مقالات

الصليبية

ربى الحسني


الصليبية وصف أطلق على الحروب التي شنها الغرب المسيحي على العالم الإسلامي نهاية القرن الحادي عشر الميلادي/الخامس الهجري، واستمرت معاركها العسكرية لمدة تزيد عن مئتي سنة، وكان لأحداثها ونتائجها أثر بالغ في تاريخ العالم الإسلامي لايزال مستمراً بقوة إلى الآن.

وإذا كانت المعارك العسكرية قد انتهت فإن الفكر الصليبي الذي أسس لهذه الحرب وأشعلها لم ينته، بل على العكس لا يزال مسيطراً على الفكر الغربي وعقلية من يحكمونه من نخب سياسية وثقافية واقتصادية.

وسنهتم هنا بدراسة الخلفية الفكرية (الأيديولوجية) لهذه الحروب؛ لا سرد تاريخها ومعاركها، فقد شكلت هذه الأيديولوجية عقيدة راسخة لها أبعادها وخفاياها وليست مجرد فكرة طارئة خرجت من ذهن متهورٍ أو جاهل، كما أن الرؤوس المدبرة لهذه الحروب لازالت موجودة إلى الآن، وتشهد اليوم ذروة قوتها وهيمنتها.

الصراع الإسلامي المسيحي

لوحة تخيلية لمجمع نيقية تعود إلى القرن السادس عشر

تعود جذور الصراع بين الإسلام والمسيحية إلى وقت مبكر من تاريخ الإسلام، فقد بدأت البعثة النبوية في القرن السابع الميلادي عندما كانت الدولة البيزنطية تمثل القوة المسيحية الأساسية الكبرى التي تسيطر على مساحات واسعة من العالم، بما فيها الشام ومصر وشمال أفريقيا، وكان من الطبيعي أن تنظر هذه الدولة عقائدياً بعين العداء لعقيدة جاءت وركنها الأعظم توحيد الإله ونفي الشريك والولد عنه، مقابل ما تبنته تلك الدولة من عقيدة مشوهة منذ عقد إمبراطورها قسطنطين مجمع نيقية (325م) وصدر عنه مقررات اعتمدت تعديلات بولس الرسول (شاؤول اليهودي) القائلة بألوهية المسيح، ثم أضيف إليها فيما بعد ألوهية الروح القدس، فأصبحت بنسختها المعدلة تقر بالتثليث مقابل التوحيد الذي جاء به المسيح نفسه.

وكان الصدام العسكري الأول بين المسلمين والمسيحيين في معركة مؤتة (8هـ- 629م)، ثم تبعتها سلسلة من الصدامات التي دلت على أن الدولة البيزنطية ستتولى قيادة الصراع مع المسلمين في القرون المقبلة. ومع توالي الفتوحات الإسلامية زمن الخلافة الراشدة وما بعدها؛ شكَّل فتح المسلمين لبيت المقدس (16هـ-637م) محطة مفصلية لما تمثله المدينة من مكانة دينية هامة للطرفين، مما سيجعلها المؤثر الأبرز على مستقبل الصراع الإسلامي- المسيحي، بل واليهودي أيضاً كما سيظهر.

وشهد الصراع بين الطرفين مراحل من المد والجذر إلى أن دبَّ الضعف في العالم الإسلامي نتيجة عوامل عديدة، على رأسها التشتت والخلافات، إضافةً إلى عامل مهم تمثل في خضوع أقاليم واسعة منه لسيطرة دول شيعية، أهمها الدولة العبيدية التي تعرف بالفاطمية في مصر وأجزاء واسعة من الشام، مقابل خلافة عباسية سنية ضعيفة في العراق وما حوله، مما جرأ الدولة البيزنطية على التفكير في استعادة ما فقدته من بلاد، وعلى رأسها بيت المقدس، وأصبحت خطابات ملوكها التي توجَّه لجيوشها المقاتلة مشحونة بالعبارات الدينية التي تؤكد الروح العقدية التي تحرك حروبها.

أما في غرب أوروبا -منطلق الحملات الصليبية- فكانت السيادة والهيمنة للسلطة الدينية ممثلةً بالكنيسة الكاثوليكية وبابا الفاتيكان، إضافة إلى مجموعة محكمة التنظيم من الأديرة والكنائس التي تديرها أسر من النبلاء والأمراء الإقطاعيون والتي تمتع بعضها بنفوذ وثروات كبيرة واستقلالية تامة بعيدة عن سلطة الكنيسة وأعينها.

دوافع الفكر الصليبي

يُطلق مصطلح العصور المظلمة على المرحلة التي عاشتها أوروبا قبل الحروب الصليبية التي سمحت لها بالاحتكاك بالمشرق الإسلامي واكتشاف حضارته وعلومه، حيث كانت أوروبا تغرق قبلها في العنف والجهل والأوبئة

بعد استقراء معظم ما كُتب في تحليل دوافع الحروب الصليبية يتبين أن آراء الباحثين تنوعت ما بين من يرجع أسبابها إلى مجموعة من الدوافع الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حركتها وقدحت شرارتها، وبين من يجعل لها سبباً واحداً أسهم في نشأة الفكر الصليبي وما نتج عنه من حروب عسكرية وفكرية.

ويلاحظ تركيز البعض على ضرورة استبعاد الدافع الديني الذي حرك تلك الحشود الضخمة وجعلها تطوف في البلاد وتسفك الدماء، مع أن أفرادها كانوا يرسمون الصليب على أكتافهم ويرفعونه في حروبهم ويصرحون بأن هدف حملاتهم هو “إنقاذ المسيحيين والقدس من المسلمين واستعادة الضريح المقدس”.

ومع البحث يتضح أن لهذا الفكر دوافع عديدة، منها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، إلا أن الدافع الديني هو المهيمن، ويشكل الأصل الذي تفرعت عنه تلك الأسباب كلها، فلا شك أن أوروبا كانت تعاني اقتصادياً وأن معظم شعوبها محرومة من رغد الحياة، مما أطمعها في خيرات الشرق الغني، كما تغلبت رغبة الثراء على عقول الأمراء الإقطاعيين، فكانت الحرب فرصة لتحقيق طموحات استحال عليهم تحقيقها في أوروبا بسبب قانون الإرث الذي يمنح الثروة بأكملها للابن الأكبر، إضافة لما تجلبه الحرب من امتيازات وثروات لتجار الموانئ الأوربية التي تساهم أساطيلها فيها.

أما سياسياً، فقد رغب ملوكها وأمراؤها بتوسيع نفوذهم، وانتبهوا إلى ضعف الدولة البيزنطية (والتي كانت تتبع المذهب الأرثوذكسي وتمتد على تركيا وأوربا الشرقية) مما شجعهم على فتح الباب الشرقي لأوروبا أمام خطر المسلمين، إضافةً إلى خطر إخوانهم في الغرب أي الأندلس الذين كانوا يخوضون معهم حروباً لم تتوقف.

أما على الصعيد الاجتماعي، فكانت أوربا تعيش حالة مزرية مع تفشي الفساد الأخلاقي الذي امتد ليشمل رجال الكنيسة، كما كانت تعاني من انتشار الجريمة، إضافة إلى معاناة شديدة عاشتها جموع الفلاحين والعبيد بسبب حياة الذل والعبودية التي فرضها الإقطاعيون مقابل حمايتهم من هجمات خارجية تشنها عصابات قطاع الطرق.

أوربان الثاني

ساهمت هذه العوامل دون شك في إذكاء الحروب الصلبيبية، لكنها مجتمعة ما كان لها أن تضرم نار سلسلة من الحروب استمرت طوال هذه المدة الزمنية ودمرت وقتلت مئات الألاف، لولا وجود دافع رئيسي مؤثر غذّاها وأمدها بأسباب القوة والاستمرار، ألا وهو الدافع الديني. فالفكر المحرك لتلك الحروب كان ولازال نتيجةَ دافعٍ عقدي رئيسي تفرعت عنه تلك الدوافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عانى منها الغرب طويلاً، لكنها لم تشعل حرباً على العالم الإسلامي إلى أن ظهرت شخصيات مؤثرة كالبابا أوربان الثاني، الذي كان العامل الديني لديه ولدى كثيرٍ من القواد والأمراء واضحاً منذ البداية، فأفلح في الاستفادة من تلك العوامل وتجنيدها لخدمة غايته العظمى وهي شنُّ “حرب مقدسة” على العالم الإسلامي.

كان الدين هو الهدف المعلن لتلك الحملات التي دعت الحشود إلى “إنقاذ الأرض المقدسة وضريح المسيح والإمبراطورية البيزنطية من المسلمين الوثنيين الكفار”، ونجح البابا في تهييج الجموع الكبيرة التي اجتمعت في كليرمون جنوب فرنسا سنة 1095م لتستمع إلى خطبته الشهيرة، التي أكد فيها أنه يتكلم نيابة عن المسيح نفسه عليه السلام، فقال “ومن ثَمَّ فإنني لست أنا، ولكن الرب هو الذي يحثكم باعتباركم وزراء المسيح أن تحضوا الناس من شتى الطبقات”، كما استخدم نصاً من إنجيل لوقا يقول “ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا”، ووعد المشاركين بالغفران من الذنوب التي كانت شائعة للغاية، فازداد حماسهم في ظل شيوع التعصب الديني والخرافات والاعتقاد بالعودة الوشيكة للمسيح إلى الأرض ونبوءات آخر الزمان، وهي عقائد سادت بقوة في ذلك العصر بفعل اليهود المتغلغلين بقوة في المجتمع الأوروبي بأفكارهم وعقائدهم [انظر مقال المسيحية المتصهينة].

