيب اللغة التي هي دائما ذات صلة بسياقات محددة [هذا هو الإنسان، نيتشه، 163]، وقد أصبح التشكيك آلية للطعن في الفلسفة الغربية المبنية على العقل والحضور، فتفكيكية دريدا هي في الحقيقة تشكيك في الميتافيزيقا الغربية منذ أفلاطون وحتى الفلسفة الحديثة.

4- العدمية والعبثية، فهي تبحث عن تغييب المعنى لتتمكن من تقويض العقل والمنطق والنظام والانسجام، فهي فلسفات لا تقدم بدائل عملية، بل تدعو إلى التعددية والاختلاف واللانظام فقط [مدخل إلى مفهوم ما بعد الحداثة، د.جميل حمداوي].

خصائص الحداثة وفروق “ما بعد الحداثة” عنها
يجمل الناقد الأمريكي من أصل عربي إيهاب حسن أهمَّ سمات الحداثة وما بعدها في الآتي:

الحداثة ما بعد الحداثة
الهدف

التصميم

الهرمية “الترتيب الصاعد أو النازل”

الإبداع

الحتمية

التمركز  “الاستناد إلى قواعد معروفة”

التأويل

النمط أو “الشكل النسقي الواحد”

اللعب

الصدفة

الفوضى “لا علامات ولا ترتيب”

اللا إبداع، التفكيك

اللاحتمية

التبعثر “لا استناد على أي مرجعية”

ضد التأويل

التحوُّل “ليست هناك نمطية معينة”

وفي هذا السياق، يبدو رفض أنصار “ما بعد الحداثة” مفاهيم العقل والذات والعقلانية والمنطق والحقيقة، لأنها لا تشير إلى شيء حقيقي وإنما تدل على وهم، فهي مرتهنة لمعايير العقل والمنطق.

آثار تيارات ما بعد الحداثة
سنلخص فيما يلي أبرز آثار “ما بعد الحداثة” تجاه الإنسان المعاصر من أربعة زوايا، وهي الدين، والوجود ، والمعرفة، والأخلاق.

1- الدين
سادت المركزية “الإلهية” في مرجعيات الإنسان منذ بدء التاريخ وحتى بداية عصر التنوير، ثم حلت مكانها مركزية الإنسان في الغرب، إلا أن هذه الأخيرة احتوت عناصر تفكيكها من البداية فانتهى الحال برفض المركزية مطلقًا في حقبة ما بعد الحداثة؛ لذا من البدهي القول: إن العقائد الدينية والغيبية على حدٍ سواء لا قَبول لها في فلسفة ما بعد الحداثة، فجميعها لا تملك المعنى ولا تعرف الحقيقة، لكنها تسمح بالدين الفردي الذي يصوغه الإنسان لنفسه، حتى لو كان في منتهى الشذوذ، فهو الذي يمكن أن تعتبره ما بعد الحداثة نتاجًا يستحق الحياة، فلا ميتافيزيقا هنا، ولا مقولات كبرى. [العقل المسلم وتحديات ما بعد الحداثة، د. مسفر بن علي القحطاني].

وقد بدأ رفض الدين بإعلان نيتشه عن “موت الإله” الذي اخترعه الإنسان ليقيّد نفسه به، وذلك للحطّ من قيمة الميتافيزيقيا وإحلال الخيال والتحرر من القيم والأخلاق مكانها، وهكذا أصبح الدين في نظر “ما بعد الحداثة” متاحا للتفسير والبحث بناء على الهدم والتفكيك اللانهائي، فلا يمكن حسب رأيهم الإيمان بالوحي مصدرًا للمعرفة ولا تأويل النصوص الدينية بقواعد محددة، بل هي نصوص مفتوحة المعنى يمكن تأويلها حسب ما يريد حامل مبضع التفكيك.

2- الوجود (الأنطولوجيا)
يرى دعاة ما بعد الحداثة (دريدا مثلاً) أن الأنطولوجيا الغربية بدأت مع أفلاطون وظلت أفلاطونية لإيمانها بالمُثُل المجردة: كالحق المطلق والحقائق الثابتة من جهة، ومن جهة أخرى عالم المادة والتغير، وعلى الرغم من أن عالم المادة يحجب عالم المُثُل فإن المنظومة الأفلاطونية تذهب إلى أن بإمكاننا التوصل إلى معرفة إنسانية من خلال الحواس والعقل ويمكننا توصيلها من خلال اللغة. ولكن كل ما نصل إليه من معنى هو ظلال للعالم الحقيقي، أي أن المعنى الذي نصل إليه يستند إلى ميتافيزيقا الغيب، فثمة علاقة وثيقة بين “الحقيقة” و”الميتافيزيقا”.

أما أنصار ما بعد الحداثة فيعتبرون مجرد استخدام كلمات مثل “يقين” أو “حق” سقوطاً في الميتافيزيقا، وذلك باعتبار أن مثل هذه الكلمات تتضمن إشارة إلى حقائق، فما بعد الحداثة لا تعترف بثنائية الذات والموضوع.

وهكذا أصبح الوجود في “عالم ما بعد الحداثة” نظاما لا مركز له، بل هو مُكوَّن من أنظمة صغيرة مغلقة، يدور كل منها حول مركزه وحول نفسه ويأخذ شكل صور متجاورة لكلٍّ منها معناها المستقل لا يربطها رابط، فكل إنسان يدرك الصورة القريبة منه والمعنى الذي يروق له.

وهذا يعني أنه ما من طبيعة مادية موضوعية ولا طبيعة بشرية “ذاتية”، ولا وجود لمبادئ متجاوزة، بل هو عالم متبعثر مفتت إلى ما لانهاية.

وعالم ما بعد الحداثة هو عصر “البعديات”، حيث ظهرت فيه مصطلحات ما بعد التاريخ وما بعد الإنسانية وما بعد السببية وما بعد الميتافيزيقا وما بعد التفسير وما بعد التجاوز. والبعدية تعني “النهاية”. [موسوعة اليهود والصهيونية واليهودية، المسيري، ج1، ص292-294].

3- المعرفة
لا توجد في عالم ما بعد الحداثة مرجعية شاملة يمكن التفسير من خلالها، ولذا فإنه يتسم بالتعددية والاختلاف وغياب السببية وظهور الاحتمالية والنسبية الكاملة والتغير الكامل والمستمر، وهذا يجعل المعرفة الكلية مستحيلة، فليس هناك أساس إنساني أو طبيعي أو إلهي لها، ولذا فإن المعرفة في “ما بعد الحداثة” لا يمكنها التمييز بين الحقيقي والزائف.

ويرفض كل أنصار ما بعد الحداثة فكرة الحقيقة الكلية، فهي حسب رأيهم من مخلفات عصر الاستنارة الذي افترض وجود نظام وقواعد ومنطق. ويعتبرون أن السؤال عن الحقيقة سؤال ميتافيزيقي غيبي مثل السؤال عن الإله، ولذا فإن الحقيقة تعددية دائماً حسب رأيهم.

كان هدف الفلسفة في عصر الحداثة هو محاولة التوصل إلى الحقيقة الكبرى الكامنة في حركة الطبيعة وقوانينها وتجريدها والوصول إلى نماذج مادية تفسيرية تتسم بالشمول. بينما يرى أنصار ما بعد الحداثة أن المعرفة قابعة في القصص الصغرى المرتبطة بظروفها والمحددة بزمنيتها، وأن هناك عنصراً فعالاً واحداً هو اللغة أو القوة، فاللغة ليست أداة لمعرفة الحقيقة بل أداة لإنتاجها.

ولذا، يسـتحيل معـرفة الواقع خارج نطاق الخطاب المستخدَم ويستحيل التعبير عنه. والنص -أدبياً كان أم فلسفياً- مُعبَّأ بالصور المجازية التي تحجب الرؤية؛ ومن ثم فإن النصوص الفلسفية والعلمية ما هي إلا نصوص بلاغية مجازية مكتفية بذاتها ولا تشير إلى أي شيء خارجها “فلا يُوجَد شيء خارج النص”، بل النص شيء منفتح تماماً مرتبط بالنصوص الأخرى، ولكنه منعزل تماماً عن أي واقع موضوعي خارجه. [موسوعة اليهود والصهيونية واليهودية، ج1ص294-295].

