مقالات

أحداث خيالية في المستقبل القريب

المشهد الأول

جلس حسن في صالة منزله وهو يحل ربطة عنقه السوداء بعد عودته من دفن والده الحاج تامر. ضم يديه تحت ذقنه وهو ينظر للأرض غير مصدق أنه قد فقد أباه ولم يعد له وجود في حياته. أخذ نفَسًا عميقًا وعاد ليفرد راحتيه مخفيًا وجهه خلفهما وهو يزفر كما لو أنه يلفظ جاثومًا على صدره.

– هوّن عليك يا حبيبي.

رفع حسن رأسه ليجد زوجته نانسي تقف أمامه وتطالعه برأفة، فوقف على قدميه وعانقها قائلًا بصوت منكسر:

– لقد رحل ولم يتسنّ لي أن أودّعه.

تنحنحت نانسي مع ابتسامة متردّدة:

– إن أردت يمكنك أن تستخدم أليكسا.

عقد حسن حاجبيه ونظر مباشرة لعينيها:

– تعلمين أنني لا أحب المشاعر الكاذبة أليكسا فقط لإدارة شؤون المنزل والإنترنت، وليس لإدارة شؤون حياتي الشخصية.

لوّحت نانسي بيدها وقالت:

– لولا أليكسا لما استطعتُ تجاوز وفاة أمي، أتعلم.. ما زلت ألجأ إليها من وقت لآخر. حقيقة أشعر أنني فعلت الصواب عندما أقنعت أمي بإعطاء أمازون تصريحًا لتكوين شخصيتها الرقمية.

هز حسن رأسه قائلا:

– أنت حرة في حياتك ومشاعرك.

عقّبت نانسي سائلة:

– وماذا عن حياة ابننا تامر الصغير؟

ضغط حسن على أسنانه ويقول:

– لولا تامر الصغير لما وافق أبي أبدًا على تكوين شخصيته الرقمية. ألست أنت من لمّح له أن حفيده يفتقده دائمًا في رحلات الصيد ويريد أن يسمع قصصه كل يوم؟

أجابته نانسي وهي تهز كتفيها:

– حسنًا، يجب أن نعتبر أنفسنا محظوظين أنه قد فعل، أليس كذلك؟

أراد حسن أن يقول شيئا، لكن تامر الصغير دخل مسرعا للصالة قائلًا لأمه:

– ماما… ماما… لقد كنت مؤدّبًا خلال الدفن.. هل يمكن أن يحكي لي جدو تامر حكاية؟

ابتسمت نانسي لابنها وهي تنظر خلسة لأبيه قائلة:

– ليس الآن يا تيمو، ربما بعد العشاء.

علا صوت تامر الصغير:

– أرجوك ماما.. حكاية واحدة فقط أرجوك!

نظرت نانسي لزوجها حسن وكأنها تطلب موافقته، فأشاح بوجهه وأشار بيده أن دعيه يفعل، فهزت برأسها لتامر الصغير الذي صاح فرِحًا:

– هييه!

قفز تامر الصغير على الأريكة بجوار أليكسا -أحدث نسخة من أمازون-، وأمرها:

– أليكسا! تجسيد الحاج تامر!

صدر صوت من الجهاز:

– حسنًا، تجسيد الحاج تامر، هل أستخدم العمر الافتراضي ذي الستين عامًا؟

أجاب تامر الصغير:

– نعم.

على الفور خفت الإنارة في الصالة قليلًا، ثم انبثقت أطياف من زوايا محددة في الغرفة لتتقاطع على الأريكة المقابلة لتامر الصغير فتكونت صورة ثلاثية الأبعاد (هولوغرام) للحاج تامر وهو يرتدي ملابس الصيادين رابطًا شعره الأبيض الضعيف على طريقة لاعبه المفضل قديمًا جاريث بيل. ابتسمت الصورة الافتراضية للطفل فصاح مجدّدًا:

– جدو تامر!

صدر صوت مشابه لصوت الجد الميت:

– آه حفيدي تيمو، كيف حالك يا ولد؟

تامر الصغير:

– بخير بخير.. هل ستحكي لي حكاية؟

صدرت ضحكة مشابهة لضحكة المرحوم مع سعال خفيف خفق لها قلب حسن وتحركت الصورة وكأنها حية، متقمصة تفاصيل شخصية الحاج تامر، وأسلوبه في الكلام وحتى طبائعه وتعابير وجهه. رفع الجد يده موجها إصبعه للصغير:

– قبل أن أفعل، هل أكلت عشاءك كله؟

تامر الصغير:

– نعم نعم… احكِ لي حكاية سمكة التونة العنيدة مرة أخرى.

صورة الجد:

– أوه، تلك السمكة، كانت أفضل صيد لي بالرغم من كل شيء.

وأخذت أليكسا تسرد الحكاية بصوت وصورة الجد، مستخدمة الذكاء الاصطناعي في تحليل أسئلة تامر الصغير والإجابة عليها بما يتوافق مع شخصية الجد الراحل. أما حسن فقد أخذ يراقب ابنه وهو في قمة التفاعل والسعادة مع صورة الهولوغرام، فتارة يصفق بيده وتارة يفتح فمه منبهرًا ببطولة جده. أخذ حسن يهز رأسه ببطء وكأنه يرى خطبًا عظيمًا. اقتربت نانسي منه وهمست:

– ما خطبك؟

أجابها حسن:

– ألا ترين كيف أنهُ سعيد في حين أن جده قد فارق الحياة ودفن قبل قليل، أليس من المفترض في الارتباط العاطفي أن يكون متعلّقًا بأشخاص حقيقيين؟

صمتت نانسي قليلًا وقالت ببرود:

– حسنًا، لكن على الأقل هو سعيد الآن، هل ستكون سعيدًا إن رأيته حزينًا؟

رفع حسن أحد حاجبيه ومط شفتيه قبل أن يقول:

– أتعلمين، تامر الصغير لا يشبهك فقط بالشكل، بل أيضا بطريقة التفكير!

قطّبت نانسي حاجبيها وقالت:

– وأنت لا تشبه والدك فقط بالشكل، بل بطريقة التفكير أيضًا!

قام حسن من مقعده غاضبًا، فسألته نانسي:

– إلى أين؟

أجابها:

– لدي عمل في مكتبي، لا أريد أن يزعجني أحد.

