مقالات

هل يتطور الدين؟

لم تكن نظرية التطور مجرد نظرية للتفسير البيولوجي، بل سرعان ما حُمِّلت بحمولات رشحتها لتفسير كثير من مظاهر الحياة غير البيولوجية، ولذلك شاع هذا السؤال عند العديد من دارسي تاريخ الأديان الغربيين، أيهما هو الأصل الشرك أم التوحيد؟

وتكاد تتفق إجاباتهم على أن الشرك هو الأصل وأن التوحيد شكل متطور في حياة البشر، فالأديان مرت بأطوار من التطور من أشكال سحرية وأرواحية بدائية إلى مفاضلة بين الآلهة إلى إلهين ثم انتهى الأمر بالتوحيد، فما هو رأي علماء المسلمين بهذا التفسير؟ وما هو التطور الذي يمكن أن يصيب الدين؟ وما هو الأصل في الأديان كما يرون أهو التوحيد أم الشرك؟

يميز علماء المسلمين بين مفهومين من مفاهيم التطور:

المفهوم الأول: هو ما يكون منشأ الدين فيه من الله عبر وحي إلى نبي، وفي هذا الحال لا دور للإنسان إلا التلقي والتفاعل مع هذه الأوامر الصادرة عن الوحي، لكن مسيرة أتباع هذا الدين قد تنتكس، فيضيفون إلى الدين ما ليس منه، حتى يصل إلى صورة مختلفة عن الصورة الأولى التي جاء بها الرسول، وهو ما يسميه علماء المسلمين بـ (التحريف)، حيث يؤكد ابن حزم إيمان المسلمين بنزول التوراة على موسى والزبور على داود والإنجيل على عيسى، والصحف على إبراهيم وموسى، وأن الله أنزل كتباً لم يسمها لنا على أنبياء لم يسمَّوا لنا، لكن كفار بني إسرائيل بدلوا التوراة والزبور فزادوا ونقصوا وأبقى الله تعالى بعضه حجة عليهم، وبدل كفار النصارى الإنجيل كذلك فزادوا ونقصوا وأبقى الله تعالى بعضها حجة عليهم[1].

ويتحدث محمد كمال جعفر عن مصدرية الدين فيقول: “هناك نظريتان في المصدر، الأولى: تثبت بدء الأديان بشكل واضح تنسبها إلى الله، معتمدة على قصة الخلق والهدف الأسمى منه، وهي من آثار الوحي، لذلك كانت فكرة التوحيد هي الدرس الأول الذي تلقته البشرية، غير أن الإنسان في تاريخه الطويل جرفه تيار الحياة واستهواه الانحراف، وما تتابع الديانات السماوية إلا محاولات متكررة لتصحيح التشويه الذي لحق بهذه الفطرة النقية والتعاليم السليمة”[2].

ويعتبر محمد خليفة حسن أن اليهودية مثال لهذا النوع من التطور، حيث كان للعوامل التاريخية دور كبير في صياغة هذه الديانة[3]، ويتحدث عن الكثير من العقائد والشرائع التي اقحمت فيها مع الزمن.

فالتطور بهذا المعنى كان بتحريف نصوص الأديان الأصلية من خلال الحذف والإضافة والتبديل، وربما كان ذلك راجعاً إلى سدنة الدين نفسه كما يرى محمد كمال جعفر، وهم الذين يقومون على حراسة الدين، فقد زين لكثير منهم أن يضيفوا أو يحذفوا ما رأوه يحقق لهم غاية أو ينجز لهم مأرباً، أو يرفع عنهم طائلة وملاما[4]

والواقع أن الإسلام نبَّه لهذا التطور الذي أصاب الديانات الأخرى، وحذَّر منه، وسماه “البدعة” وحاربها أشد محاربة، ففي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت لها الأعين ووجلت منها القلوب، قالوا يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فأوصنا فكان مما قاله: “فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة”[5].