إن حقيقة مشروع ما بعد الحداثة المعرفي تكمن في نفي الكائن الإنساني وتذويبه في بنيات نفسية أو اقتصادية متحكمة فيه، ونجد أوضح مثال لهذا التغييب في نظريات الأدب، إذ ارتفعت دعوات متتالية من موت النقد إلى موت المؤلف إلى موت النص وربما نشهد موتاً للقارئ عما قريب[ما بعد الحداثة وموت الإنسان، د. الطيب بوعزة].

يذكر الناقد الفرنسي شاتليه أن المسار النقدي العالمي اليوم آيلٌ إلى العدمية واللاشيء وإفراغ الإرادة من كل جوهر، وتحويل القدسية إلى سلسلة من الإجراءات، والحكومة إلى نظام من التهديدات، والفلسفة إلى مجمل من البيانات، والأخلاق والعلم إلى شبكة من المعتقدات النسبية، وإن عمليات التحول هذه -برأيه- ليست بريئة، بل هي مقترنة بتنظيم معين لإخضاع الإنسان، وإحلال قيم تقود إلى استعباد الفرد [ما بعد البنيوية، ص49].

4- الأخلاق
حسنٌ، إن كان الواقع بلا اتجاه، وكانت الحقائق عدمية، والأمور نسبية، والقيمة منفيّة، في أفق ما بعد الحداثة فالأولى أن لا تكون ثمة إمكانية لقيام أية معيارية، بل لا يمكن تأسيس أي نظم أخلاقية بشكل عمومي، وكل ما يمكن التوصل إليه هو الاتفاق على أخلاقيات براغماتية (عملية) تأخذ شكل فلسفة القوة والهيمنة “للأقوياء” وفلسفة الإذعان والتكيف “للضعفاء”، إذ لا تُوجَد معايير متجاوزة للإنسان ولا تُوجَد وسيلة لتعريف الظلم والعدل، وبناء على ذلك فالأخلاق نسبية، وما يعد خُلقًا فاضلًا في ثقافة ما قد يكون ظلمًا في ثقافة أخرى، والعكس صحيح أيضًا، ومن ثمَّ فلا إمكانية لنقد خلق بمعنى التقويم والتصحيح، وإنما بمعنى البحث الدائم عن المعنى اللانهائي، فإن كانت السلوكيات الجنسية الشاذة  -كالمثلية الجنسية- أمرًا مرغوبًا لدى جماعة فإنه لا ينبغي تخطئتهم أو لومهم بل يجب احترام رغبتهم، مع الحرص الشديد على وسم رفض “الشذوذ” بأنه نتاج صنع الثقافات “الجائرة” التي تريد أن تفرض “حقائقها” على الآخر لأنها حقائق مطلقة، ولذا فإن ما بعد الحداثيين يرون في المنظومة الأخلاقية –أيا كانت- نتاجاً لتحالف الدين والسلطة أو المعرفة والقوة فهي مؤدلجة بطبيعتها لتفرض رأي الأغلبية.

أصبحت مظاهرات الشواذ جنسيا أمرا معتادا في كبرى مدن العالم، مثل هذه المظاهرة التي احتشد فيها نصف مليون إنسان بمدريد عام 2007

الإسلام “وما بعد الحداثة”
بعد هذه الرحلة في مراحل تطور ما بعد الحداثة، والتي عادت بالحضارة إلى انتكاسة السفسطة الأولى في بلاد الإغريق [انظر مقال مصادر المعرفة]، نتساءل في سياق التلخيص والنقد: ما الفكرة المحورية التي يمكن أن نختصر فيها مشروع “ما بعد الحداثة”؟

بكل تأكيد قدمت تيارات ما بعد الحداثة إيضاحاً مهمًا لفهم علاقة السلطة الغربية الحاكمة بالمعرفة التي تنشرها، وفككت مقولات الفلسفات الوثوقية المبنية على نتاج العقل وحده، وكان لها إسهام في إظهار مكانة اللغة في سلم المعرفة، إلا أنها سعت أيضا إلى فرض التغييب والهدم، ولذا فإن الفكرة التي يمكن أن تلخِّص “ما بعد الحداثة” هي “العبثية” و”التقويض المستمر” وموت كل “المرجعيات”.

إن تنظيرات هذا التيار  بمجملها تصبُّ في محاولة نفي إمكانية وجود مقابل لهذا الواقع الذي نعيشه، فالحياة أحادية الجانب، وليست هناك آخرة، ولا معنى للموت، ولا يمكن التفكير بوجود مرجعية للإنسان، فلا كَوْن خاص بالإنسان ولا لغة ثابتة الاستعمال، وذلك كله في إطار تسويغ عدم وجود “الكلي”، وقد تكون هذه النظرة صحيحة في إطار الوجود المادي فقط، إلا أن هذ أمر لا يتسق مع الوحي المنزل من قبل الله والذي يؤكد أن هذه الحياة الدنيا كلها ليست سوى جسر يعبر عليه الوجود البشري والمادي نحو المصير الأخروي الخالد [“لا تحديدية” دريدا؛ التفكيكية من منطلق إسلامي، د. مطيع عبدالسلام عز الدين السروري].

مع ذلك، تلتقي ما بعد الحداثة مع الإسلام في رفض المركزية القائمة على الأفضلية والعرقية والتنوع البيولوجي، فالله تعالى يقيم التفاضل في كتابه على أساس التقوى فقط، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13]، وكما تحتفي ما بعد الحداثة بالاختلاف، فإن القرآن يشير إلى فطرية الاختلاف في النفس البشري، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 118،119]، {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} [الروم:22]، وعلى الرغم من هذه التوافقات، إلا أنه يجب التنبُّه إلى أن أساس الاتفاق والاختلاف مفترق بين الإسلام وما بعد الحداثة، لذا فالاتفاق في التعددية مثلاً لا يؤدي نفس النتيجة في الرؤيتين.

إن أبرز ما يفترق به الإسلام عن تيارات ما بعد الحداثة إيمانه اليقيني والمطلق بوجود الله واعتقاده بالقرآن مصدرًا دينياً أوحي به إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأن العقيدة الإسلامية تشكل مرجعيته الإيمانية وغائيته والقيمة الكبرى التي تحملها رسالته.

إن العبثية أمر مرفوض في الإسلام، بل إن محض التفكر بها أمر يجر الخيبة على المسلم، فخلق الله للبشرية لم يتَّأتَ عن عبث -وإن غفلنا عن الحكمة الكاملة لكل موقف في الحياة- {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]، [انظر مقال الأسئلة الوجودية الكبرى]، كما يرفض الإسلام مقولات الشذوذ الجنسي واليأس المطلق والتفكيك الهدمي المبني على تقويض وجود الله والحقائق المطلقة ومرجعيات الإسلام الكبرى.