كما استغل البابا قدرته الخطابية في التصوير غير النزيه لمعاناة الحجاج النصارى في الأراضي المقدسة على أيدي المسلمين الذين سمّاهم بالوثنيين، واستثار الحشود التي كان معظمها لا يعرف القراءة والكتابة مؤكدا لهم أن بيت المقدس هو جنة الأرض وقلب العالم المليء بالخيرات، وما إن انتهى من خطبته حتى ثارت الجماهير وصاحت: “الرب يريدها.. الرب يريدها” وهي الصيحة التي صارت شعارًا للحرب بعد ذلك.

تواصل البابا مع المجامع الدينية في أوروبا الغربية ليأخذ رجال الكنائس على عاتقهم مهمة تحميس الناس، وكلّف بطرس الناسك (الذي سيكون له دور بارز في الحملة الصليبية الأولى) بالقيام بجولات مكثفة في أوربا لجمع المقاتلين، مستغلا براعته في الخطابة.

واستثمر البابا حماسة الأمير ريمون الرابع الذي كان يحكم تولوز وبروفانس، وغيره من الأمراء الكبار، ولا سيما الذين شاركوا سابقا في محاربة المسلمين بالأندلس، والذين سبق لهم أن زاروا القدس كحجاج.

لوحة تعود إلى القرن الرابع عشر للحملة الصليبية الثانية

وكان اختيار البابا لفرنسا -موطنه الأصلي- لتكون المكان الذي سيعلن منه بدء الحملات الصليبية مقصوداً، فقد كان جنوب فرنسا بمثابة منطقة تماس مع الحرب التي شنها النصارى الإسبان ضد المسلمين في الأندلس، كما كانت ذات دلالة رمزية وتاريخية خاصة تمثلت في أنها شهدت وقف المدِّ الإسلامي وإعاقته خلال معركة بلاط الشهداء أو بواتييه التي هزم فيها المسلمون سنة (732م)، وهو أمر لم يغب عن بال أوربان الثاني فأراد لها أن تكون منطلق حملاته التي يريد شنَّها على العالم الإسلامي.

وهكذا استطاع أوربان الثاني أن يوحد أوربا في مشروع واحد رغم الاختلاف البيِّن بين شعوبها المختلفة، فتوحدت على الحرب المقدسة ضد الأعداء مع شيوع الاعتقاد بقرب نهاية العالم، وأصبحت الحرب مشروعاً لتحقيق أحلامهم الدنيوية وخلاصهم الأخروي في آن واحد، حتى اعتبروا أنفسهم “فرسان المسيح” و”جيش المسيح” و”الشعب المقدس ” و”شعب الرب “، وآمنوا فعلا بأن الحرب استجابة لأوامر الرب نفسه.

أبعاد خفية
ذكرت دراسات عديدة في الشرق والغرب أن هناك أبعادا أخرى للحروب الصليبية تم إخفاؤها عمداً عن صفحات التاريخ، وكان من أحدث هذه الدراسات التي صدرت حديثاً كتاب “اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبيبة” للباحث المصري د. بهاء الأمير، حيث أشار إلى أن تلك الحروب لم يكن لها من المسيحية إلا الغلاف والقشرة، أما في جوهرها فكانت يهوديةً خالصة.

وقد عمد الأمير في كتابه إلى جمع وثائق ومراجع غربية عديدة لكتَّاب من عصور مختلفة والنظر فيها وتمحيصها، ككتاب “الدم المقدس: الكأس المقدسة” لميشيل بيجنت وهنري لنكولن، وموسوعات غربية شهيرة كالموسوعة البريطانية، وما كتبه روبرت لوماس أحد الخبراء في تاريخ الجمعيات السرية وأشهر من أرَّخ للماسونية، وألبرت بايك سيد الماسونية في القرن التاسع عشر وغيرهم، ورجّح من خلالها وجود تلك الدوافع الخفية للحروب الصليبية.

وتفصيل ذلك أن أوروبا عرفت منذ القرن الثالث الميلادي ظهور ما يعرف بالأسرة الميروفنجية، وهي مجموعة من الأسر التي ترتبط فيما بينها بعلاقات نسب ومصاهرة قوية، وتعتبر الفرع الأكبر والأشهر من قبائل الفرانكا (الفرنجة) التي سيطرت على مناطق واسعة من جنوب أوروبا وغربها، فيما كان يعرف قديماً باسم “غالة”، والتي كانت تضم فرنسا وبلجيكا وسويسرا وغرب ألمانيا وجزءاً من أسبانيا، ولم تدخل في المسيحية إلا في القرن الخامس الميلادي، حيث أنشأت سلسلة أديرة خاصة بها في كل أنحاء غالة ودعمتها مادياً ومعنوياً لضمان ولائها لها، ولتبثَّ من خلالها أفكارها في أتباعها، حتى نجحت بالتدريج في التغلغل بالمجتمع وصولاً إلى الطبقة الحاكمة، ولتصل في النهاية إلى تأسيس مملكة دينية من الأديرة والكنائس تنافس الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، وتمنع تسرُّب أفكار الفاتيكان إلى شعوب “غالة” التي صارت تحت حكمها.

ويؤكد في كتابه اعتماداً على وثائق ودراسات غربية أن نسب الأسر الميروفنجية يعود إلى من بقي من سبط بنيامين (أحد أسباط بني إسرائيل الإثني عشر)، الذين فروا بحراً إلى أوربا بعد خراب الهيكل الثاني في القدس على يد الرومان واستقروا فيها، ثم حرصوا على التصاهر مع أسر يهودية من سبطي لاوي ويهوذا، أي أن جذورهم تعود إلى بني اسرائيل ودينهم اليهودي، وأن اعتناقهم المسيحية كان مجرد غطاء.

ولاحقاً، نجحت تلك السلالة من خلال رهبان الأديرة التي أسستها في اختراق الكنيسة الكاثوليكية نفسها، واستطاعت إيصال ستٍ من الباباوات ذوي الأصل اليهودي إلى رأسها، وكان أشهرهم البابا أوربان الثاني الذي أوقد شعلة الحروب الصليبية، فقد كان راهباً يرأس دير كلوني، أحد أكثر أديرة الأسرة الميروفنجية نفوذاً وثراءً.

وبهذا يمكن فهم أبعاد العبارة التي افتتح بها البابا خطبته الشهيرة في كليرمون عندما قال “يا شعب الفرانكا (الفرنجة) العظيم القادم عبر الجبال، يا شعب الله المحبوب المختار”. فقد كان يوجه خطابه إلى الفرانكا وليس إلى المسيحيين أو المؤمنين، ووصفهم بأنهم شعب الله المختار، وهو أسلوبٌ يهودي خالص.

كان أمراء أوروبا يتعاونون مع رهبان تلك الأديرة لتهيئة الأجواء باتجاه الحرب، فوثقوا صلاتهم بالإمبراطور البيزنطي (الأرثوذكسي) وأقنعوه بضرورة الاستعانة بهم لمساعدته في صراعه ضد السلاجقة المسلمين، وعندما استنجد بهم فعلاً أثاروا مشاعر الجماهير للزحف تجاه الأرض المقدسة.

غودفروي دي بويون

ومن الملفت أن قادة الحملة الصليبية الأولى اتفقوا على أن تعيين غودفروي دي بويون حاكماً للقدس (أورشليم) بعد السيطرة عليها، ولم يكن اختياره مصادفةً إذ كان أصرحهم نسباً في الأسرة الميروفنجية، فهو سليل داوود عليه السلام مما جعله في دين اليهود وريث أورشليم الشرعي، ويبدو أن استعادة القدس وتنصيب ملكٍ من بني إسرائيل عليها هو الهدف الحقيقي للحملة الصليبية.

وبالرغم مما قلناه عن الدوافع الاقتصادية للحرب فقد كانت متداخلة مع العقيدة، إذ تؤكد مصادر عديدة أن اليهود كانوا سادة المال والتجارة في أوروبا منذ القرن الخامس الميلادي، وأن التجارة بين أوروبا والعالم الإسلامي أصبحت في أيديهم بحلول القرن العاشر الميلادي، فكان تدبيرهم للحملات الصليبية وسيلة لاستكمال سيطرتهم على المال والتجارة العالمية، حيث راجت التجارة أثناء الحروب الصليبيبة وأثرى التجار (ومعظمهم من اليهود) ثراءً فاحشاً.

ولعل السِّمة اليهودية الأبرز للحملات الصليبية تتجلى في منظمة “فرسان الهيكل” التي كانت أشهر منظمة عسكرية في تاريخ أوروبا، علماً بأن اسمها الكامل هو “الجنود الفقراء من أتباع المسيح وهيكل سليمان”.

ويكتنف الغموض تاريخ هذه المنظمة، إلا أن ما كشفته بعض الدراسات الحديثة ساعد على ربط الكثير من الخيوط وكشف خفاياها، فقد أنشأها عام 1118م رجلان أحدهما الكونت دي شامبان رأس الأسر الميروفنجية، والآخر هو القديس برنار دي كليرفو رأس مملكة الأديرة التي أنشأتها تلك الأسر، وبذلك يعتبر الفرسان نموذجاً مثالياً للتحالف الوثيق بين تلك الأسر والأديرة التي كونتها ومولتها.

“كنيسة المعبد” التي كانت مقرا لفرسان الهيكل في لندن ويبدو من مظهرها أنها كانت أقرب للقلاع من الكنائس المسيحية

نجح دي كليرفو في اختراق الكنيسة الكاثوليكية حتى أصبح أهم مستشاري البابا، وأقام علاقات وثيقة مع ملوك أوروبا وأمرائها، واستطاع بنفوذه الحصول على اعتراف البابا بفرسان الهيكل ومباركته، حتى منحها من الامتيازات ما جعلها خارج سلطة الملوك والأمراء والأساقفة.

