مقالات

الجمعيات السرية

أحمد دعدوش


تعود جذور الجمعيات السرية إلى عصور قديمة يصعب تتبعها، حيث يدعي بعض أعضائها اليوم انتسابهم لأنظمة وضعت أصولها منذ ما قبل التاريخ، بل يزعم آخرون -كما سنرى لاحقا- أن أول البشر آدم قد أسس بنفسه أولى جمعياتهم لتكون رديفا لسيرورة حياة البشر، وكأن هناك خطين متوازيين لا ثالث لهما يحكمان التاريخ، وهما مسار الحياة الظاهر بكل صراعاته وتذبذب صعوده وهبوطه، ومسار الأسرار الباطني الخفي الذي لا يزال يحتفظ بأسراره في أيدي “النخبة”.

وبما أننا نتحدث عن جمعيات تقوم على السرية والرمزية، وهي تعترف بذلك وتتشبث به، فنحن إذن أمام مادة غامضة للبحث، فليست هناك مصادر موضوعية أو أكاديمية يمكن الوثوق بها كما هو الحال في أي مادة أخرى تخضع للدراسة، وهذا هو السبب الذي يدفع الكثير من الجامعات لرفض مقترحات الطلاب بتقديم أطروحات علمية تبحث في الجمعيات السرية.

وهذا لا يعني بالضرورة أن كل ما يُكتب عن هذه الجمعيات ضرب من التخمين، فالتحريات التي يجريها محققو البحث الجنائي والصحفيون الاستقصائيون لا تختلف كثيرا عن هذا النوع من البحث، حيث يمكن للباحث أن تجتمع لديه خيوط كثيرة تؤدي إلى حقيقة واحدة مهما كانت حريصة على التخفي. والعلم التجريبي نفسه يُسلّم بوجود الإلكترونات ومكونات الذرة الأخرى بالرغم من الاعتراف باستحالة رؤيتها لأنها أصغر حجما من الموجات المرئية، إلا أن آثارها في الواقع تدفعنا للاعتراف بوجودها.

وعليه؛ فإن الآثار التي تتركها بصمات الجمعيات السرية في الدين والفكر والسياسة والإعلام ومسار التاريخ وميادين كثيرة قد تدفعنا للجزم بحقائق ينكرها أتباع تلك الجمعيات.

أما من يؤمن بالوحي القرآني ويعلم أنه منزل من عند الله فسيجد أدلة أخرى تمنحه اليقين ببعض حقائق تلك الجمعيات السرية وأدوارها الخفية.

لماذا اللجوء إلى السرية؟
تتعدد التفسيرات والنظريات التي تحاول فهم طبيعة هذه الجمعيات وسبب لجوئها إلى السرية، وربما يمكننا إجمالها فيما يلي:

مردوخ

1- يزعم كثير من المؤرخين أن هناك فئة من الناس لجأت إلى السرية عبر التاريخ هربا من اضطهاد الأكثرية، وأنها أخفت طقوسها الدينية الخاصة بها لتحظى ببعض الخصوصية دون أن يكون هناك أي بعد تآمري للإضرار بالمجتمع. ومن الأمثلة التي يقدمونها لهذه الرواية لوح طيني اكتشف في بابل بالعراق ويزيد عمره عن أربعة آلاف سنة، وهو يتحدث عن عبادة سرية متفرعة عن العبادة الرسمية للإله مردوخ، حيث يقدم قصة أخرى لصراع الآلهة، ثم يصف طقوسا خاصة لأتباع هذه الجماعة السرية لتمثيل أدوار المسرحية التي تقام في عيد رأس السنة وتُجسد فيها صراعات الآلهة، ويختتم النص المنقوش بعبارة “إن المعاني الخفية لهذه الأفعال لا يجوز أن تقرأ من قبل الذين لم يدخلوا في هذه العبادة رسميا ووفق الطقوس المنصوصة”.

ويبدو أن تفسير هذا النص يختلف بسبب اختلاف المنهج نفسه كما أوضحنا في مقال “البحث في الدين“، فالمنهج الإلحادي الذي لا يعترف بوجود الغيبيات لن يجد في هذه الطقوس سوى تصرفات خرافية، أما من يؤمن بالوحي وبحقيقة وجود الجن والشياطين فسيرجّح ارتباط هذه الطقوس بالسحر.

وينبغي التذكير بأن بعض الطقوس والنصوص السرية قد تكون هي أصلا لب الدين نفسه، وليست مذهبا باطنيا منشقا عنه، أي أن بعض الأديان قائمة بذاتها على جوهر سري خفي، وأن كهنتها يظهرون لأتباعهم ما يريدون إظهاره فقط.

2- يزعم فريق آخر أن هناك فئة من الحكماء كانت تحتكر الحكمة الصحيحة التي لا يقدر العوام على فهمها منذ آلاف السنين، فاضطرت تلك النخبة لإخفاء وترميز علومها لحمايتها من التشويه والتحريف ومن الوقوع في أيدي الأشرار. ونجد تحت هذا الزعم عددا كبيرا من النظريات المتداولة عبر شبكة الإنترنت، ومنها مثلا أن النخبة كانت تحتفظ في حضارتي أطلنطس وراما الأسطوريتين بأسرار تكنولوجية أكثر تطورا مما نشهده اليوم، وكانت تستخدمها للتغلب على الجاذبية والسفر عبر الكواكب ورفع الحجارة العملاقة لبناء الصروح الهائلة مثل الأهرام وتشغيل الآلات بنوع خاص من الطاقة، ويقال إن هذه النخبة رمّزت علومها وأسرارها في طريقة بناء الهياكل والصروح التي بقيت قائمة حتى اليوم في مصر والهند وأمريكا الجنوبية والعراق، كي يتمكن أحفادهم بعد آلاف السنين من استخراج تلك العلوم والاستفادة منها، لا سيما وأن القدماء خافوا عليها من الاندثار بفعل الطوفان الذي حدث في عصر نوح وغيره من الكوارث.

ويجتهد أصحاب هذه النظريات في استخراج الرموز العميقة من تماثيل أبو الهول وإيزيس والمعابد العملاقة ومقارنتها بمعايير هندسية مثل النسبة الذهبية وبغيرها من الحقائق الفلكية والفيزيائية، كما يربطون بعض الاكتشافات المذهلة التي توصل إليها القدماء بكائنات فضائية يفترضون أنها هبطت إلى الأرض وأنها هي ذاتها كائنات الأنوناكي التي ذُكرت في الأساطير العراقية. ويذهب البعض إلى افتراض أنها كائنات من الزواحف نصف البشرية التي ما زالت تعيش على الأرض وتدير العالم في الخفاء، بينما لا يقدم أصحاب هذه النظريات أية أدلة علمية تربط “المشاهدات” المزعومة والروايات ببعضها.

مانلي هول

ويجدر بالذكر أن كبار المؤلفين المنتسبين إلى الماسونية وغيرها من الجمعيات السرية بدأوا بطرح هذه النظرية في وسائل الإعلام والأوساط الثقافية منذ بدايات القرن العشرين، وهو طرح يتزايد بثه باستمرار مع تزايد الانفتاح في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات الحالية، حيث بات من الصعب إخفاء أسرار تلك الجمعيات ومخططاتها، ولا سيما بعد نشر عدة كتب رصينة ألفها منشقون عن الجمعيات أو صحفيون تسللوا إلى محافلها وفضحوا ما يجري فيها، فلم تعد ملاحقة هؤلاء وقتلهم سياسة مجدية كما كانت في الماضي، فبدأت تلك الجمعيات بفتح أبواب محافلها أمام كاميرات الصحفيين لتصوير بعض طقوسها، مع الاعتراف بأن التصوير لا يطال كل ما يجري هناك وأن السرية ما زالت قائمة جزئيا، كما نشط منتسبوها في نشر الكتب والأفلام الوثائقية والسينمائية التي تزعم أن الماسونية وأمثالها لم تعد سرية كما كانت، وطرحوا فيها ما يزعمون أنه حقيقة تلك الأسرار التي احتفظوا بها آلاف السنين. ويعد الماسوني من الدرجة الثالثة والثلاثين مانلي هول من أوائل المؤلفين في هذا الباب عندما نشر كتابه “التعاليم السرية لكافة العصور” عام 1928، حيث زعم فيه أنه كشف كل ما كان يخفى عن الناس من “الحكمة” المتوارثة منذ عصور سحيقة، وهو كتاب مليء بالمغالطات التي لا تستند إلى دليل، وفيه الكثير أيضا من المزاعم التي لا يمكن لأحد إثباتها، فضلا عما فيه من إخفاء وتضليل لحقيقة الماسونية.

سلسلة أفلام “كنز وطني” من إنتاج شركة ديزني تعد من أهم محاولات هوليود الأخيرة لتلميع صورة الماسونية

ومن مظاهر هذه الحملة أيضا تحويل الجمعيات السرية إلى مادة للترفيه في أفلام هوليود، بحيث تُنزع عنها تهمة التآمر والخبث تحت وقع الكوميديا السوداء، بحيث يصبح أي ربط بين عوالم السر وبين التآمر مجرد خضوع “للفكر التآمري” وانعكاس لعقدة البارانويا ضد عدو وهمي.

ولكي تثمر هذه الحملة، كان لا بد من ضخ تلك الكتب والأفلام بأعداد لا تحصى، ففي كل عام تصدر عن دور النشر عشرات الكتب التي تزعم كشف المزيد من الأسرار والخفايا عن تلك الجمعيات، فضلا عن خلط الحق بالباطل، ما أدى في النهاية إلى نفور الكثيرين من الاطلاع على تلك المعلومات واعتبارها مجرد لغو لا يثمر أي نتيجة مفيدة.

3- ومن أسباب العمل السري أيضا اضطرار الحركات المقاومة للمحتل أو المعارضة للحكم إلى التخفي لحمايتها من القمع، فالهدف في هذه الحالة سياسي لا ديني، ومن الأمثلة المشهورة في العصر الحديث لهذه الحركات الجمعيات القومية الكاثوليكية الأيرلندية التي نشأت في القرن الثامن عشر لمقاومة حكم الأقلية البروتستانتية، كما نشأت على شاكلتها جميعات إيطالية قومية في أوائل القرن التاسع عشر لمقاومة السيطرة الأسبانية والنمساوية التي دامت نحو 250 سنة، لكن الجمعيات الإيطالية سرعان ما اندمجت بجميعات الكاربوناري وصارت جزءا من الماسونية، فلم تعد مجرد حركات ثورية لمقاومة المحتل بل تم تحريكها لأهداف الماسونية العالمية نفسها.

4- يرى فريق آخر أن ظهور الجمعيات السرية يعود أصلا إلى أسباب نفسية واجتماعية فقط، فالإنسان يسعى إلى التمرد على الطبيعة بالبحث في عالم المجهول السحري، وينجذب تلقائيا إلى التنجيم والباراسيكولوجي والتصوف، وقد يجد في رموز وطقوس الجمعيات الغامضة ما يشبع نهمه هذا.

ويقول أرسطو إن مغزى ممارسة الطقوس السرية لا يكمن في تعلم شيء ما فقط بل في مكابدة تجربة التغيير، ويعلق المؤلف نورمان ماكنزي في كتاب “الجمعيات السرية” عليه بالقول إن التغيير ليس مجرد رقي روحي ونشوة بل يُفهم على أنه بعث جديد، حيث يتم تجسيده في مسرحيات شعائرية يلعب فيها العضو الجديد دور المشارك والمشاهد، وهكذا يشعر العضو بأن السرية تمنحه طريقة تجعله استثنائيا ومختلفا عن عوام الناس، وأن لديه من الذكاء والحكمة ما يجعله في طبقة الصفوة. وهذا التفسير قد يصح فيما يتعلق بدوافع الأعضاء في الانتساب لتلك الجمعيات، ولكنه لا يبرر ظهور تلك الجمعيات أصلا، فقد يكون العضو المبتدئ مغررا به فعلا لكن القادة ليسوا كذلك بالضرورة.

ويرى هذا الفريق أن الذين يفشلون في التعامل مع العصر الحديث، بما فيه من مظاهر الاغتراب والقلق نتيجة الصراعات السياسية والتطور المتسارع، يلجؤون إلى اتهام الجمعيات السرية بوضع المؤامرات وتنفيذها.

ويتماشى هذا التفسير مع المنهج الإلحادي لدراسة الأديان [انظر مقال البحث في الدين]، فهو ينطلق من مبدأ استبعاد الجانب الروحي الغيبي من البحث، ويحاول إعادة كل ما يراه في نشاط الجمعيات السرية أو في ما ينسب إليها من مؤامرات إلى عوامل طبيعية واجتماعية لاإرادية، وكأن تلك الجمعيات مفعول بها وليست فاعلا لأي شيء يذكر. ونجد لهذه الفكرة أساسا لدى منظري الماركسية والرأسمالية على حد سواء، فهناك قانون حتمي لصراع الطبقات لدى الماركسيين، وقانون مماثل لدى النيوليبراليين يؤدي إلى صراع الحضارات، وهناك أيضا “يد خفية” تحرك المجتمع والاقتصاد نحو نهاية محتومة حسب الرؤية الرأسمالية الكلاسيكية، وليس للإنسان -فضلا عن الجمعيات السرية- دور في تغيير هذا الحراك أو تحريك مساره، حسب رأيهم.

عبد الوهاب المسيري
(موقع المسيري)

وهذا التفسير هو السائد اليوم في الساحة الثقافية الغربية، وهو الذي يتلقى الدعم إعلاميا وأكاديميا حول العالم، وصار له أتباع كثر في العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة، ويُعد المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري أحد أبرز منظريه، فهو ينفي عن الحركات السرية أي بعد ديني تآمري، ويكاد ينفي أي تأثير لها على أرض الواقع، بل يرى أنها نتيجة طبيعية للحراك الاجتماعي والسياسي، ويتجاوز دراسة الجانب الخفي لهذه الجمعيات إلى دراسة “الفكر التآمري” لدى من يقرون بوجود مؤامرة حقيقية في مشروع تلك الجمعيات، وكأن الأمر لا يعدو أن يكون وهما في خيال الناس، كما هو حال الدين نفسه الذي يعتبره الملحدون واللادينيون مجرد وهم وليس له أي وجود موضوعي، وقد ظل المسيري متمسكا بقناعته بعد انتقاله من الماركسية إلى الإسلام، وتابعه في ذلك كثير من الإسلاميين الذين باتوا يبثون هذه الأفكار بقوة في الساحة الثقافية، وفي غلاف إسلامي أحيانا. [انظر كتاب اليد الخفية].

5- أخيرا، هناك فريق لا ينكر وجود الفكر التآمري، ويقر بأن المبالغة في ربط الأحداث بالجمعيات السرية ليس صائبا في كل مرة، كما يرى أن العديد من الجمعيات وُجدت لمقاومة العدو أو المحتل، أو لأهداف إنسانية أو بدوافع نفسية واجتماعية. لكن هذا كله لا يغطي الجمعيات السرية كلها، بل جانبا منها فقط.

ويستتند هذا الرأي إلى اعترافات كثير من المنشقين عن المحافل السرية، وتسريبات المتسللين إلى داخلها، مع ربط الحوادث التاريخية بما وضعه مؤرخون وشهود عيان على مجريات الأحداث، ولا سيما في القرون الثلاثة الأخيرة. كما يجد هذا الرأي ما يدعمه في نصوص الوحي القرآني، وهو ما يعطيه درجة اليقين ويغنيه عن الاكتفاء بالجدل الفلسفي لمن يؤمن بالوحي.

وتتفرع عن هذا الرأي نظريات تحتمل النظر والنقد كغيرها، لكن إطارها العام يربط غالبا النزوع إلى السرية مع المبادئ المعلنة الخارجة عن تعاليم الوحي بعالم السحر، فالسحرة كانوا طوال التاريخ أكثر الناس انطواءً وبعدا عن المجتمع، ولا يخفى ارتباط أنشطتهم بالأذى والشر والتآمر. ولا ينكر منظرو فك الرموز السرية المعاصرون الجانب السحري في علومهم، بالرغم من التلاعب في تقديم التفسيرات والمبررات.

وقد أوضحنا في مقالات “الإنسان والدين” و”الوثنية” و”الباطنية” تفرع التاريخ الإنساني إلى مسارات موازية لمسار الوحي. وبالعودة إلى إحدى روايات التأويل فقد بدأ السحر في وقت مبكر من عمر البشرية، وذلك في عصر النبي إدريس، وتزامن مع الجنوح عن سبيل الوحي كما يقول الحديث القدسي الذي رواه مسلم “وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم”، وسنجد في هذا المقال وفي مقالات “القبالاه” و”فرسان الهيكل” و”الماسونية” مزيدا من التفاصيل عن هذا الارتباط.

تاريخ الجمعيات السرية
يقول المؤرخ الماسوني الراحل جرجي زيدان (1861- 1914) في بداية كتابه “تاريخ الماسونية العام” إن هناك أقوالا كثيرة بخصوص نشأة جمعية الماسونية المعاصرة، فبالرغم من إقرار أتباعها بأنها خرجت في القرن الثامن عشر من عباءة جمعية الصليب الوردي التي تأسست سنة ١٦١٦، إلا أن الجذور تعود إلى ما هو أقدم بكثير، فهناك من يعود بتاريخها إلى الحروب الصليبية، وآخرون تتبعوها إلى القرن الثامن قبل الميلاد في اليونان، وآخرون قالوا إنها نشأت في هيكل سليمان، وفئة قالت إن منشأها يعود إلى بدايات الكهانة المصرية والهندية، وهكذا إلى أن زعم البعض أن مؤسسها هو آدم نفسه، وأن الخالق هو الذي أسَّسها في جنة عدن، وأن الجنة كانت أول محفل ماسوني، ويعلق زيدان على ذلك بقوله إنها أقوال مبنية على الوهم.

جرجي زيدان

كان زيدان يعمل في مكتب المخابرات البريطانية بالقاهرة، وقد رافق القوات الإنجليزية التي حاولت قمع ثورة المهدي في السودان، فهو عضو أصيل في الحملة الدعائية للماسونية التي بدأت في أواخر القرن الماضي بمحاولة إقناع الناس بأن الحركات السرية قد تخلت عن سريتها المريبة وكشفت تاريخها وحقائقها للناس. لذا لا يمكننا الوثوق بمحاولة نفيه للعلاقة بين الماسونية والحركات السرية القديمة التي أرّخ لها في كتابه.

يصف زيدان في كتابه طقوس قبول المنتسب إلى “جمعية إيزيس السرية” في مصر القديمة، حيث يتحقق الكهنة من أهليته للالتحاق بهم وحفظ أسرارهم، ثم “يسومونه عند القَبول مشقات عظيمة تختلف بين تخويف وتهديد”، فإذا اجتازها بدأت مراسم الاستقبال، فيحقق معه كاهن يحمل اسم الإله أوزيريس، وبعد الانتهاء منه ينتقل العضو الجديد إلى قائد متنكر على رأسه غطاء كرأس الكلب، فيذهب به في دهاليز مظلمة إلى مجرى مائي، فيسقيه كأسا من “ماء النسيان” لينسلخ عن كل ماضيه ويبدأ حياته عضوا في الجمعية من جديد. وبعد انتهاء المزيد من الفعاليات الاحتفالية يبدأ تلقينه “الأسرار المقدسة”.

ويقول زيدان إن أول من نقل أسرار الجمعيات السرية إلى أوروبا هو أورفيوس الذي كان عضوا في الجمعية الإيزيسية بمصر، ثم عاد إلى بلاده في منطقة تراسيا (بلغاريا ورومانيا بأوروبا الشرقية حاليا) في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ونشر تعاليمها هناك. وبعد وفاته أسس تلاميذه “مجمع إلوسينيا” في إلوسيس باليونان، وابتكروا لأنفسهم طرقا جديدة في مراسم قبول الأعضاء بما فيها من أساليب غسل الأدمغة بالترهيب والتهديد، حيث يُمرر العضو الجديد على مواقع مليئة بالوحوش والأفاعي وحمم النيران والأصوات المخيفة بمراحل مدروسة، ويُزرع في عقله أن هذا هو الجحيم أو صورة عنه، ثم يُنقل إلى موقع يملؤه النور والأمان ليستقبله الكاهن ويلقنه الأسرار في أجواء احتفالية، وكأنه بلغ بذلك الجنة.

ويُطلب من العضو الجديد قبل خوض التجربة المرعبة أن يغتسل أولا بالماء والدم، وأن يقدِّم ثورا أو كبشا كأضحية، فإذا نجح في قبول عقيدتهم تم تعميده بالماء كما يُعمد المسيحيون اليوم في الكنائس، ومنحوه اسما جديدا سريا يُعرف به في مجتمعه الصغير بعيدا عن حياته الطبيعية، وهذه الطقوس تدل بوضوح على الخلفية الشيطانية لهذه الجمعية، فهي لا تختلف كثيرا عما يمارس في طقوس عبادة الشيطان المعلنة في عصرنا الحديث، وهو أمر لا يذكره زيدان.

ويقول زيدان إن تعاليم هذا المجمع انتشرت في سائر المدن القديمة مثل فينيقية (لبنان) والهند ومصر وسوريا واليونان وغيرها، حتى قيل إنها أصلٌ لجميع تعاليم المجامع السرية القديمة في العالم، مؤكدا أن حيرام ملك صور كان أحد كبار الكهنة فيها.

ويضيف زيدان أن هذه التعاليم انتشرت أيضا في المجتمع اليهودي عندما بُعث المسيح بينهم في فلسطين، فكان أتباعها يُعرفون باسم طائفة الأسينيين، إذ نجد في رؤيا يوحنا بالإصحاح الثاني (عدد ١٧) من الكتاب المقدس قوله “فَلْيسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب فسأعطيه أن يأكل من المن الخفي، وأهبه حصاة بيضاء منقوشا عليها اسم جديد لا يعرفه أحد غير الذي يأخذه”، في دلالة إلى مراسم قبول العضو في مجمع الإلوسينيا حيث يُكتب اسمه السري على قطعة حجر يحتفظ بها حتى موته، وكأن مفاهيم الجمعيات السرية تسربت أيضا إلى الكتب السماوية التي تم تحريفها لاحقا.

ويُسهب زيدان في إظهار أتباع هذه الطائفة بمظهر المتقشفين المنقطعين عن الدنيا وملذاتها، وكأنهم مجموعة من الناسكين الزاهدين المنقطعين لاكتشاف المعرفة، فضلا عما يتمتعون به -حسب زعمه- من أخلاق راقية وتضحيات عظيمة فيما بينهم.

وما زالت طقوس العبادة الإلوسيسية السرية ماثلة حتى يومنا هذا بوضوح على جدران “فيلا الأسرار” Pompeii Villa of Mysteries في مدينة بومبي الإيطالية، حيث طمرت تحت الرماد منذ ثوران البركان المفاجئ قبل الميلاد بنحو ثمانين عاما لتبقى محفوظة حتى تُكتشف في عصرنا الحديث، إذ يبدو أن العبادة السرية لإله الخمر والنشوة “ديونيسوس” كانت مسيطرة على المنطقة، لا سيما وأن اقتصاد بومبي كان قائما على الدعارة، حيث تقدم لنا آثارها المحفوظة بدقة تثير الدهشة صورة واضحة عن تغلغل الجنس في حياة الناس إلى أقصى درجة.

فيلا الأسرار التي طمرها الرماد لأكثر من ألفي سنة، وهي تبدو اليوم في حالة جيدة بل تفاجؤنا أيضا بطرازها المعماري الذي لا يختلف كثيرا عن العمارة الحديثة، بل مازالت جدران الفيلا تشرح بالرسوم الملونة طقوس انضمام امرأة إلى عبادة ديونيسوس السرية (ElfQrin)
منحوتة “تحوت” عند مدخل مكتبة الكونغرس بواشنطن

الهرمسية
تحدثنا بإيجاز في مقال “الباطنية” عن النظريات التي تحاول كشف حقيقة شخصية هرمس وما ينسب إليها من مؤلفات وعلوم، وهي شخصية بالغ الباحثون في تعظيمها حتى قال فرانسيس باريت في كتابه “سيرة تاريخية قديمة”: “إذا كان الإله قد تجسّد فعليا في هيئة إنسان، فلم يكن ذلك سوى بشخص هرمس”، وقلنا إنه من الراجح أن تكون تلك الشخصية صورة محرفة عن شخصية النبي إدريس عليه السلام، بعد أن نُسبت إليه تراكمات من العلوم والخرافات والفلسفات الوثنية والسحرية.

أفرد الماسوني مانلي هول في كتابه “التعاليم السرية لكافة العصور” فصلا لتعاليم هرمس التي تحتل مكانة مهمة لدى الماسون، وقال إن البعض يعتبر أن هرمس هو ذاته الإله الإغريقي هرمز Hermes، وأنه هو نفسه الإله المصري تحوت Thoth أو توتي Tuti، الذي كان إله القمر أيضا، حيث رُسم على هيئة رأس طائر أبو منجل مع قرص وهلال القمر، وبما أنه دين باطني غنوصي سري، فقد أطلق عليه الكهنة -في الصيغة المعلنة للناس- إله الحكمة والأبجدية والزمن، بينما كان له وجه آخر في المعابد السرية والطقوس الخفية.

عصا هرمس

وبحسب كتاب مانلي هول، احتوى “كتاب تحوت” المقدس على الإجراءات السرية التي يمكن من خلالها “إعادة إصلاح البشرية”، وهو كتاب يصعب فك رموزه الهيروغليفية الغريبة, إلا أنه يمنح مستخدميه القادرين على فهمه “قوة غير محدودة على الأرواح العلوية والسفلية”، حيث يمكنهم تضخيم وعيهم البشري ورؤية الكائنات الخالدة  Immortals والدخول إلى حضرة الآلهة الأسمى، وبما أن هول ماسوني من الدرجة الثالثة والثلاثين؛ فهو لا يعترف لعامة القراء بأن هذه الطقوس ليست سوى أعمال سحرية لاستحضار الشياطين.

أحد مؤلفات الشيطاني المعروف أليستر كراولي عن أسرار تحوت

ويضيف هول أن هناك أسطورة تقول إن “كتاب تحوت” كان في صندوق ذهبي في الحرم الداخلي للمعبد، ولا يمكن لأحد الوصول إليه سوى الأستاذ الأعظم، ويقول أيضا إن ذلك المعبد قد أزيل وتشتت أعضاؤه، إلا أن كتابهم هذا مازال محفوظا حتى اليوم، ويكتفي بالقول “لا يمكن تقديم أي معلومة إضافية للعالم حاليا، ولكن يجب الانتباه إلى أن الخلافة الرسولية المتسلسلة من عهد الأستاذ الأعظم الذي انتسب على يد هرمس شخصيا مازالت مستمرة حتى اليوم، ويمكن للأشخاص المميزين والملائمين لخدمة الخالدين [أي الشياطين] أن يجدوا هذا المخطوط النفيس الذي لا يقدر بثمن إذا اجتهدوا في البحث عنه بإخلاص”.

قارة أطلانطس
ينسب مؤرخو الجمعيات السرية أصول الكثير من “الحكمة” السرية إلى قارة أطلانطس المفقودة، وهي جزيرة هائلة الحجم ورد ذكرها في كتاب “محاورة تيماوس” للفليسلوف اليوناني أفلاطون، حيث زعم أن الفيلسوف سولون الذي مات قبله بنحو 150 عاما، أي في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، سمع قصة القارة المندثرة من كهنة مصر ثم نقلها إلى اليونان شفهيا، وكان أفلاطون أول من وثقها لتبقى محفوظة إلى عصرنا الحالي.

أفلاطون

وبحسب هذه الرواية، فإن أطلانطس كانت جزيرة بحجم شمال أفريقيا وآسيا الصغرى، وتقع خلف “أعمدة هرقل” أي مضيق جبل طارق، فهي تحتل مكانا كبيرا من المحيط الأطلسي، وكانت قد اندثرت قبل الميلاد بنحو 9500 سنة، حيث كانت أشبه بالجنة على الأرض، ففيها من الحضارة والخيرات ما يحلم به كل إنسان، ثم بدأ ملوكها بالطمع في احتلال بلاد أخرى، فاحتلوا شمال أفريقيا، ثم هاجموا مصر وأثينا (اليونان)، وكانت نهاية تلك الحضارة بسلسلة من الزلازل والفيضانات التي أغرقت القارة كلها في البحر. [حضارات مفقودة، ص 17- 20].

ومما يهمنا من هذه الأسطورة أنه كان يحكم أطلانطس عشرة ملوك، وهم يمثلون مثلث “تيتراكتيس” الذي ترسم فيه عشر نقاط، وهو المثلث الذي قدّسه فيثاغورس بعد اقتباسه من مدرسة القبّالاه السحرية كما سيمر بنا لاحقا. وتضيف الأسطورة أنه كان في وسط أطلانطس معبد ديانة الحكمة هرمي الشكل، الذي يقع على هضبة مرتفعة في وسط مدينة البوابات الذهبية، ويقول أتباع الجمعيات السرية إنه أصل المعابد والهياكل والمحافل التي انتشرت لاحقا في قارات العالم من أمريكا الجنوبية مرورا بمصر إلى الهند.

ومن اللافت أن أفلاطون لم يوضح ما إذا كانت القصة خيالية أم حقيقة، كما أنه أسهب في رواية تفاصيلها دون ذكر مغزاها، وذلك على غير المعتاد في محاوراته الفلسفية، ما دفع البعض للاعتقاد بأنه كان يتحدث عن قصة حقيقية وليس من أجل ضرب الأمثلة الفلسفية. وسواء كانت قصة حقيقية أم خرافة، فقد وجد أتباع الجماعات السرية في القارة المندثرة فرصة لإلصاق جميع علومهم وأسرارهم وأكاذيبهم بأصل حضاري عريق، ما ينفي عنهم تهم الاتصال بالشياطين والاقتباس منهم.

لكن قصة أفلاطون تواجه تحديات كثيرة، فالمفترض أن سكان أطلانطس أنشأوا حضارة في غاية التقدم قبل 11500 سنة من يومنا هذا، مع أن أقدم الآثار المحفوظة لنشوء الحضارة لا يمتد إلى ما هو أبعد من حضارات العراق التي بدأت قبل نحو خمسة آلاف سنة، وبما أن جميع التنقيبات والأبحاث الجيولوجية لم تسفر عن أي أثر لها، فهناك من افترض أن أفلاطون كان يتحدث عن جزيرة كريت اليونانية وليس عن موقع في المحيط الأطلسي، كما قدم باحثون معاصرون عشرات التأويلات المختلفة لموقع أطلانطس المحتمل. ولا ننسى أن المؤرخين اعتقدوا طوال قرون أن طروادة لم تكن سوى مملكة خيالية وردت في أشعار هوميروس، إلى أن اكتشفت آثارها فعلا في شمال غرب تركيا عام 1871، وكذلك الحال مع الحضارة المينوية التي كان يعتقد أنها أسطورية حتى وجدت آثارها في كريت.

فرنسيس بيكون

في عام 1626، وضع الفيلسوف الإنجليزي المعروف فرانسيس بيكون كتابه “أطلانطس الجديدة”، وكان من أواخر مؤلفاته التي جعلت منه مؤسسا للعلم الحديث في الغرب، وفي العالم كله بحكم التبعية. وما يتداوله العالم بعد نحو أربعمئة سنة أن الكتاب كان يتضمن نبوءة فلسفية بريئة للعالم الحديث القائم على العلم، لكن بيكون كان الأستاذ الأعظم للماسونية في عصره، ولم يكن هذا الكتاب سوى البيان الختامي الذي قدّم فيه رؤيته لنموذج الدول التي ستُدار من قبل محافل الجمعيات السرية كما كان الحال في أطلانطس، وذلك تحت مسميات العلم والحضارة.

في عام 1882، طرح الأميركي من أصل إيرلندي إغناطيوس دونيلي كتابه “أطلانطس: العالم العتيق”، وقدم فيه أدلة كثيرة تدعم نظريته في صحة وجود أطلانطس، وزعم أن عددا قليلا من سكانها استطاعوا النجاة بالسفن ونقلوا أسرار تلك الحضارة المتقدمة إلى العالم. وقد أطلق دونيلي بذلك موضة الاهتمام العالمي بهذه الأسطورة، وربما كان أول من نقلها من عالم الخيال إلى الأوساط الجادة لتداعب أحلام الكثيرين، كما تأثر بالكتاب العديد من السياسيين، حتى تحمس رئيس وزراء بريطانيا ويليام غلادستون لجمع المال وتمويل حملة استكشافية للعثور على مكان أطلانطس. وما زال الكثيرون يبجلون دونيلي حتى اليوم على اعتبار أنه كان باحثا مجتهدا ومخلصا لنظريته، ولكن معظمهم لا يعرفون أنه كان ماسونيا عتيدا، وأنه كان يمهد كما يبدو لإقناع عامة الناس بأن أطلانطس هي أصل حضارات العالم كله، وأن المنظمات السرية الموجودة اليوم هي الوريث الوحيد لأسرار الحضارة.

وفي عام 1924 بدأ الباحث الأسكتلندي لويس سبينس بنشر سلسلة كتب عن أطلانطس، حيث يرى البعض أن كتاباته كانت أفضل ما كتب علميا بشأن أطلانطس، وعلى أساسها افترض الكثيرون أن جزر أزور البرتغالية هي من بقايا القارة المفقودة، وما يزال حتى اليوم مئات الناشطين والمهتمين يتناقلون عبر الإنترنت نظريات تتحدث عن اكتشاف أهرام ضخمة في عمق المحيط،  لا سيما قرب أزور وفي مثلث برمودا، ويقولون إن الحكومات الغربية تتعمد إخفاء هذه الحقيقة لتحتكر لنفسها أسرار أطلانطس التي لا يعرفها سوى كبار أعضاء الجمعيات السرية، وهي ادعاءات غير مؤكدة ولا يمكن التحقق منها.

ويجدر بالذكر أن عددا من الباحثين في خفايا الجمعيات السرية يؤكدون أن نخبة جمعية “المتنورين” (الإلوميناتي)، وهي جمعية منبثقة عن الماسونية، يعتقدون أنهم أسلاف ملوك وكهنة أطلانطس، أي أنهم من نتاج تزاوج الآلهة مع البشر، ويُعتقد أن فيلم “أطلانطس: الإمبراطورية المفقودة” الذي أنتجته شركة والت ديزني عام 2001 كان يتضمن هذه الفكرة رمزيا، لا سيما وأن ديزني نفسه (توفي عام 1966) كان على الأرجح ماسونيا من الدرجة الثالثة والثلاثين، ولا يزال في داخل مدينته الترفيهية بولاية فلوريدا “ديزني لاند” نادٍ مغلق يحمل اسم “33”، ولا يُسمح بالانضمام إليه إلا للنخبة وبعد دراسة طلب الانضمام التي قد تستغرق عشر سنوات.

المدرسة الفيثاغورية
ربما لا يوجد أحد في العالم لم يسمع باسم العالم اليوناني فيثاغورس، فنظرياته الرياضية والهندسية تُلقن لطلاب المرحلة الابتدائية حول العالم، ولا يكاد معظم الناس يعرفون عنه شيئا أكثر من ذلك، وقد يفاجأ القارئ عندما يعلم أن فيثاغورس الذي ولد قبل الميلاد بنحو ستمئة سنة كان من أهم أقطاب الجمعيات السرية في التاريخ.

اشتهر فيثاغورس بنظرية حملت اسمه في الهندسة، لكن الوثائق التاريخية تشير إلى استخدام مثلثات قائمة بأضلاع أطوالها أعداد صحيحة في بابل قبل فيثاغورس بأكثر من ألف سنة، كما استخدم المصريون القدماء النظرية قبله أثناء عمليات البناء وتقسيم الأراضي.

ويجدر بالذكر أن بعض العلماء المعاصرين يؤكدون أنهم اكتشفوا ثغرات وأخطاء في النظرية المنسوبة لفيثاغورس.

تمثال فيثاغورس بمتحف الفاتيكان

يحظى فيثاغورس اليوم بمكانة عظيمة في مؤلفات الماسون، كما في كتاب مانلي هول، حيث نجد فيه تأريخا لحياته ابتداءً بقصة ولادته التي زعم أنها جاءت بنبوءة عندما قالت كاهنة معبد أبولو لوالديه إنهما سيرزقان بطفل، وإنه سيكون أعظم الرجال جمالا وحكمة، وسيساهم كثيرا في نفع البشرية. كما ينقل عن جودفري هيغينز ما سماه بأوجه التشابهة بين ولادة وحياة فيثاغورس وتاريخ حياة يسوع المسيح، ما دفع البعض لتسمية فيثاغورس بابن الإله أبولو، بل ظن البعض أن الإله حلّ فيه وتجسد.

ويجدر بالذكر هنا أن مؤرخي حياة فيثاغورس قد وضعوا الأساطير عن حياته وشخصية بعد ولادة المسيح بمدة ليست بالقصيرة مع أن فيثاغورس مات قبل ذلك بنحو خمسة قرون، فالذين كتبوا قصة فيثاغورس هم الذين اقتبسوا النبوءة من قصة المسيح، والذين حرّفوا دين المسيح عيسى بن مريم اقتبسوا في المقابل من الفيثاغورية أسطورة الحلولية والتجسد.

يقول المؤرخ والفيلسوف برتراند رَسل في كتابه “تاريخ الفلسفة الغربية” عن فيثاغورس إنه كان من أهم من شهدت الدنيا من رجال من الناحية العقلية، ويضيف “لست أعلم عن رجل آخر كان له من التأثير في نطاق الفكر ما كان لفيثاغورس، وأقول ذلك لأن ما قد يبدو لك أفلاطونيا، ستجده عند التحليل فيثاغوريا في جوهره… ولولاه لما فكر المسيحيون في المسيح على أنه الكلمة”.

ويتضح الأثر الذي تركه فيثاغورس عندما نعلم أن أفلاطون كان معجبا للغاية بأفكاره، ويقال إنه دفع مبلغا كبيرا مقابل الحصول على مخطوطات فيثاغورس التي نجت من التلف، حتى قال أرسطو (تلميذ أفلاطون) إن جمهورية أفلاطون المثالية (اليوتوبيا) لم تكن سوى ترجمة لأفكار فيثاغورس.

يقول المؤرخ الإغريقي ديوجينس ليرتيوس إن فيثاغورس كان يزعم أمام طلابه وأتباعه أن روحه تناسخت خمس مرات، وأنه يتذكر جيدا الحيوات التي عاشها قبل أن يلتقي بهم، ففي الحياة الأولى كان أثاليدس ابن إله الحرب، وفي الثانية كان يوفوربس أحد أبطال حرب طروادة، وفي الثالثة كان هيرموتيموس رسول آلهة الأولمب، ويبدو أنه تواضع في ما قبل الأخيرة فجعل نفسه صيادا عاديا، ثم تجسد على هيئة المعلم فيثاغورس.

ومن الطريف أن نجد هذه المزاعم لدى معلمين آخرين في الجمعيات السرية على مر العصور، ومنهم اليهودي الإيطالي كاجيلوسترو الذي ابتكر طقس ممفيس المصري لصالح المحافل الماسونية وكان له دور في إشعال الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر، حيث كان يزعم أن روحه تناسخت عدة مرات، وأنه كان في إحداها صديقا ليسوع المسيح نفسه، وأن حياته الأخيرة امتدت أكثر من ثلاثمئة سنة.

ووفقا للماسوني هول، اكتسب فيثاغورس القدر المستطاع من المعرفة التي كانت متوفرة في اليونان، وانتسب لجمعية الإلوسيسية السرية التي تحدثنا عنها، ثم بدأ رحلاته لاكتساب المزيد من الأسرار، فتتلمذ على يد حاخامات اليهود القبّاليين، ثم سافر إلى مصر، وبعد محاولات عدة سُمح له بالانتساب إلى جمعية إيزيس السرية بمدينة طيبة، ثم توجه إلى سورية وبلاد الفينيقيين (لبنان) وانضم إلى جمعية أدونيس وتلقى أسرارها، وعبر بعد ذلك وادي الفرات ليتعلم أسرار الكلدانيين والبابليين.

ولم يكتف بذلك، فرحل إلى بلاد فارس والهند، حيث بقي هناك عدة سنوات للاطلاع على أسرار البراهمة والمجوس، وبعد نحو ثلاثين سنة من الترحال والتعلم عاد إلى أوروبا وأنشأ مدرسة في مدينة كروتونا (جنوب إيطاليا) التي كانت تحت حكم الإغريق، وأعلن عن فتح الباب لتعليم الرياضيات والهندسة والفلسفة، بينما كانت مدرسته في الباطن بمثابة الجمعية التي تتلخص فيها كل أسرار وطلاسم وطقوس الجمعيات السرية.

وضع فيثاغورس أصول تشكيل الجمعيات السرية التي ما زالت متبعة حتى اليوم، لذا يدين له أتباع الماسونية والصليب الوردي بالفضل، حيث قسّم منتسبي جمعيته إلى ثلاث درجات، بحيث لا يعلم أعضاء كل درجة شيئا عن التي تليها، فلكل منها طقوس وأسرار لا يعلم بها زملاؤهم الآخرون.

يقول مانلي هول إن فيثاغورس كان يتمتع بقدرات خارقة، فذكر أنه كان يزعم قدرته على التنبؤ بالمستقبل، ورجّح أنه كان قادرا على تنويم الناس والحيوانات، وعلى التغلغل إلى عقول الحيوانات لإقناعها بما يريد، وعلى رؤية الأشياء من مسافة بعيدة.

أما الدرجة الأولى فكانت علنية ومكشوفة، كما هو حال الدرجات الأولى من الماسونية اليوم، والتي تُفتح أبوابها للصحافة ويجاهر أعضاؤها بالانتساب لها ويُعلن أن أنشطتها تقتصر على المجال الخيري الإنساني، وكان طلاب هذه الدرجة يجلسون في أماكن مفتوحة للاستماع إلى محاضرات عامة دون مناقشة، حيث كان فيثاغورس يعلمهم أن الحقيقة في أعماقها رياضية وأن العدد هو أساس كل شيء، فلكل عدد معنى رمزي باطني، وبشكل يتطابق تقريبا مع فلسفة القبالاه اليهودية.

كراولي في زي جماعته “الفجر الذهبي”

وبعد خمس سنوات من الانتظام في تلك الدرجة يختار الأساتذة بعناية من يستحق الترقية إلى الدرجة الثانية، وهناك يفتح لهم باب المناقشة والتلقي ولكن داخل محافل سرية. ثم يتم اختيار الصفوة من هؤلاء للترقية إلى الدرجة الثالثة لتلقي الأسرار الخاصة، حيث يكتشفون آنذاك أن المعرفة لا تتعلق فقط بأسرار الهندسة والأعداد، بل هناك عقيدة كاملة بشأن الوجود والإله والموت وما بعده، وهي العقيدة الشيطانية المطابقة للقبالاه.

وقد أقر كبار مؤسسي الحركات الباطنية القبّالية والجمعيات الشيطانية الحديثة في الغرب باقتباس فيثاغورس من القبالاه، ومنهم الإنجليزي ماك غريغور ميثرز الذي شارك عرّاب الحركات الشيطانية الحديثة أليستر كراولي في تأسيس جمعية الفجر الذهبي، وذلك في كتابه “القبالاه بدون حجاب” The Kabbalah Unveiled.

ويمكن القول إن طقوس الجمعيات المندثرة حول العالم قد تم حفظها على يد فيثاغورس، حيث انتشرت عن طريقه تلك الطقوس في أنحاء أوروبا، فوصلت إلى شمالها حوالي عام 50 قبل الميلاد عندما تمرد الكاهن “سيغ” على الرومان وأخذ يدعو القبائل الهمجية الإسكندنافية إلى اتباعه، وخلط كما يبدو دينهم الوثني الذي يعبد الإله “أودن” بطقوس الجمعيات السرية، ثم أصبح بنفسه المعبود “أودن”.

وبعد بعثة النبي عيسى عليه السلام وسعي زعماء بني إسرائيل لإفشال دعوته ومحاولة صلبه وملاحقة أتباعه [انظر مقال المسيحية]، نجح اليهودي شاؤول (بولس) في تحريف رسالته التوحيدية إلى دين وثني زاعما أن عيسى إلهاً تجسد ليفدي الناس بنفسه ويغسل خطيئتهم، ولم يكتب لهذا الدين النجاح سوى بالعمل السري التقليدي كما هو حال جمعيات الإلوسيسية.

القوة الخفية
أوضحنا في مقال “الماسونية” تفاصيل جمعية سرية حملت اسم “القوة الخفية” وتم تأسيسها في عام 43م على يد ملك القدس اليهودي هيرودس أغريباس، وذلك بهدف قمع الدعوة المسيحية التي أخذت بالانتشار. وذكرنا أن هذه القصة لم نجدها سوى في كتاب “تبديد الظلام” الذي يقول مترجمه عوض الخوري إنه ليس سوى ترجمة لوثيقة عبرية يورثها مؤسسو الجمعية التسعة لأبنائهم، حتى قرر آخرهم، ويدعى جوناس، أن يكشف السر في القرن التاسع عشر.

لا يمكننا الجزم بصحة الرواية لعدم وجود مصدر آخر يؤكدها، لكن الثابت تاريخيا أن كلا من اليهود وأتباع المسيح انتهجوا العمل السري في محاربة بعضهم.

وفي عام 330 بعد الميلاد، تبنى الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول نسخة معدلة من مسيحية بولس، وتم بذلك تأسيس الدين المسيحي القائم حتى اليوم [انظر مقال المسيحية]، وانتهى بذلك عهد السرية المسيحية، لكن طقوس العبادات الشيطانية القبّالية ظلت متوارثة داخل الجمعيات السرية في أوروبا لأكثر من سبعة قرون، إلى أن تغلغلت في الفاتيكان ولعبت دورا في إشعال الحروب الصليبية أملا في الوصول إلى هدفها النهائي وهو إنشاء هيكل سليمان في القدس، وهو ما عملت عليه بنشاط جمعية فرسان الهيكل التي أفردنا لها مقالا خاصا.

وبالرغم من نجاح فرسان الهيكل في الوصول إلى القدس والحفر تحت المسجد الأقصى، إلا أن صحوة المسلمين واستعادتهم للقدس بقيادة صلاح الدين الأيوبي سنة 583هـ/1187م أفشلت المشروع، كما تصدت الكاثوليكية مجددا للجمعية بعد افتضاح خلفيتها الشيطانية، وتم تشتيتها في أوروبا لتنشأ عنها جمعيات الصليب الوردي والماسونية ومحافل المتنورين، التي كان لها دور كبير في إعادة صياغة المشهد السياسي الغربي عبر المساهمة في إشعال الثورة الفرنسية عام 1789 وما تلاها من انقلابات دامية على الأنظمة الإقطاعية الملكية المتحالفة مع الكنيسة. ثم أعادت النخب الفكرية المرتبطة بالجمعيات السرية صياغة المناهج الفكرية في الغرب، ولاحقا في معظم أنحاء العالم بفعل العولمة، فمعظم النظريات العلمانية بأطيافها المختلفة -وحتى المتضاربة- كُتبت على أيدي كبار الماسون، وكبار مؤسسي النهضة العلمية مثل ليوناردو دافينشي وجوردانو برونو وإسحق نيوتن وفرانسيس بيكون كانوا أقطابا في الجمعيات السرية.

ضرورة أم مؤامرة؟
ذكرنا سابقا أن المؤلفين الماسون حرصوا على تقديم صورة زائفة عن جمعياتهم السرية، واكتفوا بكشف ما يناسب توجهاتهم فقط، ومنهم جرجي زيدان الذي يقول “ولا نظن أحدا يجادلنا في احتياج البشر لمثل هذه الجمعيات السرية، وفي أن العلم لا ينمو وينتشر إلا بواسطتها، على أننا لا نحتاج إلى شديد عناء في إقناعهم إذا أصروا على الجدال؛ كيف لا وإن من أشهر الأديان الحديثة المتدينة لها أكبر دول الأعصر الأخيرة ما لم يَنمُ وينتشر إلا باتباعه خطة تلكم الجماعات من التعاليم والتبشير سرا”. [تاريخ الماسونية العام، ص 21].

ويصدق زيدان عندما يطبق كلامه هذا على دين عائلته المسيحي الذي وضعه بولس وانتشر في الخفاء قبل أن يتبناه قسطنطين، حيث يرى زيدان في هذه السرية فضيلةً للمسيحية، كما يصدق كلامه عندما يُنظر إلى الحضارة الغربية (الموصوفة بالعلم) على أنها الحق، ليبرر بذلك انتهاج العمل السري أولا، ويزعم طهارة تلك الجمعيات السرية ثانيا.

  • في مثل هذا الكهف الواقع في أخدود سحيق بالأناضول كان المسيحيون الأوائل يقيمون كنائسهم السرية هربا من السلطة الوثنية

  • سقف الكنيسة داخل الكهف

لكن الأنبياء جميعا كانوا يجهرون بدعوة التوحيد بالرغم من كل ما كانوا يعانونه من أذى بسبب ذلك، وعندما بُعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى قريش لم يؤمر بالجهر مباشرة حتى تتكون من حوله نواة للدعوة، فظل يدعو أقاربه ومن يتوسم فيهم الخير ثلاث سنوات، ولم يؤمن به طوال تلك المدة أكثر من أربعين شخصا، ثم أمره الوحي بتبليغ الدعوة لعشيرته: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214]، فبدأت الدعوة الجهرية واشتد عليهم العذاب.

ومن الواضح أن مرحلة الدعوة “السرية” تلك لم تمتد لأكثر من ثلاث سنوات، ولم يتخللها إنشاء جمعية تراتبية ولا أداء طقوس سرية، ولم يترك النبي حتى مماته أي تعليمات سرية خاصة بالنخبة دون عوام الناس. وكل ما ظهر بعد ذلك من الفلسفة وعلم الكلام والتصوف فهو من العلوم الطارئة على الوحي الواضح الجلي، وليس من صلب الإسلام ولا من أصول دعوته [انظر مقال نبوة محمد].

في المقابل، لا يقدم أنصار الجمعيات السرية أي مبرر مقنع لمنهجهم السري، بالرغم من اجتهادهم الواضح في كتبهم وأفلامهم لإقناع العالم ببراءتهم، فإذا كان أسلافهم مضطرون للتخفي في القرون السابقة هربا من الاضطهاد، فقد زالت اليوم أسباب التكتم وأصبحت جمعياتهم شرعية في معظم دول العالم، ومع ذلك فإن أنشطتهم لاتزال تدار في الخفاء، ومازالوا يعترفون بذلك مع عجزهم عن تقديم أي توضيح يستحق التصديق.

يُنسب إلى الفيلسوف الرومانى ناتالاس قوله إن «الأشياء الحسنة تسعى للانتشار والانفتاح، أما الآثام فتتستر وراء حجاب السر والكتمان»، ومع ذلك فلسنا نتهم الجمعيات السرية بالإثم لمجرد كونها سرية، بل لأن الحقائق التاريخية والمعاصرة تؤكد أنها لم تكن سوى مراكز لتكريس عبودية الأتباع وغسل أدمغتهم ثم توظيفهم لتحقيق مصالح النخبة المسيطرة، كما كانت على مر التاريخ المكان المثالي لاجتذاب الموهوبين ثم توجيههم بأساليب الترغيب والترهيب لبث الأفكار الهدامة وقلب أنظمة الحكم ومواجهة أنصار الوحي، وسنبين في مقالات أخرى المزيد من الأدلة، وهذا لا يغني بطبيعة الحال عن الاطلاع على الكتب المتخصصة في هذا المجال.


أهم المراجع

عبد الوهاب المسيري، اليد الخفية: دراسة في الحركات اليهودية الهدامة والسرية، دار الشروق، القاهرة، 1998.

مجموعة مؤلفين، الجمعيات السرية، تحرير نورمان ماكنزي، ترجمة إبراهيم محمد، دار الشروق، القاهرة، 1999.

جرجي زيدان، تاريخ الماسونية العام، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2013.

عوض الخوري، تبديد الظلام أو أصل الماسونية، بدون ناشر، 2002.

عبد المجيد همّو، الماسونية والمنظمات السرية: ماذا فعلت ومن خدمت؟، دار صفحات، دمشق، الطبعة الخامسة، 2009.

عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق، دار أم البنين، بدون تاريخ.

برتراند رَسل، تاريخ الفلسفة الغربية، ترجمة زكي نجيب محمود، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 2010.

ﺟﻔﺮي ﺑﺎرﻧﺪر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ﺗﺮﺟﻤﺔ ﻋﺒﺪ اﻟﻐﻔﺎر ﻣﻜﺎوي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 1993.

محمد العزب موسى، حضارات مفقودة، الدار المصرية اللبنانية، 2000.

فراس سواح، مغامرة العقل الأولى، دار علاء الدين، دمشق، 2002.

بهاء الأمير، شفرة سورة الإسراء، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2016.

Manly P. Hall, The Secret Teachings of All Ages, H. S. Crocker Company Inc., San Francisco, 1928.

نبوة محمد

أحمد دعدوش وربى الحسني


تبين لنا في بداية مسيرنا أن وجود الله حقيقة حتمية، وأن الإيمان به ليس سوى بداية الطريق نحو فهمنا للحقائق الوجودية الكبرى، وتعرضنا في مقال “مصادر المعرفة” للانتقادات الموجهة إلى كل مصدر على حدة، ما يجعل أياً منها قاصراً عن الإحاطة بكل جوانب المعرفة وبلوغ اليقين في كل التفاصيل والحقائق، بينما يبقى مصدر الوحي الأكثر يقينا وإحاطة، لكونه صادرا عن الله نفسه.

وبعد مرورنا بشتى الطرق والسبل من الأديان والمذاهب والفلسفات التي نشأت وتراكمت على مدى قرون، وبعد أن تحققنا من جوانب النقص والخلل والتحريف والانحراف في كل منها، ومن عجزها عن تقديم الأجوبة أو تعمد واضعيها تضليل الناس عن بلوغ الحقيقة، نحط رحالنا الآن عند آخر المحطات لاكتشاف سبيل الحق اليقيني الذي لا يشوبه شك، ونبتدئ بالبحث في ضرورة النبوة وحاجة الإنسان إليها كمصدر وحيد لبلوغ الحقيقة في الغيبيات.

الحاجة للنبوة
سنحاول في هذه الفقرة الإجابة على سؤال: هل وجود الأنبياء ضروري؟ وللإجابة سنطرح سؤالا معاكسا: ماذا كان سيحدث لو لم يوجد الأنبياء؟

تبين لنا في مقال “مصادر المعرفة” أن افتقار الإغريق للوحي أدى إلى تخبط واضح في المسائل الميتافيزيقية، وذكرنا بعض الأمثلة على نتائج غياب الوحي، وهي أمثلة تتكرر في كل المجتمعات التي طُمست فيها آثار رسالات الأنبياء، حيث حارت عقول الفلاسفة أمام المعضلات الوجودية الكبرى، فضلا عن الاتفاق في المشكلات الأخلاقية والتشريعات القانونية، ولم يكن من سبيل إلى الحق ودرء الخلاف سوى بالرجوع إلى وحي إلهي يعلو على الجميع ويوافق عقولهم.

حتى كبار الفلاسفة مثل سقراط لم يتمكنوا من وضع فلسفة أخلاقية متكاملة اعتمادا على العقل وحده

والمشكلة هنا لا تقتصر على محدودية العقل البشري، فالإنسان أصلاً ليس كائناً عقلانياً مجرداً، فحتى لو وصل عقله إلى قناعة مجردة فقد تقوده نفسه وهواه إلى مخالفته، ولو كان من كبار الفلاسفة.

وإذا كان العقل البشري لا يكفي وحده، فقد يتساءل أحدنا: لماذا لا ينزل الوحي إلى البشر بطرق أخرى غير الأنبياء، كأن يوحي الله إلى كل شخص على حدة بما يحتاج إليه من حقائق؟ والجواب أننا ذكرنا في المقال المشار إليه أعلاه أن الحدس (الكشف) لا يصلح للاعتماد عليه كمصدر موثوق، فليس هناك أي ضمان يثبت للمرء أن ما يقع في نفسه من مكاشفات هي صادرة عن الله نفسه، ولو أن الله تركنا بالفعل بدون أنبياء وتواصل معنا عبر هذه الوسيلة لتساءلنا عما إذا كانت تلك “الرسائل” واردة من كائنات فضائية تتواصل معنا بالتخاطر أو من حقيقة كونية ما (كما يقول الباطنيون) أو حتى من الشياطين؟

والحدس الشخصي لا يُستفاد منه إلا لتثبيت الإيمان (اليقين) بعد اقتناع العقل وانكشاف الحقائق، لكنه لا يصلح أن يكون مصدرا يتفق عليه الناس لأنه خاص بكل منهم على حدة، ولا يمكن طبعا أن يُعتمد مصدرا للتشريع والقوانين، فلا يمكن لبقية الناس أن يتحققوا من زعم أحد بأنه تلقى قانوناً إلهياً بحدسه الخاص، وإن فعلنا ذلك فسنعود إذن إلى مشروعية وضرورة وجود نبي يتلقى هذا الوحي، بحيث يمكن لنا التحقق من صدقه باعتباره المرجع الشامل والوحيد للأمة كلها وحلقة الوصل بينها وبين الله.

وقد يعود السائل ليقول: فلماذا لا تكون حلقة الوصل هذه من كائنات أخرى غير البشر؟ وهذا الإشكال قد طرحته قريش على النبي محمد الذي كان واحداً منهم، حيث استبعد المنكرون أن يكون نبياً من بينهم، لا سيما وأن بعضهم أقر بأن رفضهم لنبوته كان بدافع الحسد (كما فعل أبو جهل عمرو بن هشام)، وقد ردّ عليهم القرآن نفسه بقوله {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} [الإسراء: 95]، أي أن الله يبعث على الناس رسولا من جنسهم لكي يتمكنوا من رؤيته ومخالطته والتواصل معه والتعلم من سلوكه وأفعاله وأقواله، وليضعوه أيضا موضع الاختبار والتمحيص، وإذا كان البعض يتصور أن الملائكة أحق بالحصول على هذه المرتبة فقد رأينا في سيرة النبي محمد أن مهمته تضمنت من المشقة ما لا يحتمله معظم الناس، وكأن عبء الرسالة أعظم بكثير مما فيها من التشريف، ولو أن الله منح الناس القدرة على رؤية الملاك المُرسَل (في حال إرساله بدلا من رسول بشري) فربما كان الجاحدون سيطرحون اعتراضا آخر من قبيل: وما الذي يضمن لنا أن هذا الملاك مرسل من الله أيضا وليس مجرد كائن فضائي أو شيطان متجسد… إلخ؟

إذن فلا بد للإنسانية من العودة إلى الوحي بصفته الرسالة الواردة إليها من الإله، كي تكتشف من خلالها غاية وجودها وطبيعة المهمة الموكلة إليها في هذه الحياة، ولتجد أيضا في ثناياها المنهج والطريقة (الشريعة) التي يجب عليها الاحتكام إليها للتمييز بين الصواب والخطأ، وللتعرف على وسائل مكافحة الشر وتقليص مساحته ونفوذه.

وتبدأ مهمة الإنسان في البحث عن الوحي الصحيح والتحقق من صدق نسبته إلى الله وسلامته من التبديل والتحريف، وذلك بالتحقق أولا من صدق الأشخاص الذين زعموا أنهم أنبياء مرسلون من الله، بدراسة سيرتهم ومعجزاتهم وما نُقل عنهم من أقوال وأفعال، ثم بالتحقق من صدق الوحي الذي جاؤوا به، وذلك بعرضه على العقل (المنطق) ودلائل الحس (العلم التجريبي)، ومقارنة قصصه ونبوءاته بحقائق التاريخ، وتمحيص لغته وبيانه ودعاواه وكل ما يتضمنه من حيث كونها صادرة بالفعل عن مصدر إلهي أو غير ذلك.

وسنحاول إيجاز بحثنا في هذا المقال للتحقق من صدق نبوة محمد، على اعتبار أنه قد ادعى كونه آخر الأنبياء والمرسلين في التاريخ، وأنه مُرسل إلى البشرية كلها، ثم نبحث في تراثه وما نُقل إلينا من سنته في مقال لاحق، وأخيراً نتحقق من صدق الوحي الذي جاء به في المقال الذي يليه.

“كل خيرٍ في الوجود فمنشؤه من جهة الرسول، وكل شر في العالم مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به، وسعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة، والرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاحٍ للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟”.
ابن تيمية

ذكر النبي محمد في الكتب السابقة على بعثته
تعرضنا في مقالات الوثنية واليهودية والمسيحية إلى الوحي الذي أنزله الله إلى رسل سابقين، وذكرنا في مقال “الهندوسية والبوذية” أن هناك مؤشرات عديدة على أن الأصول البعيدة للبراهمية الأولى تعود إلى مصدر سماوي، واستعرضنا أيضا بعض الأدلة التي تثبت تعرض تلك الكتب المنزَلة للتحريف، فضلا عن إخفاء أجزاء منها عمداً وضياع أجزاء أخرى. ومع ذلك؛ فما زال المتاح من تلك الكتب يتضمن بعض الإشارات التي توحي بأنها تتحدث عن النبي محمد، بينما تصرح أجزاء أخرى منها في الحديث عنه، إما باسمه الصريح أو بصفاته.

فعلى سبيل المثال، نقرأ في سفر أخنوخ (الكتاب المنسوب إلى النبي إدريس عليه السلام وهو من أوائل المرسلين إلى البشرية) وصفاً للقيامة يتضمن حديثا عن الشخص المختار أو المصطفى، فيقول “سيقوم المصطفى ويختار الصالحين والقديسين من بين الموتى، فقد جاء اليوم الذي فيه يُنقذون. سيجلس المصطفى في تلك الأيام على عرشي، وستنطلق من فمه أسرار الحكمة والموعظة التي منحها له رب الأرواح ومجده” [R.H. Charles ,The Book of Enoch, 1917, p. 69]، ويبدو أن الحديث هنا عن شخص مُختار ومميز عن كل البشرية، ينال مرتبة رفيعة يوم القيامة، وهو ما يتطابق مع الوصف الذي ذكره النبي محمد لأحداث القيامة ومقام الشفاعة الذي سيُمنح له.

وسنسرد فيما يلي أهم النصوص التي تنبأت بنبوة محمد قبل قرون من ولادته، وذلك فيما هو متاح بين أيدينا اليوم من كتب الهندوس واليهود والمسيحيين:

أولا: في الكتب الهندوسية
سنسرد فيما يلي أهم النصوص التي وردت في الكتب الهندوسية المقدسة وجاء فيها ذكر محمد وأتباعه، تصريحا أو تلميحا:

1- كتاب بهافيشيا بورانا:
النص الأول: بارف 3، خاند 1، أدهاي 3، شلوكا 21 إلى 23:
“المليخا (شعب أجنبي في بلد أجنبي) سيظهر بينهم معلم روحي مع صحابته. سيكون اسمه مهامادا (محمد). راجا (بوج) -وهو لقب يوصف به ملوك الهند- بعد أن يعطي هذا العربي ماها ديف (تعني ذو الطبيعة الملائكية) غسلا في ماء بانشجافيا فى نهر الكانج (كناية عن التطهير من الذنوب) وبعد أن يعلن دعمه له ورضاه عنه سيقول له: سأضع لك عصا الطاعة. لك أنت يا فخر البشرية يا ساكن الصحراء العربية. يا من تملك قوة عظيمة لقتل الشيطان، وأنت ستكون محفوظا من كل أعدائك”.
وفي هذا النص يظهر اسم النبي محمد صلى الله عليه و سلم بوضوح، ويحدد أيضا موقع ظهور رسالته. ومع أن النبي لم يغتسل في نهر الكانج المقدس لدى الهندوس، فالمقصود بالنص كما يبدو أنه سيكون شخصا مطهرا من الذنوب ومعصوما، وربما يكون النص قد تعرض لهذه الإضافة من قبل كاتبها كي يفهمها الهندوسي بما يوافق طقوسه.

النص الثاني: براتيساراج 3، خاند 3، أدهاي 3، شولكا 10 إلى 27، يتنبأ مهاريشى فياس بالقول:
“المليخا أفسدوا أرض العرب الشهيرة. أريا دارما (طريقة العبادة السليمة) لم تعد موجودة فى البلد. كذلك كنت من قبل قد قتلت الشرير المضلل ولكنه عاد مرة أخرى للظهور مصحوبا بأعداء أقوياء. من أجل إظهار طريق الحق لأولئك الأعداء ومنحهم الهداية، فإن محمدا المعروف جيدا سينشغل بتوجيه هؤلاء البيشاتشا إلى طريق الحق. يا أيها الملك راجا لن تحتاج للذهاب إلى أرض أولئك البيشاتشا الحمقى لأن رحمتي ستطهرك حيثما أنت. وفي الليل، سيقول ذاك الرجل الحكيم ذو الطبيعة الملائكية، وهو في هيئة البيشاتشا، مناديا راجا بوج (يقصد به هنا الرب) “أيها الراجا، طريقك القويم و دينك وُجد ليظهر على كل الأديان الأخرى. ولكن طبقا لتعاليم إيشوار بارماتما سأعزز إيمان آكلي اللحوم (لأن الهندوس لا يأكلون اللحوم). أتباعي سيكونون رجالا مختونين ولا ذيول لهم فى رؤوسهم (لأن الهندوس يطيلون شعرهم ويربطونه) ويطيلون لحاهم، وسيصنعون ثورة ويجهرون بالأذان (مكتوبة بنفس هذا النطق العربي)، ويأكلون كل الطعام المباح. وهو سيأكل كل لحوم الحيوانات باستثناء الخنزير، وأتباعه لن يسعوا وراء التطهر من خلال الشجيرات المقدسة بل في ساحات القتال (الجهاد). وبسبب قتالهم للأمم التي لا دين لها، فإنهم سيعرفون باسم المسلمين (MUSALMAANS)، وسأكون أنا (الرب) منبع دين الأمم التي تأكل اللحوم”.

النص الثالث: بارف 3 خاند 1 أدهاي 3 شلوكا 21 إلى 23:
“انتشر الفساد والشر في سبع مدن مقدسة فى كاشي… الهند أصبحت مسكونة بالراكشاس والشابور والبهيل والكثير من الأقوام الآخرين الحمقى. في أرض المليخا (الشعب الأجنبي) أتباع الماليخا دارما (أتباع الإسلام) يتصفون بالحكمة والشجاعة. كل الصفات الطيبة اجتمعت فى المسلمين (MUSALMAANS) وكل الزعامات اجتمعت على أرض الأرياس (الجزيرة العربية). الإسلام سوف يحكم في الهند وجزرها”.

2- كتاب أتهَرفافيدا:
الكتاب 20، الإنشاد 127، الآيات 1 إلى 13:

مانترا 1:
“إنه ناراشاناش أو طيب الذكر (المحمود). إنه كوراما: المهاجر أو أمير السلام، الآمن حتى وهو فى وسط 60090 عدواً”.
وقد قدّر الشيخ المباركفوري عدد أعداء النبي من قبائل العرب قبل فتح مكة بنحو 60 ألفا، بينما يعتقد الدكتور ذاكر نايك أن هذا العدد هو عدد أتباع قريش في مكة، لكن الصحيح هو الرأي الأول، والله أعلم.

مانترا 2:
“إنه ريشي قائد الجمل، الذي تمس عربته السماء”.
ومصطلح الريشي يعني رجل الدين المقدس. ومع أن تعاليمهم تحرّم على الريشي ركوب الجمل إلا أن النص تنبأ بقدوم هذا الرجل المقدس الذي يركب جملا، والنص يوضح جلال هذا الرجل الذي يعيش حياة بسيطة على الأرض ويصل مع ذلك إلى عالم الملكوت عندما يُعرج به إلى السماء.

مانترا 3:
“إنه الريشي ماماه (أي محمد) الذي يعطى مئة عملة ذهبية…”

الكتاب 20، الإنشاد 21، الآية 6:
“يا مولى كل من آمن بالحق, هؤلاء الفاتحون يتغذون بالشجاعة وبالأناشيد التي ترضيك فى ساحة المعركة. حينما تدفع  العشرة آلاف عدو للحامد (أو الأحمد) المحبوب مهزومين بدون قتال”.
وهذه كما يبدو إشارة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه في معركة الأحزاب.

وفي نفس الكتاب والإنشاد، الآية 9:
“لقد استطعت يا إندرا (إله الحرب) أن تهزم عشرين ملكا وستين ألفا وتسعة وتسعين رجلا مسلحين بعربات ذات عجلات قل نظيرها، الذين جاؤوا لقتال طيب الذكر (المحمود) أو ذائع الصيت اليتيم”.
يقول ذاكر نايك إن المقصود هو عدد سكان مكة قبل الفتح البالغ 60 ألفا، وزعماء مكة البالغ أيضا عشرين زعيما.

3- كتاب سامافيدا:
الكتاب الثاني، الإنشاد 6، الآية 8:
“أحمد أخذ من ربه القانون الأبدي. لقد حصلتُ منه على النور كأنه الشمس”.
يقول نايك إن النص جاء باسم أحمد صريحا، وإن العديد من المترجمين أساؤوا فهم الكمة وترجموها بالخطأ، ويضيف أن المقصود بالقانون الموحى به من الله هو الشريعة الإسلامية.