أهم المراجع

  1. أثر نظرية فرويد على السريالية (سلفادور دالي أنموذجاً) د. فاطمة عمران راجي، جامعة بابل، مجلة كلية التربية، العدد 16، حزيران، 2014.
  2. أساتذة اليأس، نانسي هيوستن، ترجمة وليد السويركي، هيئة أبو ظبي للثقافة، (كلمة) ط1، 2012.
  3. أُفول الأصنام، نيتشه، ترجمة: حسّان بورقية ومحمد الناجي. دار أفريقيا الشرق، المغرب، 2008، ط2.
  4. الإيديولوجية، ديفيد هوكس، ترجمة: إبراهيم فتحي، المجلس الأعلى للثقافة، العدد159، 2000.
  5. البنيوية فلسفة موت الإنسان، روجيه غارودي، ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، ط3، 1979.
  6. التأويل، إمبيرتو إيكو، ترجمة: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، المغرب – لبنان، ط2، 2004.
  7. حالة ما بعد الحداثة، ديفيد هارفي، ترجمة: د. محمد شيا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2005.
  8. الحداثة وما بعد الحداثة، عبدالوهاب المسيري، فتحي التريكي، دار الفكر، دمشق، ط1، 2003.
  9. دليل الناقد الأدبي، د.سعد البازعي وميجان الرويلي، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط2، 2000م.
  10. سؤال ما بعد الحداثة، إيهاب حسن، ترجمة: بدر الدين مصطفى أحمد، نشر على موقع مؤمنون بلا حدود، ط1، 2016. وله ترجمة أخرى بدر الدين مصطفى، وترجمة قام بها صبحي حديدي نشرت في مجلة الكرمل، العدد 51، 1997، وأعيد نشرها في سلسلة دفاتر فلسفية 13، ما بعد الحداثة (تحديدات)، نصوص من اختيار: عبد السلام بنعبد العالي، محمد سبيلا، دار طوبقال للنشر.
  11. صيدلية أفلاطون، جاك دريدا، ترجمة: كاظم جهاد، دار الجنوب، تونس، 1988.
  12. عصر السريالية، دالاس فاولي، ترجمة: خالدة سعيد، نيويورك: مؤسسة فرانكلين. بيروت.
  13. فلسفة الحضور والغياب عند جاك دريدا، حبيبة دباش، رسالة ماجستير ، جامعة منتوري، كلية الآداب، قسم الفلسفة، 2009.
  14. في معنى ما بعد الحداثة، جان فرانسوا ليوتار، المركز الثقافي العربي، ترجمة السعيد لبيب، بيروت، ط1، 2016.
  15. الكتابة والاختلاف، جاك دريدا، ترجمة: كاظم جهاد، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط2، 2005
  16. ما بعد البنيوية، د. محمد سالم سعد الله، رسالة دكتوراة، مخطوط.
  17. ما بعد الحداثة، مقدمة قصيرة، كريستوفر باتلر، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ط1، 2016
  18. المعجم الفلسفي، د. جميل صليبا، دار الكتاب اللبناني، 1982م.
  19. المعجم الفلسفي، د. مصطفى حسيبة، دار أسامة، عمَّان، ط1، 2009.
  20. معجم مصطلحات الفلسفة، جلال الدين السعيد، دار الجنوب، تونس، ط1، 2004.
  21. معرفة الآخر، عبدالله إبراهيم، سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، المغرب، لبنان، ط2، 1996
  22. مقاربات ما بين الحداثة وما بعد الحداثة، ياسر الطائي، د. محمد الشيخ، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1996.
  23. موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر، “هايدغر، ليفي شتراوس، ميشال فوكو” الزواوي بغورة، دار الطليعة، بيروت، لبنان، ط1، 1992.
  24. الموسوعة الفلسفية، يودين، روزنتال، ترجمة: سمير كرم، دار الطليعة، بيروت.
  25. النزعة العدمية وصلتها بالإباحية، د. عرفات ستوني، ورقة علمية مقدمة لمؤتمر رابطة العالم الإسلامي.
  26. النظرية الأدبية، رامان سلدان، ترجمة: جابر عصفور، دار قباء، القاهرة، 1998.
  27. نقد الحداثة، آلان تورين، ترجمة: أنور مغيث، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997.
  28. نهاية الحداثة، جياني فاتيمو، ترجمة نجم بو فاضل، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2014.
  29. نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر، عبد الوهاب المسيري، ضمن كتاب نيتشه وجذور ما بعد الحداثة.
  30. نيتشه وجذور ما بعد الحداثة، ترتيب وتنسيق: د. أحمد عبد الحليم عطية، دار الفارابي، لبنان، ط1، 2010.
  31. هذا هو الإنسان، نيتشه، ترجمة: علي مصباح، منشورات الجمل، بغداد، ط2، 2006.
  32. هسهسة اللغة، رولان بارت، ترجمة: منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري، حلب، ط1، 1999.
  33. الوجودية، جون ماكوري، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح، سلسلة عالم المعرفة، العدد 58.

المقالات:

  1. الأسس النظرية لما بعد الحداثة، فخري صالح، موقع مجلة نزوى، http://www.nizwa.com/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9/
  2. تفكيكية دريدا والاحتفاء بالاعتبارات الهامشية، غزلان هاشمي، مقال منشور على موقع “الألوكة” http://www.alukah.net/culture/0/44407/#_ftnref7
  3. د.محمد أندلسي (العدمية كانحطاط، والعدمية كأفق) منشور في موقع مجلة محمد عابد الجابري، http://www.aljabriabed.net/n52_02andalousi.htm#_edn5
  4. العقل المسلم وتحديات ما بعد الحداثة، د. مسفر بن علي القحطاني http://www.islamtoday.net/nawafeth/artshow-40-10005.htm
  5. علم نفس ما بعد الحداثة، د. إبراهيم الحيدري، مقال منشور على موقع إيلاف بتاريخ 24، آذار، 2012، http://elaph.com/Web/opinion/2012/3/723453.html
  6. فرويد بين الحداثة وما بعد الحداثة1-2، د. إبراهيم الحيدري، مقال منشور على موقع إيلاف، http://elaph.com/Web/opinion/2012/2/715863.html
  7. لا تحديدية دريدا؛ التفكيكية من منطلق إسلامي، د. مطيع عبدالسلام عز الدين السروري، مقال منشور على شبكة الألوكة بتاريخ 1/10/2012، عبر الرابط http://www.alukah.net/culture/0/44773/#_ftn1
  8. ما بعد الحداثة وموت الإنسان، د. الطيب بوعزة، موقع مقالات الرأي (الجزيرة)، http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2006/2/18/%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%88%D9%85%D9%88%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86
  9. مدخل إلى مفهوم ما بعد الحداثة، منشور على موقع الألوكة، http://www.alukah.net/publications_competitions/0/38509/#ixzz4xOeqp0bW
  10. مقال (ما العدمية) إبراهيم جركس، منشور على موقع الحوار المتمدن http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=192301
  11. الموسوعة العربية ttps://www.arab-ency.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D9%88%D8%AB/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9

التوفيق بين الفلسفة والدين عند الكندي وابن مسرة

إبراهيم إسماعيل

 

يرى بعض الباحثين أن الحركة الفكرية لمدارس علم الكلام الأولى هي الأب الشرعي للفلسفة الإسلامية، التي استقت فيما بعد من ينابيع أخرى على رأسها فلسفة اليونان، بينما يرفض آخرون هذا الرأي لأن علم الكلام –بحسب رأيهم- قد يشحذ الذهن، ويطور مهارة الجدل، غير أنه لا يقود للتفكير العقلي المنظم، ويستشهد هذا الفريق بالصراع بين الفلسفة وعلم الكلام، بالرغم من تبني علم الكلام للكثير من المصطلحات والمفاهيم الفلسفية، حيث كان ذلك كنوع من تبادل الأسلحة بين المتعارضين.

وثمة رأي آخر يرى أن الفلسفة الإسلامية ماهي إلا فلسفة يونانية بلسان عربي، زينت بأفكار أخلاقية أملاها الإسلام، لكن هذه الإضافات لا تبدل جوهرها، ولعل هذا أقرب الآراء للاعتدال، فالفلسفة اليونانية استمرت في المحيط العربي، مع ملامح جديدة للفكر الإسلامي، بيد أن هذه الملامح غارقة وسط الاقتباسات الكثير لأفكار اليونانيين، على أنه لا بد من القول إن الفكر لا يمكن أن يحتفظ بطابعه الأصلي عند انتقاله إلى بيئة أخرى.

