مقالات

لماذا صُب الموت على رؤوس المسلمين في نيوزيلندا؟.. مشاهدات من داخل مسجد النور

معـاذ أبـو النـور


“إن المسلمين ظاهرون للعيان، إنهم مجموعة كبيرة من الغزاة الذين يتمتعون بنسب عالية من الخصوبة، ثقة اجتماعية عالية، وتقاليد ثابتة قوية، هذه المجموعة تسعى إلى احتلال أرضي واستبدال شعبي عرقياً”.

بهذا التعليل السقيم، وضّح المجرم الجبان “برنتون تارنت” سبب اختياره للمسلمين دون غيرهم في نيوزيلندا ليصب الموت على رؤوسهم غدراً أثناء أدائهم لصلاة الجمعة في مسجدين في مدينة كرايستشيرش في يوم 15/3/2019، وينفذ فيهم واحدة من أبشع مذابح إطلاق النار الجماعية في العصر الحديث، سقط فيها 51 شهيداً بالإضافة لعشرات الجرحى (44 من الضحايا سقطوا في مسجد النور و7 ضحايا سقطوا في مسجد لينوود)، فالمسلمون في نظره وفي نظر من يقفون خلفه خطرٌ عظيم، يجب التخلص منهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، ليتركوا نيوزيلندا ويتوقفوا عن الهجرة إليها وإلى غيرها من بلدان الشعوب “البيضاء”.

هذا التعليل هو جزء من بيان مطول مكون من 74 صفحة قدم فيه “تارنت” (على فرض أنه من كتبه) قدم فيه ما يدّعي أنه تأصيل كامل للهجوم ودوافعه ودواعي ضرورة تقليده وتكراره حول العالم، لم يذكر “تارنت” في بيانه مجموعات دينية أو عرقية أخرى كأهداف إضافية محتملة في نيوزيلندا، بحيث يمكن استهدافها دفاعاً عن عرقه الأبيض وثقافته “البيضاء” المزعومة، لم يذكر مثلاً العمالة الهندية المدربة الماهرة التي أغرقت السوق النيوزيلندي، والقادرة نظرياً على الفوز بأي فرصة عمل يتم الإعلان عنها في أنحاء البلاد، ولم يذكر أيضاً التجار ورجال الأعمال الصينيين الذين يشترون الأخضر واليابس في نيوزيلندا برؤوس أموالهم الضخمة، والذين صار النيوزيلنديون يتذمرون ويشتكون من وجودهم بصوت مرتفع، بالرغم من أن الدولة ترحب بهم، حتى أن الاحتفال برأس السنة الصينية صار مناسبة وطنية شبه رسمية تعلق فيها الزينة وتطلق فيها الألعاب النارية بسخاء في احتفالات تكاد تقارب احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة، وكل ذلك بعلم وموافقة وترخيص السلطات المحلية، المهم، كل هؤلاء لم يلفتوا انتباه “تارنت” وأمثاله، أما المسلمون برأيه فهم خطر عظيم، بصرف النظر عن كونهم لا يتجاوزون واحداً بالمئة من المجتمع النيوزيلندي، بشيوخهم ونسائهم وأطفالهم، وأن جُلهم في ذلك البلد لا يَعدون أن يكونوا إما مهاجراً باحثاً عن لقمة عيش ومستقبل أفضل لأبنائه، أو لاجئاً هارباً من الموت وويلات الحروب، أو طالباً جاء باحثاً عن العلم والدرجة الأكاديمية. هذا الخوف غير المبرر من الإسلام والمسلمين يمكن فهمه بوجه أو بآخر إذا فهمنا ما هو المقصود حقيقةً بثقافة الشعب الأبيض، وهو ما سنتعرض له لاحقاً إن شاء الله.

لقد عشت في نيوزيلندا ثلاث سنوات أثناء دراستي وتحضيري لدرجة الدكتوراه، من نوفمبر 2015 إلى ديسمبر 2018، وكانت شقتي في مدينة كرايستشيرش تبعد أقل من 5 دقائق بالسيارة عن مسجد النور المنكوب بالمذبحة المروعة، وبالرغم من أني غادرت نيوزيلندا قبل وقوع المذبحة بثلاثة شهور، إلا أن وقع الصدمة كان ثقيلاً علي بعد الحادثة، فقد كانت صدمة متعددة الأبعاد بالنسبة لي، فالمجزرة وقعت في المسجد أثناء خطبة الجمعة، ذلك المسجد الذي كنت من أهله ومرتاديه، خصوصاً أيام الجمعة، والضحايا الذين سقطوا لم يكن لهم ذنب إطلاقاً سوى أنهم مسلمون، 51 شهيداً قضوا في المسجدين أعرف منهم 22 شهيداً، وقد تعرفت على هويات بعضهم فور مشاهدتي لمقطع الفيديو المروع قبل إعلان أسماء الضحايا وصورهم، مما ترك في نفسي أثراً عميقاً وحزناً كبيراً، ولكن بعد الحزن، يشعر الإنسان بحاجته للتأمل والتفكر في ما حصل، وكيف وصل الأمر إلى درجة إخراج المسلمين من دائرة الآدمية، واعتبارهم كائنات كريهة يجب التخلص منها.

نيوزيلندا بلد وادع بعيد معزول عن بقية العالم، سكانه تغلب عليهم البساطة، وهم بالمجمل يرحبون بالمهاجرين ويتقبلون التنوع، أحد أصدقائي العرب المقيمين في نيوزيلندا منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي قال لي ذات مرة: “عندما جئت إلى نيوزيلندا عام 1996، كنت أذكر أن الناس كانوا ودودين جداً، كانوا يبتسمون بحماسة عندما يعرفون بأني مهاجر قادم من الشرق الأوسط، وكانوا يسألونني عن المسافات والطقس في بلادنا وفارق التوقيت، ويذكرون كم هم مهتمون بزيارة ذلك الجزء من العالم، ولكن كل شيء بدأ يتغير بالتدريج بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، بدأت ألمس ذلك في تعامل زبائن المطعم الذي كنت أديره”. وحتى بالرغم من تزايد ظاهرة الخوف من الإسلام بعد ظهور ما يسمى بتنظيم الدولة (داعش) عام 2014، إلا أن النيوزيلنديين لم يظهروا عداءً ظاهراً للمسلمين، بالرغم من بضعة حوادث كانت تحصل هنا وهناك بين الحين والآخر، مثل ترك رؤوس خنازير مذبوحة على باب مسجدنا (مسجد النور) عام 2016، إلا أن أحداً لم يكن يخطر بباله إطلاقاً أن دماً مسلماً قد يُراق في نيوزيلندا بدافع الحقد والكراهية، حتى جاء الأسترالي “تارنت” وأثبت خطأ الجميع، وكأنه يريد أن يوقظ المتطرفين النيوزيلنديين من سباتهم، ويرفع أصواتهم، ويشحذ عزائمهم، ويقوي شوكتهم، وذلك ما لمسه الجميع على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام، وحتى في الأماكن العامة، حتى أن رئيسة الوزراء النيوزيلندية لمست ذلك بنفسها بعد أن وصلتها تهديدات بالقتل بسبب ما أظهرته من تعاطف مع المسلمين بعد المذبحة.

مسجد النور كرايستشيرش (السبيل)

إن قيام مجرم متطرف أسترالي بجريمة فظيعة خارج حدود بلاده يثير في النفس شكوكاً وتساؤلات، خصوصاً عندما نتذكر أن الذي قام بحرق المسجد الأقصى عام 1969 هو متطرف أسترالي أيضاً، كما أن اختياره لنيوزيلندا لتنفيذ هذه المذبحة يشير أيضاً للرسائل المبطنة التي يريد من خلالها أن يسيء لنيوزيلندا وشعبها بصفتهم متسامحين نسبياً مع الإسلام والمسلمين، شأن نيوزيلندا بذلك شأن كندا التي تعرض أحد المساجد فيها أيضاً لمذبحة عام 2017، ومن المعروف لدى مجتمع المهاجرين أن نيوزيلندا وكندا لا زالتا تظهران تسامحاً نسبياً مع المسلمين خصوصاً والمهاجرين عموماً، بعكس أمريكا وأستراليا، حيث تنامى فيهما شعور الخوف من الإسلام ومعاداة الهجرة إلى حد بعيد.