ثانيا: في الكتب اليهودية
سنستعرض طائفة من البشارات المتعلقة ببعثة النبي محمد في كتاب العهد القديم، والذي يتضمن المزامير التي يعتقد أنها الزبور الذي أنزل على النبي داوود، وسفر نشيد الأناشيد المنسوب للنبي سليمان، وما بقي من التوراة التي أنزلت على النبي موسى، والصحف الأخرى التي أنزلت على أنبياء بني إسرائيل بعد موسى، ومن أهمها نذكر ما يلي:

سفر إشعيا

1- جاء في سفر إشعيا (29: 12): “ثم يناول الكتاب لمن لا يعرف الكتاب ويُقال له اقرأ هذا فيقول لا أعرف الكتابة” ولعل مجرد قراءة هذه الكلمات تستدعي إلى ذهن القارئ مباشرة قصة بدء الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال له جبريل “اقرأ” فقال “ما أنا بقارئ”، ولكن لا بدَّ من توضيح أن هذه الترجمة العربية الكاثوليكية لهذا النص- مع وضوح دلالتها-  قد حرَّفت فيه ما بينته الترجمات الإنجليزية والفرنسية والتي جاء النص فيها كما يلي (حسب The New International Version): “or if you give the scroll to someone who cannot read, and say: read this, please) he will answer: I don’t know how to read”.

ونلاحظ الاختلاف البسيط في ترجمتها : “أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف القراءة، مع الرجاء: اقرأ هذا، فيجيب: لا أعرف القراءة”، لكنه على بساطته يكشف تحريفاً متعمداً للنص لإبعاده عن الشخص الذي يشير إليه وهو محمد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم الذي كانت أهم صفاته أنه أميّ لا يعرف القراءة.

2- جاء في سفر التثنية (32 :21) أن الرب قال في بني إسرائيل غاضباً: “هم أغاروني بمن ليس إلهاً وأغضبوني بأباطيلهم وأنا أغيرهم بمن ليسوا شعباً بقومٍ أغبياء أغضبهم”. (ترجمة المطبعة الكاثوليكية ببيروت). وفي الترجمة العربية المشتركة جاء: “… وأنا أثيرهم بشعبٍ لا شعبٌ هو وأكدِّرهم بقوم جهلاء”. والشعب “الغبي” أو “الجاهل” الذي يخبر الرب أنه سيحل محل بني إسرائيل بعد انحرافهم هو “الأميون” من العرب الذين اشتهروا بهذا الوصف وذكرهم القرآن الكريم به.

3- ورد في سفر التثنية (18: 18) أن الرب قال لموسى: “سأقيم لهم نبياً من بين إخوتهم مثلكَ وألقي كلامي في فمه فينقل إليهم جميع ما أكلمه به وكلُّ من لا يسمع كلامي الذي يتكلم به باسمي أحاسبه عليه”، ويدل هذا على أن النبي المقصود في البشارة من غير بني إسرائيل لقوله: “من بين إخوتهم” فالخطاب لبني إسرائيل ولا يكونون إخوة لأنفسهم، أما إخوتهم فهم أبناء أخي أبيهم إسماعيل أخي إسحاق، وهم العرب. ولو كان المراد به نبياً من بني اسرائيل مثل (صمويل) كما يؤوله اليهود لقال: من بينكم أو من وسطكم.

وقد نبه السموأل بن يحيى -الذي كان من أحبار اليهود في الأندلس واعتنق الإسلام- في كتابه “غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود” أن هذا النصَّ كان يتضمن وصفاً للنبي المبشر به وهو أنه “أمّيٌّ” قبل أن يحذفها اليهود وأنها كانت السبب في إسلامه.

4- في سفر التثنية (33 :2): “جاء نور الرب من سيناء وأشرق لهم من ساعير وتلألأ من جبال فاران وجاء معه عشرة آلاف قديس”. وقد حاول الأحبار إبهام دلالة فاران وقالوا إنها لا تقع في بلاد العرب بل قريبة من سيناء وساعير، لكن مكة عُرفت بهذا الاسم بضعة قرون سالفة، كما أن إسماعيل -وفقاً لهم- سكن برية فاران وتزوج من امرأة مصرية، ومن ولده قادار انحدر أحفاده العرب الذين سكنوا قفار فاران (التكوين 25: 13- 15)، وكان منهم محمد الذي دخل مكة مع عشرة آلاف قديس (وهو عدد الصحابة عند فتح مكة) كما جاء في التثنية (33: 2). وتذكر موسوعة الكتاب المقدس أن اسم (قيدار) مرادف للبلاد العربية وعرّف بعضهم بني قيدار بأنهم قريش.

5- في سفر إشعياء (21: 13- 17): “نبوءة بشأن العرب: بيتوا في غاب العرب يا قبائل الدّدانيين، وافوا بالماء للقاء العطشان يا سكان أرض تيماء استقبلوا الهاربين بالخبز لأنهم قد فروا من السيف المسلول.. لأنه هكذا قال لي الرب بعد سنة كسنة الأجير يفنى كل مجد قيدار وتكون بقية الرماة الأبطال من أبناء قيدار قِلَّة لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم”.

وذكر معجم العهد القديم أن قيدار -كما سبق- هو ابن إسماعيل وأبناؤه العرب من قريش خاصة وأن أحبار اليهود ينادون كل العرب في كل مكان بهذا الاسم، أما الدّدانيون فهم قبيلة عربية مرتبطة بأدوم وتيماء وتقيم شرق البحر الميت، وتيماء: اسم عبري بمعنى “الجنوبي” وهي قبيلة إسماعيلية تسلسلت من تيما وكانت تقطن بلاد العرب وتسمى الجهة التي تسكنها تيماء أيضاً، وهي في بلاد العرب في منتصف الطريق بين دمشق ومكة (حسب قاموس الكتاب المقدس ضمن المجموعة الإلكترونية “البشارة”)، وذكر قاموس الكتاب المقدس أن تيماء واحة شمال المدينة. وهي المدينة التي دعا الرب أهلها لاستقبال “الهارب” بدعوته من بطش بني قيدار في مكة، وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرون، وهو الذي عاد بعد عام من هجرته كما نصت البشارة ليهزم أبناء قيدار “قريش” في موقعة بدر.

6- يقول سفر حجَّاي (2: 7،8) مبشراً المستضعفين والمحزونين: “فإنه هكذا قال رب الجنود.. وأزلزل جميع الأمم ويأتي مُتمنَّى جميع الأمم فأملأ هذا البيت مجداً.. وسيكون مجد هذا البيت الأخير أعظم من الأول قال رب الجنود وفي هذا الموضع أعطي السلام يقول رب الجنود”. وقد اضطربت تراجم الكتاب المقدس في عبارة: “ويأتي مُتمنَّى (أو مُشتهى) جميع الأمم”، حيث أكد القس الكلداني الذي اعتنق الإسلام عبد الأحد داود في كتابه “محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب المقدس، ص 36” أن هذه النبوءة تتحدث عن مقدم نبي الإسلام “أحمد”، فقد ذكر النص العبري كلمة مُتمنَّى أو مشتهى بلفظ “حِمده”: “في يا فو حِمده كول هاجوييم) ما يعني حرفياً: “وسوف يأتي حِمده لكل الأمم”، وهي كلمة عبرية قديمة تعني “الأمنية الكبيرة” أو “المشتهى”، أما في العربية  فمن جذر (ح م د) التي تعني الإطراء والمديح، والشخص الذي يتاق إليه ويُرغب فيه هو أولى الناس بالمديح، وأكد عبد الأحد داود أن كلمة أحمدهي الصيغة العربية لكلمة حِمده. أما أصل كلمة شالوم بالعبرية و”سلام” و”إسلام” بالعربية فهما مشتقتان من أصل واحد، ورأى المؤلف أن تفسير النبوءة بمعنى الأمنية والسلام يجردها من أي معنى، بينما هي في الحقيقة بشارة صريحة باسم نبي الإسلام.

7- في سفر المزامير (84: 6- 8) : “هنيئاً للذين عزتهم بك وبقلوبهم يتوجهون إليك يعبرون في وادي الجفاف فيجعلونه عيون ماء بل بركاً يغمرها المطر، ينطلقون من جبل إلى جبل”، وفي ترجمة المطبعة الكاثوليكية تأتي العبارة: “يجتازون في وادي البكاء”، أما في النص العبري ومعظم تراجم الكتاب المقدس بالإنكليزية والفرنسية نجد أن الوادي يحمل اسم (Bacah) حيث يبدأ بحرف كبير مما يدل على أنه اسم علم، وبكة هو أحد أسماء مكة المكرمة كما جاء في القرآن الكريم: {إنَّ أوَّل بيتٍ وُضِعَ للناس للذي بِبَكَّة مباركاً وهُدىً للعالمين} [آل عمران: 96].

8- أكثر البشارات وضوحاً هي التي وردت في سفر نشيد الأناشيد المنسوب للنبي سليمان (5: 16) حيث يرد فيه تغزلٌّ بشخص ما: “حلقه من الحلويات وكلُّه مشتهيات، هذا ودودي وهذا صاحبي يا بنات أورشليم”. فعبارة (كله مشتهيات) هي ترجمة محرفة لما ورد في النص العبري والذي ما زال محفوظاً كما هو على الشكل التالي: “حِكو ممتكيم فِكلّو محمديم زيه دودي فزيه ريعي”. ولاحقة “يم” العبرية تستخدم للتفخيم، ويبدو أن هناك من تعمد تحريف الترجمة مع أنها تشير إلى اسم علمٍ مع أنه لا يجوز ترجمة أسماء الأعلام.

ثالثا: في الكتب المسيحية
مع أن العهد الجديد من الكتاب المقدس -الذي توجد منه حالياً أربع نسخ مختلفة- لا يمثل الإنجيل الحقيقي الذي أنزل على النبي عيسى عليه السلام حسب المعتقد الإسلامي، بسبب ما تعرض له من تحريف وتبديل وضياع [انظر مقال المسيحية]، إلا أن المتداوَل منه اليوم يتضمن بعض الإشارات إلى نبوة محمد، وفيما يلي مثالان لهذه الإشارات:

1- يقول القرآن الكريم {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ، فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الصف: 6].

وفي سفر يوحنا [14/16] يقول المسيح: “ولسوف أطلب من الأب وسوف يعطيكم معزياً (برقليطوس) آخر يبقى معكم إلى الأبد”، بينما يؤكد البروفسور عبد الأحد داود أن هذا النصٌ تعرض للتشويه، فكلمة “برقليطوس” لا تعني “المعزي”، حيث حرصت الكنيسة على تفسيرها بالروح القدس (الأقنوم الثالث للإله) الذي جاء ليعزي المؤمنين بصلب المسيح ويكون واسطة بينهم وبين الأب، بل تعني الأمجد والمستحق للمديح، وهي مطابقة تماماً لمعنى اسم “أحمد” في اللغة العربية، وبهذا يصبح المقصود بها النبي محمد الذي بشّر المسيح عيسى، وبشكل موافق لنص الآية القرآنية.

2- يذكر العهد الجديد قصة رعاة يرعون أغنامهم قرب بيت لحم في الليلة التي ولد فيها المسيح، إذ ظهر لهم ملاك ليعلن مولد “السيد المخلِّص” ثم ظهر حشدٌ من الملائكة ينشدون: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة” [لوقا 2/14]، وما زالت هذه الترنيمة ترتل في الكنائس حتى اليوم، بينما يشكك باحثون في ترجمتها إلى اللغة اليونانية التي كُتب بها هذا الإنجيل، إذ يُفترض أن تكون الملائكة قد رتلت أنشودتها بلغة الرعاة وهي العبرية أو الآرامية وليس اليونانية.

ويقول عبد الأحد داود إن الأصل الآرامي للنص كان يتضمن ثلاث كلمات مهمة حوّرت الترجمة معناها إلى معنى آخر، فاسم الله تُرجم إلى “Theos” باليونانية، وكلمة شلاما (السلام) ترجمت إلى “Eiriny”، وكلمة المسرَّة SobhraTabha تُرجمت إلى “Eudokia”، حيث تتوافق هذه المعاني مع العقيدة المسيحية المعتمدة بعد بولس.

ويضيف داود أن كلمة Eiriny اليونانية مرادفة لكلمتي “شالوم” في العبرية، و”شلاما” في الآرامية، لكنها تعني أيضا “إسلام” في العربية. أما كلمة Eudokia فهي مركبة من مقطعين: “Eu” تعني الأكثر والأحسن، و”dokia” تعني المجد والشرف أو اللطيف المحبوب، وتتفق هذه الكلمة في معناها الصحيح والحرفي مع الكلمات العبرية “مَحْمَد، مَحَمُد، حِمْدَه، حِمِدْ” التي استخدمت بصورة متكررة في العهد القديم [إرميا 1/7،10- 2/4]. وبهذا يمكن أن تتحول الترنيمة إلى “المجد والحمد لله في الأعالي، أوشك أن يجيء الإسلام للأرض، يقدمه للناس أحمد”.

الكعبة في عام 1910م

مقدمات بعثة النبي محمد
قال أبو محمد بن قتيبة “ومن أعلام (علامات) نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم أنه لم يسم أحد باسمه قبله صيانةً من الله تعالى لهذا الاسم، كما فعل بيحيى بن زكريا إذ لم يجعل له من قبل سمياً، وذلك أنه سماه في الكتب المتقدمة وبشّرت به الأنبياء، فلو جعل الاسم مشتركا فيه ساغت الدعاوى ووقعت الشبهة، إلا أنه لما قرُب زمانه وبشّر أهل الكتاب بقُربه حضر أربعة أنفس عند راهب وأخبرهم باسمه وقرب زمنه فسموا أولادهم بذلك”.

وذكر عدة مؤرخين أولئك الأشخاص الذين أطلقوا اسم محمد على أطفالهم قبل بعثة محمد الحقيقي بسنوات قليلة، والبعض ذكر أنهم ستة، وكانوا قد التقوا براهب نصراني في أحد أديرة الشام أثناء رحلة لهم للقاء ملك الغساسنة “ابن جفنة”، فقال لهم الراهب عندما عرف أنهم من قبيلة مُضر العربية “إنه يُبعث فيكم وشيكاً نبي خاتم النبيين، فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا”، فقالوا: ما اسمه؟ فقال: اسمه محمد، فلما وُلد لكل منهم ولد سمى ابنه محمداً أملاً بأن يكون هو النبي [ذكره ابن حجر والبغوي وابن سعد وابن شاهين وابن ظفر المكي].

والظاهر أنه لم يدّع أي من الذين حملوا اسم محمد النبوة، والعجيب أن عائلة محمد الحقيقي لم تكن قد سمعت بهذه القصة من أي راهب وأنها أطلقت على مولودها هذا الاسم الجديد -الذي لم تعرفه العرب من قبل- بالصدفة. ففي روايات نقلت من طرق عدة عن عبد المطلب، جدّ النبي محمد لوالده، فإنه رأى في منامه أن سلسلة فضة خرجت من ظهره وامتدت إلى ما بين السماء والأرض، وما بين المشرق والمغرب، ففسرت له كاهنة قريش الرؤيا بأنه سيولد له مولود يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض، فلما ولدت آمنة (زوجة ابنه عبد الله) قال لها سميه محمداً [ذكره أبو نعيم والصالحي والخفاجي والسيوطي]، كما ذكر مؤرخون آخرون أن آمنة أُمرت أثناء حملها (في المنام) بأن تسمي مولودها محمداً [ابن حبان والطبري وابن سعد وغيرهم].

اختار الله أن يبعث خاتم أنبيائه في أرض العرب التي لم تعرف الحضارة، وتحديدا في مكة التي بُني فيها البيت الحرام على يد آدم أبي البشر، والذي جدده إبراهيم عليه السلام بعد أن ضاعت معالمه، وكأن الحكمة من خروجه في هذا المكان أن يجمع بين النشأة في بيئة لا تعرف القراءة والكتابة ولم تقرأ شيئا من الكتب المنزلة على بني إسرائيل وغيرهم، وبين الانطلاق بدعوته من مركز التوحيد وقبلة المؤمنين على مر العصور.

وُلد محمد يتيمًا على الأرجح، حيث توفي والده عبد الله قبل ولادته، كما توفيت والدته آمنة وهو في سن السادسة، ثم كفله جده عبد المطلب (سيد قريش) سنتين قبل أن يرحل أيضا عن الدنيا، لينشأ في كنف عمه أبي طالب، وكأن قدَر النبي أن ينشأ يتيما ليكون أكثر استقلالية منذ الصغر، واللافت أن عمه الذي ظل حياً إلى ما بعد بعثة محمد لم يؤمن به، وهذا يعني أن كل الذين نشأ محمد في كنفهم لم يكن لهم دور في رسالته.

عاش محمد طفولة طبيعية في مكة، وبدأها بمرحلة الرضاعة في مضارب البدو كما هي عادة العرب آنذاك، فحملته حليمة السعدية إلى دارها في مضارب بني سعد لتبدأ أمارات تميز هذا الطفل بحلول البركة في دارها ورزقها، ثم وقعت معجزة شق صدره عندما أخذه الملَك جبريل وهو يلعب مع بقية الأطفال، فشقّ صدره وأخرج قلبه وغسله مادياً في وعاء من ذهب ثم أعاده إلى مكانه، وقد رويت هذه القصة ببعض الاختلافات في التفاصيل في صحيح مسلم وغيره، وأخرج أحمد والدارمي أن حليمة أعادته إلى أمه فوراً بعد هذه الحادثة فلم تُفاجأ بما حدث له، وقالت أمه آمنة “إن رأيت (في المنام أثناء حملها به) خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام”، وليس في هذا المعجزة ما يناقض العقل ولا المنطق السليم.

رعى محمد الغنم لكسب رزقه، وقال لأصحابه بعد أن صار نبياً “ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم”، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال “نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة” [البخاري: 2262]، ولدى الجمع مع روايات أخرى يتبين أنه كان يرعى الغنم أيضا أثناء إقامته صغيراً عند مرضعته حليمة، ويقول أبو الوفاء ابن عقيل “لما كان الرعي يحتاج إلى سعة خلق وانشراع صدر، وكان الأنبياء مُعدّين لإصلاح الأمم، حَسُن هذا في حقهم”.

وفي سن الشباب بدأ يعمل بالتجارة، ففي سن الخامسة والعشرين خرج بقافلة تجارية لصالح خديجة بنت خويلد، وهي إحدى سيدات قريش، وعندما عاد من رحلته إلى بُصرى (في جنوب سورية حالياً)، أو من سوق في تهامة (غرب السعودية) حسب رواية أخرى، أُعجبت بما ذكره لها غلامها ميسرة من أخلاقه، فتزوجا وهي تكبره بنحو خمسة عشرة سنة.

مدخل غار حراء

يقول ابن خلدون في كتابه “المقدمة” إن من علامات نبوة محمد أنه كان قبل الوحي معروفا في قومه بخلق الخير والزكاة ومجانبة المذمومات والرجس، وكأنه مفطور على التنزه عن المذمومات، فقد دعي وهو شاب صغير إلى وليمة عرس فيها رقص ولهو، فغلبه النوم أثناء الحفل حتى طلعت الشمس ولم يحضر شيئا من اللعب، وكأن الله كان ينزّهه عن كل المنكرات حتى لو حدثت بالصدفة ودون قصد منه.

وفي سن الأربعين اكتمل نضجه، وبدأت أمارات النبوة بالظهور، فتقول عائشة “كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبب إليه الخلاء (أي الخلوة واعتزال الناس) فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، وهو التعبد الليالي أولات العدد” [صحيح مسلم: 160].

ووقعت الحادثة المعروفة في الغار باللقاء الأول بين محمد وجبريل، وبدأت بذلك بعثته ونبوته. ومع أنه كان قد واجه العديد من المواقف والعجائب التي أكدت له مسبقاً أنه سيكون نبياً، إلا أن الصدمة كانت بالغة الأثر على نفسه في بدايتها، حتى عاد إلى زوجته خائفاً مرتجفاً وهو يقول زملوني (غطوني)، وعندما هدأت نفسه قال لها “لقد خشيت على نفسي”، لكن خديجة أيقنت على الفور أنه سيكون بخير، مستدلة على ذلك بأخلاقه الحميدة بالرغم من عدم وجود دين ولا شرع في القوم آنذاك، فقالت له “أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، والله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكَلّ (أي تعين الضعيف) وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق” [صحيح مسلم: 160].

ويستنتج ابن خلدون من إسلام أوائل الصحابة أن نبوة محمد لم تكن تحتاج إلى “دليل خارج عن حاله وخلقه”، ومنهم أبو بكر الذي يروى عن النبي أنه قال فيه “ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد، إلا أبا بكر ما تردّد فيه”.

يقول ابن تيمية في كتابه “شرح العقيدة الأصفهانية” إن أي شخصين ادَّعيا أمرًا من الأمور، أحدهما صادق في دعواه والآخر كاذب، فلابد أن يبين صدق هذا وكذب هذا من وجوه كثيرة، إذ الصدق مستلزم للبر، والكذب مستلزم للفجور، ويقول أيضا إن مُدعي النبوة إما أن يكون أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يُلبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين.

وعندما أرسل النبي إلى الملك البيزنطي هرقل رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، كان وفد من قريش في الوقت نفسه يقوم بزيارة لبلاده، فاستدعاهم الملك وسأل قائدهم أبا سفيان عدة أسئلة عن محمد، ومنها: بمَ يأمركم؟ فقال أبو سفيان: بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف، فأجابه هرقل: إن يكن ما تقول حقاً فهو نبي، وسيملك ما تحت قدميّ هاتين”. وقد صدقت نبوءة الملك فعلا عندما فتح المسلمون في خلافة عمر بلاد الروم البيزنطيين.

الفرق بين النبي والسحرة
كان الوليد بن المغيرة من قادة قريش في مكة، وكان ممن تصدوا لدعوة النبي عندما جهر بها، وعندما اقترب موسم الحج ووصول وفود العرب إلى مكة اجتمع الوليد بوجهاء المدينة وطلب منهم أن يتفقوا على رأي واحد بشأن محمد، تحسبا للسؤال الذي قد يُطرح عليهم من الوفود القادمة عندما تعلم بنبأ خروج نبي من بينهم، وبدأ الحاضرون بطرح الاقتراحات.

فقالوا نقول كاهن، قال الوليد: والله ما هو بكاهن، ما هو بزمزمته، ولا سجعه. قالوا: مجنون، قال: ما هو بمجنون، ولا بخنقه، ولا وسوسته (أي لا تأتيه نوبات صرع). قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده (لأن الساحر يعقد عقدا في الحبل وينفخ فيه بعد تلاوة الطلاسم). قالوا: فما نقول؟ قال: ما أنتم بقائلين من هذا شيئا، إلا وأنا أعرف أنه باطل، وإن أقرب القول أنه ساحر، فإنه سحر يفرق بين المرء وابنه، والمرء وأخيه، والمرء وزوجه، والمرء وعشيرته.

وفي النص دلالة واضحة على الفارق الكبير بين النبي والساحر في سلوكه وطرحه، إلا أنهم وجدوا هذا التشبيه أقرب اتهام ممكن إليه من حيث كونه قادرا على التأثير في الناس، مع أن تأثيره لم يكن إلا بإقناعهم بصدقه ودون استخدام أي قوى خفية.

ولو قارنا بين سلوك النبي (الذي وصفه الصحابة بأدق التفاصيل) وسلوك السحرة والكهنة والشامانات فلن نجد أي تقاطع، فعلى سبيل المثال يدعي الشامانات اتصالهم بالآلهة أو أرواح الموتى عندما يطلبونها لتلقي الإلهام منها بأمور غيبية، مثل الأحداث المستقبلية التي يزعمونها أو كشف مكان بعض الأشياء المخفية، ويمارسون لذلك طقوسا معروفة لدى كل الشعوب، وهي الطقوس التي يتم فيها استحضار الشياطين ليس إلا، أما النبي فلم يكن يفعل شيئا من ذلك، ولم يستحضر الوحي بنفسه يوماً، بل كان ينتظر أحياناً أياماً أو شهوراً حتى يأتيه الجواب على مسألة ما، وقد يتسبب له ذلك بالحرج، كما في قصة الإفك عندما طعن البعض في عِرض زوجته عائشة وهو ينتظر تبرئتها من الوحي، ولو كان دجالا لافتعل بنفسه نزول الوحي وزعم أن زوجته بريئة على الفور وقطع لسان أعدائه.

والشامان يتحدث بصيغة الناطق باسم الإله أو الروح أو الحقيقة المطلقة، فيزعم أنه اتحد به واستمد منه القداسة مباشرة، أما النبي فمع أن القرآن أكد أنه لا يأتي بالخبر الكاذب: {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3-4]؛ إلا أن القرآن أوضح للناس أيضا أن النبي لا ينطق بالحق إلا من الله، وأنه إذا لم يستعن بالله فقد ينسى كما ينسى البشر -دون وقوع في الخطأ الفادح بالوقت نفسه- فيقول {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا} [الكهف: 23-24].

ومن المعروف أن النبي لم ينطق يوما بطلاسم أو تعويذات سحرية بأي لغة كانت، وعندما كان يرقي المرضى فلم يكن ينطق بشيء سوى القرآن والدعاء الواضح الصريح، بل كان يتعوذ بالله من السحر والشياطين صباح ومساء كل يوم.

الفرق بين النبي والفلاسفة
يقول الفيلسوف يعقوب الكِندي إن الذين اصطفاهم الله للنبوة لا يشبه العلم الذي يتلقونه بالوحي العلوم الأخرى (الكسبية) التي يكتسبها الإنسان بالتعلم، فعلم الوحي يأتي “بلا طلب ولا تكلف ولا بحث ولا بجبلةٍ بالرياضيات والمنطق ولا بزمان”، فمن يتدبر أجوبة الرسل على الأسئلة التي كان يطرحها عليهم المشككون بشأن الأمور الخفية فسيجد فيها أجوبة تختلف عما كان سيقدمه الفلاسفة في تلك العصور، وذلك من حيث الوجازة والبيان وقرب السبيل والإحاطة بالمطلوب.

ويضرب الكِندي على ذلك بأمثلة، ومنها أن المشركين سألوا محمدا {من يحيي العظام وهي رميم؟}، فجاءه الجواب من الوحي: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون (80) أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (81) إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82)} [يس: 79-82]. ويحلل الكندي هذا الجواب بلاغيا وفلسفيا من وجه عدة، ومنها أنه إذا كانت العظام قد وجدت بالفعل بعد أن لم تكن، فإنه من الممكن -إذا بطلت وصارت رميماً- أن توجد من جديد، فجمع المتفرق أسهل من صنعه من العدم، والسائل المنكر لقدرة الله على البعث مقر بخلقه من عدم.

ويضيف أن كون الشيء من نقيضه موجود، كإخراج النار من الشجر الغض، ثم يستشهد النبي في جوابه الموحى به بخلق الله للكون، ما يدل بالبداهة على قدرته على البعث، إلى آخر ما قاله من دلائل فلسفية يختتمها بقوله “فأي بشر يقدر بفلسفة البشر أن يجمع في قول بقدر حروف هذه الآيات ما جمع الله جل وتعالى إلى رسوله فيها من إيضاح”، ليستنتج من هذا النمط من العلم أن مصدره ليس حسا ولا عقلا بل وحيا مفارقا من الله. [رسائل الكندي الفلسفية، 1/372]. وسنبحث في مقال “الوحي القرآني” المزيد من الأدلة على صحة الوحي القرآني ونسبته إلى الخالق مباشرة.

ومن أوضح الاختلافات بين النبي محمد والفلاسفة، أنه ظل أمياً حتى آخر حياته، ولم يعرف عنه خصومه من قريش أنه تعلم القراءة والكتابة فضلا عن تلقي العلم على أي معلم، بل كان قبل البعثة (التي فاجأته وهو في سن الأربعين) مشغولا بتربية أولاده والعمل في التجارة ورعي الغنم، حتى ذكر الوحي في مرحلة لاحقة أن النبي لم يكن قد خطر بباله أصلاً أنه سيصبح نبياً فقال: {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك} [القصص: 86]، ومع ذلك فقد تمكن بعد بعثته من وضع تشريع متكامل قائم بذاته، ومازال جهابذة الفقهاء حتى اليوم يقضون أعمارهم في تعلم الشريعة التي أتى بها واستنباط قواعدها وأصولها والاجتهاد في ضوئها، بينما لم يبذل النبي أي جهد في “وضع” تلك الشريعة التي أوحيت إليه، بل كان مشغولا بالدعوة والجهاد وتأسيس الأمة، وكان وقت فراغه ينصرف إلى العبادة وليس إلى طلب العلم والقراءة، فعِلمه كان يأتيه دون طلب.

وقد تم الاعتراف بالشريعة التي جاء بها النبي كمصدر عالمي للتشريع والقانون في عدة مؤتمرات دولية في القرن العشرين، وكان أولها مؤتمر القانون المقارن الدولي في لاهاي الهولندية عام 1932، حيث أقرت تلك المؤتمرات بأن الشريعة الإسلامية أصيلة وليست مستمدة من القانون الروماني كما حاول بعض المستشرقين أن يثبتوا.

عبد البهاء

ووُضعت عشرات الكتب في كشف معجزات العدالة والإتقان في التشريع المحمدي، وهو أمر لا يتسع هذا المقال للاستشهاد به، إلا أننا نكتفي بالتوقف عند التناسق بين كافة جوانب هذا التشريع، وهو من أدل البراهين على إعجازه وصدوره عن مصدر غير بشري، فكل الشرائع الوضعية التي عرفتها البشرية تطلب وضعها جهودا جماعية متأنية، ثم نضجت عبر تراكمات لأجيال متعاقبة، أما النبي فكان يفتي أحيانا عند وقوع الواقعة، وقد يصمت عندما يُسأل عن أمر لم يأته فيه الوحي فينزل عليه في لحظتها أو بعد برهة قصيرة، فيستدعي صاحب السؤال ويخبره بما جاءه من تشريع، وقد يُنسخ حكم بحكم آخر لتطور الأحداث ونضج المجتمع حديث التشكل، إلا أننا لا نجد أي وجه من وجوه التعارض والتناقض بين كافة الأحكام على ضخامتها، ولا نجد فيها أيضا ما يتعارض مع مقومات العدالة، وهو تحدٍّ لم ينجح فيه كل من ادعى النبوة [انظر مقال شريعة الإسلام].

فعلى سبيل المثال، ينص كتاب “الأقدس” الذي يقدسه البهائيون على أنه “إذا كان المتوفّى أباً وله دار كان يسكنها، يختصّ الابن الأرشد بهذا المسكن”، فالأفضلية للابن الذكر والأكبر سناً فقط، ويزعم مؤسس هذه الديانة عبد البهاء أن هذا التفضيل منصوص عليه في الكتب السماوية السابقة، فيقول “كانت للابن البكر في جميع الشرائع الإلهية امتيازات فوق العادة، حتى النبوة كانت ميراثا له”، وهو ادعاء غير صحيح.

يقول الفيلسوف والحقوقي الفرنسي مونتسكيو “إنه ليس هناك مقنِّن (واضع للقوانين) إلا وله رأي خاص في القانون، فكل مقنن لديه عواطف وأفكار خاصة، وهو يسعى عند وضع القانون إلى أن يجعل مكاناً لنظرياته”، ويستنتج من ذلك حصول التغير الدائم في القوانين الوضعية، فلا يكاد رئيس أو ملك يصل إلى السلطة إلا ويجري تعديلات دستورية وقانونية تتواءم مع رؤيته ورؤية حكومته، ولا يمكن للمقنن البشري أن يحقق العدالة المطلقة إلا بمدد معرفي مفارق للحاجات البشرية ومؤثرات البيئة، وهو ما لا يتوفر إلا للأنبياء الذين يستمدون الشرائع من الوحي.

الفرق بين النبي وأساتذة الجمعيات السرية
أوضحنا في مقال “الجمعيات السرية” أن الكثير منها نشأ داخل الأديان الكبرى لأسباب عدة، وأن نظامها يقوم أساساً على التدرج والترقي في مراتب سرية، وصولا إلى درجة الأستاذية التي يحتلها شخص خفي لا يعرفه إلا أصحاب الدرجة التي تحته مباشرة فقط، كما تحفل عقائد وشعائر هذه الجمعيات بالرمزية التي تحتمل التأويلات المختلفة بكل تفاصيلها، وإلى درجة يمكن فيها أن يجتمع النقيضان في أمر واحد، كأن يشيع مثلا أن جمعية ما تعبد الإله بينما هي تعبد الشيطان نفسه في الحقيقة، ولا يعرف ذلك إلا من يترقى إلى الدرجات العليا فقط.

لقطة من مشهد تمثيلي جاء في الفيلم الوثائقي “سري للغاية-الماسونية” وهي توضح إقرار العضو الجديد في الماسونية بأنه سيعرض نفسه في القتل إذا أفشى أسرار جماعته

وذكرنا أيضا أن أنظمة هذه الجمعيات تشترط على أعضائها الولاء المطلق والطاعة العمياء وكتمان الأسرار التي لا تُكشف إلا بعد تمحيص واختبار شديدين، مع التهديد بالقتل في حال كشف أي سر، ما يعطي “الأستاذ الأعظم” سلطة هائلة على عقول ونفوس وأجساد كل من يوافق على الانضمام إلى جماعته.

في المقابل، لم يقدم النبي محمد نفسه على أنه صاحب رسالة سرية أو تعاليم خفية، ومع أنه اضطر إلى تقليص نطاق دعوته بين المقربين منه في السنوات الثلاثة الأولى من الدعوة فهذا لا يعني أنها كانت خفية، بل أمره الوحي بإعلان نبوته منذ اليوم الأول، فجمع قريشًا عند جبل الصفا وأخبرهم بأنه رسول الله إليهم، إلا أنه لم يوسع الدعوة بعد ذلك حتى لا يتضرر أتباعه القلائل من بطش الرافضين لدعوته وطغيانهم، وكان النبي طوال تلك الفترة يجاهر بدينه وعقيدته دون إظهار التحدي، ويتلقى بالمقابل الكثير من الأذى والاضطهاد، كما كان يفعل ذلك الأقوياء من صحابته الأوائل مثل عمه حمزة وعمر بن الخطاب.

وطوال مدة النبوة التي امتدت ثلاثة وعشرين عاما، لم ينشئ النبي أي كيان سري، ولم يُخفِ عن الناس أي شعائر أو عقائد، بل نصّ القرآن على أن الدين مكشوف وعلني وواضح ومكتمل، فقال في حجة الوداع وقبل وفاة النبي ببضعة أشهر {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام} [المائدة: 3]، وفي حديث صحيح رواه مسروق عن عائشة أنها قالت “من حدثك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فلا تصدقه، إن الله تعالى يقول يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته” [رواه البخاري].

وبما أن النبي كان سيد قومه ومؤسسا لدولة ناشئة ويحيط بها الأعداء المتربصون، فقد اضطر من حيث موقعه السياسي إلى إطلاع بعض صحابته الذين يشكلون “الكيان الأمني” للدولة على بعض الأسرار التي لا تتعلق بالدين نفسه، فأخرج البخاري عن أبي الدرداء أنه قال لعلقمة: “أو ليس فيكم صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلمه أحد غيره؟”، وجاء في روايات أخرى أن صاحب السر هو حذيفة بن اليمان، وهو يشبه ما يسمى اليوم بأمين السر (السكرتير)، وقد أوضح الحافظ ابن حجر في فتح الباري أن المراد بالسر ما أعلمه به النبي صلى الله عليه وسلم من أحوال المنافقين، ولهذا المعنى شواهد كثيرة في كتب الحديث.

كما أخرج البخاري عن أبي هريرة أنه قال “حفظت عن رسول الله وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم”، وبيّن ابن حجر أيضا في الفتح أن وعاء العلم الأول الذي كشفه لنا أبو هريرة هو الدين نفسه، أما الوعاء الذي أخفاه فيتضمن أسماء أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم في عهد بني أمية، والديل أن أبا هريرة كان يكني عن بعضهم ولا يصرح خوفا على نفسه من بطشهم، كقوله “أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان”، في إشارة إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، وقد استجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة. وقد أكد هذا المعنى بشواهد كثيرة الذهبي والقرطبي وغيرهما، مما يؤكد أن العلم المخفي هو نبوءات كشفها النبي لأمناء السر عن أسماء المنافقين وما سيحدث من الفتن والظلم بعد موته، وهي أمور لا علاقة لها بالدين نفسه.

“كانت صورة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم وهيئته وسمته وشمائله، تدل العقلاء على صدقه، ولهذا قال عبد اللَّه بن سلام (كان من أحبار اليهود وأسلم): فلما رأيت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، ولذا كان من سمع كلامه، ورأى آدابه، لم يدخله شك” [التقي المقريزي، إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، 4/179].

وعلاوة على ما سبق، يوجه الوحي النبي مراراً ليوضح للناس أنه ليس وصيّا عليهم، ولا سلطانا على نفوسهم وقلوبهم وعقولهم، فيقول في إحدى الآيات {قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار} [ص: 65]، وهذه الصورة أبعد ما تكون عن الدور الذي يلعبه أساتذة الجمعيات السرية الذين يعشقون السلطة ويشترطون الطاعة العمياء على أتباعهم، بينما لم يطلب النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه البيعة إلا من حيث كونه مؤسسا لكيان سياسي، وبما يحقق حلم العدل للناس في مجتمع لا يُعبد فيه بشر ولا حجر.

الفرق بين النبي والملوك

المسجد النبوي في المدينة المنورة بمنتصف القرن التاسع عشر

يميل القادة في العادة عبر التاريخ إلى التمتع بقدر ما من الشهوات، فالأحمق منهم ينغمس فيها حتى الثمالة، والقائد الذكي يوجه طاقته نحو بسط سلطته وتقوية نفوذه ومقاومة أعدائه، لكن كلاهما يهتم بمظاهر العظمة، فأكثر القادة زهدا في الملذات نجده منغمسا في المقابل بشهوة السلطة.

والنبي هو الاستثناء الوحيد من هذه المعادلة الصعبة، فقد كان صاحب سلطة دنيوية معنوية، ومع ذلك لم يؤسس لنفسه ملكا، ولم يتخذ شيئا من مظاهر السلطة والنفوذ فضلا عن الملذات الدنيوية، بل كانت سلطته مستمدة أصلا من انقياد الصحابة له بموجب البيعة على الطاعة دون النص على تأسيس دولة، لذلك حار المفكرون والمنظرون في تصنيف سلطة النبي الاستثنائية، والتي خلفه فيها حكّام حقيقيون (الخلفاء الراشدون) يستمدون شرعيتهم من البيعة بصفتهم خلفاء للنبي، فيقول الماوردي في “الأحكام السلطانية” إن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، ويعرفها ابن خلدون بأنها خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

ومن ينظر في سيرة الخلفاء الراشدين يتعجب من زهدهم في ملذات الدنيا بالرغم مما حققوه من فتوحات غير مسبوقة في التاريخ، لكن هذا الزهد لم يكن سوى اقتباس من التطبيق النبوي للزهد، فالنبي ابتدأ دعوته برفض العرض السخي الذي قدمته له قريش عن طريق عمه أبي طالب، حيث عرضوا عليه الأموال والنساء والمُلك مقابل أن يكف عن الدعوة إلى التوحيد ونبذ الوثنية، فرفض بشدة، وتابع مسيرته مطارَدا منبوذا من قبل قومه ومعظم القبائل التي قصدها للدعوة، إلى أن بايعه الأنصار في يثرب (المدينة المنورة) على الطاعة فهاجر إليهم، وأسس بذلك واحدة من أقوى دول التاريخ، دون أن يتغير شيء في طبعه وسلوكه وحياته اليومية.

قال أبو ذر كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرّة المدينة فاستقبلنا (جبل) أُحُد، فقال يا أبا ذر، قلت لبيك يا رسول الله، قال ما يسرني أن عندي مثل أحُد هذا ذهبا تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا شيئا أرصده لدين إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، ثم مشى فقال إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وقليل ما هم [البخاري: 6079]، أي لو أن النبي كان يملك ذهبا بحجم جبل ضخم فما كانت ستمضي ثلاث ليال إلا ويكون قد أنفقه كله على الناس إلا شيئا قليلا يحتفظ به لوفاء الديون.

كان النبي يستخدم هذا الوعاء الخشبي البسيط، وهو اليوم محفوظ داخل إطار معدني (http://topkapisarayi.gov.tr)

وأما طعامه، فقد كان يمر عليه شهران وما توقد في بيوت زوجاته نار للطبخ، فلا يأكل سوى التمر والماء وما يهدى إليه من أصحابه، وربما ظل يومه يلتوي من شدة الجوع وما يجد من الدَّقل (التمر الرخيص) ما يملأ به بطنه، وما شبع النبي ثلاثة أيام تباعا من خبز برّ حتى مات، وكان أكثر خبزه من الشعير، بل لم يؤثر عنه أنه أكل خبزاً مرقّقا أبداً، وهو الخبز الذي يتاح لنا في هذا العصر يوميا بأرخص الأثمان، وقد قال خادمه أنس بن مالك إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا حين يأتيه الضيوف [رواه الترمذي].

ورويت أحاديث كثيرة عن زهد النبي في المسكن والملبس والمظهر أيضا، فكانت حجرات زوجاته أكثر زهدا وبساطة من بيوت الكثير من سكان المدينة، وعندما طالبنه بمزيد من النفقة والرفاه نزل الوحي على الفور بتخييرهن بين أخذ حقوقهن والطلاق بالمعروف وبين الصبر على الحياة مع النبي وبالقدر الأدنى من مقومات الحياة، فأخبرهن النبي بما نزل عليه من القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28-29]، فاخترن جميعا الصبر، وكأن حياة النبي لا تقبل التوسع في ملذات الدنيا ليكون أبعد الناس عن التهم.

وعندما رأى عمر بن الخطاب النبي مضطجعا على فراش من الخصف وتحت رأسه وسادة محشوة بالليف، قال يا رسول الله ادع الله أن يوسع على أمتك فإن فارس والروم وُسع عليهم وأُعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله، فجلس النبي وقال: “أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا” [صحيح البخاري: 2336].

وكان النبي يجلس مع أصحابه في مسجده الملاصق لحجرات زوجاته، فلم يكن يملك قصورا ولا ديوان ملك، وعندما يدخل عليه أعرابي لا يعرفه فإنه يسأل أيّكم محمد؟ والنبي متكئ بين ظهرانيهم لا يختلف عنهم في شيء. [صحيح البخاري: 1/23].

وخلافا للمشاهير في كل الأزمنة والحضارات والمجالات، لم يكن النبي يخشى الاختلاط بالناس، بل كان يقضي معظم وقته بينهم وبدون حواجز مادية ولا معنوية. فالمشاهير يتجنبون في العادة الاحتكاك بالناس كي لا تسقط هيبتهم وتظهر عيوبهم البشرية، ولا سيما الملوك الذين يحرصون على عدم الظهور إلا في المناسبات، أما النبي فكان يسافر مع أصحابه وكأنه واحد منهم، ويتعرض للمواقف شديدة القسوة فلا يظهر منه ما يطعن في كمال شخصيته، ومن بين آلاف الأحاديث التي نقلت إلينا أدق تفاصيل حياته اليومية لا نجد تصرفا واحدا غير لائق، فضلا عن أي تصرف عادي كالغضب والزلل وفلتات اللسان، بل نقل لنا الصحابة قصصا عجيبة عن حلمه وسعة صدره في التعامل مع أعدائه أو مع السفهاء من قومه.

قال ابن عباس “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشاة (يحلبها)، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير” [رواه الطبراني وصححها الألباني].

ومن المعروف في سيرة الملوك أنهم إذا خرجوا إلى أرض المعركة فإنهم كانوا يتحصنون في مقصوراتهم الملكية وراء الصفوف بعيدًا عن الخطر، أما النبي محمد فكان يحمل السيف ويقاتل بنفسه في الصفوف الأولى، حتى قال علي بن أبي طالب -وهو من أشد الفرسان شجاعة- “كنا إذا حمي الوطيس واشتدت المعركة اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم” [رواه البخاري و مسلم]، أي أن النبي نفسه كان هو الذي يحمي أصحابه في الميدان بسلاحه، وليس هذا لشجاعة النبي وإقدامه فقط بل لأنه كان يعلم أنه لن يُقتل حتى يتم الرسالة التي بعثه الله بها، وهو أمر لا يمكن لأي شخص يدعي النبوة أو يطمح إلى المُلك أن يزعمه لنفسه ثم يخاطر بحياته في سبيله.

وعندما توفي بعد 23 سنة من الجهاد المتواصل لنشر دعوته، لم يترك النبي درهما ولا دينارا ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة، وقالت زوجته عائشة “توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي”.

سيف النبي محفوظ في متحف توب كابي بإسطنبول، علما بأن الجواهر والمقبض قد أضيفت إليه في العصر العثماني

معجزات النبي
يرى الإمام أبو حامد الغزالي أن المعجزة وحدها قد لا تكون كافية لإقناع البعض، فمن يكتفي بالنظر في خوارق العادات مثل قلب العصا ثعبانا وشق القمر فقد يظن أنه سحر وتخييل وتضليل، ومن يستند إلى دعوى النبوة بالكلام المنظوم فقط فربما يقع أيضا في التضليل كما يفعل الشعر المتقن في نفس الإنسان.

لذلك فالخوارق تأتي على يد النبي من باب الإعجاز لمن يتحداه وليست كافية وحدها، لكن التحقق من نبوة من يدعي النبوة يتطلب النظر في معرفة أحواله، فمن يدرس أحوال “جالينوس” (طبيب إغريقي) مثلا ويقرأ كتبه يصل إلى علم يقيني بأنه كان طبيبا، وكذلك إذا فهمنا معنى النبوة وأكثرنا النظر في القرآن والأخبار نصل إلى “علم ضروري” بكونه نبيا.

ويضيف الغزالي أنه يمكن لمن يريد بلوغ اليقين أن يخوض تجربة العبادات التي جاء بها محمد، وأن يعيش بنفسه أثر تلك الشعائر على نفسه، وأن يطبق أيضا وصايا النبي في العلم والعمل. أما المعجزات الحسية الخارقة للعادة فهي من قبيل الرد على تحدي الخصوم، ولا يحتاج إليها الباحث عن الحقيقة بعقله المجرد.

ويقول ابن القيم في “إغاثة اللهفان” (2/691) إن معجزات النبي تتجاوز الألف، منها ما حصل وانتهى، ومنها ما هو باق، وهو القرآن الكريم الذي يعد المعجزة العظمى، وذلك من جهة لفظه التي تحدى الله بها فصحاء العرب، ومن جهة إخباره بأحداث مستقبلة وقعت لاحقا، ومن حيث احتوائه على تشريعات محكمة وأخبار قصص الأمم السابقة وبعض أسرار الكون.

سنفصل الحديث عن القرآن (المعجزة الكبرى) في مقال مستقل، وسنكتفي هنا بسرد بعض الأمثلة للمعجزات التي حدثت في عصر النبوة، ثم نورد أمثلة أخرى لبعض نبوءاته المستقبلية.

قبة الصخرة في المسجد الأقصى التي عرج منها بالنبي إلى السماء

أما المعجزات التي حصلت وانتهت فمن أشهرها ما يلي:
1- الإسراء والمعراج: حيث انتقل النبي في ليلة واحدة من مكة إلى القدس، ثم عُرج به من هناك إلى السماء, ووصل إلى سدرة المنتهى حيث لم يقترب أحد من العرش مثله، والتقى بالأنبياء الذين سبقوه، ورأى شواهد كثيرة من عالم الملكوت ونعيم الجنة وعذاب النار، ثم عاد في الليلة نفسها إلى مكة، وعندما أخبر أبا جهل بما رأه جمع له الناس كي يستمعوا إليه ويكذبوه، فكان النبي يقص القصة على قريش وهم يسخرون، بل ارتد كثير ممن كان قد أسلم عن الإسلام، وطار بعضهم بالخبر إلى أبي بكر ليختبروه فقال لهم “إنه ليخبرني أن الخبر (الوحي) ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه ، فهذا أبعد مما تعجبون منه”، أي أن نزول جبريل إليه ليس مستحيلا في العقل وقد صدّقته فلماذا أستبعد انتقالا عكسيا للنبي من الأرض إلى السماء، حتى لو كان ذلك خارقا للعادة ولا يقدر عليه البشر العاديون.

ثم حاول البعض أن يمتحن النبي فسألوه عن صفات المسجد الأقصى، فوصفه لهم وهم كانوا قد سافروا إليه في رحلات التجارة ويعرفونه، ثم أخبرهم عن تفاصيل القوافل (العير) التي رأها في طريق عودته وهي توشك على الوصول إلى مكة، فوصلت عند مغيب الشمس وعلى النحو الذي وصفه بدقة، ومع ذلك قال المشركون “هذا سحر مبين”. [البداية والنهاية: 4/282].

وأنزل الله آية في حق الذين أنكروا القصة فقال {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً} [الإسراء: 60].

2- انشقاق القمر: جاء وصف هذه المعجزة العجيبة في القرآن والسنة بالتواتر، فسُميت سورة كاملة من القرآن باسم القمر، وكان مطلعها: {اقتربت الساعة وانشق القمر (1) وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر}، كما روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُريهم آية (معجزة)، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما.

وللواقعة روايات كثيرة من قبل الصحابة، بما فيهم صغار السن مثل عبد الله بن عمر، وجبير بن مطعم بن عدي الذي لم يكن قد أسلم حينئذ. ويدور في العصر الحديث جدل بشأن إمكانية العثور على دليل يؤكد وقوع الانشقاق عبر دراسة ما تطرحه وكالة ناسا للفضاء من صور قمرية، لكن عدم العثور على صور لشقوق أو أخاديد كافية لا يعني عدم وقوع الحدث، فالانشقاق المعجز قد تبعه التحام معجز أيضا، ومن الطبيعي ألا يترك الالتحام أثرا، لأن التحدي كان لمن شهد الواقعة فقط.

وبما أن الانشقاق قد حدث لبرهة قصيرة، ولم يكن نتيجة ظاهرة مرصودة يترقبها الناس، فالأرجح أنه لم يرها من سكان الأرض سوى من صادف أنه كان ينظر إلى القمر في تلك اللحظة، وممن كان أيضا في منطقة يطل عليها القمر في الوقت نفسه، ولعل هذا يفسر عدم انتشار الخبر في تاريخ الشعوب الأخرى، أو عدم وصوله مدونا إلينا بكثرة، مع أن بعض الباحثين رصدوا توثيقا في مخطوطات فارسية وإسبانية تعود إلى عصر النبي نفسه.

المقال التالي بعنوان “القمر المنشق في وثيقة مدريد والمخطوطات الفارسية”، وقد نشر للمرة الأولى في موقع www.mayalords.org عام 2000، ثم تم تعديله عشرات المرات قبل أن يحذف نهائيا، وما زال موقع “أرشيف الإنترنت” يحتفظ بالنسخة الأولى وكل تعديلاتها، ويمكنك الاطلاع على ذلك بالضغط هنا.

3- تكثير القليل من الطعام بين يدي النبي أو بدعائه لطعام ما بالبركة، وقد تكرر ذلك في مرات كثيرة جدا وشاهدها عشرات الصحابة، ورويت تلك الروايات في صحيحي البخاري ومسلم، وأشهرها حديث جابر بن عبد الله في غزوة الخندق.

4- نبع الماء من بين أصابع النبي، وتكثيره الماء القليل حتى يشرب ويتوضأ منه جميع جنود الجيش، وهو حديث أثبته البخاري ومسلم عن أنس بن مالك وشهده حوالي ثلاثمئة صحابي، وفي حديث آخر شرب نحو 1400 صحابي من بئر جاف لا ماء فيه في غزوة ذات الرقاع.

كسرى الثاني جالسا على عرشه في لوحة جدارية

5- قصة إسلام أهل اليمن، حيث أرسل النبي صلى الله عليه وسلم رسالةً إلى كسرى ملك الفرس (كسرى الثاني أو خسرو الثاني) يدعوه فيها للإسلام، فمزق كسرى الرسالة وأرسل إلى باذان بن ساسان عامله على اليمن يأمره فيها بإرسال رجلين قويين إلى الحجاز واعتقال النبي واقتياده إليه (وفي رواية أخرى أن يأمراه فقط بالتوقف عن الدعوة)، فنفذ باذان الأوامر، ودخل الرجلان على النبي وقالا له إن شاهنشاه (ملك الملوك) كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك وهدداه، فلم يرد النبي وأمرهما أن يلاقياه غدًا. وفي اليوم التالي قال لهما النبي أخبِرا الذي أرسلكما -أي باذان- أن ربي قتل ربه الليلة -أي أهلك الله كسرى- وقولا له إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، وقولا له إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملّكتك على قومك من الأبناء، ثم أعطى النبي إلى رسولَي باذان “منطقة” فيها ذهب وفضة، كان بعض الملوك أهداها له.

عاد الرجلان إلى باذان يخبرانه بالأمر، وبعد شهر وصل الرسل من فارس (إيران) إلى اليمن فسألهم باذان على الفور: هل قُتل كسرى؟ فتعجبوا وسألوه من أخبرك بذلك؟ وأخبروه أن شيرويه بن كسرى ثار على أبيه فقتله ونصب نفسه ملكا في نفس الليلة التي ذكرها النبي، فآمن باذان بأن محمدا نبي يأتيه الوحي من السماء، وأسلم معه أهل اليمن. [أخرجه الطبري وابن كثير وابن سعد عن ابن مسعود بسند صحيح، وأخرجه ابن بشران عن أبي هريرة وحسنه الألباني].

ملحمة الشاهنامه الفارسية تحكي قصة مقتل كسرى الثاني على يد ابنه قباز شيرويه في 28 فبراير 628م

النبوءات المستقبلية
تنبأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعدد كبير من الأحداث التي وقع الكثير منها ومازال بعضها ينتظر التحقق، فكل ما وعد بحدوثه في حياته أو في حياة بعض أصحابه وقع بدقة، وكأنه كان ينظر إلى المستقبل بعين الحاضر، وفيما يلي بعض الأمثلة:

1- قبل بدء معركة بدر بيوم واحد، وهي أول المعارك التي خاضها المسلمون بعد تأسيس نواة دولتهم في المدينة المنورة، تفقد الرسول أرض المعركة وأخذ يشير إلى موابع مقتل المشركين فيها ويقول “هذا مصرع فلان”، فيسميهم بالاسم وكأنه كان يرى بعينه نتائج المعركة، ويقول أنس بن مالك “فما ماط (ابتعد) أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم” [رواه مسلم].

2- كان الصحابة الأوائل يلقون الأذى الشديد من قريش، فاشتكوا إلى النبي وقالوا ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال “قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويُمشّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه. والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون” [رواه البخاري]، وقد تحقق هذا الوعد الذي كان يبدو خياليا في حينه.

وعندما كان النبي وصحابته يحفرون الخندق حول المدينة تحسبا لهجوم قريش وحلفائها، شكا الصحابة صخرة لم يستطيعوا كسرها، فأخذ الفأس وقال بسم الله، وضرب ضربة كسر منها ثلث الحجر، وقال “الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إنى لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا”، وفي الضربة الثانية قال “الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إنى لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا”، وفي الثالثة قال “الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إنى لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا” [رواه أحمد]، وقد سخر المنافقون فيما بينهم من هذه النبوءات الطموحة جدا، فالنبي الذي كان على وشك التعرض لحصار خانق يتنبأ بإسقاط أقوى الدول على وجه الأرض، وقد تحقق وعده فعلا في حياته وقبل نهاية خلافة عمر بن الخطاب.

كما وعد النبي أيضا الصحابي سُراقة بن مالك بأنه سيلبس سِوارَي كسرى، وعندما فتح عمر بلاد فارس أعطى سواري أعظم ملوك الأرض لسراقة تحقيقا لوعد النبي.

الفيديو التالي يوضح أن الإسلام كان أسرع أديان التاريخ انتشارا في العالم.

3- بالرغم من وعده لأصحابه بالنصر والفتوحات، فقد أخبرهم أيضا أن الضعف سينال من جسد أمتهم وأنهم سيتقاتلون فيما بينهم، فقال “يوشك الأمم أن تدّاعى عليكم كما تداعى الأكَلَة إلى قصعتها”، فقال قائل “ومن قلةٍ نحن يومئذ؟”، قال “بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ الله في قلوبكم الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت” [صححه الألباني] .

وهناك أحاديث كثيرة نُقلت عن النبي وهو يحدث أصحابه عن الفتن التي سيتعرضون لها، وهذه من أعجب المعجزات، فقد كان الصحابة يعلمون بحدوث تلك الفتن ولم يستطيعوا منعها، كما تحدث النبي بالتفصيل عن فتنة الخوارج ووصف أشكالهم وأفعالهم، مع أنهم لم يبدأوا فتنتهم إلا في عهد علي بن أبي طالب ولم يكن خروجهم وارداً في ذهن أحد، وكان يجدر بهم أن ينتبهوا إلى ما قاله النبي قبل سنوات قليلة عنهم وأن يحذروا من سوء عاقبتهم.

ومن أدل روايات الفتن على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم أنه عندما خرج كل من علي والزبير في جيشين وكانا على وشك الاقتتال بينهما، وهما من كبار الصحابة والمبشرين بالجنة، نادى عليّ الزبير فأقبل عليه، فقال علي: يا زبير أنشدتك بالله أتذكر يوم مر بك رسول الله ونحن في مكان كذا وكذا؟ فقال النبي يا زبير تحب عليًا؟ فقلت: ألا أحب ابن خالي وابن عمي وعلى ديني فقال: يا علي أتحبه؟ فقلت: يا رسول الله، ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني، فقال النبي: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم. فتذكر الزبير الحادثة على الفور وقال: بلى، والله لقد نسيته منذ سمعته من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك، وتراجع عن المعركة قبل أن تبدأ.

4- أخبر النبي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان وعلي بن أبي طالب بأنهم سيموتون شهداء، وقد قتُل عمر وعثمان فعلا في الفتن التي أخبر بها النبي، وعندما مرض علي مرضا شديدا قال له بعض أصحابه وهم يعودونه لقد تخوفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذه، فقال بكل ثقة: لكني والله ما تخوفت على نفسي منه، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصادق المصدوق يقول “إنك ستُضرب ضربة ها هنا وضربة ها هنا -وأشار إلى صدغيه- فيسيل دمها حتى تختضب لحيتك..”، وكأن النبي كان يرى بعينه كيف سيُقتل علي، وقد حدث هذا فعلا.

وفي السياق نفسه، قال النبي عن عمّار بن ياسر “ويح عمار تقتله الفئة الباغية” [رواه البخاري]، وقد قُتل بسهم أطلقه معسكر معاوية على معسكر علي، وكان النبي يقول عند زيارته أم ورقة بن نوفل “انطلقوا بنا نزور الشهيدة” [رواه أحمد وابن خزيمة]، وقد قتلها غلام وجارية لها في عهد عمر فصلبهما، كما أخبر النبي ثابت بن قيس باستشهاده في قوله “يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة، قال بلى يا رسول الله” [رواه الحاكم]، وقد عاش حميدا واستشهد في المعركة ضد مسيلمة الكذاب، وأخبر النبي أم حرام بنت ملحان أنه رأى في منامه ناس من أمته يغزون في البحر، مع أنه لم يكن من الوارد لدى العرب ركوب السفن وشن الغزوات فيها، فقالت أم حرام: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال: أنت من الأولين، وقد ركبت أم حرام أول أسطول إسلامي بالفعل في زمن عثمان، وما إن نزلت أرض جزيرة قبرص حتى سقطت عن دابتها وكانت أول الشهداء هناك، وما زال قبرها معروفا [أخرجه البخاري ومسلم].

ويجدر بالذكر أنه من غير المنطقي أن يستغل المشككون في عصرنا الحالي الفتن التي وقعت بين الصحابة للطعن في الإسلام نفسه، وذلك من باب الطعن في الصحابة والتقليل من شأنهم، بل هي من أقوى الأدلة على صحة الإسلام الذي جاء به النبي، فقد وقعت كما أخبرهم عنها تماما، ولم يقوَ أحد على منعها. أما وقوع الأخطاء من الصحابة فليس سوى دليل على بشريتهم وعدم بلوغهم الكمال الذي بلغه النبي وحده، فالوحي لم يقل إن الصحابة معصومون أصلا بل أكد العكس.

وإذا حاولنا التشكيك في تلك النبوءات كلها، وزعمنا أن أتباع النبي قد اخترعوها بعد حدوثها ونسبوها إليه، فمن غير المنطقي أن يتواطأ جميع الرواة على الكذب، فالكثير من تلك الروايات وردت من أكثر من طريق وثبتت لدى المحدثين صحتها، وسنبين في مقال “السنة النبوية” المنهج العلمي الدقيق الذي جُمعت به الأحاديث والسنن ودُققت واعتُمدت، وهو منهج لا يقبل المحاباة والمجاملة والعبث، ولا يدانيه أي منهج في دراسات التاريخ المقارَن لدى كل حضارات العالم.

ميرزا غلام أحمد

في المقابل، لم يستطع مدّعو النبوة المعروفون في التاريخ المعاصر أن يثبتوا صحة نبوتهم عبر التنبؤ بالمستقبل، ولعل أشهرهم مؤسس طائفة القاديانية الميرزا غلام أحمد (توفي عام 1908م) الذي حاول أن يثبت نبوته بوضع العديد من التنبؤات المستقبلية فكان الفشل حليفه، ونذكر منها المثال التالي:

فقد تنبأ غلام أحمد بأن الطاعون الذي ضرب الهند في زمانه لن يدخل بلدته قاديان أبداً، وقال: “هو الإله الحق الذي أرسل رسوله في قاديان وهو يحفظ القاديان ويحرسها من الطاعون ولو يستمر الطاعون إلى سبعين سنة، لأن القاديان مسكن رسوله وفي هذا آية للأمم” [دافع البلاء للقادياني10، 11]، لكن الطاعون دخل البلدة وفتك بأهلها حتى وصل إلى بيته، فقال: “إن بيتي كسفينة نوح من دخله حُفظ من كل الآفات والمصائب”، ثم اعترف بأنه خاف على نفسه: “ودخل الطاعون بيتنا فابتليت غوثان الكبيرة فأخرجناها من البيت.. ومرضتُ أيضاً حتى ظننتُ أنه ليس بيني وبين الموت إلا دقائق قليلة” [إحسان ظهير، القاديانية، 1984، ص 180].

الخاتمة
حاولنا في هذا المقال الموجز تركيز الإجابة على التساؤلات الكبرى بشأن النبوة نفسها، ثم بشأن مصداقية نبوة محمد نفسه. وقد يتطلب البحث عن السبيل مزيدا من التوسع، وأن يواصل الباحث التحقق من الأدلة والغوص في تفاصيل سيرة النبي العامرة بآلاف التفاصيل والأحداث والتصريحات والوقائع، والتي تتفرع باستفاضة عن الأصول التي حاولنا الإلمام بها.

وفي المحطات التالية، سنتوقف عند حقيقة الوحي الذي جاء به النبي، ونبحث في القرآن لنتأكد من كونه الكتاب الموحى به فعلا من الله تعالى، وأنه المعجزة التي تحدى بها الإله مخلوقاته، وأنه ما زال محفوظا على هيئته الإعجازية الأولى دون تحريف ولا نقصان. ثم سنتعرف على التراث الذي أورثه النبي المُرسل إلى البشرية من بعده، من الأحاديث والسنن، وما يستفاد منها من تشريعات وعقائد وعلوم أخرى.

أهم المراجع
القاضي عياض السبتي، كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، دار الفكر، 2002.

أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، دلائل النبوة، تحقيق عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985.

أبو نعيم الأصبهاني، دلائل النبوة، تحقيق محمد رواس قلعة جي وعبد البر عباس، دار النفائس، بيروت، 1986.

ابن ناصر الدين الدمشقي، جامع الآثار في السير ومولد المختار، تحقيق نشأت كمال، وزارة الأوقاف القطرية، 2010.

صفي الرحمن المباركفوري، وإنك لعلى خلق عظيم: الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، شركة كندة للإعلام والنشر، 2006.

أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال، تحقيق سميح دغيم، دار الفكر، بيروت.

إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية، دار عالم الكتب، بيروت، 2003.

عبد الأحد داود، محمد كما ورد في كتاب اليهود والنصارى، ترجمة محمد فاروق الزين، مكتبة العبيكان، الرياض 1417هـ.

سامي العامري، محمد رسول الله في الكتب المقدسة، مركز التنوير الإسلامي، القاهرة، 2006م، ط1.

العهد القديم العبري، ترجمة بين السطور عبري-عربي، الأبوان بولس الفغالي وأنطوان عوكر، الجامعة الأنطونية، لبنان 2007.

الكتاب المقدس، المطبعة الكاثوليكية في بيروت.

http://www.irf.net/Hinduism_Muhammad.html

فرسان الهيكل

بهاء الأمير وأحمد دعدوش


فرسان الهيكل هو اختصار لاسم أول منظمة عسكرية وأشهرها في تاريخ أوروبا، وهي المنظمة الأم التي كانت كل المنظمات العسكرية في تاريخ أوربا فرعاً منها أو تقليداً لها، واسمها الكامل هو “الجنود الفقراء من أتباع المسيح وهيكل سليمان” The Poor Fellow Soldiers of Christ and of Temple of Solomon، ولا توجد معلومات موثقة عن نشأة المنظمة ولا بداية تكوينها، وكل الذين أرخوا لفرسان الهيكل لجأوا إلى مصدر وحيد كُتب بعد سبعين سنة من إنشائها على يد وليَم الصوري. وقبل أن نستعرض نشأة المنظمة وتطورها وصولا إلى أفولها وتفتتها إلى عشرات المنظمات السرية القائمة حتى اليوم، يجدر بنا الحديث عن الجذور التاريخية التي تعود إلى بني إسرائيل.

رسم تخيلي لهيكل سليمان (Israel Truths)

الجذور الإسرائيلية
يقول مؤرخون إن هيكل سليمان في بيت المقدس كان يضم مدرستين إحداهما للصبيان والأخرى للفتيات، وكانت الأولى تخرج كهنة الهيكل والربانيين والأحبار ليكونوا صفوة المجتمع اليهودي، وكانوا يُختارون من العائلات الثابت انحدارها من سبط لاوي المتحدر من هارون، بينما يختص سبط يهوذا المتحدر من داوود بالمُلك.

وعندما هدم الإمبراطور الروماني فسباسيان الهيكل سنة ٧٠ تفرق رؤساء السبطين وأسرهم ومن تبعهم في أرجاء الأرض، واستقر عدد كبير منهم في أوربا الغربية. وكانت تقاليدهم تقتضي الاندماج في المجتمعات الأخرى والتظاهر باتباع الدين السائد وإخفاء أنسابهم الحقيقية، بخلاف عوام اليهود ممن يعلنون أنسابهم ويمارسون شعائرهم.

وطوال قرون حرص سبط المُلك وسبط الكهانة على التوغل في المجتمعات والصعود إلى قمتها، فأحد فروع أسر الملك الإلهي صار هو صلب الأسرة السكسونية الحاكمة في إنجلترا، كما امتزج فرع آخر مع الأسرة الميروفنجية التي حكمت فرنسا مابين القرنين الخامس والثامن الميلاديين، بينما وصل فرع آل سيتوارت إلى عرش اسكتلندا.

ومن هذه الأسر أيضا آل سان كلير التي حكمت نورماندي شمال غرب فرنسا، وتزاوج أبناؤها مع أسر الملك الإلهي الأخرى في فرنسا وهي شومو وجيزور وكونت وكونت شامبان وبلْوا وبولون.

ووفقا لكتاب “المُلك الإلهي” Rex Deus الصادر عام 2000 للمؤلفين الثلاثة غراهام سيمانز وتيم والاس ميرفي وماريلين هوبكنز، فإن مجموعة أسر الملك الإلهي كانت قد سيطرت على معظم أوربا الغربية مع مطلع القرن العاشر الميلادي بتغلغلها في الأسر الحاكمة، وهو أمر لم يلاحظه معظم المؤرخين التقليديين.

ونتيجة لهذا النفوذ نجحت الأسرة الميروفنجية في التغلغل إلى داخل الكنيسة الكاثوليكية وصولا إلى تعيين ستة بابوات من أصول ميروفنجية، كان أولهم البابا سلفستر الثاني سنة ٩٩٩، وآخرهم هو أوربان الثاني الذي أعلن بدء الحروب الصليبية عام 1096 باسم الكاثوليكية، وذلك بعد استكمال خطة حشد أوربا المسيحية وراء أسر الملك الإلهي التي تجري فيها الدماء الإسرائيلية.

هوج دي بايان

تشكيل المنظمة
مع وصول الصليبيين إلى الأراضي المقدسة وسيطرتهم على بيت المقدس، انتقلت خطة أسر الملك الإلهي إلى المرحلة التالية، ففي سنة ١١١٨ سافر إلى القدس تسعة فرسان من السلالة الإسرائيلية وعلى رأسهم هوج دي بايان وأندريه دي مونتبارد، والتقوا بالملك بلدوين الثاني الأخ الأصغر لأول ملوك مملكة أورشليم اللاتينية الصليبية جودفروا دي بويون وخلفه عليها، وأسفر اللقاء عن تكوين منظمة فرسان الهيكل تحت مسمى “الجنود الفقراء من أتباع المسيح وهيكل سليمان”.

وكان الهدف المعلن للمنظمة هو حراسة طرق الحج المسيحية من سواحل يافا إلى أورشليم وحماية الحجاج المسيحيين القادمين من أوربا من قطّاع الطرق.