موقف المسلمين من الفلسفة اليونانية
لم يكن الفكر اليوناني الذي بدأ بالدخول في المجال الإسلامي في بدايته صريح التعارض مع الإسلام، فقد ترجمت في البداية العلوم الفلسفية الطبيعية، والمنطقية، والأخلاق، واستقبلت البيئة الإسلامية ذلك بالترحاب، ولم يشتد الصراع بين الفكر الإسلامي والفلسفة اليونانية إلا عند ترجمة الكتب التي تتعرض للمشاكل الميتافيزيقية كالألوهية، ولم يتقبل علماء الكلام أن يكون النبي في كفة، مقارنة مع الفيلسوف في الكفة الأخرى، وأكثر ما أثار ثائرة علماء الدين المحافظين، ما فهموه من إمكان الاستغناء عن الوحي للحصول على معرفة مؤسسة من العقل وحده، والحقيقة أن التدليل على أحقية ما جاء به الرسول، بالقول إنه يمكن الوصول إلى مثله من طريق العقل، يعد في ذاته عملاً محموداً في نظر عالم الدين المتفتح الذي يسره أن يجد مبادئ دينه لا تعارض العقل، ولا تقف في سبيل الفكر، لكن هذا العالم المتفتح يؤكد على خصوصية النبوة فهي منحة إلهية لمصطفًى مختار، أطلعه مباشرة على الحقيقية، بصورة لا تحتمل شكاً ولا ارتياباً، والرسول ناقل أمين للحقائق الإلهية، ولو أمكن الفيلسوف فعل ذلك، فما من حاجة لمبلغ عن الله، وهنا جوهر المشكلة، حيث تبرز الحاجة لمعرفة مصدر أساس المعرفة أهو الدين أم العقل، وهذا الإشكال يوهم أن الدين لا يساير العقل، بل يخالفه، وهذا قول باطل بشهادة الدين نفسه، إن المشكلة تكمن في:

1- مدى وثاقة ما يوحى إلى النبي.

2- مدى أحقية العقل في مناقشة التعاليم والأفكار الدينية، بعد فرض صحتها.

3- أيهما أولى بأن يكون له اليد الطولى؟ الدين؟ أم الفلسفة والفكر الحر؟

للبحث في النقطة الأولى يتطلب التعرض لحقيقة النبوة ووظيفتها وضرورتها، وطبيعة الوحي، وأدلة إمكانياته، وبراهين صدقه…

والبحث في النقطة الثانية يستوجب عرض الأفكار والمبادئ والتعاليم ومدى قدرة العقل على تعليلها أو نقدها أو شرحها شرحاً يرضي الفكر، ويريح النظر، وينتج عن ذلك مشكلة التأويل التي قد تنتج فرقاً كثيرة، ومشكلة التأويل هي التي مكنت الفلاسفة المسلمين من التفكير في التوفيق بين الدين والفلسفة.

وقد يبدو غريباً أن يعمل الفكر ضمن تعاليم أصبحت عقيدة، ويوصف مع ذلك فكرها بالحر، وهنا نقول إن الحرية الفكرية المطلقة وهم وخيال، فالفكر لا يأتي من لا شيء، وثورة الفكر على مذهب معين تنتهي بالوقوع ضحية لمذهب آخر، وأشد الملاحدة ثورة على مبدأ الألوهية يقع فريسة لإلهه هو الذي اتخذه من الطبيعة أو الإنسان أو الحيوان ويشمل ذلك ذاته نفسها، ولنا أن نتأمل أن شك ديكارت بكل ما سبقه من أفكار وعقائد جعلته حبيساً لفكر مذهبه، الذي هو خليط من مذاهب أخرى، وليس مبتكراً سبقه العدم.

حتى الموقف اللاأدري بالرغم من عدم تحيزه لفكرة معينة، لا يمكن وصفه بأنه ينم عن حركة فكرية طليقة، لأنه أحجم عن ممارسة إيجابية فعالة، وبالتالي فحرية الفكر نسبية، تكثر أو تقل، تبعاً لاستعداد الفكر لرؤية الحلول الممكنة لمشكلة ما، ووجود الحلول لا يمنع الفكر من مناقشتها وقبولها.

لوحة تخيلية لمعبد أكروبوليس في أثينا من القرن التاسع عشر

استيعاب ومقاومة الفكر اليوناني
وجدت الفلسفة اليونانية مقاومة في المحيط الإسلامي، لا باعتبارها تمثل فكراً حراً منزها، بل لأنها تباين الروح الإسلامية، ونجد هناك من تابعها وجعل لها اليد الطولى، ومن أعجب بها وسعى إلى التنسيق بينها وبين الدين، ولقد كتب أحدهم كتاباً جمع فيه أحاديث في مكانة العقل، ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن الأحاديث التي تتحدث عن العقل ليست دعوة للفلسفة اليونانية، فهذا من الخلط.

وفي القرآن آيات تدعو إلى التفكير والتبصر والتأمل في صنع الله، وهذه من مواضع اعتزاز المسلمين بتبني الإسلام وتشجيعه للفكر البناء الهادف غير المتحيز، وللأسف فقد أصيب الإسلام من بعض أنصاره المتزمتين، وليتهم أدركوا أن محاربة الفكر المنحرف لا تكون بإخفائه بقدر ما تكون بإظهار عواره وكشف تهافته.

لقد كانت قضية العلاقة بين العقل والوحي، وبالتالي بين الحكمة والنبوة، أو الدين والفلسفة، أو العقل والنقل، قضية حاضرة في المحيط الإسلامي، وقد حاول المفكرون أن يظهروا التوافق بين المصدرين، لكن معظمهم أخطأ حينما ظن التوفيق بين الدين والعقل، يعني التوفيق بين الإسلام والفلسفة اليونانية.

وبالرغم من اتفاق فلاسفة الإسلام على وحدة الحقيقة الدينية والفلسفية إلا أنهم تباينوا من حيث تقديمهم لأحد الجانبين على الآخر، فقد قدم الكندي الوحي على الفلسفة، بينما سوّى الفارابي وابن سينا بينهما تقريباً، وكان لابن رشد رأي باستقلالهما من دون تعارض.

صور التوفيق بين الدين والفلسفة في الفكر الإسلامي
اتخذت محاولات التوفيق بين الدين والفلسفة صوراً شتى، فمنها ما أولى العناية للتركيز على الغاية، كبيان غاية الأخلاق في الفلسفة والدين من حيث سعادة الإنسان، ومنها ما تناول بالمقارنة العامة الخطوط الأساسية لكل من الدين والفلسفة –رغم اختلاف منهجيهما- ومنها ما صدر على هيئة رسائل تشرح سبل وصول الفكر الحر النزيه للحقائق الكبرى التي نادى بها الدين الحق، ومنها ما تبنى إلباس بعض المصطلحات والمبادئ الفلسفية ثوباً دينياً كما يظهر في نظرية الفيض عند الفارابي وابن سينا، ومنها ما اتخذ صورة الرمز والقصص المفضي إلى نفس الغاية من إثبات لقدرة العقل على الوصول إلى الحقائق التي دعا لها الدين، كقصة ابن طفيل “حي بني يقظان” وغيرها كما سيأتي معنا.

1- محاولة الكندي (185 – 256هـ / 801-870م)
كان الكندي فيلسوف العرب الأول الذي واجه لأول مرة الفلسفة اليونانية في المحيط الإسلامي، حيث خالف أرسطو في نقطة الخلق والرعاية واتصال الله بالعالم وإحاطته علماً بذلك، فقد كان أرسطو يرى أن لا علاقة بين الله والعالم إلا في جانب العلة الأولى التي بدأ بها الحركة والحياة في العالم، وبعد ذلك لا يليق بالمحرك أن يتصل بالعالم، وكأنه لم يبق للإله إلا التأمل في ذاته.

فحيث قال أرسطو بقدم العالم، قال الكندي بحدوثه، وحيث يقطع أرسطو الصلة بالله والعالم بعد ذلك، يحتفظ الكندي بتأكيد دوام الصلة والرعاية، ويستند الكندي في كثير من آرائه للقرآن للترجيح.

مؤلفاته
يلاحظ أن أغلب مؤلفات الكندي متصلة بالعالم الطبيعي وظواهره، ولم تظفر المسائل الميتافيزيقية برسائل كثيرة من إنتاجه، ولعل ذلك راجع لعدم قناعة الكندي بمعالجات الفلسفة اليونانية لهذه القضايا، لا سيما وأن الإسلام قد حسم هذه المشكلات الميتافيزيقية كأصل الكون، وحقيقة الخلق المباشر، والعناية الإلهية، وغيرها.