ويلخص القرضاوي موقف الإسلام من التطور فيقول: إن مجال الابتداع والابتكار ليس هو الدين، فالدين توقيف من الله يجب أن يبقى مصوناً منزهاً عن عبث العابثين وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، أما مجال الابتداع الحقيقي، فهو الدنيا وشؤونها، وما أوسعها وما أكثر ما تحتاج إليه من طاقات الافتنان والابتكار، فتاريخ المسلمين وأدواتهم وتجاربهم متطورة، بينما عقائدهم وشرائعهم ونصوصهم المقدسة هي هي لم يطلها أي تطور أو تغيير، فقد اكتمل الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وثُبِّت هذا الاكتمال في القرآن الكريم: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا} [المائدة:3][6].

وبناء على ما مر تكون بداية الدين راقية، ونهايته -بعد التطور- متخلفة، وهو عكس ما عليه أصحاب نظرية التطور الذين يرون أن اللاحق أرقى من السابق، وفي هذا يقول محمد كمال جعفر: “إن الأنماط الدينية المنحطة والتي تتضمن الخرافات والخزعبلات وظواهر السحر وما إلى ذلك، إن هي إلا انتكاسات في تاريخ البشرية، ولا تمثل بحال نقطة البدء”[7].

إلا أن الملاحظ المتأني لواقع الأديان السماوية (اليهودية والمسيحية والإسلام)، يجد أن هنالك تقدماً تدريجياً في شرائعها، فهل يعتبر هذا من التطور؟، أي هل كانت المسيحية متطورة أكثر من اليهودية، وهل يعتبر الإسلام صورتها النهائية في التطور؟ يجيب على ذلك الشيخ دراز بقوله: “إن الناظر في الأديان السماوية الثلاث يلاحظ تطوراً فعلياً وتقدماً تدريجياً محققاً، في حقيقتها التنزيلية من حيث طبيعة دعوتها ومناهج تشريعها… لكن هذا ليس تطوراً من الخطأ إلى الصواب، كما تريد أن تصوره المذاهب التطورية للأديان، وإنما هو تدرج تصاعدي في مراتب الوفاء والشمول والكمال[8]

المفهوم الثاني: هو التطور الذي يعني به أصحابه أن بداية الدين نشأت من داخل الإنسان لدواع طبيعية أو روحية او سحرية وما شابه ذلك، وأنها تدرجت في تطورها من الدون إلى العلو، بمعنى أن نهاية الدين خير من بدايته وأفضل، ويلخص محمد كمال جعفر نظرة هذا الفريق بقوله «يرى هذا الفريق من الباحثين في الدين نوعاً من الابتكار والاختراع الإنساني ناله التطور المتدرج عبر العصور، حيث قد بدأ في نظرهم ساذجاً متدنياً في أحط صورة يمكن أن ترصدها عين الباحث، ثم أخذ في النمو والتطور والتعقد والسمو حتى وصل إلى مرتبة ما يسمى بالديانات الكبرى أو الدين العظيم، وهؤلاء لا يؤمنون بما يسمى الوحي، ولا يعتقدون بوجود مصدر للدين خارج الإنسان»[9].

ويرى محمد خليفة حسن أن نظرية التطور التي ترى أن التعدد هو أصل التدين، وأن الفكر المرتبط بالألوهية فكر متأخر بتاريخ البشرية، أنها النظرية خاطئة من وجهة النظر الإسلامية التي تبدأ بالتوحيد، وتعتبر الوثنية والتعدد والشرك خروجاً على خط التوحيد[10]

ويؤكد الشهرستاني أن الدين الإلهي هو الموجود الأول، ويذكر أن الله تعالى خص آدم بالأسماء؛ وخص نوحاً بمعاني تلك الأسماء؛ وخص إبراهيم بالجمع بينهما، ثم خص موسى بالتنزيل؛ وخص عيسى بالتأويل؛ وخص المصطفى -صلوات الله عليهم أجمعين- بالجمع بينهما: على ملة أبيكم إبراهيم[11]، وفي هذا تأكيد أن الدين من الله.

ويرفض محمد كمال جعفر اعتبار الإنسان البدائي منحط التفكير كما تصوره هذه النظرية، فيقول: “إن سذاجة الفكر أو بدائية الحضارة ليست دليلاً على انحطاط الدين أو بدائيته، فقد نجد حضارة مادية وفكرية ممتازة مع عقيدة دينية ساذجة تعبد الأصنام والآلهة التي تتمتع بصفات البشر”[12].