وذهب بعض الباحثين إلى أن هذا الهدف لم يكن سوى غطاء لأهدافهم الحقيقية، وذلك لسببين، الأول هو أن تأمين طرق الحج الطويلة من يافا إلى أورشليم مهمة يستحيل أن يقوم بها تسعة فرسان في الأربعينيات من العمر، والثاني أنهم جعلوا مقر قيادتهم في المسجد الأقصى وليس على طريق الحج كما يُفترض.

فبعد استيلاء الصليبيين على القدس وتحويلها إلى مملكة أورشليم اللاتينية، حوّلوا المسجد الأقصى إلى “هيكل الرب”، وفي السنوات العشر الأولى من عمر المنظمة لم تفعل شيئا له علاقة بالمهمة التي ادعتها بل كانت مشغولة فقط بالحفر والتنقيب تحت المسجد الأقصى، حيث اكتشف الكابتن البريطاني وارين في سنة ١٨٦٧ الأنفاق التي حفرها فرسان الهيكل وفيها بعض آثارهم من تروس وصلبان.

دي كليرفو

في مجمع طروادة سنة ١١٢٩ م تمكن برنارد دي كليرفو -كبير مستشاري البابا وابن أخ مونتبارد- من الحصول على اعتراف الكنيسة بفرسان الهيكل. وبما أن الكنيسة لم تكن تقبل فكرة أن يكون الرهبان مقاتلين، فقد كتب دي كليرفو عدة رسائل ومقالات، كان أشهرها رسالة كتبها سنة ١١٣٥ بعنوان “في مدح فرسان الهيكل” ووصف فيها فارس الهيكل بأنه “فارس لا يعرف الخوف الطريق إلى قلبه، وما يحرسه ويقوم على حمايته آمن ومصون، قوة الإيمان تحرس روحه، كما أن الحديد يحمي جسده، ولأن سلاحه في جسده وفي روحه معاً، فلا خوف يعتريه ولا يتمكن منه إنسان”.

وفي سنة ١١٣٩ تمكن دي كليرفو من استصدار مرسوم بابوي من البابا الجديد إنوسنت الثاني يمنح فرسان الهيكل حق المرور عبر حدود الممالك والإمارات الأوربية كافة بحرية تامة ودون دفع ضرائب عبور، كما استثناهم من الالتزام بالقوانين المحلية في كل أوربا، بحيث لا يخضع فرسان الهيكل إلا لأستاذهم الأعظم، بينما لا يخضع هو سوى للبابا نفسه. وهي امتيازات لم يحصل عليها أحد في كل أوربا.

وهكذا انهالت على المنظمة العطايا والهبات من النبلاء والملوك، فبعد انتهاء الفرسان التسعة من حفرياتهم تحت المسجد الأقصى وحصولهم على الشرعية عادوا إلى فرنسا سنة ١١٢٩، ثم رحل الأستاذ الأعظم دي بايان ومعه دي مونتبارد إلى إنجلترا ثم اسكتلندا، فحصلوا من آل سنكلير على أرض واسعة تحولت لاحقا إلى مقر قيادة.

ارتبط تكوين فرسان الهيكل ثم صعودهم بالحروب الصليبية، فهي التي جلبت لهم الشرعية وأجبرت الكنيسة الكاثوليكية على غض الطرف عن الجمع بين الرهبنة والقتال. ونظرا لكفاءتهم في القتال فقد أصبحت المنظمة القوة الأولى في مملكة أورشليم الصليبية، ففارس الهيكل الذي يجمع بين الرهبنة والفروسية يتصف بصفات لا يناظره فيها أي جندي آخر، كقوة البنية والتدريب العالي والتسليح الجيد.

ويُقسِم الفارس ألا يفر من القتال أو يخرج من الميدان إلا بإذن قائده أو إذا واجهه ثلاثة مقاتلين معاً على الأقل، والموت في الميدان هو أسمى صور الموت عنده. كما كانت خيول فرسان الهيكل مدربة على أجواء القتال، وكانت كتائبهم أشبه بقوات الصاعقة في الجيوش الحديثة، حيث تساند الجيوش الكبيرة بأعداد قليلة تنقض على العدو في سرعة خاطفة لخلخلة الصفوف.

القوة الاقتصادية

كنيسة تابعة لفرسان الهيكل في لندن وتبدو كالقلعة

مع الوقت طور فرسان الهيكل مهاراتهم ليصبح استثمار الأموال وإدارة المزارع وتربية الخيول وإقراض الأموال والتجارة من أبرز أنشطتهم، بل تقدمت على القتال الذي صار واجهة الفرسان لجلب الشرعية فقط .

كان النبلاء المتجهون إلى الأرض المقدسة للمشاركة في الحروب يتغيبون سنوات طويلة، فيضعون ثروتهم كلها تحت سيطرة فرسان الهيكل لحمايتها، فإذا مات أو لم يعد نقلوها إلى ورثته أو إلى المنظمة إن رغب في ذلك، ويقال إن ملك فرنسا فيليب أوجست أودع ثروة التاج الفرنسي بمقر فرسان الهيكل في باريس وفوضه في إدارة الأملاك الملكية، وطوال فترة غيابه كانت عوائد إدارة هذه الثروة تذهب إليهم.

وأقام فرسان الهيكل شبكة بنكية داخل أوربا، وبينها وبين الأرض المقدسة وعبر الطرق الممتدة بينهما، فإذا أراد أوربي الحج ذهب إلى أقرب مقر لهم ليودع أموالا تغطي تكاليف الرحلة ويأخذ ما يشبه الصك ليقدمه عند كل مرحلة في رحلته إلى مقر لفرسان الهيكل فيمنحوه ما يشاء من مال، وقد أكسبت هذه التقنية فرسان الهيكل قوة سياسية ونفوذاً اقتصادياً حتى انخرطوا في تمويل التجارة ونقل البضائع، فأنشأوا أسطولاً حربياً تجارياً يتكون من ثماني عشر سفينة، ولم تكن أي دولة أوربية في حينه تملك أسطولاً بمثل سرعته وكفاءته.

صار الفرسان بمثابة شركات متعددة القوميات وعابرة للبحار تستثمر أموال الأمراء والنبلاء وتدير أراضي الإقطاعيين وتؤجر ما تمتلكه من أراض للمزارعين، وبعد خمسين عاماً من تكوينها صارت قوتها الاقتصادية تفوق قوة دول غرب أوربا مجتمعة.

وكان من أبرز أنشطة فرسان الهيكل الإقراض بالربا، حيث التفّوا على حكم الكنيسة بتحريم الربا عبر تسميته بالأجرة بدلا من الفائدة، واضطرت الكنيسة للتغاضي عن الأمر لحاجتها إلى تمويل الجيوش، فمنذ النصف الثاني للقرن الثاني عشر أصبحت المنظمة هي الممول الأبرز للحملات الصليبية.

وفي عام 1200 زاد البابا إنوسنت الثالث من قوتهم بإصدار مرسوم ينص على عدم خضوع الأفراد والأموال والبضائع داخل مقرات فرسان الهيكل ومنازلهم للقوانين المحلية الأوروبية.

إحدى قلاع فرسان الهيكل بالبرتغال
(DanielFeliciano)

وبالإضافة إلى قوتهم الاقتصادية، كان فرسان الهيكل أعظم البنائين في القرون الوسطى، فشيدوا لمنظمتهم خمسة عشر ألف مقر خلال قرنين، وكانت مقراتهم تتضمن مزارع وطواحين وحظائر خيول وكنائس وأديرة وحصونا، ومن أشهر آثارهم قلعة صفد في فلسطين.

وكان إنوسنت الثاني قد سمح لهم سنة 1139 ببناء كنائس خاصة بهم لا تخضع لسيطرة الأبرشيات والأسقفيات المحلية، فكثفوا عملية البناء، واختاروا لمقراتهم مواقع مرتفعة للإطلال على طرق الحج والتجارة، وابتدعوا تصميما جديدا للكنائس هو الطراز الدائري القوطي، والذي تعمدوا فيه محاكاة تصميم هيكل سليمان.

وخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر تمايز البناؤون في أوربا إلى ثلاث طوائف، الأولى هي أبناء الأب سوبيس التي تتولى بناء الكنائس على الطراز الروماني، والثانية أبناء ميتر جاك المختصة بتشييد القناطر والجسور، أما الثالثة وهي المرتبطة بفرسان الهيكل فاسمها أبناء سليمان، وكانت تهتم ببناء الكنائس والأديرة الضخمة على نمط العمارة القوطية، وهي تنسب نفسها للنبي سليمان بن داوود باني الهيكل، وقد وضع فرسان الهيكل في عام 1145 لائحة قواعد تنظم شؤون الحياة اليومية لأبناء سليمان، بما فيها طريقة الأكل والنوم والثياب، فهي تجعل من بناء الكنائس رسالة خالدة ولها طقوس وشروط ونمط حياة خاص، وكانت هذه الطائفة هي بذرة الماسونية كما سنرى لاحقا.

العلاقة بالباطنيين
يقول ول ديورانت في موسوعة “قصة الحضارة” إن الإسماعيليين استخدموا أعضاء جماعاتهم السرية في التجسس والدسائس السياسية، ثم انتقلت طقوسهم إلى بيت المقدس وأوربا، وكان لها أكبر الأثر في أنظمة فرسان الهيكل ومنظمة النور البافارية (إلوميناتي)، وغيرها من الجماعات السرية التي قامت في العالم الغربي، كما كان لها أكبر الأثر أيضًا في طقوسها وملابسها.

أما مؤلف كتاب “تاريخ الماسونية” كلافل –وهو من أقطاب الماسونية- فيؤكد أن منظمة فرسان الهيكل كانت على علاقة وثيقة بالإسماعيلية [ويقصد جماعة الحشاشين تحديداً]، فكلاهما اختارتا اللونين الأحمر والأبيض شعارًا لهما، واتبعتا النظام نفسه والمراتب نفسها، فكانت مراتب الفدائيين والرفاق والدعاة تقابل المراتب نفسها لدى فرسان الهيكل وهي المبتدئ والمنتهي والفارس، كما تآمرت المنظمتان على “هدم الدين” الذي تظاهرت باعتناقه، وشيدتا الحصون العديدة للاحتماء بها.

ويتفق معه الباحثان الماسونيان كرستوفر نايت وروبرت لوماس في كتابهما الشهير “مفتاح حيرام” بتأكيدهما على أن أصل الماسونية يرجع إلى فرسان الهيكل.

وتحدث مؤرخون عدة في الشرق والغرب عن زيارة قام بها دي مونتبارد إلى قلعة شيخ الجبل سنان بن سلمان ليتلقى على يديه أصول العمل السري والاغتيالات، ما دفعهم إلى القول إن الحشاشين الإسماعيليين لعبوا دورا جوهريا في تطوير أنظمة الجمعيات السرية لتصل إلى وضعها الحالي في العصر الحديث.


الأفول
كانت موقعة حطين سنة 1187 التي كسرت الممالك الصليبية هي بداية أفول الفرسان، حيث ارتكب الأستاذ الأعظم للمنظمة جيرار دي ريدفورد أخطاء فادحة، إذ خرج بثمانين من نخبة فرسانه لمباغتة صلاح الدين الأيوبي قائد جيوش المسلمين، لكن هذا الأخير أحاط بهم وقضى عليهم، فأخطأ دي ريدفورد مجددا واستسلم ليقع أسيرا مخالفا دستور الفرسان، ثم أطلق سراحه بعد حطين بفدية باهظة.

يؤكد مؤرخون أوروبيون أن صلاح الدين أطلق سراح معظم الأسرى بعد حطين باستثناء فرسان الهيكل وفرسان مالطة، ويرى الأستاذ بجامعة نونتنغهام ديفيد نيكول في كتابه “حطين 1187” أن إعدامهم لم يكن عملاً قاسياً إذا ما أخذ بعين الإعتبار أن صلاح الدين يعلم استعداد هؤلاء الفرسان للموت بشكل دائم، فكان القضاء عليهم وعدم القبول بالفدية وسيلة ناجعة للقضاء على القوة الضاربة للصليبيين.

حاول فرسان الهيكل دفع أوروبا إلى معركة أخرى مع صلاح الدين لاستعادة القدس، لا سيما بعد سقوط إمارة صفد التي كانت تضم أمنع قلاع فرسان الهيكل، وانضم الفرسان إلى الحملة الصليبية الثالثة التي يقودها ملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد وملك فرنسا فيليب الثاني، لكن الصليبيين عجزوا عن استعادة القدس بالرغم من محاولاتهم المتكررة، فركزوا جهودهم على المدن الثلاث المتبقية لديهم وهي أنطاكية وطرابلس وصور، ونجحوا أخيرا في السيطرة على ميناء عكا عام 1191.

وبعد قرن كامل من احتلال الصليبيين لعكا، فتحها المسلمون المماليك عام 1292، وسقطت بذلك آخر قلاع فرسان الهيكل في الشرق الإسلامي، فنقل أستاذهم الأعظم جاك دي مولاي مقر قيادتهم إلى جزيرة قبرص، وقام بجولات واسعة في أوربا لتحريض البابا والملوك على شن حملة صليبية جديدة ففشل، لكنه تمكن من الحفاظ على امتيازات منظمته.

حاول فرسان الهيكل عام 1300 استعادة طرطوس على الساحل السوري، فنقلوا أسطولهم إلى جزيرة أرواد، لكن المماليك طردوهم منها بعد سنتين. ومن حينها صارت فرسان الهيكل منظمة عسكرية بلا هدف وجيشاً بلا معركة، ولم يعد في حوزتها سوى السيطرة المالية والنفوذ الاقتصادي.

وفي سنة 1305 صعد البابا كليمنت الخامس إلى الفاتيكان، وبناء على رغبة ملك فرنسا فيليب الرابع طلب من جاك دي مولاي وفولك دي فيلاريه الأستاذ الأعظم لفرسان مالطة الحضور إلى فرنسا لمناقشة دمج المنظمتين، وعندما وصل دي مولاي بدأ التحقيق معه باتهامات فيليب الرابع له بالهرطقة وممارسة السحر والخروج عن المسيحية، حيث أكد الملك أنه تمكن من اختراق منظمته باثني عشر جاسوساً تحققوا من تلك الاتهامات.

أمر فيليب الرابع باعتقال دي مولاي مع سبعين من قياداته، فاعترفوا تحت التعذيب بالاتهامات، وخلال السنوات الخمس التالية اعتقل مئة وخمسة وثلاثون آخرون واعترفوا جميعاً.

إحراق بعض فرسان الهيكل بالنار

أصدر البابا مرسوماً باعتقال فرسان الهيكل في كل أوربا ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم والتحفظ عليها، وفي عام 1310 أمر فيليب الرابع بإحراق أربعة وأربعين فارساً منهم أحياء وعلناً في باريس، وقرر البابا حل المنظمة وتحويل ممتلكاتها إلى منظمة فرسان مالطة.

وفي السنة نفسها انتهت اللجنة التي كونها البابا لمتابعة قضية فرسان الهيكل وتقديم تقرير عن المنظمة وممارساتها، وكانت النتيجة هي الحكم على دي مولاي بالإعدام على الخازوق عام 1314.

وانتهت بذلك (ظاهريا) قصة الصعود الاستثنائي لأحد أكثر التنظيمات العسكرية نفوذاً، والتي نجحت خلال قرنين فقط من السيطرة على أكثر من 900 مستوطنة، وامتلاك عشرات القلاع والحصون، فضلا عن ابتكارها لأحدث أساليب التسليح والتخطيط العسكري والأعمال المصرفية والنقل والزراعة والتجارة، والتي كان لها فضل في تطور المجتمع الغربي لاحقاً.

منظمة فرسان مالطة
ما زالت هذه المنظمة قائمة حتى اليوم، بل تحولت إلى دولة ذات سيادة ومعترف بها من قبل المجتمع الدولي، فهي الدولة الوحيدة في العالم التي ليس لها وجود جغرافي على الأرض ولا حدود، بل هي منظمة تتخذ من قصر مالطة بمدينة روما مقرا لها، وأعضاؤها الذين يعيشون في شتى أنحاء العالم هم مواطنوها.

الأسد (يسار) يُمنح الوشاح الأحمر لإعلان قبوله عضوا ومواطنا في منظمة ودولة فرسان مالطة عام 2008

وكما هو حال الجمعيات السرية القائمة اليوم، فإنها تزعم أن نشاطها يقتصر على الأعمال الخيرية والطبية، حيث تدير مئات المستشفيات وتساعد في عمليات الإنقاذ والإسعاف في أكثر من 120 دولة حول العالم، إلا أنها تعلن أيضا أن هدفها الأساسي هو حماية الحق المسيحي في الحج إلى القدس، وهو الهدف الظاهري الذي أنشئت من أجله إبان الحروب الصليبية.

وتضم قوائم أعضاء المنظمة عددا من كبار السياسيين والمتنفذين في العالم، مثل رونالد ريغان وتوني بلير والملكة إليزابيث، إضافة إلى عدد من المسؤولين العرب، مثل رئيس النظام السوري بشار الأسد.

وقد أنتجت قناة الجزيرة في عام 2008 فيلما وثائقيا يبحث في علاقة دولة فرسان مالطة بعمليات عسكرية قذرة في العالم الإسلامي، وأهمها المشاركة في غزو العراق عبر شركة “بلاك ووتر” الأمنية.

اتهامات خطيرة
هناك ثلاثة أنواع من التهم التي وجهت لفرسان الهيكل وهي:

1- الهرطقة: إهانة المسيح وإنكار ألوهيته، البصق على الصليب والتبول فوقه، احتقار القداس ورجال الكنيسة، وإنكار المقدسات.

2- الجرائم الأخلاقية: الشذوذ الجنسي الجماعي والمنظم، وابتكار طقوس للترقي داخل المنظمة تتضمن ممارسة الشذوذ وتقبيل أعضاء التناسل.

3- الوثنية: عبادة رأس حجري لكبش ذي قرون اسمه بافوميت، عبادة وثن العذراء السوداء، وعبادة وثن لساحرة على شكل قطة سوداء.

بافوميت بريشة إليفاس ليفاي

وهذه الأفعال كانت تمارس في سرية تامة، فلم يكن للمنظمة سجلات علنية بل تحفظ كل أوراقها داخل كنائسها وقلاعها بسرية بالغة.

انقسم المؤرخون بشأن هذه الاتهامات إلى قسمين، الأول يرى أنه تم تلفيقها لفرسان الهيكل بعد أن حقد عليهم الملوك لتزايد قوتهم، وأن اعترافهم جاء تحت التعذيب.

أما الفريق الثاني فيرى أنها منظمة مهرطقة غايتها القضاء على المسيحية، حيث اعترف الفرسان بالتهم كلها في دول أخرى غير فرنسا دون تعذيب، بل كان بعضهم في حماية ملوك إنجلترا وإسبانيا والبرتغال ومع ذلك اعترفوا بالهرطقة والشذوذ الجنسي وهي جرائم تستحق الإعدام في أوربا البابوية.

كما أن عبادة أوثان محددة هي ليست من ذلك النوع من التهم الذى يختلقه أحد ويقر به تحت وطأة تعذيب، فهذه تهم لم يقر بها أحد غيرهم، وكان يمكنهم أن ينكروها بعد اعترافهم بما هو أخطر من الهرطقة والشذوذ.

ما هو معبودهم؟
تعددت النظريات لتفسير رمزية بافوميت، فرأى البعض أن هذه الرأس الحجرية ترمز لرأس يوحنا المعمدان (النبي يحيى) التي قطعها هيرود، فكان فرسان الهيكل يرون أن يوحنا المعمدان هو المسيّا الحقيقي وأن عيسى المسيح نبي كذاب. وقال آخرون إن الفرسان عثروا حقا على رأس يوحنا المعمدان في الحملة الصليبية الرابعة، بينما ذهب رأي ثالث إلى أن رأس بافوميت ترمز إلى رأس دي بايان مؤسس فرسان الهيكل، كما فسره آخرون بأنه يرمز إلى أزموديوس الجني الحارس الذي ساعد سليمان في بناء الهيكل.

رسم لطقس عبادة بافوميت التي اقتبسها الماسون من فرسان الهيكل أورده الماسوني الفرنسي ليو تاكسيل في كتاب نشره عام 1884 لفضحهم

أما هوج شونفيلد فقام بتحليل كلمة بافوميت Baphomet وفقا لشفرة أتباش اليهودية القديمة واستنبط أنها تعني كلمة صوفيا Sophia، أي ربة الحكمة الإغريقية وكل ربات الحكمة الأخريات ومنهن إيزيس المصرية، ويدل على ذلك أن فرسان الهيكل قدسوا رموزا وأفكارا مصرية قديمة تختلط بالتقاليد اليهودية.

وتشير الرسوم والتماثيل إلى تشابه رأس بافوميت مع “كبش مِندِس” الذي كان يُعبد في مصر وبابل على أنه تمثيل للشيطان إبليس، حيث قالوا إن إبليس دخل الجنة في جلد أفعى ليشجع الإنسان (آدم وحواء) على اكتساب المعرفة بالأكل من الشجرة، وإن إبليس عندما يهبط إلى الأرض فإنه يتجسد في هيئة كبش له قرون.

وكانت الأساطير المصرية تقول إن إيزيس تعلمت السحر من والدها “سِب”، فجسدها الكهنة في صورة امرأة لها تاج على هيئة قرنين تتوسطهما الشمس. وإذا أعدنا قراءة هذه الرمزية في ظل الوحي الإسلامي فسنجد تطابقا عجيبا مع الأحاديث النبوية التي تحظر على المسلمين الصلاة في وقتي الشروق والغروب لأن الشمس تطلع وتغرب بين قرني الشيطان، مما يقوي اعتقادنا بأن إيزيس هي إحدى تجسدات الشيطان نفسه.

وتقول أساطير الفراعنة إن “حورس” الذي يُصور على هيئة صقر قد نتج عن تزاوج إيزيس مع أخيها أوزيريس، وإنه سعى للانتقام من جده “سب” الذي قتل أباه، فأصيبت إحدى عينيه ليبقى أعوراً بعين واحدة تمثل الشمس [انظر مقال الوثنية].

ولا نجد لهذه الأساطير في مناهج البحث الغربية تأويلات أبعد من الربط فيما بينها وفي ضوء ما قاله كتبة الأساطير نفسها، كما لا نجد لدى المؤرخين والفقهاء المسلمين في القرون الماضية سوى محاولات لفهم ما رواه لهم أهل الكتاب بعد إخفاء وتحريف الكثير، وذلك قبل أن تُكتشف في العصر الحديث الكثير من الأساطير إبان الفتوحات الكبيرة في استخراج الآثار واكتشاف أسرار اللغة الهيروغليفية.

كما نجد تشابها كبيرا بين حورس ذي العين الواحدة وبين الأعور الدجال الذي ورد ذكره فيه الحديث النبوي لدى المسلمين: {لم يُبعث نبي قبلي إلا حذر قومه من الدجال الكذاب} [رواه أحمد].

ويمكن القول إن إيزيس المصرية تحل أيضا سر العذراء السوداء، فهي تُجسد بتمثال لسيدة سوداء تحمل بين يديها رضيعًا أسود، لكن الكاثوليك في أوروبا كانوا يظنون أن فرسان الهيكل أرادوا بذلك تحقير العذراء والمسيح، وظل هذا الاعتقاد سائداً حتى القرن الثامن عشر عندما اكتشف باحثون في الآثار المصرية أن العذراء السوداء ليست سوى أم الحكمة والمعرفة ومصدر الخصوبة (إيزيس) وهي تحمل وليدها حورس، وهو الرأي الذي دافع عنه المؤرخ إيان بيغ والبروفيسور ستيفان بينكو، كما أثبته بالوثائق والصور المؤلفان لين بيكنيت وكلايف برنس في كتابهما المنشور عام 1994 “كفن تورينو: صورة من؟ كشف الحقيقة الصادمة”.

واحد من بين نحو 180 تمثالا للعذراء السوداء المتبقية حتى اليوم في فرنسا

ورجح باحثون -ومنهم إيان بيغ في كتابه “وثن العذراء السوداء”- أن دي كليرفو هو الذي ابتكر هذه العبادة عندما نظم مئتين وثمانين أنشودة، يتضمن كثير منها مقولة مأخوة من نشيد الأنشاد التوراتي تقول “أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم” [1: 5-6]، وهي عبارة تم نقشها على كثير من تماثيل العذراء السوداء، وما زال نحو خمسمئة تمثال منها قائما وتؤدى عندها طقوس العبادة المسيحية في كنائس أوروبا.

بناء على ما سبق، يمكن القول إن العقيدة التي كان يخفيها فرسان الهيكل وكل من تبعهم لاحقا في الجمعيات السرية المتعددة هي قريبة جدا من الديانة المانوية الفارسية القديمة، والتي تدور حول ثنائية الآلهة، بحيث يكون الشيطان نداً للإله وأجدر منه بالعبادة والتعظيم، لذا نرى في بعض طقوسهم رموزا تبدو على النقيض من الطقوس الدينية للكاثوليكية، كالقداس الأسود والعذراء السوداء. ونظرا لممارسة الجمعيات السرية في درجاتها العليا طقوس السحر والاتصال بالشياطين فلا يُستبعد أن تتلقى “مكافأتها” من الشياطين بمزيد من النفوذ والملذات.

ولادة الجمعيات السرية
لم يكن عدد المعتقلين والمحاكَمين سوى بضع مئات، بينما يقدر باحثون أن عدد الفرسان كان يتراوح ما بين 20 و50 ألفا، وقد اختفوا فور إعلان حل المنظمة، كما اختفت جميع وثائقهم وبياناتهم المالية وحتى ثرواتهم سفن أسطولهم.

قرر باحثون أن فرسان الهيكل انضموا إلى فرسان مالطة، بينما رأى آخرون أنهم اختفوا في جبال الألب السويسرية كما اندمج بعضهم في الحياة المدنية بدول أخرى وخصوصا اسكتلندا التي كانت خارج سلطة البابا، أما في البرتغال فاحتفظوا بكيانهم بعد تغيير اسمه إلى فرسان المسيح وظل قائما حتى أواخر القرن السادس عشر، وقد ساهمت هذه المنظمة في حركة الكشوف الجغرافية التي انطلقت من إسبانيا والبرتغال، فكان منهم هنري الملاح وفاسكو دي غاما، كما أبحر كريستوفر كولمبوس على متن سفن تحمل شعارهم لاكتشاف أميركا، وهو يحمل أحلاما توراتية لاستعادة أورشليم وبناء الهيكل بعد اكتشاف العالم الجديد ونهب ثرواته.

“أصول الماسونية تعود إلى عهد الحملة الصليبية الأولى، والذي أسسها في فلسطين هو أول ملوك أورشليم جودفروا دى بويون”. [كتاب الجمعيات السرية والحركات الخفية للمؤرخة نستا وبستر، نقلا عن نشرة أصدرها لمؤرخ الماسوني شيفالييه دي باراج عام 1747].

أما مؤرخو الماسونية والجمعيات السرية فيقولون إن محافل الماسون -التي كانت في الأصل أماكن لتجمع البنائين- أصبحت ملاذاً مثالياً لفرسان الهيكل، فهي الفرع الوحيد من المنظمة الذي نجا من الحل والتدمير والملاحقة، وهكذا بدأت نشأة الماسونية على يد فرسان الهيكل.

ويقول الأستاذ الأعظم للماسونية في القرن التاسع عشر الجنرال الأمريكي ألبرت بايك في كتابه “عقيدة الطقس الأسكتلندي القديم وآدابه” المنشور عام 1872: “إن هدف فرسان الهيكل الظاهر الذي أسبغ عليهم الشرعية ومنحهم الهبات وأكسبهم السلطة كان حماية الحجاج الكاثوليك، لكن الهدف الحقيقي الذي انخرطوا من أجله في الحملات الصليبية هو العمل على إعادة بناء هيكل سليمان كما وصفه النبي حزقيال وصفاً مفصلاً في السفر المسمى باسمه، فالهيكل حين يعاد بناؤه باسم الكاثوليكية وتحت راياتها سيكون قبلة العالم ومركز ومصدر أمنه وسلامه، وسيحكم بنو إسرائيل من خلاله كل الشعوب”.

ألبرت بايك

أما الهدف الثاني كما يقول بايك فهو إزالة الكاثوليكية وتأسيس عالم جديد له ديانة جديدة تستمد عقائدها من “التقاليد المسيحية الأولى والنقية” التي يمثلها يوحنا المعمدان. فالقديس يوحنا هو الأب الروحي لكل الحركات الغنوصية التي تؤمن بأن خلاص البشر في المعرفة والأفكار وليس في مطلق الإيمان، وهي الحركات التي يمتزج فيها نموذج يوحنا المعمدان بالتراث الشفوي اليهودي الباطني وما يحويه من معارف وأسرار القبّالاه، وفقا لكتاب بايك.

ويضيف بايك أنه كانت توجد في الشرق إبان الحملة الصليبية الأولى طائفة من المسيحيين من أتباع يوحنا وكانت تعرف التاريخ الحقيقي للمسيح والتقاليد اليهودية وروايات التلمود والقبالاه، وهي طائفة تعارض كنيسة القديس بطرس ومسيحها (عيسى) المتمثلة في الفاتيكان.

وتعد هذه الكنيسة سرية للغاية، ويقودها أحبار عظام يتسلسلون إلى يوحنا المعمدان، وفي زمن الحروب الصليبية كان الحبر الأعظم لها يدعى ثيوكليتس، وقد تعرف على دي بايان وأطلعه على أسرار كنيسته ونصّبه خلفاً له على رئاسة الطائفة، وهذا اعتراف من بايك بأن منظمة فرسان الهيكل لم تكن سوى واجهة مسيحية لكنيسة تعادي الكاثوليكية نفسها وتنتسب إلى يوحنا وتؤمن بعقيدة غنوصية قبالية يهودية.

ويقول بايك إنه حين كان دي مولاي ينتظر حكم الإعدام في السجن أمر بتكوين أربعة محافل مركزية، الأول في نابولي لقيادة فرسان الهيكل في شرق أوروبا، والثاني في إدنبره من أجل قيادتهم في غربها، والثالث في ستوكهولم لفرسان الشمال، والرابع في باريس لفرسان الجنوب .كما انشطرت المنظمة إلى عشرات الجمعيات السرية والمنظمات الخفية وجماعات السحر والشعوذة، وتحولت مقاطعة لانجدوك جنوب فرنسا -وهي معقل فرسان الهيكل- إلى مأوى للملحدين والمهرطقين واليهود والوثنيين. ويؤكد بايك أن الماسونية الاسكتلندية هي الوريث الأقدم لفرسان الهيكل والامتداد الشرعي لها.

وكان من أبرز الجماعات الإلحادية والشيطانية التي نشطت في مناطق نفوذ فرسان الهيكل جماعة “الألبيين”، والتي حكمت عليها الفاتيكان عام 1139 بالهرطقة وبدأت بمطاردتها، ثم انضمت إلى الجمعيات السرية المشابهة التي انبثقت عن فرسان الهيكل بعد حلّها.

بيل كلينتون كان عضوا في تنظيم دي مولاي الدولي أثناء شبابه (demolay.org)

وتوجد في أوربا والقارة الأمريكية اليوم عشرات المنظمات السرية التي تقول إنها وريثة فرسان الهيكل، وكثير منها تضع في اسمها الهيكل أو فرسانه أو اسم أحد أساتذة فرسان الهيكل العظام، كما تحاكي في تنظيمها ودرجاتها ورموزها وطقوسها فرسان الهيكل.

ومن أهم هذه المنظمات تنظيم دي مولاي الدولي المخصص للشباب في الولايات المتحدة، الذي كان الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون من أعضائه [حسب موقع المنظمة]، ومنظمة فرسان الهيكل الاسكتلندية، وعصبة فرسان الهيكل الاسكتلندية، ومنظمة هيكل الشمس، ومنظمة دير صهيون التي سيأتي ذكرها بالتفصيل لاحقاً.

ومن أكثر المنظمات انتشارا اليوم “التنظيم العسكري السامي لهيكل أورشليم” OSMTH، وهي تؤكد أنها امتداد لفرسان الهيكل وأن دي مولاي عهد بالأستاذية إلى يوهانس لارمينيوس ثم توالى الأساتذة العظام دون انقطاع، إلى أن أخرجها الماسوني الفرنسي برنارد ريموند فابري بالابرا إلى النور سنة ١٨٠٤، وأن نابليون بونابرت كان أباً روحياً لها. وفي سنة 2001 اعترفت الأمم المتحدة بهذا التنظيم كمنظمة عاملة من أجل السلام ووضعتها في قائمة الجمعيات المدنية التي تحظى باستشارة منظمات الأمم المتحدة لها في الأزمات وتفويضها في فض النزاعات. بينما تعلن المنظمة أنها تهدف إلى الحفاظ على الأراضي المقدسة في أورشليم وحولها، وإجراء البحوث الأثرية، ودعم السلام. وكثيرا ما يتم إرسال وفودها تحت غطاء الشرعية الدولية من الأمم المتحدة إلى أماكن النزاعات في العالم الإسلامي.

كتاب أصدره “التنظيم العسكري السامي لهيكل أورشليم” عام 2017 بمناسبة “مرور خمسمئة عام على التأسيس”.

منظمة دير صهيون
طبقاً للوثائق السرية التي نشرها الفرنسي بيير بلانتار في ستينيات القرن العشرين فإن جذور دير صهيون تعود إلى جمعية سرية غنوصية لا يعرف تاريخها، حيث أسسها رجل اسمه أورمس ومزج فيها المسيحية مع الوثنية، ثم أعيد بناؤها -حسب بلانتار- سنة 1070 عندما اجتمع عدة رهبان في إيطاليا لتأسيس منظمة سرية اسمها دير أورفال، وشاركوا بأنفسهم في الحملة الصليبية الأولى. وبعد سقوط بيت المقدس في يد الصليبين ساهموا في انتخاب دي بويون ليكون أول ملوك مملكة أورشليم الصليبية، لأنه سليل الأسرة الميروفنجية المتحدرة من الملك داوود.

وفي السنة نفسها أسس هؤلاء الرهبان ديرًا في جبل صهيون حسب رواية بلانتار، وكانت مهمتهم الأولى هي البحث عن كنز هيكل سليمان الذي نهبه الرومان أثناء اجتياحهم أورشليم إبان ثورة اليهود عليهم سنة 70م، ثم إعادة تكوين الأسرة الميروفنجية وإعادتها إلى حكم فرنسا وصولا إلى حكم أوروبا كلها، وكانت منظمة فرسان الهيكل جناحاً عسكرياً لدير صهيون طوال مائة عام تقريباً.

اصطدم ملك فرنسا فيليب الثاني مع ملك إنجلترا هنري الثاني عام 1188 في معركة عند قلعة جيزور بفرنسا في صراع على شرعية الحكم، حيث تنافس كلاهما على أحقية تمثيل السلالة الميروفنجية، وكان النصر من نصيب فيليب الثاني، لكن المعركة تسببت بانشقاق فرسان الهيكل المؤيدة للإنجليز عن دير صهيون المنحازة للفرنسيين، وهكذا اندثرت آثار الجمعية السرية وظلت خفية ثمانية قرون كاملة، وفقا لمزاعم بلانتار.

وفي عام 1989 نشر بلانتار قائمة بأسماء أساتذة دير صهيون العظام، زاعما أنه كان هو نفسه أستاذها الأعظم ما بين عامي 1981 و1984، كما ادعى أن كلا من إسحق نيوتن وروبرت بويل وكيجان كوكتو وليوناردو دافنشي وفيكتور هوغو كانوا في القائمة، واشتهرت هذا الجمعية باسم أخوية صهيون (أخوية سيون)، ولا سيما بعد ظهورها مؤخرا في الرواية الشهيرة “شفرة دافنشي” للبريطاني دان براون، والتي تحولت إلى فيلم هوليودي.

وبعكس المنظمات التي انحدرت من فرسان الهيكل أو زعمت أنها هي فرسان الهيكل أو أحد فروعها، فقد قدمت دير صهيون نفسها على أنها هي الأصل وأن فرسان الهيكل فرع منها. ويعد بلانتار هو المصدر الوحيد لهذه الوثائق والمعلومات، ما دفع الكثيرين للتشكيك فيها، حيث يقول المؤرخ أحمد دراج في كتابه “وثائق دير صهيون بالقدس الشريف” إن المراجع الأوروبية تجمع على أن بناء دير صهيون في القدس لم يتم إلا بعد أن اشترى ملك صقلية روبرت أنجو المنطقة من السلطان محمد بن قلاوون عام 1335، كما أن وجود الدير هناك لا يعني بالضرورة ارتباطه بجمعية سرية.


أهم المراجع
بهاء الأمير، اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2012.

ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة وتحقيق سهيل محمد ديب، مؤسسة الرسالة، 2002.

محمد عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق، دار الهلال، 1925.

أحمد دراج، وثائق دير صهيون بالقدس الشريف، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1968.

Charles G. Addison, The History of the Knights Templar, Longman, Brown Green, London, 1842.

Nesta Webster, Secret societies and submersive movements, Boswell Publishing Co. Lltd, London, 1924.

Christopher Knight and Robert Lomas, The Hiram Key, The Century Books, 1996.

Albert Pike, Morals and dogma of the Ancient and Accepted Scottish Rite of Freemasonry, published by the authority of The Supreme Council of the thirty third degree, Charleston, 1871.

M.p. Hall, The secret teachings of all ages, H.S. Crocker Company, San Francisco, 1928.

David Nicolle, Hattin 1187: Saladin’s Greatest Victory, Osprey Publishing, 1993.

الوثنية وتعدد الآلهة

أحمد دعدوش


استعرضنا في مقال “الإنسان والدين” رواية الوحي والنظريات اللادينية لنشأة الدين، وأوضحنا أن الرواية الثانية تنطلق من منظور إلحادي في تفسيرها لنشوء كل العقائد والجوانب الروحية والشعائر والممارسات السحرية في حياة البشر، وسنتابع في هذا المقال تطور هذه العقائد والعبادات من منظوري الوحي والنظريات اللادينية بعد نشوء الحضارة وظهور الكتابة والتاريخ.

ولا بد لنا من مراجعة الفارق بين الروايتين والخلل في المنهج، حيث لا نجد في أي كتاب علمي حديث وصفا “علميا” يمكن الركون إليه عن نشأة الدين، والسبب ببساطة يعود إلى أن العلماء يبنون نظرياتهم بهذا الشأن على أساس من التخمين، فلم يترك لنا البشر الأوائل أي أثر مكتوب عن نشأة معتقداتهم، بل تركوا وراءهم وصفا أدبيا لأساطيرهم على هيئة ملاحم أدبية، بجانب ما بقي من المعابد والتماثيل والصور (الأوثان) التي كانوا يقدسونها، أما تفسير نشوء المعتقد نفسه ودوافعه فليس هناك أي دليل تاريخي عليه.

تعود هذه المشكلة إلى المنهج العلمي نفسه، حيث تقوم جميع الأبحاث العلمانية في نشأة الأديان ومقارنتها -وهي الأبحاث التي توسم وحدها بأنها علمية- على فكرة مفادها أن “العلم” يقتضي عدم البناء على أي نص ديني، ويمكن أن تُقبل هذه القاعدة طالما كان العلم التجريبي يبحث في أمور مجردة، بحيث يتوصل العلماء من كل الأديان على نتائج التجربة العلمية، إلا أن المشكلة تبدأ عندما يصر الباحث على اعتبار العلم التجريبي مصدرا وحيدا للمعرفة في كل شيء وأنه لا وجود للحقيقة إلا في إطار المادة والتجربة، ففي حال غياب أي معلومة علمية تجريبية عن نشأة الإنسان الأول ومعتقداته لن يكون “العلم” مفيدا ولا قادرا على تقديم أي جواب سوى التخمين، والمشكلة لا تكمن في التخمين فقط بل في افتراض أن أي تفسيرات غيبية لنشوء الكون والحياة والدين هي غير مقبولة طالما أنه لا يستطيع اختبارها بأدواته المحدودة، والمؤسف أن تصر المؤسسات العلمية حول العالم على منح “العلم” هذا الدور التخميني والمضي فيه إلى أبعد مدى، حتى باتت كتب الأكاديميين الكبار تخلط بين العلم والفلسفة.

انطلقت الأبحاث العلمانية لنشأة الدين من نظرية التطور (الداروينية) باعتبارها التفسير “العلمي” الوحيد لنشأة الإنسان [انظر مقال “وجود الله“]، وعليه فإن نظريات نشوء الدين تدور حول رغبة الإنسان الأولى في اكتشاف العالم والبحث عن أجوبة شافية للأسئلة الوجودية الكبرى وتفسير الظواهر الطبيعية، دون تطرق لاحتمال أن يكون هذا الإنسان قد خُلق من قبل إله واعٍ وأنه منحه المعارف الأولى منذ وجوده على الأرض ليتمكن من العيش وإعمار الأرض.

إدوارد تايلور

هيمنت أفكار الأنثروبولوجي الإنجليزي إدوارد تايلور التطورية على الفكر الأنثروبولوجي خلال القرن التاسع عشر، فكان يزعم أن “الإحيائية” Animisme هي الشكل الأولي الوحيد للدين الذي تطور عبر العصور خلافا لباقي الأشكال الأخرى، وصار شائعا لدى الباحثين في الأديان تفسير كل ما يتجمع لديهم من معلومات عن حياة المجتمعات غير الغربية –التي سموها بالشعوب البدائية- من منطلق التطور.

في الوقت نفسه، زعم جيمس فريزر أن الدين تطور مع ظهور الزراعة في عصور ما قبل التاريخ، وأن البشر تطوروا بتطور عقولهم عبر ثلاث مراحل، هي السحر البدائي ثم الدين وصولا إلى العلم. ووافقه في ذلك أوغست كونت وفريدريك هيغل، أما إميل دوركهايم فرأى أن الدين نشأ بتقديس القبائل “البدائية” لما يسمى بالطوطم، وهو رمز (أيقونة) حيواني كان يُشكل هوية القبائل ويحظى باحترامها، وتلاقى معظم الباحثين الغربيين على الإيمان بالتطور الدارويني في المجال الديني سواء عن طريق الصدفة أو بالحتمية الاجتماعية.

طوطم

تفترض تلك الأبحاث أن السحر هو الأصل، وأن الإنسان “البدائي” حاول السيطرة على الطبيعة عبر ادعاء حصوله على قوى السحر والشعوذة، ثم قرر بعد قرون من الفشل أن يتجه إلى الدين ويعبد الإله أو الآلهة المتعددة ليسترضيها. لكن هذا الزعم لا تسعفه الأدلة التاريخية لأن السحر والدين يعيشان جنبا إلى جنب في ظل الجماعات القديمة والحديثة، فالفارق بينهما في الوظيفة وطبيعة النظم وليس في التسلسل التاريخي. كما أن السحر نقيض الدين، فهو يتضمن الجانب العقائدي والشعائري لعبادة الشياطين في مقابل عبادة الإله أو الآلهة الوثنية، وليس هناك أي دليل تاريخي يؤكد فرضيات أسبقية السحر على الدين أو حتى يفسر نشوء السحر عن غريزة السيطرة أو الحاجة إليها في ظل غياب الدين.

كما أثبت روبرت شميت تهافت نظرية الطوطمية لدى دوركهايم، فهناك أمم عديدة لم تعرف شيئا عن الطوطم [The Making of Religion, 95]، بينما اكتشف جيمس فريزر وأندرو لانغ أن الطوطمية كانت تمثل منظومة اقتصادية مدنية وقومية وليست ذات بعد ديني. [العودة إلى الإيمان، 183].

وبحسب الرواية الإسلامية (الوحي) فإن الدين الحق الذي يقوم على عبادة الله هو الأصل منذ بدء البشرية في نسل آدم، أما ظهور السحر والأديان الوثنية فكان بعد عدة أجيال، ويقول ابن كثير في تفسيره للقرآن الكريم إن ظهور الملَكين هاروت وماروت -اللذين نسب إليهما القرآن تعليم السحر للناس- كان في زمن النبي إدريس، وهو أول الأنبياء بعد آدم، أي أن السحر أقدم من الوثنية نفسها، وهذا الرأي يتشابه جزئيا مع الرواية اليهودية -التي نعتبرها محرفة عن الوحي الأصلي- فهي تتهم الملائكة بارتكاب الخطيئة ومعصية الرب والسقوط إلى الأرض في زمن إدريس (أخنوخ) أيضا. ومع أن هناك الكثير من الروايات الإسرائيلية التي تداولها المفسرون عن حقيقة هاروت وماروت، وهي قصص أسطورية لا يدعمها دليل، ومع أن القرطبي استبعد أن يكونا من الملائكة أصلا ورأى أنهما شيطانين، فإن ما يهمنا هنا هو أن تعلم بعض الناس للسحر كان متزامنا مع نشوء العبادات الوثنية والأديان المحرفة، أو متقدما عليها بفترة وجيزة، ولكنه لم يكن متقدما على الدين الأصلي وهو عبادة الله.

 يقول ستيفن لانغدن في كتابه “الميثولوجيا الساميّة”: إن تاريخ الحضارة القديمة تزامن مع تدهور التوحيد إلى الوثنية والاعتقاد بالأرواح والأشباح، وهذا يشكل انحطاطًا للإنسان بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
[Semitic Mythology].

ونظرًا لسيطرة الفكر الغربي بمدارسه المتعددة على العلوم الاجتماعية في أنحاء العالم، بما فيها العالم الإسلامي، فقد تغلغلت في عقول الكثير من العرب فكرة تطور الأديان التوحيدية عن الوثنية والأرواحية، وليس العكس، بل حاول بعضهم إيجاد طريقة ما للجمع بين هذه الفكرة مع الإسلام بالرغم من التناقض الجلي، وسيتبين لنا في ثنايا المقال بطلان هذه الفكرة وتناقضها مع الكثير من الأبحاث التي صدرت في القرن العشرين، حيث نستعرض أهم المحطات التاريخية لظهور العبادات الوثنية (تعدد الآلهة) بعد الانتقال المفترض للمجتمع الإنساني من النظام البدوي والعشائري إلى نظام المدن وتشكل الدول والحضارات، وما رافق ذلك من ظهور المؤسسة الدينية الوثنية (الكهنوت) وتحالفها مع المؤسسة السياسية الملكية. 

يقول الباحث آرثر كوستانس في كتابه “سلسلة أوراق المدخل”: مع اكتشافنا لألواح أثرية أقدم، ومع تقدم كفاءتنا في فك الرموز، تغيرت فكرتنا عن الوثنية القديمة، واستبدلنا بها تصورا آخر هو الترتيب الهرمي للأرواح التي يحتل قمتها كائن مطلق.
كما يرى أن نظرية التطور مبنية على اعتقاد مُسبق بأن الإنسان يرقى بتفكيره مع مرور الزمن، بينما تثبت الآثار أن ما حدث كان تدهورا وليس تطورا.
[The Doorway Papers Series, 3- 34].

 

يقول الباحث الألماني فيلهيلم شميدت في كتابه “أصل ونمو الدين” إن زعم هربرت سبنسر بأن البشر الأوائل قدسوا آباءهم وأجدادهم ثم عبدوهم وفق تراتب هرمي حتى ظهرت الآلهة والأديان هو تصور خاطئ، فالعالَم القديم كانت لديه صورة نقية عن الإله الواحد، ومع تقدم الحضارات زادت فكرة الإله تعقيدا حيث نُسبت له الزوجة، ثم تعددت الآلهة، حيث لم توجد عبادة الأسلاف في الكثير من قبائل وسط أفريقيا وجنوب شرق أستراليا وغرب أمريكا.
[The Origin And Growth of Religion, 61].

ستونهنج في بريطانيا من أشهر الأنصاب الميغاليثية

المعابد الأولى
ذكرنا في مقال “الإنسان والدين” أن الآثار المتبقية في تركيا ومصر والشام وأوروبا الغربية والشمالية ترجح ظهور المعابد الأولى على هيئة كتل صخرية ضخمة أطلق عليها اسم “الأنصاب الميغاليثية”، وهي تعود إلى العصر الحجري الحديث (النيوليت)، أي ما بين 9000 و4500 قبل الميلاد، ويُعتقد أنها كانت مخصصة لعبادة أرواح الموتى.

وفي عام 1994، اكتُشف موقع “غوبكلي تيبي” بولاية أورفة جنوب تركيا، وهو يضم 20 معبدا، ويعد أقدم معبد مكتشف حتى اليوم، ويعود تاريخ بنائه إلى ما قبل 12 ألف سنة تقريبا، ومازالت حجارته تحتفظ بنقوش لأشخاص ونساء عاريات وحيوانات أسطورية وبرية. [gobeklitepe.info].

تعود كل تلك المعابد إلى العصر الحجري الذي لم يترك لنا نصوصا مكتوبة عن تاريخها وعقائدها، لكن النقوش تؤكد أن الوثنية بدأت بتقديس الآباء والأجداد، وهو ما يتوافق مع ما جاء في الوحي الإسلامي، حيث أشرنا في مقال “الإنسان والدين” إلى أن بداية الانحراف عن عبادة الله كانت مع إيحاء الشيطان إلى الناس بصناعة أنصاب تحمل أسماء آبائهم الصالحين دون أن تُعبد، ثم جاءت أجيال أخرى فعبدتها.

وإذا كانت بقايا المعابد الأولى لا تكشف لنا شيئاً عن مساجد يُعبد فيها الله وحده دون وثنية ولا شرك، فهذا لا يعني أن الوثنية سابقة على التوحيد والوحي بالضرورة، فليس هناك ما يمنع تاريخياً ولا عقلياً أن تكون آثار المساجد الأولى قد اندثرت أو دُمرت عمداً، وأن المعابد الوثنية التي اهتم بها الطغاة والكهنة هي التي كُتب لها البقاء.

ويرى مؤرخون مسلمون -مثل القرطبي وابن حجر وابن الجوزي- أن آدم (أول البشر) كان قد بنى بنفسه أول المعابد على الأرض، وهو المسجد الحرام في مكة، فكان بذلك سابقاً على كل المعابد الوثنية، واستندوا بذلك إلى الحديث الصحيح الذي قال فيه أبو ذر: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ فقال صلى الله عليه وسلم “المسجد الحرام”، قال ثم أي؟ قال “المسجد الأقصى”، قال كم كان بينهما؟ قال “أربعون سنة” [البخاري: 3366، ومسلم: 520]. لكن أثر المسجد الحرام اندثر عدة أجيال، حتى أرشد الوحي إبراهيم إلى مكانه فأعاد بناءه.

قائمة ملوك سومر

بلاد الرافدين
بالعودة إلى بلاد الرافدين (العراق) التي ينسب إليها التاريخ المدوَّن أول الحضارات البشرية، نجد لوحا طينيا يدعى “قائمة ملوك سومر” وهو يقول إن أول الملوك بعد الطوفان كان يسمى “جشور”، وهو الذي أنشأ مدينة كيش (تل الأحيمر حالياً) في منطقة بين دجلة والفرات، لكن الباحث العراقي خزعل الماجدي يقول في كتابه “أصول الناصورائية المندائية في آريدو وسومر” إن الناصورائيين (المندائيين) أسّسوا أول مدينة في التاريخ وهي إريدو (تل أبو شهرين حالياً)، وهناك ظهر أول معبد في التاريخ (أي بعد العصر الحجري)، وكان لعبادة الإله (إيا)، ونجد في كتاب المندائيين المقدس “الكتاب العظيم” أن صفاته لا تكاد تختلف عن صفات الله المذكور في القرآن، ومنها على سبيل المثال العظيم، القديم، ملك النور، رب العوالم قاطبة، ذو الحول الشامل، الرؤوف التواب، الغفور الرحيم، العزيز الحكيم، البصير، الذي على كل شيء قدير. لكن السومريين الذين ورثوا مدينة إريدو لاحقاً حوّلوا هذا الإله إلى “إنكي”، والذي يجسد إبليس نفسه كما سنرى.

لا نجد في “قائمة ملوك سومر” اسم النمرود، إلا أنه ورد في نصوص أخرى، وأهمها الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل المتبقيان اليوم) الذي يقول إنه ابن كوش بن حام بن نوح، ويضيف أنه أول من أسس مملكة في تاريخ البشرية بتأسيسه مملكة بابل، وأنه كان طاغية جبارا كافرا بالله، كما يربط التلمود (كتاب يتضمن شروح التوراة) بين النمرود والملك إمرافيل الذي كان حاكما في عصر النبي إبراهيم، وفي القصص الشعبية التي جمعها مؤرخون في العصر الإسلامي نجد توجها عاما للاعتقاد بأن النمرود هو أول جبار في الأرض وأول من ادعى الألوهية، ويقول بعضهم إنه رأى حلما أوّله الكهنة والمنجمون بأنه سيولد ولد في قومه ويكون هلاكك على يديه، فأمر بذبح كل من يولد في تلك السنة، لكن إبراهيم نجى عندما نجحت والدته في إخفائه حتى كبر وتحدى النمرود، وعندما فشل الملك في محاججته بالعقل أمر بحرق إبراهيم بالنار، لكن المعجزة اقتضت ألا تمسه النار بسوء، وهي معجزة أكدها القرآن الكريم.

بقايا بناء يقال إنه بيت إبراهيم في أور (Aziz1005)

لا يذكر القرآن أيضا اسم النمرود، إلا أنه يورد بإيجاز المحاججة بين إبراهيم وملك جبار يدعي الألوهية [سورة البقرة: 258]، كما يذكر أن إبراهيم حاجج قومه في ألوهية الشمس والقمر [سورة الأنعام: 74- 79]، وسنذكر لاحقا أن السومريين والبابليين عبدوهما تحت مسمى شمش ونانا، وقد ذكرنا في حديث نبوي سابق أن بين نوح وإبراهيم عشرة قرون (مع احتمال أن يكون معنى القرن هو الجيل وليس مئة سنة)، وهذا يوافق ما ورد في التوراة عن كون إبراهيم العاشر في شجرة النسب من جده نوح.

نستنتج مما سبق أن إبراهيم بُعث في وقت مبكر من عمر الحضارة ببلاد الرافدين التي بدأت بالتشكل بعد الطوفان، وأنه حاول إعادة الناس إلى التوحيد ونبذ الشرك والوثنية، وقام في سبيل ذلك برحلات طويلة انطلاقا من مدينة أور بجنوب العراق ومرورا بحرّان في جنوب تركيا ثم إلى مصر ومكة التي أعاد فيها بناء الكعبة التي بناها آدم (أول مسجد ومعبد على الإطلاق)، وانتهاء بفلسطين التي توفي فيها، حيث لم يجد سوى التحدي والصدّ من الملوك والجبابرة.

وقد تبع ظهور السومريين نشوء حضارات مماثلة في مناطق متفرقة من العراق، وهي الأكادية والبابلية والكلدانية والآشورية، وظهرت فيها جميعا أساطير وثنية على يد الكهنة المتواطئين مع الملوك وبطرق متشابهة.

بحسب القرآن الكريم، يخاطب الله المسلمين من أتباع آخر الأنبياء محمد بقوله {هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم، هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} [الحج: 78]، ما يعني أن الإسلام كان ملة الأنبياء جميعا، وأن أتباع آخر الأنبياء سيشهدون على الناس يوم القيامة بأن ملة الإسلام كانت واحدة وأنها بقيت محفوظة حتى النهاية بالرغم من سعي الطغاة لتشويهها.

بالعودة إلى الأساطير التي نشأت في بلاد ما بين النهرين بعد الطوفان، نجد أن قصة الخلق وعقيدة الألوهية والإيمان بالغيبيات تختلف بحسب اختلاف المكان والزمان، وأيضا بحسب فهمنا المعاصر لما تركته تلك الحضارات من تاريخ مدون على الطين، فنجد تفسيرات وقراءات متعددة يصعب معها الجزم بما كانت عليه عقيدة العراقيين القدماء، إلا أننا نجد في تلك الأساطير نقاطا مشتركة وكأنها تقتبس من مصدر واحد، كما يبدو أن الحضارة المنتصرة كانت تضيف وتعدّل على أساطير الحضارة المندثرة، حتى وصلت إلينا أساطيرهم على هيئة تراكمية.

وبحسب الوحي الإسلامي، كان الإله الواحد موجودا وحده قبل وجود أي شيء آخر معه، ثم خلق الماء والعرش، ثم بدأ خلق الكون، ففي حديث رواه البخاري في صحيحه دخل ناس من أهل اليمن على النبي فقالوا “جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان”، فقال “كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض…”، كما تقول الآية في سورة هود {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7].

لكن المندائية أجرت كما يبدو تعديلاً طفيفاً على قصة الخلق، ففي نص التكوين من كتاب “الكنز العظيم” نجد أن الإله كان موجوداً في الأزل وكان الكون (الثمرة العظيمة) متداخلا بعضه مع بعض (الأثير بداخل الأثير)، وبأمر الإله تكونت المانات العظيمة وانتشر بريقها بما يشبه الانفجار العظيم للكون، فتكونت آلاف مؤلفة من الثمار بلا نهاية (المجرات)  وملايين الملايين من المواطن بلا عدد (الكواكب)، وهذا يعني أن الكون كان موجوداً في بذرته الأولى مع الإله في الأزل وأنه تشكل لاحقاً بأمر الإله وتوسع إلى ما لا نهاية. [mandaeannetwork.com].

وإذا كان السومريون هم ورثة المندائيين -كما يقول خزعل الماجدي- فقد أجروا تعديلاً آخر، إذ يبدو أن الذي وضع أسطورة الخلق السومرية أراد تحريف رواية الوحي فدمج الإله الخالق بالماء وجعله بداية الوجود، ثم افترض أن المخلوقات انبثقت منه مباشرة عبر مراحل متتالية. وقد أثرت أسطورة الخلق هذه على معظم الأساطير اللاحقة حول العالم، لا سيما من حيث ابتكار مفهوم تعدد الآلهة، حيث لم تعد الوثنية هنا مقتصرة على تقديس أرواح الموتى كما كان في الأقوام السابقة، بل تغلغلت الوثنية إلى قصة الخلق نفسها وجعلت للإله شركاء في كل شيء.

وبإيجاز، زعم مخترع أسطورة الخلق السومرية أن الوجود كان يقتصر على حالة غير مفهومة من العماء المائي الذي يسمى “نمو”، فهناك ماء ولكنه غير متشكل وغير مادي، وفي لحظة ما انبثق عنه إله السماء المذكر “آن” وإلهة الأرض المؤنثة “كي”، ومن زواجهما نتج الإله إنليل الذي أصبح رئيس مجمع الآلهة. أما البابليون فزعموا أن البداية كانت مع الأب أبسو والأم تعامة والابن ممو، وأنهم أنجبوا سبعة من الآلهة الأقل شأنا أو أنصاف الآلهة (الأنوناكي)، الذين أنجبوا بدورهم جيلا آخر يدعى “الإيجيجي”، ثم تم خلق السماء والكواكب والأرض وبدأت حياة الحيوانات والنباتات.

تقول ملحمة أتراحاسيس، وهي نص بابلي يعود تاريخه تقريبا إلى عام 1700 ق.م، إن الأنوناكي الذين في السماء حمَّلوا عبء العمل على عاتق الإيجيجي الذين في الأرض، مثل حفر نهري دجلة والفرات وتفجير الينابيع، لكن الإيجيجي قرروا التمرد، ومنعا لاندلاع الحرب قررت الأنوناكي خلق الجنس البشري ليحمل عبء العمل عن الآلهة. [الرحمن والشيطان].

جلجامش

وتقول الأسطورة إن الإنسان خُلق من تربة الأرض الممزوجة بلحم ودم إله قتيل قُدم قرباناً لهذه الغاية، لكنه مع ذلك سيظل بحاجة إلى الآلهة، فهو يقدم لها شعائر العبادة والقرابين، كما تظل الآلهة بحاجة له في علاقة تبادلية، إلا أن الآلهة تبدو غير منصفة ولها مشيئة غير مفهومة، كما أن تصرفاتها تتسم أحيانا بالعدوانية والقسوة وغير ملتزمة بالقواعد الأخلاقية، حتى إن قصة الطوفان الذي دمر المدن الإنسانية الأولى وردت في ملحمة جلجامش وفي النص السومري المعروف باسم “هلاك مدينة أور” على أنها قرار اتخذه الإله إنليل (وهو نظير الإله البابلي أبسو) بعد أن أزعجه ضجيج البشر بسبب تكاثرهم، حيث قرر في البداية تجويعهم بالقحط والطاعون لكنهم لم يموتوا، فقرر لاحقا إغراقهم بالطوفان، وأمر إنليل الحكيم “أتراحاسيس” (وهو نوح عليه السلام) ببناء سفينة وإنقاذ أهله وما يقدر على حمله من الحيوانات، وقد توسلت إلهة أور بقوة إلى إنليل للتراجع عن قراره، ولكن دون جدوى.

ويبدو أن واضعي هذه الأسطورة أرادوا وضع البشر في مواجهة الآلهة، فزعموا أن أتراحاسيس تمكن بذكائه من إقناع الآلهة بالنجاة من الطوفان والإبادة.

وهكذا تم ابتكار الفصل بين الدين والأخلاق طالما كانت الآلهة نفسها غير أخلاقية، لا سيما وأن هناك العديد من الآلهة الشريرة التي تشبه الشياطين، كما زُرعت في نفوس الناس عقيدة تحدي الآلهة التي خلقتهم أصلا ليكونوا في خدمتها.

ومع انتفاء العدالة في هذه العقيدة لم تعد هناك حاجة للبعث والقيامة والحساب، فالأسطورة تقول إن الأفراد ينالون ثوابهم وعقابهم في الدنيا فقط، مع أنهم يرون بأعينهم أن العدالة غير متحققة في الدنيا، لذا لم يكن المرء يرى لنفسه قيمة أعلى من البهيمة سوى في درجة الوعي، كما أن انتفاء مفهوم الخلاص والمحاسبة والعدالة أدى إلى سقوط القيَم بالجملة، وإلى عدم جدوى التفكير في الغاية من الوجود وقيمة الحرية والاختيار وجوهر الإنسانية.

وبالرغم من التعددية الواضحة في هذه الأساطير، نجد في التراتيل السومرية والبابلية والأكادية أن الأصل ينبع من الإيمان بإله واحد أعظم، ففي مدينية أوروك (الوركاء حاليا) كان الإله “آن” هو الإله الأعلى، ثم انتصرت عليها مدينة نيبور فأصبح ابنه إنليل هو الإله الرئيسي الذي لا شريك له، أما بقية الأنوناكي الذين يشكلون آلهة المجمع السماوي فليسوا أكثر من مجمع ملائكة وقديسين.

إنكي

وفي مقابل استعلاء آن وإنليل، قرر السحرة أن يرفعوا من مكانة إله آخر نجد فيه شبها كبيرا بإبليس، وهو “إنكي” الذي كان من الأنوناكي وأصبح إله العالم السفلي، فجعلوا منه إلهًا أقرب إلى البشر، وقالوا إنه كان يعلم جميع الأسرار التي أخفتها الآلهة فقرر أن يكشفها للإنسان الأول، لا سيما بعد أن اكتشف خطط الآلهة التي أرادت حرمان البشر من المعرفة، لذا كان الناس يعودون إليه ليستوضحوه بعض الأسرار، وهي ليست سوى خليط من علوم الهندسة والطب والرياضيات مع فنون السحر والتنجيم والشعوذة، فمنذ ذلك العصر القديم اختلطت العلوم بالسحر واحتكرها السحرة والكهنة. وباتت مدينة إريدو بجنوب العراق المركز الرئيسي لعبادته، كما جعلوا ابنه مردوخ رئيس مجمع الآلهة في بابل التي سيطرت على معظم بلاد ما بين النهرين وصارت العاصمة الكبرى للمنطقة.

عشتار

في الوقت نفسه، رفعت شعوب عراقية أخرى آلهتها إلى مستوى إنليل، كما فعل كهنة ربة القمر إنانا التي كانت تُعبد في كل معابد المدن السومرية، وقدّس آخرون كوكب الزهرة وأعطوه اسما أنثويا هو عشتار (فينوس)، ومن بين التراتيل البابلية الموجهة إليها نقرأ هذا الاستهلال “إليك أرفع صلاتي يا ربّة الربّات ويا إلهة الإلهات.. يا عشتار، يا ربّة البشر أجمعين ومسدِّدة خطاهم..”.

هناك أيضا تراتيل أخرى تعود إلى الدولة الأكادية تسمي الإله الأعلى بإله القمر نانا، وهو الإله الواحد الذي يجمع بين يديه كل صلاحيات الآلهة الأخرى، وهو “الذي أنجب نفسه بنفسه”، أي لم يوجده أحد. وفي إحدى الصلوات الآشورية تُوجه العبادة إلى إله الشمس “شمش”، وهو يمتلك بدوره كل الصفات التي تُطلق على الإله الواحد في الحضارات العراقية المختلفة.

إذن فهناك من تمسك بعبادة إله أعظم مطلق الصفات ولديه آلهة تساعده أقل شأنا تشبه الملائكة، وهناك من رفع الشيطان (إله العالم السفلي) إلى مرتبة الإله الأعلى وجعل من حوله أيضا آلهة تساعده، لكن سلطة الكهنوت في كل حضارة كانت تعيد صياغة الدين وتربطه بإحدى المظاهر الكونية كالكواكب والنجوم لتشخيص وتجسيد العوالم الغيبية (الميتافيزيقية)، ثم تربط تلك الآلهة المشخصة بالقوم والوطن حتى تختلط مفاهيم الدين والقومية والوطنية وتنصهر في بوتقة واحدة، فيُنزع عن الإله جزء من عظمته ويُضاف إلى الملوك والكهنة جزء من القداسة، ويصبح الولاء للملك والكهنة والدولة جزءا من الإيمان بالإله.

وعليه، نجد أن مفهوم الوثنية ارتبط ارتباطا وثيقا بالسياسة، حيث لم يظهر “مجمّع الآلهة” (البانثيون) pantheon في عالم الأديان والأساطير إلا بعد ترسيخ السلطة المدنية في دويلات المدن البشرية الأولى التي توسعت لتشمل القرى والأرياف ثم الدويلات المدنية الصغيرة الأضعف لتصبح كلها تحت سلطة مدينة (عاصمة) واحدة، إذ يبدو أن حلف السلطة الملكية مع الكهنوت ابتكر مفهوم مجمع الآلهة لتوحيد المجتمعات الصغيرة المتفرقة تحت لواء العاصمة، فيكون لكل إقليم إلهه الخاص الذي يمثله في مجمع الآلهة (الاتحادي) الذي يسوده الإله الواحد صاحب السلطة المطلقة. لكن مفهوم الإله الواحد (التوحيد) كان سابقا على تعددية الآلهة (الشرك)، وتجريد الإله وتنزيهه كان مقدما أيضا على تشخيصه وتجسيده في الأوثان والصور.

يقول الباحث ستيفن لانغدن في مقال بعنوان “الأسكتلندي” إن تتبع نقوش الحضارة السومرية يثبت وجود التوحيد أصلا عندهم، وإن أقدم النقوش والآثار التي بين أيدينا تشير بقوة إلى اعتناقهم توحيدا “بدائيا”، وإن ادعاء نشوء الدين اليهودي (الذي يعتبر لدى الغرب أصل الأديان التوحيدية) من أصل طوطمي (وثني) هو ادعاء كاذب. [The Scotsman, 18 November 1936].

الوثنية في الشام
تبدو أساطير بلاد الهلال الخصيب مستنسخة بعضها من بعض، وكأنها انتقلت من بلاد سومر إلى الكلدانيين والبابليين وصولا إلى الكنعانيين والآراميين والفينيقيين في سورية ولبنان وفلسطين، إلا أن واضعي تلك الأساطير كانوا يعيدون صياغتها بمنظورهم الخاص ليصبح أكثر مواءمة مع البيئة المحلية.

تمثال بعل مكتشف في أوغاريت

يُعتقد أن الكنعانيين هم أول الشعوب التي سكنت سورية، وأن مملكة إيبلا تزامنت مع وجود حضارة سومر العراقية، وكانت عاصمة إيبلا في إدلب بينما امتد نفوذها على معظم أراضي سورية الحالية، ويُعتقد أن تاريخها المكتوب بدأ في العام 3100 قبل الميلاد. وبحسب لوح طيني اكتشفته البعثة الإيطالية في أوائل الثمانينات فقد كان الكنعانيون الأوائل يعبدون إلها واحدا هو خالق كل شيء، إذ يقول الابتهال في اللوح المكتشف “رب السماوات والأرض، أنت… من خلقتها، لم تكن بعد قد صيَّرتَ الضوء في الوجود، أنت لم تضع الشمس بل خلقتها”.

لا يكشف النص السابق متى ظهر الشرك (تعدد الآلهة) في تلك المنطقة، لكن الألواح المكتشفة في ممالك ماري وإيبلا وأوغاريت تشير إلى وجود مجمع للآلهة (بانثيون) على شاكلة المجمع الأسطوري الذي وُجد في بلاد الرافدين. وكان على رأس الآلهة “إيل”، ثم يليه بعل أو حَدد الذي نُسب إليه المطر والسحاب والصواعق فكانوا يتوسلون إليه للحصول على مواسم زراعة جيدة، أما الإله “موت” فكان في مقابل بعل لكونه إله الجفاف والعالم السفلي.