كما كان الكندي عالم كلام على مذهب المعتزلة، وهو بذلك مقتنع بالأدلة العقلية بشقيها المأثور الموجود في الوحي، وما أنتجته قرائح المتكلمين اهتداء بإرشاد القرآن، لذلك فكان للدين وللوحي والنبوة مكانة ترجح ما يأتي عبرها، على ما يأتي من سواها من فلسفات.

مهد الكندي للفلسفة في المحيط الإسلامي، وجعل الاشتغال بها ضرورة، لكنه لم يرجح آراء الفيلسوف على ما يأتي به النبي، ولم يفضل ما يأتي عن طريق الفلسفة على ما يأتي به الدين.

موقف الكندي من النبوة
لم يقصر الكندي وسائل المعرفة على الحس والعقل، بل أضاف إليهما الإشراق الذي تمثل قمته النبوة، ويؤكد أن هذا العلم خاص بهؤلاء الذين اصطفاهم الله، وهذا الاصطفاء ينأى أن يكون ما يأتي به هؤلاء مكتسباً بالبحث والدراسة، فلو أراد الفيلسوف الإجابة عن ذات الأسئلة التي طرحت على الرسل؛ فلن يتمكن من الإجابة عليها بمثل الوضوح الذي أجاب به الأنبياء، ويمثل لذلك برد الوحي على سؤال (من يحيي العظام وهي رميم؟) فكانت خلاصة الآيات تبين أن العظام قد وجدت بالفعل، بعد أن لم تكن، وعليه فمن الممكن إذا صارت رميماً أن توجد من جديد، فجمع المتفرق أسهل من صنعه من العدم، وإن تساوى الأمران بالنسبة لله تعالى، فالقوة التي ابتدعت، يمكن أن تعيد ما أبادت، إن هذا من أعظم الأجوبة برأي الكندي، وهو ما حجبت عنه العقول الجزئية، ويوضح الكندي لرواد الفلسفة أن النبوة ليست إلا مظهراً من مظاهر العناية الإلهية بهذا الكون.

ويظهر لنا أن الكندي أعلى من صوت الدين، وعليه فلم يفكر بالتوفيق بين الطرفين إلا بعد أن تيقن أن الفلسفة الحقة كما عرفها: “علم الأشياء بحقائقها” (علم الربوبية، وعلم الوحدانية، وعلم الفضيلة…) لذلك فصلتها قوية بالدين، فعلم الأشياء بحقائقها هي خلاصة المهمة التي جاء بها الرسل، وبالتالي فقد جمع الكندي بين الدين والفلسفة الحقة على أهداف وحقائق واحدة، ويرفض الكندي من وسم اقتناء الفلسفة بمعنى علم الأشياء بحقائقها بالكفر، ويرى أن دراستها واجبة على أن تسير في ركاب الدين، وأن تخدمه بإخلاص، عبر إثباتها بالأدلة العقلية ما جاء به الرسل، لتنتهي بعد كفاحها إلى ما انتهى إليه الدين، في الحقائق الكبرى المتصلة بالإله والعالم، وبقية الغيبيات.

 

قصر الحمراء في غرناطة بالأندلس

محاولة ابن مسرة (268-319هـ)
عاش ابن مسرة في القرن الثالث الهجري، وبينه وبين الكندي نصف قرن تقريباً، عاش في الأندلس، وتر��د إلى الشرق، واشتغل بالجدل والمناقشات الكلامية، وتجمع المصادر أن له لساناً يتوصل به إلى مراده مهما بعد، وتذكر أنه اتهم بالزندقة، ويعزى لابن مسرة نقل الفلسفة الممزوجة بالغنوص إلى الأندلس، ويعزى له تأسيس نظام باطني أدبي تحمل كلماته معاني غامضة لا يعيها إلا أعضاء مدرسته، وأنه كان مبعوثاً لتأسيس حزب فاطمي في الأندلس، وتذكر المصادر أنه زار البصرة ومكة والمدينة.

رسالة الاعتبار
أرسل تلميذ لابن مسرة رسالة لأستاذه يقول فيها إنه قرأ في بعض الكتب أنه “لا يجد المستدل بالاعتبار من أسفل العالم إلى الأعلى إلا مثل ما دلت عليه الأنبياء من الأعلى إلى الأسفل”، طالباً من أستاذه ابن مسرة شرح ذلك، فكتب رسالته المسماة رسالة الاعتبار، فبين في مطلعها أن العقول نور من نور الله، في فهم أوامره، تتفق مع الصفات التي أوحى الله بها لأنبيائه، ففي كل أرض وسماء ما يدل على الله، فالعالم كتاب يقرأه المستبصرون، ويستشهد بآيات التفكر في السموات والأرض الواردة في القرآن، لينتهي إلى أن كل ما خلق الله موضوع للفكرة، ومطلب للدلالة، وما يزال المعتبرون يتصعدون في العالم وخلائقه من الأسفل إلى الأعلى لينتهوا إلى ما وصف الأنبياء من الآيات العلا، فإذا فكروا أبصروا، وإذا أبصروا وجدوا الحق واحداً كما حكى الرسل، وكما وصفوا الحق سبحانه، فالاعتبار يشهد للنبأ ويصدقه (أي أن التفكير يصدق الوحي)، والنبأ يوافق الاعتبار ولا يخالفه، وبذلك تفضي القلوب إلى حقائق الإيمان، ويمثِّل ابن مسرة لكلامه بالنظر إلى النبات، فهو عود لا حياة فيه، لكن الغذاء يندفع من أسفل إلى أعلى، ويتوزع على الأجزاء المختلفة من عود وقشر وورق وثمر وغيره، هذا مع أن طبيعة الماء التحرك إلى أسفل، غير أنه يرى الغذاء يصعد، مما يدل على أن الصعود لم يصدر عن طبيعة الماء، فالنار وحدها من بين العناصر تتحرك إلى الأعلى، لكن الماء والنار ليس من طبيعتهما التقسيم والتفصيل على النحو الذي نراه في النبات من حيث الشكل والطعم والرائحة، ولا يكفي أيضاً لتفسير ذلك ضم سائر العناصر من هواء وتراب، لاتحاد ذلك في كل النبات، مع تباين الأخير وتعدد صنوفه، وجميع هذه العناصر تعد أضداداً لا تأتلف من نفسها، فلا بد لها من مؤلف يردها بقوته إلى ما هو خلاف طبيعتها، أي من التنافر إلى التآلف، يجب أن يكون المؤلف قوة أكبر من الطبيعة، وترتقى همة الباحث إلى أعلى فيطوف الكواكب والسموات ليتبين له أن كل ذلك مسخر منقاد، فالمفكر هنا يجوب أسفل العالم باحثاً عن مصدر التأثير والتسخير، وما يزال يحلق صعوداً إلى قمة الوجود، مسجلاً ملاحظاته في ضعف النفس الإنسانية وما يعتريها من شيخوخة وتحطم ومفارقة للبدن، ليبين أن عالم النفس لا يصلح لتفسير مظاهر التدبير والانسجام، ثم يترقى للوصول إلى الجانب العقلي الذي يمتاز بالشمول والإحاطة والصفاء والبساطة، لكنه خاضع لمؤثرات خارجية تعلو عليه ولا يعلو عليها، ويكمل ابن مسرة مشواره لينتهي إلى مبدأ متعال، لا مثال له، ولا نهاية له، ولا بدء له، ولا جزء له، ولا غاية له، فتعالى الملك الأعلى.

فجاء خبر النبوة من جهة العرش نازلاً إلى الأرض، فوافق الاعتبار الصاعد من جهة الأرض إلى العرش سواء بسواء، ويختم ابن مسرة بالتأكيد على ضرورة البحث العقلي الهادف، ويذم من يرفض أن يكون للعقل مجال في هذا الميدان مستشهداً بقوله تعالى: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا}.

