مقالات

الوجه الآخر لألعاب الفيديو

هادي صلاحات

هناك تداخل كبير بين عالم التلفاز والسينما وعالم ألعاب الفيديو، حيث تبنى الكثير من ألعاب الفيديو على مسلسلات وأفلام كما في لعبتي (The Godfather) و(The Walking Dead)، وقد يحدث العكس كما في سلسلة (Assassin’s Creed) والتي تم تحويلها عام 2016 لفيلم سينمائي.

وهناك أيضا ألعاب وأفلام ذات أصل مشترك، كما في الألعاب والأفلام المبنية على شخصيات القصص المصورة، كشخصيات عالم (Marvel)، مثل (Spider-Man) و(Iron Man)، وشخصيات عالم (DC) مثل (Superman) و(Batman)، وكذلك روايات (Harry Potter) والتي بنيت عليها العديد من الأفلام وألعاب الفيديو.

وتقدر إيرادات ألعاب الفيديو لعام 2017 بأكثر من 115 مليار دولار، وفي الولايات المتحدة وحدها تجاوزت الإيرادات 23 مليار دولار، أي أكثر من ضعف إيرادات شباك التذاكر (Box Office) البالغة 11 مليار دولار تقريبًا.

والفئة المستهدفة في ألعاب الفيديو ليست الأطفال فحسب، حيث تتراوح أعمار 35% من اللاعبين حول العالم بين 21 و35 عامًا.

لذا فألعاب الفيديو تستحق تسليط الضوء، فأثرها قد يوازي –أو يفوق- الأفلام السينمائية في خطورته، لما فيها من تفاعل أكبر مع المحتوى. فعلى سبيل المثال، يمكن من خلال ألعاب مثل (Call of Duty) أو (Medal of Honor) -وغيرهما الكثير- عرض الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة من وجهة نظر أمريكية صرفة تزيف التاريخ، وتظهر الجنود الأمريكيين كحماة للسلام، والتطبيع مع هذه الأفكار في أذهان الأطفال منذ صغرهم.

ألعاب الفيديو والمؤسسات العسكرية
تم إنشاء أول حاسوب للأغراض العامة (ENIAC) عام 1946، وبعدها بعامين فقط ظهرت أولى ألعاب الفيديو الحربية وكانت من إنشاء مكتب أبحاث عمليات الجيش، ومنذ ذلك الحين والعلاقة بين ألعاب الفيديو والمؤسسة العسكرية آخذة بالتعمق.

ديف أنتوني (Dave Anthony) مصمم لعبة (Call of Duty) عام 2004، ضليع في وضع سيناريوهات لنهاية العالم مع تصورات شاملة للحروب، وهو حاصل على مرتبة الشرف في علوم الحاسوب، ويتضمن ذلك الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية. يعمل الآن في المقر الرئيس للمجلس الأطلسي في واشنطن، وهو مؤسسة بحثية (Think tank) مؤثرة في مجال الشؤون الدولية، وذلك لمساعدة الولايات المتحدة للاستعداد للأسوأ. ويتمثل دوره في تحديد التهديدات غير التقليدية لأمريكا، من خلال تخيل مستقبل البلاد كما في ألعاب الفيديو، وتصور النهايات غير المتوقعة.

ويستخدم الجيش الأمريكي الألعاب لتدريب جنوده، ففي عام 1997 كانت لعبة (Doom) تستخدم لتدريب مشاة البحرية (Marines)، ويتدرب الجنود الآن باستخدام أنظمة الواقع المعزز التكتيكية. ويعزو العديد من النقاد قسوة الحرب الحديثة إلى كونها تشبه إلى حد كبير ألعاب الفيديو.

ومن هنا طرأ التساؤل: ماذا لو أصبحت الحروب تحاكي ألعاب الفيديو بدلا من العكس؟

أتت الفكرة من ويليام روبر (William Roper) مدير مكتب القدرات الاستراتيجية بوزارة الدفاع، منذ تأسيسه عام 2012، ومهمته دراسة أين تتجه الحرب، ومن ثم تطوير الأدوات التكنولوجية التي تساعد الولايات المتحدة على الانتصار.

وما يدلل على نجاح المكتب وتزايد أهميته هو زيادة موازنته 18 ضعفًا منذ تأسيسه قبل أقل من ست سنوات، فالخدمات العسكرية تفكر بواقع اليوم، ووكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية DARPA تفكر بالمستقبل البعيد، أما روبر فيفكر بالغد المباشر.

ويقول روبر إنه في عصر إنترنت الأشياء (Internet of Things -IoT) لم تعد حواسنا تحدد حدود تصورنا، حيث سيعيش الجنود في المستقبل القريب في عالم يتوفر فيه كمّ لا محدود من المعلومات لمساعدتهم، كخريطة لجميع الجنود القريبين وصور حرارية وخرائط متغيرة باستمرار وإشعار عند انخفاض مستوى الذخيرة، مع خوارزميات التعلم العميق لتوقع خطوة العدو القادمة واقتراح خيارات لمواجهته، وكذلك مشورة استراتيجية تبنى على أساس خطة أولية للمعركة وتعدل مع استمرار المعركة.

وإذا كان يمكن من الناحية النظرية للجيش الاكتفاء بإرسال الآلات بدلا من البشر، لكن ذلك سيؤدي –حسب روبر- لمشكلة أخلاقية تتمثل بتفويض قرار قتل شخص ما لآلة، وأخرى تقنية تتمثل في أن الآلات حاليًا يمكنها اتخاذ قرارات جيدة فيما يخص أشياء رأتها من قبل فقط.

لذا فالتحدي قريبًا سيكون في حصول الجنود على أكبر قدر ممكن من المعلومات، مع قدر مماثل من التعلم بأبسط وأوضح الطرق، وفعل ذلك بمفردهم في البنتاغون هو –برأي روبر- “أصعب تحدٍ” لكن صناعة ألعاب الفيديو قد حققت ذلك بالفعل. فصناعة الألعاب، هي التي وضعت أفضل الطرق للاعبين للتعاون عبر البلدان كما لو كانوا يجلسون في نفس الغرفة، كما بنت واجهات سهلة للمستخدمين، لدرجة أن الألعاب الجديدة المعقدة لا تحتاج حتى للتدريب.

وقد لا ترغب بعض شركات ألعاب الفيديو في المشاركة بأمور عسكرية حربية، لكن هذا –على حد تعبير روبر- هو “نداء الواجب الحقيقي”.

وتتمثل المشاركة بأن تبني شركات الألعاب للبنتاغون الأنظمة التي يريدها مع إعطائه وصولًا حصريًا لمدة معينة، ثم كل شيء يمكن أن يعود إلى اللعبة. فيقول روبر: “نحن لا نملك المنتج، نحن نملك الوقت”.

وهكذا سيحصل الجيش الأمريكي على أفضل ما توصلت إليه شركات الألعاب، ويستقطب الموظفين ذوي الخبرة، أو يعطيهم صورة أشمل لتوسيع نطاق عملهم وضمان اتساق عملهم مع الأهداف المرجو تحقيقها، دون حاجتهم إلى الاجتماع بأعضاء آخرين. ولترغيب الموظفين بالتعاون، قد يتم تمكينهم من مرافقة فرق العمليات الخاصة لمكاتب وزارة الدفاع.

نشر القيم المنحلة
تعد قنوات ألعاب الفيديو من أكثر القنوات متابعة على يوتيوب، فالقناة الشخصية الأكثر متابعة على الموقع هي قناة (PewDiePie) التي يتابعها أكثر من 59 مليون شخص، وهي للاعب ألعاب فيديو، وقد تجاوز مجموع المشاهدات في الثلاثين يومًا الماضية 300 مليون مشاهدة على هذه القناة وحدها، أي لو كانت مدة كل مشاهدة دقيقة واحدة فقط، فإن عدد ساعات المشاهدة يتجاوز 570 سنة، مع العلم بأن مدة الفيديوهات على القناة تتجاوز العشر دقائق، وتصل مدة بعض الفيديوهات إلى بضعة ساعات.

والكثير من الألعاب التي يتم عرضها (لعبها) في هذه القنوات تساهم بنشر القيم والأفكار المنحلة. ففي لعبة (Night in the Woods) مثلًا يجب على اللاعب في إحدى مهمات اللعبة حل خلاف بين اثنين من الشواذ، بتذكير كل واحد بمفاتن الآخر، والأمر لا يختلف كثيرًا في لعبة (South Park: The Fractured but Whole).

وفي الجزء الخامس من لعبة Lakeview Cabin يجب القيام بطقوس شيطانية تتضمن قيام اللاعب بالسفاح، وذلك أمام الكاميرا مباشرة، لكن الصورة لا تكون واضحة بسبب شكل اللعبة الكلاسيكي القديم، رغم أنها لعبة جديدة صدر آخر أجزائها مؤخرًا.

وأما شركة (Rockstar games) فمعروفة بسلسلة GTA التي يتخذ اللاعب فيها دور رجل عصابات، بكل ما في الأمر من انحطاط يتضمن القتل والسرقة والزنا والذهاب إلى الملاهي الليلية… إلخ. ومن ألعاب الشركة ذاتها لعبة (Bully scholarship edition) وهي مشابهة للسلسلة السابقة لكن داخل نطاق مدرسة، وفيها إمكانية إهداء الزهور والحلوى لطلاب المدرسة الذكور وتقبيلهم.

ويزداد الأمر سوءًا في ألعاب من نوع (Interactive Story Games)، ففيها يتخذ اللاعب بملء إرادته القرارات التي تحدد مصير القصة، ومن الأمثلة على هذا النوع لعبة Life is Strange: Before The Storm التي يأخذ اللاعب فيها دور فتاة تكسر القوانين، وتعطي اللعبة الخيارات التي تسمح للشخصية بالتلفظ بأبشع الألفاظ وتعاطي المخدرات عدا تخريب الممتلكات العامة. ويتقاطع طريق هذه الفتاة مع فتاة طيبة مجتهدة، وبالتدريج تبدأ اللعبة بوضع بذور الحب الشاذ بين الشخصيتين، من خلال مواقف وظروف مشتركة مرسومة بطريقة سينمائية مغرية ومدروسة، فيتدرج الأمر من إعطاء اللاعب الخيار بقول عبارات المديح الزائد إلى مداعبة خصلات الشعر وصولًا إلى تقبيل الفتاة بمشهد درامي في ليلة ثلجية.

وأخيرًا لعبة (Dream Daddy: A Dad Dating Simulator)، والتي يأخذ فيها اللاعب دور أب وحيد يأتي مع ابنته إلى حي جديد، والهدف من اللعبة هو “مواعدة” كافة الآباء في الحي.

وغني عن الذكر أن على أصحاب قنوات الألعاب اللعب بالطريقة الأكثر جذبًا للمتابعين والتي تضمن أعلى قدر من المشاهدات. وقد يتصرف اللاعبون بالكثير من التصرفات الشاذة من باب الفضول أو التجربة.

وتتفاقم المشكلة مع تطور الرسوميات وتسارع التقدم التقني في مجالي الواقع الافتراضي والواقع المعزز، فضلا عن استخدام مثل هذه التقنيات في الألعاب ذات المحتوى الإباحي.

لذا فإن ألعاب الفيديو شأنها شأن جميع أدوات الإعلام، يجب عدم الاستهانة بمحتواها، والتعامل معها بانتباه ووعي.


المصادر والمراجع:

http://independent.co.uk/life-style/gadgets-and-tech/features/call-of-duty-designer-dave-anthony-is-advising-america-on-the-threats-that-could-cause-the-end-of-a6703471.html

https://newzoo.com/insights/rankings/top-100-countries-by-game-revenues/

https://selectusa.gov/media-entertainment-industry-united-states

https://socialblade.com/youtube/user/pewdiepie

https://statista.com/statistics/722259/world-gamers-by-age-and-gender/

https://wired.com/story/will-roper-pentagon-video-games/

الجمعيات السرية

أحمد دعدوش


تعود جذور الجمعيات السرية إلى عصور قديمة يصعب تتبعها، حيث يدعي بعض أعضائها اليوم انتسابهم لأنظمة وضعت أصولها منذ ما قبل التاريخ، بل يزعم آخرون -كما سنرى لاحقا- أن أول البشر آدم قد أسس بنفسه أولى جمعياتهم لتكون رديفا لسيرورة حياة البشر، وكأن هناك خطين متوازيين لا ثالث لهما يحكمان التاريخ، وهما مسار الحياة الظاهر بكل صراعاته وتذبذب صعوده وهبوطه، ومسار الأسرار الباطني الخفي الذي لا يزال يحتفظ بأسراره في أيدي “النخبة”.

وبما أننا نتحدث عن جمعيات تقوم على السرية والرمزية، وهي تعترف بذلك وتتشبث به، فنحن إذن أمام مادة غامضة للبحث، فليست هناك مصادر موضوعية أو أكاديمية يمكن الوثوق بها كما هو الحال في أي مادة أخرى تخضع للدراسة، وهذا هو السبب الذي يدفع الكثير من الجامعات لرفض مقترحات الطلاب بتقديم أطروحات علمية تبحث في الجمعيات السرية.

وهذا لا يعني بالضرورة أن كل ما يُكتب عن هذه الجمعيات ضرب من التخمين، فالتحريات التي يجريها محققو البحث الجنائي والصحفيون الاستقصائيون لا تختلف كثيرا عن هذا النوع من البحث، حيث يمكن للباحث أن تجتمع لديه خيوط كثيرة تؤدي إلى حقيقة واحدة مهما كانت حريصة على التخفي. والعلم التجريبي نفسه يُسلّم بوجود الإلكترونات ومكونات الذرة الأخرى بالرغم من الاعتراف باستحالة رؤيتها لأنها أصغر حجما من الموجات المرئية، إلا أن آثارها في الواقع تدفعنا للاعتراف بوجودها.

وعليه؛ فإن الآثار التي تتركها بصمات الجمعيات السرية في الدين والفكر والسياسة والإعلام ومسار التاريخ وميادين كثيرة قد تدفعنا للجزم بحقائق ينكرها أتباع تلك الجمعيات.

أما من يؤمن بالوحي القرآني ويعلم أنه منزل من عند الله فسيجد أدلة أخرى تمنحه اليقين ببعض حقائق تلك الجمعيات السرية وأدوارها الخفية.

لماذا اللجوء إلى السرية؟
تتعدد التفسيرات والنظريات التي تحاول فهم طبيعة هذه الجمعيات وسبب لجوئها إلى السرية، وربما يمكننا إجمالها فيما يلي:

مردوخ

1- يزعم كثير من المؤرخين أن هناك فئة من الناس لجأت إلى السرية عبر التاريخ هربا من اضطهاد الأكثرية، وأنها أخفت طقوسها الدينية الخاصة بها لتحظى ببعض الخصوصية دون أن يكون هناك أي بعد تآمري للإضرار بالمجتمع. ومن الأمثلة التي يقدمونها لهذه الرواية لوح طيني اكتشف في بابل بالعراق ويزيد عمره عن أربعة آلاف سنة، وهو يتحدث عن عبادة سرية متفرعة عن العبادة الرسمية للإله مردوخ، حيث يقدم قصة أخرى لصراع الآلهة، ثم يصف طقوسا خاصة لأتباع هذه الجماعة السرية لتمثيل أدوار المسرحية التي تقام في عيد رأس السنة وتُجسد فيها صراعات الآلهة، ويختتم النص المنقوش بعبارة “إن المعاني الخفية لهذه الأفعال لا يجوز أن تقرأ من قبل الذين لم يدخلوا في هذه العبادة رسميا ووفق الطقوس المنصوصة”.

ويبدو أن تفسير هذا النص يختلف بسبب اختلاف المنهج نفسه كما أوضحنا في مقال “البحث في الدين“، فالمنهج الإلحادي الذي لا يعترف بوجود الغيبيات لن يجد في هذه الطقوس سوى تصرفات خرافية، أما من يؤمن بالوحي وبحقيقة وجود الجن والشياطين فسيرجّح ارتباط هذه الطقوس بالسحر.

وينبغي التذكير بأن بعض الطقوس والنصوص السرية قد تكون هي أصلا لب الدين نفسه، وليست مذهبا باطنيا منشقا عنه، أي أن بعض الأديان قائمة بذاتها على جوهر سري خفي، وأن كهنتها يظهرون لأتباعهم ما يريدون إظهاره فقط.

2- يزعم فريق آخر أن هناك فئة من الحكماء كانت تحتكر الحكمة الصحيحة التي لا يقدر العوام على فهمها منذ آلاف السنين، فاضطرت تلك النخبة لإخفاء وترميز علومها لحمايتها من التشويه والتحريف ومن الوقوع في أيدي الأشرار. ونجد تحت هذا الزعم عددا كبيرا من النظريات المتداولة عبر شبكة الإنترنت، ومنها مثلا أن النخبة كانت تحتفظ في حضارتي أطلنطس وراما الأسطوريتين بأسرار تكنولوجية أكثر تطورا مما نشهده اليوم، وكانت تستخدمها للتغلب على الجاذبية والسفر عبر الكواكب ورفع الحجارة العملاقة لبناء الصروح الهائلة مثل الأهرام وتشغيل الآلات بنوع خاص من الطاقة، ويقال إن هذه النخبة رمّزت علومها وأسرارها في طريقة بناء الهياكل والصروح التي بقيت قائمة حتى اليوم في مصر والهند وأمريكا الجنوبية والعراق، كي يتمكن أحفادهم بعد آلاف السنين من استخراج تلك العلوم والاستفادة منها، لا سيما وأن القدماء خافوا عليها من الاندثار بفعل الطوفان الذي حدث في عصر نوح وغيره من الكوارث.

ويجتهد أصحاب هذه النظريات في استخراج الرموز العميقة من تماثيل أبو الهول وإيزيس والمعابد العملاقة ومقارنتها بمعايير هندسية مثل النسبة الذهبية وبغيرها من الحقائق الفلكية والفيزيائية، كما يربطون بعض الاكتشافات المذهلة التي توصل إليها القدماء بكائنات فضائية يفترضون أنها هبطت إلى الأرض وأنها هي ذاتها كائنات الأنوناكي التي ذُكرت في الأساطير العراقية. ويذهب البعض إلى افتراض أنها كائنات من الزواحف نصف البشرية التي ما زالت تعيش على الأرض وتدير العالم في الخفاء، بينما لا يقدم أصحاب هذه النظريات أية أدلة علمية تربط “المشاهدات” المزعومة والروايات ببعضها.

مانلي هول

ويجدر بالذكر أن كبار المؤلفين المنتسبين إلى الماسونية وغيرها من الجمعيات السرية بدأوا بطرح هذه النظرية في وسائل الإعلام والأوساط الثقافية منذ بدايات القرن العشرين، وهو طرح يتزايد بثه باستمرار مع تزايد الانفتاح في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات الحالية، حيث بات من الصعب إخفاء أسرار تلك الجمعيات ومخططاتها، ولا سيما بعد نشر عدة كتب رصينة ألفها منشقون عن الجمعيات أو صحفيون تسللوا إلى محافلها وفضحوا ما يجري فيها، فلم تعد ملاحقة هؤلاء وقتلهم سياسة مجدية كما كانت في الماضي، فبدأت تلك الجمعيات بفتح أبواب محافلها أمام كاميرات الصحفيين لتصوير بعض طقوسها، مع الاعتراف بأن التصوير لا يطال كل ما يجري هناك وأن السرية ما زالت قائمة جزئيا، كما نشط منتسبوها في نشر الكتب والأفلام الوثائقية والسينمائية التي تزعم أن الماسونية وأمثالها لم تعد سرية كما كانت، وطرحوا فيها ما يزعمون أنه حقيقة تلك الأسرار التي احتفظوا بها آلاف السنين. ويعد الماسوني من الدرجة الثالثة والثلاثين مانلي هول من أوائل المؤلفين في هذا الباب عندما نشر كتابه “التعاليم السرية لكافة العصور” عام 1928، حيث زعم فيه أنه كشف كل ما كان يخفى عن الناس من “الحكمة” المتوارثة منذ عصور سحيقة، وهو كتاب مليء بالمغالطات التي لا تستند إلى دليل، وفيه الكثير أيضا من المزاعم التي لا يمكن لأحد إثباتها، فضلا عما فيه من إخفاء وتضليل لحقيقة الماسونية.

سلسلة أفلام “كنز وطني” من إنتاج شركة ديزني تعد من أهم محاولات هوليود الأخيرة لتلميع صورة الماسونية

ومن مظاهر هذه الحملة أيضا تحويل الجمعيات السرية إلى مادة للترفيه في أفلام هوليود، بحيث تُنزع عنها تهمة التآمر والخبث تحت وقع الكوميديا السوداء، بحيث يصبح أي ربط بين عوالم السر وبين التآمر مجرد خضوع “للفكر التآمري” وانعكاس لعقدة البارانويا ضد عدو وهمي.

ولكي تثمر هذه الحملة، كان لا بد من ضخ تلك الكتب والأفلام بأعداد لا تحصى، ففي كل عام تصدر عن دور النشر عشرات الكتب التي تزعم كشف المزيد من الأسرار والخفايا عن تلك الجمعيات، فضلا عن خلط الحق بالباطل، ما أدى في النهاية إلى نفور الكثيرين من الاطلاع على تلك المعلومات واعتبارها مجرد لغو لا يثمر أي نتيجة مفيدة.

3- ومن أسباب العمل السري أيضا اضطرار الحركات المقاومة للمحتل أو المعارضة للحكم إلى التخفي لحمايتها من القمع، فالهدف في هذه الحالة سياسي لا ديني، ومن الأمثلة المشهورة في العصر الحديث لهذه الحركات الجمعيات القومية الكاثوليكية الأيرلندية التي نشأت في القرن الثامن عشر لمقاومة حكم الأقلية البروتستانتية، كما نشأت على شاكلتها جميعات إيطالية قومية في أوائل القرن التاسع عشر لمقاومة السيطرة الأسبانية والنمساوية التي دامت نحو 250 سنة، لكن الجمعيات الإيطالية سرعان ما اندمجت بجميعات الكاربوناري وصارت جزءا من الماسونية، فلم تعد مجرد حركات ثورية لمقاومة المحتل بل تم تحريكها لأهداف الماسونية العالمية نفسها.

4- يرى فريق آخر أن ظهور الجمعيات السرية يعود أصلا إلى أسباب نفسية واجتماعية فقط، فالإنسان يسعى إلى التمرد على الطبيعة بالبحث في عالم المجهول السحري، وينجذب تلقائيا إلى التنجيم والباراسيكولوجي والتصوف، وقد يجد في رموز وطقوس الجمعيات الغامضة ما يشبع نهمه هذا.

ويقول أرسطو إن مغزى ممارسة الطقوس السرية لا يكمن في تعلم شيء ما فقط بل في مكابدة تجربة التغيير، ويعلق المؤلف نورمان ماكنزي في كتاب “الجمعيات السرية” عليه بالقول إن التغيير ليس مجرد رقي روحي ونشوة بل يُفهم على أنه بعث جديد، حيث يتم تجسيده في مسرحيات شعائرية يلعب فيها العضو الجديد دور المشارك والمشاهد، وهكذا يشعر العضو بأن السرية تمنحه طريقة تجعله استثنائيا ومختلفا عن عوام الناس، وأن لديه من الذكاء والحكمة ما يجعله في طبقة الصفوة. وهذا التفسير قد يصح فيما يتعلق بدوافع الأعضاء في الانتساب لتلك الجمعيات، ولكنه لا يبرر ظهور تلك الجمعيات أصلا، فقد يكون العضو المبتدئ مغررا به فعلا لكن القادة ليسوا كذلك بالضرورة.

ويرى هذا الفريق أن الذين يفشلون في التعامل مع العصر الحديث، بما فيه من مظاهر الاغتراب والقلق نتيجة الصراعات السياسية والتطور المتسارع، يلجؤون إلى اتهام الجمعيات السرية بوضع المؤامرات وتنفيذها.

ويتماشى هذا التفسير مع المنهج الإلحادي لدراسة الأديان [انظر مقال البحث في الدين]، فهو ينطلق من مبدأ استبعاد الجانب الروحي الغيبي من البحث، ويحاول إعادة كل ما يراه في نشاط الجمعيات السرية أو في ما ينسب إليها من مؤامرات إلى عوامل طبيعية واجتماعية لاإرادية، وكأن تلك الجمعيات مفعول بها وليست فاعلا لأي شيء يذكر. ونجد لهذه الفكرة أساسا لدى منظري الماركسية والرأسمالية على حد سواء، فهناك قانون حتمي لصراع الطبقات لدى الماركسيين، وقانون مماثل لدى النيوليبراليين يؤدي إلى صراع الحضارات، وهناك أيضا “يد خفية” تحرك المجتمع والاقتصاد نحو نهاية محتومة حسب الرؤية الرأسمالية الكلاسيكية، وليس للإنسان -فضلا عن الجمعيات السرية- دور في تغيير هذا الحراك أو تحريك مساره، حسب رأيهم.

عبد الوهاب المسيري
(موقع المسيري)

وهذا التفسير هو السائد اليوم في الساحة الثقافية الغربية، وهو الذي يتلقى الدعم إعلاميا وأكاديميا حول العالم، وصار له أتباع كثر في العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة، ويُعد المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري أحد أبرز منظريه، فهو ينفي عن الحركات السرية أي بعد ديني تآمري، ويكاد ينفي أي تأثير لها على أرض الواقع، بل يرى أنها نتيجة طبيعية للحراك الاجتماعي والسياسي، ويتجاوز دراسة الجانب الخفي لهذه الجمعيات إلى دراسة “الفكر التآمري” لدى من يقرون بوجود مؤامرة حقيقية في مشروع تلك الجمعيات، وكأن الأمر لا يعدو أن يكون وهما في خيال الناس، كما هو حال الدين نفسه الذي يعتبره الملحدون واللادينيون مجرد وهم وليس له أي وجود موضوعي، وقد ظل المسيري متمسكا بقناعته بعد انتقاله من الماركسية إلى الإسلام، وتابعه في ذلك كثير من الإسلاميين الذين باتوا يبثون هذه الأفكار بقوة في الساحة الثقافية، وفي غلاف إسلامي أحيانا. [انظر كتاب اليد الخفية].

5- أخيرا، هناك فريق لا ينكر وجود الفكر التآمري، ويقر بأن المبالغة في ربط الأحداث بالجمعيات السرية ليس صائبا في كل مرة، كما يرى أن العديد من الجمعيات وُجدت لمقاومة العدو أو المحتل، أو لأهداف إنسانية أو بدوافع نفسية واجتماعية. لكن هذا كله لا يغطي الجمعيات السرية كلها، بل جانبا منها فقط.

ويستتند هذا الرأي إلى اعترافات كثير من المنشقين عن المحافل السرية، وتسريبات المتسللين إلى داخلها، مع ربط الحوادث التاريخية بما وضعه مؤرخون وشهود عيان على مجريات الأحداث، ولا سيما في القرون الثلاثة الأخيرة. كما يجد هذا الرأي ما يدعمه في نصوص الوحي القرآني، وهو ما يعطيه درجة اليقين ويغنيه عن الاكتفاء بالجدل الفلسفي لمن يؤمن بالوحي.

وتتفرع عن هذا الرأي نظريات تحتمل النظر والنقد كغيرها، لكن إطارها العام يربط غالبا النزوع إلى السرية مع المبادئ المعلنة الخارجة عن تعاليم الوحي بعالم السحر، فالسحرة كانوا طوال التاريخ أكثر الناس انطواءً وبعدا عن المجتمع، ولا يخفى ارتباط أنشطتهم بالأذى والشر والتآمر. ولا ينكر منظرو فك الرموز السرية المعاصرون الجانب السحري في علومهم، بالرغم من التلاعب في تقديم التفسيرات والمبررات.

وقد أوضحنا في مقالات “الإنسان والدين” و”الوثنية” و”الباطنية” تفرع التاريخ الإنساني إلى مسارات موازية لمسار الوحي. وبالعودة إلى إحدى روايات التأويل فقد بدأ السحر في وقت مبكر من عمر البشرية، وذلك في عصر النبي إدريس، وتزامن مع الجنوح عن سبيل الوحي كما يقول الحديث القدسي الذي رواه مسلم “وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم”، وسنجد في هذا المقال وفي مقالات “القبالاه” و”فرسان الهيكل” و”الماسونية” مزيدا من التفاصيل عن هذا الارتباط.

تاريخ الجمعيات السرية
يقول المؤرخ الماسوني الراحل جرجي زيدان (1861- 1914) في بداية كتابه “تاريخ الماسونية العام” إن هناك أقوالا كثيرة بخصوص نشأة جمعية الماسونية المعاصرة، فبالرغم من إقرار أتباعها بأنها خرجت في القرن الثامن عشر من عباءة جمعية الصليب الوردي التي تأسست سنة ١٦١٦، إلا أن الجذور تعود إلى ما هو أقدم بكثير، فهناك من يعود بتاريخها إلى الحروب الصليبية، وآخرون تتبعوها إلى القرن الثامن قبل الميلاد في اليونان، وآخرون قالوا إنها نشأت في هيكل سليمان، وفئة قالت إن منشأها يعود إلى بدايات الكهانة المصرية والهندية، وهكذا إلى أن زعم البعض أن مؤسسها هو آدم نفسه، وأن الخالق هو الذي أسَّسها في جنة عدن، وأن الجنة كانت أول محفل ماسوني، ويعلق زيدان على ذلك بقوله إنها أقوال مبنية على الوهم.

جرجي زيدان

كان زيدان يعمل في مكتب المخابرات البريطانية بالقاهرة، وقد رافق القوات الإنجليزية التي حاولت قمع ثورة المهدي في السودان، فهو عضو أصيل في الحملة الدعائية للماسونية التي بدأت في أواخر القرن الماضي بمحاولة إقناع الناس بأن الحركات السرية قد تخلت عن سريتها المريبة وكشفت تاريخها وحقائقها للناس. لذا لا يمكننا الوثوق بمحاولة نفيه للعلاقة بين الماسونية والحركات السرية القديمة التي أرّخ لها في كتابه.

يصف زيدان في كتابه طقوس قبول المنتسب إلى “جمعية إيزيس السرية” في مصر القديمة، حيث يتحقق الكهنة من أهليته للالتحاق بهم وحفظ أسرارهم، ثم “يسومونه عند القَبول مشقات عظيمة تختلف بين تخويف وتهديد”، فإذا اجتازها بدأت مراسم الاستقبال، فيحقق معه كاهن يحمل اسم الإله أوزيريس، وبعد الانتهاء منه ينتقل العضو الجديد إلى قائد متنكر على رأسه غطاء كرأس الكلب، فيذهب به في دهاليز مظلمة إلى مجرى مائي، فيسقيه كأسا من “ماء النسيان” لينسلخ عن كل ماضيه ويبدأ حياته عضوا في الجمعية من جديد. وبعد انتهاء المزيد من الفعاليات الاحتفالية يبدأ تلقينه “الأسرار المقدسة”.

ويقول زيدان إن أول من نقل أسرار الجمعيات السرية إلى أوروبا هو أورفيوس الذي كان عضوا في الجمعية الإيزيسية بمصر، ثم عاد إلى بلاده في منطقة تراسيا (بلغاريا ورومانيا بأوروبا الشرقية حاليا) في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ونشر تعاليمها هناك. وبعد وفاته أسس تلاميذه “مجمع إلوسينيا” في إلوسيس باليونان، وابتكروا لأنفسهم طرقا جديدة في مراسم قبول الأعضاء بما فيها من أساليب غسل الأدمغة بالترهيب والتهديد، حيث يُمرر العضو الجديد على مواقع مليئة بالوحوش والأفاعي وحمم النيران والأصوات المخيفة بمراحل مدروسة، ويُزرع في عقله أن هذا هو الجحيم أو صورة عنه، ثم يُنقل إلى موقع يملؤه النور والأمان ليستقبله الكاهن ويلقنه الأسرار في أجواء احتفالية، وكأنه بلغ بذلك الجنة.

ويُطلب من العضو الجديد قبل خوض التجربة المرعبة أن يغتسل أولا بالماء والدم، وأن يقدِّم ثورا أو كبشا كأضحية، فإذا نجح في قبول عقيدتهم تم تعميده بالماء كما يُعمد المسيحيون اليوم في الكنائس، ومنحوه اسما جديدا سريا يُعرف به في مجتمعه الصغير بعيدا عن حياته الطبيعية، وهذه الطقوس تدل بوضوح على الخلفية الشيطانية لهذه الجمعية، فهي لا تختلف كثيرا عما يمارس في طقوس عبادة الشيطان المعلنة في عصرنا الحديث، وهو أمر لا يذكره زيدان.

ويقول زيدان إن تعاليم هذا المجمع انتشرت في سائر المدن القديمة مثل فينيقية (لبنان) والهند ومصر وسوريا واليونان وغيرها، حتى قيل إنها أصلٌ لجميع تعاليم المجامع السرية القديمة في العالم، مؤكدا أن حيرام ملك صور كان أحد كبار الكهنة فيها.

ويضيف زيدان أن هذه التعاليم انتشرت أيضا في المجتمع اليهودي عندما بُعث المسيح بينهم في فلسطين، فكان أتباعها يُعرفون باسم طائفة الأسينيين، إذ نجد في رؤيا يوحنا بالإصحاح الثاني (عدد ١٧) من الكتاب المقدس قوله “فَلْيسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب فسأعطيه أن يأكل من المن الخفي، وأهبه حصاة بيضاء منقوشا عليها اسم جديد لا يعرفه أحد غير الذي يأخذه”، في دلالة إلى مراسم قبول العضو في مجمع الإلوسينيا حيث يُكتب اسمه السري على قطعة حجر يحتفظ بها حتى موته، وكأن مفاهيم الجمعيات السرية تسربت أيضا إلى الكتب السماوية التي تم تحريفها لاحقا.

ويُسهب زيدان في إظهار أتباع هذه الطائفة بمظهر المتقشفين المنقطعين عن الدنيا وملذاتها، وكأنهم مجموعة من الناسكين الزاهدين المنقطعين لاكتشاف المعرفة، فضلا عما يتمتعون به -حسب زعمه- من أخلاق راقية وتضحيات عظيمة فيما بينهم.

وما زالت طقوس العبادة الإلوسيسية السرية ماثلة حتى يومنا هذا بوضوح على جدران “فيلا الأسرار” Pompeii Villa of Mysteries في مدينة بومبي الإيطالية، حيث طمرت تحت الرماد منذ ثوران البركان المفاجئ قبل الميلاد بنحو ثمانين عاما لتبقى محفوظة حتى تُكتشف في عصرنا الحديث، إذ يبدو أن العبادة السرية لإله الخمر والنشوة “ديونيسوس” كانت مسيطرة على المنطقة، لا سيما وأن اقتصاد بومبي كان قائما على الدعارة، حيث تقدم لنا آثارها المحفوظة بدقة تثير الدهشة صورة واضحة عن تغلغل الجنس في حياة الناس إلى أقصى درجة.

فيلا الأسرار التي طمرها الرماد لأكثر من ألفي سنة، وهي تبدو اليوم في حالة جيدة بل تفاجؤنا أيضا بطرازها المعماري الذي لا يختلف كثيرا عن العمارة الحديثة، بل مازالت جدران الفيلا تشرح بالرسوم الملونة طقوس انضمام امرأة إلى عبادة ديونيسوس السرية (ElfQrin)
منحوتة “تحوت” عند مدخل مكتبة الكونغرس بواشنطن

الهرمسية
تحدثنا بإيجاز في مقال “الباطنية” عن النظريات التي تحاول كشف حقيقة شخصية هرمس وما ينسب إليها من مؤلفات وعلوم، وهي شخصية بالغ الباحثون في تعظيمها حتى قال فرانسيس باريت في كتابه “سيرة تاريخية قديمة”: “إذا كان الإله قد تجسّد فعليا في هيئة إنسان، فلم يكن ذلك سوى بشخص هرمس”، وقلنا إنه من الراجح أن تكون تلك الشخصية صورة محرفة عن شخصية النبي إدريس عليه السلام، بعد أن نُسبت إليه تراكمات من العلوم والخرافات والفلسفات الوثنية والسحرية.

أفرد الماسوني مانلي هول في كتابه “التعاليم السرية لكافة العصور” فصلا لتعاليم هرمس التي تحتل مكانة مهمة لدى الماسون، وقال إن البعض يعتبر أن هرمس هو ذاته الإله الإغريقي هرمز Hermes، وأنه هو نفسه الإله المصري تحوت Thoth أو توتي Tuti، الذي كان إله القمر أيضا، حيث رُسم على هيئة رأس طائر أبو منجل مع قرص وهلال القمر، وبما أنه دين باطني غنوصي سري، فقد أطلق عليه الكهنة -في الصيغة المعلنة للناس- إله الحكمة والأبجدية والزمن، بينما كان له وجه آخر في المعابد السرية والطقوس الخفية.

عصا هرمس

وبحسب كتاب مانلي هول، احتوى “كتاب تحوت” المقدس على الإجراءات السرية التي يمكن من خلالها “إعادة إصلاح البشرية”، وهو كتاب يصعب فك رموزه الهيروغليفية الغريبة, إلا أنه يمنح مستخدميه القادرين على فهمه “قوة غير محدودة على الأرواح العلوية والسفلية”، حيث يمكنهم تضخيم وعيهم البشري ورؤية الكائنات الخالدة  Immortals والدخول إلى حضرة الآلهة الأسمى، وبما أن هول ماسوني من الدرجة الثالثة والثلاثين؛ فهو لا يعترف لعامة القراء بأن هذه الطقوس ليست سوى أعمال سحرية لاستحضار الشياطين.

أحد مؤلفات الشيطاني المعروف أليستر كراولي عن أسرار تحوت

ويضيف هول أن هناك أسطورة تقول إن “كتاب تحوت” كان في صندوق ذهبي في الحرم الداخلي للمعبد، ولا يمكن لأحد الوصول إليه سوى الأستاذ الأعظم، ويقول أيضا إن ذلك المعبد قد أزيل وتشتت أعضاؤه، إلا أن كتابهم هذا مازال محفوظا حتى اليوم، ويكتفي بالقول “لا يمكن تقديم أي معلومة إضافية للعالم حاليا، ولكن يجب الانتباه إلى أن الخلافة الرسولية المتسلسلة من عهد الأستاذ الأعظم الذي انتسب على يد هرمس شخصيا مازالت مستمرة حتى اليوم، ويمكن للأشخاص المميزين والملائمين لخدمة الخالدين [أي الشياطين] أن يجدوا هذا المخطوط النفيس الذي لا يقدر بثمن إذا اجتهدوا في البحث عنه بإخلاص”.

قارة أطلانطس
ينسب مؤرخو الجمعيات السرية أصول الكثير من “الحكمة” السرية إلى قارة أطلانطس المفقودة، وهي جزيرة هائلة الحجم ورد ذكرها في كتاب “محاورة تيماوس” للفليسلوف اليوناني أفلاطون، حيث زعم أن الفيلسوف سولون الذي مات قبله بنحو 150 عاما، أي في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، سمع قصة القارة المندثرة من كهنة مصر ثم نقلها إلى اليونان شفهيا، وكان أفلاطون أول من وثقها لتبقى محفوظة إلى عصرنا الحالي.

أفلاطون

وبحسب هذه الرواية، فإن أطلانطس كانت جزيرة بحجم شمال أفريقيا وآسيا الصغرى، وتقع خلف “أعمدة هرقل” أي مضيق جبل طارق، فهي تحتل مكانا كبيرا من المحيط الأطلسي، وكانت قد اندثرت قبل الميلاد بنحو 9500 سنة، حيث كانت أشبه بالجنة على الأرض، ففيها من الحضارة والخيرات ما يحلم به كل إنسان، ثم بدأ ملوكها بالطمع في احتلال بلاد أخرى، فاحتلوا شمال أفريقيا، ثم هاجموا مصر وأثينا (اليونان)، وكانت نهاية تلك الحضارة بسلسلة من الزلازل والفيضانات التي أغرقت القارة كلها في البحر. [حضارات مفقودة، ص 17- 20].

ومما يهمنا من هذه الأسطورة أنه كان يحكم أطلانطس عشرة ملوك، وهم يمثلون مثلث “تيتراكتيس” الذي ترسم فيه عشر نقاط، وهو المثلث الذي قدّسه فيثاغورس بعد اقتباسه من مدرسة القبّالاه السحرية كما سيمر بنا لاحقا. وتضيف الأسطورة أنه كان في وسط أطلانطس معبد ديانة الحكمة هرمي الشكل، الذي يقع على هضبة مرتفعة في وسط مدينة البوابات الذهبية، ويقول أتباع الجمعيات السرية إنه أصل المعابد والهياكل والمحافل التي انتشرت لاحقا في قارات العالم من أمريكا الجنوبية مرورا بمصر إلى الهند.

ومن اللافت أن أفلاطون لم يوضح ما إذا كانت القصة خيالية أم حقيقة، كما أنه أسهب في رواية تفاصيلها دون ذكر مغزاها، وذلك على غير المعتاد في محاوراته الفلسفية، ما دفع البعض للاعتقاد بأنه كان يتحدث عن قصة حقيقية وليس من أجل ضرب الأمثلة الفلسفية. وسواء كانت قصة حقيقية أم خرافة، فقد وجد أتباع الجماعات السرية في القارة المندثرة فرصة لإلصاق جميع علومهم وأسرارهم وأكاذيبهم بأصل حضاري عريق، ما ينفي عنهم تهم الاتصال بالشياطين والاقتباس منهم.

لكن قصة أفلاطون تواجه تحديات كثيرة، فالمفترض أن سكان أطلانطس أنشأوا حضارة في غاية التقدم قبل 11500 سنة من يومنا هذا، مع أن أقدم الآثار المحفوظة لنشوء الحضارة لا يمتد إلى ما هو أبعد من حضارات العراق التي بدأت قبل نحو خمسة آلاف سنة، وبما أن جميع التنقيبات والأبحاث الجيولوجية لم تسفر عن أي أثر لها، فهناك من افترض أن أفلاطون كان يتحدث عن جزيرة كريت اليونانية وليس عن موقع في المحيط الأطلسي، كما قدم باحثون معاصرون عشرات التأويلات المختلفة لموقع أطلانطس المحتمل. ولا ننسى أن المؤرخين اعتقدوا طوال قرون أن طروادة لم تكن سوى مملكة خيالية وردت في أشعار هوميروس، إلى أن اكتشفت آثارها فعلا في شمال غرب تركيا عام 1871، وكذلك الحال مع الحضارة المينوية التي كان يعتقد أنها أسطورية حتى وجدت آثارها في كريت.

فرنسيس بيكون

في عام 1626، وضع الفيلسوف الإنجليزي المعروف فرانسيس بيكون كتابه “أطلانطس الجديدة”، وكان من أواخر مؤلفاته التي جعلت منه مؤسسا للعلم الحديث في الغرب، وفي العالم كله بحكم التبعية. وما يتداوله العالم بعد نحو أربعمئة سنة أن الكتاب كان يتضمن نبوءة فلسفية بريئة للعالم الحديث القائم على العلم، لكن بيكون كان الأستاذ الأعظم للماسونية في عصره، ولم يكن هذا الكتاب سوى البيان الختامي الذي قدّم فيه رؤيته لنموذج الدول التي ستُدار من قبل محافل الجمعيات السرية كما كان الحال في أطلانطس، وذلك تحت مسميات العلم والحضارة.

في عام 1882، طرح الأميركي من أصل إيرلندي إغناطيوس دونيلي كتابه “أطلانطس: العالم العتيق”، وقدم فيه أدلة كثيرة تدعم نظريته في صحة وجود أطلانطس، وزعم أن عددا قليلا من سكانها استطاعوا النجاة بالسفن ونقلوا أسرار تلك الحضارة المتقدمة إلى العالم. وقد أطلق دونيلي بذلك موضة الاهتمام العالمي بهذه الأسطورة، وربما كان أول من نقلها من عالم الخيال إلى الأوساط الجادة لتداعب أحلام الكثيرين، كما تأثر بالكتاب العديد من السياسيين، حتى تحمس رئيس وزراء بريطانيا ويليام غلادستون لجمع المال وتمويل حملة استكشافية للعثور على مكان أطلانطس. وما زال الكثيرون يبجلون دونيلي حتى اليوم على اعتبار أنه كان باحثا مجتهدا ومخلصا لنظريته، ولكن معظمهم لا يعرفون أنه كان ماسونيا عتيدا، وأنه كان يمهد كما يبدو لإقناع عامة الناس بأن أطلانطس هي أصل حضارات العالم كله، وأن المنظمات السرية الموجودة اليوم هي الوريث الوحيد لأسرار الحضارة.

وفي عام 1924 بدأ الباحث الأسكتلندي لويس سبينس بنشر سلسلة كتب عن أطلانطس، حيث يرى البعض أن كتاباته كانت أفضل ما كتب علميا بشأن أطلانطس، وعلى أساسها افترض الكثيرون أن جزر أزور البرتغالية هي من بقايا القارة المفقودة، وما يزال حتى اليوم مئات الناشطين والمهتمين يتناقلون عبر الإنترنت نظريات تتحدث عن اكتشاف أهرام ضخمة في عمق المحيط،  لا سيما قرب أزور وفي مثلث برمودا، ويقولون إن الحكومات الغربية تتعمد إخفاء هذه الحقيقة لتحتكر لنفسها أسرار أطلانطس التي لا يعرفها سوى كبار أعضاء الجمعيات السرية، وهي ادعاءات غير مؤكدة ولا يمكن التحقق منها.

ويجدر بالذكر أن عددا من الباحثين في خفايا الجمعيات السرية يؤكدون أن نخبة جمعية “المتنورين” (الإلوميناتي)، وهي جمعية منبثقة عن الماسونية، يعتقدون أنهم أسلاف ملوك وكهنة أطلانطس، أي أنهم من نتاج تزاوج الآلهة مع البشر، ويُعتقد أن فيلم “أطلانطس: الإمبراطورية المفقودة” الذي أنتجته شركة والت ديزني عام 2001 كان يتضمن هذه الفكرة رمزيا، لا سيما وأن ديزني نفسه (توفي عام 1966) كان على الأرجح ماسونيا من الدرجة الثالثة والثلاثين، ولا يزال في داخل مدينته الترفيهية بولاية فلوريدا “ديزني لاند” نادٍ مغلق يحمل اسم “33”، ولا يُسمح بالانضمام إليه إلا للنخبة وبعد دراسة طلب الانضمام التي قد تستغرق عشر سنوات.

المدرسة الفيثاغورية
ربما لا يوجد أحد في العالم لم يسمع باسم العالم اليوناني فيثاغورس، فنظرياته الرياضية والهندسية تُلقن لطلاب المرحلة الابتدائية حول العالم، ولا يكاد معظم الناس يعرفون عنه شيئا أكثر من ذلك، وقد يفاجأ القارئ عندما يعلم أن فيثاغورس الذي ولد قبل الميلاد بنحو ستمئة سنة كان من أهم أقطاب الجمعيات السرية في التاريخ.

اشتهر فيثاغورس بنظرية حملت اسمه في الهندسة، لكن الوثائق التاريخية تشير إلى استخدام مثلثات قائمة بأضلاع أطوالها أعداد صحيحة في بابل قبل فيثاغورس بأكثر من ألف سنة، كما استخدم المصريون القدماء النظرية قبله أثناء عمليات البناء وتقسيم الأراضي.

ويجدر بالذكر أن بعض العلماء المعاصرين يؤكدون أنهم اكتشفوا ثغرات وأخطاء في النظرية المنسوبة لفيثاغورس.

تمثال فيثاغورس بمتحف الفاتيكان

يحظى فيثاغورس اليوم بمكانة عظيمة في مؤلفات الماسون، كما في كتاب مانلي هول، حيث نجد فيه تأريخا لحياته ابتداءً بقصة ولادته التي زعم أنها جاءت بنبوءة عندما قالت كاهنة معبد أبولو لوالديه إنهما سيرزقان بطفل، وإنه سيكون أعظم الرجال جمالا وحكمة، وسيساهم كثيرا في نفع البشرية. كما ينقل عن جودفري هيغينز ما سماه بأوجه التشابهة بين ولادة وحياة فيثاغورس وتاريخ حياة يسوع المسيح، ما دفع البعض لتسمية فيثاغورس بابن الإله أبولو، بل ظن البعض أن الإله حلّ فيه وتجسد.

ويجدر بالذكر هنا أن مؤرخي حياة فيثاغورس قد وضعوا الأساطير عن حياته وشخصية بعد ولادة المسيح بمدة ليست بالقصيرة مع أن فيثاغورس مات قبل ذلك بنحو خمسة قرون، فالذين كتبوا قصة فيثاغورس هم الذين اقتبسوا النبوءة من قصة المسيح، والذين حرّفوا دين المسيح عيسى بن مريم اقتبسوا في المقابل من الفيثاغورية أسطورة الحلولية والتجسد.

يقول المؤرخ والفيلسوف برتراند رَسل في كتابه “تاريخ الفلسفة الغربية” عن فيثاغورس إنه كان من أهم من شهدت الدنيا من رجال من الناحية العقلية، ويضيف “لست أعلم عن رجل آخر كان له من التأثير في نطاق الفكر ما كان لفيثاغورس، وأقول ذلك لأن ما قد يبدو لك أفلاطونيا، ستجده عند التحليل فيثاغوريا في جوهره… ولولاه لما فكر المسيحيون في المسيح على أنه الكلمة”.

ويتضح الأثر الذي تركه فيثاغورس عندما نعلم أن أفلاطون كان معجبا للغاية بأفكاره، ويقال إنه دفع مبلغا كبيرا مقابل الحصول على مخطوطات فيثاغورس التي نجت من التلف، حتى قال أرسطو (تلميذ أفلاطون) إن جمهورية أفلاطون المثالية (اليوتوبيا) لم تكن سوى ترجمة لأفكار فيثاغورس.

يقول المؤرخ الإغريقي ديوجينس ليرتيوس إن فيثاغورس كان يزعم أمام طلابه وأتباعه أن روحه تناسخت خمس مرات، وأنه يتذكر جيدا الحيوات التي عاشها قبل أن يلتقي بهم، ففي الحياة الأولى كان أثاليدس ابن إله الحرب، وفي الثانية كان يوفوربس أحد أبطال حرب طروادة، وفي الثالثة كان هيرموتيموس رسول آلهة الأولمب، ويبدو أنه تواضع في ما قبل الأخيرة فجعل نفسه صيادا عاديا، ثم تجسد على هيئة المعلم فيثاغورس.

ومن الطريف أن نجد هذه المزاعم لدى معلمين آخرين في الجمعيات السرية على مر العصور، ومنهم اليهودي الإيطالي كاجيلوسترو الذي ابتكر طقس ممفيس المصري لصالح المحافل الماسونية وكان له دور في إشعال الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر، حيث كان يزعم أن روحه تناسخت عدة مرات، وأنه كان في إحداها صديقا ليسوع المسيح نفسه، وأن حياته الأخيرة امتدت أكثر من ثلاثمئة سنة.

ووفقا للماسوني هول، اكتسب فيثاغورس القدر المستطاع من المعرفة التي كانت متوفرة في اليونان، وانتسب لجمعية الإلوسيسية السرية التي تحدثنا عنها، ثم بدأ رحلاته لاكتساب المزيد من الأسرار، فتتلمذ على يد حاخامات اليهود القبّاليين، ثم سافر إلى مصر، وبعد محاولات عدة سُمح له بالانتساب إلى جمعية إيزيس السرية بمدينة طيبة، ثم توجه إلى سورية وبلاد الفينيقيين (لبنان) وانضم إلى جمعية أدونيس وتلقى أسرارها، وعبر بعد ذلك وادي الفرات ليتعلم أسرار الكلدانيين والبابليين.

ولم يكتف بذلك، فرحل إلى بلاد فارس والهند، حيث بقي هناك عدة سنوات للاطلاع على أسرار البراهمة والمجوس، وبعد نحو ثلاثين سنة من الترحال والتعلم عاد إلى أوروبا وأنشأ مدرسة في مدينة كروتونا (جنوب إيطاليا) التي كانت تحت حكم الإغريق، وأعلن عن فتح الباب لتعليم الرياضيات والهندسة والفلسفة، بينما كانت مدرسته في الباطن بمثابة الجمعية التي تتلخص فيها كل أسرار وطلاسم وطقوس الجمعيات السرية.

وضع فيثاغورس أصول تشكيل الجمعيات السرية التي ما زالت متبعة حتى اليوم، لذا يدين له أتباع الماسونية والصليب الوردي بالفضل، حيث قسّم منتسبي جمعيته إلى ثلاث درجات، بحيث لا يعلم أعضاء كل درجة شيئا عن التي تليها، فلكل منها طقوس وأسرار لا يعلم بها زملاؤهم الآخرون.

يقول مانلي هول إن فيثاغورس كان يتمتع بقدرات خارقة، فذكر أنه كان يزعم قدرته على التنبؤ بالمستقبل، ورجّح أنه كان قادرا على تنويم الناس والحيوانات، وعلى التغلغل إلى عقول الحيوانات لإقناعها بما يريد، وعلى رؤية الأشياء من مسافة بعيدة.

أما الدرجة الأولى فكانت علنية ومكشوفة، كما هو حال الدرجات الأولى من الماسونية اليوم، والتي تُفتح أبوابها للصحافة ويجاهر أعضاؤها بالانتساب لها ويُعلن أن أنشطتها تقتصر على المجال الخيري الإنساني، وكان طلاب هذه الدرجة يجلسون في أماكن مفتوحة للاستماع إلى محاضرات عامة دون مناقشة، حيث كان فيثاغورس يعلمهم أن الحقيقة في أعماقها رياضية وأن العدد هو أساس كل شيء، فلكل عدد معنى رمزي باطني، وبشكل يتطابق تقريبا مع فلسفة القبالاه اليهودية.

كراولي في زي جماعته “الفجر الذهبي”

وبعد خمس سنوات من الانتظام في تلك الدرجة يختار الأساتذة بعناية من يستحق الترقية إلى الدرجة الثانية، وهناك يفتح لهم باب المناقشة والتلقي ولكن داخل محافل سرية. ثم يتم اختيار الصفوة من هؤلاء للترقية إلى الدرجة الثالثة لتلقي الأسرار الخاصة، حيث يكتشفون آنذاك أن المعرفة لا تتعلق فقط بأسرار الهندسة والأعداد، بل هناك عقيدة كاملة بشأن الوجود والإله والموت وما بعده، وهي العقيدة الشيطانية المطابقة للقبالاه.

وقد أقر كبار مؤسسي الحركات الباطنية القبّالية والجمعيات الشيطانية الحديثة في الغرب باقتباس فيثاغورس من القبالاه، ومنهم الإنجليزي ماك غريغور ميثرز الذي شارك عرّاب الحركات الشيطانية الحديثة أليستر كراولي في تأسيس جمعية الفجر الذهبي، وذلك في كتابه “القبالاه بدون حجاب” The Kabbalah Unveiled.

ويمكن القول إن طقوس الجمعيات المندثرة حول العالم قد تم حفظها على يد فيثاغورس، حيث انتشرت عن طريقه تلك الطقوس في أنحاء أوروبا، فوصلت إلى شمالها حوالي عام 50 قبل الميلاد عندما تمرد الكاهن “سيغ” على الرومان وأخذ يدعو القبائل الهمجية الإسكندنافية إلى اتباعه، وخلط كما يبدو دينهم الوثني الذي يعبد الإله “أودن” بطقوس الجمعيات السرية، ثم أصبح بنفسه المعبود “أودن”.

وبعد بعثة النبي عيسى عليه السلام وسعي زعماء بني إسرائيل لإفشال دعوته ومحاولة صلبه وملاحقة أتباعه [انظر مقال المسيحية]، نجح اليهودي شاؤول (بولس) في تحريف رسالته التوحيدية إلى دين وثني زاعما أن عيسى إلهاً تجسد ليفدي الناس بنفسه ويغسل خطيئتهم، ولم يكتب لهذا الدين النجاح سوى بالعمل السري التقليدي كما هو حال جمعيات الإلوسيسية.

القوة الخفية
أوضحنا في مقال “الماسونية” تفاصيل جمعية سرية حملت اسم “القوة الخفية” وتم تأسيسها في عام 43م على يد ملك القدس اليهودي هيرودس أغريباس، وذلك بهدف قمع الدعوة المسيحية التي أخذت بالانتشار. وذكرنا أن هذه القصة لم نجدها سوى في كتاب “تبديد الظلام” الذي يقول مترجمه عوض الخوري إنه ليس سوى ترجمة لوثيقة عبرية يورثها مؤسسو الجمعية التسعة لأبنائهم، حتى قرر آخرهم، ويدعى جوناس، أن يكشف السر في القرن التاسع عشر.

لا يمكننا الجزم بصحة الرواية لعدم وجود مصدر آخر يؤكدها، لكن الثابت تاريخيا أن كلا من اليهود وأتباع المسيح انتهجوا العمل السري في محاربة بعضهم.

وفي عام 330 بعد الميلاد، تبنى الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول نسخة معدلة من مسيحية بولس، وتم بذلك تأسيس الدين المسيحي القائم حتى اليوم [انظر مقال المسيحية]، وانتهى بذلك عهد السرية المسيحية، لكن طقوس العبادات الشيطانية القبّالية ظلت متوارثة داخل الجمعيات السرية في أوروبا لأكثر من سبعة قرون، إلى أن تغلغلت في الفاتيكان ولعبت دورا في إشعال الحروب الصليبية أملا في الوصول إلى هدفها النهائي وهو إنشاء هيكل سليمان في القدس، وهو ما عملت عليه بنشاط جمعية فرسان الهيكل التي أفردنا لها مقالا خاصا.

وبالرغم من نجاح فرسان الهيكل في الوصول إلى القدس والحفر تحت المسجد الأقصى، إلا أن صحوة المسلمين واستعادتهم للقدس بقيادة صلاح الدين الأيوبي سنة 583هـ/1187م أفشلت المشروع، كما تصدت الكاثوليكية مجددا للجمعية بعد افتضاح خلفيتها الشيطانية، وتم تشتيتها في أوروبا لتنشأ عنها جمعيات الصليب الوردي والماسونية ومحافل المتنورين، التي كان لها دور كبير في إعادة صياغة المشهد السياسي الغربي عبر المساهمة في إشعال الثورة الفرنسية عام 1789 وما تلاها من انقلابات دامية على الأنظمة الإقطاعية الملكية المتحالفة مع الكنيسة. ثم أعادت النخب الفكرية المرتبطة بالجمعيات السرية صياغة المناهج الفكرية في الغرب، ولاحقا في معظم أنحاء العالم بفعل العولمة، فمعظم النظريات العلمانية بأطيافها المختلفة -وحتى المتضاربة- كُتبت على أيدي كبار الماسون، وكبار مؤسسي النهضة العلمية مثل ليوناردو دافينشي وجوردانو برونو وإسحق نيوتن وفرانسيس بيكون كانوا أقطابا في الجمعيات السرية.

ضرورة أم مؤامرة؟
ذكرنا سابقا أن المؤلفين الماسون حرصوا على تقديم صورة زائفة عن جمعياتهم السرية، واكتفوا بكشف ما يناسب توجهاتهم فقط، ومنهم جرجي زيدان الذي يقول “ولا نظن أحدا يجادلنا في احتياج البشر لمثل هذه الجمعيات السرية، وفي أن العلم لا ينمو وينتشر إلا بواسطتها، على أننا لا نحتاج إلى شديد عناء في إقناعهم إذا أصروا على الجدال؛ كيف لا وإن من أشهر الأديان الحديثة المتدينة لها أكبر دول الأعصر الأخيرة ما لم يَنمُ وينتشر إلا باتباعه خطة تلكم الجماعات من التعاليم والتبشير سرا”. [تاريخ الماسونية العام، ص 21].

ويصدق زيدان عندما يطبق كلامه هذا على دين عائلته المسيحي الذي وضعه بولس وانتشر في الخفاء قبل أن يتبناه قسطنطين، حيث يرى زيدان في هذه السرية فضيلةً للمسيحية، كما يصدق كلامه عندما يُنظر إلى الحضارة الغربية (الموصوفة بالعلم) على أنها الحق، ليبرر بذلك انتهاج العمل السري أولا، ويزعم طهارة تلك الجمعيات السرية ثانيا.

  • في مثل هذا الكهف الواقع في أخدود سحيق بالأناضول كان المسيحيون الأوائل يقيمون كنائسهم السرية هربا من السلطة الوثنية

  • سقف الكنيسة داخل الكهف

لكن الأنبياء جميعا كانوا يجهرون بدعوة التوحيد بالرغم من كل ما كانوا يعانونه من أذى بسبب ذلك، وعندما بُعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى قريش لم يؤمر بالجهر مباشرة حتى تتكون من حوله نواة للدعوة، فظل يدعو أقاربه ومن يتوسم فيهم الخير ثلاث سنوات، ولم يؤمن به طوال تلك المدة أكثر من أربعين شخصا، ثم أمره الوحي بتبليغ الدعوة لعشيرته: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214]، فبدأت الدعوة الجهرية واشتد عليهم العذاب.

ومن الواضح أن مرحلة الدعوة “السرية” تلك لم تمتد لأكثر من ثلاث سنوات، ولم يتخللها إنشاء جمعية تراتبية ولا أداء طقوس سرية، ولم يترك النبي حتى مماته أي تعليمات سرية خاصة بالنخبة دون عوام الناس. وكل ما ظهر بعد ذلك من الفلسفة وعلم الكلام والتصوف فهو من العلوم الطارئة على الوحي الواضح الجلي، وليس من صلب الإسلام ولا من أصول دعوته [انظر مقال نبوة محمد].

في المقابل، لا يقدم أنصار الجمعيات السرية أي مبرر مقنع لمنهجهم السري، بالرغم من اجتهادهم الواضح في كتبهم وأفلامهم لإقناع العالم ببراءتهم، فإذا كان أسلافهم مضطرون للتخفي في القرون السابقة هربا من الاضطهاد، فقد زالت اليوم أسباب التكتم وأصبحت جمعياتهم شرعية في معظم دول العالم، ومع ذلك فإن أنشطتهم لاتزال تدار في الخفاء، ومازالوا يعترفون بذلك مع عجزهم عن تقديم أي توضيح يستحق التصديق.

يُنسب إلى الفيلسوف الرومانى ناتالاس قوله إن «الأشياء الحسنة تسعى للانتشار والانفتاح، أما الآثام فتتستر وراء حجاب السر والكتمان»، ومع ذلك فلسنا نتهم الجمعيات السرية بالإثم لمجرد كونها سرية، بل لأن الحقائق التاريخية والمعاصرة تؤكد أنها لم تكن سوى مراكز لتكريس عبودية الأتباع وغسل أدمغتهم ثم توظيفهم لتحقيق مصالح النخبة المسيطرة، كما كانت على مر التاريخ المكان المثالي لاجتذاب الموهوبين ثم توجيههم بأساليب الترغيب والترهيب لبث الأفكار الهدامة وقلب أنظمة الحكم ومواجهة أنصار الوحي، وسنبين في مقالات أخرى المزيد من الأدلة، وهذا لا يغني بطبيعة الحال عن الاطلاع على الكتب المتخصصة في هذا المجال.


أهم المراجع

عبد الوهاب المسيري، اليد الخفية: دراسة في الحركات اليهودية الهدامة والسرية، دار الشروق، القاهرة، 1998.

مجموعة مؤلفين، الجمعيات السرية، تحرير نورمان ماكنزي، ترجمة إبراهيم محمد، دار الشروق، القاهرة، 1999.

جرجي زيدان، تاريخ الماسونية العام، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2013.

عوض الخوري، تبديد الظلام أو أصل الماسونية، بدون ناشر، 2002.

عبد المجيد همّو، الماسونية والمنظمات السرية: ماذا فعلت ومن خدمت؟، دار صفحات، دمشق، الطبعة الخامسة، 2009.

عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق، دار أم البنين، بدون تاريخ.

برتراند رَسل، تاريخ الفلسفة الغربية، ترجمة زكي نجيب محمود، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 2010.

ﺟﻔﺮي ﺑﺎرﻧﺪر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ﺗﺮﺟﻤﺔ ﻋﺒﺪ اﻟﻐﻔﺎر ﻣﻜﺎوي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 1993.

محمد العزب موسى، حضارات مفقودة، الدار المصرية اللبنانية، 2000.

فراس سواح، مغامرة العقل الأولى، دار علاء الدين، دمشق، 2002.

بهاء الأمير، شفرة سورة الإسراء، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2016.

