مقالات

الإسلام وفقه إعمار الحياة

إن الهيكل التراتبي لفقه العمارة في الإسلام، يقدّم أساسَي الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيله، على عمارة المسجد الحرام، قال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ} [التوبة: 19]؛ فمنزلة عمارة النفس بالله في سلّم الوحي، أفضل حتى من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فما بالك بمن جعل من العمران أو تأسيس الحضارة، مقصدًا قرآنيًّا!.

لقد اعتنى القرآن عناية بالغة بقضية عمارة النفس بالله والاستسلام له، فلا تكاد تجد موضعًا، إلّا وفيه ذكرًا لقضايا متعددة من دلائل وحدانية الله واثبات اليوم الآخر وقصص الأنبياء، والأهم ربط التشريع والعبادات والمعاملات في القرآن برابط واحد يجمع كل هاته المواضيع ببعضها، وهو عمارة النفس بالله والخضوع له، أما الحضارة والعمران فهي أثر ثانوي يتحقق تباعًا، لا كما يحتج كثير اليوم، على وجوب تقديم العمارة قبل تحقيق التزكية والتربية، بناء على قوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 61]، إذ الواقع أن العمارة هنا جاءت في سياق الامتنان الإلهي، ثم الأمر بالاستغفار والتوبة، نظير نِعم الله لا الكفر والجحود، وهي لم تأت في سياق الحثّ والطلب، أو كونها مقصدًا قرآنيا لتحقيق الاستخلاف، ولو كان تحقيق الاستخلاف بمحض العمارة والبناء المادّي، لما أنزل الله عقابه على أمم غابرة، كانت أشد قوة، وبرعت أيّما براعة في استخراج الأرض وعمارتها، إذ أمرنا بالسير فيها والنظر في عاقبتهم، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 30].

الرسول بين هداية الحيارى وإقامة الحضارة

تسللت عديد المفاهيم الليبرالية الفجة إلى الداخل المسلم، ثم تلقفها العامة بحسن نية، رغم ما تحمله من تلوث فكري عميق، إذ يتم التصدير لنا، أن أهم وظيفة ومُنجز قام به الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو أنه باعث لحضارة إسلامية من عمق البدو والصحراء! وليس باعتباره رسول الله إلى الناس جميعًا، جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويهديهم بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وفضلا على أنه ما لتأسيس دولة الإسلام، من الأهمية الشرعية والسياسية، وكذا تحصيل أسباب القوة، إلا أنّ ذلك لا يجب أن يتخطى سلّم أولويات الوحي، فتأسيس دولة الإسلام وحضارته، هو تَبَع للغاية الكبرى وهي التبليغ عن الله وهداية الخلق، وليس العكس.

تحت الاستخدام المهول للأدوات الناعمة لهذا العصر، الممزوج بشيء من الغرائز الإنسانوية، تمّ النفخ في قضية الحضارة والعمران وتحميل معاني القرآن ما لا تحتمل، وطبعًا تحت أثر تعظيم الحضارة المادية والمغالاة فيها، تسرب في اللاوعي الجمعي، الاعتداد بالحضارة الغربية والانبهار بها، حتى صارت قِبلة وهمّ شباب المسلمين اليوم، ولا يعلم كثير من الناس أن هذا الانقلاب الفكري والمفاهيمي، يعزز في الداخل المسلم قبل الخارج، ويبعث فيه رسالة سلبية، مفادها: طالما أن إقامة الحضارة المادية هي الغاية في نهاية المطاف! فما الذي يجعل الداخل المسلم لا يفِد للآخر الغربي؟ وما الذي يجعل الآخر لا يستغني عن الإسلام، طالما حقّق مراده وغايته المتركزة حصرا في الحضارة المادية؟

جواب ذلك، أنّ أوّل ما يجب أن تعلّق به القلوب وتوطّن عليه، إحياء النفس الجمعية للمسلمين والاعتزاز بها، والتأكيد على أن الحضارة الغربية، مجرد حياة بهيمية منحطة ومادية بائسة، تجهل أعظم مطلوب وهو العلم بالله، ينطبق عليها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} [محمد: 12]، كما أن أبلغ ما ترسّخ به العقول، هو أن معيار خيرية الأمم عند الله عز وجل، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}]آل عمران: 110[، أما أصحاب الحضارات، المنبَهَر بهم، فقد قال الله فيهم: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم} [آل عمران: 110]، وأنّ ما ننشده من حضارة كمسلمين، هي الحضارة التي تعلي ما أعلاه الإسلام وتخفض ما أخفضه، قال تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41].

الطريف في الأمر، أنه ورغم ما حفِلت به الأطروحات المغرضة، من تطويع للنصوص وخطابات حداثية سيّالة، لم يتحقق منها شيء!، وأنى لهم أن يحققوا شيء؟ إذ كيف لمن يشعر بهزيمة من الداخل أن ينهض؟

في هذا يقول بن نبي في كتابه دور المسلم: “لماذا استطاع ذلك أولئك الأعراب الفقراء في عهد محمد صلى الله عليه وسلم؟ لماذا قام أولئك الأعراب الفقراء الأميون بإنقاذ الأمة الإنسانية وشعروا أنهم جاؤوا من أجل إنقاذها؟ فقد كانوا يعلنون هذا في أقوالهم ومخاطباتهم للآخرين، سواء من أهل الفرس أو من أهل روما، كانوا يقولون لهم: لقد أتينا لننقذكم، إنهم لم يشعروا بمركب النقص، فلماذا لم يشعروا بمركب النقص؟، لأن الإمكانيات الحضارية المتكدسة أمامهم في فارس أو في بيزنطة أو في روما لم تفرض عليهم النقص، وبعبارة أخرى لم تبهرهم”[1].

