مقالات

القيادة الأخلاقية: منظومة النهوض وقاعدة البناء

الأخلاق في الإسلام هي المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني وهي مجموعة القيم التي أمرنا بها الله سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لتنظيم حياة الإنسان على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على الوجه الأكمل والأتم، حيث إن الأخلاق الفاضلة هي التي تعصم المجتمعات من الانحلال وتصون الحضارة والمدنية من الضياع، وهي أساس نهضة الأمم وسعادة الشعوب، وقد كانت الأخلاق مادة خصبة وميدانًا رحبًا للعلماء والأدباء والشعراء والحكماء وغيرهم عبر التاريخ، وحاجة النفوس إلى الأخلاق كحاجتها إلى الطعام والشراب، بل لعل الحاجة إلى الأخلاق أعظم ، فالطعام والشراب غذاء الجسد، والأخلاق غذاء الروح والنفس.

وقد ارتبط الدين الإسلامي الحنيف بالأخلاق ارتباطاً وثيقاً منذ بزوغ فجره الساطع، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) [أخرجه الإمام أحمد في المسند والبخاري في الأدب المفرد] وتبوأت الأخلاق منزلة عالية جداً في الإسلام، فاعتبرت صلاح النفوس وتحليها بالأخلاق الفاضلة من المقاصد العليا، وأشرقت شمس الأخلاق في أعلى درجاتها وأكمل تجلياتها في شخص رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذي وصفه ربه بقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

القيادة الأخلاقية

تعد القيادة المؤثرة المنبثقة من منظومة تربوية سليمة هي المحرك الفعال لنهضة الأمم والشعوب وتقدمها، والإدارة الأكثر فاعلية للتغيير وصناعة المستقبل، لما لها من آثار إيجابية في دفع حركة المجتمع وبنائه والارتقاء به، وفي ظل الأزمات العالمية المتصاعدة ومع تقدم الثورة المعلوماتية نلحظ في منظومة القيادة والإدارة بأن النقص في القيادة الأخلاقية منتشر في جميع قطاعات المجتمع الإنساني، مما يستوجب على المؤسسات -وتحديدًا التربوية- مواجهة هذه التحديات بكفاءة وفاعلية، بوصفه الطريق الأيسر لتحقيق الأهداف، وذلك من خلال إعداد القيادات الناجحة والقادرة على التغيير والابتكار، لحل المشكلات واتخاذ القرارات في المواقف المناسبة بناء على قاعدة تعزيز السلوك الأخلاقي في منظومة العمل والعلاقات.

إن القيادة الأخلاقية بوابة نجاح استراتيجية مركزية لأي مؤسسة تنشد النمو وتحقيق الغايات، فهي قيادة تحقق العدالة والشفافية، وتشجع العمل الجماعي المشترك، والمشاركة في صنع القرار، والاهتمام بالمرؤوسين وتعزيز نموهم، والتخلي عن المفهوم التقليدي للقيادة والمستندة إلى الوصاية والهرمية وسلطة المركز، وذلك وفق إطار أخلاقي إنساني يتزامن فيه الارتقاء بأداء المؤسسة ونوعية إنتاجها مع الاعتناء بالأفراد وتطويرهم وتحفيزهم وتعزيز دورهم، وتتعاظم أهمية القيادة الأخلاقية في المؤسسات كونها تتعامل مع الإنسان وتحاول صياغة شخصيته صياغة سليمة وإيجابية تنمي فيه الخلق القويم، وترسخ فيه القيم السامية، والشعور بالمسؤولية عبر منظومة منبثقة من قيم راسخة من المنهج التربوي الإسلامي الأصيل، كما أنها تقوم بصياغة القرارات التي تنعكس على حاضر المجتمع ومستقبله، والتي يمتد تأثيرها لأجيال عديدة.

سلوكيات القيادة الأخلاقية

أبرزت الكثير من الدراسات المحلية والعالمية أن المنهج والنموذج المثالي المناسب للقيادة في المجتمعات هو القيادة الأخلاقية، فهي عملية تأثير يمارسها القادة لحث الآخرين على تحقيق الأهداف المنشودة من خلال الالتزام بسلوكيات تتميز بسمات أخلاقية، مثل المصداقية، والأمانة، والعدالة، والإيثار، والرحمة، بالإضافة إلى تشجيع مثل هذه السلوكيات عن طريق تعزيز القدوة والقناعة الذاتية من خلال مناقشة القضايا الأخلاقية، وتوضيح التوقعات الأخلاقية، واتخاذ القرارات الأخلاقية، ودعم المعايير الأخلاقية، قاصدين بذلك تعديل السلوكيات الأخلاقية في العمل، وتحسينها وتعزيزها، ومن أهم ما يبرز في هذا الاتجاه هو تنمية وتدريب ورعاية الأفراد ضمن إطار أخلاقي، إضافة لتعميم القوى الإيجابية في المؤسسة وتقليص الجوانب السلبية، والعمل على مواكبة التغيرات وتوظيفها لخدمة المؤسسة والعاملين فيها.

كما تنظر العديد من الدراسات إلى القيادة الأخلاقية على أنها أبعد من كونها مجموعة مفاهيم ومعارف، بل تشمل أن يعيش القائد الأخلاق مع ذاته ليدعم العاملين معه على تحمل المسؤولية بقلوب راضية وعقول مفتوحة، وأن يضع لنفسه ميثاقاً أخلاقياً ملزماً، وأن يحكم بالمنطق على الأمور، وهذا يتحقق من خلال قيادة أخلاقية تتسم بالعديد من السمات.

من هذا المنطلق فإن أبعاد القيادة الأخلاقية ترتسم من خلال ثلاثة مكونات تتمثل بالدرجة الأولى في الخصائص الإدارية وتركز على مجالات اتخاذ القرارات الإدارية بموضوعية، وتطبيق القوانين والنظم بعدالة وشفافية، وإدارة بأسلوب يتفق مع ظروف الموقف، وإتاحة الفرصة للمرؤوسين لتنفيذ مهامهم، وتشجيع إنجازات المرؤوسين وتحفيزهم، مع دعم العمل بروح الفريق، ثم ينبثق في الدرجة الثانية الخصائص الشخصية التي تركز على مجالات تطبيق الإنصاف والعدالة في توزيع الواجبات والأعمال مع تحري الصدق، والوفاء بالوعود المقطوعة والاعتراف بالأخطاء، ووضع نظام يكافئ الملتزم ويعاقب من ينتهك المعايير الأخلاقية، والعمل على رفع تقارير عن الأعمال بأمانه وصدق وتقبل نقد الآخرين، ثم في الدرجة الثالثة الخصائص المرتبطة بالعلاقات الإنسانية وتركز على مجالات التعامل مع الآخرين، فيجب تحري التقدير والاحترام والتواضع والاهتمام بإشباع حاجاتهم وتقديرها بشكل موضوعي ومراعاة ظروفهم ودعمهم والوقوف بجانبهم.