Manly P. Hall, The Secret Teachings of All Ages, H. S. Crocker Company Inc., San Francisco, 1928.

فرسان الهيكل

بهاء الأمير وأحمد دعدوش


فرسان الهيكل هو اختصار لاسم أول منظمة عسكرية وأشهرها في تاريخ أوروبا، وهي المنظمة الأم التي كانت كل المنظمات العسكرية في تاريخ أوربا فرعاً منها أو تقليداً لها، واسمها الكامل هو “الجنود الفقراء من أتباع المسيح وهيكل سليمان” The Poor Fellow Soldiers of Christ and of Temple of Solomon، ولا توجد معلومات موثقة عن نشأة المنظمة ولا بداية تكوينها، وكل الذين أرخوا لفرسان الهيكل لجأوا إلى مصدر وحيد كُتب بعد سبعين سنة من إنشائها على يد وليَم الصوري. وقبل أن نستعرض نشأة المنظمة وتطورها وصولا إلى أفولها وتفتتها إلى عشرات المنظمات السرية القائمة حتى اليوم، يجدر بنا الحديث عن الجذور التاريخية التي تعود إلى بني إسرائيل.

رسم تخيلي لهيكل سليمان (Israel Truths)

الجذور الإسرائيلية
يقول مؤرخون إن هيكل سليمان في بيت المقدس كان يضم مدرستين إحداهما للصبيان والأخرى للفتيات، وكانت الأولى تخرج كهنة الهيكل والربانيين والأحبار ليكونوا صفوة المجتمع اليهودي، وكانوا يُختارون من العائلات الثابت انحدارها من سبط لاوي المتحدر من هارون، بينما يختص سبط يهوذا المتحدر من داوود بالمُلك.

وعندما هدم الإمبراطور الروماني فسباسيان الهيكل سنة ٧٠ تفرق رؤساء السبطين وأسرهم ومن تبعهم في أرجاء الأرض، واستقر عدد كبير منهم في أوربا الغربية. وكانت تقاليدهم تقتضي الاندماج في المجتمعات الأخرى والتظاهر باتباع الدين السائد وإخفاء أنسابهم الحقيقية، بخلاف عوام اليهود ممن يعلنون أنسابهم ويمارسون شعائرهم.

وطوال قرون حرص سبط المُلك وسبط الكهانة على التوغل في المجتمعات والصعود إلى قمتها، فأحد فروع أسر الملك الإلهي صار هو صلب الأسرة السكسونية الحاكمة في إنجلترا، كما امتزج فرع آخر مع الأسرة الميروفنجية التي حكمت فرنسا مابين القرنين الخامس والثامن الميلاديين، بينما وصل فرع آل سيتوارت إلى عرش اسكتلندا.

ومن هذه الأسر أيضا آل سان كلير التي حكمت نورماندي شمال غرب فرنسا، وتزاوج أبناؤها مع أسر الملك الإلهي الأخرى في فرنسا وهي شومو وجيزور وكونت وكونت شامبان وبلْوا وبولون.

ووفقا لكتاب “المُلك الإلهي” Rex Deus الصادر عام 2000 للمؤلفين الثلاثة غراهام سيمانز وتيم والاس ميرفي وماريلين هوبكنز، فإن مجموعة أسر الملك الإلهي كانت قد سيطرت على معظم أوربا الغربية مع مطلع القرن العاشر الميلادي بتغلغلها في الأسر الحاكمة، وهو أمر لم يلاحظه معظم المؤرخين التقليديين.

ونتيجة لهذا النفوذ نجحت الأسرة الميروفنجية في التغلغل إلى داخل الكنيسة الكاثوليكية وصولا إلى تعيين ستة بابوات من أصول ميروفنجية، كان أولهم البابا سلفستر الثاني سنة ٩٩٩، وآخرهم هو أوربان الثاني الذي أعلن بدء الحروب الصليبية عام 1096 باسم الكاثوليكية، وذلك بعد استكمال خطة حشد أوربا المسيحية وراء أسر الملك الإلهي التي تجري فيها الدماء الإسرائيلية.

هوج دي بايان

تشكيل المنظمة
مع وصول الصليبيين إلى الأراضي المقدسة وسيطرتهم على بيت المقدس، انتقلت خطة أسر الملك الإلهي إلى المرحلة التالية، ففي سنة ١١١٨ سافر إلى القدس تسعة فرسان من السلالة الإسرائيلية وعلى رأسهم هوج دي بايان وأندريه دي مونتبارد، والتقوا بالملك بلدوين الثاني الأخ الأصغر لأول ملوك مملكة أورشليم اللاتينية الصليبية جودفروا دي بويون وخلفه عليها، وأسفر اللقاء عن تكوين منظمة فرسان الهيكل تحت مسمى “الجنود الفقراء من أتباع المسيح وهيكل سليمان”.

وكان الهدف المعلن للمنظمة هو حراسة طرق الحج المسيحية من سواحل يافا إلى أورشليم وحماية الحجاج المسيحيين القادمين من أوربا من قطّاع الطرق.

وذهب بعض الباحثين إلى أن هذا الهدف لم يكن سوى غطاء لأهدافهم الحقيقية، وذلك لسببين، الأول هو أن تأمين طرق الحج الطويلة من يافا إلى أورشليم مهمة يستحيل أن يقوم بها تسعة فرسان في الأربعينيات من العمر، والثاني أنهم جعلوا مقر قيادتهم في المسجد الأقصى وليس على طريق الحج كما يُفترض.

فبعد استيلاء الصليبيين على القدس وتحويلها إلى مملكة أورشليم اللاتينية، حوّلوا المسجد الأقصى إلى “هيكل الرب”، وفي السنوات العشر الأولى من عمر المنظمة لم تفعل شيئا له علاقة بالمهمة التي ادعتها بل كانت مشغولة فقط بالحفر والتنقيب تحت المسجد الأقصى، حيث اكتشف الكابتن البريطاني وارين في سنة ١٨٦٧ الأنفاق التي حفرها فرسان الهيكل وفيها بعض آثارهم من تروس وصلبان.

دي كليرفو

في مجمع طروادة سنة ١١٢٩ م تمكن برنارد دي كليرفو -كبير مستشاري البابا وابن أخ مونتبارد- من الحصول على اعتراف الكنيسة بفرسان الهيكل. وبما أن الكنيسة لم تكن تقبل فكرة أن يكون الرهبان مقاتلين، فقد كتب دي كليرفو عدة رسائل ومقالات، كان أشهرها رسالة كتبها سنة ١١٣٥ بعنوان “في مدح فرسان الهيكل” ووصف فيها فارس الهيكل بأنه “فارس لا يعرف الخوف الطريق إلى قلبه، وما يحرسه ويقوم على حمايته آمن ومصون، قوة الإيمان تحرس روحه، كما أن الحديد يحمي جسده، ولأن سلاحه في جسده وفي روحه معاً، فلا خوف يعتريه ولا يتمكن منه إنسان”.

وفي سنة ١١٣٩ تمكن دي كليرفو من استصدار مرسوم بابوي من البابا الجديد إنوسنت الثاني يمنح فرسان الهيكل حق المرور عبر حدود الممالك والإمارات الأوربية كافة بحرية تامة ودون دفع ضرائب عبور، كما استثناهم من الالتزام بالقوانين المحلية في كل أوربا، بحيث لا يخضع فرسان الهيكل إلا لأستاذهم الأعظم، بينما لا يخضع هو سوى للبابا نفسه. وهي امتيازات لم يحصل عليها أحد في كل أوربا.

وهكذا انهالت على المنظمة العطايا والهبات من النبلاء والملوك، فبعد انتهاء الفرسان التسعة من حفرياتهم تحت المسجد الأقصى وحصولهم على الشرعية عادوا إلى فرنسا سنة ١١٢٩، ثم رحل الأستاذ الأعظم دي بايان ومعه دي مونتبارد إلى إنجلترا ثم اسكتلندا، فحصلوا من آل سنكلير على أرض واسعة تحولت لاحقا إلى مقر قيادة.

ارتبط تكوين فرسان الهيكل ثم صعودهم بالحروب الصليبية، فهي التي جلبت لهم الشرعية وأجبرت الكنيسة الكاثوليكية على غض الطرف عن الجمع بين الرهبنة والقتال. ونظرا لكفاءتهم في القتال فقد أصبحت المنظمة القوة الأولى في مملكة أورشليم الصليبية، ففارس الهيكل الذي يجمع بين الرهبنة والفروسية يتصف بصفات لا يناظره فيها أي جندي آخر، كقوة البنية والتدريب العالي والتسليح الجيد.

ويُقسِم الفارس ألا يفر من القتال أو يخرج من الميدان إلا بإذن قائده أو إذا واجهه ثلاثة مقاتلين معاً على الأقل، والموت في الميدان هو أسمى صور الموت عنده. كما كانت خيول فرسان الهيكل مدربة على أجواء القتال، وكانت كتائبهم أشبه بقوات الصاعقة في الجيوش الحديثة، حيث تساند الجيوش الكبيرة بأعداد قليلة تنقض على العدو في سرعة خاطفة لخلخلة الصفوف.

القوة الاقتصادية

كنيسة تابعة لفرسان الهيكل في لندن وتبدو كالقلعة

مع الوقت طور فرسان الهيكل مهاراتهم ليصبح استثمار الأموال وإدارة المزارع وتربية الخيول وإقراض الأموال والتجارة من أبرز أنشطتهم، بل تقدمت على القتال الذي صار واجهة الفرسان لجلب الشرعية فقط .

كان النبلاء المتجهون إلى الأرض المقدسة للمشاركة في الحروب يتغيبون سنوات طويلة، فيضعون ثروتهم كلها تحت سيطرة فرسان الهيكل لحمايتها، فإذا مات أو لم يعد نقلوها إلى ورثته أو إلى المنظمة إن رغب في ذلك، ويقال إن ملك فرنسا فيليب أوجست أودع ثروة التاج الفرنسي بمقر فرسان الهيكل في باريس وفوضه في إدارة الأملاك الملكية، وطوال فترة غيابه كانت عوائد إدارة هذه الثروة تذهب إليهم.

وأقام فرسان الهيكل شبكة بنكية داخل أوربا، وبينها وبين الأرض المقدسة وعبر الطرق الممتدة بينهما، فإذا أراد أوربي الحج ذهب إلى أقرب مقر لهم ليودع أموالا تغطي تكاليف الرحلة ويأخذ ما يشبه الصك ليقدمه عند كل مرحلة في رحلته إلى مقر لفرسان الهيكل فيمنحوه ما يشاء من مال، وقد أكسبت هذه التقنية فرسان الهيكل قوة سياسية ونفوذاً اقتصادياً حتى انخرطوا في تمويل التجارة ونقل البضائع، فأنشأوا أسطولاً حربياً تجارياً يتكون من ثماني عشر سفينة، ولم تكن أي دولة أوربية في حينه تملك أسطولاً بمثل سرعته وكفاءته.

صار الفرسان بمثابة شركات متعددة القوميات وعابرة للبحار تستثمر أموال الأمراء والنبلاء وتدير أراضي الإقطاعيين وتؤجر ما تمتلكه من أراض للمزارعين، وبعد خمسين عاماً من تكوينها صارت قوتها الاقتصادية تفوق قوة دول غرب أوربا مجتمعة.

وكان من أبرز أنشطة فرسان الهيكل الإقراض بالربا، حيث التفّوا على حكم الكنيسة بتحريم الربا عبر تسميته بالأجرة بدلا من الفائدة، واضطرت الكنيسة للتغاضي عن الأمر لحاجتها إلى تمويل الجيوش، فمنذ النصف الثاني للقرن الثاني عشر أصبحت المنظمة هي الممول الأبرز للحملات الصليبية.

وفي عام 1200 زاد البابا إنوسنت الثالث من قوتهم بإصدار مرسوم ينص على عدم خضوع الأفراد والأموال والبضائع داخل مقرات فرسان الهيكل ومنازلهم للقوانين المحلية الأوروبية.

إحدى قلاع فرسان الهيكل بالبرتغال
(DanielFeliciano)

وبالإضافة إلى قوتهم الاقتصادية، كان فرسان الهيكل أعظم البنائين في القرون الوسطى، فشيدوا لمنظمتهم خمسة عشر ألف مقر خلال قرنين، وكانت مقراتهم تتضمن مزارع وطواحين وحظائر خيول وكنائس وأديرة وحصونا، ومن أشهر آثارهم قلعة صفد في فلسطين.

وكان إنوسنت الثاني قد سمح لهم سنة 1139 ببناء كنائس خاصة بهم لا تخضع لسيطرة الأبرشيات والأسقفيات المحلية، فكثفوا عملية البناء، واختاروا لمقراتهم مواقع مرتفعة للإطلال على طرق الحج والتجارة، وابتدعوا تصميما جديدا للكنائس هو الطراز الدائري القوطي، والذي تعمدوا فيه محاكاة تصميم هيكل سليمان.

وخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر تمايز البناؤون في أوربا إلى ثلاث طوائف، الأولى هي أبناء الأب سوبيس التي تتولى بناء الكنائس على الطراز الروماني، والثانية أبناء ميتر جاك المختصة بتشييد القناطر والجسور، أما الثالثة وهي المرتبطة بفرسان الهيكل فاسمها أبناء سليمان، وكانت تهتم ببناء الكنائس والأديرة الضخمة على نمط العمارة القوطية، وهي تنسب نفسها للنبي سليمان بن داوود باني الهيكل، وقد وضع فرسان الهيكل في عام 1145 لائحة قواعد تنظم شؤون الحياة اليومية لأبناء سليمان، بما فيها طريقة الأكل والنوم والثياب، فهي تجعل من بناء الكنائس رسالة خالدة ولها طقوس وشروط ونمط حياة خاص، وكانت هذه الطائفة هي بذرة الماسونية كما سنرى لاحقا.

العلاقة بالباطنيين
يقول ول ديورانت في موسوعة “قصة الحضارة” إن الإسماعيليين استخدموا أعضاء جماعاتهم السرية في التجسس والدسائس السياسية، ثم انتقلت طقوسهم إلى بيت المقدس وأوربا، وكان لها أكبر الأثر في أنظمة فرسان الهيكل ومنظمة النور البافارية (إلوميناتي)، وغيرها من الجماعات السرية التي قامت في العالم الغربي، كما كان لها أكبر الأثر أيضًا في طقوسها وملابسها.

أما مؤلف كتاب “تاريخ الماسونية” كلافل –وهو من أقطاب الماسونية- فيؤكد أن منظمة فرسان الهيكل كانت على علاقة وثيقة بالإسماعيلية [ويقصد جماعة الحشاشين تحديداً]، فكلاهما اختارتا اللونين الأحمر والأبيض شعارًا لهما، واتبعتا النظام نفسه والمراتب نفسها، فكانت مراتب الفدائيين والرفاق والدعاة تقابل المراتب نفسها لدى فرسان الهيكل وهي المبتدئ والمنتهي والفارس، كما تآمرت المنظمتان على “هدم الدين” الذي تظاهرت باعتناقه، وشيدتا الحصون العديدة للاحتماء بها.

ويتفق معه الباحثان الماسونيان كرستوفر نايت وروبرت لوماس في كتابهما الشهير “مفتاح حيرام” بتأكيدهما على أن أصل الماسونية يرجع إلى فرسان الهيكل.

وتحدث مؤرخون عدة في الشرق والغرب عن زيارة قام بها دي مونتبارد إلى قلعة شيخ الجبل سنان بن سلمان ليتلقى على يديه أصول العمل السري والاغتيالات، ما دفعهم إلى القول إن الحشاشين الإسماعيليين لعبوا دورا جوهريا في تطوير أنظمة الجمعيات السرية لتصل إلى وضعها الحالي في العصر الحديث.


الأفول
كانت موقعة حطين سنة 1187 التي كسرت الممالك الصليبية هي بداية أفول الفرسان، حيث ارتكب الأستاذ الأعظم للمنظمة جيرار دي ريدفورد أخطاء فادحة، إذ خرج بثمانين من نخبة فرسانه لمباغتة صلاح الدين الأيوبي قائد جيوش المسلمين، لكن هذا الأخير أحاط بهم وقضى عليهم، فأخطأ دي ريدفورد مجددا واستسلم ليقع أسيرا مخالفا دستور الفرسان، ثم أطلق سراحه بعد حطين بفدية باهظة.

يؤكد مؤرخون أوروبيون أن صلاح الدين أطلق سراح معظم الأسرى بعد حطين باستثناء فرسان الهيكل وفرسان مالطة، ويرى الأستاذ بجامعة نونتنغهام ديفيد نيكول في كتابه “حطين 1187” أن إعدامهم لم يكن عملاً قاسياً إذا ما أخذ بعين الإعتبار أن صلاح الدين يعلم استعداد هؤلاء الفرسان للموت بشكل دائم، فكان القضاء عليهم وعدم القبول بالفدية وسيلة ناجعة للقضاء على القوة الضاربة للصليبيين.

حاول فرسان الهيكل دفع أوروبا إلى معركة أخرى مع صلاح الدين لاستعادة القدس، لا سيما بعد سقوط إمارة صفد التي كانت تضم أمنع قلاع فرسان الهيكل، وانضم الفرسان إلى الحملة الصليبية الثالثة التي يقودها ملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد وملك فرنسا فيليب الثاني، لكن الصليبيين عجزوا عن استعادة القدس بالرغم من محاولاتهم المتكررة، فركزوا جهودهم على المدن الثلاث المتبقية لديهم وهي أنطاكية وطرابلس وصور، ونجحوا أخيرا في السيطرة على ميناء عكا عام 1191.

وبعد قرن كامل من احتلال الصليبيين لعكا، فتحها المسلمون المماليك عام 1292، وسقطت بذلك آخر قلاع فرسان الهيكل في الشرق الإسلامي، فنقل أستاذهم الأعظم جاك دي مولاي مقر قيادتهم إلى جزيرة قبرص، وقام بجولات واسعة في أوربا لتحريض البابا والملوك على شن حملة صليبية جديدة ففشل، لكنه تمكن من الحفاظ على امتيازات منظمته.

حاول فرسان الهيكل عام 1300 استعادة طرطوس على الساحل السوري، فنقلوا أسطولهم إلى جزيرة أرواد، لكن المماليك طردوهم منها بعد سنتين. ومن حينها صارت فرسان الهيكل منظمة عسكرية بلا هدف وجيشاً بلا معركة، ولم يعد في حوزتها سوى السيطرة المالية والنفوذ الاقتصادي.

وفي سنة 1305 صعد البابا كليمنت الخامس إلى الفاتيكان، وبناء على رغبة ملك فرنسا فيليب الرابع طلب من جاك دي مولاي وفولك دي فيلاريه الأستاذ الأعظم لفرسان مالطة الحضور إلى فرنسا لمناقشة دمج المنظمتين، وعندما وصل دي مولاي بدأ التحقيق معه باتهامات فيليب الرابع له بالهرطقة وممارسة السحر والخروج عن المسيحية، حيث أكد الملك أنه تمكن من اختراق منظمته باثني عشر جاسوساً تحققوا من تلك الاتهامات.

أمر فيليب الرابع باعتقال دي مولاي مع سبعين من قياداته، فاعترفوا تحت التعذيب بالاتهامات، وخلال السنوات الخمس التالية اعتقل مئة وخمسة وثلاثون آخرون واعترفوا جميعاً.

إحراق بعض فرسان الهيكل بالنار

أصدر البابا مرسوماً باعتقال فرسان الهيكل في كل أوربا ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم والتحفظ عليها، وفي عام 1310 أمر فيليب الرابع بإحراق أربعة وأربعين فارساً منهم أحياء وعلناً في باريس، وقرر البابا حل المنظمة وتحويل ممتلكاتها إلى منظمة فرسان مالطة.

وفي السنة نفسها انتهت اللجنة التي كونها البابا لمتابعة قضية فرسان الهيكل وتقديم تقرير عن المنظمة وممارساتها، وكانت النتيجة هي الحكم على دي مولاي بالإعدام على الخازوق عام 1314.

وانتهت بذلك (ظاهريا) قصة الصعود الاستثنائي لأحد أكثر التنظيمات العسكرية نفوذاً، والتي نجحت خلال قرنين فقط من السيطرة على أكثر من 900 مستوطنة، وامتلاك عشرات القلاع والحصون، فضلا عن ابتكارها لأحدث أساليب التسليح والتخطيط العسكري والأعمال المصرفية والنقل والزراعة والتجارة، والتي كان لها فضل في تطور المجتمع الغربي لاحقاً.

منظمة فرسان مالطة
ما زالت هذه المنظمة قائمة حتى اليوم، بل تحولت إلى دولة ذات سيادة ومعترف بها من قبل المجتمع الدولي، فهي الدولة الوحيدة في العالم التي ليس لها وجود جغرافي على الأرض ولا حدود، بل هي منظمة تتخذ من قصر مالطة بمدينة روما مقرا لها، وأعضاؤها الذين يعيشون في شتى أنحاء العالم هم مواطنوها.

الأسد (يسار) يُمنح الوشاح الأحمر لإعلان قبوله عضوا ومواطنا في منظمة ودولة فرسان مالطة عام 2008

وكما هو حال الجمعيات السرية القائمة اليوم، فإنها تزعم أن نشاطها يقتصر على الأعمال الخيرية والطبية، حيث تدير مئات المستشفيات وتساعد في عمليات الإنقاذ والإسعاف في أكثر من 120 دولة حول العالم، إلا أنها تعلن أيضا أن هدفها الأساسي هو حماية الحق المسيحي في الحج إلى القدس، وهو الهدف الظاهري الذي أنشئت من أجله إبان الحروب الصليبية.

وتضم قوائم أعضاء المنظمة عددا من كبار السياسيين والمتنفذين في العالم، مثل رونالد ريغان وتوني بلير والملكة إليزابيث، إضافة إلى عدد من المسؤولين العرب، مثل رئيس النظام السوري بشار الأسد.

وقد أنتجت قناة الجزيرة في عام 2008 فيلما وثائقيا يبحث في علاقة دولة فرسان مالطة بعمليات عسكرية قذرة في العالم الإسلامي، وأهمها المشاركة في غزو العراق عبر شركة “بلاك ووتر” الأمنية.

اتهامات خطيرة
هناك ثلاثة أنواع من التهم التي وجهت لفرسان الهيكل وهي:

1- الهرطقة: إهانة المسيح وإنكار ألوهيته، البصق على الصليب والتبول فوقه، احتقار القداس ورجال الكنيسة، وإنكار المقدسات.

2- الجرائم الأخلاقية: الشذوذ الجنسي الجماعي والمنظم، وابتكار طقوس للترقي داخل المنظمة تتضمن ممارسة الشذوذ وتقبيل أعضاء التناسل.

3- الوثنية: عبادة رأس حجري لكبش ذي قرون اسمه بافوميت، عبادة وثن العذراء السوداء، وعبادة وثن لساحرة على شكل قطة سوداء.

بافوميت بريشة إليفاس ليفاي

وهذه الأفعال كانت تمارس في سرية تامة، فلم يكن للمنظمة سجلات علنية بل تحفظ كل أوراقها داخل كنائسها وقلاعها بسرية بالغة.

انقسم المؤرخون بشأن هذه الاتهامات إلى قسمين، الأول يرى أنه تم تلفيقها لفرسان الهيكل بعد أن حقد عليهم الملوك لتزايد قوتهم، وأن اعترافهم جاء تحت التعذيب.

أما الفريق الثاني فيرى أنها منظمة مهرطقة غايتها القضاء على المسيحية، حيث اعترف الفرسان بالتهم كلها في دول أخرى غير فرنسا دون تعذيب، بل كان بعضهم في حماية ملوك إنجلترا وإسبانيا والبرتغال ومع ذلك اعترفوا بالهرطقة والشذوذ الجنسي وهي جرائم تستحق الإعدام في أوربا البابوية.

كما أن عبادة أوثان محددة هي ليست من ذلك النوع من التهم الذى يختلقه أحد ويقر به تحت وطأة تعذيب، فهذه تهم لم يقر بها أحد غيرهم، وكان يمكنهم أن ينكروها بعد اعترافهم بما هو أخطر من الهرطقة والشذوذ.

ما هو معبودهم؟
تعددت النظريات لتفسير رمزية بافوميت، فرأى البعض أن هذه الرأس الحجرية ترمز لرأس يوحنا المعمدان (النبي يحيى) التي قطعها هيرود، فكان فرسان الهيكل يرون أن يوحنا المعمدان هو المسيّا الحقيقي وأن عيسى المسيح نبي كذاب. وقال آخرون إن الفرسان عثروا حقا على رأس يوحنا المعمدان في الحملة الصليبية الرابعة، بينما ذهب رأي ثالث إلى أن رأس بافوميت ترمز إلى رأس دي بايان مؤسس فرسان الهيكل، كما فسره آخرون بأنه يرمز إلى أزموديوس الجني الحارس الذي ساعد سليمان في بناء الهيكل.

رسم لطقس عبادة بافوميت التي اقتبسها الماسون من فرسان الهيكل أورده الماسوني الفرنسي ليو تاكسيل في كتاب نشره عام 1884 لفضحهم

أما هوج شونفيلد فقام بتحليل كلمة بافوميت Baphomet وفقا لشفرة أتباش اليهودية القديمة واستنبط أنها تعني كلمة صوفيا Sophia، أي ربة الحكمة الإغريقية وكل ربات الحكمة الأخريات ومنهن إيزيس المصرية، ويدل على ذلك أن فرسان الهيكل قدسوا رموزا وأفكارا مصرية قديمة تختلط بالتقاليد اليهودية.

وتشير الرسوم والتماثيل إلى تشابه رأس بافوميت مع “كبش مِندِس” الذي كان يُعبد في مصر وبابل على أنه تمثيل للشيطان إبليس، حيث قالوا إن إبليس دخل الجنة في جلد أفعى ليشجع الإنسان (آدم وحواء) على اكتساب المعرفة بالأكل من الشجرة، وإن إبليس عندما يهبط إلى الأرض فإنه يتجسد في هيئة كبش له قرون.

وكانت الأساطير المصرية تقول إن إيزيس تعلمت السحر من والدها “سِب”، فجسدها الكهنة في صورة امرأة لها تاج على هيئة قرنين تتوسطهما الشمس. وإذا أعدنا قراءة هذه الرمزية في ظل الوحي الإسلامي فسنجد تطابقا عجيبا مع الأحاديث النبوية التي تحظر على المسلمين الصلاة في وقتي الشروق والغروب لأن الشمس تطلع وتغرب بين قرني الشيطان، مما يقوي اعتقادنا بأن إيزيس هي إحدى تجسدات الشيطان نفسه.

وتقول أساطير الفراعنة إن “حورس” الذي يُصور على هيئة صقر قد نتج عن تزاوج إيزيس مع أخيها أوزيريس، وإنه سعى للانتقام من جده “سب” الذي قتل أباه، فأصيبت إحدى عينيه ليبقى أعوراً بعين واحدة تمثل الشمس [انظر مقال الوثنية].

ولا نجد لهذه الأساطير في مناهج البحث الغربية تأويلات أبعد من الربط فيما بينها وفي ضوء ما قاله كتبة الأساطير نفسها، كما لا نجد لدى المؤرخين والفقهاء المسلمين في القرون الماضية سوى محاولات لفهم ما رواه لهم أهل الكتاب بعد إخفاء وتحريف الكثير، وذلك قبل أن تُكتشف في العصر الحديث الكثير من الأساطير إبان الفتوحات الكبيرة في استخراج الآثار واكتشاف أسرار اللغة الهيروغليفية.

كما نجد تشابها كبيرا بين حورس ذي العين الواحدة وبين الأعور الدجال الذي ورد ذكره فيه الحديث النبوي لدى المسلمين: {لم يُبعث نبي قبلي إلا حذر قومه من الدجال الكذاب} [رواه أحمد].

ويمكن القول إن إيزيس المصرية تحل أيضا سر العذراء السوداء، فهي تُجسد بتمثال لسيدة سوداء تحمل بين يديها رضيعًا أسود، لكن الكاثوليك في أوروبا كانوا يظنون أن فرسان الهيكل أرادوا بذلك تحقير العذراء والمسيح، وظل هذا الاعتقاد سائداً حتى القرن الثامن عشر عندما اكتشف باحثون في الآثار المصرية أن العذراء السوداء ليست سوى أم الحكمة والمعرفة ومصدر الخصوبة (إيزيس) وهي تحمل وليدها حورس، وهو الرأي الذي دافع عنه المؤرخ إيان بيغ والبروفيسور ستيفان بينكو، كما أثبته بالوثائق والصور المؤلفان لين بيكنيت وكلايف برنس في كتابهما المنشور عام 1994 “كفن تورينو: صورة من؟ كشف الحقيقة الصادمة”.

واحد من بين نحو 180 تمثالا للعذراء السوداء المتبقية حتى اليوم في فرنسا

ورجح باحثون -ومنهم إيان بيغ في كتابه “وثن العذراء السوداء”- أن دي كليرفو هو الذي ابتكر هذه العبادة عندما نظم مئتين وثمانين أنشودة، يتضمن كثير منها مقولة مأخوة من نشيد الأنشاد التوراتي تقول “أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم” [1: 5-6]، وهي عبارة تم نقشها على كثير من تماثيل العذراء السوداء، وما زال نحو خمسمئة تمثال منها قائما وتؤدى عندها طقوس العبادة المسيحية في كنائس أوروبا.

بناء على ما سبق، يمكن القول إن العقيدة التي كان يخفيها فرسان الهيكل وكل من تبعهم لاحقا في الجمعيات السرية المتعددة هي قريبة جدا من الديانة المانوية الفارسية القديمة، والتي تدور حول ثنائية الآلهة، بحيث يكون الشيطان نداً للإله وأجدر منه بالعبادة والتعظيم، لذا نرى في بعض طقوسهم رموزا تبدو على النقيض من الطقوس الدينية للكاثوليكية، كالقداس الأسود والعذراء السوداء. ونظرا لممارسة الجمعيات السرية في درجاتها العليا طقوس السحر والاتصال بالشياطين فلا يُستبعد أن تتلقى “مكافأتها” من الشياطين بمزيد من النفوذ والملذات.

ولادة الجمعيات السرية
لم يكن عدد المعتقلين والمحاكَمين سوى بضع مئات، بينما يقدر باحثون أن عدد الفرسان كان يتراوح ما بين 20 و50 ألفا، وقد اختفوا فور إعلان حل المنظمة، كما اختفت جميع وثائقهم وبياناتهم المالية وحتى ثرواتهم سفن أسطولهم.

قرر باحثون أن فرسان الهيكل انضموا إلى فرسان مالطة، بينما رأى آخرون أنهم اختفوا في جبال الألب السويسرية كما اندمج بعضهم في الحياة المدنية بدول أخرى وخصوصا اسكتلندا التي كانت خارج سلطة البابا، أما في البرتغال فاحتفظوا بكيانهم بعد تغيير اسمه إلى فرسان المسيح وظل قائما حتى أواخر القرن السادس عشر، وقد ساهمت هذه المنظمة في حركة الكشوف الجغرافية التي انطلقت من إسبانيا والبرتغال، فكان منهم هنري الملاح وفاسكو دي غاما، كما أبحر كريستوفر كولمبوس على متن سفن تحمل شعارهم لاكتشاف أميركا، وهو يحمل أحلاما توراتية لاستعادة أورشليم وبناء الهيكل بعد اكتشاف العالم الجديد ونهب ثرواته.

“أصول الماسونية تعود إلى عهد الحملة الصليبية الأولى، والذي أسسها في فلسطين هو أول ملوك أورشليم جودفروا دى بويون”. [كتاب الجمعيات السرية والحركات الخفية للمؤرخة نستا وبستر، نقلا عن نشرة أصدرها لمؤرخ الماسوني شيفالييه دي باراج عام 1747].

أما مؤرخو الماسونية والجمعيات السرية فيقولون إن محافل الماسون -التي كانت في الأصل أماكن لتجمع البنائين- أصبحت ملاذاً مثالياً لفرسان الهيكل، فهي الفرع الوحيد من المنظمة الذي نجا من الحل والتدمير والملاحقة، وهكذا بدأت نشأة الماسونية على يد فرسان الهيكل.

ويقول الأستاذ الأعظم للماسونية في القرن التاسع عشر الجنرال الأمريكي ألبرت بايك في كتابه “عقيدة الطقس الأسكتلندي القديم وآدابه” المنشور عام 1872: “إن هدف فرسان الهيكل الظاهر الذي أسبغ عليهم الشرعية ومنحهم الهبات وأكسبهم السلطة كان حماية الحجاج الكاثوليك، لكن الهدف الحقيقي الذي انخرطوا من أجله في الحملات الصليبية هو العمل على إعادة بناء هيكل سليمان كما وصفه النبي حزقيال وصفاً مفصلاً في السفر المسمى باسمه، فالهيكل حين يعاد بناؤه باسم الكاثوليكية وتحت راياتها سيكون قبلة العالم ومركز ومصدر أمنه وسلامه، وسيحكم بنو إسرائيل من خلاله كل الشعوب”.

ألبرت بايك

أما الهدف الثاني كما يقول بايك فهو إزالة الكاثوليكية وتأسيس عالم جديد له ديانة جديدة تستمد عقائدها من “التقاليد المسيحية الأولى والنقية” التي يمثلها يوحنا المعمدان. فالقديس يوحنا هو الأب الروحي لكل الحركات الغنوصية التي تؤمن بأن خلاص البشر في المعرفة والأفكار وليس في مطلق الإيمان، وهي الحركات التي يمتزج فيها نموذج يوحنا المعمدان بالتراث الشفوي اليهودي الباطني وما يحويه من معارف وأسرار القبّالاه، وفقا لكتاب بايك.

ويضيف بايك أنه كانت توجد في الشرق إبان الحملة الصليبية الأولى طائفة من المسيحيين من أتباع يوحنا وكانت تعرف التاريخ الحقيقي للمسيح والتقاليد اليهودية وروايات التلمود والقبالاه، وهي طائفة تعارض كنيسة القديس بطرس ومسيحها (عيسى) المتمثلة في الفاتيكان.

وتعد هذه الكنيسة سرية للغاية، ويقودها أحبار عظام يتسلسلون إلى يوحنا المعمدان، وفي زمن الحروب الصليبية كان الحبر الأعظم لها يدعى ثيوكليتس، وقد تعرف على دي بايان وأطلعه على أسرار كنيسته ونصّبه خلفاً له على رئاسة الطائفة، وهذا اعتراف من بايك بأن منظمة فرسان الهيكل لم تكن سوى واجهة مسيحية لكنيسة تعادي الكاثوليكية نفسها وتنتسب إلى يوحنا وتؤمن بعقيدة غنوصية قبالية يهودية.

ويقول بايك إنه حين كان دي مولاي ينتظر حكم الإعدام في السجن أمر بتكوين أربعة محافل مركزية، الأول في نابولي لقيادة فرسان الهيكل في شرق أوروبا، والثاني في إدنبره من أجل قيادتهم في غربها، والثالث في ستوكهولم لفرسان الشمال، والرابع في باريس لفرسان الجنوب .كما انشطرت المنظمة إلى عشرات الجمعيات السرية والمنظمات الخفية وجماعات السحر والشعوذة، وتحولت مقاطعة لانجدوك جنوب فرنسا -وهي معقل فرسان الهيكل- إلى مأوى للملحدين والمهرطقين واليهود والوثنيين. ويؤكد بايك أن الماسونية الاسكتلندية هي الوريث الأقدم لفرسان الهيكل والامتداد الشرعي لها.

وكان من أبرز الجماعات الإلحادية والشيطانية التي نشطت في مناطق نفوذ فرسان الهيكل جماعة “الألبيين”، والتي حكمت عليها الفاتيكان عام 1139 بالهرطقة وبدأت بمطاردتها، ثم انضمت إلى الجمعيات السرية المشابهة التي انبثقت عن فرسان الهيكل بعد حلّها.

بيل كلينتون كان عضوا في تنظيم دي مولاي الدولي أثناء شبابه (demolay.org)

وتوجد في أوربا والقارة الأمريكية اليوم عشرات المنظمات السرية التي تقول إنها وريثة فرسان الهيكل، وكثير منها تضع في اسمها الهيكل أو فرسانه أو اسم أحد أساتذة فرسان الهيكل العظام، كما تحاكي في تنظيمها ودرجاتها ورموزها وطقوسها فرسان الهيكل.

ومن أهم هذه المنظمات تنظيم دي مولاي الدولي المخصص للشباب في الولايات المتحدة، الذي كان الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون من أعضائه [حسب موقع المنظمة]، ومنظمة فرسان الهيكل الاسكتلندية، وعصبة فرسان الهيكل الاسكتلندية، ومنظمة هيكل الشمس، ومنظمة دير صهيون التي سيأتي ذكرها بالتفصيل لاحقاً.

ومن أكثر المنظمات انتشارا اليوم “التنظيم العسكري السامي لهيكل أورشليم” OSMTH، وهي تؤكد أنها امتداد لفرسان الهيكل وأن دي مولاي عهد بالأستاذية إلى يوهانس لارمينيوس ثم توالى الأساتذة العظام دون انقطاع، إلى أن أخرجها الماسوني الفرنسي برنارد ريموند فابري بالابرا إلى النور سنة ١٨٠٤، وأن نابليون بونابرت كان أباً روحياً لها. وفي سنة 2001 اعترفت الأمم المتحدة بهذا التنظيم كمنظمة عاملة من أجل السلام ووضعتها في قائمة الجمعيات المدنية التي تحظى باستشارة منظمات الأمم المتحدة لها في الأزمات وتفويضها في فض النزاعات. بينما تعلن المنظمة أنها تهدف إلى الحفاظ على الأراضي المقدسة في أورشليم وحولها، وإجراء البحوث الأثرية، ودعم السلام. وكثيرا ما يتم إرسال وفودها تحت غطاء الشرعية الدولية من الأمم المتحدة إلى أماكن النزاعات في العالم الإسلامي.

كتاب أصدره “التنظيم العسكري السامي لهيكل أورشليم” عام 2017 بمناسبة “مرور خمسمئة عام على التأسيس”.

منظمة دير صهيون
طبقاً للوثائق السرية التي نشرها الفرنسي بيير بلانتار في ستينيات القرن العشرين فإن جذور دير صهيون تعود إلى جمعية سرية غنوصية لا يعرف تاريخها، حيث أسسها رجل اسمه أورمس ومزج فيها المسيحية مع الوثنية، ثم أعيد بناؤها -حسب بلانتار- سنة 1070 عندما اجتمع عدة رهبان في إيطاليا لتأسيس منظمة سرية اسمها دير أورفال، وشاركوا بأنفسهم في الحملة الصليبية الأولى. وبعد سقوط بيت المقدس في يد الصليبين ساهموا في انتخاب دي بويون ليكون أول ملوك مملكة أورشليم الصليبية، لأنه سليل الأسرة الميروفنجية المتحدرة من الملك داوود.

وفي السنة نفسها أسس هؤلاء الرهبان ديرًا في جبل صهيون حسب رواية بلانتار، وكانت مهمتهم الأولى هي البحث عن كنز هيكل سليمان الذي نهبه الرومان أثناء اجتياحهم أورشليم إبان ثورة اليهود عليهم سنة 70م، ثم إعادة تكوين الأسرة الميروفنجية وإعادتها إلى حكم فرنسا وصولا إلى حكم أوروبا كلها، وكانت منظمة فرسان الهيكل جناحاً عسكرياً لدير صهيون طوال مائة عام تقريباً.

اصطدم ملك فرنسا فيليب الثاني مع ملك إنجلترا هنري الثاني عام 1188 في معركة عند قلعة جيزور بفرنسا في صراع على شرعية الحكم، حيث تنافس كلاهما على أحقية تمثيل السلالة الميروفنجية، وكان النصر من نصيب فيليب الثاني، لكن المعركة تسببت بانشقاق فرسان الهيكل المؤيدة للإنجليز عن دير صهيون المنحازة للفرنسيين، وهكذا اندثرت آثار الجمعية السرية وظلت خفية ثمانية قرون كاملة، وفقا لمزاعم بلانتار.

وفي عام 1989 نشر بلانتار قائمة بأسماء أساتذة دير صهيون العظام، زاعما أنه كان هو نفسه أستاذها الأعظم ما بين عامي 1981 و1984، كما ادعى أن كلا من إسحق نيوتن وروبرت بويل وكيجان كوكتو وليوناردو دافنشي وفيكتور هوغو كانوا في القائمة، واشتهرت هذا الجمعية باسم أخوية صهيون (أخوية سيون)، ولا سيما بعد ظهورها مؤخرا في الرواية الشهيرة “شفرة دافنشي” للبريطاني دان براون، والتي تحولت إلى فيلم هوليودي.

وبعكس المنظمات التي انحدرت من فرسان الهيكل أو زعمت أنها هي فرسان الهيكل أو أحد فروعها، فقد قدمت دير صهيون نفسها على أنها هي الأصل وأن فرسان الهيكل فرع منها. ويعد بلانتار هو المصدر الوحيد لهذه الوثائق والمعلومات، ما دفع الكثيرين للتشكيك فيها، حيث يقول المؤرخ أحمد دراج في كتابه “وثائق دير صهيون بالقدس الشريف” إن المراجع الأوروبية تجمع على أن بناء دير صهيون في القدس لم يتم إلا بعد أن اشترى ملك صقلية روبرت أنجو المنطقة من السلطان محمد بن قلاوون عام 1335، كما أن وجود الدير هناك لا يعني بالضرورة ارتباطه بجمعية سرية.


أهم المراجع
بهاء الأمير، اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2012.

ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة وتحقيق سهيل محمد ديب، مؤسسة الرسالة، 2002.

محمد عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق، دار الهلال، 1925.

أحمد دراج، وثائق دير صهيون بالقدس الشريف، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1968.

Charles G. Addison, The History of the Knights Templar, Longman, Brown Green, London, 1842.

Nesta Webster, Secret societies and submersive movements, Boswell Publishing Co. Lltd, London, 1924.

Christopher Knight and Robert Lomas, The Hiram Key, The Century Books, 1996.

Albert Pike, Morals and dogma of the Ancient and Accepted Scottish Rite of Freemasonry, published by the authority of The Supreme Council of the thirty third degree, Charleston, 1871.

M.p. Hall, The secret teachings of all ages, H.S. Crocker Company, San Francisco, 1928.

David Nicolle, Hattin 1187: Saladin’s Greatest Victory, Osprey Publishing, 1993.

الماسونية

تعد الماسونية في العصر الحديث الجمعية الأم لمعظم الأخويات والمنظمات والجمعيات السرية في العالم، وهي بدورها الوريث الأهم لأخطر الحركات السرية التي تشكلت عبر قرون، وكان آخرها منظمة فرسان الهيكل التي نشأت في ظل الحروب الصليبية وتم حلّها في أوربا لاحقا.

تستمد الماسونية الكثير من أفكارها ومبادئها من الفلسفات الباطنية (الغنوصية) واليهودية المحرفة والسحر والقبالاه، وهي مرتبطة على الأرجح بعبادة الشيطان، وترمي في النهاية إلى تحقيق سيادة بني إسرائيل على العالم عبر بناء هيكل سليمان في القدس.

ومنذ إعادة هيكلتها عام 1717، يحاول الماسون إخفاء الكثير من أسرارهم وأهدافهم وإظهار منظمتهم في صورة جمعية خيرية وأخوية عالمية، إلا أن توالي حركات الانشقاق وانكشاف الكثير من الأسرار دفعهم في النهاية إلى فتح بعض الملفات لنفي تهم المؤامرة عن أنفسهم، وللظهور في مظهر الانفتاح، كما عمدوا في العقدين الأخيرين إلى ضخ عدد لا يحصى من الأفلام والكتب التي تخلط الحق بالباطل عن الماسونية ومؤامراتها، ليصل عامة الناس إلى نتيجة سطحية مفادها أن الأمر كله ليس سوى اتهامات باطلة وهواجس ذهانية تُصنف عالميا تحت مسمى “نظريات المؤامرة”، لا سيما وأن هناك الكثير من الاتهامات الباطلة فعلا في وسائل الإعلام وكثير من المؤلفات، إلا أن وجودها لا ينفي الحقيقة عن الأبحاث الجادة، فالبحث الموضوعي الرصين مازال قادرا على كشف الكثير من حقائق هذه الجمعية السرية، وهو ما يسلتزم عدم الانشغال بالكميات الهائلة من الأكاذيب التي تشجع الماسونية على نشرها للتغطية على الحقيقة.

أصل الماسونية
لا يمكن الجزم بأصل هذه الجمعية السرية طالما كانت وثائقها خفية، وطالما كان من الصعب التحقق من التسريبات والاعترافات ونتائج الأبحاث التاريخية بسبب تداخل الحقائق بالأباطيل، فقد تكون الوثائق والشهادات المتوفرة لدينا صحيحة إلا أن الشاهد عليها لا يكون سوى شخص واحد أو بضعة أفراد، ويكاد التحقق من موثوقيتهم شبه مستحيل.

لذا تظل الروايات المتعددة بشأن نشأة الماسونية وأصلها في مقام النظرية المعرضة للنقد والتمحيص، وهذا لا يمنع ترجيحنا لصحة أو ضعف أي منها دون جزم، كما لا يمنع أن نصل إلى نتيجة مؤكدة بشأن أهداف الماسونية الحالية وما تسعى إليه، بغض النظر عن لحظة نشأتها التاريخية.

وسنتعرض فيما يلي لأهم النظريات التي تتحدث عن أصل الماسونية، علما بأن الخلاف يقع غالبا في لحظة البدء والمؤسس الأول وليس في المراحل اللاحقة من تاريخ الماسونية الممتد لآلاف السنين، وصولا إلى لحظة ولادة محفل إنجلترا الأعظم عام 1717 في لندن التي تعد الإعلان الأول لنشأة الماسونية باسمها المتداول اليوم، مع أن وجودها السابق كان تحت أسماء وأنظمة وطقوس مختلفة.

أولا، الرواية الماسونية: هي ليست رواية واحدة، حيث نجد لدى الماسون أنفسهم روايات مختلفة، وقد يكون ذلك نتيجة العماء الذي تتعمد قيادة الجمعية العالمية أن تبقيه مسيطرا على أعضائها، بما فيهم أولئك الذين ترقوا إلى أعلى الدرجات، أو نتيجة التضليل المتعمد لعامة المجتمع بشأن نشأة جمعيتهم السرية.

ففي دستور الماسونية الأول الذي وضعه جيمس أندرسون عام 1723، قيل إن الجمعية بدأت في فجر البشرية على يد آدم عليه السلام، مرورا بالأنبياء نوح وإبراهيم وموسى وسليمان، ثم الملكين يوليوس قيصر وجيمس الأول.

غلاف الدستور الأول للماسونية

وحسب “مخطوطة الشوك” الماسونية التي تعود إلى عام 1756 فإن الملك النمرود –الذي يقال إنه بنى مدينة بابل في العراق وكان معاصرا لإبراهيم عليه السلام- هو الذي أسس الماسونية قبل عصر سليمان عليه السلام، ووضع رموزها ومصطلحاتها ليميز أعضاءها عن بقية الناس.

ونجد في بعض المؤلفات من يزعم أن الماسونية سبقت البشرية نفسها، فينسبها إلى الكائنات الفضائية التي عرفت الحضارة قبل نشأة البشر على هذا الكوكب مثل الدكتور أوليفر [كتاب تبديد الظلام، ص 82]، ومع أن هناك من الماسون أنفسهم من يسخر من هذا الطرح، إلا أن له أصل مفهوم، فالجمعيات السرية تبث منذ سنوات أفكارا عن احتمال هبوط كائنات فضائية في المستقبل القريب لإنقاذ البشرية من حروب وكوارث محتمة، وقد عملت عشرات الأفلام والمسلسلات الهوليودية على تكريس هذه الفكرة، والتي يرى فيها البعض مقدمة لخروج الدجال Antichrist والشياطين التي تسير في موكبه.

ويقول مؤرخون ماسون آخرون إن سليمان عليه السلام هو الذي أسس الماسونية أثناء بناء الهيكل، وهو أول أستاذ أعظم.

المحفل الماسوني الأعظم بلندن

وفي كتابه “تاريخ الماسونية العام”، يستعرض الماسوني اللبناني الراحل جرجي زيدان تاريخ الجمعيات السرية القديمة التي يعتبرها الوسيلة الوحيدة لنشر العلم والخير، ثم يزعم أن الماسونية بدأت سنة ٧١٥ق.م على يد الملك الروماني نوما بومبيليوس الذي أسس أخويات للبنّائين وعهد إليهم مهمة بناء روما بهياكلها وأسوارها، ثم توسع نشاطهم وتراكمت خبراتهم الإبداعية مع تناقلهم لأسرار المهنة التي احتفظوا بها لأنفسهم على مر القرون، فالمؤرخ زيدان يشترك مع كافة زملائه الماسون بنسبة أصل الجمعية إلى العاملين في حرفة البناء، إلا أنه كان أكثر تظاهرا بالبراءة في الاعتقاد بأنها لم تكن سوى نقابة أو نادٍ اجتماعي للبنائين، ويعترف آخرون بأن حرفة البناء لم تكن سوى الجزء المعلن من عقائد وعلوم وطقوس الماسون الذين يخلطون الهندسة بالسحر والسياسة.

وتدّعي بعض المحافل الماسونية الكبرى الجهل بأصل الجمعية، فتجعل من تأسيس المحفل الإنجليزي عام 1717 هو نقطة البداية فقط، حيث يقول عوض الخوري في كتابه “تبديد الظلام” -الذي سيأتي ذكره لاحقا- إنه أرسل إلى كبار المحافل رسائل يسألها عن أصل الماسونية، فجاءه الرد من “الشرق المصري الأعظم” بأنهم لا يعرفون شيئا، في حين رد عليه “الشرق الأعظم في لندن” بقوله: “لا شيء عندنا ثابت عن تاريخ تأسيس الماسونية، فجل ما نعرفه هو أنها وجدت عندنا سنة 1717، ولا نعرف تاريخا ثابتا لتأسيسها”، ولكن لم ترد عليه كبرى المحافل العالمية التي طالبها بالتوضيح قبل أن يؤلف كتابه.

ثانيا، الأصل البابلي: بحسب هذه النظرية، يُعتقد أن الماسونية ظهرت في المرحلة التي بدأ فيها كتمان ما جاء فيها التوراة وإعادة كتابتها بعد ادعاء فقدها لطرح النسخة المحرفة المتداولة اليوم، فبعد غزو الملك البابلي نبوخذ نصر للقدس وسبي اليهود واقتيادهم عبيدا إلى بابل سنة 586 ق.م، حاولت نخبة من الأسباط الإسرائيلية الاثني عشر (سلالات أبناء النبي يعقوب) إعادة تشكيل الدين نفسه بتحريفه وبث نقيضه لتضليل البشرية، وذلك بوضع خطة محكمة لمحاربة الوحي وكل الأنبياء الذين سيعيدون إحياءه، واستفادوا في ذلك من تجارب الجمعيات السرية السابقة، فشكلوا جمعيتهم اليهودية السرية الخالصة التي كانت نواة الماسونية الحديثة، وقد حافظت على معظم طقوسها وأسرارها وأهدافها الجوهرية، وعلى رأسها إعادة اليهود إلى القدس وبناء هيكل سليمان.

ثالثا، القوة الخفية: لم نجد هذه الرواية لأصل الماسونية سوى لدى الكاتب اللبناني الراحل عوض الخوري، ففي كتاب “تبديد الظلام أو أصل الماسونية” الذي نشره عام 1926، يصف الخوري نفسه بأنه كاتم أسرار رئيس البرازيل برودنت دي مورايس، وهو ما يقابل اليوم مصطلح أمين السر أو السكرتير، ويقول إن الرئيس البرازيلي دبّر عام 1897 لقاءً يجمع بين الكاتب وتاجر مجوهرات روسي الأصل ويعمل في البرازيل اسمه لوران جورج صموئيل، حيث قدّم لوران للرئيس وثيقة باللغة الفرنسية مترجمة عن مخطوط قديم باللغة العبرية، مطالبا الرئيس بنشرها في أصقاع الأرض ليكتشف الناس حقيقة وأصل الماسونية، فطلب الرئيس من سكرتيره الخوري أن يترجمها إلى العربية لتُنشر أيضا في العالم الإسلامي عن طريق الدولة العثمانية التي كانت مؤسساتها تعاني آنذاك من التغلغل الماسوني، حيث كان الخوري قد هاجر سابقا من لبنان إلى البرازيل ولديه علاقات بالكثير من العرب والمسلمين في أقطار الدولة العثمانية.

يقول الخوري إنه ترجم الوثيقة إلى العربية تحت إشراف لوران الذي لم يسمح بخروجها من بيته، إلا أنه لم ينشر النسخة العربية عندئذ لسبب لم يذكره، ثم ضاعت منه الترجمة بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى كما يقول، فاسترجع نسخة ثانية من الترجمة كان قد تركها مع لوران، ونشرها أخيرا عام 1926.

وبحسب الكتاب، فإن لوران هو آخر أحفاد اليهود التسعة الذين أسسوا الماسونية في القرن الميلادي الأول، ويقول إن جده صموئيل أخبر ابنه جورج (والد لوران) بأن والد صموئيل الذي يدعى جوناس كان يهوديا واعتنق المسيحية بعد تعلقه بفتاة بروتستانتية تدعى جانيت، وعندما علمت زوجته المسيحية بالمؤامرة التي يتوارها أحفاد المؤسسين التسعة شجعته على نشر الوثيقة.

وتقول جانيت إن العالم كان قد هلك على يد امرأة (حواء حسب الرواية التوراتية) لكن الله يحب أن يكون خلاص العالم على يد امرأة أيضا، وتقصد بذلك نفسها بحرصها على نشر الكتاب وفضح الماسونية اليهودية. ويقول المترجم إنه بالرغم من كونها بروتستانتية، فلم تكن معادية للكاثوليكية والإسلام اللذين تناصبهما الماسونية العداء.

وعندئذ عهِد جوناس وجانيت لابنهما صموئيل -الذي نشأ نصرانيا- بنشر الكتاب، لكن صموئيل نقل المهمة إلى ابنه جورج بعد أن شعر بقرب موته بسبب المرض، ومات صموئيل بعد كشفه عن السر والوصية بأيام قليلة عام 1883. ثم بدأ جورج بترجمة المخطوط العبري إلى الفرنسية، ولم يستطع إكمال المشروع بالترجمة إلى الإنجليزية حيث مات بدوره بعد موت والده بسنة وهو في سن الرابعة والأربعين، إلا أنه كان قد استبق موته بثلاثة أشهر وأوصى ابنه لوران بمتابعة المشروع وترجمة المخطوط إلى الإنجليزية ثم نشر النسختين الفرنسية والإنجليزية حول العالم، وهو ما فعله حسب قوله.

وبحسب الوثيقة، فإن نشأة الماسونية تعود إلى عام 43 للميلاد، أي بعد السبي البابلي بمئات السنين، حيث يقول إن ملك فلسطين الروماني هيرودس أغريباس -وهو ابن هيرودس الأكبر الذي حاول قتل المسيح طفلا- شكّل مع ثمانية رجال يهود جمعية سرية اسمها “القوة الخفية”، وعلى رأسهم حيرام أبيود الذي اقترح الخطة على الملك. وكان هدفهم الوحيد هو القضاء على دعوة المسيح عيسى عليه السلام التي كانت قد أخذت بالانتشار بالرغم من صلبه كما يزعمون، وقد ظلت الجمعية تتوارث سرها الخطير وتمارس التآمر حتى قرر قادتها في منتصف القرن الثامن عشر إعادة تشكيلها وفق طقوس وهيكلية جديدة، وبعد منازعات وصراعات فيما بين القادة أنفسهم تم الاتفاق على تسميتها بالماسونية “فرماسون” أي البناء الحر، وتأسيس هيلكها الأول تحت مسمى محفل إنجلترا الأعظم عام 1717.

ويتضمن الكتاب حوارات مطولة لما جرى بين حيرام أبيود وهيرودس أغريباس منذ بدء التخطيط لتشكيل الجمعية، حيث يتم الاتفاق منذ البداية على أن يظل أمرها سرا لا يعرفه اليهود ولا أحد آخر سوى التسعة المؤسسين، كما لا يُكشف السر إلا للورثة ولمن يترقى في درجات الجمعية إلى أعلى المراتب، ولم يكن يسمح لأعضاء الجمعية بالبوح بسر انتمائهم لها أو وجودها حتى لعائلاتهم، وفي حال الشك بأن أحدا باح بشيء من الأسرار سرعان ما يحكم ثلاثة قضاة من الجمعية بقتله، وينفذون الحكم دون منحه فرصة الدفاع عن نفسه، ومع ذلك فقد قرر جوناس أن يكشف هذا السر بعد نحو سبعة عشر قرنا كما يقول.

ويقول عوض الخوري إن هدف الرئيس البرازيلي من نشر الكتاب هو خدمة الدين المسيحي، ويضيف أن الرئيس قال له أيضا إنه يسعى من نشره بالنسخة العربية في تركيا (العثمانية) لخدمة “الدين المحمدي”، على اعتبار أن اليهودية عدو مشترك لهما.

وبما أن هذه الرواية لا تملك أي شاهد آخر سوى شخص اسمه لوران، فلا يمكن التحقق من صحتها حتى لو بدت منطقية، مع أن لدينا شكوكا عديدة، فكيف تجرأ لوران على تحدي هذه الجمعية ونشر سرها الذي ظل خفيا مدة طويلة بالرغم من خطورتها، حيث لا يبدو في التفاصيل التي ذكرها الخوري أن هناك أي خطر أو تهديد فضلا عن اتخاذ إجراءات للحذر، كما يبدو أن الرواية تجعل من الكاثوليكية العدو الأساسي لليهود بل سببا لنشأة الماسونية كلها، ومع أننا نقر بهذا العداء إلا أنه في رأينا لا يقدم تفسيرا شاملا ووافيا.

ونحن نرجح أن التأسيس كان أثناء السبي البابلي، ولا نستبعد أن تكون جمعية القوة الخفية قد وجدت فعلا عام 43م، إلا أنها قد لا تكون هي الأصل.

مانلي هول

تاريخ الماسونية
تعرضنا في مقال الجمعيات السرية إلى توارث تلك الجمعيات علوم السحر والقبالاه على مر القرون منذ ما قبل التاريخ، ويقر كبار المؤرخين الماسون بالإرث الذي ورثوه عن تلك الجمعيات، ويعتبرون أنها كانت بمثابة الجامعات التي تحتفظ بأهم أسرار الوجود من الاندثار والتحريف.

يقول الماسوني الكندي الذي بلغ الدرجة الثالثة والثلاثين مانلي بي هول إن “العديد من المفكرين الكبار في العصور القديمة كانوا منتسبين إلى الجمعيات والأخويات السرية التي تمارس طقوسا غريبة وغامضة، وكان البعض منها قاسيا جدا”، ويعتبر أن العبادات الوثنية الباطنية لكل من إيزيس وسبازيوس وسيبيل وباخوس وإلوسيس من أهم الأمثلة على الإرث العقائدي الذي ورثته الماسونية.

يرى هول أن معظم الجمعيات السرية في العالم القديم كانت فلسفية ودينية، ثم بدأت في العصور الوسطى بالاهتمام بالسياسة، وأن هذا الاهتمام ظل قائما حسب قوله في الجمعيات السرية الحديثة في الغرب، فجميع المؤلفين الماسون ينفون عن أسلافهم القدماء أي طموح سياسي فضلا عن التآمر، لكن بعضهم -مثل هول- يقر بالدور السياسي للماسونية حديثا فيما يصر آخرون على النفي.

ويبدو أن هناك فترة انقطاع بين الجمعيات السرية الناشطة تحت غطاء الوثنيات القديمة وبين ظهور فرسان الهيكل في القرون الوسطى إبان الحروب الصليبية، وقد أشرنا في مقال “فرسان الهيكل” إلى أنهم كانوا الجمعية الأم للماسونية في أوربا، وهو ما يؤكده الكثير من الماسون حاليا مثل الباحثَين كرستوفر نايت وروبرت لوماس في كتابهما الشهير “مفتاح حيرام”.

ويبدو أن تاريخ أسلاف فرسان الهيكل والماسون في فترة الانقطاع تلك مازال غير موثق من قبل المؤرخين الماسون، وهي الفترة التي شهدت صعود الإسلام وتوسع دولته على حساب أقوى الإمبراطوريات في العالم، حيث لم يشهد التاريخ انتشارا لأي دين سابق أو لاحق بمثل تلك السرعة والاندفاع.

وإذا كانت الماسونية هي وليدة فكرة واحدة تتنوع أشكالها ومسمياتها عبر التاريخ منذ وضعها على يد محرفي التوراة وواضعي أسس القبالاه الشيطانية، فلا نستبعد أن تنسب إليها المؤامرات اليهودية والحركات الباطنية التي ولدت داخل جسد الدولة الإسلامية، بدءا من محاولات قتل يهود المدينة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة، ببناء مسجد الضرار وتسميم الطعام، ومرورا بالفتن التي اشتعلت بين كبار الصحابة في عصر الخلافة الراشدة، وعلى رأسها محاولات اليهودي عبد الله بن سبأ وجماعته في تحريف الإسلام وبث بذور الباطنية فيه، [انظر مقال الإسماعيلية]، ووصولا إلى الفتن الكبرى التي قادتها حركة الحشاشين وتأسيس دولة باطنية كبرى كادت أن تقضي على الدولة العباسية، وهي دولة العبيديين الفاطميين.

فيثاغورس

ويبدو أن الجمعيات السرية المشكلة على طريقة فيثاغورس وتعاليمه كانت قد وجدت لها قبل ذلك موطئ قدم في قلب الدولة العباسية، حيث ينقل محمد الزعبي (الذي انشق عن الماسونية) نصا عن برهان الدين البقاعي يقول فيه إن قوما برئاسة شخص قرطبي يدعى محمد بن مسرة كانوا يلتقون بمكان يدعونه نادي فيثاغور، ويعلق الزعبي بقوله إنه كان يسمع داخل المحافل كلمة فيثاغور دون أن يدرك معناها حتى اطلع على هذا النص [الماسونية في العراء، ص 303].

كما يقول الزعبي إن نوادي الجمعيات السرية العباسية كانت تقوم بطقوس التكريس المعروفة اليوم مع بعض التعديلات، حيث يبدأ التكريس بقراءة آيات من القرآن الكريم للتضليل، ثم تتابع الطقوس الشيطانية مع تهديد المنتسب الجديد بالقتل إن كشف أسرار الجماعة [الماسونية في العراء، ص 336]، ولعل كتابَي ألف ليلة وليلة ورسائل إخوان الصفا -اللذين لا يُعرف مؤلفوهما يقينا- هما من أوضح الأمثلة الباقية إلى اليوم على نشاط الجمعيات السرية وتغلغلها في الجسد الإسلامي آنذاك.

ويعتقد البعض أن أسلاف الماسون كانوا حاضرين داخل الدولة الإسلامية على شكل جمعيات حرفية للبناء، وهو اعتقاد يدعمه اعتراف الماسون بنسبة جمعيات البنّائين عبر التاريخ لجمعيتهم، حيث يقال إن المهندسين الماسون كانوا يستوطنون القسطنطينية تحت حماية البيزنطيين، وعندما أراد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بناء المساجد الضخمة في دمشق والقدس والمدينة المنورة استدعى هؤلاء البنائين الكبار لتشييد تلك المباني العملاقة مقابل مكافآت مجزية، ثم تغلغل البناؤون في المنطقة أكثر على يد العباسيين عندما عهد إليهم أبو جعفر المنصور مهمة تشييد عاصمته بغداد، فأرسل إلى عماله في الكوفة وواسط والبصرة يطلب منهم إمداه بالبنائين والمهندسين، ومع أن ابن الأثير الذي يذكر هذه الرواية في كتابه “الكامل في التاريخ” لا يوثق سوى اسمي الحجاج بن أرطاة وأبي حنيفة لتخطيط بغداد وإنشائها، لكن المؤرخين الماسون مثل جرجي زيدان يؤكدون أن الماسون كانوا حاضرين آنذاك، لا سيما وأن ابن الأثير يقول “ومن عادة البنائين إذا اتفقوا على بناء بلدة أو سور أو معبد يجعلون منازلهم من الخشب بجوار البناء، يقيمون فيه للطعام والرقاد والاجتماعات السرية ومحاسبة العمال، وكانوا لا يسمحون لأحد أن يدخل عليهم أو يطلع على أعمالهم، وذلك حتى يتم البناء فينصرفون بعد أن ينال كل منهم حقوقه، ويضيف أن رسولا من ملك الروم جاء بغداد وطاف فيها مع ربيع، فقال له ربيع كيف رأيتها؟ فقال رأيت بناءً حسناً إلا أني رأيت أعداءك معك وهم السوقة، فأخرجهم ربيع خشية أن يكون فيهم جواسيس، ويقول أيضا “كان الأستاذ من البنائين يعمل يومه بقيراط فضة والروزكاري بحبتين”.