مالك بن نبي

علاوة على ذلك فإن المتأمل لما يقدمه القرآن من هدايات وتصورات من جهة، وما تقدمه كثير من الأطروحات المحايدة بزعم أصحابها، من جهة أخرى، يرى تباينًا صارخًا، فالأطروحات المغرضة لا تنفك تصدّر لنا أنّ غاية المدنية هي تحقيق الرفاه للبشرية، بينما نقرأ في القرآن: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: 7]، فالغاية مما حبانا الله إياه من نعم، إنما هو الابتلاء، فهل نغير مقتضى الوحي وفحواه ليتوافق مع مزاجنا الليبرالي، أم نفتش في دوافعنا عمّا يرجعنا إلى حاضرة القرآن ومآرب الوحي؟

الاستهداء بالقرآن

الدعوة لاستنطاق مقاصد القرآن وفق مراد الله، وما يتطلب مبدأ عبوديته، ليست سذاجة في التصور، ولا سطحية في الطرح، ولا باقي الإطلاقات الصحفية غير المسؤولة، والحث على عمارة النفس بالله أولا والاستسلام له، قبل تأسيس الحضارة والعمران، ليست دعوة إلى التقوقع والانكفاء على الذات، فالإسلام لا يدعو إلى السلبية والانسحاب من الحياة العامة، بل على العكس فقد ضاعف الأجر على العمل، وحثّ على الضرب في الأرض والمشي في مناكبها، قال تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15]، لكن الانتفاع الحسي من متاع وماديات، هو ما شغل الإنسان عن مراد الله ووحيه، فأصبح يفتّش في القرآن عمّا يوافق انتفاعه وهواه، مغلبا جزأه المادي عن الروحي، رغم أنّ داخل ذات هذا الإنسان شعث، يورثه كل حين شعورا بالتيه والوحدة وفقدان معنى الحياة، ولا يجبر هذا الشعث ويسده، إلا الإقبال على الله والقرآن.

إن هذا الدواء ثابت بنص الكتاب، قال تعالى: {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71]، فالقرآن لا يعطينا بيانا شافيا في التصور الصحيح لقضايا جوهرية كهاته فحسب، بل يلهمنا كيفية التصرف معها، وبيان حالنا ومآلنا إزاءها، فسبحان القائل في كتابه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 39].

إن العبودية الخالصة – إذًا- هي أم المقاصد وغايتها، وقصد القراّن إلي تحصيل العلم وحصول الإيمان والعمل الصّالح هي أسس هذا المقصد، وقصده إلى إيجاد الوازع، والتذكير، والوعظ، والإحسان، والصبر، هي أعظم ما يُتوصّل به إلا إقامة تلك الأسس، وذلك المقصد، وتلك هي عناصر المنظومة المقصدية في القراّن.


[1]مالك بن نبي، دور المسلم، دار الفكر، دمشق-سورية، الطبعة الأولى (1991) ص49

على شفا جرف هارٍ

هل جربت أن تعيش طمأنينة من ورق، تتسارع فيها دقات قلبك منذرة بشقاء قريب!

شبَح الخوف يطوف بك أينما خرجت وحيثما ولّيتَ وجهك، وقد تكون وحيدًا، فتظن أنك بين أحضان الجموع ستغدو أكثر استقرارًا. تهجر عهدك وتنسى غايتك، وترمي بنفسك بعيدًا عما خلقت لأجله، مؤمّلًا إياها أنك -في الغد- بين الجموع قد تشفى، وأنك في الغد ستحررها، ثم تأتي ساعة الوفاء فإذا بك ما زلتَ غريقًا، وأكثر غربة عنها، ولا شيء غير الحسرة يملأ فؤادك!

حسرة التنازلات والسقوط في سبيل الظفر بشيء من السكينة، تطرق فكرك كلماته تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 4] فتوقن أنك تسلك سبيلًا غير الذي تأمل الوصول إليه، وتعلم في قرارة نفسك أنك لن تصل؛  لأنك وضعت طمأنينتك على أعتاب أبواب موصدة  لا تُفتَح  إلا بمزيد من التنازلات.

على أعتاب ماذا لو؟

في كل مرة تهمس لنفسك (ستكون الأخيرة ولن أعود)، سأكذب للمرة الأخيرة، وسأحلف للمرة الأخيرة، سأغش وســ…، وما إن تفتح الباب حتى تَلِجَهُ فتغنم شيئًا من السمّ على هيئة اللذة، فتردّد فرِحًا على عجل: ها قد وصلت وظفرت، ولم يذهب بذلي سدىً.

لكنك لا تلبث يسيرًا حتى يطاردك شبح “ماذا لو؟”

ماذا لو تركني زوجي؟، وماذا لو اغتربت وقُدّر علي أن أعيش وحدي؟ ماذا لو توفي والداي؟ ماذا لو افتقرت واحتجت؟ فتتراءى أمامك سيناريوهات الغد المؤلم  – وإن لم يكن قد وُجِد بعدُ-  وتبدأ مع كل سيناريو رحلة التفكير  والخوف مما هو آت، فينسيك الشيطان ذكر ربك، حتى تجد أنك شقي بما لديك، وأنك تعلقت بإفراط ووضعت طمأنينتك على شفا جُرف هارٍ من الشقاء!

إذا زاد ضرّ

مجبولون نحن على التعلّق بمن حولنا من الناس وما نحبه ونتذكره من الأماكن. ضحِكُ الصغار في الأرجاء، رائحة شاي البيت، وتفاصيل لا تكاد تنتهي، نستظلّ بظلّها كي لا نُضِلّ في عالم يعجّ بالمادّية حتى النخاع!  نخبر العالم بها: إنّنا سعداء!. لكن هل نحن حقـًّا سعداء؟

هل فكرت فيما قد يحدث لحياتك وأنت ترى عقارب ساعات الألم والفقد تدقّ قريبًا من بيتك؟ أي شعور سيملأ أركان روحك وأنت تقف أمامها كسبع عجاف لا غيث بعدها ولا تقدر على صدّها أو ردّها؟

ترى هل هو  شعورٌ بالشلل والشقاء، أم تراه  حزمة من الرضا مع صوت متحشرج  يردّد  (أمر المؤمن كله له خير)؟ [أخرجه مسلم]

إن كان الشلل واللاحراك هو أول احتمال طرق ذهنك، فـلا ضير؛ إذ إن ضعفك طبيعي وما عليك إلا أن تقبله، لكنّ الفيصل ها هنا هو محاولة استدراكه، ولـك أن تعتبره نذيرًا جاءك محذّرًا إياك، فإن زادك من الطمأنينة قليل حين جعلت نفسك أسيرة مستعبدة لما حولها ولم تعلِّمها أنّ: التعلق إذا زاد ضرّ!

هل إلى الحرية من سبيل

لا أحد ينكر أن الاستعباد والأسر كرب عظيم، يحملك من سعة الرضا إلى ضيق السخط، لا سيما إن كانت أغلالك من صنع يديك، أغلال محملة بشحنة من الرفض التام للألم، فيصبح كل تحدّ أو امتحان -مهما صغر- بمنزلة النازلة والقشة التي تقصم ظهر البعير وتنتهي بالعتب على ما جاءت به الأقدار.