ويمثِّل بتبدل الحضارات بين الشعوب كدليل على خطأ هذه النظرية، بقوله: “هنالك أمم كانت لها حضارات باهرة رائدة في القديم، فهل تعتبر حالتها الراهنة نقطة البدء لها، وهنالك أمم لم يكن لها شأن يذكر في الحضارة لكنها اليوم تتربع على عرش الحضارة والنفوذ، فأين أمة اليونان من حضارتها القديمة التي غزت الدينا”[13].

على أن محمد كمال جعفر يرى إمكانية “الانتفاع بآراء دارسي الأديان في معرفة أصول الديانات الوثنية على ألاَّ تعتبر هذه الأصول ممثلة للبدء الديني للبشرية”[14].

ولقد تناول دراز نظريات نشوء الدين المستخدمة في الغرب في البحث الرابع من كتابه الدين، ورد عليها، ومن الملاحظات التي يذكرها: “إن الرشد والضلال في الفكرة الدينية ليستا ظاهرتين متعاقبتين، بل هما متعاصرتان، موزعتان في كل أمة وجيل، تبعاً لاختلاف الأفراد في درجات استقامة الحدس العقلي، ونبل الحس الباطني، فلا يخلو جيل من نفوس صافية تدرك الحقيقة نقية من شوائب الخرافة، وأخرى دون ذلك”[15] .

والحقيقة أن الفرق بين الإنسان المتحضر والإنسان القديم، يكمن في شيئين: أولهما تطور أساليب الحياة المادية، فمن الكهوف والمغارات إلى البيوت البسيطة إلى العمارات الشاهقة، وتطور في الأدوات كوسائل المواصلات مثلاً، وثانيهما: إن تفاوت المعارف التي حصل عليها ابن القرن العشرين وآخر عاش قبل الميلاد حيث إن زيادة كمية المعلومات نتيجة للتجارب البشرية، وأما أصل العقل فلا فرق بينهما، ولو حصل أن شقيقين أحدهما وصل إلى درجة مرموقة من التعلم والاحتكاك بالمجتمع، والآخر ظل ضمن بيئته ولم يلتحق بالمدرسة، لمثل الأول منهما “شباب الجنس البشري”، والآخر “صباه” أو “طفولته” –بحسب أصحاب نظرية التطور- والحقيقة أن القوة الكامنة في داخلهما متساوية[16].

وخلاصة الأمر أن علماء المسلمين لا يقبلون القول بتطور الأديان كما يقرره دعاة التطور، وإنما التطور الذي يرونه هو “التحريف” الذي ينبغي التخلص منه والعودة إلى أصل الدين كما جاء به صاحب الرسالة في ذلك الدين.


الهوامش

[1] ابن حزم الأندلسي، الفصل في الملل والأهواء والنحل. تحقيق: محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة. بيروت: دار الجيل. الجزء الأول، ص314

[2] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان دراسة مقارنة. الدوحة: دار الثقافة، الطبعة الأولى 1985م. ص87

[3] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة. دار الثقافة العربية: 2002 ص178

[4] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان. مصدر سابق، ص43

[5] أحمد بن حنبل، المسند. تحقيق شعيب الأرناؤوط، القاهرة: مؤسسة قرطبة، الجزء 4، ص 126، رقم الحديث: 17184، تعليق المحقق: حديث صحيح ورجاله ثقات.