واستنتج البعض من كلام ابن الأثير أن طبيعة عمل البنائين السرية وعدم السماح للغرباء بالانضمام إليهم ترجح أنهم كانوا بالفعل أتباع جمعية سرية تحتفظ بأسرار بناء الهياكل والصروح الضخمة، كما يقول زيدان إن استخدام ابن الأثير لفظ “أستاذ” يذكرنا بلقب الأستاذية لدى الماسون، وإن لفظ الروزكاري ربما كان معربا لكلمة “روزيكروشن” أي الصليب الوردي [جمعية سرية سنأتي على ذكرها لاحقا]، مع أن ابن الأثير تتوفي عام 1233 أي قبل مولد مؤسسها المفترض كريستيان روسنكروز. لكن باحثين آخرين يقولون إن روزكار كلمة فارسية تعني الدنيا أو الزمان، ما يعني أن الروزكاري قد يكون هو الشخص العامي في مقابل الأستاذ.

وبالعودة إلى مقال “فرسان الهيكل“، فقد ذكرنا جانبا من تاريخ سلالات بني إسرائيل التي يعتقد أنها هاجرت إلى أوروبا واحتفظت بما تراه أنه حق تاريخي لها في “الملك الإلهي”، على اعتبار أن الإله وعدها بالسيادة على العالم، فدبرت تلك العائلات مخططا طويل الأمد للتغلغل في العائلات الحاكمة وصولا إلى نجاحها في السيطرة على معظم أوربا الغربية مع مطلع القرن العاشر الميلادي، وهو ما يؤكده كتاب “المُلك الإلهي” للمؤلفين الثلاثة غراهام سيمانز وتيم والاس ميرفي وماريلين هوبكنز. وقد ربطنا في المقال المذكور بين هذا التغلغل الخفي وبين إطلاق شرارة الحروب الصليبية عن طريق السيطرة على الفاتيكان، للوصول إلى القدس تحت غطاء الكاثوليكية، ثم تأسيس جماعة فرسان الهيكل لتحقيق أهداف النخبة الإسرائيلية المتحدرة من سبط يهوذا.

ألبرت بايك

ويقول الأستاذ الأعظم للماسونية في القرن التاسع عشر الجنرال الأمريكي ألبرت بايك في كتابه “الأخلاق والعقيدة” Morals & Dogma إن هدف فرسان الهيكل الظاهر كان حماية الحجاج الكاثوليك إبان الحروب الصليبية، لكن هدفهم الحقيقي الذي انخرطوا من أجله في الحروب هو العمل على إعادة بناء هيكل سليمان باسم الكاثوليكية، ليحكم بنو إسرائيل من خلاله كل الشعوب، ومن ثم كانوا يسعون لاحقا إلى إزالة الكاثوليكية وتأسيس عالم جديد له ديانة جديدة تستمد عقائدها من “التقاليد المسيحية الأولى والنقية” التي يمثلها يوحنا المعمدان (النبي يحيى عليه السلام) [818 -Morals and Dogma, 817].

ومن المتداول بين الباحثين أن الحركات الغنوصية تعتبر القديس يوحنا المعمدان (النبي يحيى عليه السلام) أبًا روحيًا لها، حيث يُقدم في صورة أسطورية تجعله من أساتذة أسرار القبّالاه.

ويقول بايك إنه حين كان دي مولاي -أحد مؤسسي فرسان الهيكل- ينتظر حكم الإعدام في السجن عام 1310م؛ أمر بتكوين أربعة محافل مركزية في نابولي وإدنبره وستوكهولم وباريس، ثم انشطرت المنظمة إلى عشرات الجمعيات السرية والمنظمات الخفية وجماعات السحر والشعوذة، وتحولت مقاطعة لانجدوك جنوب فرنسا -وهي معقل فرسان الهيكل- إلى مأوى للملحدين والمهرطقين والقبّاليين والوثنيين، مضيفا أن الماسونية الاسكتلندية هي الوريث الأقدم لفرسان الهيكل والامتداد الشرعي لها [Morals and Dogma, 821].

وهذا يعني أن فرسان الهيكل -وجماعة فرسان مالطة أيضا- كانت هي حلقة الوصل بين النشأة الأولى للمخطط الإسرائيلي الذي نشأ على الأرجح إبان السبي البابلي، وبين الجمعيات السرية التي تشكلت في القرون الوسطى قبل ظهور الماسونية رسميا في القرن الثامن عشر.

ومن أهم تلك الجمعيات جمعية الصليب الوردي “روزيكروشن” التي تأسست في ألمانيا عندما نُشر بيانان حول أفكارها عامي 1614 و1615، ونُسب تأسيسها إلى شخص قد يكون خياليا ويدعى كريستيان روسنكروز، حيث يقال إنه قام برحلة قبل نحو 130 عاما إلى العالم الإسلامي، من المغرب وشمال أفريقيا مرورا بتركيا العثمانية إلى بلاد فارس، لتلقي العلوم الباطنية والهرمسية وأسرار القبالاه والسحر، ويقر معظم المؤرخين بأن هذه الجمعية احتفظت بأسرار الجمعيات السرية حتى انتقلت إلى الماسونية.

نشأة الجمعية
يقول جرجي زيدان إن “البنائين الأحرار” تابعوا انتشارهم في أوربا تحت رعاية الملوك، إلى أن اجتمعوا في مؤتمر بمدينة يورك الإنجليزية سنة 926 برعاية الملك إدوين الذي انتُخب أستاذا أعظم، وتم إقرار لوائح لتنظيم عملهم لتكون أول دستور ناظم لهم، وأصبحت يورك عاصمة البنائين.

ويتابع زيدان ربط تطور أخويات البنائين بتطور البناء طوال القرون الوسطى، وصولا إلى مرحلة “الماسونية الرمزية” التي انتقلت من صناعة البناء إلى “الفضيلة والعلم” –حسب قوله- مع الحفاظ على أدوات البناء وقوانينه كرموز لمعان تتعلق بالعمران البشري وليس المادي، وذلك مع إعلان لائحة قوانين لندن سنة 1717، وفي 24 يونيو من السنة نفسها –وهو عيد القديس يوحنا المعمدان (النبي يحيى)- اجتمع الماسون وانتخبوا أنطوني ساير أستاذًا أعظم لهم، وبدأت بذلك الماسونية الرمزية بطقوسها ورموزها ودرجاتها التي لم تعد مقتصرة على البنائين، لكن المؤرخين من خارج الماسونية يؤكدون أن اختيار هذا التاريخ كان للتغطية على أهداف الجمعية المعادية للأديان، فاليهود أصلا يعادون النبي يحيى، وأسلافهم سعوا في قتله على يد الملك هيرودس.

قاعة المحفل الإنجليزي الأعظم

ويرى الكثيرون أن التأسيس العلني للمحفل الماسوني الأول في لندن عام 1717 كان مجرد إشهار للخلايا الماسونية النائمة، حيث طُلب آنذاك من كل المحافل الصغيرة إحضار ما لديها من وثائق لتكون في يد المحفل الرئيس، وبعد ثمان سنوات أعلن الإيرلنديون بدورهم تأسيس المحفل الكبير في دبلن، ثم أعلن الاسكتلنديون عن محفلهم عام 1773، وفي الوقت نفسه خرجت مئات المحافل الفرنسية عن صمتها وانتشرت في المجتمع كالنار في الهشيم.

في عام 1723 كتب جيمس أندرسون أول دستور للماسونية، وعندما أصبح بنيامين فرانكلين (أحد مؤسسي الولايات المتحدة) أستاذا أعظم للماسونية في بنسلفانيا عام 1734 أعاد طباعته مضيفا إليه طقوسا جديدة ومرتبة ثالثة تدعى الخبير بعد مرتبتي المبتدئ وأهل الصنعة، وجاء الدستور في 40 صفحة تتضمن تاريخ الماسونية، وفي أواخر القرن التاسع عشر أعاد الجنرال الأمريكي والأستاذ الأعظم للطقس الاسكتلندي ألبرت بايك كتابة الكثير من الطقوس الماسونية المعتمدة حتى اليوم.

جورج واشنطن يضع “حجر أساس واشنطن” في احتفال ماسوني رسمي كأول حجر في مبنى الكونغرس، حيث تأسست العاصمة الأمريكية على الأسس الماسونية منذ نشأة الدولة

الانضمام للجمعية
تذكر المراجع الماسونية أنه يمكن لأي شخص الانضمام إلى المحافل وفق ثلاثة شروط، وهي أن يبلغ من العمر 21 عام على الأقل، وأن يكون مؤمنا بوجود إله دون اكتراث للعبادة التي يختارها، وأن يتحلى بأخلاق عالية.

وتنصح بعض المواقع الماسونية من يريد الانضمام بأن يبحث عن علامة “2B1Ask1” -وهي تعني إذا أردت أن تكون أحدهم فاسأل أحدهم- حيث يُطبع هذا الشعار على بعض القمصان والقبعات ويرتديها الماسون في تجمعات عامة لجذب الأعضاء الجدد ممن قرأوا عن معنى الشعار ويبحثون عنه فعليا.

وتقول تلك المواقع إنه إذا لم يحصل الباحث على هذا الشعار فليحاول الاتصال بأقرب محفل ماسوني إلى البلد الذي يقيم فيه ويسأله عن كيفية التقدم للعضوية. ومن المعروف أن معظم الدول الغربية ودولا أخرى في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تحتضن محافل رسمية معلنة ويمكن العثور على عناوينها عبر الإنترنت بسهولة.

على سبيل المثال، الرابط التالي ينقلك إلى صفحة على موقع “معهد ماساشوستس للتكنولوجيا”، الذي يعد أهم جامعة في العالم للتقنية، وهي تشرح كيفية الانضمام للماسونية، مع إبرازها على أنها جمعية أخوية للأشخاص الطيبين فقط! http://web.mit.edu/dryfoo/Masonry/how-to.html

تضيف المواقع الماسونية أن المحفل سيستقبل طلب الانضمام ويجري المقابلة مع المتقدم، ثم سيتحرى الماسون عن حياته وسلوكه، ليتحققوا من أخلاقه الحسنة، وفي حال الموافقة يدفع المتقدم رسوما بسيطة ويتم التكريس والبدء بالارتقاء في درجات الماسونية.

في المقابل، هناك مراجع تقول إنه من المستحيل الانضمام للماسونية عبر التقدم بطلب الانضمام، فالمحافل هي التي تبادر بمراسلة من يتم ترشيحهم من قبل بعض الأعضاء لتدعوهم للانضمام وإغرائهم بأن يكونوا من نخبة المجتمع.

ويبدو أن لكل محفل سياسته، فبعض المحافل لا تقبل الطلبات وتهملها والبعض الآخر يدرسها بعناية ويقبل بعض المتقدمين، كما أن بعض المنظمات الأخرى المنضوية تحت لواء الماسونية -والتي سيرد ذكرها لاحقا- تأخذ شكل النوادي الاجتماعية النخبوية وليس الجمعيات السرية، وهي بالفعل لا تقبل طلبات الانضمام بل تراسل من تراهم من نخبة المجتمع ولديهم القابلية لخدمة أهدافها، ولكل من هذه النوادي شريحة ما تسعى لاستقطابها، مثل نخبة رجال الأعمال والنخبة الأكاديمية ونجوم الفن والرياضة، وما شابه ذلك.

وحسب شهادة أحد الأصدقاء العرب، وهو من نخبة المجتمع سياسيا واجتماعيا، فقد تلقى بالفعل رسالة دعوة من المحفل العربي الوحيد في المنطقة والموجود في لبنان، دون أن يبادر بنفسه بالاتصال بأي عضو ماسوني.

أما طقوس الانضمام والتكريس فقد ذُكرت في مراجع عديدة، ونسبها المؤلفون لأعضاء منشقين عن الماسونية ممن تحدثوا عما جربوه بأنفسهم. وأهم ما فيها أن الطقوس مليئة بالرموز التي تحمل معاني محتملة, بحيث لا يفهم العضو الجديد من ظاهرها سوى أنه مقبل على الانضمام لأخوية عالمية يحرص أعضاؤها على حماية بعضهم وحفظ أسرارهم الخيّرة وتكريس أنفسهم لصالح المعرفة والعلم وخدمة المجتمع، ثم يأتي التهديد بالقتل في حالة الانشقاق أو كشف الأسرار، وهو ما يُبرر بأنه مجرد حرص على المواثيق والعهود المقطوعة فيما بينهم وليس تهديدا على شاكلة ما تفعله العصابات الإجرامية.

ومن أهم المراجع التي وصفت تلك الطقوس كتاب “السر المصون في شيعة الفرمسون” لرجل الدين اليسوعي اللبناني الراحل الأب لويس شيخو.

الجزء الأول من الفيلم الوثائقي “حركة الماسونية” ضمن برنامج “سري للغاية”: في مطلع هذا الفيلم، تم تجسيد طقوس الانضمام بمشهد درامي. علما بأن المراجع الماسونية تنكر هذه الطقوس وتزعم أنها اتهامات باطلة وممنهجة (مؤامرة) ضدها.


الرموز والعقائد
يتضمن شعار الماسونية الأساسي صورة رمزية لمسطرة المعماري (الزاوية) بالتقاطع مع فرجار، وهي في معناها الظاهر من أدوات البناء، لكنها قد ترمز إلى علاقة الخالق بالمخلوق، وهي الرمزية التي يُشار إليها في النجمة السداسية التي اتخذها اليهود شعارا وأسموها نجمة داوود على اعتبار أنها ترمز إلى اتحاد الكهنوت مع رجال الدولة، وذلك من خلال سيطرة سلالة داوود على الحكم باتحادها مع الكهنة من سلالة هارون.

وتمثل الزاوية العنصر الثابت وهي أداة تحديد استقامة وصحة قائمية الحجر، أما الفرجار فيمثل العنصر المتحرك الذي يؤكد على ملكة الفكر وتحكمه بالمادة. وفي الدرجة الأولى توضع الزاوية فوق الفرجار الذي ما زال المريد يتعلم كيفية استعماله لصقل نفسه، وفي الدرجة الثانية يتداخل الاثنان ببعضهما، أما في الدرجة الثالثة فيوضع الفرجار فوق الزاوية.

ويتوسط الشعار حرف G الذي يزعم بعض الماسون أنه الحرف الأول من كلمة “God” أي الإله، كما يزعم البعض الآخر أنها أول حرف من كلمة هندسة Geometry، ولكن يذهب باحثون إلى أنه الحرف الأول من كلمة “Gematria” وهي تعني مجموعة القوانين التي وضعها أحبار اليهود لتفسير التوراة سنة 200 قبل الميلاد، أو ربما تكون دلالة على كلمة غنوصية Gnosticism وهي عقائد باطنية حلولية تداخلت مع أديان كثيرة بما فيها المسيحية واليهودية.

وتُستخدم أدوات البناء الأخرى لمعان رمزية مماثلة، حيث يمسك الأستاذ باليد اليسرى الإزميل الذي يُستخدم لنحت الحجر كرمز لاتخاذ القرار، كما يمسك باليمنى المطرقة كرمز للسلطة وتنفيذ القرار.

العمودان على مئزر ماسوني

أما العمودان اللذان لا يخلو منهما أي محفل فيرمزان إلى عمودين يزعم اليهود أن المهندس حيرام أنشأهما عند بوابة هيكل سليمان، حيث ورد ذكرهما في التوراة المحرفة تحت اسم ياكين (الملك الإسرائيلي الذي أسره نبوخذ نصر وقاده إلى بابل) وبوعز (أحد أجداد داوود)، ويقف مراقبا المحفل أمام كل منهما.

ويستحضر الماسون ذكرى حيرام الذي يقال إنه كان من أهم بنائي الهيكل، ويلقب بابن الأرملة، لذا يسمون أنفسهم بأبناء الأرملة، ويمثلون طقوس قتله على يد ثلاثة من البنائين الذين حاولوا أن ينتزعوا منه “الأسرار المقدسة لمرتبته المهنية الأعلى” فرفض. وتقول التوراة التي بين يدي اليهود اليوم “أرسل الملك سليمان فأخذ حيرام من صور وهو ابن أرملة من سبط نفتالي وأبوه رجل من صور صانع نحاس، وكان ممتلئًا حكمة وفهمًا ومعرفة في عمل كلِّ صنعة من النحاس”، وتدعي الأسطورة أن سليمان نفسه أوحى بفكرة قتله لأن حيرام أحب زوجته بلقيس، فالأساطير اليهودية لم تترك نبيا من أنبياء بني إسرائيل إلا وألصقت به تهمة شنيعة، ومع ذلك فقد أبقت على قداسته.

وبحسب كتاب “تبديد الظلام” الذي يروي قصة جمعية “القوة الخفية”، فإن حيرام الذي يقدسه الماسون ليس سوى شخص اسمه حيرام أبيود، وهو الذي أوحى للملك هيرودس أغريباس بفكرة الجمعية، وقد كان ابن أرملة يهودية فأطلق عليه الملك لقب ابن الأرملة، وصار اللقب شعارا لأعضاء الجمعية، ثم قُتل حيرام أبيود في جنوب لبنان دون أن يُعرف قاتله، فزعم زملاءه من مؤسسي الجمعية الآخرين أن هذا الاسم يعود إلى المهندس الذي صمم الهيكل واحتفظ بأسراره بنائه.

رسم تخيلي لهيكل سليمان (Israel Truths)

ويُعد المحفل Lodge بمثابة المعبد أو مقر الاجتماعات الذي يجتمع فيه الماسون، وهو يرمز لهيكل سليمان الذي يُعد النموذج الأعلى لمباني الماسون، حيث جاء في موسوعة الحركة الماسونية [طبعة فيلادلفيا 1906] أن “كل محفل هو في الحقيقة والواجب رمز للهيكل اليهودي وكل رئيس يعتلي كرسيه يمثل ملكا من ملوك اليهود وفي كل ماسوني تتمثل شخصية العامل اليهودي”. وينعقد الاجتماع في المحفل بما لا يقل عن سبعة ضباط يتولون مهام إدارة الاجتماع، وهم يرتدون مآزر وقفازات وقلادات خاصة بحسب درجاتهم.

ويسمى المحفل الرئيسي بالشرق الأعظم، وهناك عدة شروق عظمى حول العالم، فالمحافل كلها تجعل صدارتها في اتجاه المشرق، لأنهم يتجهون في طقوسهم باتجاه مشرق الشمس كما هو حال العبادات الشيطانية.

ويصرح الماسون في بياناتهم وخطاباتهم المعلنة والمتداولة بين الفئات الدنيا بمصطلحات تقديس “المهندس الأعظم للكون” على اعتبار أنه الإله الذي يؤمن به جميع أعضاء المنظمة على اختلاف أديانهم، لكن الباحثين في خفايا الماسونية يؤكدون أن الدرجات العليا لا تؤمن سوى بعقائد القبالاه، وأن هذا المهندس ليس إلا الشيطان “بافوميت” أو “لوسيفر” (حامل النور) الذي يُرجح المؤرخون أن فرسان الهيكل مارسوا عبادته بانتظام.

وتعد “العين التي ترى كل شيء” All Seeing Eye من أهم رموز الماسونية وأكثرها انتشاراً، ويزعمون أنها ترمز إلى عين المهندس الأعظم أو عين الكون العظيمة، كما يقول بعض مؤلفيهم إنها عين البصيرة، وهي تقابل العين الثالثة (شاكرا) لدى ممارسي رياضات التأمل واستجلاب الطاقة، ورُبطت تشريحيا في مصر واليونان بالغدة الصنوبرية الواقعة في تجويف الدماغ، حيث اعتبرها بعض الفلاسفة نقطة الوصل بين عوالم المعرفة، فالمتأمِّل يعمل على تشغيلها لبلوغ الاستنارة واستقبال المعرفة الكشفية العرفانية (الإلهام) في حين تبقى خاملة لدى عامة الناس، لذا يعمد الهندوس إلى رسم نقطة حمراء في وسط الجبهة لتحريض هذه الغدة على العمل.

أما أكبر قادة الماسونية في القرن التاسع عشر “ألبرت بايك” فيقول في كتابه “الأخلاق والعقيدة” إن العين كانت ترمز في العقائد الوثنية القديمة إلى عبادة الشمس، واعتُبرت في مصر رمزا للخالق أوزوريس [Morals and Dogma, 15].

ويشير المؤلف “رالف إبرسون” في كتابه “النظام العالمي الجديد” إلى أن العين ترمز لتوغل الماسونية في كل فئات المجتمع وقدرتها على مراقبته ومعاقبة من يفشي أسرارها.

ويرى بعض الباحثين في القبالاه والسحر أن هذه العين ليست سوى العين الشمال للشيطان، مشيرين إلى أنه لا يستخدم سوى العين الشمال واليد الشمال، وقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه مسلم أن “الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله”.

شعارات الماسونية كانت معلنة في الثورة الفرنسية

ويمكن القول إن عبادة الشيطان تجسدت في الماضي على هيئة أوثان تخلط بين الشياطين والآلهة، وخصوصا في عبادة “بعل” و”حورس” و”رع” و”أوزوريس”، ولا نستبعد النظريات التي تقول إن هذه العين ليست سوى رمز قديم ومتجدد للأعور الدجال الذي أخبر عنه جميع الأنبياء.

إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أعلنته السلطة الثورية في فرنسا عام 1789 ويظهر في قمته شعار المتنورين الماسون

وفي منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، أدخل الرئيس الأميركي الماسوني فرانكلين روزفلت صورة هرم مصري تعلوه العين على تصميم الدولار. ويمكن للباحث أن يجد هذا الشعار أيضا في وثيقة حقوق الإنسان والمواطن التي أعلنتها الثورة الفرنسية عام 1789، في دلالة واضحة على الخلفية الماسونية للجهات التي أشعلت الثورة وسيطرت على البلاد بعدها.

ينفي الماسون تحالف منظمتهم مع اليهودية والصهيونية، ويزعمون أن كثرة الرموز والمصطلحات اليهودية فيها ليست سوى نتيجة للاقتباس عن “الدين التوحيدي الأول”، وذلك على اعتبار أنهم يؤمنون بالله ويحترمون كل الأديان السماوية، لذا فهم يفسرون تبجيلهم لهيكل سليمان بكونه المعبد الأول للإله الواحد في التاريخ. علما بأن المسلمين يؤمنون بأن الدين التوحيدي هو دين آدم وجميع الأنبياء بعده، وأن موسى عليه السلام لم يكن أول من جاء به.

رسم لطقس عبادة بافوميت (أحد أسماء إبليس) في محفل ماسوني أورده الماسوني الفرنسي ليو تاكسيل في كتاب نشره عام 1884 لفضح طقوسهم

وقد بات التحالف بين الماسونية واليهودية من الحقائق المتواترة التي لا يمكن لتصريحات الماسون ومبرراتهم التشكيك فيها، حيث أثبت ذلك الأستاذ في الفلسفة محمد علي الزعبي الذي انضم إلى محافل الماسونية في بيروت ثم انشق عنها وكشف علاقتها بالمشروع الصهيوني في كتابه “الماسونية في العراء”، وله أيضا كتاب آخر بعنوان “الماسونية منشئة ملك إسرائيل“، كما يقول الأب لويس شيخو في كتابه “السر المصون في شيعة الفرمسون” إنه بات من المقرر الثابت الذي لا يمكن أن ينكره عاقل لكثرة الدلائل على صحته أن العامل في الكبير في إدارة الماسونية وجمع كلمتها هو العنصر اليهودي.

كما وضع الكثير من المؤلفين المسيحيين في الغرب مؤلفات مرجعية تربط العقائد والرموز الماسونية بأصولها اليهودية والوثنية والشيطانية، ونذكر منها على سبيل المثال كتاب “الدستور السحري” Codex Magica للمؤلف الأميركي تيكس مارس Tex W. Marrs.

ينسب إلى ألبرت بايك قوله: “يجب أن نقول للجماهير إننا نؤمن بالله ونعبده ولكن الإله الذي نعبده لا تفصلنا عنه الأوهام والخرافات ونحن الذين وصلنا إلى مراتب الاطلاع العليا يجب أن نحتفظ بنقاء العقيدة الشيطانية”.
كما ينسب إلى الأستاذ الأكبر لمحفل لسينغ القول: “نحن الماسونيون ننتسب إلى أسرة كبير الأبالسة لوسيفر فصليبنا هو المثلث وهيكلنا هو المحفل”.
[المصدر: الماسونية، محمد صفوت السقا أمينى وسعدي أبو حبيب].

يميل كثير من الباحثين بعد تجميع الأدلة ومقارنتها أن الماسونية تعبد إبليس نفسه تحت مسمى “لوسيفر”، وذلك في معرض إيمانها بوجود الله تعالى كإله آخر يحمل الاسم العبري “أدوناي”، وبهذا يصبح العالم مسرحا لصراع بين إلهين.

وتتلخص هذه العقيدة في رسالة تُنسب إلى ألبرت بايك يُقال إنه أرسلها عام 1889 إلى عشرات المحافل العالمية، ونقتبس منها النص الآتي:

“ما يجب أن نقوله للعامة هو: نحن نعبد إلهاً، لكنه ذاك الإله الذي يُعبد دون خرافات. وإليكم أيها المفتشون العموميون (من الدرجة 33) نقول إنكم تستطيعون أن تكرروا لإخواننا في الدرجات 30 و31 و32 أن الديانة الماسونية يجب أن يحافظ عليها من قبلنا نحن الحاصلين على الدرجات العليا في إطار نقاء المذهب اللوسيفري.

لو أن لوسيفر ليس إلها، فهل أدوناي رب المسيحيين كذلك؟ والذي أثبتت أعماله عنفه وخيانته وحقده على البشر، وبربريته وتجاهله للعلم. فهل يفتري أدوناي وكهنته على نفسه؟

نعم إن لوسيفر إله، ومع الأسف فإن أدوناي إله كذلك. فالقانون الأبدي يقول إنه لا يوجد ضوء بدون ظل، ولا جمال بدون قبح، ولا بياض بدون سواد. لأن المطلق لا يمكنه إلا أن يتجسد في ثنائي، ولأن وجود الظلام ضروري ليكمل النور، كما أن القاعدة مهمة للتمثال، والمكبح مهم للقطار.

في الصراعات الكونية يعتمد المرء فقط على الذي سيقاوم، لذا فالكون متوازن بين قوتين تعملان على تحقيق التوازن، هما قوة التجاذب وقوة التنافر. وهما موجودتان في الفيزياء والفلسفة والدين. والحقيقة العلمية للثنائية في ظاهرة القطبية والقانون الكوني للتجاذب والتنافر. لهذا فإن الأتباع الأذكياء لزرادشت ومن جاء بعدهم من الغنوصيين وفرسان الهيكل اعترفوا بمفهوم غيبي عقلاني وحيد وهو نظام المبادئ الإلهية المتصارعة للأبد. ولا يصدق المرء بأن أحدهما أدنى من الآخر.

الأديان الفلسفية النقية والصحيحة تؤمن بلوسيفر، كندّ لأدوناي، لكن لوسيفر هو إله النور والخير، الذي يكافح من أجل الإنسانية ضد أدوناي إله الظلام والشر”.

ويجدر بالذكر أن الماسون ومؤيدوهم ينكرون صحة هذه الرسالة ويتهمون ليو تاكسيل (المذكور سابقا) بتلفيقها. [انظر مادة Luciferianism في موسوعة ويكيبيديا]

الدرجات الرئيسة
يشيع بين الباحثين في الجمعيات السرية أن الماسونية تنقسم من حيث التنظيم إلى ثلاث طبقات كبرى، لكن الماسون لا يعترفون إلا بالدرجات المتضمنة في الطبقة الأولى فقط وينكرون وجود الطبقتين الثانية والثالثة. ونلخص هذه الطبقات فيما يلي:

1- الماسونية الرمزية العامة: هي التي يتدرج فيها الناس من كل الأديان والأعراق، وتتفرع إلى درجات يتفاوت عددها حسب الطقس المُتبع، فهي 33 درجة في الطقس الاسكتلندي (الإيكوسي)، و12 درجة في طقس يورك، و95 في الطقس المصري. وكلما ازداد ترقي العضو ازداد قربه من اكتشاف أسرار الماسونية مع تنامي ثقة القيادة به.

ويُعد الطقس الاسكتلندي هو الأكثر شيوعا، وتشكل الدرجات الثلاث الأُول منها قاعدة الماسونية الرمزية (الزرقاء) وهي درجات المريد والرفيق والأستاذ، ويقول الماسوني الفرنسي جورج مارتان إن العضو يصبح ماسونيا تاما عندما يبلغ الدرجة الثالثة (الأستاذ)، ثم يتدرج في “الاكتمال” عبر الدرجات الثلاثين التالية [المنظمة الماسونية والحق الإنساني، ص 54].

وتسمى الدرجات من 4 إلى 14 بمشاغل الإتقان (الماسونية الخضراء)، ثم تأتي مجالس البطاركة ما بين الدرجتين 15 و18 (الحمراء)، ثم المجامع ما بين الدرجتين 19 و30 السوداء)، ثم أسياد المحاكم من الدرجة 31، والمجامع القيادية من الدرجة 32، وأخيرا المجلس الأعلى من الدرجة 33، وتسمى الدرجات الثلاث الأخيرة بالماسونية البيضاء، وهي تضم الأعضاء الذين بلغوا الدرجات العليا في فهم الطقوس وممارستها فضلا عن الولاء المطلق.

2- الماسونية الملوكية: هي درجة سرية لا يعترف بها الماسون، ولا يحصل عليها سوى اليهود الحائزين على الدرجة الثالثة والثلاثين الرمزية، وممن قدموا للماسونية خدمات جليلة.

3- الماسونية الكونية: لا يعترف بها الماسون أيضا، وهي درجة سرية للغاية يؤكد الماسون المنشقون وجودها ولكن لايعرفون مقرها وأسماء أعضائها، ويُعتقد أنهم نخبة العائلات اليهودية الكبرى ممن يتزعمون المحافل الملوكية، وربما من سلالات “حق الملك الإلهي” المتحدرة من داوود عليه السلام، وهم الذين يرسمون خطط وسياسات المحافل العالمية بما يوافق مصالحهم الساعية في نهاية المطاف إلى بناء هيكل سليمان في أورشليم للسيطرة على العالم منه وفقا للنبوءات التوراتية.

الطقوس الماسونية الرئيسة
بالرغم من وحدة الهدف العام للماسونية فهي لا تختلف عن أي تجمع بشري في النهاية، حيث لا بد للشقاق والاختلاف أن يتسلل إلى صفوفها، لكن هذا الاختلاف قد يصب في النهاية لصالحها، حيث يسمح لها باحتواء أطياف متنوعة من البشر لتوجيههم وتوظيفهم بما يحقق المصلحة العليا لقادتها، كما يُظهرها بمظهر أقل حنكة مما يساعد على نفي الاتهامات الموجهة إليها بصفتها يدا واحدة خفية، في حين يؤكد الباحثون في خفاياها أن الاختلاف لا يتعدى الطقوس والممارسات والرموز، كما هو حال الاختلاف بين المذاهب الفقهية في دين واحد، ولكن تتفق طرق (الطقوس) الماسونية جميعها في القيادات العليا الخارقة للحدود والأعراق.

يقال إن عدد الطقوس بلغ في منتصف القرن التاسع عشر 52 طقساً، لكن هناك طقوساً رئيسة تتبعها معظم المحافل حول العالم، وهي كالآتي:

  • الطقس الأسكتلندي القديم والمقبول (الإيكوسي): هو الأكثر شهرة وانتشارا في العالم، ويتدرج أعضائه في 33 درجة، آخرها درجة المفتش العام الأعظم.
  • الطقس الإنكليزي للماسون القدماء الأحرار والمقبولين: هو قريب من الاسكتلندي، ويعد أكثر ارتباطا بالقديس يوحنا المعمدان.
  • طقس يورك: هو الطقس الرئيسي الموازي للاسكتلندي ويعد الأكثر انتشارا في الولايات المتحدة، وهو يتكون من 12 درجة، ويشترط أن يكون العضو مسيحيا ليُقبل فيه بدءاً من الدرجة الرابعة، أي بعد حصوله على درجة الأستاذ.
  • طقس ممفيس-مصرائيم المتحد: في عام 1783 أقام جوزيف بالزامو نظاما ماسونيا على خليط من معتقدات الفيثاغورثيين والأفلاطونيين الجدد وصابئة حران والإسماعيليين، وجعل لنظامه المسمى “مصرائيم” 90 درجة، ثم أدخل عليه درجات إضافية مقتبسة من فرسان مالطا، وانتشر نظامه هذا في إيطاليا. وفي عام 1815 أسس صامويل هونيس (الذي كان يتردد كثيرا على القاهرة) محفلا في فرنسا باسم “حواريو ممفيس”، مستحضراً أساطير الكاهن المصري هرمس الذي عاش في القرن الميلادي الأول، وانتشرت محافل ممفيس في أوربا والأمريكتين ومصر. ثم اندمج النظامان على يد الجنرال جوزيبي جاريبالدي في إيطاليا عام 1881، وأصبحت له 95 درجة.
  • الطقس الفرنسي: يتضمن بالإضافة للدرجات الثلاث الأولى أربع درجات عليا، هي المختار والإيكوسي وفارس الشرق والصليب الوردي.
  • الطقس السويدي: يتضمن عشر درجات، إضافة لدرجة أخيرة شرفية لا يحملها سوى 60 شخصا من نخبة السويد، وهو يقتصر على المسيحيين فقط، وينتشر في الدول الإسكندنافية، ويعترف بأعضاء المحفل الأعظم المتحد لأنجلترا، ويتزعمه ملك السويد شخصيا.

المتنورون
قبل أن نستعرض المنظمات الفرعية التي تعمل تحت مظلة الماسونية، لا بد من التوقف عند جمعية المتنورين السرية، والتي تعرف باسمها اللاتيني “إلوميناتي” Illuminati، فهي أخطر المنظمات الماسونية وأقدمها وأوسعها انتشارا، حيث نشأت على يد آدم وايسهاوبت Weishaupt الذي كان أكاديميا مسيحيا يسوعيا ثم أصبح من عبدة الشيطان، وأوكلت إليه العائلات اليهودية الممسكة بزمام الماسونية مهمة وضع مخطط شامل للسيطرة على العالم سياسيا واقتصاديا وفكريا عبر هذه المنظمة، وكان ذلك في مطلع شهر مايو من عام 1776 وفي ولاية بافاريا الألمانية.

وايسهاوبت

ليس للمنظمة محافل ظاهرة للعيان، فهي أكثر سرية من الماسونية الأم، وكان تأسيسها قائما منذ البداية على تنفيذ المخطط بالاستفادة من المحافل الماسونية والكفاءات المتوفرة فيها، وليس على إقامة الطقوس والتظاهر بإقامة أعمال خيرية أو إنشاء أخوية عالمية.

لكن المخطط لم يُكتب له البقاء خفيا لمدة طويلة، حيث تقول الرواية الشائعة تاريخيا إن صاعقة ضربت أحد أعضاء الجماعة ويدعى لانز في أحد أيام سنة 1785 أثناء سفره على الخيل من فرانكفورت إلى باريس، فوجدت الشرطة في جيوب الجثة وثائق ما زالت محفوظة في أرشيف مدينة ميونيخ، وفيها معلومات خطيرة عن أنشطة الجماعة ومخططها لإشعال الثورات والحروب وإسقاط الأنظمة، ويقال إن ألمانيا أرسلت هذه المعلومات إلى دول أوروبية عديدة تحذرها من هذا المخطط، إلا أن أحدا لم يستجب، حيث اندلعت الثورة الفرنسية بالفعل عام 1789 كما كان مخططا لها، ثم تساقطت الحكومات الملكية في بقية أوروبا مثل أحجار الدومينو. [Illuminati Hunter, 225].

في رسالة يقال إن البارون أدولف فون كينغ Baron Adolph von Knigge -الرئيس الثاني للمتنورين- إلى صديقه زفاك يقول فيها “إن العقائد اليهودية سر خفي والرعاع لا يصلحون لفهمها، فقد ظلت هذه الأفكار شعلة خامدة لم يحافظ عليها سوى الجمعيات السرية التي ورثتها خلفا عن سلف، وهي الآن في حوزة صفوة الماسونية”.

والشائع اليوم أن هذه المنظمة تهتم باستقطاب الموهوبين الصاعدين حول العالم وإغرائهم بالنجومية والثروة مقابل الولاء لمعبودها “لوسيفر”، وهو الشيطان نفسه. ولا تُلزم المنظمة أعضاءها بالانتساب والتدرج كما هو حال الماسونية التي تتخذ طابعا فلسفيا، فمنظمة المتنورين تهتم أكثر بالمغفلين المهووسين بالأضواء والصعود السريع، الذين يعملون على التطبيع مع رموز الماسون وشعاراته الشيطانية بتضمينها في أعمالهم، ويبثون الفن الهابط والإباحية والشذوذ والتمرد بين المراهقين، وهي الأهداف نفسها التي نصت عليها مخططات المنظمة كما يؤكد الباحث جون كولمان في كتابه “لجنة الثلاثمئة”  The Committee of 300.

المنظمات الماسونية
إلى جانب المحافل الكبرى التي تسمى بالشروق (جمع شرق) وما يتبعها من محافل رسمية، توسعت الماسونية منذ الربع الأخير للقرن التاسع عشر لتصبح مظلة لعشرات المنظمات والنوادي الاجتماعية التي لا تكاد تخلو منها أي مدينة غربية، فضلا عن الانتشار في مدن كثيرة في أفريقيا وشرق آسيا وأمريكا اللاتينية، فمن خلال هذه النوادي والأخويات يتم جمع ملايين أعضاء إضافيين لتحقيق أهداف الماسونية دون انخراط في الطقوس الرمزية.

ومن الملفت أن هناك الكثير من النوادي الاجتماعية في مدن عربية وإسلامية اتخذت من هذا الأسلوب مظلة لاكتساب الشرعية واستمرار النشاط الماسوني، للتحايل على القرارات الرسمية التي اتخذت لإغلاق جميع المحافل الماسونية.

وفيما يلي قائمة بأهم المنظمات التابعة للماسونية، بشكل معلن أو خفي، والتي تنشط بقوة في الدول الغربية والعديد من الدول الأخرى بما فيها العالم الإسلامي:

الرئيس الأمريكي هاري ترومان يستقبل زعماء الشراينرز عام 1948

1- الشراينرز: تأسست المنظمة عام 1872 على يد 13 ماسونياً أثناء اجتماع لهم في نيويورك حيث طُرحت بينهم فكرة تأسيس منظمة ماسونية جديدة تقوم على بث مفاهيم المرح والزمالة بين أعضائها، وبينما كان أحد الأعضاء يتجول في باريس دُعي إلى حفل برعاية دبلوماسي عربي، فأعجبته الأجواء العربية في الملبس والموسيقى والديكور، وقرر أن يجعل هوية المنظمة الجديدة عربية صوفية، فتم تأسيسها تحت اسم “النظام العربي لنبلاء الضريح الصوفي المقدس”، وعُرف أول محافلها باسم معبد مكة المقدس، بالرغم من العداء الوجودي الذي تبطنه الماسونية للإسلام.

وكانت عضوية الشراينرز في الماضي قاصرة على من أتم درجات الطقس الاسكتلندي أو طقس يورك، ثم أصبحت متاحة لمن حصل على درجة الأستاذ الماسوني. ومنذ عام 1920 اتخذت المنظمة من العمل الخيري الطبي واجهة لها لتساعد في معالجة 575 ألف طفل مجانا حتى الآن، حيث تدير المنظمة شبكة من 22 مستشفى متخصصة بطب الأطفال في أمريكا الشمالية.

وبعيدا عن الرموز والعبادات الشيطانية، يُظهر الشراينرز للعالم وجها احتفاليا مبهجا، فيشاركون في الكرنفالات الراقصة وحفلات العشاء ومهرجانات السيرك، ويرتدون ملابس عربية فلكلورية مع طرابيش حمراء، ويتخذون أسماء عربية لمعابدهم مثل الرياض ومكة وابن سعود وابن علي وشوّال. وربما تخفي هذه الرموز والأسماء علاقة ما بالطقوس السحرية التي يمارسها أدعياء الصوفية عند الأضرحة، خصوصا وأن الكثير من محافلهم تُبنى على هيئة الأضرحة وعلى النمط المعماري الأندلسي.

ويتحدث جون روبنسون في كتابه “النشأة الدموية.. الأسرار المفقودة للماسونية” عن قيام مجموعة من قادة المنظمات الماسونية بتكريم الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان عام 1988 في احتفال خاص بمكتبه البيضاوي، وكان منهم ملك الشراينرز الذي منحه عضوية فخرية في المجلس الإمبراطوري للضريح المقدس. وتقول مصادر غير مؤكدة إن المنظمة تخضع للقيادة المباشرة من ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش.

في هذا الفيديو يجري أحد الناشطين المسيحيين حوارا مع عضو في محفل للشراينرز، حيث يتعرف الأخير بتقديسه للشيطان لوسيفر، وفي نفس الوقت يصر على أنه ما زال مسيحيا، ثم يعجز عن تقديم أي مبرر لهذا التناقض.

قاعة الغروتو في نصب جورج واشنطن الماسوني التذكاري (SchuminWeb)

2- الغروتو: على شاكلة الشراينرز، تأسست هذه المنظمة في نيويورك عام 1889 لتتجاوز في جلساتها العلنية الطقوس الرسمية للمحافل التقليدية، حيث تُظهر احتفاءها بالأجواء المرحة والاجتماعية، وتُعلن اهتمامها بعلاج الأطفال المعاقين.

وبما أنها كالشراينرز تحصر عضويتها في الحاصلين على درجة الأستاذ الماسوني فلا شك في أن كل أعضائها يعلمون جيدا كواليس المنظمة وباطنها، فهم يتخذون من مدعي النبوة الذي ظهر أيام العباسيين بخراسان والمعروف باسم المقنع شعارا لهم، ويرتدون طرابيش سوداء، ويطلقون على محافلهم أسماء الكهف أو المسجد، ولا يخفى على أحد ما يخفيه احتفاؤهم بالمتنبي الكذاب من رمزية تعادي الوحي.

3- أشجار أرز لبنان الطويلة: أنشئ أول محافلها في عام 1901، وهي تدعي كسابقتيها توطيد العلاقة بين الأعضاء في جو من المرح وبذل الخير، فتركز أعمالها الخيرية المعلنة على علاج أمراض العضلات والأعصاب، لكنها تحصر عضويتها على الحاصلين على درجة الأستاذ الماسوني.

تعرف محافلها باسم الغابة، وتمنح درجتين لأعضائها هما البلاط الملكي والصيداوي، وربما تخفي وراء اسمها وشعارها احتفاءً بأشجار أرز لبنان التي كان لها دور في بناء هيكل سليمان.

شهادة الانضمام لمنظمة بناي بيرث ويظهر فيها الأثر اليهودي الصهيوني

4- منظمة بناي بيرث: تعد من أضخم المنظمات الماسونية وأكثرها انتشارا في العالم، تأسست في مدينة نيويورك عام 1843 على يد مهاجرين يهود من ألمانيا، وتتخذ من الشمعدان اليهودي شعارا لها. ساهمت في تأسيس مستعمرات يهودية صغيرة بفلسطين في وقت مبكر، وسخّرت جهودها للدفاع عن وجود اليهود بفلسطين ولعولمة خطابهم الصهيوني. وكغيرها من المنظمات الماسونية فإنها تقدم أنشطتها تحت غطاء خيري وثقافي، وتستقبل دوريا كبار الشخصيات لإلقاء كلمات على منابرها، مثل الرئيس الأمريكي دونالد ريغان الذي زار مقرها في واشنطن خلال حملته الانتخابية عام 1980.

5- نوادي الليونز Lions: وتعني الأسود (جمع أسد) وهي تتخذ من من الأسد شعاراً لها، ويُعتقد أن الأسود دلالة على حراس الهيكل، لكن البعض يرى أن الاسم مشتق من الأحرف الأولى للعبارة التالية liberty intelligence our nations safety، وقد تأسست على يد ملفن جونز عام 1915 لتكون بمثابة نوادٍ اجتماعية لنخبة المجتمع، ومن الملفت أنها لا تقبل طلبات الانتساب بل يرسل قادتها عروضهم لمن يرونه مناسبا لأفكارهم وتوجهاتهم كي ينضم إليهم.

6- نوادي الروتاري: تعني هذه الكلمة الدوران، في إشارة إلى تناوب عقد بعض الاجتماعات في بيوت الأعضاء ومكاتبهم. وقد تأسست هذه المنظمة على يد المحامي الأمريكي بول هارس عام 1905 ولها فروع حول العالم، وبما أنها تنفي عن نفسها الانتماء للماسونية فقد تمكنت من اختراق الدول التي تحظر الماسونية كالدول العربية مثل مصر، وهي تستقطب أيضا نخبة المجتمع كالسياسيين والفنانين، وتقدم لهم خدمات ترفيهية وتثقيفية إلى درجة أنها رحبت عدة مرات بتقديم محاضرات دينية لبعض “الدعاة الجدد” في القاهرة.

تأسس نادي روتاري مصر الجديدة عام 1954 ويعد من أقدم النوادي في المنطقة وما زال يضم نخبة المجتمع المصري

7- محفل برنس هال: أسسه الضابط الأميركي من أصل أفريقي برنس هال عام 1775 بانضمامه إلى أحد المحافل العسكرية الإنجليزية، وذلك بسبب رفض الماسون الأميركيين البيض لانضمام السود إليهم. وبعد استقلال الولايات المتحدة توسع هذا المحفل وأصبح منظمة بذاتها تتبعها محافل أخرى للأميركيين الأفارقة.

8- سيوتس: هو ناد ماسوني أنشئ في سان فرانسيسكو عام 1905، وجميع أعضائه حاصلون على درجة الأستاذ الماسوني، وتعرف محافله باسم الهرم، وبالنظر إلى شعاره يمكن اكتشاف صورة رأس بافوميت والشمس بين قرنيه.

النوادي الاجتماعية الفرعية
بالتوازي مع تأسيس المنظمات الماسونية المذكورة أعلاه، والتي تنتشر في شتى أنحاء العالم وتقدم، ولكي تستوعب الماسونية أكبر قدر ممكن من المجتمع في محافلها، انبثقت عنها عشرات الجعيات والنوادي الفرعية التي تحتوي كافة شرائح المجتمع وتقدم أنواعا مختلفة من الخدمات وتلبي معظم الاهتمامات، ونذكر منها على سبيل المثال:

  • الكلية العظمى لطقوس الولايات المتحدة: مخصصة لدراسة الطقوس القديمة للماسونية.
  • حلقة مراسلي التيجان الأربعة: جمعية للدراسات الماسونية مكونة من الأساتذة الماسون ذوي الاهتمامات الفكرية والأدبية.
  • جوقة الشرف: جمعية للمحاربين القدماء من الشراينرز.
  • أندية منتصف الليل: صناديق لرعاية الأسر الماسونية في حالة موت معيلها.
  • نظام ديسومز: جمعية مخصصة للرجال الصم من أقارب الأساتذة الماسون.
  • جمعية محبي الحقيقة: مخصصة لدراسة الفلسفة والتاريخ الماسونيين.
  • النظام الملكي للمهرجين (جيسترز): منظمة يختار أعضاؤها من بين الشراينرز وتتخذ طابعا ترفيهيا.
  • نظام كيتزالكواتال: جمعية خاصة بالشراينرز المهتمين بالأساطير المكسيكية، وتقام بعض طقوسها خلال الحج إلى أهرامات المكسيك.
  • النادي الماسوني العالمي للدراجات النارية: يسعى لاستقطاب الشباب من محبي ركوب الدراجات النارية.
  • نظام النجمة الشرقية: تأسس عام 1850 وهو يضم الرجال والنساء معا، ومع أنه يتخذ من النجمة الخماسية شعارا له (وهي ذات رمزية شيطانية) فإنه يُعلن أن نظامه الأساسي مستمد من الإنجيل، مع أنه يستقبل المؤمنين بأديان أخرى.
  • محفل قوس قزح للفتيات في أوكلاهوما (Sorcha A. Hazelton)

    النظام العالمي لفتيات قوس قزح: جمعية تأسست عام 1922 في أمريكا وتضم في عضويتها الفتيات من عمر 12- 21 سنة فقط، وهي جمعية تحظى برعاية نظام النجمة الشرقية.

  • النظام العالمي لفتيات أيوب: مخصص للبنات من عمر 10- 20 سنة فقط.
  • نظام دي مولاي: جمعية خاصة بالفتيان من عمر 12- 21 سنة، تأسس عام 1919 وهو يحمل اسم آخر أستاذ أعظم لفرسان الهيكل.
  • المحفل المحترم لحقوق الإنسان: تأسس في فرنسا عام 1893 ليكون أول محفل فرنسي مختلط يسمح بعضوية النساء.
  • نظام الناسجات: تأسس في هولندا في الثلاثينيات من القرن العشرين لاحتواء السيدات الماسونيات.
  • النظام المصري القديم لأميرات شارمخو: جمعية تضم السيدات من عائلات الشراينرز.
  • بنات المقنع: أخوية خاصة بقريبات أعضاء الغروتو في أمريكا.
  • بنات النيل: أخوية خاصة بقريبات الشراينرز، ويقع مقرها في سان فرانسيسكو.

جاء في منشور صادر عن مؤتمر الشرق الأعظم الفرنسي عام 1904 “إن آلاف المواطنين يترددون على المحافل للتباحث في شؤون الحياة وللدفاع عن الأفكار التي تبثها المحافل في وسائل الإعلام واللقاءات السياسية، وهكذا يتكون الرأي العام وتوجه الانتخابات، ومن ثَم يصبح البرلمان خاضعا لنا، وهكذا يجب أن تكون الديمقراطية”.

الماسونية في العالم الإسلامي
سنستعرض نماذج لأهم المناطق التي تغلغلت فيها الماسونية في عالمنا الإسلامي، مع التأكيد بأن هناك مناطق أخرى لا يتسع لها المقال.

1- الدولة العثمانية
بدأ التغلغل الماسوني في العالم الإسلامي رسميا مع تأسيس أول محفل ماسوني في الدولة العثمانية سنة 1721، وذلك بمنطقة غالاتا سراي في إسطنبول، ثم توالى تأسيس المحافل واستقطاب النافذين والمفكرين إليها.

في عام 1907 أسس المحامي اليهودي “عمانوئيل قره صو” محفل سالونيك (وهي مدينة تقع في اليونان حاليا) بالتعاون مع الماسونية الإيطالية والشرق الأعظم الفرنسي، ويؤكد كثير من المؤرخين أن هذا المحفل عمل على إزاحة السلطان عبد الحميد الثاني بسبب رفضه هجرة اليهود إلى فلسطين. حيث أقنع “قره صو” رجال اتحاد تركيا الفتاةبالانتماء إلى الماسونية لحمايتهم من جواسيس السلطان، وقد أسسوا بالفعل جمعية الاتحاد والترقي التي أجبرت عبد الحميد على إعادة العمل بدستور سنة 1876، ثم خلعته عام 1909 لتعين محمد رشاد مكانه.

عمانوئيل قره صو يبلغ السلطان عبد الحميد الثاني بقرار خلعه عام 1909

في السنة نفسها أنشئ 12 محفلا جديدا يقودها يهود الدونمة الذي يظهرون الإسلام، وأسس الأمير عزيز حسن “محفل الشرق الأعظم العثماني” مع وصول عدد المحافل إلى 65، وأصبح وزير الداخلية طلعت بك الرئيس الأعظم لهذا المحفل، وأصبح من الشائع بين موظفي الحكومة وضباط الجيش أن الترقي والنفوذ بات مرتبطا بالانتساب للمحافل، كما كان للنواب في مجلس المبعوثان محفل خاص اسمه “محفل الدستور” وكان من أعضائه وزير المالية اليهودي جاويد بك.

نفى كثير من الغربيين علاقة الماسون بالمؤامرات ضد عبد الحميد وإسقاط الخلافة، لكن الدكتور إيلي خضوري عثر في سنة 1974 على إحدى وثائق الخارجية البريطانية التي أرسلها السفير البريطاني في إسطنبول جيرارد لوثر عام 1910 إلى وزير خارجيته يشرح فيها دور اليهود والماسون في المؤامرة.

وبعد إسقاط الخلافة تماماً واعتلاء مصطفى كمال أتاتورك -الذي كان عضوا في محفل فيدانا ويُعتقد أنه من يهود الدونمة- سدة الحكم في تركيا عام 1923، بدأت عملية انتزاع الهوية الإسلامية من البلاد بإغلاق الزوايا الصوفية والكثير من المساجد ومنع الأذان بالعربية واعتماد الحروف اللاتينية للغة التركية وحظر الحجاب في أماكن كثيرة.

وفي عام 1936 أغلقت المحافل أبوابها وسلّمت ممتلكاتها إلى “بيوت الشعب” التي أنشأها حزب الشعب الجمهوري الحاكم “بهدف إنهاض الروح العلمانية في تركيا”، على اعتبار أن مهمتها اكتملت بإسقاط الخلافة ولم يعد لها أي طموح سياسي، ولكن يقول البعض إن أتاتورك هو الذي أغلقها خشية تدخل الغرب في حكومته من خلالها. وعلى أي حال فقد كان عدد من كبار وزرائه من الماسون، ولايزال أتاتورك حتى اليوم هذا يحظى بتمجيد الماسون، ففي العاشر من نوفمبر 1993 قام الماسون بزيارة جماعية لضريحه وكتب أحد أساتذتهم ويدعى “أونده أقطامش” في دفتر التشريفات ما يلي: “سوف لن ننتهك علمنا وكتابنا والمبادئ التي نعتبرها مقدسة، والعملية التي بدأت بهاتاي سنواصلها دون أن ننسى الموصل وكركوك والجزر الاثني عشرة. إننا حاضرون للتضحية بأرواحنا. ارقد هنيئاً”. علما بأن هاتاي هي منطقة لواء الإسكندرون السوري الذي اغتصبه الكماليون من سوريا، أما الجزر فتقع في بحر إيجة وتتبع لليونان، في حين يسعى الانفصاليون الأكراد بدعم من الغرب وإسرائيل لفصل الموصل وكركوك عن العراق.

أعضاء المحفل التركي الأكبر يحتفلون بمرور 90 عاما على تأسيس المحفل بزيارة ضريح أتاتورك (mason.org.tr)

وبعد 13 سنة من التوقف الظاهري عادت الماسونية التركية للنشاط سنة 1948 بالتزامن مع إعلان دولة إسرائيل على أرض فلسطين، ورصد باحثون أسماء أكثر من 1900 ماسوني ضمن الشخصيات البارزة في تلك الفترة وعلى رأسهم سليمان ديميريل الذي عمل رئيسا للوزراء سبع مرات قبل أن ينتخب رئيسًا للجمهورية، ولعبت الماسونية دورا واضحا في تعزيز علاقة تركيا مع إسرائيل، إلى أن تمكن حزب العدالة والتنمية من تقليص هذا الدور تدريجيا منذ وصوله للحكم عام 2002.

2- مصر
من جهة أخرى، يرجح مؤرخون أن أول ظهور للماسونية في البلاد العربية تجسد في محفل إيزيس بالقاهرة الذي أنشئ عام 1798 إبان حملة نابليون على مصر، ثم تبعه تأسيس محفل ممفيس عام1838 ، وكانت المحافل المصرية تتنوع في تبعيتها للمحافل والشروق الإنجليزية والفرنسية والإيطالية ويتحدثأعضاؤها بلغات أجنبية، وفي عام 1868 تقرر إنشاء محفل نور مصر ليكون محفلا وطنيا، كما تأسس المجلس العالي ليكون بمثابة الشرق الأعظم الوطني على طريقة ممفيس.

بعد ذلك بثلاث سنوات أسس تسعة من كبار الماسون مجلس أعلى على الطريقة الاسكتلندية، ثم تم توحيد المحافل والمجالس جميعا تحت مظلة الشرق الأعظم الوطني المصري سنة 1876 مع أن رئيسه كان إيطاليًا واسمه “سوليتوري زولا”. ثم انتخب الخديوي توفيق باشا رئيساً للمحفل بعد 11 سنة، وتصاعد دور المحافل في السياسة والفكر حتى انضمت لها نخبة الحركات الإصلاحية بما فيها الإسلاميون، وعلى رأسهم جمال الدين الأفغاني الذي مازالت رسالة انضمامه للمحفل محفوظة في إيران، حيث أسس بنفسه لاحقا محفلا تابعاً للشرق الأعظم الفرنسي، ويؤكد مؤرخون أن هدفه من ذلك كان مناهضة الاحتلال الإنجليزي، وأنه انسحب من الماسونية كلها فيما بعد برسالة ينتقد فيها انتهازية أعضائها وقبل أن يكتشف صلاتها باليهود.

يقول المؤرخ العراقي علي الوردي إن الماسونية في مصر تختلف من حيث مكانتها الاجتماعية عنها في البلاد العربية الأخرى، فكانت تحظى بالاحترام الشعبي لانتماء الكثير من الأمراء والباشوات ورجال الدين إليها، أما في الشام والعراق فكانت بمثابة تهمة وشتيمة، مما دفع جرجي زيدان لتأليف كتابه “تاريخ الماسونية العام” للدفاع عنها.

3- الشام
وفي بلاد الشام، ظهر أول محفل ماسوني في بيروت سنة 1862 تحت رعاية الشرق الأعظم الاسكتلندي وعُرف باسم شرق فلسطين، وبعد ست سنوات تأسس “شرق لبنان” برعاية الشرق الأعظم الفرنسي، ثم أقيمت محافل عديدة في دمشق وحمص وحلب وعينتاب والإسكندرونة وأنطاكية، وكان معظمها تابعا للشرق الأعظم الإيطالي. ويقول جرجي زيدان إن الأمير عبد القادر الجزائري هو أول من أدخل الماسونية إلى دمشق بتأسيس محفل سورية.

المحفل الماسوني بدمشق أثناء الاحتلال الفرنسي في منتصف الثلاثينيات يضم كبار رجال الدولة وعلى رأسهم رئيسا الحكومة جميل مردم بك وعطا الأيوبي والمدعي العام حنا مالك

ولم يأت عام 1923 إلا وقد بلغ عدد المحافل في سورية ولبنان وفلسطين 30 محفلاً تضم نحو خمسة عشر ألف ماسوني، وتنتمي إلى خمسة شروق دولية، وبعد الاستقلال أصبح بعضها يتبع محافل أميركية. وكان من أبرز أعضاء تلك المحافل بدر الدين الشلاح وفارس الخوري وأديب الشيشكلي وفوزي سلو، وقد طالب القطب الأعظم محمد سعيد (حفيد عبد القادر الجزائري) بأن يستقل المحفل الأكبر السوري العربي عن التبعية للخارج عام 1951، ومن الملفت أن بعض تلك المحافل كان يتخذ أسماء إسلامية مثل أويس القرني وخالد بن الوليد، لكن هذا كله لم يكن كافيا لإقناع الناس ببراءة الماسونية، إلى أن اتُخذ قرار حل كل المحافل في سورية في عصر الحكم البعثي عام 1965.

كانت المحافل تؤيد سلطات الاحتلال أينما وجدت، فمع دخول الفرنسيين إلى الجزائر دعا الماسون فيها سنة 1834 إلى نشر الأفكار الفرنسية والعمل على “بعث نوع من الوحدة العائلية لتكوين شعب فرنسي جديد”. وكذلك الحال في لبنان حيث قرر المؤتمر العام للمحافل الماسونية المنعقد في بعلبك سنة  1924 “التعاون مع سلطات الانتداب”.

في عام 1964 أغلقت الحكومة المصرية جميع المحافل الماسونية في مصر، ويقول المؤرخ أحمد فؤاد عباس إن التحقيقات كشفت أن النادي الماسوني الإنجليزي سبق أن هرّب إلى لندن جميع سجلاته من عام 1952، لكن هذا لم يمنع التوثق من ارتباط النادي بإسرائيل حيث كانت جميع مقتنياته تتسم بالطابع البريطاني-الإسرائيلي. وفي السنة نفسها كشفت مجلة “آخر ساعة” القاهرية أن حكومة الجمهورية العربية المتحدة سبق لها أن طلبت من الجمعيات الماسونية التسجيل لدى وزارة الشئون الاجتماعية والالتزام بالقانون فرفضت، وأن العراق أقدمت إثر ذلك على إلغاء هذه الجمعيات وتجريم أعضائها عام 1958، ولكن تأخر التنفيذ في مصر بضع سنين، ثم لحقت بهما معظم الدول العربية والإسلامية باستثناء لبنان.

الماسونية والأديان
في خطابها المُعلن للناس، تتبنى الماسونية موقفا ليبراليا يساوي بين كل الأديان، ففي كتابه العقيدة والأخلاق يقول قطب الماسونية ألبرت بايك “إن المسامحة تعني أن لكل إنسان الحق عينه في التعبير عن رأيه وإيمانه؛ وإن الليبرالية تعني أنه طالما لا يمكن لأي إنسان أن يدعي امتلاك الحقيقة (…) فينبغي أن يشعر بأن الآخرين يمتلكونها أيضا ولو كان لهم رأي مضاد”. وقد مرّ معنا أن كبار مؤسسي الليبرالية كانوا أعضاء في المحافل الماسونية.

وتحظر الماسونية في دساتيرها مناقشة السياسة والدين في المحافل، وتشترط على الأعضاء أن يكونوا مؤمنين بدين ما –باستثناء المحافل الفرنسية التي ترحب بالملحدين- وهي تعتمد كتابه المقدس الخاص به عندما يُطلب منه القسَم. لكن جميع المؤلفين الذين كتبوا عن الماسونية بعد انشقاقهم عنها أكدوا أن العضو يكتشف بعد ترقيه أن الدين الوحيد المُعتمد هو الثيوصوفية اليهودية (القبالاه)، فما إن يصل إلى الدرجة الثامنة عشرة في الطقس الاسكتلندي أو الدرجة الرابعة في طقس يورك حتى يصبح القسم على التوراة وحدها. وإذا نجح في الارتقاء إلى أعلى الدرجات فسينتهي الأمر بالماسوني إلى عبادة الشيطان.

لذا تصدّى المسلمون والكاثوليك للماسونية بشدة، في حين نجد تقاطعا في المصالح بين الماسون وأديان أخرى كالبوذية والهندوسية والبروتستنتية، مع أن هذا التوافق لا يظهر لدى جميع رجال الدين، وفيما يلي ملخص لأهم المواقف الدينية من الماسونية:

1- موقف الإسلام:
قام المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بدراسة هذه المنظمة وأصدر في عام 1978 بيانا مطولا جاء فيه أن أعضاء الماسونية المغفلين يُتركون أحراراً في ممارسة عباداتهم الدينية للاستفادة من توجيههم بما يحقق مصالح المنظمة، في حين يرتقي الملحدون في درجاتها العليا، وأنها ذات أهداف سياسية ولها في معظم الانقلابات أصابع ظاهرة أو خفية، كما أنها يهودية في جذورها وإدارتها، وتسعى لهدم الأديان جميعاً ولا سيما الإسلام.

وعليه فقد أفتى المجمع بأن “من ينتسب إليها على علم بحقيقتها وأهدافها فهو كافر بالإسلام مجانب لأهله”.

وفي عام 1979 أصدرت جامعة الدول العربية قرارا ينص على اعتبار الماسونية حركة صهيونية، وأنها تساعد على تدفق الأموال على إسرائيل من أعضائها مما يدعم اقتصادها ومجهودها الحربي ضد الدول العربية.

وفي عام 1984 أصدر الأزهر فتوى جاء فيها أن المسلم لا يمكن أن يكون ماسونياً لأن ارتباطه بالماسونية انسلاخ تدريجي عن شعائر دينه ينتهي بصاحبه إلى الارتداد التام عن دين الله.