هنا حق لنا أن نسأل كل مستعبد أسير “أما اكتفيت”؟

وتحضرني عبارة قالها د. عبد الرحمن ذاكر: “إذا خفتَ أن تفعل فقد فعلت ما تخاف”، لذا تحرّك واعلم أنك بينك وطمأنينتك مسافة الترك، ستقرصك مرارة التخلّي وينزف قلبك، وستسمع أنين روحك!

لكن هذه المرة سيكون أنين التماثل للشفاء، جرّب أن تخطو بصدق، وليكن زادك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]

وإذا اخترت المكوث فلا أزيد على أن أقول لك: إن الفطام يصعب بقدر التأجيل.

كيف تكونين أنثى قوية؟ وما القوة التي تحتاجها المسلمة؟

بينما ما يزال غزو الأيديولوجيا النسوية مستمراً وواضح الأثر في مجتمعاتنا، نجد اليوم على النقيض من الذين تبنّوا النسوية وسعَوا للانطواء تحت جناحها الخبيث، فريقًا آخر من الفتيات بتن يخشين التشبّه بأي صفة تضمّنتها دعاوى النسوية خوفاً من محض الاقتراب منها أو تقليدها، والإشكال في ذلك يكمن في أنّ النسوية نادت بشعارات مبهمةٍ وعامة كثيرة لا يتوجّب على المسلمات تجنّب جلّها والخوف منها لمحض أنّ النسوية رفعتها خداعاً للنساء واستدراجاً لهنّ إلى صفوفها.

في هذا المقال أتحدث عن صفة القوة التي ينبغي أن تمتلكها المسلمة؛ إذ رغم رفضنا للنسوية، إلا أن رفعها لفكرة القوة وتصويرها للمرأة المثالية على أنها “strong independent woman”؛ لا ينبغي أن يرهبنا نحن المسلمين من القوة، إذ هو مفهوم نحتاجه في نساء ورجال أمتنا، كما يجدر أن ننادي بامتلاك القوة المنضبطة التي يحبها الله سبحانه؛ إذ إن (المؤمن القويّ خيرٌ وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير) [أخرجه مسلم]. ولتكون القوة التي نتحدث عنها هي تلك التي يرضى الله عنها، وبالتالي يجب أن تنضبط وفق مراده سبحانه، فلا نقبل منها ولا نرفض إلا ما ذُكر في ضوء وحيه، ولا نسعى للاتصاف بها إلا تقرباً إليه وسعياً لنيل محبته.

من أنتِ في ميزان الوحي؟

قبل الحديث عن القوة المطلوبة في الأنثى وسُبُل تحصيلها، لنعد خطوة إلى الوراء باحثين عن هويّة الفتاة المسلمة وتعريفها في ضوء الوحي المنزّه الشريف. فنحن إماءٌ لله أولاً، خلقنا تبارك وتعالى والذكورَ من نفس واحدة لتكون خليفةً في أرضه، وهي تلك النفس المخلوقة من طينٍ لازبٍ، حيث نُفِخت الروح فيها بغير اختيار منها، ثم إن الله استرعاها في الأرض وابتلاها وكلّفها، ووعدها بعد كلِّ ذلك رجوعاً إليه ومحاسبةً على ما كان وأجراً بحسب ما أمَر وما عملت في هذه المدة التي حدد لها على وجه الأرض. قال تعالى: {يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1].

ولتلك النفس البشرية صفات عامةٌ يشترك فيها الذكور والإناث كما ورد في كتاب الله وعلى لسان نبيه، وكما يقتضيه كونها مخلوقةٌ مملوكةٌ لمولاها، لا تملك ذاتها ولا نشأتها ولا مماتها، ومن ذاك النقص والحاجة والضعف والفقر، وكذلك النسيان والعجلة والهلع وحب الشهوات وكثرة الجدل، ومع وجود هذه الصفات الأصيلة في النفس فإن تزكيتها بتطهيرها من الكفر والمعاصي وإصلاحها بما يرضي الله، وتنقيتها من الذنوب ورفعها بالعلم هي طرق النجاة ومفاتحه، كما بيّن سبحانه إذ قال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9].[1]

أما فيما تختص به المرأة المسلمة عن الرجل بعد كونها شقيقةً له مكلّفةً ومسؤولةً مثله، فإنَّ ذلك يتضمّن بعض الصفات المتعلقة بالأنوثة، والاختلافات التي لديها نفسياً وفيزيولوجيًّا عن الرجل ليكونَ كلٌّ منهما مكمّلًا للآخر ومتممًا له، بلا تقابل أو تنافر، ولتكون الحاجة الفطرية الطبيعية ممكنة بينهما، كما خلق الله الخلق جميعاً وفق هذه الثنائية {ومن كلِّ شيءٍ خلقنا زَوجين} [الذاريات: 49][2]، ولله في ذلك حكم كثيرةٌ يظهر بعضها في حدوث السكن والمودة والرحمة بين الزوجين وكذلك الرغبة في دوام الالتقاء وضمان استمرار الحياة.

ومع وجود الاختلافات، إلا أنّ الخطاب القرآني للمرأة انطلق من مبدأ الخطاب الكلي للإنسان منذ كان خطاب الوجود الأول للنفس الإنسانية، فكان التكليف الكوني العجيب بالأمانة التي حملها الإنسان بعد أن أشفقت منها السماوات والأرض والجبال، فتصدّر الإنسان، وخوطب باعتباره عاملاً سواء كان رجلاً أو أنثى لا فرق بينهما في المسؤولية الوجودية من حمل الأمانة الكبرى {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بعضكُم مِّن بَعْضٍ} [آل عمران: 195].[3] ومن هنا كانت القوة التي يحبّ الله المؤمن المتصف فيها مطلوبة في الذكر وفي الأنثى طالما أنها منضبطة بميزان الشريعة وتسعى لرضوان المولى وحده.

لا يليق بالمسلمة الانهزام!

إن الحديث عن القوة النفسيّة للمرأة ينطلق من كونها فرداً في المجتمع المسلم لا ينفكّ أو ينعزل عنه؛ إذ تحمل في ذاتها صفات المؤمن الراسخ، لا تهزّه نسمة ريحٍ ولا تؤثر فيه كلمة أو شبهة عارضة، فلا يليق بالمؤمنة مثلاً أن تجهل الأحكام المتعلقة بالنساء والتي تحتاجها في حياتها اليومية، ولا يناسبها أن تحمل شبهات لا تعرف ردها ولا تعي خطرها، كما لا يستوي أن تعرف أخبار الموضة وفنون الطبخ وترتيب البيت والعناية بالجمال، وتجهل إجابات الأسئلة التي تتردد في ذهنها كل حينٍ عن مكانتها في شرع الله وخطابه سبحانه لها، وتغفل عن معنى الآيات والأحاديث المركزية في هذا السياق.