كما عبد الكنعانيون “عشيرة” أو “إيلات” زوجة إيل، وعناة (التي تقابل عشتار أو عشتارت في بابل) وهي زوجة بعل، وأما إلهة الشمس فتسمى شبش وهي تقابل شمش في بابل. ويمكن للباحث المتعمق أن يكتشف التشابه الكبير بين الأساطير الكنعانية والفينيقية وبين سابقتها السومرية والأكادية والبابلية، كما يظهر أيضا أثر الأساطير السورية على ما ظهر لاحقا في بلاد الإغريق.

الوثنيات المصرية
بحسب كتاب نديم السيار “المصريون القدماء أول الحنفاء”، والذي يتضمن الكثير من الوثائق والصور، فقد تعلم المصريون الأوائل عبادة الإله الواحد من نبيهم هرمس (إدريس حسب أحد الأقوال)، وكانت الصلاة لديهم الركن الثاني بعد الشهادة، وكانوا يصلون خمس مرات في اليوم، ويُشترط لصحة صلاتهم التطهر وستر العورة واستقبال القبلة في الجنوب، كما تتضمن الطهارة لديهم غسل أعضاء الوضوء كما هو متبع اليوم في الإسلام بالضبط، بل إن نواقض الوضوء لديهم هي ذاتها المعروفة لدى المسلمين.

وبحسب تعاليم هرمس (إدريس) في مصر، كان هناك منادٍ ينادي للصلاة كما يفعل المؤذن، وقد أوردت الدكتورة هدى درويش في كتابها “نبي الله إدريس” تفاصيل التطابق بين صلاة أتباع إدريس وصلاة المسلمين اليوم، وذكرت أنهم عرفوا التسبيح وصلاة الجنازة وصلاة العيد وتقديم الأضاحي قبل الخروج للصلاة في العيد، كما أكد ابن العبري والقفطي أن إدريس أمر قومه بالزكاة، وأنه أمرهم أيضا بالصيام عن الطعام والشراب وإتيان النساء، ونقل السيوطي عن طائفة الصابئة المندائية (التي ما زالت تعيش في العراق) اعتقادهم بأن إدريس هو الذي بنى الكعبة في مكة وأنه كان يحج إليها هو ومن بعد من الأنبياء، إلى أن اندثرت فأعاد إبراهيم بناءها.

تؤكد د. هدى درويش أن ديانة النبي إدريس التوحيدية انحدرت لاحقا على أيدي الكهنة المصريين الذين جعلوا تعاليمه سرية حتى اندثرت وغابت عن عوام الناس، ثم نصبوا آمون إلها يُعبد بعد أن كان رمزا للشمس فقط، فأصبحت الوثنية المصرية بذلك أساسا للوثنيات الكلدانية والفارسية والإغريقية والرومانية، قبل ظهور اليهودية والمسيحية والإسلام.

منحوتة “تحوت” عند مدخل مكتبة الكونغرس بواشنطن

ومع تشوه رسالة إدريس، أعاد الوثنيون المصريون تقديمه في صورة إله أو حكيم يحمل صفات إلهية اسمه “تحوت” Thot (وقد يكتب أحيانا توت أو طوط)، وظهر في الرسوم الجدارية برأس طائر أبو منجل وهو يحمل لوح كتابة ويدوّن نتائج وزن أعمال الأموات في الحساب الأخروي داخل قاعة أوزيريس، وهذه الصورة انتقلت رمزيا إلى المحافل الماسونية لاحقا. ومن الملفت أن نجد لدى القبالاه اليهودية فكرة رفع إدريس إلى السماء ومنحه درجة الملائكة تحت اسم “مطاطرون” ليصبح مسؤولا عن محاسبة الناس في الآخرة، وقد ناقش المفسرون المسلمون احتمال أن يكون النبي إدريس قد رُفع فعلا إلى السماء (معراج) تكريما له حيث يقول عنه القرآن الكريم “ورفعناه مكانا عليا”، ومن المحتمل أن يكون قد رُفع بالفعل لكن الأساطير أعادت صياغة هذا الرفع لتمنحه درجات الآلهة والملائكة.

تُنسب إلى هرمس أيضا مجموعة مخطوطات تدعى “متون هرمس”، يُعتقد أنها كُتبت في مصر، أو في اليونان بعد الميلاد، ومع أنها تتضمن عقيدة التوحيد إلا أنها تضع أيضا أصول الفكر الباطني (الغنوصي)، وقد نُسبت إلى هرمس لاحقا آلاف الكتب المليئة بالفكر الباطني والسحر وشتى أنواع العلوم، لكن التشابه بين أجزاء من تلك الكتب وبين عقيدة التوحيد الواردة في الكتب السماوية يشير إلى أن هناك أصلا واحدا.

على سبيل المثال، يسمى المتن الثاني من متون هرمس باسم بويماندريس  Poimandres، ويطلق عليه أيضا اسم “سفر الرؤيا” فهو يتحدث عن نشأة الكون وخبايا الروح الإنسانية من وجهة نظر فرعونية، ويشبّهه بعض الباحثين بسفر التكوين في التوراة الذي يتحدث عن خلق العالم، ومع أن الكتاب يتضمن رؤية فرعونية باطنية وثنية للكون والخلق والإله، لكن أثر الوحي واضح فيه، وكأنه يحكي قصة نزول الملاك على النبي إدريس عندما اختاره الله نبيا، ليبدأ بتعليمه أسرار الكون.

يقول الكتاب إن هرمس كان يتأمل منعزلا في مكان مقفر بين الصخور، فظهر له كائن رهيب يسميه بالتنين العظيم وهو باسط أجنحته في الأفق والنور يشع منه، فنادى التنين العظيم هرمس باسمه وسأله عن سبب عزلته، ومع أن هرمس فزع من منظر هذا المخلوق فقد توسل إليه أن يكشف له أسرار العالم، فعُرج به إلى عالم نوراني لا مادي، وتلقى من الإله بويماندريس قصة الخلق التي بدأت بكلمة مقدسة فاضت عن النور، وهبطت على الماء ليتشكل منها عمود عظيم، ثم انبثق منها النار والهواء, ثم تم فصل ماء النور عن ماء الظلمة, وتشكلت بذلك العوالم العلوية والعوالم السفلية. ومن الملفت أن هذه القصة تشبه تماما مطلع سفر التكوين الذي يقول “في البدء خلق الله السموات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة”.

وبعد جلاء الأصل التوحيدي لهذه العقيدة في “سفر الرؤيا”، نجد أثر التدخل الفلسفي الذي يحرفها باتجاه الغنوصية بوضوح، وفي النهاية يطلب بويماندريس من هرمس أن يعود إلى الأرض ويكون رسوله إلى الناس فيقول “آمرك بأن تنطلق وتكون هادياً لأولئك الذين يهيمون في الظلمة, لكل البشر الذين تكمن في دواخلهم روح العقل الكوني لعلهم ينجون مهتدين بعقلي الكامن فيك”. وهنا يعود هرمس إلى العالم المادي ويبدأ بنشر “الحقيقة” فيسخر منه معظم الناس، ثم يستأمن تلاميذه وأنصاره على الأسرار في هذا الكتاب لتصل إلى كل الأجيال اللاحقة.

وهكذا نرى أن تعاليم هرمس وعباداته تتشابه كثيرا مع ما جاء به نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، كما تتقاطع في بعض جوانبها مع ما ينسب إلى النبيين موسى وعيسى، ما يدل على التأثر والاقتباس، وسيتضح لنا في مقالات أخرى أن الوحي السماوي واحد ومنبعه واحد، وأن التحريفات التي طرأت عليه كانت تقتبس وتتأثر بأساطير سابقة.

“يلد ولم يولد، ينجب ولم ينجبه أحد.
خالق ولم يخلقه أحد، صنع نفسه بنفسه.
هو الوجود بذاته، لا يزيد ولا ينقص.
خالق الكون، صانع ما كان والذي يكون وما سيكون”.
جزء من ترتيلة مصرية تصف الإله الواحد، أوردها واليس بدج في كتاب “أوزيريس والبعث المصري”.

منذ مطلع القرن العشرين، تخصص الباحث البريطاني واليس بَدْج في دراسة معتقدات قدماء المصريين، واستنتج أنهم كانوا يؤمنون بإله واحد موجود بذاته، وأنه خفيّ، أبدي وأزلي، مطلق القدرة والعلم، لا تدركه العقول، وهو خالق الكون والقائم عليه، وأنه خلق كائنات روحانية لإيصال رسالته إلى خلقه ومساعدته في تصريف شؤون الكون، ورأى “بدج” أن المصريين الأوائل لم يشخصوا إلههم ولم يجسدوه في التماثيل والصور، لكن الملائكة التي كانت تساعده اكتسبت بعض صفات الألوهية مع أنها مخلوقة.

عائلة الآلهة المصرية (JeffDahl)

ابتدأت الحضارة عموما في مصر قبل سبعة آلاف سنة تقريبا، لكن تاريخها الأول مجهول لعدم تدوينه، فلا نعرف الكثير عن عقائدها الأولى وما زال هناك خلاف كبير بين من يرى أنهم كانوا موحدين ومن يرى أنهم عبدوا الحيوانات أو أنهم تخيلوا الآلهة كالبشر من البداية، لكن المؤكد أن التاريخ المدون ابتدأ مع ما يسمى بعصر الأسرات (السلالات الحاكمة) عبر توحيد البلاد المصرية على يد الملك مينا (نارمر) قبل الميلاد بنحو 3100 سنة.

وإذا صحت نظرية “بدج” فقد نُزعت القدسية عن الإله الواحد بالتدريج، فبعد أن أشركوا معه ملائكته، وبعد أن نُسي الإله وعُبدت الآلهة التي تشبه البشر في أهوائها وتعرضها للمرض والموت، صار لكل مدينة وبلدة في مصر إلهها الخاص،  ووضع الكهنة عقائدهم الخاصة بما يوائم الظروف ومصالح الطبقة الحاكمة، لكن بعض الآلهة الإقليمية خرج من دائرته الضيقة واكتسب صلاحيات آلهة أخرى حتى صار تجسيداً للألوهة المطلقة، مثل تيمو إله هليوبوليس، وبتاح إله ممفيس، وآمون إله طيبة. وبالرغم من كثرة الآلهة التي بلغ عددها الآلاف، فقد أكد العلامة الفرنسي جون فرانسوا شامبليون في القرن التاسع عشر أن “الدين المصري يقوم على معتقد توحيدي صافٍ، يعبر عن نفسه خارجياً بصيغ شِركية تعددية”.

يُعتقد أن الميثولوجيا الوثنية التي طرأت على المجتمع المصري كانت مستوردة في أصولها من العراق والشام، ويبدو أن هناك عدة روايات أسطورية لبداية الخلق في مصر، إلا أن أشهرها يفترض انبثاق الكون من كائن أولي غير محدد الملامح ويدعى “نون”، وهو ماء الأزل (يذكرنا بأساطير بلاد الرافدين)، تولدت عنه الشمس المتمثلة بالإله “رع” بطريقة مجهولة، وما إن أشرقت أشعة الشمس على الخواء حتى بدأ الكون بالتشكل، كما انبثق عن نون أبو الآلهة “آتوم” الذي نتجت عنه العائلة الأساسية كما في معظم الأساطير السابقة واللاحقة، وبما أن آتوم لم تكن له زوجة فقد استمنى لينتج عنه “شو” وأخته “تفنوت”، ثم تزوج الأخوان وأنجبا رب الأرض “جب” وربة السماء “نوت”، اللذين أنجبا بدورهما أربعة أبناء، ثم بدأ الصراع بين الإخوة الأربعة عندما غار الإله الشرير ست من أخيه أوزوريس وقتله، فعملت الأخت إيزيس على إعادة تجميع أشلاء حبيبها وأخيها القتيل بمساعدة أختهما نفتيس ورب الموتى أنوبيس، وأعاد رع الحياة لأوزوريس الذي أنجب من أخته إيزيس طفلا يسمى حورس، فخبأته الأم في مستنقعات الدلتا وتركته في عهدة الإلهة حتحور (على هيئة بقرة) حتى كبر، ثم عاد وانتقم من عمه ست، وهكذا أصبحت السيادة لحورس المتجسد في هيئة صقر، بينما هبط والده أوزوريس إلى عالم الموتى ليصبح إلهه السفلي.

شو في الوسط يرفع نوت (السماء) بينما يتمدد جب (الأرض)

لم تظهر أسطورة الصراع بين الآلهة إلا في عصر الأهرامات (حوالي 2600 قبل الميلاد) عندما احتاج الفراعنة لملحمة درامية على شاكلة ملاحم الإمبراطوريات المجاورة، وقد زعموا الاتحاد بالإله حورس الذي يحرس مصر كالصقر، واتخذوا من عينه شعارا مازال حاضرا في الوثنيات المعاصرة والحركات السرية، ثم زعم بعض الفراعنة أنهم أبناء “رع” المتمثل بالشمس.

أخناتون ونفرتيتي تباركهما الشمس

بعد نحو ألف سنة اندمج مع رع إله محلي كان يُعبد في مدينة طيبة واسمه “آمون”، ثم حاول الفرعون أمنحوتب الرابع (توفي عام 1334ق.م. تقريبا) نبذ الشرك وعبادة إله واحد، فغيّر اسم آمون إلى “أتون” واتخذ لنفسه اسم “أخناتون”، ومحى ملامح تعدد الآلهة الوثنية من المعابد، لكن كهنة آمون لم يسمحوا لهذه العقيدة بالبقاء، وأجبروا ابنه الصغير الذي خلفه “سمنخ كا رع” على العودة إلى عبادة الآلهة المتعددة، ثم توفي في ظروف غامضة بعد ثلاث سنين وخلفه أخوه “توت عنخ أتون” الذي كان عمره 9 سنوات، حيث أجبره الكهنة أيضا على الشرك وتغيير اسمه إلى “توت عنخ آمون”، ومُسح اسم أتون من كل المعابد، ثم توفي الفرعون الصغير في سن الثامنة عشرة في ظروف أكثر غموضا من وفاة أخيه، حيث يعتقد الكثيرون أنه قُتل وأن وزراءه الذين خلفوه في الحكم طمسوا الكثير من الأدلة.

بما أن الملوك اللاحقين طمسوا تاريخ أخناتون فلا ندري بالضبط ما إذا كان قد عبد الإله الواحد المنزه عن التمثيل والتجسيد الذي دعا إليه الأنبياء، أم أنه حاول فقط توحيد العبادة لرب واحد متمثل بالشمس، إلا أننا نعلم أن النبي موسى عليه السلام بُعث إلى أحد الفراعنة لدعوته إلى التخلي عن تأليه نفسه وعن استعباد قومه والسماح لبني إسرائيل بالخروج من مصر. وبحسب الكتاب المقدس فإن موسى نشأ في كنف أحد الفراعنة ثم عاد لدعوة ابنه الذي خلفه قبل أن يموت غرقا في خليج السويس أثناء المطاردة، ويُعتقد أن الأول هو رمسيس الثاني وأن ابنه هو مرنبتاح (توفي عام 1203 ق.م)، بينما لا يذكر القرآن الكريم سوى فرعون واحد، ومازال الخلاف قائما بشأن هويته، حيث يؤكد باحثون أن مومياءه تكشف عن وفاة طبيعية وأن آثاره تحكي عن غزوه لبلاد بني إسرائيل وانتصاره عليهم. ولم تترك المدونات المصرية أي ذكر لموسى ولخروج بني إسرائيل وهزيمة الفرعون بمقتله غرقا، إذ يبدو أن هذه النكبة التي حلت بمؤسسة السلطة والكهنوت قد طُمست كما طمست القصة الحقيقية لأخناتون، وأن الوثنية ظلت قائمة في مصر بعد خروج موسى وقومه إلى فلسطين دون أن تبقي على أثر يُذكر للوحي والتوحيد.

“وإني أرجح أن كثيرًا من فلسفة الأقدمين في مصر والصين والهند هي بقايا نبوات نسيها التاريخ فحُشر أصحابها في عداد الفلاسفة، ولعلهم من الرسل أو أتباع الرسل”. [نديم الجسر، قصة الإيمان، ص35].

رسم تخيلي لزرادشت من القرن الثالث الميلادي

الزرادشتية والمجوسية
في القرن السادس قبل الميلاد (على الأرجح)، ظهر في شمال إيران زرادشت الذي تتقاطع الكثير من تعاليمه مع عقائد الأنبياء كما نجدها اليوم في الإسلام. وتقول الروايات التاريخية التي دخلت فيها الكثير من الأساطير والتحريفات إن ولادته ترافقت بسلسلة من المعجزات، فاختبأ الشيطان خوفا من ظهوره المنتظر، وعندما أصبح شابا حاول الشيطان إغراءه بمنحه سلطة على الأرض مقابل تخليه عن الرسالة الدينية فلم يقبل، وتقول الروايات أيضا أن زرادشت كان كاهنا على دين قومه، ثم انشق عنهم ونزل عليه وحي النبوة في سن الثلاثين عن طريق أحد الملائكة، حيث عرج به إلى السماء للقاء الإله “أهورا مزدا”.

تنص هذه الديانة على أن الإله لم يكن سواه في الوجود، فاختار أن يخلق روحين توأمين هما سبينتا ماينيو وأنجرا ماينيو، ومنحهما حرية الاختيار، فاختار الأول الخير ودُعي بالروح القدس، واختار الثاني الشر ودُعي بالروح الخبيث، ثم بدأ الصراع بينهما، ومع أن الإله كان قادراً على سحق أنجرا ماينيو إلا أنه آثر عدم التناقض مع نفسه بالقضاء على مبدأ الحرية الذي أقره، فخلق ستة كائنات روحانية قدسية تدعى “الأميشا سبينتا” أي الخالدون المقدسون ليدعموا الروح  القدس، وذلك عن طريق “الفيض” من نوره، كما تقتبس الشمعة نورها من المشعل، وبالفيض أيضا أوجدت هذه الكائنات كائنات طيبة أخى هي “الآهوريون”، بينما أخرج أنجرا ماينيو إلى الوجود كائنات روحانية متفوقة اسمها “ديفا” لمساعدته في التخريب، وهكذا تشكلت الملائكة والشياطين قبل خلق العالم المادي.

وكان أهورا مزدا يعلم أن القضاء على الشيطان أنجرا ماينيو وأتباعه لن يتيسر قبل خلق العالم المادي، فخلق هذا العالم ليكون ساحة الصراع، وذلك على ست مراحل زمنية، ثم أوجد آدم “ماشيا” وحواء “ماشو”، وبدأ الصراع بين بني آدم والشيطان، وسينتهي في آخر الزمان بدحر الشيطان وسيادة الخير على العالم بعد ظهور المخلّص المنتظر “ساوشيانط”.

ونصّت الزرادشتية على أن الإنسان يُحاسب بعد ثلاثة أيام من موته، فتوزن أعماله بالميزان، ويتم امتحانه بالعبور على صراط المصير، وهو جسر يتسع ويضيق بحسب أعمال الشخص فإما أن يتيح له الوصول إلى الجنة أو يلقي به في النار.

وعلى صعيد العبادات، تتضمن النصوص القديمة الصلاة خمس مرات في اليوم، وتسبقها عملية الوضوء التي تتضمن غسل الوجه واليدين والقدمين، وهي تبدأ بالوقوف في حضرة الإله وتلاوة مقاطع خاصة من أناشيد الغاثا القديمة المنسوبة إلى زرادشت. وتنقل تلك النصوص عن زرادشت أن الصلاة تقام في أي مكان طاهر دون اشتراط وجود المعبد، وقد شدد كثيرا على طهارة الجسد والملابس، كما منع زرادشت صنع الصور والتماثيل للإله والملائكة.

كانت الصلاة تقام في البيوت أو في أماكن مخصصة للعبادة في الهواء الطلق ومزودة بموقد للنار المقدسة التي ترمز للألوهة الخفية، ثم تغلغلت الطقوس البابلية الوثنية في إيران بالقرن الخامس قبل الميلاد وشُيدت المعابد المليئة بالصور والتماثيل، وأصبحت النار تُعبد لذاتها، ونشأت طبقة الكهنة المتفرغين لطقوس النار الذين عُرفوا باسم “ماجي” أو “ماجوس”، وبالعربية “مجوس”، وهي التسمية التي اشتُقت منها كلمة “ماجيك” magic اللاتينية والتي تعني السحر، حيث أصبح هؤلاء الكهنة رمزا للعبادة الشيطانية.

معبد النار في باكو عاصمة أذربيجان (السبيل)

أدخل المجوس على النصوص الزرادشتية القديمة (أناشيد الغاثا) شروحهم الخاصة التي جُمعت تحت اسم الأفيستا؛ ثم ظهرت شروح إضافية جُمعت في كتاب “زند أفيستا”، وانتهى الحال بالزرادشتية إلى المجوسية التي جعلت الشيطان أنجرا ماينيو ندا للإله أهورا مزدا، وبدأت بذلك العقيدة الثنوية.

وفي عقيدة الزورفانية التي طورها المجوس صار أنجرا ماينيو إلها يحمل اسم “أهريمان”، وزعموا أن أهريمان وأهورا مزدا ابنين توأمين للإله الأعلى “زورفان” أي الزمن، وأصبحت هذه العقيدة هي الدين الرسمي للدولة الساسانية، كما تم ربطها بالقومية الفارسية بعد أن كانت ديانة عالمية تسعى لهداية كل البشر.

وبما أن التراث الأصلي لزرادشت لم يُحفظ دون تشويه وتحريف، فلا يمكن الجزم بما كان يدعو إليه، بل إن بعض المؤرخين يشككون في وجوده ويعتبرونه مجرد شخصية أسطورية نُسبت إليها الكثير من التعاليم، لكننا لا نستبعد أن يكون نبيا حقيقيا أوحي إليه كما أوحي إلى الأنبياء على مر العصور، لا سيما وأن الكثير من تعاليمه وعباداته وتفاصيل عقيدته في الخلق والموت والبعث تتشابه مع ما جاء به آخر الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم.

منحوتة تصور الملك الساساني أردشير على حصانه وهو يطأ خصمه أردافان وينال البركة من أهورا مازدا الذي يطأ بحصانه خصمه أهريمان (MiladVandaee)

ومن المعروف أيضا أن الكثير من اليهود الذين أسرهم الملك البابلي نبوخذ نصر قد انتقلوا إلى بلاد فارس وحملوا معهم شيئا من آثار الوحي (التوراة)، فحدث بذلك نوع من التداخل بين الثقافتين. كما نقلت كتب الحديث عن العديد من الصحابة بأسانيد صحيحة أنهم عندما فتحوا مدينة “تستر” الفارسية في عهد عمر بن الخطاب وجدوا جثة النبي دانيال الذي كان معاصرا لنبوخذ نصر عندما تم أسر اليهود مع نبيهم إلى بلاد العراق وفارس، حيث تُركت جثته محفوظة طوال تلك المدة ليتبرك بها الناس حتى دفنه الصحابة. وفي رواية للبيهقي في كتاب “دلائل النبوة” عن خالد بن دينار أنهم وجدوا عند رأس دانيال كتابا، فترجمه كعب بن مالك إلى العربية بأمر من عمر بن الخطاب، ووجدوا فيه وحيا سماويا يشبه القرآن الكريم، فكان يتضمن نبوءات عديدة مما جرى لاحقا بالفعل وخصوصا نبوة عيسى ومحمد.

وبالرغم من التشويه الكبير الذي طرأ على الزرادشتية، فقد تركت آثارا من الوحي السماوي في أديان ومعتقدات شعوب كثيرة في المنطقة وساهمت في تخليصها من عقائد تتناقض مع التوحيد، ونقتبس من كتاب “الرحمن والشيطان” لفراس سواح أهم هذه الآثار، كما يلي:

1- توحيد الإله وتنزيهه عن المخلوقات، وذلك وفق عقيدة أكثر وضوحا وتقديسا من الأديان الشرقية الأخرى.

2- كانت أديان العراق والشام تنظر للزمان على أنه مفتوح لانهائي، وكانت أديان الهند وشرق آسيا تقول إن الزمان يدور في حلقات، فالعالم يفنى في كل مرحلة من مراحل الزمن بكارثة كونية ثم يعود من جديد بدورة زمنية أخرى، لكن الزرادشتية أعادت للتاريخ معناه وغايته بحيث ينطلق من بداية الخلق ويتطور من خلال صراع الخير والشر قبل أن ينتهي وفقا لرؤية محددة مسبقا لآخر الزمان وقيام الساعة، وعندها تُبعث الأجساد من الموت ويبدأ زمن سرمدي جديد في عالم الآخرة.

3- التاريخ ينتهي بظهور المخلِّص، وهو إنسان طبيعي يولد من أبوين بشريين لكن ميلاده يحدث بمعجزة، وهو الذي سيقود الأشخاص الصالحين في آخر الزمان للانتصار على الشر.

4- لم تعد العبادات مجرد وسيلة للخضوع للإله، بل تهدف إلى تربية الإنسان وتنمية أخلاقه، ولم تعد الأخلاق مجرد سلوك نفعي “براغماتي” لتحقيق المصلحة بل هي قيمة ناجزة وطبيعة كامنة في الوجود لأن الإله نفسه إله أخلاقي كامل الأوصاف.

5- كان الإنسان في ديانات الشرق القديم يسعى إلى موافقة مشيئة الآلهة في حياة لا معنى لها، كما كان هدف الإنسان في شرق آسيا هو فهم العالم والتناغم معه فهو غير قادر على إصلاحه لأنه يسير وفق قوانين ثابتة في دورة حتمية، أما الزرادشتية فأعادت مفهوم الوحي السماوي القائل بأن العالم قابل للإصلاح، وأن الإنسان هو الذي يحمل هذه المسؤولية.

6- أعادت الزرادشتية للشيطان دوره وحجمه الطبيعي، فهو ليس إلهاً أزلياً ولا خالداً بالرغم من تحديه للإله، وسيكون مصيره خائبا في النهاية، وهو أصل كل الشرور في الوجود.

7- الإنسان يتمتع بالوعي ويتميز عن الكائنات الأخرى بحرية الاختيار دون جبر. وحريته هذه تستدعي المسؤولية والمحاسبة.

مع أن بعض الأديان في مصر والمشرق آمنت بالحساب بعد الموت ثم بذهاب الأرواح إلى جنة أو جحيم، فهي لم تؤمن بيوم القيامة الذي ينتهي فيه الزمان الدنيوي ويبدأ زمان جديد مختلف جذريا، على خلاف الزرادشتية التي قالت إن الأرواح ستعود إلى الأجساد بعد البعث وستعيش في عالم أبدي ينقسم بين جنة وجحيم.

الوثنية اليونانية (الإغريقية)
تعود أصول الأساطير الوثنية اليونانية إلى الشاعر هوميروس الذي وضع ملحمتي “الإلياذة” و”الأوديسا”، وهناك من يشكك في وجود هذا الرجل أصلا ويرى أن أساطيره وضعت على يد جهة مجهولة ونسبت إلى شخص خيالي، وحتى في حال وجوده فهناك تضارب كبير بشأن الزمن الذي عاصره، لكن الأرجح أنه عاش (إن كان حقيقيا) ما بين عامي 1100 و850 قبل الميلاد.

رأس تمثال يعتقد أنه لهزيود

أما البناء المتكامل للوثنية اليونانية فكان على يد الشاعر هزيود، حيث يقول روبن هارد في كتابه “الميثولوجيا الإغريقية” إن هزيود هو الذي وضع قوائم معظم الآلهة في ملحمته وقسمها إلى مجموعات محددا أنسابها وأسماءها. [ص 36].

ويرجح المؤرخون أن هزيود عاش ما بين عامي 750 و650 قبل الميلاد، وقد تحدث عن نفسه في ملحمة “الأعمال والأيام” قائلا إن والده كان فلاحا في إيوليا بآسيا الصغرى (تركيا حاليا) فهاجر تحت ضغط الفقر والحاجة إلى اليونان، ثم عمل هزيود في عمل أبيه مزارعا وراعيا للغنم، وظل مجهولا إلى أن وضع في شبابه كبرى الملاحم التي شكلت ديانة الإغريق والرومان من بعدهم، وأهمها “الأعمال والأيام” و”مولد الآلهة”، كما وضع كتابا في التنجيم، ويرى مؤرخون أنه من أوائل المفكرين الاقتصاديين أيضا، وقد وضع كل هذه الأعمال الكبرى دون أن يذكر شيئا عن انتقاله من عالم الزراعة والرعي إلى الفكر، بل اكتفى بالقول إن ربّات الفنون “الموسيات” ظهرن له وأوحين له بتلك الأشعار الرائعة!

وفي كتابه أساطير إغريقية، يقول عبد المعطي شعراوي “وهكذا قدم لنا القروي الإغريقي البسيط هزيود تساؤلات وملاحظات حول كيفية حدوث كل شيء وحاول أن يصل إلى تفسير لكل ظاهرة أو عادة أو شعيرة أو تقليد، ولعله أول إغريقي يفعل ذلك، إذ إن هوميروس لم يفعل في الإلياذة والأوديسا مثلما فعل هزيود في قصائده، ومن هنا جاءت أهمية هزيود كصانع للأساطير الإغريقية”. [ج 1، ص 18].

لكن مؤرخي الحركات السرية يؤكدون أن هذه الأساطير لم تكن من وحي “الموسيات” الخرافيات، إذ يقول زعيم حركة الصليب الوردي في القرن السادس عشر فرانسيس بيكون في مقدمة كتابه “حكمة القدماء” إن تلك الأساطير لم تكن من ابتكار هوميروس ولا هزيود، بل انتقلت إليهما من أزمنة أقدم ومصادر أعرق، ويضيف “في اعتقادي أصولها واحدة، وليس هناك ما هو أعظم ولا أشرف من هذه الأصول”. [ص 320]. وهذا يعني أن بيكون -الذي لا يُعرف اليوم سوى بأنه مؤسس العلم الحديث- ينسب جميع الوثنيات إلى مصدر شيطاني واحد، وأن الشعراء الذين صاغوها في هيئة أعمال أدبية ونصوص دينية ليتعبد بها العوام لم يلجأوا إلى التأمل في غوامض الكون وأسرار الطبيعة أملا في إيجاد أجوبة وجودية لتفسيرها، بل وضعوا تلك الخرافات لتضليل البشر عن طريق الوحي.

تزعم أسطورة الخلق التي بثها هزيود في عقول الإغريق أن الربة كاوس هي الحالة الأولية للوجود فهي اللاشيء الذي انبثقت منه الأشياء، وكأنها كانت تجمع بين الوجود والعدم بطريقة غير مفهومة منذ الأزل، وقد تولّدت عنها ربة الأرض غايا، وربة الليل نيكس، ورب الظلام في العالم السفلي إيريبوس، ورب جهنم (العالم السفلي) تارتاروس، ورب الشهوة والرغبة إيروس. ثم ولدت غايا إلهًا يمثل السماء وهو أورانوس, و أصبح زوجا لها، أي تزوج الابن أمه, وأنجبا 3 سلالات مختلفة، الأولى عمالقة جبابرة (تيتان) وعددهم 12 ابنا، والثانية تسمى “السيكلوب” وهي مخلوقات بشعة لها عين واحدة في وسط الجبين, أما الثالثة فأكثر بشاعة وتسمى “ذوو المئة ذراع”، وعندما خاف الأب أورانوس من كثرة أولاده من السلالتين الثانية والثالثة خبأهم في أعماق الأرض أي في جسد أمهم غايا، فغضبت غايا على أورانوس وحرضت ابنها كرونوس (أحد الجبابرة) على الانتقام من أبيه وضربه بالمنجل، فقتل الابن أباه وورثه بأن أصبح إله السماء، ثم تزوج كرونوس أخته ريا, ونتجت عنهما السلالة البشرية الأولى المصنوعة من الذهب.

يقول عبد المعطي شعراوي في كتابه “أساطير إغريقية” إن الآلهة ليست هي التي خلقت الكون بل الكون خُلق أولا، ففي البدء كان الخواء ثم الأرض والبحار والجبال ثم السماء، ثم مجموعة العمالقة، ثم الآلهة وعلى رأسهم كبيرهم زيوس. [ج 2، ص 38].

وهذا يشير إلى أن أسطورة الخلق اليونانية التي ابتكرها هزيود هي أولى الخطوات التي مهدت للإلحاد في التاريخ المعروف، فقد مرّ بنا أن الأساطير الشرقية في العراق ومصر والشام كانت تؤمن بوجود الآلهة أولا ثم ينبثق عنها الكون والإنسان، أما هزيود فجعل الآلهة والإنسان ينبثقان معا من الكون نفسه. واللافت أن فلاسفة وأدباء عصر النهضة الأوروبية في القرن الرابع عشر عملوا على بعث الأساطير الإغريقية من جديد تمهيدا لنشر العلمانية والإلحاد السائدتين اليوم في الغرب.

رأس زيوس في الفاتيكان

ظهرت لكرونوس نبوءة تقول إنه سيلقى مصير أبيه على يد أحد أبنائه فقرر أن يبتلعهم, إلا أن ريا أخفت ابنها زيوس في مغارة بجزيرة كريت, حيث اعتنت به الحوريات وحرسته العفاريت حتى كبر، وعندها سقى والده دواء دفعه للتقيؤ فخرج من جوفه أبناءه الذين ابتلعهم، وانضم الإخوة إلى جيوش من الجبابرة والسيكلوب لمحاربة أبيهم كرونوس، وانتهت المعركة بمقتل السلالة الذهبية كلها وبانتصار زيوس وإخوته، فصار هو الإله الأعظم واستقر في قصر على قمة أعلى جبل باليونان (الأوليمب).

تزوج زيوس أخته هيرا ونساء أخريات، وكان شهوانيا لدرجة مفرطة، حتى صارت لديه سلالة جديدة الأبناء المصنوعين من الفضة، إلا أنهم لم يقدسوا الآلهة كما ينبغي فغضب منهم زيوس ونفاهم إلى العالم السفلي. ثم وُلدت السلالة البشرية الثالثة المصنوعة من البرونز, وكانت عدوانية وفاسدة فنفاها زيوس أيضا إلى العالم السفلي. وتبع هؤلاء جيل من الأبطال الذين نشأوا في العالم السفلي, ثم خلفتهم أخيرا السلالة الحديدية (البشر الحقيقيين).

وبطريقة تشبه أساطير بلاد الرافدين، يشقى الناس على الأرض ويكابدون مشقة الحياة لكي تعيش الآلهة الخالدة على قمة الأوليمب، بينما تمدهم تلك الآلهة بالدعم والنصر في الحروب وتمدهم بالقوت والمطر وتشفيهم من الأمراض بشرط أن يقدسوها ويتقوا غضبها ويقدموا لها القرابين.

وقد يبدو التداخل عجيبا بين الواقع والخيال لدى عوام الإغريق، إذ كانوا يصدّقون وجود قصور فارهة للآلهة على قمة الجبل، مع أنهم يرونه بأعينهم وهو جبل أجرد لا حياة فيه، كما كانوا يزورون مغارة في كريت لتقديم القرابين ويطرقون على قطع معدنية (مازالت محفوظة في المتاحف اليوم) بهدف التغطية على صوت زيوس الذي يتصورونه طفلا يعيش هناك، كي لا يسمع أباه كرونوس صوته ويبتلعه، مع أنهم لا يرون طفلا ولا يسمعون صوتا بل تقول الأسطورة إنه كبر وانتهى من قتل أبيه!

حرص هوميروس وهزيود على منح جميع الآلهة صفات بشرية، فهم يتصارعون على السلطة والنفوذ، بل يتعرض بعضهم للموت والبعث، ولهم خطايا أشد فداحة من خطايا البشر، وكأنهم أقرب إلى الشياطين من الملائكة، مما يبرر نزعات السيطرة لدى السلطات السياسية والكهنوتية التي وظفت هذه الأساطير لاستعباد البشر، كما كرست تلك الأساطير الطبقية الحادة في المجتمع ووجود العبيد والعمال والفلاحين الذين فُرض عليهم العمل بالسخرة لصالح الطبقات الأعلى وكأنه قدر محتوم.

وكما هو حال الوثنيات السابقة، تقدس الميثولوجيا اليونانية إلها واحدا أعظم وتجعله على رأس مجمع الآلهة وهو زيوس، وكل إله أو إلهة يمثل وظيفة أو قوة من قوى الطبيعة أو صفة ما من صفات الإنسان حتى لو كانت رذيلة، كما لكل قبيلة أو عشيرة أو دولة من دول البلقان المدينية الصغيرة إلهها الخاص، فكانت مدينة أثينا تعبد الإلهة أثينا، وإيلوسيس تعبد ديمتر، وساموس تعبد هيرا، وإفسوس تعبد أرتميس، وبوسيدونيا تعبد بوسيدون. وعندما تحارب دولة إحدى الدول الأخرى فإن أتباع الملك والكهنوت يربطون الأمر بصراع أعلى يجري بين الآلهة، فالشعب الغالب هو الذي يغلب إلهه إله العدو، وإذا قصّر الشعب في نصرة إلهه فعليه أن يتحمل تبعات غضبه.

لوحة تخيلية لمعبد أكروبوليس في أثينا من القرن التاسع عشر

الفلسفة والأسطورة
بالرغم من شيوع النظر العقلي الفلسفي لدى اليونان، وهو الأمر الذي يفخر به الغرب اليوم على اعتبار أنه وريث للفلسفة اليونانية التجريدية و”المنزهة” عن الدين والأسطورة، إلا أن معظم الفلاسفة الإغريق لم يتحرروا من البعد الغيبي، فالفيلسوف طاليس الملطي الذي وضع أسس الفلسفة العلمية في بداية القرن السادس قبل الميلاد حاول أن يقدم تفسيرات مادية لنشأة الكون، إلا أنه ربط تشكل الحياة من الماء بنزول زيوس عن عرشه وإحلال الدوامة محله.

والظاهر أن النزعة العقلية لدى الفلاسفة كانت تميل إلى رفض الوثنية وليس الدين نفسه، فانتقد إكزينوفان تشبيه الآلهة بالبشر، وكانت المدرسة الإيلية التي أسهها تعلم الناس العودة إلى التوحيد بدلا من الوثنية المتعددة، كما أنكر أنكساغوراس ألوهية الشمس وقال إنها مجرد حجر أحمر ملتهب وأكبر حجما من جبل البليونيز، أما كريتياس فتجرأ على القول إن البعض اخترعوا الآلهة ليرهبوا بها الأعداء، بينما رأى أويهيمروس أن الآلهة ﻟﻴﺴﻮا ﺳﻮى أﺑﻄﺎل وﻃﻨﻴين أدوا ﺧﺪﻣﺎت ﺟﻠﻴﻠﺔ ﻓﺮﻓﻌﻬﻢ الخيال اﻟﺸﻌﺒﻲ إﻟﻰ ﻣﺼﺎف اﻵلهة، وهذا يذكرنا برواية الوحي عن قصة قوم نوح الذين ابتدعوا بدعة الوثنية عندما جسدوا الأموات الصالحين على هيئة أصنام ثم عبدوها.

وعندما عجز الفلاسفة الأوائل عن تقديم أجوبة مقبولة على الأسئلة الوجودية الكبرى، نظرا لعجز العقل عن الخوض في الغيبيات، أو ربما للطمس المتعمد لآثار الوحي فلم يصلنا من بقاياه لدى الإغريق شيء، نشر السفسطائيون مذهبهم في الشك واعتقدوا أنه يستحيل على العقل أن يعرف شيئا، وأنه ينبغي على الفلاسفة الاهتمام بحياة الإنسان العملية فقط.

سقراط يتجرع السم راضيا بعد الحكم بإعدامه، لوحة للرسام جاك ديفيد

استعاد سقراط هيبة العقل بعد أن كاد السفسطائيون أن يغرقوا الإغريق في هوة الشك والعدمية [انظر مقال مصادر المعرفة]، إلا أنه لم يستطع أيضا أن يقدم أجوبة على الأسئلة الدينية التي لا يمكن التوصل إليها إلا بالوحي، وحُكم عليه بالإعدام بتهمة “عدم الإيمان بمعتقدات أثينا”. ثم تابع أفلاطون المهمة ما بين القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، وكان يرى أن الدين ينقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول دين أسطوري اخترعه الشعراء والفنانون لتسلية العوام، والثاني صنعه كهنة السلاطين لضمان انقياد الشعب لهم بخوفهم من الآلهة وتقديسهم للملوك، والثالث هو دين الفلاسفة الذي يكشف الحقيقة. أما تلميذه أرسطو فهرب من أثينا قائلا إنه لا يريد للمدينة أن ترتكب حماقة أخرى عندما أعدمت سقراط.

لقد كان بإمكان الشعراء الكبار أن يعترفوا بأن الأساطير مجرد أعمال مجازية لا حقيقة لها، كما كان في وسع الفلاسفة الكبار مثل أفلاطون أن يعدلوها لتتوافق مع العقل، إلا أن غياب الوحي (وربما طمسه وتحريفه في عصر هزيود) جعل المهمة مستحيلة، وهم مع ذلك لم يرضخوا للأساطير المفروضة بقوة السلطة، بل دعوا للتوحيد أو اقتربوا منه.

وحين طاف المؤرخ بوزنياس ببلاد اليونان بعد خمسة قرون من عصر أفلاطون وجد أن الأساطير ما زالت حية في قلوب الجماهير، حيث لم يجد الناس غيرها للإجابة على تساؤلاتهم الوجودية، وكما يقول ويل ديورانت في موسوعته “قصة الحضارة” فإن أساطير هزيود شكلت عقيدة اليونان وفلسفتهم وآدابهم وتاريخهم، واستمد منها الفانون (أي البشر غير الخالدين كالآلهة) زخارفهم التي زينوا بها الأواني، كما كانت هي المصدر الأساس لمواضيع النحاتين والرسامين في معظم أعمالهم التي عاشت آلاف السنين.

سيرابيس يتشكل من دمج أوزيريس وأبيس

ويرجح غلبرت موراي أن الديانة اليونانية مرت بعدة مراحل، وأن البداية كانت دينا سماويا موحى به من الله، ثم تحولت إلى ديانة بشرية أسطورية، ثم فلسفية. [فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط للأهواني، ص22].

اتفق المؤرخون على إطلاق تسمية الحقبة الهيلينية على الفترة الممتدة من أوائل القرن الرابع قبل الميلاد وحتى موت الإسكندر المقدوني عام 323 قبل الميلاد، وهي الفترة التي ازدهرت خلالها الحضارة الإغريقية وبلغت أوجها فكريا وعلميا.

وعندما احتل الإسكندر الأكبر مصر سارع إلى مزج معبود الإغريق “زيوس” الذي كان يُجسد على هيئة رجل كبير كث اللحية, مع معبود مصر “أمون” الذي يتخذ هيئة كبش ذي قرنين, فكانت النتيجة هي اختراع إله يوناني مصري اسمه “سيرابيس” مع تجسيده أحيانا على هيئة رجل له لحية وقرون كبش، بينما يرى مؤرخون أن “سيرابيس” مزيج من أوزوريس وأبيس وزيوس.

أما الحقبة الهيلينستية فتبدأ عند أغلب المؤرخين بموت الإسكندر، حيث تقاسم خلفاؤه مملكته المترامية الأطراف وظهرت بذلك آثار التلاقح بين فلسفة اليونان وغنوصية الشعوب الشرقية، وامتدت هذه الفترة إلى الغزو الروماني لقلب اليونان عام 146 قبل الميلاد أو حتى الهزيمة النهائية لآخر دولة لخلفاء الإسكندر في معركة أكتيوم عام 30 قبل الميلاد حيث سقطت فيها مصر البطلمية بيد الرومان.

الوثنية الرومانية
يُعتقد أن بداية الحضارة في إيطاليا تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد عندما انتقلت شعوب الأتروسكيين من ليديا (غرب تركيا حاليا) إلى شمال نهر التيبر، وعلى الأرجح أنهم تأثروا بالوثنيات المجاورة من اليونان ووسط أوروبا، لكن السيادة كانت لآلهة العالم السفلي المقتبسة عن المستعمرات اليونانية في الجنوب، حيث يعتقد أنهم كانوا يعظمون الشياطين ويمارسون السحر.

جوبيتر

ربما يصعب تقصي الإله الأعظم من بين الآلهة المتعددة التي عبدها الرومان، لكن يبدو أن جوبيتر (كوكب المشتري) كان هو الإله الأعظم، وبجانبه كل من مارس (المريخ) و كويرينوس (أحد أقمار زحل)، ثم في مرحلة لاحقة أصبح بجانب جوبيتر زوجته جونو وابنته مينيرفا.

استمتع أباطرة روما برفع مكانتهم الدينية حتى قدستهم شعوبهم وذبحت لهم القرابين، كما قرر كل من دوميتيان وكاليغولا ونيرون أن يتألهوا بأنفسهم وينافسوا الآلهة الخيالية على مناصبها، بينما تواضع آخرون واعتبروا أن الألوهية لقب ينالونه بعد موتهم.

بدأ عصر الرومان الذهبي بعد عام 30 قبل الميلاد الذي شهد سقوط آخر ممالك اليونان في أيديهم، وهي مملكة البطالمة في مصر، وأخذ الإمبراطور أغسطس في تلك المرحلة بتشييد الكثير من المعابد المكرسة للآلهة التي جسدها الكهنة في الكواكب، ثم أعلن أغسطس نفسه الكاهن الأكبر.

ومن الواضح أن الرومان اقتبسوا ميثولوجيتهم (أساطيرهم) من اليونان، حيث يؤكد المؤلف بي كوملان في كتاب “الأساطير اليونانية والرومانية” أن الدولة الرومانية “جعلت أغلب آلهة الإغريق أربابا لها، إلا أنها عندما أدخلتها في طقوسها الدينية وآدابها أطلقت عليها أسماء لاتينية”. [ص 7].

انتشر السحر في بلاد الروم على يد البابليين، ووجد له تربة خصبة مع عبادة النجوم والكواكب واهتمام الكهنة بالتنجيم، فالتنجيم يفترض وجود قوة روحية في الكواكب تؤثر على الإنسان الذي يعيش على الأرض، ومن خلال دراسة الأبراج المعقدة يتم التنبؤ بالمستقبل، وغالبا ما يتداخل هذا الفعل بالسحر القائم على التعامل مع الشياطين. وفي عصر الإمبراطور تبريوس (ابن أغسطس) حظي المنجمون بنفوذ أكبر من ذي قبل، وصار شائعا استخدام السحر بديلا عن الطب.

وكما هو حال الوثنيات السابقة، اهتم الرومان بأرواح الموتى وقدسوها، وجسدوا أجدادهم في التماثيل، وزعم السحرة أنهم قادرون على استحضار أرواحهم. كما قدسوا الشمس إلى جانب الكواكب الأخرى، حتى أصبحت عبادتها مهيمنة في عهد أسرة سيفروس في القرن الميلادي الثالث، لذا عندما قرر الإمبراطور قسطنطين تحويل ديانة روما إلى المسيحية تم دمج ديانة أتباع بولس بعبادة الشمس، وما زال حضور الشمس واضحا في الرموز المسيحية حتى اليوم.

الإله ثور يصارع العمالقة في لوحة من القرن التاسع عشر

الوثنية الإسكندنافية
يعود تاريخ الفايكنغ في المنطقة الإسكندنافية بشمال أوروبا إلى القرن التاسع الميلادي، ويُعتقد أن الأساطير الإسكندنافية (النوردية) هي أصل الوثنيات الجرمانية الأخرى في شمال ووسط أوروبا.

لا يُعرف أصل الميثولوجيا الإسكندنافية بالتحديد، فقد ظلت أشعارها متداولة شفهيا دون تدوين، ما يعني صعوبة تتبع مصدرها، ويبدو أن الذي صاغها قد استورد فكرتها الأساسية من الإغريق (هوميروس وهزيود)، ثم أعاد بناءها بما يناسب طبيعة حياة الفايكنغ القائمة على الإبحار والقرصنة، وبثها في وعي تلك الشعوب الأمية لتصبح مصدر ثقافتها وعقيدتها وفنونها.

تتعدد الآلهة في الأساطير الإسكندنافية كما هو حال الأساطير السابقة، ويتربع أيضا على رأسها إله عظيم يدعى أودِن Odin، وهو نفسه وودِن لدى الشعوب الأنغلوسكسونية، كما عرفه الجرمان باسم ووتان. وتتكرر في هذه الأساطير أيضا عادة تثليث الآلهة كمعظم الوثنيات حول العالم، فهناك الإلهة الزوجة فريغ (أو فرييا عند الجرمان)، والابن ثور Thor إله الرعد.

ونظرا لخطورة الأعاصير والعواصف على البحارة الفايكنغ، رأى مخترع الأسطورة أن يجعل “ثور” على هيئة شاب ضخم مفتول العضلات ويحمل بيده مطرقة ليهاجم بها العفاريت التي تسبب العواصف والأمواج العاتية، فكان البحارة يستبشرون بصوت الرعد الذي تصدره المطرقة معتقدين أنها تصرع الشياطين.

تتشابه الأساطير الإسكندنافية مع أصولها الإغريقية بافتراض وجود عوالم خفية تعيش فيها كائنات عدة، من آلهة وعمالقة وأنصاف آلهة وأقزام وبشر، لكن مبتكر هذه الأساطير كان فيما يبدو أوسع خيالا، كما يبدو أن العديد من الشعراء والأدباء أضافوا خلال قرون طويلة المزيد من الخرافات عن عوالم خفية تسكنها كائنات عجيبة، حتى أصبح العوام يعتقدون أن كل ما حولهم في هذا العالم من كائنات حية وجمادات مسكونة بأرواح، وأن لها نوعا ما من الحياة الخفية.

ثور كما قدمته هوليود في أحد أضخم أفلامها

آمن واضعو الأساطير بوجود جنة بعد الموت، وهي عالم الفالهالا، إلا أنها مجرد مرحلة مؤقتة، كما اشترط واضعو الأسطورة لدخولها التمتع بالشجاعة لتشجيع الناس على الانخراط في المعارك. وتشبه الفالهالا قصرا ضخما يحكمه الإله أودين، حيث يحتفل فيه مع ضيوفه كل يوم بذبح خنزير لأكل لحمه مع شرب الخمر.

وعندما يحين الوقت يخرج أودين مع جنوده هؤلاء لخوض المعركة النهائية “راغناروك” ضد العمالقة، وهي المصير المحتوم للآلهة والعمالقة والبشر، إلا أن هذه النهاية ليست سوى بداية عالم جديد تسوده الأراضي الخضراء ويعم فيه السلام، حيث يُبعث بعد المعركة الآلهة من الموت ويحكمون العالم، ويتوالد البشر مجددا من رجل وامرأة تمكنا من النجاة من المعركة باختبائهما في مكان ما.

وإذا كانت الأساطير اليونانية، وبعدها الرومانية والإسكندنافية، نسخة محرفة عن الوحي وتصورا مشوها لحقيقة الإله الواحد وأدوار مخلوقاته من الجن والملائكة، فإن هذه الأسطورة تبدو وكأنها تحريف للملاحم الكبرى التي تنبأ بوقوعها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان.

مما يؤكد أن واضعي الأساطير جعلوا من الجن والملائكة آلهة، أن مؤسِّسة جمعية الثيوصوفية هيلينا بلافاتسكي صرحت في كتابها “العقيدة السرية” بأن سمائيل الذي يعتبره التلمود رئيسا للجن هو أحد الآلهة الذين تذكرهم التوراة (المحرفة) باسم إلوهيم، وتضيف أن سمائيل في القبالاه اليهودية هو شكل رمزي للعمالقة.

الوثنية في الجزيرة العربية
تحدثنا سابقا عن ظهور تعدد الآلهة (عبادة الأوثان) في الجزيرة العربية منذ فجر الحضارة وقبل بدء التاريخ، وذلك على يد عاد وثمود، وما تلاهم من الأنباط الذين اتخذوا من سلع (البتراء في الأردن) عاصمة لهم، إلا أن التوحيد عاد إلى العرب على يد النبي إسماعيل بن إبراهيم الذين نشأ في مكة واختلط بالعماليق (قوم من العرب الأوائل)، ثم ارتدوا مجددا إلى الوثنية على يد رجل يدعى عمرو بن لُحَيّ.

منحوتة للإلهة اللات عثر عليها في الطائف

يقول المؤرخ ابن كثير إن عمرو بن لحي كان أحد رؤساء خزاعة الذين تولوا زعامة البيت (الكعبة في مكة)، وإنه كان أول من غيّر دين إبراهيم الخليل بين العرب، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب بها.

واشتهرت في مكة عبادة أصنام كثيرة، وعلى رأسها “هُبل” الذي كان بمثابة كبير الآلهة، حيث نصبت قريش له صنما في جوف الكعبة، ثم تأتي من بعده ثلاثة آلهة مشهورة هن اللات والعزّى ومناة، حيث يشكلن ثالوثاً أنثوياً على اعتبار أنهن أبناء الله، كما خصصت كل قبيلة من القبائل الكبرى لنفسها واحدا من الأوثان لتشتهر بعبادته وتقديسه وجذب المتعبدين وقوافل التجارة إليه، فاختارت قبيلة ثقيف في الطائف عبادة اللات وجعلت لها بيتاً يضاهي كعبة مكة، وروي أن ابن لحي استغل وفاة رجل صالح من ثقيف كان يحمل اسم اللات فقال لهم إنه لم يمت بل حلّت روحه في صخرة، فنحتوا الصخرة وجعلوها وثنا يُعبد.

وبالطريقة نفسها، أرادت قبيلة غطفان منافسة قريش، فجعلت لنفسها معبدا يسعى فيه الناس بين حجرين كما يسعون بين الصفا والمروة بمكة، ونصبت صنم العزى في بيت مهيب يضاهي الكعبة.

أما مناة فكان لها صنم في موضع يقال له “المشلل”، وكانت مقدسة تحديداً عند قبيلتي الأوس والخزرج في يثرب (التي سميت لاحقاً المدينة المنورة بعد هجرة النبي محمد إليها)، ويقول المؤرخون إن العرب أصبحوا يقدسون هذه الأصنام الثلاثة ويحجون إليها ويذبحون عندها القرابين كلما حجوا إلى مكة في موسم الحج السنوي. وعندما نزل القرآن على النبي انتقد تلك الأصنام الثلاثة فقال {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 19-23].

وكما طرأ التحريف لدى العرب على العقيدة، فقد غيروا أيضا في شرائعهم، فيقال إن ابن لحي فتح الباب أيضا لوضع تشريعات جديدة في الأنعام (ذبح الحيوانات) وغيرها، فأصبح العرب يحرّمون على  أنفسهم أنواعا من الجمال والغنم دون أي مبرر أو اقتباس من مصدر آخر، والعجيب أن التشريع الجديد انتشر بين القبائل وكأنه دين موحى به من السماء. ويرى ابن كثير أن القرآن ذكر ابن لحي في سورة الأنعام بقوله {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا…} [الأنعام: 136] إلى آخر الآيات.

وقبل أن يُبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس برسالة التوحيد من داخل قبيلته قريش، كانت قريش قد نجحت في بسط سيادتها المعنوية على كافة القبائل في شبه الجزيرة العربية بحكم سيطرتها على البيت في مكة، فقد جمعت لنفسها الرئاسة الدينية والدنيوية وميّزت نفسها في شعائر الحج وتفاصيل شرعية أخرى مما كان قد بقي من شريعة جدهم إسماعيل، فبينما كانت قبائل العرب تقف في جبل عرفة تركت قريش الوقوف هناك والإفاضة، وكان سادتها يقولون نحن أهل الحرم فلا ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس، حيث لقبوا أنفسهم بالحمس (جمع أحمس) لتحمسهم في دينهم.

رسم لمكة يعود إلى عام 1790

وابتدعوا أمورا أخرى مثل قولهم لا ينبغي للحمس أن يأتقطوا الأقط (أي يتخذوا الأقط وهو لبن مجفف)، ولا يسلئوا السمن (أي يطبخوه) وهم حرُم، ولا يدخلوا بيتاً من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيود الأدم ما كانوا حرماً، وغير ذلك من الأحكام المُخترعة التي شددوا فيها على أنفسهم من باب الحماسة، ويبدو أنهم فعلوا ذلك ليثبتوا للعرب أنهم أولى بالزعامة كما يفعل الرهبان في أديان أخرى بانقطاعهم عن الزواج وملذات الحياة مقابل تقديس الناس لهم، وقد دانت العرب لقريش بالفعل وجعلتهم أشرف القبائل، فتركت قريش الغزو واشتغلت بالتجارة ووضعت شروطا لكل من يريد الزواج بإحدى بناتهن.

وعندما نزل الوحي على أحد أبناء قريش، وأمرهم بالتساوي مع بقية شعوب الأرض رفضوا دعوته بشدة، مع اعترافهم بأنه كان معروفا بينهم بالصدق والأمانة ولم يجربوا عليه الكذب، إلا أن معظم قادتهم وجدوا في دعوته انتزاعا للسلطة التي منحوها لأنفسهم.

وبعد سنوات طويلة من الصراع الشاق، تمكن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من تبليغ دعوة التوحيد وإنهاء وجود الوثنية في أرض العرب وفي مناطق أخرى واسعة من العالم، وتؤكد الموسوعات التاريخية الحديثة أن انتشار الإسلام كان أسرع انتشار لأي حضارة عرفها التاريخ حتى اليوم.

فيديو يوضح كيفية انتشار الأديان ويثبت أن الإسلام كان الأسرع انتشارا في التاريخ

ويؤكد القرآن أنه جاء ليجدد الرسالة نفسها التي بُعث بها كل الأنبياء لمقاومة الوثنية والانحراف عن التوحيد، وأن دين الإسلام نفسه هو دين واحد منذ بدء البشرية وليس دينا خاصا بمحمد وأمته، حيث قال نوح لقومه {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس:72]، كما وصف القرآن إبراهيم بقوله {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران:67]، وكان الإسلام هو الدين الذي أقر به أبناء يعقوب الذين يُعتبرون أجداد بني إسرائيل، حيث تقول الآية {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:133]، وهذا ما أقره موسى أيضا في خطابه لبني إسرائيل: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس:84]، كما قال سليمان في رسالته لملكة سبأ {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:30-31]، وقد أقر بذلك أيضا أتباع عيسى قبل تحريف رسالته عندما سألهم من أنصاري من الله؟ فقال الحواريون {نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:52].

الكعبة في المسجد الحرام بمكة المكرمة

خلاصة
بعد هذه الجولة الموجزة في تاريخ تطور الأديان الوثنية، سنوجز في النقاط الآتية أهم الخلاصات التي يمكن استنتاجها والانطلاق منها إلى دراسة الأديان اللاحقة:

1- تنطلق الأبحاث الإنثروبولوجية اللادينية -كما أسلفنا في بداية المقال- من منطلق إلحادي/لاديني مسبق، وهذا يعني بطبيعة الحال افتراض أن أي تشابه بين النصوص الدينية وبين الأساطير والسحر يعني أن الأولى مقتبسة من الثانية، وذلك لاعتقاد الباحثين مسبقا بأنه لا وجود لمصدر إلهي للوحي أصلا.

لذا يجتهد الباحثون في محاولة إثبات اقتباس التوراة والإنجيل (بالنسخ المتبقية اليوم) والقرآن من الأساطير السابقة، ويفترض بعضهم أن وجود أي شبه بين شعائر الصيام والصلاة والحج الإسلامية اليوم وبين مثيلتها في بلاد الرافدين ومصر الفرعونية هو دليل على “وثنية” الإسلام.

وهذا الافتراض يتضمن مغالطة منطقية، فتلازم أمرين لا يعني بالضرورة نشوء أحدهما عن الآخر. وفي حال ثبوت تأثر أي منهما بالآخر فإن الافتراض اللاديني يتخذ مسبقا قراره بالانطلاق باتجاه واحد ويشترط عدم صحة الاتجاه الآخر، فما الذي يمنع أصلا أن يكون الإسلام هو دين الأنبياء جميعًا، بدءًا من آدم أول البشر، وأن الوثنية العراقية والمصرية وغيرهما هي التي اقتبست وحرّفت وليس العكس؟

برستد

2- يضاف إلى الخلل في وضع الفرضيات أن بعض الأدلة التي يطرحها اللادينيون تفتقر إلى الصحة أصلا، حيث يزعم البعض -مثل المؤرخ جيمس هنري برستد في كتابه “فجر الضمير”- أن “الظاهرة الدينية” بدأت بأساطير قائمة على تعدد الآلهة، وأن أخناتون المصري هو أول من ابتكر مفهوم الإله الواحد ثم ترك أثره على الأديان التوحيدية (اليهودية والمسيحية والإسلام)، لكن هذه المقولة التي راجت طويلا في القرن العشرين ثبت تهافتها أخيراً كما يقول جون ولسن في كتابه “الحضارة المصرية”، فالتوحيد كان معروفاً وقديماً في العراق ومصر والشام قبل ظهور مفهوم “مجمع الآلهة” لدى السومريين ومن جاء بعدهم.

وفي حين يزعم البعض أن “الكتاب المقدس” اقتبس من الميثولوجيا اليونانية والمصرية قصتي إخفاء المسيح من الإمبراطور الروماني وإخفاء موسى من فرعون في تابوت وإلقائه بالنيل، يتبين لنا أن هزيود الذي ابتكر هذه الأسطورة في اليونان عاش بعد قصة موسى وأنه هو الذي اقتبس منها، وكذلك الحال في قصة أوزيريس وإيزيس التي ظهرت بعد ذلك، وسنستعرض المزيد من هذه الاقتباسات في مقالي اليهودية والمسيحية.

ملاحظة السميط في أفريقيا
للتحقق من آلية هذا التحريف للوحي، نجد مثالا معاصرا ما زال حاضرا أمام أعيننا في جزيرة مدغشقر المنعزلة بالمحيط الهندي، حيث قال الداعية الكويتي والعامل في مجال الإغاثة د. عبد الرحمن السميط إنه سمع أثناء وجوده هناك عن قرية نائية تدعى مكة وتقيم فيها قبيلة تسمى الأنتيمور، وإن الوصول إليها يتطلب الخوض في مستنقعات من الماء الراكد والروث لأربع ساعات، وعندما بلغها وتحاور مع أهلها أخبروه أنهم جاؤوا من مدينة في الشمال تدعى “جدا” وهي جدة في السعودية، وأنها قريبة من بلدة طيبة تدعى “مكا” أي مكة، كما قالوا إنه كان فيها جار طيب اسمه محمد، ومع أنهم لا يعرفون أنه نبي إلا أنهم يقرون بمحبته، وهم يوقرون أيضا أسماء رجال صالحين يعتقدون أنهم كانوا من أجدادهم، ومنهم “راماكاري” أي المبجل أبو بكر، و”راماأهي” أي المبجل عمر، و”راأوسماني” أي المبجل عثمان، أما أمهم فاسمها “رامونا” أي المبجلة آمنة، وهي والدة النبي محمد.

السميط

وعندما سألهم السميط عن دينهم قالوا إنهم “مسلمون بروتستانت”، وأضافوا أن أجدادهم أخبروهم قبل مئات السنين أنهم مسلمون إلا أنهم فقدوا طريقة التعبد لأن معظمهم لا يعرفون القراءة والكتابة، فجاءتهم بعثة تبشيرية من البروتستانت وأقنعتهم بأنها ستعلمهم الإسلام، وهكذا شيدت لهم كنيسة وأعطتهم نسخا من الإنجيل زاعمة أن هذا هو دين أجدادهم المندثر، فاختلطت لديهم تعاليم الأجداد بما جاءهم به المبشرون، ومع أنهم مازالوا يعظمون يوم الجمعة ويصرون على الذبح الحلال ويحرّمون على أنفسهم لحم الخنزير إلا أنهم باتوا يقدسون الكنيسة والإنجيل.

ومن المفارقات أن السميط وجد لديهم كتابا مقدسا يطلقون عليه اسم السورابي، أي الكتاب الكبير، وفيه بعض سور القرآن بالخط العربي، إلا أنها مشوبة بكثير من الأخطاء والتحريف، وإلى جانبها طلاسم سحرية وتوسلات بالموتى.

وحسب دراسة السميط، فقد بدأت هجرة هذه القبيلة من سواحل جدة قبل 1200 سنة، أي بعد نحو مئتي سنة فقط من بعثة النبي محمد، واستمرت دفعات المهاجرين بالوصول ستمئة سنة، ثم انعزلوا عن العالم ستة قرون، مُكتفين بما لديهم من خيرات الأرض والبحر، وليس لديهم سوى رجال الدين والسحرة الذين يحتكرون لأنفسهم القراءة والكتابة وأسرار الدين، وقد تمكن هؤلاء الكهنة من تحريف دينهم ودمج النصوص الأصلية للوحي القرآني بالأساطير والطلاسم، وبما أن عامة الناس كانوا أميين فقد نجح التحريف وضاعت الحقيقة خلال بضع قرون، ونتج دين وثني جديد يخلط بين الوحي والخرافة والسحر.
[المصدر: حوار مع الشيخ عبد الرحمن السميط في برنامج بلا حدود على قناة الجزيرة: http://goo.gl/cbIIaL]

3- علاوة على مغالطة الانطلاق من منطلق لاديني مسبق، ووضع الافتراضات الممنهجة والمؤدلجة، فإن المنهج اللاديني نفسه قائم منذ نشوئه في القرن الثامن عشر على الفلسفة المادية التي تفترض أن الوجود محصور في عالم الشهود (المادة والطاقة) أصلا، وأن عالم الغيب ليس موجوداً. فالمشكلة لا تقتصر على أن أدوات “العلم الحديث” لا تستطيع التحقق من وجود الغيب بل يفترض العقل المادي مسبقاً أن هذا العالم لا وجود له من البداية، لذا فإن أكثر العلماء انفتاحاً وتقبلاً للرأي الآخر يكتفون بالقول إن وجود الإله والملائكة والجن والوحي هي مقولات “غير علمية” وإن كونهم علماء يدفعهم إلى عدم الخوض في هذه المقولات الخارجة عن تخصصه، ولو أنهم وقفوا عند هذا الحد لكان موقفهم سليماً، لكن معظمهم يتجاوزون هذا الحد ويقدمون تفسيراً “علمياً” للكون والتاريخ والدين من داخل فلسفتهم المادية، ويعتبرون أن أي مقولة تعارض هذه التفسيرات المليئة بالتفاصيل الخيالية (الافتراضية) هي مقولة غير علمية، وبما أنها “غير علمية” فهي تعني في العرف العام والمقررات التعليمية ووسائل الإعلام أنها “غير صحيحة”.

لذا يصرح العلماء بأنهم مضطرون لاعتماد نظرية تطور الإنسان عن كائن شبيه بالقرد، بالرغم من افتقارها لأي دليل علمي [كما يوثق الفيلم الوثائقي مطرودون Expelled]، لأنها التفسير “العلمي” الوحيد الذي يتناسب مع فلسفتهم المادية، ولا بديل عنها سوى الإيمان بوجود عالم الغيب، مع أن وجود هذا العالم لا يتعارض مع وجود المادة ولا مع جدوى العلم المادي ونزاهته. ويتبع اعتمادهم لنظرية التطور وضع افتراضات لا نهاية لها عن نشأة الدين وتطوره، وهي جميعا سيناريوهات متخيلة لا يدعمها دليل.

على سبيل المثال، لا يملك العلماء المعاصرون أدلة علمية تكشف لهم حقيقة نشوء الدين فيما قبل التاريخ سوى آثار التماثيل الصغيرة وبقايا المعابد، وبما أن الإنسان في ذلك العصر لم يترك تاريخاً مدوناً، يلجأ علماء التاريخ والإنثروبولوجيا إلى الخيال لوضع نظريات “علمية”، تتحول لاحقاً إلى ما يشبه الحقائق والمسلّمات، حول دوافع إنشاء المعابد وتشكيل التماثيل وما قامت عليه من أسس تتعلق بدورات الخصب الزراعي وما دار حولها من طقوس، ثم يدعمون هذه الفرضيات بما تركه اللاحقون من أساطير مدونة بعد ظهور الكتابة، وقد لا يترك لنا مؤرخو تلك المراحل سوى مدونة واحدة، مثل ملحمة جلجامش، فيعتمدها العلماء بمثابة الدليل العلمي الوحيد لأديان وعقائد ذلك العصر، مع أننا نشاهد في عصرنا الحديث روايات متعددة للأفكار والمعتقدات والأحداث بالرغم من الانفتاح العالمي وسهولة الاتصال، فلا يمكن الجزم بأن رواية واحدة يكتبها مؤرخ أو كاهن مؤدلج هي الممثل الوحيد لما آمن به الناس في عصر ما.

واللافت أن العلماء الماديين يعتمدون أي نص منقوش على الطين والحجر أو مخطوطة مدونة على الجلد، ليكون بمثابة دليل علمي يؤرخ لتاريخ الأحداث وتطور الفكر والدين، إلا أنهم يعتبرون أن الكتاب المقدس (التوراة والزبور والإنجيل) لا يحظى بالمصداقية الكافية ليعتبر مصدرا تاريخيا موثوقا، ولا مشكلة في الشق الثاني من هذه المقولة لأن التحقيق العلمي يكشف عن أخطاء وتناقضات فادحة في الكتاب المقدس، لكن هذا يؤدي إلى التشكيك أيضاً في مصداقية النصوص الأخرى الأكثر قدماً، فإذا كان واضعو الكتاب المقدس قد حرفوا التاريخ لمصالحهم الدينية فيجدر أيضاً بمؤرخي العراق والشام ومصر القدماء أن يفعلوا ذلك. لكن المذهب المادي الذي انبثق عنه المنهج العلمي يدفع العلماء إلى السير في اتجاه واحد والحكم على الكتاب المقدس من خلال النصوص الطينية وليس العكس، وكأن تلك النصوص التي يؤسس عليها علم الآثار هي المرجعية “العلمية” الوحيدة التي يجب الرجوع إليها في كل الحقائق!