2- موقف الكاثوليكية:
من المعروف تاريخيا أن فرسان الهيكل اصطدموا مع الفاتيكان مما أدى إلى تفريق جماعتهم وإعدام قادتهم في عام 1310م على يد البابا كليمنت الخامس، إلا أننا نقلنا في مقال “فرسان الهيكل” عن كتاب “المُلك الإلهي” أن الأسرة الميروفنجية -المنحدرة من نسل داوود- تغلغلت إلى داخل الفاتيكان قبل ذلك ونجحت في تعيين ستة بابوات من أصول ميروفنجية، كان أولهم البابا سلفستر الثاني سنة 999م، وآخرهم هو أوربان الثاني الذي أعلن بدء الحروب الصليبية عام 1096 باسم الكاثوليكية، ولا ندري إن كان قرار كليمنت الخامس بالقضاء على فرسان الهيكل قد جاء بعد تخليص الكنيسة من التغلغل اليهودي فيها أم أنه كان إجراء ظاهريا بضغط من الملك الفرنسي فيليب الرابع.

على أي حال، اصطدمت الفاتيكان أيضا بالماسونية (وريثة فرسان الهيكل) بعد فترة قصيرة من تأسيسها، حيث أصدر البابا كليمنت الثاني عشر عام 1738 مرسوما جاء فيه: “أفادتنا الأنباء عن تأليف جمعيات سرية تحت اسم فرماسون وأسماء أخرى شبيهة بهذا الاسم. ومن خواصها أنها تضم إليها رجالاً من كل الأديان والشيع، يرتبطون فيما بينهم بروابط سرية غامضة، وحسبنا شاهداً على أن اجتماعاتها الخفية هي للشر لا للخير، وأنها تبغض النور، وإذا كان فكرنا في الأضرار الجسيمة التي تنجم عن هذه الجمعيات السرية رأينا منها ما يوجب القلق، سواء كان لسلامة الممالك أم لخلاص النفوس، ومن بعد أخذ رأي إخوتنا الكرادلة، ولعلمنا التام، وقوة سلطتنا وحكمنا بأن هذه المنظمات، والجماعات المعروفة باسم الفرماسون يجب رذلها ونفيها. وبناءً عليه نرذلها ونشجبها بقوة هذا المنشور الذي يريد أن يكون مفعوله مخلداً”.

في عام 1917 أصدر الفاتيكان قرارا آخر بالحرمان الكنسي لمن ينضم إلى الماسونية، وفي عام 1966 حاول البابا بولس السادس استمالة الماسون عبر وعدهم برفع الحرمان عنهم في حال الانشقاق عنها “مهما كان حجم الفضائح والضرر الذي تسببوا به”، تقرر السماح للأساقفة برفع الحرمان عمن يرونه مناسباً من الماسون ضمن شروط وحالات محددة.

في عام 1974 حاول الماسون بشدة إقناع الفاتيكان بتغيير موقفها، وبعد ست سنوات من الاجتماعات والمفاوضات أصدرت الفاتيكان تقريرا يؤكد استحالة التقاء الطرفين على عقيدة واحدة، وجاء في التقرير أن الماسونية مذهب “ربوبي” ينكر إمكانية وجود الوحي الإلهي. وفي عام 1981 أعاد مجمع العقيدة والإيمان في الفاتيكان التأكيد على عدم إلغاء الحرمان الكنسي للماسون.

الفاتيكان

ما زال الموقف الرسمي المعلن للفاتيكان يصر على عدم التلاقي مع الماسونية، لكن هذا لم يمنع بعض الكرادلة من الانضمام سرا أو علنا للمنظمة وسط ترحيب الماسون. ومع ذلك يعتقد بعض المؤرخين والباحثين أن هذا الموقف المعلن لا يعني بالضرورة عدم وجود علاقة سرية بين الفاتيكان والجمعيات السرية، فمن المعروف أن خزائن الفاتيكان تُعد من أكثر الأماكن سرية في العالم، لاحتفاظها بوثائق لا يعلم مضمونها إلا النخبة هناك، وهذا وحده يكفي لإقناع الكثيرين بأن الفاتيكان لا تختلف في آلية عملها كثيرا عن الجمعيات السرية، فكما أن الماسونية لا تُطلع معظم أعضائها ممن لم يرتقوا إلى أعلى الدرجات على أسرار عقائدها، فربما يجهل معظم أتباع الفاتيكان الذين يتجاوز عددهم 1.13 مليار شخص حول العالم أن النخبة في الفاتيكان تخفي عنهم شيئا ما.

ويستشهد المشككون بالتقارب الذي حدث بين الفاتيكان والصهيونية، لا سيما بعد إعلان البابا بولس السادس عام 1965 براءة اليهود من دم المسيح، ولقائه مجموعة من أعضاء نادي “الروتاري”، وهو أمر تكرر أيضا مع البابا الحالي فرانسيس، مع أن قرارا كاثوليكيا سابقا كان ينص على أن “المسيحي الذي ينضم لنادي الروتاري يتعرض إيمانه للشبهة”.

وثيقة انضمام رئيس الوزراء الإيطالي السابق برلسكوني للمحفل P2

ومن أهم المواقف التي قد تدل على وجود علاقة سرية بين الطرفين، ما ذكرته صحف وكتب وأفلام وثائقية كثيرة عن فضيحة تورط الماسونية مع المافيا وأخطبوط الفساد الإيطالي في مقتل مدير بنك أمبروزيانو الإيطالي روبرتو كالفي عام 1982، الذي وُجد مشنوقا ومتدليا من جسر في لندن بطريقة تحمل رموز الماسونية، ولكن الملف أقفل قضائيا على أنه انتحار، حيث يقول المشككون إن أصل الجريمة يعود إلى محاولة البابا يوحنا بولس الأول فتح تحقيق في قضايا فساد ببنك الفاتيكان منذ بداية توليه المنصب عام 1978، وتقديمه قائمة بأسماء أكثر من مئة عضو في كنيسته للاشتباه بعضويتهم في محفل “بروباغاندا-2” P2 الماسوني الإيطالي، وهو الأمر الذي تسبب كما يبدو بالعثور على البابا نفسه ميتا (وبالأحرى مقتولا) في فراشه بعد 33 يوما من تنصيبه فقط، حيث تم تحنيطه فورا دون إجراء فحص طبي، ليتولى بعده يوحنا بولس الثاني كرسي البابوية، ويتم إغلاق ملف التحقيقات بشأن تغلغل الماسون في الكنيسة، وتبدأ سلسلة اغتيالات واعتقالات بشأن كل من كان يحاول ملاحقة الفضيحة من القضاة والمسؤولين والصحفيين والمصرفيين، ووصولا إلى مقتل كالفي نفسه وتعليقه أمام كل سكان لندن، دون أن يتمكن البابا -وربما دون أن يحاول- تخليص كنيسته وطائفته كلها من الفساد الذي قيل إن له علاقة بتجارة أسلحة وتمويل حروب. [المزيد من التفاصيل في كتاب: النشأة الدموية].

3- موقف البروتستنتية:
سبق أن أوضحنا في بحث المسيحية المتصهينة العلاقة الوطيدة بين اليهودية وبين البروتستانتية المتمردة على الكاثوليكية، لكن بعض المؤرخين (كما نجد في كتاب الماسونية للسقا أمينى وأبو حبيب) أكدوا أن مارتن لوثر -أحد مؤسسي البروتستنتية- كان ماسونيا، وأنه كان على علاقة وثيقة باليهود.

لكن البروتستنتية تظل مع ذلك كنيسة مسيحية تؤمن بالثالوث وترفض العقائد الوثنية التي يخفيها الماسون وتنتهي بهم إلى عبادة الشيطان، ففي اجتماع سنوي للمجمع المعمداني الجنوبي عام 1993 تم بحث موقف الكنيسة من الماسونية، ومع أنه اعترف بقيمة أعمالها الخيرية فقد أكد وجود 8 اختلافات جوهرية بين الماسونية والمسيحية، وأهمها استخدام الماسونية مصطلحات مسيئة تجاه الله، واستخدامها للأيمان الدموية التي يحظرها الكتاب المقدس، واعتقادها بأن الخلاص يتحقق عبر الأعمال الصالحة فقط وليس بالإيمان بالمسيح.

ويجدر بالذكر أن جانيت زوجة جوناس التي ورد ذكرها في هذا المقال عند استعراضنا لكتاب “تبديد الظلام” كانت سيدة بروتستنتية متدينة، وهذا لم يمنعها من إقناع زوجها المتحدر من سلالات مؤسسي الماسونية -وفق ادعاء المؤلف- بترك الدين اليهودي وفضح المؤامرة.

المؤامرة.. نظرية أم حقيقة؟
اعتمدت الماسونية طوال قرون على السرية وملاحقة كل من يكشف أسرارها، فهناك روايات عدة عن حالات اغتيال لمؤلفين وصحفيين حاولوا تسريب وكشف مؤامراتها مثل الروسي شيريب سبيريدوفيتش صاحب كتاب “حكومة العالم الخفية”.

ومع ذلك، بدأت الماسونية في القرن العشرين بانتهاج سياسة الانفتاح التدريجي، ولا سيما في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات التي أتاحت للجميع البحث والنشر بأقل قدر من القيود التي عرفها الإنسان في تاريخه، فباتت أسرار الماسونية وتاريخها الغامض مادة مثيرة لفضول الباحثين، ما دفع بأقطاب الماسونية -كما يبدو- إلى اعتماد سياسة الضخ المضلل لكمية هائلة من المعلومات التي يختلط فيها الحق بالباطل، حتى يصعب على الباحث تجريد الحقيقة وتوثيقها.

في الوقت نفسه، تسمح بعض المحافل للصحفيين بحضور بعض اجتماعاتها وإجراء مقابلات مع أعضائها لإظهار “الوجه الخيري” للمنظمة، كما افتتحت بعض المحافل متاحف ماسونية لاستقبال الزوار وتنظيم جولات سياحية فيها، في حين أطلقت هوليود وكبرى وسائل الإعلام المرئية والمطبوعة عددا هائلا من الأفلام السينمائية والوثائقية والكتب والمجلات التي تُظهر الماسونية في صورة جمعية ثقافية وإنسانية لعبت دورا في حفظ أسرار البناء وحماية كنوز الحضارات القديمة فضلا عن تأسيس الولايات المتحدة على أسس إنسانية عظيمة.

ولا تتعرض هذه الأعمال للمؤامرات التي يوثقها الباحثون في خفايا الماسونية، وفي حال تم طرح شيء منها من قبل الصحفيين في إحدى اللقاءات فسرعان ما يتم نفيها بشيء من السخرية مع وصم من يؤمن بها بالخضوع لعقدة “نظرية المؤامرة”.

ويجدر بالذكر أن الكثير من المواقع والكتب والأفلام التي تفضح مخططات الماسونية و”المتنورين” لا تخلو من المبالغة التي قد تصل حد السخف، وهذا ما يسلط الضوء عليه منكرو المؤامرة، في حين تدور معظم الأبحاث والروايات التي تنفي المؤامرة حول الدوافع النفسية لدى من يؤمنون بوجودها، فالاتهامات تبدأ بالحديث عن شعور بالنقص يدفع البعض للبحث عن جهات كبرى تنشغل بالتآمر ضده أو ضد مجتمعه، وتصل إلى الحديث عن الإصابة بمرض البارانويا “جنون الارتياب” الذي يدفع المصاب للإحساس الدائم بالتعرض للملاحقة والاضطهاد. ومع أن هذه الاتهامات صحيحة في كثير من الحالات، إلا أن نفي المؤامرة يتطلب تحقيقا علميا في صحة وقوع التآمر بالفعل من حيث كونه حدثا تاريخيا ودون هدر الوقت والجهد في البحث عن الدوافع الأيديولوجية لمثبتي المؤامرة وصحتهم النفسية، فمن السهل بالمقابل اتهام منكري المؤامرة باتهامات مماثلة مع عكس الاتجاه.

أمبرتو إيكو

تعد روايات المفكر الإيطالي أمبرتو إيكو نموذجا “راقيا” للأعمال التي نجحت في تسخيف الاعتقاد بوجود المؤامرة، فهو يستند فيها إلى خلفيته الموسوعية لتاريخ الأديان والصراعات السياسية في أوروبا، ثم يذهب بالقارئ إلى إنكار المؤامرة واعتبارها مجرد هوس.

علما بأن إيكو أقر بأنه اختار الإلحاد بعد إنهاء دراسته للدكتوراه وهو ما زال في العشرينات من عمره، وذلك في مقابلة لصالح مجلة تايم بتاريخ 5 يونيو 2005.

وهناك نمط آخر من المؤلفين والناشطين يحاول إقناع الناس بسخافة فكرة وجود مؤامرة عبر السخرية اللاذعة، فنجد مثل هذا الخطاب كثيرا على ألسنة مشاهير كوميديا الإلقاء Stand-up Comedy في أميركا، كما نجده في أعمال الكاتب الأمريكي روبرت أنطون ويلسون الذي أنجز عددا كبيرا من الكتب والمحاضرات والمقابلات الصحفية لتقديم فكرة المؤامرة (التي ينكرها) في إطار ساخر.

وعندما سأله المذيع ريتشارد ميتزجر عن رأيه في حقيقة “المتنورين”، قال ويلسون بأسلوبه الساخر إنه بعد دراسته لهذه الجماعة طوال ثلاثين سنة فإنه يرى أنهم مجموعة صغيرة من المفكرين الأحرار والمصلحين الديمقراطيين تشكلت داخل الماسونية، ثم استخدمت الماسونية غطاءً للانقلاب على ملوك أوروبا والبابا، ويضيف أنه سعيد جدا بنجاحهم في ذلك، وأنه يتمنى أنهم كانوا قد أكملوا المهمة وتخلصوا من البابا نهائيا. [كتاب Disinformation للمؤلف Richard Metzger، 2011].

إذن فهو لا ينكر المؤامرة فعلا، بالرغم من دأبه على تسخيف المؤمنين بها، ويتمنى مع ذلك أن تحقق كل أهدافها بالقضاء على الأديان.

وبما أن الكثير من المتعلقة بأنشطة الجمعيات السرية هي أصلا طي الكتمان، فمن الصعب إثبات نسبة الكثير من الأحداث التاريخية لها، كما يصعب أيضا إثبات نسبة كثير من الوثائق المسربة لتلك الجمعيات أو لأعضائها طالما كانوا ينكرونها. ومع ذلك فإن جهود بعض المحققين لم تذهب سدى في إقناع قرائهم بصحة الربط بين الأحداث والوثائق والتصريحات وتلك الجمعيات السرية، لكن الجزم يتطلب في رأينا ما هو أكثر يقينا وشمولا من التعلق بالجزئيات، وهذا شأن الوحي المنزل من السماء.

كتاب “الدستور السحري” Codex Magica للمؤلف الأميركي تيكس مارس، هو من المراجع المهمة لأسرار الماسونية وطقوسها ورموزها، إلا أن المؤلف يندفع فيما يبدو كثيرا أثناء رصده لمظاهر انتشار تلك الرموز في المجتمع، ويمكن للقارئ أن يلاحظ المبالغة في عشرات الصور التي ضمّنها في كتابه.
للاطلاع على نسخة إلكترونية اضغط هنا.

لذا فإن من يصل إلى يقين عقلي ووجداني بصحة نسبة القرآن الكريم إلى الله تعالى، سيجد في ثنايا الوحي دلائل كثيرة على صحة نسبة التآمر إلى بني إسرائيل وسعيهم للإفساد في الأرض، بعد إخفائهم للوحي التوراتي وكتمان ما فيه من الهدى عن البشر، بل بث نقيضه لتضليلهم.

ونظرا لضيق المساحة واضطرارنا للإيجاز، فإنا ننصح من أراد التوثق أن يعود إلى كتابَي الباحث المعاصر بهاء الأمير: كتاب “الوحي ونقيضه” الذي يثبت من القرآن الكريم حقيقة وجود المخطط الإسرائيلي، وكتاب “شفرة سورة الإسراء” الذي يستنبط من سورة الإسراء -أو سورة بني إسرائيل- الدليل على أن بني إسرائيل أفسدوا في الأرض مرتين، وأن الثانية منهما هي التي نعيشها اليوم بعلوّهم في الأرض كلها “علوا كبيرا”.

بعد سقوط مخططات “المتنورين” في يد السلطات البافارية، نُشرت عدة كتب مهمة لشرح تفاصيل المؤامرة العالمية، ومنها كتاب اليسوعي الفرنسي أوغستين بيرويل “مذكرات في تنوير تاريخ اليعقوبيون” (1797م)، وكتاب أستاذ الفلسفة في جامعة إدنبره والعالم الرياضي والفيزيائي الاسكتلندي جون روبيسون “الأدلة على وجود المؤامرة” (1798م).
ومن الملفت أن روبيسون كان من الماسون الناشطين، حيث زار العديد من المحافل الماسونية في أنحاء أوروبا وفوجئ بوجود مخطط خفي للانقلاب على الحكومات وتدمير الأديان وإشغال الشعوب بحروب طاحنة، ثم تأكدت المؤامرة لديه بظهور وثائق المتنورين على يد حكومة بافاريا، فنشر ما لديه من مشاهدات وأدلة في كتابه، غير آبه بالتهديد والوعيد.

ينشر المجلس الأعلى الماسوني في واشنطن مجلة ماسونية تحت اسم “الطقس الاسكتلندي”، وهي متاحة على الإنترنت مجانا، وسيجد المتصفح فيها صورة مشرقة للماسونية بصفتها جمعية خيرية تقدم نشاطات اجتماعية وإنسانية، مع إرث تاريخي مفعم بالرموز المشوقة لكبار المفكرين والساسة، وطبعا دون أي بعد شيطاني.
للاطلاع اضغط هنا.


أهم المراجع
جرجي زيدان، تاريخ الماسونية العام، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2012.

أكرم أنطاكي، دراسة “أبناء الأرملة”، موقع معابر، بدون تاريخ.

جون روبنسون، النشأة الدموية.. الأسرار المفقودة للماسونية، صفحات للدراسات والنشر، 2012.

أندريه برات، المنظمة الماسونية والحق الإنساني، ترجمة جورجيت الحداد، دار الكتاب الجديد، بيروت، 2008.

محمد علي الزعبي، الماسونية في العراء، معتوق إخوان، 1972.

تبديد الظلام أو أصل الماسونية، عوض الخوري، بدون ناشر، 2002.

عبد المجيد همّو، الماسونية والمنظمات السرية: ماذا فعلت ومن خدمت؟، دار صفحات، دمشق، الطبعة الخامسة، 2009.

محمد عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق، مؤسسة مختار للنشر والتوزيع.

إبراهيم خليل العلاف، دراسة “الماسونية في تركيا ودورها في الحياة الاجتماعية والسياسية المعاصرة”، مجلة دراسات اجتماعية، بغداد، العددان 3 و4، 1999- 2000.

بهاء الأمير، الوحي ونقيضه.. بروتوكولات حكماء صهيون في القرآن، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2006.

أحمد فؤاد عباس، الماسونية تحت المجهر، جدة، 1988.

محمد بن ناصر أبو حبيب، أثر القوة الخفية الماسونية على المسلمين، بدون ناشر، 1989.

حسين عمر حمادة، شهادات ماسونية، دار قتيبة، دمشق، 1980.

محمد صفوت السقا أمينى وسعدي أبو حبيب، الماسونية، رابطة العالم الإسلامي، 1982.

Christopher Knight & Robert Lomas, The Hiram Key – Pharaohs, Freemasons And The Discovery Of The Secret Scrolls Of Jesus, Barnes & Noble, 1998.

Cyndi Wallace-Murphy & Tim Wallace-Murphy, Rex Deus: The Families of the Grail, Grave Distractions Publications, 2016.
 Marilyn Hopkins & Graham Simmans & Tim Wallace-Murphy, Rex Deus: the True Mystery of Rennes Le Chateau and the Dynasty of Jesus, HarperCollins Publishers, London, 2000.

Manly P. Hall, The Secret Teachings of All Ages, H. S. Crocker Company Inc., San Francisco, 1928.

Albert Pike, Morals and Dogma of the Ancient and Accepted Scottish Rite of Freemasonry, 1966.

Michael R. Poll, The Freemasons Key – A Study of Masonic Symbolism, Cornerstone Book Publishers, 2008.

Ethan Harrison, Illuminati Hunter: Adam Weishaupt and the Eye of Horus, 2014.

http://www.lakeharrietlodge.org

http://www.overlordsofchaos.com

العلمانية

أحمد الطعان وأحمد دعدوش


تتفاوت آراء المنظّرين بشأن تعريف العلمانية تفاوتا كبيرا، ويرجع ذلك في الغالب لزاوية النظر والمعالجة، وفيما يلي ثلاثة تعريفات للعلمانية في أهم الموسوعات الغربية:

معجم أكسفورد: كلمة secular تعني دنيوي أو مادي، أي ليس دينياً ولا روحياً، مثل التربية اللادينية والفن والتربية الموسيقى اللادينية والسلطة اللادينية، والحكومة المناهضة للكنيسة.

دائرة المعارف الأمريكية: العلمانية نظام أخلاقي مستقل مؤسس على مبادئ من الخلق الطبيعي، مستقل عن المظهر الديني أو الفوق طبيعي.

دائرة معارف الدين والأخلاق: العلمانية توصف بأنها حركة ذات قصد أخلاقي منكر للدين، مع المقدمات السياسية والفلسفية، فهي مؤسسة بقصد إعطاء نظرية معينة للسلوك والحياة، وهي تتبع في ذلك المذهب الوضعي الأخلاقي، منذ أن تكفلت بأن تعمل هذه دون الرجوع إلى الألوهية أو الحياة الآخرة، ولهذا فقد كان مطلبها هو تتميم وظيفة الدين خالية من الاتحاد الديني، ولذلك فإنه يجدر بها أن تكون ديناً إنكارياً سلبياً.

إذن فالعلمانية في المنظور الغربي تعني التحرر من الأديان بحكم التطور عبر “السيرورة” التاريخية، واعتبار الأديان مرحلة بدائية لأنها تشتمل على عناصر “خرافية” كالماورائيات والغيبيات، ولا يتم الخلاص من هذه الأعباء إلا عن طريق تحقيق النضج العقلي الذي تحققه العلمنة عبر آلياتها الثقافية والفكرية والإعلامية.

كثيرا ما يحصل اللبس عند القراء العرب، فيلفظون العلمانية بكسر العين بدلا من فتحها، ويعتقدون أنها مشتقة من العِلم، والصحيح أنها مشتقة من العالَم أي الدنيا في مقابل الغيب وكل ما يتعلق بالملكوت. لذا فالكلمة ليست إلا اشتقاقا خاطئا درج على ألسن العرب وصار مصطلحا لازما، وكان يجب أن يقال بدلا منها العالَمانية أو الدنيوية.

 

تعليقات ابن رشد على كتاب “في الروح” لأرسطو مترجمة للفرنسية

إرهاصات الظهور في أوربا

درج بعض الباحثين على ربط تبلور العلمانية بصفته تيارا فكريا بعصر النهضة الذي يؤرخ لبدايته عادة مع فتح القسطنطينية في عهد السلطان محمد الفاتح سنة 1453م، كما درجوا عادة على القول بأن مساوئ الكنيسة واضطهادها وتاريخها الأسود هي التي أنتجت العلمانية. لكن بدايات الصراع بين الفكر والكنيسة يمكن أن تُعد من آثار ترجمة فلسفة ابن رشد إلى اللغة اللاتينية منذ بدء احتكاك الأوربيين بالمسلمين عقب الحروب الصليبية، كما كان لليهود الذين تغلغلوا في الحركات السرية دور كبير في تأصيل العلمانية.

كان ميشيل سكوت أول من أدخل فكر ابن رشد إلى أوربا في القرن الثالث عشر. ومن المعروف أن ابن رشد تبنى مذهب أرسطو وانبهر به حتى كاد أن يفضّل أرسطو على الأنبياء حين قال “نحمد حمداً لا حد له ذاك الذي اختار هذا الرجل (أرسطو) للكمال فوضعه في أعلى درجات الفضل البشري التي لم يستطع أن يبلغها أي رجل في أي عصر كان”.

تزامن انتقال الفكر الرشدي إلى الغرب مع عاملين: الأول هو الفتح الثقافي الإسلامي والعربي للبلاد الأوروبية، ولم يكن ابن رشد وحده هو الذي يحتل الساحة الثقافية الأوربية بل أعلام كثر. أما الثاني فهو حالة العداء الشديدة التي تزعمتها الكنيسة لكل ما هو عربي وإسلامي إبان الحروب الصليـبية، لذا حاربت الكنيسة الفكر الرشدي وترجمت كتاب “تهافت التهافت” ترجمة محشوة بالتحريف والتناقض والافتراء، ومع أن ابن رشد كان يتبع أرسطو مثل الكنيسة، إلا أن الكنيسة حاربته لكونه مسلما في الأصل.

شعار جامعة بادوفا

وهكذا نشأت حركة تعاطف مع الحضارة الغازية من جانب الراغبين في التحرر من الاحتكار الكنسي للعلم والثقافة، فالكنيسة اضطهدت الفكر الرشدي واعتبرته إلحاديا، بينما رحب المتمردون بهذه الصورة التي رُسمت لابن رشد وفكره واستُخدمت كسلاح مضاد للكنيسة.

احتلت “الرشدية” مقام السيادة في الجامعات الغربية الكبرى مثل جامعة بادوفا في إيطاليا التي أصبحت معقل الرشديين، ثم وجدت لها صدى في الجامعة الباريسية، وصارت الرشدية معياراً  للثقافة والتحضر والرقي.

 

الحقيقة المزدوجة

في أوائل القرن السادس عشر أصبحت الرشدية تسيطر على جميع إيطاليا تقريباً، وأدى ظهور المطبعة في القرن الخامس عشر إلى انتشار الأفكار المناهضة للكنيسة والعقائد الشائعة، كما استطاع الأفراد أن يمتلكوا نسخاً من الكتاب المقدس ويقرؤوه بأنفسهم. وبدأت الكنيسة تفقد سلطانها على العقول والأفكار.

وهنا نشأت الحقيقة المـزدوجة أو الحقيقة ذات الوجهين، وهي تعني أنه يمكن للشيء أن يكون صادقاً فلسفياً وخاطئاً لاهوتياً أو العكس، وبذلك يصبح الفيلسوف حراً في المجاهرة بآرائه ونتائجه في مجال الفلسفة بحجة أنه فيلسوف حتى لو كانت مخالفة للدين.

فرنسيس بيكون

ثم ظهر في بريطانيا فرنسيس بيكون 1561– 1626م كمدافع عن نظرية الحقيقة المزدوجة، وهي تعني عنده أن ما يثبت بالعقل لا علاقة للإيمان به، وبالنتيجة ساد الاعتقاد بأن الكتاب المقدس شيء، وكتاب الطبيعة شيء آخر.

ولم يكن الفلكي الإيطالي غاليليو 1564– 1642م بعيداً عن هذه النظرية، كما استمات الفيلسوف باروخ سبينوزا 1632- 1677م في الدفاع عنها متدثرا بغطاء دينه اليهودي.

وبالرغم من التناقض الظاهر في هذه النظرية، فقد أصبحت وسيلة للتمويه لدى الكثيرين حتى في العصر الحديث، وكان طه حسين من أوائل العرب الذين تبنوها عندما نشر كتابه “في الشعر الجاهلي”، حيث شكك في وجود بعض الأنبياء مع اعترافه في الوقت نفسه بأنه مقر بكل ما جاء في القرآن الكريم.

 

ثورة العقل الأوربي

بدأت ثقة الناس تتزعزع في الكنيسة عندما وجه الفيلسوف الإيطالي مكيافلي 1469– 1527م انتقادات فاضحة إلى رجالها الذين يحيون حياة الرذيلة في حين يدعون الناس إلى الزهد والتقشف، ثم تفاقمت نزعة التمرد على يد فريدريك نيتشه 1844– 1900م الفيلسوف الألماني اليهودي الذي نادى بالقضاء على الملايين من الضعفاء والفقراء لأنه يؤمن بالبطل وبالإنسان الأعلى الذي يجب أن يستعيض بالقوة عن الأخلاق، مستبطنا عقيدة الشعب اليهودي المختار.

مارتن لوثر

تزامنت المبادئ المكيافلية مع ثورة القس مارتن لوثر 1483– 1546م في ألمانيا عام 1518م داخل الكنيسة للإصلاح الديني، فقد جعل لوثر الفرد حراً في قراءة الكتاب المقدس وحراً في تفسيره، وألغى وساطة الكهنـة والأسرار المقدسة التي تحتفظ بها الكنيسة، وجعل الصلة مباشرة بين الله والإنسان الفرد، فتأسس على يديه مذهب البروتستانتية.

ورحبت الطبقة المتوسطة بالبروتستانتية لأنها رأت فيها منفذاً يتيح لها ممارسة الحياة بحرية، وأصبح الكثيرون لا يذكرون الدين إلا يوم الأحد وينهمكون بقية الأسبوع في الحياة الدنيوية.

في هذه المرحلة كان الفلكي كوبرنيكوس 1473– 1543م متردداً في طرح نظريته الجديدة لأنها تهدم نظام الفلك الأرسطي الذي تتبناه الكنيسة، فبدلاً من النظرة التي كانت تعتبر الأرض مهد المسيح وقلب الكون جعلت النظرة الجديدة الشمس مركزاً والأرض مجرد كوكب يدور حولها، فرفض زعيما البروتستانتية مارتن لوثر وكالفن 1509– 1564م هذه النظرية.

جيوردانو برونو

تبنى الإيطالي جيوردانو برونو 1548– 1600م نظرية الفلك الكوبرنيكي ووضع نظريته في “الكون اللامتناهي”، وقال إن الإله هو روح الكون، وإن الإله والطبيعة الجوهرية شيء واحد، وهذه فلسفة قديمة تسمى “وحدة الوجود” تؤمن بأن الإله يتحد مع الكون، فحكمت عليه الكنيسة بالإعدام حرقا، ويعتبره أتباع الجمعيات السرية اليوم (المتنورون أو الإلوميناتي) من رموزهم و”شهدائهم”.

ثم خرج جوليو سيزار فانيني 1585– 1619م بهرطقاته الإلحادية ونفى وجود الإله لكي لا ينسب إليه الشر، فقُبض عليه وأعدم حرقاً في مدينة تولوز بفرنسا. وفي أسكتلندا أنكر جون الأسكتلندي التثليث وألوهية المسيح، وقيل له ذات يوم ألا تذهب إلى الكنيسة؟ فقال ليذهب الإله إلى حبل المشنقة، فذهب هو إلى حبل المشنقة.

وقد قدّر سكرتير التفتيش في إسبانيا لورنتي عدد الضحايا الذين تم إحراقهم بحكم الكنيسة ما بين عامي 1790 و1792م بنحو ثلاثين ألف شخص، مما زاد من كراهية الناس للكنيسة وللأديان جميعا.

 

تمثال كوبرنيكوس

الحتمية الفلكية الميكانيكية

في النصف الثاني من القرن السادس عشر، بدأت نظرة الإنسان الغربي إلى الكون بالتغير مع شيوع نظرية كوبرنيكوس، فاعتنقها كبلر وغاليليو، ثم أيد الأخير الانفصال التام بين العلم والإيمان، وأنجز الإنجليزي إسحاق نيوتن انتصارات علمية كبيرة بتقديم قانون الجاذبية وقوانين الحركة.

وترافقت هذه النظريات مع اكتشافات علمية كبرى، فاكتشف ليفنهوك 1632– 1723م الكائنات العضوية أحادية الخلية والبكتيريا والحيوانات المنوية، واخُترع الميكروسكوب المركب والتلسكوب، كما اخترع غاليليو الترمومتر، وقدّم تلميذه تورشيلي البارومتر، ثم ظهرت مضخة الهواء والقوة المغنطيسية، وأعلن هارفي اكتشاف الدورة الدموية مع أن ابن النفيس كان قد سبقه إليها.

أدى كل ذلك إلى تغير نظرة الإنسان للكون، وسيطرت النظرة الآلية الميكانيكية على العلماء والفلاسفة حتى أصبح الكون يُشبّه بالساعة، وهكذا تحول الإله في نظر الفلاسفة والعلماء إلى ساعاتي رفيع المقام، بل تخيلوه إلها ساكنا غائبا عن العمل، لأن قوانين الطبيعة والكون أصبحت حتمية فلم يعد للإله دور حسب فهمهم، لكنهم أبقوا مع ذلك على دور الإله الخالق في تكوين الكون بالبداية.

وسيطرت هذه النظرة الآلية لمدة قرنين من الزمن على الفكر الأوربي وسميت بمبدأ الحتمية، وظل النزاع بين الحتمية واللاحتمية قائما حتى ظهرت فيزياء الكم ونظرية هايزنبرغ (اللايقين) في القرن العشرين، حيث سقط مبدأ الحتمية واستعاد الإنسان تواضعه، وأعيد الاعتبار للإيمان بالخالق المُسيّر والمدبر للكون [انظر مقال مصادر المعرفة].

 

التدرج نحو الإلحاد

يُعتبر فرنسيس بيكون من أبرز الفلاسفة الذين نادوا باعتماد المنهج التجريبي بدلا من المنهج النظري الفلسفي، علما بأنه أخذ معظم مبادئ المنهج من المسلمين في الأندلس ومن كتابات الحسن بن الهيثم. وكان يرى أن الحركة الطبيعية للذرة هي حقاً أقدم قوة في الوجود، وأنه لا يمكن أن تكون لهذه المادة الأولية وقوتها وفعلها أي علة طبيعية فما من شيء يسبق المادة نفسها وكأنها غير محتاجة للإله.

توماس هوبز

أما توماس هوبز 1588– 1679م فرأى أن جوهر الدين لا يقوم على الحقائق، وإنما على خوف الفرد من القوة المجهولة أو خوفه من الموت.

ثم جاء الإنجليزي جون لوك 1632– 1704م وقال إنه لم تبق حاجة للوحي طالما أن الإله أعطـانا وسائـل حسية أكثر يقينـاً لنتـوصل بهـا إلى المعرفة، أما ديفيد هيوم 1711– 1776م فتبنى نزعة الشك على طريقة بعض قدماء الإغريق، وكاد أن يوقع العقل الأوربي في دوامة رهيبة من الشك في كل شيء.

وإلى جانب التجريبيين كان هناك عدد من الفلاسفة العقلانيين، وعلى رأسهم الفرنسي رينيه ديكارت الذي استخدم الشك ليصل به إلى اليقين، ومع ذلك كان إيمانه قاصرا ويشبه إيمان أتباع النظرة الآلية كما يقول بعض الباحثين.

ثم جاء بعده ليبنتز 1646– 1716م وقال إن الوجود مكون من شيء خيالي اسمه “المونادات” وهي خالدة، ما يعني أن العالـم لانهـائي، لكنه كان يؤمن بوجود الخالق.

وتولد من الصراع بين الفلكيين والتجريبيين والعقلانيين ظهور “الدين الربوبي” أو “الدين الطبيعي”، ويسمى أتباعه بالربوبيين، وهم يؤمنون بالله عز وجل، ويرفضون النبوة والوحي والكنيسة. وازدهرت في القرن الثامن عشر بلندن “جمعية البحث الحر المخلص” التي كان معظم أعضائها من المؤمنين بالدين الطبيعي.

فولتير

وفي فرنسا كان دنيس ديدرو وفولتير وجان جاك روسو من أنصار هذه النزعة، مع إيمانهم بوجود إله. وظهر بعدهم الإنجليزي جون ستيوارت مل 1806– 1873م الذي شكك في وجود الإله، ثم انضم إليه الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس 1842– 1910م الذي اعترف مبدئياً بأن مصدر مذهبه في الألوهية ليس النظام في الكون والاتساق فيه، وإنما إحساس شخصي بالحاجة إلى إله.

وسار بهذه الأفكار فلاسفة آخرون مثل صمويل ألكسندر وماكس شيلر وبرايتمان وتشارلز هاتشورن وهنري برغسون وألفرد نورث هوايتهد، وكانت لدى بعضهم أفكار تنتقص من قدسية الإله.

وفي هذه الأجواء تمكن الألماني نيتشه من إعلان إلحاده والقول بأن الإله قد مات، حيث أراد بذلك إفساح الطريق أمام الإنسان ليصبح إلهاً، ثم لحق به فيورباخ 1804– 1872م، وأصبح الطريق سالكا لليهودي الألماني كارل ماركس 1818– 1883م ليرفض الألوهية من أساسها ولا يعترف إلا بالمادة.

حاول الألماني إمانويل كانط 1724– 1804م أن يتصدى للتيار المادي الإلحادي فواجه صعوبات جمة، إذ كان مذهبه نفسه محملا ببذور الشك واللاأدرية، لكنه قال إن الإيمان بالإله ضروري لأسباب أخلاقية بحتة، مُرجعا الدين إلى العاطفة المجردة.

 

العلمانية السياسية

كنتيجة لشيوع العلمانية (الدنيوية) في الحياة والفكر والعلم، وبدء التحول الاقتصادي نحو الرأسمالية، وتزايد أتباع المذهب البروتستانتي الجديد، أصبح الطريق ممهدا أمام فصل الدين عن السياسة أيضا، وساعد على ذلك تبني بعض الملوك والنبلاء للعقيدة البروتستانتية الجديدة التي سمحت لهم بالتمرد على الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، حيث ظل بابا الفاتيكان لقرون الجهة الوحيدة التي تمنح الشرعية لملوك أوربا.

توقيع معاهدة وستفاليا

استُخدم مصطلح العلمانية “سكيولاريزم” secularism بالإنجليزية لأول مرة سنة 1648م عند توقيع صلح وستفاليا الذي يعد موعد ظهور الدولة القومية الحديثة، وكان معنى المصطلح في البداية محدود الدلالة، مثل الإشارة إلى علمنة ممتلكات الكنيسة بمعنى نقلها إلى سلطة الدولة التي لا تخضع لسلطة الكنيسة.

تضمن صلح وستفاليا معاهدتي سلام لإنهاء حرب الثلاثين عاماً داخل الإمبراطورية الرومانية المقدسة (ألمانيا وجوارها اليوم) وحرب الثمانين عاماً بين إسبانيا ومملكة هولندا. ورفض ممثل البابا أن يوقع على الصلح لكن أوروبا تجاهلت هذا الاحتجاج ونجحت للمرة الأولى في الحد من سلطة الفاتيكان.

تخلت الكنيسة الكاثوليكية بموجب هذا الصلح عن قرار إعادة أملاك الكنيسة، وصار من حق الأمراء تقرير عقيدة رعاياهم، وتم الاعتراف رسمياً بكنيسة الإصلاح أو الكنيسة الكالفنية (بروتستانتية)، وتم الفصل تدريجيا بين الدين والدولة، حيث أصبحت السلطة قائمة على المصالح الدنيوية وليس على الشرعية الممنوحة من رجال الكهنوت، كما أصبحت الشعوب مرتبطة فيما بينها برابط الهوية القومية (العنصرية) وليس على الأخوة بين أتباع الدين الواحد.

تدريجيا أصبحت العلمانية هي المنهج الوحيد المتبع في أنظمة الحكم بالدول الغربية مع اختلافات طفيفة في التطبيق، ثم انتشرت العلمانية في معظم دول العالم، وترتبط العلمانية سياسيا بالديمقراطية من حيث المبدأ، مع أن الكثير من الأنظمة العلمانية تمارس أقصى درجات الاستبداد، وتعتبر الثورة الفرنسية (1789م) نقطة بدء التطبيق العملي للعلمانية السياسية.

أصبحت المقصلة رمزا للثورة الفرنسية لكثرة استخدامها في عمليات الإعدام لكل من كان يُعتبر عدوا للثورة والعلمانية

يعتمد نظام الحكم العلماني على إقصاء الدين عن السلطة، ويقابله النظام الثيوقراطي الذي تتربع على قمته طبقة الكهنوت، ويرى المفكرون الإسلاميون أن الحكم الإسلامي ليس ثيوقراطيا لعدم وجود مؤسسة دينية كهنوتية في الإسلام، فعلماء الشريعة يتلقون العلم ويقدمون اجتهاداتهم دون طبقية، والحاكم المسلم ينفذ قوانين الشريعة ويحمي “بيضة الإسلام” دون امتلاك حق (تفويض) إلهي ولا شرعية مطلقة، بل هو مطالب بالالتزام بالشرع كما يُلزم به بقية الشعب دون امتياز.

وتمثل مرحلة الخلافة الراشدة النموذج التطبيقي لهذه المبادئ، ومع أن المراحل التالية شهدت تراجعا كبيرا في التطبيق، لا سيما مع ظهور طوائف وفرق أخرى مثل الإسماعيلية التي أنشئت على أسسها الدولة الفاطمية وإمارات القرامطة والحشاشين، إلا أن الإسلام ظل عصيا على التحول إلى أيديولوجيا كهنوتية مؤسسية، لأن القرآن ظل محفوظا عن التحريف والتشويه، ولأن سنة النبي وخلفائه في الحكم الراشد لا يمكن طمسها، فكل مخالفة لمبدأ توحيد الله وحده ولتحرير البشر من تقديس الملوك والكهنة هي تجاوزات سياسي سلطوية تتعارض جوهريا مع عقيدة الإسلام وشريعته وليست محسوبة على الإسلام نفسه. [انظر كتاب الإسلام ليس أيديولوجيا، د.هاني نصري، دار الفكر].

أما الحكم الثيوقراطي المسيحي، الذي قامت على أنقاضه العلمانية، فكان يستند إلى فكرة مفادها أن البابا هو الممثل المعصوم للمسيح وأنه مؤيَّد بالروح القدس، لذا فهو يمثل سلطة الإله على الأرض ويحق له وحده منح الشرعية للملوك والأمراء كي يحكموا الشعوب.

إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أعلنته السلطة الثورية في فرنسا عام 1789 ويظهر في قمته شعار المتنورين الماسون

دور الحركات السرية

تميل الرواية السائدة في المراجع التاريخية والدراسات الأكاديمية إلى أن الفكر العلماني بدأ بالتشكل في القرن الخامس عشر في أوروبا على يد المفكرين “المتنورين” الذين تمردوا على تحالف سلطة الكنيسة والحكم الوراثي الإقطاعي، وأنهم تجاوزوا الأفكار “المدرسية” الكهنوتية للعودة إلى الميراث الإنساني الذي تراكمت فيه خبرات حضارات سابقة والاقتباس منه، فاستلهموا بعض أفكارهم من شريعة حمورابي وتجربة أثينا الديمقراطية وخبرة فلاسفة روما، وبذلك تصبح العلمانية -حسب هذه الرؤية- نتيجة طبيعية للتطور الإنساني من مراحل الاستبداد والعبودية والاعتقاد بالأساطير إلى مرحلة الإقرار بحقوق الإنسان البديهية وحرية التعبير ورفع يد الحكومة والكهنوت عن معتقدات الناس، واعتماد المنهج التجريبي للسيطرة على الطبيعة بدلا من الركون للخرافة، أو بحسب تعبير ماكس فيبر “نزع السحر عن العالم”، وتكون العلمانية بذلك أيضا حصيلة نضال طويل مفعم بالبطولات والتضحيات في سبيل خير البشرية وتحررها.

لكن الباحثين في تاريخ الحركات السرية، وكذلك بعض المختصين في مقارنة الأديان، ويتبعهم عدد من المفكرين والمؤرخين المسيحيين والمسلمين، يؤكدون أن الفكر العلماني لم يتشكل بهذه الطريقة الطبيعية البريئة وعبر الاحتكاك والصدام بين الحضارات ووجهات النظر، بل يؤكدون أنها نتاج تدخل واع وخطة مدبرة من قبل تحالفات عديدة تشمل عبدة الشيطان وبعض سلالات بني إسرائيل، وأنه تم تدبيرها في محافل ومعابد الجمعيات السرية، وعلى رأسها الماسونية وجمعية النور البافارية (إلوميناتي) وجمعية الصليب الوردي (روزكروشين). [Nesta Webster, Secret Societies and Subversive Movements].

ويرى هؤلاء الباحثين أن العوامل الظاهرة، كالصراع الطبقي والتقلبات السياسية والاقتصادية، كانت أدوات موضوعية وظروفا مؤاتية استفاد منها أقطاب الجمعيات السرية لبث أفكارهم في المجتمعات، بهدف إقصاء الأديان عن التأثير في الأخلاق والرؤى العامة للحياة، ولإعادة بناء المناهج الفكرية والأنظمة السياسية في “النظام العالمي الجديد” على مبادئ دنيوية مجردة. فالباحثون لا ينكرون وجود تلك العوامل المؤكدة تاريخيا ويرون أنها الجزء الظاهري فقط من الحدث التاريخي.

ويقدم أصحاب هذه الرؤية عددا من الأدلة، ونذكر منها بإيجاز ما يلي:
1- كان الكثير من مؤسسي الفكر العلماني في مراحل تشكله الأولى أعضاء في جمعيات سرية أو مقربين منها، بل كان بعضهم قادة كبارا فيها، مثل فرنسيس بيكون وإسحاق نيوتن وفولتير، وتكشف بعض المراسلات والوثائق عن دورهم في إقصاء الأديان ونشر العلمنة كأحد أهم مشاريع جمعياتهم السرية [انظر: كتاب الوحي ونقيضه للمؤلف بهاء الأمير]. وفي العالم الإسلامي تولت المحافل الماسونية داخل الدولة العثمانية وخارجها هذا الدور حتى تم الإجهاز على نظام الخلافة، وكان الكثير من مروجي العلمانية في الأوساط الفكرية والأدبية من أعضاء المحافل الماسونية التي تشكلت في دمشق وبيروت والقاهرة [انظر مقال الماسونية].

2- لعبت طائفة من اليهود الأشكناز والسلالات الإسرائيلية دورا جوهريا في ترويج المذهب البروتستنانتي لمواجهة الكاثوليكية وتسلط البابا على أوروبا، كما كان لهم دور في معاهدة وستفاليا التي قوضت سلطة الفاتيكان [انظر كتاب: اليهود والماسون في الثورات والدساتير للمؤلف بهاء الأمير]. ويقول الباحثون إن اليهود وجدوا في العلمانية الحل الوحيد للقضاء على سلطة الكنيسة التي اضطهدتهم. [انظر مقال المسيحية المتصهينة].

3- تعتبر الثورة الفرنسية من أهم المفاصل التاريخية التي جعلت العلمانية أساسا للنظم الدستورية والمناهج الفكرية في العصر الحديث، ولا يخفى على الباحثين من كل التيارات دور المحافل الماسونية في نشر أفكار الثورة قبل اندلاعها، كما لعبت الماسونية أيضا الدور الأهم في وضع الدساتير ومواثيق حقوق الإنسان بعد تأسيسها على النظم الحديثة، وفي فرضها على العالم أجمع عبر الأمم المتحدة ومنظماتها، وذلك وفقا للمبادئ العلمانية. [انظر مقال الماسونية].

 

انتقال العلمانية للعالم الإسلامي

بعد إقامة النظم السياسية الأوروبية على المبادئ العلمانية، سعت تلك الدول إلى نقل العلمانية للعالم الإسلامي، ويمكن القول إن بداية تسلل العلمانية إلى العالم الإسلامي كانت بالتلفيق من داخل الفكر الديني. فكما بدأت العلمانية في أوروبا بالتمرد على الكنيسة عبر حركة الإصلاح الديني ثم انتهت إلى العلمنة الشاملة؛ نشأت في المقابل حركة إصلاح وتجديد ديني في بعض الأقطار الإسلامية بأواخر القرن التاسع عشر، وكان روادها من الفقهاء المحسوبين على العلم الشرعي، والذين استفاد من أفكارهم العلمانيون العرب لاحقا.

محمد عبده

يقول الدكتور محمد جابر الأنصاري إن إدخال الأفكار الوافدة بعد تشذيبها ضمن المركب التوفيقي لا يضمن أنها ستبقى دون تأثير خطير، وأنها ستظل منضبطة بالحدود الاعتقادية الدينية. فنظراً لكونها وافدة من حضارة أخرى فإنها تحتفظ في باطنها بطبيعتها الأصلية والمباينة للطبيعة الإسلامية، وتتحرك –بوعي أو دون وعي من التوفيقيين الذين قبلوها بشروطهم- حسب قوانينها الوافدة معها، إلى أن تؤثر على الفكر التوفيقي كله وتوجهه وجهة جديدة لم تكن في حسبان التوفيقيين في البداية. وهذا ما حدث بالضبط عندما صرّح كبار العلمانيين العرب بوفائهم لمدرسة الشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده [الفكر العربي وصراع الأضداد للأنصاري، ص 262].

وفيما يلي أمثلة للدول التي تسللت إليها العلمانية عبر بعض المفكرين وبدعم غربي دبلوماسي أو عسكري (بالاحتلال المباشر لاحقا)، وصولا إلى قلب أنظمة الحكم الإسلامية وتمكين العلمانيين من السيطرة على سدة الحكم والجيوش والجهات الأمنية والإعلام ومناهج التعليم.

الجامعة الأمريكية في بيروت

لبنان: يعد هذا البلد الصغير البوابة التي تسلل منها الغرب إلى الشرق الإسلامي منذ بدأت بوادر الضعف تدب في جسد الدولة العثمانية، فتذرع الأوروبيون بحماية الأقليات المسيحية في لبنان وسورية للتدخل بهذه المنطقة سياسيا وتعليميا، كما احتضنت الجامعات والمدارس في إيطاليا وفرنسا طلبة مشرقيين مسيحيين لتلقينهم المبادئ العلمانية بهدف نشرها في المشرق.

وقد شرح الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر هذه السياسة بصراحة مدهشة في منتصف القرن العشرين، فقال “كنا نُحضر أبناء رؤساء القبائل وأبناء الأشراف والأثرياء والسادة من أفريقيا وآسيا، ونطوف بهم بضعة أيام في لندن وباريس وأمستردام، فتتغير ملابسهم، ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة، ويرتدون السترات والسراويل، ويتعلمون لغتنا وأساليب رقصنا وركوب عرباتنا، وكنا نزوج بعضهم من أوربا، ونلقنهم أسلوب

سارتر

الحياة على أثاث جديد، وطرز جديد من الزينة، واستهلاك أوربي وغذاء أوربي، كما نضع في أعماق قلوبهم أوربا، والرغبة في تحويل بلادهم إلى أوربا، ثم نرسلهم إلى بلادهم حيث يرددون ما نقوله بالحرف تماماً مثل الثقب الذي يتدفق منه الماء في الحوض، هذه أصواتنا تخرج من أفواههم، وحينما كنا نصمت كانت ثقوب الأحواض هذه تصمت أيضاً، وحينما كنا نتحدث كنا نسمع انعكاساً صادقاً وأميناً لأصواتنا من الحناجر التي صنعناها، ونحن واثقون أن هؤلاء المفكرين لا يملكون كلمة واحدة يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم، وليس هذا فحسب، بل إنهم سَلبوا حق الكلام من مواطنيهم” [يحيى هاشم فرغل، العلمانية بين الخرافة والتخريب، ص 270].

وبالتزامن مع تعليم بعض الطلاب النابغين في الجامعات الأوروبية، افتتح الغربيون جامعات ومدارس كثيرة في لبنان لتنشئة الجيل على التغريب، وكانت الجامعة الأمريكية البروتستانتية التي أُسست في بيروت سنة 1866م أحد المراكز الرئيسة للتبشير ولإشاعة الثقافة العلمانية في الوقت نفسه. فتخرج منها الرهط الأول من العلمانيين وعلى رأسهم شبلي شميّل ويعقوب صرّوف وفارس نمر وجرجي زيدان.

“قام العلمانيون في بلادنا منذ شبلي شميِّل، ويعقوب صروف، وفرح أنطون، ونقولا حداد، وسلامة موسى، وولي الدين يكن، ولويس عوض، وغيرهم.. يدْعون إلى العلمانية بهذا المعنى الغربي: فصْل الدين عن الدولة، والدين لله والوطن للجميع. والملاحَظ أنهم كلهم كانوا من النصارى، وغالبيتهم من نصارى الشام، الذين كان ولاؤهم الحضاري للغرب، ولا ينتسبون إلى الإسلام ديناً أو حضارة، وتربَّوا في المدارس الأجنبية وفي إرساليات التبشير. فكان الأسهل في دعوتهم الصادقة للتقدم والنهوض بالبلاد أخْذ النمط الغربي الذي عرفوه ودعوْا إليه، ورأوه ماثلاً في تقدم الغرب الفعلي”.

[حسن حنفي، كتاب حوار المشرق والمغرب، 35-366].

نابليون أمام تمثال أبو الهول بريشة جان ليون جيروم

مصر: كانت حملة إمبراطور فرنسا بونابرت التي بدأت سنة 1798م بداية الغزو الحديث، فرافقتها ملابسات وأعراض مرضية أخذت تتفشى وتنتشر في المجتمع المصري من أزياء وعادات وأخلاق، كما حرص نابليون على زرع بذور الفكر العلماني في عقول النخبة لتنمو لاحقا وتؤتي ثمارها على يد سلامة موسى وأمثاله.

وبعد أن خرج الفرنسيون من مصر استولى الألباني محمد علي على حكم مصر ما بين عامي 1805 و1848م، وكان من أبرز مشاريعه إرسال بعثات الطلاب إلى فرنسا، فانبهر بعض الطلاب بالحضارة الغربية هناك إلى درجة كبيرة، حتى إن الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي رافق طلاب البعثة الأولى إلى فرنسا ليؤمهم في الصلاة ويحافظ على تدينهم كان من أكثر المنبهرين بالغرب، ونجد ذلك واضحا في كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”.

وفي ظل الاحتلال البريطاني (1882-1952م) بدأت العلمانية رسميا بالظهور، وساهم في الترويج لها مثقفون ينتمي معظمهم لأقليات غير مسلمة، مثل يعقوب صروف وفارس نمر ونقولا حداد، ثم ركب الموجة الشيخ الأزهري علي عبد الرازق عندما نشر كتابه “الإسلام وأصول الحكم” محاولا فيه تبرير فصل الدين عن الدولة.

وفي عام 1919 تأسس أول كيان سياسي علماني تحت اسم الحزب العلماني الذي غير اسمه لاحقا إلى حزب الوفد، ونال شعبيته من مناهضته للحكم الملكي والاحتلال البريطاني، وعندما قام الجيش بانقلاب عسكري في الخمسينات تم اعتماد العلمانية بالقوة وقُمع الإسلاميون وعلى رأسهم جماعة “الإخوان المسلمون”.

تركيا: كان ضياء كوك ألب 1875- 1942م يردد في تركيا نفس أفكار سلامة موسى وطه حسين، فدعا إلى سلخ تركيا عن ماضيها، وتكوينها تكويناً قومياً خالصاً، كما اعتبر تركيا صانعة للحضارة الغربية باعتبارها امتدادا لحضارة المتوسط.

وبعد مؤامرات طويلة ساهم فيها الماسون ويهود الدونمة، نجح الضابط مصطفى كمال أتاتورك 1881- 1934م في تطبيق أفكار ضياء كوك ألب بانقلابه على الدولة العثمانية عام 1924، وكان جريئا في محاربة الإسلام عندما قال إنه “يخنق الطموح في نفوس أصحابه”، ثم اتخذ خطوات بعيدة في اتجاه التغريب وإعلان العلمانية منهجا قسريا للدولة، فألغى استخدام الحرف العربي وأحل مكانه الحرف اللاتيني حتى لا يتمكن الأتراك من قراءة الكتب الإسلامية، كما ألغى وزارة الشؤون الدينية وحلّ المنشآت الدينية والمحاكم الشرعية، ووضع قانونا جزائيا جديدا بناء على القانون السويسري، وفي عام 1928 ألغى اعتماد الإسلام كدين رسمي للدولة.

في كتابه “العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين”، يقارن الباحث التركي أحمد كورو بين التجربتين العلمانيتين المتطرفتين في فرنسا وتركيا، ويقول إن المتدينين الكاثوليك الفرنسيين تحالفوا مع النظام الملكي واستخدموا أدوات القهر والعنف للإبقاء على النظام الاستبدادي، وحاربوا القوى الثورية الفرنسية المدعومة شعبيا، أما في تركيا العثمانية فكان المتديِنون في صف الإصلاحيين السلميين في مقابل انخراط العلمانيين في الجيش، وعندما أسقطوا حكم السلطان حاولوا الحدَّ من صلاحيات البرلمان المنتخَب بالهيمنة التامة على الرئاسة والجيش والقضاء. ويضيف أن المجتمع الفرنسي تقبل العلمانية الديمقراطي الحرّة بعد انتصار الثورة وما زال ينبذ العودة إلى الكنيسة حتى الآن، في حين قهرت العلمانية التركية بالقوة كل محاولات الشعب التركي للعودة إلى الحكم الإسلامي. [أحمد كورو، العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين: الولايات المتحدة، فرنسا، تركيا، ص 369 وما بعدها].

سيد أحمد خان

الهند: كان سيد أحمد خان 1817– 1898م من أوائل الداعين إلى العلمانية والتغريب، وكان متعاوناً مع الإنجليز حيث سعى لإخماد ثورة عام 1857م، فكافأه الإنجليز براتب شهري، ومن أقواله “لا بد أن يرغب المسلمون في قبول هذه الحضارة الغربية بكمالها حتى لا تعود الأمم المتحضرة تزدريهم أعينها، ويعتبروا من الشعوب المتحضرة المثقفة”.

إيران: كرر تقي زادة نفس مقولات العلمانيين، ومن أقواله “فلنلق بقنبلة الاستسلام للأوروبي في هذه البيئة ولنفجرها. والخلاصة: لنصبح أوروبيين من قمة الرأس إلى أخمص القدم”. وعندما عُين رضا بهلوي ملكا على البلاد عام 1925 أصبحت إيران دولة علمانية.

تونس: طالب عبد العزيز الثعالبي -قبل اعتداله- بالاستسلام للحضارة الغربية، ودعا إلى تأويل القرآن تأويلاً “صحيحاً” أي بما يناسب مبادئ الثورة الفرنسية كي يتحضر الإنسان المسلم، حسب رأيه. وقد تبعه الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة بعد خروج المحتل الفرنسي وتأسيس الجمهورية التونسية العلمانية، وتُنسب إلى بورقيبة العديد من التصريحات المعادية للإسلام ومقدساته، ومنها قوله إن القرآن الكريم متناقض ولا يقبله العقل.

 

عبد الوهاب المسيري (موقع المسيري)

العلمانية والإسلام

يرى المفكر اليساري المصري عبد الوهاب المسيري أن العلمانية تتفرع إلى تيارين رئيسين، هما:

1- تيار العلمانية الكلية الشاملة، وهو مادي يطمح إلى تحرير الحياة بجميع ميادينها وتحرير الإنسان في كل عوالمه من الدين بكل أبعاده القيمية والقانونية والشعائرية، وتُعد الماركسية من نماذج هذه العلمنة الكلية والشاملة.

2- تيار العلمانية الجزئية الذي لا ينكر الإيمان بالله والدين، ولكنه يقف بالدين عند العلاقة الفردية بين الإنسان والله، وعند الشعائر العبادية، وبعض القيم الأخلاقية لمن يريد، بينما يرفض كل تدخل للدين في تدبير الدولة والاجتماع الإنساني، فهو يكتفي بفصل الدين عن الدولة.

وكان المسيري رحمه الله يتبنى العلمانية الجزئية ويرى أنها لا تتعارض مع الإسلام، وهو أمر يوافقه عليه المفكر التونسي راشد الغنوشي، الذي يرى أن “العلمانية ظهرت وتبلورت في الغرب كحلول إجرائيّة لا كفلسفة أونظرية في الوجود”، ما يعني أنها لا تتناقض مع الإسلام. لكن الكثير من الباحثين يخالفون هذا المفهوم، فحتى المسيري كان يقر من البداية بأن العلمانيتين الشاملة والجزئية من حيث الجوهر شيء واحد، لذا فحتى لو اقتصرت الجزئية على بعض الإجراءات دون أن تتصادم مع الدين فإنها تعود في النهاية إلى مرجعية دنيوية “إنسانوية” في مقابل المرجعية الإلهية التي لا تقبل التجزئة في الإسلام.

أما الكاتب المصري فهمي هويدي فيميز بين تيارين علمانيين، يسميهما المتطرفين والمعتدلين، ويرى المسيري أنهما يقابلان إلى حد ما العلمانيين الشامليين والجزئيين عنده، حيث يُعرف هويدي المتطرفين بأنهم ضد الشريعة والعقيدة معا، وأنهم يعتبرون الإسلام مشكلة يجب استئصالها، أما المعتدلون فيعتبرون أنه يمكن التعايش مع الإسلاميين إذا أقيم حاجز بين الدين والسياسة، ويرى هويدي أن من حق المعتدلين المشاركة في الحياة السياسية للمجتمع الإسلامي.

وهذا الرأي لا يلقى موافقة لدى كثير من المفكرين الإسلاميين كما ذكرنا، فهناك خلاف في الوسط الإسلامي بين رأيين، الأول يتقبل وجود العلمانية “المعتدلة” في المشهد السياسي للدولة الإسلامية (وهي دولة غير موجودة بالواقع حاليا)، سواء بحكم ضرورة التدرج ومقتضيات العصر أو لأن ذلك لا يتعارض مع جوهر الدين، والرأي الثاني يرفض وجود أي تيار سياسي علماني حتى لو كان “معتدلا” [انظر كتاب العلمنة من الداخل للمؤلف البشير المراكشي].

كما يرفض بعض المفكرين مصطلح “العلمانية المعتدلة” بغض النظر عن القبول بوجودها في الوسط السياسي، لاعتقادهم بأن دين الإسلام جاء لهداية الناس إلى ما يحقق مصالحهم في الدنيا والآخرة، فالشريعة تشتمل على شعائر الدين ومبادئ السياسة وأحكام المعاملات، وتحديد الإطار العام للنظام السياسي يستند إلى الوحي، فيرى هذا التيار أن مساندة السياسة العلمانية -حتى لو كانت معتدلة- تؤدي إلى الكفر.

بيغوفيتش

وقد أصدرت المديرية العامة للإفتاء في المملكة العربية السعودية بيانا تقول فيه «إن كل من يؤمن بأن هناك توجيها أكثر كمالا من تعاليم الرسول أو أن حكم أي شخص كان أفضل من حكم الرسول فهو كافر»، وفصّلت الرأي الشرعي في ذلك بالقول إن هناك “انحرافا خطيرا” عن مبادئ الإسلام لدى كل من يعتقد بأن القوانين التي تصدر عن الإنسان تسمو على أحكام الشريعة أو يرى أن الإسلام يقتصر على علاقة الفرد مع الله وليس له أي علاقة مع الشؤون اليومية للحياة.

ويقول المفكر المصري طارق البشري “لا يمكن أن تتوافق العلمانية والإسلام إلا عن طريق التلفيق أو ابتعاد كل منهما عن معناه الحقيقي”.

أما المفكر والرئيس البوسني الراحل علي عزت بيغوفيتش فيقول في كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب” إن الدين هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان، وإنه هو الأصل الذي زرع الضمير الأخلاقي في البشرية المستمر حتى اليوم بالرغم من خفوت أثره بسبب انتشار العلمانية، ويضيف أن “المجتمع العاجز عن التدين، هو أيضا عاجز عن الثورة”.

وبدوره، يقول الدكتور محمد البهي في كتابه “العلمانية وتطبيقها في الإسلام: إيمان ببعض الكتاب وكفر بالبعض الأخر” بعد أن عرض لشمولية الإسلام في جميع جوانب الحياة وعدم قابليته للتجزؤ: “وبما عرضناه هنا من مبادئ الإسلام كما تذكرها آيات القرآن الكريم، نجد أن الإسلام نظام شامل لحياة الإنسان ومترابط في مبادئه وفي تطبيقه لا يقبل التجزئة بحال وقصر التطبيق على جانب مثلاً في حياة الإنسان أو على جانبين فأكثر من جوانب هذه الحياة دون باقي الجوانب الأخرى، معناه إفساح مكان لهوى الإنسان بجانب ما يطبق من مبادئ القرآن”. 

“العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة” [مقدمة ابن خلدون، ص 1899].


أهم المراجع
عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، دار الشروق، القاهرة، 2002.

عادل ضاهر، الأسس الفلسفية للعلمانية، دار الساقي، 1998.

روجيه غاروي، النظرية المادية في المعرفة، ترجمة إبراهيم قريط، دار دمشق.

محمد عمارة، نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام، دار الرشاد، 1997.

يوسف القرضاوي، التطرف العلماني في مواجهة الإسلام، دار الشروق، 2008.

أحمد إدريس الطعان، العلمانيون والقرآن الكريم: تاريخية النص، دار ابن حزم، الرياض، 2007.