نادته نانسي وهو يبتعد:

– ماذا عن العشاء؟

سمعت صوته وهو يصعد الدرج للدور الأعلى:

– لا رغبة لي في الأكل

بعد ساعات قليلة في المكتب – المشهد الثاني

كان حسن منشغلًا في عمله متناسيًا وفاة والده حين دخل عليه تامر الصغير محتضنًا دمية محشوة. تنبّه حسن لوقوف ابنه عند الباب وقال في نفسه (ليس الآن، هل هو كثير أن يطلب ألّا يزعجه أحد!). أراد أن يتجاهله محاولًا التركيز فقط على إنجاز ما طلبه مديره لكنه نظر إليه على أية حال وسأله:

– ماذا يا تامر، أليس من المفترض أن تكون في سريرك؟

تردّد تامر فقال:

– لا أستطيع النوم.. هل تحكي لي حكاية يا بابا؟

نزع حسن نظارة القراءة وفرك عينه قبل أن يقول:

– ألم تشبع من الحكايات؟ يا ولدي أنت في العاشرة من عمرك، عليك أن تفهم أن في الحياة مسؤوليات كثيرة وكبيرة.

قال تامر:

– إذًا هل تحدثني عن هذه المسؤوليات؟ لربما أستطيع النوم بعدها.

عاد حسن لفرك جبينه هذه المرة، فقد بدأ الصداع يصل لرأسه ثم قال:

– ليس الآن يا تامر، أنا مشغول جدًّا. اذهب لسريرك وحاول النوم مجددًا.

طأطأ تامر رأسه وخرج من غرفة المكتب بينما غمغم حسن مستهزئًا:

– لا أعلم حقا كيف سيتحمّل هذا الجيل أي مسؤولية، هه.. يظن أنه سيشعر بالنعاس عندما يستحضر المسؤوليات!. لو سمع جدك…

عادت صورة الحاج تامر لذهن حسن فسكت وسرح في مخيلته لتعود ذكرياته وهو صغير، وكيف كان والده قاسيًا معه. الحقيقة أنه لم يكن يقدر هذه القسوة إلا عندما أصبح شابًّا ناضجًا، وبالرغم من أنه كان يشعر بالفجوة بينه وبين والده، إلا أنه كان يكن له احترامًا عميقًا. فقد علمه ألا يحيد عن مبادئه كمركب الصيد، طالما كان في البحر فهو سيد نفسه يذهب أين يشاء، لكن بمجرد أن يحيد عن البحر للبر، تتعطل دفته ويصبح عرضة للقطر بعربة دون إرادته. علمه أيضا الثبات على أهدافه بصبر وعزم مثلما كان يصيد السمك الكبير. كثيرة هي الأشياء التي تعلمها من والده بالرغم من أنه لا يحب صيد السمك. لماذا لا يستطيع تامر الصغير أن يستفيد منه كما كان يستفيد من والده؟ لماذا تعلق بجده وحكاياته؟ هل تغير والده عندما كبر؟ هل سيتغير تامر الصغير مستقبلًا؟

كثرت الأسئلة في رأس حسن وتذكر عمله ثم بدأ يزيد الصداع. مد يده لدرج المكتب باحثًا عن بعض حبّ مسكّن للألم، فسمع صوت حركة خفيفة قادم من الدور السفلي. قام حسن من مقعده على الفور ونزل ببطءٍ فلمح تامر الصغير يدلف لغرفة الصالة. اقترب حسن بهدوء من الصالة فسمع تامر الصغير:

– أليكسا، تجسيد الحاج تامر.

– حسنًا تجسيد الحاج تامر، هل أستخدم العمر الافتراضي ذي الستين عامًا؟

– لا بل ثلاثون عامًا.

– حسنًا، تجسيد الحاج تامر في الثلاثين من عمره.

تكونت صورة أخرى طيفية ثلاثية الأبعاد للحاج تامر لكن هذه المرة وهو يشبه إلى حد كبير ابنه حسن في عمره الحالي.

– آه تيمو البطل، كيف حالك يا ولد؟

– لماذا يا بابا لا تحبني؟

– كيف تقول ذلك، أنا أحبك.

– لا أنت لا تحبني كما تحبني ماما.

– كيف تحبك ماما إذًا؟

– ماما تسمح لي أن أتكلّم مع أليكسا.. وتحضّر لي العشاء.. وتسألني عن مدرستي.

– إذًا كيف هي مدرستك؟

– لا تعجبني كثيرًا.. لكن..

– هل هناك شخص ما يعجبك في المدرسة؟

– إممم.. لا.. نعم.. لا يهم

– لكنه يهمني، أنا أبوك وأحبّك مثل ماما.. ألا نتحدث كل ليلة؟ هيا.. هل هي صديقة أم صديق؟

– حسنًا.. ربما هناك صديق يعجبني لكن لا أعلم.. سمعت بابا يلعن هذا النوع من العلاقات الحميميّة.

– أوه لا.. اسمعني جيدًا يا تامر.. الحب لا يفرّق بين…

اختفت الصورة الطيفية فجأة واشتدت الإضاءة لتظهر والد تامر الحقيقي خلف الأريكة واقفًا شاحب الوجه متسع العينين وممسكًا بسلك أليكسا بعد أن نزعه من القابس الكهربائي.

 

 

تجربة مع الموت: وصايا وعبر (4)

ما مررت به من تجربة مرضية خلال الأيام الأولى[1] وما تضمّنته من اختلاط المشاعر، وتزاحم الخواطر، حيث تمنيت لو أستطيع أن أمسك بكل شعور أو خاطرة وأدوّنها، إلا أنّ شعوري الأساسي الذي تمسّكتُ به وتحدثت عنه كثيرًا هو الشعور بقوة السند الذي آوي إليه، قوة الله عز وجلّ، فقد آويت “إلى ركن شديد”، حتى صرت أنظر إلى الدنيا من قمة عالية، وأشعر بتفاهة ما فيها من لذّات ومتاعٍ زائل، كما جَسَّدَها الباري عز وجل بقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:20] ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد:26]، ﴿وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:35] ولم تَعد الكلمات تفي وصف بؤس وفقر هذه الحياة الدنيا، خاصة إن انطلق الإنسان من شعوره تخيلوا هذا بالنظر باستخفاف إلى كل ما حوله وكأنه في قمة السماء.