لقد كان دعم النيوزيلنديين وتعاطفهم وتضامنهم مع الضحايا والجرحى وأسرِهِم والمسجدين والمجتمع المسلم في نيوزيلندا ملفتاً للغاية، سواءً على المستوى الشعبي أو المستوى الرسمي، ففي الجمعة التالية للهجوم أقيمت صلاة الجمعة في حديقة “هاغلي بارك” المقابلة لمسجد النور، آلاف من النيوزيلنديين غير المسلمين كانوا جالسين خلف صفوف المصلين لحضور الصلاة والاستماع للخطبة، كما أن العديد من النساء غير المسلمات كنّ يرتدين الحجاب تضامناً مع المسلمين، كما أن الأذان والخطبة تم بثهما على الهواء مباشرة من الحديقة عبر وسائل الإعلام الرسمية المرئية والمسموعة، لقد كان مشهداً تاريخياً إنسانياً مؤثراً يثير في النفس التساؤل: إذا كان كل هؤلاء الناس من غير المسلمين قد ساءهم الهجوم كما ساء المسلمين، فلمصلحة من يُنشر الخوف من الإسلام والمسلمين وكراهيتهم وشيطنتهم في المجتمعات الغربية؟

لقد كثر الكلام عن المجرم “تارنت”، وترددت أقاويل عن ارتباطه بجماعات دولية، من ضمنها جهاز الموساد الإسرائيلي، وبالرغم من أنه أكد في بيانه المنشور أنه يمثل نفسه فقط وأنه غير مرتبط بأي جهة، إلا أن تقارير إعلامية إسرائيلية أكدت فعلاً قيامه بزيارة إسرائيل عام 2016، وأنه قام أيضاً بزيارة أكثر من دولة في أوروبا، وبالمناسبة فإن نظرية ارتباط “تارنت” بالموساد تلاقي بعض القبول حتى عند النيوزيلنديين أنفسهم، نظراً للحادثة الشهيرة التي وقعت قبل بضع سنوات، عندما كشفت الصدفة المحضة وجود جواسيس من عملاء جهاز الموساد الإسرائيلي داخل نيوزيلندا، ففي عام 2011 وقع زلزال قوي في مدينة كرايستشيرش أدى إلى سقوط أكثر من 180 قتيلاً، بالصدفة تسبب الزلزال بسقوط شرفة أحد المباني على مركبة مركونة في أحد الشوارع كان فيها أربعة أشخاص، مما أدى إلى مقتل أحدهم، تبين فيما بعد أنهم جميعاً إسرائيليون، وأن القتيل يمتلك خمسة جوازات سفر مختلفة، الثلاثة الناجون قاموا بمغادرة المركبة فوراً وتصويرها، قم قاموا بمغادرة نيوزيلندا خلال 12 ساعة، الحادثة أثارت كثيراً من الضجة وقتها، وكادت أن تؤدي إلى أزمة دبلوماسية بين نيوزيلندا وإسرائيل، لولا قيام رئيس الوزراء النيوزيلندي آنذاك، اليهودي “جون كي” بلملمة الأزمة والتقليل من شأن التقارير، والادعاء بأن التحقيقات جارية ولكن الخوض في تفاصيلها “يضر بالأمن القومي لنيوزيلندا”، بالرغم من أن التحقيقات أظهرت أن هؤلاء الجواسيس كانوا يحاولون اختراق الأنظمة الالكترونية للشرطة النيوزيلندية، هذه الحادثة وغيرها، برأيي، لا يمكن إخراجها من بعض السياقات السياسية المتعلقة ببعض مواقف نيوزيلندا كدولة، مثل موقف نيوزيلندا المعارض لغزو العراق عام 2003، ومواقف نيوزيلندا الداعمة للقضية الفلسطينية في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولا ننسى طبعاً حنق الإسرائيليين الكبير أواخر عام 2017 عندما قامت المغنية النيوزيلندية “لورد” بإلغاء حفلها في تل أبيب استجابةً لمطالب حركة مقاطعة إسرائيل (بي دي أس).

خلاصة القول، وعلى أقل التقديرات، يمكن القول بأن نيوزيلندا وإسرائيل لا تتمتعان بعلاقات “دافئة”، مما يعزز من وجاهة الاعتقاد بأن “تارنت” مرتبط بمثل هذه الجهات الخارجية، ولكن على كل حال، وأياً كان الأمر، فإن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن “تارنت” يمثل اليمين المتطرف والخطاب الشعبوي واستعلاء العرق الأبيض الذي يقوم على تخويف الناس من الآخرين الذين لا يشبهونهم، ثم يتصادف أن هؤلاء الآخرين الغرباء الدخلاء هم ليسوا إلا مسلمين، وهنا تظهر المفارقة العجيبة، فداعش التي تدعي أنها تدافع عن الإسلام والمسلمين هي لا تقوم إلا بالإضرار بهم من خلال تشويه صورة الإسلام وقتل الأبرياء وتأليب شعوب الأرض على المسلمين، واليمين المتطرف في الغرب الذي يدعي الدفاع عن القيم الغربية يقوم صراحةً بشيطنة المسلمين وإراقة دمائهم، وكأن الاتجاهين اللذين يبدوان متضادين يعملان لصالح أجندة واحدة، فلمصلحة من يعملان؟!

لقد أثارت مذبحة نيوزيلندا تعاطفاً كبيراً مع المسلمين حول العالم، فكانت أفضل طريقة للتخفيف من هذا التعاطف هو عمل إرهابي كبير يقوم به “المسلمون” أنفسهم، ليتذكر العالم من هو الإرهابي “الحقيقي”، فجائت أحداث سيريلانكا بعد نحو خمسة أسابيع من أحداث نيوزيلندا، وسارعت داعش لتبني الهجوم، وسارعت وسائل الإعلام للادعاء بأن هذا الهجوم هو رد على أحداث نيوزيلندا، ويبدو أن هذا النمط من توافق الأحداث صار أمراً معتاداً، ففي عام 2016 مثلاً، وقعت أحداث نادي الشواذ في أورلاندو في الولايات المتحدة بعد أسبوع واحد فقط من جنازة الرياضي المسلم الأمريكي الأسود المحبوب محمد علي كلاي، تلك الجنازة التي حظيت بتغطية إعلامية وتفاعل كبيرين، فأطلت داعش برأسها بعد الجنازة بأسبوع لتقول للعالم: “لا تنسوا أن الإسلام دين إرهاب وقتل وعنف وكراهية، ولا تتعاطفوا مع أي مسلم إطلاقاً”.

في أحد أيام رمضان من العام الماضي (2018)، وقبيل الإفطار بدقائق، قمت بتصوير هذا المقطع القصير داخل مسجد النور، كنا نتناول إفطارنا كل يوم في المسجد، وكنت أعلم أنه سيكون آخر رمضان أصومه في نيوزيلندا، فأحببت أن أحتفظ ببعض الذكريات، ولكني لم أكن أعلم حينها أن هذا المسار الذي كنت أسير به داخل المسجد أثناء تسجيلي للمقطع سوف يشهد مذبحة فظيعة تسيل فيها دماء المصلين ليغرق بها السجاد الممزق بالرصاص، ولم أكن أعلم أن اثنين على الأقل من الأشخاص الظاهرين في المقطع سوف يكونا شهيدين من ضمن عشرات الشهداء الذين ارتقوا في تلك المجزرة، أما الآن، فكلما شاهدت المقطع قلت في نفسي: كم كان المسجد هادئاً، وكم كانت جميلة تلك الأجواء من السكينة والمحبة والألفة والتراحم والتكافل الاجتماعي بين من هم في المسجد، فلماذا قُتل الناس هناك؟! ثم أتذكر بيان السفاح القاتل “تارنت”، فأستدرك على نفسي وأقول: هُم أصلاً لم يُقتلوا إلا بسبب ذلك!

 ما هكذا تستمر السيرة.. نظرات في كتاب “السيرة مستمرة” (2 من 3)

فداء ياسر الجندي


نتابع في هذا المقال ما بدأناه في مقالنا السابق، حول الرد على تشكيك الدكتور أحمد خيري العمري بوقوع حادثة انشقاق القمر، وقد بينا في المقال الماضي أن الحادثة متواترة وهناك إجماع من كل المفسرين عليها وأن زعم العمري بأن إنكارها كان (سائدا ومتداولاً) منذ عهد التابعين لا أساس له من الصحة.

وقد توقفنا عند قول العمري: “أليس غريباً مع حادثة بهذا الحجم أن لا يكون هناك شاهد عيان من الصحابة إلا شاهد واحد فقط هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؟ ألا يوجد صحابي واحد آخر قال بسند صحيح حضرت حادثة انشقاق القمر؟”[1]
وقلنا إن هذا هذا كلام خطير وغير مقبول وينطوي على تشكيك في الحادثة، وتشكيك في عدالة وضبط رواتها والمحدثين الذين أخرجوها، ووعدنا قراءنا الكرام ببيان ذلك في مقالنا هذا.