محمد قطب، العلمانيون والإسلام، دار الشروق، 1994.

يحيى هاشم فرغل، العلمانية بين الخرافة والتخريب، دار الصابوني.

بهاء الأمير، الوحي ونقيضه: بروتوكولات حكماء صهيون في القرآن، مكتبة مدبولي، 2006.

أحمد كورو، العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2007.

الغنوصية والباطنية

أحمد دعدوش


سنتعرض في هذا المقال لتيار فكري قديم للغاية، حيث لا يُعرف بالضبط تاريخ نشأته، وهو أشبه بإطار فكري عام تنبثق من داخله عشرات الأديان والمذاهب والفلسفات والتقليعات التي ما زالت تتوالد حتى اليوم، فهو ليس دينا أو فلسفة واحدة بل تيار يؤثر على أتباع أديان ومذاهب متنوعة فيعاد من خلاله تأويل تلك الأديان لتظهر في إطار جديد.

تيار عام
مصطلح الغنوصية (Gnosticism) مشتق من كلمة يونانية تعني المعرفة أو العرفان، ويُقصد بها المعرفة الكشفية الإشراقية (الحدسية) التي يكتشف صاحبها المعارف العليا مباشرة بالحدس دون استدلال وتفكير عقلي، ودون حاجة إلى الوحي [انظر مقال مصادر المعرفة]. لذا فهي فلسفة تضع نفسها موضع الدين من حيث اهتمامها بالإجابة على الأسئلة الثلاثة الأساسية للأديان، وهي: المبدأ (من أين جاء العالم؟)، الغاية (لماذا يوجد العالم؟)، والمصير (إلى أين نحن ذاهبون؟)، حيث يزعم أصحابها أنهم يتوصلون عبرها إلى معرفة الحقيقة واكتشاف غاية الحياة وطريق الخلاص، وذلك عبر الطرق السرية الباطنية.

يزعم الغنوصيون أن عقيدتهم هي أقدم العقائد البشرية، وأنها وصلت إليهم مباشرة من كائن خفي يسمونه “المطلق”، وهو ليس بالضرورة إلهاً خالقاً منزهاً كما يعتقد أتباع الديانات التوحيدية، بل هو كائن غامض قد تختلف تفسيراتهم وتسمياتهم له، فقد يسمونه “الكلي” أو “الطاو” أو “الطاقة الكونية” أو “القوة العظمى”.

أما مصطلح “الباطنية” فيعود لغويا إلى الباطن، أي إلى ما يخفى من الشيء، فهو الجانب المقابل للظاهر، ويقال في اللغة “بطنت الأمر” أي عرفت باطنه، أما كلمة “الباطني” فقد تطلق على ثلاثة أشخاص، الأول هو الشخص الذي يكتم اعتقاده ولا يظهره، والثاني هو المختص بمعرفة أسرار الأشياء، أما الثالث فهو الذي يعتقد أن لكل شيء ظاهر وباطن، أي أن لكل نص تأويل خفي، ولكل كلمة معنى سري.

يعد كتاب الزوهار من أبرز الكتب الباطنية المعتمدة لدى القبالاه اليهودية

وعندما نتحدث عن العقائد والفلسفة، فالباطنية هي تيار فكري يعتقد أصحابه أن هناك علوماً خفية تختص بها النخبة من علمائهم الذين يتلقون علمهم بالكشف والإشراق، أي بالحدس وليس الوحي، ونجد لهذا التيار انتشارا داخل معظم الأديان، فهو موجود منذ القدم لدى أتباع الأديان الشرقية كالهندوسية والبوذية والطاوية حيث نجد أثره واضحا في كتاب “الفيدا” المقدس، ويظهر أيضا في اليهودية تحت اسم القبالاه التي تزعم أن للتوراة معنى خفيا يُستخرج من أسرار الحروف والأرقام، حيث يعد كتاب “الزوهار” من أبرز الكتب الباطنية، كما تغلغلت الغنوصية في المسيحية المبكرة على يد مارقيون في أواخر القرن الميلادي الأول، أما في الإسلام فنشأت طوائف باطنية كثيرة داخل المذهب الشيعي على يد الإسماعيليين والدروز، وما زال الأثر الباطني واضحا لدى الشيعة في علم الجفر، بينما نجد بين ظهراني المسلمين السنة مذاهب متعددة من التصوف الفلسفي المتطرف التي تؤمن بأفكار مشابهة، ولا سيما لدى محيي الدين بن عربي وعبد الحق بن سبعين. [أصول الفلسفة الإشراقية، ص119]

يقول الإمام أبو حامد الغزالي (توفي عام 505هـ) في كتابه فضائح الباطنية “إن الباطنية إنما لقبوا بها لدعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري مجرى اللب من القشر، وأنها بصورها توهم عند الجهال الأغبياء صورا جلية، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة” [فضائح الباطنية، ص11].

إذن فالباطنية والغنوصية يدلان على معتقد واحد، فالباطنيون يتشابهون في المعتقد الأساسي مهما كان دينهم الذي ينتمون إليه، ويؤمنون بأن المعرفة الباطنية “الغنوص” هي الغاية وأن الوصول إليها يتم بالإشراق (الحدس)، وذلك عبر التحرر من الماديات حتى تتجلى على العقل الحقيقة المطلقة. ويزعمون أن ذلك يحصل لكل من يسلك طريق العرفان، وأنه ليس بحاجة إلى الوحي الذي يأتي به الأنبياء، ويتم ذلك بالمجاهدات والرياضات الروحية، وبتعلم علوم خاصة لكشف أسرار الحروف والأرقام التي يتم بها كشف التأويل الباطني لنصوص الكتب المقدسة واكتشاف الحكمة السرية المخفية فيها، كما يتم ذلك بتوارث التعاليم والتقاليد التي توصل إليها الحكماء العارفين القدماء ممن توصلوا إلى بعض جوانب الحقيقة باجتهادهم وكشفهم وإشراقهم، فهم يقدسون ما يتركه هؤلاء الحكماء من تأويلات، ويعتبرون أنها تحتوي أيضا بذاتها أسرارا تحتاج إلى الكشف، وأن مؤلفيها لم يكشفوا ما فيها من أسرار لتبقى خفية عن عامة الناس.

تزعم المذاهب الغنوصية أن الوجود الإنساني هو نوع من الموت الروحي، فالشخص الذي يحقق الكشف والاستنارة ينتقل إلى عالم جديد. والأرواح تتناسخ من جسد إلى آخر بحثا عن رحلة خلاصها، فالموت بوابة قد تؤدي إلى القبر أو إلى دورة تناسخ جديدة، وليس هناك بعث للأجساد في القيامة كما تبشّر الأديان السماوية، بل تُبعث الأرواح فقط وتتخلص من الأجساد، فالبقاء في عالم المادة هو أكبر الخطايا، أما التوبة والخلاص والفلاح فلا تتحقق إلا بخلاص الروح من الجسد. [الغنوصية في الإسلام، ص7-11].

كما ترى الغنوصية أن مبدأ الأمر والنهي في القضايا الأخلاقية لدى الأديان السماوية لا يؤدي إلى نشوء أخلاق حقيقية، فالسارق يتوقف عن السرقة كي لا يتعرض بنفسه للسرقة من سارق آخر أو يتعرض للعقوبة، لذا يقترحون ربط الأخلاق بالخير الكامن في النفس الإنسانية بدلا من الخوف. وقد تأثر بهذا المفهوم بعض أتباع الأديان السماوية، ومنهم بعض المتصوفة في الإسلام الذين طرحوا مفهوم الحب الإلهي، بمعنى أن يعبد المسلم الله ويلتزم بأوامره لأنه يحب الله ويتعلق قلبه به، وليس طمعا في جنته أو خوفا من عذابه، لكن علماء مسلمين آخرين يرون أن هذه الدرجة المثالية من الحب ليست ممكنة عمليا.

عصا هرمس كانت رمزا للهرمسية في روما ثم أصبحت رمزا للطب في العصر الحديث

الهرمسية
تعرضنا في مقال “الوثنية” بالتفصيل إلى التداخل الذي حصل بين قصة النبي إدريس وشخصيات عدة تحمل اسم هرمس، حيث يبدو أن الكتب السماوية التي أنزلت على النبي قد تعرضت لتحريف وتحوير وإضافات كبيرة، ولعل أهم المؤلفات التي تُنسب إليه هي “متون هرمس” المؤلفة من 18 فصلا، وقد تُرجمت هذه المتون إلى الإنجليزية في العصر الحديث نقلا عن اليونانية، والتي ربما تكون قد تُرجمت بدورها عن المصرية القديمة، أو كُتبت على يد اليونان ما بين القرنين الثاني والثالث الميلادية.

صيغت المتون على هيئة حوار يجريه الحكيم المصري تحوت أو اليوناني هرمس مع تلاميذه. ومع أنها تتضمن عقيدة التوحيد وعبادة الإله الواحد ففيها أيضا أصول الفكر الغنوصي الذي انتقل من الهرمسية إلى عدد لا يحصى من الفلسفات والأديان لاحقا.

نجد في متون هرمس شرحا واضحا لعقيدة الهرمسية في حقيقة الإله والشيطان، حيث تزعم أن هناك إلها خالقا يتجسد في الشمس، وأن الشياطين مخلوقات شريرة إلا أنها هي التي تحكم البشر وكأنها واسطة بين الإله والبشر، لأنها تستوطن الأفلاك والكواكب. وفي أحد النصوص يسمي هرمس الشياطين بالملائكة الشريرة، فهي بالأصل ملائكة غضب عليها الإله وسقطت من السماء، وهي أشبه ما تكون بأنصاف آلهة، تتحكم بالقدر ولا تخضع له، ومع أن الإله (الشمس) هو الذي أوجدها إلا أنه غير قادر على دفع ضررها أو التحكم بالبشر دون المرور بالشياطين.

وفيما يلي نص مترجم من متون هرمس يوضح ذلك:
إن العالم المعقول برتبط بالله، والعالم المحسوس بالعالم المعقول، وتقود الشمس عبر هذين العالمين نفحة الله، أي الخلق. حولها الأفلاك الثمانية التي ترتبط بها، فلك النجوم الثابتة. والأفلاك الستة للكواكب والفلك الذي يحيط بالأرض. الشياطين مرتبطة بهذه الأفلاك والبشر بالشياطين، وهكذا كل الكائنات ترتبط بالله، الذي هو الأب الشمولي.

الخالق هو الشمس، والعالم هو أداة الخلق. الجوهر المعقول يوجه السماء، والسماء توجه الآلهة، وتحتها صنفت الشياطين التي تحكم البشر.

تلك هي تراتبية الآلهة والشياطين، وذلك هو العمل الذي يكمله الله بواسطتها ومن أجله ذاته.

[هرمس المثلث العظمة، ص254]

نسخة من اللوح الزمردي تعود للقرن السابع عشر

ومع توسع حجم الأساطير وتراكمها، يبدو أن الكثير من الكتب السحرية والغنوصية والعلمية صارت تُنسب إلى هرمس، حتى قال الفيلسوف الأفلاطوني إيامبليكوس إن هرمس ألّف عشرين ألف كتاب، أما المؤرخ المصري مانيثو الذي عاش في عصر البطالمة فقال إن هذا العدد وصل إلى أكثر من ستة وثلاثين ألف كتاب. وقد نسبوا إليه كتبا في الموسيقى والكيمياء والطب والفلسفة والجغرافيا والهندسة والسحر وفي مختلف مجالات المعرفة التي كانت متداولة.

أما كليمندس الإسكندري فينسب إلى هرمس 42 كتابا فقط، ويُعتقد أن معظمها فُقدت أثناء حريق مكتبة الإسكندرية الكبرى عام 30 قبل الميلاد وخلال حملة المسيحيين الأوائل على بقايا الوثنية، لكن هناك اعتقادا واسعا بأن ما بقي من كُتبه قد تم حفظه لدى الجمعيات السرية، وهي التي حافظت على وجودها عبر فرسان الهيكل وجمعية الصليب الوردي ثم الماسونية وجمعية الحكمة الإلهية و”المتنورون”.

لوحة تخيلية للوحة الزمردية رسمها هينرش خونراث عام 1606

ومن الكتب التي مازالت تُنسب إلى هرمس نص موجز يدعى اللوحة الزمردية، لكن المؤلف الماسوني مانلي هول يقول إنه ظهر للمرة الأولى باللغة العربية ما بين القرنين السادس والثامن الميلاديين وإن كاتبه نسبه إلى هرمس “إدريس”. وعندما بدأ الأوروبيون بالاهتمام بالخيمياء اعتبروا هذا النص مرجعهم الأساسي، ومن أهم المبادئ الواردة فيه “الذي في الأرض يساوي ذاك الذي في السماء”، ما يعني تأليه الإنسان وحلول الإله فيه، وهو معتقد تقوم عليه فلسفة القبالاه اليهودية والجمعيات السرية.  [THE SECRET TEACHINGS OF ALL AGES, 114]

في القرن التاسع عشر رسم الساحر الفرنسي إليفاس ليفي الشيطان بافوميت معبود الحركات السرية وهو يشير للأعلى والأسفل

في عام 2014 أنتجت هوليود فيلم رعب بعنوان “كما هو فوق كذلك هو تحت” وتجاوزت إيراداته 40 مليون دولار

“كما هو فوق، كذلك هو تحت”

هذه الجملة ترجمة حرفية للجملة المتداولة بكثافة في الغرب As Above, So Below، وقد أصبحت متداولة أيضا في مقررات التنمية البشرية وتطوير الذات بالدول العربية، حيث يتم من خلالها إقناع المتدرب بأن الإنسان مسؤول عن قدره، فكما تكون تصرفاته في الأرض يُكتب قدَره في السماء، وهذا منطق يتعارض مع الإسلام والأديان السماوية، فالقدَر ليس تابعا دائما لتصرفات الإنسان وقد يكون خارجا عن إرادته.

يسمى المتن الثاني من متون هرمس باسم بويماندريس Poimandres، ويطلق عليه أيضا اسم “سفر الرؤيا”، وقد تعرضنا له في مقال “الوثنية“، لكن ما يهمنا منه هنا هو أنه يعد من أوائل المراجع التي وضعت أصول الرؤية الغنوصية في خلق العالم، فالخالق عقل يفيض عنه النور، وعندما اندمجت الأرض مع السماء خرج منهما سبعة إنسيين تجتمع فيهم الذكورة والأنوثة، وبطريقة ما تم توالد البشر عن هؤلاء بعد فصل الجنسين، ويمكن للباحث أن يكتشف أصول القبالاه أيضا في هذه النظرية لخلق العالم والإنسان، كما نجد فيها فكرة التقمص وتناسخ الأرواح التي تبنتها البراهمية والهندوسية.

هناك تداخل كبير بين الوثنية والهرمسية والجمعيات السرية، إلى درجة يصعب فيها التمييز بين هذه المشارب الثلاث، فالديانات الوثنية الأولى كانت تتضمن في قلب كهنوتها منظومات سرية وتفسيرات باطنية غامضة، وكانت تنشأ من داخلها باستمرار أديان جديدة تعمل على إعادة تأويل الأساطير الكبرى في روايات باطنية أخرى، ولا يشذ عن هذا التقليد أي دين وثني قديم سواء في بلاد الرافدين أو مصر أو اليونان أو الهند أو الصين، وحتى الأديان الأفريقية والأمريكية.

وما بقي اليوم من آثار الهرمسية لم تعد له صلة بالوحي والنبوة، حيث يرى مؤرخون أن “الحكمة الهرمسية” تتضمن ثلاثة فروع، أولها الخيمياء التي تخلط بين الجانب الروحي-الخرافي وبين الكيمياء التجريبية، فتهتم مثلا بتجارب مزعومة لتحويل المواد الرخيصة إلى الذهب، والفرع الثاني هو التنجيم الذي يخلط بدوره بين الشعوذة والسحر وبين علم الفلك، ويؤمن أصحابه بأن الكواكب كائنات مقدسة وأن حركتها تؤثر على الأرض والإنسان، أما الفرع الثالث فهو السيمياء الذي يعد ضربا من ضروب السحر للتواصل مع الشياطين، مع أن أصحابه يزعمون التواصل مع الآلهة. [THE SECRET TEACHINGS OF ALL AGES, 144]

ويُعتقد أن الهرمسية تقدس شكل المثلث بسبب هذا التقسيم الثلاثي، وهو الأمر الذي انتقل لاحقا إلى الجمعيات السرية المتأثرة بالهرمسية وصولا إلى الماسونية وجمعية المتنورين التي تتخذ المثلث شعارا لها.

نظرية الفيض
هناك تياران فلسفيان كبيران لمحاولة تفسير الصلة بين الإله والعالم (الكون)، أي بين الخالق والمخلوقات، ونتج عن كل منهما نظريات ومذاهب فرعية. وباختصار شديد يرى أصحاب التيار الأول أن هناك صلة سببية بين الإله والعالم مثل ارتباط المسبب بسببه والمعلول بعلته، أي أن العالم حادث (مخلوق) والإله هو الذي أحدثه (خلقه) من عدم، وهذا ما يعتقد به معظم المؤمنين بالأديان السماوية، مع بعض الاختلافات الصغيرة.

الفيلسوف اليوناني أفلوطين

أما فلاسفة التيار الثاني فيعتقدون أن هناك مشكلة في الارتباط السببي بين الإله والعالم، لذا يفترضون أن الكون قديم (أزلي بلا بداية) مع أنه مخلوق، ويضعون لتبرير هذا التناقض افتراضات مختلفة، وقد تبنّى هذه النظرية بعض فلاسفة اليونان، وتبعهم في ذلك فلاسفة منتسبون للإسلام مثل الفارابي وابن سينا.

وضمن هذا التيار ظهرت نظرية الفيض على يد الفيلسوف اليوناني أفلوطين الذي عاش في الإسكندرية بالقرن الثالث الميلادي ويُنسب إليه مذهب “الأفلاطونية الجديدة”، وقد استقى آراءه من خليط يوناني وبوذي ويهودي ومسيحي، ثم تأثر به الكثير من الباطنيين في أديان مختلفة. [من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، ص102]

اضطر أتباع هذا المذهب إلى القول بآراء غير منطقية وغير ضرورية لأنهم سلموا من البداية بأنه لا ينبغي أن يكون هناك ارتباط سببي بين الخالق والكون، فابتكروا أيضا مبادئ فلسفية يرى معظم الفلاسفة أنها باطلة، مثل اعتقادهم بأن الكثرة لا يمكن أن تصدر عن الواحد من جهة واحدة وإلا صار الواحد كثيراً، أي أنه لا يمكن للخالق الواحد أن يخلق مخلوقات متعددة، وأن الشيء لا يوجد من غير جنسه، وأن الشيء المتغير (الكون) لا يصدر مباشرة عن غير المتغير (الإله) بل لا بد من واسطة. وبالنتيجة اضطر هؤلاء إلى القول إن الإله الواحد يصدر عنه مباشرة شيء واحد سموه “العقل الأول”، ثم صدر عن العقل الأول عقل ثان، وصدر عن الثاني عقل ثالث، وهكذا إلى العقل العاشر (واهب الصور) والذي قالوا إنه صدر عنه العالم السفلي وهو الكون المادي الذي نعيش فيه. وبمقارنة بسيطة يمكن أن نرى أثر الهرمسية -التي تعبد الشمس وتقدس الكواكب- في هذه الفلسفة.

انتقلت نظرية الفيض كما هي من أفلوطين إلى الفارابي وابن سينا بالرغم من كونهما مسلمين، حيث افترضا أنهما تمكنا بهذه النظرية من نفي النقص عن الله، وأنهما جعلا بين الإله والكون مسافة تتخللها عشرة “عقول” خيالية وهمية. وللمزيد من التنزيه -الذي تخيلاه دون ضرورة- قالوا إن الإله علِم بذاته وعلم أنه مبدأ الخير في الوجود ففاض عنه العقل الأول، وكأن أصحاب هذه النظرية يتخيلون أنه من النقص أن يقصد الله تعالى خلق العالم وأن يقول له كن فيكون، وهذا الافتراض لا داعي ولا مبرر له. وقد رد الإمام الغزالي في كتابه “تهافت الفلاسفة” على هذه الافتراضات الخيالية فلسفيا وأثبت أن المبادئ التي استندت إليها لم تكن ضرورية أصلا.

علاوة على ما سبق، تأثر أصحاب هذه النظرية بالغنوصية، وقالوا إنه لا يمكن الوصول إلى الألوهية بالعقل، لأنه قاصر عن ذلك، وإن معرفة الإله تتم عن طريق العرفان، وذلك بعد القضاء على الغرائز والأحاسيس المادية، ثم الوصول إلى ما أسموه حالة الفناء في الواحد (فقدان الإحساس بالذات)، وهي حالة من الوجد والنشوة والذهول، وتكاد تتطابق تماما مع حالتي “النيرفانا” لدى البوذية و”الموكشا” لدى الهندوسية.


أهم المراجع

أبو حامد الغزالي، فضائح الباطنية، تحقيق عبد الرحمن بدوي، وزارة الثقافة المصرية، 1964.

أبو حامد الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة.

لويس مينار، هرمس المثلث العظمة أو النبي إدريس: ترجمة كاملة للكتب الهرمسية مع دراسة عن أصل هذه الكتب، ترجمة عبد الهادي عباس، دار الحصاد، دمشق، 1998.

عبد الرحمن مرحبا، من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، منشورات عويدات، بيروت، باريس، 1981.

محمد أبو ريان، أصول الفلسفة الإشراقية عند شهاب الدين السهروردي، مكتبة الأنجلو المصرية، 1959.

هاينس هالم، الغنوصية في الإسلام، ترجمة رائد الباش، دار الجمل، ألمانيا، 2003.

هدى درويش، نبي الله إدريس بين المصرية القديمة واليهودية والإسلام، دار السلام، القاهرة، 2009.

فراس سواح، الرحمن والشيطان، دار علاء الدين، دمشق، 2000.

خزعل الماجدي، كشف الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد، المركز الثقافي العربي، 2014.

عبد الله مصطفى نومسوك، البوذية.. تاريخها وعقائدها وعلاقة الصوفية بها، مكتبة أضواء السلف، الرياض.

Manly P. Hall, THE SECRET TEACHINGS OF ALL AGES, H.S. CROCKER COMPANY INCORPORATED, SAN FRANCISCO, 1928.

الهندوسية والبوذية

أحمد دعدوش


بداية غامضة
بدأت التجمعات البشرية بالظهور في شبه القارة الهندية بمنطقة دلتا نهر السند الواقعة في البنجاب بباكستان اليوم، وتطورت إلى نشوء حضارة بمدينة “هرابا” تزامنا مع وجود الدولة الأكادية في بلاد الرافدين (العراق)، وكانت الشعوب الأولى تتحدث بلغتي الموندا والدرافيدية، ثم غزت قبائل الآريين الهند قادمة من وسط آسيا وبلاد فارس (إيران) في وقت غير محدد بالضبط ويعتقد أنه ما بين عامي 1800ق.م و1200ق.م.

ابتكر الآريون نظام العبودية الطبقي ليبقى سكان البلاد الأصليين في الطبقة السفلى (شودرا) كي لا يتمردوا، أما الآريون فقسموا أنفسهم إلى كهنة (براهما) ومحاربين وطبقة عاملة، وتم ربط هذه العبودية بالأساطير الدينية. ويجدر بالذكر أن بعض المؤرخين يقولون إن التقسيم الطبقي كان موجودا قبل الغزو الآري.

كانت الكتابة نادرة في الهند حتى بين الكهنة، لذا لا نملك معلومات واضحة عن عبادات الهنود قبل الغزو الآري، وهناك من يعتقد أنه كان لدى الهنود الأوائل كهنة وتقديم قرابين دون وجود لمعابد وأصنام، ثم أصبحت الأساطير الوثنية أساسا للمؤسسة الدينية والسياسية على يد الآريين.

مخطوط ريغ فيدا

تُنسب إلى الكهنة الآريين مجموعة من الترانيم والأساطير باللغة السنسكريتية (أي الكاملة المقدسة) التي لم يكن يتقنها إلا هم، وكان أولها وثيقة تدعى “ريغ فيدا”، وهي تتضمن أكثر من ألف ترنيمة لآلهة الفيدا، كما تُنسب إليهم ثلاثة كتب أخرى هي سامافيدا (أغاني تتلى خلال الصلوات) وياجورفيدا (عبارات نثرية تتلى عند تقديم القرابين) وأتهَرفافيدا (طلاسم سحرية)، وتشكل هذه الكتب الأربعة الضخمة ما يسمى بالفيدات، ويُعتقد أنها إلهامات تلقاها الكهنة الأوائل عبر اتصالهم بمصدر المعرفة المتعالية، وهي حسب زعمهم أزلية وأبدية. وهناك من يضيف كتابا خامسا يدعى البورانات ويعتبره الفيدا الخامسة، كما يضيف البعض إلى الفيدات كتاب مهابْهارات الذي يتضمن أناشيد تدعى بْهاغافاد غيتا، وكذلك كتابي بنْشراترا ورامايان. وسنورد في مقال “نبوة محمد” نصوصا مقتبسة من بعض هذه الكتب وهي تُبشر بنبوته، وبعضها يذكر اسمه الصريح، ما يرجح أن أصولها تعود إلى الوحي السماوي.

مخطوطات من البهاغافاد غيتا

يعد كتاب بْهاغافاد غيتا من أكثر الفيدات تداولا، لأنه مختصر ويجمع خلاصة الدين الهندوسي، ويمكن للعوام قراءته، كما يعد محل إجماع جميع الطوائف والمذاهب الهندوسية.

ووفقا لكتاب “مدخل إلى الأسفار الفيدية” فإنه يمكن اعتبار أي كتاب على أنه من الفيدات طالما أنه يحفظ فحوى النصوص الأصلية للفيدات “حتى إذا لم يكن من جملة النصوص الأصلية الفيدية” [ص 1]، وهذا يكفي للاعتراف بأنها ليست كتبا موحى بها من الإله، حيث يقر باحثو الهندوس أيضا بأن كاتبي تلك النصوص غير معروفين على وجه التحديد. ويختتم كتاب “مدخل إلى الأسفار الڤِدية” بسرد بعض ما يقال على لسان الباحثين والقارئين للفيدات من نقد، لا سيما بشأن تناقضاتها وإغراقها في الأساطير الخرافية عن العوالم الغيبية، حيث تتناقض أساطير البورانات مع أساطير الفيدات نفسها، لكن المؤلف يكتفي بالقول إن هذا الموقف لا يعكس سوى تحيز القراء غير المختصين لتراث الهند مطالبا الباحثين بأن يقرؤوا الفيدات بأنفسهم دون فكر مسبق.

في عام ٨٠٠ ق.م تقريبا ظهرت سلسلة كتب أخرى تسمى “البراهمانا”، وهي مجموعة شروح للترانيم والأساطير والتأملات الباطنية (الغنوصية)، وتلاها ظهور كتب “أرانياكا” و”أوبانيشاد” التي استمرت كتابتها حتى عام 300ق.م. وفي هذه الكتابات الأخيرة بدأ ظهور الأثر اليوناني والروماني في الأساطير الهندية، وهو بالأحرى أثر القبالاه اليهودية المحرفة للوحي كما سنرى لاحقا، مثل تأليه السماء المشرقة في آلهة تدعى “ديفاز” المشتقة من مصطلح “ديوس” اليوناني، وعبادة “هوديوس بيتر” الذي يقابل زيوس اليوناني وجوبيتر الروماني [راجع مقال الوثنية].

ويعد كتاب الفيداس Vedas المرجع الرئيس للهندوسية اليوم، فهو يضم مجموعة النصوص التي وضعها الكهنة والفلاسفة والشعراء خلال ثلاثة آلاف سنة، ويقع في نحو ثمانمئة مجلد تقريبا، حيث يضم الفيدات الأساسية والبراهمانات إلى جانب الأوبانيشادات التي تعد بمثابة تلخيصات وإضافات وتنويعات على الأصل.

وواقع الهندوسية اليوم يضع الباحث في حيرة من أمره، فهي طيف من الديانات والعقائد وليست دينا واحدا، حيث نجد تحت مظلتها من يؤمن بالتوحيد والتثليث وتعدد الآلهة والإلحاد في آن واحد. ومن الملفت أنه لا يُعرف على وجه التحديد من الذي وضع تلك الأساطير والنصوص، فمئات الملايين من الهنود مازالوا حتى اليوم يدينون بدين لا يُعرف من الذي أسسه. ويقول المؤرخ جان إيم كولر في كتاب “الفلسفات الشرقية” إنه من الصعب تتبع تاريخ الهندوسية لأنه يتسم بالغموض فيما يتعلق بالأسماء والتواريخ والأماكن، فالهندوسية تركز على العقائد والمبادئ أكثر من أي شيء آخر.

تنص الكتب البراهمية المقدسة على أن أسرارها لا يمكن أن يفهمها سوى المنخرطون في سلك الرهبنة، فالسرية لا تقتصر على كونها مكتوبة باللغة السنسكريتية التي لا يعرفها عامة الناس، بل لا تُكشف المعاني الباطنية للنص إلا لمن يفني حياته في خدمة الدين، وهذه هي بالضبط فلسفة الجمعيات السرية والحركات الباطنية الغنوصية.
ينسب واضعو كتاب البهاغافاد غيتا إلى الإله كريشنا قوله “لا داعي لشرح هذا العلم الخفي لغير المرتاضين في الحياة أو غير المتتيمين، أو غير المنشغلين بالخدمة التتيمية، ولا لمن يحسدني”، [الإنشاد 18، الآية 67]، وهذا كفيل باتهام كل من ينتقد أساطير الهندوسية بأنه لم يفهمها، بل والزعم مسبقا بأنه من المستحيل أن يفهمها طالما كان لا يؤمن بها، ما يقطع الطريق على كل النقاد من خارج المؤسسة الكهنوتية.

ولحسم الجدل بشأن تعريف الهندوسية، فقد قررت المحكمة العليا الهندية أن الهندوسي هو الذي تتحقق فيه الصفات الست التالية:

1- يؤمن بالفيدات (نصوص كتاب الفيداس) ويحترمها.

2- يحترم عقائد الآخرين، على اعتبار أن للحق أوجها مختلفة (وهذا يدل على أن الهندوسية مجرد محاولة فلسفية لفهم العالم وليست حقيقة مطلقة في نظر أصحابها).

3- يعترف بأن الكون يمر بدورات خلق وانحلال متكررة إلى الأبد.

4- يؤمن يقينا بفكرة تناسخ الأرواح (وهي أكثر العقائد رسوخا لديهم، بل هي الأساس الذي تقوم عليه الهندوسية وتجتمع عليه كل مدارسها المتناقضة).

5- يؤمن بوجود عدد كبير من الآلهة وأزواجهم دون عبادة الأصنام نفسها.

6- عدم الإيمان بمبادئ فلسفية خاصة دون الهندوسية.

الألوهية والخلق
تدل الفيدات والأوبانيشادات على أن البراهمية القديمة آمنت بإله واحد مجرد عن التجسد والمادة وكامل الصفات، وهو يشبه في صفاته الإله الواحد الذي ينص عليه الوحي الإسلامي.

ففي الفيدات نجد هذه النصوص التي تتحدث عن الإله:
“لا صورة له” [ياجورفيدا، الإنشاد 32، الآية 3].
“هو غير متجسد وطاهر” [ياجورفيدا، الإنشاد 40، الآية 8].
“اهدنا الصراط القويم واغفر الذنوب التي تجعلنا نضل ونضيع” [ياجورفيدا، الإنشاد 40، الآية 16].
“أيها الأصدقاء لا تعبدوا سواه, القدوس, ادعوه هو وحده” [ريغفيدا، الكتاب 8، الإنشاد 1، الآية 1].

أما في الأوبانيشادات فنجد العديد من النصوص المماثلة، وهذه بعضها:
“واحد أحد لا ثاني له” [شاندوغيا، الكتاب 6، الإنشاد 2، الآية 1].
“لا والدين له ولا سيد فوقه” [سفيتاسفتارا، الإنشاد 6، الآية 9].
“لا يمكن رؤيته ولا تجسيده”. [سفيتاسفتارا، الإنشاد 4، الآية 19].

ويبدو أن تراكم النصوص والتأويلات والتحريفات على يد الكهنة الآريين قد حولت هذا المفهوم الواحدي المجرد للإله إلى مفهوم تعددي متجسد (وثني) حلولي باطني، ففي الكتب نفسها التي تجرد الإله وتوحده وتقدسه نجد نصوصا تتحدث عن مصدر أولي للكون يدعى براهمان، وهو كائن غامض انبثق عنه الكون بطريقة الفيض [انظر مقال الباطنية].

وكما هو حال الأساطير الوثنية الأخرى، تخيل مبتكر الميثولوجيا الهندوسية (غير المعروف) وجود عائلة إلهية ثلاثية، ثم توسعت الأساطير وتوسع معها مجمع آلهة الفيدا حتى أصبح يضم طبقات متعددة من الآلهة، وهي كثيرة ويصعب حصرها، وفي الطبقات الدنيا نجد عددا هائلا من الآلهة إلى درجة أن بعض المصادر تتحدث عن وجود 330 مليون إله، أي أن الآلهة باتت بمثابة السلالات التي تتوالد كالبشر، فهي تملأ السماء والأرض. وكأن الكهنة اقتبسوا هذه الفكرة من أصل موحى به، فالأديان السماوية المعروفة اليوم تتحدث عن عدد كبير من الملائكة والجن في عوالم غيبية.

يقول المؤرخ البريطاني ويل ديورانت في كتاب قصة الحضارة عن آلهة الهندوس “تزدحم بهم مقبرة العظماء في الهند، ولو أحصينا أسماء تلك الآلهة لتطلب ذلك منا مئة مجلد، وبعضها أقرب في طبيعته للملائكة، وبعضها هو ما قد نسميه نحن بالشياطين، والبعض الآخر أجرام سماوية”.

ومن بين هذه الحشود من الآلهة، يركز الهندوس اهتمامهم على ثلاثة آلهة فقط، يشكلون ثلاثة أقانيم في واحد بحيث لا يتقدم أي منهم على الآخر، وكأنهم إله واحد يتجلى في ثلاث صور، وهم:

1- براهما: الخالق ومانح الحياة وزعيم الآلهة.

2- فيشنو: إله الحياة والرحمة والحب، ويتم تجسيده على هيئة إنسان.

3- شيفا: إله الفناء والموت والدمار، وهو في صراع مع فيشنو.

ثالوث الآلهة الهندوسية، من اليمين إلى اليسار: براهما، شيفا، فيشنو

وتقول الأسطورة إن الإله الواحد “براهمان” هو الذي أوجد هذا الثالوث المقدس، وهو الذي يتجلى في صورهم، فهو حقيقة سرمدية أبدية لا تحدها زمان ولا مكان، ولا يعرف كنهه أحد، ويسمونه أيضا “أوم” Aum أي الكائن الأسمى.

وكانت البداية عندما رغب براهمان بأن تخرج الموجودات التي كانت في داخله، أي أن العالم كله كان متضمنا فيه وكان هو يحملها كالسفينة بحسب وصف الفيدا، فتأمل براهمان تأملا عميقا حتى انبثق عنه الماء، ثم صدرت عنه بذرة تحولت إلى بيضة صفراء (أو زهرة لوتس)، فانفجرت البيضة وخرج منه الإله الأول براهما الذي تابع مهمة التأمل حتى انبثقت عنه بطريقة الفيض الكواكب وتضاريس الأرض والإنسان وكافة المخلوقات، لكن هذا الفيض لم يكن ليتم سوى بمعونة عشرة آلهة وسيطة انبثقت بدورها عن براهما، كما انبثق عن براهما أيضا الإلهان الآخران فيشنو وشيفا.

وحسب الأسطورة أيضا فإن للآلهة الثلاثة الرئيسة طبيعتان، أنثوية وذكرية، حيث تجسد الطبيعة الأنثوية في صورة كائن يسمى “شاكتي”.

لوسيفر (إبليس) يظهر في الثقافة الأوروبية على هيئة ملاك سقط من الجنة كما في هذه اللوحة لغوستاف دوريه

وعندما نقارن هذه العقيدة بما انكشف لاحقا من خفايا العقائد الباطنية السرية، ولا سيما القبالاه اليهودية، نجد تطابقا ملفتا، فالإله براهما يقابل أدوناي في سفر التكوين، والإله شيفا يحمل صفات أدوناي الذي حرّم المعرفة على الإنسان، كما يحمل صفات الإله يهوه الذي يميل إلى معاقبة بني إسرائيل وتعذيبهم كما ورد في سفر الخروج، أما الإله فيشنو فليس سوى لوسيفر (إبليس) الذي تزعم القبالاه وكافة الجمعيات السرية الشيطانية أنه الإله الذي أحب الإنسان (آدم وحواء) وأراد أن يعرّفه على شجرة المعرفة التي حرمها عليه أدوناي.

وكما زعمت اليهودية المحرفة أن إبليس تجسد في هيئة ثعبان ليدخل إلى الجنة ويغوي حواء بالأكل من الجنة ويكشف للإنسان سر المعرفة، فقد قدست الهندوسية أيضا الثعابين وجعلتها رمزا للفحولة الجنسية، وأقامت لها معابد وطقوسا لعبادتها.

ويجدر بالذكر أن القبالاه تزعم أيضا أن الألوهية لها طبيعتان، وأن الإله (الذي تسميه عين صوف) يتضمن في ذاته الذكورة والأنوثة (شخيناه)، وأن الكون والوجود كله كان متضمنا في داخله قبل أن تنبثق عنه “البيضة الكونية”، وقد تجلى عين صوف في شجرة الحياة (سيفروت) لتكون وسيلته للخلق بتجلياتها العشرة كما هو حال الآلهة العشرة التي كانت وسيطة لبراهما، حيث تجسد القبالاه هذه التجليات العشرة ببلورات كروية نورانية.

ومع تراكم الأساطير والتعديلات والتفسيرات، يمكن القول إن الهندوسية الآن تتفرع إلى عدة مذاهب يقدس كل منها أحد تجليات شيفنو أو شيفا، بينما لم يعد براهما يحظى بالكثير من الاهتمام، كما لا يلتفت الكثيرون إلى الأصل براهمان الذي انبثق عنه كل شيء، أما الآلهة الأخرى التي تأخذ صفات الملائكة والشياطين فقد تحظى باهتمام عوام الهندوس في بعض الصلوات والأدعية طلبا لمساعدتها أو اتقاءً لشرها، لكن ما يوحد جميع هذه الطوائف بكهنتها وعوامها أنهم يهتمون بعقيدة التناسخ والاتحاد بالحقيقة المطلقة (أياً كان اسمها وصفتها) أكثر من اهتمامهم بطبيعة الإله.

الطبقات
يتكون المجتمع الهندوسي من أربع بناء على أسطورة الخلق، حيث أقنع واضعو الأساطير شعوبهم بأن براهما خلق كل فئة من الشعب على هيئة مسبقة فلا يمكن تجاوزها ولا التمرد عليها، وهي كما يلي:

1- الطبقة البيضاء (البراهمة): ينتمي إليها رجال الدين والعلماء، حيث خلقهم براهما من وجهه.

2- الطبقة الحمراء (الكاشاتريا): الأمراء والفرسان، وهم الذين خلقهم براهما من ذراعيه.

3- الطبقة الصفراء (الفيشيا): المزارعون والتجار، الذين خلقهم براهما من فخذيه.

4- الطبقة السوداء (الشودرا): الحرفيون والصناعيون، الذين خلقهم براهما من قدميه.

وهناك أيضا طبقة الأنجاس (باريان) التي تم إلغاؤها بقرار حكومي عام 1950، وهي تجبر أصحابها على الانخراط في مهن يأنف منها الآخرون مثل أعمال التنظيف وحفر القبور، وهي ما زالت موجودة بالرغم من حظر السلطات.

التأمل والارتقاء
بما أن الإنسان قد انبثق عن الإله في الأسطورة الهندوسية، فهو إذن ليس مخلوقا طارئا بل كان موجودا أزليا كامنا داخل الإله، ما يعني أن الإله والكون والإنسان جوهر واحد، وأن هناك قنوات للاتصال فيما بينهم يمكن تنشيطها عبر شحذ الطاقة الروحية للإنسان، فمن خلال التأمل وممارسة طقوس اليوغا يصبح بمقدور الروح (آتمان) أن ترتقي وتتصل بالكون بكل ما فيه من كائنات حية وبحار وجبال، وأن تتحد أيضا بالإله وتعود إلى الحالة الأولى، وهي حالة الموكشا الهندوسية أو النرفانا البوذية، وهي أيضا تقابل حالة الدفيقوت لدى القبالاه اليهودية.

وإلى جانب الموكشا، تحدد الهندوسية ثلاث غايات أخرى لحياة الإنسان، أولها تسمى دراهما وتعني أداء الواجبات اليومية للفرد العادي، والثانية هي أرثا وتعني السعي لتحقيق النجاح في العمل وجمع الثروة، أما الثالثة فهي كاما والتي تختص بالإشباع الجنسي.

وبما أن الثالوث الإلهي كان يتضمن الأنوثة في جوهره، ما يعني أنه كان ينكح نفسه بطريقة ما، فالجنس إذن جزء من العبادة ووسائل التطهر التي ترتقي بالإنسان ليصل إلى حالة الموكشا، لذا نجد أن خُلق الحياء الذي اعتاد عليها معظم البشر في مختلف الشعوب يكاد يكون غائبا في بعض مناطق الهند، فالإباحية هناك ليست مرتبطة بالثورة الجنسية المعاصرة التي انطلقت من الغرب الرأسمالي في القرن العشرين، بل هي جزء من معتقدات بعض الطوائف الهندوسية القديمة، حيث تمارس معابدها طقوس التطهر عبر ممارسة الجنس الجماعي العلني، وتجسد نقوشها هذه الطقوس بوضوح، مثل معبد الشمس فى كونارك الذي يرجع إلى القرن الثالث عشر، و85 معبدا آخر في قرية خاجوراهو تعود إلى القرن العاشر الميلادي.

وتسعى الحكومة الهندية في العصر الحالي إلى مكافحة الإباحية عبر شبكة الإنترنت، لكن البلاد تشهد مطالب من قبل بعض الكهنة الأصوليين بإعادة إحياء الطقوس الجنسية ونشرها بين المجتمع.

تانترا
فلسفة التانترا الهندوسية تعد أوضح مثال على تغلغل الشيطانية في الأديان الوثنية، فهي تقوم على فكرة اقتباس الطاقة (برانا) من الكون عبر التجارب الصوفية التأملية (اليوغا)، للوصول إلى اتحاد جنسي مع التجسد الأنثوي للإله (شاكتي)، ويتم ذلك باتخاذ وضعيات محددة للجسم (مودراس) وترتيل تعاويذ معينة (قد تكون طلاسم شيطانية) واستخدام مخططات ورسوم رمزية (ماندالا)، وذلك لاستنزال تلك الطاقة السحرية.

لكن الأمر قد لا يقتصر على هذه الطقوس التي لا تختلف كثيرا عما يمارسه عبدة الشيطان، فبعض الرهبان يستعينون بشريكات عاريات للوصول إلى تلك “الاستنارة”، فيحصل الاتصال الجنسي بذريعة كونه عبادة وليس زنا، ولا تكون تلك الطاقة التي يستشعرون حلولها في الجسد إلهية المصدر بل حلولا للشياطين في أجسادهم، فالمعابد الشيطانية الحديثة التي يعترف أصحابها بأنهم يعبدون فيها الشيطان تقوم بنفس هذه الطقوس (التي تسمى هيروس غاموس) للاتحاد بالشياطين دون تدليس، لأنهم يعتبرون الشياطين هي آلهة هذا العالم.

ومن الملفت أن طقوس الجنس المقدس موجودة لدى القبالاه أيضا، ويبدو أن الثورة الجنسية التي حملتها الحداثة إلى العالم ليست سوى إحدى نتائج هذه العقيدة.

التشابه بين الهندوسية والقبالاه لا يعني بالضرورة أن الأولى هي أصل الثانية، حتى لو كانت مدونات القبالاه وعلى رأسها الزوهار لم تظهر سوى في الألف الثاني بعد الميلاد، فمن المعروف أن القبالاه أقدم من ذلك، حيث تقول القبّالية هيلينا بلافاتسكي في كتابها العقيدة السرية “الحقيقة أن القبالاه قديمة قدم الشعب اليهودي نفسه، وظلت تنتقل تعاليمها شفاهة عبر الأجيال والعصور إلى أن تم تدوينها”.

العبادات
يحتل التأمل رأس قائمة العبادات الهندوسية، كما يمارس الهندوس نوعا من الصلاة في المعابد أمام الأصنام والأيقونات التي تمثل بعضا من الآلهة، فيقدمون لها قرابين ونذورا ويرتلون أمامها نصوصا من الأناشيد المقدسة.

كما يمارس الهندوسي نوعا من الذكر عبر ترديد صيغ مقدسة تدعى “مانترا”، وهي عبارة عن مقاطع صوتية تتضمن في الغالب أسماء الآلهة، ومن أشهر المانترات كلمة “أوم” التي يرددها الهندوسي بطريقة ملحّنة ومتتالية، حيث يعتقد أن هذه الكلمة هي الصوت البدائي الذي تم به خلق الكون بالفيض عن براهمان، ويساعد ترتيل المانترا على التركيز أثناء التأمل.

لا تُفرض على الهندوس تأدية زكاة على أموالهم، إلا أنهم يستحسنون تقديم الصدقات للفقراء، كما يشجعهم الكهنة على التبرع للمعابد لتغطية نفقاتها وكي لا يضطر الكهنة المتفرغون للمسألة.

يصوم الكهنة في بداية كل فصل من الفصول الأربعة، كما يصومون اليومين الأول والرابع عشر من كل شهر قمري، ويصومون مدة كسوف الشمس، ويتضمن الصوم الإمساك عن الطعام والشراب والكلام والجماع، أما عامة الناس فلا يُفرض عليهم الصوم بل يتطوع بعضهم لممارسته بهدف الارتقاء الروحي.

كما لا يُفرض الحج على الناس، لكن الملايين منهم يتطوعون للحج إلى نهر الكانج المقدس كل عام، وبعضهم يحج إلى المعابد الكبرى والمعالم المقدسة، ويتبرع ببعض ماله طمعا في الارتقاء وتحقيق الأمنيات.

ومن الواضح أن هناك تشابها بين هذه الطقوس والعبادات التي أمر بها الوحي (الإسلام)، إلا أن الهندوس تخففوا من عبء الفريضة وجعلوها نافلة لمن يشاء.

التناسخ والمعاد
تقوم عقيدة الهندوسية أساسا على مبدأ تناسخ الأرواح (سمسارا)، والذي يزعم انتقال الروح بعد موت الجسد إلى جسد آخر، سواء كان جسد إنسان أم آلهة أم حيوان.

ويستند هذا الاعتقاد إلى مبدأ آخر يسمى “الكارما”، وهو ينص على أن لكل فعل يقوم بها الكائن الحي عواقب أخلاقية تتناسب مع الفعل، وذلك وفق نظام شامل للعدالة التي لا تستثني أحدا، وهو مبدأ تلقائي قائم بذاته ولا يخضع للسلطة الإلهية، مع أن الكهنة لا يملكون أي حجة عقلية تبرر عمل هذا القانون من تلقاء نفسه ودون جهة واعية تشرف عليه.

وبما أن العدالة لا تتحقق في هذه الحياة الدنيا دائما، فقد قرر الكهنة أن الأمر يتطلب الانتظار للتناسخ والعودة في حياة ثانية لينال كل فرد حقه سواء بالثواب أو العقاب، ويبرر الكهنة بهذا المبدأ تفاوت الناس في ما ينالونه من جمال وذكاء وصحة وثراء ومركز اجتماعي، ويطالبون الناس بأن يجتهدوا في العمل وحسن الخلق كي يعودوا إلى الحياة بشخصيات أفضل، بل يزعمون أن المرء قد يعود إلى الحياة على هيئة آلهة إذا حقق درجة الكمال والاستنارة، ويحذرون من إمكانية العودة بعد الموت إلى الدنيا في جسد حيوان عقابا له، لذا يحرّمون ذبح الحيوانات وأكلها خشية أن تكون حاملة لأرواح البشر.

تؤمن الهندوسية بنهاية العالم، ولكنها تعتقد بأن كونا آخر سيُخلق من جديد بعد نهاية الحالي حيث يتناسخ الكون في دورات متتالية مثل البشر، وتقول الأسطورة إن فترة “كالي” التي ستحل قبل نهاية العالم تحمل عددا من العلامات، مثل كثرة القتل وتقارب الزمان وانشغال الناس بالملذات وفساد الأخلاق.

كالكي مع حصانه

تنتظر الهندوسية شخصية تدعى “كالكي” في آخر الزمان، وتقول إنه سيكون التجسد العاشر والأخير للإله فيشنو، حيث سيظهر أخيرا لإنهاء عصر الظلام والدمار، وتعتقد الهندوسية أن للإله تجسدات متعددة تسمى “أفاتار”، وهناك من يرى أن بوذا كان أحد هذه التجسدات، كما يرى أتباع بعض القادة الهندوس والبوذيين الكبار أنهم قادتهم يمثلون إحدى تلك التجسدات أيضا، مثل سري راما كريشنا الذي سيأتي ذكره لاحقا.

نجد في نصوص الهندوسية ما يدل على أن النيران ستشتعل لتحرق كل شيء في اليوم الذي ينتهي فيه العالم، لكن هذه النار ليست للعقاب، كما أنه لا يوجد هناك حشر ولا حساب، بل يعاد خلق الكون بعد فترة من فنائه، ويكون الثواب والعقاب بإعادة تجسد البشر وفقا لأعمالهم في الكون الجديد.

ويبدو أن الهندوسية لم تنف وجود الجنة نهائيا، بل جعلتها مكانا مؤقتا لا يخلد فيه الصالحون، فهي مكان جميل يحتوي على قصور وحدائق وأنهار، وتعيش فيه الآلهة، ويمكن لمن يعيش حياة صالحة أن يدخل هذه الجنة لفترة محدودة بعد موته، لكن دورة التناسخ ستعود لانتزاعه من هناك وإعادته إلى الأرض، فالخلود لدى الهندوس يقتضي الاتحاد مع الحقيقة العظمى وليس دخول الجنة.

الهندوسية والجمعيات السرية
سنستعرض الجانب السري للهندوسية في مرحلتين تاريخيتين، الأولى تعود إلى عصر الملك أشوكا في القرن الثالث قبل الميلاد، والثانية هي العصر الحديث.

أسرة الموريا والملك أشوكا
تعد الهندوسية من أقدم الوثنيات الباطنية التي ما زالت حية حتى اليوم، وبالرغم من نشأتها الغامضة كما أسلفنا فقد دخلت عليها طوال قرون العديد من المؤثرات حتى أصبحت خليطا من العقائد، كما انبثقت عنها أيضا عقائد أخرى في نيبال والصين ومناطق أخرى بآسيا، لكن تغلغل القبالاه في الهند لعب دورا إضافيا في جعلها أرضا خصبا للجمعيات السرية الباطنية.

في عام 269 قبل الميلاد، ورث الملك “أشوكا العظيم” الحكم عن والده بندوسارا، وبعد سبع سنوات تقريبا خاض في كالينغا بشرق الهند معركة طاحنة راح ضحيتها نحو مئة ألف إنسان كي يؤسس إمبراطوريته الضخمة، والشائع في التاريخ المتداول عالميا اليوم أن الملك أشوكا شعر بالندم على الدماء التي أزهقها، فتحول من ملك محارب إلى رسول للتسامح والأخوة الإنسانية، واعتنق الديانة البوذية (المشتقة من الهندوسية) دون أن يتخلى عن الأصل الهندوسي، وقرر أن يجعل من البوذية ديانة تبشيرية عالمية بإرسال الدعاة إلى أنحاء إمبراطوريته، ودوّن مبادئه في التسامح على أعمدة أشوكا الباقية حتى اليوم، والتي تعلوها منحوتة لأربعة أسود، ما زالت تمثل شعار الهند الرسمي حتى اليوم.

لكن ثمة رواية أخرى لقصة أشوكا، فعلى سبيل المثال يرصد الباحثان لويس بولز وجاك بيرييه في كتابهما “صباح السحرة” The morning of the magicians الجانب المخفي من تاريخ البلاد الذي لا نكاد نجد له أثرا في المراجع التاريخية الكبرى، فيقولان إن أشوكا أدرك بعد ضمه السواحل الشرقية للهند إلى دولته أنه لن يتمكن من الإمساك بزمام دولة مترامية الأطراف إلا بامتلاك قلوب الشعب قبل رقابهم، فسعى إلى نشر الهندوسية والبوذية لأنهما تقدمان للشعوب مبررا للسعي وراء الثروة والانحلال الأخلاقي دون أعباء. ولكي يضمن نجاح المشروع أسس جمعية سرية من تسعة قادة -وهو أحدهم- تحمل اسم “جمعية الرجال التسعة” [كتاب شفرة سورة الإسراء، ص 341].

وكما هو حال معظم الجمعيات السرية الأخرى التي تتوالد من رحم واحد منذ آلاف السنين، فإن هدف أشوكا من تأسيس جمعيته السرية كان بحسب زعم بولز وبيرييه هو “حفظ المعرفة وتطويرها كي لا تقع في أيدي الرجال الأذكياء ممن قد يوظفون علمهم وذكاءهم في سبيل الشر”، وقد أوضحنا في مقال الجمعيات السرية أن هذه المعرفة التي يحرصون على احتكارها ليست سوى مزيج من الفلسفة الباطنية الهرمسية والخيمياء والرياضيات والهندسة مع أكثر علوم السحر والتعامل مع الشياطين خطورة.

وتنتشر اليوم الكثير من المؤلفات والمواقع الإلكترونية التي تتحدث عن تفاصيل (يصعب التحقق منها رغم احتمال صحتها) بشأن استمرار وجود هذه الجمعية السرية، والتي يتم استبدال رجالها التسعة جيلا بعد جيل حتى اليوم، حيث يُعتقد أنهم ما زالوا يحتفظون بمعارفهم السرية المتطورة، ويؤمن الكثير من أصحاب هذه الروايات فعلا بأن هدف الجمعية هو حماية تلك المعرفة من الوقوع بيد الأشرار بدلا من العكس.

تقر المراجع التاريخية الكبرى بأن أسرة موريا التي حكمت الهند، والتي أسهها شاندرا غوبتا جد أشوكا عام 321ق.م غير معروفة الأصل، فلم يذكر لنا التاريخ سوى أن شاندرا غوبتا ظهر على المسرح الهندي لتأسيس مملكة تتصدى للغزو المقدوني (اليوناني) الذي قاده الإسكندر الأكبر، كما لم يحفظ التاريخ الكثير من آثار وقصص شاندرا وابنه بندوسارا، بينما احتفظ أشوكا بتاريخه المنحوت على أعمدة تحمل اسمه وصار تاريخ البلاد العظيم يبدأ من عنده، حيث أخبر عن نفسه بأنه ارتكب مذابح كبرى لتحويل مملكته الناشئة إلى إمبراطورية عظمى، ثم تحول بعدها إلى رمز للتسامح.

لكن الباحث بهاء الأمير -في كتابه شفرة سورة الإسراء- يرى سرًا آخر وراء هذه الأسرة مجهولة الأصل، ويتساءل لماذا ظل تشكيل جمعية الرجال التسعة طي الكتمان؟ ومن أين جاءت تلك الأسرة التي أعادت كتابة تاريخ شعب يقدر تعداده اليوم بأكثر من مليار نسمة؟

ينقل الباحث عن هيلينا بلافاتسكي أن نصوص البورانا الهندوسية المقدسة تنبأت بأن الموريا ستحكم الهند حكما روحيا خالصا وستكون مملكة التجلي القادم للإله، لكنه يفسر مقولتها هذه بأن هذا التجلي ليس سوى تحريف لتجلي الإله في الماشيّح أو الهامشيحاه (المسيح المخلص بالعبرية) الذي ينتظره القباليون اليهود في آخر الزمان، وأن الأسود الأربعة التي اتخذتها الأسرة شعارات ليست سوى نسخة عن أسد سبط يهوذا الذي لا يكون حُكمُ بني إسرائيل إلا منهم وفقا لمقولة “حق الحكم الإلهي”. أما اسم موريا فليس سوى اسم جبل الهيكل الوارد في النص التالي من التوراة: “وشرع سليمان في بناء بيت الرب في أورشليم، في جبل الموريا حيث تراءى لداود أبيه”، ما يرجح أن تلك الأسرة الغامضة التي أسست جمعية سرية لحماية الهندوسية والبوذية ونشرها وتسييسها ليست سوى إحدى سلالات سبط يهوذا من بني إسرائيل الطامحين إلى حكم البشرية عبر ما يرونه وعدا إلهيا.

العصر الحديث
كما هو حال القبالاه التي تزعم احتكارها للحقيقة الباطنية لليهودية، فإن فلسفة “فيدانتا” الهندوسية تتناول تفسيرات باطنية لكتب الفيدا والأوبانيشاد المقدسة، وتزعم أنها تعلم التأويلات السرية للنصوص وأنه يمكن من خلالها فهم الطبيعة المطلقة للحقيقة (الإله براهمان).

راما كريشنا

وهناك جزء من الفيدانتا تتمحور تعاليمه حول الإله فيشنو تحديدا، الذي سبق أن أوضحنا أنه يقابل إبليس نفسه بصفته الإله الحامل للمعرفة والمحب للإنسان، وقد بدأت هذه العقيدة الشيطانية بتشكيل جمعيات سرية منذ القرن الثامن عشر.

ومن أهم هذه الجمعيات جمعية “راما كريشنا” التي أسسها عام 1894م الراهب الهندي سْري راما كريشنا (المولود باسم غاداذار تشاتوبادياي) وتلميذه سوامي فيفيكاناندا، حيث انتقل فيفيكاناندا إلى نيويورك وأسس هناك جمعية فيدانتا وأصبح الأستاذ الأعظم لها، وما زالت الجمعيتان تنشئان فروعا ومدارس لنشر طقوسهما في الهند وأوربا وأمريكا الشمالية، وإليهما ينسب أيضا انتشار حركة العصر الجديد وثقافة اليوغا في كل الدول الغربية.

وبما أن الجمعيات السرية الشيطانية تنهل من نبع واحد، فقد التقى الأستاذ الأعظم للماسونية في الولايات المتحدة ألبرت بايك بالأستاذ الأعظم للفيدانتا، وأخذ بايك منه تعاليم الباطنية الهندوسية وجعلها أصلا لطقوس الدرجة الثانية والثلاثين الماسونية، وهي الدرجة قبل الأخيرة في الطقس الأسكتلندي.

كان سوامي فيفيكاناندا عضوا بارزا في محفل الأمل والمرساة الماسوني، وقد حصل على درجة الأستاذية فيه عام 1884.
ومن الملفت أن مدينة مدراس الهندية احتضنت أول محفل ماسوني أقيم خارج أوروبا وأمريكا، حيث تأسس عام 1724، أي بعد سبع سنوات فقط من تأسيس الماسونية في لندن. وما زالت الماسونية ناشطة بقوة في الهند، وقد أجرت صحيفة “تايمز أوف إنديا” لقاء مع أستاذ الماسونية الأعظم في الهند فاسوديفا ماسوريكار بتاريخ 10 فبراير/شباط 2013، وزعم فيه أن الماسونية ليست جمعية سرية بل مجرد “أخوية” تضم 22 ألف عضو.

وبطبيعة الحال، كان فيفيكاناندا يقدم نفسه إلى الغرب على أنه قديس يحمل رسالة السلام إلى العالم كما كان يفعل الملك أشوكا قبل أكثر من ألفي سنة، حيث يوثق أتباعه اليوم من محاضراته وكتاباته ما يدل على انفتاحه على كافة الأديان ودعوته للتعايش مع الجميع، وهو ما نجده في مؤلفات الروائي الإنجليزي كريستوفر إيشروود الذي كرس الكثير من حياته وأدبه للترويج للفيدانتا وتوثيق أقوال فيفيكاناندا، لكن هذا الخطاب “المتسامح” يصب في مجرى الجمعيات السرية الحديثة التي تسعى جاهدة لإعادة صهر الأديان كلها في بوتقة دين عالمي واحد، وهو دين عبادة لوسيفر أو فيشنو (إبليس) حامل الضياء الذي يسعى لكشف غشاوة الجهل عن الإنسان كما يزعمون.

في عام 1893، أطلق سوامي فيفيكاناندا مع القاضي الأمريكي تشارلز بوني مبادرة لإنشاء “البرلمان العالمي للأديان” في مدينة شيكاغو الأمريكية، والذي استمر بمزاولة أنشطته حتى أصبح مجلسا عالميا يحظى بشهرة كبيرة، ومنذ عام 2014 أصبح ينعقد سنويا.
ويعتبر هذا البرلمان منصة عالمية لنشر فكرة “وحدة الأديان”، حيث يسعى رجال دين من كافة الأديان لتقديم أطروحات تفسيرية لأديانهم بأقل قدر من الفوارق والحدود، ما يسمح لاحقا بدمج هذه الأديان كلها في ملة واحدة، وذلك بذريعة نبذ عوامل التفرقة بين البشر.

تتجلى هذه الرسالة بوضوح في كتابات هيلينا بلافاتسكي، فقد بدأت بتلقي تعاليم الجمعيات السرية عبر الهندوسية أولا عندما التقت بمعلمها كوت هومي في لندن، وهو أحد مؤسسي أخوية النور العظمى التي تدمج تعاليم جمعية المتنورين (إلوميناتي) بتعاليم الفيدانتا، وقد رحلت بلافاتسكي معه إلى الهند في منتصف القرن التاسع عشر وبقيت هناك عدة سنوات، ثم أسست في الولايات المتحدة عام 1875 جمعية الحكمة الإلهية (ثيوصوفيا)، التي تعد الآن من أهم الجمعيات الباطنية التي تلهم الكثير من صناع الرأي والقرار في الغرب، وقد افتتحت بلافاتسكي في مدينة مدراس الهندية فرعا لها أيضا قبل افتتاح المزيد من الفروع في أمريكا وأوروبا.

بلافاتسكي

وتعلن بلافاتسكي في كتابيها “إيزيس بلا حجاب” و”العقيدة السرية” ما تسعى إليه بكل وضوح، فهي تصرح بأن لوسيفر (إبليس) هو حامل النور والحياة والمعرفة والحضارة والحرية، وهو إله هذا الكون الذي يستحق أن يعبد بدلا من الإله الخالق الذي طرد الإنسان من الجنة، وبما أن الأرواح تتناسخ وفقا للعقيدة الهندوسية (والتي يؤمن بها الباطنيون) فإن الإنسان المخلّص (المايتريا) سيحل للمرة الخامسة والأخيرة في أحد الأجساد قريبا، ويتجلى فيه الإله براهمان، فيقود البشرية نحو الاندماج في أمة واحدة ودين واحد وهو دين عبادة لوسيفر.

وقد آمنت بهذه العقيدة أيضا سيدة أميركية يهودية تدعى أليس بيلي، وأسست منظمة عالمية تدعى “لوسيفر ترست” عام 1922، ثم تم تعديل الاسم إلى “لوسيس ترست” لدفع الشبهات عنها، وتلعب هذه المنظمة اليوم دورا مهما في دعم أنشطة منظمة الأمم المتحدة، وفقا للموقع الرسمي للمنظمة.

كانت بيلي أكثر وضوحا من أستاذتها، ففي كتابها “ظهور المسيح” تقول إن المسيح المنتظر سيكون من سلالة اليهود، وهو الماشيّح الذي ينتظرون ظهوره في آخر الزمان، وسيوحد الشرق والغرب ويحل به السلام في العالم كله. كما خصصت العديد من كتبها لشرح تعاليم “العصر الجديد” الذي تبشر به، [انظر مقال حركة العصر الجديد]، وجميع هذه الكتب متاحة للبيع على موقع “لوسيفر ترست” وليست سرية.

وهكذا تتقاطع الباطنية اليهودية مع الباطنية الهندوسية، فالماشيّح هو نفسه المايتريا، ولوسيفر هو فيشنو، والخلاص النهائي سيحدث عندما يخرج المخلّص إلى العلن ليوحد الناس جميعا في عقيدة واحدة بإخلاص العبادة لذلك الإله، وذلك مصداقا للنبوءات التي ينتظر المسلمون تحققها في آخر الزمان عندما يخرج الأعور الدجال.