إنّ العبد الذي يلوذ بجناب الله عز وجل يأوي إلى ركن عظيم ذي مَنَعة وعزة وغنىً مطلق، وبذلك فإنه يصبح عبداً ربانياً ﴿وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:79] فإن مات أو عاش، أو شُفي أو مرض، فإنما هو في قبضة الله عز وجل ومُلْكه، بين يدي عظمته وجبروته، لم يبق ثمة دنيا وآخرة، وموت وحياة، بقي الله عز وجل وحده ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:27]، وعبده المدلل المستكين بين يديه، المستسلم لأمره، المستميت أمام عظمته، يبدو كالطفل الضائع الهائم الذي وجد حضن أمه.

الإلحاد وسؤال الموت
حين كان يأتيني الشعور بحال العبد المؤمن بالله عز جل في تلك اللحظات، كنت أتسائل بحال الملحد، ما هو حاله ولمن يلجأ ويلوذ؟ وبمن يستجير في هذه اللحظات الصعبة؟

لا يستطيع الإنسان أن يتكبر ويتنكر في هذه اللحظات، مهما كان متجبراً ومتكبراً، لا بد أن تستيقظ في داخله عبوديتُه شاء أم أبى؟ اختيارا أو اضطرارا، لا بد أن يستيقظ ضعفُه، وتستيقظ هويتُه اليائسة، وتصحو طبيعته البائسة الحزينة، ربما يستطيع أن يستمر في التجاهل والنكران، ولكن إلى متى؟  لن يستطيع الاستمرار، لا بد أن تدمعَ عيناه، وتخورَ قِواه، ويستسلمَ لضعفه، ويبدأ بالبحث عن الملجأ والملاذ، كما قال الله عز وجل: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: 22]

إلى من تلجأ في مثل هذه اللحظات حين يحيط بك الموت أخي الملحد؟

في الإجابة عن هذا السؤال لا بد من التنبيه إلى أن الملاحدة نوعان، نوع متكبرٌ، متجبرٌ متعالٍ على قضية وجود الإله، ومتعالٍ على الحقيقة، فلا يبحث عنها ولا يهتمّ لها أصلًا، بل وضعَ بينه وبين الحقيقة سدًّا من الكبر والطغيان، فنرى بعضهم -لشدة طغيانه- يطلب من الله عز وجل أن يَرميَ به جهنم، وأنه لا يريد معرفة الحقيقة ولا تهمُّه .

ونحن إذا نظرنا في القرآن الكريم سنجد أن هذا النوع من الملاحدة والكفرة المتكبرين هم الذين يُبكِّتهم القرآن ويتوعّدهم، ويتهدّدهم بالعذاب، ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:146] وأنه سبحانه تَوعَّدَهم بالإضلال والخذلان، لأنهم يرفضون البحث عن الحقيقة والقبول بها من حيث المبدأ.

أما النوع الثاني من الملحدين فهم الملاحدة المتواضعون الباحثون عن الحقيقة، الذين يبحثون عن أجوبة شكوكهم واسئلتهم بكل صدق، فتراهم يبحثون عن الله بكل تواضع دون أن تحجزهم الأهواء والمصالح والشهوات، وهؤلاء غالبًا ما يصلون إلى الإيمان بالله عز وجل، وغالباً تنتهي حياتهم بالهداية، وعلى كل الأحوال حتى لو ماتوا وهم يبحثون عن الحقيقة بصدق فإن نرجو من الله عز وجل أن يرحمهم وأن لا يُعذبهم، فَنَكِلُ أمرهم إلى الله عز جل فإنه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:23].

هذا النوع من الملحدين هم إخواننا في الإنسانية نرجو لهم الهداية والرشاد، ونرجو من الله عز وجل أن يهديهم، ولو في آخر لحظة من حياتهم، وأن يتوبَ عليهم، ويدخلهم الجنة، فهذا يَسرُّ كل مؤمن، ولا يضيّق علينا في جنة عرضها السماوات والأرض.

لهؤلاء أتوجّه: في لحظات الموت الأخيرة التي لا يبقى فيها إلا الإنسان وهو يواجه مصيره الحتمي والنهائي، ماذا تنتظرون؟ إلى من تلجؤون؟ بمن تستجيرون؟ كل الذين كانوا يحبونكم ويحترمونكم سيقفون بعيداً عنكم، سيقولون: لروحه السلام، أو لروحه الخلود أو غير ذلك ثم ينسونكم؟!

كل الذين أشادوا بكم وبإلحادكم، وأجزلوا لكم الوصاف كلقب المفكر الكبير، والفيلسوف العظيم، والشجاع المتمرّد ضد المعتقدات البالية، أين هم الآن؟

كل هؤلاء انتهى دورهم، وأصبحتم وحدَكم في مواجهة الحقيقة، فماذا أنتم قائلون؟

إن حقيقة الموت تتسامى على كل حقائق الحياة الماديّة، وفي خوضها لا تنفع المكابرة والمغامرة، إذ إن سلطان الموت طائل كل مخلوقات الدنيا، فلا مفر منه. 

ليس العدم هو المصير، فهو نقصٌ لا يليق بمبدأ وجود الإنسان، ولا بعدل الله، وما حبانا الله عز وجل به من نعم ودلائل وبراهين، فكيف يليق العدم إذا ما انتقل العقل إلى رحابةٍ أوسع من التفكير بالكون وعظمته وتاريخه وما يحمله من دلائل وعبر وعقل وعظمة ؟!

العدل والحياة الدنيا
لم يَعِدِ اللهُ عز وجل الإنسانَ في نصوص وحيه بأن الدنيا ستكون دار العدل والخير المطلق، بل جعل ذلك للآخرة ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:39] ولمْ يَعِدْ ربنا سبحانه بأن الحياة الدنيا ستكون هي الحياة الحقيقية النهائية بل الآخرة  ﴿ وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:64] إذن فإن ربنا سبحانه وتعالى منسجم مع رسله وأنبيائه وتعاليمه التي أرسلها لكل رسله وأنبيائه بلا تفريق بينهم، على مدى كل الشعوب والأنبياء والأمم .

ومن ثمّ ندرك ههنا أهميّة وصف الدنيا بأنها دار ابتلاء واختبار وامتحان بكل ما يتضمنه ذلك من قسوة وصعوبة، إذ ربما لا تحتملها العقول والقلوب، أما الآخرة فهي دار الجزاء، دار الكمال والعدل والسعادة المطلقة.