حاجتنا للأخلاق الفاضلة في ميادين العمل

لا شك بأن الأخلاق ركيزة إسلامية أساسية لسعادة الإنسان، وهي كذلك ركيزة في العمل القيادي والإداري، إذ تقوم على أساس قوي متين راسخ وقاعدة صلبة وهما القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة فهي مطلقة ثابتة، والتغيير قد يصيب الإنسان، ولن يصيب الأخلاق في ذاتها، بعكس العقائد والأديان الباطلة، والأنظمة الوضعية والنماذج القيادية الأخرى المتعارضة مع هذا النهج القويم، فكما ترتقي الأمم بالأخلاق فإن المؤسسات على مختلف نوع نشاطها تزدهر وترتقي وتتطور إذا توافرت وسادت بها القيم والمبادئ والأخلاق، ويعد توافر السلوك الأخلاقـي مكونـاً رئيساً في القيادة، ومن ثم فإن اتباع السلوك الأخلاقـي ضـروري لنجاح الفرد في ميادين العمل سواء كان عاملاً أو قائدًا في مؤسسة ما.

كما أنه لا يكفي لِكي ننهض؛ أن يكون هناك دستور أو قانون أو معايير شكلية، بل يجب أن يصاحبها وعي جمعي وأخلاقيّ يتجمع الناس حوله وينفذونه رغبة فيه ومحبةً به، ولذا فإنه لا بد من الربط بين الأخلاق والنهضة والهوية الإسلامية للأمة؛ إذ إن هذه الهوية هي ما يحرك العامل والصانع والفلاح والشرطي ورجل القانون والعالم.

إنها القوة الوحيدة الجامعة التي لا تحتاج إلى استيراد ولا إلى تبعية، وبالتالي فهي قوة مجمعة لعناصر الأمة وملهمة لها، وتحافظ على استقلالها وتفردها وثقتها بالنفس. ولأن قوة الهوية المتجانسة تكون دافعًا كافيًا للالتزام بالأخلاق، فلتطبيق الأخلاق لا يمكن أن تكون القوانين كافية، ولا يمكن أن يكون وراء كل مواطن شرطي يراقب أخلاقه. لابد أن يكون التصرف بأخلاق نابعًا من الاقتناع والإيمان بها، وليس هناك وسيلة لهذا أقوى من الوعي الجمعي واتحاد الهوية والهدف. هذه قاعدة مطلوبة لا استغناء عنها لنهضة أي أمة، فضلاً عن أن الهوية الإسلامية تميزت عن الهوية الأوروبية بأنها لا تعتمد العنصرية وسيلة للتأكيد على التميز.

فلا نجد في هذه الهوية تأكيدًا على تفوق جنس على الآخر، أو السماح بسرقة وقتل شعوب، بينما تمنع السرقة أو القتل داخل الشعب المتفوق، كما هو الحال في الغرب من الكيل بمكيالين. فمن غير المقبول في الأعراف الأوروبية أن تسرق الحكومة مال شعبها، ولكن مقبول أن تسرق مال الأمم الفقيرة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية!! ولكن هذا الأسلوب غير الأخلاقي، لا يجد قبولاً في مصادر وكتب الحضارة الإسلامية، وبالتالي فمن السهل الربط بين الأخلاق والهوية الإسلامية لهذه الأمة، بل من الواجب أن يكون هذا الربط، فتصبح الأخلاق الراعي الأساسي لأي نهضة فردية أو جماعية في بلاد المسلمين.

لماذا نعجز عن النّهوض والتّغيير؟!

أبتدئ هذا المقال باقتباس عن الإمام ابن الجوزي يقول فيه: “ينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يُتصوّر للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض، ولو كانت النبوّة تُحصّل بالاجتهاد رأيت المقصّر في تحصيلها في حضيض”(1).

يقودنا كلام هذا العالم المتبحّر في العلوم الإسلامية، إلى أنّ على المسلم بذل أقصى جهده من أجل الوصول للإبداع والرّيادة في مختلف المجالات، فالحقيقة التي يجب أن تقال إنّ الجمود والتخلّف هو نقيض للإسلام ومبادئه، فلا يُمكن لمجتمع أن يخدم رسالته في الحياة وأن يَنصر قيمه وعقيدته وأن يدافع عن مقدّساته، بينما يستسلم غالبية أفراده للظلم ويخضعون الفساد والاستبداد، ويرضون بواقع الجهل والتأخّر عن ركب الحضارة.

ماذا جرى؟

بعدما أن كنّا أمّة واحدة قادت العالم بحضارتها الإنسانيّة الراقية، أصبحنا نعيش تحت قيود الاستعباد والعجز والتّقليد الأعمى للأمم الغالبة، فمالذي أصابنا؟!

لقد بدأ الأمر بفصل الإسلام وشريعته عن الحياة وجعل النّظام العلماني والرّأسمالي منهج حياتنا الاجتماعيّة، وهنا تحوّل الإيمان إلى مجرد شعائر نقوم بها وعقيدة تتوارثها الأجيال بدون التزاماتٍ، ومن هنا فقد المجتمع ركيزة أساسية في وجوده لأنّ الأصل أن يجتمع أفراده حول فكرة مُعيّنة تُمثّل عقيدتهم ومبادئهم ليعيشوا بها ومن أجلها، وتستمرّ قوّة هذه الفكرة بين الأجيال فإن فَقدت بريقها وتشتّتت التوجّهات حصل التصدّع داخل المجتمع واستسلم أفراده لهيمنة المجتمعات الغالبة عليه، وانحلّ داخل ثقافتهم الوافدة عليه بدون تمحيص أو انتقاء لما هو نافع لنا أو ضارّ بنا.

وقد تعمّقت الأزمة اليوم عندنا وتآلفت نُفوسنا على الجمود والركود حتّى أصبحت لدينا قابلية للتخلّف وتركنا العمل من أجل التغيير ولم نعد نحسن إلاّ الثرثرة التى لا تَبني فكرًا ولا تُحدِث نهضة.

القابليّة للتخلّف

يقول الكاتب والناقد الفرنسي بلزاك: “أوليس عجبا أن أتجه إلى إصلاح الوطن، بينما عجزت عن إصلاح فرد في هذا الوطن”(2)، إن هذا حقًّا من أكثر ما نقع فيه عندما نتحدث عن التغيير والإصلاح بأن نتجه لإصلاحات تنظيمية أو إدارية لا تعتني بإصلاح الإنسان داخل مجتمعه الذي هو القلب النابض لكل وطن، فإن مرض هذا القلب أو تخلّف عن أداء وظيفته فإنها ستكون النهاية الحضارية لكل مجتمع. فكيف لمجتمع ما أن ينهض ويبني أمجاده وقد أصاب أبناءه الجمود والكسل والعجز؟!

بلزاك

هل سيكونون قادرين على الإنتاج والتصنيع وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مختلف الميادين إذا ما كانت تطغى عليهم ثقافة الإستهلاك والبحث عن الرّاحة والرّفاهية فقط؟!

الإجابة ستكون بالنفي –بطبيعة الحال- وما نحتاجه اليوم هو تشخيص حالة الفرد المسلم المعاصر الذى يشتكي من قابليّته للتخلّف والجمود وهذا أخطر ما أصابنا بأن استسلمنا لضعفنا وجهلنا واكتفينا بنظرة المنبهر العاجز أمام المجتمعات المتحضرة!