أليس بيلي مع شعار منظمتها وغلاف كتابها

أما التلميذة الثانية لبلافاتسكي الكاتبة البريطانية آني بيزنت فكانت من أهم ملهمي المهاتما غاندي، مؤسس الدولة الهندية الحديثة، حيث التقى غاندي شخصيا بالسيدتين عام 1889، وكان يعلق صورة بيزنت في مكتبه بجوهانسبرغ في جنوب أفريقيا قبل أن يصبح قائدا للثورة ضد بريطانيا، ويقال إن بيزنت هي التي أطلقت عليه لقب مهاتما (الروح العظيمة)، وهو اللقب السنسكريتي المقابل للقب الأستاذ في جمعية الثيوصوفيا.

آني بيزنت مع غاندي

اشتهر غاندي عالميا بأنه كان منفتحا على كل الأديان ورافعا لراية السلم ومناهضا للعنف، وينقل عنه قوله “إن للأديان روحا واحدة، إلا أنها تتجلى في أشكال متعددة، والجوهر سيبقى حتى النهاية، والرجال الحكماء سيتجاهلون القشور ويهتمون بالروح الحية التي تحتها… أما الحقيقة فليست ملكا حصريا لأي كتاب مقدس على حدة”، وهذا ما كان يقوله المعلم راما كريشنا الذي اعتبر أن كل الأديان بما فيها الإسلام والمسيحية تؤدي إلى نتيجة واحدة.

والحقيقة أن هذه الدعوات للانفتاح لا تعدو كونها شعارات لتمييع الحقيقة حتى تتماهى مع الباطل، وليصبح الوحي السليم مكافئا للدين الأسطوري المحرف، فالأديان الباطنية وحركاتها التي مازالت تتوالد باستمرار لا تخوض في الأسئلة الوجودية الكبرى، وتكتفي بالدوران حول المسلّمات التي تتفق عليها كافة الأديان مثل وجود الإله ومحبته وضرورة التعايش في وئام وسلام، بينما تدعو بشكل غير مباشر إلى نبذ الأصول الأخرى التي لا يكتمل أي دين إلا بها ولا يصح جمعها مع أصول الأديان الأخرى.

وهذا التمييع يقع في قلب أهداف الجمعيات السرية كلها، وهو ما تعلنه جمعية بلافاتسكي وتلميذاتها بوضوح، وهذا يفسر تبجيل الغرب -بما فيه بريطانيا التي كانت تحتل الهند- لغاندي، حتى أصبح أيقونة عالمية يراد تعميمها واستنساخها، فهناك جانب غير معلن من قصة المهاتما واستقلال الهند وتقسيمها على حساب المسلمين.

منظمة أشوكا العالمية
تأسست هذه المنظمة في الهند عام 1981 لدعم أصحاب المشاريع الاجتماعية الرائدة في العالم ممن يسعون للتغيير الاجتماعي، وذلك على يد المدير المساعد للوكالة الأمريكية لحماية البيئة بيل درايتون. وتمنح المنظمة أعضاءها لقب زمالة أشوكا للدلالة على التميز والريادة، وتعلن في موقعها الرسمي أنها استمدت اسمها من “الإمبراطور أشوكا الذي تخلى عن العنف وأصبح واحدا من أكثر القادة تسامحا وانفتاحا وإبداعا في التاريخ”.

وإلى جانب المشاريع الخيرية والتنموية التي تدعمها، وهي مشاريع رائدة وتستحق التقدير، تولي المنظمة اهتماما كبيرا بالمشاريع التي تحث على التسامح والاندماج، وفقا للمفاهيم التي يتبناها دعاة اللاعنف مثل فيفيكاناندا وغاندي.


هاري كريشنا

أحد مهرجانات هاري كريشنا في موسكو

في عام 1965 قطع الهندوسي “أيه سي بهاكتي فيدانتا سوامي برابهوبادا” شوطا طويلا في دمج الهندوسية بالثقافة الغربية عندما أسس في نيويورك “الجمعية الدولية لوعي كريشنا”، والتي باتت تعرف باسم حركة هاري كريشنا، وهي تستمد أصولها من الكتب الفيدية التقليدية وتعتمد على تعاليم حركة “غوديا فاشينافا” التي سبق أن ظهرت في الهند عام 1486، وتركز جل اهتمامها على عبادة فيشنو وكريشنا.

استقطبت حركة هاري كريشنا اهتمام آلاف الشباب الأمريكيين تزامنا مع صعود حركات العصر الجديد، فكانت أشبه بموضة فكرية تضفي بعدا روحيا على حياة الهيبيين المليئة بالعبث والجنس والمخدرات، دون أن تحمّلهم أعباء أخلاقية أو تحرمهم من التمتع بالملذات الحسية، وذلك بالرغم من إصرار أدبيات الحركة على أنها تدعو للتقشف ومقاومة الشهوات، إلا أن فلسفتها الغامضة ظلت كما يبدو حبيسة الكتب، كما أن محاولتها إضفاء البعد الروحي على الممارسات الجنسية تكفي لجذب الشباب حتى لو اكتفوا بالبحث عن المتعة دون التفات إلى وصايا التقشف.

سرعان ما توسعت الحركة، وأصبحت اتحادا عالميا يضم مجتمعات مصغرة تكتفي بذاتها في الغابات، وذلك بعيدا عن ضجيج الحياة العصرية. وعندما انهار الاتحاد السوفيتي وسقط النظام الشيوعي الإلحادي؛ وجدت هذه الحركة أرضا خصبة في أوروبا الشرقية، لملء الفراغ الروحي لدى الشباب الباحث عن أي بوصلة.


ميهير بابا      
في عام 1925، بدأ شاب هندي من والدين إيرانيين زرادشتيين اسمه ميروان شيريار رحلته الروحية التأملية، وكان عمره آنذاك تسعة عشر عاما، وعندما أصبح جاهزا أسس جماعته الخاصة في بومباي مدعيا أنه “أفاتار” جديد يتجسد فيه الإله.

وكما هو حال الكثير من الزعماء الهندوس، لحق به الآلاف فأسس لهم قرية أسماها ميهيرأباد، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة التي باتت أرضا خصبة لحركات العصر الجديد، وأصبح من نجوم المجتمع إلى أن توفي عام 1969، وتحول مقره في مايرتل بتيش بولاية كارولاينا الجنوبية إلى متحف يستقطب المعجبين حتى اليوم، وهو شاهد على حياة الترف التي كان يعيشها.


مهاريشي ماهيش عام 2007 قبل شهور من وفاته
(Global Good News)

التأمل التجاوزي
بعد نجاح راما كريشنا و فيفيكاناندا في عولمة الهندوسية وربطها بالجماعات السرية الغربية، جاء دور مهاريشي ماهيش يوغي (المولود عام 1918 باسم ماهيش براساد فارما)، حيث انعزل في جبالا الهيمالايا ثلاثة عشر عاما حتى يصل إلى “الاستنارة”، ثم بدأ بتأسيس مشروعه عام 1959 محاولا تقديم الأساطير الغنوصية في ثوب علمي، فقدّم أبحاثا في مجال الوعي وعلاقته بهالات الطاقة المحيطة بالجسم، وأسس “جمعية التأمل التجاوزي الدولية” في لندن لتكون مظلة لأفكاره.

ذاع صيته في الستينات عندما بدأت فرقة البيتلز الغنائية الشهيرة بالتعلم على يديه، حتى أصبح من نجوم حركات العصر الجديد، مما منحه فرصة أكبر لترويج نظرياته التي كان يحاول من خلالها تقديم حلول لمشاكل العالم الاقتصادية والسياسية والتربوية والأخلاقية والصحية والإدارية، ثم أسس جامعات في الولايات المتحدة واليابان وهولندا وروسيا لتخريج أجيال من المعلمين الحاملين لأفكاره، والتي أصبحت جزءا من إمبراطوريته القائمة حتى اليوم.

في عام 1975 بدأ بالتبشير بما سماه “فجر عصر الإشراق”، وقام بجولة عالمية للترويج لبدء عصر جديد للإنسانية، وكان رئيس وزراء كندا بيير ترودو أحد الشخصيات المهمة التي استقبلته بحفاوة. وتتقاطع هذه الفكرة مع نظرية بلافاتسكي المذكورة أعلاه عن عصر جديد ونهائي يتجلى فيه لوسيفر “إبليس” حاملا الخلاص والنور والسلام إلى البشرية.


أوشو
ولد تشاندرا موهان جين عام 1931، وبدأ بشق طريقه نحو الشهرة في الستينات من خلال انتقاداته للأديان والسياسة وحتى بعض الرموز لدى الشعب الهندي مثل المهاتما غاندي، وفي أواخر الثمانينات اتخذ اسم “أوشو” وأصبح من أكثر رجال الدين الهندوسي إثارة للجدل.

على عكس المعلمين السابقين الذين حرصوا على الظهور في صورة المتقشفين، لم يتردد أوشو في الانفتاح على كل الملذات ومظاهر الخلاعة. فبعد انتقاله إلى الولايات المتحدة عام 1981 أنشأ في ولاية أوريغون قرية خاصة بأتباعه تحت اسم “راغنشبورام”، والتي أصبحت محجّا للباحثين عن أساليب جديدة تدمج التأمل بالجنس، وتصل بالممارسين إلى حد الهلوسة، وهي لا تختلف في شيء عن طقوس الجماعات الشيطانية.

لم يكن أوشو يخفي عن أتباعه وعن الصحفيين الجانب المترف من حياته الخاصة، فكان يمتلك عددا كبيرا من سيارات رولز رويس ويعيش في قصر فخم، فضلا عن ممارساته الجنسية المتعددة. وقد دخل في صراعات مع جهات إعلامية وسياسية واجتماعية كثيرة في أميركا مما أدى إلى طرده، حيث منعته أكثر من عشرين دولة من اللجوء إلى أراضيها، فاضطر للعودة إلى بلدته بيونيه في الهند ليموت فيها عام 1990.

أتباع أوشو كانوا يصطفون يوميا في قريته الخاصة بأميركا لتحيته عند مغادرته بسيارته الفارهة

والملفت أن أفكاره لاقت رواجا بعد موته أكثر مما كانت عليه في حياته، وهي من أكثر أنماط العيش ملاءمة لحركات العصر الجديد المنفلتة عن قيود الأديان والأخلاق، حيث يجتذب منتجع أوشو الدولي في بيونيه نحو مئتي ألف زائر سنويا، وتعد مريم نور من أهم مروجي فلسفته في العالم العربي.

في هذا الفيديو يتبرّك أتباع أوشو بقدميه في عيد ميلاده عام 1972:

البوذية
تقول الحكاية إن أميرا هنديا اسمه سدهارتا غوتاما ولد عام 560ق.م لملك كان يحكم مملكة صغيرة على الحدود الفاصلة بين الهند ونيبال، وعندما بلغ الأمير سن التاسعة والعشرين شعر بالملل من حياة الترف وانطلق في الغابات والجبال للتقشف والتأمل على طريقة اليوغا حتى بلغ حالة الاستنارة، وأصبح لقبه بوذا، أي المستنير.

انطلق بوذا للدعوة إلى مذهبه الذي يعد طريقة للخلاص تحت مظلة الهندوسية، فآمن به الناس وذاع صيته، ولم يترك بوذا لأتباعه كتابا يوثق تعاليمه، كما لم يرشح أحدا منهم ليخلفه، ويقال إن ثلاثة من كبار الرهبان الذين آمنوا به قرروا بعد وفاته تدوين فلسفته، وبعد نحو ثلاثة قرون وجد الملك آشوكا العظيم في هذه الفلسفة نسخة أكثر قابلية للتطبيق والتبشير، لا سيما وأنها تلغي الطبقية التي كانت موجودة في الهندوسية القديمة، فجعل منها دينا عالميا.

هناك من يشكك في وجود شخصية حقيقية اسمها بوذا ويرجح أنها مجرد أسطورة، وهناك من يرى في المقابل أن بوذا كان نبيا مرسلا من الله وداعيا إلى التوحيد الذي دعا إليه خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وبما أنه من الصعب التحقق من صحة هاتين المقولتين فسنتعامل مع شخصيته وآثاره وفقا لما يقوله أتباعه.

تمثال لبوذا في حالة تأمل

من الملفت أن بوذا لم يتحدث عن وجود إله على الإطلاق، مع أن الهندوسية الأصلية تعبد ملايين الآلهة وتجعل على رأسها إلها خالقا، لكن بوذا ركز اهتمامه كله على الاستنارة والتوحد بالحقيقة المطلقة ونبذ الطبقية ورفع الظلم عن المضطهدين، وعندما يُسأل الرهبان البوذيون اليوم عن مفهومهم لبدء الخلق وأصله ومصيره وما بعد الموت فإنهم لا يقدمون إجابات شافية، فالبوذي يقصر اهتمامه على الجانب الأخلاقي والسلوكي ويتهرب من التفكير في الأسئلة الوجودية، ما يدفع بعض الباحثين للتردد في تصنيف البوذية ضمن الأديان واعتبارها مجرد فلسفة باطنية.

ونظرا لغياب مفهوم الألوهية لديهم، رفع الكهنة بوذا إلى مرتبة الإله مع الإقرار بأنه مجرد معلم وليس خالقا، إلا أنهم يقصدونه بالعبادة والتقديس. وتقام اليوم في المعابد البوذية صلوات وتتلى أناشيد ملحنة أمام أصنام بوذا، كما يؤدي الكثير من أتباعه صلاتهم في منازلهم أمام أيقونات على هيئة بوذا.

تُفرض الزكاة على أموال عامة الناس، وقدرها تُسع المال، أما الصيام فيتطلب الامتناع عن الأكل والشرب باستثناء الحليب، وبعضهم يصوم ثلاثة أيام محددة في السنة، بينما يصوم آخرون اليوم الرابع عشر من كل شهر قمري، أما الحج فيتطلب السفر إلى أربعة أماكن مقدسة في الهند ونيبال، ويقر الكهنة أن هذه العبادات لم يأمر بها بوذا بل وُضعت بعد موته.

وكما هو الحال لدى الهندوسية، يؤمن البوذيون بمبدأ “الكارما” والتناسخ، ويزعمون أن المرء قد يعود إلى الحياة على هيئة آلهة إذا حقق درجة الكمال والاستنارة، ويحذرون من إمكانية العودة بعد الموت إلى الدنيا في جسد حيوان، لذا يعتقد البوذيون أن بعض الديدان والحشرات ليست سوى كائنات بشرية ممسوخة، فيمتنعون عن قتلها.

تعد البوذية أكثر مادية من الهندوسية، فهي ترى أن الخلاص حالة لا تخضع للتغير، وهو الخلود والمجد والمعرفة المتعالية، حيث يشعر الإنسان بالطمأنينة والسعادة عندما ينال هذه الدرجة. كما لا تقر البوذية بوجود الروح (الأتمان عند الهندوس)، بل تزعم أن الإنسان مركب من أجزاء مادية متغيرة، وآلية الكارما تؤدي إلى تمتع الإنسان بالملذات المادية بعد التناسخ، فلا وجود للآخرة بنهاية المطاف. وهذه الرؤية المادية تعطي البوذية ميزة القبول في الغرب، لا سيما ضمن إطار حركة العصر الجديد.

بعد نحو ألف سنة من خروج البوذية من رحم الهندوسية، قدّم بوذيدارما -الذي يعتقد أنه الخليفة الثامن والعشرون لبوذا- مذهبا جديدا تحت مسمى بوذية التشان، والتي تعد النسخة الصينية من البوذية، ثم انتقل هذا المذهب إلى اليابان تحت مسمى بوذية الزن. ولا يختلف هذا المذهب كثيرا عن الأصل، إلا أنه يحاول أن يجعل تعاليم البوذية أكثر التصاقا بالحياة اليومية، ما يعطيه أيضا ميزة الانتشار في الغرب.


التقاطع مع الإسلام

الهندوسية والإسلام
تتقاطع الهندوسية مع الإسلام في الإقرار بالألوهية، لكن الإسلام يقوم على التوحيد والإيمان بأن للإله وجودا حقيقيا مطلقا، وبأن للمخلوقات وجودا حقيقيا نسبيا، ويتنافى هذا التوحيد مع وحدة الوجود واتحاد الخالق بالمخلوقات أو حلوله فيها.

أما الهندوسية فتقوم على تعدد الآلهة (الشرك)، وتقر بخلود الروح وتناسخها، وتعطي الأولوية للروح على الجسد، ما يؤدي إلى الزهد المتطرف، بينما يقول الإسلام بوحدة الروح والجسد وتحقيق التوازن بينهما مع الدعوة إلى الزهد المعتدل.

يرى كثير من المؤرخين أن الهندوسية لعبت دورا جوهريا في نشوء بعض الفرق الإسلامية أو التأثير عليها جزئيا، مثل الإسماعيلية وبعض الطرق الصوفية، غير أنه يجب التمييز بين نمطي التصوف الإسلامي لتحديد مدى تأثيرها عليه، ففي التصوف السني التعبدي ظل تأثيرها ثانويا ومحدودا، حيث أخذ عنها الزهاد بعض المظاهر كالسُّبحة والمخلاة، والقول بأولوية النفس على الجسد بصورة مخففة، أما التصوف الفلسفي فتأثر بها بقوة حتى كانت من مصادره الأساسية، ونرى ذلك واضحا في مقولة الحلول التي تُنسب للحلاج، وفي نظرية وحدة الوجود لدى ابن سبعين. [انظر: الباطنية والتصوف الفلسفي].

البوذية والإسلام
تلتقي البوذية مع الإسلام في العديد من القيم الأخلاقية والاجتماعية، مثل الدعوة للمساواة التي نص عليها الحديث النبوي “ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى” [رواه البيهقي وصححه الألباني]، وكذلك في التوسط بين الإباحة المطلقة والزهد المطلق، والذي نجده في الآية {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} [القصص: 77].

لكن الاختلاف يظهر في عقائد جوهرية، وأهمها تأليه بوذا الذي يتناقض مع التوحيد، وإنكار البوذية لخلود الروح رغم قولها بالتقمص، وهو تناقض واضح.


أهم المراجع:

أبو الريحان البيروني، تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد، 1958.

أمَة الرفيع محمد بشير، المعاد في الهندوسية (أطروحة دكتوراه)، الجامعة الإسلامية العالمية، إسلام أباد، بدون تاريخ.

عبد الرزاق الموحي، العبادات في الأديان السماوية، دار الأوائل، دمشق، 2001.

جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ترجمة كامل حسين، سلسلة عالم المعرفة، 1995.

بهاء الأمير، شفرة سورة الإسراء، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2016.

بدون مؤلف، مدخل إلى الأسفار الڤِدية، موقع رافاناري التابع لحركة هاري كريشنا http://www.ravanari.com/mad/madkhal.pdf

Klaus K. Klostermaier ,Hinduism, Oneworld Publications, Oxford, 2007.

David Livingstone, The Untold Story of Gandhi and Theosophy, 12/15/2013, conspiracyschool.com

https://parliamentofreligions.org

http://www.ravanari.com

http://www.krishna.com

الإسماعيلية

أحمد دعدوش


فيلون اليهودي الذي عاش في الإسكندرية معاصرا ولادة المسيح عليه السلام كان يعيد تأويل النصوص اليهودية رمزيا

بالعودة إلى اليهودي عبد الله بن سبأ الذي جاء ذكره في باب “الإمامية الاثناعشرية“، فقد أقر المستشرق جولد تسيهر بأن ابن سبأ وتلاميذه استطاعوا أن “يورثوا الإسلام تركة فيلون اليهودي” بتفسيرهم القرآن الكريم تفسيرا رمزيا لتحريف معانيه وتأويلها بما يناسب هواهم [العقيدة والشريعة، ص156]، وقد فصّل الكثير من باحثي العقائد في المقارنة بين ما فعله فيلون اليهودي من تحريف وتأويل للتوراة وبين جهود ابن سبأ لتكرار التجربة نفسها مع القرآن، وخصوصا أن الأدوات المعرفية والفلسفية التي استخدمها العرفانيون من اليهود والمسيحيين هي نفسها التي لجأ إليها السبئيون بعد استيرادها من فلسفة فيثاغورس وأفلوطين والغنوصية الهندية والفارسية.

وكان ابن سبأ قد بدأ بوضع بذور الباطنية خلال حياة علي بن أبي طالب، فأخذ يتحدث عن تقديس علي وأحقيته بالخلافة ثم نشر الاعتقاد بغيبته ورجعته بعد موته. وجاء بعد ابن سبأ المختار بن أبي عبيد ليدعي أن محمد بن الحنفية هو الإمام بعد أبيه علي، ونشأت بذلك فرقة الكيسانية التي اعتقدت بتناسخ الأرواح بعد موت الأجساد. ومع أن ابن الحنفية تبرأ منهم فقد تبنى ابنه عبد الله -كما يقال- أفكار الغلاة، ووضع رموزا سرية للأرقام كي يفسر بها النصوص الدينية بما يوافق هواه، فجاء بعده من يعطي الرقم 7 أسرارا خفية.

واستمرت السلسلة مع ظهور أبو الخطاب الأسدي الذي يُنسب إليه القول بألوهية النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبأن الإله –تعالى- حلّ في سلالته من الأئمة بدءاً من علي، حتى أسقط أبو الخطاب الشرائع والفرائض ودعا للإباحية وتعلم السحر، كما حاول إقناع جعفر الصادق بخرافاته فطرده.

ويقال إنه كان له دور في إقناع المفضّل الجعفي بأفكاره الباطنية، فأثّر بدوره على محمد بن نصير مؤسس النصيرية (العلوية)، وكذلك على محمد بن إسماعيل وابنه، وعلى ميمون القدَّاح وابنه، وهما أبرز مؤسسي الإسماعيلية.

وبعد وفاة الإمام السادس جعفر الصادق سنة 148هـ، رأى بعض الشيعة أن الصادق أوصى بالإمامة لابنه الأكبر إسماعيل المبارك، فانشقوا بذلك عن بقية الشيعة وسُمّوا بالسبعية أو الإسماعيلية، بينما قرر الآخرون أن موسى الكاظم هو الإمام الذي يخلف أخاه الصادق، واستمرت سلسلة الأئمة لديهم حتى الإمام الثاني عشر فسمّوا بالاثني عشرية.

اختلف الإسماعيلية أيضا في مصير إسماعيل، فقرر البعض أن والده أقام له جنازة وهمية مدعيا وفاته لحمايته من بطش العباسيين، وأنه بقي حيا يمارس الإمامة، بينما وافق آخرون على أنه مات كما قال الاثناعشرية لكنهم فضلوا أن تكون الإمامة في ابنه محمد بن إسماعيل المكتوم بدلا من الكاظم. وقد تفرقت الإسماعيلية أيضا إلى فرق عدة لاحقا لتنوع التأويلات والخلاف على الأئمة والدعاة اللاحقين، ولتداخل الدين بالسياسة أيضا.

يختلف الإسماعيلية أيضا عن الشيعة بالميل نحو التأويلات العرفانية والإشراقية الصوفية، وقد كتب الكثير من الباحثين عن الأصول الفكرية المستوردة التي أثرت في عقائدها، بدءا ببعض الأفكار اليهودية والمسيحية، والعقائد الغنوصية المجوسية (الفارسية)، كما يظهر جليا تأثرها بمدرسة الأفلاطونية المحدثة، حيث كان رواد هذه الفلسفة في المشرق الإسلامي من الإسماعيليين.

العقيدة
تأثر الإسماعيليون في اعتقادهم بالله تعالى وفي خلقه وصفاته بالفلسفة الإشراقية المسماة بالفيض، وهي من نتائج المدرسة الأفلاطونية المحدثة، فيرون أن الله لم يخلق العالم مباشرة بل يفيض عنه العقل الكلي الذي هو محل لجميع الصفات الإلهية ويسمونه الحجاب، ثم يحل العقل الكلي في النبي وفي آل بيته من الأئمة الذين يخلفونه، فمحمد هو الناطق وعلي هو الأساس الذي يفسر الأسرار الباطنية للوحي. كما يُعد الإسماعيليون من “المعطلة” عند بقية المسلمين، أي أنهم ينفون الأسماء والصفات عن الله للمبالغة في تقديسه ولأنه في نظرهم فوق متناول العقل مما يوقعهم في تعطيل صفاته، فلا ينسبون إليه صفات العلم والقدرة والخلق وغير ذلك، كما لا ينفونها عنه، بل يضيفون هذه الصفات للعقل الكلي الذي يفيض عنه.

وتنطلق عقيدتهم من فكرة جوهرية -ذات أصول عرفانية صوفية- تقول إن لكل شيء ظاهرا وباطنا، ومع أنهم يعتمدون القرآن الكريم مصدرا للتشريع والعقائد فلا يأخذون بظاهره، بل يرون أن الحقيقة في باطنه الذي لا يعرفه إلا الأئمة المعصومين والعلماء، ومن هنا جاءت تسميتهم بالباطنية التي تشمل كل من انشق عن الجماعة الإسماعيلية من طوائف أخرى.

يرفع الإسماعيليون درجة الأئمة أكثر مما يفعل الاثناعشرية، ويضفون على علي بن أبي طالب رضي الله عنه صفات توحي بتأليهه، ففي كتاب كنز الولد لمؤلفه إبراهيم بن الحسين الحامدي نجد نصا منسوبا لعلي يقول فيه “أنا الأول وأنا الآخر، وأنا الظاهر وأنا الباطن، أنا بكل شي عليم، أنا الذي سمكت سماءها وسطحت أرضها وأجريت أنهارها وأنبت أشجارها”، والإمام الذي يخلف علي هو محور الدعوة الإسماعيلية ومحور العقيدة، وله حجة وداعية يدعو إلى البيعة له والإيمان به ويمرر المعلومات السرية من الإمام لأتباعه.

يحتل العقل عندهم منزلة رفيعة، فإذا تضارب النص مع فهمهم له أوكلوا الأمر للأئمة ولمن يخلفهم لإعادة تأويله بما يناسب العصر والمصلحة. ونظرا لاعتقادهم بجوهرية الباطن الخفي فإنهم يحتفون بالمعاني التي يمكن استنباطها من الأرقام.

الدعوة السياسية
تابع الإسماعيليون مهمة تطوير الأفكار الباطنية التي ترددت على لسان ابن سبأ ومن بعده ليجعلوا منها فلسفة متكاملة في الدين والحياة والسياسة، وأقاموا تصورا لمجتمع مثالي وصفه خمسة من فلاسفتهم في كتاب “رسائل إخوان الصفا”، وأسسوا مدارس دينية سرية لاستقطاب الكفاءات الفكرية كي تنطلق بالدعوة بين الناس لهذا الدين.

واعتمدت الإسماعيلية على الدعوة السرية لنشر التشيع وتنصيب الإمام خليفة على المسلمين، وظلت تبرر مبدأ التقية بالخوف على حياة الإمام وسلالة آل البيت من بطش العباسيين طوال قرون حتى أصبح العمل السري والتخفي والكذب والتشفير أمورا معتادة بدلا من أن تكون مجرد وسائل لمرحلة انتقالية، والأصل أن الأنبياء الذين اضطر بعضهم إلى التكتم في مراحل الدعوة الأولى سرعان ما جهروا بدعوتهم لاحقا، وتحملوا في سبيل ذلك كل أصناف العذاب، ولم يلجأوا إلى التقية والكذب حتى أثناء مرحلة التكتم.

وبالعودة إلى البدايات، يؤكد بعض المؤرخين السنة أن نشأة الفكر الباطني المقترن بالدعوة الإسماعيلية قد حيكت خيوط مؤامرته في سجن العراق، حيث اجتمع عبيد الله (أو عبد الله) بن ميمون القداح -الذي كان والده ميمون بن ديصان مولى لجعفر الصادق- مع حمدان بن قرمط وأحمد بن الحسين ومحمد بن الحسين الملقب بدندان، واتفقوا على تحريف دين المسلمين بنشر الأفكار الباطنية ذات الأصول اليهودية والمجوسية.

ويقول عبد القاهر البغدادي إن ميمون نفسه وليس ابنه عبيد الله هو الذي كان في السجن وخطط للمؤامرة، وإنه خرج من السجن الذي حبسه فيه الخليفة المهدي ليرحل إلى المغرب ويعلن من هناك انتسابه لآل بيت النبي وأنه من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق، حيث كان ميمون وصياً على محمد بن إسماعيل من قبل جده جعفر الصادق فانتسب إليه، ويضيف البغدادي أن هؤلاء كانوا “دهرية زنادقة يقولون بقدم العالم، وينكرون الرسل والشرائع كلها”، والدهرية هم الملحدون الذين لا يؤمنون بالله حسب التعريف القديم، وقد اختلف المؤرخون على رأيين في أصل ميمون فبعضهم جعله يهوديا بينما رأى آخرون أنه مجوسي.

ويؤكد مؤرخو السنة أن سلالة الأئمة الإسماعيليين -الذين أصبحوا خلفاء فاطميين لاحقا- ليسوا سوى أبناء القداح اليهودي، وأنهم لا يمتون إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم بصلة. ومن أهم من وثّق الطعن في نسبهم ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان، والباقلاني في سير أعلام النبلاء، وأبو شامة في كتابه الروضتين في أخبار الدولتين، وابن تغري بردي الأتابكي في كتابه النجوم الزاهرة، كما وافقهم في ذلك بعض المستشرقين مثل دوزي، وماسنيون.

وبالرغم من خطورة هذه المؤامرة فقد كانت الأجواء مهيئة لنجاح خدعة القداح مسبقا، إذ ساعد الاضطهاد الأموي والعباسي لآل البيت على تعلق كثير من العوام بالدعوة للتشيع، وتعمد أصحاب هذه الدعوة نشرها في اليمن والمغرب لانقطاعهما عن مركز الدولة في بغداد، كما ظل الأئمة المزعومين متخفين عن عيون أتباعهم فيما سمي بمرحلة الستر تذرعا بالخوف من بطش العباسيين مما ساعد على إخفاء حقيقتهم التي لا يعرفها إلا أقرب المقربين إليهم.

يكشف لنا التاريخ عن دورة حياة واحدة لمعظم الأديان والجماعات، حيث يتفانى المؤسسون بإخلاص لنشر دعوتهم وترسيخ أركانها ومؤسساتها، وقد يدفعون في سبيل ذلك أموالهم وأرواحهم، ثم تأتي الأجيال اللاحقة وتطمع في المناصب والمكاسب ليبدأ الشقاق والخلاف والتفرق إلى مذاهب عدة، ويبدو أن الباطنية الإسماعيلية لم تكن استنثاء.

وبعد كل ما بذله الدعاة الأوائل من جهد لنشر دعوة الإمام محمد بن إسماعيل بالسر وتأليف قلوب أتباعهم بما أسموه نظام الإلفة والإخاء، ومع كل ما عانوه من صعوبات بسبب ملاحقة العباسيين لهم، فقد بدأ الشقاق وفقا لرواية مؤرخي الإسماعيلية في عهد الإمام الحسين بن أحمد بن عبيد الله بن ميمون القداح (والذي كان يُعتقد أنه حفيد عبيد الله بن محمد بن إسماعيل) وسرعان ما تطور الخلاف إلى حروب طاحنة، حيث تشكك الداعي عبدان بأن الإمام كان مزيفا عندما زاره في بلدة سلَمية قرب حماة (مقر الدعوة الإسماعيلية الأول) ووجده شابا صغيرا مختلفا عما سمعه من أوصافه، وبدأ يشيع بأن الإمام قُتل وأن أولاد ميمون القداح استولوا على الإمامة.

في الوقت نفسه، كان زكرويه الفارسي (الذي يعتقد أنه مجوسي) قد بدأ بتنفيذ مخطط مماثل لمخطط أبناء القداح، فادعى ابنه يحيى أيضا أنه هو نفسه محمد بن عبيد الله بن محمد بن إسماعيل وخرج لاكتساب الأنصار في العراق والشام، أما أخوه الحسين بن زكرويه فادعى أنه أحمد بن عبيد الله وخرج لقتل عبدان الذي كان يشكك في نسب ابن القداح، ثم أخذ يتقرب من سلالة القداح ليستغلها وهو يطمع بما لديها من السلطة، مع أنه هو وعائلته ينافسهم على الانتساب المزعوم لآل البيت.

وبمقتل عبدان بدأ الصراع بين أولاد زكرويه والجنابي من جهة وبين حمدان بن الأشعث صديق عبدان من جهة ثانية، وأخذ الفريق الأول يقود معارك في البحرين والعراق لإجبار الناس على التشيع والخضوع لسلطتهم، بينما كان حمدان يحذر الناس من الطموح الدنيوي لآل زكرويه وآل القداح تحت شعارات نصرة آل البيت، إلى أن تمكن يحيى بن زكرويه من قتل حمدان خنقا في منزله، فرضخ الإسماعيليون لحكم الأقوى.

صار ليحيى بن زكرويه أتباع في العراق فحشد جيوشه من المرتزقة وحاصر دمشق، فهزمته جيوش ابن طولون وقتلته، فحمل الراية من بعده أخوه الحسين وانطلق في بلاد الشام ينشر مذهب التشيع الإسماعيلي ويجبر المدن على الولاء للإمام (من سلالة القداح) بدلا من الخليفة العباسي، وعندما وصل إلى الرقة (في وسط سورية حاليا) أرسل رسالة إلى الإمام بأن يدعمه عسكريا ليغزو حلب ثم المعرة وحماة وحمص، ومع أن الدعوة الباطنية كانت تصر في بدايتها على نبذ العنف ونشر التشيع بالمحبة، فقد وافق الإمام على ذلك وبارك له أسلوب “الفتح” العسكري لنشر المذهب، كما تقول مصادرهم.

عبيد الله المهدي سمى نفسه خليفة وأميرا للمؤمنين وأسس دولة شيعية موازية للدولة العباسية السنية

بعد موت الإمام الحسين بن أحمد وتولي ابنه عبيد الله المهدي (القداح) الإمامة، كانت الإسماعيلية قد تحولت إلى مشروع سياسي وعسكري لا يمت بصلة إلى مبادئ الإلفة والإخاء التي تأسس عليها المذهب، حيث كان الداعي أبو عبيد الله العسكري ينشر المذهب بقوة السلاح في تونس والجزائر، بينما يسابق آل زكرويه الزمن للسيطرة على العراق والشام وشرق الجزيرة العربية بقوة السلاح أيضا، مما أجبر الإمام للإعلان عن تنحية آل زكرويه عن كل المناصب وفقا لمؤرخي الإسماعيلية، مع أنه لم تكن له أي سلطة عليهم.

ومع أن عبيد الله المهدي (القداح) كان إمام زمانه “المعصوم”، ولكن يبدو أن قوة السلاح كانت أنفذ من صوت الإمامة، حيث لم يجرؤ الإمام على الرد على رسائل آل زكرويه الغاضبة التي تستنكر عزلهم، وعندما قرر أولاد زكرويه الانتقام منه هاجموا البصرة وقتلوا أهلها بما فيهم من نساء وأطفال، ثم انتقلوا إلى الفرات لحشد القبائل والبدو معهم في طريقهم لغزو الشام. وبدلا من أن يواجههم الإمام فقد قرر الفرار من مقره في السلَمية إلى المغرب، وما إن وصل إلى الرملة حتى جاء إليه الحسين بن زكرويه وحدثه عن خدمات عائلته للمذهب مستنكرا ما فعله الإمام بعزلهم.

ويبدو أن حجة الحسين كانت أقوى من الإمام “المعصوم” كما نقرأ في كتبهم، إذ كان الإمام ينصح الحسين بأن يعود إلى مبادئ الإخاء والمحبة والدعوة السلْمية، بينما يصر الحسين على أن جنوده البدو ليسوا سوى وسيلة لنشر الدعوة، فرضخ الإمام له وبارك له حملاته العسكرية، ووعده بأن يعود إلى السلَمية بدلا من الذهاب إلى المغرب، فخرج الحسين سعيدا بهذه المصالحة، وتابع حملاته فحاصر دمشق وأخضعها ثم توجه إلى حمص.

أما الإمام الذي يفترض أن يكون معصوما ومُلهما، فلم يفِ بوعده للحسين ولم يعد إلى السلَمية لشعوره بأن آل زكرويه سيخونوه مجددا وظل ينتظر في الرملة. وعندما خضعت حمص للحسين بعد خمسة أشهر، أرسل للإمام يسأله عن سبب تأخره في العودة إلى مقره بالسلَمية، فوعده الإمام الخائف مرة أخرى بالعودة إلى مقره ثم كذب، وتوجه إلى مصر.

يقول مؤرخو الإسماعيلية -ومنهم مصطفى غالب- إن الإمام “المعصوم” عبيد الله المهدي -الذي خرج هاربا من سلَمية خوفا من غدر الحسين بن زكرويه- اضطر إلى الكذب (تحت مسمى التقية) لإخفاء هويته طوال رحلته إلى تونس، فكان يدعي أنه تاجر، بينما يقول كل من رآه من أهل البصيرة -حسب غالب- والله ما هذا تاجر وإنما ملك من الملوك، لشدة هيبته.

الدولة الفاطمية
يتجاهل مؤرخو الإسماعيلية دور أبي عبد الله العسكري في تأسيس دولتهم الفاطمية بتونس في مطلع القرن الرابع الهجري، حيث حشد جيوشا من قبيلة كتامة البربرية للقضاء على الأدارسة والأغالبة قبل أن يصل الإمام المعصوم الهارب من مدينة سلَمية.

خريطة لمدينة المهدية تعود إلى القرن السادس عشر
(Braun and Hogenberg)

وعندما وصل الإمام عبيد الله المهدي (القداح) إلى تونس وأعلن عن تأسيس أول دولة للباطنيين في الإسلام، اجتمع رجال الدعوة الإسماعيلية في مؤتمر كبير وقرروا انتهاء دور الستر والتخفي الذي بدأ بالإمام السابع محمد بن إسماعيل، وبدء مرحلة جديدة يتولى فيها الإمام المعصوم السلطتين الزمانية والروحية، ثم أسس المهدي عاصمة دولته وهي مدينة المهدية التي ما زالت تحمل نفس الاسم بتونس. وقد أسهب المؤرخون السنة في وصف الجرائم التي ارتكبها المهدي لإكراه الناس على اتباع مذهبه، حيث أعدم نحو أربعة آلاف عالم، وأباح الخمور والفواحش وعطّل الشريعة.

بذل أبو عبيد الله العسكري جهودا جبارة للقضاء على الأغالبة عسكريا وتأسيس دولة الفاطميين، لكن الإمام المعصوم تخلص فور انتهاء مهمته، إذ يقول مؤرخو الإسماعيلية أنفسهم إن الإمام المهدي -الذي أصبح خليفة- بدأ يلاحظ تغيرا في سلوك أبي عبيد الله وميله إلى التمرد وسعيه إلى قتل الخليفة بتحريض جنوده من قبائل الكتامة البربرية عليه، فلاطفهم الخليفة وفرّقهم في البلاد، وطالب قادته بملاحقة أبي عبيد الله واثنين من زملائه حتى قتلوهم.

ويقولون إن الإمام كان رحيما بعد ذلك، فصلى على أبي عبيد الله ودفنه بجنازة كريمة، وقال “رحمك الله يا أبا عبيد الله وجزاك خيرا بجميل سعيك”.

وبالرغم من أن الدولة العُبيدية الفاطمية أصبحت قوية ولها أساطيل وجيوش، لكن التقية ظلت قائمة في الدين الإسماعيلي وفي الأديان التي تفرعت عنه، وما زالت حتى الآن.

القرامطة
وفقا لمؤرخي الإسماعيلية، شعر الحسين بن زكرويه بأن دمشق لن تنفعه في دعوته الباطنية وأن حمص ستكون أكثر ولاء له، فذهب بجيوشه البدوية إلى حمص واحتلها وأجبر خطباء الجمعة على الدعاء للإمام عبيد الله المهدي.

ثم شعر بأن الإمام لن يفي له بوعده بالعودة من الرملة إلى سلَمية لأنه لا يثق به، وكان الإمام بالفعل قد هرب إلى مصر ثم تونس لتأسيس الدولة الفاطمية، فذهب الحسين إلى سلَمية ودخل قصر الإمام وجمع من كان فيه من الخدم وأقارب الإمام الهارب وطلب منهم تسليمه كل أموال الإمام فلم يجيبوه، فقتلهم جميعا، ولم يخرج من المدينة التي كانت مركز الدعوة المقدسة وفيها عين تطرف.

وعاد الحسين إلى حمص ودعا الناس لتقديسه بوصفه الإمام المهدي المنتظر بدلا من الإمام الذي هرب لتونس، ولما سمع أهل دمشق بإرهاب الحسين بن زكرويه لقبوه بالقرمطي، وصار أتباعه هم القرامطة.

بعد مقتل الأخوين يحيى والحسين بن زكرويه على يد الخليفة العباسي المكتفي، لم يبق إلا أخاهم أبا الفضل بن زكرويه الذي اجتمع معه أتباع أخويه وصار زعيم القرامطة، فكان يغزو قرى الشام وينهبها جميعا ويقتل كل من فيها، حتى لقي حتفه.

وبعد مقتل أولاده الثلاث، قرر زكرويه بن مهرويه أن يقود بنفسه جيوش القرامطة، وأن يغزو الكوفة صباح العيد، فأمر رجاله بفتح السجون وإخراج المجرمين قبل اقتحامها، ثم دخل مع جيوشه وهو يصرخ “يا لثارات الحسين” أملا بأن ينتفض الكوفيون معه ضد العباسيين، لكنهم حملوا السلاح ضده وطردوه.

بقايا مبنى الكعيبة (شرق الجزيرة العربية) التي يعتقد أن الجنابي حاول أن يجعلها كعبة بديلة للمسلمين بعد اقتحامه للكعبة المشرفة في مكة المكرمة وسرقة الحجر الأسود وبقية كنوز الكعبة

عندما فشل زكرويه في احتلال الكوفة وإسقاط الدولة العباسية، حاول أن ينال دعم آل الجنابي الإسماعيليين في البحرين لكنهم لم يجيبوه، فاستقر مع جيوشه ومرتزقته القرامطة في صحراء الجزيرة العربية وبدؤوا بوضع الكمائن لقوافل الحجاج، وارتكبوا من المجازر ما يعترف به مؤرخو الإسماعيلية، حتى تمكن منه العباسيون وقتلوه وطافوا بجثته في البلاد.

بعد مقتل زكرويه تفرق الكثير من القرامطة وضعفت قوتهم، لكن العديد من القادة حاولوا إحياء هذه الجيوش واستثمارها مستغلين ضعف العباسيين وثورة الزنج وسيطرة الأتراك على سدة الخلافة ببغداد.

وبالرغم من تبرؤ مؤرخي الإسماعيلية من آل زكرويه لانحرافهم عن مسار الدعوة وتمردهم على الإمام، فإنهم يمتدحون آل الجنابي الذين أقاموا في البحرين دولة إسماعيلية “مثالية” تقوم على نظام الإلفة والإخاء، ثم يعترفون بأن أبا طاهر الجنابي الذي استولى على السلطة وعمره 17 سنة قد أصبح نفسه متوحشا، حيث جمع حوله القرامطة وأخلف وعده مع الخليفة العباسي بألا يتعرض لجيوشه فهاجم البصرة ونهبها، ثم خرج لمهاجمة الحجاج وفعل بهم ما لم يفعله آل زكرويه.

 

رسم تخيلي لحسن الصباح

الانقسام وظهور الحشاشين
بعد وفاة الخليفة الفاطمي المستنصر عام 487هـ/1094م قرر الوزير بدر الجمالي صرف نص تولية الإمامة من الابن نزار إلى أخيه المستعلي الذي كان ابن أخت الوزير، فانقسمت الطائفة إلى مستعلية ونزارية، ومع أن وزير المستعلي الأفضل بن بدر الجمالي تمكن من قتل نزار في الإسكندرية فقد قرر الحسن بن الصباح أحد دعاة الإسماعيلية الدعوة لنزار، وبهذا حُفظ هذا التيار من الاندثار وأصبح يطلق عليه اسم الدعوة الجديدة أو الإسماعيلية الشرقية، كما يسميها بعض الكتاب المعاصرين بإسماعيلية إيران.

يؤكد بعض المؤرخين أن نزار لقي حتفه قبل أن يُرزق بولد يخلفه، لكن أتباعه ادعوا أن له نسلا للحفاظ على الطائفة، وكان الحسن بن الصباح قد وجد في نزار فرصة ليحقق به طموحه لتأسيس دولة قوية تتجاوز العباسيين والفاطميين معا، فأيد أحقية نزار بالإمامة واستولى على قلعة ألموت (قرب طهران حاليا) واتخذها عاصمة له، فاكتسب ابن الصباح بذلك شرعية تأسيس دولته الخاصة التي كان قوامها فرقة سُميت بالحشاشين، وهي تسمية يتبرأ منها أصحابها، لكن بعض المراجع (وخاصة الاستشراقية الغربية) نسبتها إليهم بناء على رواية الرحالة الإيطالي ماركو بولو الذي قال إنه زار قلعة ألموت عام 1237م، وأكد أن ابن الصباح كان يستخدم الحشيش في تخدير أتباعه الجدد، ثم يضعهم في حديقة غناء ملأى بأشجار الفاكهة والقصور والأنهار الصناعية والجواري الجميلات، فيغترفون من الملذات وهم تحت تأثير المخدر، وبعد استيقاظهم يوهمهم بأنهم كانوا في الجنة، مؤكدا أنهم لن يعودوا إليها حتى ينفذوا أوامره، فيتحولون إلى فدائيين مهرة، ويتم استغلالهم لتنفيذ العمليات الانتحارية واغتيال كبار السياسيين في الدول المجاورة، ويقول مؤرخون إن قوائم الاغتيال التي احتفظ بها الحشاشون في ألموت كشفت عن خمسمئة شخصية نجحوا في قتلها.

حاول برنارد لويس وسيلفستر دي ساسي ومستشرقون آخرون التشكيك برواية ماركو بولو زاعمين أن كلمة الحشاشين لم تكن سوى شتيمة اخترعها السنة السوريون لتحقيرهم، غير أن باحثين آخرين قالوا إن الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله أرسل سنة 1123م رسالة إلى الإسماعيليين في سورية مستخدما مصطلح الحشيشية مرتين، وليس لدى مؤرخي الشيعة اليوم ما يدعم رأيهم بأن السنة هم من حقروهم بهذه التسمية طالما استخدم هذا الوصف أحد الأئمة الفاطميين.

اتخذ ابن الصباح لنفسه لقب شيخ الجبل، وكانت قلعته حصينة ومنيعة على الجيوش لوقوعها على رأس جبل صخري وعر، وتمكن أتباعه من السيطرة على قلاع عدة في شمال إيران وجنوب بحر قزوين وصولا إلى نهر جيحون. وبعد محاولات عديدة تمكنوا من انتهاز فرصة انشغال المسلمين بالحروب الصليبية وحققوا حلمهم بإيجاد موطئ قدم في سورية باحتلال قلعة أفامية.

ومع أن الصليبيين انتزعوا منهم القلعة وأسروا قائدهم أبو الطاهر الصائغ فإن الحشاشين لم يناصبوا الصليبيين العداء، بل ظل تركيزهم على معاداة المسلمين السنة دون غيرهم كما تقول الباحثة الشيعية أميرة الشيخ رضا فرحات في كتابها “الحشاشون.. بين الثورة والإرهاب”، وكان الحشاشون مهتمين بالتحالف مع بعض الأمراء السنة في سورية مقدمين لهم خدماتهم كفرق اغتيال محترفة لقتل خصومهم من أمراء السنة ومن الصليبيين أحيانا، وتمكنوا بذلك من اكتساب قلاع أخرى مقابل خدماتهم.

وقد أشرنا في مقال فرسان الهيكل إلى العلاقة التي نشأت بين هذه الجماعة السرية -ذات الأصل اليهودي الخفي- وبين الحشاشين أثناء الحروب الصليبية، حتى إن بعض المؤرخين المحققين يرون أن فرسان الهيكل اقتبسوا من الحشاشين بعض أسس العمل السري قبل أن يعود الفرسان إلى أوروبا ويشكلوا نواة الماسونية. وما زال مصطلح الحشاشين Assassin يطلق اليوم في اللغات الأوروبية على القتلة المأجورين الذين يقومون بمهمات الاغتيال.

قلعة مصياف

شن السلاجقة بقيادة ألب أرسلان وابنه بوري حملة لتصفية الحشاشين في سورية، وعندما حاول الفاطميون التقرب من ألموت لتوحيد الصف الإسماعيلي اكتشفوا وجود مؤامرة لاغتيال الخليفة الفاطمي الآمر ووزيره المأمون على يد الحشاشين، فنشر الفاطميون جواسيسهم لملاحقة الحشاشين وقتلهم أينما وُجدوا. لكن الحشاشين واصلوا جهودهم للبقاء والتحالف مع أي قوة تحقق مصالحهم إلى أن استولوا على قلعة مصياف العملاقة بعد تسع سنوات وجعلوها عاصمة لهم، كما سيطروا على قلاع أخرى في بانياس ومصياف والقدموس والكهف والخوابي وسلمية، وظهر سنان راشد الدين الذي استحق لقب “شيخ الجبل”، وهو لقب لم يُطلق من قبل إلا على أحمد بن عطاش والحسن بن الصباح.

في الفترة نفسها اضطر الخليفة الفاطمي الرابع عشر العاضد لتعيين عدوه السلجوقي شيركوه وزيراً له ليحمي عرشه من الانهيار، فغضب الوزير السابق “شاور” وحاول الاستنجاد بالقائد الصليبي “أملرك الأول” دون أن يفلح، وصعد صلاح الدين الأيوبي ليخلف عمه شيركوه، وخلال سنتين نجح في القضاء التام على الدولة الفاطمية وتحويل جامعتها الأزهرية إلى منبر للإسلام السني، منهيا بذلك أول “خلافة” شيعية في العالم الإسلامي، وهو تغيير لم يلقَ مقاومة تذكر كما يقول ابن الأثير.

وقد وصف ابن كثير انهيار الدولة في كتابه البداية والنهاية بقوله “وقد كانت مدة ملك العبيديين مائتين وثمانين سنة وكسرا، فصاروا كأمس الذاهب كأن لم يغنوا فيها، وكانوا من أغنى الخلفاء وأجبرهم وأظلمهم وأنجس الملوك سيرة وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات وكثر أهل الفساد وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية والدرزية والحشيشية، وتغلب الفرنج على سواحل الشام بكامله”.

 

مخطوط يصور حصار المغول لقلعة ألموت
(متحف فرجينيا للفنون)

نهاية دولهم
ومع أن الحشاشين النزاريين كانوا أعداء أقحاح للإسماعيلية المستعلية الفاطمية، لكن انتصار صلاح الدين السني عليها أثار حنق شيخ الجبل سنان الذي يتزعم كل قلاع الحشاشين في سوريا، وتقول روايات الإسماعيلية إن سنان أرسل أحد فدائييه إلى قصر صلاح الدين في القاهرة، فدخل مخدعه وهو نائم ووضع بجانب رأسه خنجرا مغموسا بالدم ومعه رسالة تهديد، لكن هذه الواقعة لم تُذكر إلا في كتب الإسماعيليين والشيعة وقد شكك فيها مؤرخون آخرون مثل قدري قلعجي.

وسواء كانت الواقعة حقيقية أم لا، فقد شن صلاح الدين حملة كبيرة على الإسماعيليين في سوريا خلال حربه ضد الصليبيين، ويقال إن اثنين من الفدائيين حاولوا طعنه بين جنوده فنجا منهما وتم قتلهما على الفور، ثم حاصر قلعة مصياف التي يتحصن فيها سنان وبدأت بينهما المراسلات والتهديدات.

وأثناء الحصار، تقول روايات الإسماعيليين إن صلاح الدين استيقظ ذات صباح في خيمته فوجد خنجرا مسموما قرب رأسه وبجانبه رسالة تهديد أخرى من سنان، وتضيف الرواية أن صلاح الدين أدرك عندئذ أن سنان رجل شريف نبيل لأنه لم يقتله بالرغم من قدرته عليه، واقترح عليه خاله شهاب الدين الحارمي وهو والي حماة أن يكون وسيطا بينهما لعقد الصلح. لكن المؤرخ السني ابن الأثير يروي القصة بطريقة مختلفة، فيقول إن صلاح الدين حاصر قلعة مصياف حتى أرسل سنان إلى شهاب الدين يطلب منه أن يشفع فيهم عند صلاح الدين، بل قرن طلبه بتهديد الحارمي بالقتل إن لم يسارع لإنقاذه، فحضر شهاب الدين عند صلاح الدين وشفع فيهم فأجابه إلى ذلك ورحل عنهم‏.‏

كونراد دي مونتفرات

ويذكر المؤرخون أن الحشاشين تحولوا من أصحاب دعوة إلى مرتزقة، فكانوا ينفذون عمليات الاغتيال التي اشتهروا بها لمن يدفع لهم أكثر، ففي سنه 546هـ اغتالوا ريموند الثاني أمير طرابلس بتحريض من زوجته، ثم اغتالوا كونراد دي مونتفرات ملك مملكة بيت المقدس عام 588هـ بطلب من الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد.

ولم تمض مئة سنة على وفاة الحسن بن الصباح حتى بدأت جحافل المغول باقتحام بلاد فارس، وعندما وصل هولاكو إلى قلاع الحشاشين أدرك الحاكم الثامن لقلعة ألموت ركن الدين أنه لا جدوى من المقاومة، فعرض على المغول الاستسلام، فطلب هولاكو أن يأتي إليه ركن الدين بنفسه فذهب إليه وطلب من جميع أتباعه النزول من القلاع، فأحرق المغول قلعة ألموت في أواخر عام 1256م، ويقول الإسماعيليون إنهم دمروا مكتبتها الضخمة، لكن مؤرخين آخرين يؤكدون أن المؤرخ السني الجويني تمكن من الدخول للمكتبة قبل حرقها بساعات وإنقاذ حمولة عربة واحدة من الكتب التي ساعدته على التأريخ لهذه الطائفة ونقد عقيدتها.

أما ركن الدين فطلب مقابلة الإمبراطور المغولي في بكين، وفي الطريق طلبوا منه أن يأمر أتباعه في قلعة كوهستان بالاستسلام مقابل وعد من هولاكو بالأمان ففعل واستسلموا، ولكن المغول فتكوا بهم على الفور، ثم قتلوا ركن الدين وأسرته.

ويقول برنارد لويس إن المغول لم يكتفوا بهذا، إذ جمعوا من تبقى من الإسماعيليين بحجة إحصاء عددهم وقتلوهم جميعاً، ولم ينجُ منهم إلا من اعتصم بجبال فارس، وكأن الله تعالى سلّط عليهم من يفوقهم مكرا وغدرا ليجتثهم ويدمر قلاعهم التي أرهبت الناس، حتى لم يبق من ألموت اليوم إلا أطلال يزورها السياح.

أطلال قلعة ألموت في إيران (wikipedia/Payampak)

أطلال قلعة ألموت في إيران (wikipedia/Payampak)

أما الحشاشون في سوريا فلم يطل بقاؤهم كثيرا، حيث انتزع الظاهر بيبرس قلاع الحشاشين في كل من مصياف والقدموس والكهف والخوابي، فرضخوا لسلطان المماليك وأصبح عدد كبير منهم رهن أوامره، حتى يقال إن الظاهر بيبرس كان يهدد كونت طرابلس بالاغتيال بعد أن أصبحوا جزءا من جنده، وإنه استخدمهم لاغتيال إدوارد الإنجليزي.

ومع أن بيبرس لم ينتقم من الحشاشين بالقتل والطرد كما فعل بعض السلاجقة من قبله، فقد قبض على اثنين منهم قيل إنهما حاولا اغتياله مما دفعه لاعتقال شمس الدين الذي قيل أيضا إنه كان يخطط لمؤامرة مع الصليبيين، لكن والده العجوز نجم الدين شفع له عند السلطان فعفا عنه. وتتحدث بعض الروايات عن استمرار خيانة شمس الدين بعد أن تركه السلطان ليحكم قلعة الكهف، إذ حاول تدبير عملية اغتيال لبعض قادة المماليك، ومع ذلك لم يقتله بيبرس بل نفاه إلى مصر واستولى على آخر قلاع الحشاشين في سورية عام 672هـ/1270م.

الإسماعيلية في العصر الحديث
يمكننا القول إن الأيوبيين والمماليك أجهزوا بالفعل على مفاصل القوة لدى الدعوة الإسماعيلية بكل طوائفها بحيث لم تتمكن من العودة إلى سابق عهدها حتى الآن، ولعل أهم محاولات استعادة تلك القوة ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر، عندما ظهر في إيران رجل شيعي يدعى حسن علي شاه وقام مع أتباعه بأعمال هدد بها حكم الأسرة القاجارية الحاكمة، فاستغل الإنجليز نفوذه وشعبيته وشجعوه على إعلان الثورة عام 1840، إلا أنه فشل وقبض عليه، فتدخل الإنجليز للإفراج عنه ونُفي إلى أفغانستان، ويقال إنه طُرد منها إلى الهند، فشجعه الإنجليز هناك على إعلان نفسه إماما للطائفة الإسماعيلية النزارية وخلعوا عليه لقب آغاخان.

ويشكك كثيرون بصحة انتساب الآغاخان للإمام نزار كما يزعم، فهناك روايات قديمة تؤكد أن نزارا قد قُتل دون أن يخلفه أحد، لكن الإسماعيليين وجدوا في زعيمهم الجديد استمرارية للطائفة، ومازالوا حتى الآن يقدمون الهبات والعطايا لسلالته.

ويتزعم الطائفة النزارية اليوم الآغاخان الرابع شاه كريم الحسيني المقيم في فرنسا، وينتقده الإعلام الغربي لنمط معيشته المغرق في الترف والذي لا يختلف عن حياة نبلاء أوروبا، حيث يعتاد أفراد أسرته على إقامة الحفلات الباذخة والزواج من نجوم الفن، بينما يصر أنصاره على ضرورة انفتاح زعيمهم على متطلبات العصر، مشيرين إلى حصوله على شهادة البكالوريوس في التاريخ من جامعة هارفارد، وإتقانه للغات العربية والإنجليزية والفرنسية، فضلا عن إدارته لمنظمات تنموية عالمية.

وفي سورية، يتركز الوجود الإسماعيلي (النزاري) بمدينتي سلَمية ومصياف، لكن بعض الكتّاب الإسماعيليين يؤكدون أنه لم يبق من الإسماعيلية في سورية إلا القليل جراء الاختلاط والاندماج، ويقولون إن أهالي مصياف والقدموس تخلوا عن الإسماعيلية والتحقوا بالشيعة الجعفرية خلال الحكم العثماني، كما يؤكدون أن العائلات الإسماعيلية في سلمية والقدموس باتت مختلطة مع السنة بطريقة تجعل الفرز مستحيلا، حتى أصبح ثلث سلمية أو نصفها سنياً ومتشبثا بدينه، حيث تجد في البيت الواحد من هو إسماعيلي ومن هو سني.

انضوى الكثير من الشباب الإسماعيليين تطوعيا في حرب 1948 عندما أعلن عن قيام إسرائيل، وازداد انخراطهم أكثر في المحيط العربي مع انضمامهم للحركات القومية العروبية. ونظرا للعداء التاريخي بين الإسماعيليين والنصيريين (العلويين)، فلم يكن من الصعب على الشباب الإسماعيليين الانخراط في الثورة السورية عام 2011.

أما الطائفة المستعلية فلعل أبرز من يمثلها اليوم هم البهرة، وهم بقايا الفاطميين الذين رحلوا من مصر واليمن إلى الهند، وينقسمون إلى بهرة داوودية ومقرها في بومباي الهندية، وبهرة سليمانية يتبعون قائدهم المقيم في اليمن. ويصر الإسماعيليون البهرة اليوم على أنهم مسلمون، ومع أن لهم مساجدهم الخاصة فإنهم يشاركون عامة المسلمين في الحج إلى مكة، كما يؤكدون على مسالمة المسلمين السنة والابتعاد عن السياسة أينما وجدوا، ويندر اختلاطهم بالآخرين في الزواج والمعاملة خارج حدود التجارة التي يشتهرون بها، كما يعتقدون بضرورة خروج إمامهم الأخير المستتر “الطيب” وهو حفيد المستعلي، بينما يختلف علماء السنة المعاصرون في الحكم على أتباع هذه الطائفة من حيث انتسابهم للإسلام أو خروجهم منه.

يتمتع شيوخ البهرة بالكثير من السطوة والتعظيم بين أتباعهم، وفي الصورة يظهر الداعي المطلق للبهرة الداوودية بين أتباعه في مدينة فادودارا الهند عام 1968

أهم المراجع
تاريخ الدعوة الإسماعيلية، مصطفى غالب، دار الأندلس، بيروت, 1965.

القرامطة بين المد والجزر، مصطفى غالب، دار الأندلس، بيروت, 1979.

تاريخ الإسماعيلية، عارف تامر، دار رياض الريس، لندن، 1991.

الحشاشون بين الثورة والإرهاب، أميرة رضا فرحات، دار المحجة البيضاء، بيروت، 2012.

أصول الإسماعيلية والفاطمية والقرمطية، برنارد لويس، دار الحداثة، 1980.

التاريخ الإسلامي، محمود شاكر، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة السادسة، 2000.

دراسة عن الفِرق في تاريخ المسلمين.. الخوارج والشيعة، أحمد جلي، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات، 1986.

الكامل في التاريخ، ابن الأثير الجزري، تحقيق أبو الفداء عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، 1987.

فضائح الباطنية، أبو حامد محمد الغزالي، تحقيق عبد الرحمن بدوي، وزارة الثقافة المصرية، 1964.

التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، طاهر بن محمد الإسفراييني، تحقيق كمال يوسف الحوت، عالم الكتب، بيروت، 1983.

الفرق بين الفِرق وبيان الفرقة الناجية، عبد القاهر البغدادي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1977.

اليهودية

ربى الحسني


اليهودية مصطلحٌ يُطلق على الديانة التي تُنسب إلى العبرانيين المنحدرين من إبراهيم عليه السلام، والمعروفين بالأسباط من بني إسرائيل وهم اثنا عشر سبطاً، وقد أُرسلت إليهم مجموعة من الأنبياء بدءاً بموسى عليه السلام مؤيداً بالتوراة. ويُعرف أتباعها بأسماء عدة ولكل منها مدلول خاص به، ومنها:

1- اليهود: واختلفت الأقوال في سبب التسمية وأشهر الأقوال فيها عند المسلمين: من التهوّد، وهي التوبة لأنهم تابوا عن عبادة العجل فنقل القرآن الكريم حكايةً عن موسى عليه السلام قوله: {إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ}، أما عند اليهود: فالتسمية جاءت نسبةً إلى يهوذا أحد أبناء إسرائيل (يعقوب)، وقلبت الذال دالاً على لغة العرب، وسبب اختياره من بين إخوته لأن من نسله ظهر داود، ومن داود سيظهر المسيح المنتظر كما يعتقدون فهو المفضَّل عندهم.

2- الإسرائيليون: نسبةً إلى بني إسرائيل (أبناء يعقوب) مع أن معظم أتباع هذه الديانة اليوم لا يجمعهم نسب بإسرائيل، والموسويون أي: أتباع موسى عليه السلام.

3- العبرانيون ومفردها عبري وهم: البدو الرُّحل، وقيل نسبةً إلى النبي إبراهيم وهو إبرام أو عبرام في العبرية وهو التفسير المفضل عند اليهود لتوثيق ارتباطهم به.

أما في الغرب فيطلق عليهم Jewish أو Juif وهي من جوشوا أو يوشوا أي يوشع بن نون، وهو فتى موسى (مرافقه) والنبي الذي تولى قيادة بني إسرائيل بعد وفاته وهو ذو شأن عظيم عندهم.

تاريخ بني إسرائيل
لعل أهم مراحل تاريخ اليهودية هي تلك الحقبة الزمنية الممتدة لألفي عام منذ عهد إبراهيم  إلى ما قبل ظهور المسيح، ومع أن تاريخ اليهودية كدين يبدأ مع بعثة موسى في قومه الذين لم يسموا باليهود إلا بعد بعثته، إلا أنهم حريصون على ربط تاريخهم بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام.