فما يبحث عنه الملحدون ويطمحون إليه من القيم المطلقة كالعدل والسعادة هو عين ما يبحث عنه المؤمنون بالله، إلا أنّ يقيننا وإيماننا يخبرنا أن هذه الأمور سنراها في الدار الآخرة في ضيافة رب العالمين ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 54- 55] هناك القضاء العدل والسعادة الأبدية، والشعور بالرضا والطمأنينة:﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:75] وهناك الكثير من الأشياء التي لا نعلمها والتي لم تخطر لنا على بال ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:17] وفي الحديث الصحيح : ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر )) ([2])

أخي الباحث عن الحقيقة وإن كنت ملحدًا، حتى لا تبقى وحيداً فريداً في مواجهة سلطان الموت، تتلفّت باحثًا عن النجاة والمعنى، باحثاً عن نفسك وإنسانيتك التي أهملتَها وضيَّعتَها، لا تزال هناك فرصة أمامك، فالله عز وجل يريدك، ويمدُّ إليك الخير وحبله المتين لينتشلَك من وهدة الضياع والشرود والضلال، وما عليك إلا تتَمَسَّكْ به وستجد أنك أقوى، وأنك ذلك الإنسان العظيم الذي كان ضائعًا، وأنك وُلدتَ من جديد.

وأختم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ )) ([3])   لو يعلم الملحد كم في هذا الحديث من المعاني التي ترفع من شأنه، وتُعلي من إنسانيته، وتَشُدُّه إلى ربه، لذاب خجلاً من الله عز وجل، وعاد إليه باكياً نادماً جاثياً بين يديه، حاثياً التراب على رأسه .


الهوامش

[1] كتبت هذه الخاطرة في 6/12/2020 –  – الساعة التاسعة ليلا – الأحد. مشفى مدينة كلس التركية

([2]) صحيح البخاري (4/ 118)3244، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة .

([3]) صحيح مسلم (4/ 2104)7 – (2747) ، باب: في الحض على التوبة والفرح بها .

تجربة مع الموت: وصايا وعبر (3).. الغنى بالله عز وجل

هل مررتَ بتجربة ضياع العبارة والعجز أمام المشاعر التي تجتاح قلبك؟ وهل استشعرت يومًا حقيقة احتياجك لله وعجزك أمام ما تمرّ به من بلاء وصدق تضرعك لربك؟ وهل وقفتَ يومًا أمام جلال صفات الله عزّ وجلّ لتأخذ منها.

عجز اللغة أمام المشاعر:
مشاعر دفينة انتابتني أثناء لحظاتي الصعبة في الخوف الموت، وقد وقفت لغتي عاجزة جدًّا عن وصف ما أريد البوح به، ولعلي وجدت أن اللغة قد تُشوِّه المعاني التي أريد إيصالها للقارئ الكريم وتسيء إليها، ولكن لا بد من المحاولة.

لقد حاول بعض كبار العلماء من الصوفيّة أن يوصل مشاعره الجيّاشة مع الله عز وجل للناس، لكي يستفيدوا منها فلم يستطع، وعجزت اللغة عن ذلك، وأدّى ذلك إلى اتهام بعضهم بالضلال والزيغ، ومن ثمّ كان تخوَّف الإمام الغزالي رحمه تعالى من اللغة، وتردّد في التعبير عن تجربته الوجودية حتى لا تُفهم خطأً، وقرَّر أن يكتفي بالتصريح بما ينفع الناس ولا يختلفون حوله، ومع ذلك لم يسلم من ألسنة الناس وانتقاداتهم.

 يمرّ الإنسان في مثل هذه اللحظات بمشاعر متتابعة متناسخة ينسخ بعضها بعضًا بشكل هائل السرعة، يصبح فيها الإنسان عبارة عن كتلة من الخواطر والمشاعر، جيوشًا تتصارع في داخله، ويحاول كلٌّ منها أن يتغلب على الآخر، والموفَّق من يوفقه الله عز وجل لكي يحطَّ رحاله في أعتاب الله عز وجل، ويلقي أعباءه بين يديه، ويرتمي بين يديه لا يرتضي به بدلا.

ضرورة الاستسلام المطلق لله:
إن أهمّ شعور بدأ يسيطر عليَّ هو شعور الرضا بالله، والطمأنينة به، والغنى به عز وجل عمّا سواه، وشعرت آنذاك بأن المكتفي بالله لا يشعر بأحد بشرًا كان أو دنيا، ولا بألم أو بخوفٍ، لقد سيطر عليَّ حديث النبي ﷺ : ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عز وجل لك، وأن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عز وجل عليك ، رُفعت الأقلامُ وجفَّت الصحف )) ([1]) .

هذا الشعور بفضل الله عز وجل جعلني أشعر أن كل من حولي هم أدوات، وأن الأمر محسوم، فإن كتب الله عز وجل لي النجاة من الموت فلن يضيرني البشر كلهم، ولو اجتمعوا، وإن كان الله عز وجل كتب لي الموت فلن ينفعني أطباء الدنيا وأدويتهم ولو اجتمعوا .

هذا الشعورُ له علاقة بلبّ العبودية، فحين يكون الإنسان بين يدي ربه وفي قبضته، فإن شعوره الصادق بالانكسار له، نعمة عظيمة يجهلها الإنسان، إذ إن العبودية لله عز وجل شرفٌ وكرامةٌ ورفعةٌ وعظمةٌ.

أصبحتُ أُردِّدُ قول الإمام الشافعي في أعماق نفسي، وأترنم به في وسط الألم والشدة:

وَمِمَّا زادني شرفَاً وتِيْها                               وَكِدْتُ بأخمصي أَطأُ الثُّرَيَّا

دخولي تحت قولكَ ياعبادي                   وأَنْ صَيَّرْتَ أحمدَ لي نَبيَّا

شعوري وانفعالي بالعبودية لله عز وجل، والغنى به والاستكانة إليه، جعلني قوياً قوةً هائلةً بقدر شعوري بعظمة الله عز وجل وجبروته وكبريائه، وكلما تحققنا بعبوديتنا لله عز وجل كنا أقوى وأعظم، وكلما تشرَّبنا ذرات هذه العبودية كنا أعز وأقوى

الاستمداد من صفات الله عز وجل
أليس الله عز وجل عظيما عظمة لا حدود لها؟ أليس حين نكون عبيداً حقيقيين له نَستمدُّ عظمتنا منه عز وجل؟ فقس إذن أيها المؤمن أيها العبد نسبة عظمتك (الدنيوية) بعظمة الله جل وعلا.  أليس الله عز وجل عزيزًا عزة لا حدود لها؟ ونحن عبيد الله عز وجل نستمد عزتنا منه سبحانه وتعالى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [ المنافقون: 8 ]  فقس أيها المؤمن أيها العبد المؤمن نسبة عزتك (الدنيوية) على نسبة عزة الله اللامحدودة … حين ذاك ما مقدار عزتك وعظمتك؟!