تشكيك في رواية عبد الله بن مسعود
نقول بعد الاتكال على الله: هذا الاستغراب فيه تشكيك في الرواية كلها، ولا يفهم منه إلا أنه اتهام لهذا الصحابي الجليل رضي الله عنه بأنه متوهم أو ملفق أو (حاشاه) كاذب؟ حتى لو فرضنا جدلاً أن الحديث لم يروه إلا سيدنا عبد الله بن مسعود، وذلك لأسباب عديدة:

أولها: أن طرق رواية الحادثة عن ابن مسعود رضوان الله عليه، متواترة، فقد أخرج الحديث  البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنن، كل منهم بأسانيد عديدة صحيحة تصل لسيدنا ابن مسعود، فلا يمكن التشكيك إطلاقاً في نسبة الحديث إلى سيدنا عبد الله بن مسعود، فالتشكيك في الحديث تشكيك في صحابي جليل.

وثانيها: أن سيدنا ابن مسعود قال في نص الحديث: (كنا مع رسول الله) فقوله هذا الذي وصلنا بالتواتر عنه رضي الله عنه دليل على أن الحادثة شهدها جمع من الناس وليس ابن مسعود وحده.

وثالثها: أن كثيرا من الأحاديث والحوادث شهدها عدد  من الصحابة وأحياناً جموع منهم، ولكنها لم تصل إلينا بسند صحيح إلا من صحابي واحد أو اثنين، لأسباب عديدة، مجال بحثها علم مصطلح الحديث،[2] فهل يريد العمري منا أن نشكك بكل حديث حضره جمع ولم يروه إلا صحابي واحد حتى لو كان سنده ورواياته في غاية القوة إلى الصحابة مثل هذا الحديث؟ وحتى لو رواه صحابة كثر بعضهم عن بعض؟

ولأن هذا الأمر الأخير لا يخفى على العمري، فقد تابع التشكيك فقال: “كل من ذكر الأمر من الصحابة في أحاديث أخرى، ذكروها على ما يبدو نقلاً عن ابن مسعود، أو ربما سواه، لكن لا نعرف بالضبط”[3]

دعونا نلاحظ لغة التشكيك في السطر السابق، (على ما يبدو، ربما، لا نعرف بالضبط)، ونقول: بل نعرف بالضبط، نعرف أن الصحابة إن نقلوا عن بعضهم فنقلهم لا نشك فيه، سواء كان عن ابن مسعود أو عن غيره، ونعرف أن هناك روايات أخرى للحديث عن صحابة آخرين، منهم ابن عمر وحذيفة بن اليمان وجبير بن مطعم، ونعرف أن الصحابة تناقلوا هذه الحادثة في حياته عليه الصلاة والسلام وحياة الصحابة من بعده فما أنكرها أحد.

التشكيك في إجماع الصحابة
يتابع العمري تشكيكه فيقول: “أنس بن مالك (وحديثه متفق عليه)، لم ير انشقاق القمر في مكة لأنه كان في المدينة، وكان عمره يوم جاء الرسول عليه الصلاة والسلام مهاجراً عشر سنوات فقط، والحادثة حدثت قبل الهجرة بسنوات، (وأنس بن مالك هو الوحيد الذي قال إن انشقاق القمر قد حدث بعد طلب المشركين آية)، ابن عباس ذكر أيضاً الحادثة[4]وكذلك ابن عمر، وكلاهما لم يحضرا الأمر، (لعدم ولادة الأول في تلك الفترة، وصغر سن الثاني)”[5].

وهذا تشكيك آخر في الحديث لا أساس له من الصحة، هل يريد العمري أن يشكك في رواية ثلاثة من كبار الصحابة، لأنهم لم يشهدوا الحادثة بأنفسهم؟ لماذا رووها إذن؟ هل اخترعوا الحادثة من بنات أفكارهم أم سمعوها من الصحابة المهاجرين؟ ومن قال لك إن ابن عمر لم يشهد الحادثة عندما كان طفلاً؟ وهل أضاف أنس بن مالك بنفسه أن الحادثة حدثت بعد طلب المشركين؟ أم سمع ذلك من غيره من الصحابة؟ الصحابة يروي بعضهم عن بعض، ولا نشك أبدا في أنهم  قد سمعوها من صحابة آخرين، بل إن رواية كل من هؤلاء الثلاثة، ابن عمر وابن عباس وأنس  وغيرهم وبأقوى الأسانيد إلى كل منهم بالإضافة لرواية ابن مسعود، دليل على أنها كانت رواية مسلماً بها وشائعة بين الصحابة في عهد النبوة، ولو مشينا على منهج العمري، فعلينا أن  نشكك في حديث بدء نزول الوحي الذي روته السيدة عائشة، فهي حادثة حدثت قطعاً قبل أن تولد.

للمزيد عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها انشقاق القمر، يرجى العودة إلى مقال نبوة محمد في موسوعة السبيل.

أين بقية نص الحديث الشريف؟
يتابع العمري تشكيكه، ليوهم القارئ من جديد أن الحديث الشريف منقول عن صحابي واحد هو ابن مسعود، فيسقط عشرات الروايات الصحيحة الأخرى،  وينفي أن المشركين طلبوا آية فانشق القمر كما جاء في روايات أخرى متفق عليها، فيقول: “كل ما قاله ابن مسعود هو أن النبي كان مع مجموعة من المؤمنين في منى، وأن القمر انشق، وأن الرسول قال لهم اشهدوا، فقط، لا شيء آخر”[6].

كلا، هناك شيء آخر هام  قاله ابن مسعود في روايتي البخاري ومسلم، تجاوزه العمري هنا، وهذا نص لفظ مسلم: “بينما نحن مع رسول الله، إذا انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه”[7]، وأهمية هذه الرواية الصحيحة التي التي تجاهلها العمري، أنه قال بعد أن أشبع الحادثة تشكيكاً: “لا نكذب حديث عبد الله بن مسعود أو أي من الصحابة الكرام الذين نقلوا الأمر عنه”، وهذا أمر عجيب، يطرح الشك بعد الشك، ثم يقول: لا نكذب! ويبرر ذلك برأي هو من أشد ما جاء به تهافتاً، وهو قوله بعد ذلك: “الصحابي الجليل رأى ظاهرة وسماها هو انشقاق القمر، قد تكون خسوفاً وقد تكون انعكاساً للقمر على الغيوم”[8]. نستطيع الآن أن نفهم لماذا حذف العمري قول عبد الله بن مسعود: “فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه”، لأن هذه الإضافة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ما رآه ابن مسعود وغيره كان انفلاقاً  للقمر، ولم يكن كسوفاً أو انعكاساً على الغيم، وعشرات الروايات الصحيحة التي وردت للحديث، عن ابن مسعود وعن غيره،  فيها واحد من لفظين: (انشق شقتين) أو (انفلق فلقتين)، وأن الجبل كان بين الفلقتين، فكيف استنتج العمري أن ما حصل كان كسوفاً؟ هل نصدق من شاهدوا الحادثة عيانا ونقلوها لنا بأصح الألفاظ وأدق الأسانيد؟ أم نصدق  العمري الذي لم يشاهدها ويزعم اليوم رجماً بالغيب  أن الأمر كسوف أو انعكاس ضوء؟

ثم يزيد من تشكيكه فيقول: “ولاشي مما رواه ابن مسعود شاهد العيان الوحيد باعتبار أن الصحابة الآخرين نقلوا عن آخرين، يدل على أنه عليه الصلاة والسلام قال إن هذا انشقاق للقمر”. تكرار ثم تكرار ثم تكرار للإصرار على أن الحادثة  ما شاهدها إلا صحابي واحد، وهذا غير صحيح قطعاً، فهو يناقض نفسه عندما يقول (الصحابة الآخرين نقلوا عن آخرين)، من هم الآخرون الذين نقل عنهم الصحابة؟ أليسوا صحابة أيضاً؟ ولماذا يشترط أن يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: “هذا انشقاق القمر؟”، هل قال موسى هذه العصا قد شقت البحر أم ألقاها ورأى الناس المعجزة؟ هل قال عليه الصلاة والسلام: هذه أصابعي ينبع منها الماء فيسقي جيشاً، أم فعل المعجزة ورآها الناس؟ ما هذا الشرط العجيب الذي لم نسمع بمثله قبل العمري!