أعلنت هذه المنظمة ظاهرياً أن الهدف من إنشائها هو حراسة طرق الحج من يافا إلى أورشليم، وحماية الحجاج المسيحيين من أعمال السرقة والنهب التي كانوا يتعرضون لها بزعمهم، وأظهرت كفاءة قتالية عالية بمشاركتها مع الجيوش الصليبية، وحققت انتصارات كبيرة كان أشهرها معركة تل جازر سنة 1177م، والتي استطاعوا فيها تشتيت جيش صلاح الدين الأيوبي وهزيمته نتيجة خطأٍ عسكري ارتكبه، فزادت امتيازاتها وأصبحت القوة المنظمة الأولى في مملكة أورشليم الصليبية.

وأكد باحثون أن ما أظهرته المنظمة من أهداف وما قدمته من بطولات كانت ستاراً لهدف خفي، وهو الوصول إلى المسجد الأقصى والتنقيب تحته لكشف آثار هيكل سليمان الذي حملت المنظمة اسمه صراحةً، حيث اتخذوا مقراً لهم داخل المسجد، أي بعيداً عن طرق الحج التي أعلنوا عن حمايتها، وحفروا أنفاقاً تحته عُثر عليها سنة 1867م وفيها أدوات وأسلحة تحمل شعاراتهم.

اللباس التقليدي لفرسان المعبد

يدل ارتباط هؤلاء الفرسان بالهيكل دلالةً واضحة على أصلهم اليهودي ويرجح صِحَّة وقوف اليهود خلف الحملات التي رفعت الصليب شعاراً لها، إذ يبدو أن هدفهم من تحريكها كان الوصول إلى الهيكل الذي يصفه تيودور هرتزل بأنه: “عقيدة آبائنا التليدة التي جمعتنا معاً”، فالهيكل هو لبُّ اليهودية، وإعادة بنائه غايتها في كل زمان ومكان، فلا يوضع اسم الهيكل في منظمة أو تنظيم إلا ويكون يهودٌ خلفه، ولا علاقة للمسيحية به من قريب أو بعيد.

ومع أن أورشليم مقدسة عند المسيحيين، إلا أن المقدس فيها هو القبر وكنيسة القيامة وليس الهيكل، لأن خراب الهيكل وهدمه من علامات صدق المسيح عند أتباعه كما نص إنجيل متى. فلماذا تنسب منظمة -تدَّعي أنها كاثوليكية- نفسها إلى الهيكل وتضعه في اسمها إلى جانب المسيح، مع أنه ليس له أي قداسة في المسيحية بل العكس هو الصحيح؟!

لذا يرجح باحثون أن وضعهم كلمة المسيح ضمن اسم المنظمة كان غلافاً يخفي غايتهم الحقيقية وهي “الهيكل”، وهذا من سمات اليهود التي يغفل عنها الكثير من المؤرخين، ولا سيما المتعلقون بظاهر الأحداث.

ومع تنوع أسباب الحروب الصليببية وتشتتها في نظر معظم مؤرخيها، يبدو أن بعض الدراسات الحديثة نجحت أخيرا في الكشف عن انبثاقها من أصل واحد ضمن إطار العقيدة اليهودية، وأن اليهود تعمدوا إظهارها مشتَّتةً لإخفاء الهدف الحقيقي وتركه محل جدل على مدى قرون، وليبقى الآخرون غافلين عن السلاح الفعال الذي لا يمكن مواجهتهم إلا به، ألا وهو عقيدة الوحي غير المحرفة.

 

نتائج الحروب الصليبية
لعل أهم نتائجها هو ما خلفته من آثار على الصعيدين الثقافي والفكري، فالحملات الصليبية انتهت عام 1291م بفشل عسكري ذريع، إلا أنها أقنعت الصليبيين ومن وراءهم بضرورة تحويل المعركة مع العالم الإسلامي من حرب مسلحة إلى حرب مقنعة وأن يكون سلاحها الرئيس هو الغزو الفكري، وذلك تحت أقنعة العلم والصناعة والتجارة والبعثات الطبية والأثرية، وغيرها من المجالات الإنسانية التي لا تثير حفيظة الشعوب.

فالغزو الفكري لا يولد ردَّ فعل مقاوم كما يحدث مع العدوان العسكري، لذا شاع في الغرب قولهم “إذا أرهبك سلاح عدوك؛ فأفسد فكره ينتحر به”. وقد كان اليهود العقل المدبر لهذا الغزو ثم سار الصليبيون على أعقابهم بعد خيبة الحروب الصليبية، ونجحوا خلال قرون من التجريب والتطوير في تحقيق أهدافهم، والتي تتجسد في المجالات الثلاثة الآتية:

  • التنصير: لجؤوا إليه لاستمالة المسلمين بطرق ودية بعد فشلهم العسكري، فأرسلوا البعثات التبشيرية التي نشطت في العالم الإسلامي مستغلةً ضعفه، حيث استغل المبشرون مجالات التعليم والطب والتواصل الشخصي مع المسلمين لتحقيق غايتهم. وقد أثبتت الكثير من البعثات التبشرية حرصها الشديد على تنصير المسلمين وتحملت في سبيل ذلك مشاق عظيمة لا يتحملها إلا من يمتلك دافعاً عقدياً قوياً يهيمن عليه.
  • الاستشراق: هو تعبير أطلقه الغربيون على الدراسات المتعلقة بالشرقيين، بما يشمل دراسة شعوبهم وتاريخهم وأديانهم ولغاتهم ، وقد اهتم معظم المستشرقين بدراسة الإسلام وشعوبه أكثر من أي شعب شرقي آخر، وأثبت التاريخ توظيف أبحاثهم في خدمة أغراض التبشير والاستعمار.
  • التغريب: يقصد به نقل مفاهيم الحضارة الغربية وسلوكياتها وأفكارها إلى العالم الإسلامي عبر الأنظمة التربوية والسياسية والثقافية، وذلك بأيدٍ إسلامية تلقت تعليمها على الأغلب في المدارس الغربية وتشبعت بالعداء لبيئتها ودينها.

إدموند إلّنبي

ويبدو أن الغرب استثمر هذه الوسائل الثلاث جيداً على مدى قرون، ليعود إلى العالم الإسلامي غازياً ويستكمل حربه الصليبية بحملة جديدة تحت مسمى الاستعمار، حتى قال الجنرال إدموند إلّنبي -اليهودي كما جاء في الموسوعة اليهودية- وهو يدخل القدس سنة 1917م “اليوم انتهت الحروب الصليبية”، كما توجه الجنرال الفرنسي هنري غورو فور احتلاله دمشق سنة 1920 إلى قبر صلاح الدين الأيوبي، وركله بقدمه قائلاً: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”، وهي مقولة استحضرناها مؤخراً عندما أفلتت من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن عبارة “إنها حملة صليبية جديدة”في وصف حربه على العراق سنة 2003م [انظر مقال المسيحية الصهيونية].

والملفت في جميع تلك الحملات القديمة والحديثة الدور اليهودي غير المعلن، فقد نجح اليهود في اختراق المسيحية منذ شاؤول في القرن الميلادي الأول حتى أصبح رسول المسيحية الأول وحمل اسم بولس الرسول، وتمكن بذلك من تحريف الوحي الذي جاء بها المسيح من عقيدة توحيد إلى عقيدة تثليث، ثم اخترقت الأسر الميروفنجية الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى وهيمنت عليها، وأنشأت منظمة فرسان الهيكل لتصل إلى المسجد الأقصى وتسعى لإنشاء هيكل ينسبونه إلى سليمان عليه السلام، واليوم يمثل البروتستانت تياراً مسيحياً متصهيناً يهيمن على القرار السياسي الغربي ويتحكم به للوصول إلى الهدف ذاته، وهو إنشاء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى.

ما زال الأوروبيون يحيون ذكرى الحملات الصليبية حتى اليوم

ملاحظات على بعض الدراسات العربية
يرفض كثير من الباحثين والمؤرخين من العرب والمسلمين تسمية الحروب الصليبية بهذا الاسم ويصرون على تسميتها بحروب “الفِرَنجة”، مع نفي الطابع الديني الذي صبغ أهداف الأوربيين آنذاك أو التقليل من شأنه، ويدللون على ذلك بما فعله مؤرخو الإسلام الثقات عند تدوينهم لتاريخ تلك الحروب، حيث استخدموا مصطلح “الفِرَنجة” و”الإفْرَنج” في وصفهم، وينقلون عن صلاح الدين الأيوبي قوله “انظروا إلى الإفرنج.. انظروا بأي ضراوة يقاتلون في سبيل دينهم في حين لا نبدي نحن المسلمون أية حمية للجهاد في سبيل الله”، مع أن عبارة السلطان هذه تفنِّد دعواهم، فقد أدرك صلاح الدين أن الحرب مع الفرنجة صراع عقائدي بالدرجة الأولى.

حتى لو استخدم القدماء صفة “حروب الفرنجة” فهذا لا ينفي طبيعتها العقدية، لا سيما بعد ما بيَّنته بعض الدراسات الحديثة من علاقة قبائل الفرانكا أو الفرنجة ببني إسرائيل، والدور الذي لعبته اليد اليهودية الخفية لتحريك لتلك الحروب.

ويبالغ البعض بالقول إن نسبة تلك الحملات إلى الصليب لا تصح، لأنها تسمية لا توافق مضمونها، ويقررون أن الصليب رمز للفداء والتضحية بالنفس ولم يكن يوماً رمزاً للحرب والقتل. وهذه مغالطة، ففكرة الصليب تمثل نقطة تحول الوحي الذي جاء به المسيح من التوحيد وتنزيه الإله عن مشابهة مخلوقاته، إلى عقيدة تنسب إلى الإله الولد وتجعله عاجزاً عن حمايته ومضطراً إلى التضحية به لتكفير ذنوب عباده.