في عام 2014 تناقلت وسائل إعلام عدة نبأ اكتشاف نسخة قديمة لقصة آدم وحواء على يد عالمين هولنديين، وقيل إنهما فككا رموزا باللغة الأوغاريتية للوحين طينين عُثر عليهما في سوريا ويعودان إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، حيث يذكران أن الإله الأعلى في الميثولوجيا الكنعانية إيل كان في صراع مع الإله الشرير حورون (إبليس)، وعندما عُوقب حورون بالطرد من الجبل سمَّم “شجرة الحياة”، فأرسل إيل إلى الأرض إلهاً آخر يدعى آدم ليضع حداً لتمرد حورون، فحوَّل حورون نفسه إلى ثعبان ولدغ آدم، فخسر الأخير طبيعته الخالدة. ولكي يسليه إيل أمر إلهة الشمس (حواء) بالنزول إليه والتزاوج معه.

احتفت المواقع الإلحادية بهذه القصة كثيراً، واعتبرت أنها كشف “علمي” يؤكد أسبقية هذه الأسطورة على القصة الواردة في الكتاب المقدس والقرآن الكريم، وأجمعت تلك المواقع أن القرآن ينقل القصة نفسها عن التوراة، وهي معلومة مغلوطة شائعة، فالقرآن لا يتهم حواء بإغواء آدم ليأكل تفاحة، ولا يجعل نزول آدم وحواء من الجنة عقاباً على خطيئة، بل أكل كلاهما من الشجرة المحرمة (وليست شجرة تفاح) بعد أن أغواهما إبليس معاً، وتاب الله على آدم عندما ندم، وأنزله إلى الأرض بعد ندمه وليس عقاباً له.

وإذا كانت هذه القصة قد وردت في نص طيني أسطوري قبل التوراة بثمانمئة عام فهذا لا يعني منطقياً أن التوراة والإنجيل والقرآن قد أخذا عنها، إلا إذا انطلقنا مسبقاً من مسلّمات الفلسفة المادية التي تنكر وجود إله غيبي يوحي إلى الأنبياء كلهم وحياً واحداً ويتم تحريفه بالأساطير مراراً قبل أن يعاود الأنبياء تصحيحه جيلاً بعد جيل. وهذا موقف فلسفي لاديني ولا علاقة له بالعلم المجرد.

4- إذا كان العلماء قد اتخذوا موقفا مسبقا واعتمدوا النقوش الطينية مصدرا للتاريخ بدلا من الكتاب المقدس بعد ثبوت تهافته، فإنهم لم يلتفتوا أصلا إلى القرآن الكريم، ولم يعتبروه مصدراً للتاريخ والمقارنة ولا حتى الأساطير، فالأوساط العلمية الغربية تتجاهل هذا الكتاب وتترك أمر دراسته للدراسات الاستشراقية التي نشأت أصلا في رعاية الإدارات السياسية الاستعمارية ولتحقيق مصالحها، والباحثون اللاحقون والمعاصرون ما زالوا ينهلون من المناهج والأفكار المسبقة التي وضعها رواد الاستشراق المؤدلجون [للمزيد: ينصح بالاطلاع على كتاب “الاستشراق: قراءة نقدية” للمؤلف صلاح الجابري]، ويتابعهم في ذلك الباحثون والمؤرخون العرب أنفسهم بحكم التبعية الحضارية للغرب، وهذه المواقف تضع مصداقية مناهج علوم الآثار والإنثروبولوجيا ومقارنة الأديان والتاريخ كلها على المحك.

5- في مقابل الرواية اللادينية التي يعتبر العلماء أنها الوحيدة المتوافقة مع “العلم”، ومن ثم تُقدم للطلاب في المدارس والجامعات على أنها الوحيدة الصحيحة، ثمة رواية أخرى يقدمها الوحي، ويتوقف الحكم بصحتها أولاً على التجرد من مسلمات الفلسفة المادية، والتسليم مبدئياً بأن الرواية التي يبنيها العلماء على افتراضات هي مجرد احتمال يقبل التكذيب (كما تؤكد فلسفة العلم الحديثة التي وضعها كارل بوبر).

وبناء على القصة المذكورة أعلاه للدكتور السميط في أفريقيا، يمكن القول إن التحقق من الرواية الأخرى يتوافق مع المنهج العلمي المجرد، لكن البدء بهذا التحقق يشترط أولاً الاعتراف بوجود الإله الذي أثبتنا وجوده يقيناً في مقال “وجود الله“، ومن ثم الاعتراف بإمكانية اتصاله بالبشر منذ بدء خلقهم عن طريق الأنبياء، وبإمكانية إنزاله وحياً يوضح لهم قصة الخلق الحقيقية، ويبيّن لهم طريق العبادة الصحيحة للتقرب إليه وكسب رضاه والنجاح في الابتلاء الذي خلقوا لأجله.

وإذا كان علماء الغرب اليوم يقرون بعدم مصداقية النسخ المتوفرة اليوم للكتاب المقدس، فمن المقبول علميا إذن أن نصدق بأن كل الكتب السماوية السابقة قد تعرضت للتحريف الذي كان الدكتور السميط شاهداً عليه، فالوحي كان يتنزل ويتلى على ألسنة الأنبياء ويُقدم في سلوكهم العملي، إلا أنه كان يُحارب دائما من قبل السلطات والمتنفذين وكهنة المعابد، كي يحتفظوا بسلطتهم وبالنظام الاجتماعي الطبقي الاستغلالي الذي أقاموه على أديانهم المحرفة، والذي مزجوا فيه النعرات القبلية وتبجيل الأوطان بقداسة الملوك والكهنوت، فصارت أي محاولة لإعادة تصحيح المسار بمثابة التمرد وإعلان العصيان لتخريب المجتمع وزعزعة الاستقرار، وسيتبين لنا في مقالات أخرى أنه من السذاجة الاعتقاد بأن واضعي القصص الأسطورية كانوا مجرد باحثين أبرياء عن تفسيرات غيبية لظواهر طبيعية غامضة، وهو الافتراض الذي تبتدئ به كل نظريات علوم الآثار والإنثروبولوجيا الحديثة.

وعندما نتابع مسيرنا مرورا بمحطتي اليهودية والمسيحية، ويتبين لنا أن الكتب المقدسة لدى هاتين الديانتين قد تعرضت للفقد والتحريف والتبديل، فلن يتبقى للرواية الأخرى (المفترضة حتى الآن) سوى التحقق من صحة القرآن نفسه، وهو ما سندرسه بالتفصيل في النهاية إن شاء الله.


أهم المراجع
ﺟﻔﺮي ﺑﺎرﻧﺪر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ﺗﺮﺟﻤﺔ ﻋﺒﺪ اﻟﻐﻔﺎر ﻣﻜﺎوي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 1993.

فراس سواح، الرحمن والشيطان، دار علاء الدين، دمشق، 2000.

فراس سواح، دين الإنسان، دار علاء الدين، دمشق، 1998.

فراس سواح، مغامرة العقل الأولى، دار علاء الدين، دمشق، 2002.

فراس سواح، مقال “معتقدات الشرق القديم: وثنية أم توحيد؟”، موقع معابر.

جون كيرتشر، كيف وُجدت الآلهة، ترجمة إبراهيم جركس، 1929، نسخة إلكترونية.

عبد المعطي شعراوي، أساطير إغريقية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1982.

خزعل الماجدي، كشف الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد، المركز الثقافي العربي، 2014.

هدى درويش، نبي الله إدريس بين المصرية القديمة واليهودية والإسلام، دار السلام، القاهرة، 2009.

بهاء الأمير، شفرة سورة الإسراء، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2016.

ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق عمر تدمري، دار الكتاب العربي، 1997.

كتب تفسير القرآن الكريم الكبرى، مثل تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير والبغوي.

موقع الباحث آرثر كوستانس: http://www.custance.org

حوار مع الشيخ عبد الرحمن السميط في برنامج بلا حدود على قناة الجزيرة: http://goo.gl/cbIIaL

Manly P. Hall, THE SECRET TEACHINGS OF ALL AGES, H.S. CROCKER COMPANY INCORPORATED, SAN FRANCISCO, 1928.

Wallis Budge, Osiris and the Egyptian Resurrection, Dover, New York, 1973.

Andrew Lange, The Making of Religion, Longmans Green, New York, 1909.

Arthur C. Custance, The Doorway Papers Series.

Stephen Langdon, Semitic Mythology, 1931.

Wilhelm Schmidt, The Origin And Growth of Religion: Facts and Theories, 1930.

العلمانية

أحمد الطعان وأحمد دعدوش


تتفاوت آراء المنظّرين بشأن تعريف العلمانية تفاوتا كبيرا، ويرجع ذلك في الغالب لزاوية النظر والمعالجة، وفيما يلي ثلاثة تعريفات للعلمانية في أهم الموسوعات الغربية:

معجم أكسفورد: كلمة secular تعني دنيوي أو مادي، أي ليس دينياً ولا روحياً، مثل التربية اللادينية والفن والتربية الموسيقى اللادينية والسلطة اللادينية، والحكومة المناهضة للكنيسة.

دائرة المعارف الأمريكية: العلمانية نظام أخلاقي مستقل مؤسس على مبادئ من الخلق الطبيعي، مستقل عن المظهر الديني أو الفوق طبيعي.

دائرة معارف الدين والأخلاق: العلمانية توصف بأنها حركة ذات قصد أخلاقي منكر للدين، مع المقدمات السياسية والفلسفية، فهي مؤسسة بقصد إعطاء نظرية معينة للسلوك والحياة، وهي تتبع في ذلك المذهب الوضعي الأخلاقي، منذ أن تكفلت بأن تعمل هذه دون الرجوع إلى الألوهية أو الحياة الآخرة، ولهذا فقد كان مطلبها هو تتميم وظيفة الدين خالية من الاتحاد الديني، ولذلك فإنه يجدر بها أن تكون ديناً إنكارياً سلبياً.

إذن فالعلمانية في المنظور الغربي تعني التحرر من الأديان بحكم التطور عبر “السيرورة” التاريخية، واعتبار الأديان مرحلة بدائية لأنها تشتمل على عناصر “خرافية” كالماورائيات والغيبيات، ولا يتم الخلاص من هذه الأعباء إلا عن طريق تحقيق النضج العقلي الذي تحققه العلمنة عبر آلياتها الثقافية والفكرية والإعلامية.

كثيرا ما يحصل اللبس عند القراء العرب، فيلفظون العلمانية بكسر العين بدلا من فتحها، ويعتقدون أنها مشتقة من العِلم، والصحيح أنها مشتقة من العالَم أي الدنيا في مقابل الغيب وكل ما يتعلق بالملكوت. لذا فالكلمة ليست إلا اشتقاقا خاطئا درج على ألسن العرب وصار مصطلحا لازما، وكان يجب أن يقال بدلا منها العالَمانية أو الدنيوية.

 

تعليقات ابن رشد على كتاب “في الروح” لأرسطو مترجمة للفرنسية

إرهاصات الظهور في أوربا

درج بعض الباحثين على ربط تبلور العلمانية بصفته تيارا فكريا بعصر النهضة الذي يؤرخ لبدايته عادة مع فتح القسطنطينية في عهد السلطان محمد الفاتح سنة 1453م، كما درجوا عادة على القول بأن مساوئ الكنيسة واضطهادها وتاريخها الأسود هي التي أنتجت العلمانية. لكن بدايات الصراع بين الفكر والكنيسة يمكن أن تُعد من آثار ترجمة فلسفة ابن رشد إلى اللغة اللاتينية منذ بدء احتكاك الأوربيين بالمسلمين عقب الحروب الصليبية، كما كان لليهود الذين تغلغلوا في الحركات السرية دور كبير في تأصيل العلمانية.

كان ميشيل سكوت أول من أدخل فكر ابن رشد إلى أوربا في القرن الثالث عشر. ومن المعروف أن ابن رشد تبنى مذهب أرسطو وانبهر به حتى كاد أن يفضّل أرسطو على الأنبياء حين قال “نحمد حمداً لا حد له ذاك الذي اختار هذا الرجل (أرسطو) للكمال فوضعه في أعلى درجات الفضل البشري التي لم يستطع أن يبلغها أي رجل في أي عصر كان”.

تزامن انتقال الفكر الرشدي إلى الغرب مع عاملين: الأول هو الفتح الثقافي الإسلامي والعربي للبلاد الأوروبية، ولم يكن ابن رشد وحده هو الذي يحتل الساحة الثقافية الأوربية بل أعلام كثر. أما الثاني فهو حالة العداء الشديدة التي تزعمتها الكنيسة لكل ما هو عربي وإسلامي إبان الحروب الصليـبية، لذا حاربت الكنيسة الفكر الرشدي وترجمت كتاب “تهافت التهافت” ترجمة محشوة بالتحريف والتناقض والافتراء، ومع أن ابن رشد كان يتبع أرسطو مثل الكنيسة، إلا أن الكنيسة حاربته لكونه مسلما في الأصل.

شعار جامعة بادوفا

وهكذا نشأت حركة تعاطف مع الحضارة الغازية من جانب الراغبين في التحرر من الاحتكار الكنسي للعلم والثقافة، فالكنيسة اضطهدت الفكر الرشدي واعتبرته إلحاديا، بينما رحب المتمردون بهذه الصورة التي رُسمت لابن رشد وفكره واستُخدمت كسلاح مضاد للكنيسة.

احتلت “الرشدية” مقام السيادة في الجامعات الغربية الكبرى مثل جامعة بادوفا في إيطاليا التي أصبحت معقل الرشديين، ثم وجدت لها صدى في الجامعة الباريسية، وصارت الرشدية معياراً  للثقافة والتحضر والرقي.

 

الحقيقة المزدوجة

في أوائل القرن السادس عشر أصبحت الرشدية تسيطر على جميع إيطاليا تقريباً، وأدى ظهور المطبعة في القرن الخامس عشر إلى انتشار الأفكار المناهضة للكنيسة والعقائد الشائعة، كما استطاع الأفراد أن يمتلكوا نسخاً من الكتاب المقدس ويقرؤوه بأنفسهم. وبدأت الكنيسة تفقد سلطانها على العقول والأفكار.

وهنا نشأت الحقيقة المـزدوجة أو الحقيقة ذات الوجهين، وهي تعني أنه يمكن للشيء أن يكون صادقاً فلسفياً وخاطئاً لاهوتياً أو العكس، وبذلك يصبح الفيلسوف حراً في المجاهرة بآرائه ونتائجه في مجال الفلسفة بحجة أنه فيلسوف حتى لو كانت مخالفة للدين.

فرنسيس بيكون

ثم ظهر في بريطانيا فرنسيس بيكون 1561– 1626م كمدافع عن نظرية الحقيقة المزدوجة، وهي تعني عنده أن ما يثبت بالعقل لا علاقة للإيمان به، وبالنتيجة ساد الاعتقاد بأن الكتاب المقدس شيء، وكتاب الطبيعة شيء آخر.

ولم يكن الفلكي الإيطالي غاليليو 1564– 1642م بعيداً عن هذه النظرية، كما استمات الفيلسوف باروخ سبينوزا 1632- 1677م في الدفاع عنها متدثرا بغطاء دينه اليهودي.

وبالرغم من التناقض الظاهر في هذه النظرية، فقد أصبحت وسيلة للتمويه لدى الكثيرين حتى في العصر الحديث، وكان طه حسين من أوائل العرب الذين تبنوها عندما نشر كتابه “في الشعر الجاهلي”، حيث شكك في وجود بعض الأنبياء مع اعترافه في الوقت نفسه بأنه مقر بكل ما جاء في القرآن الكريم.

 

ثورة العقل الأوربي

بدأت ثقة الناس تتزعزع في الكنيسة عندما وجه الفيلسوف الإيطالي مكيافلي 1469– 1527م انتقادات فاضحة إلى رجالها الذين يحيون حياة الرذيلة في حين يدعون الناس إلى الزهد والتقشف، ثم تفاقمت نزعة التمرد على يد فريدريك نيتشه 1844– 1900م الفيلسوف الألماني اليهودي الذي نادى بالقضاء على الملايين من الضعفاء والفقراء لأنه يؤمن بالبطل وبالإنسان الأعلى الذي يجب أن يستعيض بالقوة عن الأخلاق، مستبطنا عقيدة الشعب اليهودي المختار.

مارتن لوثر

تزامنت المبادئ المكيافلية مع ثورة القس مارتن لوثر 1483– 1546م في ألمانيا عام 1518م داخل الكنيسة للإصلاح الديني، فقد جعل لوثر الفرد حراً في قراءة الكتاب المقدس وحراً في تفسيره، وألغى وساطة الكهنـة والأسرار المقدسة التي تحتفظ بها الكنيسة، وجعل الصلة مباشرة بين الله والإنسان الفرد، فتأسس على يديه مذهب البروتستانتية.

ورحبت الطبقة المتوسطة بالبروتستانتية لأنها رأت فيها منفذاً يتيح لها ممارسة الحياة بحرية، وأصبح الكثيرون لا يذكرون الدين إلا يوم الأحد وينهمكون بقية الأسبوع في الحياة الدنيوية.

في هذه المرحلة كان الفلكي كوبرنيكوس 1473– 1543م متردداً في طرح نظريته الجديدة لأنها تهدم نظام الفلك الأرسطي الذي تتبناه الكنيسة، فبدلاً من النظرة التي كانت تعتبر الأرض مهد المسيح وقلب الكون جعلت النظرة الجديدة الشمس مركزاً والأرض مجرد كوكب يدور حولها، فرفض زعيما البروتستانتية مارتن لوثر وكالفن 1509– 1564م هذه النظرية.

جيوردانو برونو

تبنى الإيطالي جيوردانو برونو 1548– 1600م نظرية الفلك الكوبرنيكي ووضع نظريته في “الكون اللامتناهي”، وقال إن الإله هو روح الكون، وإن الإله والطبيعة الجوهرية شيء واحد، وهذه فلسفة قديمة تسمى “وحدة الوجود” تؤمن بأن الإله يتحد مع الكون، فحكمت عليه الكنيسة بالإعدام حرقا، ويعتبره أتباع الجمعيات السرية اليوم (المتنورون أو الإلوميناتي) من رموزهم و”شهدائهم”.

ثم خرج جوليو سيزار فانيني 1585– 1619م بهرطقاته الإلحادية ونفى وجود الإله لكي لا ينسب إليه الشر، فقُبض عليه وأعدم حرقاً في مدينة تولوز بفرنسا. وفي أسكتلندا أنكر جون الأسكتلندي التثليث وألوهية المسيح، وقيل له ذات يوم ألا تذهب إلى الكنيسة؟ فقال ليذهب الإله إلى حبل المشنقة، فذهب هو إلى حبل المشنقة.

وقد قدّر سكرتير التفتيش في إسبانيا لورنتي عدد الضحايا الذين تم إحراقهم بحكم الكنيسة ما بين عامي 1790 و1792م بنحو ثلاثين ألف شخص، مما زاد من كراهية الناس للكنيسة وللأديان جميعا.

 

تمثال كوبرنيكوس

الحتمية الفلكية الميكانيكية

في النصف الثاني من القرن السادس عشر، بدأت نظرة الإنسان الغربي إلى الكون بالتغير مع شيوع نظرية كوبرنيكوس، فاعتنقها كبلر وغاليليو، ثم أيد الأخير الانفصال التام بين العلم والإيمان، وأنجز الإنجليزي إسحاق نيوتن انتصارات علمية كبيرة بتقديم قانون الجاذبية وقوانين الحركة.

وترافقت هذه النظريات مع اكتشافات علمية كبرى، فاكتشف ليفنهوك 1632– 1723م الكائنات العضوية أحادية الخلية والبكتيريا والحيوانات المنوية، واخُترع الميكروسكوب المركب والتلسكوب، كما اخترع غاليليو الترمومتر، وقدّم تلميذه تورشيلي البارومتر، ثم ظهرت مضخة الهواء والقوة المغنطيسية، وأعلن هارفي اكتشاف الدورة الدموية مع أن ابن النفيس كان قد سبقه إليها.

أدى كل ذلك إلى تغير نظرة الإنسان للكون، وسيطرت النظرة الآلية الميكانيكية على العلماء والفلاسفة حتى أصبح الكون يُشبّه بالساعة، وهكذا تحول الإله في نظر الفلاسفة والعلماء إلى ساعاتي رفيع المقام، بل تخيلوه إلها ساكنا غائبا عن العمل، لأن قوانين الطبيعة والكون أصبحت حتمية فلم يعد للإله دور حسب فهمهم، لكنهم أبقوا مع ذلك على دور الإله الخالق في تكوين الكون بالبداية.

وسيطرت هذه النظرة الآلية لمدة قرنين من الزمن على الفكر الأوربي وسميت بمبدأ الحتمية، وظل النزاع بين الحتمية واللاحتمية قائما حتى ظهرت فيزياء الكم ونظرية هايزنبرغ (اللايقين) في القرن العشرين، حيث سقط مبدأ الحتمية واستعاد الإنسان تواضعه، وأعيد الاعتبار للإيمان بالخالق المُسيّر والمدبر للكون [انظر مقال مصادر المعرفة].

 

التدرج نحو الإلحاد

يُعتبر فرنسيس بيكون من أبرز الفلاسفة الذين نادوا باعتماد المنهج التجريبي بدلا من المنهج النظري الفلسفي، علما بأنه أخذ معظم مبادئ المنهج من المسلمين في الأندلس ومن كتابات الحسن بن الهيثم. وكان يرى أن الحركة الطبيعية للذرة هي حقاً أقدم قوة في الوجود، وأنه لا يمكن أن تكون لهذه المادة الأولية وقوتها وفعلها أي علة طبيعية فما من شيء يسبق المادة نفسها وكأنها غير محتاجة للإله.

توماس هوبز

أما توماس هوبز 1588– 1679م فرأى أن جوهر الدين لا يقوم على الحقائق، وإنما على خوف الفرد من القوة المجهولة أو خوفه من الموت.

ثم جاء الإنجليزي جون لوك 1632– 1704م وقال إنه لم تبق حاجة للوحي طالما أن الإله أعطـانا وسائـل حسية أكثر يقينـاً لنتـوصل بهـا إلى المعرفة، أما ديفيد هيوم 1711– 1776م فتبنى نزعة الشك على طريقة بعض قدماء الإغريق، وكاد أن يوقع العقل الأوربي في دوامة رهيبة من الشك في كل شيء.

وإلى جانب التجريبيين كان هناك عدد من الفلاسفة العقلانيين، وعلى رأسهم الفرنسي رينيه ديكارت الذي استخدم الشك ليصل به إلى اليقين، ومع ذلك كان إيمانه قاصرا ويشبه إيمان أتباع النظرة الآلية كما يقول بعض الباحثين.

ثم جاء بعده ليبنتز 1646– 1716م وقال إن الوجود مكون من شيء خيالي اسمه “المونادات” وهي خالدة، ما يعني أن العالـم لانهـائي، لكنه كان يؤمن بوجود الخالق.

وتولد من الصراع بين الفلكيين والتجريبيين والعقلانيين ظهور “الدين الربوبي” أو “الدين الطبيعي”، ويسمى أتباعه بالربوبيين، وهم يؤمنون بالله عز وجل، ويرفضون النبوة والوحي والكنيسة. وازدهرت في القرن الثامن عشر بلندن “جمعية البحث الحر المخلص” التي كان معظم أعضائها من المؤمنين بالدين الطبيعي.

فولتير

وفي فرنسا كان دنيس ديدرو وفولتير وجان جاك روسو من أنصار هذه النزعة، مع إيمانهم بوجود إله. وظهر بعدهم الإنجليزي جون ستيوارت مل 1806– 1873م الذي شكك في وجود الإله، ثم انضم إليه الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس 1842– 1910م الذي اعترف مبدئياً بأن مصدر مذهبه في الألوهية ليس النظام في الكون والاتساق فيه، وإنما إحساس شخصي بالحاجة إلى إله.

وسار بهذه الأفكار فلاسفة آخرون مثل صمويل ألكسندر وماكس شيلر وبرايتمان وتشارلز هاتشورن وهنري برغسون وألفرد نورث هوايتهد، وكانت لدى بعضهم أفكار تنتقص من قدسية الإله.

وفي هذه الأجواء تمكن الألماني نيتشه من إعلان إلحاده والقول بأن الإله قد مات، حيث أراد بذلك إفساح الطريق أمام الإنسان ليصبح إلهاً، ثم لحق به فيورباخ 1804– 1872م، وأصبح الطريق سالكا لليهودي الألماني كارل ماركس 1818– 1883م ليرفض الألوهية من أساسها ولا يعترف إلا بالمادة.

حاول الألماني إمانويل كانط 1724– 1804م أن يتصدى للتيار المادي الإلحادي فواجه صعوبات جمة، إذ كان مذهبه نفسه محملا ببذور الشك واللاأدرية، لكنه قال إن الإيمان بالإله ضروري لأسباب أخلاقية بحتة، مُرجعا الدين إلى العاطفة المجردة.

 

العلمانية السياسية

كنتيجة لشيوع العلمانية (الدنيوية) في الحياة والفكر والعلم، وبدء التحول الاقتصادي نحو الرأسمالية، وتزايد أتباع المذهب البروتستانتي الجديد، أصبح الطريق ممهدا أمام فصل الدين عن السياسة أيضا، وساعد على ذلك تبني بعض الملوك والنبلاء للعقيدة البروتستانتية الجديدة التي سمحت لهم بالتمرد على الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، حيث ظل بابا الفاتيكان لقرون الجهة الوحيدة التي تمنح الشرعية لملوك أوربا.

توقيع معاهدة وستفاليا

استُخدم مصطلح العلمانية “سكيولاريزم” secularism بالإنجليزية لأول مرة سنة 1648م عند توقيع صلح وستفاليا الذي يعد موعد ظهور الدولة القومية الحديثة، وكان معنى المصطلح في البداية محدود الدلالة، مثل الإشارة إلى علمنة ممتلكات الكنيسة بمعنى نقلها إلى سلطة الدولة التي لا تخضع لسلطة الكنيسة.

تضمن صلح وستفاليا معاهدتي سلام لإنهاء حرب الثلاثين عاماً داخل الإمبراطورية الرومانية المقدسة (ألمانيا وجوارها اليوم) وحرب الثمانين عاماً بين إسبانيا ومملكة هولندا. ورفض ممثل البابا أن يوقع على الصلح لكن أوروبا تجاهلت هذا الاحتجاج ونجحت للمرة الأولى في الحد من سلطة الفاتيكان.

تخلت الكنيسة الكاثوليكية بموجب هذا الصلح عن قرار إعادة أملاك الكنيسة، وصار من حق الأمراء تقرير عقيدة رعاياهم، وتم الاعتراف رسمياً بكنيسة الإصلاح أو الكنيسة الكالفنية (بروتستانتية)، وتم الفصل تدريجيا بين الدين والدولة، حيث أصبحت السلطة قائمة على المصالح الدنيوية وليس على الشرعية الممنوحة من رجال الكهنوت، كما أصبحت الشعوب مرتبطة فيما بينها برابط الهوية القومية (العنصرية) وليس على الأخوة بين أتباع الدين الواحد.

تدريجيا أصبحت العلمانية هي المنهج الوحيد المتبع في أنظمة الحكم بالدول الغربية مع اختلافات طفيفة في التطبيق، ثم انتشرت العلمانية في معظم دول العالم، وترتبط العلمانية سياسيا بالديمقراطية من حيث المبدأ، مع أن الكثير من الأنظمة العلمانية تمارس أقصى درجات الاستبداد، وتعتبر الثورة الفرنسية (1789م) نقطة بدء التطبيق العملي للعلمانية السياسية.

أصبحت المقصلة رمزا للثورة الفرنسية لكثرة استخدامها في عمليات الإعدام لكل من كان يُعتبر عدوا للثورة والعلمانية

يعتمد نظام الحكم العلماني على إقصاء الدين عن السلطة، ويقابله النظام الثيوقراطي الذي تتربع على قمته طبقة الكهنوت، ويرى المفكرون الإسلاميون أن الحكم الإسلامي ليس ثيوقراطيا لعدم وجود مؤسسة دينية كهنوتية في الإسلام، فعلماء الشريعة يتلقون العلم ويقدمون اجتهاداتهم دون طبقية، والحاكم المسلم ينفذ قوانين الشريعة ويحمي “بيضة الإسلام” دون امتلاك حق (تفويض) إلهي ولا شرعية مطلقة، بل هو مطالب بالالتزام بالشرع كما يُلزم به بقية الشعب دون امتياز.

وتمثل مرحلة الخلافة الراشدة النموذج التطبيقي لهذه المبادئ، ومع أن المراحل التالية شهدت تراجعا كبيرا في التطبيق، لا سيما مع ظهور طوائف وفرق أخرى مثل الإسماعيلية التي أنشئت على أسسها الدولة الفاطمية وإمارات القرامطة والحشاشين، إلا أن الإسلام ظل عصيا على التحول إلى أيديولوجيا كهنوتية مؤسسية، لأن القرآن ظل محفوظا عن التحريف والتشويه، ولأن سنة النبي وخلفائه في الحكم الراشد لا يمكن طمسها، فكل مخالفة لمبدأ توحيد الله وحده ولتحرير البشر من تقديس الملوك والكهنة هي تجاوزات سياسي سلطوية تتعارض جوهريا مع عقيدة الإسلام وشريعته وليست محسوبة على الإسلام نفسه. [انظر كتاب الإسلام ليس أيديولوجيا، د.هاني نصري، دار الفكر].

أما الحكم الثيوقراطي المسيحي، الذي قامت على أنقاضه العلمانية، فكان يستند إلى فكرة مفادها أن البابا هو الممثل المعصوم للمسيح وأنه مؤيَّد بالروح القدس، لذا فهو يمثل سلطة الإله على الأرض ويحق له وحده منح الشرعية للملوك والأمراء كي يحكموا الشعوب.

إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أعلنته السلطة الثورية في فرنسا عام 1789 ويظهر في قمته شعار المتنورين الماسون

دور الحركات السرية

تميل الرواية السائدة في المراجع التاريخية والدراسات الأكاديمية إلى أن الفكر العلماني بدأ بالتشكل في القرن الخامس عشر في أوروبا على يد المفكرين “المتنورين” الذين تمردوا على تحالف سلطة الكنيسة والحكم الوراثي الإقطاعي، وأنهم تجاوزوا الأفكار “المدرسية” الكهنوتية للعودة إلى الميراث الإنساني الذي تراكمت فيه خبرات حضارات سابقة والاقتباس منه، فاستلهموا بعض أفكارهم من شريعة حمورابي وتجربة أثينا الديمقراطية وخبرة فلاسفة روما، وبذلك تصبح العلمانية -حسب هذه الرؤية- نتيجة طبيعية للتطور الإنساني من مراحل الاستبداد والعبودية والاعتقاد بالأساطير إلى مرحلة الإقرار بحقوق الإنسان البديهية وحرية التعبير ورفع يد الحكومة والكهنوت عن معتقدات الناس، واعتماد المنهج التجريبي للسيطرة على الطبيعة بدلا من الركون للخرافة، أو بحسب تعبير ماكس فيبر “نزع السحر عن العالم”، وتكون العلمانية بذلك أيضا حصيلة نضال طويل مفعم بالبطولات والتضحيات في سبيل خير البشرية وتحررها.

لكن الباحثين في تاريخ الحركات السرية، وكذلك بعض المختصين في مقارنة الأديان، ويتبعهم عدد من المفكرين والمؤرخين المسيحيين والمسلمين، يؤكدون أن الفكر العلماني لم يتشكل بهذه الطريقة الطبيعية البريئة وعبر الاحتكاك والصدام بين الحضارات ووجهات النظر، بل يؤكدون أنها نتاج تدخل واع وخطة مدبرة من قبل تحالفات عديدة تشمل عبدة الشيطان وبعض سلالات بني إسرائيل، وأنه تم تدبيرها في محافل ومعابد الجمعيات السرية، وعلى رأسها الماسونية وجمعية النور البافارية (إلوميناتي) وجمعية الصليب الوردي (روزكروشين). [Nesta Webster, Secret Societies and Subversive Movements].

ويرى هؤلاء الباحثين أن العوامل الظاهرة، كالصراع الطبقي والتقلبات السياسية والاقتصادية، كانت أدوات موضوعية وظروفا مؤاتية استفاد منها أقطاب الجمعيات السرية لبث أفكارهم في المجتمعات، بهدف إقصاء الأديان عن التأثير في الأخلاق والرؤى العامة للحياة، ولإعادة بناء المناهج الفكرية والأنظمة السياسية في “النظام العالمي الجديد” على مبادئ دنيوية مجردة. فالباحثون لا ينكرون وجود تلك العوامل المؤكدة تاريخيا ويرون أنها الجزء الظاهري فقط من الحدث التاريخي.

ويقدم أصحاب هذه الرؤية عددا من الأدلة، ونذكر منها بإيجاز ما يلي:
1- كان الكثير من مؤسسي الفكر العلماني في مراحل تشكله الأولى أعضاء في جمعيات سرية أو مقربين منها، بل كان بعضهم قادة كبارا فيها، مثل فرنسيس بيكون وإسحاق نيوتن وفولتير، وتكشف بعض المراسلات والوثائق عن دورهم في إقصاء الأديان ونشر العلمنة كأحد أهم مشاريع جمعياتهم السرية [انظر: كتاب الوحي ونقيضه للمؤلف بهاء الأمير]. وفي العالم الإسلامي تولت المحافل الماسونية داخل الدولة العثمانية وخارجها هذا الدور حتى تم الإجهاز على نظام الخلافة، وكان الكثير من مروجي العلمانية في الأوساط الفكرية والأدبية من أعضاء المحافل الماسونية التي تشكلت في دمشق وبيروت والقاهرة [انظر مقال الماسونية].

2- لعبت طائفة من اليهود الأشكناز والسلالات الإسرائيلية دورا جوهريا في ترويج المذهب البروتستنانتي لمواجهة الكاثوليكية وتسلط البابا على أوروبا، كما كان لهم دور في معاهدة وستفاليا التي قوضت سلطة الفاتيكان [انظر كتاب: اليهود والماسون في الثورات والدساتير للمؤلف بهاء الأمير]. ويقول الباحثون إن اليهود وجدوا في العلمانية الحل الوحيد للقضاء على سلطة الكنيسة التي اضطهدتهم. [انظر مقال المسيحية المتصهينة].

3- تعتبر الثورة الفرنسية من أهم المفاصل التاريخية التي جعلت العلمانية أساسا للنظم الدستورية والمناهج الفكرية في العصر الحديث، ولا يخفى على الباحثين من كل التيارات دور المحافل الماسونية في نشر أفكار الثورة قبل اندلاعها، كما لعبت الماسونية أيضا الدور الأهم في وضع الدساتير ومواثيق حقوق الإنسان بعد تأسيسها على النظم الحديثة، وفي فرضها على العالم أجمع عبر الأمم المتحدة ومنظماتها، وذلك وفقا للمبادئ العلمانية. [انظر مقال الماسونية].

 

انتقال العلمانية للعالم الإسلامي

بعد إقامة النظم السياسية الأوروبية على المبادئ العلمانية، سعت تلك الدول إلى نقل العلمانية للعالم الإسلامي، ويمكن القول إن بداية تسلل العلمانية إلى العالم الإسلامي كانت بالتلفيق من داخل الفكر الديني. فكما بدأت العلمانية في أوروبا بالتمرد على الكنيسة عبر حركة الإصلاح الديني ثم انتهت إلى العلمنة الشاملة؛ نشأت في المقابل حركة إصلاح وتجديد ديني في بعض الأقطار الإسلامية بأواخر القرن التاسع عشر، وكان روادها من الفقهاء المحسوبين على العلم الشرعي، والذين استفاد من أفكارهم العلمانيون العرب لاحقا.

محمد عبده

يقول الدكتور محمد جابر الأنصاري إن إدخال الأفكار الوافدة بعد تشذيبها ضمن المركب التوفيقي لا يضمن أنها ستبقى دون تأثير خطير، وأنها ستظل منضبطة بالحدود الاعتقادية الدينية. فنظراً لكونها وافدة من حضارة أخرى فإنها تحتفظ في باطنها بطبيعتها الأصلية والمباينة للطبيعة الإسلامية، وتتحرك –بوعي أو دون وعي من التوفيقيين الذين قبلوها بشروطهم- حسب قوانينها الوافدة معها، إلى أن تؤثر على الفكر التوفيقي كله وتوجهه وجهة جديدة لم تكن في حسبان التوفيقيين في البداية. وهذا ما حدث بالضبط عندما صرّح كبار العلمانيين العرب بوفائهم لمدرسة الشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده [الفكر العربي وصراع الأضداد للأنصاري، ص 262].

وفيما يلي أمثلة للدول التي تسللت إليها العلمانية عبر بعض المفكرين وبدعم غربي دبلوماسي أو عسكري (بالاحتلال المباشر لاحقا)، وصولا إلى قلب أنظمة الحكم الإسلامية وتمكين العلمانيين من السيطرة على سدة الحكم والجيوش والجهات الأمنية والإعلام ومناهج التعليم.

الجامعة الأمريكية في بيروت

لبنان: يعد هذا البلد الصغير البوابة التي تسلل منها الغرب إلى الشرق الإسلامي منذ بدأت بوادر الضعف تدب في جسد الدولة العثمانية، فتذرع الأوروبيون بحماية الأقليات المسيحية في لبنان وسورية للتدخل بهذه المنطقة سياسيا وتعليميا، كما احتضنت الجامعات والمدارس في إيطاليا وفرنسا طلبة مشرقيين مسيحيين لتلقينهم المبادئ العلمانية بهدف نشرها في المشرق.

وقد شرح الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر هذه السياسة بصراحة مدهشة في منتصف القرن العشرين، فقال “كنا نُحضر أبناء رؤساء القبائل وأبناء الأشراف والأثرياء والسادة من أفريقيا وآسيا، ونطوف بهم بضعة أيام في لندن وباريس وأمستردام، فتتغير ملابسهم، ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة، ويرتدون السترات والسراويل، ويتعلمون لغتنا وأساليب رقصنا وركوب عرباتنا، وكنا نزوج بعضهم من أوربا، ونلقنهم أسلوب

سارتر

الحياة على أثاث جديد، وطرز جديد من الزينة، واستهلاك أوربي وغذاء أوربي، كما نضع في أعماق قلوبهم أوربا، والرغبة في تحويل بلادهم إلى أوربا، ثم نرسلهم إلى بلادهم حيث يرددون ما نقوله بالحرف تماماً مثل الثقب الذي يتدفق منه الماء في الحوض، هذه أصواتنا تخرج من أفواههم، وحينما كنا نصمت كانت ثقوب الأحواض هذه تصمت أيضاً، وحينما كنا نتحدث كنا نسمع انعكاساً صادقاً وأميناً لأصواتنا من الحناجر التي صنعناها، ونحن واثقون أن هؤلاء المفكرين لا يملكون كلمة واحدة يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم، وليس هذا فحسب، بل إنهم سَلبوا حق الكلام من مواطنيهم” [يحيى هاشم فرغل، العلمانية بين الخرافة والتخريب، ص 270].

وبالتزامن مع تعليم بعض الطلاب النابغين في الجامعات الأوروبية، افتتح الغربيون جامعات ومدارس كثيرة في لبنان لتنشئة الجيل على التغريب، وكانت الجامعة الأمريكية البروتستانتية التي أُسست في بيروت سنة 1866م أحد المراكز الرئيسة للتبشير ولإشاعة الثقافة العلمانية في الوقت نفسه. فتخرج منها الرهط الأول من العلمانيين وعلى رأسهم شبلي شميّل ويعقوب صرّوف وفارس نمر وجرجي زيدان.

“قام العلمانيون في بلادنا منذ شبلي شميِّل، ويعقوب صروف، وفرح أنطون، ونقولا حداد، وسلامة موسى، وولي الدين يكن، ولويس عوض، وغيرهم.. يدْعون إلى العلمانية بهذا المعنى الغربي: فصْل الدين عن الدولة، والدين لله والوطن للجميع. والملاحَظ أنهم كلهم كانوا من النصارى، وغالبيتهم من نصارى الشام، الذين كان ولاؤهم الحضاري للغرب، ولا ينتسبون إلى الإسلام ديناً أو حضارة، وتربَّوا في المدارس الأجنبية وفي إرساليات التبشير. فكان الأسهل في دعوتهم الصادقة للتقدم والنهوض بالبلاد أخْذ النمط الغربي الذي عرفوه ودعوْا إليه، ورأوه ماثلاً في تقدم الغرب الفعلي”.

[حسن حنفي، كتاب حوار المشرق والمغرب، 35-366].

نابليون أمام تمثال أبو الهول بريشة جان ليون جيروم

مصر: كانت حملة إمبراطور فرنسا بونابرت التي بدأت سنة 1798م بداية الغزو الحديث، فرافقتها ملابسات وأعراض مرضية أخذت تتفشى وتنتشر في المجتمع المصري من أزياء وعادات وأخلاق، كما حرص نابليون على زرع بذور الفكر العلماني في عقول النخبة لتنمو لاحقا وتؤتي ثمارها على يد سلامة موسى وأمثاله.

وبعد أن خرج الفرنسيون من مصر استولى الألباني محمد علي على حكم مصر ما بين عامي 1805 و1848م، وكان من أبرز مشاريعه إرسال بعثات الطلاب إلى فرنسا، فانبهر بعض الطلاب بالحضارة الغربية هناك إلى درجة كبيرة، حتى إن الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي رافق طلاب البعثة الأولى إلى فرنسا ليؤمهم في الصلاة ويحافظ على تدينهم كان من أكثر المنبهرين بالغرب، ونجد ذلك واضحا في كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”.

وفي ظل الاحتلال البريطاني (1882-1952م) بدأت العلمانية رسميا بالظهور، وساهم في الترويج لها مثقفون ينتمي معظمهم لأقليات غير مسلمة، مثل يعقوب صروف وفارس نمر ونقولا حداد، ثم ركب الموجة الشيخ الأزهري علي عبد الرازق عندما نشر كتابه “الإسلام وأصول الحكم” محاولا فيه تبرير فصل الدين عن الدولة.

وفي عام 1919 تأسس أول كيان سياسي علماني تحت اسم الحزب العلماني الذي غير اسمه لاحقا إلى حزب الوفد، ونال شعبيته من مناهضته للحكم الملكي والاحتلال البريطاني، وعندما قام الجيش بانقلاب عسكري في الخمسينات تم اعتماد العلمانية بالقوة وقُمع الإسلاميون وعلى رأسهم جماعة “الإخوان المسلمون”.

تركيا: كان ضياء كوك ألب 1875- 1942م يردد في تركيا نفس أفكار سلامة موسى وطه حسين، فدعا إلى سلخ تركيا عن ماضيها، وتكوينها تكويناً قومياً خالصاً، كما اعتبر تركيا صانعة للحضارة الغربية باعتبارها امتدادا لحضارة المتوسط.

وبعد مؤامرات طويلة ساهم فيها الماسون ويهود الدونمة، نجح الضابط مصطفى كمال أتاتورك 1881- 1934م في تطبيق أفكار ضياء كوك ألب بانقلابه على الدولة العثمانية عام 1924، وكان جريئا في محاربة الإسلام عندما قال إنه “يخنق الطموح في نفوس أصحابه”، ثم اتخذ خطوات بعيدة في اتجاه التغريب وإعلان العلمانية منهجا قسريا للدولة، فألغى استخدام الحرف العربي وأحل مكانه الحرف اللاتيني حتى لا يتمكن الأتراك من قراءة الكتب الإسلامية، كما ألغى وزارة الشؤون الدينية وحلّ المنشآت الدينية والمحاكم الشرعية، ووضع قانونا جزائيا جديدا بناء على القانون السويسري، وفي عام 1928 ألغى اعتماد الإسلام كدين رسمي للدولة.

في كتابه “العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين”، يقارن الباحث التركي أحمد كورو بين التجربتين العلمانيتين المتطرفتين في فرنسا وتركيا، ويقول إن المتدينين الكاثوليك الفرنسيين تحالفوا مع النظام الملكي واستخدموا أدوات القهر والعنف للإبقاء على النظام الاستبدادي، وحاربوا القوى الثورية الفرنسية المدعومة شعبيا، أما في تركيا العثمانية فكان المتديِنون في صف الإصلاحيين السلميين في مقابل انخراط العلمانيين في الجيش، وعندما أسقطوا حكم السلطان حاولوا الحدَّ من صلاحيات البرلمان المنتخَب بالهيمنة التامة على الرئاسة والجيش والقضاء. ويضيف أن المجتمع الفرنسي تقبل العلمانية الديمقراطي الحرّة بعد انتصار الثورة وما زال ينبذ العودة إلى الكنيسة حتى الآن، في حين قهرت العلمانية التركية بالقوة كل محاولات الشعب التركي للعودة إلى الحكم الإسلامي. [أحمد كورو، العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين: الولايات المتحدة، فرنسا، تركيا، ص 369 وما بعدها].

سيد أحمد خان

الهند: كان سيد أحمد خان 1817– 1898م من أوائل الداعين إلى العلمانية والتغريب، وكان متعاوناً مع الإنجليز حيث سعى لإخماد ثورة عام 1857م، فكافأه الإنجليز براتب شهري، ومن أقواله “لا بد أن يرغب المسلمون في قبول هذه الحضارة الغربية بكمالها حتى لا تعود الأمم المتحضرة تزدريهم أعينها، ويعتبروا من الشعوب المتحضرة المثقفة”.

إيران: كرر تقي زادة نفس مقولات العلمانيين، ومن أقواله “فلنلق بقنبلة الاستسلام للأوروبي في هذه البيئة ولنفجرها. والخلاصة: لنصبح أوروبيين من قمة الرأس إلى أخمص القدم”. وعندما عُين رضا بهلوي ملكا على البلاد عام 1925 أصبحت إيران دولة علمانية.

تونس: طالب عبد العزيز الثعالبي -قبل اعتداله- بالاستسلام للحضارة الغربية، ودعا إلى تأويل القرآن تأويلاً “صحيحاً” أي بما يناسب مبادئ الثورة الفرنسية كي يتحضر الإنسان المسلم، حسب رأيه. وقد تبعه الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة بعد خروج المحتل الفرنسي وتأسيس الجمهورية التونسية العلمانية، وتُنسب إلى بورقيبة العديد من التصريحات المعادية للإسلام ومقدساته، ومنها قوله إن القرآن الكريم متناقض ولا يقبله العقل.

 

عبد الوهاب المسيري (موقع المسيري)

العلمانية والإسلام

يرى المفكر اليساري المصري عبد الوهاب المسيري أن العلمانية تتفرع إلى تيارين رئيسين، هما:

1- تيار العلمانية الكلية الشاملة، وهو مادي يطمح إلى تحرير الحياة بجميع ميادينها وتحرير الإنسان في كل عوالمه من الدين بكل أبعاده القيمية والقانونية والشعائرية، وتُعد الماركسية من نماذج هذه العلمنة الكلية والشاملة.

2- تيار العلمانية الجزئية الذي لا ينكر الإيمان بالله والدين، ولكنه يقف بالدين عند العلاقة الفردية بين الإنسان والله، وعند الشعائر العبادية، وبعض القيم الأخلاقية لمن يريد، بينما يرفض كل تدخل للدين في تدبير الدولة والاجتماع الإنساني، فهو يكتفي بفصل الدين عن الدولة.

وكان المسيري رحمه الله يتبنى العلمانية الجزئية ويرى أنها لا تتعارض مع الإسلام، وهو أمر يوافقه عليه المفكر التونسي راشد الغنوشي، الذي يرى أن “العلمانية ظهرت وتبلورت في الغرب كحلول إجرائيّة لا كفلسفة أونظرية في الوجود”، ما يعني أنها لا تتناقض مع الإسلام. لكن الكثير من الباحثين يخالفون هذا المفهوم، فحتى المسيري كان يقر من البداية بأن العلمانيتين الشاملة والجزئية من حيث الجوهر شيء واحد، لذا فحتى لو اقتصرت الجزئية على بعض الإجراءات دون أن تتصادم مع الدين فإنها تعود في النهاية إلى مرجعية دنيوية “إنسانوية” في مقابل المرجعية الإلهية التي لا تقبل التجزئة في الإسلام.

أما الكاتب المصري فهمي هويدي فيميز بين تيارين علمانيين، يسميهما المتطرفين والمعتدلين، ويرى المسيري أنهما يقابلان إلى حد ما العلمانيين الشامليين والجزئيين عنده، حيث يُعرف هويدي المتطرفين بأنهم ضد الشريعة والعقيدة معا، وأنهم يعتبرون الإسلام مشكلة يجب استئصالها، أما المعتدلون فيعتبرون أنه يمكن التعايش مع الإسلاميين إذا أقيم حاجز بين الدين والسياسة، ويرى هويدي أن من حق المعتدلين المشاركة في الحياة السياسية للمجتمع الإسلامي.

وهذا الرأي لا يلقى موافقة لدى كثير من المفكرين الإسلاميين كما ذكرنا، فهناك خلاف في الوسط الإسلامي بين رأيين، الأول يتقبل وجود العلمانية “المعتدلة” في المشهد السياسي للدولة الإسلامية (وهي دولة غير موجودة بالواقع حاليا)، سواء بحكم ضرورة التدرج ومقتضيات العصر أو لأن ذلك لا يتعارض مع جوهر الدين، والرأي الثاني يرفض وجود أي تيار سياسي علماني حتى لو كان “معتدلا” [انظر كتاب العلمنة من الداخل للمؤلف البشير المراكشي].

كما يرفض بعض المفكرين مصطلح “العلمانية المعتدلة” بغض النظر عن القبول بوجودها في الوسط السياسي، لاعتقادهم بأن دين الإسلام جاء لهداية الناس إلى ما يحقق مصالحهم في الدنيا والآخرة، فالشريعة تشتمل على شعائر الدين ومبادئ السياسة وأحكام المعاملات، وتحديد الإطار العام للنظام السياسي يستند إلى الوحي، فيرى هذا التيار أن مساندة السياسة العلمانية -حتى لو كانت معتدلة- تؤدي إلى الكفر.

بيغوفيتش

وقد أصدرت المديرية العامة للإفتاء في المملكة العربية السعودية بيانا تقول فيه «إن كل من يؤمن بأن هناك توجيها أكثر كمالا من تعاليم الرسول أو أن حكم أي شخص كان أفضل من حكم الرسول فهو كافر»، وفصّلت الرأي الشرعي في ذلك بالقول إن هناك “انحرافا خطيرا” عن مبادئ الإسلام لدى كل من يعتقد بأن القوانين التي تصدر عن الإنسان تسمو على أحكام الشريعة أو يرى أن الإسلام يقتصر على علاقة الفرد مع الله وليس له أي علاقة مع الشؤون اليومية للحياة.

ويقول المفكر المصري طارق البشري “لا يمكن أن تتوافق العلمانية والإسلام إلا عن طريق التلفيق أو ابتعاد كل منهما عن معناه الحقيقي”.

أما المفكر والرئيس البوسني الراحل علي عزت بيغوفيتش فيقول في كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب” إن الدين هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان، وإنه هو الأصل الذي زرع الضمير الأخلاقي في البشرية المستمر حتى اليوم بالرغم من خفوت أثره بسبب انتشار العلمانية، ويضيف أن “المجتمع العاجز عن التدين، هو أيضا عاجز عن الثورة”.

وبدوره، يقول الدكتور محمد البهي في كتابه “العلمانية وتطبيقها في الإسلام: إيمان ببعض الكتاب وكفر بالبعض الأخر” بعد أن عرض لشمولية الإسلام في جميع جوانب الحياة وعدم قابليته للتجزؤ: “وبما عرضناه هنا من مبادئ الإسلام كما تذكرها آيات القرآن الكريم، نجد أن الإسلام نظام شامل لحياة الإنسان ومترابط في مبادئه وفي تطبيقه لا يقبل التجزئة بحال وقصر التطبيق على جانب مثلاً في حياة الإنسان أو على جانبين فأكثر من جوانب هذه الحياة دون باقي الجوانب الأخرى، معناه إفساح مكان لهوى الإنسان بجانب ما يطبق من مبادئ القرآن”. 

“العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة” [مقدمة ابن خلدون، ص 1899].


أهم المراجع
عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، دار الشروق، القاهرة، 2002.

عادل ضاهر، الأسس الفلسفية للعلمانية، دار الساقي، 1998.

روجيه غاروي، النظرية المادية في المعرفة، ترجمة إبراهيم قريط، دار دمشق.

محمد عمارة، نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام، دار الرشاد، 1997.

يوسف القرضاوي، التطرف العلماني في مواجهة الإسلام، دار الشروق، 2008.

أحمد إدريس الطعان، العلمانيون والقرآن الكريم: تاريخية النص، دار ابن حزم، الرياض، 2007.

محمد قطب، العلمانيون والإسلام، دار الشروق، 1994.

يحيى هاشم فرغل، العلمانية بين الخرافة والتخريب، دار الصابوني.

بهاء الأمير، الوحي ونقيضه: بروتوكولات حكماء صهيون في القرآن، مكتبة مدبولي، 2006.

أحمد كورو، العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2007.

البحث في الدين

أحمد دعدوش


يرى بعض النقاد أنه من الصعب الحصول على منهج علمي لدراسة الأديان، وذلك لأن الدين يشمل مسائل غير موضوعية تتعلق بالجانب النفسي، فيصعب على الباحث بحثها من خلال المناهج التجريبية، كما أن البحث يتأثر بثقافة الكاتب وتكوينه الفكري وتراكماته المعرفية.

كما أن طريقة التعرف على حقيقة بعض الغيبيات التي يقدسها الآخرون لا تكون سوى بطرق غير محسوسة، لذا يزعم الكثيرون أن الباحثين في معتقداتهم من الخارج لا يتفهمون حقيقة ما يؤمنون به.

لكن التسليم بهذه الاعتراضات يجعلنا عاجزين عن دراسة الدين، وهي لا تبرر اقتصار البحث على جوانب الحياة المختلفة من طبيعة وفكر واجتماع ونفس ثم استثناء الدين، فبعض علماء الاجتماع يرون أن الدين هو أعلى مظاهر الطبيعة الإنسانية، وأنه ظاهرة محورية في صياغة التصورات الفكرية وأنماط الحياة في كثير من المجتمعات.

لذا يصر الباحثون في مقارنة الأديان على إمكانية دراسة الدين موضوعيا، وذلك بوصفه ظاهرة ذات أبعاد متداخلة ومتضايفة، فهناك بعد نظري مثل أصول العقائد، وبعد عملي يشمل المنظومة الأخلاقية والتعبدية، وبعد تنظيمي إداري يتجسد في منظومة الكهنوت، وبعد عاطفي يتجلى في الفنون والآداب.

اتجاهات مقارنة الأديان عبر التاريخ
إذا نظرنا إلى الاتجاهات العامة لهذه الدراسات طوال التاريخ البشرية فيمكن تلخيصها بثلاثة اتجاهات رئيسة:

1- الاتجاه الإلحادي: ظهرت ملامحه الأولى في الفلسفة اليونانية، خاصة عند بروز الفلسفة الطبيعية عند الفيلسوف طاليس (624-546 ق.م) الذي قدّم تفسيرات عقلية عن أصل العالم وطبيعته، دون الرجوع إلى التفسيرات اللاهوتية أو الأسطورية، وترافق ذلك بالاستخفاف بالتعاليم الدينية وقيمتها المعرفية ثم الاعتقاد بأنها إنتاج بشري، وتطور الاستخفاف والتشكيك إلى معاداة الدين والسعي إلى إبعاده من الحياة الاجتماعية [انظر مقال “وجود الله“].

وتقول المؤرخة كارن أرمسترونغ في كتابها “تاريخ الإله” إنه منذ نهايات القرن السابع عشر وظهور الحداثة الغربية أعلنت المذاهب الفلسفية الكبرى استقلالها عن فكرة وجود الخالق، وظهر في هذا العصر كل من كارل ماركس وتشارلز داروين وفريدريك نيتشه وسيغموند فرويد الذين بدأوا بتحليل الظواهر المعرفية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية بدون أي وجود للإله.

وفي هذا العصر دعا بعض علماء الأنثروبولوجيا الثقافية إلى دراسة الدين بوصفه ظاهرة إنسانية طبيعية، قابلة للدراسة عبر أطر موضوعية محايدة، إلا أن دراساتهم كانت لا تقر للدين بأصل مقدس إلهي، ولم يميزوا بين الدين والسحر والخرافة والأسطورة، كما لم يميزوا بين الدين المنزل والدين الوضعي. فكانت أبحاثهم تنطلق من مبدأ اعتبار الدين نتيجة للتطور البشري، دون اعتقاد باحتمال وجود أي مصدر غيبي للدين.

وهناك أيضا من حاول تناول الدين على أنه ظاهرة اجتماعية ويمكن دراسة معالمها الظاهرية والنفسية دون البت بعدم قدسيتها أو العكس، ومع ذلك فإن هؤلاء الباحثين لم يعترفوا للدين بأي قدسية وبلا أصول غيبية لوجوده، فكانت النتيجة نفسها.

2- الاتجاه الإيماني التبريري: وهو الذي ينطلق من اعتقاد مسبق بصدق الدين والدفاع عنها، وهو موجود في كل الديانات الكبرى. ويتضمن هذا الاتجاه تيارين: الأول يميل إلى الشرح وبيان العقائد وتبسيطها لمعتقديها من خلال النصوص المقدسة لديه. أما الثاني فيستخدم الأدوات العقلية والنصوص النقلية للدفاع عن الدين الذي يعتقده من خلال نفي وجود أي تناقض بين العقل ومعتقداته، ثم بيان فضيلة دينه عن غيره من الأديان، وهو النهج الجدلي الكلامي الذي يُنتقد كثيرا بافتقاره إلى الموضوعية.

3- الاتجاه الموضوعي ذو الطابع الأنثروبولوجي القيمي: ويُحسب للعالم المسلم أبو الريحان البيروني أنه كان من رواد هذا الاتجاه، وهو يتفق مع الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة في أهمية دراسة التراث الثّقافي والمعرفي للمجتمع في معرفة دينه، لكنه يختلف مع الحداثيين في كون الدين جزءًا من الإنتاج البشري التطوري أو مقارنة الدين بالسحر والخرافة.

كما يختلف البيروني مع الأنثروبولوجيا الحديثة في الهدف، فهو يوضح في مؤلفاته أن هدفه من التأليف هو “الوصول إلى الحق”، بينما يرى الحداثيون أنه لا ينبغي للباحث أن يتخذ أي قرار حتى لو كان متوافقا مع منهجية البحث. علما بأن البيروني كان ينتقد منهج الكلاميين في الدفاع عن معتقداتهم بالحجج الجدلية إلا أنه وصل إلى النتيجة نفسها بإصدار حكم قيَمي على الأديان التي درسها، حيث لم ينطلق أصلا من منطلق إلحادي يستبعد وجود وحي وإله كما فعل أصحاب الاتجاه الأول.

مقارنة الأديان في التاريخ الإسلامي
انفتح الفكر الإسلامي منذ القرن الثاني للهجرة على أديان العالم وجعلها موضوعا مستقلا للدراسة، فوضع رواد هذا المجال مناهج علمية للبحث، فدرسوا أديان العالم من حيث المقارنة فيما بينها وتأريخها ونقدها.

وأشاد باحثون غربيون معاصرون بالتراث الإسلامي الغزير والموضوعي في هذا المجال، ومنهم إيريك ج. شارب الذي رأى أن شرف كتابة أول تاريخ للأديان يعود إلى الإمام أبي الفتح الشهرستاني صاحب كتاب “الملل والنحل”

يعد كتاب “الفصل في الملل والأهواء والنحل” لابن حزم من أهم الموسوعات الدينية في التاريخ

أما بينارد دولا بولي فيقول في كتابه “الدراسة المقارنة للأديان” إن ابن حزم الأندلسي هو رائد مقارنة الأديان في الفكر الإنساني كله.

ويقول آدم متز إن أكبر فرق بين الخلافة الإسلامية والدول الأوروبية المسيحية في القرون الوسطى كان يتلخص في وجود عدد كبير من أهل الديانات الأخرى بين المسلمين ممن يتمتعون بقدر من التسامح لم يكن معروفا في أوروبا، ومن مظاهر هذا التسامح نشوء علم “مقارنة الأديان”، وهذا ما يؤكده مؤرخ الأديان إريك شارب في قوله إن الانغلاق الصارم والتعصب كانا وراء الاعتقاد بأن أي دراسة للأديان الأخرى لن تقود إلا إلى تناقض حاد مع المسيحية.

وما زال هذا الانغلاق قائما حتى اليوم في كبرى المدارس اللاهوتية الغربية، حيث يدرس الطلاب معظم أديان العالم الكبرى في حين يتجاهل واضعو المناهج ذكر الإسلام، فضلا عن مناقشته ونقده.

ويقول المستشرق فرانز روزنتال إن الغرب يعترف اليوم بأن مقارنة الأديان هي إحدى الإنجازات العظيمة للحضارة الإسلامية التي أسهمت في التقدم الفكري للإنسانية، كما يرى المستشرق الألماني إدوارد سخاو أن مؤلفات البيروني هي حجر الأساس لعلم الأنثروبولوجيا الديني.

ومن أهم العلماء المسلمين الذين كتبوا في مقارنة الأديان: الجاحظ، والجبائي، والقاضي عبد الجبار، وابن حزم الأندلسي، وأبو الوليد الباجي، وأبو الحسن الأشعري، والباقلاني، والبيروني، والجويني، والغزالي، والشهرستاني، وابن تيمية، والمسعودي، والمقريزي، وكثيرون غيرهم.

مناهج البحث لدى المسلمين

1- منهج التأريخ: أصَّل علماء الإسلام هذا المنهج قبل أوروبا بأكثر من عشرة قرون، وكان بعضهم يكتب في الجدل والنقد كتاباً ثم يكتب في التأريخ والوصف كتاباً آخر؛ مثل أبي عيسى الوراق (القرن الثالث الهجري) الذي كتب في الجدل كتاب “الرد على فرق النصارى الثلاث” وكتب في التأريخ كتاب “مقالات الناس واختلافهم”.

2- منهج التحليل والمقارنة: وهو يشمل دراسة جانب أو أكثر من ديانتين أو أكثر ثم المقارنة بينهما، أو دراسة ديانة واحدة من كل جوانبها بالمقارنة مع ديانة أخرى، أو دراسة مؤسس الديانة وأسفارها بالمقارنة مع مؤسس وأسفار أخرى.

3- المنهج التحليلي النقدي: من أهم الأمثلة على تحليل أسس الأديان الأخرى دراسة ابن حزم لنصوص العهدين القديم والجديد، حيث تركت كتاباته أثرا عميقا لدى الأوروبين بعد ترجمتها في اكتشاف عيوب المسيحية.

4- منهج المناظرات الكلامية الجدلية، سواء كانت حية ومباشرة أو مدونة في رسائل وكتب، ومن الأمثلة عليها رسالة راهب كلوني في جنوب فرنسا إلى أمير سرقسطة في الأندلس، وجواب القاضي أبي الوليد الباجي عليها.

ميرسيا إلياد أستاذ في تاريخ الأديان من رومانيا توفي عام 1986

دراسة الأديان في العصر الحديث
يؤكد ميرسيا إلياد صاحب “الموسوعة الدينية” أن مصطلح مقارنة الأديان لم يكن معروفا لدى الأوروبيين حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، حيث أطلقه لأول مرة البريطاني ماكس مولر، ويقول إلياد إن تأخر ظهور المصطلح في أوروبا معناه غياب رؤية علمية ذات أسس منهجية لدراسة الأديان عن الأوساط العلمية الأوروبية.

اهتم الاتجاه العلمي السائد لدى الغرب في عصر النهضة الحديث بالبحث في أصل الأشياء، فبعد أن كان ذلك محصورا في الجوانب التجريبية اتسع ليشتمل على العلوم الإنسانية، وانتقل من السؤال عن أصل الإنسان البيولوجي وتطوره؛ إلى السؤال عن أصل دينه وتطور معتقداته.

لذا يغلب الطابع الوضعي على أبحاث الدين في الغرب، بحيث تُنحى جانبا الاعتبارات اللاهوتية التي ترى الدين تجليا لفضل الله على خلقه بالهداية، بينما يحرص الباحث الديني الغربي على التعامل مع الدين من منطلق كونه ظاهرة متكررة من الظواهر الإنسانية التي تخضع للتفسير.

ويبدو أن النظريات المقترحة لتفسير نشأة “الظاهرة الدينية” نظريات اختزالية بالمجمل، فهي تحاول أن تستخلص من الظواهر الدينية محددات عامة تفسر بها الدين على نحو عام، دون أن تلتفت إلى خصوصية دين بعينه؛ في ذاته أو في ظروفه التاريخية والاجتماعية.

وقد أوضحنا في مقال “الدين والتدين” أهم النظريات الغربية التي تحاول تفسير الظاهرة الدينية، وتبين لنا أنها تنطلق جميعا من قاعدة علمانية تشيئ الإنسان والوجود، لكن هناك من يرى أن الدين فطرة ونزعة إنسانية، برزت بأشكال متعددة من التدين، ويميل أصحاب هذه النظرية غالبا بأن الديانة الأولى للإنسان كانت التوحيد وليست التعدد، وهذا ما تقره الأديان السماوية.

ومن الملاحظ في دراستنا للنظريات اللادينية أن أصحابها يميلون إلى الاعتقاد ببراءة القدماء، وافتراض أنهم كانوا يبحثون عن الحقيقة فلم يجدوها سوى في الأساطير لإشباع النهم الغريزي إلى المعرفة وتقديم أجوبة على الأسئلة الوجودية، ولكن الذي وضع هذه الأجوبة ليس هو الإنسان الذي نتحدث عنه، بل هو شخص أو شيطان أو مجموعة قليلة من الأشخاص أو الشياطين. فوضعُ الأساطير يشبه كتابة أي عمل أدبي معاصر، أي هو عمل فردي اختياري وليس قرارا تم اتخاذه في مؤتمر شعبي أو عبر صناديق الاقتراع، فهناك من تعمد وضع تلك القصص الخرافية التي تتضمن تفاصيل وأحداثا عن الخلق وتصارع الآلهة وتناسخ الأرواح، ولم يكن لديه أي دليل على أن العالم الماورائي قد حدثت فيه كل تلك التفاصيل الغيبية التي لا تقتصر على التأويلات الاحتمالية لظواهر الطبيعة أو على رؤى تخيلية لكائنات ما ورائية تفسر ما لا يستطيع فهمه، بل كان واضع الأساطير يقدم ملاحم أدبية (شعرية أو مسرحية) مفصلة تتضمن أحداثا وحوارات وقرارات وهو يعلم أنها لم تحدث.

قد يصدق افتراض البراءة على العوام الذين اضطروا لاتباع الكهنة والسحرة والشامانات عندما لم يجدوا خيارا آخر لتحصيل المعرفة والأجوبة على الأسئلة، لكن هذا لا يعني أن الأساطير وُضعت لتقديم الأجوبة المحيرة للإنسان القديم؛ بل ربما لتضليل العوام من قبل النخبة المسيطرة.

 

جيمس فريزر

المناهج الحديثة لمقارنة الأديان
في بداية العصر الأوروبي الحديث، اتسم النشاط في حقل “علم الأديان” بمحاولات جمع المادة العلمية التي يمكن الحصول عليها من الأديان المختلفة والاجتهاد في فهمها بمساعدة علم اللغات وعلم الأساطير، وسرعان ما تلقف الباحثون المنهج التاريخي الذي يحاول تتبع مسيرة الأديان تاريخيا، وارتبط ذلك بالمنظور التطوري الذي اكتسح جميع فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية بعد أن أخرج من مجاله الطبيعي (البيولوجي)، فبات يُنظر للأديان على أنها حلقة في التطور الطبيعي للحياة الإنسانية، وأصبح الهدف هو دراسة “نشأة الأديان”، وذلك بالاستعانة بعلوم اللغة والآثار والحفريات وعلم الإنسان.

ظهرت في الأفق أيضا علوم النفس والاجتماع لتساعد على إيجاد إجابات “علمية” للأسئلة المتعلقة بنشأة الدين، فانصرف البحث نحو الأديان البدائية والمظاهر السحرية والخرافية، وكانت حصيلة كل ذلك ظهور نظريات “تايلور” و”فريزر” و”سبنسر” و”دوركايم” وغيرهم التي أصبحت اليوم على لسان كل متحدث بدون سؤال عن سندها العلمي وقوامها العقلي وبراهينها العلمية.

اعتمد علماء مقارنة الأديان على رصد تأثير دين في دين آخر من خلال التشابه والأسبقية، الأمر الذي تعرض لانتقادات كثيرة، فالتشابه بين الأديان قد يعود إلى تطابق الاستعداد لدى المتدينين وتماثل البيئة ومراحل نمو الأفكار الدينية بين شعبين في منطقتين نائيتين دون أي تواصل بينهما، وقد رأى أستاذ الأديان في معهد فرنسا جورج أدوميزيل أن تشابه أسماء الآلهة في اللغات الهندية-الأوروبية ليس دليلا مقنعا على أنها نابعة من أصل مشترك، لذا اهتم بالبحث عن أصل اجتماعي يفسر فيه نشوء فكرة الثالوث الإلهي لدى كل من الرومان والهنود.