وهكذا إلى كل الصفات التي نستمدها من الله عز وجل حين نكون عبيداً حقيقيين له، كم هي رائعة العبودية، كم تجعلنا عظماء بين البشر، وأقوياء بين البشر الضعفاء، وكاملًا بين البشر الناقصين، وغنياً بين الفقراء وإن كانوا ذوي مال ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15 ] إن عبودية الإنسان لله عز وجل كمالٌ على المستوى البشري والأرضي والدنيوي، ومن هنا جاء قوله سبحاني، فهو يُمجِّدُ عبوديتَه لله عز وجل، ويعتزُّ بها، ويفتخر بها، إنه تعبير مطلق عن الغنى بالله، والقوة بالله، والرضا بالله، والاعتزاز بالله جل وعلا. 

يكفي أن يفكر الإنسان قليلا في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [ سورة الملك: 1 -2 ] . هذه الآية التي يقرؤها الكثيرون منا ربما كل يوم، فالله عز وجل مالك الملك والملكوت، وبيده العظمة والجبروت، وبيده مقاليد السماوات والأرض، وبيده الموت والحياة، وبيده النفع والضر، وبيده الدواء والمرض، والشفاء، فما بالنا نلتفت إلى غيره، ونطلب من غيره، ونلجأ إلى غيره، وهو (بيده الملك ) ( وبيده الخير ) ( إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون ) فمن غفلتنا وجهلنا نلجأ إلى سوى الله عز وجل .

تخيلوا عبداً لملك من أعظم ملوك الدنيا، هذا العبد هو المـَدخل لهذا الملك، فما يقوله للملك ينفذه الملك، وهو الذي يُدبِّر للناس أمورَهم ويخدمهم، ويقضي شؤونهم وحوائجهم في كل شيء، كيف ستكون نظرة الناس إليه؟

سيكون شخصا عظيماً كبيراً عزيزا ًيتسابق الناس إلى طلب رضاه، والتقرب منه، والتزلُّف إليه، لكنه في النهاية عبدٌ لملك دنيوي يمكن أن يزول في أي لحظة، فما بالكم بعبد العظيم، عبد الجبار، عبد الحي القيوم، قيوم السماوات والأرض، جبار السماوات والأرض ؟!  وحين يكون العبد حقيقيّا لله، فإنه سكون سيَّداً مسوَّداً في الكون .

وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾  [ الإسراء: 70 ] هذا هو معنى التكريم الإلهي، و التفضيل الإلهي للإنسان، وكلما اقترب الإنسان من ربه كلما كان عظيماً في الدنيا، عظيماً في عبوديته،  وهذا هو معنى الخلافة ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [ البقرة: 30 ]  

خليفة لمن؟

تخيلوا ذلك جيدا بعمق قلوبكم، خليفة لله عز وجل، ولو ذهبنا نتأمّل في معنى الخلافة، وصلاحيات الخليفة، لضاق الحديث ودَقَّ إلى مضائق صعبة، قد يضل التعبير عنها ، وتعجز اللغة عن وصفها.

إن العبودية باختصار: الاستماتة بين يدي الله، والتفويض المطلق له، ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚإِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [ غافر: 44 ]، الاستكانة في أعتابه، والارتماء في أبوابه، ثم يتحول ذلك إلى: الغنى المطلق بالله عز وجل، والرضا بالله، والاعتزاز بالله  والقوة بالله، فيصبح العبد: بالله، وفي الله، ولله .

5/12/2020 .  – مشفى كلس .


[1] سنن الترمذي ت شاكر (4/ 667)2516 .

تجربة مع الموت: وصايا وعبر ( 2 )

تكلّمت في مقالي السابق عن حالتي الشعورية وأنا في لحظات من العمرِ ظننتُ أنها الأخيرة، وأنّي مقبلٌ فيها على الله عز وجل، وراحلٌ بين لحظة وأخرى عن هذه الحياة الدنيا.

نسيتُ السواك
في تلك اللحظات، كان هناك أمرٌ أخذتُ أبحث عنه، ووجدتني قد نسيتُه، بحثتُ عنه في جيوبي، وفي كل مكان حولي، ولم أجده، إنه السواك، كيف نسيت السواك؟ هل سأموت بدون سواك؟!

وأخذَت صورة النبي صلى الله عليه وسلم ترتسم أمامي في لحظاته الأخيرة، وهو يتأمل في أمّنا عائشة رضي الله، وهي تُمسكُ السواك فيشتاقُ إليه صلى الله عليه وسلم، وتقول: وكان يحبه: فَلَيَّنَتْه له رضي الله عنها بريقها، وأَعَطَتْه إياه، فاستاك به صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: الرفيق الأعلى، وعَبَّرَتْ أمّنا عائشة رضي الله عن سعادتها وسرورها عند ذلك بقولها: اجتمع ريقي وريقه صلى الله عليه وسلم عند الموت ([1]) .

نعم أخذتُ أبحث عن السواك لأودعَ هذه الحياة كما ودَّعَها نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا صلى الله عليه وسلم في لحظاته الأخيرة، ولعلّنا نظن أنّ السواك مجرد عود نستاك به للنظافة، وكثيرٌ منا لا يهتم به، ويتساهل فيه، ولا يوليه الأهمية المطلوبة، وننسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لولا أن أَشقَّ على أُمَّتي لأمرتُهم بالسواك عند كل صلاة ))([2]) وقال : ((السواك مَطْهرَةٌ للفم [أي نظافة ]، مَرضاةٌ للربِّ[ أي عبودية لله] (( ([3]) ،  فما سِرُّ هذا الاهتمام العجيب به من قِبَل النبي صلى الله عليه وسلم في أعزّ اللحظات، إنها لحظات الوداع النهائيّ لهذه الحياة؟! .

لقد تأمّلت في ذلك فوجدت أن السواك يربط بين قنطرتين هما الدنيا والآخرة، فالإنسان حين يقترب من لحظات الموت تخطر في باله الدنيا بحليتها وجمالها، يفكّر بزوجته وأولاده ومشاريعه وأولاده وأمواله ومتعه، وتجول بخاطره الدنيا بكل زينتها، ويجد في نفسه ألمًا للفراق، ورغبة في البقاء، ويتمنى لو أنه يبقى ويعيش ليُكملَ ما لديه من مشاريع ومن أحلام، كل هذه الذكريات تخطر في شريط سريع يختصر مسيرة حياة طويلة، وربما تكون حافلة، وما أسرع مرور الشريط في هذه اللحظات.

فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يُعلمُنا أمرًا مهما هنا، أو يُذَكِّرنا بقوله تعالى:﴿ تلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [ القصص: 83 ]  والنبي صلى الله عليه وسلم علَّمَنا كيف نهتم بالحياة الدنيا، حين نكون فيها، وعَلَّمنا كيف نُتقِنُ أعمالنا، سواء الدنيوية منها أم الأخرويّة، واهتم صلى الله عليه وسلم بصحابته وحياتهم ودنياهم، وعلَّمنا أن نعطي الدنيا حقّها ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾، لكن أيها الإنسان: الآن أنت في إقبال على الله، على الآخرة، الآن أنت في مرحلة وداع للدنيا، وإقبال على الآخرة، اضرب بها عرض الحائط، الآن أقبلْ على الله، واترك الدنيا بما فيها، فإنما هي مرحلة مؤقتة كنتَ فيها، هي ليستْ وطَنَكَ، ولا دارَكَ، استعدَّ الآن للقاء الرفيق الأعلى، ومرحلة جديدة من الحياة والوطن …

أنت الآن بين مرحلتين: مرحلة أرضية، تحتانية، سفلية، دنيوية، هذه المرحلة تَشُدُّكَ إليها بشهواتها ومتعتها وأحلامها، وبين مرحلة سماوية علوية ربانية، أنت في طور الانتقال إليها فلا تتنازل وتُدنِّس نفسك وروحك، أنت الآن في مرحلة جديدة عظيمة: مرحلة:   ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [ البقرة: 156 ]  في مرحلة: ﴿ إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ ﴾ [ العلق: 8 ]، في مرحلة:  ﴿ وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ ﴾ [ النجم: 42 ] .

أجل رأيت أن السواك يختصر كل هذه المعاني، فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يقتلع في هذه المرحلة الحاسمة أي حنين أو تعلّق لقلوبنا بالدنيا في هذه اللحظات الفاصلة، ويوجّه قلوبنا إلى الله ((الرفيق الأعلى.. الرفيق الأعلى)).

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، كأنه يقول لنا صلى الله عليه: دعك ممّا مضى، تلك حياة انتهت، ومرحلة ولّت، عليك بما هو قادم، تعلّق بخالقك وربّك، وتهيّأ للقائه سبحانه وتعالى.

كُتبت هذه الخاطرة فجرَ 5/12/2020، في مشفى كلس التركيّة.


([1])   المعجم الكبير للطبراني (23/ 31)78 – عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ أَبَا عَمْرٍو ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ مِمَّا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «قُبِضَ فِي بَيْتِي، وَيَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي» ، وَإِنَّ اللهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَخِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَدْرِي وَبِيَدِهِ سِوَاكٌ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَنْ: نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ لَهُ، ثُمَّ نَاوَلْتُهُ، فَأَمَرَّهُ عَلَى ثَغْرِهِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ – أَوْ قَالَتْ: – عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِيهَا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ» ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى يَدِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى» حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

([2])   صحيح البخاري (2/ 4)887 – عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاَةٍ» .

([3])   صحيح البخاري (3/ 31) وَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» .

 

الحبّ الخالد

هذه الخاطرة فازت بالمركز الرابع في مسابقة “في حب الرسول”:

تقرَّحتْ جفونُها تبكي أهدابَ وُدًّ تربَّعتْ فوق دمعِها المنجرفِ من مآقي الفراق؛ مع أمتعةِ رحيلِها حزمتْ ذاكرةً عصيَّةً على النّسيانِ، وبتوقيتِ عذابٍ لم يبرحْ مجهولَها الآتي دقَّت ساعةُ الهجرةِ؛ ملامحُ شريكِها الوفيِّ ترتسمُ بين تلافيفِ دماغٍ أوعزَ لخلاياها المُحِبَّةِ أمراً بحتميّةِ الانفصالِ.

قاربُ وداعٍ يستحثُّ خطاها وشراعُه وابلُ مطرٍ يبحث عن تربةِ توحيدٍ خصبةٍ تؤول إليها عقيدةُ زوجِها المغروسةِ في أرضٍ قاحلةٍ مُدنّسةٍ بالجاهليّةِ، ومع فجرِ يومٍ آخرَ أطلَّ على طيبةَ المنوّرة سابقتْ أقدامُ زينبَ لهفةَ حبِّها القديمِ، واتّجهتْ نحو المسجدِ تستجدي عطفَ أبيها.

كان طليقُها قد قرعَ بابَ دارِها هارباً بعدما اعترضتْ إحدى سرايا المسلمينَ قافلة تجارتِه العائدةِ من الشام واستولَت على أموالها، وما إن فرغَ الصّحابةُ الكرامُ من صلاتِهم حتى انكسرَ صمتُ الخشوعِ متحوِّلاً إلى صدىً قويٍّ خطَّ مسارَه من الخلفِ مُخترقاً صفوفَهم وناطقاً بلغةِ حبٍّ تفلّتتْ عروةُ جَلَدِه حين نادتْ زينبُ بهم: “إنّي قد أجرتُ أبا العاصِ بن الرّبيع”..

لم يَنْهَر النّبي صلّى الله عليه وسلّم جرأةَ ابنتِه حين قطعَتْ بحِدَّة صوتِها تراصَّ الهدوءِ السّاكنِ بين جموعِ المسلمينِ، ولم يلقِ اللّومَ على ماضي عشقٍ لم ينلْ زمهريرُ المسافاتِ من لهيبِه بل التفتَ نحو أصحابه وكأنَّ ذاكرةَ حبِّه السّرمديِّ لأمِّها قد تراءَتْ في بريقِ عينيه الشّريفتين قائلاً: “والذي نفسي بيده ما علمتُ بشيءٍ حتى سمعتُ ما سمعتُم، وإنّه يجير على المسلمين أدناهم”.

ثمّ توجّه صلّى الله عليه وسلم بحنانِه إليها قائلاً:

“أي بنيّة، أكرمي مثواه، ولا يخلصْ إليكِ، فإنّك لا تحلّين له”؛ وبعث بعدها عليه الصلّاةُ والسّلام إلى السّريّة المجاهدةِ، فقالَ لهم: “قد سمعتم ما سمعتُ، إنّ هذا الرّجلِ منّا حيث علمتُم، وقد أصبتُم له مالاً، فإن تحُسِنوا وتردّوه، فإنّا نحبُّ ذلك، وإن أبيتُم فهو فَيْءُ الله، فأنتم أحقُّ به”.