بين محاولتي ابن مسرة وابن طفيل
كتب ابن طفيل قصة “حي بن يقظان” وجعلها وسيلة فنية ضمنها آرائه ومذهبه الفلسفي، وهي قصة تتحدث عن رضيع وضعته أمه في صندوق في البحر، فاستقر على شاطئ جزيرة خالية من البشر، فتبنته غزالة وأرضعته، ونما حي وراح يلاحظ ويتأمل فعرف كيف يقوم بحاجات نفسه، حتى وصل –بطريق الفلسفة- إلى إدراك أرفع الحقائق في الطبيعة وما وراءها، وحاول الوصول إلى بالله، فاعتزل في مغارة وصام أربعين يوماً متوالية، محاولاً التأمل ليتصل بالله، حتى أدرك ما أراد، وحينها لقي رجلاً تقياً اسمه أبسال جاء من جزيرة مجاورة، فعلمه الكلام، واكتشف أبسال أن طريق حي الفلسفي فيه تفسير للدين الذي يعتقده، إلى نهاية القصة، ويمكننا أن نستخرج منها بعض الأفكار التي أراد ابن طفيل تضمينها:

1- تدرج العقل في سلم المعرفة ابتداء من المحسوسات الجزئية المفرقة، إلى الأفكار الكلية العامة.

2- قدرة العقل على إدراك وجود الله، بدون أي مساعدة تعليمية أو تربوية، لأن تأمل مظاهر الوجود، تدل على الموجد.

3- مع التسليم بقدرة العقل، لكنه لو تجاوز حده يصيبه الكلل والعجز، كمحاولة تصور العدم المطلق أو الأزلية المطلقة وما يشبهها.

4- العقل مصدر إلزام خلقي، ندرك عبره أسس الفضائل، ونخضع له شهوات الجسد.

5- الناس متفاوتون في الإدراك، فهناك خاصة يكاشفوا بدقائق الحِكم، وعامة يخاطبون على قدر عقولهم.

عاش ابن طفيل في القرن السادس الهجري، وحياته لا تشبه حياة ابن مسرة بكثرة التنقلات، فقد كانت حياته مستقرة، ولعل ما يجمع الرجلين حب التأمل، لكن هدوء حياة ابن طفيل منحته قدرة أكبر على التأمل الهادئ، فرسالة الاعتبار كانت إجابة صريحة على سؤال محدد من تلميذ لم يستطع الاجتماع بأستاذه، وأما قصة ابن طفيل فتدرجت بالاستدلال من المحسوس إلى ما وراءه، فحي يبحث عن حقيقة النفس مع موت مرضعته، وبدأ يصعد حتى أدرك الفاعل المنزه عن الحس وأثره في كل شيء، والقصة لا تقتصر على الحس، بل كأنها تشير إلى العقل والإلهام والفيض، وتبين القصة اختلاف الأسلوب الموجه للعامة والوارد على لسان الأنبياء، عن أسلوب الفلاسفة والصوفية، فالأنبياء بينوا الحقائق، بينما كاشف الآخرون، لذلك أدرك أحد شخصيات القصة خطأه حين أراد تعليم الناس الحقيقة عارية عن التمثيل، فالحكماء والمصلحون بعد الرسل لم يعطوا للناس إلا ما ينفعهم ويحصل لهم السعادة.

مسكويه بتبع نفس السبيل
كان أحمد بن يعقوب -الملقب بمسكويه- يرى أن كل نوع يبدأ بالبساطة ثم لا يزال يتعقد ويترقى حتى يبلغ أفق النوع الذي يليه، قبل صورة الحيوان، وكذلك الحيوان يبدأ بسيطاً يترقى حتى يصل مرتبة قريبة من مرتبة الإنسان، والإنسان نفسه لا يزال يترقى ويزداد ذكاء وصحة في التفكير حتى يتعرض به لأحد المنزلتين، إما أن يديم النظر في الحقائق لتلوح له الأمور الإلهية، وإما أن تأتيه تلك الأمور من الله من غير سعي منه، وصاحب المنزلة الأولى هو الفيلسوف، والثانية هو النبي، ويصدق أحدهما الآخر، لاتفاقهما في تلك الحقائق.

بين النبي والفيلسوف
تجب الإشارة إلى أن اتفاق الفيلسوف والنبي على ما لديهما من حقائق قد فهم عند البعض تسوية مطلقة بينهما، بل عد بعضهم الفيلسوف أرقى لأنه جاهد وكافح وتأمل وتفكر، بينما وصلت الحقائق للنبي وهو في دعة وراحة، والحقيقة أن تلاقي الفيلسوف والنبي في عرض الحقائق، لا يعني تساويهما، فشؤون النبوة وأحكام الشريعة فهذا مما لا يدركه الفيلسوف وحده، لكنه أسرع إلى تفهمه إذا عرضت عليه.

والفكرة التي أراد الفلاسفة التركيز عليها هي إمكان الوصول إلى الإيمان بوجود الله عن طريق التأمل الصحيح، والحقيقة أن هذا الإيمان العقلي يؤيده الشرع، لكن الوصول لهذه الحقيقة لا يقتضي الاستغناء عن النبوة، لأن الفئة القادرة على التأمل الصحيح بمثابرة وإخلاص نادرة، والنبوة رسالة لكافة الناس، هذا عدا عن أمور التشريع التي أسلفنا ذكرها، وهي مما يأتي به النبي.

وفي الخلاصة نجد أن أغلب الفلاسفة المسلمون كانوا أوفياء لعقيدتهم، ويمكننا تفهم أقوالهم، وما من داعٍ لإساءة تأويلها.

الأصالة في الفكر الإسلامي

إبراهيم إسماعيل

 

تعرفت على الدكتور محمد كمال جعفر رحمه الله أثناء اشتغالي على بحث الماجستير، وأسفت لأني لم أسمع قبلاً باسمه. وبالرغم من أنه قامة علمية وفكرية إسلامية وله العديد من المؤلفات الرصينة، إلا أنه غير معروف حتى لدى بعض أساتذتي مع أنهم في نفس تخصصه العلمي.

حاولت حينها التعرف أكثر على الرجل، فلم أجد سيرة ذاتية له، وكان مما علمته أنه حصل على الدكتوراه من جامعة كامبردج العريقة، وأنه عمل أستاذاً في كلية دار العلوم بمصر، وعمل كذلك رئيساً لقسم العقائد والأديان في جامعة قطر في ثمانينيات القرن الماضي، ووجدت أن العلامة القرضاوي ذكره بخير وأثنى عليه في سيرته “ابن القرية والكتاب”، وللرجل كتابات جادة بأسلوب سلس قلما يبرع به مؤلف، غير أنه كما لاحظ الأستاذ محمد يوسف عدس رحمه الله –مترجم كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزت بيغوفيتش- يكاد لا يذكره أحد اليوم، وهو الذي كانت تفيض حياته بالحيوية والنشاط الفكري، ولطالما أشار إليه الباحثون في رسائلهم الجامعية، وهو نفسه أشرف على ما يقرب من ثلاثين رسالة جامعية، وناقش رسالة الدكتور محمد عمارة وأجازه، ومقال الأستاذ عدس عنه يستحق التأمل في تقصيرنا بحق هذه القامة العلمية التي غيبها الموت، لكن نتاجها باق يمكن الإفادة منه في كل وقت[1].

ومن خلال مطالعاتي لبعض كتبه أحببت المساهمة بنشر بعض معالجاته لبعض المواضيع، واخترت القضية التي صدَّر بها كتابه “في الفلسفة الإسلامية: دراسة ونصوص“، حيث بدأ في التحقق من أصالة الفكر الإسلامي الذي تعرض لهجوم من بعض المستشرقين، حيث استخفوا به ورأوا أنه جامد لا يتطور، أو أنه عرضة للتغيرات المستمرة، لكن بعض هؤلاء الدارسين أنصف فلاحظ أن أسلوب العرب في البحث أكبر ما يكون في إطار الرواية والوصف، لذلك احتل التاريخ والجغرافيا المقام الأول في أدبهم، وبصفتهم أصحاب ملاحظة دقيقة ومفكرين مبدعين فقد أتوا بأعمال رائعة في حقلي الرياضيات والفلك، ونجحوا في وضع قواعد اللغة من صرف ونحو بشكل محكم.