وفي رأينا، قد يكون التأثير صحيحا عندما يتعلق التشابه بشعائر وعقائد يمكن تفسيرها بعوامل طبيعية واجتماعية وغريزية، لكن التطابق أو التشابه بين بعض الأديان في التفاصيل الدقيقة والكثيرة يجعل المصادفة أمرا مستبعدا، وربما مستحيلا، فحتى في حال عدم ثبوت اتصال أمتين متباعدتين عن بعضهما، فإن هذا لا ينفي أن يكون مصدر الأفكار الذي تتلقى منهما هاتين الأمتين واحدا، سواء كان هذا المصدر هو الإله (الوحي) أو الشياطين.

على الرغم من الاكتشافات “العلمية” الغزيرة في أبحاث الأديان خلال القرن التاسع عشر فقد بقيت الأديان غير مفهومة، ما أشعر بعض العلماء بحاجة ملحة إلى منهج جديد يسمح للمتدين بأن يعبر عن نفسه وعن عقيدته بحرية، ويترك الظواهر الدينية تتحدث بنفسها، لذا نادى بعض العلماء في هولندا والبلاد الإسكندنافية بتطبيق “المنهج الظاهراتي” (الفينومينولوجي) في دراسة الدين، وبدأ ذلك بعد الحرب العالمية الأولى.

حدد فان ليون آلية عمل المنهج الظاهراتي للتوصل إلى فهم الدين عبر خمس مراحل، ففي الأولى يتم رصد الظواهر الدينية وتصنيفها لتسهيل تتبعها؛ مثل وضعها ضمن خانة “الأساطير” و”القرابين” وهكذا، لكن هذا لا يخلو من مغالطة تحويل الملاحظات إلى نظريات بشكل متسرع. ولتجنب التسرع يسعى الباحث في المرحلة الثانية لمعايشة الظاهرة وتجربتها بطريقة اختيارية ومنهجية لا بطريقة قهرية ولا شعورية. وفي المرحلة الثالثة يحاول الظاهراتي التجرد من كل أفكار سابقة ويدرس الظاهرة، وفي المرحلة الرابعة يدرك حقائقها بوضوح، ثم تأتي المرحلة الأخيرة عندما يواجه الظاهراتي الحقيقة التي تجلت له ويتحقق من فهمه لها.

يدرس الظاهراتيون الإسلام من خلال دراسة الطقوس التي تمارسها بعض المجتمعات المسلمة مما يؤدي إلى الخلط بين الدين الأصلي والعادات والبدع
(wikimedia)

والظاهراتي لا يهتم بالتطورات التاريخية للدين ونشأة الأديان، فهدفه الأساسي تحرير نفسه من كل منطلق غير ظاهراتي والبحث عن الفهم الدقيق للظاهرة الدينية سعيا وراء معرفة حقائقها، دون التقيد بأية نظرية سيكولوجية أو ميتافيزيقية أو لاهوتية أو فلسفية.

والحقيقة أن هذه المشاركة في التجربة ستظل ادعاءً غير واقعي، فالنقاد يتساءلون عما إذا كان من الممكن أن يعتنق الإنسان الظاهراتي الإسلام حقا ليدرس الإسلام، فحتى إذا صار مسلما فمن الصعب الاقتناع بأن هذا “الاعتناق الوظيفي” للدين سيوفر له التجربة الحقيقة التي يريدها. ويضاف إلى ما سبق أن تعريف المنهج الظاهراتي مازال محل جدل بين الباحثين منذ ظهوره على يد الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل عام 1913، لذا تقول أستاذة الأديان في جامعة “ليدز” أورسولا كينغ إن “مفهوم الظاهراتية يتعدد بعدد الظاهراتيين أنفسهم”.

ولعل أخطر ما يشوب نتائج المنهج الظاهراتي من نقص في عين النقاد هو أنه يعجز عن فهم الأديان على حقيقتها، بل يكتفي بدراسة ظواهرها فيخلط بين سلوك المنتمين لدين معين وبين الدين نفسه. وعندما يتعلق الأمر بدراسة دين الإسلام على سبيل المثال، لا يستطيع الباحث الظاهراتي الغربي أن يفرق بين السنة والبدعة، ولا بين الوحي الإسلامي الثابت والآراء الدخيلة عليه، وهذا الدمج نراه كثيرا في أعمال المستشرقين، ومن أمثلته الحديثة مؤلفات الألمانية آنا ماري شميل (توفيت عام 2003)، مع أنها تزعم أن منهجها “يحاول النفاذ إلى قلب الدين من خلال دراسة الظواهر أولا”.

في كتابها “الكشف عن آيات الله: دراسة ظاهراتية للإسلام” الصادر عام 1994، نجد أن شيمل بذلت جهدا هائلا في البحث عن ظواهر الإسلام ودراستها، بما يشمل الشعائر والآراء والأذكار والعادات والتقاليد والمقدسات الزمانية والمكانية لبعض المجتمعات المسلمة، واعتبرت أن هذه الظواهر جميعا تعبر عن الإسلام نفسه من خلال المعاني والحقائق التي تنبئ عنها، فعلى سبيل المثال بحثت في الفصل الأول عن المكانة الخاصة في الثقافة الإسلامية لبعض الحيوانات والألوان وأشياء أخرى كالماء والأشجار والنور، وفي الفصل الثاني تتعرض لما أسمته بقدسية المكان والزمان والعدد، فحاولت مثلا حصر الأعداد التي تحتل مكانة معينة فظهر لها أن جميع الأعداد من 1 إلى 10 لها مكانة ما، إضافة إلى الأعداد 12 و14 و17 و18 و19 و40 و72 و73 و99. وينتهي هذا الفصل دون توضيح لما وراء ذلك، بل دون تمييز بين أصالة بعض تلك الأعداد في الإسلام وبدعيتها، فالمنهج يقتضي دراسة جميع الظواهر ثم اعتبارها جزءا من حقيقة الإسلام ذاته، مع أن المسلم العادي يعلم أن كثيرا من تلك الظواهر لا تمس دينه بشيء، بل إن بعضها تسلل إلى الإسلام من عادات وخرافات معادية له.

ختاما، نحاول في هذا الموقع أن نستفيد في دراستنا للأديان والمذاهب والتيارات الفلسفية من المناهج الوصفية والأنثروبولوجية والظاهراتية والكلامية معا، ونقر -كما فعل البيروني- بأننا نسعى إلى اكتشاف الحق واعتناقه وبيانه للناس، كما نؤمن بأن الاكتفاء بالحجج الكلامية لا يجدي في عصر الانفتاح وثورة المعلومات والاتصالات، ولا نزعم في الوقت نفسه بأن مقالاتنا المحدودة بحجم معين كافية لاستيعاب مواضيعها، إلا أنها قد تكون بمادتها المكثفة مدخلا وافيا للفهم واتخاذ الأحكام الموضوعية في سبيل التعرف على الحق.


أهم المراجع
فراس سواح، الرحمن والشيطان، دار علاء الدين، دمشق، 2000.

د. دين محمد محمد ميرا صاحب، بحث بعنوان “الاتجاه الظاهراتي في دراسة الأديان في الغرب: رؤية نقدية”، مجلة الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام أباد، العدد السادس، 1998.

عبد الرزاق حاشي، دراسة بعنوان “علم مقارنة الأديان بين سؤالي المفهوم والإمكان: دراسة تحليليّة مقارنة”، مجلة إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، العدد 67، 2012.

موقع موسوعة مقاتل من الصحراء: http://www.moqatel.com

اليهودية

ربى الحسني


اليهودية مصطلحٌ يُطلق على الديانة التي تُنسب إلى العبرانيين المنحدرين من إبراهيم عليه السلام، والمعروفين بالأسباط من بني إسرائيل وهم اثنا عشر سبطاً، وقد أُرسلت إليهم مجموعة من الأنبياء بدءاً بموسى عليه السلام مؤيداً بالتوراة. ويُعرف أتباعها بأسماء عدة ولكل منها مدلول خاص به، ومنها:

1- اليهود: واختلفت الأقوال في سبب التسمية وأشهر الأقوال فيها عند المسلمين: من التهوّد، وهي التوبة لأنهم تابوا عن عبادة العجل فنقل القرآن الكريم حكايةً عن موسى عليه السلام قوله: {إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ}، أما عند اليهود: فالتسمية جاءت نسبةً إلى يهوذا أحد أبناء إسرائيل (يعقوب)، وقلبت الذال دالاً على لغة العرب، وسبب اختياره من بين إخوته لأن من نسله ظهر داود، ومن داود سيظهر المسيح المنتظر كما يعتقدون فهو المفضَّل عندهم.

2- الإسرائيليون: نسبةً إلى بني إسرائيل (أبناء يعقوب) مع أن معظم أتباع هذه الديانة اليوم لا يجمعهم نسب بإسرائيل، والموسويون أي: أتباع موسى عليه السلام.

3- العبرانيون ومفردها عبري وهم: البدو الرُّحل، وقيل نسبةً إلى النبي إبراهيم وهو إبرام أو عبرام في العبرية وهو التفسير المفضل عند اليهود لتوثيق ارتباطهم به.

أما في الغرب فيطلق عليهم Jewish أو Juif وهي من جوشوا أو يوشوا أي يوشع بن نون، وهو فتى موسى (مرافقه) والنبي الذي تولى قيادة بني إسرائيل بعد وفاته وهو ذو شأن عظيم عندهم.

تاريخ بني إسرائيل
لعل أهم مراحل تاريخ اليهودية هي تلك الحقبة الزمنية الممتدة لألفي عام منذ عهد إبراهيم  إلى ما قبل ظهور المسيح، ومع أن تاريخ اليهودية كدين يبدأ مع بعثة موسى في قومه الذين لم يسموا باليهود إلا بعد بعثته، إلا أنهم حريصون على ربط تاريخهم بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام.

وأهم مصادر تلك الحقبة الطويلة من الزمن: ما ورد في التوراة وبقية أسفار العهد القديم على ما فيها من تناقضات وأساطير يقرُّ بها علماء اللاهوت من اليهود والنصارى فضلاً عن علماء التاريخ والآثار، وما وجده علماء الآثار من مدونات تاريخية مكتشفة حديثاً في مصر والعراق وبلاد الشام، وما اتضح من الحفريات، ونقله الإخباريون من مسلمين وغيرهم مع أن معظم رواياتهم لا يمكن الوثوق بها لمناقضتها لبعض وقائع التاريخ المسجلة وامتلائها بالأساطير والخرافات، إضافة إلى ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة عن بني إسرائيل وأنبيائهم.

وإبراهيم عليه السلام هو الجد الأعلى للعدنانيين (أولاد إسماعيل) كما أنه الجد الأعلى لبني إسرائيل، وله ولدان، الأول إسماعيل الذي خرجت من سلالته القبائل العربية وخاصة قريش التي ظهر منها النبي محمد، والثاني إسحاق الذي ولد له ولدان، هما عيسو ويعقوب.

أما يعقوب فهو إسرائيل الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل، وقد وُلد له اثنا عشر ولداً من زوجتيه ليئة وراحيل وجاريتيهما، منهم يوسف النبي ويهوذا الذي ظهر داود من نسله، وكل واحد من هؤلاء أعقب سبطاً من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر.

عاش يعقوب مع أبنائه في أرض فلسطين ثم فُقد يوسف بمكيدة من إخوته، وقصته ذُكرت في القرآن الكريم والكتاب المقدس، حيث وصل به المطاف إلى مصر التي تعرض فيها لسلسلة من المحن، فنجّاه الله منها ليتولى بحكمته وسياسته عملية إنقاذ مصر وما حولها من القحط الشديد الذي أصابها، ما دفع إخوته إلى المجيء إليه ثم استقرارهم مع أبيهم في مصر، وكان ذلك في عهد الهكسوس في القرن السابع عشر قبل الميلاد.

وبعد طرد الهكسوس من مصر وتولي الفراعنة المصريين الحكم بدأت مرحلة اضطهاد شديدة لبني إسرائيل لعلاقتهم السابقة مع الهكسوس الغرباء، وازداد العنت والظلم في عصر رمسيس الثاني الذي ترجح بعض المصادر أنه فرعون الذي أمر بقتل ذكورهم واستحياء إناثهم واستعبادهم حتى هلك منهم الكثير.

وفي زمانه الذي امتد بين سنتي 1304 ق.م و1237 ق.م يُعتقد أن موسى وُلد من سبط لاوي بن يعقوب، وقبله بثلاث سنوات وُلد أخوه هارون. وقصته مع فرعون وقومه وخروجه بهم ومواجهته لانحرافاتهم العقدية المتجددة ذُكرت أيضا في القرآن الكريم والكتاب المقدس، وقد أدت إلى بقائهم في مرحلة التيه أربعين عاماً في صحراء سيناء وحرمانهم من دخول الأرض المقدسة (فلسطين) لأنهم رفضوا أمر نبيهم موسى بمقاتلة الكنعانيين وفتح فلسطين.

لوحة تخيلية ليوشع بن نون وهو يأمر الشمس بالتوقف عن الحركة حتى لا تغرب قبل أن يتم له النصر

وبعد وفاة موسى خلفه تلميذه يوشع بن نون، وهو أول نبي بعده، وهو الذي قاد بني إسرائيل وتمكن من فتح بعض المدن الكنعانية، وبوفاته انقطعت القيادة الاجتماعية لبني إسرائيل وتفرقت الأسباط إلى مجموعات يقود كلا منها قاضٍ أو كاهن، وهو بمثابة الحاكم العسكري، وبدأ بذلك ما يعرف بعصر القضاة، وهو عهد يتصف بالتوتر والضعف والانحراف عقدياً، حيث ارتد فيه بنو إسرائيل عن عبادة الله إلى عبادة بعل وعشتاروت وغيرها من الأوثان وشيدوا لها المعابد وقدموا القرابين وانتشرت فيهم الفاحشة انتشاراً كبيراً، وتسلط عليهم الكنعانيون والفلسطينيون الوثنيون، وفي آخر عصر القضاة ظهر فيهم نبي ترجح المصادر أنه صموئيل، وقد ورد ذكره مبهماً في القرآن الكريم في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا، قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة:246].

وقد طلب بنو إسرائيل من نبيهم أن يختار لهم ملكاً عليهم ليوحدهم في مواجهة أعدائهم، فأوحى الله إليه أنه سيولي عليهم طالوت (أو شاؤل كما ورد في أسفارهم)، فجمعهم للقتال وانتصروا على الفلسطينيين الوثنيين، وذلك بعد أن قام داود -والذي كان ضمن الجيش شاباً صغيراً- بقتل جالوت (جليات).

وبعد موت طالوت تولى داود قيادة بني إسرائيل، وفيه اجتمعت النبوة والملك، ثم خلفه من بعده ابنه النبي سليمان، والذي كان عصره أزهى العصور لبني إسرائيل، فنعمت مملكته برخاء وسلام لم تعرف له مثيلاً من قبل ومن بعد. وبعد وفاته انقسمت مملكته بين ابنه رحبعام وأحد عبيده يربعام، وانقسم معها الأسباط إلى مملكتين:

  • مملكة إسرائيل: بقيادة يربعام في الشمال وعاصمتها السامرة (نابلس)، ومعبدها على جبل جرزيم وكانت تضم عشرة من أسباط بني إسرائيل، واستمرت إلى أن قضى عليها الآشوريون سنة 722 ق.م.
  • مملكة يهوذا: بقيادة رحبعام بن سليمان في الجنوب وعاصمتها أورشليم (القدس)، وتضم سبطي يهوذا وبنيامين، واستمرت إلى أن حطمها نبوخذ نصر ملك بابل سنة 586 ق.م.

رسم تخيلي لتدمير القدس على يد البابليين

انتشرت المفاسد وعبادة الأوثان في المملكتين وظهر فيهم الكثير من الأنبياء، وذكر القرآن اثنين منهم هما إلياس واليسع، بينما تعدد المصادر اليهودية والمسيحية أسماء أنبياء آخرين مثل إشعيا وعاموس وغيرهم، وقد حاولوا تصحيح انحرافات قومهم ولقوا منهم عنتاً واضطهاداً، حتى يقال إن الإسرائيليين قتلوا مئات الأنبياء ونشروا بعضهم بالمناشير كما حدث للنبي إشعيا. وقد أدى فسادهم هذا إلى تسلط أعدائهم عليهم حتى قضي على الدولتين تماماً ودمَّر نبوخذ نصر أورشليم وهدم أسوارها وما فيها وسبى ثلث شعبها وساقهم عبيداً إلى بابل في العراق، كما يقال إنه قتل الثلث منهم.

وفي المنفى بالعراق، عاش اليهود مرحلة جديدة اتسمت بالانعزال والذل، مع الشعور بأنهم شعب الله المختار، وظهر في مرحلة السبي هذه أنبياء آخرون، ونقرأ في مصادرهم أسماء بعضهم ومنهم عزير (عزرا) ودانيال وحزقيال.

استفاد اليهود من تسلط الفرس على الدولة البابلية، واستغلوا نساءهم الجميلات (وأشهرهم إستير) للتقرب من حكَّام الفرس حتى استطاعوا إقناع الملك الفارسي قورش بعودتهم من السبي إلى فلسطين وإعادة بناء أورشليم و”هيكل الرب” كما يسمونه سنة 538 ق.م، وتزعَّم النبيان عزرا ونحميا -حسب مصادرهم- حركة العودة من المنفى.

رسم تخيلي لهيكل سليمان (Israel Truths)

ورغم الدعم والتعاطف الشديد الذي قدمه الفرس لليهود، إلا أن اليهود سرعان ما تحوّل ولاؤهم للقوة الجديدة الصاعدة في المنطقة والمتمثلة في الإمبراطور اليوناني الإسكندر المقدوني الذي تمكن سنة 330 ق.م من القضاء على الحكم الفارسي لبلاد الشام، وخضع اليهود لحكمه وقدموا له المساعدات فعاملهم معاملةً حسنة.

بعد وفاة الإسكندر اقتسم قوّاده إمبراطوريته الواسعة وظهر البطالسة في مصر مع تولى بطليموس الأول حكم مصر وفلسطين، وفي عهده بدأ اليهود تمردهم الأول على اليونان والذي كان نتيجته اقتياد أكثر من 100 ألف منهم أسرى إلى مصر، ثم عاد قسم كبير منهم إلى فلسطين في عهد خليفته بطليموس الثاني الذي أسس مكتبة الإسكندرية الشهيرة، وقد أبدى تعاطفاً كبيراً معهم، كما تمت في عهده ترجمة النسخ المعتمدة آنذاك من التوراة إلى اللغة اللاتينية بواسطة 72 حبراً من أحبار اليهود وخلال 72 يوماً كما يزعمون، مع أن الكثير من الباحثين -ومن بينهم الرهبانية اليسوعية- يشككون في هذه القصة.

ومع انتصار السلوقيين على البطالسة وسيطرتهم على فلسطين بدأ عصر الاضطهاد والإذلال لليهود حوالي سنة 200 ق.م، وجرت محاولات لإجبارهم على ترك دينهم واعتناق الوثنيات اليونانية مما أدى إلى انفجار ثورة المكابيين سنة 166 ق.م على يد يهوذا ابن الكاهن ميتاس ولُقِّب بالمكابي أي: المعيَّن من الرب يهوه.

الحصار الروماني على يد تيطوس وتدمير القدس بريشة ديفيد روبرتس عام 1850

وبحو نحو قرن، خضع اليهود لحكم الرومان الذين سيطروا على القدس سنة 63 ق.م، وبدأت سلسلة من الثورات على حكمهم من قبل اليهود، انتهت بإقدام الحاكم الروماني تيطوس على تدمير أورشليم تدميراً كاملاً سنة 70 م، ففرَّ من اليهود من بقي حياً إلى الجزيرة العربية (تيماء وخيبر والمدينة) ومصر وليبيا وغيرها، وذهب قسم منهم إلى روما وبيعوا عبيدا، ومن هنا بدأت قصة وجودهم في أوربا.

أما في الشرق فاعتنقت إحدى القبائل التركية الوثنية المعروفة بالخزر دين اليهودية في القرن التاسع الميلادي، أي بعد ظهور الإسلام، وكانت قد استوطنت المعبر الحيوي بين بحر قزوين والبحر الأسود ومنها انحدر يهود شرق أوربا (الإشكناز) الذين يشكلون نحو 90 بالمئة من يهود العالم اليوم، وهم الذين يقوم عليهم الكيان الصهيوني في فلسطين.

ومن الملاحظ أن السرد التاريخي لمسيرة اليهود المدوَّن في العهد القديم يتوقف قبيل بعثة المسيح عيسى عليه السلام.

العـقائـد:
أولاً- الإله:
تعد قضية الألوهية في اليهودية من القضايا المشكلة للباحثين، فقد كانت اليهودية في أصلها ديانة توحيدية تدعو إلى عبادة إله واحد لا شبيه له، لا تدركه الأبصار وتعتمد عليه المخلوقات كافة ولا يعتمد على أيٍّ منها بل يسمو عليها. وكثرة الأنبياء فيهم كان هدفها تنقية عقيدتهم باستمرار مما أصابها من شوائب الوثنية المتكررة والتي أدت- إضافةً إلى عوامل أخرى- إلى تطور مفهوم الألوهية عندهم إلى الحلول والمشابهة، فالإله في اليهودية وكما تصفه أسفار العهد القديم كائن يتصف بصفات البشر فهو يأكل ويشرب ويتعب ويستريح ويضحك ويبكي، غضوب متعطش للدماء متقلب الأطوار، ويأخذ الأبناء والأحفاد بذنوب الآباء، بل ويحس بالندم ووخز الضمير، وهو ليس عالماً بكل شيء لذلك نجده مثلاً يطلب من أبناء إسرائيل أن يرشدوه بأن يصبغوا أبواب بيوتهم بالدم حتى لا يهلكهم مع أعدائهم المصريين عن طريق الخطأ.

وباستعراض نماذج مما ذكرته التوراة والتلمود من صفات الرب يمكن استنتاج الملامح التالية لعقيدتهم فيه:

1- يعتقد اليهود أن آدم هو ابن الله لأن الله خلقه من روحه فبثّ فيه جزءاً من ذاته، فهم عندما يدّعون أنهم أبناء الله وأحباؤه لا يقصدون البنوة المعنوية كما يتبادر للذهن للوهلة الأولى لكنهم يقصدون أن أرواحهم جزء من ذات الله لأنهم وحدهم يمثلون نسل آدم وحواء في نقائه وهم أبناؤه حساً ومعنىً على الحقيقة، فآدم وحواء -عندهم- زنى كلٌّ منهما مع عشاق لهما من الجن وأنجبا ذرية ينحدر منها باقي البشر أما اليهود فهم من أبناء آدم وحواء وحدهم.

2- الرب عندهم هو رب الأرباب الأخرى التي يدخل في صراع معها ويدمرها، وهو لا يهتم بأن تعبد الشعوب الأخرى غيره لكنه يهتم اهتماماً شديداً بأن يعبده أبناؤه وشعبه إسرائيل ويغار غيرة شديدة عندما يتجهون لغيره لأنه اصطفاهم وجعلهم أحباءه وأبناءه، لذلك نجده يحجب الهداية عن فرعون ويقسِّي قلبه مع أنه قال لموسى وهارون “صلّيا لأجلي”، أي أنه أراد الهداية ولكن الرب لا يهمه ذلك. وقد استخدم كاتب التوراة أسلوباً بذيئاً حين صوّر الرب وكأنه قد تزوج إسرائيل التي ذهبت تزني مع أوثان وهو يغار عليها ويرجوها أن ترجع إليه كعهدها السابق، فيقول: “حاكموا أمكم -أي إسرائيل- لأنها ليست امرأتي وأنا لست رجلها، لكي تعزل زناها عن وجهها.. ولا أرحم أولادها لأنهم أولاد زنى، لأن أمهم زنت، التي حبلت بهم صنعت خزياً لأنها قالت: أذهبُ وراء محبيَّ الذي يعطون خبزي ومائي وصوفي.. لكن هأنذا أتملقها وأذهب إلى البرية وألاطفها وأعطيها كروماً هناك وهي تغني هناك كأيام صباها.. يكون في ذلك اليوم يقول الرب: إنك تدعينني رجلي ولا تدعينني بعلي” [سفر يوشع 2/ 2- 21]، فالرب -حسب زعمهم- ينفر من كلمة بعل لأن إسرائيل عبدت بعل فأصبح يكره هذه الكلمة، وقد اضطررنا للاجتزاء من النص السابق لأنه يتضمن أوصافا غير لائقة.

3- الله حسب زعمهم لا يريد للإنسان أن يكتسب المعرفة بل أن يبقى جاهلاً حتى لا ينافسه لذلك منعه من أكل الشجرة، بل كان أيضا جاهلاً ولم يعرف أن آدم أكل منها إلا عندما أخبره هو بذلك، ثم طرده من الجنة ومنعه من دخولها خوفاً من يأكل من شجرة الخلد فيشاركه الخلود.

4- الرب في التوراة متجسد على هيئة البشر ويمكن رؤيته في الدنيا وقد رآه كل الأنبياء، ومنهم إبراهيم الذي زاره الإله على هيئة رجل مع اثنين من الملائكة وجلسوا ليستريحوا تحت شجرة وغسلوا أرجلهم وأكلوا وشربوا. كما ظهر لبني إسرائيل على شكل عمود سحاب في النهار وعمود نار في الليل ومشى أمام شعبه ليهديهم الطريق، ويتكرر نزوله إلى الأرض مرات ومرات ويمكن أن يتكلم مع غير المؤمنين أيضاً ليهددهم إن أرادوا إيذاء شعبه المفضل.

5- تنسب التوراة له الندم والبكاء واللطم على وجهه، وقد ظهر ذلك منه بعد أن شرد أبناءه اليهود وخرب بيت المقدس، فخصص ساعات من النهار ليبكي على تشريدهم وصرخ قائلاً “تباً لي لأني صرّحت بخراب بيتي وإحراق هيكلي ونهب أولادي”، وعندما سمع أبناءه يمجدونه بالرغم مما فعله بهم بكي ولطم وجهه وقال “طوبى لمن يمجده الناس.. وويلٌ للأب الذي يمجده أبناؤه مع عدم استحقاقه لذلك لأنه قضى عليهم بالتشريد”.

تابوت العهد كما جاء وصفه في الأسفار والذي يعتقدون أنه يحتوي على الألواح التي أنزلت على موسى وهو مفقود اليوم

6- يعتقدون أنه أمر موسى وهارون ببناء خيمة الاجتماع ليسكن فيها ثم جعل التابوت مقراً له ليكون على مقربة من أبنائه يرعاهم ويدبر أمورهم، ويسمونه “رب الجنود الجالس في التابوت”، وبما أن التابوت وقع في أيدي أعدائهم مراراً فقد سُجن الرب فيه، فقرر أن يسكن في جبل صهيون في أورشليم، وأخيراً بنى له سليمان الهيكل العظيم ليستقر فيه ويرتاح من التجوال، لكن الهيكل نفسه هُدم فانتقل الرب إلى السماء، ومن هنا يتبين حرص اليهود على بناء الهيكل ليعود الرب إليه بزعمهم فهم لا يستطيعون التخلي عن نزعتهم المادية المحسوسة التي تصوروا الإله من خلالها والتي لازمتهم طوال تاريخهم رغم الجهود المضنية التي بذلها الأنبياء لتخليصهم منها.

7- الرب عندهم يحب القرابين واللحم المشوي، وبمجرد أن يتنسم رائحته تنبسط أساريره ويفعل لهم ما يشاؤون من تعذيب الأمم الأخرى وقتلها وحرقها ولا يهم بعد ذلك إن عبدوا الأوثان أو سرقوا الأموال، كما لا يهمه ما إذا كانت اللحم المشوي نفسه من أغنام مسروقة أم لا، فقد زعموا أن يعقوب سرق أغنام خاله وقدّم اللحم المشوي للرب فرضي وقبله بعد أن تنسم رائحته وأعطى يعقوب العهد له ولأولاده. وتطورت هذه الفكرة عندهم حتى أصبحت طقساً راسخاً يقتلون لأجله في كل سنة إنساناً غير يهودي ويستخدمون دمه لصناعة الفطير المقدس الذي يعتقدون أن الرب يحبه كثيراً ويأكل منه كبار الأحبار والكهنة.

وهذا يبرز غلبة الطبيعة المادية عليهم، فحتى مع وجود موسى بينهم وما جاءهم به من الآيات كانوا يطلبون منه أن يجعل لهم رباً مادياً كغيرهم من الوثنيين، ثم امتد أثر هذه العقيدة ليخالط تصورهم للإله، ويقول عباس محمود العقاد: “إن الوحدانية التي يدركها اليهود لم تكن وحدانية تفكير لكنها وحدانية تغليب لرب من الأرباب على سائر الأرباب.. لليهود إله يعلو على آلهة غيرهم من البشر” [إبراهيم أبو الأنبياء، ص112].

وللإله في اليهودية أسماء متعددة وهي:

1- يهوه: وهو أكثر الأسماء قداسة ولا يُعرف اشتقاقه بشكل مؤكد، وأكثر ما قيل فيه إنه مشتق من مادة الحياة أو من مصدر الكينونة في العبرية (أهييه آشر أهييه) أي أكون الذي أكون، أو هي نداء لضمير الغائب أي “يا هو”، وقيل إن معناه سيد ورب في العبرية واستخدمه اليهود في الإطلاق على الخالق سبحانه. ولم يعرف هذا الاسم تاريخياً كما نصت التوراة قبل موسى كما جاء في سفر الخروج [6/2- 3] عندما كلم الرب موسى قائلاً “أنا الرب ظهرت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء وأما باسمي يهوه  فلم أُعرف عندهم”.

ولقداسة الاسم كان اليهود لا يتفوهون به بل يستخدمون كلمة “أدوناي” العبرية بمعنى سيدي أو مولاي للإشارة إلى الإله. وبما أنه مكون من أربعة أحرف فقد استعاضوا عن التلفظ به بكلمة “تتراجراماتون” أي الرباعي، ولا ينطق اسم يهوه إلا الكاهن الأعظم فقط داخل قدس الأقداس بهيكل سليمان في يوم الغفران.

وقد نسب العهد القديم إلى يهوه صوراً عديدة للقسوة، فكان يأمر شعبه بالغدر والقتل كما أنه محدود المعرفة وتنسب إليه صفات النقص في البشر.

2- إلوهيم: اسم من أصل كنعاني وهو بصيغة الجمع لكلمة “إيلوَّه” أي إله، وعدّها بعض الباحثين دليلاً على إيمان اليهود في مرحلة من مراحلهم بتعدد الآلهة، إلا أن المدقق في أوصاف إلوهيم عندما يأتي الاسم في العهد القديم يلاحظ أن صفات إلوهيم تختلف عن صفات يهوه، فإلوهيم إله رحيم خلق السماوات والأرض ولا يشبه مخلوقاته، لذا رجح البعض أن الاسم يدل على الإله مع إضافة لاحقة الجمع (يم) العبرية التي تدل على التفخيم، وظهور هذا الاسم فيهم يشير إلى مرحلة شهدت تنقية عقائدهم من كثير من الشوائب، وهو الاسم الذي شاع استخدامه علماً على الإله في مملكة إسرائيل الشمالية.

3- إيل: لا يعرف أصل هذا الاسم أيضاً، فقيل هي كلمة أكادية وتعني الإله على وجه العموم، وكثيراً ما تستخدم مع لقب من ألقاب الإله مثل “إيل عليون” أي الإله العلي، كما تستعمل كجزء من أسماء عديدة مثل “إيلعازر” أي الإله قد أعان، وهو أسلوب مستخدم حتى يومنا هذا.

وتُذكر للإله في العهد القديم أسماء أخرى كثيرة، منها رب الجنود، ومقدِّس يسرائيل، وإله إسرائيل الذي يتكرر مئات المرات ويترتب عليه أن أبناء إسرائيل وحدهم هم البشر ولهم إله خاص بهم أما باقي الخلائق فليسوا كذلك.

ثانياً- الأنبياء:
من يقرأ الكتب المقدسة عند اليهود يجد أنهم يثبتون بعثة عدد كبير من الأنبياء المتفق على نبوتهم في الإسلام كنوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن جاء من بنيه من رسل، ومنهم موسى وهارون ويوشع بن نون وداود وسليمان وإلياس واليسع وغيرهم.

ويلاحظ الباحث اختلاف مصطلح النبوة عند اليهود عما هو عليه لدى المسلمين، فهو لا يقتصر عند اليهود على من اصطفاهم الله لهذه المهمة العظيمة بل يتسع ليشمل أصنافا متعددة، ومن قراءة أسفار التوراة والكتب الملحقة بها يمكن رسم ملامح مفهوم النبوة كما يفهمه اليهود ويدينون به من خلال النقاط التالية:

1- جاء التصريح في العهد القديم بنبوة بعض النساء مثل مريم أخت موسى وهارون (وهي ليست مريم أم عيسى)، ودبورة التي جمعت بين القضاء والنبوة، وخلدة التي جمعت بين الكهانة والنبوة أيضاً، كما أنها ممكنة للكبار والصغار والعبيد والإماء.

سفر إشعيا

2- النبوة ممتدة في بني يعقوب (إسرائيل) إلى الآن، ففي التوراة نقرأ “قال الرب (لأشعيا): روحي الذي عليك وكلامي الذي وضعته في فمك لا يزول من فمك ولا من نسلك قال الرب من الآن وإلى الأبد”. [أشعيا 59/21].

3- قد يجتمع فيهم مئة نبي في مكان واحد مما يدلُّ على كثرتهم فيهم.

4- دلت الأسفار على أن النبوة تُكتسب اكتساباً وليس اصطفاءً من الله، فزعموا بذلك أن بعض الأنبياء سلكوا طرقاً ملتوية للحصول عليها، كما فعل يعقوب مع أخيه عيسو حين خدع أباه إسحاق وانتزع حق خلافته في النبوة من أخيه البكر عيسو بخطة دبرها مع أمه، وعندما علم إسحاق بذلك سقط في يده ولم يستطع تغيير الأمر الواقع، بل حتى الرب نفسه بزعمهم رضي بالخديعة وقبل نبوة يعقوب الذي سيصبح أباً لشعبه المفضل.

5- قد يرسل الرب أنبياء لإرشاد الأنبياء أنفسهم، “وكان إلى كلام الرب قائلاً يا ابن آدم تنبأ على أنبياء إسرائيل” [حزقيال: 13/2-3]، ما يعني أن الأنبياء قد ضلوا فتطلب الأمر إرسال أنبياء آخرين ليردوهم إلى جادة الصواب، وهذه الفكرة تؤدي بالضرورة إلى رفع العصمة عن الأنبياء، ومن ثم فلا يلزم الناس اتباع أي منهم لاحتمال كذبهم وضلالهم في أي شيء.

6- الباحث في العهد القديم يجد أن الأنبياء المذكورين في أسفاره لا يختلفون عن بقية البشر في شيء، فيجوز عليهم الكذب والغش والخداع والمعاصي كبيرها وصغيرها في حال نبوتهم، كما يجوز عليهم الإشراك بالله ودعوة الناس إلى الشرك أيضاً، كما تذكر الأسفار أنبياء للأوثان كأنبياء بعل وعشتاروت مما يصعب على الباحث مهمة التمييز بين النبي الصادق والكاذب في نظر التوراة، وقد ذهب الحَبر اليهودي موسى بن ميمون إلى أن النبي هو كل مُخبَر بغيب من جهة التكهن والشعور أو من جهة الرؤيا الصادقة ولعل هذا هو سبب تسمية أنبياء البعل وعشتاروت بذلك.

7- ذهب الحبر سعديا الفيومي إلى تعريف النبوة بأنها اصطفاء من الله، وتعريف الرسول بأنه مؤيد بالمعجزات، فيقول: “فأي رسول اختاره الله الخالق لرسالته جعل سبيله أن يعطيه علامة من هذه الأعلام: إما قهر طبائع كمنع النار أن تحرق أو حبس الماء أن يجري أو قلب عين كما يقلب الحيوان جماداً والجماد حيواناً… فإذا دفع إليه علامة من هذه وجب على من رآها من الناس أن يفضلوه ويصدقوه فيما يقول”، وهذا التعريف يخالف ما نجده في التوراة من إثبات نبوة كثير من أنبيائهم.

وعد بلفور

8- استفادت الصهيونية من سعة مصطلح النبوة في العهد القديم وجعلته أكثر سعةً وامتداداً حتى جعلتها في متناول كل من يقوم بدورٍ مهم لخدمة الشعب اليهودي في كل زمان، حتى أصبح كل يهودي مخلص في مصافِّ الأنبياء، فقالوا عن ديفيد بن غوريون إنه النبي المسلح وعن جابوتنسكي نبي محارب، بل يزعم البعض أن رئيس وزراء بريطانيا آرثر بلفور (صاحب وعد بلفور) هو الآخر نبي.

ومضامين الوحي تشمل أوامر الله ونواهيه وتعاليمه لبني إسرائيل، كما تشتمل في رأيهم أيضاً على أمور لا تتناسب مع تنزيه الإله وكرامة أنبيائه، ومنها:
1- الرب يأمر أنبياءه بالفواحش، فيقول “اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى” [يوشع: 1/2]، كما يطلب من نبيه أشعيا أن يتعرى تماماً ويدعو بني إسرائيل لثلاث سنوات ويمدحه على ذلك [أشعيا: 20/2]، وفي المقابل يقول القرآن الكريم {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 28].

2- يطلب الرب من أنبيائه أن يقضوا له حاجاته، فيطلب من داود مثلا أن يبني بيتاً له لأنه كان يسكن في خيمة: “في تلك الليلة كان كلام الله إلى ناثان قائلاً اذهب وقل لداود عبدي هكذا قال الرب أنت لا تبني لي بيتاً للسكنى لأني لم أسكن في بيت منذ يوم أصعدت إسرائيل إلى هذا اليوم بل سرت من خيمة إلى خيمة ومن مسكن إلى مسكن” [صموئيل الثاني: 7/ 6].

3- تتضمن التوراة التي يعتقدون أنها من الوحي سرداً تاريخياً لحياة بني إسرائيل، فأغلب الأسفار هي حكاية تاريخية وبيانٌ لحروبهم وصراعاتهم وتنقلاتهم وأسماء أماكنهم ورجالهم.

4- تحتوي الأسفار على صفات قبيحة للأنبياء يتنزه عنها الرجل العادي فضلاً عن الصالح، فتزعم أن سليمان مال إلى عبادة الأصنام بسبب حبه لنسائه الوثنيات وأنه ختم عمره بعبادتها وبالسحر، وتتهم هارون بأنه هو الذي صنع العجل الذهبي وأمر بني إسرائيل بعبادته في غياب موسى، وتورد قصصا عن محاججة الأنبياء للرب واعتراضهم على أحكامه كما فعل إبراهيم وموسى وإلياهو (إلياس)، أما يعقوب فقالوا إنه علم بزنى ابنه راؤبين بزوجته ومع ذلك سكت عن فعله، ونسبوا إلى لوط الزنا بابنتيه بعد سكره معهما، أما داود فقد شاهد -حسب زعمهم- امرأة عارية تستحم فأعجب بها وزنا بها وتخلص من زوجها (أحد قادة جيشه) بإرساله في معركة وجعله في مقدم الجيش ليضمن قتله، ثم ضم هذه الزوجة إلى نسائه فكانت نتيجة هذا الفعل ولادة ابنه سليمان.

ثالثاُ- الكتب المقدسة:
الكتاب الأول- العهد القديم أو التوراة: هو كتاب اليهود المقدس وشريعتهم المكتوبة، وسمي بالعهد القديم للتمييز بينه وبين العهد الجديد الذي يؤمن به المسيحيون، فقد كُتبت أسفاره قبل عهد المسيح، وهو “عهد الرب” الذي تكرر لإبراهيم ثم إسحاق ثم يعقوب ثم تكرر على لسان موسى والأنبياء من بعده.

ويضم حسب رأي اليهود الأسفار التي جاء بها موسى وأنبياء بني إسرائيل من بعده، ويطلق اسم التوراة على الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم، كما يطلق على الكتاب بكامله لأن أسفارها هي الأقدس عندهم ومن باب إطلاق اسم الجزء على الكل، والأسفار جمع سِفر وهو الكتاب، أما الأسفار الخمسة فهي:

1- سفر التكوين: يبدأ من خلق الكون مروراً بقصة آدم وتعرضه للإغواء وخروجه من الجنة، وقصة نوح والطوفان وما كان من أمر أبنائه بعد الطوفان سام وحام ويافث، ثم قصة إبراهيم وسلالته والعهد الذي قطعه الرب معه، ويذكر بالتفصيل قصة أبناء يعقوب الإثني عشر وقصة يوسف وينتهي بوفاة يوسف.

2- سفر الخروج: يتضمن قصة موسى منذ ولادته أثناء اضطهاد فرعون لبني إسرائيل، ونشأته في قصر فرعون وتحركاته وخروجه إلى مدين وصحراء سيناء وكلام الله له فيها ونبوته، وترد في هذا السفر الوصايا العشر وقانون العهد وهي مجموعة من الشرائع والقوانين، كما ترد في السفر قصة ارتداد بني إسرائيل وعبادتهم العجل وتفاصيل رحلتهم شرقاً.

3- سفر اللاويين (أو الأحبار عند المسيحيين): لاوي هو أحد أبناء يعقوب، ومن نسله تحدر السبط الذي ولد فيه موسى وهارون، وفي نسله تنحصر الكهانة حسب ما جاء في السفر، إلا أن أحبار اليهود تعاونوا فيما بعد على إلغاء هذه القاعدة. وفي هذا السفر يتوقف السرد التاريخي ويبدأ التركيز على التعاليم الخاصة بالحياة الدينية حتى سماه علماء الشريعة الإسرائيلية “القانون الكهنوتي”.

4- سفر العدد: سمي بذلك لبروز ظاهرة التعداد الدقيق فيه، حيث ترد فيه إحصاءات تفصيلية لتعداد بني إسرائيل الراحلين مع موسى في التيه وعدد المدن والذبائح، ويُذكر فيه أن مدة التيه أربعين سنة، ويعود فيه السرد التاريخي لقصة موسى وقومه ويكثر فيه تذمرهم منه والاحتجاج عليه وعلى ربه حتى يصل إلى التآمر عليه من إخوته هارون ومريم أنفسهم.

5-سفر التثنية: هو آخر الأسفار الخمسة، ومعناه تثنية الشريعة أي إعادتها وتكرارها على بني إسرائيل مرة ثانية عند خروجهم من صحراء سيناء ووصولهم إلى سهول النقب وجنوب الأردن، وتضمن نسخاً لبعض تعاليم الشريعة الأولى أو إضافة أشياء لم ترد من قبل، ويتحدث عن وفاة هارون واستخلاف يوشع بن نون تلميذ موسى وخادمه، ثم وفاة موسى في جبل مؤاب وعدم معرفة قبره إلى الآن. فيقول في الفقرتين 5 و6 “فمات هناك موسى.. وتم دفنه في الوادي في أرض مؤاب تجاه بيت فاعور ولم يعرف أحدٌ قبره إلى يومنا هذا”.

أما القسم الثاني من العهد القديم فهو كتاب “الأنبياء”، ويضم بدوره قسم الأنبياء الأول وقسم الأنبياء الآخر، ويتضمن الأول أربعة أسفار يتتابع فيها السرد التاريخي لمسيرة الاسرائليين وهي: يوشع بن نون، والقضاة، وصموئيل، والملوك. ويتضمن الثاني أسفار خمسة عشر نبياً عندهم تولوا قيادتهم الروحية في ظروف سياسية واجتماعية حالكة، ومنهم عاموس وإشعيا وإرميا وحزقيال.

والقسم الثالث من العهد القديم هو “الكتب” أو “أسفار الحكمة”، وهي أسفار يغلب عليها الطابع الأدبي شعراً ونثراً وتتضمن قصصاً وحكماً تواترت لديهم وتحتوي تمجيداً لبطولاتهم في الاستقرار في فلسطين أو الرجوع إليها بعد السبي البابلي، وعددها اثنا عشر سفراً وأهمها: مزامير داود (وهو الزبور)، وأمثال سليمان، وأيوب، ونشيد الأناشيد، ودانيال، وإستير، وعزرا.

كان علماء اليهود واللاهوت المسيحي يعتقدون أن موسى هو الذي كتب الأسفار الخمسة، وأن الذي نزل من السماء مكتوباً هو لوحان فقط، وأن موسى كسرهما عندما رأى بني إسرائيل يعبدون العجل. كما اعتقدوا أن بقية أنبياء بني إسرائيل كتبوا الأسفار المنسوبة إليهم، وأن معظمها كُتب باللغة العبرية وبعضها بالآرامية، ثم تُرجمت في عهد بطليموس الثاني (246ق.م) إلى اليونانية، وذلك على يد 72 حبراً من أحبار الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد، فسميت بالترجمة السبعينية، وهي الترجمة المعتمدة لدى معظم الطوائف اليهودية والمسيحية.

الفيلسوف اليهودي الهولندي باروخ إسبينوزا كان من أوائل الباحثين الأوروبيين الذين اجترأوا على نقد العهد القديم وكشف تناقضاته في القرن السابع عشر

لكن هذه الاعتقادات بدأت بالتلاشي في القرن الثامن عشر، حيث أكدت أبحاث كثيرة أن الأسفار الخمسة كتبها مئات الأحبار على مدى القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، أي بعد وفاة موسى بقرابة ألف عام، وأنها جُمعت بشكلها الحالي بعد ذلك بكثير، كما وجدوا أنها عبارة عن كتب تجمع أساطير وأشعار وتراث شعوب وحضارات الشرق الأدنى المتنوعة، وأن قيمتها تقتصر على الجانب الأدبي فقط

كما أثبتت الدراسات أن الأسفار المنسوبة للأنبياء لم يكتبها الأنبياء بل اشترك في كتابتها عدد كبير من المؤلفين والأحبار الذين لم تُعرف أسماؤهم، وكذلك بقية أسفار العهد القديم.

وبالنتيجة اضطر الكثير من علماء اللاهوت والأحبار لتغيير موقفهم، فقالوا إن الأسفار لم يكتبها موسى والأنبياء إلا أن روح الرب كانت تظلل الكتَّاب المجهولين على مدى ألف عام، وبهذا فقد أسقطوا المعنى الحقيقي للوحي، كما رأوا أن وجود الأخطاء التاريخية في الأسفار لا ينفي عنها صفة الإلهام لأن الوحي من الله لا يمنع الوقوع في أخطاء وتناقضات -حسب تصورهم- ورتبوا على ذلك ضرورة فهمها بالمعنى الإجمالي، وتأويل ما يناقض العلم والتاريخ وإن كان تأويلاً متعسفاً

وأرجع الباحثون في العهد القديم أسفار موسى الخمسة إلى أربعة مصادر رئيسية هي:

1- المصدر أو النص اليهَوي: حيث يُذكر الله باسم (يهوه) الذي كان شائعا في مملكة الجنوب يهوذا في القرن التاسع قبل الميلاد، ويتحدث هذا النص عن بدء الخليقة وينتهي بموت يعقوب، ويتميز بأنه تصويري وساذج ومليء بالأساطير، حتى أنه يجسد يهوه بصورة بشرية.

2- المصدر الإلوهيمي: حيث يذكر اسم الله باسم (إلوهيم) الذي كان شائعا في مملكة الشمال إسرائيل وعاصمتها السامرة، وزمان كتابته متقدم على النص اليهوي في القرن الثامن قبل الميلاد. وموضوعه الأحداث الخاصة بإبراهيم وذريته، وأسلوبه أكثر اعتدالاً لا سيما في تصويره للرب الذي يتحدث عنه بتنزيه أكبر، وأنه رب العالمين وليس خاصاً بإسرائيل وحدها. ويمتاز هذان المصدران بكثرة الروايات والقصص وندرة التشريعات، وقد أدمجا في مجموعة واحدة في القرن السابع قبل الميلاد.

3- مصدر سفر التثنية (تثنية الاشتراع): وهو سفر تتكرر فيه الشرائع والقوانين، وقد أعلن العثور عليه في زمن الملك يوشياهو ملك يهوذا سنة 620 ق.م، وأسلوبه مختلف عما سبق ويتميز بالإنشاء الخطابي.

4- النص الكهنوتي: وهو يتألف من فصول كتبها الكهنة في عصر النفي إلى بابل وما بعد النفي، أي في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد في زمن عزرا (عزير في القرآن الكريم)، ويتميز هذا النص بالتكرار والتشدد والميل إلى كل ما يتعلق بالذبائح والطقوس والكهانة.

وبعد كتابة الأنواع الأربعة السابقة، جمعها الأحبار في كتاب واحد أسموه “التوراة” أو أسفار موسى الخمسة، وذلك في عصور متأخرة جداً تصل إلى ما بعد ظهور المسيح عيسى. وهذا يفسر التناقض الكبير بين الأسفار نفسها.

ويقول الباحث اليهودي إدمون جاكوب في كتابه “العهد القديم” إنه لا يوجد نص واحد للعهد القديم بل نصوص كثيرة، ففي القرن الثالث قبل الميلاد كان هناك -على الأقل- ثلاث مدونات للنص العبري للأسفار الخمسة وهي: النص الماسوري أي المحقق الذي تم اعتماده بعد عصر موسى بحوالي 2300 سنة، والنص السامري الذي تؤمن به طائفة يهود السامرة، والترجمة السبعينية إلى اليونانية [موريس بوكاي، ص39]

وثمة شكوك أيضا حول الترجمة السبعينية، حيث ترى المسكونية الفرنسية أنها تمت خلال فترة زمنية طويلة بواسطة كتَّاب لم يلتزموا بدقة الترجمة، بل كان لهم حق الإضافة والحذف. كما صرحت دائرة المعارف البريطانية (الطبعة 15: 2/879) بأن النص اليوناني يختلف عن النص العبري اختلافاً بيناً، وفيه زيادات كثيرة في مختلف الأسفار.

ويقول جاكوب إن ما يرويه العهد القديم عن موسى والأنبياء لا يتفق إلا بشكل تقريبي مع المجرى التاريخي للأحداث، لكن الرواة كانوا يعرفون كيف يضفون الأناقة والخيال على مروياتهم بحيث يربطون بين أحداث شديدة التنوع، وقد نجحوا في تقديم هذه الأحداث في شكل حكاية لما حدث في أصل العالم والإنسان، أي أن كتَبة التوراة أضافوا بخيالهم إلى النص أشياء كثيرة لم تحدث.

وهذا يؤكد ما جاء في القرآن الكريم عن تحريف اليهود للتوراة الأصلية تحريفاً كبيراً، حيث يتفق علماء الإسلام على وقوع هذا التحريف بيد أنهم يختلفون في معناه على قولين، هما:

القول الأول: التحريف والتبديل وقع في التأويل والنص ولكن في أجزاء محدودة من التوراة، مثل زعم الأحبار أن الله صارع يعقوب طوال الليل ولم يستطع أن يتغلب عليه، وأنه سبحانه تعب بعد خلق السماوات والأرض فاستراح في اليوم السابع وهو يوم السبت، وأن النبي لوط زنى بابنتيه بعد أن شرب الخمر، وغيرها مما رأى النقاد الأوروبيون أنفسهم -في عصر النهضة وبعده- أنه لا يمكن أن يكون من الوحي الإلهي.

القول الثاني: التوراة التي أنزلت على موسى بُدِّلت كلها أو أكثرها، ولا يوجد تطابق بين توراة موسى والتوراة الموجودة اليوم في شيء، والشذرات الصحيحة المنبثَّة في الأسفار الحالية نادرة جداً. وهذا القول هو الأرجح الذي ذهب إليه المتبحرون في دراسة الأسفار ومقارنة الأديان، مثل ابن حزم الأندلسي، وأبي حامد الغزالي، وإمام الحرمين الجويني، وابن تيمية، وابن القيم، والقرطبي صاحب التفسير، ورحمة الله الهندي وغيرهم.

أما أنواع تحريف التوراة التي نبَّه إليها القرآن فهي: تحريف بالتبديل ويكون بوضع كلمة مكان كلمة أو جملة مكان جملة، وتحريف بالزيادة والنقصان ويكون بزيادة أو حذف كلمة أو جملة، وتحريف بتغيير المعنى دون تغيير اللفظ. وهناك قسمٌ من أصل التوراة نسيه اليهود وفُقد منهم بسبب بذنوبهم، كما بيّن ذلك القرآن بقوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13].

ويرجع الباحثون أسباب ضياع التوراة إلى عوامل عدة منها: الحروب التي خاضها بنو إسرائيل مع أعدائهم، وما تعرضوا له من سبي وشتات، وانحرافاتهم العقدية وارتدادهم المتكرر عن دينهم حتى عبدوا البعل وعشتروت ومولوخ وغيرها من الأوثان كما تذكر أسفار العهد القديم، فضلا عن اضطهادهم لأنبيائهم إلى درجة قتل بعضهم.

ويرى باحثون مسلمون معاصرون أن أحبار اليهود كتموا ما بقي لديهم من التوراة وأخرجوا للناس نقيضها لإفسادهم وحجبهم عن معرفة الحق، لأن انتشار الإلحاد والفساد بأنواعه يضمن لهم السيطرة على العالم، ويرجح الباحث بهاء الأمير في كتابه “الوحي ونقيضه” أن العائلات اليهودية الكبرى التي تسيطر على إمبراطوريات المال والإعلام في العالم تحتفظ بالتوراة وتبث نقيضها عبر أذرعها في الجمعيات السرية المسيطرة على مفاصل القوة في الدول العظمى. ويقول إن أحد أبرز مظاهر إفسادهم هو تحريفهم لقصة خلق  الإنسان في التوراة، وما ترتب على هذا التحريف من فساد عقدي وتمكينٍ لسطوة الشيطان على الإنسان الذي يضمن سيطرتهم ونفوذهم.

تناقضات وتساؤلات في أسفار العهد القديم
يذكر سفر التكوين قصتين للخلق، ففي الأولى [1: 20- 27] خلق الله النباتات والحيوانات أولاً ثم خلق الإنسان، وفي الثانية [2: 7، 19] خلق الإنسان أولاً ثم خلق النباتات والحيوانات.

المدة الفاصلة بين خلق آدم وطوفان نوح تبلغ في النسخة العبرية 1656 سنة، وفي النسخة اليونانية 2262 سنة، أما في النسخة السامرية فتبلغ 1307 سنة.

في سفر الخروج [6: 2] يخبر الله نبيه إبراهيم بأن اسمه ليس “يهوه”، إلا أنه يؤكد له في سفر التكوين [22: 14] أن اسمه “يهوه”.

يقول سفر العدد إن النبي هارون توفي في جبل هور [20: 28]، بينما يقول سفر التثنية إنه توفي في موسير (موسره) [10: 6].

في سفر صمويل الأول [18: 19]: ابنة شاؤول اسمها ميراب، أما في سفر صموئيل الثاني [21: 8] فاسمها ميكال، ويقول السفر إن داود أخذ بني ميكال الخمسة وأسلمهم للصلب مع إثنين آخرين حتى يرضى الرب ويمنع استمرار المجاعة، لكن نسخا أوروبية حديثة للسفر عدّلت النص وجعلتهم أولاد ميراب.

يقول سفر التثنية “فمات هناك موسى عبد الرب في أرض مواب… ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم” [34: 5- 6]، فلو كان موسى هو كاتب العهد القديم فكيف يكتب عن وفاته واختفاء قبره؟

جاء في سفر حزقيال [18: 20] أن الأبناء لا يحملون ذنوب الآباء، وفي سفر التثنية [24/ 16]: “لا تقتل الآباء بالبنين ولا تقتل البنون بالآباء، بل كل امرئ بذنبه يُقتل”، بينما ينص سفر الخروج [20: 5] على أن الرب ينتقم من الأبناء حتى الجيل الثالث والرابع بسبب ذنوب الآباء.

الكتاب الثاني- التلمود: يأتي في المقام الثاني بعد التوراة، وهو الشريعة الشفوية، ويتألف من قسمين هما المشناة والجمارا.

أحبار يتدارسون التلمود بريشة كارل تشيلشر

أما المِشناة فهي مجموعة من الشرائع اليهودية المروية على الألسنة، حيث يعدها اليهود مصدراً رئيسياً من مصادر التشريع، ويظنون أنها تعود إلى موسى نفسه، فيسمونها “التوراة الشفوية”. ولم يبدؤوا بتدوينها إلا بعد السبي البابلي في القرن الخامس قبل الميلاد واستقرت كتابتها على الوضع الذي نعرفه في نهاية القرن الثاني بعد الميلاد.

تقسم المشناة إلى ستة أقسام تتضمن التعاليم الدينية الخاصة بكل من: الأرض والزراعة، الأيام والأعياد المقدسة، النساء وأحكامهن، القصاص والعقوبات، القرابين وخدمة الهيكل، أحكام الطهارة والحلال والحرام. وقد كتبت بلغة عبرية حديثة قياساً إلى عبرية التوراة.

وبعد الانتهاء من تدوينها انكب أحبار اليهود على شرح المشناة، وأودعوا في شرحهم كل ما أرادوا إشاعته بين عوام اليهود من شرائع وحكايات في كل مجال، فسمي هذا الشرح “جمارا” أي التكملة، وكتب بالآرامية، ومن اجتماع المِشناة والجمارا تكون “التلمود”.

تركزت مدارس الشرح في العراق خلال السبي البابلي كما ظهر لها شرّاح في فلسطين من فلول اليهود التي بقيت هناك بعد السبي، وأدى ذلك إلى ظهور تلمودين: تلمود بابلي شرح المشنة كاملةً، وتلمود أورشليمي ناقص شرح فصولاً منها، وعندما يُطلق التلمود يقصد به التلمود البابلي.

 

رابعاً- عقيدة يوم الرب وعقيدة الماشيَّح المنتظر:
يعتقد اليهود أن الرب اختار إسرائيل شعباً له ووعدهم بإخضاع شعوب الأرض لهم. ومع أن ذلك لم يحدث دائماً، ومع أنهم يقرّون بإصرارهم على التفريط في عهدهم معه وأن الدنيا تبدو بعيدة عن الكمال المطلوب وفق تصورهم لها، فإن ذلك يقتضي أن يُنزل الرب عقابه الصارم وينتقم لشعبه المختار ويكون له مع الدنيا يومٌ عظيم.

وقد ذُكر “يوم الرب” على لسان النبي عاموس في السفر المنسوب له محذراً من الانتقام الإلهي من المخالفين، وخلط اليهود بدهاء قضيتهم بقضية الإله، فهم ينتظرون يوم الرب ليحمل لهم انتصار شعب الرب المختار على الأمم الأخرى التي ستدين لهم بالخضوع فيه، أما كلمات عاموس نفسه فتشير إلى أنه يومٌ تنتصر فيه العدالة الإلهية التي سيرتعد منها الشعب اليهودي رعباً مما اقترفه من آثام. [عاموس 5/18-20].

أما “يوم الرب” بالمعنى الذي قصده الأنبياء من وعيد وانتقام من العصاة، سواء من اليهود أو غيرهم، فهو موضع تهكم وسخرية لديهم حيث أطلقوا عليه اسم “أحَريت هَيَّاميم” أي آخرة الأيام أو اليوم الآخر، ويقصدون به معنىً مختلفاً تماماً عن المعنى المتعارف عليه عند المسيحيين والمسلمين الذين يؤمنون بالآخرة، فهو عندهم اليوم البعيد جداً الذي لن يأتي مما اضطر نبيهم حزقيال إلى تقريعهم وتحذيرهم كما جاء في سفره [12/21 وما بعدها].

أرض الموتى كما تخيلها الرسام جون مارتن في القرن الثامن عشر

كانت النصوص الإسرائيلية القديمة تتحدث عن أرض الموتى (شيول)، وهي مكان أسطوري محايد يذهب إليه الموتى وغير مرتبط بالثواب والعقاب أو البعث والحساب. ثم اختلف مفسرو التوراة وأحبار التلمود في تفسير معنى “جهنم”، فقال البعض إنه “الوادي الملعون” الذي يُعاقب فيه المذنبون داخل الزمان، ودون تحديد لمدى العقوبة، حيث قيل إن الآثمين من بني إسرائيل سيُعاقَبون عاما واحدا ثم تباد أرواحهم، وقيل إنهم سيذهبون إلى الجنة بعد قضاء فترة العقوبة، ورأى آخرون أن كل بني إسرائيل سيبعثون بعد الموت وينقذهم إبراهيم من دخول جهنم، كما أنكر بعض الحاخامات وجود جهنم وقالوا إن أرواح الأشرار ستباد ولن تخلد في العذاب، وفي العصر الحديث أسقط كثير من اليهود فكرة جهنم نهائيا، وما تزال مفاهيم البعث والآخرة غامضة في فكرهم الديني. [موسوعة المسيري: 14/289].

وأما قضية المسيح المنتظر فهي من أهم قضايا اليهود على الإطلاق، والمسيح أو الماشيَّح أو المسيّا هو الممسوح بالزيت، وهو رجل من نسل داود سيأتي حسب زعمهم ليعيد دولة اليهود في فلسطين ويقيم بناء الهيكل المهدم، وبواسطته سيحكم اليهود العالم.

وقد زاد الحديث عنه بكثرة في مرحلة النفي، وفي كل مرحلة ضعف تعرضوا لها ازداد تعلقهم بالمسيا الذي سيأتي ليخلصهم وينتقم لهم من العالم، وتكررت نبوءات الأنبياء بقدومه حتى ملأت معظم أسفار العهد القديم والتلمود البابلي خاصة.

ولا بد من علامات تسبق ظهور الماشيح، فيقولون إنه لن يظهر إلا بعد تجمع اليهود من الشتات في الأرض المقدسة، وتجمع الثروة في أيدي اليهود وسيطرتهم على العالم اقتصادياً بشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة، كما أنه لا يظهر إلا بعد قيام حرب عالمية رهيبة يهلك فيها ثلثا سكان العالم ويؤمن به الثلث الباقي، وتسمى هذه الحرب عندهم “حرب التنين” وهي التي يطلق عليها المسيحيون المتصهينون معركة “هرمجدون” [انظر مقال المسيحية المتصهينة]، فيظهر الماشيح عقبها وتدين له شعوب الأرض كافة بالخضوع.

كما لا بد أن يسبق ظهوره هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه، ويزعم التلمود أنه بظهوره ستعم البركة والخير والعدل الأرض ويصبح اليهود سادة البشر. واختلف الحاخامات في مدة بقائه فمنهم من جعلها أربعين سنة، وقال بعضهم إنها سبعون سنة، وزعم آخرون أنها آلاف السنين.

ومن أشهر الشخصيات المترتبة على تعلقهم بفكرة المسيح المنتظر وأشدها ارتباطاً به هي شخصية النبي إلياس الذي يسميه اليهود (إلياهو)، وأخباره كثيرة مشهورة في سفر الملوك الأول وكان معاصراً للملك آخاب في مملكة إسرائيل -عاصمتها السامرة- الذي عبد بعل إرضاء لزوجته الصيدونية الوثنية، وكانت له مواقف عديدة في مواجهة الملك وقومه الذين انحرفوا عن عبادة الله وشاع فيهم الفساد حتى رُفع إلى السماء في مركبة نارية كما يذكر العهد القديم.

ودوره الأهم عندهم يتمثل في عودته قبل ظهور الماشيح مبشراً به، كما يقولون إنه ينزل من حين إلى حين إلى هذه الدنيا ليطمئن على اليهود وإقامتهم لشعائرهم، لذلك اقتضت تقاليد عيد الفصح عندهم تخصيص كأس نبيذ ومكان فارغ على مائدة الفصح في كل بيت للنبي إلياهو لعله يحضر الاحتفال كما تصوره قصصهم الشعبية للأطفال كشخصية مماثلة لشخصية “بابا نويل” أو “سانتا كروز” عن المسيحيين.

ويسجل التاريخ ظهور كثير من اليهود الذين ادعى كل منهم أنه المسيح المنتظر، ومنهم داود الرائي (حوالي سنة 1163م) في العراق زمن الخلافة العباسية، الذي استفاد من علوم المسلمين المزدهرة في عصره وأتقن التنجيم والسحر ودعا للذهاب إلى القدس وانتزاعها من يد المسلمين وإعلان حكم يهودي فيها وأنه المسيح المخلص لليهود، ومن أشهرهم في العصر الحديث شبتاي صِبي (زيفي) الذي عاش في الدولة العثمانية حوالي عام 1647م، وقام بدور أساسي في نشوء ما عرف بعد ذلك بيهود الدونمة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا اليهودية، وكانوا العامل الأبرز في إسقاط الخلافة الإسلامية فيما بعد سنة 1908م.

بالرغم من إنكار الكثير من اليهود المعاصرين، فإن هناك أدلة تاريخية كثيرة على أن الإسرائيليين القدامى تقربوا إلى الإله الكنعاني “مولوخ”، والذي يُرجح أنه تجسيد للشيطان، عن طريق التضحية بالأطفال، وما زال البعض يمارسون هذه الطقوس السرية في العصر الحديث.

نصوص تأمر بالعنف في العهد القديم:
“فضرباً تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف وتحرّمها بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف، تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة” [سفر التثنية 18: 28].

“حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك” [سفر التثنية 20: 10- 15].

“فالآن أقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة عرفت رجلا بمضاجعة ذكر اقتلوها” [سفر العدد 31: 17].

“فالآن اذهب واضرب عماليق وحرّموا كل ما له ولا تعف عنهم بل اقتل رجلا وامرأة، طفلا ورضيعا، بقرا وغنما، جملا وحمارا” [سفر صموئيل الأول 15: 3].

“كما أثكل سيفك النساء كذلك تُثكل أمك بين النساء” [سفر صموئيل الأول 15: 33].

“طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة” [سفر المزامير 137: 9].

“ليكن بنوه أيتاماً وامرأته أرملة، ليته بنوه يتماناً ويستعطوا ويلتمسوا خبزاً من خربهم” [سفر المزامير 109: 10- 11].

“تجازى السامرة لأنها قد تمردت على إلهها، بالسيف يسقطون، تحطم أطفالهم والحوامل تشقّ” [سفر يوشع 13: 16].

“وأطعمهم لحم بنيهم ولحم بناتهم فيأكلون كل واحد لحم صاحبه في الحصار والضيق الذي يضايقهم به أعداؤهم” [سفر إرميا 19: 9].

الشريعة اليهودية
تعد الوصايا العشر التي وردت في سفر الخروج عصب الشريعة الموسوية، وقد تكررت في سفر التثنية للتأكيد على أهميتها وجاء فيها: ثم تكلم الله بجميع هذا الكلام قائلاً:

  • أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من دار العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمام وجهي.
  • لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة،… لا تسجد لها ولا تعبدها لأني أنا الرب إلهك إله غيور أتعقب ذنوب الآباء في الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع من أعدائي، وأصنع إحساناً إلى أولف من أحبائي وحافظي وصاياي.
  • لا تحلف باسم الرب إلهك باطلاً، لأن الرب لا يبرئ من ينطق باسمه باطلاً.
  • اذكر يوم السبت لتقدسه في ستة أيام تعمل وتنجز كل أعمالك واليوم السابع سبت للرب إلهك… لأن الرب خلق السماوات والأرض والبحر وكل ما فيها في ستة أيام، وفي اليوم السابع استراح ولذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه.
  • أكرم أباك وأمك كيي يطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك.
  • لا تقتل.
  • لا تزن.
  • لا تسرق.
  • لا تشهد على قريبك شهادة زور.
  • لا تشتهِ بيت قريبك، لا تشتهِ امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لقريبك.

عرس يهودي في أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر

كما تتصف الشريعة اليهودية بأحكام تميزها عن غيرها من الشرائع، ففي الزواج مثلاً يعد بقاء اليهودي في العزوبة أمراً منافياً للدين، لأنه يتسبب في أن يتخلى الرب عن شعبه إسرائيل، ويحرم الزواج بين اليهود وغيرهم الذين يسمون في كتب الشريعة عندهم كفاراً أو (الغوييم) أي الأمم الأخرى أو الأغيار، ويستوي في ذلك المسلمون والمسيحيون والوثنيون، ومنهم من تشدد فأكد على ضرورة وحدة المذهب أيضاً، والأولاد الناتجون عن زواج مخالف هم أولاد زنا، ويصح عندهم أن يعقد بين اثنين كان أحدهما أجنبياً ثم اعتنق الدين لكن أولادهما لا يصح أن يكون منهم كهنة في إسرائيل تأكيداً للنزعة العنصرية التي تصبغ أكثر شرائعهم الفقهية. ويجوز للإسرائيلي الزواج من ابنة أخته أو ابنة أخيه ولكن العكس محرم فلا يحل للمرأة الزواج من ابن أختها أو ابن أخيها، ثم حرم كثير من أحبارهم الزواج ببنت الأخ. كما أن تعدد الزوجات كان جائزاً شرعاً ولم يرد نص بتحريمه أو تحديد حدٍّ أقصى له، وكانت عادة اليهود باتخاذ أكثر من زوجة إلى أن أفتى الحاخام جرشوم بن يهودا الفرنسي (توفي عام 1040م) بتحريم تعدد الزوجات، وذلك نتيجة ما لاقاه يهود أوروبا في العصور الوسطى من اضطهاد واحتقار لأسباب منها تعدد الزوجات المحرم عند المسيحيين، لكن فتواه لم تطبق واستمر التعدد سراً وعلناً لاسيما في بلدان آسيا وأفريقيا.