وفي ما سبق من التبريرات صرفٌ للعالم الإسلامي عن حقيقة الصراع إلى دوافع ثانوية تفقده السلاح الوحيد الفعال في معركته، مع أن الصليبيين كانوا أكثر وضوحاً وسمّوا حربهم بمسماها الديني ولا نجد في مراجعهم عن تلك المرحلة إلا مصطلح “Croisades” و”Crusade” أي “الصليببية”.

يسارع بعض الباحثين أيضاً إلى تبرئة نصارى المشرق من الولاء لنصارى الغرب ويؤكدون رفضهم للحملات الصليبية بدوافع وطنية، مع أن التاريخ ووقائعه تشهد بأن هذه الدعوى لم تكن دقيقة بالمطلق، وقد كشف هذه الحقيقة مفكرون نصارى مثل المستشرق الأميركي لبناني الأصل فيليب حتّي، فأكد في كتابه “لبنان في التاريخ” على متانة العلاقات الودِّية بين الصليببين والموارنة، حيث قدم الموارنة للحملة الصليبية الأولى أدلاء يرشدونهم إلى الطرق والمعابر، وأرسلوا فرقة من النشَّابة (الرماة) المتطوعة لدعم الصليبيين في القدس، كما ذكر حتّي أن لويس التاسع عندما نزل عكا وجد في استقباله 25 ألفاً منهم محملين بالمؤن والهدايا، وكانت لهم المكانة الأولى بعد الصليبيين في كل مملكة أسسوها.

وقد وصف المؤرخون استقبال نصارى دمشق للقائد التتري النصراني كتبغا عندما دخل مدينتهم محتلاً، وكيف خرجوا إليه مرحبين ورافعين الصلبان ورشوا الخمر على أبواب المساجد، كما نالوا حظوة عظيمة عند هولاكو حتى أَذِن لهم بتحويل المسجد الأموي إلى كنيسة، كما تشابهت تلك التصرفات من قبل النصارى الشرقيين في مدن كثيرة دخلها التتار والصليبيون كحلب وبغداد التي حرص التتار على الحفاظ على كنائسها وأنعموا على بطرقها (بطريركها) بالهدايا الثمينة، في الوقت الذي قتلوا فيه الخليفة العباسي وهدموا مساجدها وذبحوا أهلها المسلمين بفقهائهم وعلمائهم.

وكان التنسيق بين المغول ونصارى المشرق عالياً، حتى عدَّ المؤرخون ومنهم ابن العبري النصراني اجتياح التتار للعالم الإسلامي حملةً صليبية جديدة وفرصة للنيل من المسلمين جاءت من الشرق، وأكدوا على دور زوجة هولاكو النصرانية في توجيه اهتمامه نحو العالم الإسلامي لغزوه دون أوروبا النصرانية، وحرص هولاكو من جهة على أن تكون حاشيته وبطانته المقربة منهم،كما حرص بعض بطارقتهم وأمرائهم من جهة أخرى على ملازمة المغول في زحفهم ومشاركتهم في احتلالهم، وتحريضهم ضد المسلمين.

مخطوط أوروبي لمعركة نيكوبوليس

مع أن معظم المؤرخين يعتبرون أن الحملات الصليبية على بلاد المسلمين في المشرق انتهت في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، أي مع بدء ظهور الدولة العثمانية القوية في الأناضول، إلا أن الصراع لم يتوقف. فبعد نحو قرن من تأسيس دولتهم، نجح العثمانيون عام 1396م في دحر تحالف هائل من الجيوش الصليبية القادمة من المجر وبلغاريا وويلز وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وذلك في المعركة التي سقطت فيها العاصمة المجرية نيكوبوليس، ما سمحت للدولة العثمانية بالتمدد نحو عمق أوروبا.


أهم المراجع
راغب السرجاني، قصة الحروب الصليبية، القاهرة، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، 2008م، ط1.

علي محمد الصلابي، دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي، القاهرة، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، 2006م، ط1.

بهاء الأمير، اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبية، القاهرة، مكتبة مدبولي، 2013م.

عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، أجنحة المكر الثلاث وخوافيها: التبشير- الاستشراق- الاستعمار، دمشق، دار القلم، 2000م، ط8.

المسيحية الصهيونية

ربى الحسني


دونان مؤسس الصليب الأحمر هو أول من أطلق عليه اسم مسيحي متصهين

إن ما يعرف بالمسيحية المتصهينة ليس بالفكر الجديد، أو الطارئ على الثقافة والمعتقد المسيحي عامة والغربي منه خاصة؛ بل له جذور ربما تعود إلى البدايات المسيحية الأولى التي كان لشاؤول اليهودي الذي أصبح يعرف بالقديس بولس دور بارز فيها، وقد تطورت حتى وصلت إلى عقيدة متكاملة تتبناها الفرقة التي تمسك بزمام السلطة في الغرب والولايات المتحدة وتحاول انطلاقاً منها السيطرة على العالم وتسييره لخدمة رؤاها العقدية.

وتٌعرف المسيحية المتصهينة بأنها المسيحية التي تدعم الصهيونية، ثم أخذ هذا المصطلح بعداً دينياً وهو أن المسيحي الصهيوني إنسان مهتم بتحقيق نبوءات الكتاب المقدس من خلال الوجود العضوي والسياسي لإسرائيل، بدلاً من تحقيق البرنامج الإنجيلي من خلال المسيح والكنيسة. وأول من استخدم تعبير المسيحية الصهيونية هو تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية عندما أطلقه على السويسري هنري دونان مؤسس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهو من الأثرياء الذين مدّوا يد العون إلى الحركة الصهيونية اليهودية.

تيار الألفية

رسم تخيلي لبولس

جاءت المسيحية بعد اليهودية كحركة إصلاحية مكمِّلة لها لكنها لم تنج من التبديل كحال سابقتها، فبعد رفع النبي عيسى عليه السلام إلى السماء بدأ التغيير في المسيحية، والذي كان لشاؤل (بولس) دورٌ بارزٌ فيه، وقد ركز على فكرتين قامت عليهما المسيحية، وهما ألوهية المسيح، وأممية المسيحية بعد أن كانت مقتصرةً على بني اسرائيل.

والملاحظ ظهور عدة فرق وحركات في وقت مبكر من تاريخ المسيحية تؤمن بعودة المسيح إلى الأرض، ومنها حركة المونتانية (Montanism) التي ظهرت بعد منتصف القرن الثاني الميلادي في آسيا الصغرى، وترجع إلى راهب اسمه مونتانس الذي أعلن أنه يتلقى الوحي من الروح القدس، وكان من أوائل من قالوا برجوع عيسى المسيح إلى الأرض؛ ليحكم مدة ألف عام سعيدة.

وكان سفر الرؤيا -وهو آخر أسفار العهد الجديد وأكثرها تنبؤاً بالمستقبل- هو المفضل لدى أتباع هذه الحركة، كما أعلن مؤسسها نهاية العالم ورجوع المسيح السريع إلى الارض، دون أن يحدد القدس مكاناً لذلك. وكان أتباعه يستعدون لهذا المجيء الثاني بالامتناع عن الزواج والإكثار من الصيام، واستمرت الحركة ولم تمت -كما كان متوقعاً- عندما لم تأت نهاية العالم التي تنبأت بها؛ بل ازدهرت وانتشرت حتى بعد موت مؤسسها.

وفي عام 200م امتدت الحركة إلى الغرب واحترم الكثيرون أتباعها لما يتمتعون به من التقشف، لكن الكنيسة حاربتهم وطردتهم من المدن، فانتشرت الحركة في القرى حتى القرن الخامس الميلادي.

ظهرت كتابات نبوئية كثيرة -يهودية ومسيحية- في تلك المرحلة، وكانت تركز على النبوءات التي تتعلق بنهاية الزمان وعلاماتها، وتتميز بامتلائها بالرموز والأعداد والكتابات السرية، وكان جل اعتمادها على نبوءات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد.

وهكذا ميّز الاهتمام بالمجيء الثاني للمسيح الكنيسة المسيحية منذ سنواتها الأولى، وقد ركزت كل التفسيرات اللاهوتية على انتظار العصر الألفي الذي سيحكم فيه المسيح الأرض لمدة ألف عام.

مرحلة العصور الوسطى

الغيتو اليهودي في فرانكفورت في منتصف القرن التاسع عشر

تميزت العصور الوسطى باضطهاد اليهود في أوربا، حيث فرض عليهم العيش في جيوب منعزلة (غيتو) بالمدن، واعتبر المسيحيون أن كل ما يصيب اليهود من ويلات هو عقاب من الله لهم بسبب “صلبهم” للمسيح، وأنهم بسبب خيانتهم يحملون ذنباً جماعياً يجعلهم دائماً موضع لعنة. ومع ذلك كان لهم تأثير خفي مع تسرب تراثهم تدريجيا إلى الفكر المسيحي، إلى أن نجحوا في السيطرة على الفاتيكان خلال الحروب الصليبية في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، إذ كانت دوافع تلك الحملات في الظاهر مسيحية خالصة، وكان هدفها المعلن الاستيلاء على القدس كموطن للمسيح، لكن بعض الباحثين رجَّحوا أن اليهود هم الذين دفعوا الصليبيين إلى شن حملاتهم، فقد نجحت كثير من العائلات الميروفنجية ذات الأصول اليهودية في غرب أوروبا بالتغلغل داخل الطبقة الحاكمة حتى سيطرت عليها، وأقامت هذه السلالة مملكة من الأديرة والرهبان لا سلطان للفاتيكان عليها، بل هي تملك زمام الفاتيكان بالخفاء، وقد نجحت في تهيئة الظروف لشن الحملات الصليبية والوصول إلى الأرض المقدسة، حيث كانت جماهير المسيحيين مهيأة لقبول القراءة الحرفية لنبوءات النصوص المقدسة.