عقيدة القدر
على أن بعض تصورات الغربيين عن واقع الفكر الإسلامي لم يكن دقيقاً وربما شابه التناقض، ومثال ذلك ما ذهب إليه أ. ميلر الذي ادعى أن جمود الحياة الفكرية عند المسلمين ناتج عن موقف سلبي نتيجة لعقيدة القدر، هذه العقيدة التي قيدت الحياة الفكرية بقيود حديدية ثقيلة يصعب التخلص منها، وبذلك يتجاهل الكاتب الجانب الحق لعقيدة القدر التي تمنع تعثر طاقات الإنسان التي يمكن أن تتحطم على صخرة العناد والحقد على طبقات المجتمع، أو تشوش الذهن ليتصور خلو النظام والأحكام من الغاية والهدف. نعم هناك من أساء فهم هذه العقيدة وبرر عبرها مظالمه وخموله.

لكن ذلك لا يعود لجوهر العقيدة، وليت ميلر وأمثاله تأملوا فترة النشاط الفكري الإسلامي في قرون عديدة في ظل عقيدة القدر، فهي لم تحد من نشاطهم أو تقلل من جهودهم، بل إن الاحتجاج بهذه العقيدة لم يكن إلا في عصور الانحطاط والجمود حيث وفرت للهمم المتقاعسة والعقول الجامدة خير ملاذ، وأما في العصور الزاهية فكانت عوناً على اعتدال الإنسان، ومشجعاً على احتمال النوائب لاستئناف الكفاح.

العنصرية
والحقيقة التي ينبه لها الدكتور جعفر أن أصول هذه النزعة عند بعض الباحثين الغربيين، مردها عنصرية عبر عنها أرنست رينان بزعمه أن العقلية العربية عقلية جزئيات، لا تعي سوى المنثورات المتباعدة، ولا يمكنها استنباط قضايا عامة أو قوانين كلية أو نظم شاملة، فهذا وقف على العقل الآري الذي ينزع بفطرته إلى التأليف والتركيب، وبالتالي الإحاطة والشمول وإدراك الكليات بكل دقة وإمعان، حسب زعمه.

ويتوقف الدكتور جعفر مع رأي ابن خلدون الذي قد يشكل مبرراً لآراء بعض المستشرقين عن العرب، فقد أشار ابن خلدون إلى أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم، إلا في القليل النادر، وبعض هذا القليل عربي في قبسته، لكنه عجمي في مرباه ومشيخته، ويضيف ابن خلدون: “إن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الفساد”، ويفهم من كلام ابن خلدون أن من كان هذا شانه فلا ينتظر منه إبداع في الفكر أو العلم.

وسبق أن دافع بعض الباحثين عن كلام ابن خلدون وأنه لم يقصد ما ذهب إليه المستشرقون، فالعلوم تكثر في الحضر لأنها صناعة، والعرب حينها أبعد عن الصناعات لأنهم أقرب إلى البدو، وأكثر الحضر في ذلك الوقت من العجم؛ ولهذا كان أكثر حملة العلم منهم، وأن ابن خلدون كان يقصد بالعرب البدو الرحل منهم، والحقيقة أن هذا التعليل كما يرى الدكتور جعفر لا يعفي ابن خلدون من الشطط في الحكم الجائر المعمم بحق العرب، وكان عليه أن يحدد ألفاظه بدقة ويشرح غرضه بصراحة، وإذا سلمنا بأن ابن خلدون قصد البدو لا كل العرب، فكيف نسلم له في حكمه أن العرب إذا تغلبوا على أوطان اسرع إليها الفساد؟! هذا بالرغم من أن التاريخ يشهد ببطلانه وتهافته، فكثير من الحواضر التي فتحها العرب ازدهرت ونمت فيها الحضارة، ولنا أن نقارن قرطبة في عهد العرب ثم في العهد الذي بسط الأوربيون سلطانهم عليها، فمن الجامعات والمكتبات والمعامل إلى محاكم التفتيش التي يشيب لها الولدان.

ويتابع الدكتور جعفر أن الحضارة العربية الإسلامية نفسها كانت ضحية لهجمات غشوم من أجناس متعددة كالتتار وغيرهم، ويكفي أن نتصور ما حل ببغداد في أزهى عصورها على يد المغول، حيث أحرقت مكتباتها وتلون ماء النهر من مداد هذه الكتب.

بدو من الجزيرة العربية

لذلك فالعرب بالإسلام كانوا دعاة عمران وحضارة لا حرباً عليها، والحقيقة أن ما بينه الدكتور جعفر يمكن أن يعارض بالقول إن ابن خلدون كذلك قصد بعض القبائل العربية البدوية التي هاجرت في الفترة التي عاش بها من المشرق للمغرب وعاثت فساداً في بعض المناطق التي حلت بها، وهي ذات الفترة التي عاش بها ابن خلدون وشهد على انحطاط الواقع حينها، ونحن نتفق مع الدكتور جعفر في إشارته لعدم تحديد ابن خلدون وضبطه لعباراته في هذا المجال.

العرب والفكر
وبالعودة لموضوع الفكر الإسلامي في رأي يعض الغربيين، فقد ادعوا أنه مجدب لأنه لم ينتج فلسفة أو نظاماً فكرياً شاملاً كما فعل اليونان، والفكر عند العرب لم يعرف إلا بعد ترجمة الفكر اليوناني، ويفسرون ذلك بأن طبيعة الدين الإسلامي لم تكن مشجعة على التفكير، لأن الأحكام والأفكار في الإسلام حاسمة، يتلقاها المعتقدون بها دون مناقشة، ويسلمون بها دون التعليق عليها، ويستشهدون بالحديث “تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا” وفهموا أن هذا الحديث ينهى عن التفكير في الإلهيات التي تشكل جزءاً هاماً من الفلسفة.

ويوضح الدكتور جعفر أن هذا الحديث يأمر بالتفكير في الجزء الأول، وينهى عنه في الجزء الثاني، فالأول تفكير في الخلق والكون والظواهر الكونية، والثاني في الذات الإلهية، فالحديث لا ينهى عن التفكير لكنه يوجهه ويرشده ولا يحجر عليه، فالحديث دعوة لعدم تبديد الطاقات في محاولة استكناه الذات الإلهية واستيعاب طبيعتها المقدسة لأن ذلك ليس في متناول العقول، ولن يخرج الإنسان منه بنتيجة، ولم يكتف الحديث بذلك، بل وجه للوجهة الصحيحة التي ينبغي التركيز عليها، ولعلنا إن تأملنا الحشد الفلسفي الضخم الذي تناول جانب الذات لم يخرج بنتائج حاسمة أو يقينية، بينما تطورت العلوم حين توجهت إلى ظواهر الكون.

وقبل ذلك فلا يمكن لأحد أن يتهم القرآن الكريم –أوثق المصادر الإسلامية- بمعاداة الفكر أو تقييده وتحريمه، بل إنه لم يعف أحداً من مزاولته، ويعرض الدكتور جعفر أمثلة متعددة لذلك، منها سوق حجج المخالفين بكل دقة وأمانة، والرد عليها بالمنطق السليم وقوانين الفطرة السليمة، ويبين أن القرآن مليء بما يثير الانتباه وينشط العقل ويدعو إلى التحليل والتفكير والنقد، وينهى عن التقليد والانصياع الأبله.

وبالعودة لكلام بعض الغربيين حول غياب النظام الفلسفي عند العرب قبل الإسلام، وبعده حتى ترجمت كتب اليونان، يبين الدكتور جعفر أن ذلك لا يعود لطبيعة العقلية العربية لأنها أثبتت لاحقاً قدرتها على الإبداع وإثراء الفكر البشري بما قدمت من إنتاج، لكن الظروف العربية لم تكن تتطلب نظاماً فلسفياً كاملاً فحياة التنقل والرحلة لم تشكل مجتمعاً متكاملاً تتبلور في الرؤى الفلسفية العامة، فالحِكَم والخبرات العملية التي اكتسبوها في حياتهم أدت دورها بنجاح عندهم، وأرضت مطالبهم، وسدت حاجاتهم القريبة، وحين ظهر الإسلام تطلبت المرحلة نمطاً يظهر فيه السلوك والعمل أكثر من ظهور النظر، فالدعوة بمراحلها الأولى كانت بحاجة إلى نخبة من القادة العمليين الذين يطبقون الدين ومثله أكثر من مزاولة التأمل المجرد.