وأوّل ما يخطر في بال كلّ فرد منّا إذا تحدثنا عن التغيير والانتاج والحضارة هو بأننا قوم ينقصنا العلم ويطغى علينا الجهل واللاّوعي في مختلف مجالات الحياة ومن هذه الفكرة يُصيبنا الاحباط ونتوقّف عن مُجرّد المُحاولة أو التّخطيط للعمل والنهوض. فإن كان واقعنا يتسّم بالجهل والفوضى بسبب التّراكمات التى أصابتنا عبر التاريخ من فترات الاستعمار الذي سلك طريقًا ممنهجًا لنُصبح سوقًا استهلاكية له وتابعين عميًا لثقافته وما يروجون لنا من فساد أخلاقي، ومن فترات الاستبداد المتواصلة إلى اليوم والتي تسعى لنشر الجهل واللاوعي بين أفراد المجتمع من أجل إبقائهم خاضعين لحكم الطاغية المستبد، فعلينا أن نواجه هذا الجهل ونعالجه.

هنا يظهر دور النخب المثقفة عندنا، وهذا يدفعنا لنتساءل: ماذا قدّمت لنا هذه النخب في مواجهة جهلنا؟! أم أن دورها كان عكسيًّا في زيادة طمس هوية المجتمع وتغريبه وتركه تائهًا بلا هدف في الحياة؟!

إن الأصل أن تهتمّ هذه النّخب بإصلاح الإنسان وتثقيفه وجعله واعيًا بدوره في الحياة وكما وجب عليها الاهتمام بالاصلاح التعليمي الذي يجب أن يقدم لنا مُختصّين في مختلف المجالات يحملون داخلهم شُعلة التّغيير والثقة بالنفس مع الكفاءة العلمية اللازمة من أجل التقدّم والعمل ونحن بحاجة اليوم إلى مُراجعة نظامنا التعليمي ومواكبة العصر وتطوير آلياته حتى يصبح عنصرًا فاعلاً في الإبداع والابتكار. ومن أخطائنا في مُحاولة إصلاح التّعليم ربطه بثقافة تغريب المجتمع وتكوين إنسان لا صلة له بدينه أو بتاريخه لا يخدم إلاّ مصالح القوى العظمى المُستغلّة لنا، فعلى سبيل المثال محاولة إدخال منهج جديد في نظام التعليم بتونس مُتمثّل في التربية الجنسيّة للأطفال في سنواتهم الأولى في المدرسة والمُشرف على هذا المنهج الجديد هي منظّمات الأمم المُتّحدة وعند الاطّلاع على مُحتواه سنجد فيه دفعًا الأطفال للتطبيع مع فساد الأخلاق منذ الصّغر.

ولنا في تجارب الأمم السابقة خير دليل حيث عندما عزموا على النّهوض وتغيير مُستقبلهم بدؤوا بإصلاح التعليم وتطويره مع المحافظة على هويّة المجتمع وكيانه ولقد أكد على هذا المعنى الباحث بونعمان في وصفه للتجربة اليابانيّة فقال: “لقد انطلق روّاد الإصلاح من الحاجة الملحّة لتطوير النظام التّعليمي الياباني ليواكب مستجدّات العصر ومناهجه، مستحضرين الخبرة الحضاريّة التّاريخيّة المراكمة خلال مرحلة توكوغاوا، لكنّهم سعوا إلى تجاوز منطقها المنغلق على الذات، وفي الوقت نفسه عدم إحداق قطيعة مع التّراث الثقافيّ الياباني. إنّها تلك القدرة التفكيكيّة المبدعة في الاستفادة من الرّوح العامّة السّائدة في فترة ما قبل الميجي وتطوير الإمكانات الكامنة بداخلها والتجديد الجذري في المضامين والمناهج والأشكال دون السّقوط في التقليد الغبيّ أو استنساخ التّجارب الفاشلة أو التغريب الاستلابي اتجاه الآخر”(3).

العجز ومشكلة الفقر

من الأفكار التي تجعلنا عاجزين والتي نستتر ورائها هي مشكلة الفقر والعجز المادي، ولنا أن نتساءل كم يوجد من أغنياء ورجال أعمال داخل مجتمعاتنا المسلمة؟! والسؤال الأهم ما هي فاعليتهم الاجتماعية وماذا قدموا لأوطانهم؟!

إن مشكلة الأثرياء عندنا بأنهم أصابتهم العطالة والسّرف ولم يُوجّهوا رؤوس أموالهم نحو الاستثمار النّاجح الذي يبني المجتمعات بل هدفهم هو زيادة ثرواتهم بأقل جُهد مُمكن وتحقيق الرّفاهية المُطلقة، ومن العجائب أن تُنفَق الأموال الطائلة من أجل تنظيم أو حضور حفلات غنائية ماجنة، فعلى سبيل المثال أعلنت السعودية وفق خبر نقلته وكالة الأنباء الفرنسيّة على أنّها ستستثمر 240 مليار ريال (نحو 64 مليار دولار) في قطاع الترفيه في غضون عشر سنوات بدءًا من سنة 2018.

إن الترفيه المقصود هنا هو ما نراه اليوم من إقامة حفلات غنائيّة يُقدّمها مشاهير العالم في هذا المجال مع إقبال شعبي فاق التوقّع! فهل الإنفاق المسرف في هذه الحفلات سيكون ركيزة أساسيّة في نهضة المُجتمع؟! في حين أن الطابع العام لدولنا هو التهرب من إنفاق هذه الأموال من أجل إصلاح الفرد وتثقيفه وتربيته ومن أجل دعم حركة الإنتاج والصناعة بدلاً من الحفاظ على نمط الاستهلاك! ومن هنا فإن علينا إعادة تنظيم نظرتنا للثروة وجعلها أساسًا لدعم العمل ودفع الإنسان نحو التغيير مع استغلال الوسائل المتاحة من أجل مواجهة عجزنا المادي.

هل ضعفنا نتيجة مؤامرة فقط؟

من الأفكار الشائعة التى تزيدنا ضعفًا وجمودًا هي حصر سبب تخلّفنا في الطرف الآخر من القوى العظمى المهيمنة علينا، فهي تفتك بنا وبثرواتنا وتستغلها لمصالحها، إلا أن هذا لا يعتبر إلا أثرا من آثار قابليتنا للجمود والضعف، فإنهم لم يتجرؤوا على مُجتمعاتنا ويتسلّطوا عليها إلاّ بسبب استسلامنا الفكري والثقافي لهم وقُبولنا بالضّعف أمامهم، فلو أنّهم وجدوا مجتمعًا مترابطًا واضح المعالم، يجتمع أفراده على الإيمان باستخلافهم في الأرض وتحقيق العدل فيها ونشر الحقّ بين الناس، فإنّهم سُرعان ما سيرفعون أيديهم عنا ولن تُجدي محاولتهم لإخضاعنا.

إن المشكلة تبدأ من داخلنا عندما ننهزم نفسيًّا ونظن أنّ حياتنا لن تستقيم إلا بالرّجوع للغرب ورؤاه، والاتّكال على تقدُّمهم الحضاري، والعيش على ما يُقدّموه لنا من قروض وإعانات تزيدنا تبعيّة وأسرًا لهم!

إن المسلم اليوم مطالب بالتخلّص من قيود قابليته للتخلّف وللضعف، وبأن يكون سبَّاقًا من أجل حيازة مُختلف الوسائل المُتاحة التّى تُنمّي شخصيّته وتُطوّر من قدراته العلمية والفكرية والثقافية، وأن يفكر في استخدام ما يملكه الآن من وسائل بطريقة مؤثرة يستطيع من خلالها تغيير مجرى تاريخه، مع بذل أقصى الجهد من أجل رفع مستوى حياته، وهو مطالب أيضًا بتسخير وقته واستغلاله من أجل هذه الأهداف العالية وعدم التفريط فيه في العطالة.