وأهم مصادر تلك الحقبة الطويلة من الزمن: ما ورد في التوراة وبقية أسفار العهد القديم على ما فيها من تناقضات وأساطير يقرُّ بها علماء اللاهوت من اليهود والنصارى فضلاً عن علماء التاريخ والآثار، وما وجده علماء الآثار من مدونات تاريخية مكتشفة حديثاً في مصر والعراق وبلاد الشام، وما اتضح من الحفريات، ونقله الإخباريون من مسلمين وغيرهم مع أن معظم رواياتهم لا يمكن الوثوق بها لمناقضتها لبعض وقائع التاريخ المسجلة وامتلائها بالأساطير والخرافات، إضافة إلى ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة عن بني إسرائيل وأنبيائهم.

وإبراهيم عليه السلام هو الجد الأعلى للعدنانيين (أولاد إسماعيل) كما أنه الجد الأعلى لبني إسرائيل، وله ولدان، الأول إسماعيل الذي خرجت من سلالته القبائل العربية وخاصة قريش التي ظهر منها النبي محمد، والثاني إسحاق الذي ولد له ولدان، هما عيسو ويعقوب.

أما يعقوب فهو إسرائيل الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل، وقد وُلد له اثنا عشر ولداً من زوجتيه ليئة وراحيل وجاريتيهما، منهم يوسف النبي ويهوذا الذي ظهر داود من نسله، وكل واحد من هؤلاء أعقب سبطاً من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر.

عاش يعقوب مع أبنائه في أرض فلسطين ثم فُقد يوسف بمكيدة من إخوته، وقصته ذُكرت في القرآن الكريم والكتاب المقدس، حيث وصل به المطاف إلى مصر التي تعرض فيها لسلسلة من المحن، فنجّاه الله منها ليتولى بحكمته وسياسته عملية إنقاذ مصر وما حولها من القحط الشديد الذي أصابها، ما دفع إخوته إلى المجيء إليه ثم استقرارهم مع أبيهم في مصر، وكان ذلك في عهد الهكسوس في القرن السابع عشر قبل الميلاد.

وبعد طرد الهكسوس من مصر وتولي الفراعنة المصريين الحكم بدأت مرحلة اضطهاد شديدة لبني إسرائيل لعلاقتهم السابقة مع الهكسوس الغرباء، وازداد العنت والظلم في عصر رمسيس الثاني الذي ترجح بعض المصادر أنه فرعون الذي أمر بقتل ذكورهم واستحياء إناثهم واستعبادهم حتى هلك منهم الكثير.

وفي زمانه الذي امتد بين سنتي 1304 ق.م و1237 ق.م يُعتقد أن موسى وُلد من سبط لاوي بن يعقوب، وقبله بثلاث سنوات وُلد أخوه هارون. وقصته مع فرعون وقومه وخروجه بهم ومواجهته لانحرافاتهم العقدية المتجددة ذُكرت أيضا في القرآن الكريم والكتاب المقدس، وقد أدت إلى بقائهم في مرحلة التيه أربعين عاماً في صحراء سيناء وحرمانهم من دخول الأرض المقدسة (فلسطين) لأنهم رفضوا أمر نبيهم موسى بمقاتلة الكنعانيين وفتح فلسطين.

لوحة تخيلية ليوشع بن نون وهو يأمر الشمس بالتوقف عن الحركة حتى لا تغرب قبل أن يتم له النصر

وبعد وفاة موسى خلفه تلميذه يوشع بن نون، وهو أول نبي بعده، وهو الذي قاد بني إسرائيل وتمكن من فتح بعض المدن الكنعانية، وبوفاته انقطعت القيادة الاجتماعية لبني إسرائيل وتفرقت الأسباط إلى مجموعات يقود كلا منها قاضٍ أو كاهن، وهو بمثابة الحاكم العسكري، وبدأ بذلك ما يعرف بعصر القضاة، وهو عهد يتصف بالتوتر والضعف والانحراف عقدياً، حيث ارتد فيه بنو إسرائيل عن عبادة الله إلى عبادة بعل وعشتاروت وغيرها من الأوثان وشيدوا لها المعابد وقدموا القرابين وانتشرت فيهم الفاحشة انتشاراً كبيراً، وتسلط عليهم الكنعانيون والفلسطينيون الوثنيون، وفي آخر عصر القضاة ظهر فيهم نبي ترجح المصادر أنه صموئيل، وقد ورد ذكره مبهماً في القرآن الكريم في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا، قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة:246].

وقد طلب بنو إسرائيل من نبيهم أن يختار لهم ملكاً عليهم ليوحدهم في مواجهة أعدائهم، فأوحى الله إليه أنه سيولي عليهم طالوت (أو شاؤل كما ورد في أسفارهم)، فجمعهم للقتال وانتصروا على الفلسطينيين الوثنيين، وذلك بعد أن قام داود -والذي كان ضمن الجيش شاباً صغيراً- بقتل جالوت (جليات).

وبعد موت طالوت تولى داود قيادة بني إسرائيل، وفيه اجتمعت النبوة والملك، ثم خلفه من بعده ابنه النبي سليمان، والذي كان عصره أزهى العصور لبني إسرائيل، فنعمت مملكته برخاء وسلام لم تعرف له مثيلاً من قبل ومن بعد. وبعد وفاته انقسمت مملكته بين ابنه رحبعام وأحد عبيده يربعام، وانقسم معها الأسباط إلى مملكتين:

  • مملكة إسرائيل: بقيادة يربعام في الشمال وعاصمتها السامرة (نابلس)، ومعبدها على جبل جرزيم وكانت تضم عشرة من أسباط بني إسرائيل، واستمرت إلى أن قضى عليها الآشوريون سنة 722 ق.م.
  • مملكة يهوذا: بقيادة رحبعام بن سليمان في الجنوب وعاصمتها أورشليم (القدس)، وتضم سبطي يهوذا وبنيامين، واستمرت إلى أن حطمها نبوخذ نصر ملك بابل سنة 586 ق.م.

رسم تخيلي لتدمير القدس على يد البابليين

انتشرت المفاسد وعبادة الأوثان في المملكتين وظهر فيهم الكثير من الأنبياء، وذكر القرآن اثنين منهم هما إلياس واليسع، بينما تعدد المصادر اليهودية والمسيحية أسماء أنبياء آخرين مثل إشعيا وعاموس وغيرهم، وقد حاولوا تصحيح انحرافات قومهم ولقوا منهم عنتاً واضطهاداً، حتى يقال إن الإسرائيليين قتلوا مئات الأنبياء ونشروا بعضهم بالمناشير كما حدث للنبي إشعيا. وقد أدى فسادهم هذا إلى تسلط أعدائهم عليهم حتى قضي على الدولتين تماماً ودمَّر نبوخذ نصر أورشليم وهدم أسوارها وما فيها وسبى ثلث شعبها وساقهم عبيداً إلى بابل في العراق، كما يقال إنه قتل الثلث منهم.

وفي المنفى بالعراق، عاش اليهود مرحلة جديدة اتسمت بالانعزال والذل، مع الشعور بأنهم شعب الله المختار، وظهر في مرحلة السبي هذه أنبياء آخرون، ونقرأ في مصادرهم أسماء بعضهم ومنهم عزير (عزرا) ودانيال وحزقيال.

استفاد اليهود من تسلط الفرس على الدولة البابلية، واستغلوا نساءهم الجميلات (وأشهرهم إستير) للتقرب من حكَّام الفرس حتى استطاعوا إقناع الملك الفارسي قورش بعودتهم من السبي إلى فلسطين وإعادة بناء أورشليم و”هيكل الرب” كما يسمونه سنة 538 ق.م، وتزعَّم النبيان عزرا ونحميا -حسب مصادرهم- حركة العودة من المنفى.

رسم تخيلي لهيكل سليمان (Israel Truths)

ورغم الدعم والتعاطف الشديد الذي قدمه الفرس لليهود، إلا أن اليهود سرعان ما تحوّل ولاؤهم للقوة الجديدة الصاعدة في المنطقة والمتمثلة في الإمبراطور اليوناني الإسكندر المقدوني الذي تمكن سنة 330 ق.م من القضاء على الحكم الفارسي لبلاد الشام، وخضع اليهود لحكمه وقدموا له المساعدات فعاملهم معاملةً حسنة.

بعد وفاة الإسكندر اقتسم قوّاده إمبراطوريته الواسعة وظهر البطالسة في مصر مع تولى بطليموس الأول حكم مصر وفلسطين، وفي عهده بدأ اليهود تمردهم الأول على اليونان والذي كان نتيجته اقتياد أكثر من 100 ألف منهم أسرى إلى مصر، ثم عاد قسم كبير منهم إلى فلسطين في عهد خليفته بطليموس الثاني الذي أسس مكتبة الإسكندرية الشهيرة، وقد أبدى تعاطفاً كبيراً معهم، كما تمت في عهده ترجمة النسخ المعتمدة آنذاك من التوراة إلى اللغة اللاتينية بواسطة 72 حبراً من أحبار اليهود وخلال 72 يوماً كما يزعمون، مع أن الكثير من الباحثين -ومن بينهم الرهبانية اليسوعية- يشككون في هذه القصة.

ومع انتصار السلوقيين على البطالسة وسيطرتهم على فلسطين بدأ عصر الاضطهاد والإذلال لليهود حوالي سنة 200 ق.م، وجرت محاولات لإجبارهم على ترك دينهم واعتناق الوثنيات اليونانية مما أدى إلى انفجار ثورة المكابيين سنة 166 ق.م على يد يهوذا ابن الكاهن ميتاس ولُقِّب بالمكابي أي: المعيَّن من الرب يهوه.

الحصار الروماني على يد تيطوس وتدمير القدس بريشة ديفيد روبرتس عام 1850

وبحو نحو قرن، خضع اليهود لحكم الرومان الذين سيطروا على القدس سنة 63 ق.م، وبدأت سلسلة من الثورات على حكمهم من قبل اليهود، انتهت بإقدام الحاكم الروماني تيطوس على تدمير أورشليم تدميراً كاملاً سنة 70 م، ففرَّ من اليهود من بقي حياً إلى الجزيرة العربية (تيماء وخيبر والمدينة) ومصر وليبيا وغيرها، وذهب قسم منهم إلى روما وبيعوا عبيدا، ومن هنا بدأت قصة وجودهم في أوربا.

أما في الشرق فاعتنقت إحدى القبائل التركية الوثنية المعروفة بالخزر دين اليهودية في القرن التاسع الميلادي، أي بعد ظهور الإسلام، وكانت قد استوطنت المعبر الحيوي بين بحر قزوين والبحر الأسود ومنها انحدر يهود شرق أوربا (الإشكناز) الذين يشكلون نحو 90 بالمئة من يهود العالم اليوم، وهم الذين يقوم عليهم الكيان الصهيوني في فلسطين.

ومن الملاحظ أن السرد التاريخي لمسيرة اليهود المدوَّن في العهد القديم يتوقف قبيل بعثة المسيح عيسى عليه السلام.

العـقائـد:
أولاً- الإله:
تعد قضية الألوهية في اليهودية من القضايا المشكلة للباحثين، فقد كانت اليهودية في أصلها ديانة توحيدية تدعو إلى عبادة إله واحد لا شبيه له، لا تدركه الأبصار وتعتمد عليه المخلوقات كافة ولا يعتمد على أيٍّ منها بل يسمو عليها. وكثرة الأنبياء فيهم كان هدفها تنقية عقيدتهم باستمرار مما أصابها من شوائب الوثنية المتكررة والتي أدت- إضافةً إلى عوامل أخرى- إلى تطور مفهوم الألوهية عندهم إلى الحلول والمشابهة، فالإله في اليهودية وكما تصفه أسفار العهد القديم كائن يتصف بصفات البشر فهو يأكل ويشرب ويتعب ويستريح ويضحك ويبكي، غضوب متعطش للدماء متقلب الأطوار، ويأخذ الأبناء والأحفاد بذنوب الآباء، بل ويحس بالندم ووخز الضمير، وهو ليس عالماً بكل شيء لذلك نجده مثلاً يطلب من أبناء إسرائيل أن يرشدوه بأن يصبغوا أبواب بيوتهم بالدم حتى لا يهلكهم مع أعدائهم المصريين عن طريق الخطأ.

وباستعراض نماذج مما ذكرته التوراة والتلمود من صفات الرب يمكن استنتاج الملامح التالية لعقيدتهم فيه:

1- يعتقد اليهود أن آدم هو ابن الله لأن الله خلقه من روحه فبثّ فيه جزءاً من ذاته، فهم عندما يدّعون أنهم أبناء الله وأحباؤه لا يقصدون البنوة المعنوية كما يتبادر للذهن للوهلة الأولى لكنهم يقصدون أن أرواحهم جزء من ذات الله لأنهم وحدهم يمثلون نسل آدم وحواء في نقائه وهم أبناؤه حساً ومعنىً على الحقيقة، فآدم وحواء -عندهم- زنى كلٌّ منهما مع عشاق لهما من الجن وأنجبا ذرية ينحدر منها باقي البشر أما اليهود فهم من أبناء آدم وحواء وحدهم.

2- الرب عندهم هو رب الأرباب الأخرى التي يدخل في صراع معها ويدمرها، وهو لا يهتم بأن تعبد الشعوب الأخرى غيره لكنه يهتم اهتماماً شديداً بأن يعبده أبناؤه وشعبه إسرائيل ويغار غيرة شديدة عندما يتجهون لغيره لأنه اصطفاهم وجعلهم أحباءه وأبناءه، لذلك نجده يحجب الهداية عن فرعون ويقسِّي قلبه مع أنه قال لموسى وهارون “صلّيا لأجلي”، أي أنه أراد الهداية ولكن الرب لا يهمه ذلك. وقد استخدم كاتب التوراة أسلوباً بذيئاً حين صوّر الرب وكأنه قد تزوج إسرائيل التي ذهبت تزني مع أوثان وهو يغار عليها ويرجوها أن ترجع إليه كعهدها السابق، فيقول: “حاكموا أمكم -أي إسرائيل- لأنها ليست امرأتي وأنا لست رجلها، لكي تعزل زناها عن وجهها.. ولا أرحم أولادها لأنهم أولاد زنى، لأن أمهم زنت، التي حبلت بهم صنعت خزياً لأنها قالت: أذهبُ وراء محبيَّ الذي يعطون خبزي ومائي وصوفي.. لكن هأنذا أتملقها وأذهب إلى البرية وألاطفها وأعطيها كروماً هناك وهي تغني هناك كأيام صباها.. يكون في ذلك اليوم يقول الرب: إنك تدعينني رجلي ولا تدعينني بعلي” [سفر يوشع 2/ 2- 21]، فالرب -حسب زعمهم- ينفر من كلمة بعل لأن إسرائيل عبدت بعل فأصبح يكره هذه الكلمة، وقد اضطررنا للاجتزاء من النص السابق لأنه يتضمن أوصافا غير لائقة.

3- الله حسب زعمهم لا يريد للإنسان أن يكتسب المعرفة بل أن يبقى جاهلاً حتى لا ينافسه لذلك منعه من أكل الشجرة، بل كان أيضا جاهلاً ولم يعرف أن آدم أكل منها إلا عندما أخبره هو بذلك، ثم طرده من الجنة ومنعه من دخولها خوفاً من يأكل من شجرة الخلد فيشاركه الخلود.

4- الرب في التوراة متجسد على هيئة البشر ويمكن رؤيته في الدنيا وقد رآه كل الأنبياء، ومنهم إبراهيم الذي زاره الإله على هيئة رجل مع اثنين من الملائكة وجلسوا ليستريحوا تحت شجرة وغسلوا أرجلهم وأكلوا وشربوا. كما ظهر لبني إسرائيل على شكل عمود سحاب في النهار وعمود نار في الليل ومشى أمام شعبه ليهديهم الطريق، ويتكرر نزوله إلى الأرض مرات ومرات ويمكن أن يتكلم مع غير المؤمنين أيضاً ليهددهم إن أرادوا إيذاء شعبه المفضل.

5- تنسب التوراة له الندم والبكاء واللطم على وجهه، وقد ظهر ذلك منه بعد أن شرد أبناءه اليهود وخرب بيت المقدس، فخصص ساعات من النهار ليبكي على تشريدهم وصرخ قائلاً “تباً لي لأني صرّحت بخراب بيتي وإحراق هيكلي ونهب أولادي”، وعندما سمع أبناءه يمجدونه بالرغم مما فعله بهم بكي ولطم وجهه وقال “طوبى لمن يمجده الناس.. وويلٌ للأب الذي يمجده أبناؤه مع عدم استحقاقه لذلك لأنه قضى عليهم بالتشريد”.

تابوت العهد كما جاء وصفه في الأسفار والذي يعتقدون أنه يحتوي على الألواح التي أنزلت على موسى وهو مفقود اليوم

6- يعتقدون أنه أمر موسى وهارون ببناء خيمة الاجتماع ليسكن فيها ثم جعل التابوت مقراً له ليكون على مقربة من أبنائه يرعاهم ويدبر أمورهم، ويسمونه “رب الجنود الجالس في التابوت”، وبما أن التابوت وقع في أيدي أعدائهم مراراً فقد سُجن الرب فيه، فقرر أن يسكن في جبل صهيون في أورشليم، وأخيراً بنى له سليمان الهيكل العظيم ليستقر فيه ويرتاح من التجوال، لكن الهيكل نفسه هُدم فانتقل الرب إلى السماء، ومن هنا يتبين حرص اليهود على بناء الهيكل ليعود الرب إليه بزعمهم فهم لا يستطيعون التخلي عن نزعتهم المادية المحسوسة التي تصوروا الإله من خلالها والتي لازمتهم طوال تاريخهم رغم الجهود المضنية التي بذلها الأنبياء لتخليصهم منها.

7- الرب عندهم يحب القرابين واللحم المشوي، وبمجرد أن يتنسم رائحته تنبسط أساريره ويفعل لهم ما يشاؤون من تعذيب الأمم الأخرى وقتلها وحرقها ولا يهم بعد ذلك إن عبدوا الأوثان أو سرقوا الأموال، كما لا يهمه ما إذا كانت اللحم المشوي نفسه من أغنام مسروقة أم لا، فقد زعموا أن يعقوب سرق أغنام خاله وقدّم اللحم المشوي للرب فرضي وقبله بعد أن تنسم رائحته وأعطى يعقوب العهد له ولأولاده. وتطورت هذه الفكرة عندهم حتى أصبحت طقساً راسخاً يقتلون لأجله في كل سنة إنساناً غير يهودي ويستخدمون دمه لصناعة الفطير المقدس الذي يعتقدون أن الرب يحبه كثيراً ويأكل منه كبار الأحبار والكهنة.

وهذا يبرز غلبة الطبيعة المادية عليهم، فحتى مع وجود موسى بينهم وما جاءهم به من الآيات كانوا يطلبون منه أن يجعل لهم رباً مادياً كغيرهم من الوثنيين، ثم امتد أثر هذه العقيدة ليخالط تصورهم للإله، ويقول عباس محمود العقاد: “إن الوحدانية التي يدركها اليهود لم تكن وحدانية تفكير لكنها وحدانية تغليب لرب من الأرباب على سائر الأرباب.. لليهود إله يعلو على آلهة غيرهم من البشر” [إبراهيم أبو الأنبياء، ص112].

وللإله في اليهودية أسماء متعددة وهي:

1- يهوه: وهو أكثر الأسماء قداسة ولا يُعرف اشتقاقه بشكل مؤكد، وأكثر ما قيل فيه إنه مشتق من مادة الحياة أو من مصدر الكينونة في العبرية (أهييه آشر أهييه) أي أكون الذي أكون، أو هي نداء لضمير الغائب أي “يا هو”، وقيل إن معناه سيد ورب في العبرية واستخدمه اليهود في الإطلاق على الخالق سبحانه. ولم يعرف هذا الاسم تاريخياً كما نصت التوراة قبل موسى كما جاء في سفر الخروج [6/2- 3] عندما كلم الرب موسى قائلاً “أنا الرب ظهرت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء وأما باسمي يهوه  فلم أُعرف عندهم”.

ولقداسة الاسم كان اليهود لا يتفوهون به بل يستخدمون كلمة “أدوناي” العبرية بمعنى سيدي أو مولاي للإشارة إلى الإله. وبما أنه مكون من أربعة أحرف فقد استعاضوا عن التلفظ به بكلمة “تتراجراماتون” أي الرباعي، ولا ينطق اسم يهوه إلا الكاهن الأعظم فقط داخل قدس الأقداس بهيكل سليمان في يوم الغفران.

وقد نسب العهد القديم إلى يهوه صوراً عديدة للقسوة، فكان يأمر شعبه بالغدر والقتل كما أنه محدود المعرفة وتنسب إليه صفات النقص في البشر.

2- إلوهيم: اسم من أصل كنعاني وهو بصيغة الجمع لكلمة “إيلوَّه” أي إله، وعدّها بعض الباحثين دليلاً على إيمان اليهود في مرحلة من مراحلهم بتعدد الآلهة، إلا أن المدقق في أوصاف إلوهيم عندما يأتي الاسم في العهد القديم يلاحظ أن صفات إلوهيم تختلف عن صفات يهوه، فإلوهيم إله رحيم خلق السماوات والأرض ولا يشبه مخلوقاته، لذا رجح البعض أن الاسم يدل على الإله مع إضافة لاحقة الجمع (يم) العبرية التي تدل على التفخيم، وظهور هذا الاسم فيهم يشير إلى مرحلة شهدت تنقية عقائدهم من كثير من الشوائب، وهو الاسم الذي شاع استخدامه علماً على الإله في مملكة إسرائيل الشمالية.

3- إيل: لا يعرف أصل هذا الاسم أيضاً، فقيل هي كلمة أكادية وتعني الإله على وجه العموم، وكثيراً ما تستخدم مع لقب من ألقاب الإله مثل “إيل عليون” أي الإله العلي، كما تستعمل كجزء من أسماء عديدة مثل “إيلعازر” أي الإله قد أعان، وهو أسلوب مستخدم حتى يومنا هذا.

وتُذكر للإله في العهد القديم أسماء أخرى كثيرة، منها رب الجنود، ومقدِّس يسرائيل، وإله إسرائيل الذي يتكرر مئات المرات ويترتب عليه أن أبناء إسرائيل وحدهم هم البشر ولهم إله خاص بهم أما باقي الخلائق فليسوا كذلك.

ثانياً- الأنبياء:
من يقرأ الكتب المقدسة عند اليهود يجد أنهم يثبتون بعثة عدد كبير من الأنبياء المتفق على نبوتهم في الإسلام كنوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن جاء من بنيه من رسل، ومنهم موسى وهارون ويوشع بن نون وداود وسليمان وإلياس واليسع وغيرهم.

ويلاحظ الباحث اختلاف مصطلح النبوة عند اليهود عما هو عليه لدى المسلمين، فهو لا يقتصر عند اليهود على من اصطفاهم الله لهذه المهمة العظيمة بل يتسع ليشمل أصنافا متعددة، ومن قراءة أسفار التوراة والكتب الملحقة بها يمكن رسم ملامح مفهوم النبوة كما يفهمه اليهود ويدينون به من خلال النقاط التالية:

1- جاء التصريح في العهد القديم بنبوة بعض النساء مثل مريم أخت موسى وهارون (وهي ليست مريم أم عيسى)، ودبورة التي جمعت بين القضاء والنبوة، وخلدة التي جمعت بين الكهانة والنبوة أيضاً، كما أنها ممكنة للكبار والصغار والعبيد والإماء.

سفر إشعيا

2- النبوة ممتدة في بني يعقوب (إسرائيل) إلى الآن، ففي التوراة نقرأ “قال الرب (لأشعيا): روحي الذي عليك وكلامي الذي وضعته في فمك لا يزول من فمك ولا من نسلك قال الرب من الآن وإلى الأبد”. [أشعيا 59/21].

3- قد يجتمع فيهم مئة نبي في مكان واحد مما يدلُّ على كثرتهم فيهم.

4- دلت الأسفار على أن النبوة تُكتسب اكتساباً وليس اصطفاءً من الله، فزعموا بذلك أن بعض الأنبياء سلكوا طرقاً ملتوية للحصول عليها، كما فعل يعقوب مع أخيه عيسو حين خدع أباه إسحاق وانتزع حق خلافته في النبوة من أخيه البكر عيسو بخطة دبرها مع أمه، وعندما علم إسحاق بذلك سقط في يده ولم يستطع تغيير الأمر الواقع، بل حتى الرب نفسه بزعمهم رضي بالخديعة وقبل نبوة يعقوب الذي سيصبح أباً لشعبه المفضل.

5- قد يرسل الرب أنبياء لإرشاد الأنبياء أنفسهم، “وكان إلى كلام الرب قائلاً يا ابن آدم تنبأ على أنبياء إسرائيل” [حزقيال: 13/2-3]، ما يعني أن الأنبياء قد ضلوا فتطلب الأمر إرسال أنبياء آخرين ليردوهم إلى جادة الصواب، وهذه الفكرة تؤدي بالضرورة إلى رفع العصمة عن الأنبياء، ومن ثم فلا يلزم الناس اتباع أي منهم لاحتمال كذبهم وضلالهم في أي شيء.

6- الباحث في العهد القديم يجد أن الأنبياء المذكورين في أسفاره لا يختلفون عن بقية البشر في شيء، فيجوز عليهم الكذب والغش والخداع والمعاصي كبيرها وصغيرها في حال نبوتهم، كما يجوز عليهم الإشراك بالله ودعوة الناس إلى الشرك أيضاً، كما تذكر الأسفار أنبياء للأوثان كأنبياء بعل وعشتاروت مما يصعب على الباحث مهمة التمييز بين النبي الصادق والكاذب في نظر التوراة، وقد ذهب الحَبر اليهودي موسى بن ميمون إلى أن النبي هو كل مُخبَر بغيب من جهة التكهن والشعور أو من جهة الرؤيا الصادقة ولعل هذا هو سبب تسمية أنبياء البعل وعشتاروت بذلك.

7- ذهب الحبر سعديا الفيومي إلى تعريف النبوة بأنها اصطفاء من الله، وتعريف الرسول بأنه مؤيد بالمعجزات، فيقول: “فأي رسول اختاره الله الخالق لرسالته جعل سبيله أن يعطيه علامة من هذه الأعلام: إما قهر طبائع كمنع النار أن تحرق أو حبس الماء أن يجري أو قلب عين كما يقلب الحيوان جماداً والجماد حيواناً… فإذا دفع إليه علامة من هذه وجب على من رآها من الناس أن يفضلوه ويصدقوه فيما يقول”، وهذا التعريف يخالف ما نجده في التوراة من إثبات نبوة كثير من أنبيائهم.

وعد بلفور

8- استفادت الصهيونية من سعة مصطلح النبوة في العهد القديم وجعلته أكثر سعةً وامتداداً حتى جعلتها في متناول كل من يقوم بدورٍ مهم لخدمة الشعب اليهودي في كل زمان، حتى أصبح كل يهودي مخلص في مصافِّ الأنبياء، فقالوا عن ديفيد بن غوريون إنه النبي المسلح وعن جابوتنسكي نبي محارب، بل يزعم البعض أن رئيس وزراء بريطانيا آرثر بلفور (صاحب وعد بلفور) هو الآخر نبي.

ومضامين الوحي تشمل أوامر الله ونواهيه وتعاليمه لبني إسرائيل، كما تشتمل في رأيهم أيضاً على أمور لا تتناسب مع تنزيه الإله وكرامة أنبيائه، ومنها:
1- الرب يأمر أنبياءه بالفواحش، فيقول “اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى” [يوشع: 1/2]، كما يطلب من نبيه أشعيا أن يتعرى تماماً ويدعو بني إسرائيل لثلاث سنوات ويمدحه على ذلك [أشعيا: 20/2]، وفي المقابل يقول القرآن الكريم {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 28].

2- يطلب الرب من أنبيائه أن يقضوا له حاجاته، فيطلب من داود مثلا أن يبني بيتاً له لأنه كان يسكن في خيمة: “في تلك الليلة كان كلام الله إلى ناثان قائلاً اذهب وقل لداود عبدي هكذا قال الرب أنت لا تبني لي بيتاً للسكنى لأني لم أسكن في بيت منذ يوم أصعدت إسرائيل إلى هذا اليوم بل سرت من خيمة إلى خيمة ومن مسكن إلى مسكن” [صموئيل الثاني: 7/ 6].

3- تتضمن التوراة التي يعتقدون أنها من الوحي سرداً تاريخياً لحياة بني إسرائيل، فأغلب الأسفار هي حكاية تاريخية وبيانٌ لحروبهم وصراعاتهم وتنقلاتهم وأسماء أماكنهم ورجالهم.

4- تحتوي الأسفار على صفات قبيحة للأنبياء يتنزه عنها الرجل العادي فضلاً عن الصالح، فتزعم أن سليمان مال إلى عبادة الأصنام بسبب حبه لنسائه الوثنيات وأنه ختم عمره بعبادتها وبالسحر، وتتهم هارون بأنه هو الذي صنع العجل الذهبي وأمر بني إسرائيل بعبادته في غياب موسى، وتورد قصصا عن محاججة الأنبياء للرب واعتراضهم على أحكامه كما فعل إبراهيم وموسى وإلياهو (إلياس)، أما يعقوب فقالوا إنه علم بزنى ابنه راؤبين بزوجته ومع ذلك سكت عن فعله، ونسبوا إلى لوط الزنا بابنتيه بعد سكره معهما، أما داود فقد شاهد -حسب زعمهم- امرأة عارية تستحم فأعجب بها وزنا بها وتخلص من زوجها (أحد قادة جيشه) بإرساله في معركة وجعله في مقدم الجيش ليضمن قتله، ثم ضم هذه الزوجة إلى نسائه فكانت نتيجة هذا الفعل ولادة ابنه سليمان.

ثالثاُ- الكتب المقدسة:
الكتاب الأول- العهد القديم أو التوراة: هو كتاب اليهود المقدس وشريعتهم المكتوبة، وسمي بالعهد القديم للتمييز بينه وبين العهد الجديد الذي يؤمن به المسيحيون، فقد كُتبت أسفاره قبل عهد المسيح، وهو “عهد الرب” الذي تكرر لإبراهيم ثم إسحاق ثم يعقوب ثم تكرر على لسان موسى والأنبياء من بعده.

ويضم حسب رأي اليهود الأسفار التي جاء بها موسى وأنبياء بني إسرائيل من بعده، ويطلق اسم التوراة على الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم، كما يطلق على الكتاب بكامله لأن أسفارها هي الأقدس عندهم ومن باب إطلاق اسم الجزء على الكل، والأسفار جمع سِفر وهو الكتاب، أما الأسفار الخمسة فهي:

1- سفر التكوين: يبدأ من خلق الكون مروراً بقصة آدم وتعرضه للإغواء وخروجه من الجنة، وقصة نوح والطوفان وما كان من أمر أبنائه بعد الطوفان سام وحام ويافث، ثم قصة إبراهيم وسلالته والعهد الذي قطعه الرب معه، ويذكر بالتفصيل قصة أبناء يعقوب الإثني عشر وقصة يوسف وينتهي بوفاة يوسف.

2- سفر الخروج: يتضمن قصة موسى منذ ولادته أثناء اضطهاد فرعون لبني إسرائيل، ونشأته في قصر فرعون وتحركاته وخروجه إلى مدين وصحراء سيناء وكلام الله له فيها ونبوته، وترد في هذا السفر الوصايا العشر وقانون العهد وهي مجموعة من الشرائع والقوانين، كما ترد في السفر قصة ارتداد بني إسرائيل وعبادتهم العجل وتفاصيل رحلتهم شرقاً.

3- سفر اللاويين (أو الأحبار عند المسيحيين): لاوي هو أحد أبناء يعقوب، ومن نسله تحدر السبط الذي ولد فيه موسى وهارون، وفي نسله تنحصر الكهانة حسب ما جاء في السفر، إلا أن أحبار اليهود تعاونوا فيما بعد على إلغاء هذه القاعدة. وفي هذا السفر يتوقف السرد التاريخي ويبدأ التركيز على التعاليم الخاصة بالحياة الدينية حتى سماه علماء الشريعة الإسرائيلية “القانون الكهنوتي”.

4- سفر العدد: سمي بذلك لبروز ظاهرة التعداد الدقيق فيه، حيث ترد فيه إحصاءات تفصيلية لتعداد بني إسرائيل الراحلين مع موسى في التيه وعدد المدن والذبائح، ويُذكر فيه أن مدة التيه أربعين سنة، ويعود فيه السرد التاريخي لقصة موسى وقومه ويكثر فيه تذمرهم منه والاحتجاج عليه وعلى ربه حتى يصل إلى التآمر عليه من إخوته هارون ومريم أنفسهم.

5-سفر التثنية: هو آخر الأسفار الخمسة، ومعناه تثنية الشريعة أي إعادتها وتكرارها على بني إسرائيل مرة ثانية عند خروجهم من صحراء سيناء ووصولهم إلى سهول النقب وجنوب الأردن، وتضمن نسخاً لبعض تعاليم الشريعة الأولى أو إضافة أشياء لم ترد من قبل، ويتحدث عن وفاة هارون واستخلاف يوشع بن نون تلميذ موسى وخادمه، ثم وفاة موسى في جبل مؤاب وعدم معرفة قبره إلى الآن. فيقول في الفقرتين 5 و6 “فمات هناك موسى.. وتم دفنه في الوادي في أرض مؤاب تجاه بيت فاعور ولم يعرف أحدٌ قبره إلى يومنا هذا”.

أما القسم الثاني من العهد القديم فهو كتاب “الأنبياء”، ويضم بدوره قسم الأنبياء الأول وقسم الأنبياء الآخر، ويتضمن الأول أربعة أسفار يتتابع فيها السرد التاريخي لمسيرة الاسرائليين وهي: يوشع بن نون، والقضاة، وصموئيل، والملوك. ويتضمن الثاني أسفار خمسة عشر نبياً عندهم تولوا قيادتهم الروحية في ظروف سياسية واجتماعية حالكة، ومنهم عاموس وإشعيا وإرميا وحزقيال.

والقسم الثالث من العهد القديم هو “الكتب” أو “أسفار الحكمة”، وهي أسفار يغلب عليها الطابع الأدبي شعراً ونثراً وتتضمن قصصاً وحكماً تواترت لديهم وتحتوي تمجيداً لبطولاتهم في الاستقرار في فلسطين أو الرجوع إليها بعد السبي البابلي، وعددها اثنا عشر سفراً وأهمها: مزامير داود (وهو الزبور)، وأمثال سليمان، وأيوب، ونشيد الأناشيد، ودانيال، وإستير، وعزرا.

كان علماء اليهود واللاهوت المسيحي يعتقدون أن موسى هو الذي كتب الأسفار الخمسة، وأن الذي نزل من السماء مكتوباً هو لوحان فقط، وأن موسى كسرهما عندما رأى بني إسرائيل يعبدون العجل. كما اعتقدوا أن بقية أنبياء بني إسرائيل كتبوا الأسفار المنسوبة إليهم، وأن معظمها كُتب باللغة العبرية وبعضها بالآرامية، ثم تُرجمت في عهد بطليموس الثاني (246ق.م) إلى اليونانية، وذلك على يد 72 حبراً من أحبار الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد، فسميت بالترجمة السبعينية، وهي الترجمة المعتمدة لدى معظم الطوائف اليهودية والمسيحية.

الفيلسوف اليهودي الهولندي باروخ إسبينوزا كان من أوائل الباحثين الأوروبيين الذين اجترأوا على نقد العهد القديم وكشف تناقضاته في القرن السابع عشر

لكن هذه الاعتقادات بدأت بالتلاشي في القرن الثامن عشر، حيث أكدت أبحاث كثيرة أن الأسفار الخمسة كتبها مئات الأحبار على مدى القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، أي بعد وفاة موسى بقرابة ألف عام، وأنها جُمعت بشكلها الحالي بعد ذلك بكثير، كما وجدوا أنها عبارة عن كتب تجمع أساطير وأشعار وتراث شعوب وحضارات الشرق الأدنى المتنوعة، وأن قيمتها تقتصر على الجانب الأدبي فقط

كما أثبتت الدراسات أن الأسفار المنسوبة للأنبياء لم يكتبها الأنبياء بل اشترك في كتابتها عدد كبير من المؤلفين والأحبار الذين لم تُعرف أسماؤهم، وكذلك بقية أسفار العهد القديم.

وبالنتيجة اضطر الكثير من علماء اللاهوت والأحبار لتغيير موقفهم، فقالوا إن الأسفار لم يكتبها موسى والأنبياء إلا أن روح الرب كانت تظلل الكتَّاب المجهولين على مدى ألف عام، وبهذا فقد أسقطوا المعنى الحقيقي للوحي، كما رأوا أن وجود الأخطاء التاريخية في الأسفار لا ينفي عنها صفة الإلهام لأن الوحي من الله لا يمنع الوقوع في أخطاء وتناقضات -حسب تصورهم- ورتبوا على ذلك ضرورة فهمها بالمعنى الإجمالي، وتأويل ما يناقض العلم والتاريخ وإن كان تأويلاً متعسفاً

وأرجع الباحثون في العهد القديم أسفار موسى الخمسة إلى أربعة مصادر رئيسية هي:

1- المصدر أو النص اليهَوي: حيث يُذكر الله باسم (يهوه) الذي كان شائعا في مملكة الجنوب يهوذا في القرن التاسع قبل الميلاد، ويتحدث هذا النص عن بدء الخليقة وينتهي بموت يعقوب، ويتميز بأنه تصويري وساذج ومليء بالأساطير، حتى أنه يجسد يهوه بصورة بشرية.

2- المصدر الإلوهيمي: حيث يذكر اسم الله باسم (إلوهيم) الذي كان شائعا في مملكة الشمال إسرائيل وعاصمتها السامرة، وزمان كتابته متقدم على النص اليهوي في القرن الثامن قبل الميلاد. وموضوعه الأحداث الخاصة بإبراهيم وذريته، وأسلوبه أكثر اعتدالاً لا سيما في تصويره للرب الذي يتحدث عنه بتنزيه أكبر، وأنه رب العالمين وليس خاصاً بإسرائيل وحدها. ويمتاز هذان المصدران بكثرة الروايات والقصص وندرة التشريعات، وقد أدمجا في مجموعة واحدة في القرن السابع قبل الميلاد.

3- مصدر سفر التثنية (تثنية الاشتراع): وهو سفر تتكرر فيه الشرائع والقوانين، وقد أعلن العثور عليه في زمن الملك يوشياهو ملك يهوذا سنة 620 ق.م، وأسلوبه مختلف عما سبق ويتميز بالإنشاء الخطابي.

4- النص الكهنوتي: وهو يتألف من فصول كتبها الكهنة في عصر النفي إلى بابل وما بعد النفي، أي في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد في زمن عزرا (عزير في القرآن الكريم)، ويتميز هذا النص بالتكرار والتشدد والميل إلى كل ما يتعلق بالذبائح والطقوس والكهانة.

وبعد كتابة الأنواع الأربعة السابقة، جمعها الأحبار في كتاب واحد أسموه “التوراة” أو أسفار موسى الخمسة، وذلك في عصور متأخرة جداً تصل إلى ما بعد ظهور المسيح عيسى. وهذا يفسر التناقض الكبير بين الأسفار نفسها.

ويقول الباحث اليهودي إدمون جاكوب في كتابه “العهد القديم” إنه لا يوجد نص واحد للعهد القديم بل نصوص كثيرة، ففي القرن الثالث قبل الميلاد كان هناك -على الأقل- ثلاث مدونات للنص العبري للأسفار الخمسة وهي: النص الماسوري أي المحقق الذي تم اعتماده بعد عصر موسى بحوالي 2300 سنة، والنص السامري الذي تؤمن به طائفة يهود السامرة، والترجمة السبعينية إلى اليونانية [موريس بوكاي، ص39]

وثمة شكوك أيضا حول الترجمة السبعينية، حيث ترى المسكونية الفرنسية أنها تمت خلال فترة زمنية طويلة بواسطة كتَّاب لم يلتزموا بدقة الترجمة، بل كان لهم حق الإضافة والحذف. كما صرحت دائرة المعارف البريطانية (الطبعة 15: 2/879) بأن النص اليوناني يختلف عن النص العبري اختلافاً بيناً، وفيه زيادات كثيرة في مختلف الأسفار.

ويقول جاكوب إن ما يرويه العهد القديم عن موسى والأنبياء لا يتفق إلا بشكل تقريبي مع المجرى التاريخي للأحداث، لكن الرواة كانوا يعرفون كيف يضفون الأناقة والخيال على مروياتهم بحيث يربطون بين أحداث شديدة التنوع، وقد نجحوا في تقديم هذه الأحداث في شكل حكاية لما حدث في أصل العالم والإنسان، أي أن كتَبة التوراة أضافوا بخيالهم إلى النص أشياء كثيرة لم تحدث.

وهذا يؤكد ما جاء في القرآن الكريم عن تحريف اليهود للتوراة الأصلية تحريفاً كبيراً، حيث يتفق علماء الإسلام على وقوع هذا التحريف بيد أنهم يختلفون في معناه على قولين، هما:

القول الأول: التحريف والتبديل وقع في التأويل والنص ولكن في أجزاء محدودة من التوراة، مثل زعم الأحبار أن الله صارع يعقوب طوال الليل ولم يستطع أن يتغلب عليه، وأنه سبحانه تعب بعد خلق السماوات والأرض فاستراح في اليوم السابع وهو يوم السبت، وأن النبي لوط زنى بابنتيه بعد أن شرب الخمر، وغيرها مما رأى النقاد الأوروبيون أنفسهم -في عصر النهضة وبعده- أنه لا يمكن أن يكون من الوحي الإلهي.

القول الثاني: التوراة التي أنزلت على موسى بُدِّلت كلها أو أكثرها، ولا يوجد تطابق بين توراة موسى والتوراة الموجودة اليوم في شيء، والشذرات الصحيحة المنبثَّة في الأسفار الحالية نادرة جداً. وهذا القول هو الأرجح الذي ذهب إليه المتبحرون في دراسة الأسفار ومقارنة الأديان، مثل ابن حزم الأندلسي، وأبي حامد الغزالي، وإمام الحرمين الجويني، وابن تيمية، وابن القيم، والقرطبي صاحب التفسير، ورحمة الله الهندي وغيرهم.

أما أنواع تحريف التوراة التي نبَّه إليها القرآن فهي: تحريف بالتبديل ويكون بوضع كلمة مكان كلمة أو جملة مكان جملة، وتحريف بالزيادة والنقصان ويكون بزيادة أو حذف كلمة أو جملة، وتحريف بتغيير المعنى دون تغيير اللفظ. وهناك قسمٌ من أصل التوراة نسيه اليهود وفُقد منهم بسبب بذنوبهم، كما بيّن ذلك القرآن بقوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13].

ويرجع الباحثون أسباب ضياع التوراة إلى عوامل عدة منها: الحروب التي خاضها بنو إسرائيل مع أعدائهم، وما تعرضوا له من سبي وشتات، وانحرافاتهم العقدية وارتدادهم المتكرر عن دينهم حتى عبدوا البعل وعشتروت ومولوخ وغيرها من الأوثان كما تذكر أسفار العهد القديم، فضلا عن اضطهادهم لأنبيائهم إلى درجة قتل بعضهم.

ويرى باحثون مسلمون معاصرون أن أحبار اليهود كتموا ما بقي لديهم من التوراة وأخرجوا للناس نقيضها لإفسادهم وحجبهم عن معرفة الحق، لأن انتشار الإلحاد والفساد بأنواعه يضمن لهم السيطرة على العالم، ويرجح الباحث بهاء الأمير في كتابه “الوحي ونقيضه” أن العائلات اليهودية الكبرى التي تسيطر على إمبراطوريات المال والإعلام في العالم تحتفظ بالتوراة وتبث نقيضها عبر أذرعها في الجمعيات السرية المسيطرة على مفاصل القوة في الدول العظمى. ويقول إن أحد أبرز مظاهر إفسادهم هو تحريفهم لقصة خلق  الإنسان في التوراة، وما ترتب على هذا التحريف من فساد عقدي وتمكينٍ لسطوة الشيطان على الإنسان الذي يضمن سيطرتهم ونفوذهم.

تناقضات وتساؤلات في أسفار العهد القديم
يذكر سفر التكوين قصتين للخلق، ففي الأولى [1: 20- 27] خلق الله النباتات والحيوانات أولاً ثم خلق الإنسان، وفي الثانية [2: 7، 19] خلق الإنسان أولاً ثم خلق النباتات والحيوانات.

المدة الفاصلة بين خلق آدم وطوفان نوح تبلغ في النسخة العبرية 1656 سنة، وفي النسخة اليونانية 2262 سنة، أما في النسخة السامرية فتبلغ 1307 سنة.

في سفر الخروج [6: 2] يخبر الله نبيه إبراهيم بأن اسمه ليس “يهوه”، إلا أنه يؤكد له في سفر التكوين [22: 14] أن اسمه “يهوه”.

يقول سفر العدد إن النبي هارون توفي في جبل هور [20: 28]، بينما يقول سفر التثنية إنه توفي في موسير (موسره) [10: 6].

في سفر صمويل الأول [18: 19]: ابنة شاؤول اسمها ميراب، أما في سفر صموئيل الثاني [21: 8] فاسمها ميكال، ويقول السفر إن داود أخذ بني ميكال الخمسة وأسلمهم للصلب مع إثنين آخرين حتى يرضى الرب ويمنع استمرار المجاعة، لكن نسخا أوروبية حديثة للسفر عدّلت النص وجعلتهم أولاد ميراب.

يقول سفر التثنية “فمات هناك موسى عبد الرب في أرض مواب… ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم” [34: 5- 6]، فلو كان موسى هو كاتب العهد القديم فكيف يكتب عن وفاته واختفاء قبره؟

جاء في سفر حزقيال [18: 20] أن الأبناء لا يحملون ذنوب الآباء، وفي سفر التثنية [24/ 16]: “لا تقتل الآباء بالبنين ولا تقتل البنون بالآباء، بل كل امرئ بذنبه يُقتل”، بينما ينص سفر الخروج [20: 5] على أن الرب ينتقم من الأبناء حتى الجيل الثالث والرابع بسبب ذنوب الآباء.

الكتاب الثاني- التلمود: يأتي في المقام الثاني بعد التوراة، وهو الشريعة الشفوية، ويتألف من قسمين هما المشناة والجمارا.

أحبار يتدارسون التلمود بريشة كارل تشيلشر

أما المِشناة فهي مجموعة من الشرائع اليهودية المروية على الألسنة، حيث يعدها اليهود مصدراً رئيسياً من مصادر التشريع، ويظنون أنها تعود إلى موسى نفسه، فيسمونها “التوراة الشفوية”. ولم يبدؤوا بتدوينها إلا بعد السبي البابلي في القرن الخامس قبل الميلاد واستقرت كتابتها على الوضع الذي نعرفه في نهاية القرن الثاني بعد الميلاد.

تقسم المشناة إلى ستة أقسام تتضمن التعاليم الدينية الخاصة بكل من: الأرض والزراعة، الأيام والأعياد المقدسة، النساء وأحكامهن، القصاص والعقوبات، القرابين وخدمة الهيكل، أحكام الطهارة والحلال والحرام. وقد كتبت بلغة عبرية حديثة قياساً إلى عبرية التوراة.

وبعد الانتهاء من تدوينها انكب أحبار اليهود على شرح المشناة، وأودعوا في شرحهم كل ما أرادوا إشاعته بين عوام اليهود من شرائع وحكايات في كل مجال، فسمي هذا الشرح “جمارا” أي التكملة، وكتب بالآرامية، ومن اجتماع المِشناة والجمارا تكون “التلمود”.

تركزت مدارس الشرح في العراق خلال السبي البابلي كما ظهر لها شرّاح في فلسطين من فلول اليهود التي بقيت هناك بعد السبي، وأدى ذلك إلى ظهور تلمودين: تلمود بابلي شرح المشنة كاملةً، وتلمود أورشليمي ناقص شرح فصولاً منها، وعندما يُطلق التلمود يقصد به التلمود البابلي.

 

رابعاً- عقيدة يوم الرب وعقيدة الماشيَّح المنتظر:
يعتقد اليهود أن الرب اختار إسرائيل شعباً له ووعدهم بإخضاع شعوب الأرض لهم. ومع أن ذلك لم يحدث دائماً، ومع أنهم يقرّون بإصرارهم على التفريط في عهدهم معه وأن الدنيا تبدو بعيدة عن الكمال المطلوب وفق تصورهم لها، فإن ذلك يقتضي أن يُنزل الرب عقابه الصارم وينتقم لشعبه المختار ويكون له مع الدنيا يومٌ عظيم.

وقد ذُكر “يوم الرب” على لسان النبي عاموس في السفر المنسوب له محذراً من الانتقام الإلهي من المخالفين، وخلط اليهود بدهاء قضيتهم بقضية الإله، فهم ينتظرون يوم الرب ليحمل لهم انتصار شعب الرب المختار على الأمم الأخرى التي ستدين لهم بالخضوع فيه، أما كلمات عاموس نفسه فتشير إلى أنه يومٌ تنتصر فيه العدالة الإلهية التي سيرتعد منها الشعب اليهودي رعباً مما اقترفه من آثام. [عاموس 5/18-20].

أما “يوم الرب” بالمعنى الذي قصده الأنبياء من وعيد وانتقام من العصاة، سواء من اليهود أو غيرهم، فهو موضع تهكم وسخرية لديهم حيث أطلقوا عليه اسم “أحَريت هَيَّاميم” أي آخرة الأيام أو اليوم الآخر، ويقصدون به معنىً مختلفاً تماماً عن المعنى المتعارف عليه عند المسيحيين والمسلمين الذين يؤمنون بالآخرة، فهو عندهم اليوم البعيد جداً الذي لن يأتي مما اضطر نبيهم حزقيال إلى تقريعهم وتحذيرهم كما جاء في سفره [12/21 وما بعدها].

أرض الموتى كما تخيلها الرسام جون مارتن في القرن الثامن عشر

كانت النصوص الإسرائيلية القديمة تتحدث عن أرض الموتى (شيول)، وهي مكان أسطوري محايد يذهب إليه الموتى وغير مرتبط بالثواب والعقاب أو البعث والحساب. ثم اختلف مفسرو التوراة وأحبار التلمود في تفسير معنى “جهنم”، فقال البعض إنه “الوادي الملعون” الذي يُعاقب فيه المذنبون داخل الزمان، ودون تحديد لمدى العقوبة، حيث قيل إن الآثمين من بني إسرائيل سيُعاقَبون عاما واحدا ثم تباد أرواحهم، وقيل إنهم سيذهبون إلى الجنة بعد قضاء فترة العقوبة، ورأى آخرون أن كل بني إسرائيل سيبعثون بعد الموت وينقذهم إبراهيم من دخول جهنم، كما أنكر بعض الحاخامات وجود جهنم وقالوا إن أرواح الأشرار ستباد ولن تخلد في العذاب، وفي العصر الحديث أسقط كثير من اليهود فكرة جهنم نهائيا، وما تزال مفاهيم البعث والآخرة غامضة في فكرهم الديني. [موسوعة المسيري: 14/289].

وأما قضية المسيح المنتظر فهي من أهم قضايا اليهود على الإطلاق، والمسيح أو الماشيَّح أو المسيّا هو الممسوح بالزيت، وهو رجل من نسل داود سيأتي حسب زعمهم ليعيد دولة اليهود في فلسطين ويقيم بناء الهيكل المهدم، وبواسطته سيحكم اليهود العالم.

وقد زاد الحديث عنه بكثرة في مرحلة النفي، وفي كل مرحلة ضعف تعرضوا لها ازداد تعلقهم بالمسيا الذي سيأتي ليخلصهم وينتقم لهم من العالم، وتكررت نبوءات الأنبياء بقدومه حتى ملأت معظم أسفار العهد القديم والتلمود البابلي خاصة.

ولا بد من علامات تسبق ظهور الماشيح، فيقولون إنه لن يظهر إلا بعد تجمع اليهود من الشتات في الأرض المقدسة، وتجمع الثروة في أيدي اليهود وسيطرتهم على العالم اقتصادياً بشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة، كما أنه لا يظهر إلا بعد قيام حرب عالمية رهيبة يهلك فيها ثلثا سكان العالم ويؤمن به الثلث الباقي، وتسمى هذه الحرب عندهم “حرب التنين” وهي التي يطلق عليها المسيحيون المتصهينون معركة “هرمجدون” [انظر مقال المسيحية المتصهينة]، فيظهر الماشيح عقبها وتدين له شعوب الأرض كافة بالخضوع.

كما لا بد أن يسبق ظهوره هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه، ويزعم التلمود أنه بظهوره ستعم البركة والخير والعدل الأرض ويصبح اليهود سادة البشر. واختلف الحاخامات في مدة بقائه فمنهم من جعلها أربعين سنة، وقال بعضهم إنها سبعون سنة، وزعم آخرون أنها آلاف السنين.

ومن أشهر الشخصيات المترتبة على تعلقهم بفكرة المسيح المنتظر وأشدها ارتباطاً به هي شخصية النبي إلياس الذي يسميه اليهود (إلياهو)، وأخباره كثيرة مشهورة في سفر الملوك الأول وكان معاصراً للملك آخاب في مملكة إسرائيل -عاصمتها السامرة- الذي عبد بعل إرضاء لزوجته الصيدونية الوثنية، وكانت له مواقف عديدة في مواجهة الملك وقومه الذين انحرفوا عن عبادة الله وشاع فيهم الفساد حتى رُفع إلى السماء في مركبة نارية كما يذكر العهد القديم.

ودوره الأهم عندهم يتمثل في عودته قبل ظهور الماشيح مبشراً به، كما يقولون إنه ينزل من حين إلى حين إلى هذه الدنيا ليطمئن على اليهود وإقامتهم لشعائرهم، لذلك اقتضت تقاليد عيد الفصح عندهم تخصيص كأس نبيذ ومكان فارغ على مائدة الفصح في كل بيت للنبي إلياهو لعله يحضر الاحتفال كما تصوره قصصهم الشعبية للأطفال كشخصية مماثلة لشخصية “بابا نويل” أو “سانتا كروز” عن المسيحيين.

ويسجل التاريخ ظهور كثير من اليهود الذين ادعى كل منهم أنه المسيح المنتظر، ومنهم داود الرائي (حوالي سنة 1163م) في العراق زمن الخلافة العباسية، الذي استفاد من علوم المسلمين المزدهرة في عصره وأتقن التنجيم والسحر ودعا للذهاب إلى القدس وانتزاعها من يد المسلمين وإعلان حكم يهودي فيها وأنه المسيح المخلص لليهود، ومن أشهرهم في العصر الحديث شبتاي صِبي (زيفي) الذي عاش في الدولة العثمانية حوالي عام 1647م، وقام بدور أساسي في نشوء ما عرف بعد ذلك بيهود الدونمة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا اليهودية، وكانوا العامل الأبرز في إسقاط الخلافة الإسلامية فيما بعد سنة 1908م.

بالرغم من إنكار الكثير من اليهود المعاصرين، فإن هناك أدلة تاريخية كثيرة على أن الإسرائيليين القدامى تقربوا إلى الإله الكنعاني “مولوخ”، والذي يُرجح أنه تجسيد للشيطان، عن طريق التضحية بالأطفال، وما زال البعض يمارسون هذه الطقوس السرية في العصر الحديث.

نصوص تأمر بالعنف في العهد القديم:
“فضرباً تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف وتحرّمها بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف، تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة” [سفر التثنية 18: 28].

“حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك” [سفر التثنية 20: 10- 15].

“فالآن أقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة عرفت رجلا بمضاجعة ذكر اقتلوها” [سفر العدد 31: 17].

“فالآن اذهب واضرب عماليق وحرّموا كل ما له ولا تعف عنهم بل اقتل رجلا وامرأة، طفلا ورضيعا، بقرا وغنما، جملا وحمارا” [سفر صموئيل الأول 15: 3].

“كما أثكل سيفك النساء كذلك تُثكل أمك بين النساء” [سفر صموئيل الأول 15: 33].

“طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة” [سفر المزامير 137: 9].

“ليكن بنوه أيتاماً وامرأته أرملة، ليته بنوه يتماناً ويستعطوا ويلتمسوا خبزاً من خربهم” [سفر المزامير 109: 10- 11].

“تجازى السامرة لأنها قد تمردت على إلهها، بالسيف يسقطون، تحطم أطفالهم والحوامل تشقّ” [سفر يوشع 13: 16].

“وأطعمهم لحم بنيهم ولحم بناتهم فيأكلون كل واحد لحم صاحبه في الحصار والضيق الذي يضايقهم به أعداؤهم” [سفر إرميا 19: 9].

الشريعة اليهودية
تعد الوصايا العشر التي وردت في سفر الخروج عصب الشريعة الموسوية، وقد تكررت في سفر التثنية للتأكيد على أهميتها وجاء فيها: ثم تكلم الله بجميع هذا الكلام قائلاً:

  • أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من دار العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمام وجهي.
  • لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة،… لا تسجد لها ولا تعبدها لأني أنا الرب إلهك إله غيور أتعقب ذنوب الآباء في الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع من أعدائي، وأصنع إحساناً إلى أولف من أحبائي وحافظي وصاياي.
  • لا تحلف باسم الرب إلهك باطلاً، لأن الرب لا يبرئ من ينطق باسمه باطلاً.
  • اذكر يوم السبت لتقدسه في ستة أيام تعمل وتنجز كل أعمالك واليوم السابع سبت للرب إلهك… لأن الرب خلق السماوات والأرض والبحر وكل ما فيها في ستة أيام، وفي اليوم السابع استراح ولذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه.
  • أكرم أباك وأمك كيي يطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك.
  • لا تقتل.
  • لا تزن.
  • لا تسرق.
  • لا تشهد على قريبك شهادة زور.
  • لا تشتهِ بيت قريبك، لا تشتهِ امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لقريبك.

عرس يهودي في أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر

كما تتصف الشريعة اليهودية بأحكام تميزها عن غيرها من الشرائع، ففي الزواج مثلاً يعد بقاء اليهودي في العزوبة أمراً منافياً للدين، لأنه يتسبب في أن يتخلى الرب عن شعبه إسرائيل، ويحرم الزواج بين اليهود وغيرهم الذين يسمون في كتب الشريعة عندهم كفاراً أو (الغوييم) أي الأمم الأخرى أو الأغيار، ويستوي في ذلك المسلمون والمسيحيون والوثنيون، ومنهم من تشدد فأكد على ضرورة وحدة المذهب أيضاً، والأولاد الناتجون عن زواج مخالف هم أولاد زنا، ويصح عندهم أن يعقد بين اثنين كان أحدهما أجنبياً ثم اعتنق الدين لكن أولادهما لا يصح أن يكون منهم كهنة في إسرائيل تأكيداً للنزعة العنصرية التي تصبغ أكثر شرائعهم الفقهية. ويجوز للإسرائيلي الزواج من ابنة أخته أو ابنة أخيه ولكن العكس محرم فلا يحل للمرأة الزواج من ابن أختها أو ابن أخيها، ثم حرم كثير من أحبارهم الزواج ببنت الأخ. كما أن تعدد الزوجات كان جائزاً شرعاً ولم يرد نص بتحريمه أو تحديد حدٍّ أقصى له، وكانت عادة اليهود باتخاذ أكثر من زوجة إلى أن أفتى الحاخام جرشوم بن يهودا الفرنسي (توفي عام 1040م) بتحريم تعدد الزوجات، وذلك نتيجة ما لاقاه يهود أوروبا في العصور الوسطى من اضطهاد واحتقار لأسباب منها تعدد الزوجات المحرم عند المسيحيين، لكن فتواه لم تطبق واستمر التعدد سراً وعلناً لاسيما في بلدان آسيا وأفريقيا.

عرس تقليدي لابن أحد الحاخامات

ومن خصائص الشريعة اليهودية مسألة اليِبُّوم، وهي أرملة اليهودي الذي مات ولم ينجب فيجب عندئذ تزويجها لأخيه الأعزب، فإذا أنجب منها فإن المولود لا يحمل اسمه بل اسم أخيه الميت وينسب إليه، وإذا امتنع أخو المتوفى عن هذا الزواج فإنه يشهر به ويخلع من المجتمع الإسرائيلي.

كذلك تهتم الشريعة اليهودية بالابن البكر فهو خليفة أبيه في السلطة والثروة، وكثيراً ما كانت تشتعل المنافسات بين الإخوة الصغار وأخيهم الأكبر بسبب هذا وتنسج المؤامرات، وأوضح الأمثلة قصة يعقوب وتآمره مع أمه على انتزاع حق البكورية من أخيه عيسو المذكورة في سفر التكوين. والعبارة التالية توضح الغاية من هذا التشريع، فقد نص بن شمعون في قانونه على أن: “البكر من الجارية أو الأجنبية لا يمنع البكورة من الإسرائيلية” والمقصود نزع حق النسبة وميراث النبوة من إسماعيل جد العرب من أبيه إبراهيم وإثباتها لإسحاق ونسله فقط، فمع أن إسماعيل وُلد قبل أخيه إسحاق إلا أنه ابن هاجر الجارية المصرية، أما إسحاق المتأخر في الولادة فكان سليل الزوجة سارة التي توصف بأنها عبرية، وكان لا بد من هذا التشريع لتستقيم نظريتهم في شعب الله المختار.

أما بالنسبة للأموال والممتلكات فنجد أن الرِّبا محرم بين اليهود فقط، وعقوبة المخالف لذلك التكفير والخلع، بينما يباح الرِّبا إذا أقرض اليهودي لغير اليهودي. لكن الأحبار تحايلوا على هذا التشريع فيما بينهم أيضاً.

وباستعراض تقاليد اليهود في الطعام والشراب، نجد أنه يحلُّون من الحيوانات كل ما له ظلف مشقوق وليست له أنياب ويأكل العشب ويجتر، وبذلك يحرم عليهم الخيل والبغال والحمير وكذلك الجمل، والخنزير لأنه ذو ناب والسباع بأنواعها كما يحرم عليهم الأرنب وما يتصل به من قوارض آكلة للعشب لأنها ذات أظافر لا أظلاف مشقوقة، كما يحرم من الطيور كل ما له منقار معقوف أو مخلب أو كان ممن يأكل الرمم، وتذبح الحيوانات الصالحة للأكل من منحرها بالطريقة الشرعية وبعد تلاوة بركة تتضمن اسم الرب. أما صيد البحر فكله حرام عليهم باستثناء السمك الذي له زعانف وعليه قشور فقط، كما أن الدم محرم عليهم كتحريمه على المسلمين، ويحرم عليهم الجمع بين اللحم واللبن الحليب أو أي شيء يمت له بصلة في طعام واحد، لذلك يحرم طبخ اللحوم في السمن والزبد بل تطبخ بزيوت نباتية. كما يحرم أن يوضع اللحم في إناء كان قد وضع فيه لبن أو جبن من قبل.

ويولي اليهود اهتماماً شديداً بأعيادهم الدينية لارتباطها بتعاليم التوراة من جهة وبتاريخهم من جهة أخرى، وأكثر أعيادهم أهمية في توضيح عقيدتهم:

طقوس يوم السبت في لوحة من القرن الرابع عشر

1- السبت: هو العيد الأسبوعي لدى اليهود، ويبدأ من غروب يوم الجمعة إلى غروب السبت، وأهم شعائره الكفُّ عن أي عمل في ذلك اليوم لأن الرب -كما زعم كتبة سفر التكوين- استراح فيه بعد أن تعب من خلق السماوات والأرض، حيث يقول “وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع وبارك الله اليوم السابع وقدسه” [التكوين: 2/ 3]. وتقدم ذبيحة في هذا اليوم لأن الرب “يحب اللحم المشوي”، وتتشدد الشريعة اليهودية في أحكام السبت فمن يعمل عملاً فيه يحكم بالإعدام، حيث زعم كتبة التوراة أن موسى قتل رجلاً لأنه احتطب يوم السبت [الخروج: 31/ 14- 15]، وتطبيق شعائره من أهم بنود الوصايا العشر التي جاء بها موسى كما يقولون.

ومن الأمور المحرمة في السبت استدعاء طبيب لمعاينة مريض مهما كانت حالته حرجة، وعدم صنع طعام أو إيقاد نار، لذلك يصنع اليهود المتدينون طعامهم قبل غروب الجمعة، والامتناع عن الكتابة والتعاقد والبيع والشراء والخروج من البيوت والقتال وإبرام عقود الزواج. لكن الأحبار أبدعوا طرقاً للتحايل على هذه القيود، حيث ذكر القرآن نموذجاً منها في قصة أصحاب السبت [البقرة: 65]، وللتحايل على مسألة الحروب والقتال أباحوا للكاهن الأعلى أن يعلن الحرب على أساس أنها حرب دفاعية، ولهذا يسمى جيشهم اليوم بجيش الدفاع الإسرائيلي.