اللباس التقليدي لفرسان المعبد

وهنا يبرز دور فرسان الهيكل في دعم الحرب وتقديم العون المالي والعسكري لأمرائها، وهم أعضاء جماعة عسكرية دينية أحاطت نفسها وتاريخها بكثير من الغموض، تأسست في القدس عام 1119م، وأطلقوا على أنفسهم بدايةً اسم “الإخوة الفقراء جنود المسيح وهيكل سليمان”، وهو اسم يشير إلى جذورهم اليهودية المتغلغلة في النسيج الفكري المسيحي، وتقول الروايات التاريخية إنهم اتخذوا مقراً في القدس بعد احتلالها قرب الموقع الذي يعتقد أن الهيكل كان فيه، فللهيكل أهمية جوهرية في الفكر اليهودي وإعادة تشييده هي أسمى أهدافهم، أما المسيحية فلا يعنيها من الأرض المقدسة إلا قبر المسيح وكنيسة القيامة، بل يشكل خرابه وبقاؤه خرباً دليلا على صدق نبوءة المسيح كما جاء في سفر متى.

ويمكن النظر إلى الحروب الصليبية على أنها تعبيرٌ مبكر عن الإرهاصات الصهيونية الأولى بصبغتها المسيحية، فقد ساهمت بعمق في صياغة الإدراك الغربي لفلسطين والمسلمين.

بُذلت لاحقا جهود ضخمة لتحويل يهود أوربا إلى المسيحية، لاسيما في إسبانيا والبرتغال بعد سقوط الأندلس، فاعتنق كثيرون المسيحية ظاهريا، بينما قام البعض بعملية توفيق بين المسيحية ومعتقداته اليهودية. وكان لهؤلاء دور فاعل في إنضاج اليهودية المسيحية أو المسيحية اليهودية خلال المدة ما بين 1491 و1497م في إسبانيا والبرتغال، ويقدر عدد هؤلاء بالآلاف وقد سُموا بالمسيحيين الجدد.

لعب المسيحيون الجدد دوراً تاريخياً بنشر الاعتقاد بأن العناية الإلهية متضمنة في حضور الرب خلال التاريخ الإنساني، وقالوا إن التاريخ الإلهي سيبدأ بمجيء المسيح مع بداية الألف عام السعيدة (الألفية)، فظهرت بين اللاهوتيين والمفكرين الدينيين تفسيرات جديدة للكتاب المقدس، تتصور تحول اليهود إلى المسيحية وظهور القبائل الإسرائيلية المفقودة باعتبارها الخطوات الأخيرة التي تسبق نهاية العالم، فأصبحت الأحداث العظمى المرتقبة هي عودة اليهود إلى أرض صهيون وإعادة بناء هيكل سليمان، وإعادة تأسيس الحكم الإلهي للأرض من القدس.

ومن هنا رأى المسيحيون أن اليهود شركاء لا غنى عنهم في الأحداث العظمى قبل مجيء المسيح، بعد أن كانوا أعداء يستحقون اللعنة.

كريستوفر كولومبس

اكتشاف أمريكا
من الشائع عن كريستوفر كولومبس أنه كان مغامراً وباحثا عن الشهرة والثروة والسلطة، ما دفعه لاكتشاف القارة الجديدة التي سميت (أمريكا)، إلا أن كولومبس كان يفكر بهدف أسمى –في نظره- حتى كرّس له كل وحياته، وهو اكتشاف ممالك جديدة يَهدي شعوبها إلى الدين المسيحي، ثم يجندها في ما أسماه “حرب الحياة أو الموت ضد إمبراطورية محمد”.

أما هدف النهائي لكولومبس فكان استعادة الأراضي المقدسة، تمهيداً لنزول مملكة الله على جبل صهيون في موقع الهيكل.

وكان يعتقد أن العناية الإلهية اختارته لتحقيق نبوءات الكتاب المقدس، كما ترسخت لديه أسس الإيمان بخطة كونية لها بداية ونهاية، وكان يرى أن الكتاب المقدس بنصوصه التي يؤمن بحرفيتها هو دليل هذه الخطة، كما تصوّر نفسه رسول الوحي المستقبلي الكتابي الذي ينبئ باستعادة القدس وهداية اليهود، فكان يوقّع اسمه بصيغة مميزة، وهي “كريستوفرنز”، التي تعني باللاتينية “حامل المسيح”.

وهكذا كان الهدف من رحلاته إلى الشرق “هداية” الأمم الأخرى، وجمع الثروات لتوظيفها في تمويل حرب صليبية أخيرة، يقودها العرش الإسباني لاستعادة الأرض المقدسة من المسلمين.

وترافق اكتشافه لأمريكا مع سقوط الأندلس وخروج المسلمين منها، وإجبار من بقي منهم على اعتناق المسيحية، فشكل هذا الحدث حافزاً على حماس تبشيري جديد، وكان كولومبس يذكّر ملوك أوربا بتداخل هذه المصادفات التاريخية وتوافقها، ويدلل بذلك على تدخل العناية الإلهية ضمن خطة الله للكون، وهكذا استطاع إقناع ملك إسبانيا وملكتها بتمويل مشروعه.

ويجدر بالذكر أن كل هذه الأنشطة التبشيرية جاءت قبل حركة الإصلاح الديني، أي قبل نشوء البروتستانتية التي تعد تطوراً نوعياً في مسيرة المسيحية المتصهينة، حيث اشتهرت بنشاطها التبشيري الذي سيكون له عظيم الأثر في تغلغل الفكر الديني اليهودي بالمسيحية.

يؤكد باحثون مختصون في حركة الكشوف الجغرافية التي نشطت في القرن الخامس عشر أن فرسان الهيكل كانوا من رواد هذه الحركة، التي أسمت نفسها حينئذ “فرسان المسيح”، حيث انطلقت سفنها وهي ترفع على الصواري صليب فرسان الهيكل الأحمر الشهير، كما تبنى “المسيحيون الجدد” مشروع كولومبس ودعموه بالخرائط والتمويل، وكانوا من أوائل المستوطنين في أمريكا.

مارتن لوثر

حركة الإصلاح الديني
ترجع الانطلاقة الكبرى للمسيحية المتصهينة إلى حركة الإصلاح الديني التي أطلقها القس الألماني مارتن لوثر (1483- 1546)، فقد كان من بنود احتجاجه على الكنيسة البابوية احتكار الكنيسة لقراءة الكتاب المقدس بلغات لا يعرفها العوام.

كما احتج على احتكار الكنيسة تفسير النصوص الدينية ولعب دور الوسيط بين الناس والإله، ومنحهم صكوك الغفران التي ادعت الكنيسة أن حاملها يتحرر من العقاب الدنيوي ويحوز مكاناً في الجنة مقابل المال.

وهكذا تُرجم الكتاب المقدس إلى اللغات المتداولة وأصبح متوفرا للقراءة من قبل الجميع، وبعد التغلغل اليهودي الذي تحدثنا عنه في العقل المسيحي جاءت حركة الإصلاح لتشكل بعثاً عبرياً تولدت عنه وجهة نظر جديدة عن الماضي والحاضر والمستقبل اليهودي.

لم يكن لليهود في الفكر المسيحي مكانة متميزة قبل حركة الإصلاح كما أصبح لهم بعدها، فكان القساوسة يرفضون التفسير الحرفي للتوراة ويعطون قصصه وأحداثه معاني مجازية لحالات روحية وأخلاقية. وكانوا يرون أن اليهود ملعونين فطردهم الله من فلسطين إلى المنفى، وأنه نفاهم مجددا عندما أنكروا أن عيسى هو المسيح المنتظر، وبذلك انتهى وجود الأمة اليهودية إلى الأبد ولن يجد شتاتهم الخلاص إلا بارتدادهم إلى المسيحية.

وكانوا يؤولون النبوءات المتعلقة بعودة اليهود على أنها العودة من المنفى في بابل بالعراق، والتي تحققت في القرن السادس قبل الميلاد، أما الفقرات التي تتنبأ بمستقبل مشرق لإسرائيل فكانت تُحمل على الكنيسة المسيحية، فالكنيسة هي مملكة المسيح وهي التجسيد التام للعصر الألفي.

لكن الانقلاب الفكري للبروتستانتية جعل اليهود هم شعب الله المختار والأمة المفضلة على كل الأمم، وبدأ الاعتقاد بأن ثمة ميثاقاً إلهياً يربط اليهود بفلسطين، وأن العودة الثانية للمسيح ترتبط بقيام دولة صهيون الإسرائيلية في فلسطين، قبل أن يعود ويقيم مملكته مدة ألف عام، ثم تقوم الساعة بعد ذلك.

في عام 1523م كتب لوثر كتابه “المسيح ولد يهودياً”، وشرح فيه المواقف المؤيدة لليهودية، وأدان اضطهاد الكنيسة لليهود محتجاً بأن المسيحيين واليهود ينحدرون من أصل واحد.

وقال فيه “إن الروح القدس شاءت أن تنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم. إن اليهود هم أبناء الرب ونحن الضيوف الغرباء، وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل ما يتساقط من فتات أسيادها”.

ثم ألف كتاباً آخر اسمه “ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم” عام 1544م، وطالب فيه بنقل اليهود من ألمانيا قائلاً “من الذي يحول دون اليهود وعودتهم إلى أرضهم في فلسطين، لا أحد، إننا سنزودهم بكل ما يحتاجون إليه في رحلتهم، لا لشيء إلا لنتخلص منهم”.