انعكاسات التخلف والجمود

أبرز انعكاسات ما –ذكرته آنفًا- تظهر في الشق السياسي بمفهومه الشامل، فالسياسة تخطيطٌ لحياة الأفراد، ومشروع لتنظيم ظروف حياتهم وتسيير أوضاعهم. والخطأ في سياسة العالم الإسلامي منذ عقود عديدة، أنّها كانت عن اقتباس لقوالب جاهزة غير ملائمة لحياة مجتمعاتنا، إلى جانب الاقتداء الأعمى بكل وافد غربي.

لقد أدّى ذلك إلى التحلّل من مبادئنا الإسلامية، ولا يَكمن أصل المشكل هنا فقط، بل حاولنا رسم منهج للنهوض وتناسينا أنّ الأفراد الذي سيكونون سببًا في نجاح أيّ استراتجيّة يخضعون للقابلية للتخلف والجمود والاستسلام لواقعهم، ولا يستطيعون العيش إلاّ تحت ظلال الغرب والقوى العالمية والقبول بما يُقدّمونه لهم عن طريق حصر مفهوم الدّين في الشعائر الدينية ونقض الشريعة والقيم الإسلامية باسم الحرية والتخلّص من الرجعية! والأكثر غرابة أنّنا نلتمس وسائل النهضة من الدول التى تريدنا البقاء تحت قبضتها والتى تستغلّ ثرواتنا لصالحها وصدق المفكر مالك بن نبي حين قال:”وعجيب أمر الأسير يطلب مفتاح سجنه من سجانه”(4).

عندما يستعيد الإنسان المسلم ثقته بنفسه في النهوض والعمل وبذل أقصى الجهد وتسخير طاقته لتغيير واقعه وحسن إدارة وقته فإنه يحتاج وقتها إلى تسخير ما في وطنه من خيرات ومواد أولية وثروات لجعلها ركائز القوة عنده، وممّا لا شكّ فيه أنّ أوطاننا العربية تزخر بالمواد الخام من الغاز والنفط والفوسفات والملح والحديد ولكن لا يتمتّع بفوائدها إلاّ القوى العالمية التي رضينا بالخضوع لها سياسيّا وفكريّا وثقافيّا، في شرود واضح عن قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13] فقمّة التخلف أن يكون مفتاح النجاح بين أيدينا متمثلا في الوحي الإلهى ومن ثُمّ نُدير ظهرنا لقيمه ومعانيه، ثم نتساءل: لماذا أصبحنا هكذا بعد أن كنّا من أعظم الحضارات المؤثّرة في التاريخ الإنساني؟!

لنا في ذي القرنين عبرة

ولنا منهج واضح في مراحل السياسة التى يجب علينا اتّباعها في قصة ذي القرنين عندما وجد قومًا مستسلمين يشعرون بالضعف واليأس داخلهم ينتظرون الحماية وتغيير الحال من الخارج بسبب خطر يأجوج ومأجوج الذي يهددهم ويظهر ذلك في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} [الكهف: 93- 94].

لقد كانت الخطوة الأولى التي اتّخذها ذو القرنين في سياسته هي التّوافق مع الوسائل المتاحة عن طريق حسن توظيف طاقة الفرد الموجود وإعادته للنشاط وإخراجه من جموده ومن ثم استغلال الثروات الموجودة عندهم داخل حدود أراضيهم ومن ثم حسن إدارة الوقت في توزيع العمل والمهام ويدل على ذلك قوله تعالى: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف: 95]، وأمّا المرحلة الثانية فهي إيجاد وسائل جديدة خاصة بهم عن طريق تطويع المواد الأولية المتاحة وجعلها قابلة لبناء سدّ منيع كان سببًا في تغيير حالهم كما في قوله تعالى: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} فكانت النتيجة {فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} [الكهف: 96- 97].

إن سياساتنا اليوم تخلو كذلك من معاني الأخوة الإسلامية، فحكّامنا لا يهتمّون بالاجتماع والعمل المشترك من أجل النهوض بالأمة الإسلامية، بل لا نكاد نرى إلا نِزاعات حزبية أو ملكية هدفها التّكالب على المصالح الضيقة وتلبية شهواتهم في الحكم والترف!

ليس من الغريب –والحال هكذا- أن نجد من يُطبّع مع الكيان الصهيوني من أجل توسيع سيطرته على مناطق معينة أو من أجل البقاء في الحكم ونيل دعم خارجي يُغطّي جرائمه، وليس من الغريب أن نجد حُكمًا استبداديًّا ظالمًا يَستعبد النّاس لصالحه ويقتل فيهم الضمير الإنساني من أجل حياة كريمة حرة، ويَطبع فيهم الأنانيّة واللاّمبالاة بقضاياهم الكبرى وكل هذا يؤدي إلى فوضى سياسية تعكس حالة مجتمعاتنا.

ولعلّ من أبرز أسباب فشل الثورات العربية التى أطاحت بالحكومات المستبدة هو بقاء الفرد على حاله ولم تقع له ثورة داخلية نفسية تخرجه من قابليته للعجز والجمود والاستهلاك ولم تضع الحكومات الجديدة استراتيجية دقيقة تأخذ بعين الاعتبار واقع المجتمع والوسائل المتاحة من أجل النهوض به.


الإحالات:

(1): مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، محمد الغزالي، سلسلة كتاب الأمة، ص: 41.

(2)،(4): وجهة العالم الإسلامي، مالك بن نبي، ص: 65 ،97.

(3): التّجربة اليابانيّة دراسة في أسس النموذج النهضوي، للباحث: سلمان بونعمان، ص: 113.

 

 

 

ما هي عوامل النهضة المنشودة؟

يدعو الإسلام إلى إقامة مجتمع فاضل تسوده الأخلاق الحسنة والمعاملات الطيبة، ويسهم المؤمن في بنائه بما يتصف به من أخلاق حميدة، وبما يؤثره مع غيره في نفوس أبنائه وأسرته، وذلك نابع من وعي الإنسان المؤمن بدوره في الحياة.

في حالة المسلمين المعاصرة، فإن المسلم الواعي مسكونٌ بهمّ النهوض الحضاريّ بمجتمعه وأمته من جديد، وتوحيد صفوف الناس من حوله للعمل بمبادئ الإسلام والاصطفاف حول شريعته، فالمجتمع عبارة عن تجمّع بشري يمتلك أفكاره ومبادئه الخاصة، وله صفاته وشخصيته التي تُمثله وتُحدد معالمه، وقد نَجد مجتمعات كثيرة زاخرة بأفرادها والمنتسبين إليها، إلا أنها فقدت الشخصية والتعاليم التي كانت سببًا في تطوره، وهذا عائد لانحلال أفكاره في ثقافة المجتمعات الغالبة.

الانفصال عن الهوية الإسلامية

هذا بكل اختصار ما نعيشه اليوم في مواجهة زحف الثقافة الغربية علينا وتقليدنا الأعمى لها، فقد أصبح الواحد منا يعيش في انفصال بين هويته الإسلامية التي يؤمن بها وبين نمط العيش الغربي الوافد عليه، بين نظام الحياة القائم المتصف بالعلمانية ونبذ الدين من مختلف القوانين المنظمة لحياة الأفراد، وبين تشريعات الدين الرباني، وهنا يَصْدق الوصف الإلهي الجلي على واقعنا حين يقول الله عز وجل: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29].