مع انفتاح مصادر كثيرةٍ للشكوك والشبهات على النفوس في هذه الأيام، فإن الحاجة لتلك القوة باتت أكبر وأكثر إلحاحاً، خصوصاً والأنثى غالباً ما تكون عرضةً لكثير من التيّارات الفكرية والشبهات العقدية التي تستغل نفسيتها وعواطفها، فهذا يشعرها بالفشل لأنها اختارت عدم العمل خارج بيتها، وذاك ينتقص منها باستخدام حديثٍ لا يفهمه، وذاك يتهمها بالنسوية لأنها بفطرتها الطبيعية لا تحب أن يكون لزوجها زوجة أخرى، والقائمة تطول مما قد يرد على المرأة خلال دقائق معدودةٍ من الإمساك بهاتفها المحمول.

ولما كان الجهل يولّد الخوف، والخوف بدوره ينتج شخصيةً ضعيفةً مهزوزة ومنهزمة[4]، كان طلب العلم أول وأهم طرق الوصول إلى القوة المطلوبة، فالمسلمة التي أكرم الله وتفضل عليها بالإيمان ينبغي أن تعبده سبحانه على علمٍ وفهمٍ وثبات كشجرة عميقة الجذور في تربة الإيمان، ثمرها طيبٌ في كل كلمة تصدر منها وكل فعل، تعرف قدرها في دين الله ولا تثنيها تقلبات الزمان وتغيرات الأحوال عن غايتها والدرب الذي تسلك، فلا تأخذ دور الضحية أمام أمواج الشبهات الهائجة، ولا تقف تنتظر رأي الآخرين بها وتقويمهم لها، إنما هدفها مسدَّد، وعينها مثبَّتة عليه على الدوام، كما وصفها د. فريد الأنصاري: “إنما الفتاة المؤمنة هي التي ترفع راية الإسلام بلباسها الشرعي وخلقها الاجتماعي، فلا تفتنها الأضواء الفاضحة، ولا الدعايات الكاشفة، بل تجاهد في الله من أجل بناء قيم الإسلام في المجتمع من جديد وتسعى لطلب العلم بدينها وتعلّم شرائع ربها، للعمل بها في نفسها أولاً ثم تعليمها لغيرها؛ فكانت مثال الصلاح والتقوى والعفاف، ومنار الهداية لجيلها وللجيل الذي يتربى على يدها”[5].

وقد كان الحرص على العلم ونشره حاضراً جلياً في سيرة أمهات المؤمنين والصحابيات رضوان الله عليهن ومن تبعهن بإحسانٍ كذلك، وقد رَوَت أم سلمة رضي الله عنها: (كُنت أسمع الناس يذكرون الحوض ولم أسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان يوماً من ذلك والجارية تمشُطني فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيُّها الناس. فقلت للجارية: استأخري عني. قالت: إنَّما دعا الرجال ولم يدعُ النساء. فقلت: إنِّي من الناس). [أخرجه مسلم].

كيف نصل للقوة المطلوبة؟

إضافةً لطلب العلم، فإن من المهم معرفة النفس وتقديرها، وفهم مواطن القوة والضعف فيها، انطلاقاً من الوحي أولاً، ثم من التبصّر بها ومراقبتها ودراسة احوالها وتقلباتها، وكذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يحاسبون نفوسهم ويزنون أعمالهم، حتى إن أحدهم يلحظ من ذاته أدنى بعدٍ أو تغيّرٍ أو حاجةٍ للتزكية، وما أجمل ما قام به عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه لما لحظ من نفسه ما يريبه، فدعا الناس أن الصلاة جامعة، ثم قال بعد حمد الله والصلاة على نبيه: يا أيها الناس، لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم، فيقبضن لي قبضة من التمر أو الزبيب، فأظل يومي، وأي يوم؟ ثم نزل عن المنبر، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن قمّأت نفسك [يعني عبتها]، فقال: ويحك يا ابن عوف! إني خلوت فحدثتني نفسي، قالت: أنت أمير المؤمنين، فمن ذا أفضل منك؟ فأردت أن أعرفها نفسها[6].

ومن نتائج معرفة النفس تجنب مقارنتها بالآخرين وتقييمها بحسب مكانها بينهم، خصوصاً إن كانت المقارنة دنيوية أو في أمور لا يعلم بواطنها إلا الله، ومع مشاركة الناس كثيراً من خصوصياتهم على مواقع التواصل اليوم، وقدرة أي منا على الاطلاع على أخبار وقصص الملايين ببضع نقرات، فإن ذلك صار أكثر إتعاباً للنفس وأدعى لأن تغلق تلك البوابات عن ذاتها، فرغم أن المرء قد ينشط بالاطلاع على اجتهاد أقرانه، إلا أن جلد الذات بسبب قصورها عن بلوغ ما يفعل غيرها ليس بسبيلٍ صحيح، فالسائرون إلى الله مختلفون فيما يوفّقون له من أعمال، وطاقات كلّ منهم والمسافة التي قطعها في طريقه متفاوتة كذلك، فينبغي توجيه النظرة نحو الاستزادة مما يحب الله من الأعمال، مع اعتبار محدودية النفس وخصوصياتها ليتحول الجلد جرداً.

وإن كان ذاك مما يضبط مقارنة العبادات، فما بالك بمن يتعب نفسه بالنظر لما لدى غيره من متع الدنيا وقد نهى الله صراحةً عن مد العين إلى ما تمتع به غيرنا في هذه الدنيا الفانية؟

ومع التبصّر والامتناع عن المقارنات تتمرّن النفس تدريجيًّا على التركيز على رضا الله وعدم التعلّق أو الانشغال بالخلق، فيكون توجّهها مطلقاً لله، وتصير منافستها مع ذاتها أولاً لتتجاوز عيوبها وشهواتها وأهوائها، فتنضبط معاييرها بما يرضي الله، ولا تتأثر بقول الناس عنها أو رأيهم بسعيها بعد ذلك، لأنها لم تسعَ لنيل رضاهم أساساً، فتتمكن بالتالي من السؤال والتعبير والإبانة عن حاجاتها والقيام بما أمر مولاها بغض النظر عن محيطها.