ويرى بعض الباحثين أن لوثر تراجع عن مواقفه المؤيدة لليهود في كتابه الأخير؛ إلا أن المتابع لحياة لوثر وأفكاره ربما يلاحظ أن رغبة لوثر في التخلص من اليهود ليست نابعة عن كراهية؛ بل هي تجسد عقيدته بشأن ضرورة عودة اليهود إلى فلسطين، كما كان يمارس نوعاً من التقية لامتصاص غضب بعض المسيحيين الذين أثارتهم أفكاره الصهيونية، والدليل على ذلك ما أنتجته حركته من انقلاب نظرة المسيحيين لليهود من أعداء إلى شركاء، وربما سادة.

لقد ساهمت حركة الإصلاح الديني في اعتبار العهد القديم المرجع الأعلى للاعتقاد البروتستانتي ومصدر المسيحية النقية، وجعلته جزءاً من عبادات الكنائس، ومرجعا لتاريخ الأراضي المقدسة والأنبياء، ومصدرا لنبوءات آخر الزمان. وهكذا ظهر شعار “العودة إلى الكتاب المقدس”، كما ساد الاعتقاد بإقامة الحقيقة الدينية على أساس الفهم الشخصي دون فرض قيود على التفسيرات التوراتية، مما فتح الباب أمام تسرب المزيد من الأفكار اليهودية إلى المسيحية.

زيادة على ما سبق، أعطى الإصلاح الديني للغة العبرية -باعتبارها لغة الكتاب المقدس- أهمية كبرى، حتى أصبحت جزءاً من الثقافة العامة ومن المنهج الدراسي اللاهوتي، فكانت وسيلة لفهم “كلمة الله” بشكل صحيح.

وبالنتيجة، تخلص البروتستانت من فكرة كراهية اليهود واعتبروهم شركاء محبوبين، ليس حبا في دينهم فقط بل لاعتقادهم بأن لهم دوراً في خلاص المسيحيين. وقد انتشرت البروتستانتية من ألمانيا وسويسرا إلى معظم دول أوربا الوسطى والغربية بعد جولات من الصراع مع الكاثوليكية.

الحركة البيوريتانية (الطهورية)

جون كالفن

بلغت النهضة العبرية بأفكارها الصهيونية ذروتها في عهد الثورة البيورتانية (الطهورية) في إنجلترا، وهي حركة دينية متشددة نشأت في القرن السادس عشر من رحم البروتستانتية، وكانت تتبع تعاليم القس الفرنسي جون كالفن (1509- 1564).

جاء وصف التطهر من عمل أتباعها على استئصال ما تبقى من الكاثوليكية في بريطانيا، وكانوا مغالين في إجلال الكتاب المقدس، كما خصوا العهد القديم بمكانة تفوق العهد الجديد، حتى استعملوا لغته والأسماء الواردة فيه باعتبارها أنسب أداة لنقل أفكارهم العنيفة، كما طالبوا الحكومة بأن تعلن التوراة دستوراً للقانون الإنجليزي، وساهموا في نشر فكرة الشعب المختار داخل الفكر الإنجليزي، وهي فكرة لعبت دورا جوهريا في الهجرة إلى العالم الجديد (أمريكا) باعتبارها أرض الميعاد.

جاء التطور الأهم في تاريخ المسيحية المتصهينة بانتقالها في أوائل القرن السابع عشر مع المهاجرين البروتستانت والطهوريين إلى أمريكا، حيث كان رواد الفكر الطهوري أهم مؤسسي الأمة الأمريكية وواضعي أسسها الدينية واتجاهاتها السياسية والاجتماعية القائمة حتى اليوم.

ويقوم هذا الفكر على ثلاثة اعتقادات رئيسة:
1- وجود خطة إلهية شاملة للعالم، يلعب فيها الطهوريون بهجرتهم إلى أمريكا دوراً هاماً، والإيمان بأن أمريكا كانت موجودة في “عقل الإله” لأهداف محددة منذ بداية الخلق.

2- اختيار العناية الإلهية للطهوريين المهاجرين إلى العالم الجديد، فهم شعب الله الذي اختارهم للهرب من فساد العالم القديم وإنشاء مملكة الله على الأرض، وهم في ذلك يشبّهون أنفسهم بقبائل إسرائيل في هروبها من مصر إلى أرض فلسطين.

3- الطهوريون على علاقة تعاهدية مع الله، وهم شركاء في تنفيذ مهمة حددها لهم في هذا العالم، تتلخص في تنوير بقية الأمم وإنقاذها من الجهالة والظلام.

ونرى أثر هذه المعتقدات في سلوك الأمريكيين العملي، سواء كانوا أفراداً عاديين أم شخصيات قيادية حاكمة، فقد حمل المهاجرون الأوائل معهم التقاليد اليهودية، وكانوا يُنزلون قصص التوراة على حياتهم اليومية، وأطلقوا على أمريكا اسم أرض الميعاد وإسرائيل الله الجديدة وصهيون، كما أطلقوا على مدنهم أسماء توراتية من قبيل كنعان وسيناء والقدس والناصرة، ويوجد في أمريكا على الأقل 12 مدينة وبلدة اسمها الخليل، و6 مدن اسمها بيت لحم.

أما مطاردتهم للهنود الحمر (السكان الأصليين) فكانت مقتبسة من مطاردة العبرانيين القدماء للكنعانيين في فلسطين، وبما أنهم الشعب المختار فقد أباحوا لأنفسهم التضحية بالآخرين، واستعملوا أبشع وسائل القتل لإبادة ملايين السكان الأصليين، حتى بات اصطياد الهنود رياضة شعبية مسلية في بعض الولايات، بحيث يمزق جسد الضحية التي تصاب منهم، أو تلقى طعاماً للكلاب.

وانبثق عن هؤلاء مذاهب وحركات دينية تتمتع بحماس ديني بالغ، سيصل في مداه إلى تحول الرؤية الصهيونية من الموقع الرمزي لإسرائيل الأمريكية في العالم الجديد إلى الأراضي المقدسة (فلسطين) في العالم القديم، وهي من أهم أفكار اليمين المتطرف في أمريكا اليوم.

في عام 1776 اقترح ثلاثة من الآباء المؤسسين للولايات المتحدة وهم جيفرسون وآدمز وفرانكلين أن يتضمن شعار البلاد صورة لفرعون وهو يطارد بني إسرائيل بينما يضيء عمود من النار طريقهم، في إشارة إلى أن أمريكا هي أرض إسرائيل الثانية

العقيدة والأفكار
تؤمن المسيحية المتصهينة بما تؤمن به المذاهب المسيحية الأخرى فيما يتعلق بألوهية المسيح وبنوّته لله، كما تشاركها الاعتقاد بعقيدة التثليث والصلب والفداء. أما أهم ما يميزها فهو العقائد ذات الصبغة الصهيونية، والاعتقاد بأن لديها خطة إلهية للدهر تتضمن أحداثاً لا بد من وقوعها، فهي نبوءات آخر الزمان التي تشكل جوهر الفكر المسيحي الصهيوني، وفيما يلي أهم هذه العقائد:

1- عودة المسيح المخلص: تؤمن المسيحية عامة بدور المسيح في خلاص البشرية من آثامها عبر صلبه ظلماً ليكفر عن خطايا البشر، وأضيف إلى هذا الاعتقاد لدى المسيحية المتصهينة الإيمان بأن المسيح سيعود في نهاية الزمان، وأن تاريخ نزوله يوافق رقماً ألفياً، ثم يؤسس مملكته التي تدوم ألف عام ومقرها القدس، كما أنه سيبطش بأعداء اليهود ويضع الأمم تحت أقدامهم، فيحكمون العالم معه.

كانت هذه في البداية رؤية اليهود للمسيّا أو الماشيَّح المنتظر عندهم، وهو شخص آخر غير عيسى بن مريم الذي ينكرون نبوته ويعتبرونه كاذبًا؛ لكن فكرة انتظار الماشيح سرعان ما تسربت إلى الأدبيات المسيحية وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من البروتستانتية، فأصبحوا ينتظرون المسيح كما ينتظر اليهود الماشيح. وهذه العقيدة تجعل الخلاص مرهوناً بالانتماء إلى اليهود (لدى اليهودية)، وبمساعدة اليهود (لدى المسيحية المتصهينة)، وتبرر أفعال القتل والإبادة في سبيل هذه الغاية.

2- ظهور شروط العودة المنتظرة، وهي:

  • تجمُّع اليهود في دولة لهم هي إسرائيل، وذلك يوجب مساعدتهم والتقرب منهم.
  • احتلال القدس وانتزاعها من المسلمين، فهي المدينة التي سيحكم منها المسيح العالم.
  • “إعادة” بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى.
  • دعم دولة إسرائيل والدفاع عنها ومباركة سياستها، واعتبارها إشارة إلهية لرحمة الله واستجابةً لإرادته.

الدجال يتلقى تعليماته من الشيطان كما تخيله الرسام لوقا سيغنوريلي عام 1501

3- ظهور عدو المسيح Antichrist (يماثل المسيح الدجال لدى المسلمين) وجيوش الشر، وبحسب المسيحية المتصهينة فهو شخصية كافرة وطاغية وابن الشيطان، وهو المقصود بالوحش الذي ورد ذكره في العهد الجديد “فرأيت وحشاً طالعاً من البحر.. وأعطاه التنين قدرته وعرشه وسلطاناً عظيماً” (الرؤيا 13: 1- 2)، ويقولون إنه سيظهر في منطقة العرب بآخر الزمان، وسيحكم الأرض مع الشيطان ويدنس الهيكل ببناء تمثال له فيه فينتشر الظلم والبؤس في العالم، كما سيعاد بناء مدينة بابل مما يؤدي إلى نزول المسيح لإنقاذ البقية الصالحة، فتدور معركة رهيبة يفنى فيها الكثيرون ويُقتل الدجال.