عرس تقليدي لابن أحد الحاخامات

ومن خصائص الشريعة اليهودية مسألة اليِبُّوم، وهي أرملة اليهودي الذي مات ولم ينجب فيجب عندئذ تزويجها لأخيه الأعزب، فإذا أنجب منها فإن المولود لا يحمل اسمه بل اسم أخيه الميت وينسب إليه، وإذا امتنع أخو المتوفى عن هذا الزواج فإنه يشهر به ويخلع من المجتمع الإسرائيلي.

كذلك تهتم الشريعة اليهودية بالابن البكر فهو خليفة أبيه في السلطة والثروة، وكثيراً ما كانت تشتعل المنافسات بين الإخوة الصغار وأخيهم الأكبر بسبب هذا وتنسج المؤامرات، وأوضح الأمثلة قصة يعقوب وتآمره مع أمه على انتزاع حق البكورية من أخيه عيسو المذكورة في سفر التكوين. والعبارة التالية توضح الغاية من هذا التشريع، فقد نص بن شمعون في قانونه على أن: “البكر من الجارية أو الأجنبية لا يمنع البكورة من الإسرائيلية” والمقصود نزع حق النسبة وميراث النبوة من إسماعيل جد العرب من أبيه إبراهيم وإثباتها لإسحاق ونسله فقط، فمع أن إسماعيل وُلد قبل أخيه إسحاق إلا أنه ابن هاجر الجارية المصرية، أما إسحاق المتأخر في الولادة فكان سليل الزوجة سارة التي توصف بأنها عبرية، وكان لا بد من هذا التشريع لتستقيم نظريتهم في شعب الله المختار.

أما بالنسبة للأموال والممتلكات فنجد أن الرِّبا محرم بين اليهود فقط، وعقوبة المخالف لذلك التكفير والخلع، بينما يباح الرِّبا إذا أقرض اليهودي لغير اليهودي. لكن الأحبار تحايلوا على هذا التشريع فيما بينهم أيضاً.

وباستعراض تقاليد اليهود في الطعام والشراب، نجد أنه يحلُّون من الحيوانات كل ما له ظلف مشقوق وليست له أنياب ويأكل العشب ويجتر، وبذلك يحرم عليهم الخيل والبغال والحمير وكذلك الجمل، والخنزير لأنه ذو ناب والسباع بأنواعها كما يحرم عليهم الأرنب وما يتصل به من قوارض آكلة للعشب لأنها ذات أظافر لا أظلاف مشقوقة، كما يحرم من الطيور كل ما له منقار معقوف أو مخلب أو كان ممن يأكل الرمم، وتذبح الحيوانات الصالحة للأكل من منحرها بالطريقة الشرعية وبعد تلاوة بركة تتضمن اسم الرب. أما صيد البحر فكله حرام عليهم باستثناء السمك الذي له زعانف وعليه قشور فقط، كما أن الدم محرم عليهم كتحريمه على المسلمين، ويحرم عليهم الجمع بين اللحم واللبن الحليب أو أي شيء يمت له بصلة في طعام واحد، لذلك يحرم طبخ اللحوم في السمن والزبد بل تطبخ بزيوت نباتية. كما يحرم أن يوضع اللحم في إناء كان قد وضع فيه لبن أو جبن من قبل.

ويولي اليهود اهتماماً شديداً بأعيادهم الدينية لارتباطها بتعاليم التوراة من جهة وبتاريخهم من جهة أخرى، وأكثر أعيادهم أهمية في توضيح عقيدتهم:

طقوس يوم السبت في لوحة من القرن الرابع عشر

1- السبت: هو العيد الأسبوعي لدى اليهود، ويبدأ من غروب يوم الجمعة إلى غروب السبت، وأهم شعائره الكفُّ عن أي عمل في ذلك اليوم لأن الرب -كما زعم كتبة سفر التكوين- استراح فيه بعد أن تعب من خلق السماوات والأرض، حيث يقول “وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع وبارك الله اليوم السابع وقدسه” [التكوين: 2/ 3]. وتقدم ذبيحة في هذا اليوم لأن الرب “يحب اللحم المشوي”، وتتشدد الشريعة اليهودية في أحكام السبت فمن يعمل عملاً فيه يحكم بالإعدام، حيث زعم كتبة التوراة أن موسى قتل رجلاً لأنه احتطب يوم السبت [الخروج: 31/ 14- 15]، وتطبيق شعائره من أهم بنود الوصايا العشر التي جاء بها موسى كما يقولون.

ومن الأمور المحرمة في السبت استدعاء طبيب لمعاينة مريض مهما كانت حالته حرجة، وعدم صنع طعام أو إيقاد نار، لذلك يصنع اليهود المتدينون طعامهم قبل غروب الجمعة، والامتناع عن الكتابة والتعاقد والبيع والشراء والخروج من البيوت والقتال وإبرام عقود الزواج. لكن الأحبار أبدعوا طرقاً للتحايل على هذه القيود، حيث ذكر القرآن نموذجاً منها في قصة أصحاب السبت [البقرة: 65]، وللتحايل على مسألة الحروب والقتال أباحوا للكاهن الأعلى أن يعلن الحرب على أساس أنها حرب دفاعية، ولهذا يسمى جيشهم اليوم بجيش الدفاع الإسرائيلي.

2- عيد الفصح أو عيد العبور أو الفطير: هو أهم الأعياد اليهودية على الإطلاق، فيحتفلون فيه بإخراجهم من مصر ونجاتهم من فرعون، والفصح كلمة عبرية تعني العبور أي عبور البحر، وسمي عيد الفطير لأنهم لا يأكلون فيه إلا فطيراً قبل أن يختمر كما فعل آباؤهم عند خروجهم من مصر حيث أخذوا معهم عجينهم قبل أن يختمر، وتستمر الاحتفالات بهذا العيد سبعة أيام ويقع في شهر أبيب العبري الموافق لشهر أبريل/نيسان، وعلى كل عائلة أن تذبح استعداداً له خروفاً وأن تلطخ بدمه باب بيتها وعتبته وقائمتيه، وذلك إحياءً لما نص عليه سفر الخروج الذي جاء فيه أن الرب عندما قرر إهلاك كل المصريين -وليس فرعون وجيشه فحسب- نزل وتمشى في أرض مصر ليقتل كل المصريين وأبناءهم وبهائمهم، وحتى لا يخطئ الرب ويقتل أحداً من شعبه المختار فقد جعل لهم علامة تيميز بيوتهم عن بيوت المصريين، فأمرهم بأن يذبح كل منهم شاة ويغمس عتبة بيته بدمها كي يتعرف الرب على بيوتهم فلا يمسها بسوء، وفي هذا التصور للإله يبدو واضحا أنه لا يعلم كل شيء.

شوارع تل أبيب فارغة في يوم الغفران (Roy Boshi)

3- يوم الغفران (يوم كِبُّور): هو يوم من كل سنة حددته الشريعة اليهودية للتكفير عن الخطايا ويسمى يوم الكفارة، ويوافق اليوم العاشر من الشهر السابع من السنة العبرية، وينبغي فيه الامتناع عن العمل، مع الصوم والاعتراف بالخطايا وإقامة الطقوس المستمدة من التوراة، حيث ينص سفر اللاويين على أن الرب أمر موسى وهارون بأن يحضرا تيسين، الأول يقدمانه للرب بعد أن يتلو هارون على رأسه كل خطايا بني إسرائيل ويذبحانه ليحملها عنهم، ويلطخان بدمه قدس الأقداس في خيمة الاجتماع وغطاء التابوت الذي فيه الرب، أما الثاني فيحمل خطاياهم ويرسلونه في البرية، وهو مقدم لعزازيل (إبليس نفسه) في طقوس أقرب ما تكون من عبادة الشيطان وتقديم القرابين له، ما يؤكد تسلل عقيدة ثنوية (ثنائية) الآلهة لدى اليهود، انطلاقا من مفهوم ازدواجية الخير والشر في العالم. وبما أن ذنوب الشعب المختار كلها تُكفّر في هذا اليوم فقد أصبح لدى البعض يوماً لارتكاب جميع الموبقات ونكث العهود، بل وإنكار الحقوق والديون والتحلل من الالتزامات، وبعد انتهاء الطقوس تذهب كل الذبائح والقرابين إلى بيت الكاهن.

4- عيد الفوريم أو البوريم أو عيد المساخر: له ارتباط وثيق بسفر أستير الذي يحكي قصة غانية فاتنة من بي إسرائيل اسمها أستير نجحت في الوصول إلى قلب الملك الفارسي أحشويروش أو قورش الأول (الذي حكم بلاد فارس من 485 إلى 465 ق. م) بعد أن علمت أن وزيره هامان يزمع استصدار أمر من الملك بإعدام طائفة من اليهود في مملكته لجرائمهم، فدبرت مكيدة بمساعدة عمها مردخاي بن يائير، وبعد أن أغوت الملك وأسكرته اتهمت هامان بأنه يتآمر عليه، فصدقها وأعدم هامان وأولاده وجنوده، وجعل عمها أحد وزرائه وقرب اليهود، وعندما تولى ابنه (ربيب أستير) العرش وحطم الدولة البابلية استصدرت أمراً بإعادتهم إلى فلسطين. وكلمة “بوريم” الفارسية تعني القرعة، حيث كان هامان قد أجرى قرعة لتحديد اليوم الذي سينفذ فيه الإعدام، فوقعت القرعة على يوم 13 آذار قبل أن تنقلب الأمور عليه ويقتل. وكتب أحبار اليهود سفرا كاملا باسمها في العهد القديم، وما زالوا يتعبدون بتلاوة هذا السفر مع أنه يتضمن قصة إغوائها للملك، ويعتبرونها من أبطال إسرائيل التي أنقذت شعبها. وفي الثالث عشر من آذار من كل سنة يحتفلون بهذه المناسبة بالإكثار من شرب الخمور والفجور، ويلبسون الأقنعة والملابس التنكرية في أجواء احتفالية (كرنفالية)، فاشتهر هذا العيد -وخاصة لدى المؤرخين المسلمين الذين عاش اليهود بينهم- باسم “عيد المسخرة أو المساخر”.

أشهر الفرق اليهودية:
ينقسم جمهور اليهود عرقيا إلى طائفتين كبيرتين هما:

أولاً- الإشكناز: هم من سلالات شعوب “الخزر” التي استوطنت حوض نهر قزوين وشمال أوربا وشرقها، حيث تخلوا عن الوثنية واعتنقوا اليهودية في القرن التاسع الميلادي، أي بعد ظهور الإسلام أيضا، فهم ليسوا من بني إسرائيل ولا يمتون إليهم بصلة، ومع ذلك فهم يشكلون اليوم غالبية يهود العالم الذين يطالبون بعودة بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة.

كانت كلمة “إشكناز” تدل في العصور الوسطى على الأراضي الأوربية التي يسكنها الجنس الجرماني ثم أصبحت تدل على ألمانيا، وكذلك شمال فرنسا وشرقها والنمسا وبولونيا وسائر أوربا الشرقية ودول الاتحاد السوفييتي السابق. ونتيجة البعد الجغرافي عن فلسطين لم يستخدم الإشكناز اللغة العبرية، فحلّت محلها رطانة خاصة بحارات اليهود (غيتوهات) أساسها لهجة ألمانية قديمة ممزوجة بألفاظ عبرية، ومستقاة من المصطلح الديني عند اليهود، فلما عادوا للاهتمام بالعبرية في العصر الحديث ظهرت بينهم لهجة خاصة محرفة، ولهم طقوس خاصة في الأعياد وبعض التقاليد المختلفة في المأكل والمشرب والملبس، وذلك بتأثير الأمم التي عاشوا في كنفها والمناخ البارد الذي اعتادوا عليه قروناً، ومن الإشكناز خرج أقطاب الصهيونية المعاصرة في بدايات القرن العشرين الميلادي.

ثانياً- السفارد (سفارديم): هم اليهود الذين استقروا في حوض البحر الأبيض المتوسط المتحدرون من يهود شبه جزيرة إيبيريا (إسبانيا والبرتغال)، فبعد دخول المسلمين إلى الأندلس تمتع اليهود هناك بحرّية دينية وثقافية واجتماعية كبيرة مما سمح لهم بالمحافظة على استعادة عبريتهم التي فقدوها لقرون، وعندما تعرض اليهود مع المسلمين للاضطهاد في محاكم التفتيش الكاثوليكية بعد سقوط الأندلس عام 1492م، هاجر عدد كبير منهم إلى فرنسا وإنجلترا وإيطاليا واليونان وتركيا وأطلق عليهم اسم سفارديم. ومع تأسيس الكيان الصهيوني نزح معظمهم إلى هناك وشكلوا أغلبية السكان، لا سيما وأنهم كانوا يحافظون على اللغة العبرية التي أصبحت اللغة الرسمية للدولة الناشئة، لكن قادة الصهيونية من الإشكناز سارعوا إلى الضغط على الاتحاد السوفييتي لترحيل ملايين اليهود الإشكناز كي يشكلوا غالبية سكان إسرائيل ويطبعوا الدولة بطابعها الغربي العنصري.

تشير دراسات مختلفة إلى أن اليهود الإشكناز يمثلون 83.33% من مجموع اليهود في العالم، أما السفارديم فنسبتهم حوالي 5.3%، بينما تصل نسبة يهود العالم الإسلامي والشرق إلى 11.39% من مجموع اليهود في العالم والبالغ 13.2 مليوناً.

ويعتبر الكثيرون اليوم أن الإشكناز هم اليهود الغربيون وأن السفارديم هم الشرقيون، وهذا ليس صحيحا، فهناك الكثير من السفارديم اليوم في دول أوربا الغربية، كما ينبغي التمييز بين السفارديم واليهود الشرقيين (المزراحيين)، فمصطلح “اليهود الشرقيين” كان يُطلَق على بني إسرائيل الذين غادروا أورشليم بعد هدمها إلى العراق وإيران وأفغانستان والجزيرة العربية وشمال أفريقيا وجورجيا.

مجموعة من نساء الفلاشا عند حائط البرقاق بالقدس (سبوتنيك)

ومن الصعب أيضا الإقرار بأن كل المزراحيين ينحدرون من سلالة بني إسرائيل، فبالرغم من حرص اليهود على نقاء عرقهم إلا أن الكثير منهم تزوج وصاهر أعراقا أخرى في المشرق العربي والإسلامي، وهناك سلالات يهودية اليوم في الهند، وكذلك سلالة أخرى في الحبشة (الفلاشا).

ويجدر بالذكر أن يهود المشرق يختلفون عن السفارديم بخلفياتهم الثقافية والتاريخية مع أنهم يتبعون النهج السفاردي في العبادة.

وتتسم العلاقة بين الإشكناز الغربيين والسفرديم الشرقيين بتوتر شديد وصراع دائم في الكيان الصهيوني بسبب التمييز العنصري، إذ يعتبر الإشكناز أنفسهم أعلى رتبة من الآخرين، ويحتكرون لأنفسهم أهم مناصب السياسة والامتيازات الاقتصادية، مما يولد أحقاداً بين الطرفين.

وإلى جانب التصنيفات العرقية السابقة، والتي تتبعها فوارق مذهبية وثقافية أيضا، فهناك فرق أخرى انبثقت عن التطور المستمر في الفكر الديني اليهودي، وقد عاشت بعضها لمدة قد تطول أو تقصر بحسب الأحوال والملابسات، بينما اندثر أكثرها، ونذكر من هذه الفرق ما يلي:

السامريون

1- السامريون: هي فرقة صغيرة لا يزيد عدد أبنائها عن المئات، تعيش بجوار مدينة نابلس الفلسطينية التي قامت على أنقاض مدينة السامرة التي ينتسبون إليها، ويزعمون أنهم البقية الباقية على الدين الصحيح، ولا يؤمنون بنبوة الأنبياء الذين جاءت أسفارهم بعد توراة موسى في العهد القديم ويعدونها من صنع البشر باستثناء سفر يوشع بن نون، فيرفضون التلمود وغيره من كتابات الأحبار. ولهم نسختهم الخاصة من التوراة التي تختلف اختلافاً محسوساً عن التوراة الشائعة، ويقدسون جبل جرزيم قرب نابلس ويسمونه جبل الطور تيمناً بالطور الذي كلم الله عليه موسى، ويعيشون في عزلة عن بقية اليهود، وينفون عن عامة اليهود الانتساب إلى إسرائيل أو الإيمان بإله إسرائيل.

2- الفريسيون: هم طائفة علماء الشريعة (الأحبار) قديماً الذين كانت لهم الكلمة العليا في توجيه المجتمع اليهودي على عهد المسيح، كما كانوا من ألدّ خصومه وأكثرهم تعصباً، وامتازوا آنذاك بمنزلتهم عند الولاة الرومان. واسمهم مشتقٌ من كلمة “فروشيم” التي تعني “المفروزون” أي الذين امتازوا على الجمهور وعزلوا أنفسهم عنهم وأصبحوا لعلمهم ومعرفتهم بأسرار الشريعة الصفوة المختارة، ويعتبرون بقية اليهود من “عوام الأرض”. وإذا كان اليهود عامة يرون أنفسهم شعب الله المختار فإن الفريسيين عدّوا أنفسهم “خاصة الخاصة”.

رسم تخيلي لبولس

والفريسيون هم الذين وضعوا التلمود وتعاليمه التي تقرر “أن مخافة الحاخامات هي مخافة الله، وأن أقوالهم أفضل من أقوال الأنبياء، وتعاليمهم لا يمكن نقضها ولا تغييرها ولو بأمر الله تعالى نفسه”. واشتهروا بوضع الحيل للتخلص من قوانين الشريعة التي كانوا يتظاهرون بالتقيد بها، لذا ناصبهم المسيح عيسى بن مريم وابن خالته يحيى بن زكريا عليهما السلام العداء، وامتلأ الإنجيل -الذي أنزل على عيسى- بذمِّهم وفضح نفاقهم حتى أصبحت كلمة “فريسي” تدل على العار.

وكان بولس -وهو أول من بدَّل دين المسيح كما سنرى في مقال المسيحية– يهودياً فريسياً، إلا أن تغلغل اليهود التدريجي في الثقافة الغربية المعاصرة بلغ من القوة أن يقنع المسيحيين البروتستانت -ولاحقا الكاثوليك- بتبرئة اليهود مما ذمهم به المسيح نفسه والنبي يحيى (يوحنا المعمدان)، مع أن اليهود هم الذين اتهموا السيدة مريم بالبهتان وقالوا في المسيح إنه ابن زنا [انظر مقال المسيحية المتصهينة].

3- القنّاؤون: كلمة قنّاء العبرية تعني الغيور أو صاحب الحميّة، والمقصود هو الحميّة الدينية، وتشبه هذه الفرقة بعقائدها وطقوسها الفريسيين إلا أنها أشد تعصباً منهم، فأتباعها يتهمون الفريسيين بالجبن والخيانة لأنهم رضوا بحكم الرومان وتعاونوا معهم فلا يُقبل أن يحكم وثني يهودياً. وقد ظهروا بعد هزيمة المكابيين على يد الرومان وكانوا يقومون بعمليات اغتيال للرومان واليهود المتعاملين معهم، ما دفع السلطات الرومانية الحاكمة إلى قمعهم بقوة، الأمر الذي رد عليه القناؤون بمزيد من التشدد وتشكيل الجماعات السرية.

وكان القناؤون يقتلون كل من يخالف الشريعة اليهودية حتى أطلق عليهم الفريسيون اسم “سيقارين” أي السفاح، وكانوا شديدي العداء للمسيح عليه السلام.

هرتزل

4- الصهيونية: إذا كانت كثير من الفرق اليهودية قد اندثرت وانتهى وجودها فإن آثارها الفكرية امتدت في الحركات اليهودية المعاصرة التي تتشكل منها مجتمعات اليهود اليوم، وأشهرها الحركة الصهيونية التي جمعت بين فكر الفريسيين وتعصب القنائين وأساليبهم.

فالصهيونية حركة سياسية عنصرية متطرفة ترمي إلى إقامة دولة لليهود في فلسطين تحكم من خلالها العالم كله، وقد اشتقت اسمها من جبل صهيون في القدس الذي تطمع إلى أن تشيد فيه “هيكل سليمان” ليكون مركز مملكتها.

وإذا عدّ معظم الباحثين في الصهيونية النمساوي اليهودي تيودور هرتزل (توفي 1904م) الداعية الأول للفكر الصهيوني فإن جذورها الفكرية والتاريخية تعود إلى ثورة المكابيين ومعظم الحركات اليهودية التي أُججت فيها الروح الدينية والقومية، فهي تنظيم وتجديد للصهيونية القديمة.

تقوم الصهيونية على تعاليم التوراة والتلمود، ومع ذلك يوجد من زعمائها من يوصف بالملحد، وهي التي تقود ما يسمى بدولة إسرائيل وتخطط لها، كما أن الماسونية تتحرك بتعاليمها وتوجيهاتها، ويخضع لها الكثير من زعماء العالم ومفكريه، ولها مئات الجمعيات في أوروبا وأمريكا في مختلف المجالات، والتي تبدو متناقضة في الظاهر لكنها في الواقع تعمل كلها لمصلحة اليهودية العالمية.

واليهود اليوم ينقسمون إلى فرق على أساس انتمائهم الديني: فمنهم المحافظون والإصلاحيون والأرذثوكس، إضافة إلى معتنقي فكر القبالاه والحسيدية.

وهناك من يبالغ في قوة اليهود مبالغة كبيرة جداً، كما نجد آخرين يقللون من شأنهم ودورهم في صنع المؤامرات، والرأيان يحتاجان إلى تقويم وتوجيه لتحديد مواطن قوة اليهود ومدى تأثيرهم في العالم وكشف خفايا مؤامراتهم، على أن استقراء الواقع يدل على أن اليهود الآن يحيون فترة علوٍ استثنائية تحتاج من المهتمين إلى الدراسة والبحث [انظر خاتمة مقال الماسونية].

يهود أرثوذكس يتجمعون للصلاة عند حائط البراق (المبكى) وهو جزء من الجدران الخارجية للمسجد الأقصى

أهم المراجع
بولس الفغالي وأنطوان عوكر، العهد القديم العبري: ترجمة بين السطور، الجامعة الأنطونية والمكتبة البولسية، 2007م.

زالمان شازار، نقد العهد القديم، ترجمة أحمد محمود هويدي، رؤية للنشر والتوزيع، 2014م.

د.م. دنلوب، تاريخ يهود الخزر، ترجمة سهيل زكار، دار قتيبة للنشر: دمشق، 2005م.

حسن ظاظا، الفكر الديني اليهودي: أطواره ومذاهبه، دار القلم: دمشق، 1999م، ط4.

محمد علي البار، المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم، دار القلم: دمشق، 2011م، ط2.

عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق: القاهرة، 1999م، ط1.

عبد المنعم فؤاد، قضية الألوهية في الأسفار اليهودية، مكتبة الثقافة الدينية: القاهرة، 2004م.

سليمان بن قاسم العيد، النبوة والأنبياء في العهد القديم، جامعة الملك سعود: الرياض، 2003م.

الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي: الرياض، 1989م، ط1.

طارق سويدان، اليهود الموسوعة المصورة، شركة الإبداع الفكري: الكويت، 2009م، ط1.

Jean Schorer, Das Christentum in der Welt und für die Welt, Wien 1949.

المسيحية (النصرانية)

ربى الحسني


يقال إن النصرانية صفة لأتباع عيسى بن مريم عليه السلام الذين آمنوا به من بني إسرائيل، لمناصرتهم له وتناصرهم فيما بينهم، حيث ذكرهم القرآن الكريم بقوله: {قال الحواريون نحن أنصار الله} [الصف: 14]، أو هي صفة مقتبسة من بلدة الناصرة في فلسطين التي ولد فيها عيسى. وفي مرحلة لاحقة أُطلق على هذه الديانة اسم المسيحية نسبة إلى المسيح عيسى بن مريم، وقد اختُلف في سبب تسميته بالمسيح، فقيل لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ وشُفي، أو لأنه مسح الأرض بالسياحة والسفر، أو هي كناية عن تعظيمه في العُرف الإسرائيلي الذي يقتضي مسح رأس الملك بالزيت المقدس وتسميته “ماشيَّح” أي الممسوح بالزيت، فيكون عيسى بذلك ممسوحا بالزيت من قبل الرب.

ويعتقد المسيحيون أو النصارى اليوم أن ديانتهم هي التي جاء بها المسيح (يسوع) بصفته أحد أقانيم الإله الثلاثة، بينما يكذبها اليهود، في حين يؤمن المسلمون بأن الأصل الذي جاء به عيسى هو الرسالة الإلهية المكملة لرسالة موسى عليهما السلام، والمُتمِّمة لما جاء في التوراة من تعاليم، وأنها موجهة إلى بني إسرائيل لدعوتهم إلى التهذيب الوجداني والنفسي وإلى أصول العقائد التي جاء بها الأنبياء والرسل جميعاً، لكنها خضعت لسلسة من التغيرات والتطورات التي حرفتها عن مسارها الأصلي وجعلتها ديناً مستقلاً ومختلفاً.

 

تاريخ بني إسرائيل قبل المسيح
فصّلنا في مقال “اليهودية” تاريخ بني إسرائيل الذي بدأ بخروج والدهم الأول يعقوب عليه السلام إلى مصر، وما تلا ذلك من أحداث تاريخية وتبعات عقائدية مروراً بعودتهم مع النبي موسى إلى فلسطين، ثم انقسام إرث داوود وسليمان إلى مملكتين متناحرتين، وظهور سلسلة من الأنبياء والقضاة والمصلحين والمحرّفين.

ولعل أكثر الأحداث تأثيرا في عقيدة بني إسرائيل خلال تاريخهم هو الهجوم الذي شنه الملك البابلي نبوخذ نصّر (بختنصر) على بيت المقدس (أورشليم) عام 586 ق.م، حيث دمرها وأخذ من بقي فيها من اليهود عبيداً إلى بابل، فخلال هذا السبي تبلورت لدى اليهود المفاهيم الاستعلائية والنظرة العنصرية تجاه شعوب الأرض، وبدأ خلالها ظهور الكتب اليهودية المقدسة على النحو المعروف اليوم.

رسم تخيلي لتدمير القدس على يد البابليين

خضعت أرض فلسطين لاحقا لحكم الفرس الذين أنهوا السبي البابلي وسمحوا لليهود بالعودة إليها سنة 538 ق.م، ثم انتهت سيطرتهم عليها سنة 332 ق.م عندما استولى عليها الإسكندر المقدوني، وبعد وفاته حكمها البطالسة ثم السلوقيون حتى سنة 63 ق.م عندما تدخلت روما نتيجة نزاعات داخلية وخارجية فيها فسيطرت عليها وأصبحت ولاية رومانية.

اختلفت حال اليهود السياسية باختلاف الحاكم، ففي بداية حكم السلوقيين حازوا الكثير من الامتيازات والحرية الدينية لممارسة شعائرهم وتحملت السلطة الحاكمة جميع نفقات معابدهم وألغت الضرائب، لكن ذلك لم يدم طويلاً، فعندما تولى أنتيوخس الرابع الحكم اتخذ ضدهم نهجاً قاسياً وألغى الامتيازات وباع الرئاسة الدينية لمن يدفع منهم أكثر، وعمد إلى نشر الثقافة اليونانية وإحلال قوانينها محل التشريعات اليهودية، فقامت ضده “ثورة المكابيين” بقيادةعائلة متاتيا اليهودية، التي حمل أفرادها المطارق أثناء ثورتهم، فكلمة مكابي تعني المطرقة. وقد انتصروا في البداية وفرضوا سيطرتهم واستعادوا المعبد وأعادوا افتتاحه، وسموا ذلك اليوم عيد حَنوكا.

وسرعان ما دخل الإسرائيليون في حروب خارجية مع جيرانهم، وفي نزاعات داخلية مع خصومهم الفريسيين الذين اعتبروا أحد أفراد العائلة غير صالح للحكم لكون أمه غير يهودية، واستمرت القلائل إلى أن تدخلت روما وفرضت سيطرتها، وتركت حكم فلسطين لعائلة المكابيين اسمياً، بينما كان الحكم الفعلي لمن تنصبه نائباً عليهم من طرفها. ومن أشهر هؤلاء النواب: هيرودس الكبير، وابنه هيرودس أنتيباس، وقد قضى الاثنان على ما بقي من أسرة المكابيين. وفي أواخر عهد هيرودس الكبير ولد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.

رسم تخيلي للمسيح وهو يجادل الفريسيين بريشة غوستاف دوريه

تنوعت الفرق اليهودية التي عاصرت مولد المسيح، وأبرزها: السامريون والأسينيون والحسيديم، إلا أن الأثر الأبرز في المجتمع اليهودي كان للفريسيين والصدوقيين، فقد ظهرت طائفة الفريسيين في أواخر عهد المكابيين ووصلت أوج قوتها في زمن المسيح، وعانى منها المسيح ووصفها بأقبح الأوصاف، وكان سبب ظهورها في بداية الأمر هو المحافظة على العقائد اليهودية من التأثير اليوناني الجارف، واشتهر أفرادها بالتمسك بحرفية النصوص والاهتمام بالمظهر الديني على حساب فساد باطنهم الشديد، فاشتهروا بوضع الحيل للتملص من قوانين الشريعة التي كانوا يتظاهرون بالتقيد بها، وكانوا يقدمون أيضاً فتاوى التخلص من قوانينها لمن يرشيهم، كما كانوا على عداء شديد مع الصدوقيين الذين ظهروا أوائل القرن الثاني قبل الميلاد وشكلوا طبقة أرستقراطية واسعة الثراء وشديدة التأثر بالثقافة اليونانية، وكانوا ينكرون البعث والجزاء والملائكة والجن ويرون أن جزاء الإنسان يتمُّ في الدنيا، ويسعون إلى استمالة السلطات الحاكمة مهما كانت ويقيمون معها علاقات ودية، وقد تأثروا بفلسفة أبيقور صاحب مذهب اللذة الذي يقول: إن اللذة هي أسمى أهداف الحياة، لكنهم لم يقصروا اللذة على الجانب الحسي منها بل هي تشمل عندهم الحياة الاجتماعية والعقلية، وأدى ذلك إلى شن الحملات عليهم من الفريسيين، وعندما جاء المسيح كان الصدوقيون طائفة محدودة ولم يهاجمهم المسيح كما هاجم الفريسيين لشدة فسادهم، ومع ذلك اتفقت الفرقتان على كرهه وعداوته والتآمر لقتله.

وسنعرض فيما يلي طائفة من أشكال الفساد والتحايل على الشريعة التي انتشرت بين اليهود -لاسيما الفريسيين منهم- قبيل عصر المسيح وزمن بعثته:

1- كانت الشريعة تحرم على اليهود حمل أي شيء خارج البيت يوم السبت، فكانوا يحتالون على ذلك بوضع أبواب ونوافذ في شوارع المدينة فتصير المدينة بزعمهم بيتاً واحداً، وكان يحرم عليهم السير في ذلك اليوم أكثر من ألف ياردة، فكان اليهودي يمشي إلى شجرة معينة ويصل إليها ثم يبدأ من هذه الشجرة المسير إلى شجرة أخرى وفي كل مرة يقول سأبدأ رحلتي من هذه الشجرة وبذلك قد تصل رحلته إلى آلاف الياردات أو أكثر.

2- كانت الشريعة تفرض على الابن أن يعول والديه في حالة الشيخوخة أو الفقر فكان الابن يتحايل على ذلك بأن يقدم ممتلكاته إلى إدارة المعبد لمدة ما شريطة أن يستردها عند طلبه مقابل جزء من المال يذهب إلى جيوب الكهنة، ويصبح الابن حينئذ فقيراً لا يمكنه إعطاء والديه شيئاً، فإذا أقام الوالدان دعوى أمام القاضي يثبت الابن أنه قدّم أمواله قرباناً للمعبد وتسقط القضية ثم يسترد أمواله من الكهنة.

3- مع أن الزنا محرم في الشريعة اليهودية ضمن الوصايا العشر إلا أن اليهود أحلّوه إذا حدث في الخفاء ولم يعلم به أحد، وبذلك انتشر بينهم انتشاراً كبيراً، فمن السهل ارتكاب هذا الفعل بعيداً عن الأعين.

4- فرض الأحبار على اليهود تقديم القرابين والنذور رجاء الحصول على الغفران، ومنها أمرهم للناس بذبح الحمام يوميا وتقديمه للمعبد، فتحول المعبد إلى سوق لبيع الحمام نفسه كي تذهب الأرباح إلى جيوبهم واللحوم إلى بيوتهم، كما ربط الأحبار والكهنة حصول الناس على الغفران برضاهم ودعائهم لهم.

5- ساءت الأحوال الاقتصادية بشكل كبير بسبب الضرائب الكثيرة التي كان الأحبار يفرضونها على الناس، كما أدى تعاملهم بالرِّبا إلى إرهاق الناس وزيادة معاناتهم وضيقهم.

وهكذا فسدت العقيدة والأخلاق، وفسدت معهما الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حيث غلبت على بني إسرائيل في تلك الفترة النزعة المادية على حساب الروح، وذلك بالرغم من ادعائهم أنهم شعب الله المختار وأحباؤه وأنهم وحدهم يمثلون الصلة بينه وبين الناس، أما غيرهم من البشر فهم دونهم في المنزلة حتى إن اعتنقوا اليهودية. ولذلك ركزت دعوة المسيح على محاربة المادية والعنصرية عند اليهود، ولقي في سبيل ذلك العنت والمشقة إلى درجة التحريض على قتله والشروع بذلك.

 

أصل المسيح ومولده
كان عمران جد المسيح أحد عظماء بني إسرائيل، وكانت زوجته عاقراً لا تلد فنذرت لله تعالى إن حملت لتجعلن ولدها محرراً، أي خالصاً لخدمة بيت الله والقيام بشؤونه، وكان نذرها على فرض الذكورة، فلما وضعتها أنثى جددت العزم على الوفاء بنذرها ولو كانت أنثى، وأودعتها مسجد الأنبياء في القدس (المسجد الأقصى) وسمتها مريم أي خادمة الرب، وكان أبوها عمران قد توفي وهي في بطن أمها فكفلها زكريا عليه السلام نبي ذلك الزمان، وكان زوج خالتها وقيل زوج أختها. فنشأت تحت رعايته مطهَّرة بعيدة عن المعاصي والآثام، وكان الله يدرُّ عليها الرزق من غير جهد ولا عنت، حتى أثار ذلك تعجب كافلها، وقد ذكر القرآن الكريم هذا الأمر بقوله: {كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا، قال يا مريم أنى لك هذا؟ قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} [آل عمران: 37].

وعندما علم زكريا بحالها رغب في الولد الصالح بالرغم من تقدم سنّه وكون امرأته عاقراً أيضاً، فاستجاب الله دعاءه ووهبه يحيى عليه السلام.

وكان لنشأة مريم الصالحة حكمة بالغة، فاصطفاها الله وجعلها أماً لمن يولد من غير نطفةٍ آدمية، ليكون آية على قدرة الله وتعاليه عن الالتزام بالأسباب، فهو خالقها والقادر على خرقها متى يشاء. وقد خصص القرآن الكريم سورة باسمها (سورة مريم) وسورة باسم عائلتها (سورة آل عمران) كرامةً لهم ورفعاً لشأنهم، وذبَّ فيهما عما يمكن أن يتقوَّله البشر عليها في شأن حملها بعيسى عليه السلام من غير زواج.

وقد فوجئت السيدة مريم بأمر الحمل عندما جاءها جبريل عليه السلام في معتكفها بعيدة عن أهلها بهيئة البشر، وبشرها بمولودها ونفخ فيها من روح الله فشعرت بالحمل، ولم يرد نص صحيح يبين مدة الحمل لكن كثيرا من علماء المسلمين رجحوا أنها المدة الشائعة بين الناس (تسعة أشهر). ولما ولدته خرجت به على قومها ففوجئوا به، حتى اتهمها البعض بالزنا، لكن الله جعل دليل براءتها من دليل الاتهام نفسه، فأنطق الغلام في المهد معلناً براءة أمه وأنه عبد لله ولد من غير أب.

رسم تخيلي لولادة المسيح بريشة جيرارد فان هونتورست عام 1622

سمي الغلام عيسى، وهو معرب من الاسم العبري يشوع المركب من كلمتين “يهوه شوع” أي “الله يخلص” أو اختصارا “المخلص”، وأما صفة المسيح (بالعبرية ماشيَّح أو مسيّا) فتطلق في العهد القديم على كل من الكاهن والملك والنبي لأنهم كانوا يُمسحون بالزيت المخلوط بالعطر كدلالة على تكريسهم لخدمة الرب وشعبه.

وقصة ولادته في الأناجيل المتداولة اليوم تأتي مختصرة، فمريم ولدت الغلام بعد أن زارها ملاك الرب ونفخ فيها، وكانت آنذاك مخطوبة ليوسف النجار، ثم تزوجها دون أن يمسها إلى أن تلد، ولذلك لم يتهمها أحد بالزنا لأنها متزوجة ظاهرياً، ولم تدوّن الأناجيل معجزة كلام عيسى في المهد.

ولم يذكر في المصادر الإسلامية شيء يتعلق بنشأة عيسى عليه السلام وما يتعلق بإرهاصات نبوته، وأغلب الظن أنه قد ظهر منه ما يدل على روحانيته وسط قومٍ سيطرت عليهم النزعة المادية، وتربى على ما كان يتربى عليه أمثاله الذين ينشؤون على التقى والمعرفة في بني إسرائيل، لا سيما وأنه من أسرة جمعت بين الصلاح والنبوة.

وقد ركزت الآيات القرآنية على الحكمة في ولادته المعجزة من غير أب، فجاء فيها: {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} [مريم: 21]، حيث دلت هذه الآية على أمرين مهمين، الأول أن ولادته من غير أب تعلن عدم تقيد قدرة الله بقانون الأسباب والمسببات، وذلك في وسط قوم غلبت عليهم النزعة المادية. والثاني: أن ولادته إعلاء لعالم الروح بين قوم أنكروها، حيث جعل كتبة التوراة الإنسان جسماً عضوياً لا روح فيه، وفسروا النفس بأنها الدم عندما قالوا “لا تأكلوا دم جسمٍ ما لأن نفس كل جسد هي دمه”.

حاول مفكرون ومؤرخون علمانيون في القرن الثامن عشر الخروج بأدلة تنفي وجود المسيح وتعتبره مجرد أسطورة، وذلك في ذروة الثورة الثقافية ضد الكنيسة في أوروبا [انظر مقال العلمانية]، وربما كانت أولى هذه المحاولات قد ظهرت على يد فليني عام 1791 في كتابه “خرائب الإمبراطورية”، ثم سار على نهجه عشرات المفكرين ولا سيما في هولندا وألمانيا. وخلال الحكم الشيوعي لروسيا وشرق أوروبا كانت المدارس تزرع في عقول الأطفال فكرة أسطورية المسيح، استنادًا إلى اعتقاد كارل ماركس بأن المسيح لم يكن سوى تجسيد لحلم البشر بتقديس أنفسهم في هيئة إنسان يُعبد. لكن هذه الأفكار لم تصمد أمام عشرات المكتشفات الأثرية والمخطوطات التي تعود إلى عصر المسيحيين الأوائل، ولا يكاد يشكك في وجود المسيح أحد من الباحثين الجادين اليوم.

لوحة تخيلية لتعميد المسيح على يد يوحنا (النبي يحيى) بريشة أندريا مانتغنا

دعوة المسيح وموقف اليهود منها
يرجح المؤرخون أن بعثة عيسى عليه السلام بدأت في سن الثلاثين، وهو السن المذكور في الأناجيل، وتقول المصادر المسيحية إن البداية كانت بالتعميد على يد يوحنا المعمدان (النبي يحيى بن زكريا لدى المسلمين)، حيث خرج يسوع من الجليل إلى يوحنا عند نهر الأردن، فعمّده بالغطس في ماء النهر، وعندئذ حلّ عليه الروح القدس على هيئة طائر الحمام، وسمع صوت من السماء يعلن “هذا ابني الحبيب الذي به سُررت تأييدًا لرسالته”.

يتطلب التعميد الغطس في المياه الجارية بعد التوبة، وهو يرمز لولادة ثانية يكون فيها الإنسان أقرب إلى الله، وقد كانت هذه العادة منتشرة في بعض المجتمعات اليهودية مثل الأسينيين.

ووفقا للمصادر المسيحية، انتقل يسوع بعد تعميده إلى البريّة للاعتكاف والصوم أربعين يومًا وليلة كما فعل موسى، وفي ختام تلك الأيام جاءه إبليس ليختبره ثلاث مرات ويثنيه عن دعوته، لكن المسيح كان يبكّته ويرد عليه بثلاث آيات من سفر التثنية. وبذلك انتصر الإنسان (المتمثل بالمسيح) على الشيطان بعد أن انتصر الشيطان على الإنسان المتمثل بآدم وحواء، وانطلق بذلك المسيح ليعلن الدعوة ويجمع الأتباع من حوله.

وأنزل الله على عيسى كتاباً اسمه الإنجيل مصدقاً للتوراة التي جاء بها موسى، فدعا إلى إصلاح العقيدة التي انحرفت وهجر الملاذ الدنيوية التي استغرقت نفوسهم في ذلك الزمان، وبشَّر بعالم الآخرة والثواب والعقاب التي أنكرها فريق منهم.

وأيده الله بمعجزات عدة، وقد ذكرت الأناجيل المعتمدة اليوم الكثير منها دون أن تحصيها لكثرتها، ومنها إحياء الموتى وشفاء المرضى والمشي على الماء والتنبؤ بالأحداث المستقبلية وتكثير الطعام القليل بحيث يكفي الألوف من الناس (إنجيل متّى)، ويرى الأساقفة أن المسيح فعل ذلك بقدرته من حيث كونه إلهاً، أما غيره من الأنبياء والرسل فيفعلونها بقدرة الله لا بقدرتهم.

وفي القرآن الكريم جاء ذكر تلك المعجزات مع معجزات أخرى، وهي تصويره من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله، وإحياؤه الموتى بإذن الله، وإبراؤه الأكمه (الذي ولد فاقداً للبصر) والأبرص، وإنباؤه بأمور غائبة عن حسِّه لم يعاينها، كما أنزل الله عليه مائدة من السماء بطلب من الحواريين (تلاميذه المقربين) لتطمئن قلوبهم. وذلك فضلا عن معجزة مولده وتكلمه في المهد، بينما لم يرد في الأناجيل المعتمدة معجزة الكلام في المهد ولا المائدة ولا خلق الطير من الطين ولا إنباء التلاميذ.

ويرى باحثون أن إتيانه بهذا النوع من المعجزات ينطوي على حكمة مفادها أنه أرسل في زمن الفلاسفة الطبيعيين وشيوع المادية، حيث ذكر الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي رينان أن اليهود آنذاك لم يكونوا على علم بالطب الطبيعي، فالتعليل الأنسب لكون معجزات المسيح على هذا النحو هو مناسبتها لأهل زمانه، لا لكونهم أطباء بل لنزعتهم الطبيعية المادية.

مقام النبي يحيى في الجامع الأموي بدمشق (James Gordon)

وقبيل بدء المسيح بدعوته تجرأ اليهود على قتل النبي يحيى الذي تصدى لفسادهم دون خوف من سطوة الحاكم، فنُقل إليه أن الملك هيرودس وقع في حب هيروديا ابنة أخيه وأنه ينوي الزواج بها وهي متزوجة، وفي رواية أنه تزوجها فعلاً وزوجها حي، فأعلن يحيى أن هذا مخالف للتوراة وأنه زواج باطل، وعندما وجدوا أنه سيكون عقبةً في سبيل هذا الزواج تآمرت أم الفتاة مع ابنتها على إغواء الملك حتى يسهل عليها أن تطلب منه رأس يحيى، فما كان منه إلا أن حقق لها ما أرادت وأحضر رأس النبي يحيى عليه السلام أمامها، ويقال إنهم قتلوا النبي زكريا أيضاً، فندد بهم المسيح وبجرأتهم على أنبياء الله وتماديهم في غيهم وبدأ دعوته.

تلقى اليهود دعوة المسيح بالرفض الشديد وكانوا أول المحاربين له ولم يؤمن به إلا القليل منهم، وهم الفقراء والمستضعفون، خاصة وأن أحبار اليهود كانوا قد جعلوا من المسيح الذي بشّر به موسى مسيحاً سياسياً يبسط سلطان بني إسرائيل على العالم أجمع، إلا أن دعوة عيسى لم تكن تتعرض للسياسة بل كانت إصلاحاً دينياً وخُلقياً، ومواجهةً لقلوب قاسية شاردة، فضلا عن مساواته بينهم وبين الناس جميعاً، فحاولوا منع الناس عن قبول دعوته واتهموه ووالدته مريم بأقذع الصفات، فلما أعيتهم الحيلة حرضوا الرومان عليه، لكن الرومان لم يلتفتوا بدايةً لتحريضهم لعدم اكتراثهم للخلافات الدينية بين اليهود، فزعم أعداؤه من اليهود أنه يحرض على الحاكم الروماني لحمله على إصدار الأمر بالقبض عليه والحكم بإعدامه صلباً.

ويوضح القرآن الكريم أن الله لم يمكّنهم من القبض عليه وقتله، بل رفعه إلى السماء وألقى شبهه على غيره فصلبوا ذلك الشبيه ظناً منهم أنه المسيح، دون أن يحدد القرآن شخصية الشبيه، فتقول الآية: { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ، وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ، مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ، وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 157-158].

بينما يعتقد المسيحيون أن المسيح صُلب وأن الواشي به هو يهوذا الأسخريوطي أحد تلاميذه (الحواريين) الاثني عشر، وأنه دُفن بعد صلبه في قبر وبعد ثلاثة أيام قام في يوم الفصح ومكث أربعين يوماً ثم ارتفع بعدها إلى السماء أمام تلاميذه الذين عيّنهم لنشر ديانته، وقال لهم: “اذهبوا إلى العالم واكرِزوا بالإنجيل للخليقة كلها” [إنجيل مرقس 16: 15]، وعمّدهم باسم الآب والابن والروح القدس، وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً.

المسيحية بعد المسيح
عندما رحل المسيح اجتمع التلاميذ الأحد عشر (بعد مفارقتهم ليهوذا الذي وشى بالمسيح والذي تختلف الروايات بين كونه هو من وقع عليه شبهه وبين من يقول إنه انتحر)، وأكملوا العمل على نشر الدعوة، وكان معهم تلاميذهم السبعون الذين اختاروهم، وكانوا يعيشون حياة بسيطة ملؤها الحب والتآخي والتعبد.

سميت هذه المجموعة بكنيسة القدس (أورشليم)، والكنيسة يقصد بها التجمع أو جماعة المدعوين، فلم تكن مبنى للعبادة كما يفهم من المصطلح اليوم بل هي تعبير مجازي عن اجتماع مجموعة من المؤمنين برئاسة يعقوب وبطرس حواريَي المسيح عليه السلام. وقد آمن بدعوتهم آلاف الناس وظهروا على أعدائهم من اليهود وغيرهم.

رسم تخيلي لبولس

وسرعان ما ظهرت شخصية كان لها الأثر الأبرز في ما وصلت إليه العقيدة المسيحية من بعده إلى يومنا هذا، وهي شخصية “بولس الرسول”، فقد اعتُمدت مقولاته في تصوير العقيدة على النحو الذي تشكلت به في المجامع المسكونية فيما بعد، ومن أجل ذلك يمتدحه المسيحيون الذين يعدونه رسولاً، وينتقده القادحون فيرونه المسؤول الأول عن تبديل دين عيسى عليه السلام وتحريفه وحشوه بالوثنية الخرافية.

والمصادر التي تُستقى منها معلومات عن بولس هي “سفر أعمال الرسل” الذي كتبه لوقا تلميذ بولس، ورسائل بولس نفسه ضمن العهد الجديد، وما كتبه الأبيونيون (الفقراء إلى الله)، وهم يهود متنصرون، وأيضاً ما كتبه بعض المؤرخين الذين جاؤوا في القرن الثاني الميلادي.

وُلد بولس في مدينة طَرَسوس جنوب تركيا، في عائلة يهودية وكان اسمه قبل أن يعتنق المسيحية شاؤول. وتاريخ ولادته غير متفق عليه وهو يتفاوت بين السنة الميلادية الخامسة والسنة الخامسة عشرة، غير أنه من المؤكد أنه وُلد بعد ولادة المسيح بوقت قصير، ولم يره على الإطلاق.

أمضى شاؤول طفولته وبداية شبابه في طَرَسوس التي انتشرت فيها المعابد والمدارس اليونانية وظهر فيها أتباع المدرسة الرواقية، كما أنها كانت تموج بالثقافات والأديان المختلفة، وكانت عبادة الآلهة أتيس وأدونيس وميثرا منتشرة فيها، والمشترك بينها أن أتباعها كانوا يعتقدون أن هذه الآلهة تموت في موعد معين من السنة ثم تبعث في موسم آخر، وهي تشبه البشر في سلوكها، فلا بد للإله أن يتعذب أولاً قبل أن يموت كما يموت الإنسان لكنه يتغلب على الموت ويُبعث من جديد ليظهر مجده وقوته، ويصوّر أتباعه قصة موته ويأكلون لحم الضحية التي تقدم ويشربون معها الخمر، فيتحول بذلك إلى لحم الإله ودمه ليتحدوا به ويطهرهم من الخطيئة، وستظهر أهمية هذه العبادة عند دراسة العقيدة المسيحية التي وضعها بولس واستفاد منها في فهمه لقصة المسيح.

تعلم بولس (شاؤول) العبرية واليونانية، وادعى أنه ذهب إلى أورشليم لدراسة اليهودية على يد أهم أحبار الفريسيين جمالئيل. لكن المتابع لسيرته يلحظ فيها تناقضات كثيرة، فقد زعم أنه فريسي وابن فريسي وفي الوقت نفسه كان أثيراً لدى الكاهن الأكبر الصدوقي وعمل في خدمته في ملاحقة المسيحيين وتعذيبهم، مع أن الصدوقيين والفريسيين كانوا على عداء شديد ومن المستبعد أن يجتمعا. ولعل أهم ما يميز شخصيته هو المراوغة والتلون حسب الحاجة، فيقول عن نفسه بعد البدء بدعوته: “فصرت لليهودي كيهودي لأربح اليهود وللذين تحت الناموس (يقصد الفريسيين)، وللذين بلا ناموس (أي الصدوقيين والسامريين) كأنني بلا ناموس.. وصرت للكل كل شيء لأخلّص على كل حال قوماً” [الرسالة الأولى 9/20- 22]، فمفتاح شخصيته يتجلى في قوله: “صرت للكل كلَّ شيء”، حيث كان على سبيل المثال يستخدم تبعيته للسلطة الرومانية في مواجهة اليهود للتخلص من العقوبات والسجن وليكسب الهلنستيين والرومان إلى صالح عقيدته الجديدة.

لوحة تخيلية من القرن التاسع عشر لما حدث مع بولس على طريق دمشق بريشة دومينيكو روميلي

ويذكر سفر أعمال الرسل قصة تحوله إلى المسيحية حوالي سنة 37م بتفاصيل متناقضة، وخلاصة ذلك أنه انطلق من أورشليم إلى دمشق من أجل اضطهاد المسيحيين وسوقهم إلى التعذيب، وفي الطريق “أبرق حوله ثقبة نور من السماء فسقط على الأرض وسمع صوتاً يقول له: شاؤول شاؤول لمَ تضطهدني؟ فقال من أنت يا رب؟ قال: أنا يسوع الذي أنت تضطهده.. الآن قُم وادخل المدينة وهناك يقال لك ماذا ينبغي أن تصنع” [أعمال 9/3- 7].

وتتفاوت تفسيرات الباحثين الغربيين لتحول بولس المفاجئ إلى المسيحية بعد أن كان من ألد أعدائها، حيث يسجل الباحث هيم ماكبي في كتابه “بولس وتحريف المسيحية” ثلاثة مواقف، إذ يرى المؤمنون بالمسيحية أنها معجزة إلهية، بينما يرى آخرون أن بولس كان يعاني من أمراض نفسية وعضوية أدت به إلى هذا التحول المفاجئ، ويرجح البعض أن بولس عجز عن محاربة المسيحية من خارجها بالعنف والاضطهاد فلجأ إلى محاربتها من الداخل واخترع هذه القصة لكي ينتسب إلى المسيحية من غير أن يثير الشكوك حوله.

ورغم أن بولس لم ير المسيح في حياته إلا أن المسيحيين عدوه في مصافِّ الرسل الإثني عشر، ويصر هو على رتبته الرسولية مؤكداً أنه لم يتلقاها من تلاميذ المسيح بل عن طريق المسيح نفسه، ما يجعله رسولا ملهما وكل ما يصدر عنه من أقوال هو إلهام ووحي. ولم يقدم بولس أي دليل على ادعائه هذا، كما تتضح في رسائله العديد من التناقضات وملامح التطور الفكري عبر مراحل دعوته (كما سيأتي لاحقاً)، ما دفع الكثير من الباحثين الغربيين إلى التشكيك في صدقه، ومنهم البروفيسور جون هيك في كتابه “أسطورة تجسد الإله في السيد المسيح”، وشارل جينيبر في كتابه “المسيحية نشأتها وتطورها”، وموريس بوكاي في كتابه “دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة”، وهيم ماكبي المذكور أعلاه.

أما أهم الأفكار العقدية التي أدخلها بولس في المسيحية فنوجزها فيما يلي:

1- تعميم الدعوة المسيحية وإخراجها من إطارها الذي يخص بني إسرائيل في عصر المسيح إلى العالمية، بدءاً من الإمبراطورية الرومانية، وهذا يناقض تعاليم المسيح الواردة في الإنجيل التي تفيد حصر رسالته في بني إسرائيل [متّى 10/ 5- 6].

2- إلغاء الشريعة الموسوية: فلكي يسهل على بولس التبشير بالمسيحية بين الوثنيين ألغى الكثير من تعاليم المسيح الذي يقول “لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس (الشريعة) والأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل” [متى 5/17]. إلا أن بولس ألغى بعض تشريعات موسى عليه السلام كالختان مع أن الإنجيل يروي أن المسيح نفسه خُتن في اليوم الثامن من ولادته، وأحلَّ لحم الخنزير، كما ألغى تقديس السبت وجعل عوضاً عنه الأحد وهو يوم الشمس عند الوثنيين، واعتبر أن الخلاص يتم عن طريق الإيمان لا الأعمال، وظل موقفه من الشريعة من أكثر المواضيع التي توقع المؤمنين برسوليته في حرج.

3- عقيدة الخطيئة الموروثة وتجسد الابن وصلبه فداءً للبشرية: وهي أفكار تتشابه كثيرا مع العقائد الدينية الوثنية السائدة آنذاك، حيث أسس بولس لاهوتاً خاصاً قائماً على فكرة أن كل إنسان يرث خطيئة آدم الأصلية (عندما أكل من الشجرة) ولا شيء ينجيه من العذاب الأبدي إلا موت ابن الإله ليكفّر بموته عن خطيئته. وهو أول من فسر عملية الصلب على أنها للفداء وتكفير الخطايا مع أنها لم تكن واردة عند كتبة الأناجيل الأربعة المعتمدة، ونسب إلى المسيح ألقاباً جديدة من بينها: ابن الله وصورة الله والمخلص والفادي. كما أطلق عليه لقب “الله” مرتين [رومية 9/5، أعمال 20/28]. وكل ما كان يُستخدم من ألقاب للمسيح بالمعنى المجازي أطلقها بولس بالمعنى الحقيقي، كلقب الرب الذي أطلقه أتباع المسيح عليه بمعنى السيد والمعلم فأصبح له معنىً حقيقياً عند بولس.

4- التثليث وألوهية الروح القدس: بالرغم من اعتراف المسيحيين بأن بولس لم يعط تعليماً واضحاً عن التثليث إلا أنه تعرض لذكر الآب وذكر الابن تارة على أنه إله وتارة في منزلة دون ذلك، أما الروح القدس فلم يوضح ما يتعلق به سوى أنه روح، أي أنه تيار قوي غير طبيعي يؤثر في الناس، ولم يذكر ألوهيته وانبثاقه من الآب، لكن عقيدة التثليث وتفاصيلها نضجت لاحقاً كما سيأتي.

5- الأسرار الكنسية: جعل بولس من التقاليد الشائعة لدى الحواريين كالتعميد وتناول الخبز الجماعي شعائر مقدسة، مقتبسا تفاصيلها من بيئته الوثنية المليئة بأساطير الشفاعة والخلاص، حتى وصف المؤرخ ول ديورانت ما آلت إليه المسيحية على يد بولس بالقول “إن المسيحية لم تقض على الوثنية بل تبنتها، ذلك أن العقل اليوناني المحتضر عاد إلى الحياة في صورة جديدة في لاهوت الكنيسة وطقوسها” [قصة الحضارة: مجلد 11 باب 27 ف 2].

وقد أكد بولس على استقلاله التام عن تلاميذ المسيح مع أنه عدّ نفسه رسولاً مكملاً لهم، وبدأ التبشير بدعوته دون أن يلتقي بأحد منهم لمدة ثلاث سنوات، ليسافر بعدها إلى أورشليم ويلتقي أفراداً منهم في تفاصيل يرويها في رسائله التي تتعارض مع ما ورد في سفر أعمال الرسل. ويلحظ الباحث تناقضات أيضاً في تفاصيل علاقته بهم وموافقتهم له، فبعض الروايات تشير إلى إقرارهم له، والبعض يؤكد على وقوع الخلاف بينه وبينهم ومفارقتهم له، حتى إن بولس كان يستخف بهم في رسائله [غلاطية 2/2- 14].

ويرى العالم الفرنسي موريس بوكاي أن التلاميذ اعتبروا بولس خائناً لفكر المسيح، حيث كوّن المسيحية على حساب هؤلاء الذين جمعهم المسيح لنشر تعاليمه [دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، ص 101]، وبذلك أصبحت هناك مسيحيتان: المسيحية اليهودية وهي ما عليه تلاميذ المسيح، والمسيحية البولسية التي انتصرت في النهاية بسبب تبني الإمبراطورية الرومانية لها.

المسيحية والإمبراطور قسطنطين

كان المسيحيون الأوائل يتعرضون للاضطهاد من قبل الرومان مما دفعهم لنحت كنائسهم في الكهوف كما يظهر في الصورة الملتقطة في كابادوكيا وسط تركيا

اتفقت معظم المصادر الإسلامية والمسيحية على أن المسيحيين نزل بهم بعد رفع أو صلب المسيح بلايا وكوارث جعلتهم يستخْفون بدينهم ويُقتل منهم الكثيرون، وكان أشد الناس إلحاقاً للأذى بهم اليهود ثم القياصرة الرومان الذين نكلوا بهم في المدة ما بين سنتي 64م و313م تنكيلاً شديداً، ووسط هذه الاضطهادات دونت أناجيلهم الأربعة المعتمدة ودونت رسائلهم.

كانت حدة الاضطهادات تتفاوت حسب أحوال الأباطرة الرومان الذين يتناوبون على الحكم، وأولى مراحل الاضطهاد كانت في عهد نيرون (54- 68م) الذي أمر بألا يسمح لأحد بالانتساب إلى المسيحية، فاستشهد في عهده الكثيرون بمن فيهم بعض الحواريين، واحتمل المسيحيون ألواناً من العذاب كالصلب وتهييج الكلاب عليهم لتنهشهم حتى الموت، وصُبَّت على بعضهم المواد الملتهبة ثم أشعلت أجسادهم في الليالي بدلاً من المشاعل لإنارة حدائق نيرون. وتتابعت الاضطهادات وأدت إلى ارتداد الكثير منهم عن دينهم واعتناق العقائد الوثنية.

قسطنطين ووالدته هيلانة تحولا إلى قديسين في نظر المسيحيين (Brosen)

وفي القرن الرابع الميلادي تغيرت الأحوال باعتلاء الإمبراطور قسطنطين الكبير العرش، فسمح لهم بحرية المعتقد سنة 313م ليكسب ودهم في معركته السياسية ضد منافسيه على العرش. وكان قسطنطين وثنياً يعبد الشمس حتى سمّى مملكته إمبراطورية الشمس، وعندما احتاج لدعم النصارى في حروبه أعلن أنه رأى في المنام صليباً كبيراً من نور فتحقق له النصر بذلك، وبالفعل اتخذ الصليب شعاراً له، فاندفع النصارى للمقاتلة في صفه وتصفية أعدائه ومناوئيه.

لذا يرى الكثير من المؤرخين أن إيمانه كان سياسيا، فبينما كان يحمل الصليب ويبني الكنائس في بعض المواضع كان يبني أوثانا في مواضعٍ أخرى. وفي المقابل رفع كهنة الكنائس من مقام قسطنطين وزعموا أنه المسيح المنتظر والمخلص في آخر الزمان، بل زعم أسقف روما أيسوبيوس أن الخالق قد تجسد في الإمبراطور، وقد ردَّ قسطنطين له الجميل بمنحه سلطات واسعة وأقطعه أراضٍ شاسعة، فنشأ بذلك النظام البابوي الذي منح للبابا نفوذاً على كل المسيحيين في أرجاء الدولة.

وإرضاءً للإمبراطور، اتخذت الكنيسة من يوم ولادة الشمس أو ما يعرف بالانقلاب الشمسي الذي يوافق (25 كانون الأول/ديسمبر) عيداً للاحتفال بمولد المسيح رغم أنه لم يولد في ذلك اليوم. واستمر الإمبراطور في حضور احتفالات عيد الشمس حتى وفاته مع أنه أشاع اعتناقه للمسيحية، ولم يتعمَّد إلا عند احتضاره سنة 337م، أي بعد 12 عاماً على مجمع نيقية 325م الذي قرر العقيدة النصرانية لكل الأجيال القادمة.

المجامع الكنسية
كل ما نراه اليوم من عقائد التثليث وألوهية المسيح لم يكن ظاهراً في عصر المسيحية الأول، فبعد أن وضع بولس بذور هذه العقائد أخذت تنمو تدريجيا حتى حُدّدت برعاية قسطنطين من خلال المجامع المسكونية التي بدأ عقدها في القرن الرابع، وثبت ذلك برسائل واعترافات إيمانية صدرت عن بعض الأساقفة إفرادياً.

والمجمع في الاصطلاح الكنسي هو مجلس يعقده الرسل (تلاميذ المسيح) أو خلفاؤهم الأساقفة للمداولة في قضايا دينية وتقريرها، وتعتبر قراراته أحكاماً صادرةً من الله وملهَمة عبر الروح القدس، فلا يحق للمؤمنين رفضها لأنها معصومة، ومن يخالفها يُحرم من الإيمان ويفصل من الكنيسة.

والمجامع نوعان: الأول مجامع عامة (مسكونية): أي تشمل كل الأرض المسكونة وتجمع رؤساء الكنائس من جميع أنحاء المعمورة، ولم يحدث أن تمكنت من جمعهم بأكملهم فعلياً، والثاني مجامع محلية (إقليمية): وهي تخصُّ إقليماً أو طائفة بعينها.

وفيما يلي إيجاز لأهم تلك المجامع:

لوحة تخيلية لمجمع نيقية تعود إلى القرن السادس عشر

1- مجمع نيقية (325م): هو أهمها وأكثرها تأثيراً في تطور العقيدة النصرانية، فبعد ارتفاع الاضطهاد عن المسيحيين بدأت الخلافات الحادة بينهم تظهر على السطح، حيث كان الاضطهاد يمنع ظهورها، ومن أهمها ذلك الخلاف بين دعوة كنيسة الإسكندرية التي رفعت مقام يسوع إلى “ابن الله القديم” وتبنت عقيدة التثليث تأثراً بعقائد المصريين القدماء وفلسفة أفلوطين الإسكندراني، وبين دعوة الموحدين من أتباع الأسقف الليبي- الإسكندري آريوس القائل بأن يسوع بشر مخلوق اصطفاه الله وليس له من الألوهية شيء، كما ظهرت أقوال متدرجة في النظرة إلى المسيح بين هذين القولين، وانتشرت أفكار آريوس ولم تفلح محاولات إقصائها رغم الحكم عليه بالطرد والحرمان من الكنيسة، فخشي قسطنطين على مملكته من الانقسام ودعا إلى عقد مؤتمر يجمع الأساقفة ليخرجوا برأي واحد يسد باب الخلاف، وعُقد بذلك مجمع نيقية في مدينة إغريقية تحمل نفس الاسم، وانحاز الإمبراطور إلى رأي كنيسة الإسكندرية وناصر عقيدة ألوهية الأب والابن لأنها الأقرب إلى نفسه وإلى الأمم الوثنية التي كان يحكمها، ومع أنه رأي الأقلية من الأساقفة إلا أنه اعتُمد بدعم الإمبراطور الذي لجأ إلى سياسة الترهيب والترغيب، وحُكم على آريوس بالهرطقة والنفي وإحراق كتبه، لكن أفكاره استمرت وانتشرت في مدن كبرى كالقسطنطينية وأنطاكية والإسكندرية. أما فكرة ألوهية الروح القدس فلم يتعرض هذا المجمع لها، فكان لا بد من عقد مجمع آخر لإقرارها.

2- مجمع القسطنطينية (381م): عقد هذا المؤتمر لحل الخلاف بين أسقف القسطنطينية وأتباعه القائلين بأن الروح القدس مخلوق وليس إلهاً وبين أسقف الإسكندرية القائل بألوهيته، فحسم الخلاف بدعم من الإمبراطور ثيودسيوس لصالح القائلين بألوهيته، واكتمل بذلك القانون النيقاوي، وطُرد المخالفون ولُعنوا.

ولم يُنهِ هذا المجمع الخلافات بل أدى إلى ظهور خلافات جديدة، فقال أسقف القسطنطينية نسطور إن للرب يسوع أقنوماً وطبيعة فأقنوم الألوهية من الآب، أما الطبيعة فهي الإنسان الذي ولدته مريم، لذا فمريم أم الإنسان وليست أم الإله، وبهذا يكون المسيح مباركاً بما وهبه الله وليس إلهاً، بل هو “ابن الله” بالمعنى الرمزي لا الحقيقي، وقد استدعى ظهور هذا الرأي عقد مجمع آخر.

3- مجمع أفسس (431م): عقد هذا المجمع بطلب من بطاركة الإسكندرية وأنطاكية وروما ولم يحضر نسطور وأنصاره، فأصدر المجتمعون قرارهم بلعنه وطرده، وقرروا أن مريم هي “والدة الرب”، وأن المسيح إله حق وإنسان ذو طبيعتين متوحد في الأقنوم.

رسم تخيلي لمجمع خلقيدونية

4- مجمع خلقيدونية (451م): عقد هذا المجمع ليقرر أن للمسيح طبيعتان لا طبيعة واحدة رداً على مجمع أفسس الثاني، وأدى ذلك إلى انفصال مصر والكنائس الأرثوذكسية الشرقية لأنهم يقولون بالطبيعة الواحدة بينما يقول الغربيون بالطبيعتين.

وخلاصة القول إن كل مجمع أدى إلى انشقاق جديد بدلا من الاتفاق والتوحد، فتتالت المجامع والانشقاقات حتى أصبح من الصعب حصرها، وكل المجامع التي عقدت بعد خلقيدونية لم تحضرها الكنائس الشرقية الأرثوذكسية ولا المصرية، فلا يمكن اعتبارها مجامع مسكونية عامة.

ويجدر بالذكر أن مجمع القسطنطينية الرابع (754م) قد عُقد لتحريم الصور والتماثيل نتيجة تأثر النصارى بالإسلام في هذا الأمر، حيث قرر المجتمعون تحريم اتخاذ الصور والتماثيل وحرموا طلب الشفاعة من مريم، ونتيجة غياب الكثير من الأساقفة لم يعد هذا المجمع مسكونياً.

وقد أثارت قرارات هذا المجمع امتعاض كثير من الكنائس فدعوا لعقد مجمع نيقية الثاني (787م)، وقرروا فيه إباحة الصور والتماثيل، على اعتبار أن النظر إلى صور الرب وأمه والرسل وسائر القديسين أدعى إلى التأثر الشديد وإدامة التفكير بهم، وأدى ذلك إلى إحياء الفن المسيحي ودفع هذه الديانة إلى تبني المزيد من الصور الوثنية في عقائدها وشعائرها وتنظيمها.

كان يوحنا الدمشقي (توفي عام ٧٤٩م) من أشد المناصرين لاستخدام الأيقونات، ويُنقل عنه أنه قال لخصومه الرافضين للأيقونات: “إنكم لن تجدوا التثليث أو وحدة جوهر الأب والابن.. لن تجدوا أياً من ذلك في الكتب المقدسة، ولكننا نعلم أن هذه المعتقدات صحيحة… وهي كلها بدع مستحدثة جاء بها الآباء، وإذا ضاعت هذه التقاليد يصبح الإنجيل كله مهدداً”.

أسس العقيدة في المسيحية
استعرضنا فيما سبق التطور التاريخي لظهور أهم الأفكار العقائدية المسيحية، وفيما يلي نناقش الأسس الأربعة الأساسية لهذه العقائد، والتي بدأ ظهورها على يد بولس، واكتملت في عهد الإمبراطور قسطنطين:

لوحة من القرن السابع عشر للثالوث المسيحي، يظهر فيها الأب على هيئة شيخ كبير، والابن في صورة شاب، والروح القدس بينهما في صورة طير، وتحفهم الملائكة على هيئة أطفال، وهي صور مقتبسة من الميثولوجيات الوثنية

أولاً: التوحيد مع الإيمان بثلاثة أقانيم
محور هذه العقيدة أن الله واحد في ثلاثة، فهو واحد من جهة الجوهر أي الألوهية، ثلاثة من جهة الأقانيم وهي: الآب والابن والروح القدس. فالمسيحيون يحرصون على التأكيد على أنها عقيدة توحيدية نافين عن أنفسهم تهمة الشرك، اعتقادا بأن التثليث مختلف عن عقيدة تعدد الآلهة.