ولو أجلنا النظر في هذا المثل الكريم لوجدنا أطرافًا منه في حياتنا، فالمبادئ والقيم الوافدة علينا المزيّنة بعناوين الحرية وقبول الآخر، مشاكسة للقيم الإسلامية التي تبيّن الحق والباطل والحلال والحرام وما يتوافق مع الفطرة ويرفضها.

كثير من المسلمين يجدون أنفسهم مشتتين بين مختلف الدعوات والقوانين الغربية، لا يدرون ماذا يأخذون منها وماذا يتركون، ضائعون بين نمط العيش الذي يتحوّل يومًا بعد يوم إلى باطل محضٍ، وفساد مكين في مختلف القطاعات، فغدا الحرام بشتى صوره في حياتنا حرية شخصية يجب احترامها، بل وعدم نقد تعلق الآخر واتصافه بها، وكأن الانتماء للإسلام بات صورة شكلية لا أثر عملي له في واقع الحياة.

يعلم الفرد المسلم في داخله حرمة الكثير من الكبائر كالربا والزنا والخمر والميسر والغش بمختلف أشكاله كالرشوة والتزوير والسرقة بمختلف أنواعها والخيانة والظلم في الأعراض والأموال والدماء إلخ.. إلا أن كثيرًا من المسلمين رغم ذلك يُقْبلون على مختلف هذه الحرمات مدفوعين بانبهارهم بالحداثة والحياة العصرية وتقليد المجتمعات الغربية وثقافتها الغالبة، ويبحثون لها عن التفاسير والتعليلات مُحاولين إقناع غيرهم بها.

وأما المثل الثاني في نفس الآية فهو يُمثل الفرد المخلص لربه والمُتمسك بمبادئ دينه فله رُؤية واضحة في الحياة وله مصدر واحد يستمد منه قوانين الحياة فلا يزيغ عنه ويُصبح كل تركيزه في أداء رسالته التي وُكل بها ويَشعر في داخله بسلام وراحة لوضوح معالم الطريق الذي يَسلكه، وبمثل هؤلاء الأفراد يستطيع المجتمع الحفاظ على كيانه وشخصيته من الطمس والضياع، ولو هلك جيل من أجيال هذا المجتمع فإنه سيُحافظ على مبادئه ومعالمه وسيحافظ على رسالته ودوره، وسيكون الجيل الجديد ملتزمًا بتعاليم الآباء والأجداد متمسكًا بثوابته.

وسائل النهضة

أشرنا في مقالٍ سابق إلى عاملي القدوة والقرآن في بناء المجتمع، وهنا نؤكد على أن التكامل مع هذين العاملين يبتدئ بالوسائل المناسبة لذلك، بدءًا من الإعلام، الذي يزيد قوة الكلمة وتأثيرها، بل إنه صار الوسيلة المُتاحة الأهم للسيطرة على العقول وصياغة أفكارها، فما إن يجلس أحد ما أمام التلفاز إلا وتوجّه له الرسائل إما بهدف تفريغه من القناعات المسبقة أو تعزيز بعضها أو إنشاء قناعات أخرى جديدة.

جميعنا يعلم أن الإعلام سلاح ذو حدّيْن، فعندما يستغله أهل الباطل فإنهم سيَسعون لنشر أفكارهم داخل المُجتمع وفرض نفوذهم مُحاولين طمس هوية المُجتمع وتغييرها وفق أهوائهم، وإشغال أفراده بتوافه الأمور وتغييبهم عن أهم قضاياهم ومشاكلهم ومنعهم من النهوض أو مُحاولة كسر قيود الجمود والجهل والتخلف.

وفي ظل انكماش أهل الحق وانعزالهم في مزاحمة أهل الباطل إعلاميا، فإنه لن يكون لهم تأثير في واقع الحياة، ولن يستطيعوا نشر الوعي واليقظة داخل المُجتمع، ولن يقدروا على تقويم سلوك الأفراد وتغييرها، فنحن نحتاج اليوم إلى صناعة الكلمة القوية والمؤثرة على أن تكون مُستمدة من روح القرآن ومبادئه، لإظهار الحق ونشر ثقافة القرآن داخل المجتمع، ومن أجل ذلك يجب توحيد الجهود المادية والعلمية حتى نتمكّن من صناعة مادة علميّة مُؤثّرة تجذب المُستمع والمشاهد لها وتُغيّر من نفسه.

و من الوسائل المُهمة أيضًا مُحاولة إقامة مجالس قرآنية داخل كل بيت، فعلى الأب والأم تأسيس حلقات تعليمية لدراسة القرآن وتدبّره، وحتى لو ظنّا أنهما بعيدين عن تعاليمه وجاهلين بعلومه فيُمكنهما اعتماد أحد كُتب التفسير المُتاحة والإقبال على كتاب الله مع أبنائهم والسعي لتلاوة الآيات آية آية، ومُحاولة فهم المُراد منها وكيفية تطبيقها، وفي هذا حفظ للأسرة وتوطيد للعلاقات داخلها وضمان تربية قرآنية سليمة للأبناء وطَبعهم على قيمه وأخلاقياته، ولا ننسى أيضًا أهمّيّة المجالس القرآنية المنظّمة داخل المساجد أو خارجها مع الحرص على فهم الآيات التي تُتلى فليس الهدف من القرآن حفظه بلا فهم ودراية وعمل والتزام بمبادئه أو تبيين المنهج العملي لمُختلف أحكامه.

ومن الوسائل أيضًا الحرص على تكوين المُسلم القائد والمؤثر من خلال الاستعانة بخبراء ومُختصين في مجال علم النفس والاجتماع وغيرها من العلوم المُهتمة بتكوين شخصية الإنسان وتربيته على المبادئ المُثلى، ويُمكن للجمعيات الناشطة داخل المجتمع التكثيف من الدورات المجانية في هذا المجال، وفتحها للعموم وإيصالها للجميع، بهدف بناء الإنسان المُسلم القادر على تحمل المسؤوليات والمُبادر بالتغيير والمُستعد لخدمة رسالته في الحياة.

المجتمع ودوره في النهضة

إذا ما توفرت عوامل القدوة وتدبر القرآن والوسيلة الملائمة، فإننا بحاجة إلى عامل أخير، إنه العلاقات الاجتماعية، فقيمة كل مُجتمع مُرتبطة بأفكاره ومبادئه وأهدافه التي يحملُها ويُؤمن بها، فما نعيشه نحن اليوم هو توفر الفكرة والمبادئ المُتمثلة في الإسلام وشريعته، ولكن هل يُوجد في مُجتمعاتنا من يأخذها بقوة ويُقيمها في واقع الحياة؟ أم أننا أصبحنا مُجتمعًا يعيش على هامش الحياة يأخذ قيمه وتصوراته في الحياة من مصادر مُتناقضة؟

إن المعادلة الناجحة لنا هي الإسلام وشريعته مع وجود فئة مؤمنة به وعاملة بأركانه ومٌلتزمة به كمنهج للحياة مع إرادة الأفراد في النهوض وتطوير مُجتمعهم مع الانسجام والتوافق والتعاون بينهم والاستعداد لبذل أقصى الجهد من أجل تحقيق هذه الغاية، وأن تكون روح الأخوة جامعة بينهم لحمل أمانة الرسالة وتحقيق مبادئها، وهذا ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام عند بناء المجتمع بالمدينة بالمؤاخاة بين الأنصار والمُهاجرين فكانت علاقتهم متماسكة متينة، وبالتالي كان المجتمع على قلب رجل واحد من ناحية، وذو تصور واضح ومنهج واحد في الحياة من ناحية أخرى.