قالوا رضوان الله عليهم: “بل نردّه”.

رحل أبو العاص بمالِه نحو مكّة لكن قلبَه قد بقي معلّقاً بالمدينة؛ وكان قد عزم أمره على الإسلامِ بعد ما رأى من نبيّ الرّحمة المُعلّم وصحابته الغرِّ الميامين فأعاد للكفّار أموالهم ثمّ صاح بهم:

“يا معشرَ قريش: هل بقي لأحدٍ منكم عندي شيءٌ؟”، قالوا: “لا”.

قال: “فإنّي أشهد ألا إله إلا الله وأن محمّداً عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلامِ عنده إلا خوفَ أن تظنّوا أنّي أردتُ أكلَ أموالِكم”.

ثمّ هاجرَ إلى الرّسولِ مفترشاً طريقَ الهدى بخطىً واثقةٍ مستضيئةٍ بنورِ الإيمانِ واليقين؛ فردَّ الأبُ الحنونُ ابنتَه إليه ليكملا معاً قصّةَ حبٍّ ووفاءٍ خطّها التّاريخُ بأبجديةِ الرّحمةِ النّبويّةِ المُنقذةِ لكلِّ البشر.

تجربة مع الموت: وصايا وعبر (1)

إنها الساعة الثانية ليلاً (1)، أنا الآن في مشفى مدينة كلّس التركيّة، والناس من حولي نائمون، هناك هدوء تام وصمت مطبق، لا تسمعُ سوى أصوات الأجهزة الطبية التي تتابع حالة المرضى، في خضمّ هذه الحالة، كنتُ أشعر بقرب الموت مني، فأردت أن أكتب هذه الوصية لي ولكل من يصاب بكورونا.

إن خبرتنا بكورونا قليلة وغير ناضجة، كما أن تعاملنا معها يغلب عليه العاطفة والسرعة في تعاطي العلاجات السريعة والشعبية، والاكتفاء بهذا خطير، لأنه يؤدي إلى تفاقم المرض، ولا يوقفُ تمكّنه من الرئتين والدم، بل قد لا يشعر الإنسان بتدهور حالته إلا بعد فوات الأوان، وحينها يصبحُ العلاج صعبًا ومتعبًا (2).

لقد شاع لدى الكثير من الناس الاستهتار بالمرض، وعدم المبالاة به بسبب كثرة حالات الشفاء، والتغاضي عن الحالات الكثيرة جدًّا للوفيات باعتبار أن أغلبها لكبار السن، وهذا ليس صحيحًا فهناك حالات وفيات كثيرة لمن هم دون الخمسين، كما تفيد تقارير المشافي بأن أكثر حالات الوفاة أو تأزم المرض كان بسبب التأخر للمجيء للمشفى وأخذ العلاجات اللازمة، وهذا ما يجب أن يتلافاه الناس

كورونا والتجربة المريرة
أُصبتُ بكورونا في 26 /11/2020 ومع ذلك لم أهتم كثيرا فقد بدأت باتباع وصفات الأصدقاء: عكبر النحل، الزنجبيل، الفوارات، السموط الهندي وغيرها، ولكن المرض كان يتفاقم يوميًّا، ويزداد ضيق النَّفَس وتزداد الآلام في صدري وخاصرتي، فأُخِذتُ إلى المشفى، وكنت أشعر بوضعي الصحي يتدهور وكأنني أتجه باتجاه فقدان الوعي، ولمَّا اطَّلع الدكتور على نتائج التحليل والتصوير، قال: لقد تضررت الرئة بشكل شديد، وأصابها التهاب قويّ، كما أن الدم تعرّض لالتهابات شديدة، قال ذلك وهو يقلّب النظر بيني وبين ابني، حينها قلت له وأنا أستشعر الحاجة لله: (على الله).

حصلت معي مضاعفات شديدة، وازدادت حالتي سوءًا، وحين جاء الأطباء تفاجؤوا بسرعة نبض القلب وشدة الالتهابات في الرئتين والدم، وأخذوا يتهامسون وينظر بعضهم إلى بعض وإليّ، وبقيتُ مستقرًّا في ممرّ المشفى -لشدّة ارتفاع عدد المرضى بالفايروس- حتى تهيّأ لي مكانٌ أُدخِلتُ إليه لاحقًا.  

الموت وسكراته، خواطر وعِبَر
أعود الآن إلى تلك اللحظات والخواطر التي كانت تنتابني أثناء الانتظار، فقد كنت أتوقّع مغادرة الحياة بين لحظة وأخرى، وأتوقع فقداني للوعي بين لحظة وأخرى، ما الذي عليّ فعله؟ كيف أودّع الحياة وأغادرها؟

بدأت بإملاء وصيتي لولدي(3)، وسَبَّبَ هذا خوفًا عليّ عند العائلة والأولاد، لكني هدّأتهم بأن قلت لهم: إنّ الوصية سنة، ولا بد منها سواء كان الإنسان سيعيش أم سيموت، شعرت ببعض الراحة حين انتهيت من الوصايا التي كنت أسابق فيها الوقت، فما كنت أدري اللحظة التي أتوقف فيها عن القدرة على الكلام، وأفقد الوعي، حيث كنت أشعر في كل لحظة أشعر بتدهور زائد في جسمي، وازديادٍ لضربات القلب، وضيق النفس وآلام شديدة في جوانبي.

بدأت أفكّر بسكرات الموت، ترى كيف ستكون؟ كيف ستخرج الروح؟ هل سيُخفِّف الله عز وجل عني آلام الموت؟ أم سيشدِّد عليَّ، وكل هذا واردٌ بالنسبة للمؤمن، قد يُشدَّد عليه الموت لتكفير سيئاته، وقد يُخفَّف عنه مكافأة له على بعض أعماله الخيّرة.