وكلام الدكتور جعفر هذا ذكرني بالتفريق الذي ساقه العلامة دراز في كتابه “الدين” بين الدين والفلسفة، وخلاصته أن الفلسفة ذات غاية “نظرية” حتى في قسمها العملي، تعرفنا ماهية الخير والشر، ولا يعنيها بعدها موقف الانسان منهما، وغايتها المعرفة، ومطلبها فكرة جافة ترتسِمُ في صورة جامدةٍ، أما الدين فغايته “عملية” يعرفنا الحق ليس فقط للمعرفة وإنما للاتباع والعمل وتكميل النفوس به، وغايته الإيمان، ومطلبه روحٌ وثَّابة وقوة محرِّكة.

ثم يشير الدكتور جعفر لتبدل الحال العربي نتيجة لدخول أقوام إلى الإسلام من أديان أخرى ولا يتصور أن ينسوا معتقداتهم في يوم وليلة، ومع إثارة الشبهات من أعداء الإسلام، حمل ذلك علماء الإسلام على اللجوء للأدلة العقلية لتفنيد الشبهات بالأدلة العقلية، وهنا تفتقت الطاقة العقلية في المحيط الإسلامي بإنتاج علم الكلام الذي يمكن أن يتلمس فيه أصالة الفكر الإسلامي، فعلم الكلام في صورته الأولى نتج عن الظروف الطبيعية للمجتمع حينذاك، قبل ترجمة الفكر اليوناني أساساً.

إن أحد أبرز أسباب النظرة الغربية المشوهة عن الحضارة الإسلامية كما يقرر الدكتور جعفر؛ سببها شعورهم بالعلو والتفوق والتعالي، وهو ما حدا بالمستشرق ج. ل. سترنج بأن يعلق على رفض ياقوت الحموي –صاحب معجم البلدان- تصديقه لقصة الفارس الساحر البغدادي بقوله: يندر جداً أن يبدو ياقوت بهذا التعقل وهذه الرصانة!

وبالعودة للفكر في السياق الإسلام يلاحظ أن المؤلفين المسلمين حملت كتبهم طابعاً فيه أسلوبان، تخصصي تفصيلي استقصائي في موضوع محدد، وموسوعي يستعرض ألواناً عديدة لكنها مترابطة، مما يعني أن الفكر الإسلامي قادر على التحليل والتركيب ويثبت كفاءته في تناول الجزئيات ثم يربط بين المتفرقات ويصوغ النظم والقوانين والمفاهيم والمناهج العامة.

ومثل ذلك حال الفلسفة الإسلامية أي النمط الفكري الذي انطلق في البيئة الإسلامية ابتداء من الكندي في المشرق إلى ابن رشد بالمغرب، وإسلاميتها هنا محط نقاش بلا شك، وإن كنا نتساهل في ذلك باعتبارها جزءاً من الحصيلة الفكرية لأفراد عاشوا في أرض الإسلام، وتنسموا أريج الحرية التي أتاحها، وكتبوا باللغة التي نزل بها كتابه، لذلك فلا حرج من وصفها بالإسلامية بهذا المعنى، وإن لم يعن أن هذه الفلسفة تمثل بالضرورة وجهة نظر الإسلام الخالصة، أو أنها ثمرة المسلمين وحدهم.

وقد اجتمع لهذه الفلسفة ما اجتمع لغيرها من النظر العام والكلي الشامل، والموضوعات والمشاكل التي يتصدى لها، كقضايا الألوهية والخلق، وأهم ما سعت له التوفيق بين النقل والعقل، بين سبيل الحكمة وسبيل الشريعة، كما تناولت قضايا فلسفية كبرى وخرجت بنظريات عامة عن الوجود والمكان والمادة والزمان والحركة والحياة والمعرفة والسعادة وغيرها.

وهذا الاستيعاب ناتج عن كون الفلسفة في ذلك الزمن أم العلوم، ولم تنفصل عنها الكثير من العلوم كما هو حال عصرنا، لذلك كانت موسوعية.

قصر الحمراء في غرناطة بالأندلس

وأما ميادين الفكر الإسلامي فيمكن تلمسه في أربعة ميادين متميزة:

أولها: علم الكلام، فهو الميدان الذي شهد باكورة عقلية من بواكير الفكر الإسلامي، وفيه نظرات لا يعوزها العمق الفلسفي.

وثانيها: أصول الفقه، الذي حوى القواعد المنهجية والتحاليل المنطقية مما يجعلها ذات طابع فلسفي، مما يبين مقدار العقل على التنظيم والتقسيم والتحليل والتركيب في مجالي الاستنباط والاستقراء، فهو علم يحمل الخصائص المعيارية التي تجعله بالنسبة للتشريع بمثابة المنطق للفلسفة، لذلك سبق المسلمون الغرب باكتشاف المنهج الاستقرائي.

وثالثها: التصوف، الذي له ثلاثة جوانب أحدها عملي والثاني وجداني والثالث نظري فكري من خلال مقولات تحوي نظرات للقضايا الغيبية والنفسية والأخلاقية.

ورابعها: في مجال الفلسفة، وهنا نلتقي مع من عكف على الفلسفة اليونانية بالرغم مما صاحبه من أخطاء فكرية.

لذلك من يختزل الفكر الإسلامي بهذا الأخير (مجال التفاعل مع الفلسفة اليونانية) فلن يصل إلى تقييم سليم ولا بد له من النظر لهذه الميادين الأربعة.

والفلسفة في السياق الإسلامي، نقدت الفلسفة اليونانية، كنقد منطق أرسطو مثلا، حيث اتبع الفلاسفة المنهج الاستقرائي بديلاً للقياس، وإن سموه بنفس الاسم أي القياس، وقد يكون من الممكن اعتبار قضية قِدم العالم كما عالجتها الفلسفة الإسلامية نقطة التميز عنها في الحالة الغربية التي تتردد بين من يقول بالحدوث ومن يقول بالدهرية، ولعل ابن سينا أول من طرح قضية التفريق بين واجب الوجود، وممكن الوجود، وبين ما عليه الوجود في الواقع بالنسبة لما سوى “واجب الوجود”، حيث يمكننا على رأي ابن سينا أن نلاحظ أن ما سوى “واجب الوجود” إذا نظر إليه في نفسه كان “ممكن الوجود”، وإذا نظرنا إلى حقيقة وجوده بالفعل، وتعلق هذا الوجود بـ”واجب الوجود” كان واجب الوجود بغيره، تمييزاً له عن واجب الوجود بنفسه، فوجوده هنا لا بد أن يكون أثراً لغيره وهو “واجب الوجود” وهذا تصور لم يعرف في السياق الغربي.

ولا شك أن الفلسفة الإسلامية كما اشتغل أعلامها كانت مادة للاستفادة من طرف الفلسفة المدرسية المسيحية، وقد درس عدد من الباحثين نماذج من ذلك كالمقارنة بين توما الأكويني وابن رشد، وبين ابن عربي واسبينوزا، على أن إثبات هذا التأثير ليست غايته إرضاء مشاعرنا، بل لنكشف عن حقائق مطمورة في ثنايا الفكر الأوربي صريحة النسب للمسلمين، فانتقال الأفكار إذن دليل على أن الفكر لا يعرف السدود ولا الحدود، والحديث هنا عن التأثير والتأثر في إطاره المعقول وليس كما حوله البعض لحمى تسمى التأثير والتأثر، حيث انقلب هذا المفهوم إلى مرض لا يتخلصون منه، ويحكمون به بمجرد التشابه، ونحن لا نقبل بإثباته إلا مع ثبوت صلات تاريخية فعلية توثقها المستندات.

 


[1] انظر كلام الأستاذ عدس كاملاً من خلال هذا الرابط
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=528970333806821&id=172634092773782