من جملة مُشكلاتنا اليوم انتشار الاحتقان الاجتماعي النابع عن التعصب، فكل فريق يُريد فرض رأيه على الآخر، وكلٌّ يرى نفسه الأحق بالاتباع وعلى الآخرين السماع له وتنفيذ أمره، وهذا المُجتمع المنقسم لن يكون قادرًا على تغيير مجرى التاريخ وصناعة مُستقبله، ونحن بأمس الحاجة اليوم لأن نعيش مفهوم الأخوة الإسلامية، وأن يكون هدفنا واحدًا نتشارك فيه جميعًا، وأن نكون مُنسجمين ساعين للتطور والعمل والتغيير وعلينا نبذ الدعاوي العصبية العمياء القائمة على الجنس والعرق والانتماءات الحزبية والطبقية، وألّا نقع في فخاخ أعداء الأمة الساعية لتفريقنا وتشتيتنا وإدخالنا في صراعات لا تزيدنا إلا هلاكًا وتخلّفًا، فنحن مُجتمع مُسلم ولن ننهض من جديد إلا بالعودة إلى الإسلام كمنهج كامل للحياة.

ولا ننسى أيضًا كيد أعداء الأمة الناهبين لثرواتنا والذين يتمنون استمرار حالة الركود والجمود عندنا، فهم يتبعون سياسة “فرق تسد”، فأعداؤنا يدرسون مُجتمعاتنا ويضعون الخطط اللازمة لتفتيتها، وأما نحن فما زلنا عاجزين عن التحرك للحفاظ على وحدتنا أو الدفاع عن المجتمع في وجه الانقسام والانحلال على الأقل، كما أننا مُطالبون بدراسة مُجتمعنا بطريقة علمية ووضع الاستراتيجيات المُناسبة للنهوض به وإخراجه من سجن التخلّف الذي يُلاحقنا منذ قرون.

خلاصة القول

وما نستخلصه هنا أن المجتمع يَحتوى في داخله على صفاته الذاتية التي يُمثلها أفراده الذين يقومون بتحديد شخصيته، ولا يكون ميلاد مجتمع ما إلا تلبية لنداء الفكرة التي يؤمن بها أفراده الذين اجتمعوا من أجل تحقيقها وجعلوا علة وجود مجتمعهم وغايته واستمراره قائمة على القيم والمبادئ التي اجتمعوا حولها وأنشأوا من أجلها مجتمعهم، وعندما يفقد الأفراد داخل المجتمع هذه المبادئ وتتشتت الأفكار والمفاهيم فإنهم سيدخلون مرحلة الجمود والخمول، وهذا إعلان واضح بزوال هذا المجتمع وانحلاله.

وإذا حاول أفراد المجتمع النهوض من جديد والدخول في حركة الحضارة وصناعة تاريخهم فعليهم الأخذ بعلة البقاء المُتمثلة في تحدي الواقع وتغييره ومواجهة مختلف الصعوبات المُنتظرة وتَحمّل المسؤولية وعدم الفرار منها لإعادة بناء شخصية مجتمعهم وترسيخ مبادئه، فلو كانت رغبة هذا التحدي ذات فاعلية قوية داخل نفوس الأفراد فستكون استجابتهم للتغيير والعمل والنهوض إيجابية، وفي المقابل إذا كانت القُوى التحفيزية ذات تأثير ضعيف داخل نفوس الأفراد فلن يكون هنالك تأثير على واقعهم.

الصورة الرئيسية لمقال "المفكر الحق .. دوره وصفاته"

المفكر الحق.. دوره وصفاته!

كل إنسان مفكر بطبيعته، فالإنسان العادي دائم التفكير في كيفية تحقيق مصالحه ومتطلبات نفسه، بداية من إنجاز المهام اليومية، كتأمين حاجيات أسرته المعيشية، مرورًا بأهدافه العلمية أو الوظيفية، ثم تحقيق طموحاته وأحلامه المستقبلية البعيدة، إلى جانب ذلك، ثمة طائفة قليلة من الناس تكرّس جل طاقتها وأوقاتها في التفكر في أحوال الجماعة أو الأمة التي تنتمي إليها أكثر من اهتمامها بشؤونها الخاصة، فتتأمل في أسباب انحطاط أمتها، وتبحث عن أسباب نهضتها، وتحاول تشخيص أمراضها ومعرفة مكامن الضعف فيها، وتحديد نقاط قوتها ومكامن الطاقة فيها وما شابه ذلك.

من هو المفكر؟

إذا كان الإنسان البسيط يحرص بفطرته على التواصل مع محيطه، فالمفكر يتأمّل في طبيعة الوشائج بين عناصر المجتمع وسمات النظام الاجتماعي الناتج عن هذه العلاقات، وإذا كان كل فرد في المجتمع يسعى إلى الحصول على عمل أو وظيفة يؤمّن بها رغيف الخبز لأولاده، وأجرة المسكن الذي يعيش فيه وما إلى ذلك، فإن المفكر يدرس طبيعة النشاط الماليّ، وسمات النظام الاقتصادي المتشكّل من هذه الحركة، ويسعى إلى استنتاج القوانين التي تحكمه، وقد يدعو إلى ابتكار أدوات جديدة تنعش الحركة الاقتصادية وتنمّيها، بما يعود بالنفع على عامة الناس، وهكذا الحال بالنسبة للمفكر في سائر المجالات.

المفكر –إذًا- هو الذي يشغل نفسه بقضايا أمته الكبرى، ويسعى لاستخراج السنن والعبر من حركة التاريخ، ويطوّر الرؤى والمفاهيم، ويرتقي من مستوى الجزئيات التخصصية إلى الكليات الحاكمة لسير الحياة وتطور المجتمعات، وينصّب نفسه الحارس الأمين على تحقيق قيمها في النفوس، وفاعلية مبادئها الأساسية في شعاب الحياة، كما أنه يسعى إلى استشراف الأحوال المستقبلية من مصائب وانتكاسات محتملة، فيحذّر منها قبل وقوعها، ويصف العلاج للوقاية منها.

لكن لا يحصل هذا إلا بعد أن تصغر نفسه في عينه، ويمتلئ كيانه بالشوق إلى المجد المنتظر، فيسعى إلى البحث عن أسبابه بالقراءة المتفحصة والدراسة المتأنية دون كلل أو ملل، مُفنيًا بذلك نفسه ومتصدّقًا بعمره، مُفتديًا ليالي الأنس والسمر، والنزهات بين خضرة الشجر، بسهر الليالي بين الكتب، وتجرُّع كؤوس الكدّ والتعب.