(حس بديهي) يجعل الانشقاق كسوفاً
يختم العمري كلامه عن الحادثة فيقول: “أن تفسر حديثاً صحيحاً بطريقة تتوافق مع القرآن الكريم، ومع الحس البديهي، لا يعني أبداً أن تكذبه”.

ونقول: عجيب أنه بعد أن يلقي كل تلك الشكوك،  يكرر مرة أخرى أنه لا يكذب الحديث، (ولا تخفى دلالة هذا التكرار!)، أما قوله إن  تفسيره يتوافق مع القرآن الكريم،  فإن كان العمري يقصد زعمه أن قوله تعالى “اقتربت الساعة وانشق القمر” هو “استخدام الفعل الماضي للدلالة على ما سيحدث يوم القيامة”[9]، وهو مشابه في الحديث عن يوم القيامة  لقوله تعالى “وأزلفت الجنة للمتقين”، وقوله تعالى “ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد”، وقوله تعالى “ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا”، فقد أخطأ خطأ كبيراً، ولن تنطلي هذه الخدعة على أحد، وذلك لأن الآيات التي استشهد بها على استخدام الماضي للمستقبل، في كل منها دلالة قاطعة على أنها تتكلم عن يوم القيامة، فيها نفخ في الصور، وإزلاف للجنة، وحوار بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وهذه الدلالة القاطعة شرط يجب أن تتوفر حتى نصرف الزمن الماضي إلى المستقبل، وهو ما لا يتوفر في آية سورة القمر.

وإن كان يقصد ما زعمه من أن الله لم يذكر تلك المعجزة إلا مرة واحدة في القرآن الكريم، بينما ذكر معجزة موسى وغيرها  مرات عديدة،[10] رغم تكرر الطلب من كفار قريش بطلب المعجزات، وأن ذلك يلقي بالشك على الحادثة، فنقول: تلك حجة أوهى من أن يرد عليها، بل هي حجة لك لا عليك، الله تعالى قد ذكر معجزة الإسراء  مرة واحدة أيضا، ولم يكررها، وهل نكذب الخبر الصادق لأنك وحدك (من بين كل كتاب السيرة والمحدثين والعلماء والمفسرين) تظن أن الحادثة لو وقعت لكان على الله أن يكرر ذكرها كلما طلب الكفار آية؟!

وأما قوله إن تفسيره يتوافق مع (الحس البديهي)، فلا ندري ما المقصود بذلك، هل المقصود استنتاجه بعد خمسة عشر قرناً أن ما حدث كان كسوفاً أو ظلا للقمر على الغيوم، رغم أن كل من رأى بأم عينه وروى الحادثة قال إن هذا (انشقاق) أو (انفلاق)؟ ومتى كان (الحس البديهي) بديلاً عن الخبر الصادق واللفظ الواضح والدليل القاطع والسند شبه المتواتر والنص القرآني؟

تناقض صارخ في اعتماد الرويات
 لقد استغرق العمري ثمان صفحات من سيرته في محاولة نراها فاشلة تماماً للتشكيك في حادثة قطعية الثبوت برأي المحدثين والمؤرخين[11]، ، ولنا هنا سؤالان للعمري:

الأول: لماذا استغرقت ثمان صفحات من كتابك تحاول التشكيك في هذه الحادثة الصحيحة شبه المتواترة، وفي الوقت نفسه قبلت رواية أن الطير الأبابيل نقلت مرض الجدري لمكة، وقبلت رواية أخرى منقطعة واهية،  لدعم رواية الجدري الواهية، وهي أن  السيدة عائشة رأت في طفولتها سائق الفيل وسائسه أعميين في مكة،[12] رغم أن هذه الرواية   في غاية الضعف، أسانيدها منقطعة،  ولم ترد في أي من كتب الصحاح والسنن، ولم يروها أي صحابي آخر، أين توافق هذه الروايات مع القرآن الكريم في سورة الفيل؟ وأين توافقها مع (الحس البديهي)؟ هل فات (الحس البديهي) أن الجدري لو جاء مع الطيور لانتشرت العدوى في أهل مكة، وأن رؤية السيدة عائشة لسائق الفيل وسائسه في مكة عندما كانت طفلة أمر أقرب إلى الخيال، لأن ذلك معناه أن السائس والسائق امتد بهما العمر أكثر من خمسين سنة بعد حادثة الفيل، ولكن لم يرهما أحد من أهل مكة فيروي رؤيتهما سوى طفلة صغيرة رأتهما بعد أن بلغا من الكبر عتياً! وكيف تقبل رواية منقطعة عن السيدة عائشة عندما كانت طفلة وتبني عليها، وترفض رواية صحيحة متفقاً عليها، وصلتنا بسند قريب من التواتر عن الفتى ابن عمر حول انشقاق القمر، تؤيدها عشرات الروايات الأخرى، بحجة أنه كان طفلاً؟ أهذا هو المنهج التاريخي الذي بنيت عليه سيرتك؟  رواية واهية منقطعة لا تتوافق مع القرآن ولا مع الحس البديهي، تقبلها وتثبتها وتمر عليها مرور الكرام وكأنها حقيقة واقعة، ورواية قاطعة مثبتة تتوافق مع القرآن الكريم وأجمع على صحتها العلماء والمحدثون والمفسرون، تحشد لها شكوكاً واهية لا قيمة لها في ميزان العلم والتحقيق والتاريخ والتفسير؟ هذا التناقض يعطي فكرة عن المنهج الانتقائي المتاقض الذي اتبعه العمري في اختيار الروايات التاريخية التي بنى عليها سيرته المستمرة.

الثمرة المرة للتشكيك 
السؤال الثاني وهو الأهم، وهو الذي من أجله كتبنا هذا المقال والذي قبله في تفنيد تشكيك العمري في حادثة انشقاق القمر: ما تأثير هذا التشكيك على فئة من الشباب الناشئ الذي لم يطلع على علم مصطلح الحديث،  ولم يراجع الحادثة في المراجع التاريخية وكتب الحديث، ولم يطلع على ما جاء في كتب التفسير، هل سيعود من قراءة بحثك هذا إلا بشك في كلام المفسرين للقرآن الكريم، وشك في دلالة الآيات القرآنية، وشك في ضبط الصحابة الكرام وعدالتهم، وشك في طريقة رواية الحديث ووصوله إلينا؟
نعم، هذه الثمرة المرة  هي محصول تشكيك العمري في تلك الحادثة، سواء قصد ذلك أم لم يقصد، ومن أجل هذه النتيجة المؤسفة، بسطنا القول في تفنيد تلك الشكوك في هذا المقال والذي قبله، لأن الموضوع ليس مجرد حادثة نثبتها أو ننفيها، بل موضوع تشكيك في الصحابة والحديث والمحدثين والرواة والمفسرين.
لم ينته الكلام عن سيرة العمري المستمرة، ولنا معها وقفة ثالثة وأخيرة، فانتظرونا في المقال القادم إن شاء الله.

_________________________________________

الهوامش

[1] السيرة مستمرة، ص 245

[2] من ذلك باختصار شديد، التحري الشديد للمحدثين في التحقق من صحة الحديث بحيث يسقطون أي سند فيه انقطاع أو  شك، ومنها أن المكثرين من رواية الحديث من صحابة رسول الله، هم أولئك الذين كانوا شباباً على عهده عليه الصلاة والسلام، وامتد بهم العمر بعد انتقاله للرفيق الأعلى، وكانوا ممن يجلس للتدريس والرواية، وسيدنا عبد الله بن مسعود واحد من هؤلاء.

[3] السيرة مستمرة، ص 245

[4] وحديث ابن عباس أيضاً  متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم.

[5] السيرة مستمرة ص 245

[6] السيرة مستمرة، ص 246

[7] صحيح مسلم، حديث رقم 288

[8] السيرة مستمرة، ص 246

[9] السيرة مستمرة، ص 243

[10] السيرة مستمرة، ص 241 وما بعدها

[11] قد بسطنا القول حول  قطعية ثبوت الحادثة ذلك في المقال السابق، ويمكن مراجعة ما نقله ابن كثير في تفسيره لسورة القمر من عشرات الروايات والأسانيد

[12] السيرة مستمرة، ص 36

الليبرالية

أحمد دعدوش


ترجّح معظم الموسوعات العالمية أن مصطلح الليبرالية مشتق من الكلمة اللاتينية liber والتي تعني “الحُر”، ويصعب على الباحثين اليوم وضع تعريف جامع ومانع لهذا المصطلح، إذ تعترف موسوعة لالاند الفلسفية بالالتباس الحاصل في هذا المصطلح ولا سيما مع تشعب المفاهيم المتداولة له بين الأحزاب والحركات السياسية، كما تقرّ الموسوعة العربية العالمية بغموض هذا المصطلح لتبدل معناه بصورة ملحوظة مع مرور الزمن.