ختاماً، أقول لكلّ فتاةٍ تقرأ هذه الكلمات، لا نريدكِ نسويّة مبغضةً لنفسها ومحدوديتها، ولا متمردة على خالقها تعيسةً في دنياها، وساعيةً لكسر كل ما هو نمطيٌّ بغض النظر عن ماهيته وواضعه، بل إننا نريدك مؤمنة قويّة صلبة حازمة ثابتة غير جاهلة ولا مهزوزة، تعلمين ما لكِ وما عليكِ، وتنضبطين بشرع الله القويم وتنعتقين من الجاهليات قديمها وحديثها في سبيل التقرب إلى الله ونيل محبته ورضاه.[7]


[1] تفسير السعدي وتفسير الطبري.

[2] أ. د. محمود بن أحمد بن صالح الدوسري، التمايز العادل بين الرجل والمرأة في الإسلام، دار ابن الجوزي. ص29

[3] د. فريد الأنصاري، سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة. ص35-36

[4] د. عبد الرحمن ذاكر الهاشمي، دورة فقه النفس، اقرأ.

[5] د. فريد الأنصاري، سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة. ص 15

[6] المتقي الهندي، كنز العمال، 12/655

[7] استفدت في بعض معاني العامة المقالة من سلسلة محاضرات للشيخ أحمد السيد بعنوان “سوية المؤمن” https://www.youtube.com/playlist?list=PLZmiPrHYOIsS5j5KXnB8xMbSjy_7KYbCq

ومن محاضرة للدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي بعنوان ” القوة النفسية: ما هي؟ وكيف أصل إليها؟ | عبد الرحمن ذاكر الهاشمي” https://www.youtube.com/watch?v=DFLgHrdwYdM&t=101s

أمسِك عليك نفسك ودينك!

ما كان لله سبحانه وتعالى بعد أن خلق عباده وصورهم وكرمهم ورزقهم أن يتركهم في تيه أو حيرة من خلقهم، أو أن يتركهم عُميًا عن نفوسهم التي ستكون لصيقة بهم طوال رحلتهم، وإنما بيّن لهم هذه النفس، وفصّل لهم أحوالها وآمالها وضعفها، وكذا عرّفهم أن هذه النفس قد تلتزم طريق الله فتسعد، أو أن تحيد عنه فتشقى. فكانوا على معرفة بها وبطريق هدايتها، والأدوات التي ستساعدها على التزام هذا الطريق، فالله سبحانه يقول: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس، ٧]، {وَهَدَيْنَاهُ النّجْدَيْنِ} [البلد، ١٠]، والذي سواها سبحانه وتعالى وهو أعلم بها منها، وألهمها فجورها وتقواها، وخلق فيها القدرة على إتيان ما تشاء منهما، وأن تسلك أي النجدين تريد، قد قرر لها دِينا تتنزل منه شرائع متتالية بحسب الزمان والمكان.

البحث عن الحق

إن من مقاصد الشرائع الربانية ورسالات الأنبياء أن تَعْلم النفوس الخير فتطلبه، والشر فتحيد عنه، وأن تقف على عوامل التزكية والتقوى فتسعى لملء كيانها بها، وتقوم على سياسة النفس الإنسانية وترويضها، لئلا تطغى وتُجرم في حق نفسها أو في حق غيرها، فإن لم تتهذّب الأنفس بترغيب في الثواب، هُذبت بتخويف من العقاب، وإن لم يُجْدِ التخويف بعذاب الآخرة، عوقبت في الدنيا بما يزجرها ويمنعها عن تكرار الخطأ.

فإذا رفضت النفس الالتزام بالدين الذي يضبط أفعالها وأقوالها، ويأخذ بفطرتها إلى حيث تنفع وتنتفع، ويحد من جموحها ويهذب نياتها وإرادتها، ويحدد لها أهدافا عالية، تترفع بها وتمتاز عن غيرها من المخلوقات، اضطرت في أحسن الأحوال إلى تقنين قوانين تحاول بها ضبط معيشتها، وتنزلها منزلة المأمور المطيع، فما خلق العبد إلا ليكون في ميدان الامتحان، مطيعًا ساعيًا للخلاص في أدنى المراتب، وطالبًا للتميّز والقرب في أعلاها، فإذا حاول العبد أن يتملّص من عبوديته لله، فإن خلاصه من هذه العبودية لن يكون بالإنكار أو السعي للتملّص كما يظن، إذ إن الإنسان لن يجد بُدًّا من العبودية لشيء ما آخر غير الله الخالق، طوعًا أو كرها، إذ إن هذا ما جُبل عليه الإنسان، فإما أن يكون مخبِتًا لله، أو أن تستعبده تفاصيل أخرى في هذا الوجود، وما أكثر ما يستعبد الإنسان في هذه الدنيا.

يقول الله سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم، ٣٠]. ومما ورد في تفسير هذه الآية ما ذكره الطبري في تفسيره بأن الله ينادي النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسدد وجهه نحو الوجه الذي وجهه إليه ربه ليكون رهن إشارته وطاعته، ومدار ذلك كله هو (الدين)، {حَنِيفًا} مستقيمًا لدينه وطاعته. {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}، أي صنعة الله التي خلق الناس عليها، أي أن الله يقول للنبي صلى الله عليه وسلم أقم وجهك للدين حنيفا فإن الله فطر الناس على ذلك فطرة وجعلها في أصل تكوينهم.

{ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}، إن إقامتك وجهك للدين حنيفا غير مغير ولا مبدل هو الدين القويم المستقيم الذي لا عوج فيه عن الاستقامة، {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، بأن الدين القيّم هو الدين الحق دون سائر الأديان غيره [جامع البيان عن تأويل آي القران، ج٦، ١٠٤].

ضبط أوتار الحياة

لنسأل أنفسنا، لو لم تكن هناك رسالات من الله إلى البشر، ولو لم يكن هناك أنبياء يبلّغون ما آتاهم الله للناس، فكيف ستكون أحوالهم وعباداتهم وعاداتهم؟

إن الناس بالرغم من وجود الرسل عاندوا وضلّوا وأضلوا، وسيكون حالهم بدون الدين أشد وأدهى، إذ سيكون تعاطي النفس البشرية مع المُجريات والظواهر حولها إما بضعف شديد أو بفجور شديد، وضعفها ينبع من هامشيتها في هذه الحال وعدم استنادها إلى منهاجها الذي قرره الله لتكتسب به القوة، فتكون منفعلة ومتأثرة على الدوام، بلا أثر ولا تأثير. ويكون فجورها نتيجة لأناها الكبيرة التي لا تعرف طريقا غير إرضاء شهواتها، فتفسد في الأرض وتقرر منهاجها الخاص الذي لا يرتضي إلا بالإنسان حكما وحاكما، ما يراه صوابا فهو الصواب وما يراه خطأً فهو الخطأ، وهذه هي بداية تشويه الفطرة والإفساد في الأرض.