المفكر الحق يرى نفسه نقطة في بحر أمّته، ولكنه في الواقع المنارة التي تهتدي بها في مسالك الترقي بين الأمم. وإنّا لن نجد أمة لها حظ من التقدير والاحترام تخلو من مفكرين عظماء رسموا لها خارطة الطريق، ووضعوا خلاصة أيّامهم في ورقات من نورٍ كُتبت في سجلات الخلود عبر العصور. في المقابل لا تتنكّر هذه الأمم الواعية لهؤلاء الكبار، ولا تنسى أفضالهم عليها، بل يصبحون الأيقونات الشهيرة، والأسماء المنيرة في مسيرة تاريخها، حتى تقترن أسماؤهم باسمها، فإذا ذُكرت ذُكروا والعكس بالعكس.

من إشكالات الواقع الفكري المعاصر

ومن المؤسف أننا صرنا نرى انحراف بعض المفكرين عن الدور المنوط بهم في توعية الجماهير وتثقيفهم، وتوسيع آفاق النظر والتفكير عندهم بما يمهّد لتقبّل الرأي المخالف ومعذرة صاحبه، وبالتالي تقريب الناس من بعضهم، وتوحيد جهودهم في خدمة قضايا الحق والعدل، حيث أصبح خطاب البعض منهم سببًا في إحداث اللبس والفتن والخصومات بين العامة، لا سيما مع وجود وسائل التواصل وحرص بعض المثقّفين على الحضور والتأثير، وبالتالي ضرورة التواصل اليومي مع المتابعين.

وقد صرنا نشاهد يوميًّا الكثير من المنشورات المتسرعة والأفكار الطائشة التي صارت مناسبة للمناكفات بين المتابعين وتبادل الشتائم وتعزيز الفرقة، وقد طالت هذه الانحرافات كافة المجالات، من المجال السياسي المتعلق بالأحداث السياسة اليومية إلى المسائل العقائدية والإيمانية، ولذا فإنا اليوم بأمس الحاجة لوضع أصول أدبية ومنهجية ضابطة للتعامل مع وسائل التواصل، سواء للمؤثرين أو المتابعين.

ومن الإشكاليات الواضحة هي الفجوة السائدة منذ عقود بين الخطاب الثقافي والفكري من جهة وعامة الناس من جهة أخرى، وذلك يرجع إلى عدة عوامل وإلى أسباب متداخلة، منها يرجع إلى السياق التاريخي والحضاري، والواقع الذي نعيشه وما يتعلق به من مؤسسات تعليمية وتثقيفية وإعلامية وما سوى ذلك، ومنها ما يتعلق بالمثقف نفسه، ومنها يعود إلى الفرد العادي باعتبار تركيبته الثقافية والنفسية.

صفات المفكر الحق

تُعنى هذه المقالة بإلقاء الضوء على بعض سمات المفكر الحق والتذكير بها، بما يشكل لبنة في سبيل هدم هذه الهوة، وإصلاح الانحرافات المذكورة. وسيساعد ذلك في تحصيل نوع من النضج المعرفي في التمييز بين المفكر الحق، وغيره من أصحاب المآرب والغايات الشخصية. وهذه الصفات اخترتها – بما يناسب المساحة المتاحة هنا – من بين كثير من الصفات الضرورية، وذلك لأهميتها ولتأثير فقدانها على إنتاج الإشكاليات العويصة التي أشرت إليها.

  1. الربانية

نحن المسلمون نؤمن بأننا لم نأتِ إلى هذه الدنيا عبثًا، ولكن وجودنا القصير فيها له غاية واضحة وأمر محدد، وهو تحقيق العبودية لله تعالى أولًا، ثم تحقيق عمارة الأرض والقيام بواجب الاستخلاف فيها على الوجه الذي يرضي الله تعالى، كما بينّه في شرعه الحكيم. إذاً نحن هنا لا لندعو الناس إلى أنفسنا، ولا لنضيّع أوقاتنا المحدودة بكثرة السجالات وبترف الأفكار والأقوال.

إن المفكر الحق يعرف ماذا يريد، وإذا اضطُر إلى خوض المعارك الكلامية فإنه لا ينسى غايته، ولو كان تحت ظلال السيوف، ولا تزيغ الرؤية عنده في أي ظرف من الظروف.

وعليه فإن المفكر الحق هو الذي يسخّر فكره وإنتاجه العلمي والأدوات المنهجية التي يتقنها وكل ما حوى وعاؤه العقلي في سبيل الدلالة على رب الأرباب، وهداية الناس إلى المنهج الحق، والدفاع عنه وتبليغه للخَلق، وتطوير العلاجات لأسقام الإنسانية التائهة، وكل ما يفضي إلى ذلك من تذليل العقبات المركوزة في رؤوس المعاندين، ونسف الكِبر الثاوي في قلوب المتكبرين.

ولكن كيف يقدُر المفكر على هذا إذا كانت صلته منقطعة بمالك القلوب والعقول، وغفل عن المداومة على الوقوف بين يدي المولى عز وجل والالتجاء إليه؟

ستلاحظ عند المفكر الغافل انحراف البوصلة بكثرة الجدل والسجالات، واللدد في الخصومة ومخالفة الآداب، والتربص بالمخالف، والغرق في الموضوعات التي لا تغني ولا تسمن من جوع، ولا ينبني عليها عمل في حياة الناس، فتجده كالذي يمشي بين الأشواك واضعًا قربة الماء على رأسه، وإذا وصل إلى بر الأمان كسرها بيديه!

فلا تتعجب، إذ هو يريدك أن ترى مهاراته في الموازاة الدقيقة والتحليلات العميقة، فلا تحسبنّ أنه يريد منك الريّ والهدى، إنما يقول ليسقي غروره ويُشبِع تطلّعات نفسه.

إنّ شرب الروح من مناهل الوحي الصافية تُكسِب المفكر الحق نفاذ البصر ووضوح الغاية، ونبل الأخلاق والهمة العالية، وصدق اللسان والنية الصافية، إذ ليس هناك أصفى من الفكرة الممزوجة بالأنوار المتسلّلة إلى الإنسان من وراء ستائر المحاريب، والمتمخّضة من نظرات العقول المتأملة، فهي النور الخالص!

  1. بين المشروع الخاص والتشتت

لا يوجد مفكر دون مشروع خاص به، يعمل عليه ويسعى إلى نشره بين الناس، فهل يمكن أن ترى ساعي البريد دون رسالة يحملها؟ وكذلك شأن المفكر كذلك لا يمكن أن يكون حائرًا فاقدا للهدف؛ إلا أن المشروع حصيلة السنين، وخلاصة الفكر الذي يسعى المفكر لينتشل به أمته من براثن الظلمة. كما أن المشروع لا بد أن يشمل معالم كبرى، ووصفة عملية في أحد المجالات الحيوية لتكون الركن الركين في بناء المستقبل المكين.

قد ترى بعض المثقفين يكتب في كل شيء، ويعلّق على كل حادثة! والسؤال الذي نسأله إياه: أليس عندك مشروع تعمل عليه؟! وهل عندك الوقت بلا حساب لكي تشتّت نفسك بين سراديب اللانهاية.

إن المشروع يحتم على صاحبه أن يحدد مسارات معينة يمشي ضمن إطارها معظم الوقت، ولا يخرج عنها إلا قليلا، ثم يسابق الزمن لتشييده على أسس ثابتة ومتينة، والموقع الذي يأخذه بعض الكتاب، وهو ردة الفعل على مجريات الواقع هو التشتت بعينه، إذ لا يمكن مجاراة الأحداث اليومية، والإحاطة بتفاصيلها لكثرتها وتشعبها وتنوعها. وهكذا يلزم المفكر بعد أن يحصّل جمعيّة قلبه (الربانية) أن يحقق جمعية فكره وعقله، من خلال تجلّي مشروعه الخاص.