ويمكن القول إن الليبرالية تيار فكري ينطلق من مبدأ الحرية وتحقيق الفرد لذاته في المجالات المختلفة، وحسب موسوعة لالاند فإن الليبرالية تدل على العقائد التي تعتبر ازدياد الحرية الفردية من مُثلها. وعليه فإن جميع التعريفات التي وُضعت لهذا المصطلح تتخذ من المذهب الفردي الذي يرى أن الحرية الفردية هدف وغاية ينبغي تحقيقها، ثم تتنوع هذه التعريفات بحسب المجال التي تعرَّف من خلاله.

ففي السياسة ترتكز الرؤية الليبرالية على مفاهيم المواطنة وحماية الحريات السياسية والمدنية وتأييد النظم الديمقراطية البرلمانية، وفي المجال الاجتماعي والثقافي تؤيد الليبرالية الحرية في الاعتقاد والتعبير وقضايا الأحوال الشخصية والممارسة الجنسية، أما في الاقتصاد فتؤكد المدرسة الليبرالية (الرأسمالية) على المنافسة الحرة وحرية التملك والعمل والاستثمار.

الليبرالية الكلاسيكية
بدأت بوادر الليبرالية بالظهور في عصر النهضة الأوروبية بالقرن الخامس عشر الميلادي، وذلك تزامنا مع حركة العلمنة التي دعت لتحرير العقل العلمي من سلطان الكنيسة ولإعفائه من الالتزام بالولاء لما يتناقض مع أولى بديهياته، كما نادت بإطلاق حرية العقل في التجريب والملاحظة بعيداً عن المسلّمات الأولية المتناقضة في النصوص اليهودية-المسيحية. وتأثر رواد هذه الحركة الأوائل بالمنهج العلمي النقدي في فلسفة العالم الأندلسي ابن رشد وفي ما تُرجم عن المنهج العلمي التجريبي لعلماء مسلمين آخرين مثل جابر بن حيان والحسن بن الهيثم، كما تأثروا بنزعة “الحرية الفردية” عند الإغريق.

توماس هوبز

ويعد الفلاسفة الإنجليز والفرنسيون أبرز رواد الليبرالية الكلاسيكية، ففي بدايات القرن السابع عشر طرح توماس هوبز أفكاره عن الحقوق الفردية والمساواة بين المواطنين وعن الشخصية الاعتبارية للنظام السياسي، كما تحدث عن ضرورة تمثيل جميع القوى السياسية في السلطة.

وكان هوبز يؤمن بفكرة “ذئبية” الإنسان، بمعنى أن البشر يميلون للتوحش والتغلب على الآخرين وسلب حقوقهم في الحالة الطبيعية، ولكن حاجتهم لتأسيس المجتمعات دفعتهم لوضع “عقد اجتماعي” يتفق فيه المواطن مع السلطة (بشكل غير معلن) على الالتزام بالقوانين المشتركة في مقابل حصوله على الحماية من السلطة، وبهذا فقد قيّد هوبز الحرية الفردية بالقدر الذي يتطلبه قيام المجتمع.

جون لوك

وفي منتصف القرن السابع عشر، عرض الفيلسوف الإنجليزي جون لوك نظريته الليبرالية التي مال فيها لمزيد من التحرر الفردي قياسا إلى هوبز، حيث أعطى للفرد حق مقاومة السلطة “الغاشمة”، انطلاقا من مبدأ الدفاع عن النفس، كما تميز لوك عن غيره من فلاسفة العقد الاجتماعي بتقييد السلطة بقبول الأفراد لها، ما يعني منح المواطنين حق سحب الثقة منها.

ووضع لوك أفكاره في كتاب “رسالتان في الحكم”، وقال فيه إن الوظيفة العليا للدولة هي حماية الثروة والحرية، وإنه يجب على الشعب تغيير الحكومة عند تقصيرها في ذلك. وساهم كتابه هذا في تحريك الأميركيين للقيام بالثورة.

جان جاك روسو

أما الفيلسوف السويسري الفرنسي جان جاك روسو فخالف سابقيه هوبز ولوك في افتراضهما كون الحالة الأصلية للمجتمع البشري قائمة على  التوحش، بل توقع أن الناس كانوا في تلك الحالة يعيشون حالة اكتفاء ذاتي وسلام، ويحتكمون إلى مبادئ أخلاقية فطرية. ورأى أن تأسيس المجتمعات جاء لعوامل اقتصادية مما دعا لإنشاء قيم اجتماعية جديدة وعلى رأسها الجشع والمنافسة وحب التملك، والتي أدت بدورها لنشوء قيمة الملكية الخاصة.

وعند هذه المرحلة انقسم الناس -حسب روسو- إلى مالكين وعمّال، ثم رأى المالكون أنه لا بد من تأسيس حكومة لحماية أملاكهم، وذلك على أساس عقد اجتماعي ينص على توفير المساواة والحماية للجميع بالرغم من أن الهدف غير المعلن هو تكريس “اللامساواة”.

وبما أنه من الصعب العودة إلى المجتمعات الفطرية البسيطة، ينصح روسو بإقامة أنظمة ديمقراطية يشارك فيها كافة المواطنين، بحيث تعبر القوانين عن الإرادة العامة للشعب، ولا تكتسب السلطة شرعيتها دون إجماع النظام الاجتماعي عليها. وكان لروسو فضل في التأكيد على أهمية احتفاظ المجتمع بالمعايير الأخلاقية لكبح عجلة التدهور والانهيار، وقد تأثر زعماء الثورة الفرنسية بأفكاره السياسية.

فولتير

في عام 1725، نُفي الكاتب الفرنسي المتمرد فولتير إلى إنجلترا ليعيش فيها ثلاث سنوات، فتأثر هناك بالنظام الملكي الدستوري الذي يحد من سلطات الملك وبالمستوى المرتفع نسبيا لحرية التعبير والاعتقاد، وعاد إلى بلاده ليحمل هذه الأفكار ويروج لها بقوة.

وشارك فولتير في المشروع الضخم الذي قاده دالامبير لكتابة أضخم موسوعة (دائرة معارف) في ذلك العصر، فكانت موسوعة “الإنسكلوبيديا” الفرنسية منبرا فكريا وعلميا ضخما لصياغة شتى أنواع المعارف من المنظور العلماني الليبرالي، وتم على أساسها بناء الفكر الحداثي للقارة الأوروبية ولشعوب العالم التي خضعت لها عسكريا وثقافيا.

الإنسكلوبيديا

وكان مونتيسكيو من أهم كتاب الموسوعة، وهو صاحب نظرية فصل السلطات في الأنظمة الديمقراطية، وقد كان لكتابه “روح القوانين” دور مهم في التشجيع على الانتقال من الحكم الملكي إلى الأنظمة الجمهورية، وساهمت أفكاره في صياغة الدساتير الغربية وإعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا.

وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر وضع الإنجليزي جون ستيوارت ملْ كتابين مهمين أسماهما “في الحرية” و”أسس اللبرالية السياسية”، وأوضح فيهما أن الليبرالية لا تتناول نظريات حرية الإرادة من الناحية الفلسفية بل تبحث في الحرية المدنية الاجتماعية.

ودعا ملْ لحرية الفكر والاعتقاد، كما أيد تقييد الحرية الفردية بضوابط القانون والأخلاق، مشيرا إلى أن “ما يخص الفرد وحده هو من حقوقه, وأن ما يخص المجتمع فهو حق للمجتمع”، كما رأى أنه إذا تمكن كل مواطن من أن يعرف قدر ما يستطيع ولم يتوفر له في المقابل من السلطة إلا قدرا محدودا فسنتجنب حينئذ السقوط في دولة استبدادية “تمسخ مواطنيها”.

وانتقد ملْ الديمقراطية نفسها معتبرا أنها تكرس هيمنة الأكثرية لتسلب حرية الأقلية، ولو كانت الأقلية فرداً واحداً، ورأى أنه بقدر ما تزداد الحكومة ديمقراطية فإنها تنتقص من الحرية الفردية. كما أيد حق المواطن في الاعتراض والاحتجاج، وانتقد تناول المبادئ على أنها مسلمات لا تحتمل النقد، كما اعتبر أن المجتمع الديني مؤسس على الإجماع في الرأي وعلى تحريم النقد والنقاش وأن نظامه السياسي مؤسس على الاستبداد.