والمعركة المقصودة هي معركة “هرمجّدون”، وهي كلمة عبرية مكونة من مقطعين، هما (هَرْ) ومعناه تل أو جبل، و(مجدو)، وهو اسم سهل صغير شمال فلسطين، ويقولون إنها ستكون معركة ضخمة تحشد جيوشاً جرارة قوامها 400 مليون جندي، حيث تحتشد أمم الأرض ضد إسرائيل.

وينظر المسيحيون المتصهينون إلى المسلمين على أنهم أتباع الدجال، وأن المسيح سيغرقهم في بحيرة الكبريت والنار، وقد فسر بعضهم هذه النبوءة بالقنابل النووية، ثم يرفع المسيح أتباعه إلى السحاب وينقذهم من المعاناة.

تل مجيدو يضم أطلالا أثرية (AVRAM GRAICER)

ويؤمن بهذه النبوءة شخصيات عسكرية وسياسية وأكاديمية أمريكية كبيرة، وعلى رأسهم الكثير من رؤساء الولايات المتحدة.

4- عقيدة الألفية: يطلق اسم الألفية على مدة الألف عام التي يحكم المسيح فيها مملكته الألفية بعد الانتصار في هرمجدون والقضاء على جيوش الشر، ثم ينتهي العالم بعد ألف عام يحكم فيها المسيح كل الأرض من عاصمته في القدس. وقد درجت بعض الفئات المسيحية المتطرفة على ربط بداية هذه المملكة الألفية ببداية كل ألفية تقويمية، ما أدى إلى حماس ديني شديد يوصف بحمى الألفية، وقد ظهر في نهاية الألف الأول والألف الثاني من التقويم الميلادي.

5- تقديم العهد القديم على العهد الجديد، فمع أن بقية الطوائف المسيحية لا ترفض العهد القديم وتعتبره متكاملاً مع العهد الجديد؛ إلا أن العهد القديم أخذ موقعاً أساسياً لدى حركة الإصلاح الديني، لاسيما في إنجلترا البيوريتانية وفي العالم الجديد بالقارة الأمريكية، حيث بدأت قراءته بطريقة مختلفة عن السابق تعتمد النص الحرفي والتسليم بكل ما جاء فيه، لاسيما ما يتعلق منه بالنبوءات خاصة.

 

أبرز الشخصيات
هنالك العديد من قيادات المسيحية المتصهينة المعاصرة ممن أمضوا عقوداً كثيرة في الترويج للنبوءات المقدسة، منهم زعماء دينيون وشخصيات سياسية يجمعهم هدف واحد، هو ضمان الدعم التام لإسرائيل. وهم يشنون باستمرار حملات عنيفة على الإسلام والمسلمين، ويشتركون في مهارة استخدام وسائل الإعلام، كما يترأسون منظمات دينية وثقافية وسياسية واجتماعية، ويتصرفون بثروات وموارد مالية هائلة، ومن أبرز هؤلاء نذكر ما يلي:

جيري فالويل (Liberty University)

1- جيري فالويل: قس بروتستانتي أمريكي، يترأس إمبراطورية أصولية تعد من أكبر الإمبراطوريات الفردية قوة في العالم، ويتمتع بدور بارز في صناعة القرار السياسي الأمريكي.

يمتلك محطة إذاعية وتلفازية يستمع لها الملايين، ويركز من خلال برامجه على إعلان دعمه التام لإسرائيل وعلى مهاجمة الإسلام، وكان قد تأثر باحتلال القدس عام 1967م وأعطاه معنىً توراتياً.

2- بيلي غراهام: يعد من أكثر القادة المسيحيين تأثيراً في العالم، عمل مستشارا غير رسمي للبيت الأبيض، وكان مقربا من الرئيس السابق جورج بوش الإبن.

بات روبرتسون (Paparazzo Presents)

3- بات روبرتسون: زعيم ديني يتمتع بشهرة كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية وفي الخارج، أنشأ مؤسسات إعلامية، ومن أهمها الشبكة التلفازية- الإذاعية المسيحية (CBN) التي أسسها عام 1960، ويقول إنه ينتظر اللحظة التي ستتولى فيها محطته نقل وقائع نزول المسيح فوق جبل الزيتون في القدس، كما صرح بأن ولاءه لإسرائيل جاء قبل ولائه لأمريكا نفسها.

4- هال ليندزي: يعد من أكثر العاملين في مجال تجارة النبوءات إثارة وشهرة، ألف العديد من الكتب، وبلغ من شهرته وقوة تأثيره أنه يُدعى للخطابة أمام المخططين العسكريين الأمريكيين في كلية الحرب الجوية ووزارة الدفاع (البنتاغون)، إضافة إلى علاقته الوثيقة بإسرائيل.

تضاف إلى القائمة السابقة أسماء عدد من رؤساء الولايات المتحدة، مثل هاري ترومان (1945- 1952) الذي يعد بإجماع التواريخ الصهيونية تجسيداً للمسيحية الصهيونية الأمريكية على المستوى السياسي، فكان أول رئيس في العالم يعترف بقيام دولة إسرائيل عام 1948.

ونذكر أيضا ليندون جونسون (1963-1969 )، وجيمي كارتر (1977- 1981) الذي اعترف بأن مشاعره المؤيدة للصهيونية كانت الحافز الذي صاغ سياسته في الشرق الأوسط، لكن رونالد ريغان (1981- 1989) قطع شوطا أبعد، فكان يعلن إيمانه بنبوءة “هرمجدون” ويتمنى أن تقع خلال حكمه، وتعتبر مدة رئاسته العصر الذهبي للحركة في أمريكا، وكان يدعو قساوسة الحركة إلى البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي لإبداء رأيهم في القضايا الاستراتيجية في ضوء النبوءات التوراتية.

أما جورج بوش الابن فيعد من “المسيحيين المولودين في المسيح من جديد”، وهو تعبير يستخدم للتعبير عن حدوث تحول جذري في عقيدة شخص ما، فقد ظل بوش الابن حتى سن الأربعين غير ملتزم دينياً إلى أن التقى بالقس غراهام، فقرأ الكتاب المقدس قراءة دقيقة، وتبين له أن المسيحية شهدت بداياتها في أرض إسرائيل التي تعد تحقيقاً للنبوءات المقدسة، وأن اليهود هم شعب الله المختار، ثم تطور لديه الاعتقاد بأنه شخص اختاره الله ليعيد الأرض إلى سيطرة الله، لذا لم يتردد عام 2001 في إطلاق وصف “الحملة الصليبية” على حروبه التي شنها في أفغانستان والعراق.

 

أهم المنظمات والفرق
تتمتع المسيحية الصهيونية بحضور قوي في الأوساط البروتستانتية، وتشكل الولايات المتحدة مركز الثقل لنشاطها وتوسعها، إذ يعمل في ميدان التبشير 80 ألف قسيس، وفي الثمانينات وحدها تم إنشاء 250 مؤسسة وجمعية دينية أمريكية مؤيدة لإسرائيل.

وتملك المسيحية الصهيونية مئات المحطات الإذاعية والمتلفزة، ويدعي قادتها أن عدد أتباعهم يزيد عن 100 مليون.

ومن أبرز مؤسساتها وأكثرها نشاطاً نذكر ما يلي:

1-المصرف الأمريكي المسيحي من أجل إسرائيل: مهمته الأساسية تمويل استملاك الأراضي العربية، وبناء المستوطنات وتهجير اليهود.

2-منظمة جبل المعبد: مهمتها إعادة بناء هيكل سليمان في القدس، ويقع مركزها بمدينة القدس، وهي تمول عمليات الحفر تحت المسجد الأقصى بحثاً عن الهيكل، وتجمع الأموال لامتلاك العقارات المجاورة له.

3-السفارة المسيحية الدولية في القدس: تعد من أبرز المنظمات وأكثرها أهمية، تكونت عام 1980م رداً على قرار 13 دولة نقل سفاراتها من القدس إلى تل أبيب.

تشارلز راسل

ويجدر بالذكر أن من أهم الفرق المسيحية المتصهينة وأخطرها جماعة شهود يهوه، وهي جماعة نشأت في الولايات المتحدة عام 1872 على يد تشارلز راسل (1852- 1961)، وتدور أفكارها حول أطروحة عودة المسيح وضرورة الخلاص ونهاية العالم، وقد حددت عام 1914 لعودة اليهود، وفيما بعد أعلنت أن المقصود هو عام 1917 في إشارة إلى وعد بلفور.

ويؤمن أتباعها بأن اليهود يلعبون دوراً حاسماً في صراع “الرب” ضد الشيطان، ولها اتصالات بالقيادات الصهيونية وتلعب دورا في الدعوة للهجرة إلى فلسطين، كما تتمتع بنشاط ملحوظ في نحو 200 بلد، ويزيد عدد أتباعها عن مليوني شخص.

بين الدين والسياسة
تمتزج هذه العقيدة بالسياسة، بل تشكل الأرضية التي تنطلق منها كثير من القرارات السياسية في الولايات المتحدة وأجزاء كثيرة من أوربا، وقد كانت فلسطين ولا تزال راسخة في أذهان المسيحيين على أنها أرضهم المقدسة منذ الحملات الصليبية،  كما أن فكرة “إعادتها” للعبريين كانت شائعة، لأنها المقدمة الحتمية لعودة المسيح، وهي عقيدة كثيراً ما أطلت برأسها طوال التاريخ المسيحي.

ولم يمض وقت طويل حتى شهدت أوربا حركة منظمة تنادي بعودة اليهود إلى فلسطين، لا سيما في إنجلترا البيوريتانية، حيث أرسل الاسترحام التالي للحكومة الإنجليزية عام 1649م: “ليكن شعب إنجلترا أول من يحمل أبناء وبنات إسرائيل على سفنهم إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، لتكون إرثهم الأبدي”.