لقد اضُطر بعض المفكرين إلى عزلة مؤقتة ابتعدوا فيها عن متابعة الأحداث والانخراط فيها لينجزوا مشاريعهم الأساسية، وليستطيعوا التحرر من إكراهات النظرة الجزئية المنقوصة التي تفرضها تطورات الأحداث اليومية. ومن ذلك ما رواه الدكتور عبد الوهاب المسيري –رحمه الله- في سيرته، إذ صرح بأنه توقف عن قراءة الأخبار في الصحف اليومية في فترة من فترات العمل على موسوعته الشهيرة عن اليهودية والصهيونية، كما أنه امتنع عن متابعة الأخبار وقت اندلاع الانتفاضة الفلسطينية – وهو المتخصص في اليهودية والصهيوينية – مسوّغًا ذلك بأنه لو سلّم نفسه لسيل الأخبار الجارف لما استطاع إنجاز هذه الموسوعة الفريدة.

عبد الوهاب المسيري

إن العزلة الدائمة مبدأ سلبي بحد ذاته، لكن العزلة المؤقتة قد تكون ضرورية في بعض الأحيان لصفاء الفكر والحد من تشويش مجريات الواقع، وهنا نشير –للفائدة- إلى كتاب “الماجريات” للشيخ إبراهيم السكران الذي يعالج هذه القضية، حيث يعرض فيه خمسة نماذج لكبار علماء عصرنا ممن خاض العزلة المؤقتة.

  1. تيسير لغة الخطاب

بعض المفكرين يجعل بينه وبين الناس حاجزًا، من خلال استغلاق لغته وصعوبة مصطلحاته وتعقيد تراكيبه اللغوية. ومنهم من يريد أن يبهرك باقتداره اللغوي، فيأتي بالعبارات المنمقة والديباجات المطوّلة، إلا أن كثيرًا من ذلك يحصل على حساب المعنى فيكون مبتَذلًا مكرَّرًا، لا إضافة فيه للقارئ سوى المعاناة وتضييع الأوقات.

مقابل ذلك ثمة مفكرون يخبئون في جعَبِهم جواهر مكنونة، لكن بعضهم يعرضها بصور مشبّعة بالرموز الغامضة والإيحاءات المحيّرة، فتصير كبعض اللوحات التي تعرَض في المعارض الفنية، يفسرها الزوّار كلٌّ حسب رؤيته، ولا أحد يدري ماذا أراد الرسام بلوحته، وإن على وجه التقريب.

ماذا يستفيد من يعرض فكره داخل أقفاص الغموض سوى ظلم نفسه، وتضييع فكرته، وحرمان الناس من الاستفادة من تجربته!.

أما عند عظماء المفكرين فإنا نرى العكس تماما، حيث الحرص على تبسيط الفكرة قدر المستطاع مع الحفاظ على عمق الطرح.

إن الجمال اللغوي مطلوب لا محالة، والفكرة التي تُصَبّ في قالب أدبي أنيق تتناقلها الألسن وتحفظها الذاكرة بيسر وسهولة، مثل الأمثال الشعبية والأشعار والمتون (وإن من البيان لسحرًا)، لكن الجمال والفصاحة لا تنافي البساطة، بل البساطة هي من أنواع الجمال. والله تعالى قد جعل كتابه ميسرا وهو الغاية في البلاغة والفصاحة {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 22]، وإنك لتجد عبارات النبي صلى الله عليه وسلم – وقد أوتي جوامع الكلم – مفهومة ميسرة بعيدة عن الوحشي من العبارات. وإن وجدنا بعض الكلمات الغريبة، فهي غالبًا كلمات موجودة وشهيرة في عصره إلا أنها اندثرت في أيامنا، فهي إذًا مسألة اختلاف أزمنة لا علاقة لها بالصعوبة أو السهولة اللغوية.

ولا بد من الإشارة إلى أن هناك بعض الكتابات التي قد يستعصي فهمها على معظم الناس، لكن الصعوبة فيها مبررة على الرغم من ذلك، إذ قد تكون دراسات علمية تتطلب ذكر مصطلحات معينة غير متداولة إلا في مجالاها، وقد تكون متونا كُتبت بتكثيف في المعاني واختصار في المباني ليسهل حفظها واستظهارها وما سوى ذلك. وهذا نستطيع أن تقبله ونتفهمه، إذ فيه فائدة وإعانة لطالب الغاية.

صفات أخرى

وهناك أيضا غيرها الكثير من الصفات العلمية والأدبية التي يجب على المفكر الحق أن يتحلى بها -أذكر بعض منها بإجمال دون تفصيل لضيق المقام- مثل: (شمولية المعرفة) أي إدراك تكامل المعارف والعلوم، والسعي إلى استنباط العلاقات بينها، وتوحيد الجهود والربط بين الإسهامات المختلفة، فلا إقصاء لمجال من المجالات على أنه غير مهم، أو الادعاء بأهمية مجال بعينه دون سواه، وهذه خطوة أولية في سبيل تجاوز خلافاتنا وفرقتنا، مثل الخلافات التاريخية المعروفة بين المتكلمين والفلاسفة، والمتكلمين والفقهاء، والفقهاء والمحدثين وما شابه.

والتنبّه لـ (تركيبية الإنسان): فالإنسان مخلوق مركب، يحوي عقل وعاطفة، روح وجسد، ولكي يفلح الإنسان يجب أن تعمل كل مكوناته بالتوازي في الإطار المحدد لها، ولا نؤيد الذين يقطّعون الإنسان إلى مجالات موضوعية معزولة عن الكل، ويحاولون إصلاح الإنسان بإصلاح إحدى مكوناته بمعزل عن الأخرى.

إضافة إلى (الانفتاح) المحمود: أي الاطلاع على فكر الآخر (أفرادا وحضارات) وتجاربه ومحاولة الاستفادة منها، ولكن مع مراعاة الخصوصية للمجال التداولي للبيئة العلمية والاجتماعية التي نعيش فيها وننتمي إليها، و(التخلّق بالصبر) على المخالفين وعفة اللسان والتحلي بأخلاق الإسلام، و(الواقعية): أي الاهتمام بالمباحث النافعة من العلوم، وما يتصل بحياة الناس العملية. ولا بد هنا من الإشارة إلى الإشكالية الكبرى في تحديد العملي والنظري، أي ما يبنى عليه عمل، وما هو من قبيل التَرَفِ الفكري، حيث يمارس الكثير من العوام نوع من الشغب في حق المفكرين والعلماء، وكيل الاتّهامات بالتنظير والفلسفة، غير مدركين خطورة بعض الأفكار النظرية، التي تولد في رؤوس شياطين الإنس، ولكنها قد تحتاج مئة عام ليراها الناس انحرافًا سلوكيًّا أو أخلاقيًّا جارفًا، يقتلع الفضيلة من جذورها، ويعصف بالمجتمعات الآمنة، ويُسقِط دولًا برمّتها. وهذه مسألة تحتاج إلى التفصيل وتحرير القول، وليس هذا مكانه هنا.