إن خير دليل على ذلك، ما يُرى في أخلاقيات الإلحاد والملحدين ونزعات الإنسانوية المتطرفة وغيرها من انحرافات الإنسان عن هدي ربه، فكلها فضفاضة مائعة، تشكل الخير والشر والصواب والخطأ حسب رؤية الإنسان المتغيرة باستمرار بما يطوّع للإنسان تحقيق شهواته، ووضعه في المركز بعيدًا عن أي قبس إلهي، وهكذا فإن غياب الدين من حياة الناس يحط بهم إلى أسفل دركات الانحطاط، فلا هم يحيون الحياة على مراد الله، ولا هم يحيونها على مرادهم، فأي خير في ذلك؟

 

حساسية الشعور عن كثب

في حياتنا اليومية نصادف أنماطًا متنوّعة من الناس، بينهم شديد التأثُّر سريعُه بالمواقف المختلفة، وبينهم من لا يلقي بالاً لكثيرٍ من المؤثرات، فيمضي دون أن يتأثر بها، وهذا من تنوّع خلق الله، إلا أننا هنا نتساءل عن تلك النظرة السلبيّة التي تثار حول الشخص الحسّاس، فهل حقًّا أن الشخص الذي نطلق عليه وصف “حسّاس” مبالِغٌ كما قد يصفه البعض؟ ولماذا نتفاوت في ردود الفعل، وما هي الأبواب التي قد تكون على ارتباط وثيق بمفهوم حساسيّة الشعور؟

حساسية المستقبلات من المنظور المادي
جرت العادة في علم الصيدلة قبل أن تُدرَس كيميائية الدواء أن يُدرَس مستقبله في الجسم (Drug receptor)، حيث إن كل نوع من الدواء له نوع مستقبل يرتبط به ليعطي التأثير المفروض.

حساسية هذه المستقبلات تعني أنّ نفس الجرعة من الدواء قد تعطي تأثيراً أقل أو أعلى تبعاً لحساسية هذا المستقبل ويدخل في هذا عوامل كثيرة ومعقدة. [1]، وقد تكون العوامل جينية أو بيئية (polymorphisms) في بعض الأحيان، فيكون مستقبل هذا الدواء في جسمٍ ما حسّاساً أكثر منه في جسم غيره والعكس صحيح، وهذا ما تتجه كثير من الدراسات الدوائية لأخذه بعين الاعتبار عن طريق دراسة الخرائط الجينية لكل فرد على حدة في بعض الحالات. [2]

إضافة إلى ذلك فإنّ هناك أدوية تستخدم مثلاً لزيادة حساسية أو تحفيز مستقبل معيّن لمادة في الجسم، تدعى (receptor agonists) وأدوية أخرى لتثبيط تفاعله مع بعض المواد تدعى بـ (antagonists)، ليصبح ارتباط المستقبل بتلك المادة أقل أو معدومًا، عندما يُراد تقليل أو إزالة تأثير مادة معيّنة.

ومثل ذلك في علوم أخرى، كعلم الهندسة والحساسات بالذات (sensors)، تعرف حساسيّة الحساس (sensor sensitivity) بأنّها أقل كمية من مُدخَل مادي يكون الحسّاس قادرًا على رصده ليتفاعل بناءً عليه، ومنطقياً فإنه كلّما كان الحساس أقدرَ على التفاعل مع كمية أقل، فإن حساسيته تعَدّ أعلى وأقدر على الاستجابة [3].

الإسقاط النفسي للمستقبلات
قد تتساءل: ما علاقة ما تقدّم بالحساسيّة النفسية؟

إلى الآن لا علاقة للحساسية النفسية بالأمر أعلم ذلك.

لقد كان الغرض من هذا العرض جذب الانتباه لمفهوم المستقِبل من حيث إنه تصوير مادّي، وكذلك الحال بالنسبة للمستقبلات النفسية أيضاً التي قد يغيب عن بالنا وجودها، فإن استقبال أحدنا لمدخلٍ شعوريٍّ ما وتفاعله معه، يختلف عن تفاعل شخصٍ آخر بدرجته من ناحية، وحتى بشكله في بعض الأحيان.

إن الأمر شبيهٌ بالمثال الماديّ المضروب سالفاً إلى حدٍّ كبير، حيث إنّ كمية قليلة من مدخل معين قد يستقبلها شخص بحساسية عالية فيتفاعل معها قدر تفاعل شخص آخر مع كمية أكبر بكثير! وهذا ليس مبالغةً ما دام خارج حيّز الاضطرابات النفسية، بل إن حديثنا عن المواقف وطبيعة المشاعر في التعامل مع المواقف اليومية، التي قد نعايشها نحن أو من نعرف.

قد يكون مستقبِل الحزن لدى بعض الناس حساسًا مثلاً أكثر من غيرهم، فتجده قد ضاقَ وعانى من كلمةٍ أو مشهدٍ عابر، فحزن لدرجةٍ يصلها شخص آخر عند تعرضه لأمرٍ أشدَّ مأساةً بعشرة أضعاف مثلاً.. فلا الأول مبالِغ، ولا الثاني بليد، لأنّ الشعور يقبع ضمن منظومةٍ كاملة تعبر عن ردة فعل الشخص وطبيعة شخصيته، ولا يمكن الحكم إلا إذا فُهمت هذه المنظومة كاملةً.

وقد يتجه مثلاً الشخص الثاني للفعل، أو للمحاولات، أو للتغيير مباشرةً دون إعطاء مساحة الشعور حيزاً كبيراً. وقد يكون سبب قلّة تأثره وجود قسوة في طبعه مثلاً، أو سوء خلق، أو ظروفٍ عوّدته على ذلك.

على الجانب الآخر، قد تكون دوافع ذاك الذي تحسّس من المُدخل الحزين بشدّةٍ لرقّة قلبه، أو تذكّر مأساةٍ معينة مرت به، وقد يكون السبب أنّ موقفاً ما انتهك مبدأ مهماً في حياته -لا يدري عنه أحد- كان يلتزم به منذ حينٍ بعيد. كلّ هذه الاحتمالات لشعورٍ واحدٍ ضُرِب كمثال، والمشاعر كثيرة لا نهائية، ولذلك فإن احتمالاتها لا تنتهي أيضاً.