استعار المسيحيون مصطلحي الجوهر والأقنوم من الفلسفة اليونانية، فالجوهر فيها هو ما قام بنفسه وبه تقوم الأعراض والكيفيات، وهناك جوهر كلي، وهو الكليات التي يُحمل عليها غيرها، كالنوع والجنس، مثل: إنسان وحيوان، وهناك جوهر جزئي، وهو الكائن الفرد المتعين من الجواهر الكلية، كهذا الإنسان: أحمد، سعيد، زيد.

أما الأقنوم في الفلسفة اليونانية فهو مصطلح مرادف للجوهر لا يختلف عنه، ويمكن أن يحلَّ أحدهما محل الآخر دون تمييز بينهما، وعلى هذا سار آباء الكنيسة الأوائل. إلا أنه بعد انعقاد مجمع نيقية حدث تحول في استخدام المصطلحين، فعقيدة التوحيد والتثليث لم تكن قد ترسخت في أذهان المسيحيين آنذاك، ما دفع الأساقفة إلى التمييز بينهما جاعلين معنى الجوهر يشير إلى النوع المشترك في الأقانيم المتساوية في النوعية، وهي الألوهية الواحدة، وجعلوا للأقنوم دلالة على الأفراد المتعددين في الجوهر الواحد وهم الآب والابن والروح القدس. وبذلك بات الفرق بين الجوهر والأقنوم كالفرق بين الجوهر الكلي والجوهر الجزئي. لكن الرافضين لهذا التفسير قالوا إنه يؤدي إلى تعدد الجواهر بتعدد الأقانيم، كما هو الحال في الجواهر والأقانيم البشرية، فيصبح لدينا ثلاثة آلهة لا إله واحد.

 يطلق فلاسفة اللاهوت على ظاهرة الإيمان المجرد من الاستدلال مصطلح الفيدية fideism، حيث يُطلب من الإنسان أن يؤمن بما يطلبه منه رجل الدين مباشرة دون سؤال عن الدليل.

وللخروج من هذا الإشكال، اضطر الأساقفة للاعتراف بعدم إمكانية شرح الجوهر والأقنوم حسب المعنى البشري المتعارف عليه، وقالوا إن اللغة عاجزة عن التعبير عن سر الثالوث، وخرجوا بنتيجة أن على الإنسان أن يُسلِّم بأن الله (جوهر واحد وثلاثة أقانيم) دون أن يُعمل عقله في فهم الفرق بينهما، وظهرت بذلك المقولة الشهيرة: “سرٌّ لا يسعه إلا الإيمان”. [لينة الحمصي نقلا عن عدد من الكهنة، الإسلام والمسيحية].

ووفقا لما ذكرناه في مقال “مصادر المعرفة” فإن هذا القول يعد مغالطة وتضليلاً، فلا ينبغي لأي عقيدة أن تعجز عن التوافق مع العقل بحجة كونها “سراً إلهياً”، لأن العقل قادر من حيث الأصل على فهم حقائق العقيدة الأصلية التي ينبني عليها أي دين، لكنه يعجز عندما يخوض في محاولة تعقل الكيفيات التي تكون عليها الحقائق الغيبية لأنها غائبة عنه وعن الحواس، ومنها صفات الإله المنزه عن تبعات الزمان والمكان، أما ما يسمى بسر الثالوث والأقانيم فهو ليس من الصفات اللازمة للإله الذي يعقله العقل، بل هي إضافة فلسفية غير ضرورية عقلياً -فضلا عن كونها غير معقولة أصلاً- لذا فلا يحق لأصحابها أن يحتجوا بمحدودية العقل إزاءها.

أما إذا احتج أصحاب مقولة الثالوث بأنها من الوحي الإلهي الذي ينبغي للعقل أن يسلّم به، فالجواب أن الكهنة أنفسهم لا يملكون دليلاً على أن العهد الجديد من الكتاب المقدس قد نُقل إلينا بالتواتر عن مصدر إلهي، بل إن الإيمان بصحة هذا الكتاب هو أيضا إضافة فلسفية قائمة على التسليم دون حجة (كما سيأتي لاحقاً)، وما بني على باطل فهو باطل.

أما العلاقة بين الأقانيم الثلاثة وصفاتها فقد كثرت الخلافات حولها، فالآب هو مصدر الألوهية الوحيد غير مولود ولا منبثق عن أحد، وهو علّة وجود الابن والروح القدس ومصدرهما. والابن صادر عن الآب بالولادة، مع اختلاف في صفته ما بين كونها حكمة أم كلمة. أما روح القدس فصدر عن الآب بالانبثاق عند الأرثوذكس، وعن الآب والابن عند الكاثوليك، وهو يمثل صفة الحياة.

ومن الإشكالات المطروحة هنا: كيف يكون الآب علة وجود الابن والروح القدس وهما صادران عنه مع أنهما مساويان له؟ وهل كان هناك زمن لم يكن فيه الابن والروح القدس موجودين فيه؟ وما الفرق بين الولادة والانبثاق؟

ويجيب الأساقفة بالقول: إن صدور الابن والروح القدس عن الآب هو سر من أسرار اللاهوت التي لا يستطيع العقل إدراك كنهها ولا يسعه إلا الإيمان به. وقد اضطر بعض الآباء (القديسين) مثل يوحنا الدمشقي ويوسبتين إلى الإقرار بعظمة الأب وتفوقه على الابن والروح القدس لأنه علة لهما.

وجاء في إنجيل يوحنا على لسان المسيح (20/7): “إني صاعدٌ إلى أبي وأبيكم إلهي وإلهكم”، ما يعني أن المسيح -الذي يفترض أن يكون أقنوم الابن الإله- أقر لتلامذته أنهم جميعا أبناء الله، وذلك بالمعنى المجازي للبنوة التي تخصص من نسبت إليهم بفيوضات من الرعاية والمحبة والعناية ما يميزهم عن غيرهم، وقد استخدم مصطلح “أبناء الله” في العهد القديم الذي يؤمن به المسيحيون كجزء من كتابهم المقدس، فأُطلق على بني إسرائيل (المزامير 3/6)، وعلى أبناء شيث (التكوين 6/2)، ما يدل على أن المسيح لم تكن له خاصية البنوة المجازية دوناً عن باقي المؤمنين.

 يقول الأب بيار نجم رئيس جامعة سيدة اللويزة في إحدى عظاته: “مهما حاولنا لن نستطيع أن ندرك سرّ الثالوث الأقدس بواسطة قوانا العقلية وحدها أو بواسطة المنطق، فالإنسان الذي يحاول معرفة الله على ضوء العقل وحده سوف يصطدم بصعوبات جمّة. إذ لا يمكنه أن يدخل في حميمية السر الإلهي”. [المصدر: http://www.lexamoris.com/pages/sermon_view/117]

وبما أن التوراة تصرح بالتوحيد وتنهى عن الشرك، فالعهد القديم يعد من أهم مصادر العقيدة لدى الأساقفة الذين يحرصون على اعتبار دينهم ديناً توحيدياً، لكنهم مع ذلك يستنبطون من نصوصها ما يُحملو على الإشارة إلى التثليث كعبارات “كلمة الله” أو “روح القدس”، لكن هذا التأويل التجاوزي لا يخفي دور الوثنية الشرقية واليونانية في المسيحية، فعقيدة التثليث لدى المصريين والفرس والإغريق أوضح أثراً، فضلا عن آثار فلسفة أفلوطين (270م) الهلنستية التي مزجت بين الفلسفة الفيثاغورية والأفلاطونية وتعاليم بوذا والهندوكية، وخرجت بمقولة أن العالم لا يمكن أن يصدر عن الله إلا بوسيط أزلي هو العقل الكلي الذي فاض عن الذات الإلهية، ومن هذا العقل تولدت الروح الخلاّقة التي بواسطتها خُلقت كل الأشياء [انظر مقال الباطنية].

عقيدة المسلمين في عيسى
تؤكد المصادر الإسلامية على أن عيسى بن مريم عليه السلام كان نبياً من بني إسرائيل، وينصُّ القرآن الكريم على أنه ما دعا إلا إلى التوحيد الكامل، ويوضح أنه سيكون هناك حوار بين عيسى وبين الله تعالى يوم القيامة ليقيم الحجة على من اتخذوه إلهاً، فيقول: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ، قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. [المائدة: 116- 117].

ويؤكد القرآن أيضا نزول الإنجيل على عيسى مصدقاً لما جاء في التوراة، ومحيياً لشريعتها ومؤيداً للصحيح من أحكامها ومبشراً برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فيقول {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} [المائدة: 46]، ويقول أيضا: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6].

ثانياً: عقيدة تجسد الابن الإله
تقوم العقيدة المسيحية على فكرة أن الابن الإله نزل من السماء وحلَّ في جسد بشري اتحد معه مؤلفاً شخصاً واحداً هو خلاصة اتحاد الإله بالبشر، وبمعنى آخر اتحاد اللاهوت بالناسوت. ويصرّ الأساقفة على أن نزول الابن وحلوله هو سرٌّ إلهي لا يسع العقل استيعابه، فما على الإنسان إلا أن يؤمن بهذه العقيدة بقلبه دون أن يعمل فيها عقله.

يقول الأب بيار نجم: “هذا هو سرّ الإيمان: كيف يمكن أن نفهم حقيقة أن الله هو إله واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة أقانيم؟ كيف نفهم حقيقة الاتحاد الجوهري واختلاف الأشخاص؟ كيف نفهم أن الآب قد ولد الابن دون أن يكون سابقاً له في الزمن أو أكبر منه من ناحية الألوهة؟ هو سر يتخطى قدرة عقلنا على احتوائه، نؤمن به، ونسعى الى فهمه بالقدر الذي أُعطي لعقلنا أن يفهمه”. [المصدر سبق ذكره].

ويبدو أن الثقافة الإغريقية تركت أثرها في الاعتقاد بتحول يسوع إلى اللوغوس (Logos) أي “كلمة الله” في اليونانية، فهو يشارك الله في خلوده، وجاء في إنجيل يوحنا [1/1-5]: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله”، وكأن يوحنا قد سار على خطا فيلون الإسكندري فحوّل اللوغوس إلى يسوع حيث تجسدت الكلمة الأبدية الخالدة في بشر يهبط إلى الأرض ليخلص الناس من خطيئة آدم.

لكن هذه الفكرة واجهت إشكالات منطقية، فكيف يحل الله الذي لا يحدّه مكان في جسد بشري متحيز في مكان وزمان؟ وكيف يكون منحصراً في جسد بشري وجالساً في حضن العذراء وهو في الوقت ذاته جالس على عرشه في السماء؟ وكيف يتم التوفيق بين غنى الرب وتنزهه وبين حاجته إلى جسد يحلّ فيه، وكذلك بين قدمه وأزليته وبين حدوث الجسد؟ فالتجسد يؤدي بطبيعة الحال إلى تغيير في اللاهوت والناسوت عما كانا عليه قبل الاتحاد لينشأ عنه جوهر ثالث ليس إنساناً محضاً ولا إلهاً محضاً، بل كائن اجتمعت فيه الإنسانية والألوهية معاً، وهذا محال.

ومن اللافت أن الأناجيل الثلاثة الأولى متّى ومرقص ولوقا كانت خالية من أي إشارة للتجسد والحلول، بل تؤكد على بشرية المسيح وما تستلزمه من ضعف وعجز، بينما ينفرد الإنجيل المنسوب إلى يوحنا بهذه العقيدة، علماً بأن أغلب المحققين ينفون صحة نسبته إلى يوحنا (أحد التلاميذ الاثني عشر) ويرجعون تأريخ تأليفه إلى وقت متأخر (حوالي 100م). وحتى هذا الإنجيل لم يفصل في مسألة الحلول بشكل واضح، ولم يبينها إلا بولس في رسائله، ما يؤكد أن هذه الفكرة الجوهرية في العقيدة المسيحية قد أدخلها بولس بنفسه في صلب الدين المسيحي.

لوحة تخيلية للصلب من القرن السادس عشر

ثالثاً: عقيدة الصلب والفداء
يؤمن المسيحيون بقصة الخلق بتفاصيلها التي جاءت في العهد القديم، وقد ذكرت قصة خلق آدم ومعصيته مع زوجه بأكلهما من الشجرة وما ترتب على ذلك بطريقة مغايرة تماماً لما جاء في القرآن الكريم. وترتب على معصية آدم عندهم إثم عظيم ونتائج وخيمة، منها الطرد من الجنة، وتشوه الصورة الإلهية التي خلق عليها هذا الإنسان.

والمسألة الأهم في هذه المعصية اعتقاد المسيحية بأنها لم تقتصر على آدم بل انتقلت إلى ذريته كلها بحكم الوراثة، فأصبحت كلها مخطئة، وانتقلت إليها جميع العقوبات بدءاً بالطرد من الجنة، وانتهاء بضرورة نزولها جميعاً إلى مملكة الشيطان (الجحيم).

علاوة على ذلك، لا يمكن لتوبة آدم أن تنقذه من تبعات الخطيئة والنزول إلى الجحيم لأنها لا تفي بمطلب الله العادل الذي هدد به آدم: “يوم تأكل منها (أي الشجرة) تموت موتاً”، ولا يمكن أيضاً للإله التراجع عن مطلبه وإلا كان غير صادق، وكأن الإنسان والإله أصبحا معاً أمام مأزق معقد، فبات من الضروري البحث عن حل لقبول التوبة بحيث يخلّص الإنسان دون المس بالعدالة والصدق الإلهيين ويتفق في الوقت نفسه مع رحمة الله، وجاء الحل بتجسد الابن الإلهي وصلبه ليدفع بذلك ثمن خطايا البشر جميعاً عبر فدائهم بنفسه، ثم نزوله إلى الجحيم بجسده البشري في الوقت الذي كان فيه مدفوناً تحت التراب (بعد الصلب) ليخلص أبرار العهد القديم من مملكة الشيطان، وأخيراً قيامته من القبر في اليوم الثالث وصعوده بعد أربعين يوماً من صلبه إلى السماء ليجلس على يمين الآب، وبذلك استحق لدى المسيحيين أن يسمى المخلِّص والفادي لأنه خلّص البشرية من الشيطان وعبوديته، كما خلصها من خطيئة آدم ونتائجها ومن الموت الأبدي وسلطانه.

وبحسب هذه العقيدة، فكل من يموت بعد مجيء المسيح (الأول) يموت على أمل الرجاء والقيامة اللذين سيحصلان يوم القيامة، وذلك حين يأتي المسيح في مجيئه الثاني فيقوم الناس جميعاً من القبور، ويتولى المسيح محاسبتهم على أعمالهم، وينتهي الأمر بتوجه المؤمنين إلى السماوات ونعيمها، والأشرار إلى جهنم. ولذلك يحتفل المسيحيون كل عام في عيد الفصح (13- 15 نيسان) بصلب المسيح وقيامته.

وتثير هذه العقيدة عدة إشكالات منطقية، ومنها: ما الذي يمنع الله من قبول توبة آدم وإزالة آثارها طالما كان هو الذي خلق كل شيء بكلمة واحدة وهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون؟ فالإله الكامل ومطلق الإرادة لا يحتاج للتضحية بـ”ابنه الوحيد” كي يخلص عباده. كما أن العدالة الإلهية تقتضي أن يكون حكمه على آدم بالطرد من الرحمة جارياً في حال إصرار الأخير على الذنب وعدم التوبة، لكن آدم قد تاب، ومن المفترض أن رحمة الله قادرة على أن تشمله مهما كان ذنبه.

علاوة على ذلك، فإن العدالة الإلهية تقتضي ألا يُجرم إنسان بذنب لم يرتكبه، فلا يُعقل أن ترث ذرية آدم جميعها خطيئة أبيها، وقد جاء في العهد القديم: “لا تقتل الآباء بالبنين ولا تقتل البنون بالآباء، بل كل امرئ بذنبه يُقتل” [التثنية 24/ 16]، كما جاء في القرآن الكريم أن هذه القاعدة المنطقية وردت في صحف موسى وإبراهيم أيضا، فقال {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم: 36- 39].

كما أن القول بضرورة التجسد والفداء يستلزم عجز الله (تعالى) طالما أنه لم يستطع إنقاذ عباده من الخطيئة وسلطان الشيطان إلا بالتضحية بابنه بهذه الطريقة المهينة، إذ يمكن للإله القادر على كل شيء أن يبيد الخطيئة ومملكة الشيطان دون أن يميت ابنه ويتركه لتحمل الآلام الشديدة والمهانة ودخول الجحيم.

أما الاعتقاد بأن للشيطان مملكةً تناصب الله العداء وتعمل جاهدة للتغلب عليه، بل وتستطيع ذلك حين تضم آدم وذريته إليها؟ فهذا يمنح الشيطان سلطة كبرى تعارض سلطة الإله وتتجاوزها.

ولعل من أهم الإشكالات التي طرحها مفكرو عصر النهضة أمام الكنيسة أن عقيدة الفداء لا تشرح لماذا عاشت البشرية قروناً طويلة في ظل الخطيئة قبل نزول الابن إلى الأرض؟ ولا تبيّن أيضا على أي أساس تم تحديد موعد نزوله في تلك المرحلة من عمر البشرية الطويل. وإذا كان إغواء الشيطان لبني آدم نتيجة لتلك الخطيئة التي كفّر عنها المسيح، فلماذا يستمر هذا الإغواء إلى اليوم بين المسيحيين وغيرهم؟

يعد فيلم آلام المسيح (الذي أنتجه ميل غيبسون عام 2004) تجسيدا هوليوديا ممتازا للتصور المسيحي لقصة الصلب، فمع أن الفيلم أُنتج بدوافع تبشيرية للتعاطف مع ابن الإله الذي فدى البشرية بنفسه، إلا أنه قد يطرح في الوقت نفسه على المشاهد لاشعورياً الإشكالات الفلسفية التي تنقض هذه العقيدة، فما يلقاه المسيح من التعذيب والإهانة الشديدين لا يُقبل بسهولة في حق نبي فضلا عن إله تجسد في هيئة إنسان ضعيف.

رابعاً: دور الروح القدس في عملية الخلاص والفداء
يعتقد المسيحيون أن للأقنوم الثالث (الروح القدس) في الثالوث الإلهي دوراً أساسياً في عملية الفداء، فهو مكمِّل لعمل المسيح ويمثل صفة الحياة لله، فإذا كان الابن قد صلب فداء للبشرية ككل فإن الروح القدس هو الذي يورّث المؤمنين هذا الخلاص، ويجعله حقاً لهم عن طريق حلوله بمواهبه ونعمه في كل إنسان على حده. ويكون حلوله في المؤمنين بالمسيح عن طريق الأسرار الكنسية السبعة، وهي طقوس تمارس على يد كاهن وبها تسقط الخطيئة وعن طريقها يتحدّ المؤمنون بطبيعة الله، وسترد تفصيلاً.

وإطلاق كلمة “روح” على الله بمعنى صفة الحياة غير صحيح، لأن حياة الله ليست بروح كما هي حياة البشر، فإذا كان للإله روح فهذا يعني أنه مركب من هذه الروح ومن غيرها (الجسد مثلاً)، كما يدل على أن الروح جوهر غريب عن الله واتحد به، وهذا يتنافى مع كمال الألوهية.

الروح القدس على هيئة حمامة في كنيسة القديس بطرس بالفاتيكان (Dnalor 01)

وقد ورد ذكر الروح في العهد القديم عند الحديث عن الملائكة فهم “روح الله” [التكوين 1/2، المزمور 51/11، أشعياء 63/10]، كما ورد بمعنى مصدر الشر، وهي كلمة لا تذكر على إطلاقها بل تكون مضافةً أو موصوفة (أرواح الشياطين)، كما أن نعم الله يطلق عليها اسم الروح أيضاً [الخروج 28/3]. مما يدل على أن اسم الروح والروح القدس لم يطلقا في العهد القديم إلا على مخلوقات من قبل الله تعالى، وهي ليست آلهة أبداً.

وكذلك الحال في العهد الجديد، حيث ورد ذكر الروح القدس مرات عديدة دون أن تشير إلى أنه إله وأقنوم في الثالوث الإلهي ومتحدٌّ مع الآب والابن، وقد اعترف بهذا القس سليم بسترس قائلاً: “أما انبثاق الروح القدس منذ الأزل ضمن الثالوث الأقدس فلا نجد له أي توضيح في نصوص العهد الجديد”. [لينة الحمصي، نقلا عن كتاب اللاهوت المسيحي لسليم بسترس، ص144].

ويؤكد بعض رجال الكنيسة أن كل ما ذكر عن الروح القدس في العهد الجديد إنما يرجع إلى عمله، أما كيان الروح الذاتي فلا يُعرف عنه شيء، ولم يرد له ذكر في الكتاب المقدس. وإذا كان الحال كذلك فكيف أمكن لهم إذاً أن يثبتوا وجود أقنوم ثالث في الجوهر الإلهي له صفة الانبثاق، وغير منفصل عن الآب والابن ما داموا لا يعرفون شيئاً عن كيان الروح الذاتي؟

وعليه، فيمكن القول إن حلوله على المؤمنين بمواهبه (نعمه) لا يدل على ألوهيته أبداً، فمن الممكن تفسير الروح القدس على أنه نعم الله (هباته) المخلوقة من قبله والتي يهبها للمؤمنين به وتحلّ فيهم، أو أنه الملاك جبريل الذي يدعمهم بالتأييد ويهبهم نعم الله بأمر منه.

من جهة أخرى، يقول الأساقفة إن الروح القدس حلَّ على مريم ليطهرها من الخطيئة الأصلية لتكون مستعدةً للحمل بالمسيح، وذلك قبل صلب المسيح وافتدائه للبشرية، لكن هذا القول يضع عقيدة الفداء في حرج، فإذا كان قادراً على تطهير مريم فيمكنه أيضاً تطهير بقية البشر دون الحاجة إلى تجسد الابن وصلبه وفدائه.

وحتى بالنسبة للمعتقدين بأن الروح القدس يحلُّ على المؤمنين بأقنومه الشخصي، فهذا يثير إشكالاً ويطرح تساؤلاً منطقياً: فما هو الفرق بين ناسوت المسيح وناسوت جميع البشر؟ ولماذا لم يصبح جميع البشر آلهة ومؤلَّفين من لاهوت وناسوت كما هو الحال في المسيح الذي حلَّ فيه الابن بجوهره مادام كل من الابن والروح القدس إلهاً كاملاً؟

مصادر العقيدة المسيحية
 يعتمد المسيحيون الأرثوذكس والكاثوليك في إثبات عقائدهم على مصدرين، هما التقليد الرسولي والكتاب المقدس، بينما يعتبر البروتستانت والطوائف التي تفرعت عنها أن الكتاب المقدس هو المصدر الوحيد للعقيدة، وفيما يلي موجز عن كل منهما:

أولاً- التقليد الرسولي: هو التعليم الذي سُلّم من المسيح والرسل شفوياً، وتلقاه آباء الكنيسة الأوائل بإرشاد من الروح القدس، ويُحفظ في الكنيسة ولا يمارس إلا من خلالها. وبما أنه بإرشاد الروح القدس فهو بمنزلة كلام الله، وبذلك تصبح أقوال الآباء القديسين الأوائل والكنيسة معصومة مما يعطي الكنيسة صبغةً إلهامية دون أي مستند شرعي، فيكفي أن تدَّعي الكنيسة أن ما تقوله هو التعليم الرسولي ليتم إثبات ذلك دون مطالبتها بالدليل، مما يمنحها الحق في إبداع عقائد جديدة بحجة الإلهام. ولو كانت الكنيسة معصومة من الخطأ فعلاً لوجب انعدام الاختلاف بين الكنائس، بينما نجد أنها في الواقع شديدة الاختلاف والتفرق إلى طوائف عدة، حيث تنتقد كل منها الأخرى مع ادعاء الجميع بأنهم يستندون إلى إرشاد الروح القدس.

ومن حيث التحقيق، لا يمكن عدّ التقليد الرسولي مصدراً صحيحاً إلا إذا ثبت أن المسيح قد قاله وأن رسله تسلموه منه ثبوتاً صحيحاً متواتراً، إلا أن هذه الدقة في النقل لم يشترطها الأساقفة، بل يعتمدون على التقليد اعتماداً تاماً في أمورهم العقدية ويضيفون إليها ما يشاؤون، ولا يشترطون في إثبات العقائد أن توجد في الكتاب المقدس بل يكفي أن يقال إنها من التقليد الرسولي لتثبت، وهكذا تسنى لهم تاريخياً إضافة عقيدة التثليث والأقانيم وما يتعلق بها من عقائد مستحدثة. وقد صرح موريس تاوضروس في كتابه علم اللاهوت العقيدي في معرض حديثه عن التقليد قائلاً: “على أن الكنيسة الكاثوليكية قد أضافت بعض العقائد التي لا تردُّ إلى التقليد الرسولي أو إلى تعاليم المسيح مثل القول بعصمة البابا”. [لينة الحمصي، ص259].

أما الكنيسة البروتستانتية فترفض الاعتراف بعصمة آباء الكنيسة وصحة التقليد الرسولي، إلا أنها مع ذلك لم تلتزم بما يترتب عليه هذا الرفض من رفض العقائد التي تستند إلى التقليد دون وجود مستند كتابي من الإنجيل، كعقيدة التثليث وألوهية الروح القدس.

الفاتيكان

ثانياً- الكتاب المقدس: يشمل أسفار العهد القديم التي يؤمن بها اليهود (باستثناء بعضها) [انظر مقال اليهودية]، وأسفار العهد الجديد التي لا يعترف بها اليهود، ويعتقد المسيحيون أن هذه الأسفار جميعاً دُونت بإلهام من الروح القدس. والإلهام عندهم هو نفحة حيوية من روح الله (الروح القدس) تدفع أنبياء العهد القديم ورسل العهد الجديد (ومنهم بولس) إلى الكلام والتدوين، فهي إذاً حسب رأيهم أسفار كتبها الله بواسطة مؤلفين من البشر الذين عبَّروا عن هذه الرسالة الإلهية بطرقهم الخاصة وأسلوبهم الشخصي.

ويقرّ المسيحيون بأن أسفار العهد الجديد لم يُملها المسيح ولكنها كُتبت بعده، إذ تم تناقلها لفترة طويلة من الزمن استناداً إلى التقليد الرسولي الشفوي. وتحوي أسفار العهد الجديد أخبار المسيح وعظاته ومعجزاته، وكان عدد هذه الأناجيل كبيراً جداً لكنهم اتفقوا على الاعتراف بأربعة منها هي: متى ومرقس ولوقا ويوحنا، ثم أضافوا لها سفر أعمال الرسل، وأربعة عشر رسالة لبولس، وثلاث رسائل من كتابة يوحنا، ورسالتان لبطرس، ورسالة ليعقوب، ورسالة ليهوذا، ثم رؤيا يوحنا اللاهوتي، فأصبح العهد الجديد يضم (27) سفراً.

وتعتبر الأناجيل الأربعة من أطول أسفار العهد الجديد، ولفظ الإنجيل مختصٌ بها إلا أنه يطلق مجازاً على بقية الأسفار أيضاً، وهي وحدها التي تعترف بها الكنائس وتقرها الفرق المسيحية، مع أنه من الثابت تاريخياً وجود أناجيل أخرى راجت رواجاً عظيماً وأخذت بها فرق مسيحية قديمة ولم تعتنق غيرها كإنجيل السبعين والتذكرة وغيرهما، لكن الكنيسة الحالية اختارت منذ القرن الرابع الميلادي الأناجيل الأربعة وألغت كل ما عداها، وأجبرت أتباعها على الأخذ بها فقط، مع أن بعض المؤرخين أشاروا إلى أن هذه الأناجيل المعتمدة لم يُعثر على أي ذكر لها قبل القرن الثالث الميلادي، وفيما يلي موجز عن كل منها وفقا لترتيب ظهورها الزمني:

1- إنجيل متَّى: ينسب إلى متَّى أحد الرسل الاثني عشر، الذي كان يهودياً من الجليل وجابياً للضرائب (عشاراً) للدولة الرومانية، نشر الدعوة في فلسطين ثم خارجها، ويقال إنه بشّر في بلاد فارس، وفي رواية أخرى الحبشة، ومات فيها شهيداً. ونسبة هذا الإنجيل إليه غير مستيقنة لدى المحققين، حيث يقرون بأن كاتبه لم يكن معروفاً قبل القرن الثاني الميلادي، وأن التقليد الكنسي هو الذي ربط اسم متَّى به، ما دفع طائفة من المحققين -مثل موريس بوكاي والأب أسطفان شربتييه- إلى نفي نسبة هذا الإنجيل إليه، ويدل على ذلك أن كاتب هذا الإنجيل يتحدث عن أحداث المسيح بصفة الغائب وكأنه لم يكن حاضراً، كما أن أسلوبه التعبيري يدل على كونه متبحراً في التراث اليهودي والكتب المقدسة وفن الإفهام والتدريس، وهي صفات لا تناسب أسلوب جابي الضرائب. وقد كتب باللغة العبرية أو الآرامية، لكن أقدم نسخة عرفت منه كانت باليونانية، أما الأصل فمفقود ومختلَف في تاريخ تدوينه، كما أن مترجمه إلى اليونانية وتاريخ الترجمة مجهولين.

2- إنجيل مُرقس: ينسب إلى يوحنا الملقب بمرقس اليهودي، وهو لم يكن من الرسل الاثني عشر بل اهتدى إلى الإيمان بواسطة بطرس الرسول وتتلمذ على يديه، وقيل إنه أحد الرسل السبعين الذين أرسلهم المسيح للتبشير، كما قيل إنه هو رجل روماني الأصل آمن بالمسيح ولم يره ومات في مصر سنة 62 أو 68م. ويقرُّ المسيحيون بأن أخبار مرقس غير ثابتة، لكن التقليد الرسولي ربط اسمه بهذا الإنجيل في القرن الثاني الميلادي مع أنه لا توجد إشارة فيه إلى اسم كاتبه، وبحسب التقليد فقد كتب مرقس إنجيله بإرشاد من بطرس. والمشككون يقولون إن كاتبه هو أكثر المبشرين ابتذالاً وأقلهم خبرة في حبك الحكايات وأبعدهم عن المعقولية، وقد اختُلف أيضاً في تاريخ تدوينه ما بين سنة 40 إلى 75م، ويُعتقد أنه كتب باللغة اليونانية.

3- إنجيل لوقا: ينسب إلى لوقا الذي ترجح المصادر أنه كان طبيباً وثنياً من أنطاكية، اعتنق اليهودية ثم المسيحية وتتلمذ على يد بولس وصحبه في أسفاره. ولم يرتبط اسم لوقا بهذا الإنجيل إلا في القرن الثاني، وليس فيه ما يدل على أن كاتبه هو لوقا، كما تظهر مقدمته أن لوقا لم يكن معايناً للحوادث التي كتبها بل ألفه بناءً على شهادة من عرفوا المسيح أو لازموه، وهو يتضمن أشياء لم تذكر في الأناجيل الأخرى وتتعلق بالحوادث التي جرت قبل ولادة المسيح وما بعدها. ومع زعم الأساقفة بصحة نسبته له إلا أننا نجد مشككين من علمائهم في ذلك بسبب وجود تناقضات كثيرة بينه وبين سفر أعمال الرسل الذي ينسب إلى لوقا أيضاً، كما أن أفكار بولس لا تجد لها مكاناً في سفر لوقا الذي يفترض أنه تلميذه، أما تاريخ تدوينه باللغة اليونانية فيقال إنه يعود إلى ما بين سنتي 80 و90م.

4- إنجيل يوحنا: ينسب إلى يوحنا أحد التلاميذ الاثني عشر، والذي كان صياداً يهودياً من تلاميذ النبي يحيى (يوحنا المعمدان)، كما كان أثيراً لدى المسيح، وقد نفي في أيام الاضطهاد الأولى، ثم عاد إلى أفسس وبقي فيها حتى وفاته. ويعد إنجيله أكثر الأناجيل تشكيكاً في صحة نسبته إلى كاتبه، وذلك باعتراف علماء الكهنوت أنفسهم، فاسم يوحنا لا يظهر أبداً فيه بل ألصق به بعد فترة من الزمن، كما أن الكاتب يتحدث بصيغة الغائب وكأنه لم يشهد الأحداث التي يرويها، وجاء في نهاية الكتاب ما يشير إلى وجود تلميذ يحبه يسوع وكان حاضراً في العشاء الأخير، ثم يقول: “هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا..” [يوحنا 21/24]. وهذه الخاتمة تشير إلى أن المؤلف هو التلميذ الحبيب لكنها لم تذكر اسمه، لذا ربط بعضهم هذا الإنجيل بيوحنا على أنه التلميذ المحبوب، بينما ذهب بعضهم إلى أنه لعازر، وقال آخرون إنه الشاب النبيل الثري الذي جاء إلى المسيح فنظر إليه يسوع وأحبه [مرقس 10/21]. ويشكل تاريخ تدوينه مثار اختلاف أيضا بحيث يتفاوت تقديره ما بين سنتي 80 و115م، والمتفق عليه أنه كتب من أجل إثبات ألوهية المسيح التي أغفلتها الأناجيل الثلاثة السابقة ولم تتحدث عن المسيح إلا بصفته البشرية فقط. وقد قال القس يوسف الدبسي الخوري في مقدمة تفسيره المعروف باسم تحفة الجيل: “إن يوحنا صنَّف إنجيله في آخر حياته بطلب من أساقفة آسيا وغيرها، والسبب أنه كانت هناك طوائف تنكر لاهوت المسيح، فطلبوا منه إثباته وذكر ما أهمله متَّى ومرقس ولوقا” [أبو زهرة، ص 64]، وهذا الإقرار يطرح تساؤلاً عن سبب إغفال الأناجيل الثلاثة -التي يُفترض أنها كُتبت بإلهام من الروح القدس- تلك المسألة الخطيرة التي تقوم عليها المسيحية وترك الأتباع غافلين عنها نحو قرن من الزمن قبل تدوين هذا الإنجيل، وقد يُستنتج من ذلك أيضا أن الأساقفة اعتنقوا ألوهية المسيح وحاولوا نشرها قبل وجود مستند كتابي لها، فلما أرادوا أن يحتجوا على خصومهم طلبوا من يوحنا أن يكتب لهم إنجيلاً يدعم دعواهم.

 “أول من تحدث عن الأناجيل الأربعة في التاريخ المسيحي المعروف هو أرينيوس سنة 209م، ثم كليمنس أسكندريانوس سنة 216م”. [محمد أبو زهرة، محاضرات في النصرانية، ص 49].

ولعل أهم الانتقادات الموجهة إلى الأناجيل الأربعة أن نسخها الأصلية ما زالت مفقودة، فهناك فاصل زمني لا يقل عن مئتين أو ثلاثمائة سنة بين أحداث العهد الجديد وتاريخ كتابة مخطوطاته، وهي مدة كافية للتشكيك بمدى موثوقيتها، إضافة إلى الاختلافات الكثيرة بين هذه المخطوطات، فهي مليئة بالتناقضات فيما بينها من جهة، وبالتناقضات في أحداث وروايات الإنجيل الواحد من جهة أخرى، ونجد ذلك في المسألة الواحدة التي لا تحتمل إلا حقيقة واحدة.

موريس بوكاي

ومن أمثلة هذا الاختلاف نذكر اختلاف إنجيل متى عن لوقا في نسَب المسيح، واختلاف إنجيل يوحنا عن باقي الأناجيل في من حمل صليب المسيح لدى اقتياده من قبل الرومان، فبينما يذكر يوحنا أن المسيح هو الذي حمل صليبه، تؤكد الأناجيل الأخرى أن الذي حمله هو سمعان القيرواني. كما يختلف متى عن يوحنا في ذكر حادثة القبض على المسيح لمحاكمته، ويتناقض إنجيل لوقا في روايته لسرِّ القربان المقدس مع ما يرويه متى ومرقس.

وقد بين الشيخ رحمة الله الكيرانوي الهندي في كتابه “إظهار الحق” أوجهاً كثيرة للاختلافات والأخطاء التي حفلت بها هذه الأناجيل، كما أجرى الفرنسي موريس بوكاي في كتابه “دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة” مقارنات واسعة بين الأناجيل الأربعة ودوّن عشرات الاختلافات والتناقضات، ولا سيما تلك التي تقع في داخل الإنجيل الواحد، بينما أوضح الأستاذ بجامعة زيورِخ روبرت كيل تسلر في مقدمة كتابيه “المخدوع الأكبر على مر الزمان” و”حقيقة الكتاب المقدس” أنه يتقبل مبدئياً كون بولس حسن النية ولم يسعَ لتدمير المسيحية من الداخل، إلا أنه مع ذلك أحصى في الكتابين مئات الأمثلة على الاختلافات والتناقضات العلمية والعقلية في الأناجيل الأربعة.

يقول القس السويسري جان شورر إن مخطوطات الأناجيل الأربعة تحتوي على أكثر من خمسين ألف اختلاف. [Das Christentum in der Welt und für die Welt، ص 104].
ويقول الألماني فيلهلم شميث إنه لا توجد صفحة واحدة من صفحات الأناجيل المختلفة لا يحتوي نصها الأصلي على العديد من الإختلافات [Bibel im Kreuzverhör، ص 39].

أمثلة أخرى على اختلافات الأناجيل:
ذكر متى [1: 20] أن ملاك الرب نزل إلى يوسف النجار في الحلم وكان نائماً ليخبره بولادة الطفل عيسى، بينما ذكر لوقا أنه نزل إلى مريم العذراء ولم تكن نائمة وأقرأها السلام [1: 28].

ذكر لوقا أن يوسف ومريم رحلا من الناصرة إلى بيت لحم قبل ولادة عيسى [2: 22]، بينما قال متى [2: 13] إن الرحيل كان بعد الولادة.

جاء في متى [1: 13] أن شلتائيل هو ابن يكنيا، بينما ذكر لوقا [3: 27] أن اسمه هو شلتائيل بن نيري.

صاح الديك عند محاكمة يسـوع مرة واحدة عند كل من متى [26: 75] ولوقا [22: 61] ويوحنا [18: 27]، بينما صاح مرتين عند مرقس [14: 72].

جاء في متى [15: 22]: “وإذ إمرأة كنعانية. . . صرخت إليه قائلة ارحمني يا سيد يا ابن داود”، أما مرقس فيقول إنها امرأة فينيقية [7: 26].

وإزاء هذه الاختلافات التي تطعن في مصداقية الأناجيل، وإذا كانت تلك الأناجيل قد كُتبت على أيدي أشخاص يُختلف في هوياتهم، يبرز سؤال عن مصير الإنجيل الأصلي الذي بشر به المسيح، والذي صرَّح بولس بوجوده وأشارت إليه الأناجيل الأخرى، لا سيما وأن هناك أناجيل عدة قد رُفضت من قبل مجمع نيقية كما أسلفنا، وهناك أناجيل أخرى رُفضت في قرارات كنسية لاحقة.

ومن أهم هذه الأناجيل المرفوضة من قبل الكنيسة، إنجيل برنابا الذي يشبه الأناجيل الأربعة المعتمدة من حيث سرده لقصة المسيح منذ ولادته وحتى اتهامه، ويذكر خطبه وحواراته، وقد جاء ذكره في رسالة أعمال الرسل، وقد كان برنابا إسرائيليا من سبط لاوي وأحد الرسل المعتمدين، ويقول في كتابه إنه شهد لبولس بالإيمان ورافقه في سفره ثم اختلف معه وافترق عنه، وكان برنابا يسافر للوعظ والهداية بتكليف من الكنيسة، ويُقر الأساقفة اليوم بكونه من الرسل الحواريين وبأنه من المُلهمين حسب اعتقادهم، إلا أنهم يصرون على عدم نسبة الإنجيل إليه.

عُثر على أقدم نسخة لهذا الإنجيل سنة 1709م باللغة الإيطالية، واحتفظ بها في البلاط الملكي بفيينا، ثم رجحت المصادر أن راهباً لاتينياً يدعى فريمو عثر على نسخة منه في مكتبة البابا سكتس الخامس، فقرأه وترجمه إلى الإسبانية واعتنق الإسلام، ويُذكر أن البابا غلاسيوس الأول (492م) أصدر قائمة بأسماء الكتب المنهي عن مطالعتها ومنها إنجيل برنابا، وصدور أوامر كهذه تكرر كثيراً خلال التاريخ المسيحي.

يمتاز هذا الإنجيل بقوة التصوير والعبارة المحكمة والمعاني المترابطة والحكمة الواسعة، ويدل على اطلاع كاتبه الواسع، ومع ذلك فقد أنكرته الكنيسة وعدته غير قانوني لأنه خالف الأناجيل الأربعة في مسائل جوهرية، هي:

1- عدم القول بألوهية المسيح وبنوته لله تعالى، والتصريح بنبوته وذم من يرفعونه عن ذلك المقام، والتنديد ببولس الذي أضل الناس بما ادعاه من مسائل تخالف ما جاء به المسيح، وقد قال مؤلفه في بدايته إنه سطر كلماته للرد على بولس.

2- التصريح بأن الذبيح الذي تقدَّم به إبراهيم عليه السلام هو إسماعيل وليس إسحاق كما هو مذكور في التوراة.

3- ذكر اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم صريحاً، وبيان أنه هو المسيح المنتظر وأنه رسول الله، والنقل عن المسيح كلاماً وافياً في التبشير به لأن الحواريين طلبوا منه أن يصرِّح لهم بما يعلن حقيقته ففعل.

4- بيان أن المسيح لم يُصلب ولكن شبِّه لهم، وأن شبهه ألقي على يهوذا الأسخريوطي، وأنه طلب من الله أن ينزله إلى الأرض بعد رفعه ليرى أمه وتلاميذه فنزل ثلاثة أيام ووبَّخ كثيرين ممن اعتقدوا أنه مات.

وبهذا يكون إنجيل برنابا قد خالف بقية الأناجيل في أهم المسائل العقدية التي بنيت عليها العقيدة المسيحية، لذا تقرر رفضه والحكم عليه بأنه مختلق من قبل كاتب مسلم، مع أنه لم يُعثر عليه إلا في المكتبات الكنسية.

شعائر المسيحية
لا تسمو الشعائر المسيحية إلى منزلة العقائد، وإن كانت لازمة لكن عدم ممارستها لا يخرج المسيحي من دائرة الإيمان، ونذكر من أهم هذه الشعائر ما يلي:

1- التعميد: هو شعيرة متفق عليها بين كل الفرق المسيحية وكانت شائعة لدى اليهود قبل المسيحية، فكان النبي يحيى يعمّد الناس في نهر الأردن -كما يروون- ومن هنا سمي “يوحنا المعمدان” كما قام بتعميد المسيح نفسه كما أسلفنا. ويختلف علماء الكهنوت في تحديد وقت التعميد، فبعضهم يرى صحة التعميد في أي وقت من حياة الفرد، وبعضهم يقول إنه يجب أن يتم على فراش الموت على اعتبار أنه تكفير للسيئات فيفضل أن يتم في نهاية العمر، والغالب أن يتم التعميد في الطفولة حتى ينشأ الإنسان-كما يعتقدون- طاهراً من الذنوب. وهي في اعتقادهم تمحو الخطيئة الأصلية في النفس وتلدها ثانية. وقد يحدث التعميد برش الماء على الجبهة أو بغمس الجسم كله أو جزء منه في الماء، ولا بد أن يقوم بذلك الكاهن إلا في حال الضرورة، ويكون الرش أو الغمس ثلاث مرات، الأولى باسم الأب والثانية باسم الابن والثالثة باسم الروح القدس.

2- العشاء الرباني: يطلق عليه أيضاً اسم “التناول”، ويقصد به عشاء المسيح الأخير مع تلاميذه عندما اقتسم معهم -حسب الرواية- الخبز والنبيذ، حيث يرمز الخبز إلى جسده الذي كُسر لنجاة البشرية، ويرمز الخمر إلى دمه الذي سفك للغرض نفسه. لذا يُستعمل الخبز والنبيذ في هذا الطقس لاستدعاء ذكرى المسيح ليلة صلبه، ويعتقد المسيحيون أن الخبز والنبيذ يتحولان إعجازياً إلى لحم المسيح ودمه فيحصل الامتزاج بين المسيح وتعاليمه أثناء الأكل.

3- تقديس الصليب: يستند هذا التقديس إلى ما نُسب للمسيح في إنجيل لوقا (9/23) بقوله: “إن أراد أحدٌ أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني”، والمقصود بحمل الصليب هو الاستهانة بالحياة والاستعداد للموت والسير خلف المسيح المخلص واقتفاء أثره. ويعد الصليب أداةً للتذكير بالتضحية الضخمة التي قام بها المسيح من أجل البشرية، فكان القانون الروماني يجعل من حمله والطواف به بين الناس إشارة على صدور الحكم بالإعدام صلباً في حق من يحمله.

وفيما يتعلق بالتشريعات، تتصف المسيحية عموماً بفقرها التشريعي وتركيزها على الجانب الروحي وعدم الاهتمام بشؤون الدنيا، مع أن وصايا المحبة التي ركز عليها الآباء الأوائل لم تمنع وقوع الكثير من المجازر والحملات الدموية باسم المسيحية بدءاً بالحروب الصليبية ومروراً بمرحلة الكشوفات الجغرافية في عصر النهضة، ووصولاً إلى العصر الحديث وما شهده من حملات التبشير المرافقة للاستعمار.

وبما أن المسيحية تعتبر التوراة وأسفار الأنبياء السابقين كتباً مقدسة فقد اتبع أتباعها بدايةً الشريعة اليهودية والوصايا العشر، ويروى عن المسيح قوله: “إني لم أجئ لأغير الناموس ولكن لأقرر” [متى 5: 18]، ثم قرر الكهنة أن المسيح نقل التشريع إلى مرحلة متقدمة من خلال عظاته فاتفقوا على حصر المحرم في أربعة أمور فقط، وهي الزنا وأكل المخنوق والدم وما ذبح للأوثان، وخالفوا كثيراً مما جاء في التوراة فأحلوا مثلاً الخمر ولحم الخنزير، ومنعوا الختان المقرر في التوراة لأنه يشقُّ على بعض من يدعونهم إلى النصرانية فيفرُّون منها بسببه.

والعبادتان الرئيستان عندهم هما الصلاة والصوم، ومع ذلك يرى كثير منهم أن الالتزام بهما اختياري لا إجباري، ويقتضي الصوم عندهم الامتناع عن الطعام من الصباح حتى منتصف النهار ثم تناول طعامٍ خالٍ من الدسم. ويصومون في العام مرتان، الأولى صوم الميلاد وهو 43 يوماً تنتهي بعيد الميلاد، والثاني هو الصوم المقدس وعدد أيامه 55 يوماً وينتهي بأحد القيامة، ويمتنع في تلك الأيام أكل لحم الحيوان أو ما يتولد عنه ويستخرج من أصله. ويقتصر الصائمون على أكل البقول، ولا يُعقد في أثنائه سر الزواج. وهناك أيام أخرى للصوم يزيد عدد أيامها وينقص بحسب الطوائف.

أما الصلاة عندهم فيشترط لصحتها أن تقدم باسم المسيح، فالإنسان -بزعمهم- أبعد عن رضا الله بسبب خطاياه ولا يزول هذا البعد إلا بدم المسيح. وليس للصلاة هيئة محددة أو عبارات خاصة معلومة، بل يترك للمصلين أن يقولوا ما يشاؤون شرط أن تكون على نسق الصلاة الربانية التي قدمها لهم المسيح كما جاء في إنجيل يوحنا، وفيها: “أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم، واغفر لنا خطايانا، لأننا نحن أيضاً نغفر لكل من يذنب إلينا، ولا تُدخلنا في تجربة ولكن نجّنا من الشر”.

وأشهر الأسفار المشتملة على نماذج للأدعية والصلوات لديهم هو سفر المزامير من العهد القديم. ولا يجب عليهم عدد معين من الصلوات كل يوم كما أنه ليس لها أوقات محددة، فالأمر متعلق بنشاط المصلي ورغبته، ويرون أنه من الأفضل الإكثار من الصلاة على النقيض من اليهود الذين يرون أن الإكثار من الصلاة يدفع الإله إلى الملل.

وفيما يتعلق بشؤون الأسرة، تنص تشريعات المسيحية على أن الأصل في الإنسان هو الرهبنة، ولما كان ذلك مستحيلاً فقد أجيز الزواج، وكان تعدد الزوجات معمولاً به في البداية تبعاً للتعدد الذي قالت به اليهودية، ثم قيّد بزوجة واحدة على ألا يفترق الزوجان إلا بالموت، وبذلك لا يجوز الطلاق إلا في حال ثبوت الزنا على أحد الزوجين، أو إذا كان أحدهما غير مسيحي، إلا أن بعض الطوائف أجازت الطلاق في حال التنافر وانعدام الألفة. كما تهتم الكنائس المسيحية عموماً بتكثير النسل وتحارب تحديده وتحرم الإجهاض.

على سبيل المثال، تحرّم الكنيسة القبطية المصرية على أتباعها تحريماً باتاً تحديد النسل أو تنظيمه وتعد كل من يفعل ذلك مطروداً من رحمة الرب وقاتلاً لشعب الكنيسة، وكانت الكنيسة القبطية في بداية السبعينيات من القرن العشرين قد وضعت نصب عينيها هدف إكثار نسل المسيحيين حتى يبلغ عددهم نصف تعداد الشعب المصري خلال 15 عاماً.

طقوس الكنيسة وأسرارها
الطقوس في اصطلاح الكنيسة هي الصلوات والابتهالات التي تتم في الاحتفالات الكنسية، ويقوم بها الكاهن مع مجموعة من الأعوان، وتتضمن السجود أمام الهيكل فور دخول الكنيسة، وإطلاق البخور وذبح القرابين وتلاوة نصوص من الكتاب المقدس.

أما السر الكنسي فهو عمل مقدس تنال به نفس المؤمن نعمة الله غير المنظورة من خلال ممارسة طقس على يد كاهن شرعي، ويتضمن سبعة أسرار، وهي: سر المعمودية (أي التعميد بالماء)، وسر مسحة الميرون (أي الطيب باليونانية) وتطلق على السائل المركب من نحو 30 صنفاً من العطور والطيوب وهو متحدٌّ بسر المعمودية ويأتي بعده مباشرة، حيث يتناول الكاهن الميرون ويمسح به أماكن مختلفة من جسم المعمَّد 36 مسحةً، وبذلك يحل عليه الروح القدس بنعمه. وسر الشكر (الأفخارستيا) المتعلق بالعشاء الرباني والاتحاد مع المسيح، وسر التوبة والاعتراف ويلزم أن يكون أمام كاهن وأن يكون الاعتراف كاملاً وواضحاً، وثمرته الحصول على الغفران الذي يمنحه الكاهن نيابة عن الرب، وسر الكهنوت الذي يُختار به رجال الدين، وسر المسح على المريض ليُشفى روحياً وجسدياً، وسر الزواج للربط بين الزوجين برباطٍ مقدس دائم. وتسمى هذه الطقوس أسراراً لتسدل هالةً من التقديس على القسس الذين يمارسونها.

يُحظر على الراهبات الزواج مدى الحياة

ومن أهم الطقوس التي ظهرت في الكنائس المسيحية ظاهرة الرهبنة، فقد نشأت كمظهر من مظاهر الهروب من الناس والبعد عن الأدناس وهجر المدن والالتجاء إلى البراري والصحراء بغية محاربة شهوات الجسد والإكثار من العبادة والتأمل مع المحافظة على الانعزال والتفرد، ثم كثر الراغبون في الترهُّب فبنوا لهم صوامع متجاورة ثم أحاطوها بأسوار عالية فنشأت بذلك الأديرة (الكاتدرائيات).

وينسب المسيحيون أسس الرهبنة إلى المسيح الذي احتقر الدنيا وملذاتها، ويبررونها بالالتحاق بركب التضحية الذي عانى منه المسيحيون الأوائل زمن الاضطهادات الشديدة.

ومن أسس الرهبنة التبتُّل وعدم الزواج، فينسبون ذلك إلى المسيح بقوله: “يوجد خِصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات فمن استطاع أن يحتمل فليحتمل” [متى 19/13]، أما التقشف وتعذيب الأبدان بالجوع وخشن الثياب فمردُّه عندهم إلى ما جاء في أعمال الرسل [14: 22]: “وأنه بضيقات كثيرة ينبغي أن تدخل ملكوت الله”، وينبغي أن يترافق ذلك مع طاعة تامة يدين بها الرهبان لرؤسائهم.

غير أن تجربة التبتل في الأديرة والصوامع لم تحقق نجاحاً تاريخياً يعتد به، فتطرق لها الفساد بشكل يشكك بقدرة الإنسان على حرمان نفسه من إحدى حاجاته الأساسية دون إخلال بواجباته، وهو ما دفع الكنيسة البروتستانتية (الإصلاحية) إلى التخلي عن الرهبنة والسماح للكهنة بالزواج قبل خمسة قرون، بينما تتمسك الكنائس الكاثوليكية بتقاليد الرهبنة لتصبح فضائح الكهنة الجنسية في كنائسها وأديرتها من أهم المواد الصحفية في الغرب خلال السنوات الماضية.

“الأديرة تحتوي على فساد عميق وهيهات أن يوجد فيها من يصلح للبقاء، إذ أنها تضم بين جدرانها أفّاقين أولى بهم غياهب السجون” [مجلة “رسالة الحياة” المسيحية، السنة الأولى، العدد 6، ص74].


أهم المراجع
مجموعة من اللاهوتيين برئاسة فرنس دافدس، تفسير الكتاب المقدس، منشورات النفير: بيروت، 1989م، ط2.

موريس بوكاي، دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، دار الأفكار: بيروت، 1991م، ط1.

هيم ماكبي، بولس وتحريف المسيحية، ترجمة سميرة عزمي الزين، المعهد الدولي للدراسات الإنسانية، 1986.

جون هيك، أسطورة تجسد الإله في السيد المسيح، ترجمة نبيل صبحي.

محمد أبو زهرة، محاضرات في النصرانية، الرئاسة العامة للإدارات البحوث العلمية والإفتاء: الرياض 1404هـ، ط4.

محمد علي البار، دراسات معاصرة في العهد الجديد والعقائد النصرانية، دار القلم: دمشق 2006م، ط1.

أحمد شلبي، المسيحية، مكتبة النهضة المصرية: القاهرة 1993، ط10.

لينة الحمصي، المسيحية والإسلام، دار العصماء: دمشق 2010، ط1.

محمد الغزالي، قذائف الحق، دار القلم: دمشق 2002م، ط3.

سيد عاشور، اليهود في عصر المسيح عليه السلام، دار القلم: دمشق 1992م.

Jean Schorer, Das Christentum in der Welt und für die Welt, Wien 1949.

Jean Schorer, Pourquoi je suis devenu un chrétien libéral, 2. A., Genf 1971.

Willhelm Schmidt, Bibel im Kreuzverhör, Gütersloh 1963.

الصليبية

ربى الحسني


الصليبية وصف أطلق على الحروب التي شنها الغرب المسيحي على العالم الإسلامي نهاية القرن الحادي عشر الميلادي/الخامس الهجري، واستمرت معاركها العسكرية لمدة تزيد عن مئتي سنة، وكان لأحداثها ونتائجها أثر بالغ في تاريخ العالم الإسلامي لايزال مستمراً بقوة إلى الآن.

وإذا كانت المعارك العسكرية قد انتهت فإن الفكر الصليبي الذي أسس لهذه الحرب وأشعلها لم ينته، بل على العكس لا يزال مسيطراً على الفكر الغربي وعقلية من يحكمونه من نخب سياسية وثقافية واقتصادية.

وسنهتم هنا بدراسة الخلفية الفكرية (الأيديولوجية) لهذه الحروب؛ لا سرد تاريخها ومعاركها، فقد شكلت هذه الأيديولوجية عقيدة راسخة لها أبعادها وخفاياها وليست مجرد فكرة طارئة خرجت من ذهن متهورٍ أو جاهل، كما أن الرؤوس المدبرة لهذه الحروب لازالت موجودة إلى الآن، وتشهد اليوم ذروة قوتها وهيمنتها.

الصراع الإسلامي المسيحي

لوحة تخيلية لمجمع نيقية تعود إلى القرن السادس عشر

تعود جذور الصراع بين الإسلام والمسيحية إلى وقت مبكر من تاريخ الإسلام، فقد بدأت البعثة النبوية في القرن السابع الميلادي عندما كانت الدولة البيزنطية تمثل القوة المسيحية الأساسية الكبرى التي تسيطر على مساحات واسعة من العالم، بما فيها الشام ومصر وشمال أفريقيا، وكان من الطبيعي أن تنظر هذه الدولة عقائدياً بعين العداء لعقيدة جاءت وركنها الأعظم توحيد الإله ونفي الشريك والولد عنه، مقابل ما تبنته تلك الدولة من عقيدة مشوهة منذ عقد إمبراطورها قسطنطين مجمع نيقية (325م) وصدر عنه مقررات اعتمدت تعديلات بولس الرسول (شاؤول اليهودي) القائلة بألوهية المسيح، ثم أضيف إليها فيما بعد ألوهية الروح القدس، فأصبحت بنسختها المعدلة تقر بالتثليث مقابل التوحيد الذي جاء به المسيح نفسه.

وكان الصدام العسكري الأول بين المسلمين والمسيحيين في معركة مؤتة (8هـ- 629م)، ثم تبعتها سلسلة من الصدامات التي دلت على أن الدولة البيزنطية ستتولى قيادة الصراع مع المسلمين في القرون المقبلة. ومع توالي الفتوحات الإسلامية زمن الخلافة الراشدة وما بعدها؛ شكَّل فتح المسلمين لبيت المقدس (16هـ-637م) محطة مفصلية لما تمثله المدينة من مكانة دينية هامة للطرفين، مما سيجعلها المؤثر الأبرز على مستقبل الصراع الإسلامي- المسيحي، بل واليهودي أيضاً كما سيظهر.

وشهد الصراع بين الطرفين مراحل من المد والجذر إلى أن دبَّ الضعف في العالم الإسلامي نتيجة عوامل عديدة، على رأسها التشتت والخلافات، إضافةً إلى عامل مهم تمثل في خضوع أقاليم واسعة منه لسيطرة دول شيعية، أهمها الدولة العبيدية التي تعرف بالفاطمية في مصر وأجزاء واسعة من الشام، مقابل خلافة عباسية سنية ضعيفة في العراق وما حوله، مما جرأ الدولة البيزنطية على التفكير في استعادة ما فقدته من بلاد، وعلى رأسها بيت المقدس، وأصبحت خطابات ملوكها التي توجَّه لجيوشها المقاتلة مشحونة بالعبارات الدينية التي تؤكد الروح العقدية التي تحرك حروبها.

أما في غرب أوروبا -منطلق الحملات الصليبية- فكانت السيادة والهيمنة للسلطة الدينية ممثلةً بالكنيسة الكاثوليكية وبابا الفاتيكان، إضافة إلى مجموعة محكمة التنظيم من الأديرة والكنائس التي تديرها أسر من النبلاء والأمراء الإقطاعيون والتي تمتع بعضها بنفوذ وثروات كبيرة واستقلالية تامة بعيدة عن سلطة الكنيسة وأعينها.

دوافع الفكر الصليبي

يُطلق مصطلح العصور المظلمة على المرحلة التي عاشتها أوروبا قبل الحروب الصليبية التي سمحت لها بالاحتكاك بالمشرق الإسلامي واكتشاف حضارته وعلومه، حيث كانت أوروبا تغرق قبلها في العنف والجهل والأوبئة

بعد استقراء معظم ما كُتب في تحليل دوافع الحروب الصليبية يتبين أن آراء الباحثين تنوعت ما بين من يرجع أسبابها إلى مجموعة من الدوافع الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حركتها وقدحت شرارتها، وبين من يجعل لها سبباً واحداً أسهم في نشأة الفكر الصليبي وما نتج عنه من حروب عسكرية وفكرية.

ويلاحظ تركيز البعض على ضرورة استبعاد الدافع الديني الذي حرك تلك الحشود الضخمة وجعلها تطوف في البلاد وتسفك الدماء، مع أن أفرادها كانوا يرسمون الصليب على أكتافهم ويرفعونه في حروبهم ويصرحون بأن هدف حملاتهم هو “إنقاذ المسيحيين والقدس من المسلمين واستعادة الضريح المقدس”.

ومع البحث يتضح أن لهذا الفكر دوافع عديدة، منها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، إلا أن الدافع الديني هو المهيمن، ويشكل الأصل الذي تفرعت عنه تلك الأسباب كلها، فلا شك أن أوروبا كانت تعاني اقتصادياً وأن معظم شعوبها محرومة من رغد الحياة، مما أطمعها في خيرات الشرق الغني، كما تغلبت رغبة الثراء على عقول الأمراء الإقطاعيين، فكانت الحرب فرصة لتحقيق طموحات استحال عليهم تحقيقها في أوروبا بسبب قانون الإرث الذي يمنح الثروة بأكملها للابن الأكبر، إضافة لما تجلبه الحرب من امتيازات وثروات لتجار الموانئ الأوربية التي تساهم أساطيلها فيها.

أما سياسياً، فقد رغب ملوكها وأمراؤها بتوسيع نفوذهم، وانتبهوا إلى ضعف الدولة البيزنطية (والتي كانت تتبع المذهب الأرثوذكسي وتمتد على تركيا وأوربا الشرقية) مما شجعهم على فتح الباب الشرقي لأوروبا أمام خطر المسلمين، إضافةً إلى خطر إخوانهم في الغرب أي الأندلس الذين كانوا يخوضون معهم حروباً لم تتوقف.

أما على الصعيد الاجتماعي، فكانت أوربا تعيش حالة مزرية مع تفشي الفساد الأخلاقي الذي امتد ليشمل رجال الكنيسة، كما كانت تعاني من انتشار الجريمة، إضافة إلى معاناة شديدة عاشتها جموع الفلاحين والعبيد بسبب حياة الذل والعبودية التي فرضها الإقطاعيون مقابل حمايتهم من هجمات خارجية تشنها عصابات قطاع الطرق.

أوربان الثاني

ساهمت هذه العوامل دون شك في إذكاء الحروب الصلبيبية، لكنها مجتمعة ما كان لها أن تضرم نار سلسلة من الحروب استمرت طوال هذه المدة الزمنية ودمرت وقتلت مئات الألاف، لولا وجود دافع رئيسي مؤثر غذّاها وأمدها بأسباب القوة والاستمرار، ألا وهو الدافع الديني. فالفكر المحرك لتلك الحروب كان ولازال نتيجةَ دافعٍ عقدي رئيسي تفرعت عنه تلك الدوافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عانى منها الغرب طويلاً، لكنها لم تشعل حرباً على العالم الإسلامي إلى أن ظهرت شخصيات مؤثرة كالبابا أوربان الثاني، الذي كان العامل الديني لديه ولدى كثيرٍ من القواد والأمراء واضحاً منذ البداية، فأفلح في الاستفادة من تلك العوامل وتجنيدها لخدمة غايته العظمى وهي شنُّ “حرب مقدسة” على العالم الإسلامي.

كان الدين هو الهدف المعلن لتلك الحملات التي دعت الحشود إلى “إنقاذ الأرض المقدسة وضريح المسيح والإمبراطورية البيزنطية من المسلمين الوثنيين الكفار”، ونجح البابا في تهييج الجموع الكبيرة التي اجتمعت في كليرمون جنوب فرنسا سنة 1095م لتستمع إلى خطبته الشهيرة، التي أكد فيها أنه يتكلم نيابة عن المسيح نفسه عليه السلام، فقال “ومن ثَمَّ فإنني لست أنا، ولكن الرب هو الذي يحثكم باعتباركم وزراء المسيح أن تحضوا الناس من شتى الطبقات”، كما استخدم نصاً من إنجيل لوقا يقول “ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا”، ووعد المشاركين بالغفران من الذنوب التي كانت شائعة للغاية، فازداد حماسهم في ظل شيوع التعصب الديني والخرافات والاعتقاد بالعودة الوشيكة للمسيح إلى الأرض ونبوءات آخر الزمان، وهي عقائد سادت بقوة في ذلك العصر بفعل اليهود المتغلغلين بقوة في المجتمع الأوروبي بأفكارهم وعقائدهم [انظر مقال المسيحية المتصهينة].

كما استغل البابا قدرته الخطابية في التصوير غير النزيه لمعاناة الحجاج النصارى في الأراضي المقدسة على أيدي المسلمين الذين سمّاهم بالوثنيين، واستثار الحشود التي كان معظمها لا يعرف القراءة والكتابة مؤكدا لهم أن بيت المقدس هو جنة الأرض وقلب العالم المليء بالخيرات، وما إن انتهى من خطبته حتى ثارت الجماهير وصاحت: “الرب يريدها.. الرب يريدها” وهي الصيحة التي صارت شعارًا للحرب بعد ذلك.

تواصل البابا مع المجامع الدينية في أوروبا الغربية ليأخذ رجال الكنائس على عاتقهم مهمة تحميس الناس، وكلّف بطرس الناسك (الذي سيكون له دور بارز في الحملة الصليبية الأولى) بالقيام بجولات مكثفة في أوربا لجمع المقاتلين، مستغلا براعته في الخطابة.

واستثمر البابا حماسة الأمير ريمون الرابع الذي كان يحكم تولوز وبروفانس، وغيره من الأمراء الكبار، ولا سيما الذين شاركوا سابقا في محاربة المسلمين بالأندلس، والذين سبق لهم أن زاروا القدس كحجاج.

لوحة تعود إلى القرن الرابع عشر للحملة الصليبية الثانية

وكان اختيار البابا لفرنسا -موطنه الأصلي- لتكون المكان الذي سيعلن منه بدء الحملات الصليبية مقصوداً، فقد كان جنوب فرنسا بمثابة منطقة تماس مع الحرب التي شنها النصارى الإسبان ضد المسلمين في الأندلس، كما كانت ذات دلالة رمزية وتاريخية خاصة تمثلت في أنها شهدت وقف المدِّ الإسلامي وإعاقته خلال معركة بلاط الشهداء أو بواتييه التي هزم فيها المسلمون سنة (732م)، وهو أمر لم يغب عن بال أوربان الثاني فأراد لها أن تكون منطلق حملاته التي يريد شنَّها على العالم الإسلامي.

وهكذا استطاع أوربان الثاني أن يوحد أوربا في مشروع واحد رغم الاختلاف البيِّن بين شعوبها المختلفة، فتوحدت على الحرب المقدسة ضد الأعداء مع شيوع الاعتقاد بقرب نهاية العالم، وأصبحت الحرب مشروعاً لتحقيق أحلامهم الدنيوية وخلاصهم الأخروي في آن واحد، حتى اعتبروا أنفسهم “فرسان المسيح” و”جيش المسيح” و”الشعب المقدس ” و”شعب الرب “، وآمنوا فعلا بأن الحرب استجابة لأوامر الرب نفسه.

أبعاد خفية
ذكرت دراسات عديدة في الشرق والغرب أن هناك أبعادا أخرى للحروب الصليبية تم إخفاؤها عمداً عن صفحات التاريخ، وكان من أحدث هذه الدراسات التي صدرت حديثاً كتاب “اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبيبة” للباحث المصري د. بهاء الأمير، حيث أشار إلى أن تلك الحروب لم يكن لها من المسيحية إلا الغلاف والقشرة، أما في جوهرها فكانت يهوديةً خالصة.

وقد عمد الأمير في كتابه إلى جمع وثائق ومراجع غربية عديدة لكتَّاب من عصور مختلفة والنظر فيها وتمحيصها، ككتاب “الدم المقدس: الكأس المقدسة” لميشيل بيجنت وهنري لنكولن، وموسوعات غربية شهيرة كالموسوعة البريطانية، وما كتبه روبرت لوماس أحد الخبراء في تاريخ الجمعيات السرية وأشهر من أرَّخ للماسونية، وألبرت بايك سيد الماسونية في القرن التاسع عشر وغيرهم، ورجّح من خلالها وجود تلك الدوافع الخفية للحروب الصليبية.

وتفصيل ذلك أن أوروبا عرفت منذ القرن الثالث الميلادي ظهور ما يعرف بالأسرة الميروفنجية، وهي مجموعة من الأسر التي ترتبط فيما بينها بعلاقات نسب ومصاهرة قوية، وتعتبر الفرع الأكبر والأشهر من قبائل الفرانكا (الفرنجة) التي سيطرت على مناطق واسعة من جنوب أوروبا وغربها، فيما كان يعرف قديماً باسم “غالة”، والتي كانت تضم فرنسا وبلجيكا وسويسرا وغرب ألمانيا وجزءاً من أسبانيا، ولم تدخل في المسيحية إلا في القرن الخامس الميلادي، حيث أنشأت سلسلة أديرة خاصة بها في كل أنحاء غالة ودعمتها مادياً ومعنوياً لضمان ولائها لها، ولتبثَّ من خلالها أفكارها في أتباعها، حتى نجحت بالتدريج في التغلغل بالمجتمع وصولاً إلى الطبقة الحاكمة، ولتصل في النهاية إلى تأسيس مملكة دينية من الأديرة والكنائس تنافس الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، وتمنع تسرُّب أفكار الفاتيكان إلى شعوب “غالة