[6] يوسف القرضاوي، البدعة في الدين. القاهرة: مكتبة وهبة، الطبعة الأولى 2013م، ص9

[7] محمد كمال جعفر، في الدين المقارن. دار الكتب الجامعية 1970، ص 43

[8] محمد عبد الله دراز، الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، الكويت دار القلم ص 112

[9] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان. مصدر سابق، ص163

[10] محمد خليفة حسن، تاريخ الأديان-دراسة وصفية مقارنة. مصدر سابق، ص13

[11] محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل. صححه وعلق عليه: أحمد فهمي محمد. بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية 1992م. الجزء الأول، ص35

[12] محمد كمال جعفر، الإنسان والأديان. مصدر سابق، ص89

[13] المصدر السابق نفسه، ص167

[14] المصدر السابق نفسه، ص92

[15] محمد عبد الله دراز، الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، مرجع سابق، ص112

[16] محمد شامة، الرسالات السماوية بين التطور والتجديد، مقال منشور ضمن مجلة جامعة قطر، العدد التاسع، سنة 1991م ص307

ماذا تقول الأحافير الحية عن نظرية التطور؟

تخرج الدكتور كارل ويرنر من كلية الطب قبل أن يكمل الثالثة والعشرين من عمره، فقد ظهرت علامت نبوغه وتفوقه على أقرانه منذ أيام شبابه، وكان تخرجه المبكر إيذاناً بحياة مهنية ناجحة في مجال الطب الذي يحلم به كل شاب، ولكن حواراً قصيراً دار بينه وبين زميل له في الجامعة قلب حياته رأساً على عقب، وهاكم طرفاً من الحوار كما يرويه الدكتور كارل نفسه:

كارل ويرنر

الزميل: ما رأيك بنظرية التطور؟
كارل: أنا أؤمن بها.
الزميل: وما تقول في مشكلة الفجوات التي يعاني منها سجل الأحافير؟ ألا يشكك ذلك في النظرية؟
كارل: لم أسمع أن هناك مشاكل في سجل الأحافير.
الزميل: كيف يمكن أن تبدأ الحياة على الأرض إذا كان من المستحيل تشكل البروتين بشكل تلقائي طبيعي؟
ويعلق الدكتور كارل على السؤال الأخير فيقول: أدركت ههنا أن أمامي سؤالاً من صلب اختصاصي وليس عندي جواب له، فنظرية االتطور تنص أن الخلية الحية الأولى تشكلت بشكل طبيعي تلقائي، في حين أن البروتين لا يمكن أن يتشكل بشكل تلقائي أو طبيعي بسبب تعقيده الشديد الذي درسته في كلية الطب، فكيف نشأت الحياة إذن؟
ويتابع الدكتور كارل: وقبل أن أجيب عن سؤال زميلي الأخير، تحداني قائلاً: “أتحداك أن تثبت نظرية التطور” فأجبته على الفور: “هذا جنون، لقد تم إثباتها”.

ورغم إجابة كارل القطعية، المبنية على ما شاع في زمانه، غير أن أسئلة زميلة كانت بمثابة طلقات تنبيه تركت في نفسه وتفكيره أثرا كبيراً، وانتهى الحوار وهو يقول لنفسه: “حقاً، كيف تكون هذه النظرية صحيحة إذا لم تتمكن من حل هذه الإشكالات الأساسية؟”

كانت هذه الأسئلة نقطة تحول في حياة الدكتور كارل وارنر، وقد دفعه التفكير فيها، وهو النابغة الباحث عن الحقيقة، إلى أن يمضي ثلاثين سنة بعد ذاك الحوار في البحث عن إجابات شافية لتلك الأسئلة، بدأها بالقراءة النهمة لكل فروع العلم المتعلقة بنظرية التطور، الأحياء والفيزياء والكيمياء الحيوية والجينات والوراثة والأحافير والتاريخ الطبيعي، ولكن ثمانية عشر عاما من القراءة والمطالعة لم تشبع نهمه، ولم تشف شغفه العلمي، وأراد أن يصل إلى الحقيقة رأي العين، وأن يلمسها بحواسه كلها، فقرر أن يقوم برحلة حول العالم، استغرقت اثنتي عشرة سنة من عمره، ليصل بنفسه إلى الحقائق القاطعة المتعلقة بهذه النظرية، وهكذا فقد استغرق بحثه عن الحقيقة ثلاثة عقود، ووضع ما وصل إليه من حقائق ساطعة قاطعة في سلسلة من الكتب والأفلام الوثائقية.