وكان نابليون بونابرت أول رجل دولة يقترح إقامة دولة يهودية في فلسطين، وذلك قبل وعد بلفور بنحو 118 عاماً. فخلال وجوده في بلاد الشام إبان حملته على الشرق، أصدر بياناً دعا فيه اليهود إلى أن يقاتلوا تحت لوائه لإعادة إنشاء مملكة القدس القديمة، وعندما رأى نابليون سهل مجيدو قال “إن هذا المكان سيكون مسرحاً لأعظم معركة في العالم”.

وفي تلك المرحلة، استُغل الأدب -الذي غدت أفكار العهد القديم من أهم مصادر إلهامه- لتحقيق هذا الهدف، فظهرت أعمال شعرية مثل “الفردوس المستعاد” التي تتحدث عن عودة إسرائيل، وكذلك رواية “ناثان الحكيم” التي تصور صلاح الدين على أنه الحاكم المسلم “القاسي والتافه” الذي احتل القدس، وأنه المسيح الدجال في نفس الوقت.

شافتسبري نشر في صحيفة تايمز المخصصة للمستعمرات عام 1841 “مذكرة إلى الملوك البروتستانت في أوروبا لإعادة اليهود إلى فلسطين”

وفي بريطانيا برز اللورد أيرل شافتسبري (1801- 1885) الذي وصف فلسطين بأنها “بلاد بدون أمة، لأمة بلا بلاد”، وهو الشعار الذي حولته الحركة الصهيونية فيما بعد إلى “أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض”، ثم بدأ التمهيد لتوطينهم من خلال بعثات استكشافية إلى فلسطين ابتداءً من عام 1865.

وفي العالم الجديد (أمريكا)، أصبح الوضع هناك أشد خطورةً وتأثيراً، وتمثل ذلك في تحول أنظار المستوطنين في العالم الجديد من أمريكا -بصفتها أرض الميعاد الرمزية- إلى الأراضي المقدسة الحقيقية (فلسطين). وغادرت جماعات أمريكية في القرن التاسع عشر إلى فلسطين لإنشاء مستوطنات هناك انتظاراً للحدث الكبير.

واستجاب كثير من الرحالة الأمريكيين في الشرق العربي لدعوة دينية لا تقاوم لتقفي أثر الإسرائيليين في رحلتهم إلى أرض الميعاد. فكانت رحلة الحج الأكثر أهمية في اعتقادهم تلك التي تسلك الطريق الذي سلكه الإسرائيليون، وتنطلق من القاهرة لتقطع صحراء سيناء على ظهور الدواب والجمال، رغم ما تتضمنه الرحلة من أخطار، وصولاً إلى فلسطين على خطى بني إسرائيل.

وقد دونوا في مذكراتهم تعبيرهم عن الألم -عند رؤية المسجد الأقصى- لاحتلال المسلمين موقع هيكل سليمان، ودعوا إلى ضرورة القضاء على الخلافة العثمانية، وإعادة اليهود إلى “دولتهم”.

وبدأ التخطيط لتحقيق هذه العودة، مرورا بمراحل متعددة بدأت بمحاولة السفير البريطاني في الأستانة (إسطنبول) “بونسو بني” عام 1840 بإقناع السلطان العثماني بقبول هجرة اليهود إلى فلسطين، كما اختير المسيحي الصهيوني وليم يونج ليكون أول نائب لقنصل بريطانيا في القدس كي يعمل على تهيئة الأوضاع لهجرة اليهود.

ومع انهيار الدولة العثمانية وسقوط الخلافة أعطت المسيحية الصهيونية وعدها الشهير على لسان أبرز دعاتها، وهو رئيس الوزراء البريطاني آرثر جيمس بلفور عام 1917. ثم عينت بريطانيا عند احتلالها لفلسطين يهودياً في منصب المندوب السامي هو هربرت صموئيل.

وكان الرأي العام الأمريكي يؤيد بشدة وعد بلفور، كما وافق مجلس الشيوخ الأمريكي على الوعد وأيده عام 1918 قائلاً “كما خلّص موسى الإسرائيليين من العبودية، فإن الحلفاء الآن يخلصون يهوذا من أيدي الأتراك القبيحين، إن يهوذا يجب أن تقوم لتشكل أمة مستقلة، ويجب على حكومة الولايات المتحدة أن تمارس سلطاتها الملائمة لرؤية هذه الدولة اليهودية تقام، لتنبثق منها تعاليم ومبادئ يهوذا القديمة”.

وعد بلفور المقدم إلى روتشيلد

وتحقق الحلم عام 1948 بإعلان قيام دولة “إسرائيل”، وسارعت الدول الأوربية والولايات المتحدة إلى الاعتراف بها، لكن المرحلة الأهم بدأت عام 1967 مع احتلال القدس، ما أنعش آمالهم بتحقق الخطة الإلهية واسترداد القدس بالكامل من أيدي “مغتصبيها”.

إحراق المسجد الأقصى عام 1969

ومن المعروف أن حريق المسجد الأقصى ، الذي شب في 11/8/1969، افتعله الأسترالي مايكل روهان الذي ينتمي إلى إحدى الكنائس المسيحية المتصهينة، وكان قد دخل الأراضي المحتلة بصفة سائح، ثم انضم إلى عدد من أعضاء كنيسته في مستوطنة بالضفة الغربية، وأقدم على جريمته بحماية قوات الاحتلال تمهيدا لبناء الهيكل على أنقاض الأقصى.

ومنذ ذلك الوقت تتسابق الحكومات الغربية، والأمريكية خاصة، على تقديم الدعم بكافة أشكاله لإسرائيل، وتبرير كل ما تقوم به من أفعال إجرامية.

أما في العراق فقد تنوعت التحليلات السياسية لأسباب الغزو الأمريكي، وتعرضت إلى جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاستعمارية؛ إلا أن معظمها أغفل الجانب الأهم لكل ما جرى وما يجري على أرض العراق، إذ كان لهذا الغزو بُعد ديني توراتي يعود إلى حقد دفين منذ أيام السبي البابلي عام 586 ق.م، على يد نبوخذ نصّر، فأمجاد العهد القديم وأحداث سبي اليهود هي بمثابة تاريخ حي لليهود والمسيحيين المتصهينين، ومن الخطأ محاولة فهم ما يجري من أحداث في المنطقة بمعزل عن التاريخ القديم.

وتختلف النظرة للعراق عن مثيلتها بالنسبة لفلسطين، فالثانية أرض مقدسة يطمحون للسيطرة عليها كي يحكم منها المسيح مملكته الألفية، أما العراق فهي رمز الظلم ومكان الشر الأول الذي يجب القضاء عليه.

ونجد في العهد القديم روايات تصور بابل في هيئة مركز للخطيئة والفساد، ومنذ بدء الحديث عن غزو العراق نُشرت في أمريكا آلاف المقالات التي تقول إن كل الأنظمة الكاذبة بدأت في أرض بابل، وإنها ستشهد اكتمالها بإعادة بناء بابل في آخر الأيام، فهي دولة معادية لله.

وقد صرح بوش بأن الحرب على العراق مهمة إلهية و”حملة صليبية”، وقال القس دافيد بريكيز إن تدمير بابل الذي ورد في سفر إشعيا (الإصحاح 13) يعني تدمير العراق، كما فسر النبوءات الواردة في الإصحاح  على أنها تشير إلى قيام صدام حسين الذي اعتبره خليفة نبوخذ نصر.

ويعتمد هؤلاء كثيراً على المزمور 137 من العهد القديم في ترسيخ عقيدة “بابل الشر” التي يجب أن تُدَمَّر، إذ يقول “على أنهار بابل هناك جلسنا بكينا أيضاً عندما تذكرنا صهيون… إن نسيتك يا أورشليم تنسى يميني… يا بنت بابل المخربة طوبى لمن يجازيك جزاءك الذي جازيتنا، طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة”.

الحركات المسيحية المتصهينة تنتظر تدمير دمشق

وبالفعل، حاصر الغرب المتصهين العراق سنوات عديدة ، ومنع عن أهله الدواء والغذاء مما أدى إلى وفاة مئات الآلاف من أطفاله، الذين “ضُربوا بالصخرة” تنفيذاً لما ورد في النص.

وبعد سقوط العراق وتدميره، تروج الحركات المسيحية المتصهينة والمنظمات التابعة لها نبوءة أخرى تتعلق بدمشق، والتي تقول”وحي من جهة دمشق، هو ذا دمشق تُزال من بين المدن وتكون رجمة ردم” أشعيا (17:1)، وتمتلئ شبكة الإنترنت بمئات المواقع التي ترصد إرهاصات هذه النبوءة. ففي شهر أيار من عام 2002، نشر موقع apocalypsesoon.org على سبيل المثال بصفحته الرئيسية عنواناً كبيراً باللون الأحمر يقول “دمشق لن تبقى مدينة بعد الآن”.


أهم المراجع
فؤاد شعبان، من أجل صهيون، دار الفكر، دمشق، ط1، 2003م.

ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودية: جذورها في التاريخ الغربي، ترجمة أحمد عبد الله عبد العزيز، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1985م.

جون ك. كولي، تواطؤ ضد بابل، ترجمة أنطوان باسيل، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2006م.

غريس هالسل، يد الله: لماذا تضحي الولايات المتحدة بمصالحها من أجل إسرائيل، ترجمة محمد السماك، دار الشروق، القاهرة، 2000م.

منير العكش، أمريكا والإبادة الجماعية: حق التضحية بالآخر، بيروت، دار رياض الريس.

محمد السماك، الدين في القرار الأمريكي، دار النفائس، بيروت، 2003م.

محمد السماك، الصهيونية المسيحية والموقف الأمريكي، مركز دراسات العالم الإسلامي، مالطة، 1991م.

بهاء الأمير، اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2013.

رضا هلال، المسيح اليهودي ونهاية العالم، مكتبة الشروق، القاهرة، 2001م.