كلُّ ذلك يصبّ في بحيرةٍ واحدةٍ مشوبةٍ بالضباب، هي النفس الإنسانية المعقدة، ولم تكن مدخلات أحدنا كمدخلات الآخر يوماً ما، بل يستحيل ذلك! إذ لكلٍّ منّا شعورٌ وموقف، حافز ومثبّط، صفعةٌ ورفعة عاشها وحده، وشعر بها وحده، وترتّبت في نفسه بهيئةٍ معيّنة، تظهر في سلوكه بأشكال مختلفة خاصة به وحده أيضاً.

لذلك فإنَّ الحكم بالمبالغة أو البلادة ينافي المنطق قبل أن ينافي حسن الخلق، ويطعن في منظومةِ حياةٍ كاملة شكّلت هذه الكينونة، لا موقفٍ عابرٍ فحسب.

عناية الإسلام بحيثيّات الشعور
ربّما هذا التحليلُ والتفكير، يضعنا على مسافةٍ أقرب من فهمِ اعتناء الإسلام بأغوار النفس والشعور، وخصائص القلوب. {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88-89]، وذلك يقرّبنا أكثر من قوله صلى الله عليه وسلم لأحاديثَ كثيرةٍ تتعلق بالعناية بشعورنا وشعور الآخرين، تعاملنا معها كدرسٍ في مرحلةِ الابتدائية عشناه فيها وهجرناه! قال ﷺ: (..وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ! ..” [صحيح مسلم: 2564].

وكلّما اقترب المرء من نفسه وحاول تزكيتَها وجد الشعورَ عنده يزدادُ حساسيةً ولمعاناً حتى إنّ أصغر حادثٍ يستثيره للاتّقاد ولا ينجمُ الاتّقادُ إلا من فهمٍ وإدراك. تتبادر في هذا السياق الكثير من الآيات التي تتحدّث عن المؤمن ذي القلبِ الشفيف الرقراق، الذي تستدعي الآياتُ والمواقف أفكاره وإدراكه وخشيته، فتجده قد تفاعل معها بهيئاتٍ تصف أعلى ما في النفس الإنسانية من شعور. {.. إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩} [مريم:58]. كما وصف تعالى حالَ أولئك الذين لم يستطيعوا المشاركة في الغزوة لأن الرسول ﷺ لم يجد ما يحملهم عليه أدقّ الوصفِ وأبلغه {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة:92].

وأكثر ما يؤكد على ارتباط حساسية الشعور بالإدراك، الآية التي أنزلت في فئة من النصارى حين أدركوا أن ما يسمعونه هو الحق {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة:83]، فقد ربط الله جلَّ وتبارك الدمع الذي لا يصدر إلا عن شعورٍ صادق، مع المعرفة والإدراك، وأتبع ذلك بما بدر عنهم من فعلٍ بأن يكتبهم الله في زمرة الموحدين. لتمثّل هذه الآية الكريمة منظومةً كاملةً تحوي القلب والعقل وعمل الجوارح استجابةً لذلك في أبدع صورة.

جهاد المشاعر
كما أنّ هناكَ تفصيلاً لطيفاً يصعب إغفال التطرق إليه، وهو عناية هذا الدين بانتقاء المشاعر ودرجات الحساسيّة التي ينبغي علينا الجهاد لبلوغ كلٍّ منها. فتجده يحث على زيادة الشعور بالرحمة والرأفة والرضا والصبر والعطف واللطف. ويحثّ من جهةٍ أخرى على إخماد الإحساس بالغضب العشوائي كحديثه ﷺ بأن ليس الشديد بالصرعة وإنما من يملك نفسه عند الغضب. وإخماد كل شعورٍ سيء من حسدٍ أو غيره وفي هذا نعمةٌ من اللهِ ورفعة.

كل ذلك يؤكد لنا أنّ الشعورَ عطاءٌ مميّزٌ غامض، حبا به الله هذه البشريّةَ ليكونَ عنصرَها المختلف عن باقي المخلوقات، ولا حكمَ لأحد أفرادها على شعور الآخر من استهانةٍ أو تقليل، إذ إن لكلّ منا تجربته الخاصة التي يعيشها.

إن من أطيب ما يهلُّ على القلبِ إدراك هذا -أي- جمالُ الآيات والوحي الإلهي الذي ينتشلنا كَيَدٍ حانيةٍ كلما سَحَبَتْنا الدنيا، ليرشدنا إلى ما فيه صلاحُ شعورنا، وصلاحُ عنايتنا بشعور الآخرين، فالحمدُ للرحمٰن الرحيم مدداً.


[1] https://www.sciencedirect.com/topics/medicine-and-dentistry/receptor-sensitivity

 [2] https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/12972951/

[3] https://www.ni.com/en-lb/innovations/white-papers/13/sensor-terminology.html

نداء الفطرة

إن الحيرة التي تضطرم في خلدك، والشتات الذي يعيث في عقلك، والتيه الذي تتيه فيه ويتيه فيك، والدوامة النفسية التي تقتات عليك، ما هي إلا رغبتك في المعرفة والوصول ولمس الحقيقة.

“رغبتك” تلك التي تجتاحك رغماً عن إرادتك، تقيمك من مقعدك، تزعج مرقدك، تحركك وتدفعك اتجاه بوصلة المعرفة لئلا تهوي إلى الهاوية فتُسحق وتهلك وتدوسك الدنيا ثم ترميك في غياهب الغياهب، فتتيه فوق تيهك، وتختنق وتغرق في لجة الظلام، ولجّة التيه، وتعجز عن لمس خيط من خيوط النور لأنك ستكون غائب في الغياهب منسي، لأنك لن تكون شيئاً يُذكر ولا يُرى، “رغبتك” في الوصول لإيمان كلّي لا تشوبه الشوائب، ولا تزعزعه النوائب، إيمان محفوف بالتسليم واليقين! 

“رغبتك” تلك ماهي إلا فطرتك التي فطرك الله عليها، فطرة أنك مخلوقٌ ضعيف تبحث دائماً عن إله يرحم ضعفك، يرمم تآكلك، يسد فقر وخواء روحك، تعبده وتعود إليه في وهنك، وهذا دأب البشر منذ أول الخليقة “تلبية نداء الفطرة”.

معنى الفطرة
الفطرة هي الخِلقة والهيئة السليمة المستقيمة التي لا عيب فيها وهي الجبلّة التي جُبل الناس عليها، أي أن الإنسان مجبول على التوحيد والعبادة ومهيأ نفسياً، أو بمعني آخر هي الوجدان الحي والغريزة الربانية التي تسير منطق العقل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهوّدانه أو يُنصرّانه أو يُمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل ترى فيها من جدعاء) [رواه البخاري ومسلم في الصحيحين].