أهداف الرحلة ومنهجها
قبل أن يبدأ رحلته، كان عليه أن يضع أهدافاً محددة، وخطة واضحة المعالم، ويحدد بالضبط عن ماذا يبحث، وأين وكيف؟ وقد شرح ذلك فقال: تقول نظرية التطور إن الأحياء من حيوان ونبات تتغير مع مرور الزمن، وتتحول إلى أنواع جديدة مختلفة تماماً عن أصولها  الأولى القديمة، ويتم ذلك بواسطة الطفرات العشوائية، وتقول لنا النظرية أيضاً إن هذه الأنواع المتغيرة عبر ملايين السنين، وبسبب صراع البقاء، والاصطفاء الطبيعي، تتعرض أسلافها التي لم تتعرض للطفرات ولم تتغير إلى الانقراض، ولكن لو نظرنا إلى الموضوع بشكل معاكس نستطيع أن نتنبأ بأن نظرية التطور لو كانت غير صحيحة، فإن الأحياء والنباتات لن تتغير مع الزمن، وسنجد على الأرض الكثير من الأحياء التي كانت تعيش قبل ملايين السنين، موجودة اليوم على الأرض دون أن تتغير، لأنها لم تتعرض لآليات التطور، فما علينا لنثبت عدم صحة النظرية إلا أن نثبت وجود أحافير قديمة لأحياء ما زالت تعيش بيننا اليوم، وهذا ما قرر الدكتور كارل ويرنر أن يكتشفه بنفسه وعل الطبيعة.

وهكذا شرع الدكتور كارل ويرنر في رحلة  علمية طويلة، طاف خلالها على معظم مواقع الأحافير في العالم، وهي تلك التي عثر العلماء فيها على أحافير المخلوقات القديمة المتحجرة، ليوثق بالتصوير ماتحتويه من أحافير، وزار كذلك جميع متاحف التاريخ الطبيعي الشهيرة في العالم، وأجرى عشرات المقابلات مع كبار علماء الجيولوجيا والأحافير والتطور، ووثقها كلها بالتصوير المرئي، ليصل فيها إلى إجابات شافية عن حقيقة التطور، وكان من أهم أهدافه أن يثبت وجود أحافير لكائنات عاشت قبل عشرات الملايين من السنين، وما زالت تعيش حتى اليوم، ليكون ذلك أحد الأدلة القاطعة على بطلان نظرية التطور، وحتى يكون بحثه مركزاً وقابلاً للتنفيذ، ركز بحثه  على الطبقات التي تحتوي أحافير الديناصورات، فقام بالتنقيب في تلك الطبقات عما حوته من كائنات مع الديناصورات، فوصل إلى نتائج مذهلة.

وخلاصة تلك النتائج أنه في عصر الديناصورات كانت تعيش آلاف الكائنات التي لم تنقرض حتى اليوم، أي التي لم يطرأ عليها أي تطور خلال هذه الملايين من السنين، علماً أن حقبة وجود الديناصورات على الأرض تشمل ثلاثة عصور جيولوجية، يسميها العلماء عصر الترياسيك، وعصر الجوراسيك، وعصر الكريتاسيوس، ويبدأ العصر الترياسي قبل 245 مليون سنة، وينتهي قبل 208 مليون سنة، ليبدأ عصر الجوراسيك الذي ينتهي قبل 144 مليون سنة، هي بداية عصر الكريتاسيوس، وهذاالأخير ينتهي قبل 65 مليون سنة، أي إن العصور الثلاثة التي ظهرت فيها الديناصورات على سطح الأرض تغطي مسافة زمنية مقدارها 180 مليون سنة.
وجدير بالذكر، أن زوجة الدكتور ويرنر رافقته في رحلته، وكانت كاميرتها هي من صورت ووثقت كل ما وصل إليه من من نتائج.