وتابع ملْ تطبيق رؤيته لحرية الفرد ليصل بها إلى درجة اعتراضه على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يُعد من فروض الكفاية في المجتمع الإسلامي، إذ كان يعتبرها بمثابة القيام بمهام الإله، وقال إن من يقوم بهذا العمل فإنه “يعتقد أن الله لا يكره فقط من يعصي أوامره، بل سيعاقب أيضاً من لم ينتقم في الحال من ذلك العاصي”، مع أن النهي عن المنكر في المفهوم الإسلامي ليس انتقاما ممن يمارسه. لكن ملْ لم يطبق مفهومه هذا عندما يتعلق الأمر ببيع المواد الضارة كالسموم مثلا أو عند مناقشته لمسائل تحديد النسل وضرورة التعليم، بل طلب من الدولة التدخل كي لا يبقى المواطن جاهلا ولا يسمم الآخرين، معترفا في النهاية بأن الإنسان قد لا يعرف مصلحته بنفسه دائما وأن ممارسته للحرية الفردية يجب أن تكون مقيدة.

آدم سميث

الليبرالية الاقتصادية
ارتبط الفكر الليبرالي منذ نشأته بالطبقة الوسطى (البورجوازية) الصاعدة في أوروبا، والتي كانت تحشد قواها للتمرد على النظام الإقطاعي حيث كانت طبقة النبلاء الحاكمة تتحالف مع رجال الكنيسة لتكريس واقع طبقي مجحف، فطالب جون لوك مبكرا بمنح كل المواطنين الحق في تملك الأرض ووسائل الإنتاج معتبرا الملكية الخاصة من أبسط حقوق الإنسان، وكانت هذه بداية التوجه نحو الاقتصاد الرأسمالي، والذي سنخصص له لاحقا مقالا مستقلا.

وفي القرن الثامن عشر، بدأ الفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث بوضع أسس علم جديد هو الاقتصاد السياسي، وأقام نظريته على فكرة “اليد الخفية” التي تدعو إلى ترك الأفراد يسعون لتحقيق مصالحهم الاقتصادية الخاصة دون أي تدخل من السلطة، فتقوم يد خفية بتحقيق المصلحة العامة للمجتمع تلقائيا، بينما يجب أن يقتصر دور الدولة على حماية الحقوق الفردية بالقانون دون تدخل. وكان يقول إن الفرد عندما يسعى لتحقيق مصالحه الخاصة فهو غالباً ما يحقق مصالح الجماعة بشكل أكثر فاعلية مما يمكن تحقيقه عندما يعمل باسم المصلحة العامة. وأصبح شعار هذه المرحلة هو “دعه يعمل، دعه يمر”.

أما الفرنسي جان باتيست ساي فوضع قانونا للأسواق زعم فيه أن عرض السلع يخلق في المقابل طلباً موازياً له، وقال إن الطلب إذا قل عن العرض في سلعة ما فسيتم تعويض الخلل في السلع الأخرى بحيث يبقى التوازن قائما بالمجمل، وبهذا قام النظام الرأسمالي على الإنتاج الصناعي المتسارع وتحرير التجارة من القيود وفتح الأبواب أمام الاستثمار في الديون والمضاربات. ويمكن لنا ملاحظة التشابه بين مفاهيم الحرية المختلفة في كل من المجالات الاقتصادية والسياسية والفكرية تحت مظلة الفكر الليبرالي، حيث أصبحت حرية الفرد مفهوما شبه مقدس يسعى الجميع لتبريره وإثبات عدم تعارضه مع المصالح العامة.

عاطلون عن العمل ينتظرون دورهم للحصول على حساء مجاني في شيكاغو

لكن نظرية ساي فشلت لاحقا، فسرعان ما ظهرت الأزمات في النظام الرأسمالي وكانت أبرزها أزمة الكساد العظيم عام 1929، حيث انتشرت البطالة وعجزت الحكومات عن تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، فاضطر الاقتصاديون –وعلى رأسهم جون ماينارد كينز- إلى ابتكار مفهوم الليبرالية الاجتماعية، حيث أصبح من واجب الدولة توفير فرص العمل وتقديم الرعاية الصحية والتعليم مع الحقوق المدنية للمواطنين، ووضع حد أدنى للأجور وتوفير معاشات للمتقاعدين، فضلا عن ضرورة تدخل الدولة لإحداث نوع من التوازن ما بين العرض والطلب.

وفي ستينيات القرن العشرين، ظهرت مدرسة شيكاغو لتعيد الدعوة إلى تطبيق الليبرالية الكلاسيكية تحت مسمى النيوليبرالية، وفي الثمانينيات تبنت هذه السياسة كل من إدارة رونالد ريغان الأميركية وحكومة مارغريت تاتشر البريطانية، فتراجع دور الدولة مجددا وأفسح المجال لرجال الأعمال للسيطرة على الاقتصاد، فتضخمت الشركات العابرة للقارات وتغوّلت ظاهرة العولمة، حيث أصبحت ميزانيات بعض الشركات تعادل ميزانيات عدة دول مجتمعة، وتضاعف حجم الهوة بين فقراء العالم وأغنيائه ليصل إلى أرقام لم يعرفها التاريخ من قبل، وتكرر ظهور الأزمات المالية العالمية حتى كانت الأخيرة عام 2008، حيث طالب الكثير من الاقتصاديين في العالم بإلجام ما أسموه “الليبرالية المتوحشة”، بل دعا بعضهم للاستفادة من الاقتصاد الإسلامي عندما ظهر أن المصارف الإسلامية هي الوحيدة التي لم تتعرض لخطر الإفلاس. وسيأتي بيان هذه المراحل مفصلا في مقال الرأسمالية.

الليبرالية الثقافية
تستند الليبرالية في جانبها الثقافي إلى العلمانية الدنيوية التي مهدت لظهور الليبرالية في أوروبا قبل نحو خمسة قرون، فالعلمانية أسقطت القدسية عن الإله في البداية، ثم سمحت بإحلال الإنسان مكانه كما فعل التيار الإنساني (الهيوماني) أو برفع العقل لمرتبة التقديس كما فعل التيار (العقلاني)، وفي كلتي الحالتين صعد الفكر الليبرالي للمناداة بفردية الإنسان واحترام حريته.

ونظرا لقوة تأثير المد الليبرالي في أوروبا إبان عصر النهضة، تأثر المتدينون أنفسهم من البروتستانت بمبادئ الحرية، فانشقوا عن الكنيسة الكاثوليكية لتأسيس مذهبهم الإصلاحي متبنين بعض الأفكار الليبرالية مثل التخلص من طبقة الكهنوت الكنسية والإعلاء من قيمة الفرد الذي أصبح بإمكانه التعبد بدون واسطة رجال الكنيسة ممن اعتادوا منح صكوك الغفران للتائبين.

جون ملتون

وفي منتصف القرن السابع عشر، وضع الشاعر البريطاني جون ملتون رسالة تعد من أوائل الكتابات التي دافعت عن حرية التعبير والصحافة وحملت اسم “أريوباجيتكيا”، واستند في كتابتها إلى المنظور البروتستانتي التطهري، حيث يريد الرب أن تكون للناس صحافة حرة ليتمكنوا عبرها من الاطلاع على الحقيقة. وكان ملتون ليبراليا معتدلا حيث اكتفى بالدعوة إلى التحرر من سلطة الحكومة وطالب بتقييد النقد الموجه للمقدسات الدينية، لكن الجيل التالي من الليبراليين أخذ يطالب بالتحرر من كل القيود ومناقشة كل المسائل مهما كانت حساسة، كما رأى أن يخضع كل شيء للنقد سواء كان نظام الحكم أو العقيدة الدينية. وبهذا تجاوز الليبراليون مفهوم ملتون للحقيقة التي كان يختصرها في إرادة الرب لتصبح الحقيقة نسبية.

تطور الأمر لاحقا على يد جون ستيوارت ملْ الذي يعد من مؤسسي مدرسة النفعية، وهي مدرسة فكرية تحدد القيمة الأخلاقية للفعل بمقدار إسهامه في النفع الشخصي أو العام، وبما أن ملْ كان من رواد الليبرالية أيضا فقد طرح مفهومه لحرية التعبير من منطلق المنفعة، حيث رأى أن الأصل في حرية التعبير هي كونها أمرا نافعا للمجتمع الإنساني مما يستلزم الدفاع عنها.

ويقدم الليبراليون حججا عقلية لدعم موقفهم المؤيد لحرية الفكر والتعبير، وأولها أن الإنسان ليس معصوما عن الخطأ، فليس لأحد الحق في ادعاء صواب موقفه دون تمحيص وعرض على الآراء الأخرى، كما لا يمكن التحقق من صحة أي رأي فردي طالما ظل مقتصرا على صاحبه، فقد يكون الحق مع شخص واحد فقط وسيكون من المفيد للمجتمع أن يُعرض هذا الرأي ويُعلن في الصحافة والبرلمان ليُستفاد منه.