فلا يوجد بشري بخِلقة وفطرة غير سليمة أو معوجّة، ولو تجرد الإنسان من الهوى والكبر والعناد لاتبع سبيل فطرته السليمة ففي الحديث: (إني خلقت عبادي حنفاء، وإن أتتهم الشياطين فاجتاتهم عن دينهم) [صحيح مسلم].

ولقد تناول موضوع الفطرة المفكرين والفلاسفة بكثرة، فيقول جان جاك روسو على لسان قس الجبل لتلميذه “عش طويلاً… لا تصغي إلا لنداء البراءة، تذكر أن الوقاية من الطبيعة تضر المرء أكثر من معاكستها” [نداء الفطرة، ص 24].

فلو عاكست فطرتك وكبت مركب هواك فلن تجد له شاطئ ولا مرفأ ولعمري إنك ستغرق في غيك وتتيه في التيه أكثر ويقول أيضاً “كنت في حال من الحيرة والشك تلك التي يراها ديكارت ملازمة لكل باحث عن الحقيقة، وهي حالة نادراً ما تطول لما يصاحبها من قلق وعناء نفساني فلا يمكث فيها إلا من ساءت أخلاقه وخارت نفسه..” [نداء الفطرة، ص 26].

إليك خليل الله إبراهيم عليه السلام لمّا نادته فطرته فراح يلبيها ويتفكر ويبحث عن إلهه، فطرته التي جعلته يستنكر عبادة الأحجار والكواكب وغيره مستشعراً أن له رب واحد وإله عظيم لا يأفل ولا يغيب.. وها هو قد وصل، وإليك نبينا محمّد عليه الصلاة والسلام لمّا اعتكف في غاره يتفكر تأبى نفسه السجود لصنم..  وقد وصل.

يقول الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون} (الروم: 30) 

يقول سيد طنطاوي في الوسيط: أي: إذا كان الأمر كما ذكرت لك _ أيها الرسول الكريم _ من بطلان الشرك فاثبت على ما أنت عليه من إخلاص العبادة لله تعالى وحده، وأقبل على هذا الدين الذي أوحاه الله إليه بدون التفات عنه أو ميل إلى ما سواه.

قال صاحب الكشاف: قوله: فأقم وجهك للدين حنيفاً أي فقومه وعدله غير ملتفت عنه يميناً أو شمالاً وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته عليه وثباته واهتمامه بأسبابه فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه وسدد إليه نظره وقوّم له وجهه مقبلاً عليه.

والمراد بالفطرة الملّة أي ملّة الإسلام والتوحيد أو المراد بها قابلية الدين الحق والتهيؤ النفسي لإدراكه…. أي اثبت أيها الرسول الكريم على هذا الدين الحق والزموا أيها الناس فطرة الله وهي ملة الحق التي فطر الناس عليها وخلقهم قابلين لها.

يقول ابن القيم رحمه الله “والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه وفطرة عملية وهي هذه الخصال، حديث عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحى والسواك واستنشاق الماء وقص الأظافر وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء، قال الراوي ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة (رواه مسلم)، فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب والثانية تطهر البدن.

فكما أنك مفطور على تلبية حاجات بدنك وعلى حب الخير وعلى فضائل الأخلاق كالصدق والبرّ والتقوى والوفاء والتعاون. فإنك مفطور على الرجوع لله تعالى وتوحيده متبتلاً إليه مصغياً للنور الذي في قلبك.

هلمّ نلبي النداء
لعمري إنك لمؤمن ومصدق لكنك كما قلنا تائه تحسب مرة أنك قد وصلت وعرفت وأخرى تساورك الشكوك فتقف متحيراً تنظر وتتفكر وتقرأ الكون بكل جوارحك تركض هنا تهرول هناك…. تتعثر، تقوم، تعرج، تلهث، تصرخ، تكاد تلمس الحقيقة وهنا.. ههنا الامتحان ولا تجزع فهذا دأب الناس والأنبياء الذين تنزلت عليهم الرسالة حتى، فإبراهيم الخليل عليه السلام سأل ربه ليطمئن قلبه وموسى عليه السلام كذلك.

وكل إنسان يفتر ويبتعد ثم يبتعد أكثر يذوب وينصهر في بهرجة الدنيا وخداعها يتعب ويذوي لكنه يحتاج أن يعود إلى الله تعالى فطرته تحثه أن يعود فيعود بقلب أشعث، أغبر، كدر، خجلاً من هيأته كثيراً فيحوم ويحوم كي لا يعود رغم رغبته الجامحة في العودة والتعبد، لكن أين؟ لا بد لك أن تعود وتلبي نداء فطرتك كي تسكن وتستكين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ربّ أشعث أغبر ذي طمرين مدفوعٌ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره صحيح رواه الترمذي.

فتقف آنذاك بأكدارك وأوزارك، بأسقامك وآلامك، مطأطئ الرأس، جافي النفس، رافعاً يديك خجلاً وأملاً، خجلاّ من نفسك أملاّ برحمته، فتقول وتشرح وتدعو، تتندى عيناك، تنهمر، فتغسل روحك، عمق روحك، فلا تقوم إلا منتشٍ، رافع الرأس، خفيف الحمل، مضاء البصيرة، مرتاح السريرة.. هذا والله أول الوصول للسبيل فما بالك بآخره!!

يامن يرى مدّ البعوض جناحها            في ظلمة الليل البهم الأليلِ

ويرى نياط عروقها في جسمها            والمخ في تلك العظام النحّلِ 

أغفر لعبدٍ تاب من زلاته                  ما كان منه في الزمان الأولِ

وهنا أقول يالهنائي وهناؤك إن تتبعنا النور الذي في دواخلنا ووصلنا السبيل حيث لذة الوصول ونيل المنال، الوصول للحق والحقيقة لحظة أنك تستشعرها في قرارة نفسك وكلك يقينٌ مطلق، لحظة أنك ستصل معها إلى نفسك وتجدها فتعرف أنك عبداً لربٍ عظيمٍ تشعر بحضوره في حركاتك وسكناتك وأي كرمٍ وإحسانٍ ذاك!

يقول الشيخ علي الطنطاوي: “سيظل الناس تحت أثقال العزلة المخيفة حتى يتصلوا بالله ويفكروا دائماً في أنه معهم وأنه يراهم ويسمعهم هنالك تصير الآلام في الله لذة والجوع بالله شبعاً والمرض صحة والموت هو الحياة السرمدية الخالدة، هنالك لا يبالي الإنسان أن لا يكون معه أحد لأنه بكون مع الله” [من حديث النفس، ص149].