وفجأة يرد على ذاكرتي قول الله عز جل: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [ سورة الأحزاب: 21 ] . وكان نزول هذه الآية على قلبي بردًا وسلامًا، أنساني كل ما يخطر في البال من آلام الموت، فقد أصبحت أتذكر حبيبنا وسيدنا وقرة أعيننا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقاسي من آلام الموت، وسكرات الموت، ويقول: ألا إنّ للموت لسكرات (4)، صلّى الله عليه وسلم، وقيل له، إنك يا رسول الله تُوعَك كما يوعك رجلان منا؟ قال أجل. قيل: ذلك أنّ لك أجران، قال: نعم (5)، فالنبي صلى الله عليه وسلم يُشَّدد عليه الموت كما يُشَّدد على رجلين من أمته، لأن له أجر النبوة، وأجر الإيمان، ومع أنه سيد ولد آدم، وحبيب رب العالمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، إلا أنه لمْ ينجُ من شدة الموت وسكراته، فكان هذا الخاطر يجعلني أستهين بالموت، بل وأستلذُّ به، فمن أنا بجوار حبيب قلوبنا، ونور أبصارنا، رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأخذت هذه الآية تتكرّر على مسمعي وكأنها تنزل لأول مرة: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)) .

صرت أتذكر أيضًا سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، وسيدنا نوح، وسيدنا موسى، وسيدنا عيسى، عليهم السلام، ثم امتدَّ شريط الذكريات لأتذكر سيدنا أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وسائر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، كل هؤلاء العظماء تذوقوا آلام الموت، وتجرعوا سكراته، وهم خِيرةُ الله من خلقه، فمن أنا بجانب هؤلاء العظماء، حتى أخاف من سكرات الموت، أو أطلب ما لا يحق وما لا ينبغي لي.

ومن الخواطر التي غمرتني وخففتْ عني قول سيدنا بلال رضي الله : (( واطرباه غدا ألقى الأحبة محمدا وصحبه )) (6) طبعا إخواني لست في موقع بلال رضي الله عنه -حاشا لله- لكن التَشبُّه بالكبار في المواقف الصعبة مطلوب، فأنا تشبَّهتُ ببلال في هذا الموقف العصيب بالنسبة لي .  

أجل فإن من أنا ذاهبٌ ومقبل عليهم كرام، كرام، كبار عظماء.  سأرى بعد الموت إذن النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وصحبَه والأنبياء َوالأولياءَ والصالحين، هذا كان يملأ قلبي ثلجًا وسرورًا، ويجعلني أنسى الموت والفراق والأهل والأحبة، وأنني سأرى والدتي وأختي اللتان سبقتاني منذ سنوات إلى لقاء الله عز وجل.

الأمر الآخر الذي خفّف عني من الخوف من الموت وسكراته هو موضوع العقبة التي لا بد منها، فالموت عقبة أمام كل مؤمن، ولا بد أن يمرَّ بهذه العقبة، كأس لا بد يشربها المؤمن ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ﴾، فحين يموت الإنسان المؤمن يكون قد تجاوز هذه العقبة، وشربَ هذه الكأس التي لا بد منها، ويكون قد ارتاح من عقبة تنتظره في طريقه الذي لا مفر منه ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [ الأعراف: 34 ]  .

ولذلك سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه حينما رأى النبيَّ صلى الله عليه قد لحق بالرفيق الأعلى قال: أما الميتة التي كتبها الله عز وجل عليك فقد مُتّها ولا يجمع الله عليه موتتين أبدًا (7)، فقد أدرك سيدنا أبو بكر أن هذه الميتة موعد مع كل إنسان، سواء كان نبيًّا أو مؤمنًا أو غيره، ومن نِعَم الله عز وجل على المؤمن أن يتجاوز هذه العقبة بخير وبحسنى وخاتمة طيبة على الإيمان بالله عز وجل (8)

من الأمور التي كانت تثلج صدري وتخفف عني؛ هو أن هذا المرض الكورونا يشبه الطاعون الذي جعله الله عز وجل شهادة لكل مؤمن، فقلتُ لعل الله عز وجل يريد أن يتخذَ ويصطفيَ من عباده المؤمنين شهداء بهذا المرض؛ لكثرة ما لاقت هذه الأمة من محن وشدائد؛ فهو بابٌ من أبواب الشهادة، وقد رأينا كيف قضى بهذا المرض عددٌ كبير من أهل العلم والصلاح والفلاح والجهاد، فرجوت الله عز وجل إن كُتب لي الأجلُ بهذا المرض أن يجعلَه شهادة لي، وأن يكون سببًا في نيلي الشهادة التي لا يرزقها الله عز وجل إلا لمن يصطفي من عباده.


الهوامش:

  1. هذا المقال الأول من سلسلة مقالات كتبتها أثناء مرضي بكورونا، أثناء وجودي في مشفى مدينة كلّس- تركيا، وذلك تعبيرًا عن حالة شعورية عشتها أثناء فترة المرض في المشفى لمدة أسبوع، وهي تجربة شخصية وعظية مغموسة بأعماق من التجربة المباشرة، تدخل في باب الذكرى ﴿فَذَكِّرْ إِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ ﴾
  2. أنصح كل إنسان يصاب بكورونا وتبدأ الأعراض جدية عليه كأعراض الكريب أن يسارع في الذهاب إلى المشفى، وتعاطي الأدوية الرسمية الحكومية، وبعدها لا مانع أن يأخذ أي أدوية عربية أو اجتماعية أخرى متداولة مثل: عكبر العسل، والزنجبيل، والسموط الهندي، والفوارات المختلفة، فهذه كلها علاجات مفيدة، ولكنها ثانوية وتأتي بعد العلاجات الطبية النظامية والرسمية. ولا أنصح بالإهمال في هذا الأمر فقد يؤدي إلى عواقب خطيرة.
  3. دائمًا كانت وصيتي بحمد الله عز وجل مكتوبة، إلا أنّني لم أقم بتجديدها، والمفروض أن يتم تجديد الوصية دائما بحسب معطيات الحياة الجديدة وتطوراتها، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا ينام الإنسان إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه [أخرجه البخاري رقم الحديث: 2738]، فطلبتُ التلفون من ابني وبدأت بإرسال وصايا: لزوجتي، ولأولادي، ولإخوتي، ثم كانت وصية مهمة لإخواني في سوريّة.
  4. ينظر: المعجم الكبير للطبراني (23/ 31) 78 .
  5. صحيح البخاري رقم الحديث: 5648 .
  6. يُنظر: الشفا، عياض بن موسى اليحصبي (2/ 19) .
  7. صحيح البخاري، برقم:1241.
  8. تذكرت ههنا وفاة والد زوجتي الشيخ عبد الرحمن بكّور الذي توفي في مرضه بكورونا قبل مرضي بأيام قليلة، ووجدتني أقول لنفسي: هنيئًا لعمي الشيخ عبد الرحمن بكّور، لقد نجّاه الله من هذه الموتة.