تخطي العقبات
لم تكن رحلة الدكتور ويرنر سهلة ميسرة، فهو كان كالسابح عكس التيار، تيار يعتبر أن نظرية التطور حقيقة مسلم بها، وعليه أن يثبت العكس، ومشكلته كانت أن المعلومات التي يبحث عنها كانت في مواقع التنقيب عن الأحافير، وفي متاحف التاريخ الطبيعي، وقد كان في بداية بحثه يسأل العلماء والمنقبين في مواقع الحفريات: “هل عثرتم في طبقات الديناصورات على أحافير لمخلوقات معاصرة موجودة في زماننا؟”، فكان المسؤولون عن مواقع الحفريات يرفضون الإجابة عن هذا السؤال، بل إن بعضهم رفض إجراء المقابلة مع الدكتور ويرنر عندما اطلع على الأسئلة، ولكن أمرا حدث بالمصادفة أثناء حوار مع أحد العلماء وهو الدكتور ويليم كليمنس من جامعة كاليفورنيا، جعل الدكتور ويرنر يغير من طريقته في طرح الأسئلة.

كان الدكتور كليمنس أحد المعارضين لنظرية تقول إن الديناصورات قد انقرضت بسبب اصطدام كويكب ضخم أو نيزك بالأرض أدى تغيرات مناخية وكوارث طبيعية نتج عنها انقراض الديناصورات، وكان مما قاله أثناء حواره مع الدكتور ورينر: “كيف يمكن لنيزك أن يؤدي لانقراض الديناصورات من على سطح الأرض ولا يؤدي لانقراض ما سواها من الفراشات والضفادع والنحل وزواحف السلمندر التي كانت تعيش أيام الديناصورات؟”.
كان لهذا الكلام رنين خاص في سمع الدكتور ويرنر، ضفادع وفراشات وسلمندر في عصر الديناصورات! كانت هذه المرة الأولى التي يقول له أحد العلماء إن هناك كائنات من هذا النوع كانت موجودة في تلك الحقب، ومنذ ذلك الحوار قرر أن يغير صيغة السؤال حتى يحظى بالإجابات، فأصبح السؤال: “يقول بعض العلماء ومنهم الدكتور كليمنس مثلاً، إن الظروف المناخية الناتجة عن اصطدام  النيازك بالأرض لم تكن هي السبب الذي أدى لانقراض الديناصورات، فقد كانت هناك كائنات أخرى موجودة آنذاك ومعرضة لهذه الظروف ولكنها لم تنقرض، مثل الفراشات والضفادع، فهل عثرتم في موقع الحفر الذي تعملون فيه على أحافير لمثل هذه الكائنات، التي تبدو شبيهة بالكائنات المعاصرة؟”.

وقد أدى هذا التغيير في صيغة السؤال إلى نتائج مختلفة تماماً، وذلك لأنه يستند على قول عالم، ولأنه لا يوحي بأن السائل يشكك في نظرية التطور، وذلك لأن السؤال هنا عن أحافير لكائنات تبدو شبيهة بالكائنات المعاصرة، وليس عن أحافير لكائنات معاصرة.

العقبة التالية التي واجهت الدكتور ويرنر هي مشكلة أسماء الكائنات التي يعثر العلماء على أحافيرها، وسبب ذلك أن العلماء عندما يبحثون عن الأحافير في طبقات الديناصورات لم يكونوا يتوقعون إطلاقاً أن يجدوا أحافير لمخلوقات تعيش حتى يومنا هذا، لذلك فقد كانوا يعطون الكائنات التي يجدون أحافيرها أسماء علمية جديدة، وهذه الأسماء كانت كثيراً ما تختلف من موقع حفر لآخر، ومن متحف لآخر، ومن عالم لآخر، وفي أحيان كثيرة يأتي عالم فيدرس أحفورة جعلوها من نوع معين، فيرى أنها من نوع آخر، فيغير اسمها، لذلك وجد الدكتور ويرنر أنه لا يستطيع أن يثق بالأسماء التي وضعها العلماء للأحافير، فيقول “بما أن الصورة تساوي الآلاف من الكلمات، فإني اعتمدت في كتابي على الصور المرئية، لا على الأسماء الموضوعة، وأترك للقارئ أن يحكم بعد أن يرى صور الأحافير والقديمة، وصور الكائنات الجديدة؟ هل هذه الصور دليل على التطور أم دليل على بطلانه” [كتاب التجربة الكبرى، ص 28].