2- عيد الفصح أو عيد العبور أو الفطير: هو أهم الأعياد اليهودية على الإطلاق، فيحتفلون فيه بإخراجهم من مصر ونجاتهم من فرعون، والفصح كلمة عبرية تعني العبور أي عبور البحر، وسمي عيد الفطير لأنهم لا يأكلون فيه إلا فطيراً قبل أن يختمر كما فعل آباؤهم عند خروجهم من مصر حيث أخذوا معهم عجينهم قبل أن يختمر، وتستمر الاحتفالات بهذا العيد سبعة أيام ويقع في شهر أبيب العبري الموافق لشهر أبريل/نيسان، وعلى كل عائلة أن تذبح استعداداً له خروفاً وأن تلطخ بدمه باب بيتها وعتبته وقائمتيه، وذلك إحياءً لما نص عليه سفر الخروج الذي جاء فيه أن الرب عندما قرر إهلاك كل المصريين -وليس فرعون وجيشه فحسب- نزل وتمشى في أرض مصر ليقتل كل المصريين وأبناءهم وبهائمهم، وحتى لا يخطئ الرب ويقتل أحداً من شعبه المختار فقد جعل لهم علامة تيميز بيوتهم عن بيوت المصريين، فأمرهم بأن يذبح كل منهم شاة ويغمس عتبة بيته بدمها كي يتعرف الرب على بيوتهم فلا يمسها بسوء، وفي هذا التصور للإله يبدو واضحا أنه لا يعلم كل شيء.

شوارع تل أبيب فارغة في يوم الغفران (Roy Boshi)

3- يوم الغفران (يوم كِبُّور): هو يوم من كل سنة حددته الشريعة اليهودية للتكفير عن الخطايا ويسمى يوم الكفارة، ويوافق اليوم العاشر من الشهر السابع من السنة العبرية، وينبغي فيه الامتناع عن العمل، مع الصوم والاعتراف بالخطايا وإقامة الطقوس المستمدة من التوراة، حيث ينص سفر اللاويين على أن الرب أمر موسى وهارون بأن يحضرا تيسين، الأول يقدمانه للرب بعد أن يتلو هارون على رأسه كل خطايا بني إسرائيل ويذبحانه ليحملها عنهم، ويلطخان بدمه قدس الأقداس في خيمة الاجتماع وغطاء التابوت الذي فيه الرب، أما الثاني فيحمل خطاياهم ويرسلونه في البرية، وهو مقدم لعزازيل (إبليس نفسه) في طقوس أقرب ما تكون من عبادة الشيطان وتقديم القرابين له، ما يؤكد تسلل عقيدة ثنوية (ثنائية) الآلهة لدى اليهود، انطلاقا من مفهوم ازدواجية الخير والشر في العالم. وبما أن ذنوب الشعب المختار كلها تُكفّر في هذا اليوم فقد أصبح لدى البعض يوماً لارتكاب جميع الموبقات ونكث العهود، بل وإنكار الحقوق والديون والتحلل من الالتزامات، وبعد انتهاء الطقوس تذهب كل الذبائح والقرابين إلى بيت الكاهن.

4- عيد الفوريم أو البوريم أو عيد المساخر: له ارتباط وثيق بسفر أستير الذي يحكي قصة غانية فاتنة من بي إسرائيل اسمها أستير نجحت في الوصول إلى قلب الملك الفارسي أحشويروش أو قورش الأول (الذي حكم بلاد فارس من 485 إلى 465 ق. م) بعد أن علمت أن وزيره هامان يزمع استصدار أمر من الملك بإعدام طائفة من اليهود في مملكته لجرائمهم، فدبرت مكيدة بمساعدة عمها مردخاي بن يائير، وبعد أن أغوت الملك وأسكرته اتهمت هامان بأنه يتآمر عليه، فصدقها وأعدم هامان وأولاده وجنوده، وجعل عمها أحد وزرائه وقرب اليهود، وعندما تولى ابنه (ربيب أستير) العرش وحطم الدولة البابلية استصدرت أمراً بإعادتهم إلى فلسطين. وكلمة “بوريم” الفارسية تعني القرعة، حيث كان هامان قد أجرى قرعة لتحديد اليوم الذي سينفذ فيه الإعدام، فوقعت القرعة على يوم 13 آذار قبل أن تنقلب الأمور عليه ويقتل. وكتب أحبار اليهود سفرا كاملا باسمها في العهد القديم، وما زالوا يتعبدون بتلاوة هذا السفر مع أنه يتضمن قصة إغوائها للملك، ويعتبرونها من أبطال إسرائيل التي أنقذت شعبها. وفي الثالث عشر من آذار من كل سنة يحتفلون بهذه المناسبة بالإكثار من شرب الخمور والفجور، ويلبسون الأقنعة والملابس التنكرية في أجواء احتفالية (كرنفالية)، فاشتهر هذا العيد -وخاصة لدى المؤرخين المسلمين الذين عاش اليهود بينهم- باسم “عيد المسخرة أو المساخر”.

أشهر الفرق اليهودية:
ينقسم جمهور اليهود عرقيا إلى طائفتين كبيرتين هما:

أولاً- الإشكناز: هم من سلالات شعوب “الخزر” التي استوطنت حوض نهر قزوين وشمال أوربا وشرقها، حيث تخلوا عن الوثنية واعتنقوا اليهودية في القرن التاسع الميلادي، أي بعد ظهور الإسلام أيضا، فهم ليسوا من بني إسرائيل ولا يمتون إليهم بصلة، ومع ذلك فهم يشكلون اليوم غالبية يهود العالم الذين يطالبون بعودة بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة.

كانت كلمة “إشكناز” تدل في العصور الوسطى على الأراضي الأوربية التي يسكنها الجنس الجرماني ثم أصبحت تدل على ألمانيا، وكذلك شمال فرنسا وشرقها والنمسا وبولونيا وسائر أوربا الشرقية ودول الاتحاد السوفييتي السابق. ونتيجة البعد الجغرافي عن فلسطين لم يستخدم الإشكناز اللغة العبرية، فحلّت محلها رطانة خاصة بحارات اليهود (غيتوهات) أساسها لهجة ألمانية قديمة ممزوجة بألفاظ عبرية، ومستقاة من المصطلح الديني عند اليهود، فلما عادوا للاهتمام بالعبرية في العصر الحديث ظهرت بينهم لهجة خاصة محرفة، ولهم طقوس خاصة في الأعياد وبعض التقاليد المختلفة في المأكل والمشرب والملبس، وذلك بتأثير الأمم التي عاشوا في كنفها والمناخ البارد الذي اعتادوا عليه قروناً، ومن الإشكناز خرج أقطاب الصهيونية المعاصرة في بدايات القرن العشرين الميلادي.

ثانياً- السفارد (سفارديم): هم اليهود الذين استقروا في حوض البحر الأبيض المتوسط المتحدرون من يهود شبه جزيرة إيبيريا (إسبانيا والبرتغال)، فبعد دخول المسلمين إلى الأندلس تمتع اليهود هناك بحرّية دينية وثقافية واجتماعية كبيرة مما سمح لهم بالمحافظة على استعادة عبريتهم التي فقدوها لقرون، وعندما تعرض اليهود مع المسلمين للاضطهاد في محاكم التفتيش الكاثوليكية بعد سقوط الأندلس عام 1492م، هاجر عدد كبير منهم إلى فرنسا وإنجلترا وإيطاليا واليونان وتركيا وأطلق عليهم اسم سفارديم. ومع تأسيس الكيان الصهيوني نزح معظمهم إلى هناك وشكلوا أغلبية السكان، لا سيما وأنهم كانوا يحافظون على اللغة العبرية التي أصبحت اللغة الرسمية للدولة الناشئة، لكن قادة الصهيونية من الإشكناز سارعوا إلى الضغط على الاتحاد السوفييتي لترحيل ملايين اليهود الإشكناز كي يشكلوا غالبية سكان إسرائيل ويطبعوا الدولة بطابعها الغربي العنصري.

تشير دراسات مختلفة إلى أن اليهود الإشكناز يمثلون 83.33% من مجموع اليهود في العالم، أما السفارديم فنسبتهم حوالي 5.3%، بينما تصل نسبة يهود العالم الإسلامي والشرق إلى 11.39% من مجموع اليهود في العالم والبالغ 13.2 مليوناً.

ويعتبر الكثيرون اليوم أن الإشكناز هم اليهود الغربيون وأن السفارديم هم الشرقيون، وهذا ليس صحيحا، فهناك الكثير من السفارديم اليوم في دول أوربا الغربية، كما ينبغي التمييز بين السفارديم واليهود الشرقيين (المزراحيين)، فمصطلح “اليهود الشرقيين” كان يُطلَق على بني إسرائيل الذين غادروا أورشليم بعد هدمها إلى العراق وإيران وأفغانستان والجزيرة العربية وشمال أفريقيا وجورجيا.

مجموعة من نساء الفلاشا عند حائط البرقاق بالقدس (سبوتنيك)

ومن الصعب أيضا الإقرار بأن كل المزراحيين ينحدرون من سلالة بني إسرائيل، فبالرغم من حرص اليهود على نقاء عرقهم إلا أن الكثير منهم تزوج وصاهر أعراقا أخرى في المشرق العربي والإسلامي، وهناك سلالات يهودية اليوم في الهند، وكذلك سلالة أخرى في الحبشة (الفلاشا).

ويجدر بالذكر أن يهود المشرق يختلفون عن السفارديم بخلفياتهم الثقافية والتاريخية مع أنهم يتبعون النهج السفاردي في العبادة.

وتتسم العلاقة بين الإشكناز الغربيين والسفرديم الشرقيين بتوتر شديد وصراع دائم في الكيان الصهيوني بسبب التمييز العنصري، إذ يعتبر الإشكناز أنفسهم أعلى رتبة من الآخرين، ويحتكرون لأنفسهم أهم مناصب السياسة والامتيازات الاقتصادية، مما يولد أحقاداً بين الطرفين.

وإلى جانب التصنيفات العرقية السابقة، والتي تتبعها فوارق مذهبية وثقافية أيضا، فهناك فرق أخرى انبثقت عن التطور المستمر في الفكر الديني اليهودي، وقد عاشت بعضها لمدة قد تطول أو تقصر بحسب الأحوال والملابسات، بينما اندثر أكثرها، ونذكر من هذه الفرق ما يلي:

السامريون

1- السامريون: هي فرقة صغيرة لا يزيد عدد أبنائها عن المئات، تعيش بجوار مدينة نابلس الفلسطينية التي قامت على أنقاض مدينة السامرة التي ينتسبون إليها، ويزعمون أنهم البقية الباقية على الدين الصحيح، ولا يؤمنون بنبوة الأنبياء الذين جاءت أسفارهم بعد توراة موسى في العهد القديم ويعدونها من صنع البشر باستثناء سفر يوشع بن نون، فيرفضون التلمود وغيره من كتابات الأحبار. ولهم نسختهم الخاصة من التوراة التي تختلف اختلافاً محسوساً عن التوراة الشائعة، ويقدسون جبل جرزيم قرب نابلس ويسمونه جبل الطور تيمناً بالطور الذي كلم الله عليه موسى، ويعيشون في عزلة عن بقية اليهود، وينفون عن عامة اليهود الانتساب إلى إسرائيل أو الإيمان بإله إسرائيل.

2- الفريسيون: هم طائفة علماء الشريعة (الأحبار) قديماً الذين كانت لهم الكلمة العليا في توجيه المجتمع اليهودي على عهد المسيح، كما كانوا من ألدّ خصومه وأكثرهم تعصباً، وامتازوا آنذاك بمنزلتهم عند الولاة الرومان. واسمهم مشتقٌ من كلمة “فروشيم” التي تعني “المفروزون” أي الذين امتازوا على الجمهور وعزلوا أنفسهم عنهم وأصبحوا لعلمهم ومعرفتهم بأسرار الشريعة الصفوة المختارة، ويعتبرون بقية اليهود من “عوام الأرض”. وإذا كان اليهود عامة يرون أنفسهم شعب الله المختار فإن الفريسيين عدّوا أنفسهم “خاصة الخاصة”.

رسم تخيلي لبولس

والفريسيون هم الذين وضعوا التلمود وتعاليمه التي تقرر “أن مخافة الحاخامات هي مخافة الله، وأن أقوالهم أفضل من أقوال الأنبياء، وتعاليمهم لا يمكن نقضها ولا تغييرها ولو بأمر الله تعالى نفسه”. واشتهروا بوضع الحيل للتخلص من قوانين الشريعة التي كانوا يتظاهرون بالتقيد بها، لذا ناصبهم المسيح عيسى بن مريم وابن خالته يحيى بن زكريا عليهما السلام العداء، وامتلأ الإنجيل -الذي أنزل على عيسى- بذمِّهم وفضح نفاقهم حتى أصبحت كلمة “فريسي” تدل على العار.

وكان بولس -وهو أول من بدَّل دين المسيح كما سنرى في مقال المسيحية– يهودياً فريسياً، إلا أن تغلغل اليهود التدريجي في الثقافة الغربية المعاصرة بلغ من القوة أن يقنع المسيحيين البروتستانت -ولاحقا الكاثوليك- بتبرئة اليهود مما ذمهم به المسيح نفسه والنبي يحيى (يوحنا المعمدان)، مع أن اليهود هم الذين اتهموا السيدة مريم بالبهتان وقالوا في المسيح إنه ابن زنا [انظر مقال المسيحية المتصهينة].

3- القنّاؤون: كلمة قنّاء العبرية تعني الغيور أو صاحب الحميّة، والمقصود هو الحميّة الدينية، وتشبه هذه الفرقة بعقائدها وطقوسها الفريسيين إلا أنها أشد تعصباً منهم، فأتباعها يتهمون الفريسيين بالجبن والخيانة لأنهم رضوا بحكم الرومان وتعاونوا معهم فلا يُقبل أن يحكم وثني يهودياً. وقد ظهروا بعد هزيمة المكابيين على يد الرومان وكانوا يقومون بعمليات اغتيال للرومان واليهود المتعاملين معهم، ما دفع السلطات الرومانية الحاكمة إلى قمعهم بقوة، الأمر الذي رد عليه القناؤون بمزيد من التشدد وتشكيل الجماعات السرية.

وكان القناؤون يقتلون كل من يخالف الشريعة اليهودية حتى أطلق عليهم الفريسيون اسم “سيقارين” أي السفاح، وكانوا شديدي العداء للمسيح عليه السلام.

هرتزل

4- الصهيونية: إذا كانت كثير من الفرق اليهودية قد اندثرت وانتهى وجودها فإن آثارها الفكرية امتدت في الحركات اليهودية المعاصرة التي تتشكل منها مجتمعات اليهود اليوم، وأشهرها الحركة الصهيونية التي جمعت بين فكر الفريسيين وتعصب القنائين وأساليبهم.

فالصهيونية حركة سياسية عنصرية متطرفة ترمي إلى إقامة دولة لليهود في فلسطين تحكم من خلالها العالم كله، وقد اشتقت اسمها من جبل صهيون في القدس الذي تطمع إلى أن تشيد فيه “هيكل سليمان” ليكون مركز مملكتها.

وإذا عدّ معظم الباحثين في الصهيونية النمساوي اليهودي تيودور هرتزل (توفي 1904م) الداعية الأول للفكر الصهيوني فإن جذورها الفكرية والتاريخية تعود إلى ثورة المكابيين ومعظم الحركات اليهودية التي أُججت فيها الروح الدينية والقومية، فهي تنظيم وتجديد للصهيونية القديمة.

تقوم الصهيونية على تعاليم التوراة والتلمود، ومع ذلك يوجد من زعمائها من يوصف بالملحد، وهي التي تقود ما يسمى بدولة إسرائيل وتخطط لها، كما أن الماسونية تتحرك بتعاليمها وتوجيهاتها، ويخضع لها الكثير من زعماء العالم ومفكريه، ولها مئات الجمعيات في أوروبا وأمريكا في مختلف المجالات، والتي تبدو متناقضة في الظاهر لكنها في الواقع تعمل كلها لمصلحة اليهودية العالمية.

واليهود اليوم ينقسمون إلى فرق على أساس انتمائهم الديني: فمنهم المحافظون والإصلاحيون والأرذثوكس، إضافة إلى معتنقي فكر القبالاه والحسيدية.

وهناك من يبالغ في قوة اليهود مبالغة كبيرة جداً، كما نجد آخرين يقللون من شأنهم ودورهم في صنع المؤامرات، والرأيان يحتاجان إلى تقويم وتوجيه لتحديد مواطن قوة اليهود ومدى تأثيرهم في العالم وكشف خفايا مؤامراتهم، على أن استقراء الواقع يدل على أن اليهود الآن يحيون فترة علوٍ استثنائية تحتاج من المهتمين إلى الدراسة والبحث [انظر خاتمة مقال الماسونية].

يهود أرثوذكس يتجمعون للصلاة عند حائط البراق (المبكى) وهو جزء من الجدران الخارجية للمسجد الأقصى

أهم المراجع
بولس الفغالي وأنطوان عوكر، العهد القديم العبري: ترجمة بين السطور، الجامعة الأنطونية والمكتبة البولسية، 2007م.

زالمان شازار، نقد العهد القديم، ترجمة أحمد محمود هويدي، رؤية للنشر والتوزيع، 2014م.

د.م. دنلوب، تاريخ يهود الخزر، ترجمة سهيل زكار، دار قتيبة للنشر: دمشق، 2005م.

حسن ظاظا، الفكر الديني اليهودي: أطواره ومذاهبه، دار القلم: دمشق، 1999م، ط4.

محمد علي البار، المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم، دار القلم: دمشق، 2011م، ط2.

عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق: القاهرة، 1999م، ط1.

عبد المنعم فؤاد، قضية الألوهية في الأسفار اليهودية، مكتبة الثقافة الدينية: القاهرة، 2004م.

سليمان بن قاسم العيد، النبوة والأنبياء في العهد القديم، جامعة الملك سعود: الرياض، 2003م.

الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي: الرياض، 1989م، ط1.

طارق سويدان، اليهود الموسوعة المصورة، شركة الإبداع الفكري: الكويت، 2009م، ط1.

Jean Schorer, Das Christentum in der Welt und für die Welt, Wien 1949.

الماركسية والشيوعية

إبراهيم إسماعيل


تعد الفلسفة الماركسية الأصل الفكري الذي نتجت عنه الشيوعية كنظام سياسي واقتصادي، لذا سنعرض في القسم الأول من هذا المقال الماركسية من حيث كونها نظرية مُلهِمة، ثم نعرض في القسم الثاني الشيوعية كنموذج تطبيقي للماركسية.

القسم الأول: الماركسية

التعريف

الماركسية مذهب فلسفي مادي إلحادي، يرى أن كل ما في الكون من كائنات وموجودات حية وغير حية ناشئ عن المادة، فالمادة هي أصل الأشياء، وعن تطورها وجدت كل الأشياء، فلا يوجد وراءها شيء آخر، كما أن المادة أزلية قديمة لم يوجدها أحد.

وتفسر الماركسية التاريخ تفسيراً مادياً أيضاً، فترجع كل أحداثه إلى العوامل الاقتصادية وصراع الطبقات فيما بينها كما سنوضح لاحقا.

تتقاطع الماركسية مع عدة علوم، كعلم الاجتماع والاقتصاد السياسي والفلسفة، وسميت بالماركسية نسبة لمنظّرها الأول كارل ماركس (1818- 1883)، وهو فيلسوف واقتصادي ألماني يهودي، واشترك معه في تأسيس نظرية الشيوعية العلمية صديقه فريدريك إنغلز (1820- 1895).

المؤسسان:

كارل ماركس
ولد ماركس سنة 1818م في ألمانيا في عائلة يهودية، لكن والده اختار تغيير دين عائلته للمسيحية، فغيّر اسمه من هيرشل إلى هنريخ، كما غيّر اسم ابنه حاييم ذي الستة أعوام إلى كارل، ويرى بعض المؤرخين أن تبديل الأب لدينه كان حيلة اقتصادية ليندمج في المجتمع ويخلص نفسه وأولاده من الاضطهاد ضد اليهود، أما جد كارل فكان حاخاما ويدعى مردخاي ماركس.

وبالعودة إلى سلالة ماركس، نجد أن جده الرابع (من جهة أم والده هيرشل) هو الحاخام بيرنت كوهين (توفي عام 1808) الذي كان أحد كبار التجار في أمستردام بهولندا قبل أن ينتقل إلى لندن ليصبح من أعمدة التجارة فيها، والمثير أن هذه العائلة ارتبطت بعلاقات زواج عدة مع عائلة روتشيلد اليهودية المشهورة، وأهمها زواج ناثان ماير روتشيلد (رابع أبناء ماير روتشيلد مؤسس العائلة) من حنا بيرنت كوهين، التي كانت ابنة عم جدة هيرشل، ما دفع الكثير من المؤرخين إلى افتراض أن كارل نظّر للشيوعية تحقيقا لمصالح عائلة روتشيلد التي تُتهم بإشعال كبرى الحروب في أوروبا والسيطرة على كبرى مصارف العالم، ولا ننسى أن وعد بلفور الشهير بتأسيس إسرائيل كان موجها إلى اللورد ليونيل روتشيلد شخصيا.

درس كارل الفلسفة في جامعات بون وبرلين وفينا، وكان من المعجبين بفلسفة الألماني جورج هيغل، وهي تقول إن مسيرة الفكر والواقع تتطور بتفاعلات النفي المتتالي في صيرورة دائمة، لكنه رفض مثالية هيغل التي تجعل الأفكار أصل الأشياء، فكان ماركس مادي النزعة ويؤمن بأن المادة هي الأصل، ثم سافر إلى باريس وتعرف على الفلاسفة الاشتراكيين.

لم يكن ماركس في البداية ملحداً، ومن الشائع بين المؤرخين أنه عاش معظم حياته فقيرا حيث لم يجد كفنا لابنته عندما ماتت، وأنه طُرد مع عائلته من المنزل لعدم دفع أجرته، لا سيما وأنه كان يميل للقراءة والكتابة ويكره العمل حتى ماتت ابنتاه انتحارا، لكن المنزل الذي عاش فيه بلندن وما زال يحمل لافتة “كارل ماركس عاش هنا” يثبت أنه لم يكن فقيرا طيلة حياته.

أكد ماركس صداقته المتينة بالفيلسوف الصهيوني “موسى هس” صاحب كتاب “روما والقدس”، فقال ماركس “لقد اتخذت هذا العبقري لي مثالاً وقدوة، لما يتحلى به من دقة التفكير واتفاق آرائه مع عقيدتي وما أؤمن به، إنه رجل نضال وفكر وسلوك”، ومن المعروف أن مؤسس الصهيونية تيودور هرتزل استقى مشروعه لتأسيس إسرائيل من مؤلفات هس.

وعبّر ماركس عن أفكاره أولاً في البيان الشيوعي الذي كتبه مع إنغلز عام 1848م، ثم في كتابه رأس المال 1867م، ومن أهم مؤلفاته أيضا “فقر الفلسفة”، “الاقتصاد السياسي والفلسفة”، و”الأيديولوجية الألمانية”.

فريدريك إنغلز
نشأ إنغلز في أسرة ثرية جداً، ولم يكمل دراسته الجامعية ليساعد والده في إدارة شركاته المختلفة. بدأ بالانسلاخ فكرياً عن طبقته عندما شاهد -حسب قوله- معاناة العمال من مساوئ الرأسمالية، فشرع في دراسة الاشتراكية وتأثر بالجدل الهيغلي وبالرافضين للمثالية الفلسفية المطلقة. ونظراً لنزعته المادية، تعاون مع ماركس على وضع أسس المذهب، ويقال إنه ظل ينفق على ماركس وعائلته حتى مات.

ومن أهم مؤلفاته: “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، “حالة الطبقة العاملة الإنجليزية”، “الرد على دوهرينغ”، و”الثورة والثورة المضادة في ألمانيا”.

وايسهاوبت

عمل الباحث الكندي وليام غاي كار على تأليف كتابه “أحجار على رقعة الشطرنج” ما بين عام 1911 و1950، ووضع فيه تفاصيل “المؤامرة” التي قال إن عائلات يهودية كبرى وعلى رأسها روتشيلد صاغتها داخل المنظمات السرية، وذلك للسيطرة على مفاصل القوة في العالم، وكان من بين التفاصيل التي ذكرها أنه تم تكليف الألماني آدم وايسهاوبت بوضع عام 1776 خطة شاملة لإشعال الثورات والحروب وإعادة صياغة النظم السياسية والاقتصادية بما يحقق مصالح النخبة، وتأسست بذلك منظمة النورانيين (الإلوميناتي) التي سيطرت على المحافل الماسونية. وبعد نحو مئة سنة، تولى كلينتون روزفلت (جد الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت) مع آخرين تمويل مشروع كتابة أسس الشيوعية على يد ماركس وإنغلز، فوضعا كتابي “رأس المال” و”البيان الشيوعي” وفقا لخطة وايسهاوبت، وفي الوقت نفسه كان البروفيسور الألماني كارل ريتر يُعدّ النظرية المضادة للشيوعية تحت إشراف جماعة أخرى من “النورانيين”، بحيث يكون بمقدور النخبة توظيف النظريتين المتعاكستين في تقسيم العالم إلى قطبين متناحرين ثقافيا وسياسيا واقتصاديا، وحتى عسكريا، وهو ما حدث لاحقا بالفعل.

من المفارقات أن تيار اليسار القومي العربي يرفع شعارات الماركسية لمقاومة الصهيونية، ودون الالتفات إلى العلاقة الوطيدة بين ماركس ومؤسسي الصهيونية. فلو تتبعنا نشأة الحركات الشيوعية العربية لوجدنا أن الماركسية لم تدخل إلى العالم الإسلامي إلا على يد اليهود، فأول حزب شيوعي في المنطقة هو الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تأسس عام 1919 على يد المهاجرين اليهود من روسيا، ثم تأسس الحزب الشيوعي لسوريا ولبنان عام 1924، وكان لليهود دور بارز في وضع قواعده الفكرية والحزبية كما يقول الشيوعي السابق قدري قلعجي، أما العراق فدخلتها الشيوعية على يد يهودا صدّيق ويوسف زلّوف وموسى مراد كوهين ويوسف زلخة، وكلهم يهود. كما تأسس الحزب الشيوعي المصري عام 1922 على يد اليهودي الإيطالي جوزيف روزنتال، الذي أدخل إلى البلاد أيضا مشروع تشكيل اتحاد نقابي عمالي ليتولى إثارة موجة عارمة من الاضطرابات، ثم تشكلت بعدها في مصر منظمة شيوعية أخرى تدعى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو)، وذلك على يد المليونير اليهودي الإيطالي هنري كورييل.

ويجدر بالذكر أن معظم هذه الحركات لم تعادِ الصهيونية في بداية تأسيسها، بل صرح قادتها وكوادرها بالتعاطف مع الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة على اعتبار أنه جزء من النضال ضد البرجوازية.

أصول الماركسية
بنى ماركس وإنغلز فلسفتهما من خلال نقد وإعادة قراءة كل من:

1- الفلسفة الألمانية: فقد اهتما بالفلسفة الكلاسيكية الألمانية وخاصة مذهب جورج هيغل الجدلي، ومذهب لودفيغ فيورباخ المادي الإلحادي، ثم أعادا إنتاجهما بمذهبهما الذي بات يسمى يسمى بالمادية الجدلية (الديالكتيكية).

تشارلز داروين

2- نظرية التطور: التي وضعها تشارلز داروين في كتابه “أصل الأنواع” [انظر مقال “وجود الله“]، حيث وجد فيها ماركس سندا علميا لنشأة الحياة بدون إله، كما استعار قانون التطور البيولوجي ليطبقه على المجتمعات، وعندما أصدر كتابه الشهير “رأس المال” أهداه إلى داروين، لذا يرى المنظر الشيوعي الروسي جورجي بليخانوف أن الماركسية هي التطبيق العملي للداروينية.

3- الاقتصاد السياسي الإنجليزي: اهتم ماركس وإنغلز بنقد أفكار الرأسمالية التي ظهرت على يد آدم سميث وديفيد ريكاردو، وحاولا إسقاط هذا النموذج على أساس المنطق الجدلي ليقدما بدلا منه الاقتصاد السياسي الماركسي.

4- الاشتراكية الفرنسية: استفاد ماركس من نظرياتها التي انتشرت في القرن التاسع عشر التي كانت تمثل أعلى درجات النضال ضد بقايا الإقطاعية، وأعاد تقديمها تحت اسم الاشتراكية العلمية زاعما أنها ستقوم بالتغيير الثوري والحتمي للمجتمع بفعل تناقضات الرأسمالية، فكان يقول إن الاشتراكية لم تعد حلماً طوباوياً (مثالياً) كما كانت لدى سابقيه بل أصبحت اشتراكية علمية وحتمية.

5- عقيدة المخلّص اليهودي (المسيّا): فقد نشأ ماركس على التعاليم التلمودية في كنف عائلته، وكان متأثرا كما يبدو بالحلم الذي انتظره أجداده اليهود بمجيء صاحب الفردوس الأرضي الذي سيسيطر على العالم وينشر العدل، فأعاد ماركس صياغة حلمه بالفردوس الأرضي بعد دمجه بنظريات الطوباويين الفرنسيين، وتصور إمكانية تحققه -بل حتميته- على أيدي العمال المقهورين، وقد تبنى إنغلز هذه الفكرة بعد أن رأى بنفسه معاناة العمال في المصانع التي تملكها عائلته.

الفلسفة الماركسية
كانت فلسفة هيغل فلسفة “مثالية عقلية” أي أنها تعتبر الفكر أصل الأشياء وليس المادة، كما وضع هيغل أسس الفلسفة “الجدلية” التي تفترض أن كل شيء في الوجود يخضع للصراع الجدلي، فالقضية تتصارع مع نقيضها، فينشأ عن الصراع نقيض النقيض وهو أرقى من القضية الأصلية، وهكذا تظل الأشياء تتوالد وتتصارع مع نقيضها لترتقي في صيرورة دائمة، واعتبر هيغل أن هذا الصراع هو الذي يحرك التاريخ والطبيعة والفلسفة.

وجد ماركس في هذه الفلسفة ما يبحث عنه، فاعتبر أنها تغني عن وجود الإله طالما كان كل شيء يتصارع مع نقيضه ويتطور تلقائيا ليرتقي، وكان يزعم أنه أنزل نظرية هيغل من السماء إلى الأرض فليس هناك وجود للجانب الروحي، ويقول “إن العقل موجود، ولكن المادة موجودة قبل العقل، والعقل مرآة تنعكس عليها صور المادة”، فما دامت المادة موجودة قبل العقل -حسب افتراضه غير المبرهن- فقد جعل من ذلك مبررا لافتراض عدم وجود الخالق، وهكذا جعل ماركس كل شيء في الوجود ناتج عن انعكاسات المادة على مرآة العقل، بما فيها الإله والدين والخلق والسياسة والفكر.

ثم حاول ماركس أن يطبق نظرية هيغل على التاريخ البشري الذي اعتبر أنه يعيش صراعا حتمياً لا بد منه، فوضع نظرية “صراع الطبقات” كما سنبين لاحقا عند الحديث عن الشيوعية.

وتنقسم الفلسفة الماركسية إلى محورين، أما المحور الأول فهو المادية الجدلية (الديالكتيكية)، وهي بدورها تقوم على عنصرين:

1ـ المادية: ترى أن كل شيء في العالم مادي، فالمادة موجودة بشكل موضوعي خارج الوعي، ووجودها مستقل عن الإنسان، وهي غير مخلوقة ولا تفنى، فهي سبب وأصل كل الموجودات، وهذا هو مبدأ الإلحاد.

2ـ الجدلية (الديالكتيك): تفترض الصراع المستمر بين الشيء ونقيضه، وعندما يرتبط هذا الجدل (الصراع) بالمادة فهو يؤلّهها ويجعلها أصلا لكل شيء، بما في ذلك الوعي والروح.

وأما المحور الثاني فهو المادية التاريخية، حيث تعتبر الماركسية أن الوجود الاجتماعي (العلاقات الاقتصادية التي تنشأ بين الناس) هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي (الجانب الفكري والديني والأخلاقي)، إذن فالحياة المادية هي التي تحدد دين المجتمع وأفكاره وآراءه السياسية.

القسم الثاني: الشيوعية

النظام الشيوعي هو التطبيق العملي للفلسفة الماركسية، وكما أوضحنا فالماركسية تقيم الوجود كله على أساس مادي بحت، وتعتبر أن تطور الحياة البشرية يتم بآلية حتمية كتطور الحياة الطبيعية، وأن عقل الإنسان نفسه ليس سوى انعكاس للمادة، وهي تنكر أي بُعد روحي أو ميتافيزيقي (ماورائي أو غيبي) للحياة الإنسانية، لذا ترفض الماركسية الأديان جميعاً وترى أنها أداة لتخدير الناس، فكان ماركس يقول “الدين أفيون للشعوب”.

بناء على ما سبق، ترى الماركسية أن السبيل الوحيد لضمان السعادة وقيام مجتمع متآلف يكون بوضع العمال في مركز السيطرة، وبرر ماركس وإنغلز هذه القاعدة انطلاقا من معاناة العمال الشديدة في الأنظمة الرأسمالية بالدول الأوروبية الكبرى مثل فرنسا وإنجلترا وألمانيا، حيث كانت الثورة الصناعية في أوجها، وكان معظم عمال المصانع والمناجم يتقاضون أجوراً زهيدةً ويعملون ساعات طويلة في ظروف غير صحية، وهي ظروف تختلف تماماً عما آلت إليه الرأسمالية لاحقاً في القرن العشرين حيث أصبح العمال والموظفون ينعمون برفاهية أكثر بكثير مما يحلم به زملاؤهم في الدول الاشتراكية والشيوعية.

ولتبرير نظريته ومنحها صفة العلم، زعم ماركس أن التاريخ البشري يخضع لصيرورة حتمية لا فكاك منها، وأنه يسير وفقا للمراحل التالية:

1- مجتمع الملوك القديم: حيث تتصارع طبقة الملوك وحاشيتهم مع طبقة العبيد والفقراء، كما تتصارع القضية مع نقيض القضية (وفقا للنظرية الجدلية)، ومن خلال الصراع ينشأ مجتمع جديد هو المجتمع الاقطاعي.

2- المجتمع الإقطاعي: يتصارع الملاكون مع الفلاحين والعبيد، ومن خلال الصراع ينشأ مجتمع جديد هو المجتمع الرأسمالي.

3- المجتمع الرأسمالي: يتصارع البرجوازيون (مالكو المصانع والمزارع) مع البروليتاريا (العمال)، فينتقل المال من البرجوازيين إلى العمال ثم إلى الدولة التي هي (القضية ومقابل القضية)، وينشأ بذلك المجتمع الشيوعي.

وهنا يزعم ماركس أن الجدلية ستتوقف تلقائيا، وذلك لزوال الملكية -التي هي محور الصراع- وزوال الطبقات التي تتصارع عليها.

ويمكن تلخيص النظرية بالقول: إن كل مجتمع يحتوي على نقيضه الذي يسقطه ويقوم مقامه، والمجتمع الجديد يحتوي أيضاً على نقيضه الذي سيسقطه ويحل محله، وهكذا دواليك، إلى أن يقوم المجتمع الشيوعي الذي لا يحوي نقيضاً، ولذلك هو دائم وأبدي. وهذا تناقض غير مبرر، إذ ينبغي أن تؤدي نظريته إلى افتراض أن يكون المجتمع الشيوعي خاضعا للصيرورة نفسها وليس أن يكون هو نهاية التاريخ.

يفترض ماركس أن كل مجتمع جديد خير من سابقه لأنه متقدم عليه، فآلة الإنتاج الجديدة أفضل من سابقتها، ومجتمعها أفضل كذلك، ويضرب ماركس مثالاً على تغير الأخلاق بتغير آلة الانتاج فيقول إن الرجل في المجتمع القديم (مجتمع الصيد) كان هو الذي يحصل على المال، والمرأة لا تستطيع الصيد، فمكانتها كانت محتقرة اجتماعيا، ثم جاء المجتمع الإقطاعي الذي أصبحت المرأة تشارك فيه ولو مشاركة بسيطة في الأعمال الزراعية فارتفعت مكانتها، ولكن معظم الأعمال في هذا المجتمع تعتمد على عضلات الرجل، ما حرم المرأة من استمتاعها بحريتها الجنسية فنشأت حرمة الزنا ومنع تعدد الأزواج للمرأة الواحدة. أما عندما صار المجتمع رأسماليا وأصبحت المرأة مستقلة اقتصاديا لأنها تستطيع إدارة الآلة كالرجل تماما فقد مارست حريتها الجنسية، وأصبح الجنس مباحاً.

ويعتمد ماركس على مفهوم “فائض القيمة” الذي اقتبسه من مفكرين سابقين وبنى عليه فلسفته الاقتصادية، فهو يفترض أن العمال لا يتقاضون الأجر العادل عن أعمالهم، لأن الأرباح أصلا هي الفائض عن عمل العمال، فكل من يمتلك هذا الربح (الرأسمالي الذي يملك المزرعة أو المصنع) يكون ظالما وغاصبا لجزء من عملهم، لذا فإن العدل يقتضي -حسب ماركس- إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج (المزارع والمصانع) حتى يصبح العمال (الشعب كله) هم المالكون والعاملون والمنتجون والرابحون في الوقت نفسه، وبطريقة شيوعية مشتركة يتساوى فيها الجميع بحيث لا تبقى هناك سوى طبقة واحدة وهي العمال.

ولا تقبل الشيوعية بالتعايش مع الرأسمالية، فالشيوعي لا يرى المجتمع إلا بوصفه ساحة للصراع بين البرجوازية والبروليتاريا، وبما أن الشيوعي مادي بحت فهو لا يفهم تطور التاريخ البشري إلا من خلال دراسته لإنتاج السلع، فمالكو المصانع والمزارع والمناجم ووسائل الإنتاج الأخرى هم الطبقة الحاكمة بسبب نفوذهم الاقتصادي، والصراع الطبقي هو الوسيلة التي يمكن بوساطتها الانتقال بالتاريخ من مرحلة إلى أخرى، ولا اعتبار لدى الشيوعية لأي معيار إنساني آخر في التطور والحراك الاجتماعي والثورات والحروب مثل العوامل الدينية والأخلاقية، وهذه نتيجة طبيعية للإلحاد.

وبما أن النظرية تؤمن بأن حصول أي مالك مصنع أو مزرعة على ربح يعني الظلم، فلا بد من الثورة والعنف، وهذا لا يحدث حسب رأي ماركس بالتحريض فقط، بل هو نتيجة حتمية لا بد من وقوعها طالما أن العمال يزدادون شقاءً مع ازدياد الرأسماليين تضخماً.

البيان الشيوعي

كما لا تقبل الشيوعية بالتعايش مع الدين، ولا مع الأنظمة الاجتماعية التي كانت قائمة في أي مكان بالعالم قبل أن يبدأ ماركس بالتنظير، لذا لم يتردد مع صديقه إنغلز في المطالبة بإلغاء النظام الأسري في “البيان الشيوعي”، حيث اعتبرا أن الشيوعية “الحتمية” ستؤدي عند انتصارها إلى استغناء الإنسان عن الزواج التقليدي، وسيصبح إنجاب الأطفال مشاعا، لتتولى الدولة تربيتهم، وفيما يلي نص مقتبس من كتابهما الذي تغلب عليه النبرة الخطابية:

“وإلغاء العائلة! حتى أكثر الراديكاليين تطرفا تثور ثائرتهم على هذا القصد الدنيء للشيوعيين.

فعلامَ ترتكز العائلة الراهنة، العائلة البرجوازية؟ على رأس المال والتملك الخاص، وهي لا توجد بتمام تطورها إلا بالنسبة إلى البرجوازية، لكنها تجد تكملتها في الحرمان القسري من العائلة، بالنسبة للبروليتاري، وفي البغاء العلني.

والعائلة البرجوازية تضمحل طبعا باضمحلال تكملتها، فلكتاهما تزولان بزوال رأس المال.

أتأخذون علينا أننا نريد إلغاء استغلال الآباء والأمهات لأبنائهم؟ هذه الجريمة نعترف بها..”. [البيان الشيوعي، ص15].

كما شرح إنغلز رؤيته لتحرر المرأة وتفكيك النظام الأسري في مؤلفه “أصل العائلة والملكية الفردية والدولة”، فمن منطلق الشيوعية الإلحادي أسقط إنغلز المفاهيم الروحية الشائعة لدى كل الثقافات للحياة الأسرية وخصوصية المرأة، وأعاد صياغتها على أساس مادي يقصر الحياة على الإنتاج المادي للسلع، مع التسليم المسبق بالمساواة المطلقة بين الجنسين.

وبناء على هذه المفاهيم، رأى ماركس وإنغلز أنه لا بد أيضاً من تطبيق “دكتاتورية البروليتاريا” عند انتصار الثورة لتطهير المجتمع من البرجوازيين ورجال الدين، وبعدها سيستقر الأمر للبروليتاريا وتزول الدولة طبيعياً لعدم الحاجة إليها، ويدار المجتمع الشيوعي اللاطبقي بلجان عمالية بلا شرطة كالجماعات البدائية الأولى (قبل التاريخ)، وسيعيش كل فرد في سلام ورخاء وحرية، ولن تتوقف الثورة العمالية حتى تحطم الإمبريالية (الاحتلال الخارجي) والبرجوازية في العالم وتسود حكومة البروليتاريا العالم كله.

ولتحقيق ذلك، لا بد من تأجيج نار الحقد وإثارة روح الانتقام في قلوب العمال ضد الرأسماليين ورجال الدين في كل مكان، وعليه فإن الرحمة والبر لا تناسب الثوري والشيوعي، حيث يقول ماركس “إنه لا مفر من أن يكون المحرومون من الامتياز مستائين، ومن أن يكونوا أغلبية، وبذلك ينتشر عدم الاستقرار والثورات وحرب الطبقات، وليس الباعث على هذه العملية مبدأ من مبادئ العدالة، وإنما المبدأ السلبي المحض، مبدأ العداء”.

وأكد ماركس مرارا أن هذه التنبؤات تحمل صفة علمية تشبه مثيلاتها في العلوم الطبيعية، فهي حسب زعمه حتمية تاريخية وجبرية لا مفر منها وليست مجرد رأي فلسفي، وكأنه أراد بذلك أن يضع نهاية للفلسفة كما ظن أنه يضع نهاية للتاريخ البشري، ولم يكن يعلم أن علماء الفيزياء الذين جاؤوا بعده بنصف قرن أنكروا حتمية العلم التجريبي نفسه، حيث تؤمن فلسفة العلم الحديثة -والتي يعد الفيلسوف كارل بوبر من روادها- بأن العلم لا يمكنه أن يملك صفة الحتمية.

لم ينتبه ماركس وإنغلز إلى أن العمل البشري له طبيعة تختلف عن أي عمل آخر، فهو ينتج بذاته قيمة فائضة، أي أن الربح الذي ينتج عن العمل الزراعي أو الصناعي أو الحرفي أو الخدمي ليس جزءا من عمل العامل يغتصبه مالك وسيلة الإنتاج، بل هو نتيجة فائضة عن العمل ويمكن لمن يستأجر عمل العامل مقابل أجر أن يحصل عليها، فالربح نتيجة طبيعية عن العمل البشري لأن البشر ليسوا مجرد آلات كما كان يتوهم ماركس، بل هم كائنات مبدعة تضفي على المواد الأولية قيمة إضافية لها ثمن (ربح)، ومن الطبيعي جدا أن يحوّل الإنسان المبدع كتلة من الحديد والبلاستيك إلى سيارة مثلا، لأنه أضفى عليها خبرة ومهارة وعلماً وذكاءً، وهذه كلها من المواهب التي وهبها الله للإنسان وحده دون غيره.

الاشتراكية
الاشتراكية مذهب اقتصادي يشكل الأساس الفكري الذي أقام عليه ماركس نظامه الشيوعي، فالاشتراكية أقل تطرفا وعنفا، ولا تمتد إلى توجيه المجتمع ونظام الحكم بل تقتصر على توجيه السياسة الاقتصادية بتركيزها على تقليل الفروق بين الطبقات ومكافحة الرأسمالية.

مع أن الشيوعية كانت تلقى مقاومة رسمية وإعلامية عنيفة في الغرب إلا أن الاشتراكية تمكنت من إثبات وجودها وصولا إلى الحكم في بعض الدول الأوروبية، وفي الصورة نجد مظاهرة للاشتراكيين في نيويورك عام 1912

تتفق الاشتراكية مع الشيوعية على ضرورة توزيع السلع والخدمات على أفراد الشعب وعدم احتكارها، ولكن هناك اختلاف في الطريقة، فكان الاشتراكيون قبل ماركس يرون أن يتم التوزيع على أساس حجم مساهمة الفرد في الإنتاج، وفقا لقاعدة “من كلٍ حسب طاقته ولكلٍ حسب عمله”، وهذه معادلة عادلة من حيث مكافأة كل عامل بالقدر الذي يقدمه، لكن ماركس اشترط في نظامه الشيوعي أن يكون التوزيع على قدر حاجة الإنسان وليس بناء على مساهمته حتى لو كان ينتج أكثر من بقية العمال، وأصبحت القاعدة “من كلٍ حسب طاقته ولكلٍ حسب حاجته”.

ترى الاشتراكية أيضا أنه يمكن التعايش مع الرأسمالية تحت مظلة دولة اشتراكية طالما كان الرأسماليون خاضعين لنظام تخطيط مركزي يحول دون الاحتكار، أما الشيوعية فهي نظام ثوري (راديكالي) يشترط التخلص من سيطرة الرأسماليين على وسائل الإنتاج وقلب نظام الحكم، بل تشترط اشيوعية أيضا تقليص عدد أفراد العاملين في الحكومة والتخطيط إلى أقل عدد ممكن، وهو الأمر الذي مهد نظريا للاستبداد المطلق في كل الدول التي أخذت بهذا النظام.

اعتبر ماركس أنه نقل الاشتراكية من الخيال إلى الواقع، وأنه طوّر الاشتراكية الخيالية -التي نظّر لها مفكرون فرنسيون مثل سان سيمون- وجعل منها “اشتراكية علمية”، واعتبر أيضا أن اشتراكيته مرحلة حتمية قياسا على “حتمية” العلم التجريبي كما كان شائعا في القرن الثامن عشر. لكن الواقع كشف أن الشيوعية التي نادى بها لم تنجح في الاستمرار ولم تكن حتمية، وأن الدول التي طبقت الاشتراكية بدلا من الشيوعية كانت أطول عمرا.

نقد الفلسفة الماركسية
سنبين باختصار أهم ثلاث ثغرات فلسفية يعجز الماركسيون عن معالجتها:

1- فرضية أن المادة أساس الوجود والحياة، فهي بذلك أقدم الموجودات وأزلية (بلا بداية)، وهذه دعوى بلا دليل، فمع أن المادة وجدت قبل الإنسان، لكن ذلك لا يعني أن الروح الإنسانية طاقة مادية متطورة، وهذا لا ينفي وجود أرواح قديمة سبقت الإنسان والحيوان في الوجود.

كما ينشأ عن هذا الافتراض القول بأن المادة مستقلة في الوجود عن وعي الإنسان وإدراكاته، وهذا قول يبطل قواعد العلم، ويقود إلى الشك حتى في المسلّمات المجربة. ولا بد من التوضيح أن اليقين بوجود الأشياء خارج نطاق الذهن شيء، واليقين بكيفية الإحساس بها شيء آخر، فلا ينقض أحدهما الآخر، وهناك تفاعل مستمر بين الفكر والمادة، فالمادة مستقلة في وجودها عن الوعي، لكن إذا ظهر الوعي أخذ الكثير من المواد الخام حوله فأثر بها تطويراً وتحويراً، وكما يقول الماديون: “الكائن لا بد أن يكون مبتدأ، والفكر لا بد أن يكون خبراً، والفكر دائما أخص من الكائن، فحيثما وجد الفكر؛ وجد معه الكائن، ولا يشترط أنه حيثما وجد الكائن وجد معه الفكر”.

ومن نتائج هذه الفرضية أيضا القول بأن خصائص المادة غير متناهية وأنها تنتهي إلى طاقة، وذلك من خلال تفكيك أجزاء الذرة، وهذا الجدل كان قائما قبل عقود بين الفيزيائيين لمحاولة اكتشاف حقيقة مكونات الذرة الدقيقة، وهل هي جسيمات أم موجات، لكن نقل هذا الخلاف إلى الفلسفة يصبح خلافا لفظيا لا قيمة له، فمهما بحثنا في المادة لن نجد روحاً ولا حياةً ولا وعياً ولا إحساساً، لذلك لم يجرؤ أحد أن يقول: إن المادة هي الحياة!

2- التغاضي عن الجانب العاطفي من حياة الإنسان، وذلك بسبب إنكار الفلسفة الماركسية المسبق لوجود الروح وردّ كل جوانب الحياة إلى المادة، حيث اضطر منظرو الماركسية إلى تجنب البحث في الكثير من المعضلات التي تنشأ عن افتراض الأصل المادي لكل الجوانب الإبداعية في حياة الإنسان، فالمشاعر تغالب عنفوان الرغبات الاقتصادية من جوع وعطش حتى تغلبها، بل إن المرء قد يذكر صباه البائس فيحن إليه بالرغم من رغد العيش الذي تحصل عليه في كبره، كما تتنوع المشاعر كحب الطرب مثلاً لنسأل: ما علاقة هذا بالإنتاج ووسائله؟ فنحن نقرأ في كتب التاريخ عن مشاعر الناس وعلاقاتهم الروحية المتسامية أكثر مما نقرأه عن طعامهم وشرابهم، بل كثيرا ما يضحي المرء بأسباب عيشه وقوته في سبيل تلك الوجدانيات.

ونتساءل أيضا: لماذا صارع ماركس نفسه للزواج من جيني حفيدة الدوق دير برونشويك مع أنه كان بإمكانه إيجاد البديل الجنسي عند غيرها من الفتيات؟ ولماذا رأى الدنيا فراغاً أمام فتاته هذه؟ ألا يدل ذلك على مكانة الروح من الإنسانية واستقلالها عن المادة سواء رضي الماديون أم سخطوا؟

3- معضلة الأخلاق وعلاقتها بالمادة، حيث تشكل الأخلاق صمام الأمان أمام غرائز النفس والجسد، وبما أن الحياة عند الماركسيين هي صراع على العيش فما الذي دفع الإنسان القديم إلى إقامة شكل من أشكال التضامن مع أبناء جنسه، وإلى اقتسام الثروات بنوع من العدل بحسب توافقهم، وبأي دافع يقدم المعونة للآخرين؟

لقد وقعت شعوب كثيرة تحت الاحتلال وكانت تجد قوتها، لكن حافز الكرامة أبى عليها الخنوع، وكم من ملك ضحى بحياته في ساحات الجهاد، وكم من عالم أفنى عمره في محراب العلم، وكم من سخي بذل ما يملك للضيوف، لكن الماركسيين يصرون على تسخيف الأخلاق والقيم الإنسانية عندما تكون بعيدة عن تطوير الحياة الاقتصادية.

نماذج تطبيقية

مع أن ماركس تنبأ بظهور الشيوعية “حتماً” في الغرب الرأسمالي بعد وصول صراع الطبقات إلى ذروته، إلا أنها لم تُطبق إلا في الدول التي لم تكن قد جربت الرأسمالية بعد، والعجيب أنها فُرضت على الشعوب فرضا ولم تكن نتيجة لثورة العمال على البورجوازية، كما أن الأنظمة التي طبقتها اتخذتها وسيلة لتحقيق السلطة المطلقة وليس لمصلحة الشعوب، ثم انهارت تلك الأنظمة الشيوعية أو تم تعديلها جذريا لتتواءم مع النظام الرأسمالي الذي بات يسيطر على العالم، وعندما وقع النظام الرأسمالي في أزمته الأخيرة عام 2008 تفاءل الشيوعيون بقرب تحقق نبوءة ماركس، ولكن الثورة “الحتمية” المزعومة لم تحدث بعد. وسنستعرض فيما يلي أهم النماذج الشيوعية.

لينين

النموذج الروسي:
كانت روسيا محكومة بنظام ملكي وراثي على مدى قرون، وكان آخرهم القيصر نيقولا الثاني الذي حكم منذ 1894 وحتى الإطاحة به عام 1917. وكان الشيوعي فلاديمير لينين -الذي تذكر بعض المصادر أن أمه ماريا ألكسندر من أصول يهودية ألمانية- من زعماء المعارضة التي أثارت اضطرابات سياسية عديدة، ما أجبر القيصر على إجراء الكثيرة من الإصلاحات الاقتصادية، إلا أن الشيوعيين كانوا يسعون إلى الثورة وقلب نظام الحكم كله، مع أن النظام كان إقطاعيا وليس رأسماليا كما كان يُفترض وفقا لمراحل التطور الماركسي.

سافر لينين إلى سويسرا عام 1900 وتزعم حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي في الخارج، وعاد بعد خمس سنوات إلى روسيا ليشارك في التمرد ضد القيصر، وفي عام 1908 توجه مجددا إلى سويسرا ثم إلى باريس، وأسس الحزب البلشفي الشيوعي، وكان “البلاشفة” يعتقدون أن الوصول للسلطة يحتاج إلى ثورة دموية وعبر تنظيمات سرية، ومع انفجار الحرب العالمية الأولى 1914 نالوا فرصتهم، حيث حلموا بتحويل الحرب العالمية إلى حروب أهلية ضد الحكومات الرأسمالية، وحصدت الحرب 10 ملايين إنسان، وفقدت روسية مليونين منهم في أول ثلاث سنوات.

وبالفعل قامت الثورة في روسيا سنة 1917، فتمرد الجيش على الحكومة، وترك القيصر جبهة القتال ليعود إلى العاصمة بتروغراد فأوقف الثوارُ القطارَ الذي كان يقله.

أعطى لينين من منفاه أمراً لأتباعه البلاشفة بالهجوم على المقرات المؤيدة للقيصر، وبدأت حرب داخلية استمرت ثلاث سنوات، وأنشأ البلاشفة الجيش الأحمر الذي بدأ عهده بإعدام القيصر وأفراد عائلته، ودمرت المدن التي لم تؤيد النظام البلشفي، وأمر لينين أنصاره بإعدام كل من يعارضهم، فأُعدم عشرات الألوف من البشر بحجة الخروج على القانون.

لوحة تمجد البلشفية

وصف الكاتب الروسي مكسيم غوركي وحشية البلاشفة بقوله “قام الشيوعيون في تامبوف بتثبيت الرِجْل اليسرى واليد اليسرى للمعتقلين بالمسامير على خشبة علوها متر، أو على مسامير سكة الحديد ثم تابعوا تعذيبهم بسرور بالغ فبقروا بطونهم وأخرجوا أمعاءهم الدقيقة بعد أن كانوا يثبون أطرافهم على الأشجار ويتابعون تفكيك هذه الأمعاء وسلخ جلود المواطنين المعتقلين مبتدئين بأكتافهم”.

كان معظم قادة الثورة البلشفية من اليهود، وعلى رأسهم لينين وتروتسكي، وعندما تولى الشيوعيون الحكم تبين أن جميع أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الاثني عشر يهودا، وقد أكد الباحث الراحل عبد الله التل أن 170 من بين رفاق لينين في الثورة كانوا يهودا من بين 224 رفيقا، وأن نسبة اليهود في مناصب الحزب والدولة بشكل عام في الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية وصلت إلى 95% مع أن نسبتهم إلى عدد السكان لا تتجاوز 2%.

كما جمع الباحث نهاد الغادري تفاصيل عن 88 شخصية يهودية في القيادات العليا للحركة الشيوعية وقال إن هؤلاء ليسوا سوى أمثلة على قائمة تضم ستة آلاف يهودي لعبوا الدور الرئيس في تمكين الشيوعية.

سياسة لينين
لما تسلم البلاشفةُ الحكم كان أغلب سكان روسيا في الأرياف، ولم يكن ما ينتجه الفلاح يكفي عائلته من الطعام، فشتاء روسية قاسٍ لا يساعد على الزراعة.

أصدر لينين قراراً بنزع الملكية الخاصة ووضع يد الدولة على المحاصيل، فأغارت شرطة “جيكا” العنيفة على المزارع وجمعت المحاصيل والحيوانات بقوة السلاح، حيث يصف أحد المفتشين تلك الإجراءات بقوله إن أعمال القوات الخاصة المغتصبة بلغت درجة لا يتخيلها العقل، فكان القرويون المعتقلون يُحشَدون في حظائر الحيوانات ويُضربون بالسياط، ومن يقصّر منهم في إعطاء ما لديه للبلاشفة تربط يداه وذراعاه، ويُؤمر بالركض عاريا في الطريق العام، ثم يُرمى به في حظيرة باردة، بعد أن يُضرب حتى الإغماء.

وفي عام 1921 قرر لينين أن يسلب من القرويين البذار أيضا، حتى ما عادوا قادرين على الإنتاج، فبدأ القحط بعد عام وتشرد 29 مليون إنسان، ومات خمسة ملايين جوعاً، وكان لينين يتابع ذلك بشغف، حيث يُنقل عنه قوله “إن الجوع سيقربنا إلى أهدافنا، بوصولنا إلى الاشتراكية التي هي عهد ما بعد الرأسمالية، فالجوع لا ينهي اعتقاد الناس بالقيصر فحسب بل سينهي الاعتقاد بالله أيضاً”.

وكتب لينين رسالة إلى أعضاء المكتب السياسي يقول فيها “إن الموقف لصالحنا في حال وجد مئات الآلاف من الجثث على الطرقات، سيمكننا الاستيلاء على ممتلكات الكنيسة وأموال رجال الدين بقوة ودون شفقة أو رحمة، ولهذا ينبغي أن نضع أيدينا على أملاكها، فاليأس الناتج عن الجوع هو الأمل الذي سيجعل المجتمع يقابلنا بابتهاج، أو سيجعله على الأقل على الحياد”.

وأظهرت السجلات السوفييتية المنشورة فيما بعد أن لينين تعمَّد إزهاق حياة خمسة ملايين بالجوع، وأكد ذلك المؤرخ والأستاذ في جامعة هارفارد “ريتشارد بايبس” حيث قال في كتابه “لينين المجهول” إن لينين لم يكن يحمل أي شعور طيب للإنسانية بل يحمل إحساس الإذلال والتحقير، فليس للإنسانية عنده معنى، وأضاف أن سبب هذا الشر هو اعتقاد البلاشفة بالفلسفة المادية التي ترى أن الإنسان نوع من الحيوانات وينبغي معاملته بدون شفقة، وأن تطور النوع البشري مرهون بشدة الصراع بين الطبقات.

تجارب بافلوف على الكلاب تم تطبيقها على البشر

لذا اتبع لينين أساليب “حيوانية” في ترويضه لشعبه، ووجد ضالته لدى العالم الروسي إيفان بابلوف الحاصل على جائزة نوبل، وهو صاحب نظرية الفعل اللاإرادي الشرطي عند الحيوانات، حيث قال له لينين إنه يريد تطبيقها على المجتمع الروسي بحيث يصبح العقل مبرمجا وفقا للنظام الشيوعي، ما تسبب بصدمة لدى بابلوف.

استندت الشيوعية أيضا إلى نظرية التطور التي وضعها تشارلز داروين، فهي ترى أن جميع الكائنات الحية تطورت عبر ملايين السنين عن خلايا بدائية، وتُرجم كتاب أصل الأنواع لداروين أواخر القرن التاسع عشر إلى اللغة الروسية، وأصبح الشيوعيون من كبار منظري التطبيقات الداروينية في العلوم الاجتماعية، حيث استفادوا منها في تبرير المجازر والتطهير العرقي بحق الملايين على اعتبار أن البقاء للأقوى، فمن لا يقوى على الاستمرار في التنافس المحموم على الصناعة والزراعة -ولاسيما في ظل السباق مع الغرب- لا يستحق أن يعيش.

حاول الشيوعيون السوفييت أيضا تطبيق مبادئ ماركس وإنغلز في تدمير النظام الأسري وتطبيق المساواة التامة بين الجنسين، فأكرهوا النساء على العمل في المهن الشاقة والخطرة، لكنهم لم ينجحوا في القضاء على الأسرة، حيث لم يجدوا نظاما بديلا حتى على صعيد التنظير الفكري، فقال تروتسكي في كتابه “المرأة والأسرة”: «لا يمكنك أن تقضي على الأسرة؛ بل يجب عليك أن تعوضها. إن التحرر الحقيقي للنساء مستحيل التحقيق على قاعدة الفقر المدقع».

وكانت النظرية الشيوعية تقتضي إنشاء مطاعم ومغاسل وورشات إصلاح عمومية، ومؤسسات للرعاية الاجتماعية وتنشئة الأطفال، وغير ذلك من المؤسسات الحكومية التي تحرر المرأة مما اعتبروه عبودية للبيت والأسرة وتحولها إلى عضو حر من أعضاء الطبقة العاملة، وهو الأمر الذي اعترف الشيوعيون باستحالة تطبيقه.

تفاقمت إصابة لينين بالشلل عام 1922، فأمضى شهورا طويلة على كرسي متحرك، ثم فقد الاتزان في كلامه وأصبح منظره مفزعا، ومات في أوائل عام 1924، فقرر الحزب الشيوعي تحنيط جسده، وكان من حملة نعشه جوزف ستالين الذي حكم الاتحاد السوفييتي أكثر من ثلاثين سنة، وكادت دمويته أن تنسي الناس وحشية لينين.

المنزل الريفي الذي نشأ فيه ستالين ببلدة غوري في جورجيا (السبيل)

السيطرة على وسائل الإنتاج
عمل ستالين في سنواته الأولى على التخلص من منافسيه، فنفى ليون تروتسكي إلى خارج البلاد، واستكمل سياسة سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج، بينما قدمه الإعلام على أنه صانع النهضة الزراعية والصناعية للبلاد.

أخفى بعض الفلاحين جزءا من محاصيلهم في مخازن سرية، لكن الجيش الأحمر كان يسارع إلى اكتشافها ومعاقبة الفلاحين، ومات حوالي ستة ملايين إنسان جوعاً، حتى انتشرت ظاهرة أكل لحوم البشر، ورويت قصص مرعبة عن أكل الجيف، بل وقتل الأطفال للتغذي على لحومهم.

بموازاة ذلك، طبق نظام ستالين سياسة رقابة شديدة على البشر، فكانت السلطات تقتل البعض بمجرد الاشتباه باستيائهم من الأوضاع المزرية فضلا عن كونهم معارضين للنظام، كما أُعدم كثير من رجال الدين والمتدينين، وكان يُرسَل الملايين إلى معسكرات العمل المنتشرة في أنحاء البلاد للعمل في ظروف غير إنسانية أودت بحياة الكثيرين، حتى أصبحت ظروف العمل القاسية في الدول الرأسمالية التي انتقدها ماركس بمنتصف القرن التاسع عشر أكثر رحمة بكثير من مثيلتها في العالم الشيوعي.

وثق الدكتور محمد علي البار في هذا الكتاب مأساة المسلمين في ظل الحكم الشيوعي

أما المسلمون فكان نصيبهم من الاضطهاد مضاعفا، حيث طرد ستالين أربعمئة ألف مسلم من القرم والقفقاز في يوم واحد، وهو 18 أيار 1944، وأرسلهم إلى مناطق بعيدة أو إلى معسكرات العمل، حتى مات أكثر من نصفهم في الطريق، كما ارتكبت الشرطة السرية مجازر كثيرة بحق المسلمين.

في عام 1934م، ألقى ستالين خطاباً أكد فيه أن سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج كانت ناجحة جداً، وصفق له الحاضرون بحرارة، وصعد المقربون منه إلى المنصة ليكيلوا له المديح على عبقريته. وبعد إجراء الاقتراع السري لم يوافق على سياسته سوى 1300 مندوب من أصل 1900، فأًصيب ستالين بالصدمة، وأُلغيت الانتخابات لتعاد ثانية ويُنتخب ستالين سكرتيراً عاماً للحزب الشيوعي بالإجماع.

قرر ستالين معاقبة المندوبين الذين لم يصوتوا له في البداية، فقتل حوالي ألفا منهم خلال عدة أشهر، وذلك عبر سلسلة اغتيالات نفذتها الشرطة السرية، كما دُبر اغتي