وترتبط حرية الرأي والفكر والتعبير في الليبرالية بقاعدة أساسية هي نسبية الحقيقة، حيث تُنزع القداسة عن كل رأي أو مذهب وتوضع كل القناعات والعقائد والآراء على طاولة النقد بالتساوي. وقد يكون هذا المنهج النقدي سليما ومنطقيا عندما يكون منطلَقا للبحث عن صحة أي دين أو رأي، بحيث يصل الباحث في مرحلة تالية إلى الحقيقة ويتمسك بها، لكن الليبراليين يصرون على أنه لا يمكن الوصول للحقيقة أصلا، وعلى أن كل الآراء والعقائد المطروحة ستظل نسبية وقابلة للصواب والخطأ، وهذا أمر غير منطقي ويتنافى مع الواقع، فهناك حقائق في هذا الكون لا يمكن نفيها، وأولها وأبسطها وأكثرها بداهة هو وجود الإنسان نفسه، كما أن الافتراض المسبق بأن التوصل للحقيقة سيؤدي للتعصب ولاضطهاد الآخرين والتحقير من شأن معتقداتهم هو افتراض غير واقعي، وحتى في حال صحته فهو ليس مبررا لنفي إمكان التوصل للحقيقة، ويؤكد خصوم الليبرالية أن هذا المبدأ الليبرالي ليس سوى ردة فعل على التعصب الكنسي الذي كان سائدا في القرون الوسطى، ثم أصبح ردة فعل أقوى على الحماس الأعمى الذي تبناه البروتستانت أيضا.

أصبحت فلورنسا الإيطالية معقل الليبرالية في عصر النهضة فور وصول عائلة مديتشي للحكم واحتوائها للجمعيات السرية

الليبرالية والماسونية
تعد المطالب الليبرالية من الأفكار الأثيرة لدى الماسونية، حيث تجهر الماسونية منذ انطلاق عملها المنظم في القرون الثلاثة الأخيرة بإشاعة حرية التعبير وعلمنة التشريعات ومساواة الأديان من منظور دنيوي، وقد كان الكثير من رواد الفكر الليبرالي أعضاء في المحافل الماسونية.

شعار محفل الشرق الفرنسي الأعظم

وعلى سبيل المثال، كان فولتير عضوا في منظمة النور البافارية (الإليوميناتي) التابعة للماسونية، وعضوا في محفل الأخوات التسع في باريس، ومن أشهر أقواله التي تعد شعارا لليبراليين “قد أختلف معك في الرأي إلا أني على استعداد للموت دفاعا عن حقك في أن تعبر عن رأيك”.

ويجد الباحثون تقاطعا كبيرا بين المبادئ الماسونية والأفكار التي بثها رواد الليبرالية، ففي المؤتمر الماسوني العالمي الذي انعقد في نابولي الإيطالية عام 1869 تم الإعلان عن مجموعة من المبادئ وأهمها “حرية العقل ضد السلطة الدينية واستقلال الإنسان ضد الكنيسة والدولة” إضافة إلى “ضرورة محو الأديان وكل سلطة دينية” [State Secrets: A Documentation of the Secret Revolutionary Mainspring Governing Anglo-American Politics, Léon de Poncins, 1972].

أما نشرة الشرق الأعظم الفرنسي الصادرة عام 1923 فنصت على أنه ينبغي ألا يتردد الماسون في شن حرب على جميع الأديان، وأن سلاحهم في ذلك “فكرة حرية العقيدة”، ونجد هذا الهدف مجسدا في شعار نوادي الروتاري المنبثقة عن الماسونية “الأديان تفرقنا والروتاري يوحدنا”، كما نجده في إحدى الدوريات الصادرة عن محفل هولندا الأعظم عام 1823 حيث نصت على أن الماسونية تسعى “لعبادة الإنسانية” بحيث يصبح “كل إنسان إله نفسه”، مشيرة إلى أن تسويق هذا الهدف سيتم تحت شعار توحيد البشر وضمهم في عائلة واحدة.

الحرية والإخاء والمساواة على عملة فرنسية من عام 1851

وإذا كانت الثورة الفرنسية التي انطلقت عام 1789 قد رفعت شعارات ليبرالية تتلخص في الحرية والإخاء والمساواة، فقد أقر الماسون في مواقف ووثائق كثيرة أن هذه الشعارات كانت من وضعهم، ففي مؤتمر الشرق الأعظم الفرنسي الذي انعقد سنة 1904 قال الماسوني بونيه إن الكتّاب والفلاسفة الذين كتبوا موسوعة “الإنسكلوبيديا” الفرنسية في القرن الثامن عشر كان يؤلفون هذا العمل الضخم في المحافل الماسونية مستلهمين شعارها الذي لم يكن معروفاً عند عموم الناس آنذاك وهو الحرية والإخاء والمساواة، ثم أثنى على كل من دالامبير وديدرو وهلفتيوس وفولتير وكوندروسيه ودولباخ، باعتبارهم من الماسون العظام الذين وضعوا أسس المعرفة الجديدة لعصر التنوير في تلك الموسوعة، ومازال مثقفو العالم الليبراليون ينظرون إليها بصفتها منارة للتنوير العالمي دون التفات لأصلها الماسوني [اليهود والماسون في الثورات والدساتير، بهاء الأمير، 58].

نجحت الماسونية عقب الثورة الفرنسية في التدخل بصياغة التشريعات والقوانين والدساتير في الدول الغربية بما يحقق مصالحها تحت مسمى الليبرالية، ففي محفل اتحاد الشعوب خطب الماسوني الفرنسي بيبر دوفاي عام 1891 بين زملائه قائلا “أؤكد لكم أن القوانين التي شرعت وأقرت منذ عشرين سنة، وأيضا تلك التي ستشرع وتقر قريباً في مجلس الدولة، كلها قد تمت صياغتها وإقرارها مسبقا في محافلنا، كقوانين الزواج والطلاق، والقوانين الخاصة بعلمنة التعليم، وقوانين فصل الكنيسة عن الدولة”، وقد أقر النائب الماسوني لافار بذلك في خطبة له داخل البرلمان الفرنسي عام 1904، حيث قال “إننا نفاخر بينكم بالقول إن كل القوانين الاجتماعية والاقتصادية، بل وكل القوانين السياسية التي ازدانت بها الجمهورية قد سبقت دراستها دراسة وافية في المحافل الماسونية” [اليهود والماسون في الثورات والدساتير، بهاء الأمير، 66].

الليبرالية في العالم الإسلامي
تسللت الأفكار الليبرالية إلى العالم الإسلامي من خلال الجمعيات الماسونية والإرساليات التبشيرية في أواخر العصر العثماني، وذلك بالتزامن مع ضغط الدول الأوروبية، وكان الحكم العثماني يعاني آنذاك من عوامل التخلف بسبب الفساد الاقتصادي والإداري وعقلية الخمول المنسوبة للتصوف والإرجاء، فاستورد الإصلاحيون الليبرالية من باب الإصلاح والإنقاذ، وكان على رأسهم الكاتبان ضياء باشا ونامق كمال اللذان حاولا في منتصف القرن التاسع عشر إيجاد الروابط بين الفكر الليبرالي والإسلام.

الطهطاوي

وفي العالم العربي، تأثر المصري الأزهري رفاعة الطهطاوي بالفكر الليبرالي أثناء رحلته إلى باريس عام 1826، فترجم أعمال المفكرين الليبراليين وساهم في نشرها بين العرب، ثم سطع نجم مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده الذي ساهم في تحديث التعليم الأزهري، كما ينسب إليه تلاميذه إبداع مدرسة تجديدية في الفقه الحنفي والعقيدة الأشعرية، بينما يراه خصومه من رواد التغيير نحو الليبرالية في مطلع القرن العشرين، ويستشهدون بالدعم الذي لقيه من الحاكم الإنجليزي لمصر كرومر.

وشهدت تلك المرحلة تأسيس الكثير من الجمعيات والأحزاب الليبرالية على يد أتباع الأقليات الدينية من اليهود والمسيحيين والنصيريين (العلويين) والإسماعيليين، ومن أهمها جمعية الاتحاد والترقي التي يُنسب تأسيسها ليهود الدونمة الأتراك في سلانيك, كما ساهمت المحافل الماسونية في دعمها بشدة، وكان لها دور جوهري لاحقا في إسقاط الخلافة.