النتائج
وضع الدكتور وارنر خلاصة بحثه هذا في الجزء الثاني من سلسلة كتبه التي أصدرها بعد مطالعات وقراءات ورحلات وأبحاث استمرت ثلاثة عقود، وكان عنوان هذا الجزء: “الأحافير الحية” Living Fossils  وقد اتبع في عمله التوثيقي منهجاً علمياً فريداً اعتمد فيه على الصور فقط، فوضع في كتابه هذا صوراً موثقة لأكثر من ثمانين أحفورة لمخلوقات من مملكة الحيوان، وأكثر من ثلاثين أحفورة من مملكة النبات، ووثق عمله بطريقة غاية في الدقة والمنهجية والموضوعية، فكتب أسفل صورة كل أحفورة، الاسم الذي وضعه العلماء للكائن الذي يمثلها، واسم الكائن الذي يتطابق معها والذي يعيش اليوم على سطح الأرض، والطبقة الديناصورية التي وجد فيها الأحفورة، واسم الديناصور الذي كان يعيش في تلك الحقبة، وصورة أحفورة ذلك الديناصور، وأخيراً وضع بجانب الأحفورة صورة الكائن الحي الذي يعيش اليوم، والذي يطابق تماماً تلك الأحفورة، مما يثبت أن الكائن الذي تمثله الأحفورة لم يتطور منذ عصر الديناصورات وحتى يومنا هذا.

والمدهش في نتائج بحث الدكتور ويرنر، أن الأحافير التي وجدها في عصر الديناصورات شديدة التنوع، وتغطي معظم فصائل الأحياء والنبات المعروفة التي تعيش اليوم، ابتداء باللافقاريات وانتهاء بالثديات، وهاكم ملخص لأهم الأحافير الحية التي وجدها في عصور الديناصورات:
من الحيوانات البحرية: نجم البحر والإسفنج والمرجان والسلطعون والروبيان واللوبستر وجراد البحر والمحار وغيرها، بالإضافة إلى العديد من أنواع الأسماك.
ومن البرمائيات: السلمندر والضفدع والتمساح.
ومن الزواحف: أنواع من السحالي والأفاعي والسلاحف.
ومن الطيور: الببغاء والبشروش (فلامينغو) والبوم والبطريق والغاق (طائر مائي) والقطرس.
ومن الثديات: القنفذ وآكل النمل والسمور (القندس) والخلد، وأنواع أخرى من الثديات، وهناك أحافير كثيرة مكتشفة حديثاً لثديات ما تزال تحت البحث.
ومن النبات: العديد من أنواع الطحالب وأنواع السرخسيات، والعديد من أنواع الورود والأزهار، مثل زهر الخشخاش والزنبق واللوتس، ومن الأشجار شجرة الساسفراس، وشجرة الحور، وشجرة الجحليق، وشجرة البلوط، وغيرها.

أمام كل هذه الحقائق الملموسة، والأحافير الحية، يخلص الدكتور ويرنر إلى أن معظم فصائل المخلوقات التي كانت موجودة في عصور الديناصورات، لم يطرأ عليها تغيرات تدل على أنها تعرضت للتطور الداروني، والذي حدث أن بعضها قد انقرض، بينما استمر البعض الآخر في الوجود والتناسل حتى يومنا هذا، دون تغيرات ملموسة عليها، وهذا بلا جدال يتنافي مع نظرية التطور، لأن بقاء المخلوقات كل هذه الملايين من السنين، دون أن تتأثر ببيئتها، ودون أن يطرأ عليها أي طفرات، ودون أن تعمل بها آليات التطور الداروني، أمر لا تستطيع نظرية التطور تبريره إطلاقاً، وهي التي  تزعم أنه خلال تلك السنين نفسها، تحولت لعض الكائنات تحولاً جذرياً، فأصبحت السمكة زرافة، والضفدع تمساحا، والدب حوتاً، وغير ذلك مما يزعمون.

إن الأحافير الحية التي أثبت الدكتور ويرنر وجودها بالأدلة القاطعة، وبأعداد ضخمة، هي أحد المسامير الأخيرة التي دقها العلم الحديث في نعش نظرية دارون.