شعار حزب الوفد يجمع الهلال والصليب

وفي مصر، تأسس حزب الوفد عام 1918 على يد سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي وأحمد لطفي السيد، حيث سعى مؤسسوه لإعلان استقلال مصر عن الاحتلال البريطاني وتأسيس دولة ديمقراطية حديثة. أما في سورية فتعود جذور التيار الليبرالي إلى فجر الاستقلال، وكما هو الحال في مصر فإن رواده هم طلائع البورجوازية المتنفذة والطبقة المثقفة التي تلقت تعليمها على يد الغرب والكثير من أبناء الأقليات الدينية، وقد تلقى هذا التيار ضربات موجعة منذ أواخر الخمسينيات عندما اشترط جمال عبد الناصر حل الأحزاب السياسية للانضواء تحت حكومة الوحدة بصيغتها الاشتراكية.

وفي منطقة المغرب العربي، كانت تونس تشهد مخاضا فكريا منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث سار خير الدين التونسي على النهج التوفيقي للطهطاوي باحثا عن جذور الليبرالية في الإسلام، وفي عام 1934 رفع الحبيب بورقيبة شعارات ليبرالية عند تأسيس الحزب الحر الدستوري الذي تولى مهمة تأسيس الدولة المستقلة مع جلاء المستعمر، لكنه لم يلبث أن تخلى عن شعارات الحرية والديمقراطية باستيلائه على السلطة واكتفى بتطبيق العلمانية بالقوة.

وخلال النصف الثاني من القرن العشرين، انتشرت الليبرالية بسرعة في معظم الدول العربية، وظهر دورها في الإعلام والجمعيات والأحزاب السياسية بالرغم من منافسة التيارات القومية اليسارية ومن الرفض الذي أبداه علماء الدين، وقد ظلت معظم هذه الأفكار مقتصرة على الجانب العلماني، مع بعض التأثير على الجانب الاقتصادي، دون أن تؤثر كثيرا على  الجوانب السياسية ومجال حرية التعبير والإعلام. وقد أدى انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي في مطلع التسعينيات إلى تزايد النفوذ الليبرالي في العالم العربي، وإلى درجة انقلاب الكثير من اليساريين إلى المدرسة الليبرالية.

وفي الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، تسببت هجمات نيويورك وما تلاها من أحداث في ارتفاع أصوات الليبراليين بقوة في المملكة العربية السعودية للمطالبة بإصلاحات سياسية وثقافية ودينية كعلاج للتطرف، ثم أعلن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش عام 2004 عن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يشمل المنطقة العربية مع دول إقليمية أخرى بما فيها الكيان الصهيوني، وتُرفع من خلاله الشعارات الليبرالية المعروفة كإطار إصلاحي ضروري لإخراج المنطقة من أزماتها الخانقة، وهو مشروع لقي رفضا واسعا من قبل الكثير من المثقفين العرب، بينما أيده الليبراليون الجدد في وسائل الإعلام التي تخضع لنفوذهم.

وقد حظيت الليبرالية بدفعة أخرى مع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، حيث رفع الكثير من الشباب الناشطين شعارات التحرر والديمقراطية وحرية التعبير، ومع أنها تواجه تحديات من قبل خصومها الإسلاميين واليساريين، إلا أنها لم تعد حبيسة أوساط النخب المثقفة بل أصبحت شعاراتها متداولة على ألسنة الكثير من الشباب، وهي تتغلغل عبر أفكار بعض خصومها التقليديين أنفسهم الذين يعملون على إعادة صياغتها ومراجعتها، حيث يتزايد الحديث عن تيار “الإسلام الليبرالي”، وعن يسار جديد يخلط الاشتراكية بحرية السوق وينادي بالمزيد من حرية التعبير.

موقف الإسلام من الليبرالية
كما هو الحال مع تيارات فكرية أخرى، حاول الكثير من الإسلاميين في العصر الحديث البحث عن نقاط مشتركة بين الليبرالية والإسلام، فكانت البداية كما أسلفنا مع ضياء باشا ونامق كمال، وتبلورت أكثر مع رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، ثم تواصلت هذه الجهود إلى أن برز تيار إسلامي يُسمى بالإسلام الليبرالي، وهو ليس تيارا جديدا في الإسلام أو خارجا عنه، بل يسعى رواده لمحاولة التوفيق بين مبادئ الليبرالية وما جاء في الوحي، حتى لو اضطروا في سبيل ذلك إلى الأخذ بالآراء المرجوحة والنصوص الضعيفة، ويجدون في هذه العملية طريقا لتقريب الإسلام إلى ثقافة العصر.

وعلى سبيل المثال، يشدد هؤلاء الباحثون على ما أقره القرآن الكريم من حرية الاعتقاد في قوله {لا إكراه في الدين} و{من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، كما يؤكدون على ما تضمنه الإسلام من احترام عقائد الآخرين عندما أوصى القرآن النبي صلى الله عليه وسلم بالرد على خصومه بقوله {لكم دينكم ولي دين}.

ويشيرون أيضا إلى قيمة العقل في الإسلام، وإلى حث القرآن على نبذ التقليد والتبعية للآخرين، كما يستشهدون بالآيات القرآنية التي تنفي الكهنوت عن الإسلام وتجعل الإيمان قرارا فرديا محضا، ليؤكدوا بذلك على أن “الحرية الفردية” التي تقوم عليها الليبرالية كلها ليست سوى إحدى أهم مبادئ الإسلام، بل يستنتج بعضهم أن الليبرالية ليست إلا وسيلة لتحقيق إحدى غايات الإسلام المتمثلة في محاربة التسلط الكهنوتي على فردية الإنسان وعقله وإرادته.

في المقابل، يرى فريق من العلماء المسلمين أنه لا يمكن الجمع بين الإسلام والليبرالية، كما يؤكد بعضهم أن تبني الليبرالية على الطريقة الغربية كفر مُخرج عن الملة، وذلك بناء على الأدلة الآتية:

1- أن الليبرالية تقوم الاستحلال، أي الاعتقاد بإباحة المحرمات، مثل القول بأن ممارسة الجنس خارج إطار الزواج لا يعدو كونه حرية شخصية، وكذلك العلاقات المثلية بين الشواذ والسحاقيات، فالاعتقاد بإباحة هذه المحرمات يتناقض مع الإسلام حتى دون ممارستها، وحتى لو كان الذي يعتقد بإباحتها يمارس كل أركان الإسلام دون تقصير، حيث أجمع العلماء على أن المستحل لما حرمه الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة ومتواتر هو كافر وخارج عن الإسلام.

2- أن الليبرالية تشترط نفي الحقيقة وتمييعها بذريعة نبذ التعصب والمساواة بين جميع المعتقدات، وهذا موقف مسبق وغير عادل، وهو مغالطة منطقية تسمى “الاحتكام إلى النتيجة” [انظر المغالطات المنطقية]، كما أن الشك بالحقائق الكبرى التي تشكل أركان الإيمان يُخرج الإنسان عن دين الإسلام حتى لو كان ممارسا لشعائره، حيث يقول القرآن في سورة الحجرات {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا}.

3- أن الليبرالية تتناقض مع العبودية لله والاستسلام له، فهي تفترض مسبقا التجرد عن التبعية لأي مصدر تشريعي أو عقائدي (أيديولوجي)، وترفع من قيمة الحرية الفردية والعقل والحكم الديمقراطي إلى درجة تأليه الإنسان وتقديس القانون البشري، وعليه فإن الأنظمة الليبرالية لا تحكم بالشريعة ولا تقيم حدودها، بينما ينص القرآن الكريم على وجوب تحكيم الشريعة في عدة آيات، ومنها: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [انظر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، عبد الرحيم بن صمايل السلمي].


أهم المراجع
عن الحرية، جون ستيوارت ملْ، ترجمة عبد الله أمين غيث، المكتبة الأهلية، عمان، 2012.

أسس اللبرالية السياسية، جون ستيوارت ملْ، ترجمة وتحقيق إمام عبد الفتاح إمام وميشيل متياس، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996.

تطور الفكر السياسي، جورج سباين، ترجمة راشد البراوي، دار المعارف، القاهرة، 1971.

حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، عبد الرحيم بن صمايل السلمي، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، جدة، 2010.

اليهود والماسون في الثورات والدساتير، بهاء الأمير، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2012.

الليبرالية المتوحشة: ملاحظات حول التوجهات الجديدة للرأسمالية المعاصرة، رمزي زكي، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1993.

Guide to Classical Liberal Scholarship, http://mason.gmu.edu.